الآية ٧٨ من سورة القصص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٧٨ من سورة القصص

قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىٓ ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِۦ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةًۭ وَأَكْثَرُ جَمْعًۭا ۚ وَلَا يُسْـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ ٧٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 154 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٨ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٨ من سورة القصص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن جواب قارون لقومه ، حين نصحوه وأرشدوه إلى الخير ( قال إنما أوتيته على علم عندي ) أي : أنا لا أفتقر إلى ما تقولون ، فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا المال لعلمه بأني أستحقه ، ولمحبته لي فتقديره : إنما أعطيته لعلم الله في أني أهل له ، وهذا كقوله تعالى : ( فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم ) [ الزمر : 49 ] أي : على علم من الله بي ، وكقوله تعالى : ( ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي ) [ فصلت : 50 ] أي : هذا أستحقه .

وقد روي عن بعضهم أنه أراد : ( إنما أوتيته على علم عندي ) أي : إنه كان يعاني علم الكيمياء : وهذا القول ضعيف ; لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل ; لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله عز وجل ، قال الله : ( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ) [ الحج : 73 ] ، وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " يقول الله تعالى : ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ، فليخلقوا ذرة ، فليخلقوا شعيرة " .

وهذا ورد في المصورين الذين يشبهون بخلق الله في مجرد الصورة الظاهرة أو الشكل ، فكيف بمن يدعي أنه يحيل ماهية هذه الذات إلى ماهية ذات أخرى ، هذا زور ومحال ، وجهل وضلال .

وإنما يقدرون على الصبغ في الصورة الظاهرة ، وهو كذب وزغل وتمويه ، وترويج أنه صحيح في نفس الأمر ، وليس كذلك قطعا لا محالة ، ولم يثبت بطريق شرعي أنه صح مع أحد من الناس من هذه الطريقة التي يتعاناها هؤلاء الجهلة الفسقة الأفاكون فأما ما يجريه الله تعالى من خرق العوائد على يدي بعض الأولياء من قلب بعض الأعيان ذهبا أو فضة أو نحو ذلك ، فهذا أمر لا ينكره مسلم ، ولا يرده مؤمن ، ولكن هذا ليس من قبيل الصناعات وإنما هذا عن مشيئة رب الأرض والسموات ، واختياره وفعله ، كما روي عن حيوة بن شريح المصري ، رحمه الله ، أنه سأله سائل ، فلم يكن عنده ما يعطيه ، ورأى ضرورته ، فأخذ حصاة من الأرض فأجالها في كفه ، ثم ألقاها إلى ذلك السائل فإذا هي ذهب أحمر .

والأحاديث والآثار [ في هذا ] كثيرة جدا يطول ذكرها .

وقال بعضهم : إن قارون كان يعلم الاسم الأعظم ، فدعا الله به ، فتمول بسببه ، والصحيح المعنى الأول ; ولهذا قال الله تعالى - رادا عليه فيما ادعاه من اعتناء الله به فيما أعطاه من المال ( أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ) أي : قد كان من هو أكثر منه مالا وما كان ذلك عن محبة منا له ، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم ; ولهذا قال : ( ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ) أي : لكثرة ذنوبهم .

قال قتادة : ( على علم عندي ) : على خير عندي .

وقال السدي : على علم أني أهل لذلك .

وقد أجاد في تفسير هذه الآية الإمام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، فإنه قال في قوله : ( قال إنما أوتيته على علم عندي ) قال : لولا رضا الله عني ، ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا المال ، وقرأ ( أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ) [ وهكذا يقول من قل علمه إذا رأى من وسع الله عليه يقول : لولا أنه يستحق ذلك لما أعطي ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) يقول تعالى ذكره: قال قارون لقومه الذين وعظوه: إنما أوتيتُ هذه الكنوز على فضل علم عندي, علمه الله مني, فرضي بذلك عني, وفضلني بهذا المال عليكم, لعلمه بفضلي عليكم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة ( قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) قال: على خُبْرٍ عندي.

قال: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) قال: لولا رضا الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا, وقرأ: ( أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ) ...

الآية.

وقد قيل: إن معنى قوله: ( عِنْدِي ) بمعنى: أرى, كأنه قال: إنما أوتيته لفضل علمي, فيما أرى.

وقوله: ( أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ) يقول جل ثناؤه: أو لم يعلم قارون حين زعم أنه أوتي الكنوز لفضل علم عنده علمته أنا منه, فاستحقّ بذلك أن يُؤتى ما أُوتي من الكنوز, أن الله قد أهلك من قبله من الأمم من هو أشد منه بطشا, وأكثر جمعا للأموال ; ولو كان الله يؤتي الأموال من يؤتيه لفضل فيه وخير عنده, ولرضاه عنه, لم يكن يهلك من اهلك من أرباب الأموال الذين كانوا أكثر منه مالا لأن من كان الله عنه راضيا, فمحال أن يهلكه الله, وهو عنه راضٍ, وإنما يهلك من كان عليه ساخطا.

وقوله: ( وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) قيل: إن معنى ذلك أنهم يدخلون النار بغير حساب.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا سفيان, عن عمر, عن قَتادة ( وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) قال: يُدْخلون النار بغير حساب.

وقيل: معنى ذلك: أن الملائكة لا تسأل عنهم, لأنهم يعرفونهم بسيماهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) كقوله: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ زرقا سود الوجوه, والملائكة لا تسأل عنهم قد عرفتهم.

وقيل معنى ذلك: ولا يسأل عن ذنوب هؤلاء الذين أهلكهم الله من الأمم الماضية المجرمون فيم أهلكوا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب ( وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) قال: عن ذنوب الذين مضوا فيم أهلكوا؟

فالهاء والميم في قوله: ( عَنْ ذُنُوبِهِمُ ) على هذا التأويل لمن الذي في قوله: ( أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً ) وعلى التأويل الأول الذي قاله مجاهد وقَتادة للمجرمين, وهي بأن تكون من ذكر المجرمين أولى؛ لأن الله تعالى ذكره غير سائل عن ذنوب مذنب غير من أذنب, لا مؤمن ولا كافر.

فإذ كان ذلك كذلك, فمعلوم أنه لا معنى لخصوص المجرمين, لو كانت الهاء والميم اللتان في قوله: ( عَنْ ذُنُوبِهِمُ ) لمن الذي في قوله: ( مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً ) من دون المؤمنين, يعني لأنه غير مسئول عن ذلك مؤمن ولا كافر, إلا الذين ركبوه واكتسبوه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال إنما أوتيته على علم عندي يعني علم التوراة .

وكان فيما روي من أقرأ الناس لها .

ومن أعلمهم بها وكان أحد العلماء السبعين الذي اختارهم موسى للميقات .

وقال ابن زيد : أي إنما أوتيته لعلمه بفضلي ورضاه عني .

فقوله : عندي معناه إن عندي أن الله تعالى آتاني هذه الكنوز على علم منه باستحقاقي إياها لفضل في وقيل : أوتيته على علم من عندي بوجوه التجارة والمكاسب ; قاله علي بن عيسى .

ولم يعلم أن الله لو لم يسهل له اكتسابها لما اجتمعت عنده .

وقال ابن عباس : على علم عندي بصنعة الذهب وأشار إلى علم الكيمياء .

وحكى النقاش : أن موسى عليه السلام علمه الثلث من صنعة الكيمياء ، ويوشع الثلث ، وهارون الثلث ، فخدعهما قارون - وكان على إيمانه - حتى علم ما عندهما وعمل الكيمياء ، فكثرت أمواله .

وقيل : إن موسى علم الكيمياء ثلاثة ; يوشع بن نون ، وكالب بن يوفنا ، وقارون ، واختار الزجاج القول الأول ، وأنكر قول من قال إنه يعمل الكيمياء ; قال : لأن [ ص: 290 ] الكيمياء باطل لا حقيقة له .

وقيل : إن موسى علم أخته علم الكيمياء ، وكانت زوجة قارون وعلمت أخت موسى قارون ; والله أعلم .قوله تعالى : أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله أي بالعذاب من القرون أي الأمم الخالية الكافرة من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا أي للمال ، ولو كان المال يدل على فضل لما أهلكهم ، وقيل : القوة الآلات ، والجمع الأعوان والأنصار ، والكلام خرج مخرج التقريع من الله تعالى لقارون ; أي أولم يعلم قارون أن الله قد أهلك من قبله من القرون .

ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون أي لا يسألون سؤال استعتاب كما قال : ولا هم يستعتبون فما هم من المعتبين وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ لقوله : فوربك لنسألنهم أجمعين قاله الحسن .

وقال مجاهد : لا تسأل الملائكة غدا عن المجرمين ، فإنهم يعرفون بسيماهم ، فإنهم يحشرون سود الوجوه زرق العيون وقال قتادة : لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم لظهورها وكثرتها ، بل يدخلون النار بلا حساب .

وقيل : لا يسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية الذين عذبوا في الدنيا .

وقيل : أهلك من أهلك من القرون عن علم منه بذنوبهم فلم يحتج إلى مسألتهم عن ذنوبهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فـ { قَالَ } قارون -رادا لنصيحتهم، كافرا بنعمة ربه-: { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي } أي: إنما أدركت هذه الأموال بكسبي ومعرفتي بوجوه المكاسب، وحذقي، أو على علم من اللّه بحالي، يعلم أني أهل لذلك، فلم تنصحوني على ما أعطاني للّه تعالى؟

قال تعالى مبينا أن عطاءه، ليس دليلا على حسن حالة المعطي: { أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا } فما المانع من إهلاك قارون، مع مُضِيِّ عادتنا وسنتنا بإهلاك من هو مثله وأعظم، إذ فعل ما يوجب الهلاك؟.{ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ } بل يعاقبهم اللّه، ويعذبهم على ما يعلمه منهم، فهم، وإن أثبتوا لأنفسهم حالة حسنة، وشهدوا لها بالنجاة، فليس قولهم مقبولا، وليس ذلك دافعا عنهم من العذاب شيئا، لأن ذنوبهم غير خفية، فإنكارهم لا محل له، فلم يزل قارون مستمرا على عناده وبغيه، وعدم قبول نصيحة قومه، فرحا بطرا قد أعجبته نفسه، وغره ما أوتيه من الأموال.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال ) يعني قارون ، ( إنما أوتيته على علم عندي ) أي : على فضل وخير علمه الله عندي فرآني أهلا لذلك ، ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني بغيره .

قيل : هو علم الكيمياء ، قال سعيد بن المسيب : كان موسى يعلم الكيمياء فعلم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم وعلم كالب بن يوقنا ثلثه وعلم قارون ثلثه ، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه وكان ذلك سبب أمواله .

وقيل : " على علم عندي " بالتصرف في التجارات والزراعات وأنواع المكاسب .

قوله تعالى : ( أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون ) الكافرة ( من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ) للأموال ( ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ) قال قتادة : يدخلون النار بغير حساب ولا سؤال ، وقال مجاهد : يعني لا يسأل الملائكة عنهم ، لأنهم يعرفونهم بسيماهم .

قال الحسن : لا يسألون سؤال استعلام وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال إنما أوتيته» أي المال «على علم عندي» أي في مقابلته وكان أعلم بني إسرائيل بالتوراة بعد موسى وهارون قال تعالى «أوَلم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون» الأمم «من هو أشد منه قوةً وأكثر جمعا» للمال: أي هو عالم بذلك ويهلكهم الله «ولا يُسأل عن ذنوبهم المجرمون» لعلمه تعالى بها فيدخلون النار بلا حساب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال قارون لقومه الذين وعظوه: إنما أُعطيتُ هذه الكنوز بما عندي من العلم والقدرة، أولم يعلم قارون أن الله قد أهلك مِن قبله من الأمم مَن هو أشد منه بطشًا، وأكثر جمعًا للأموال؟

ولا يُسأل عن ذنوبهم المجرمون؛ لعلم الله تعالى بها، إنما يُسْألون سؤال توبيخ وتقرير، ويعاقبهم الله على ما علمه منهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولكن قارون قابل هذه النصائح ، بالغرور وبالإصرار على الفساد والجحود فقال كما حكى القرآن عنه ( إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي ) .أى : قال قارون فى الرد على ناصحيه : إن هذا المال الكثير الذى تحت يدى ، إنما أوتيته بسبب علمى وجدى واجتهادى .

.

.

فكيف تطلبون منى أن أتصرف بمقتضى نصائحكم؟

لا .

لن أتبع تلك النصائح التى وجهتموها إلى ، فإن هذا المال مالى ولا شأن لكم بتصرفى فيه ، كما أنه لا شأن لكم بتصرفاتى الخاصة ، ولا بسلوكى فى حياتى التى أملكها .وهذا القول يدل على أن قارون ، كان قد بلغ الذروة فى الغرور والطغيان وجحود النعمة .ولذا جاءه التهديد المصحوب بالسخرية منه ومن كنوزه ، فى قوله - تعالى - : ( أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ) .والمقصود بهذا الاستفهام التعجيب من حاله ، والتأنيب له على جهله وغروره .أى : أبلغ الغرور والجهل بقارون أنه يزعم أن هذا المال الذى بين يديه جمعه بمعرفته واجتهاده ، مع أنه يعلم - حق العلم عن طريق التوراة وغيرها ، أن الله - تعالى - قد أهلك من قبله .

من أهل القرون السابقة عليه من هو أشد منه فى القوة ، وأكثر منه فى جمع المال واكتنازه .فالمقصود بالجملة الكريمة تهديده وتوبيخه على غروره وبطره .وقوله - سبحانه - : ( وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون ) جملة حالية .أى : والحال أنه لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون سؤال استعتاب واستعلام ، لأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شىء .

وإنما يسألون - كما جاء فى قوله - تعالى - ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) - سؤال توبيخ وإفضاح .فالمراد بالنفى فى قوله - سبحانه - ( وَلاَ يُسْأَلُ .

.

.

) سؤال الاستعلام والاستعتاب ، والمراد بالإثبات فى قوله : ( فَلَنَسْأَلَنَّ ) أو فى قوله : ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُم ) سؤال التقريع والتوبيخ .أو نقول : إن فى يوم القيامة مواقف ، فالمجرمون قد يسألون فى موقف ، ولا يسألون فى موقف آخر ، وبذلك يمكن الجمع بين الآيات التى تنفى السؤال والآيات التى تثبته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن نص القرآن يدل على أن قارون كان من قوم موسى عليه السلام، وظاهر ذلك يدل على أنه كان ممن قد أمن به ولا يبعد أيضاً حمله على القرابة، قال الكلبي: إنه كان ابن عم موسى عليه السلام، لأنه كان قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى، وموسى بن عمران بن قاهث بن لاوى وقال محمد بن إسحاق إنه كان عم موسى عليه السلام، لأن موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث وقارون بن يصهر بن قاهث.

وعن ابن عباس أنه كان ابن خالته، ثم قيل إنه كان يسمى المنور لحسن صورته وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة، إلا أنه نافق كما نافق السامري.

أما قوله: ﴿ فبغى عَلَيْهِمْ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أنه بغى بسبب ماله، وبغيه أنه استخف بالفقراء ولم يرع لهم حق الإيمان ولا عظمهم مع كثرة أمواله والثاني: أنه من الظلم، قيل ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم الثالث: قال القفال: بغى عليهم، أي طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده الرابع: قال الضحاك: طغى عليهم واستطال عليهم فلم يوفقهم في أمر الخامس: قال ابن عباس: تجبر وتكبر عليهم وسخط عليهم السادس: قال شهر بن حوشب: بغيه عليهم أنه زاد عليهم في الثياب شبراً، وهذا يعود إلى التكبر السابع: قال الكلبي: بغيه عليهم أنه حسد هرون على الحبورة، يروى أن موسى عليه السلام لما قطع البحر وأغرق الله تعالى فرعون جعل الحبورة لهرون، فحصلت له النبوة والحبورة وكان صاحب القربان والمذبح، وكان لموسى الرسالة، فوجد قارون من ذلك في نفسه، فقال يا موسى لك الرسالة، ولهرون الحبورة، ولست في شيء ولا أصبر أنا على هذا، فقال موسى عليه السلام: والله ما صنعت ذلك لهرون ولكن الله جعله له، فقال والله لا أصدقك أبداً حتى تأتيني بآية أعرف بها أن الله جعل ذلك لهرون، قال فأمر موسى عليه السلام رؤساء بني إسرائيل أن يجئ كل رجل منهم بعصاه، فجاءوا بها، فألقاها موسى عليه السلام في قبة له، وكان ذلك بأمر الله تعالى، فدعا ربه أن يريهم بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هرون تهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز، فقال موسى: يا قارون أما ترى ما صنع الله لهرون!

فقال والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، فاعتزل قارون ومعه ناس كثير، وولى هرون الحبورة والمذبح والقربان، فكان بنو إسرائيل يأتون بهداياهم إلى هرون فيضعها في المذبح وتنزل النار من السماء فتأكلها، واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال والتبع من بني إسرائيل، فما كان يأتي موسى عليه السلام ولا يجالسه، وروى أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان قارون من السبعين المختارة الذين سمعوا كلام الله تعالى».

أما قوله: ﴿ إِنَّ قارون كَانَ مِن قَوْمِ موسى فبغى عَلَيْهِمْ أُوْلِى القوة ﴾ ففيه أبحاث: الأول: قال الكعبي: ألستم تقولون إن الله لا يعطي الحرام فكيف أضاف الله مال قارون إلى نفسه بقوله: ﴿ وَءاتَيْنَاهُ ﴾ وأجاب بأنه لا حجة في أنه كان حراماً، ويجوز أن من تقدمه من الملوك جمعوا وكنزوا فظفر قارون بذلك، وكان هذا الظفر طريق التملك، أو وصل إليه بالإرث من جهات، ثم بالتكسب من جهة المضاربات وغيرها وكان الكل محتملاً.

البحث الثاني: المفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهو ما يفتح به، وقيل هي الخزائن وقياس واحدها مفتح بفتح الميم، ويقال ناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله، والعصبة الجماعة الكثيرة والعصابة مثلها، فالعشرة عصبة بدليل قوله تعالى في إخوة يوسف عليه السلام: ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ  ﴾ وكانوا عشرة لأن يوسف وأخاه لم يكونا معهم.

إذا عرفت معنى الألفاظ فنقول: هاهنا قولان أحدهما: أن المراد بالمفاتح المفاتيح وهي التي يفتح بها الباب، قالوا كانت مفاتيحه من جلود الإبل وكل مفتاح مثل إصبع، وكان لكل خزانة مفتاح، وكان إذا ركب قارون حملت المفاتيح على ستين بغلاً، ومن الناس من طعن في هذا القول من وجهين: الأول: أن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ، ولو أنا قدرنا بلدة مملوءة من الذهب والجواهر لكفاها أعداد قليلة من المفاتيح، فأي حاجة إلى تكثير هذه المفاتيح الثاني: أن الكنوز هي الأموال المدخرة في الأرض، فلا يجوز أن يكون لها مفاتيح والجواب: عن الأول أن المال إذا كان من جنس العروض، لا من جنس النقد جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد، وأيضاً فهذا الذي يقال إن تلك المفاتيح بلغت ستين حملاً، ليس مذكوراً في القرآن فلا تقبل هذه الرواية، وتفسير القرآن أن تلك المفاتيح كانت كثيرة، وكان كل واحد منها معيناً لشيء آخر، فكان يثقل على العصبة ضبطها ومعرفتها بسبب كثرتها، وعلى هذا الوجه يزول الاستبعاد، وعن الثاني أن ظاهر الكنز وإن كان من جهة العرف ما قالوا فقد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق القول الثاني: وهو اختيار ابن عباس والحسن أن تحمل المفاتح على نفس المال وهذا أبين وعن الشبهة أبعد.

قال ابن عباس: كانت خزائنه يحملها أربعون رجلاً أقوياء، وكانت خزائنه أربعمائة ألف فيحمل كل رجل عشرة آلاف القول الثالث: وهو اختيار أبي مسلم: أن المراد من المفاتح العلم والإحاطة كقوله: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب  ﴾ والمراد آتيناه من الكنوز ما إن حفظها والاطلاع عليها ليثقل على العصبة أولي القوة والهداية، أي هذه الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها تتعب حفظتها والقائمين عليها أن يحفظوها، ثم إنه تعالى بين أنه كان في قومه من وعظه بأمور أحدها: قوله: ﴿ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين ﴾ والمراد لا يلحقه من البطر والتمسك بالدنيا ما يلهيه عن أمر الآخرة أصلاً، وقال بعضهم: إنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن إليها، فأما من يعلم أنه سيفارق الدنيا عن قريب لم يفرح بها وما أحسن ما قال المتنبي: أشد الغم عندي في سرور *** تيقن عنه صاحبه انتقالا وأحسن وأوجز منه ما قال تعالى: ﴿ لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتاكم  ﴾ قال ابن عباس: كان فرحه ذلك شركاً، لأنه ما كان يخاف معه عقوبة الله تعالى.

وثانيها: قوله: ﴿ وابتغ فِيمَا ءاتَاكَ الله الدار الأخرة ﴾ والظاهر أنه كان مقراً بالآخرة، والمراد أن يصرف المال إلى ما يؤديه إلى الجنة ويسلك طريقة التواضع.

وثالثها: قوله: ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا ﴾ وفيه وجوه: أحدها: لعله كان مستغرق الهم في طلب الدنيا فلأجل ذلك ما كان يتفرغ للتنعم والالتذاذ فنهاه الواعظ عن ذلك.

وثانيها: لما أمره الواعظ بصرف المال إلى الآخرة بين له بهذا الكلام أنه لا بأس بالتمتع بالوجوه المباحة.

وثالثها: المراد منه الإنفاق في طاعة الله فإن ذلك هو نصيب المرء من الدنيا دون الذي يأكل ويشرب قال عليه السلام: «فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار».

ورابعها: قوله: ﴿ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ﴾ لما أمره بالإحسان بالمال أمره بالإحسان مطلقاً ويدخل فيه الإعانة بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن اللقاء وحسن الذكر، وإنما قال: ﴿ كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ﴾ تنبيهاً على قوله: ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ  ﴾ .

وخامسها: قوله: ﴿ وَلاَ تَبْغِ الفساد فِي الأرض ﴾ والمراد ما كان عليه من الظلم والبغي وقيل إن هذا القائل هو موسى عليه السلام، وقال آخرون بل مؤمنو قومه، وكيف كان فقد جمع في هذا الوعظ ما لو قيل لم يكن عليه مزيد، لكنه أبى أن يقبل بل زاد عليه بكفر النعمة فقال: إنما أوتيته على علم عندي وفيه وجوه: أحدها: قال قتادة ومقاتل والكلبي: كان قارون أقرأ بني إسرائيل للتوراة فقال: إنما أوتيته لفضل علمي واستحقاقي لذلك.

وثانيها: قال سعيد بن المسيب والضحاك: كان موسى عليه السلام أنزل عليه علم الكيمياء من السماء فعلم قارون ثلث العلم ويوشع ثلثه وكالب ثلثه فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص فيجعله فضة والنحاس فيجعله ذهباً.

وثالثها: أراد به علمه بوجوه المكاسب والتجارات.

ورابعها: أن يكون قوله: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عِندِى ﴾ أي الله أعطاني ذلك مع كونه عالماً بي وبأحوالي فلو لم يكن ذلك مصلحة لما فعل وقوله: ﴿ عِندِى ﴾ أي عندي أن الأمر كذلك، كما يقول المفتى عندي أن الأمر كذلك أي مذهبي واعتقادي ذلك، ثم أجاب الله تعالى عن كلامه بقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ﴾ وفيه وجهان: الأول: يجوز أن يكون هذا إثباتاً لعلمه بأن الله تعالى قد أهلك قبله من القرون من هو أقوى منه وأغنى لأنه قد قرأه في التوراة وأخبر به موسى عليه السلام وسمعه من حفاظ التواريخ كأنه قيل له: أو لم يعلم في جملة ما عنده من العلم هذا حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوته الثاني: يجوز أن يكون نفياً لعلمه بذلك كأنه لما قال أوتيته على علم عندي فتصلف بالعلم وتعظم به، قيل أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعاه، ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة، ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين؟.

أما قوله: ﴿ وَأَكْثَرُ جَمْعاً ﴾ فالمعنى أكثر جمعاً للمال أو أكثر جماعة وعدداً، وحاصل الجواب أن اغتراره بماله وقوته وجموعه من الخطأ العظيم، وأنه تعالى إذا أراد إهلاكه لم ينفعه ذلك ولا ما يزيد عليه أضعافاً.

فأما قوله: ﴿ وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون ﴾ فالمراد أن الله تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة به إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها، لأنه تعالى عالم بكل المعلومات فلا حاجة به إلى السؤال، فإن قيل كيف الجمع بينه وبين قوله: ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  ﴾ قلنا يحمل ذلك على وقتين على ما قررناه، وذكر أبو مسلم وجهاً آخر فقال: السؤال قد يكون للمحاسبة، وقد يكون للتقرير والتبكيت، وقد يكون للاستعتاب، وأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ  ﴾ ﴿ هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ  وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ على عِلْمٍ ﴾ أي على استحقاق واستيجاب لما فيّ من العلم الذي فضلت به الناس، وذلك أنه كان أعلم بني إسرائيل بالتوراة.

وقيل: هو علم الكيمياء.

عن سعيد بن المسيب: كان موسى عليه السلام يعلم علم الكيمياء، فأفاد يوشع بن نون ثلثه، وكالب بن يوفنا ثلثه، وقارون ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهبا.

وقيل: علم الله موسى علم الكيمياء، فعلمه موسى أخته، فعلمته أخته قارون.

وقيل: هو بصره بأنواع التجارة والدهقنة وسائر المكاسب.

وقيل: ﴿ عِندِى ﴾ معناه: في ظني، كا تقول الأمر عندي كذا، كأنه قال: إنما أوتيته على علم، كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ إِذَا خولناه نِعْمَةً مّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ ﴾ [الزمر: 49] ثم زاد ﴿ عِندِى ﴾ أي هو في ظني ورأيي هكذا.

يجوز أن يكون إثباتاً لعلمه بأنّ الله قد أهلك من القرون قبله من هو أقوى منه وأغنى، لأنه قد قرأه في التوراة، وأخبر به موسى، وسمعه من حفاظ التواريخ والأيام كأنه قيل: ﴿ أَوَ لَمْ يَعْلَمْ ﴾ في جملة ما عنده من العلم هذا، حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوّته.

ويجوز أن يكون نفياً لعلمه بذلك؛ لأنه لما قال: أوتيته على علم عندي، فتنفج بالعلم وتعظم به.

قيل: أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعاه ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة، ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين ﴿ وَأَكْثَرُ جَمْعاً ﴾ للمال، أو أكثر جماعة وعدداً.

فإن قلت: ما وجه اتصال قوله: ﴿ وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون ﴾ بما قبله؟

قلت: لما ذكر قارون من أهلك من قبله من القرون الذي كانوا أقوى منه وأغنى، قال على سبيل التهديد له: والله مطلع على ذنوب المجرمين، لا يحتاج إلى سؤالهم عنها واستعلامهم.

وهو قادر على أن يعاقبهم عليها، كقوله تعالى: ﴿ والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: 153] وغيرها، ﴿ والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 283] ، [المؤمنون: 51] ، [النور: 28] وما أشبه ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى ﴾ كانَ ابْنَ عَمِّهِ يَصْهَرُ بْنُ قاهِثَ بْنِ لاوى وكانَ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ.

﴿ فَبَغى عَلَيْهِمْ ﴾ فَطَلَبَ الفَضْلَ عَلَيْهِمْ وأنْ يَكُونُوا تَحْتَ أمْرِهِ، أوْ تَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ أوْ ظَلَمَهم.

قِيلَ وذَلِكَ حِينَ مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ حَسَدَهم لِما رُوِيَ أنَّهُ قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: لَكَ الرِّسالَةُ ولِهارُونَ الحُبُورَةُ وأنا في غَيْرِ شَيْءٍ إلى مَتى أصْبِرُ قالَ مُوسى هَذا صُنْعُ اللَّهِ.

﴿ وَآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ﴾ مِنَ الأمْوالِ المُدَّخَرَةِ.

﴿ ما إنَّ مَفاتِحَهُ ﴾ مَفاتِيحَ صَنادِيقِهِ جَمْعُ مِفْتَحٍ بِالكَسْرِ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ، وقِيلَ خَزائِنُهُ وقِياسُ واحِدُها المِفْتَحُ.

﴿ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ ﴾ خَبَرُ إنَّ والجُمْلَةُ صِلَةُ ما وهو ثانِي مَفْعُولَيْ آتى، وناءَ بِهِ الحِمْلُ إذا أثْقَلَهُ حَتّى أمالَهُ، والعُصْبَةُ والعِصابَةُ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ واعْصَوْصَبُوا اجْتَمَعُوا.

وقُرِئَ «لَيَنُوءُ» بِالياءِ عَلى إعْطاءِ المُضافِ حَكَمَ المُضافِ إلَيْهِ.

﴿ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴾ مَنصُوبٌ بِـ «تَنُوءُ» .

﴿ لا تَفْرَحْ ﴾ لا تَبْطُرْ والفَرَحُ بِالدُّنْيا مَذْمُومٌ مُطْلَقًا لِأنَّهُ نَتِيجَةُ حُبِّها والرِّضا بِها والذُّهُولِ عَنْ ذَهابِها، فَإنَّ العِلْمَ بِأنَّ ما فِيها مِنَ اللَّذَّةِ مُفارَقَةٌ لا مَحالَةَ يُوجِبُ التَّرَحَ كَما قِيلَ: أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ.

.

.

تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالا وَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ﴾ ، وعَلَّلَ النَّهْيَ ها هُنا بِكَوْنِهِ مانِعًا مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ ﴾ أيْ بِزَخارِفِ الدُّنْيا.

﴿ وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ ﴾ مِنَ الغِنى.

﴿ الدّارَ الآخِرَةَ ﴾ بِصَرْفِهِ فِيما يُوجِبُها لَكَ فَإنَّ المَقْصُودَ مِنهُ أنْ يَكُونَ وصْلَةً إلَيْها.

﴿ وَلا تَنْسَ ﴾ ولا تَتْرُكْ تَرْكَ المَنسِيِّ.

﴿ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ﴾ وهو أنْ تُحَصِّلَ بِها آخِرَتَكَ وتَأْخُذَ مِنها ما يَكْفِيكَ.

﴿ وَأحْسِنْ ﴾ إلى عِبادِ اللَّهِ.

﴿ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ﴾ فِيما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ.

وقِيلَ أحْسِنْ بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ كَما أحْسَنَ إلَيْكَ بِالإنْعامِ.

﴿ وَلا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ ﴾ بِأمْرٍ يَكُونُ عِلَّةً لِلظُّلْمِ والبَغْيِ، نَهْيٌ لَهُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ والبَغْيِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ﴾ لِسُوءِ أفْعالِهِمْ.

﴿ قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ فُضِّلْتُ بِهِ عَلى النّاسِ واسْتَوْجَبْتُ بِهِ التَّفَوُّقَ عَلَيْهِمْ بِالجاهِ والمالِ، و ( عَلى عِلْمٍ ) في مَوْضِعِ الحالِ وهو عِلْمُ التَّوْراةِ وكانَ أعْلَمَهم بِها، وقِيلَ هو الكِيمْياءُ وقِيلَ عِلْمُ التِّجارَةِ والدَّهْقَنَةِ وسائِرِ المَكاسِبِ، وقِيلَ العِلْمُ بِكُنُوزِ يُوسُفَ، و ( عِنْدِي ) صِفَةٌ لَهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( أُوتِيتُهُ ) كَقَوْلِكَ: جازَ هَذا عِنْدِي أيْ في ظَنِّي واعْتِقادِي.

﴿ أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ﴾ تَعَجُّبٌ وتَوْبِيخٌ عَلى اغْتِرارِهِ بِقُوَّتِهِ وكَثْرَةِ مالِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ قَرَأهُ في التَّوْراةِ وسَمِعَهُ مِن حُفّاظِ التَّوارِيخِ، أوْ رَدٌّ لِادِّعائِهِ لِلْعِلْمِ وتَعَظُّمِهِ بِهِ بِنَفْيِ هَذا العِلْمِ عَنْهُ أيْ أعْنَدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي ادَّعى ولَمْ يَعْلَمْ هَذا حَتّى يَقِيَ بِهِ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ.

﴿ وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ سُؤالُ اسْتِعْلامٍ فَإنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلَيْها أوْ مُعاتَبَةٍ فَإنَّهم يُعَذَّبُونَ بِها بَغْتَةً، كَأنَّهُ لَمّا هَدَّدَ قارُونَ بِذِكْرِ إهْلاكِ مَن قَبْلَهُ مِمَّنْ كانُوا أقْوى مِنهُ وأغْنى أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُطَّلِعًا عَلى ما يَخُصُّهم بَلِ اللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ذُنُوبِ المُجْرِمِينَ كُلِّهِمْ مُعاقِبُهم عَلَيْها لا مَحالَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ} أي المال {على عِلْمٍ عِندِى} أي على استحقاق لما فيّ من العلم الذي فضلت به الناس وهو علم التوراة أو علم الكيمياء وكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهباً أو العلم بوجوه المكاسب من التجارة والزراعة وعندي صفة لعلم قال سهل ما نظر أحد إلى نفسه فأفلح والسعيد من صرف بصره عن أفعاله وأقواله وفتح له سبيل رؤية منة الله تعالى عليه في جميع الأفعال والأقوال والشقي من زين في عينه أفعاله وأقواله وأحواله ولا فتح له سبيل رؤية منة الله فافتخر بها وادعاها لنفسه فشؤمه يهلكه يوماً كما خسف بقارون لما ادّعى لنفسه فضلاً {أَوَ لَمْ يَعْلَمْ} قارون {أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً} هو إثبات لعلمه بأن الله قد أهلك من القرون قبله من هو أقوى منه وأغنى لأنه قد قرأه في التوراة كأنه قيل أو لم يعلم في جملة

القصص (٨١ - ٧٨)

ما عنده من العلم هذا حتى لا يغتر بكثرة ماله

وقوته أو نفي لعلمه بذلك لأنه لما قال أوتيته على علم عندي قيل عنده مثل ذلك العلم الذي ادعاه ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة ولم يعلم هذا العلم النافع حتى قي به نفسه مصارع الهالكين {وَأَكْثَرُ جَمْعاً} للمال أو أكثر جماعة وعددا {ولا يسأل عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون} لعلمه تعالى بهم بل يدخلون النار بغير حساب أو يعترفون بها بغير سؤال أو يعرفون بسيماهم فلا يسألون أو لا يسألون لتعلم من جهتهم بل يسألون سؤال توبيخ أو لا يسأل عن ذنوب الماضين المجرمون من هذه الأمة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ ﴾ مُجِيبًا لِمَن نَصَحَهُ ﴿ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ كَأنَّهُ يُرِيدُ الرَّدَّ عَلى قَوْلِهِمْ: كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ لِإنْبائِهِ عَنْ أنَّهُ تَعالى أنْعَمَ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ واسْتِحْقاقٍ مِن قِبَلِهِ، وحاصِلُهُ دَعْوى اسْتِحْقاقِهِ لِما أُوتِيَهُ لِما هو عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ، وقَوْلُهُ ﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ عِنْدَ أكْثَرِ المُعْرِبِينَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَرْفُوعِ أُوتِيتُهُ قُيِّدَ بِهِ العامِلُ إشارَةً إلى عِلَّةِ الإيتاءِ ووَجْهِ اسْتِحْقاقِهِ لَهُ أيْ إنَّما أُوتِيتُهُ كائِنًا عَلى عِلْمٍ، وجُوِّزَ كَوْنُ عَلى تَعْلِيلِيَّةً والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ أُوتِيتُ عَلى أنَّهُ ظَرْفُ لَغْوٍ كَأنَّهُ قِيلَ أُوتِيتُهُ لِأجْلِ عِلْمٍ، (وعِنْدِي) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِعِلْمٍ والمُرادُ لِعِلْمٍ مُخْتَصٍّ بِي دُونَكُمْ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا بِـ أُوتِيتُ، ومَعْناهُ في ظَنِّي ورَأْيِي كَما في قَوْلِكَ: حُكْمُ كَذا الحَلِّ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وفي الكَشّافِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ عِنْدِي إذا كانَ بِمَعْنى في ظَنِّي ورَأْيِي كانَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو في ظَنِّي ورَأْيِي هَكَذا، والجُمْلَةُ عَلَيْهِ مُسْتَأْنِفَةٌ تُقَرِّرُ أنَّ ما ذَكَرَهُ رَأْيٌ مُسْتَقِرٌّ هو عَلَيْهِ، قالَ في الكَشْفِ: وهَذا هو الوَجْهُ، والمُرادُ بِهَذا العِلْمِ قِيلَ عِلْمُ التَّوْراةِ فَإنَّهُ كانَ أعْلَمَ بَنِي إسْرائِيلَ بِها، وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: عِلْمُ التِّجارَةِ ووُجُوهُ المَكاسِبِ، وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ ذَلِكَ فَأفادَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ثُلُثَهُ وكالَبُ بْنُ يُوفِنا ثُلُثَهُ وقارُونُ ثُلُثَهُ فَخَدَعَهُما قارُونُ حَتّى أضافَ عِلْمَهُما إلى عِلْمِهِ فَكانَ يَأْخُذُ الرَّصاصَ والنُّحاسَ فَيَجْعَلُهُما ذَهَبًا، وقِيلَ: عَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِلْمَ الكِيمْياءِ فَعَلَّمَهُ مُوسى أُخْتَهُ فَعَلَّمَتْهُ أُخْتُهُ قارُونَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَخْصِيصُهُ بِعِلْمِ صَنْعَةِ الذَّهَبِ، وقِيلَ: عِلْمُ اسْتِخْراجِ الكُنُوزِ والدَّفائِنِ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى وأنَّ المَعْنى أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وتَخْصِيصٍ مِن لَدُنْهُ سُبْحانَهُ قَصَدَنِي بِهِ، (وعِنْدِي) عَلَيْهِ بِمَعْنى في ظَنِّي ورَأْيِي، وقِيلَ: العِلْمُ بِمَعْنى المَعْلُومِ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ  ﴾ وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: أيْ عَلى خَيْرٍ عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عِنْدِي وتَفْسِيرُهُ بِعِلْمِ الكِيمْياءِ شائِعٌ فِيما بَيْنَ أهْلِها، وفي مَجْمَعِ البَيانِ حِكايَتُهُ عَنِ الكَلْبِيِّ أيْضًا، وأنْكَرَهُ الزَّجّاجُ وقالَ: إنَّهُ لا يَصِحُّ لِأنَّ عِلْمَ الكِيمْياءِ باطِلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وتَعَقَّبَهُ الطَّيِّبِيُّ بِأنَّهُ لَعَلَّهُ كانَ مِن قَبِيلِ المُعْجِزِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ وإلّا لَما تَمَكَّنَ قارُونُ مِنهُ، وإنْكارُ الكِيمْياءِ وهو لَفْظٌ يُونانِيٌّ مَعْناهُ الحِيلَةُ أوْ عِبْرانِيٌّ وأصْلُهُ كِيمْ يَهْ بِمَعْنى أنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ فارِسِيٌّ وأصْلُهُ كِي مِيا بِمَعْنى مَتى يَجِيءُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ غَلَبَ عَلى تَحْصِيلِ النَّقْدَيْنِ بِطَرِيقٍ مَخْصُوصٍ مِمّا لَمْ يَخْتَصَّ بِالزَّجّاجِ بَلْ أنْكَرَها جَماعَةٌ أجِلَّةٌ وقالُوا بِعَدَمِ إمْكانِها، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى خِلافِ ذَلِكَ.

وإذا أرَدْتَ نُبْذَةً مِنَ الكَلامِ في ذَلِكَ فاسْتَمِعْ لِما يُتْلى عَلَيْكَ.

ذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ مَبْنى الكَلامِ في هَذِهِ الصِّناعَةِ عِنْدَ الحُكَماءِ عَلى حالِ المَعادِنِ السَّبْعَةِ المُنْطَرِقَةِ وهي الذَّهَبُ والفِضَّةُ والرَّصاصُ والقَزْدِيرُ والنُّحاسُ والحَدِيدُ والخارْصِينِيُّ هَلْ هي مُخْتَلِفاتٌ بِالفُصُولِ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنها نَوْعًا غَيْرَ النَّوْعِ الآخَرِ أوْ هي مُخْتَلِفاتٌ بِالخَواصِّ والكَيْفِيّاتِ فَقَطْ فَتَكُونُ كُلُّها أصْنافًا لِنَوْعٍ واحِدٍ فالَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُعَلِّمُ أبُو نَصْرٍ الفارابِيُّ وتابَعُهُ عَلَيْهِ حُكَماءُ الأنْدَلُسِ أنَّها نَوْعٌ واحِدٌ وأنَّ اخْتِلافَها بِالكَيْفِيّاتِ مِنَ الرُّطُوبَةِ واليُبُوسَةِ واللِّينِ والصَّلابَةِ والألْوانِ نَحْوَ الصُّفْرَةِ والبَياضِ والسَّوادِ وهي كُلُّها أصْنافٌ لِذَلِكَ النَّوْعِ الواحِدِ وبُنِيَ عَلى ذَلِكَ إمْكانُ انْقِلابِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ بِتَبَدُّلِ الأعْراضِ بِفِعْلِ الطَّبِيعَةِ أوْ بِالصَّنْعَةِ.

وقَدْ حَكى أبُو بَكْرِ بْنُ الصّائِغِ المَعْرُوفُ بِابْنِ باجَةَ في بَعْضِ تَصانِيفِهِ عَنِ المُعَلِّمِ المَذْكُورِ أنَّهُ قالَ: قَدْ بَيَّنَ أرِسْطُو في كُتُبِهِ في المَعادِنِ أنَّ صِناعَةَ الكِيمْياءِ داخِلَةٌ تَحْتَ الإمْكانِ إلّا أنَّها مِنَ المُمْكِنِ الَّذِي يَعْسُرُ وجُودُهُ بِالفِعْلِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَتَّفِقَ قَرائِنُ يَسْهُلُ بِها الوُجُودُ وذَلِكَ أنَّهُ فَحَصَ عَنْها أوَّلًا عَلى طَرِيقِ الجَدَلِ فَأثْبَتَها بِقِياسٍ وأبْطَلَها بِقِياسٍ عَلى عادَتِهِ فِيما يَكْثُرُ عِنادُهُ مِنَ الأوْضاعِ ثُمَّ أثْبَتَها أخِيرًا بِقِياسٍ ألَّفَهُ مِن مُقَدِّمَتَيْنِ بَيْنَهُما في أوَّلِ الكِتابِ، الأُولى أنَّ الفِلِزّاتِ واحِدَةٌ بِالنَّوْعِ والِاخْتِلافَ الَّذِي بَيْنَها لَيْسَ في ماهِيّاتِها وإنَّما هو في أعْراضِها فَبَعْضُهُ في أعْراضِها الذّاتِيَّةِ وبَعْضُهُ في أعْراضِها العَرَضِيَّةِ، والثّانِيَةُ أنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ تَحْتَ نَوْعٍ واحِدٍ اخْتَلَفا بِعَرَضٍ فَإنَّهُ يُمْكِنُ انْتِقالُ كُلٍّ مِنهُما إلى الآخَرِ فَإنْ كانَ العَرَضُ ذاتِيًّا عَسُرَ الِانْتِقالُ وإنْ كانَ مُفارِقًا سَهُلَ الِانْتِقالُ والعُسْرُ في هَذِهِ الصِّناعَةِ إنَّما هو لِاخْتِلافِ أكْثَرِ هَذِهِ الجَواهِرِ في أعْراضِها الذّاتِيَّةِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الِاخْتِلافُ الَّذِي بَيْنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ يَسِيرًا جِدًّا اهـ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أبُو عَلِيِّ بْنُ سِينا وتابَعُهُ عَلَيْهِ حُكَماءُ المَشْرِقِ أنَّها مُخْتَلِفَةٌ بِالفُصُولِ وأنَّها أنْواعٌ مُتَبايِنَةٌ وبَنى عَلى ذَلِكَ إنْكارَ هَذِهِ الصِّناعَةِ واسْتِحالَةَ وُجُودِها لِأنَّ الفَصْلَ لا سَبِيلَ بِالصِّناعَةِ إلَيْهِ وإنَّما يَخْلُقُهُ خالِقُ الأشْياءِ ومُقَدِّرُها وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا ما حَكاهُ ابْنُ خَلْدُونٍ عَنْهُ، وقالَ الإمامُ في المَباحِثِ المَشْرِقِيَّةِ في الفَصْلِ الثّامِنِ مِنَ القِسْمِ الرّابِعِ مِنها: الشَّيْخُ سَلَّمَ إمْكانَ أنْ يُصْبَغَ النُّحاسُ بِصَبْغِ الفِضَّةِ والفِضَّةُ بِصَبْغِ الذَّهَبِ وأنْ يُزالَ عَنِ الرَّصاصِ أكْثَرُ ما فِيهِ مِنَ النَّقْصِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ الفَصْلُ المُنَوَّعُ يُسْلَبُ أوْ يُكْسى، قالَ: فَلَمْ يَظْهَرْ لِي إمْكانُهُ بَعْدُ، إذْ هَذِهِ الأُمُورُ المَحْسُوسَةُ تُشْبِهُ أنْ لا تَكُونَ الفُصُولَ الَّتِي بِها تَصِيرُ هَذِهِ الأجْسادُ أنْواعًا بَلْ هي أعْراضٌ ولَوازِمُ وفُصُولُها مَجْهُولَةٌ وإذا كانَ الشَّيْءُ مَجْهُولًا كَيْفَ يُمْكِنُ قَصْدُ إيجادِهِ وإفْنائِهِ اهـ.

وغَلَّطَهُ الطُّغْرائِيُّ وهو مِن أكابِرِ أهْلِ هَذِهِ الصِّناعَةِ ولَهُ فِيها عِدَّةُ كُتُبٍ ورَدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ التَّدْبِيرَ والعِلاجَ لَيْسَ في تَخْلِيقِ الفَصْلِ وإبْداعِهِ وإنَّما هو في إعْدادِ المادَّةِ لِقَبُولِ خاصَّةٍ والفَصْلُ يَأْتِي مِن بَعْدِ الإعْدادِ مِن لَدُنْ خالِقِهِ وبارِئِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَظُمَتْ قُدْرَتُهُ كَما يَفِيضُ سُبْحانَهُ النُّورَ عَلى الأجْسامِ بِالصَّقْلِ ولا حاجَةَ بِنا في ذَلِكَ إلى تَصَوُّرِهِ ومَعْرِفَتِهِ، وإذا كُنّا قَدْ عَثَرْنا عَلى تَخْلِيقِ بَعْضِ الحَيَواناتِ مِثْلَ العَقْرَبِ مِنِ التُّرابِ والتِّبْنِ، والحَيَّةِ مِنَ الشَّعْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَما المانِعُ مِنَ العُثُورِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في المَعادِنِ وهَذا كُلُّهُ بِالصِّناعَةِ وهي إنَّما مَوْضُوعُها المادَّةُ فَيُعِدُّها التَّدْبِيرُ والعِلاجُ إلى قَبُولِ تِلْكَ الفُصُولِ لا أكْثَرَ، فَنَحْنُ نُحاوِلُ مِثْلَ ذَلِكَ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ فَنَتَّخِذُ مادَّةً نَصِفُها لِلتَّدْبِيرِ بَعْدَ أنْ يَكُونَ فِيها اسْتِعْدادٌ أوَّلُ لِقَبُولِ صُورَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ثُمَّ نُحاوِلُها بِالعِلاجِ إلى أنْ يَتِمَّ فِيها الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِ فَصِلْهِما اهـ بِمَعْناهُ وهو رَدٌّ صَحِيحٌ فِيما يَظْهَرُ، وقالَ الإمامُ بَعْدَ ذِكْرِهِ ما سَمِعْتَ مِن كَلامِ الشَّيْخِ: هو لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأنّا نُشاهِدُ مِنَ التِّرْياقِ آثارًا وأفْعالًا مَخْصُوصَةً فَإمّا أنْ لا نُثْبِتَ لَهُ صُورَةً تِرْياقِيَّةً بَلْ نَقُولُ إنَّ الأفْعالَ التِّرْياقِيَّةَ حاصِلَةٌ مِن ذَلِكَ المِزاجِ لا مِن صُورَةٍ أُخْرى جازَ أيْضًا أنْ يُقالَ: صُفْرَةُ الذَّهَبِ ورَزانَتُهُ حاصِلَتانِ مِمّا فِيهِ مِنَ المِزاجِ لا مِن صُورَةٍ مُقَوَّمَةٍ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِلذَّهَبِ فَصْلٌ مُنَوَّعٌ إلّا مُجَرَّدَ الصُّفْرَةِ والرَّزانَةِ ولَكِنَّهُما مَعْلُومَتانِ فَأمْكَنَ أنْ تَقْصِدَ إزالَتَهُما واتِّخاذَهُما فَبَطَلَ ما قالَهُ الشَّيْخُ.

وأمّا إذا أثْبَتْنا صُورَةً مُقَوَّمَةً لَهُ فَنَقُولُ: لا شَكَّ بِأنّا لا نَعْقِلُ مِن تِلْكَ الصُّورَةِ إلّا أنَّها حَقِيقَةٌ تَقْتَضِي الأفْعالَ المَخْصُوصَةَ الصّادِرَةَ عَنِ التِّرْياقِ فَإمّا أنْ يَكُونَ هَذا القَدْرُ مِنَ العِلْمُ يَكْفِي في قَصْدِ الإيجادِ والإبْطالِ أوْ لا يَكْفِي فَإنْ لَمْ يَكْفِ وجَبَ أنْ لا يُمْكِنَنا اتِّخاذُ التِّرْياقِ وإنْ كَفى فَهو في مَسْألَتِنا أيْضًا حاصِلٌ لِأنّا نَعْلَمُ مِنَ الصُّورَةِ الذَّهَبِيَّةِ أنَّها ماهِيَّةٌ تَقْتَضِي الذَّوْبَ والصُّفْرَةَ والرَّزانَةَ ويُجابُ أيْضًا بِأنّا وإنْ كُنّا لا نَعْلَمُ الصُّورَةَ المُقَوَّمَةَ عَلى التَّفْصِيلِ إلّا أنا نَعْلَمُ الأعْراضَ الَّتِي تُلائِمُها والَّتِي لا تُلائِمُها ونَعْلَمُ أنَّ العَرْضَ الغَيْرُ المُلائِمِ إذا اشْتَدَّ في المادَّةِ بَطَلَتِ الصُّورَةُ مِثْلَ الصُّورَةِ المائِيَّةِ فَإنّا نَعْلَمُ أنَّ الحَرارَةَ لا تُلائِمُها وإنْ كُنّا لا نَعْلَمُ ماهِيَّتَها عَلى التَّفْصِيلِ فَلِذَلِكَ يُمْكِنُنا أنْ نُبْطِلَ الصُّورَةَ المائِيَّةَ وأنْ نَكْسِبَها، أمّا الإبْطالُ فَبِتَسْخِينِ الماءِ وأمّا الِاكْتِسابُ فَبِتَبْرِيدِ الهَواءِ فَكَذَلِكَ في مَسْألَتِنا واحْتَجَّ قَوْمٌ مِنَ الفَلاسِفَةِ عَلى امْتِناعِها بِأُمُورٍ: أوَّلُها، أنَّ الطَّبِيعَةَ إنَّما تَعْمَلُ هَذِهِ الأجْسادُ مِن عَناصِرَ مَجْهُولَةٍ عِنْدَنا ولِتِلْكَ العَناصِرِ مَقادِيرُ مُعَيَّنَةٌ مَجْهُولَةٌ عِنْدَنا أيْضًا ولِكَيْفِيّاتِ تِلْكَ العَناصِرِ مَراتِبُ مَعْلُومَةٌ وهي مَجْهُولَةٌ عِنْدَنا ولِتَمامِ الفِعْلِ والِانْفِعالِ زَمانٌ مُعَيَّنٌ مَجْهُولٌ عِنْدَنا، ومَعَ الجَهْلِ بِكُلِّ ذَلِكَ كَيْفَ يُمْكِنُنا عَمَلُ هَذِهِ الأجْسادِ، وثانِيها: أنَّ الجَوْهَرَ الصّابِغَ إمّا أنْ يَكُونَ أصْبَرَ عَلى النّارِ مِنَ المَصْبُوغِ أوْ يَكُونَ المَصْبُوغُ أصْبَرَ أوْ يَتَساوَيانِ فَإنْ كانَ الصّابِغُ أصْبَرَ وجَبَ أنْ يَفْنى المَصْبُوغُ ويَبْقى الصّابِغُ بَعْدَ فِنائِهِ وإنْ كانَ المَصْبُوغُ أصْبَرَ وجَبَ أنْ يَبْقى بَعْدَ فَناءِ الصّابِغِ وإنْ تَساوَيا في الصَّبْرِ عَلى النّارِ فَهُما مِن نَوْعٍ واحِدٍ لِاسْتِوائِهِما في الصَّبْرِ عَلى النّارِ فَلَيْسَ أحَدُهُما بِالصّابِغِيَّةِ والآخَرُ بِالمَصْبُوغِيَّةِ أوْلى مِنَ العَكْسِ، وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ كانَ بِالصِّناعَةِ مَثَلًا لَما كانَ بِالطَّبِيعَةِ لَكِنَّ التّالِيَ باطِلٌ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنّا لَمْ نَجِدْ لَهُ شَبِيهًا، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يُوجَدَ بِالصِّناعَةِ ما يَحْصُلُ بِالطَّبِيعَةِ لَجازَ أنْ يَحْصُلَ بِالطَّبِيعَةِ ما يَحْصُلُ بِالصِّناعَةِ حَتّى يُوجَدَ سَيْفٌ أوْ سَرِيرٌ بِالطَّبِيعَةِ، ولَمّا ثَبَتَ امْتِناعُ التّالِي ثَبَتَ امْتِناعُ المُقَدَّمِ، ورابِعُها: أنَّ لِهَذِهِ الأجْسادِ أماكِنَ طَبِيعِيَّةً هي مَعادِنُها وهي لَها بِمَنزِلَةِ الأرْحامِ لِلْحَيَوانِ فَمَن جَوَّزَ تَوَلُّدَها في غَيْرِ تِلْكَ المَعادِنِ كانَ كَمَن جَوَّزَ تَوَلُّدَ الحَيَواناتِ في غَيْرِ الأرْحامِ.

وأجابَ الإمامُ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ مَنقُوضٌ بِصِناعَةِ الطِّبِّ.

وعَنِ الثّانِي بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنِ اسْتِواءِ الصّابِغِ والمَصْبُوغِ في الصَّبْرِ عَلى النّارِ اسْتِواؤُهُما في الماهِيَّةِ لِأنَّ المُخْتَلِفَيْنِ قَدْ يَشْتَرِكانِ في بَعْضِ الصِّفاتِ، وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّهُ قَدْ يُوجَدُ بِالصِّناعَةِ مِثْلَ ما يُوجَدُ بِالطَّبِيعَةِ مِثْلَ النّارِ الحاصِلَةِ بِالقَدَحِ، والنُّوشادِرُ قَدْ يُتَّخَذُ مِنَ الشَّعِيرِ وكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الزّاجّاتِ ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ لا نَجِدَ لَهُ مِثالًا لا يَلْزَمُ الجَزْمُ بِنَفْيهِ ولا يَلْزَمُ مِن إمْكانِ حُصُولِ الأمْرِ الطَّبِيعِيِّ بِالصِّناعَةِ إمْكانُ عَكْسِهِ بَلِ الأمْرُ فِيهِ مَوْقُوفٌ عَلى الدَّلِيلِ.

وعَنِ الرّابِعِ بِأنَّ مَن أرادَ أنْ يَقْلِبَ النُّحاسَ فِضَّةً فَهو لا يَكُونُ كالمُحْدِثِ لِلشَّيْءِ بَلْ كالمُعالِجِ لِلْمَرِيضِ، فَإنَّ النُّحاسَ مِن جَوْهَرِ الفِضَّةِ إلّا أنَّ فِيهِ عِلَلًا وأمْراضًا وكَما يُمْكِنُ المُعالَجَةُ لا في مَوْضِعِ التَّكَوُّنِ فَكَذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ، عَلى أنَّ حاصِلَ الدَّلِيلِ أنَّ الَّذِي يَتَكَوَّنُ في الجِبالِ لا يُمْكِنُ تَكَوُّنُهُ بِالصِّناعَةِ، وفِيهِ وقَعَ النِّزاعُ، وابْنُ خَلْدُونٍ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ كَلامَ ابْنِ سِينا ورَدَّ الطُّغْرائِيُّ عَلَيْهِ قالَ: لَنا في الرَّدِّ عَلى أهْلِ هَذِهِ الصِّناعَةِ مَأْخَذٌ آخَرُ يَتَبَيَّنُ مِنهُ اسْتِحالَةُ وجُودِها وبُطْلانُ زَعْمِهِمْ أجْمَعِينَ، وذَلِكَ أنَّ حاصِلَ عِلاجِهِمْ أنَّهم بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى المادَّةِ المُسْتَعِدَّةِ بِالِاسْتِعْدادِ الأوَّلِ يَجْعَلُونَها مَوْضُوعًا ويُحاذُونَ في تَدْبِيرِها وعِلاجِها تَدْبِيرَ الطَّبِيعَةِ لِلْجِسْمِ في المَعْدِنِ حَتّى أحالَتْهُ ذَهَبًا أوْ فِضَّةً ويُضاعِفُونَ القُوى الفاعِلَةَ والمُنْفَعِلَةَ لِيَتِمَّ في زَمانٍ أقْصَرَ لِأنَّهُ تَبَيَّنَ في مَوْضِعِهِ أنَّ مُضاعَفَةَ قُوَّةِ الفاعِلِ تَنْقُصُ مِن زَمَنِ فِعْلِهِ وتَبَيَّنَ أنَّ الذَّهَبَ إنَّما يَتِمُّ كَوْنُهُ في مَعْدِنِهِ بَعْدَ ألْفٍ وثَمانِينَ مِنَ السِّنِينَ دَوْرَةَ الشَّمْسِ الكُبْرى فَإذا تَضاعَفَتِ القُوى والكَيْفِيّاتُ في العِلاجِ كانَ زَمانُ كَوْنِهِ أقْصَرَ مِن ذَلِكَ ضَرُورَةً عَلى ما قُلْناهُ أوْ يَتَحَرَّوْنَ بِعِلاجِهِمْ ذَلِكَ حُصُولَ صُورَةٍ مِزاجِيَّةٍ لِتِلْكَ المادَّةِ تُصَيِّرُها كالخَمِيرَةِ لِلْخُبْزِ تَقْلِبُ العَجِينَ إلى ذاتِها وتَعْمَلُ فِيهِ ما حَصَلَ لَها مِنَ الِانْتِفاشِ والهَشاشَةِ لِيَحْسُنَ هَضْمُهُ في المَعِدَةِ ويَسْتَحِيلَ سَرِيعًا إلى الغِذاءِ فَتَفْعَلَ تِلْكَ الصُّورَةُ الأفاعِيلَ المَطْلُوبَةَ، وذَلِكَ هو الإكْسِيرُ، واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مُتَكَوِّنٍ مِنَ المُوَلِّداتِ العُنْصُرِيَّةِ لا بُدَّ فِيهِ مِنِ اجْتِماعِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ عَلى نِسْبَةٍ مُتَفاوِتَةٍ إذْ لَوْ كانَتْ مُتَكافِئَةً في النِّسْبَةِ لَما حَصَلَ امْتِزاجُها فَلا بُدَّ مِنَ الجُزْءِ الغالِبِ عَلى الكُلِّ، ولا بُدَّ في كُلِّ مُمْتَزِجٍ مِنَ المُوَلِّداتِ مِن حَرارَةٍ غَرِيزِيَّةٍ هي الفاعِلَةُ لِكَوْنِها الحافِظَةَ لِصُورَتِهِ ثُمَّ كُلُّ مُتَكَوِّنٍ في زَمانٍ لا بُدَّ مِنِ اخْتِلافِ أطْوارِهِ وانْتِقالِهِ في زَمَنِ التَّكْوِينِ مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى غايَتِهِ، وانْظُرْ شَأْنَ الإنْسانِ في تَطَوُّرِهِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ وثُمَّ إلى نِهايَتِهِ ونِسَبُ الأجْزاءِ في كُلِّ طَوْرٍ مُخْتَلِفٌ مَقادِيرُها وكَيْفِيّاتُها وإلّا لَكانَ الطَّوْرُ الأوَّلُ بِعَيْنِهِ هو الآخَرَ، وكَذا الحَرارَةُ المُقَدَّرَةُ الغَرِيزِيَّةُ في كُلِّ طَوْرٍ مُخالِفَةٌ لِما في الطَّوْرِ الآخَرِ، فانْظُرْ إلى الذَّهَبِ ما يَكُونُ في مَعْدِنِهِ مِنَ الأطْوارِ مُنْذُ ألْفِ سَنَةٍ وثَمانِينَ، وما يَنْتَقِلُ فِيهِ مِنَ الأحْوالِ فَيَحْتاجُ صاحِبُ الكِيمْياءِ أنْ يُساوِقَ فِعْلَ الطَّبِيعَةِ في المَعْدِنِ ويُحاذِيهِ بِتَدْبِيرِهِ وعِلاجِهِ إلى أنْ يَتِمَّ، ومِن شَرْطِ الصِّناعَةِ مُطْلَقًا تَصَوُّرُ ما يُقْصَدُ إلَيْهِ بِها، فَمِنَ الأمْثالِ السّائِرَةِ في ذَلِكَ لِلْحُكَماءِ أوَّلُ العَمَلِ آخِرُ الفِكْرَةِ وآخِرُ الفِكْرَةِ أوَّلُ العَمَلِ فَلا بُدَّ مِن تَصَوُّرِ هَذِهِ الحالاتِ لِلذَّهَبِ في أحْوالِهِ المُتَعَدِّدَةِ ونِسَبِها المُتَفاوِتَةِ في كُلِّ طَوْرٍ وما يَنُوبُ عَنْهُ مِن مِقْدارِ القُوى المُتَضاعِفَةِ ويَقُومُ مَقامَهُ حَتّى يُحاذِيَ بِذَلِكَ فِعْلَ الطَّبِيعَةِ في المَعْدِنِ أوْ يُعِدَّ لِبَعْضِ المَوادِّ صُورَةً مِزاجِيَّةً تَكُونُ كَصُورَةِ الخَمِيرَةِ لِلْخُبْزِ وتَفْعَلُ في هَذِهِ المادَّةِ بِالمُناسِبَةِ لِقُواها ومَقادِيرِها.

وهَذِهِ كُلُّها إنَّما يَحْصُرُها العِلْمُ المُحِيطُ وهو عِلْمُهُ عَزَّ وجَلَّ، والعُلُومُ البَشَرِيَّةُ قاصِرَةٌ عَنْ ذَلِكَ، وإنَّما حالُ مَن يَدَّعِي حُصُولَهُ عَلى الذَّهَبِ بِهَذِهِ الصِّناعَةِ بِمَثابَةِ مَن يَدَّعِي صَنْعَةَ تَخْلِيقِ الإنْسانِ مِنَ المَنِيِّ ونَحْنُ إذا سَلَّمْنا الإحاطَةَ بِأجْزائِهِ ونِسَبِهِ وأطْوارِهِ وكَيْفِيَّةِ تَخْلِيقِهِ في رَحِمِهِ وعُلِمَ ذَلِكَ عِلْمًا مُحَصِّلًا لِتَفاصِيلِهِ حَتّى لا يَشِذَّ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ عَنْ عِلْمِهِ سَلَّمْنا لَهُ تَخْلِيقَ هَذا الإنْسانِ وأنّى لَهُ ذَلِكَ.

والحاصِلُ أنَّ الفِعْلَ الصِّناعِيَّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُهم مَسْبُوقٌ بِتَصَوُّراتِ أحْوالِ الطَّبِيعَةِ المَعْدِنِيَّةِ الَّتِي تُقْصَدُ مُساواتُها ومُحاذاتُها، وفِعْلُ المادَّةِ ذاتِ القُوى فِيها عَلى التَّفْصِيلِ وتِلْكَ الأحْوالُ لا نِهايَةَ لَها والعِلْمُ البَشَرِيُّ عاجِزٌ عَمّا دُونَها، فَقَصْدُ تَصْيِيرِ النُّحاسِ ذَهَبًا كَقَصْدِ تَخْلِيقِ إنْسانٍ أوْ حَيَوانٍ أوْ نَباتٍ، وهَذا أوْثَقُ ما عَلِمْتُهُ مِنَ البَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِحالَةِ، ولَيْسَتِ الِاسْتِحالَةُ فِيهِ مِن جِهَةِ الفُصُولِ ولا مِن جِهَةِ الطَّبِيعَةِ وإنَّما هي مِن تَعَذُّرِ الإحاطَةِ وقُصُورِ البَشَرِ عَنْها، وما ذَكَرَهُ ابْنُ سِينا بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ وجْهٌ آخَرُ في الِاسْتِحالَةِ مِن جِهَةِ غايَتِهِ وهو أنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى في الحَجَرَيْنِ ونُدْرَتَهُما أنَّهُما عُمْدَتا مَكاسِبِ النّاسِ ومُتَمَوِّلاتِهِمْ فَلَوْ حَصَلَ عَلَيْها بِالصَّنْعَةِ لَبَطَلَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ إذْ يَكْثُرُ وُجُودُهُما حَتّى لا يَحْصُلَ أحَدٌ مِنِ اقْتِنائِهِما عَلى شَيْءٍ، وآخَرُ أيْضًا وهو أنَّ الطَّبِيعَةَ لا تَتْرُكُ أقْرَبَ الطُّرُقِ في أفْعالِها وتَرْتَكِبُ الأبْعَدَ فَلَوْ كانَ هَذا الطَّرِيقَ الصِّناعِيَّ الَّذِي يَزْعُمُونَ صِحَّتَهُ وأنَّهُ أقْرَبُ مِن طَرِيقِ الطَّبِيعَةِ في مَعْدِنِها وأقَلُّ زَمانًا صَحِيحًا لَما تَرَكَتْهُ الطَّبِيعَةُ إلى طَرِيقِها الَّذِي سَلَكَتْهُ في تَكْوِينِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وتَخْلِيصِهِما، وأمّا تَشْبِيهُ الطُّغْرائِيِّ هَذا التَّدْبِيرَ بِما عَثَرَ عَلَيْهِ مِن مُفْرَداتٍ لِأمْثالِهِ في الطَّبِيعَةِ كالعَقْرَبِ والحَيَّةِ وتَخْلِيقِهِما فَأمْرٌ صَحِيحٌ في ذَلِكَ أدّى عَلَيْهِ العُثُورُ كَما زَعَمَ، وأمّا الكِيمْياءُ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أحَدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ عَثَرَ عَلَيْها ولا عَلى طَرِيقِها وما زالَ مُنْتَحِلُوها يَخْبِطُونَ فِيها خَبْطَ عَشْواءَ ولا يَظْفَرُونَ إلّا بِالحِكاياتِ الكاذِبَةِ ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنهم لَحَفِظَهُ عَنْهُ ولَدُهُ أوْ تِلْمِيذُهُ وأصْحابُهُ وتُنُوقِلَ في الأصْدِقاءِ وضَمِنَ تَصْدِيقُهُ صِحَّةَ العَمَلِ بَعْدَهُ إلى أنْ يَنْتَشِرَ ويَبْلُغَ إلَيْنا أوْ إلى غَيْرِنا، وأمّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الإكْسِيرَ بِمَثابَةِ الخَمِيرَةِ وإنَّهُ مُرَكَّبٌ يُحِيلُ ما حَصَلَ فِيهِ ويُقَلِّبُهُ إلى ذاتِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ الخَمِيرَةَ إنَّما تَقْلِبُ العَجِينَ وتُعِدُّهُ لِلْهَضْمِ وهو فَسادٌ والفَسادُ في المَوادِّ سَهْلٌ يَقَعُ بِأيْسَرِ شَيْءٍ مِنَ الأفْعالِ والطَّبائِعِ، والمَطْلُوبُ مِنَ الإكْسِيرِ قَلْبُ المَعْدِنِ إلى ما هو أشْرَفُ مِنهُ وأعْلى فَهو تَكْوِينٌ والتَّكْوِينُ أصْعَبُ مِنَ الفَسادِ فَلا يُقاسُ الإكْسِيرُ عَلى الخَمِيرَةِ ثُمَّ قالَ: وتَحْقِيقُ الأمْرِ في ذَلِكَ أنَّ الكِيمْياءَ إنْ صَحَّ وُجُودُها كَما يَزْعُمُ الحُكَماءُ المُتَكَلِّمُونَ فِيها فَلَيْسَ مِن بابِ الصَّنائِعِ الطَّبِيعِيَّةِ ولا يَتِمُّ بِأمْرٍ صِناعِيٍّ ولَيْسَ كَلامُهم فِيها مِن مَنحى الطَّبِيعِيّاتِ إنَّما هو مِن مَنحى كَلامِهِمْ في الأُمُورِ السِّحْرِيَّةِ وسائِرِ الخَوارِقِ، وقَدْ ذَكَرَ مَسْلَمَةُ المَجْرِيطِيُّ في كِتابِهِ (الغايَةُ) ما يُشْبِهُ ذَلِكَ وكَلامُهُ فِيها في كِتابِ رُتْبَةِ الحَكِيمِ مِن هَذا المَنحى، وكَذا كَلامُ جابِرٍ في رَسائِلِهِ.

وبِالجُمْلَةِ أنَّ نَيْلَها إنْ كانَ صَحِيحًا فَهو واقِعٌ مِمّا وراءَ الصَّنائِعِ والطَّبائِعِ فَهي إنَّما تَكُونُ بِتَأْثِيراتِ النَّفْسِ وخَوارِقِ العادَةِ كالمَشْيِ عَلى الماءِ وتَخْلِيقِ الطَّيْرِ فَلَيْسَتْ إلّا مُعْجِزَةً أوْ كَرامَةً أوْ سِحْرًا، ولِهَذا كانَ كَلامُ الحُكَماءِ فِيها ألْغازًا لا يَظْفَرُ بِتَحْقِيقِهِ إلّا مَن خاضَ لُجَّةً مِن عُلُومِ السِّحْرِ واطَّلَعَ عَلى تَصَرُّفاتِ النَّفْسِ في عالَمِ الطَّبِيعَةِ، وأُمُورُ خَرْقِ العادَةِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ ولا يَقْصِدُ أحَدٌ إلى تَحْصِيلِها اهـ.

وإلى إمْكانِها ذَهَبَ الإمامُ الرّازِيُّ فَقالَ: الحَقُّ إمْكانُها لِأنَّ الأجْسادَ السَّبْعَةَ مُشْتَرِكَةٌ في أنَّها أجْسادٌ ذائِبَةٌ صابِرَةٌ عَلى النّارِ مُنْطَرِقَةٌ وأنَّ الذَّهَبَ لَمْ يَتَمَيَّزْ عَنْ غَيْرِهِ إلّا بِالصُّفْرَةِ والرَّزانَةِ أوِ الصُّورَةِ الذَّهَبِيَّةِ المُفِيدَةِ لِهَذَيْنِ العَرَضَيْنِ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ، وما بِهِ الِاخْتِلافُ لا يَكُونُ لازِمًا لِما بِهِ الِاشْتِراكُ، فَإذَنْ يُمْكِنُ أنْ تَتَّصِفَ جِسْمِيَّةُ النُّحاسِ بِصُفْرَةِ الذَّهَبِ ورَزانَتِهِ وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ، والحَقُّ أنَّ الكِيمْياءَ مُمْكِنَةٌ وأنَّها مِنَ الصَّنائِعِ الطَّبِيعِيَّةِ لَكِنَّ العِلْمَ بِها مِن أقاصِي العُلُومِ الصَّعْبَةِ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْها إلّا مَن أهَّلَهُ اللَّهُ تَعالى لَها واخْتَصَّهُ سُبْحانَهُ مِن عِبادِهِ وأوْلِيائِهِ بِها وهو عِلْمٌ تاهَتْ في طَلَبِهِ العُقُولُ وطاشَتِ الأحْلامُ، وأصْلُهُ مِنَ الوَحْيِ الإلَهِيِّ وحَصَلَ لِبَعْضٍ بِالتَّصْفِيَةِ وكَثْرَةِ النَّظَرِ مَعَ التَّجْرِبَةِ ووَصَلَ إلى مَن لَيْسَ أهْلًا لِلْوَحْيِ ولَمْ يَتَعاطَ ما تَعاطاهُ البَعْضُ بِالتَّعَلُّمِ مِمَّنْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ، وقالَ أرْسٌ: وهو مِن أجِلَّةِ أهْلِ هَذا العِلْمِ كانَ أوَّلُهُ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ دَرَسَ وبادَ فاسْتَخْرَجَهُ مَنِ اسْتَخْرَجَهُ مِنَ الكُتُبِ وقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى فِيمَن ظَفِرَ بِهِ بِكَتْمِهِ إلّا عَلى مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى وتَواصَتِ الحُكَماءُ عَلى كَتْمِهِ عَنْ غَيْرِ أهْلِهِ بَلْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ عَلى العُقُولِ في فِطْرَتِها المَواثِيقَ بِكِتْمانِهِ وصِيانَتِهِ والِاحْتِراسِ مِن إذاعَتِهِ وإضاعَتِهِ ولِذا تَرى الحُكَماءَ قَدْ ألْغَزُوهُ نِهايَةَ الألْغازِ وأغْمَضُوهُ غايَةَ الإغْماضِ حَتّى عَدَّ كَلامَهم مَن لَمْ يَعْرِفْ مَرامَهم حَدِيثَ خُرافَةٍ وحَكَمَ عَلى قائِلِهِ بِالسَّفَهِ والسَّخافَةِ وبِهَذا الكَتْمِ حَفِظَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي زَعَمَها ابْنُ خَلْدُونٍ في النَّقْدَيْنِ وسَقَطَ اسْتِدْلالُهُ الَّذِي سَمِعْتَهُ فِيما مَرَّ.

وقَدْ نَصَّ جابِرُ بْنُ حَيّانَ وهو إمامٌ في هَذِهِ الصَّنْعَةِ وإنْكارُ أنَّهُ كانَ مَوْجُودًا حُمْقٌ في كِتابِهِ سِرُّ الأسْرارِ عَلى ما قُلْنا حَيْثُ قالَ: كُلُّ حَكِيمٍ وضَعَ رَمْزَهُ وكِتابَهُ عَلى مَعْنًى مُبْهَمٍ مِن وضْعِ الحَلِّ والإصْعادِ والغَسْلِ عَلى أرْبَعِ طَبائِعَ وسَمّاها الأجْسادَ الثِّقالَ ووَصَفَ التَّدابِيرَ عَلى لَفْظٍ ومَعْنًى مُشْتَبِهٍ، فَهو عِنْدَ الحَكِيمِ مَفْتُوحٌ، وعِنْدَ الجَهَلَةِ مُغْلَقٌ، ورُبَّما تَعَدَّوْا إلى أخْذِ تِلْكَ الأجْسادِ بِعَيْنِها واخْتَبَرُوها ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِها، وشَتَمُوا الحُكَماءَ عَلى كِتْمانِهِمْ هَذا العَمَلَ وإنَّما عِمارَةُ الدُّنْيا بِالدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ وإنَّ النّاسَ الصُّنّاعَ والمُقاتِلَةَ لا يَعْمَلُونَ إلّا لِرَغْبَةٍ أوْ رَهْبَةٍ فَعَلِمُوا أنَّهم إنْ أفْشَوْا هَذا السِّرَّ حَتّى يَعْلَمَهُ كُلُّ أحَدٍ لَمْ يَتِمَّ أمْرُ الدُّنْيا وخَرِبَتْ، ولَمْ يَعْمَلْ أحَدٌ لِأحَدٍ فَخَرَجُوا مِن ذَلِكَ وكَتَمُوهُ اهـ.

ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ ما ذَكَّرَهُ ابْنُ خَلْدُونٍ أوَّلًا مِن أنَّ الِاسْتِحالَةَ لِعَدَمِ الإحاطَةِ إذا ثَبَتَ أنَّها كانَتْ عَنْ وحْيٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ عَلى أنَّ فِيهِ ما فِيهِ وإنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، ومِثْلُ ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الطَّبِيعَةَ لا تَتْرُكُ أقْرَبَ الطُّرُقِ في أفْعالِها وتَرْتَكِبُ الأبْعَدَ، لِأنّا نَقُولُ ما يَحْصُلُ مِنَ الطَّبائِعِ أيْضًا، فَيَكُونُ لَها طَرِيقانِ بِعِيدٌ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ تَسْلُكَهُ غالِبًا وقَرِيبٌ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ أيْضًا أنْ تَسْلُكَهُ نادِرًا بِواسِطَةِ مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن عِبادِهِ، وكَوْنُ المُنْتَحِلِينَ لَمْ يَزالُوا يَخْبِطُونَ خَبْطَ عَشْواءَ إنْ أرادَ بِهِمْ أئِمَّةُ هَذِهِ الصِّناعَةَ كَهُرْمُسَ وسُقْراطَ وأفْلاطُونَ وأغارِيمُونَ وفِيثاغُورْسَ، وهِرَقْلَ، وفَرْفُورِيُوسَ، ومارِيَةَ، وذُوسِيمُوسَ، وأرْسٍ، وذُو مِقْراطَ، وسَفِيدُوسَ، وبَلِيناسَ، ومَهْرارِيسَ، وجابِرِ بْنِ حَيّانَ، والمَجْرِيطِيِّ، وأبُو بَكْرِ بْنُ وحْشِيَّةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيّا الرّازِيِّ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً فَهم لَمْ يَخْبِطُوا، ودُونَ إثْباتِ خَبْطِهِمْ خَرْطَ القَتادِ، وإلْغازِهِمْ لِنُكْتَةٍ صَرَّحُوا بِها لا يَدُلُّ عَلى خَبْطِهِمْ، وإنْ أرادَ بِهِمْ مَن يَتَعاطاها مِنَ المَشّاقِينَ في عَصْرِهِ وفي هَذِهِ الأعْصارِ فَما ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ في أكْثَرِهِمْ وهو لا يَطْعَنُ في إمْكانِها.

وقَدْ ذَمَّ الطُّغْرائِيُّ هَذا الصِّنْفَ مِنَ النّاسِ فَقالَ في كِتابِهِ تَراكِيبُ الأنْوارِ: إنَّ المُعَلِّمَ النّاصِحَ مَوْجُودٌ في كُلِّ صَنْعَةٍ إلّا في هَذا الفَنِّ، وكَيْفَ يُرْجى النُّصْحُ عِنْدَ قَوْمٍ يُسَمَّوْنَ فِيما بَيْنَهم بِالحَسَدَةِ وتَحالَفُوا فِيما بَيْنَهم أنْ لا يُوَضِّحُوا هَذِهِ السَّرائِرَ أبَدًا لا سِيَّما في هَذا الزَّمانِ الَّذِي قَدْ بادَ فِيهِ هَذا العِلْمُ جُمْلَةً وصارَ المُتَعَرِّضُ لَهُ والباحِثُ عَنْهُ عِنْدَ النّاسِ مَسْخَرَةً وقَدْ عُنِيتُ بُرْهَةً مِنَ الزَّمانِ أبْحَثُ عَنْ كُلِّ مَن يَظُنُّ أنَّ عِنْدَهُ طَرَفًا مِن هَذا العِلْمِ فَما وجَدْتُ أحَدًا شُمَّ لَهُ رائِحَةٌ ولا عُرِفَ مِنهُ شَطْرُ كَلِمَةٍ، ووَجَدْتُ مُنْتَحِلِي هَذِهِ الصَّنْعَةِ الشَّرِيفَةِ بَيْنَ خادِعٍ يَبِيعُ دِينَهُ ومُرُوءَتُهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيا قَلِيلٍ ويُتْلِفُ أمْوالَ النّاسِ بِالتَّجارِبِ الصّادِرَةِ عَنِ الجَهْلِ، وبَيْنَ مَخْدُوعٍ مَأْخُوذٍ عَنْ رُشْدِهِ بِالأمَلِ الخائِبِ والطَّمَعِ الكاذِبِ والتَّشاغُلِ بِالباطِلِ عَنْ طَلَبِ المَعاشِ الجَمِيلِ والتَّعْوِيلِ عَلى الأمانِيِّ والأكاذِيبِ.

قُصارى أحَدِهِمْ أنْ يَنْظُرَ في كُتُبِ جابِرٍ وأضْرابِهِ فَيَأْخُذُ بِظَواهِرِ كَلامِهِمْ، ويَغْتَرُّ بِجَلايا دَعاوِيهِمْ دُونَ حَقائِقِ مَعانِيهِمْ وهم وجَمِيعُ مَن مَضى مِن حُكَماءِ هَذِهِ الصَّنْعَةِ يُحَذِّرُونَ النّاسَ مِنَ الِاغْتِرارِ بِظَواهِرِ كُتُبِهِمْ، ويُنادُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم يَرْمُزُونَ ويُلْغِزُونَ ولا يُلْتَفَتُ إلى قَوْلِهِمْ ولا يُصَدَّقُونَ إلى آخِرِ ما قالَ.

وقَدْ تَفاقَمَ الأمْرُ في زَمانِنا إلى ما لا تَتَّسِعُ العِبارَةُ لِشَرْحِهِ، وكَوْنُ الكِيمْياءِ مِن تَأْثِيراتِ النُّفُوسِ وخَوارِقِ العاداتِ فَلا تَكُونُ إلّا مُعْجِزَةً أوْ كَرامَةً أوْ سِحْرًا لَيْسَ بِشَيْءٍ بَلْ هي بِأسْبابٍ عادِيَّةٍ لَكِنَّها خَفِيَّةٌ عَلى أكْثَرِ النّاسِ لا دَخْلَ لِتَأْثِيرِ النُّفُوسِ فِيها أصْلًا.

نَعَمْ قَدْ يَكُونُ مِنَ النَّبِيِّ أوِ الوَلِيِّ ما يَكُونُ مِنَ الكِيماوِيِّ مِن غَيْرِ مُعاطاةِ تِلْكَ الأسْبابِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَرامَةً أوْ مُعْجِزَةً، وكَوْنُ مَنحى كَلامِ بَعْضِ الحُكَماءِ فِيها مَنحى كَلامِهِمْ في الأُمُورِ السِّحْرِيَّةِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّها مِن أنْواعِ السِّحْرِ أوْ تَوابِعِهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِن إلْغازِهِمْ لِأمْرِها، وقَدْ تَفَنَّنُوا في الإلْغازِ لَها وسَلَكُوا في ذَلِكَ كُلَّ مَسْلَكٍ، فَوَضَعَ بَلِيناسُ كِتابَهُ فِيها عَلى الأفْلاكِ والكَواكِبِ، ومِنهم مَن تَكَلَّمَ عَلَيْها بِالأمْثالِ ومِنهم مَن تَكَلَّمَ عَلَيْها بِالحِكاياتِ الَّتِي هي أشْبَهُ شَيْءٍ بِالخُرافاتِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وبِالجُمْلَةِ هي صَنْعَةٌ قَلَّ مَن يَعْرِفُها جِدًّا، وأعَدَّ الِاشْتِغالَ بِها والتَّصَدِّيَ لِمَعْرِفَتِها مَن كَتَبَها مِن غَيْرِ حَكِيمٍ عارِفٍ بِرُمُوزِها كَما يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ المُنْتَحِلِينَ لَها اليَوْمَ مَحْضُ جُنُونٍ، وكَوْنُ أصْلِها الوَحْيَ الإلَهِيَّ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ هو الَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ، وقَدْ أوْرَدَ الطُّغْرائِيُّ في كُتُبِهِ كَجامِعِ الأسْرارِ وغَيْرِهِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فَذَكَرَ أنَّهُ رُوِيَ عَنْ هُرْمُسَ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوْحى إلى شَيْثِ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ أنِ ازْرَعِ الذَّهَبَ في الأرْضِ البَيْضاءِ النَّقِيَّةِ واسْقِهِ ماءَ الحَياةِ، وقالَتْ مارِيَةُ: إنِّي لَسْتُ أقُولُ لَكم مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، ولَكِنِّي أقُولُ لَكم ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَبِيَّهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأعْلَمَهُ أنَّ الحَجَرَ النَّسْطَرِيسَ هو الَّذِي يُمْسِكُ الصَّبْغَ وقالَ بِنِسْبَتِها إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذُوسِيمُوسُ وأرْسٌ، وذَكَرَ أرْسٌ أنَّ العَمَلَ بِها كانَ طَوْعَ اليَهُودِ بِمِصْرَ، وكانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أوَّلُ مَن دَخَلَ مِصْرَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَعْرِفُ ذَلِكَ فَأكْرَمَهُ فِرْعَوْنُ لِحِكْمَتِهِ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ تَعالى إيّاها، وذَكَرَ أيْضًا فَصْلًا مَرْمُوزًا فِيها نَسَبَهُ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقالَ الطَّرَسُوسِيُّ في كِتابِهِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أهْبَطَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ عَوَّضَهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ وكانَ عِلْمُ الصَّنْعَةِ مِمّا عَلَّمَهُ، وانْتَقَلَ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ كَما انْتَقَلَتِ العُلُومُ الأُخَرُ إلى أيّامِ هُرْمُسَ الأوَّلِ، وقالَ أيْضًا: حَدَّثُونا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ بِإسْنادٍ لَهُ مُتَّصِلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««زُوِيَتْ لِي الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها وأُعْطِيتُ الكِبْرِيتُ الأبْيَضُ والأحْمَرُ»».

ورَوى جابِرٌ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في ذَلِكَ رِواياتٍ كَثِيرَةً حَتّى أنَّهُ أسْنَدَ إلَيْهِ عِدَّةً مَن كُتُبِهِ ولا أُحَقِّقُ قَوْلَهُ ولا أُكَذِّبُهُ وأُجِلُّهُ لِمَوْضِعِهِ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ عَنِ الِافْتِراءِ عَلى الأئِمَّةِ، ورُوِيَ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: ما تَقُولُ فِيما خاضَ النّاسُ فِيهِ مِن عِلْمِ الكِيمْياءِ؟

فَأطْرَقَ مَلِيًّا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قالَ: سَألْتُمُونِي عَنْ أُخْتِ النُّبُوَّةِ وتَوْأمِ المُرُوَّةِ لَقَدْ كانَ وإنَّهُ لَكائِنٌ وما مِن شَجَرَةٍ ولا مَدَرَةٍ ولا شَيْءٍ إلّا وفِيهِ أصْلٌ وفَرْعٌ أوْ أصْلٌ أوْ فَرْعٌ قِيلَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أما تَعْلَمُهُ؟

قالَ: واللَّهِ تَعالى أنا أعْلَمُ بِهِ مِنَ العالِمِينَ لَهُ لِأنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِالعِلْمِ عَلى ظاهِرِهِ دُونَ باطِنِهِ وأنا أعْلَمُ العِلْمَ ظاهِرَهُ وباطِنَهُ، قِيلَ: فاذْكُرْ لَنا مِنهُ شَيْئًا نَأْخُذْهُ مِنكَ، قالَ: واللَّهِ تَعالى لَوْلا أنَّ النَّفْسَ أمّارَةٌ بِالسُّوءِ لَقُلْتُ: قِيلَ: فَما كانَ تَقُولُ؟

قالَ: إنِّي أعْلَمُ أنَّ في الزِّئْبَقِ الرَّجْراجِ والذَّهَبِ الوَهّاجِ والحَدِيدِ المُزَعْفَرِ وزِنْجارِ النُّحاسِ الأخْضَرِ لَكُنُوزًا لا يُؤْتى عَلى آخِرِها يُلَقَّحُ بَعْضُها بِبَعْضٍ فَتَفْتَرُّ عَنْ ذَهَبٍ كامِنٍ، قِيلَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ما نَعْلَمُ هَذا، قالَ: هو ماءٌ جامِدٌ وهَواءٌ راكِدٌ ونارٌ حائِلَةٌ وأرْضٌ سائِلَةٌ قالُوا: ما نَفْقَهُ هَذا، قالَ: لَوْ حَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الحِكْمَةِ أنْ يُكَلِّمُوا النّاسَ عَلى غَيْرِ هَذا لَعَلِمَهُ الصِّبْيانُ في المَكاتِبِ اهـ كَلامُ الطُّغْرائِيِّ بِاخْتِصارٍ.

وذَكَرَ في كِتابِهِ مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ ومَصابِيحُ الحِكْمَةِ عَنْ سِتِّينَ نَبِيًّا وحَكِيمًا أنَّهم قالُوا بِحَقِّيَّةِ هَذا العِلْمِ، وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ هَذِهِ الأخْبارِ شَيْءٌ، والأغْلَبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ لَوْ كانَ في الكِيمْياءِ خَبَرٌ مَقْبُولٌ عِنْدَ المُحْدَثِينَ لَشاعَ ولَمّا أنْكَرَها مَن هو مِن أجِلَّتِهِمْ كَشَيْخِ الإسْلامِ تَقِيِّ الدِّينِ أحْمَدَ بْنِ تَيْمِيَّةَ فَإنَّهُ كانَ يُنْكِرُ ثُبُوتَها وألَّفَ رِسالَةً في إنْكارِها، ولَعَلَّ رَدَّ الشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ ابْنِ أبِي الذَّرِّ البَغْدادِيِّ وتَزْيِيفَهُ ما قالَهُ فِيها كَما زَعَمَ الصَّفَدِيُّ إنَّما كانَ فِيما هو مِن بابِ الِاسْتِدْلالاتِ العَقْلِيَّةِ فَإنَّ الرَّجُلَ في بابِ النَّقْلِيّاتِ مِمّا لا يُجارِيهِ نَجْمُ الدِّينِ المَذْكُورُ وأمْثالُهُ وهو في بابِ العَقْلِيّاتِ وإنْ كانَ جَلِيلًا أيْضًا إلّا أنَّهُ دُونَهُ في النَّقْلِيّاتِ، والمَطْلَبُ دَقِيقٌ حَتّى أنَّ بَعْضَ مَن تُعْقَدُ عَلَيْهِ الخَناصِرُ اضْطَرَبَ في أمْرِها فَأنْكَرَها تارَةً وأقَرَّ بِها أُخْرى، فَهَذا شَيْخُ الحُكَماءِ ورَئِيسُهم أبُو عَلِيِّ بْنُ سِينا سَمِعْتَ ما نُقِلَ عَنْهُ أوَّلًا، وحُكِيَ عَنْهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وعَلى جَوْدَةِ ذِهْنِهِ وعُلُوِّ كَعْبِهِ في الحِكْمَةِ بِأقْسامِها لَمْ يَقِفْ عَلى حَقِيقَةِ عَمَلِها حَتّى قالَ الطُّغْرائِيُّ في تَراكِيبُ الأنْوارِ ما يَنْقَضِي عَجَبِي مِن أبِي عَلِيِّ بْنِ سِينا كَيْفَ اسْتَجازَ وضْعَ رِسالَةٍ في هَذا الفَنِّ فَضَحَ بِها نَفْسَهُ وخالَفَ الأُصُولَ الَّتِي عِنْدَهُ وقَصَّرَ فِيها عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الحَشْوِيَّةِ الطَّغامِ المُظْلِمَةِ الأذْهانِ الكَلِيلَةِ الأفْهامِ.

وقالَ في جامِعِ الأسْرارِ: إنَّ الشَّيْخَ أبا عَلِيِّ بْنَ سِينا لِفَرْطِ شَغَفِهِ بِهَذا العِلْمِ وحَدْسِهِ القَوِيِّ بِأنَّهُ حَقٌّ صَنَّفَ رِسالَةً فِيهِ فَأحْسَنَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الطَّبِيعِيّاتِ ولِخَفاءِ طَرِيقِ القَوْمِ واسْتِعْمائِها دُونَهُ لَمْ يَذْكُرْ في التَّدابِيرِ المُخْتَصَّةِ بِعِلْمِنا لَفْظَةً صَحِيحَةً ولا أشارَ إلى ذِكْرِ المِزاجِ الحَقِّ والأوْزانِ والتَّراكِيبِ المَكْتُومَةِ والنَّيِّرانِ وطَبَقاتِها والآلَةِ الَّتِي لا يَتِمُّ العَمَلُ إلّا بِها وهي أحَدُ الشَّرائِطِ العَشَرَةِ، ولَمْ يَتَجاوَزْ ما عِنْدَ الحَشْوِيَّةِ مِن تَدابِيرِ الزَّوابِقِ والكَبارِيتِ والدَّفْنِ في زَبْلِ الخَيْلِ والتَّشاغُلِ بِهَذِهِ القاذُوراتِ ولَوْلا آفَةُ الإعْجابِ وحُسْنُ ظَنِّ الإنْسانِ بِعِلْمِهِ وحِرْصُهُ عَلى أنْ لا يَشِذَّ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ المَعارِفِ لَكانَ مِنَ الواجِبِ عَلى مِثْلِهِ مَعَ غَزارَةِ عِلْمِهِ وعُلُوِّ طَبَقَتِهِ في الأبْحاثِ الحَقِيقِيَّةِ أنْ يَكْتَفِيَ بِما عِنْدَهُ، ولا يَتَعَرَّضَ لِما لا يَعْلَمُهُ، وقَدْ تَأدّى إلَيْنا مِن تَدابِيرِهِ عَنْ أصْحابِهِ الَّذِينَ شاهَدُوها أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ عِلْمِنا، وقَدْ رَأيْنا بِخَطِّهِ مِنِ التَّعالِيقِ المُلْتَقَطَةِ مِن كَلامِ جابِرِ بْنِ حَيّانَ، وخالِدِ بْنِ يَزِيدَ ما يَدُلُّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ اهـ مُلَخَّصًا، والكَلامُ في هَذا المَطْلَبِ طَوِيلٌ وفِيما ذَكَرْنا كِفايَةٌ لِمَن أحَبَّ الِاطِّلاعَ عَلى شَيْءٍ مِمّا قِيلَ في ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ، ثُمَّ إنَّ القَوْلَ بِأنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ في الآيَةِ عِلْمُ اسْتِخْراجِ الكُنُوزِ والدَّفائِنِ يَسْتَدْعِي ثُبُوتَ هَذا العِلْمِ، وأهْلُ عِلْمِ الحِرَفِ وعِلْمِ الطَّلْسَماتِ يَقُولُونَ بِهِ ولَهم في ذَلِكَ كَلامٌ طَوِيلٌ والعَقْلُ يُجَوِّزُ ثُبُوتَهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِثُبُوتِهِ في نَفْسِ الأمْرِ.

﴿ أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِن القُرُونِ مِن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ﴾ تَقْرِيرٌ لِعِلْمِهِ ذَلِكَ وتَنْبِيهٌ عَلى خَطَئِهِ في اغْتِرارِهِ وعِلْمِهِ بِذَلِكَ مِنَ التَّوْراةِ أوْ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مِن كُتُبِ التَّوارِيخِ أوْ مِن (القُصّاصِ)، والقُوَّةُ تَحْتَمِلُ القُوَّةَ الحِسِّيَّةَ والمَعْنَوِيَّةَ، والجَمْعُ يَحْتَمِلُ جَمْعَ المالِ وجَمْعَ الرِّجالِ، والمَعْنى ألَمْ يَقِفْ عَلى ما يُفِيدُهُ العِلْمَ ولَمْ يَعْلَمْ ما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِمَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً حِسًّا أوْ مَعْنًى وأكْثَرَ مالًا أوْ جَماعَةً يَحُوطُونَهُ ويَخْدُمُونَهُ حَتّى لا يَغْتَرَّ بِما اغْتَرَّ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةً عَلى مُقَدَّرٍ، وجُمْلَةُ أوَلَمْ يَعْلَمْ حالِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْإنْكارِ ودالَّةٌ عَلى انْتِفاءِ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِكَ: أتَدَّعِي الفِقْهَ وأنْتَ لا تَعْرِفُ شُرُوطَ الصَّلاةِ، والمُرادُ رَدُّ ادِّعائِهِ العِلْمَ والتَّعَظُّمُ بِهِ بِنَفْيِ هَذا العِلْمِ عَنْهُ أيْ أعَلِمَ ما ادَّعاهُ ولَمْ يَعْلَمْ هَذا حَتّى يَقِيَ بِهِ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ، وقِيلَ: إنَّ (لَمْ يَعْلَمْ) عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ المُقَدَّرِ ونَفْيُ العِلْمِ عَنْهُ لِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلى مُوجِبِهِ ﴿ ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا في الآخِرَةِ وأنَّ ضَمِيرَ ذُنُوبِهِمْ لِلْمُجْرِمِينَ، وفاعِلُ السُّؤالِ إمّا اللَّهُ تَعالى أوِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمُرادُ بِالسُّؤالِ المَنفِيِّ هُنا، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ  ﴾ عَلى ما قِيلَ: سُؤالُ الِاسْتِعْلامِ، ونَفْيُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ظاهِرٌ، وبِالنِّسْبَةِ إلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأنَّهم مُطَّلِعُونَ عَلى صَحائِفِهِمْ أوْ عارِفُونَ إيّاهم بِسِيماهم كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ  ﴾ .

والمُرادُ بِالسُّؤالِ المُثْبَتِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ  ﴾ سُؤالُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ فَلا تَناقُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى والنَّفْيُ والإثْباتُ بِاعْتِبارِ مَوْضِعَيْنِ أوْ زَمانَيْنِ، والمَواقِفُ يَوْمَ القِيامَةِ كَثِيرَةٌ واليَوْمُ طَوِيلٌ فَلا تَناقُضَ أيْضًا، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ غَيْرُ داخِلَةٍ في حَيِّزِ العِلْمِ، ولَعَلَّ وجْهَ اتِّصالِها بِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ قارُونَ بِذِكْرِ إهْلاكِ مَن قَبْلَهُ مِن أضْرابِهِ في الدُّنْيا أرْدَفَ ذَلِكَ بِما فِيهِ تَهْدِيدُ كافَّةِ المُجْرِمِينَ بِما هو أشْنَعُ وأشْنَعُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ فَإنَّ عَدَمَ سُؤالِ المُذْنِبِ مَعَ شِدَّةِ الغَضَبِ عَلَيْهِ يُؤْذِنُ بِالإيقاعِ بِهِ لا مَحالَةَ، وجَعْلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الجُمْلَةَ تَذْيِيلًا لِما قَبْلَها، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا.

والمُرادُ أنَّهُ تَعالى أهْلَكَ مَن أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ عَنْ عِلْمٍ مِنهُ سُبْحانَهُ بِذُنُوبِهِمْ فَلَمْ يَحْتَجْ عَزَّ وجَلَّ إلى مَسْألَتِهِمْ عَنْها، وقِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ ذُنُوبِهِمْ لِمَن هو أشَدُّ قُوَّةً وهو المُهْلَكُ مِنَ القُرُونِ، والإفْرادُ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ والمَعْنى، والمَعْنى ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِ أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ غَيْرُهم مِمَّنْ أجْرَمَ، ويُعْلَمُ أنَّهُ لا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ مَن لَمْ يُجْرِمْ بِالأُولى لِما بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ مِنَ العَداوَةِ فَمَآلُ المَعْنى لا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِ المُهْلَكِينَ غَيْرُهم مِمَّنْ أجْرَمَ ومِمَّنْ لَمْ يُجْرِمْ، بَلْ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى، ورُبَّما يَخْتَلِجُ في ذِهْنِكَ عَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ أوْ جَعْلُها حالًا مِن فاعِلِ أهْلَكَ أوْ مِن مَفْعُولِهِ لَكِنْ إذا تَأمَّلْتَ أدْنى تَأمُّلٍ أخْرَجْتَهُ مِن ذِهْنِكَ وأبَيْتَ حَمْلَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلَ عَلى ذَلِكَ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ «ولا تَسْألْ» بِتاءِ الخِطابِ والجَزْمِ «المُجْرِمِينَ» بِالنَّصْبِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وابْنُ سِيرِينَ (ولا تَسْئَلْ) كَذَلِكَ ولَمْ نَدْرِ أنَصَبا المُجْرِمِينَ كَأبِي جَعْفَرٍ أمْ رَفَعاهُ كَما هو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، والظّاهِرُ الأوَّلُ، وجَوَّزَ صاحِبُ اللَّوامِحِ الثّانِيَ، وذَكَرَ لَهُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ذُنُوبِهِمْ لِلْمُهْلَكِينَ مِنَ القُرُونِ وارْتِفاعُ المُجْرِمِينَ بِإضْمارِ المُبْتَدَأِ أيْ هُمُ المُجْرِمُونَ، والثّانِي أنْ يَكُونَ المُجْرِمُونَ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ ذُنُوبِهِمْ بِاعْتِبارِ أنَّ أصْلَهُ الرَّفْعُ لِأنَّ إضافَةَ ذُنُوبِ إلَيْهِ بِمَنزِلَةِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى اسْمِ الفاعِلِ وأوْرَدَ عَلى هَذا أنَّ ذُنُوبَ جَمْعٌ فَإنْ كانَ جَمْعٌ مَصْدَرٌ فَفي إعْمالِهِ خِلافٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى يعني: من بني إسرائيل.

ويقال: كان ابن عم موسى فَبَغى عَلَيْهِمْ يعني: تطاول وتكبر على بني إسرائيل، وكان فرعون قد ملكه على بني إسرائيل حين كانوا بمصر، فلما قطع موسى البحر ببني إسرائيل ومعه قارون، وأغرق الله تعالى فرعون وجنوده، ورجع موسى  ببني إسرائيل إلى أرض مصر وسكنوا ديارهم كما قال في رواية أُخرى وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ [الشعراء: 59] وجعلت الحبورة لهارون، وهو الرأس الذي يقرّب القربان.

فقال قارون لموسى: لك النبوة ولهارون الحبورة والمذبح، وأنا لست في ذلك من شيء.

فقال له موسى: أنا لم أفعل ذلك، ولكن الله تعالى فعل ذلك.

فقال له قارون: لا أصدقك على هذا، واعتزل قارون ومن تبعه من بني إسرائيل، وكان كثير المال والتبع.

وروي عن الحسن أنه قال: إنّ أول من شرف الشرف قارون، لما بنى داره وفرغ منها، وشرفها وصنع للناس طعاماً سبعة أيام، يجمعهم كل يوم ويطعمهم.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «لما أمر الله تعالى موسى بالزكاة قال لقارون: إن الله تعالى أمرني أن آخذ من مالك الزكاة، فأعط من كل مائتي درهم خمسة دراهم، فلم يرض بذلك ثمّ قال له: اعط من كل مائتي درهم درهماً، فلم يرض بذلك، فقال له: اعط من كل ألف درهم درهماً، فلم يرض بذلك.

وقال لبني إسرائيل: إن موسى لم يرض حتى تناول أموالكم، فما ترون؟

قالوا: رأينا لرأيك تبع.

قال: فإني أرى أن ترموه فتهلكوه، فبعثوا إلى امرأة زانية، فأعطوه حكما على أن ترميه بنفسها، ثم أتوه في جماعة بني إسرائيل فقالوا: يا موسى، ما على من يسرق من الحرز؟

قال: تقطع يده.

قالوا: وإن كنت أنت؟

قال: وإن كنت أنا.

قالوا: وما على الزاني إذا زنى؟

قال: يرجم.

قالوا: وإن كنت أنت؟

قال: وإن كنت أنا.

قالوا: فأنت قد زنيت.

قال: أنا، وجزع من ذلك، فأرسلوا إلى المرأة، فلما جاءت وعظها وعظم عليها موسى الحلف بالله، وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التَّورَاة على موسى إلا صدقت.

قالت: أما إذا حلفتني، فإني أشهد أنك بريء، وإنك رسول الله.

وقالت: أرسلوا إليَّ فأعطوني حكمي على أن أرميك بنفسي.

قال: فخرّ موسى  لله ساجداً يبكي، فأوحى الله تعالى إليه: ما يبكيك؟

قد أمرت الأرض أن تطيعك، فأمرها بما شئت.

فقال موسى: خذيهم، فأخذتهم» .

وفي رواية الحسن: خرج موسى  مغضبا، فدعا الله عز وجل، وقال: عبدك قارون الذي عبد غيرك وجحدك، فأوحى الله تعالى إلى موسى: إني قد أمرت الأرض بأن تطيعك، فجاء موسى حتى دخل إلى قارون حين اجتمع الناس في داره.

فقال: يا عدو الله كذبتني في كلام له غيظ، حتى غضب قارون وأقبل عليه بكلام شديد، وهّم به.

فلما رأى موسى ذلك قال: يا أرض خذيهم.

قال: وكان قارون على فرش على سرير مرتفع في السماء، فأخذت الأرض أقدامهم، وغاب سريره ومجلسه، وقد دخل من الدار في الأرض مثل ما أخذت منهم على قدرها، فأقبل موسى يوبخهم ويغلظ لهم المقالة.

فلما رأى القوم ما نزل بهم، عرفوا أن هذا الأمر ليس لهم به قوة، فنادوا: يا موسى ارحمنا وكف عنا، وجعلوا يتضرعون إليه ويطلبون رضاه، وهو لا يزداد إلا غضباً وتوبيخاً لهم ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم، فجعلوا يتضرعون إليه ويسألونه، وهو يوبخهم.

ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أوساطهم، وكانت الأرض تأخذ من الدار كل مرة مثل ما تأخذ منهم، وهم يتضرعون في ذلك إلى موسى ويسألونه.

ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى آباطهم، فمدوا أيديهم إلى وجه الأرض رجاء أن يمتنعوا بها.

ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم، فلم يبق على وجه الأرض منهم شيء إلا رؤوسهم، ولم يبق من الدار إلا شرفها.

وقال قارون: يا موسى أنشدك بالله وبالرحم.

فقال: يا أرض خذيهم، فاستوت الأرض عليهم وعلى الدار.

فانطلق موسى وهو فرح بذلك، فأوحى الله تعالى إليه، يا موسى يتضرع إليك عبادي، ودعوك وسألوك فلم ترحمهم، أما وعزتي وجلالي لو أنهم دعوني، واستغاثوا بي لرحمتهم، ولكن تركوا أن يجعلوا رغبتهم ورجاءهم إلي، وجعلوها إليك، فتركتهم فذلك قوله تعالى: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ يعني: تطاول على بني إسرائيل، وعلى موسى وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ يعني: من المال مَا إِنَّ مَفاتِحَهُ يعني: خزائنه لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ قال مقاتل: العصبة من العشرة إلى الأربعين، فإذا كانوا أربعين فهم أولو قوة.

يقول: لتعجز العصبة أولو القوة عن حمل مفاتيح الخزائن.

وقال أهل اللغة: ناء به الحمل إذا أثقله.

وقال القتبي: تنوء بالعصبة، أي تميل بها العصبة، إذا حملتها من ثقلها، وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: «العصبة في هذا الموضع أربعون رجلاً، وخزائنه كانت أربعمائة ألف، يحمل كل رجل عشرة آلاف ويقال مَفاتِحَهُ يعني: مفاتيح خزائنه يحملها أربعون رجلاً.

ويقال: أربعون بغلاً.

وروى وكيع عن الأعمش عن خيثمة قال: كان مفاتيح كنوز قارون من جلد، كل مفتاح مثل الإصبع، كل مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حمل المفاتيح على ستين بغلاً، كل بغل أغر محجل إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ يعني: بني إسرائيل لاَ تَفْرَحْ يعني: لا تفخر بما أوتيت من الأموال.

ويقال: لا تفرح بكثرة المال إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ يعني: المرحين المفاخرين.

ويقال: البطرين ويقال: لا تَفْرَحْ أي: لا تأشر، والأشر: أشد الفرح الذي يخالطه حرص شديد حتى يبطر، يعني: يطغى وقالوا له: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ يعني: اطلب مما أعطاك الله تعالى من الأموال والخير الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا يعني: لا تترك حظك من الدنيا أن تعمل لآخرتك وَأَحْسِنْ العطية من الصدقة والخير كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ يعني: أعط الناس كما أعطاك الله.

ويقال: أحسن إلى الناس كما أحسن الله إليك وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ يعني: أنفقه في طاعة الله تعالى، ولا تنفقه في معصية الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ المنفقين في المعصية- وقوله: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا أي: لا تضيع عمرك فإنه نصيبك من الدنيا (١) يقول الله تعالى: أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً من الأموال منهم: نمرود وغيره وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ يعني: لا يسأل الكافرون عن ذنوبهم، لأن كل كافر يعرف بسيماه، وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل: لا يسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية وقيل: لا يسأل الكافرون يوم القيامة عن ذنوبهم سؤال النجاة، بل يسألون سؤال العذاب والمناقشة.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لِسُلَيْمَانَ- عَلَيْهِ السَّلاَمُ-: يَا بُنَيَّ، لاَ تُكْثِرِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَإنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ، يَدَعُ الرَّجُلُ فَقِيراً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «١» ، انتهى.

وابتغاء الفضل: هو بالمَشي والتصرُّفِ.

وقوله تعالى: وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً أي: عُدُوْلَ الأممِ وأخيارَهَا، فيشهدوْنَ على الأمم بخيرِها وشرِّها، فيحقُّ العذابُ عَلى مَنْ شُهِدَ عليه بالكُفْرِ، وقيل له: على جهة الإعذار في المحاورة: هاتُوا بُرْهانَكُمْ، ومن هذه الآيةِ انْتُزِعَ قولُ القاضِي عند إرادة الحكم: أبقيت لك حجة.

إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)

وقوله تعالى: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ ...

الآية، كان قارونُ مِنْ قرابةِ مُوسى: ممن آمن بموسى وحَفظَ/ التوراةَ وكَانَ عند مُوْسَى عليه السلام مِنْ عُبَّادِ ٥٩ ب الْمُؤمِنين، ثم إنَّ الله أضَلَّهُ وبَغَى عَلى قَوْمِهِ بأَنْوَاعِ البَغْيِ مِنْ ذلكَ كُفْرُهُ بموسَى.

وقال الثَّعْلَبِيُّ: قال ابن المسيب: كانَ قارونُ عامِلاً لِفِرْعونَ عَلى بني إسرائيل ممنْ يبغي عليهم ويظلُمهم.

قال قتادةُ: بَغَى عليهم بِكَثْرَةِ مالِهِ وولدِه «٢» ، انتهى.

ت: وما ذَكَرَهُ ابنُ المسيب، هو الذي يَصِحُّ في النظر لمتُأَمِّلِ الآية، ولولا الإطالة

لَبَيَّنْتُ وَجْهَ ذَلِكَ، والمَفاتِحُ ظاهِرُها: أنها التي يُفْتَحُ بِها، ويحتمل أنْ يُرِيدَ بها: الخزائنَ والأوعيةَ الكبارَ قاله الضحاك «١» لأنَّ المِفْتَحُ في كلام العرب الخزانة، وأمّا قوله:

لَتَنُوأُ فمعناه: تَنْهَضُ بتحامل واشتدادِ، قال كثير من المفسرين: إنَّ المرادَ: أن العُصْبةَ تَنُوءُ بالمفَاتِح المُثْقِلةِ لها فَقُلِبَ.

قلت: وقال عريب الأندلسي في كتاب «الأَنواء» : له نَوْءُ كذا معناه: مثله منه:

لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ، انتهى، وهو حَسَنٌ إنْ سَاعَدَهُ النَّقْلُ.

وقالَ الدَّاوُودِيُّ عن ابن عباسٍ:

لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ يقولُ تَثْقُلُ وكذا قال الواحديُّ، انتهى.

واخْتُلِفَ في العصبة:

كمْ هُمْ؟

فقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ- رضي الله عنه-: ثَلاثَةُ «٢» ، وقال قتادةُ: هم من العشرة إلى الأربعين «٣» ، قال البخاريُّ «٤» : يقال: الفَرِحينَ المَرِحينَ.

قال الغَزَالِيُّ في «الإحْيَاءِ» : الفَرَحُ بالدنيا والتَّنَعُّمُ بِهَا سُمٌّ قَاتِلٌ يَسْرِي في العُرُوقِ فَيُخْرِجُ مِن القَلْبِ الخوفَ والحَزَنَ وذِكْرَ الموتِ وأهوالَ القيامة وهذا هو موتُ القلبِ والعياذُ باللهِ، فأولوا الحَزْم من أربابِ القلوبِ جَرَّبُوا قلوبَهم في حال الفَرَحِ بمُوَاتَاةِ الدنيا، وعلموا أن النَّجَاةَ في الحُزْنِ الدائم، والتباعُدِ من أسبابِ الفَرَح، والبَطَرِ فقَطَّعُوا النَّفْسَ عن ملاذِّها وعَوَّدُوها الصَّبْرَ عَنْ شَهَوَاتِها حَلالِها وحَرَامِهَا، وعلموا أن حلالَها حِسَابٌ وهُوَ نَوْعُ عذابٍ، وَمَنْ نُوقِشَ الحساب عُذِّبَ، فَخَلَّصُوا أَنْفُسَهُمْ من عَذابِهَا، وَتَوَصَّلُوا إلى الحرّية والملكِ في الدنيا والآخرة بالخلاص من أسْرِ الشهواتِ وَرقِّها، والأنْسِ بِذِكْرِ اللهِ تعَالَى والاشْتِغَالِ بِطَاعَتِه، انتهى.

قال ابن الحاجِّ في «المَدْخَلِ» : قال يَمَنُ بن رزق- رحمه الله تعالى-: وأنا أُوصيكَ بأن تُطِيلَ النظرَ في مِرْآةِ الفِكْرَةِ مَعَ كثرةِ الخَلَوَاتِ، حَتَّى يُرِيَكَ شَيْنَ المَعْصِيَةِ وَقُبْحِهَا، فَيَدْعُوكَ ذَلِكَ النَّظَرُ إلى تَركها، ثم قال يمن بن رزق: ولاَ تَفْرَحَنَّ بِكَثْرَةِ العَمل مع قلةِ الحزْنِ، واغْتَنِمْ قليلَ العَمَلِ مَعَ الحزنِ، فإن قليلَ حُزْنِ الآخرةِ الدَّائِمِ فِي القلبِ يَنْفِي كُلَّ سُرُورِ ألفْتَهُ من سرورِ الدنيا، وقليلَ سرورِ الدنيا في القلب ينفي عنك «٥» جميع حزن

الآخِرَة.

والحزنُ لا يصلُ إلى القلبِ إلاَّ مع تَيَقُّظِهِ وَتَيَقُّظُهُ حَيَاتهُ، وسرورُ الدُّنيا لِغَيْرِ الآخرةِ لا يصلُ إلى القلب إلا مع غَفْلَتِه وغفلةُ القَلْبِ مَوتُه، وعلامةُ ثَبَاتِ اليقِينِ في القَلْبِ اسْتِدَامَةِ الحُزْن فِيهِ.

وقال- رحمه الله-: اعْلَمْ أني لم أجدْ شَيئاً أبلَغَ في الزُّهد في الدنيا من ثباتِ حزْن الآخرة في القلب، وعلامَةُ ثباتِ حُزْنِ الآخِرةِ في القلبِ أَنْسُ العبدِ بالوَحْدَةِ، انتهى.

وقولهم له: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا.

قال ابن عباس والجمهور: معناه: لا تُضَيِّعْ عُمْرَكَ في أَلاَّ تعمل عملاً صالحاً في دنياك إذ الآخرة إنّما يُعْمَلُ لَهَا في الدنيا، فنصيبُ الإنسانِ عمرُه وعملَه الصالحُ فيها فينبغي/ أن لا يُهْمِلَه.

وحكى الثعلبيّ أنه قيل: أرادوا بنصيبه الكفَنَ.

قال: ع «١» : وهذا كلُّه وعْظٌ متَّصِلٌ ونحو هذا قولُ الشاعر: [الطويل]

نَصِيبُكَ مِمَّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّه ...

رِدَاءَانِ تلوى فِيهِمَا وَحَنُوطِ «٢»

وقال ابن العربي في «أحكامه «٣» » : وفي معنى النصيبِ ثلاثة أقوال: الأولُ: لا تَنْس حظَّكَ من الدنيا، أي: لا تَغْفَلْ أنْ تَعْمَلَ في الدنيا للآخرة، الثاني: أمْسِك مَا يَبْلُغَكَ فذلك حظُّ الدنيا، وأنْفِقِ الفَضْلَ فذلكَ حظُّ الآخرة، الثالث: لاَ تَغْفَلْ عَنْ شُكْرِ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْكَ، انتهى.

وقولهُم: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ أمرٌ بِصِلةِ المساكينِ وذَوِي الحاجَاتِ.

ص: كَما أَحْسَنَ: - الكاف للتشبيهِ أو للتعليل-، انتهى.

وقول قارون: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي قال الجمهور: ادَّعَى أنَّ عندَه علماً استوجَبَ به أن يكونَ صاحبَ ذلك المالِ، ثم اخْتَلَفُوا في ذلك العلم، فقال ابن المسيب: أراد علم الكيمياء «٤» .

وقال أبو سليمان الداراني: أراد العلم بالتجارة ووجوهِ تثميرِ المال، وقيل غير هذا.

وقوله تعالى: وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ.

قال محمد بن كعب: هو كلامٌ متصِلٌ بمعنى ما قبلَه، والضميرُ في ذُنُوبِهِمُ عائدٌ على مَنْ أُهْلِكَ مِن القرون، أي: أهْلِكوا وَلَمْ يُسْئَلْ غَيرُهم بَعْدَهُمْ عن ذنوبهم، أي: كل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى ﴾ أيْ: مِن عَشِيرَتِهِ؛ وفي نَسَبِهِ إلى مُوسى ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ ابْنَ عَمِّهِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ، وإبْراهِيمُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: ابْنُ خالَتِهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ عَمَّ مُوسى، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

قالَ الزَّجّاجُ: " قارُونُ " اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا يَنْصَرِفُ، ولَوْ كانَ " فاعُولًا " مِنَ العَرَبِيَّةِ مَن " قَرَنْتُ الشَّيْءَ " لا نَصْرِفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَغى عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ جَعَلَ لِبَغِيٍّ جُعْلًا عَلى أنْ تَقْذِفَ مُوسى بِنَفْسِها، فَفَعَلَتْ، فاسْتَحْلَفَها مُوسى عَلى ما قالَتْ، فَأخْبَرَتْهُ بِقِصَّتِها، فَكانَ هَذا بَغْيَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ بَغى بِالكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: بِالكِبَرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ زادَ في طُولِ ثِيابِهِ شِبْرًا، قالَهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ كانَ يَخْدِمُ فِرْعَوْنَ فَتَعَدّى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وظَلَمَهم حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي المُرادِ بِمَفاتِحِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَفاتِيحُ الخَزائِنِ الَّتِي تُفْتَحُ بِها الأبْوابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

ورَوى الأعْمَشُ عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: كانَتْ مَفاتِيحُ قارُونَ وِقْرَ سِتِّينَ بَغْلًا، وكانَتْ مِن جُلُودٍ، كُلُّ مِفْتاحٍ مِثْلُ الإصْبَعِ.

والثّانِي: أنَّها خَزائِنُهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ، والضَّحّاكُ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا الأشْبَهُ أنْ تَكُونَ مَفاتِحُهُ خَزائِنَ مالِهِ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ أبُو صالِحٍ: كانَتْ خَزائِنُهُ تُحْمَلُ عَلى أرْبَعِينَ بَغْلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ ﴾ أيْ: تُثْقِلُهم وتُمِيلُهم.

ومَعْنى الكَلامِ: لَتُنِئُ العُصْبَةُ، فَلَمّا دَخَلَتِ الباءُ في " العُصْبَةِ " انْفَتَحَتِ التّاءُ، كَما تَقُولُ: هَذا يَذْهَبُ بِالأبْصارِ، وهَذا يُذْهِبُ الأبْصارَ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ في آخَرِينَ.

وقالَ بَعْضُهم: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ، وتَقْدِيرُهُ: ما إنِ العُصْبَةُ لَتَنُوءُ بِمَفاتِحِهِ، كَما يُقالُ: إنَّها لَتَنُوءُ بِها عَجِيزَتُها، أيْ: هي تَنُوءُ بِعَجِيزَتِها وأنْشَدُوا: فَدَيْتُ بِنَفْسِهِ نَفْسِي ومالِي وما آَلُوكَ إلّا ما أُطِيقُ أيْ: فَدَيْتُ بِنَفْسِي وبِمالِي نَفْسَهُ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، والأخْفَشِ.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى العُصْبَةِ في سُورَةِ (يُوسُفَ: ٨)، و[فِي] المُرادِ بِها [ها هُنا] سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أرْبَعُونَ رَجُلًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: خَمْسَةَ عَشَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: فَوْقَ العَشْرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: سَبْعُونَ رَجُلًا، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والسّادِسُ: ما بَيْنَ الخَمْسَةَ عَشَرَ إلى الأرْبَعِينَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴾ في القائِلِ لَهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ مِن قَوْمِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ مُوسى لَهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَفْرَحْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: لا تَأْشَرْ، ولا تَبْطَرْ، قالَ الشّاعِرُ: ولَسْتُ بِمِفْراحٍ إذا الدَّهْرُ سَرَّنِي ∗∗∗ ولا جازِعٍ مِن صَرْفِهِ المُتَحَوِّلِ أيْ: لَسْتُ بِأشِرٍ، فَأمّا السُّرُورُ، فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ ﴾ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيَوَةَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " الفارِحِينَ " [بِألِفٍ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ ﴾ أيْ: اطْلُبْ فِيما أعْطاكَ اللَّهُ مِنَ الأمْوالِ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " واتَّبِعْ " بِتَشْدِيدِ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ بَعْدَها وعَيْنٍ ساكِنَةٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ (الدّارُ الآخِرَةُ) وهي: الجَنَّةُ؛ وذَلِكَ يَكُونُ بِإنْفاقِهِ في رِضى اللَّهِ تَعالى وشُكْرِ المُنْعِمِ بِهِ ﴿ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنْ يَعْمَلَ في الدُّنْيا لِلْآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنْ يُقَدِّمَ الفَضْلَ ويُمْسِكَ ما يُغْنِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنْ يَسْتَغْنِيَ بِالحَلالِ عَنِ الحَرامِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفِي مَعْنى: ﴿ وَأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ حَكاها الماوَرْدِيُّ.

أحَدُها: أعْطِ فَضْلَ مالِكَ كَما زادَكَ عَلى قَدْرِ حاجَتِكَ.

والثّانِي: أحْسِنْ فِيما افْتَرَضَ عَلَيْكَ كَما أحْسَنَ في إنْعامِهِ إلَيْكَ.

والثّالِثُ: أحْسِنْ في طَلَبِ الحَلالِ كَما أحْسَنَ إلَيْكَ في الإحْلالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ ﴾ فَتَعْمَلُ فِيها بِالمَعاصِي.

﴿ قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِن القُرُونِ مِن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما أُوتِيتُهُ ﴾ يَعْنِي المالَ ﴿ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: عَلى عِلْمٍ عِنْدِي بِصَنْعَةِ الذَّهَبِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْن عَبّاسٍ؛ قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لا أصِلَ لَهُ، لِأنَّ الكِيمْياءَ باطِلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ.

والثّانِي: بِرِضى اللَّهِ عَنِّي قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: عَلى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: إنَّما أُعْطِيتُهُ لِفَضْلِ عِلْمِي، قالَهُ الفَرّاءُ.

قالَ الزَّجّاجُ: ادَّعى أنَّهُ أُعْطِيَ المالَ لِعِلْمِهِ بِالتَّوْراةِ.

والخامِسُ: عَلى عِلْمٍ عِنْدِي بِوُجُوهِ المَكاسِبِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَعْلَمْ ﴾ يَعْنِي قارُونَ ﴿ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ ﴾ بِالعَذابِ ﴿ مِن قَبْلِهِ مِن القُرُونِ ﴾ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم ﴿ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ﴾ لِلْأمْوالِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا يُسْألُونَ لِيَعْلَمَ ذَلِكَ مَن قَبْلَهم وإنْ سُئِلُوا سُؤالَ تَوْبِيخٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ تَعْرِفُهم بِسِيماهم فَلا تَسْألُهم عَنْ ذُنُوبِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: يَدْخُلُونَ النّارَ بِغَيْرِ حِسابٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ السُّدِّيُّ: يُعَذَّبُونَ ولا يُسْألُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِن القُرُونِ مِن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عن ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ القائِلُ قارُونُ.

لَمّا وعَظَهُ قَوْمُهُ ونَدَبُوهُ إلى اتِّقاءِ اللهِ تَعالى في المالِ الَّذِي أعْطاهُ تَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِ، أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ، وقالَ لَهم عَلى جِهَةِ الرَدِّ عَلَيْهِمْ والرَوَغانِ عَمّا ألْزَمُوهُ فِيهِ: ﴿ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ ، ولِكَلامِهِ هَذا وجْهانِ يَحْمِلُهُما، وبِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما قالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: فَقالَ الجُمْهُورُ مِنهُمْ: إنَّهُ ادَّعى أنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا اسْتَوْجَبَ بِهِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ النَعِيمُ لَهُ وكَذَلِكَ المالُ، ثُمُ اخْتَلَفُوا في العِلْمِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ، ما هُوَ؟

فَقالَ بَعْضُهُمْ: عِلْمُ التَوْراةِ وحِفْظُها، قالُوا: وكانَتْ هَذِهِ مُغالَطَةً ورِياءً، وقالَأبُو سُلَيْمانَ الدارانِيُّ: أرادَ العِلْمَ بِالتِجاراتِ ووُجُوهِ تَمْيِيزِ المالِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أُوتِيتُهُ بِإدْراكِي وبِسَعْيِي، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: أرادَ عِلْمَ الكِيمْياءِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: إنَّما أرادَ: أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللهِ تَعالى وتَخْصِيصٍ مِن لَدُنْهُ قَصَدَنِي بِهِ، فَلا يَلْزَمُنِي فِيهِ شَيْءٌ مِمّا قُلْتُمْ، ثُمْ جُعِلَ قَوْلُهُ: " عِنْدِي " كَما تَقُولُ: "فِي مُعْتَقَدِي وعَلى ما أراهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ مَعًا فَقَدْ نَبَّهَ القُرْآنُ عَلى خَطَئِهِ في اغْتِرارِهِ، وعارِضَ مَنزَعَهُ بِأنَّ مِن مَعْلُوماتِ الناسِ المُتَحَقِّقَةِ عِنْدَهم أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أهْلَكَ مِنَ الأُمَمِ والقُرُونِ والمُلُوكِ مَن هو أشَدُّ مِن قارُونَ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا، إمّا لِلْمالِ أو لِلْحاشِيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَعْلَمْ ﴾ يُرَجِّحُ أنَّ قارُونَ تَشَبَّعَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ عَلى زَعْمِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُسْألُ عن ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ .

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو كَلامٌ مُتَّصِلٌ بِمَعْنى ما قَبْلَهُ، والضَمِيرُ في "ذُنُوبِهِمْ" عائِدٌ عَلى مَن أُهْلِكَ مِنَ القُرُونِ، أيْ: أُهْلِكُوا ولَمْ يُسْألْ غَيْرُهم بَعْدَهم عن ذُنُوبِهِمْ، أيْ: كُلُّ أحَدٍ إنَّما يُسْألُ ويُعاقَبُ بِحَسْبِ ما يَخُصُّهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ عن حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، مَعْناهُ أنَّ المُجْرِمِينَ لا يُسْألُونَ عن ذُنُوبِهِمْ، أيْ أنَّ المَلائِكَةَ لا تَسْألُ عن ذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم مِنَ السَوادِ والتَشْوِيهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي آياتِ اللهِ ما يَقْتَضِي أنَّ الناسَ يَوْمَ القِيامَةِ يُسْألُونَ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ  ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وفِيهِ آياتٌ تَقْتَضِي أنَّهُ لا يُسْألُ أحَدٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ  ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الآياتُ الَّتِي تُوجِبُ السُؤالَ إنَّما يُرِيدُ بِها أسْئِلَةَ التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ، والَّذِي يَنْفِيهِ يُرادُ بِهِ أسْئِلَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى جِهَةِ الحاجَةِ إلى عِلْمِ ذَلِكَ مِنَ المَسْؤُولِينَ، أيْ أنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِهِمْ مُحِيطٌ، وسُؤالُ التَوْبِيخِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّ قارُونَ خَرَجَ عَلى قَوْمِهِ وقَدْ أظْهَرَ قُدْرَتَهُ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ وزِينَةِ الدُنْيا، قالَ جابِرٌ ومُجاهِدٌ: خَرَجَ في ثِيابٍ حُمْرٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: خَرَجَ هو وحَشَمُهُ في ثِيابٍ مُعَصْفَرَةٍ، وقِيلَ: في ثِيابِ الأُرْجُوانِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، وأكْثَرَ المُفَسِّرُونَ في تَحْدِيدِ زِينَةِ قارُونَ وتَعْيِينِها -مِمّا لا صِحَّةَ لَهُ- فاخْتَصَرَتْهُ.

وباقِي الآيَةِ في اغْتِرارِ الجَهَلَةِ والأغْمارِ مِنَ الناسِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جواب عن موعظة واعظيه من قومه.

وقد جاء على أسلوب حكاية المحاورات فلم يعطف وهو جواب متصلف حاول به إفحامهم وأن يقطعوا موعظتهم لأنها أمرَّت بطره وازدهاءه.

و ﴿ إنما ﴾ هذه هي أداة الحصر المركبة من (إنّ) و(ما) الكافة مصيّرتين كلمة واحدة وهي التي حقها أن تكتب موصولة النون بميم (ما).

والمعنى: ما أوتيت هذا المال إلا على علم علمته.

وضمير ﴿ أوتيته ﴾ عائد إلى (ما) الموصولة في قولهم ﴿ وابتغ فيما ءاتاك الله الدار الآخرة ﴾ [القصص: 77].

وبني الفعل للنائب للعلم بالفاعل من كلام واعظيه.

و ﴿ على علم ﴾ في موضع الحال من الضمير المرفوع.

و ﴿ على ﴾ للاستعلاء المجازي بمعنى التمكن والتحقق، أي ما أوتيت المال الذي ذكرتموه في حال من الأحوال إلا في حال تمكني من علم راسخ، فيجوز أن يكون المراد من العلم علم أحكام إنتاج المال من التوراة، أي أنا أعلم منكم بما تعظونني به، يعني بذلك قولهم له ﴿ لا تفرح وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض ﴾ [القصص: 76، 77].

وقد كان قارون مشهوراً بالعلم بالتوراة ولكنه أضلّه الله على علم فأراد بهذا الجواب قطع موعظتهم نظير جواب عمرو بن سعيد بن العاص الملقب بالأشدق لأبي شريح الكعبي حين قدم إلى المدينة أميراً من قبل يزيد بن معاوية سنة ستين فجعل يجهز الجيوش ويبعث البعوث إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير الذي خرج على يزيد، فقال أبو شريح له: ائذن لي أيها الأمير أحدِّثك قولاً قام به رسول الله الغد من يوم الفتح فسمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ولا يعضد شجرة فإن أحد ترخص لقتال رسول الله فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما أذِن لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلِّغ الشاهد الغائب» فقال عمرو بن سعيد: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدم ولا فارّاً بخربة.

ويجوز أن يكون المراد بالعلم علم اكتساب المال من التجارة ونحوها، فأراد بجوابه إنكار قولهم: آتاك الله صلفاً منه وطغياناً.

وقوله ﴿ عندي ﴾ صفة ل ﴿ علم ﴾ تأكيداً لتمكنه من العلم وشهرته به.

هذا هو الوجه في تفسير هذه الجملة من الآية وهو الذي يستقيم مع قوله تعالى عقبه ﴿ أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون ﴾ الآية، كما ستعرفه.

وذكر المفسرون وجوهاً تسفر عن أشكال أخرى من تركيب نظم الآية في محمل معنى ﴿ على ﴾ ومحمل المراد من (العلم) ومحمل ﴿ عندي ﴾ فلا نطيل بذكرها فهي منك على طرف الثمام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أيْ بِقُوَّتِي وعِلْمِي، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: عَلى خَيْرٍ وعِلْمٍ عِنْدِي، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: لِرِضا اللَّهِ عَنِّي ومَعْرِفَتِهِ بِاسْتِحْقاقِي، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: عَلى عِلْمٍ بِوَجْهِ المَكاسِبِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الخامِسُ: العِلْمُ بِصَنْعَةِ الكِيمْياءِ.

حَكى النَّقّاشُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَ قارُونَ الثُّلُثَ مِن صَنْعَةِ الكِيمْياءِ، وعَلَّمَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ الثُّلُثَ، وعَلَّمَ ابْنِي هارُونَ الثُّلُثَ فَخَدَعَهُما قارُونُ وكانَ عَلى إيمانِهِ حَتّى عَلِمَ ما عِنْدَهُما وعَمِلَ الكِيمْياءَ فَكَثُرَتْ أمْوالُهُ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يُعَذَّبُونَ ولا يُحاسَبُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لا يُسْألُونَ عَنْ إحْصائِها ويُعْطَوْنَ صَحائِفَها فَيَعْرِفُونَ ويَعْتَرِفُونَ بِها، قالَهُ الرَّبِيعُ.

الثّالِثُ: لِأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرِفُهم بِسِيماهم فَلا تَسْألْ عَنْهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّهم لا يُسْألُونَ سُؤالَ اسْتِعْتابٍ: لِمَ لَمْ يُؤْمِنُوا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ كَما قالَ ﴿ وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن قارون كان من قوم موسى ﴾ قال: كان ابن عمه، وكان يبتغي العلم حتى جمع علماً، فلم يزل في أمره ذلك حتى بغى على موسى وحسده.

فقال له موسى عليه السلام: إن الله أمرني أن آخذ الزكاة، فأبى فقال: إن موسى عليه السلام يريد أن يأكل أموالكم.

جاءكم بالصلاة، وجاءكم بأشياء فاحتملتموها، فتحملوه أن تعطوه أموالكم؟

قالوا: لا نحتمل فما ترى فقال لهم: أرى أن أرسل إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، فنرسلها إليه فترميه بأنه أرادها على نفسها.

فارسلوا إليها فقالوا لها: نعطيك حكمك على أن تشهدي على موسى أنه فجر بك.

قالت: نعم.

فجاء قارون إلى موسى عليه السلام قال: اجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك قال: نعم.

فجمعهم فقالوا له: بم أمرك ربك؟

قال: أمرني أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تصلوا الرحم، وكذا وكذا، وقد أمرني في الزاني إذا زنى وقد أحصن أن يرجم.

قالوا: وإن كنت أنت قال: نعم.

قالوا: فإنك قد زنيت قال: أنا.

فأرسلوا إلى المرأة، فجاءت فقالوا: ما تشهدين على موسى؟

فقال لها موسى عليه السلام: أنشدك بالله إلا ما صدقت قالت: أما إذ نشدتني بالله فإنهم دعوني وجعلوا لي جعلاً على أن أقذفك بنفسي، وأنا أشهد أنك بريء، وأنك رسول الله، فخر موسى عليه السلام ساجداً يبكي، فأوحى الله إليه: ما يبكيك؟

قد سلطناك على الأرض، فمرها فتطيعك.

فرفع رأسه فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعقابهم، فجعلوا يقولون: يا موسى...

يا موسى...

فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم، فجعلوا يقولون: يا موسى...

يا موسى...

فقال: خذيهم فغيبتهم فأوحى الله يا موسى: سألك عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم، وعزتي لو أنهم دعوني لأجبتهم.

قال ابن عباس: وذلك قوله تعالى ﴿ فخسفنا به وبداره الأرض ﴾ وخسف به إلى الأرض السفلى.

وأخرج الفريابي عن إبراهيم رضي الله عنه قال: كان قارون ابن عم موسى.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن قارون كان من قوم موسى ﴾ قال: كان ابن عمه أخي أبي قارون بن مصر بن فاهث أو قاهث، وموسى بن عرمرم بن فاهث أو قاهث، وعرمرم بالعربية عمران.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله قال: كان قارون ابن عم موسى أخي أبيه، وكان قطع البحر مع بني إسرائيل، وكان يسمى النور من حسن صوته بالتوراة، ولكن عدوّ الله نافق كما نافق السامري، فأهلكه الله ببغيه.

وإنما بغى لكثرة ماله وولده.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ فبغى عليهم ﴾ قال: فعلا عليهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ﴾ قال: زاد عليهم في طول ثيابه شبراً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ قال: أصاب كنزاً من كنوز يوسف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الوليد بن زوران رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ قال: كان قارون يعلم الكيمياء.

وأخرج ابن مردويه عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كانت أرض دار قارون من فضة، وأساسها من ذهب» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن خيثمة رضي الله عنه قال: وجدت في الإِنجيل أن مفاتيح خزائن قارون كانت وقر ستين بغلاً غراً محجلةً، ما يزيد منها مفتاح على أصبع، لكل مفتاح كنز.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن خيثمة رضي الله عنه قال: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود كل مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حملت المفاتيح على سبعين بغلاً أغر محجلاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: كانت المفاتيح من جلود الإِبل.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لتنوء بالعصبة ﴾ يقول: لا يرفعها العصبة من الرجال ﴿ أولي القوّة ﴾ .

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ لتنوء بالعصبة ﴾ قال: لتثقل قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول امرئ القيس إذ يقول: تمشي فتثقلها عجيزتها ** مشي الضعيف ينوء بالوسق وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ العصبة ﴾ ما بين العشرة إلى الخمسة عشر ﴿ أولوا القوّة ﴾ خمسة عشر.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي قال: ﴿ العصبة ﴾ ما بين الخمس عشرة إلى الأربعين.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ العصبة ﴾ أربعون رجلاً.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: كنا نحدث أن ﴿ العصبة ﴾ ما فوق العشرة إلى الأربعين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح مولى أم هانئ قال: ﴿ العصبة ﴾ سبعون رجلاً.

قال: وكانت خزانته تُحْمَلُ على أربعين بغلاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ قال له قومه لا تفرح ﴾ قال: هم المؤمنون منهم قالوا: يا قارون لا تفرح بما أوليت فتبطر.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله لا يحب الفرحين ﴾ قال: المرحين، الأشرين، البطرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم.

وأخرج الحاكم وصححه والطبراني وأبو نعيم والبيهقي في الشعب والخرائطي في اعتلال القلوب عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب كل قلب حزين» .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان وقال: هذا متن منكر، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زُرِ القبور تَذْكُر بها الآخرة، واغسل الموتى فإن معالجة جسد خاو موعظة بليغة، وصل على الجنائز لعل ذلك يحزنك، فإن الحزين في ظل الله يوم القيامة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله لا يحب الفرحين ﴾ قال: الفرح هنا البغي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله لا يحب الفرحين ﴾ قال: إن الله لا يحب الفرح بطراً ﴿ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ﴾ قال: تصدق، وقرب الله تعالى، وصل الرحم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الله لا يحب الفرحين ﴾ قال: المرحين.

وفي قوله: ﴿ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ يقول: لا تترك أن تعمل لله في الدنيا.

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ و لا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ قال: أن تعمل فيها لآخرتك.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ قال: العمل بطاعة الله نصيبه من الدنيا الذي يثاب عليه في الآخرة.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ ولا تنس نصيبك ﴾ قال: قدم الفضل، وأمسك ما يبلغك- وفي لفظ- قال: امسك قوت سنة، وتصدق بما بقي.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ قال: أن تأخذ من الدنيا ما أحل الله لك، فإن لك فيه غنى وكفاية.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن منصور رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ قال: ليس هو عرض من عرض الدنيا، ولكن هو نصيبك عمرك أن تقدم فيه لآخرتك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قال إنما أوتيته على علم عندي ﴾ يقول على خير عندي، وعلم عندي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما أوتيته على علم عندي ﴾ يقول: علم الله أني أهل لذلك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ قال: المشركون.

لا يسألون عن ذنوبهم، ولا يحاسبون لدخول النار بغير حساب.

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ قال: كقوله: ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ [ الرحمن: 41] سود الوجوه، زرق العيون، الملائكة لا تسأل عنهم قد عرفتهم.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: خرج على براذين بيض، عليها سرج من أرجوان، وعليها ثياب معصفرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: في ثوبين أحمرين.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الزبير رضي الله عنه قال: خرج قارون على قومه في ثوبين أحمرين بغير عصفر كالقرمز.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: في ثياب صفر وحمر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: خرج في سبعين ألفاً عليهم المعصفرات، وكان ذلك أول يوم في الأرض رؤيت المعصفرات فيها.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: في حشمه.

وذكر لنا أنهم خرجوا على أربعة الاف دابة، عليهم ثياب حمر، منها ألف بغلة بيضاء وعلى دوابهم قطائف الأرجوان.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان، وعليها ثلاثمائة جارية، على بغال شهب عليهن ثياب حمر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: خرج في جوار بيض، على سروج من ذهب، على قطف أرجوان، وهن على بغال بيض، عليهن ثياب حمر، وحلى ذهب.

وأخرج ابن مردويه عن أوس بن أوس الثقفي «عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال في أربعة آلاف بغل يعني عليه البزيون» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدة بن أبي لبابة رضي الله عنه قال: أول من صبغ بالسواد قارون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال الذين يريدون الحياة الدنيا ﴾ قال: أناس من أهل التوحيد قالوا: ﴿ يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون ﴾ وفي قوله: ﴿ ولا يلقاها إلا الصابرون ﴾ يعني لا يلقى ثواب الله، والصواب من القول.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنه لذو حظ عظيم ﴾ قال: ذو جد.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الحرث رضي الله عنه؛ وهو ابن نوفل الهاشمي قال: بلغنا أن قارون أوتي من الكنوز والمال حتى جعل باب داره من ذهب، وجعل داره كلها من صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون، يطعمهم الطعام ويتحدثون عنده، وكان مؤذياً لموسى عليه الصلاة والسلام، فلم تدعه القسوة والهوى حتى أرسل إلى امرأة من بني إسرائيل مذكورة بالجمال كانت تذكر بريبة فقال لها: هل لك أن أموّلك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من إسرائيل عندي فتقولين: يا قارون ألا تنهي موسى عني؟

فقالت: بلى.

فلمّا جاء أصحابه واجتمعوا عنده، دعا بها فقامت على رؤوسهم، فقلب الله قلبها ورزقها التوبة فقالت: ما أجد اليوم توبة أفضل من أن أكذب عدو الله، وأبرئ رسول الله عليه السلام فقالت: إن قارون بعث إلي فقال: هل لك أن أمولك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي، وتقولين: يا قارون ألا تنهي موسى عني، فإني لم أجد اليوم توبة أفضل من أن أكذب عدو الله، وأبرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكس قارون رأسه وعرف أنه قد هلك.

وفشا الحديث في الناس حتى بلغ موسى عليه السلام، وكان موسى عليه السلام شديد الغضب.

فلما بلغه توضأ، ثم صلى وسجد وبكى وقال: يا رب...

عدوك قارون كان لي مؤذياً، فذكر أشياء ثم لم ينهاه حتى أراد فضيحتي.

يا رب سلطني عليه.

فأوحى الله إليه: أن مر الأرض بما شئت تطعك.

فجاء موسى إلى قارون، فلما رآه قارون عرف الغضب في وجهه فقال: يا موسى ارحمني فقال موسى عليه السلام: يا أرض خذيهم، فاضطربت داره وخسف به وبأصحابه حتى تغيبت أقدامهم، وساخت دارهم على قدر ذلك فقال قارون: يا موسى ارحمني فقال: يا أرض خذيهم، فخسف به وبداره وبأصحابه، فلما خسف به قيل له: «يا موسى ما أفظك أما وعزتي لو إياي دعا لرحمته» وقال أبو عمران الجوني: فقيل لموسى: لا أعبد في الأرض بعدك أحداً.

وأخرج الفريابي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فخسفنا به وبداره الأرض ﴾ قال: خسف به إلى الأرض السفلى.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق قتادة عن أبي ميمون عن سمرة بن جندب قال: يخسف بقارون وقومه في كل يوم قدر قامة، فلا يبلغ الأرض السفلى إلى يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أنه يخسف به كل يوم قامة، وأنه يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه، مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: إن الله أمر الأرض أن تطيعه ساعة.

وأخرج عبد بن حميد عن مالك بن دينار رضي الله عنه: أن قارون يخسف به كل يوم قامة.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما خسف بقارون فهو يذهب وموسى قريب منه قال: يا موسى ادع ربك يرحمني.

فلم يجبه موسى حتى ذهب.

فأوحى الله إليه «استغاث بك فلم تغثه، وعزتي وجلالي لو قال: يا رب لرحمته» .

وأخرج أحمد في الزهد عن عون بن عبد الله القاري عامل عمر بن عبد العزيز على ديوان فلسطين أنه بلغه: أن الله عز وجل أمر الأرض أن تطيع موسى عليه السلام في قارون، فلما لقيه موسى قال للأرض: أطيعيني فأخذته إلى الركبتين، ثم قال: أطيعيني فوارته في جوفها، فأوحى الله إليه «يا موسى ما أشد قلبك، وعزتي وجلالي لو بي استغاث لأغثته» قال: رب غضباً لك فعلت.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين ﴾ قال: ما كانت عنده منعة يمتنع بها من الله تعالى.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ويكأن الله ﴾ يقول: أو لا يعلم ﴿ أن الله يبسط الرزق ﴾ وفي قوله: ﴿ ويكأنه لا يفلح الكافرون ﴾ يقول: أو لا يعلم ﴿ أنه لا يفلح الكافرون ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ قال أبو إسحاق: ادعى أنه أعطي المال لعلمه بالتوراة (١) وقال الفراء: على فضلٍ عندي، أي: كنت أهله ومستحقًا له (٢) (٣) (٤) (٥) وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ فكفر؛ يعني: كفر لَمَّا رأى أن المال حصل له بعلمه، ولم يَرَ ذلك من عطاء الله إياه، فكأنه أراد: بعلمه في التصرف، وأنواع المكاسب؛ ويدل على هذا المعنى ما روى علي بن زيد بن جُدعان، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل (٦) ﴿ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي  ﴾ ولم يقل: هذا من كرامتي، ثم ذكر قارون فقال: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ يعني أن سليمان -  - رأى ما أُعطي فضلاً من الله عليه، وقارون رأى ذلك من نفسه (٧) وقال الكلبي: قال ابن عباس: ﴿ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ بصنعة الذهب (٨) قال الزجاج: والذي روي أنه كان يعمل الكيمياء لا يصح؛ لأن الكيمياء باطل لاحقيقة له (٩) قال الله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ ﴾ قارون ﴿ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ ﴾ بالعذاب ﴿ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ ﴾ في الدنيا حين كذبوا رسلهم ﴿ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ﴾ للأموال (١٠) قال ابن عباس ومقاتل: يريد نمروذ بن كنعان، الجبار، وغيره (١١) قوله تعالى: ﴿ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ قال مجاهد: الملائكة لا تَسأل عنهم (١٢) (١٣) وقال الكلبي: لا يُسأل الكافر عن ذنبه، كل معروف بسيماه (١٤) (١٥) ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ ﴾ الآية، [الرحمن: 39] ثم قال: ﴿ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ  ﴾ (١٦) (١٧) ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)  ﴾ فإنهم يُسألون سؤال تقريع وتوبيخ؛ كما قال الحسن في هذه الآية: لا يُسألون ليُعلم ذلك مِنْ قِبَلِهم، وإن سئلوا فسؤال تقريع وتوبيخ (١٨) وقال أهل المعاني: ﴿ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ سؤال من لعل له عذرًا يسقط لائمته (١٩) وقال مقاتل: يقول لا يُسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية الذين عذبوا في الدنيا، فإن الله قد أحصى أعمالهم الخبيثة وعلمها (٢٠) ﴿ ذُنُوبِهِمُ ﴾ لا تعود [إلى المجرمين] (٢١) (١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 156.

(٢) في نسخة: (ج): ومستحقه.

(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 311.

و"غريب القرآن" لابن قتيبة 335، ولم ينسبه.

وأخرج نحوه ابن جرير 20/ 113، عن ابن زيد، وكذا ابن أبي حاتم 9/ 3012، وأخرج نحوه أيضًا عن السدي.

(٤) ذكره نحوه الثعلبي 152 أ، ولم ينسبه.

(٥) "تفسير مقاتل" 69 أ.

(٦) عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث الهاشمي، أبو محمد المدني، أمير البصرة، ولد في حياة النبي -  - لأبيه وجده صحبة، مجمع على ثقته، حدث عن عمر، وعثمان، وعلي، وأبي بن كعب، وغيرهم -  م- حدث عنه ابنه إسحاق، وعبد الله، وابن شهاب، وعمر بن عبد العزيز، وآخرون.

ت: 79 هـ، وقيل غير ذلك.

"سير أعلام النبلاء" 1/ 200، و"تقريب التهذيب" 498.

(٧) أخرجه ابن جرير 20/ 118.

(٨) "تنوير المقباس" 330.

(٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 156.

وذكر الثعلبي 8/ 152 أ، عن سعيد بن المسيب، أن قارون كان يعلم الكيمياء.

والكيمياء: الحيلة والحذق، ويراد بها عند القدماء: تحويل بعض المعادن إلى بعض؛ فهو علم يُعرف به طرق سلب الخواص من الجواهر المعدنية، وجلب خاصة جديدة إليها؛ ولا سيما تحويلها إلى ذهب.

وأما عند المحدثين فهو علم يبحث فيه عن خواص العناصر المادية والقوانين التي تخضع لها الظروف المختلفة، وبخاصة عند اتحاد بعضها ببعض.

"المعجم الوسيط" 2/ 808.

ولذلك تكلم عنها أهل العلم وذموا متعاطيها لما فيها من الغش والتدليس والخداع؛ إذ فيها يُشبه المصنوع بالمخلوق، وقصد أهلها أن يُجعل هذا كهذا فينفِّقونه، ويعاملون به الناس، وهذا من أعظم الغش ..

ولهذا لا يُظهرون للناس إذا عاملوهم أن هذا من الكيمياء، ولو أظهروا للناس ذلك لم يشتروه منهم فالمصنوع من الكيمياء يستحيل ويفسد ولو بعد حين، بخلاف الذهب المعدني.

"مجموع الفتاوى" 29/ 370.

وذكر شيخ الإسلام أنه ناظر أحد رؤوس هؤلاء المتعاملين بالكيمياء فكان بما اعترض به على شيخ الإسلام أن قال: إن قارون كان يعمل الكيمياء، فرد عليه الشيخ بقوله: وهذا أيضًا باطل؛ فإنه لم يقله عالم معروف، وإنما يذكره مثل الثعلبي في تفسيره عمن لا يُسمي، وفي "تفسير الثعلبي" الغث والسمين، فإنه حاطب ليل، ولو كان مال قارون من الكيمياء لم يكن له بذلك اختصاص؛ فإن الذين عملوا الكيمياء خلق كثير لا يحصون، والله سبحانه قال: ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ﴾ فإخبر أنه آتاه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، والكنوز إما أن يكون هو كنزها، كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ﴾ الآيه، وإما أن تكون اطلع على كنائز مدفونه، وهو الركاز، وهذا لا ريب أنه موجود.

"مجموع الفتاوى" 29/ 377.

ذكر الداوودي في "طبقات المفسرين" 2/ 96، أن لابن القيم كتابًا في بطلان == الكيمياء من أربعين وجهًا.

وذكر هذا الكتاب الشيخ بكر أبو زيد في كتابه: "ابن قيم الجوزية حياته وآثاره" 136، وأفاد أنه لم يقف على نسخة خطية لهذا الكتاب.

(١٠) "تفسير مقاتل" 69 أ.

(١١) "تفسير مقاتل" 69 أ.

(١٢) من هنا بدأت النسخة: (ج)، بعد السقط الذي كان فيها.

(١٣) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" 20/ 114، وابن أبي حاتم 9/ 2013.

وذكره عنه الثعلبي 8/ 152 ب.

(١٤) "تنوير المقباس" 330.

(١٥) القول، من نسخة (ج).

(١٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 311.

وذكره ابن قتيبة، في "معاني القرآن" 335، ولم ينتقده.

(١٧) أخرجه عبد الرزاق 2/ 94، وابن جرير 20/ 114، وابن أبي حاتم 9/ 3013.

(١٨) ذكره عنه الثعلبي 8/ 152 ب.

(١٩) في نسخة: (أ)، (ب): عذرًا سقط عنه.

(٢٠) "تفسير مقاتل" 69 أ.

(٢١) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وابتغ فِيمَآ آتَاكَ الله الدار الآخرة ﴾ أي اقصد الآخرة بما أعطاك الله من المال، وذلك بفعل الحسنات والصدقات ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا ﴾ أي لا تضيع حظك من دنياك وتمتع بها مع عملك إنما هو بما يعمل فيها من الخير، فالكلام على هذا وعظ، وعلى الأول إباحة للتمتع بالدنيا لئلا ينفر عن قبول الموعظة ﴿ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ﴾ أي أحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليك بالغنى قال: ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي ﴾ لما وعظه قومه أجابهم بهذا على وجه الردل عليهم، والروغان عما ألزموه من الموعظة، والمعنى: أن هذا المال إنما أعطاه الله لي بالاستحقاق له بسبب علم عندي استجوبته به، اختلف في هذا العلم فقيل: إنه علم الكيمياء وقيل: التجارب للأمور والمعرفة بالمكاسب، وقيل: حفظه التوراة وهذا بعيد، لأنه كان كافراً، قيل: المعنى إنما أوتيته على علم من الله وتخصيص خصني به، ثم جعل قوله عندي كما تقول في ظني واعتقادي ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون ﴾ هذا ردّ عليه في اغتراره بالدنيا وكثرة جمعه للمال أو جمعه للخدم، والأول أظهر.

﴿ وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون ﴾ في معناه قولان: أحدهما أنه متصل بما قبله، والضمير في ذنوبهم يعود على القرون المتقدمة، والمجرمون من بعدهم أي: لا يسأل المجرمون عن ذنوب من تقدمهم من الأمم الهالكة؛ لأن كل أحد إنما يسأل عن ذنوبه خاصة، والثاني: أنه إخبار عن حال المجرمين في الآخرة؛ وأنهم لا يسألون عن ذنوبهم؛ لكونهم يدخلون النار من غير حساب، والصحيح أنهم يحاسبون على ذنوبهم ويسألون عنها لقوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [الحجر: 92-93] وأن هذا السؤال المنفي السؤال على وجه الاختبار وطلب التعريف، لأنه لا يحتاج إلى سؤالهم على هذا الوجه؛ لكن يسألون على وجه التوبيخ، وحيثما ورد في القرآن إثبات السؤال في الآخرة، فهو على معنى المحاسبة والتوبيخ، وحيثما ورد نفيه فهو على وجه الاستخبار والتعريف، ومنه قوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ [الرحمن: 39].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عندي أولم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن فليح وأبو عمرو وخزاعي عن أصحابه وابن مجاهد وأبو عون والسرندي عن قنبل.

الباقون بالإسكان ﴿ ويكأن ﴾ ﴿ ويكأنه ﴾ الوقف على الياء: أبو عمرو ويعقوب ﴿ ويك ﴾ الوقف على الكاف و ﴿ ويكأنه ﴾ موصولة: روى السوسي عن السرندي وهو مذهب حمزة.

الباقون كلاهما موصلان ﴿ لخسف ﴾ على البناء للفاعل: سهل ويعقوب وحفص ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ بضياء ﴾ ط ﴿ تسمعون ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ص لأن الواو للحال أي وقد آتينا مع طول الكلام ﴿ القوّة ﴾ ط بناء على أن التقدير و"أذكر" إذ قال: وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ ﴿ تنوء ﴾ فلا وقف ﴿ الفرحين ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ عندي ﴾ ط ﴿ جمعاً ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ في زينته ﴾ ط لعدم العاطف واختلاف القائل.

﴿ قارون ﴾ لا لأن ما بعده تعليل التمني ولو ابتدأنا لحكمنا بأنه ذو حظ ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ج لأن ما بعده احتمل أن يكون ابتداء إخبار من الله، واحتمل أن يكون من قول أهل العلم ﴿ الصابرون ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ق قد قيل: لتفصيل الاعتبار ﴿ المنتصرون ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ج للابتداء بلولا مع اتحاد المقول ﴿ لخسف بنا ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ ولا فساداً ﴾ ط ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ منها ﴾ ج لعطف جملة الشرط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معاد ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ للكافرين ﴾ ه ز للآية مع العطف ﴿ المشركين ﴾ ه للآية وخلو المعطوف عن نون التأكيد التي خلت المعطوف عليه مع اتفاق الجملتين آخراً احترازاً من إيهام كون ما بعده صفة ﴿ آخر ﴾ ه ﴿ لا إله إلا هو ﴾ ط ﴿ وجهه ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه.

التفسير: لما بين  حقيقة آلهيته واستحقاقه للحمد المطلق وأن مرجع الكل إلى حكمته وقضائه، أتبعه بعض ما يجب أن يحمد عليه مما لا يقدر عليه أحد سواه وهو تبديل ظلام الليل بضياء النهار وبالعكس.

والمعنى: أخبروني من يقدر على هذا؟

والسرمد الدائم المتصل من السرد، والميم زائدة، وانتصابه على أن مفعول ثانٍ لجعل أو على الحال، وإلى متعلق بجعل أو بـ ﴿ سرمداً ﴾ ، ومنافع الليل والنهار والاستدلال بهما على كمال قدرة الله تعالى قد تقدمت مراراً.

قال جار الله: وإنما لم يقل بنهار تتصرفون فيه كما قيل: ﴿ بليل تسكنون فيه ﴾ لأن الضياء وهو ضوء الشمس تتعلق به المنافع المتكاثرة وليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة ومن ثَمّ قرن بالضياء ﴿ أفلا تسمعون ﴾ لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل ﴿ أفلا تبصرون ﴾ لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه.

قال الكلبي: ﴿ أفلا تسمعون ﴾ معناه أفلا تطيعون من يفعل ذلك.

وقوله ﴿ أفلا تبصرون ﴾ معناه أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلال.

وقال أهل البرهان: قدم الليل على النهار لأن ذهاب الليل بطلوع الشمس أكثر فائدة من ذهاب النهار بدخول الليل.

وإنما ختم الاية الأولى بقوله ﴿ أفلا تسمعون ﴾ بناء على الليل، وختم الأخرى بقوله ﴿ أفلا تبصرون ﴾ بناء على النهار والنهار مبصر وآية النهار مبصرة.

ثم بين أن من رحمته زواجه بين الليل والنهار لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار ولإرادة الشكر على النعمتين جميعاً.

وفي الآية طريقة اللف ثقة بفهم السامع وذلك لأن السكون بالنهار وإن كان ممكناً وكذا الابتغاء من فضل الله بالليل إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره فلهذا خصه به.

وفي تكرير التوبيخ باتخاذ الشركاء دليل على أنه لا شيء أسخط عند الله من الإشراك به، ويعلم منه أنه لا شيء أجلب لرضاه من الشهادة بوحدانيته.

وفحوى الخطاب: أين الذين ادّعيتم إلهيتهم لتخلصكم أو أين الذين قلتم إنها تقربكم إلى الله زلفى وقد علموا أن لا إله إلا الله؟

فيكون ذلك زيادة في غمهم.

ومعنى ﴿ ونزعنا ﴾ وأخرجنا ﴿ من كل أمة شهيداً ﴾ قال بعضهم: هونبيهم لأن الأنبياء يشهدون أنهم بلغوا أمتهم الدلائل وبلغوا في إيضاحها كل غاية ليعلم أن التقصير منهم فيكون ذلك زيادة في غمهم أيضاً.

وقال آخرون: بل هم الشهداء الذين يشهدون على الناس في كل زمان، ويدخل في جملتهم الأنبياء وهذا أقرب، لأنه  عم كل جماعة بأن ينزع منهم الشهيد فيدخل فيه أزمنة الفترات والأزمنة التي بعد محمد  .

﴿ فقلنا ﴾ للأمة ﴿ هاتوا برهانكم ﴾ فيما كنتم عليه من الشرك وخلاف الرسول ﴿ فعلموا ﴾ حينئذ ﴿ أن الحق لله ﴾ ورسوله وغاب ﴿ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ من الباطل والزور.

ثم عقب حديث أهل الضلال بقصة قارون.

وهو اسم أعجمي ولهذا لم ينصرف بعد العلمية ولو كان "فاعولاً" من قرن لا نصرف.

والظاهر أنه كان ممن آمن بموسى، هذا ظاهر نص القرآن ولا يبعد أيضاً حمله على القرابة.

قال الكلبي: إنه كان ابن عم موسى.

وقيل: كان موسى ابن أخيه وكان يسمى المنوّر لحسن صورته، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة إلا أنه نافق كما نافق السامري.

وقال: إذا كانت النبوّة لموسى والذبح والقربان إلى هارون فما لي؟

وفي قوله ﴿ فبغى عليهم ﴾ وجوه أحدها: أن بغيه استخفافه بالفقراء.

وثانيها أن ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم.

وقال القفال: معناه طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده.

وقال الضحاك: طغى عليهم واستطال فلم يوافقهم في أمر.

ابن عباس: تجبر وتكبر عليهم ومثله عن شهر بن حوشب قال: بغيه أنه زاد عليهم في الثياب شبراً فهذا يعود إلى التكبر.

الكلبي: بغيه حسده وذلك أنه لما جاوز بهم موسى البحر وصارت الرسالة له والوزارة لهارون، وكان القربان إلى موسى فجعله إلى هارون فوجد قارون في نفسه حسدهما فقال لموسى: الأمر لكما ولست على شيء إلى متى اصبر؟

قال موسى: هكذا حكم الله.

قال: والله لا أصدقك حتى تأتي بآية، فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يأتي كل واحد بعصا فألقى مجموع العصيّ في القبة التي كان الوحي ينزل عليه فيها فأصبحوا فإذا بعصا هارون تهتز ولها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال قارون: ما هو بأعجب مما تصنع من السحر.

واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال كما أخبر الله  عن ذلك بقوله ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ سأل الكلبي: الستم تقولون إن الله لا يعطي الحرام فكيف أضاف إيتاء مال قارون إلى نفسه؟

فأجاب بأنه لا حجة في أن ماله حرام لجواز أنه ظفر بكنز لبعض الملوك الخالية، وكان الظفر عندهم طريق التملك، أو لعله وصل إليه بالإرث من جهات، أو بالكسب من جهة المضاربات وغيرها.

والمفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهو ما يفتح به الباب، أو جمع مفتح بالفتح وهو الخزانة.

فمن الناس من طعن في القول الأول لأن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ، ولو أنا قدرنا بلدة مملوأة من الذهب لكفاها أعداد قليلة من المفاتيح ولهذا قال أبو رزين: يكفي للكوفة مفتاح واحد.

وأيضاً الكنوز هي الأموال المدفونة في الأرض ولا يتصوّر لها مفتاح.

أجاب الناصرون للقول الأول وهو اختيار ابن عباس والحسن: أن المال إذا كان من جنس العروض لا من جنس النقود جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد.

وأيضاً ما روي أن مفاتيحه كانت من جلود الإبل وكل مفتاح إصبع ولكل خزانة مفتاح، وكان إذا ركب حملت المفاتيح ستون بغلاً غير مذكور في القرآن.

فالصواب أن يفسر قوله ﴿ لتنوء ﴾ أي تنهض مثقلاً بأن تلك الخزائن يعسر ضبطها ومعرفتها على أهل القوّة في الحساب، وقريب منه قول أبي مسلم: إن المراد من المفاتح العلم والإحاطة كقوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب  ﴾ والمراد أن حفظها والاطلاع عليها يثقل على العصبة أولي القوّة والمتانة في الرأي.

وظاهر الكنوز وإن كان من جهة العرف هو المال المدفون إلا أنه قد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق.

وأيضاً لا استبعاد في أن يكون موضع المال المدفون بيتاً تحت الأرض له غلق ومفتاح معه.

و ﴿ لا تفرح ﴾ كقوله ﴿ ولا تفرحوا بما آتاكم  ﴾ وذلك أنه لا يفرح بالدنيا إلا من اطمأن ورضي بها.

قال ابن عباس: كان حبه ذلك شركاً لأنه ما كان يخاف معه عقوبه الله  : ﴿ وابتغ فيما آتاك الله ﴾ من المال والثروة ﴿ الدار الآخرة ﴾ يعني أسباب حصول سعاداتها من أصناف الخيرات والمبرات الواجبة والمندوبة فإن ذلك هو نصيب المؤمن من الدنيا دون الذي يأكل ويشرب، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ولا تنسَ نصيبك من الدنيا ﴾ ويحتمل أن يراد به اللذات المباحة.

وحين أمروه بالإحسان المالي أمروه بالإحسان مطلقاً ويدخل فيه الإحسان بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن الغيبة والحضور.

وفي قوله ﴿ كما أحسن الله إليك ﴾ إشارة إلى قوله  ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم  ﴾ وإلى ما قال الحكماء: المكافأة في الطبيعة واجبة.

و ﴿ الفساد في الأرض ﴾ المنهي عنه هو ما كان عليه من الظلم والبغي.

وهذا القائل موسى  أو مؤمنو قومه وهو ظاهر اللفظ.

وكيف كان فقد جمع في هذه الألفاظ من الوعظ ما لو قبل لم يكن عليه مزيد لكنه أبي أن يقبل بل تلقى النصح بكفران النعمة قائلاً ﴿ إنما آوتيته على علم عندي ﴾ قال قتادة ومقاتل والكلبي: كان قارون أقرأ بني إسرائيل للتوراة فقال: إنما أوتيته لفضل علمي واستحقاقي لذلك.

وقال سعيد بن المسيب والضحاك: إن موسى أنزل عليه الكيمياء من السماء فعلم قارون ثلث العلم ويوشع ثلثه وطالوت ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه، وكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهباً.

وقيل: أراد علمه بوجوه المكاسب والتجارات.

وقيل: أراد إن الله أعطاني ذلك على علم له  بحالي وباستئهالي لذلك.

وقوله ﴿ عندي ﴾ الأمر كذلك اي في اعتقادي وفي ظني فأجابه الله  بقوله ﴿ أولم يعلم ﴾ الآية.

قال علماء المعاني: يجوز أن يكون المعنى بالاستفهام إثباتاً لعلمه لأنه قد قرأ في التوراة أخبار الأمم السالفة والقرون الخالية وحفظها من موسى وغيره فكأنه قيل: إنه قد علم ذلك فلم اغتر بكثرة ماله وأعوانه؟

ويجوز أن يراد به نفي العلم لأنه لما تحدّى بكونه من أهل العلم حيث قال ﴿ على علم عندي ﴾ وبخه الله  أنه لم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهلكى.

ووجه اتصال قوله ﴿ ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ بما قبله أنه تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها لأنه عالم بكل المعلومات.

وقال أبو مسلم: أراد أنهم لا يسألون سؤال استيقان وإنما يسألون سؤال تقريع ومحاسبة ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ عن الحسن: في الحمرة والصفرة.

وقيل: خرج على بغلة شهباء عليه ثوب أحمر أرجواني، وعلى البغلة سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف على زيه.

وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلثمائة غلام، وعن يساره ثلثمائة جارية بيض عيلهن الحلى والثياب الفاخرة.

وقيل: في تسعين ألفاً عليهم الثياب الصفر.

قال الراغبون في الحياة العاجلة ﴿ يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إِنه لذو حظ عظيم ﴾ والحظ الجد والبخت.

عن قتادة: كانوا مسلمين تمنوا ذلك رغبة في الإنفاق في سبيل الخير.

وقال آخرون: كانوا كفاراً وقد مر في سورة النساء تحقيق الغبطة والحسد في قوله ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض  ﴾ ﴿ وقال الذين أوتوا العلم ﴾ بأحوال الدنيا وأنها عند الآخرة كلا شيء ﴿ ويلكم ﴾ وأصله الدعاء بالهلاك إلا أنه قد يستعمل في الردع والزجر بطريق النصح والإِشفاق، والضمير في قوله ﴿ ولا يلقاها ﴾ عائد إلى الكلمة المذكورة وهي قوله ﴿ ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ﴾ أو إلى الصواب بمعنى المثوبة.

أو بتأويل الجنة، أو إلى السير والطريقة أي لا يلزم هذه السيرة ﴿ إلا الصابرون ﴾ على الطاعات وعن الشهوات وعلى ما قسم الله وحكم به من الغنى وضده، وظاهر حال قارون ينبئ عن أنه كان ذا أشر وبطر واستخفاف بحقوق الله واستهانة بنبيه وكتابه، فلا جرم خسف الله به وبدراه الأرض، إلا أن المفسرين فصلوا فقالوا: كان يؤذي نبي الله موسى وهو يداريه للقرابة التي كانت بينهما حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل الف درهم على درهم، فحسبه فاستكثر فشحت به نفسه فجمع بني إسرائيل وقال: إن موسى يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فأمر بما شئ.

فقال: ائتوا إلى فلانة البغي حتى ترميه بنفسها في جمع بني إسرائيل فجعل لها ألف دينار أو طستاً مملوءاً من ذهب.

فلما كان يوم عيد قام موسى فقال يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنى وهو غير محصن جلدناه، وإن أحصن رجمناه.

فقال قارون: وإن كنت أنت؟

قال: وإن كنت أنا.

قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة.

فأحضرت فناشدها موسى بالذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق فتداركها الله فقالت: كذبوا بل جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي فخر موسى ساجداً يبكي وقال: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي فأوحى إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك.

فقال: يا بني إسرائيل إن الله قد بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معي فيعتزل فاعتزلوا جميعهاً غير رجلين.

ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط.

ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون واصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه بالله والرحم وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه.

ثم قال: خذيهم فانطبقت عليهم.

فأوحى الله إلى موسى ما أفظك!

استغاثوا بك مراراً فلم ترحمهم أما وعزتي لو إياي دعوا مرة واحدة لوجدوني قريباً مجيباً.

قلت: لعل استغاثته كانت مقرونة بالتوبة وإلا فالعتاب بعيد.

ثم إن بني إسرائيل أصبحوا يتناجون بينهم إنما دعا موسى على قارون ليستفيد داره وكنوزه، فدعا الله حتى خسف بداره وأمواله.

ومعنى ﴿ من المنتصرين ﴾ من المنتقمين من موسى، أو من الممتنعين من عذاب الله ﴿ وأصبح الذين تمنوا مكانه ﴾ أي منزلته من الدنيا وأسبابها ﴿ بالأمس ﴾ أي بالزمان المتقدم ﴿ يقولون ﴾ راغبين في طاعة الله والرضا بقضائه وقسمته ﴿ ويكأن الله ﴾ من قرأ ﴿ وي ﴾ مفصولة عن ﴿ كأن ﴾ وهو مذهب الخليل وسيبويه فهي كلمة تنبيه على الخطأ وتندم كأنهم تنبهوا على خطئهم في تمنيهم وتندموا ثم قالوا ﴿ كأنه لا يفلح الكافرون ﴾ أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح نظير هذا الاستعمال قول الشاعر: ويكأن من يكن له نشب يحـ *** ـبب ومن يفتقر يعيش عيش ضر وعند الكوفيين: ويك بمعنى ويلك أي ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون.

حكى هذا القول قطرب عن يونس، وجوّز جار الله أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى ﴿ وي ﴾ واللام مقدر قبل أن لبيان المقول لأجله هذا القول والتعليل أي لأنه لا يفلح الكفار كان ذلك الخسف.

قال في الكشاف قوله ﴿ تلك ﴾ تعظيم للدار الآخرة وتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت ذكرها وبلغك وصفها.

قلت: يحتمل أن يكون للتبعيد حقيقة.

وفي قوله ﴿ لا يريدون ﴾ دون أن يقول "يتركون" زجر عظيم ووعظ بليغ كقوله ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا  ﴾ حيث علق الوعيد بالركون عن علي أن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحته.

ومن الناس من رد العلو إلى فرعون والفساد إلى قارون لقوله  ﴿ إن فرعون علا في الأرض  ﴾ وقال في قصة قارون ﴿ ولا تبغ الفساد في الأرض ﴾ وضعف هذا التخصيص بيِّن لقوله في خاتمة الآية ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ قوله ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ الآية، قد مر تفسير مثله في آخر "الأنعام" وفي آخر "النمل".

وقوله ﴿ فلا يجزى الذين عملوا السيئات ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر إذ كان يكفي أن يقال: "فلا تجزون" إلا أنه أراد فضل تهجين لحالهم بإسناد عمل السيئات إليهم مكرراً، وفي ذلك لطف للسامعين في زيادة تبغيض السيئة إلى قلوبهم.

ثم أراد أن يسلي رسوله في خاتمة السورة فقال ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن ﴾ أي أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه ﴿ لرادّك إلى معاد ﴾ وأي معاد فتنكير المعاد للتعظيم وأنه ليس لغيره من البشر مثله يعني أن الذي حملك صعوبة تكلي التبليغ وما يتصل به لمثيبك عليها ثواباً لا يحيط به الوصف.

وقيل: أراد عوده إلى مكة يوم الفتح، ووجه التنكير ظاهر لأن مكة يومئذ كانت معاداً له شأن لغلبة المسلمين وظهور عز الإسلام وأهله وذل أهل الشرك وحزبه والسورة مكية.

فقيل: وعده وهو بمكة في أذى من أهلها أنه مهاجر بالنبي منها ويعيده إليها في ظفر ودولة.

وقيل: نزلت عليه هذه الآية حين بلغ الجحفة في مهاجرة وقد اشتاق إلى وطنه.

وفي الآية إخبار عن الغيب وقد وقع كما أخبر فيكون فيه إعجاز دال على نبوّته.

وحين وعد رسوله الردّ إلى المعاد المعتبر قال ﴿ قل ﴾ لأهل الشرك ﴿ ربي أعلم ﴾ يعني نفسه وإياهم بما يستحقه كل من الفريقين في معاده، ولا يخفى أن هذا كلام منصف واثق بصدقه وحقيته.

ثم ذكر رسوله ما أنعم به عليه فقال ﴿ وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ﴾ قال أهل العربية: هذا الاستثناء محمول على المعنى كأنه قيل: وما ألقى إليك الكتاب إلا لأجل الرحمة، أو "إلا" بمعنى "لكن" أي ولكن لرحمة من ربك ألقي إليك.

ثم نهاه عن اتباع أهواء أهل الشرك وقد مرّ مراراً أن مثل هذا النهي من باب التهييج له ولأمته.

ثم إن مرجع الكل إليه فقال ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ فمن الناس من فسر الهلاك بالعدم أي يعدم كل شيء سواه، والوجه يعبر به عن الذات، ومنهم من فسر الهلاك بخروجه عن كونه منتفعاً به منفعته الخاصة به إما بالإماتة أوبتفريق الأجزاء كما يقال "هلك الثوب وهلك المتاع" وقال أهل التحقيق: معنى الهلاك كونه في حيز الإمكان غير مستحق للوجود ولا للعدم من عند ذاته، وإن سميت المعدوم شيئاً فممتنع الوجود أحق كل شيء بأن يسمى هالكاً.

استدلت المعتزلة بالآية على أن الجنة والنار غير مخلوقتين لأنهما لو كانتا مخلوقتين لعرض لهما الفناء بحكم الآية، وهذا يناقض قوله ﴿ أكلها دائم  ﴾ وعورض بقوله ﴿ اعدّت للمتقين  ﴾ و ﴿ أعدت للكافرين  ﴾ ويحتمل أن يقال الكل بمعنى الأكثر ومن هناك قال الضحاك: كل شيء هالك إلا الله والعرش والجنة والنار.

وقيل: إلا العلماء فإن علمهم باق.

ويمكن أن يقال إن زمان فناء الجنة لما كان قليلاً بالنسبة إلى زمان بقائها فلا جرم أطلق لفظ الدوام عليه ومن فسر الهلاك بالإمكان فلا إشكال والله أعلم.

التأويل: ﴿ أرايتم إن جعل الله عليكم ﴾ ليل الفراق عند استيلاء ظلمة البشرية ﴿ سرمداً ﴾ ﴿ من إله غير الله يأتيكم بضياء ﴾ نهار الوصل والتجلي ﴿ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ﴾ نهار الوصل بطلوع شمس التجلي ﴿ سرمداً ﴾ ﴿ من إله غير الله يأتيكم بليل ﴾ سر تسكنون فيه عن وعثاء سطوة التجلي ﴿ ومن رحمته جعل لكم ﴾ ليل السر ونهار التجلي فإن العاشق لو دام في التجلي كان يستهلك وجوده، وكان النبي  يقول "إنه ليغان على قلبي" وقال لعائشة: كلميني يا حميراء.

وذلك لتخرجه من سطوات شمس التجلي إلى سر ظل البشرية ليستريح من التعب والنصب.

وليس هذا السر من قبيل الحجاب وإنما هو من جملة الرحمة واللطف نظيره الشمس في عالم الصورة فإنها في خط الاستواء تحرق، وفي الآفاق الرحوية لا تؤثر، وفي الآفاق الحملية يعتدل الحر والبرد فتكثر العمارة وتسهل ويعيش الحيوان ﴿ ونزعنا من كل أمة ﴾ من أرباب النفوس ﴿ شهيداً ﴾ هو القلب الحاضر ﴿ فقلنا هاتوا برهانكم ﴾ وهو حقيقة التوحيد التي لا تحصل بالفعل إلا بجذبة خطاب الحق فعلموا بتلك البراهين القاطعة أن الحق لله ﴿ إن قارون ﴾ النفس ﴿ كان من قوم موسى ﴾ القلب لأن الله  جعل النفس تبعاً للقلب وجعل سعادتها في متابعة ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ المودعة في صفاتها قد أهلك من قبله من القرون كإبليس فإنه أكثر علماً وطاعة ﴿ في زينته ﴾ هي التي زين حبها للناس من النساء والبنين وغير ذلك ﴿ قال الذين يريدون الحياة الدنيا ﴾ وهم صفات النفس.

﴿ وقال الذين أوتوا العلم ﴾ وهو صفات الروح ﴿ فخسفنا به ﴾ الأرض دركات السفل ﴿ وبداره ﴾ وهي قالبه أرض جهنم يتغلغل فيها إلى يوم القيامة بل إلى الأبد ﴿ نجعلها للذين لا يريدون ﴾ كما قال في بعض الكتب المنزلة: عبدي أنا ملك حي لا أموت أبداً، أطعني أجعلك ملكاً حياً لا تموت أبداً.

عبدي أنا ملك إذا قلت لشيء كن فيكون، أطعني أجعلك ملكاً إذا قلت لشيء كن فيكون.

وعن النبي  "عنوان كتاب الله إلى عباده المؤمنين من الملك الحي الذي لا يموت إلى الملك الحي الذي لا يموت" ﴿ إن الذي فرض ﴾ أي أوجب عليك التخلق بخلق القرآن ﴿ لرادّك إلى معاد ﴾ هو مقام الفناء في الله والبقاء به ﴿ قل ربي أعلم من جاء بالهدى ﴾ وهو بذل الوجود المجازي في الوجود الحقيقي ﴿ إلا رحمة من ربك ﴾ أي إلا أنا ألقينا الكتاب إليك إلقاء الإكسير على النحاس فتخلقت بخلق القرآن والله المستعان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ﴾ : كأنه قال - والله أعلم - يخوّف أهل مكة، ويوعدهم ببغيهم على الله وعلى رسوله بعذاب ينزل بهم؛ كما نزل بقارون ببغيه على موسى وقومه، أي: لم تنفعه قرابته من موسى ولا صلته به؛ لما ذكر أنه كان ابن عمه وكان ختنه: زوج أخته مريم؛ فعلى ذلك يقول - والله أعلم -: لا تنفعكم القرابة التي بينكم وبين رسول الله ولا اتصالكم - به من عذاب الله ومقته في الدنيا، إذا بغيتم عليه وتركتم اتباعه؛ كما لم تنفع القرابة التي بين قارون وموسى من عذاب الله ومقته في الدنيا إذا بغى عليه، وكما لم تنفع أبوة أبي إبراهيم لأبي إبراهيم إذا بغى عليه وترك اتباعه، حيث تبرأ إبراهيم منه وحيث قال: ﴿ يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ الآية [مريم: 45]، وحيث لم تنفع لامرأة نوح ولوط الزوجية التي كانت بينهما وبين نوح ولوط من نزول العذاب ومقته بهما إذا تركتا اتباعهما وبغتا عليهما؛ فعلى ذلك يأهل مكة لا ينفعكم من عذاب الله ومقته قرابتكم برسول الله - صلوات الله عليه - ووصلتكم به، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ﴾ : اختلف أهل التأويل في بغيه عليهم: قال بعضهم: هو أن موسى طلب منه زكاة ما آتاه الله من المال، فمنعه وأبى أن يعطيه.

وقال بعضهم: بغيه عليهم هو أن أعطى امرأة جعلا لتقذفه بنفسها، فأراد أن يفضحه على رءوس الأخيار والملأ وأن يرجموه، فدفع الله عنه وبرأه منه.

وقال بعضهم: إنما بغى عليه بكثرة ماله وولده، هذا يشبه أن يكون كأنه افتخر بكثرة ماله في دفع عذاب الله ونقمته؛ كقول أهل مكة: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً...

﴾ الآية [سبأ: 35].

وقال بعضهم: بغى عليه لأن النبوة جعلت في موسى والحبورة في هارون، ولم يجعل لقارون شيء، فاعتزل عن موسى واتبعه ناس كثير، فاعتدى عليه ونحو هذا كثير مما قالوه.

والأشبه أن يكون بغيه الذي ذكر عليه كبغي فرعون وهامان عليه؛ حيث قال: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ  إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [العنكبوت: 39]، فكان منه ما كان من فرعون وهامان من التكذيب والرد لرسالته، وتسميته: ساحراً كذاباً، فذلك هو البغي عليه.

أو لا يفسر البغي عليه؛ لأنه ذكر البغي ولم يبين ما ذلك البغي، والله أعلم بذلك.

وقال قائلون: بغيه عليه: هو أن زاد في ثيابهم شبرا، فذلك أيضاً لا نعلمه فهو مثل الأول.

وقوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ ﴾ : قال بعضهم: مفاتحه: خزائنه.

وقال بعضهم: جمع مفتاح وهو في الأصل مفاتيح.

وذكر أن كنوزه كانت كذا كذا ألفاً، وأن مفاتيحه كان يحملها كذا كذا بغلا، وأنها من جلود كذا أو من كذا قدر كذا، فذلك أيضاً لا نعلمه ولا نفسره ولا نذكره إلا قدر ما ذكر في الكتاب؛ إذ ذكر في الكتاب الكنوز والمفاتح، وذكر أن العصبة تنوء بها وذلك للكثرة ما ذكر، ولكن لا نعلم قدره وعدده ما هو؟

ولا كم هو؟

وكذلك العصبة أيضاً لا نعلمه كم عدده؟

إلا أن أهل التأويل يقول بعضهم: من عشرة إلى أربعين، ويقول بعضهم: من عشرة إلى خمس وسبعين، وبعضهم: من عشرة إلى خمس عشرة ونحوه، لا نفسره ولا نذكر عدده سوى أنه اسم جماعة يتعصب بعضهم بعضاً يرجعون جميعاً إلى أمر واحد، وكذلك الشيعة هي جماعة يتشيع بعضهم بعضاً ويتبع بعضهم بعضاً؛ ولذلك قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ  ﴾ أي: يتعصب بعضنا بعضاً لا ندعه يأكله، ولئن لم نفعل ولم نحفظه ﴿ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: لتثقل بالعصبة تلك المفاتيح.

وقال القتبي: ﴿ لَتَنُوءُ ﴾ أي: تميل بها العصبة إذا حملتها من ثقلها.

وقال أبو عوسجة: ﴿ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ ﴾ ، أي: لتعجز العصبة عن حملها.

وقال بعضهم: تنوء: تثقل، والعصبة: جماعة.

وقوله: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ ﴾ : قال بعضهم: لا تبطر ولا تأشر؛ إن الله لا يحب البطرين الأشرين.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لاَ تَفْرَحْ ﴾ أي: لا تفتخر على الناس بما آتاك الله من المال ولا تتكبر عليهم، و ﴿ لاَ تَفْرَحْ ﴾ لا تسكن إليها، ولا تركن إلى ذلك، إن الله لا يحب من ذكر.

وقوله: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ : كان كثرة ما آتاه الله من المال أنسته الآخرة، وشغلته عنها وعن العمل لها، حتى حمله ذلك الجحود والإنكار، فقالوا: وابتغ الدار الآخرة بما آتاك الله.

﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: لا تنس من مالك نصيبك في الدنيا ولكن قدم لآخرتك.

قال الحسن في قوله: ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا...

﴾ إلى آخره قال: أمر أن يأخذ من ماله قدر عيشه، ويقدم ما سوى ذلك لآخرته، وكذلك قال في قوله: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ أي: قدم الفضل وأمسك ما يبلغك.

﴿ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ : قال: يكفيك ما أحل الله لك من الدنيا؛ فإن فيه غناء وكفاية.

وأصله: ما روي عن نبي الله  أنه قال: "لك من الدنيا ما أكلت ولبست وأفنيت وما قدمت" جعل المقدم من الدنيا له، وأمّا ما خلفه فهو لغيره.

وهكذا أمر الدنيا لم تخلق الدنيا لتبقى لأهلها أو يبقى أهلها فيها، ولكن إنما خلقت لتفنى هي أو يفنى أهلها، وخلقت الآخرة للبقاء، فنصيبه من الدنيا ما قدم وأنفق في طاعة الله وفي سبيله ليس ما خلفه في هذه الدنيا.

وقوله: ﴿ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَأَحْسِن ﴾ إلى نفسك في العمل للآخرة كما أحسن الله إليك، وأحسن إلى الخلق كما أحسن الله إليك.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : هذا يدل أنه كان ينفق ماله إلا أنه كان ينفق في الصدّ عن سبيل الله؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، ولو كان في ترك الإنفاق لم يكن في ذلك بغي الفساد في الأرض.

ثم الواجب على من حضر الملوك وشهد مجالسهم من أهل العلم أن يخوفوا الملوك، ويواعدوهم بما أوعد قوم موسى قارون وخوفوه، ويأمروهم بالصلاح في أنفسهم وفي رعيتهم، كما أمر أولئك قارون، وينهوهم كما نهاه أولئك، فإن أجابوهم وإلا امتنعوا عنهم وكفوا أنفسهم عن الاختلاف إليهم، فإن لم يفعلوا فهم شركاؤهم في جميع ما يفعلون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: إن قارون كان أخبر الناس بالتوراة وأعلمهم بها وسمي: قارون لذلك، وذكر أنه سمي: المنور؛ لحسن صوته بالتوراة.

وقال بعضهم: سميّ: منوراً لذكائه، والله أعلم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ﴾ : وهو الكمياء، ذكر أنه يعالج صنعة الذهب ويحسنها.

وقال بعضهم: ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ﴾ أي: على خبر عندي، قال ذلك على أثر قول أولئك: ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا ﴾ إلى قوله  : ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ كأنهم أوعدوه بذهاب ذلك عنه وهلاكه، فقال - والله أعلم -: إنما أوتيت ذلك على علم عندي، لم أوت جزافاً بلا سبب، وكأنه - والله أعلم - نسي الآخرة بما أوتي من المال والكنوز، وترك الإنفاق في الخير، وكان ينفق في صد الناس عن سبيل الله؛ ولذلك قال: ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، إلا أنه كان عارفاً بالله حيث قالوا له: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ وقالوا له: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ دل هذا منهم أنه كان عارفاً بالله  .

وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ﴾ : ذكر هذا - والله أعلم - لما أنه كان يفتخر ويستكبر على الناس بما أوتي من الأموال والكنوز والأتباع، ويحسب أنه يدفع العذاب الموعود في هذه الدنيا بذلك عن نفسه.

أو يظن أنه لما أوتي ذلك لا يعذب كظن أولئك الكفرة حيث قالوا: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ ؛ فجائز أن كان من قارون من الإعجاب بالكثرة والجمع ما ذكر بأولئك، فقال عند ذلك: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ﴾ ، ثم لم يتهيأ لهم دفع ما نزل بهم من العذاب؛ فعلى ذلك أنت يا قارون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: لا يسألون عن ذنوبهم؛ كقوله: ﴿ يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ  ﴾ .

وقال بعضهم: لا يسأل هذه الأمة عن صنيع مجرمي الأمم الخالية.

وجائز ألا يسأل عن ذنوبهم؛ لأنهم لا يرون ما يعملون من الأعمال ذنوباً، ولكن إنما يسألون عن الدليل الذي به لا يرون تلك الأعمال ذنباً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: إنه خرج على بغال شهب، ومعه كذا كذا من الجواري على كذا كذا بغال شهب عليهن من الثياب كذا.

وقال بعضهم: إنه خرج على براذين كذا بيض ومع كذا كذا غلمان وجواري، ونحو ما ذكروا.

لكنّا لا ندري على أيّ زينة خرج؟

ولكنا نعلم أنه خرج على الزينة التي يخرج أمثاله من الملوك، ولا نفسّر أنه كذا على كذا، وكذلك لا نفسّر العلم؛ ذكر أنه أوتي له من المال والكنز أنه كان عنده كذا من العلم، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.

وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ أي: أوتوا منافع العلم: لأنه قد يؤتى العلم ربمّا، ولا يؤتى من الانتفاع له به ما أوتي هؤلاء ؛ حيث قالوا لأولئك: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ لم يكن من أولئك إلا التمني أن يؤتوا مثل ما أوتي قارون، ثم نهاهم الذين أوتوا منافع العلم والانتفاع به عن ذلك التمني، فدل ذلك أن التمني لا يسع الاشتغال به والطلب؛ حيث قالوا لهم: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَآ ﴾ كيف ذكره بالتأنيث، وإنما تقدم له ذكر الثواب، فألا قال: (وما يلقاه)؟

لكن اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَآ ﴾ كناية عن تلك المقالة التي كانت من أولئك الذين أوتوا العلم لأولئك الذين يريدون الحياة الدنيا، أي: لا يلقى تلك المقالة التي قالوها لأولئك إلا الصابرون.

وقال بعضهم: لا، ولكن ذلك كناية عن الأعمال، أي: ولا يلقى تلك الأعمال ولا يوفق إليها إلا الصابرون.

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَآ ﴾ أي: لا يوفق، ويقال: لا يرزق.

﴿ ٱلصَّابِرُونَ ﴾ يحتمل: المؤمنين أنفسهم؛ كقوله -  -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ  ﴾ وقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ أي: آمنوا.

ويحتمل: الصابرون: الذين صبروا أنفسهم وحبسوها على أداء ما افترض الله عليهم، ولم يؤتوا أنفسهم شهواتهم وهواها، والله أعلم.

ثم كان في قوم موسى خصال ثلاث لم تكن تلك ومثلها في غيرهم من الأمم.

أحدها: ما ذكر من صلابة [الذين] أوتوا العلم، ويقينهم، وطمأنينتهم فيما وعدوا في الآخرة من الثواب، وصبرهم على أداء ما افترض الله عليهم، وحبسوا أنفسهم عن مُنَاهم وشهواتهم، ولصلابتهم وقوتهم في الدّين ما وعظوا قارون، حيث قالوا له: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ...

﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ وهو كان يومئذ ملكاً، ولما قالوا لأولئك الذين يريدون الحياة الدنيا: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ .

والثاني: ما ذكر سحرة فرعون حين أوعدهم بالقطع والصلب والقتل بإيمانهم الذي آمنوا فقالوا: ﴿ لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ  ﴾ وقالوا: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ  ﴾ وأمثال ذلك مما لم يبالوا حلول ما أوعدهم وخوفهم من أنواع العذاب.

والثالث: ما ذكر من الذي كان يكتم إيمانه؛ حيث قال: ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ  ﴾ وإنما أظهر ذلك حين قال فرعون: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ  ﴾ كأنه همّ أن يقتله؛ ألا ترى أن ذلك الرجل المؤمن الذي كان يكتم إيمانه قال لهم: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ  ﴾ لم يبال هلاك نفسه بإظهاره الإيمان بعد أن أعان به الله موسى، ونفع له بما قال، واستقبل فرعون وقومه بما استقبل.

فهذه خصال لم تذكر عن قوم قط من سوى قوم موسى مثلها.

ولذلك وصفهم ونعتهم بفضل الهداية والعدالة، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ  ﴾ .

وهكذا الواجب على كل مؤمن إذا أريد منه أخذ الإيمان، أو خاف على دينه أن يذهب به، أو أن يدخل فيه النقصان ألاَّ يبدّل ذلك، وإن خاف على نفسه تلفها وهلاكها وتعذيبها بأشدّ ما يكون من العذاب؛ ألا ترى أن الله مدح أصحاب الأخدود بما احتملوا أشدّ العذاب وأسوأ القتل، ولم يتركوا الإيمان، ولم يعطوا أولئك الكفرة ما أرادوا منهم، فهكذا الاختيار على كل مسلم أن يختار ما اختار أولئك.

وهكذا الواجب على كل من يأتي الأمراء والسلاطين ويحضر مجالسهم من العلماء أن يعظوهم، ويأمروهم بكل ما يؤتى، وينهوهم عن كل محذور، ويدلوهم على كل خير وكل ما هو طاعة لله، كما فعل قوم قارون بقارون، وإلا لم يحضروا مجالسهم ولا أتوا طائعين، فلو فعلوا فإنهم يكونون شركاءهم.

وذكر عن بعض السلف أنه قال: في عيسى وقارون عبرة لمن اعتبر؛ إن عيسى - صلوات الله عليه - زهد في الدنيا زهداً، حتى لم يتخذ لنفسه مسكناً يسكنه، ولا مقرّاً يقر فيه، ولا اتخذ لنفسه ما يتعيش به، ولا اشتغل بشيء منها، فرفعه الله إلى السماء، فجعل عيشه ومقره فيها في كرامة الله وجواره.

وقارون كان يرغب في هذه الدنيا رغبة، وجهد في طلبها طاقته ووسعه، وركن إليها ركوناً، حتى خسفه الله في الأرض، وأدخله فيها مع كنوزه وأتباعه، فيكون فيها إلى يوم القيامة؛ ففي ذلك عبرة وآية لكل راغب وزاهد، فيرغب الزاهد في الزهد فيها، وينزجر الراغب عن الرغبة فيها، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ ﴾ بالبغي الذي بغى عليهم؛ أعني: على موسى وأصحابه.

وقوله: ﴿ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ كأنه كان يفتخر بالمال والحواشي، ويتقوى بذلك في دفع عذاب الله ونقمته؛ لذلك قال: ﴿ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لم يغن في دفع عذاب الله عنه أتباعه وحواشيه، وهو كظنّ أولئك: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ وكان ظنهم ذلك وقولهم إنما كان بوجهين: أنهم ظنوا أن أموالهم وأتباعهم تدفع عنهم عذاب الله ونقمته كما تدفع نقمة بعضهم عن بعض فيما بينهم؛ كقول ذلك الرجل: ﴿ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ  ﴾ .

والثاني: ظنوا أنهم إنما أعطوا هذه الأموال والأتباع في هذه الدنيا لكرامة لهم عند الله؛ فلا يعذبون أبداً.

وقوله: ﴿ وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ ﴾ كانوا تمنّوا أن يعطوا مثل ما أعطي قارون ﴿ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ...

وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ قال بعض أهل الأدب: (وَيْ) صلة، وإنما هو (كأنّ) و(كأنّه).

وقال مقاتل: ﴿ وَيْكَأَنَّهُ ﴾ أي: لكنه ويكأنّ.

قال بعضهم: قوله: ﴿ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ ﴾ أي: اعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء، واعلموا أنه لا يفلح الكافرون، لكن الله يبسط الرزق لمن يشاء، ولكنه لا يفلح الكافرون.

وقال بعضهم: ألم تر أن الله يبسط الرزق، وألم تر أنه لا يفلح كذا.

وقال الزجاج: "وي" مقطوعة من (كأنّ) وهو حرف يفتتح به التندم، ثم ابتدأ بقوله: كأنه لا يفلح الكافرون.

ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في وجوب الأصلح على الله؛ لأنهم ذكروا مِنَّة الله في منعه إياهم ما تمنوا بالأمس مما أوتي قارون، فلو كان ما أعطي قارون أصلح له في دينه لم يكن في منعه عن هؤلاء منة؛ دل أن ما أعطى قارون لم يكن أصلح له، بل المنع أصلح له، وأن ليس على الله حفظ الأصلح للعباد في الدّين.

وقوله: ﴿ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ في ظاهرها: أن كل من لا يريد العلوّ في هذه الدنيا ولا الفساد فيها يكون من أهل نعمة الله، وكذلك ما ذكر من الدار الآخرة، وجهنم هي من دار الآخرة أيضاً، لكن الآية تخرج على وجهين: أحدهما: كأنها نزلت في رؤساء الكفرة وكبرائهم من الذين كانت همتهم في التكبر والتجبر على الرسل، والفساد فيها، في صرف الناس عن دين الله واتباع الرسل، فقال - والله أعلم -: ﴿ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ ﴾ - أي: الجنة - ليست لهؤلاء، ولكن لمن تواضع للرسل، ودعا الناس إلى دين الله واتباع الرسل.

والثاني: تكون الآية في الذين كانوا يعملون بالخيرات والطاعات منهم في نحو صلة الأرحام والصدقة على الفقراء والإنفاق في ذلك، فأخبر أنهم وإن كانوا يعملون بتلك الأعمال فإنما يعملون للدنيا والعلو فيها لا للآخرة، فتلك الدار الآخرة ليست لهم، إنما هي للذين يعملون ويريدون بها الدار الآخرة.

وقوله: ﴿ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ ﴾ : كأنه يقول: تلك الدار التي دعوا إليها ليست لمن ذكر، وهي الدار التي قال الله فيها: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ  ﴾ ، فالدار الآخرة هي الدار التي دعوا إليها وهي الجنة؛ الدار الآخرة على الإطلاق: الجنة؛ كالكتاب المطلق كتاب الله، والدين المطلق: دين الله، ونحوه.

وقوله: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: تلك الدار الآخرة للمتقين.

وقوله: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: ما قال أهل التأويل على التقديم والتأخير: فله منها خير، ومعناه: أن ما يكون له في الآخرة من الخير؛ إنما يكون بتلك الحسنة التي جاء بها في الدنيا وهي التوحيد.

والثاني: قوله: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: ما أعطوا في الآخرة من الخير والثواب خير مما يعطون في الدنيا بصبرهم، وحبسهم أنفسهم عن شهواتها وأمانيها.

والثالث: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: ثواب الله وما أكرموا به خير مما عملوا في الدنيا.

والرابع: أن توفيقه إياهم وإرشاده خير مما عملوا.

أو أن يكون ذكر الله وحمده خير مما ذكر؛ كقوله: ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ ﴾ : قالوا جميعاً: السيئة: هي الشرك، ﴿ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا  ﴾ هو التخليد في النار أبداً، ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ  ﴾ : فيما يجزون بها بل ظلموا أنفسهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال قارون: إنما أُعْطِيت هذه الأموال لعلم عندي وقدرة، فأنا أستحقها لذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.bwoAR"

مزيد من التفاسير لسورة القصص

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.3 / 29.5
الإضاءة 38%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله