الآية ٧٩ من سورة القصص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٧٩ من سورة القصص

فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ فِى زِينَتِهِۦ ۖ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا يَـٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِىَ قَـٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍۢ ٧٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 90 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٩ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٩ من سورة القصص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن قارون : إنه خرج ذات يوم على قومه في زينة عظيمة ، وتجمل باهر ، من مراكب وملابس عليه وعلى خدمه وحشمه ، فلما رآه من يريد الحياة الدنيا ويميل إلى زخرفها وزينتها ، تمنوا أن لو كان لهم مثل الذي أعطي ، قالوا : ( يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ) أي : ذو حظ وافر من الدنيا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) يقول تعالى ذكره: فخرج قارون على قومه في زينته, وهي فيما ذكر ثياب الأرجوان.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا طلحة بن عمرو, عن أبي الزبير, &; 19-528 &; عن جابر ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ) قال: في القرمز.

قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن عثمان بن الأسود, عن مجاهد ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ) قال: في ثياب حمر.

حدثنا ابن وكيع, قال ثنا أبو خالد الأحمر, عن عثمان بن الأسود, عن مجاهد ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ) قال: على براذين بيض, عليها سروج الأرجوان, عليهم المعصفرات.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ) قال: عليه ثوبان معصفران.

وقال ابن جُرَيج: على بغلة شهباء عليها الأرجوان, وثلاث مائة جارية على البغال الشهب, عليهن ثياب حمر.

حدثنا ابن وكيع, قال: ثني أبي ويحيى بن يمان, عن مبارك, عن الحسن ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ) قال: في ثياب حمر وصفر.

حدثنا ابن المثني, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن سماك, أنه سمع إبراهيم النخعي, قال في هذه الآية ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ) قال: في ثياب حمر.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا شعبة, عن سماك, عن إبراهيم النخعيّ, مثله.

حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا غندر, قال: ثنا شعبة, عن سماك, عن إبراهيم مثله.

حدثنا محمد بن عمرو بن علي المقدمي, قال: ثنا إسماعيل بن حكيم, قال: دخلنا على مالك بن دينار عشية, وإذا هو في ذكر قارون, قال: وإذا رجل من جيرانه عليه ثياب معصفرة, قال: فقال مالك: ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ) قال: في ثياب مثل ثياب هذا.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ): ذكر لنا أنهم خرجوا على أربعة آلاف دابة, عليهم وعلى دوابهم الأرجوان.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ) قال: خرج في سبعين ألفا, عليهم المعصفرات, فيما كان أبي يذكر &; 19-629 &; لنا.

( قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ ) يقول تعالى ذكره: قال الذين يريدون زينة الحياة الدنيا من قوم قارون: يا ليتنا أُعطينا مثل ما أعطي قارون من زينتها( إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) يقول: إن قارون لذو نصيب من الدنيا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فخرج على قومه أي على بني إسرائيل فيما رآه زينة من متاع الحياة الدنيا من الثياب والدواب والتجمل في يوم عيد .

قال الغزنوي : في يوم السبت .

في زينته أي مع زينته قال الشاعر :إذا ما قلوب القوم طارت مخافة من الموت أرسوا بالنفوس المواجد[ ص: 291 ] أي مع النفوس كان خرج في سبعين ألفا من تبعه ، عليهم المعصفرات ، وكان أول من صبغ له الثياب المعصفرة قال السدي : مع ألف جوار بيض على بغال بيض بسروج من ذهب على قطف الأرجوان قال ابن عباس : خرج على البغال الشهب مجاهد : على براذين بيض عليها سروج الأرجوان ، وعليهم المعصفرات ، وكان ذلك أول يوم رئي فيه المعصفر قال قتادة : خرج على أربعة آلاف دابة عليهم ثياب حمر ، منها ألف بغل أبيض عليها قطف حمر .

قال ابن جريج : خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان ، ومعه ثلاثمائة جارية على البغال الشهب عليهن الثياب الحمر وقال ابن زيد : خرج في سبعين ألفا عليهم المعصفرات الكلبي : خرج في ثوب أخضر كان الله أنزله على موسى من الجنة فسرقه منه قارون وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه : كانت زينته القرمز .قلت : القرمز : صبغ أحمر مثل الأرجوان ، والأرجوان في اللغة صبغ أحمر ; ذكره القشيري .

قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ أي نصيب وافر من الدنيا .

ثم قيل : هذا من قول مؤمني ذلك الوقت ، تمنوا مثل ماله رغبة في الدنيا وقيل : هو من قول أقوام لم يؤمنوا بالآخرة ولا رغبوا فيها ، وهم الكفار .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَخَرَجَ } ذات يوم { فِي زِينَتِهِ } أي: بحالة أرفع ما يكون من أحوال دنياه، قد كان له من الأموال ما كان، وقد استعد وتجمل بأعظم ما يمكنه، وتلك الزينة في العادة من مثله تكون هائلة، جمعت زينة الدنيا وزهرتها وبهجتها وغضارتها وفخرها، فرمقته في تلك الحالة العيون، وملأت بِزَّتُهُ القلوب، واختلبت زينته النفوس، فانقسم فيه الناظرون قسمين، كل تكلم بحسب ما عنده من الهمة والرغبة.فـ { قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } أي: الذين تعلقت إرادتهم فيها، وصارت منتهى رغبتهم، ليس لهم إرادة في سواها، { يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ } من الدنيا ومتاعها وزهرتها { إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } وصدقوا إنه لذو حظ عظيم، لو كان الأمر منتهيا إلى رغباتهم، وأنه ليس وراء الدنيا، دار أخرى، فإنه قد أعطي منها ما به غاية التنعم بنعيم الدنيا، واقتدر بذلك على جميع مطالبه، فصار هذا الحظ العظيم، بحسب همتهم، وإن همة جعلت هذا غاية مرادها ومنتهى مطلبها، لَمِنْ أدنى الهمم وأسفلها وأدناها، وليس لها أدنى صعود إلى المرادات العالية والمطالب الغالية.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فخرج على قومه في زينته ) قال إبراهيم النخعي : خرج هو وقومه في ثياب حمر وصفر ، قال ابن زيد : في سبعين ألفا عليهم المعصفرات .

[ قال مجاهد : على براذين بيض عليها سرج الأرجوان ] قال مقاتل : خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب عليه الأرجوان ، ومعه أربعة آلاف فارس عليهم وعلى دوابهم الأرجوان ، ومعه ثلاثمائة جارية بيض عليهن الحلي والثياب الحمر ، وهن على البغال الشهب ، ( قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ) من المال .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فخرج» قارون «على قومه في زينته» بأتباعه الكثيرين ركبانا متحلين بملابس الذهب والحرير على خيول وبغال متحلية «قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا» للتنبيه «ليت لنا مثل ما أوتي قارون» في الدنيا «إنه لذو حظ» نصيب «عظيم» واف فيها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فخرج قارون على قومه في زينته، مريدًا بذلك إظهار عظمته وكثرة أمواله، وحين رآه الذين يريدون زينة الحياة الدنيا قالوا: يا ليت لنا مثل ما أُعطي قارون من المال والزينة والجاه، إن قارون لذو نصيب عظيم من الدنيا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر غرور قارون وبطره فقال : ( فَخَرَجَ على قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ) والجملة الكريمة معطوفة على قوله قبل ذلك ( قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي ) وما بينهما اعتراض .

والزينة : اسم ما يتزين به الإنسان من حلى أو ثياب أو ما يشبهها .أى : قال ما قال قارون على سيبل الفخر والخيلاء ، ولم يكتف بهذا القول بل خرج على قومه فى زينة عظيمة .

وأبهة فخمة ، فيها ما فيها من ألوان الرياش والخدم .وقد ذكر بعض المفسرين روايات متعددة ، فى زينته التى خرج فيها ، رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها ، ويكفى أن نعلم أنها زينة فخمة ، لأنه لم يرد نص فى تفاصيلها .وأمام هذه الزينة الفخمة التى خرج فيها قارون ، أنقسم الناس إلى فريقين ، فريق استهوته هذه الزينة ، وتمنى أن يكون له مثلها ، وقد عبر القرآن عن هذا الفريق بقوله : ( قَالَ الذين يُرِيدُونَ الحياة الدنيا ياليت لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) .أى : خرج قارون على قومه فى زينته ، فما كان من الذين يريدون الحياة الدنيا وزخارفها من قومه ، إلا أن قالوا على سبيل التمنى والانبهار .

.

.

يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون من مال وزينة ورياش ، إنه لذو حظ عظيم ، ونصيب ضخم ، من متاع الدنيا وزينتها .هكذا قال الذين يريدون الحياة الدنيا .

وهم الفريق الأول من قوم قارون .

أما الفريق الثانى المتمثل فى أصحاب الإيمان القوى ، والعلم النافع ، فقد قابلوا أصحاب هذا القول بالزجر والتعنيف .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما قوله: ﴿ فَخَرَجَ على قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾ فيدل على أنه خرج بأظهر زينة وأكملها وليس في القرآن إلا هذا القدر، إلا أن الناس ذكروا وجوهاً مختلفة في كيفية تلك الزينة، قال مقاتل خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف فارس على الخيول وعليها الثياب الأرجوانية ومعه ثلثمائة جارية بيض عليهن الحلى والثياب الحمر على البغال الشهب، وقال بعضهم: بل خرج في تسعين ألفاً هكذا، وقال آخرون بل على ثلثمائة.

والأولى ترك هذه التقريرات لأنها متعارضة، ثم إن الناس لما رأوه على تلك الزينة قال من كان منهم يرغب في الدنيا ﴿ ياليت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قارون ﴾ من هذه الأمور والأموال، والراغبون يحتمل أن يكونوا من الكفار وأن يكونوا من المسلمين الذين يحبون الدنيا، وأما العلماء وأهل الدين فقالوا للذين تمنوا هذا ويلكم ثواب الله خير من هذه النعم، لأن للثواب منافع عظيمة وخالصة عن شوائب المضار ودائمة، وهذه النعم العاجلة على الضد من هذه الصفات الثلاث، قال صاحب الكشاف: ويلك أصله الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرتضى.

أما قوله: ﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصابرون ﴾ فقال المفسرون: لا يوفق لها والضمير في يلقاها إلى ماذا يعود؟

فيه وجهان: أحدهما: إلى ما دل عليه قوله: ﴿ آمن وَعَمِلَ صالحا ﴾ يعني هذه الأعمال لا يؤتاها إلا الصابرون والثاني: قال الزجاج: يعني، ولا يلقى هذه الكلمة وهي قولهم ثواب الله خير إلا الصابرون على أداء الطاعات والاحتراز عن المحرمات، وعلى الرضا بقضاء الله في كل ما قسم من المنافع والمضار.

وأما قوله: ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أنه لما أشر وبطر وعتا خسف الله به وبداره الأرض جزاء على عتوه وبطره، والفاء تدل على ذلك، لأن الفاء تشعر بالعلية.

وثانيها: قيل إن قارون كان يؤذي نبي الله موسى عليه السلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي بينهما حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم فحسبه فاستكثره فشحت نفسه فجمع بني إسرائيل، وقال: إن موسى يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت سيدنا وكبيرنا فمرنا بما شئت، قال: نبرطل فلانة البغي حتى تنسبه إلى نفسها فيرفضه بنو إسرائيل فجعل لها طستاً من ذهب مملوءاً ذهباً فلما كان يوم عيد قام موسى فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن زنى وهو (غير) محصن جلدناه وإن أحصن رجمناه، فقال قارون وإن كنت أنت؟

قال: وإن كنت أنا، قال: فإن بني إسرائيل يقولون إنك فجرت بفلانة فأحضرت فناشدها موسى بالله الذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق فتداركها الله تعالى، فقالت: كذبوا بل جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي، فخر موسى ساجداً يبكي، وقال: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي، فأوحى الله عز وجل إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك، فقال: يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليلزم مكانه ومن كان معي فليعتزل فاعتزلوا جميعاً غير رجلين، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب ثم قال خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى عليه السلام ويناشدونه بالله والرحم، وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه، ثم قال: خذيهم فانطبقت الأرض عليهم فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام ما أفظك استغاثوا بك مراراً فلم ترحمهم، أما وعزتي لودعوني مرة واحدة لوجدوني قريباً مجيباً فأصبحت بنو إسرائيل يتناجون بينهم إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره وكنوزه فدعا الله حتى خسف بداره وأمواله، ثم إن قارون يخسف به كل يوم مائة قامة، قال القاضي: إذا هلك بالخسف فسواء نزل عن ظاهر الأرض إلى الأرض السابعة أو دون ذلك فإنه لا يمتنع ما روى على وجه المبالغة في الزجر، وأما قولهم إنه تعالى قال لو استغاث بي لأغثته، فإن صح حمل على استغاثة مقرونة بالتوبة فأما وهو ثابت على ما هو عليه مع أنه تعالى هو الذي حكم بذلك الخسف لأن موسى عليه السلام ما فعله إلا عن أمره فبعيد، وقولهم إنه يتجلجل في الأرض أبداً فبعيد لأنه لابد له من نهاية وكذا القول فيما ذكر من عدد القامات، والذي عندي في أمثال هذه الحكايات أنها قليلة الفائدة لأنها من باب أخبار الآحاد فلا تفيد اليقين، وليست المسألة مسألة عملية حتى يكتفى فيها بالظن، ثم إنها في أكثر الأمر متعارضة مضطربة فالأولى طرحها والاكتفاء بما دل عليه نص القرآن وتفويض سائر التفاصيل إلى عالم الغيب.

أما قوله: ﴿ وَمَا كَانَ مِنَ المنتصرين ﴾ فالمراد من المنتقمين من موسى أو من الممتنعين من عذاب الله تعالى يقال نصره من عدوه فانتصر، أي منعه منه فامتنع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فِى زِينَتِهِ ﴾ قال الحسن: في الحمرة والصفرة.

وقيل: خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان وعليها سرج من ذهب، ومعه أربعة آلاف على زيه.

وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلثمائة غلام، وعن يساره ثلثمائة جارية، بيض عليهنّ الحلي والديباج.

وقيل: في تسعين ألفاً عليهم المعصفرات، وهو أوّل يوم رؤي فيه المعصفر: كان المتمنون قوماً مسلمين وإنما تمنوه على سبيل الرغبة في اليسار والاستغناء كما هو عادة البشر.

وعن قتادة: تمنوه ليتقربوا به إلى الله وينفقوه في سبل الخير.

وقيل: كانوا قوماً كفاراً.

الغابط: هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه من غير أن تزول عنه.

والحاسد: هو الذي يتمنى أن تكون نعمة صاحبه له دونه فمن الغبطة قوله تعالى: ﴿ ياليت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قارون ﴾ ومن الحسد قوله: ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْض ﴾ [النساء: 32] وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يضر الغبط؟

فقال: «لا إلا كما يضر العضاه.......

الخبط» والحظ: الجدّ، وهو البخت والدولة: وصفوه بأنه رجل مجدود مبخوت، يقال: فلان ذو حظ، وحظيظ، ومحظوظ، وما الدنيا إلا أحاظ وجدود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ ﴾ كَما قِيلَ إنَّهُ خَرَجَ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْهِ الأُرْجُوانُ وعَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافٍ عَلى زِيِّهِ.

﴿ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ عَلى ما هو عادَةُ النّاسِ مِنَ الرَّغْبَةِ.

﴿ يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ ﴾ تَمَنَّوْا مِثْلَهُ لا عَيْنَهُ حَذَرًا عَنِ الحَسَدِ.

﴿ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ مِنَ الدُّنْيا.

﴿ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ بِأحْوالِ الآخِرَةِ لِلْمُتَمَنِّينَ.

﴿ وَيْلَكُمْ ﴾ دُعاءٌ بِالهَلاكِ اسْتُعْمِلَ لِلزَّجْرِ عَمّا لا يُرْتَضى.

﴿ ثَوابُ اللَّهِ ﴾ في الآخِرَةِ.

﴿ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ مِمّا أُوتِيَ قارُونُ بَلْ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها.

﴿ وَلا يُلَقّاها ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْكَلِمَةِ الَّتِي تَكَلَمَ بِها العُلَماءُ أوْ لِلْـ ﴿ ثَوابُ ﴾ ، فَإنَّهُ بِمَعْنى المَثُوبَةِ أوِ الجَنَّةِ أوْ لِلْإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ فَإنَّهُما في مَعْنى السِّيرَةِ والطَّرِيقَةِ.

﴿ إلا الصّابِرُونَ ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ المَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)

{فَخَرَجَ على قَوْمِهِ فِى زِينَتِهِ} في الحمرة والصفرة وقيل خرج يوم السبت على بغلة شهباء عليها الأرجوان وعليها سرج من ذهب ومعه أربعة الاف على زيه وقيل عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر وعن يمينه ثلثمائة غلام وعن يساره ثلثمائة جارية بيض عليهن الحلي والديباج وفي زِينَتِهِ حال من فاعل خرج أي متزيناً {قَالَ الذين يُرِيدُونَ الحياة الدنيا} قيل كانوا مسلمين وغنما تمنوا على سبيل الرغبة في اليسار كعادة البشر وقيل كانوا كفارا {يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون} قالوه غبطة والغابط هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه من غير أن تزول عنه كهذه الآية والحاسد هو الذي يتمنى أن تكون نعمة صاحبه له دونه وهو كقوله تعالى ولا تتمنو اما فضل الله به بعضكم على بعض وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل تضر الغبطة قال لا إلا كما يضر العضاه الخبط {إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ} الحظ الجد وهو البخت والدولة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ ﴾ عَطْفٌ عَلى قالَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي زِينَتِهِ ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ خَرَجَ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ كائِنًا في زِينَتِهِ.

قالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ لَنا أنَّهُ خَرَجَ هو وحَشَمُهُ عَلى أرْبَعَةِ آلافِ دابَّةٍ عَلَيْهِمْ ثِيابٌ حُمْرٌ مِنها ألْفُ بَغْلَةٍ بَيْضاءَ وعَلى دَوابِّهِمْ قَطائِفُ الأُرْجُوانِ.

وقالَ السُّدِّيُّ: خَرَجَ في جَوارٍ بِيضٍ عَلى سُرُوجٍ مِن ذَهَبٍ عَلى قَطْفِ أُرْجُوانٍ وهُنَّ عَلى بِغالٍ بِيضٍ عَلَيْهِنَّ ثِيابٌ حُمْرٌ وحُلِيٌّ ذَهَبٌ، وقِيلَ: خَرَجَ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْها الأُرْجُوانُ وعَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافِ خادِمٍ عَلَيْهِمْ وعَلى خُيُولِهِمُ الدِّيباجُ الأحْمَرُ وعَلى يَمِينِهِ ثَلاثُمِائَةِ غُلامٍ وعَلى يَسارِهِ ثَلاثُمِائَةِ جارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِنَّ الحُلِيُّ والدِّيباجُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ خَرَجَ في سَبْعِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ المُعَصْفَراتُ، وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ يَوْمٍ في الأرْضِ رُئِيَتِ المُعَصْفَراتُ فِيهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ، وكانَ ذَلِكَ الخُرُوجُ عَلى ما قِيلَ يَوْمَ السَّبْتَ ﴿ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ ﴾ قِيلَ: كانُوا جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقالُوا ذَلِكَ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ مِنَ الرَّغْبَةِ في السَّعَةِ واليَسارِ.

وعَنْ قَتادَةَ أنَّهم تَمَنَّوْا ذَلِكَ لِيَتَقَرَّبُوا بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى ويُنْفِقُوهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ، ولَعَلَّ إرادَتَهُمُ الحَياةَ الدُّنْيا لِيَتَوَصَّلُوا بِها لِلْآخِرَةِ لا لِذاتِها فَإنَّ إرادَتَها لِذاتِها لَيْسَتْ مِن شَأْنِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: كانُوا كُفّارًا ومُنافِقِينَ، وتَمَنِّيهِمْ مِثْلَ ما أُوتِيَ دُونَهُ نَفْسِهِ مِن بابِ الغَبْطِ ولا ضَرَرَ فِيهِ عَلى المَشْهُورِ، وقِيلَ: ضَرَرُهُ دُونَ ضَرَرِ الحَسَدِ ««فَقَدْ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هَلْ يَضُرُّ الغَبْطُ؟

فَقالَ: لا إلّا كَما يَضُرُّ العِضاهَ الخَبْطُ»» وفِي الكَشْفِ الظّاهِرِ أنَّهُ نَفْيٌ لِلضَّرَرِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَإنَّ الشَّجَرَ رُبَّما يَنْتَفِعُ بِالخَبْطِ فَضْلًا عَنِ التَّضَرُّرِ، وفِيهِ أنَّهُ قَدْ يُفْضِي إلى الضَّرَرِ إشارَةً إلى مُتَعَلِّقِ الغَبْطِ مِن دِينِيٍّ أوْ دُنْيَوِيٍّ، وقائِلُ ذَلِكَ إنْ كانَ الكَفَرَةُ فَفِيهِ مِن ذَمِّ الحَسَدِ ما فِيهِ ﴿ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: أيُّ دَرَجَةٍ عَظِيمَةٍ، وقِيلَ نَصِيبٌ كَثِيرٌ مِنَ الدُّنْيا، والحَظُّ البَخْتُ والسَّعْدُ، ويُقالُ: فُلانٌ ذُو حَظٍّ وحَظِيظٌ ومَحْظُوظٌ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِتَمَنِّيهِمْ وتَأْكِيدٌ لَهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ يعني: خرج قارون على بني إسرائيل فِي زِينَتِهِ.

قال مقاتل: وهو على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب، عليه أرجوان، ومعه أربعة آلاف فارس، وعليهم وعلى دوابهم الأرجوان، ومعه ثلاثمائة جارية بيض، عليهن من الحلل والثياب الحمر على البغال الشهب.

وقال قتادة: خرج معه أربعة آلاف دابة عليها ثياب حمر، منها ألف بغلة بيضاء عليها قطائف أرجوان.

وقال في رواية الكلبي: خرج على ثلاثمائة دابة بيضاء عليها أنواع من الكساء، وعليها ثلاثمائة قطيفة حمراء، عليها جواري وغلمان قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وكانوا من أهل التوحيد يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارُونُ يعني: مثل ما أعطي من الأموال قارون إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ يقول: ذو نصيب وافر في الدنيا.

قوله عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ يعني: أكرموا بالعلم بما وعد الله تعالى في الآخرة للذين تمنوا ذلك وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ يعني: ويحكم ثواب الآخرة خَيْرٌ يعني: أفضل لِمَنْ آمَنَ يعني: صدق بتوحيد الله تعالى وَعَمِلَ صالِحاً فيما بينه وبين الله تعالى مما أعطى قارون في الدنيا وَلا يُلَقَّاها يعني: ولا يوفّق ولا يرزق في الجنة إِلَّا الصَّابِرُونَ في الدنيا على أمر الله تعالى.

ويقال: وَلا يُلَقَّاها، يعني: لا يعطى الأعمال الصالحة إلاَّ الصابرون على الطاعات وعن زينة الدنيا ويقال: وَلا يُلَقَّاها يعني: ولا يلقّن ولا يوفّق لهذه الكلمة إلاَّ الصابرون عن زينة الدنيا.

يقول الله تعالى: فَخَسَفْنا بِهِ يعني: قارون وَبِدارِهِ الْأَرْضَ يعني: بقارون وبداره وأمواله، فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل إلى يوم القيامة فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: لم يكن له جند وأعوان يمنعونه من عذاب الله عز وجل وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ يعني: وما كان قارون من الممتنعين مما نزل به من عذاب الله.

قوله عز وجل: وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ حين رأوه في زينته، وقالوا: يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ قال القتبي: قد اختلف في هذه اللفظة.

فقال الكسائي: معناها ألم تر اللَّهَ يَبْسُطُ، وَيْكَأَنَّهُ يعني: ألم تر إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون.

روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أنه قال: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ، يعني: أو لا يعلم أن الله يَبْسُطُ وهذا شاهد لقول الكسائي.

وذكر الخليل بن أحمد: أنها مفصولة وي ثم يبتدئ فيقول: كأن الله.

وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: «كان الله يَبْسُطُ» الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ كأنه لا يفلح الكافرون.

وقال: وي صلة في الكلام، وهذا شاهد لقول الخليل.

وقال الزجاج: الذي قاله الخليل أجود، وهو أن قوله: وي مفصولة من كان، لأن من ندم على شيء يقول: وي كما تعاتب الرجل على ما سلف تقول: وي، كأنك قصدت مكروهي.

وقال مقاتل: معناه، ولكن اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يعني: يوسعه على من يشاء من عباده وَيَقْدِرُ يعني: يقتر ويقال: ويضيق على من يشاء لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا يعني: لولا أن من الله علينا، لكنا مثل قارون في العذاب لَخَسَفَ بِنا معهم.

ويقال: لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا يعني: عصمنا مثل ما كان عليه من البطر والبغي، لَخَسَفَ بِنا كما خسف به.

قال قرأ عاصم في رواية حفص بنصب الخاء، وكسر السين يعني: لَخَسَفَ الله بِنَا وقرأ الباقون بضمّ الخاء وكسر السين على فعل ما لم يسم فاعله وَيْكَأَنَّهُ يعني: ولكنه لاَ يُفْلِحُ الْكافِرُونَ الجاحدون للنعم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لِسُلَيْمَانَ- عَلَيْهِ السَّلاَمُ-: يَا بُنَيَّ، لاَ تُكْثِرِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَإنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ، يَدَعُ الرَّجُلُ فَقِيراً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «١» ، انتهى.

وابتغاء الفضل: هو بالمَشي والتصرُّفِ.

وقوله تعالى: وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً أي: عُدُوْلَ الأممِ وأخيارَهَا، فيشهدوْنَ على الأمم بخيرِها وشرِّها، فيحقُّ العذابُ عَلى مَنْ شُهِدَ عليه بالكُفْرِ، وقيل له: على جهة الإعذار في المحاورة: هاتُوا بُرْهانَكُمْ، ومن هذه الآيةِ انْتُزِعَ قولُ القاضِي عند إرادة الحكم: أبقيت لك حجة.

إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)

وقوله تعالى: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ ...

الآية، كان قارونُ مِنْ قرابةِ مُوسى: ممن آمن بموسى وحَفظَ/ التوراةَ وكَانَ عند مُوْسَى عليه السلام مِنْ عُبَّادِ ٥٩ ب الْمُؤمِنين، ثم إنَّ الله أضَلَّهُ وبَغَى عَلى قَوْمِهِ بأَنْوَاعِ البَغْيِ مِنْ ذلكَ كُفْرُهُ بموسَى.

وقال الثَّعْلَبِيُّ: قال ابن المسيب: كانَ قارونُ عامِلاً لِفِرْعونَ عَلى بني إسرائيل ممنْ يبغي عليهم ويظلُمهم.

قال قتادةُ: بَغَى عليهم بِكَثْرَةِ مالِهِ وولدِه «٢» ، انتهى.

ت: وما ذَكَرَهُ ابنُ المسيب، هو الذي يَصِحُّ في النظر لمتُأَمِّلِ الآية، ولولا الإطالة

لَبَيَّنْتُ وَجْهَ ذَلِكَ، والمَفاتِحُ ظاهِرُها: أنها التي يُفْتَحُ بِها، ويحتمل أنْ يُرِيدَ بها: الخزائنَ والأوعيةَ الكبارَ قاله الضحاك «١» لأنَّ المِفْتَحُ في كلام العرب الخزانة، وأمّا قوله:

لَتَنُوأُ فمعناه: تَنْهَضُ بتحامل واشتدادِ، قال كثير من المفسرين: إنَّ المرادَ: أن العُصْبةَ تَنُوءُ بالمفَاتِح المُثْقِلةِ لها فَقُلِبَ.

قلت: وقال عريب الأندلسي في كتاب «الأَنواء» : له نَوْءُ كذا معناه: مثله منه:

لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ، انتهى، وهو حَسَنٌ إنْ سَاعَدَهُ النَّقْلُ.

وقالَ الدَّاوُودِيُّ عن ابن عباسٍ:

لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ يقولُ تَثْقُلُ وكذا قال الواحديُّ، انتهى.

واخْتُلِفَ في العصبة:

كمْ هُمْ؟

فقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ- رضي الله عنه-: ثَلاثَةُ «٢» ، وقال قتادةُ: هم من العشرة إلى الأربعين «٣» ، قال البخاريُّ «٤» : يقال: الفَرِحينَ المَرِحينَ.

قال الغَزَالِيُّ في «الإحْيَاءِ» : الفَرَحُ بالدنيا والتَّنَعُّمُ بِهَا سُمٌّ قَاتِلٌ يَسْرِي في العُرُوقِ فَيُخْرِجُ مِن القَلْبِ الخوفَ والحَزَنَ وذِكْرَ الموتِ وأهوالَ القيامة وهذا هو موتُ القلبِ والعياذُ باللهِ، فأولوا الحَزْم من أربابِ القلوبِ جَرَّبُوا قلوبَهم في حال الفَرَحِ بمُوَاتَاةِ الدنيا، وعلموا أن النَّجَاةَ في الحُزْنِ الدائم، والتباعُدِ من أسبابِ الفَرَح، والبَطَرِ فقَطَّعُوا النَّفْسَ عن ملاذِّها وعَوَّدُوها الصَّبْرَ عَنْ شَهَوَاتِها حَلالِها وحَرَامِهَا، وعلموا أن حلالَها حِسَابٌ وهُوَ نَوْعُ عذابٍ، وَمَنْ نُوقِشَ الحساب عُذِّبَ، فَخَلَّصُوا أَنْفُسَهُمْ من عَذابِهَا، وَتَوَصَّلُوا إلى الحرّية والملكِ في الدنيا والآخرة بالخلاص من أسْرِ الشهواتِ وَرقِّها، والأنْسِ بِذِكْرِ اللهِ تعَالَى والاشْتِغَالِ بِطَاعَتِه، انتهى.

قال ابن الحاجِّ في «المَدْخَلِ» : قال يَمَنُ بن رزق- رحمه الله تعالى-: وأنا أُوصيكَ بأن تُطِيلَ النظرَ في مِرْآةِ الفِكْرَةِ مَعَ كثرةِ الخَلَوَاتِ، حَتَّى يُرِيَكَ شَيْنَ المَعْصِيَةِ وَقُبْحِهَا، فَيَدْعُوكَ ذَلِكَ النَّظَرُ إلى تَركها، ثم قال يمن بن رزق: ولاَ تَفْرَحَنَّ بِكَثْرَةِ العَمل مع قلةِ الحزْنِ، واغْتَنِمْ قليلَ العَمَلِ مَعَ الحزنِ، فإن قليلَ حُزْنِ الآخرةِ الدَّائِمِ فِي القلبِ يَنْفِي كُلَّ سُرُورِ ألفْتَهُ من سرورِ الدنيا، وقليلَ سرورِ الدنيا في القلب ينفي عنك «٥» جميع حزن

الآخِرَة.

والحزنُ لا يصلُ إلى القلبِ إلاَّ مع تَيَقُّظِهِ وَتَيَقُّظُهُ حَيَاتهُ، وسرورُ الدُّنيا لِغَيْرِ الآخرةِ لا يصلُ إلى القلب إلا مع غَفْلَتِه وغفلةُ القَلْبِ مَوتُه، وعلامةُ ثَبَاتِ اليقِينِ في القَلْبِ اسْتِدَامَةِ الحُزْن فِيهِ.

وقال- رحمه الله-: اعْلَمْ أني لم أجدْ شَيئاً أبلَغَ في الزُّهد في الدنيا من ثباتِ حزْن الآخرة في القلب، وعلامَةُ ثباتِ حُزْنِ الآخِرةِ في القلبِ أَنْسُ العبدِ بالوَحْدَةِ، انتهى.

وقولهم له: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا.

قال ابن عباس والجمهور: معناه: لا تُضَيِّعْ عُمْرَكَ في أَلاَّ تعمل عملاً صالحاً في دنياك إذ الآخرة إنّما يُعْمَلُ لَهَا في الدنيا، فنصيبُ الإنسانِ عمرُه وعملَه الصالحُ فيها فينبغي/ أن لا يُهْمِلَه.

وحكى الثعلبيّ أنه قيل: أرادوا بنصيبه الكفَنَ.

قال: ع «١» : وهذا كلُّه وعْظٌ متَّصِلٌ ونحو هذا قولُ الشاعر: [الطويل]

نَصِيبُكَ مِمَّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّه ...

رِدَاءَانِ تلوى فِيهِمَا وَحَنُوطِ «٢»

وقال ابن العربي في «أحكامه «٣» » : وفي معنى النصيبِ ثلاثة أقوال: الأولُ: لا تَنْس حظَّكَ من الدنيا، أي: لا تَغْفَلْ أنْ تَعْمَلَ في الدنيا للآخرة، الثاني: أمْسِك مَا يَبْلُغَكَ فذلك حظُّ الدنيا، وأنْفِقِ الفَضْلَ فذلكَ حظُّ الآخرة، الثالث: لاَ تَغْفَلْ عَنْ شُكْرِ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْكَ، انتهى.

وقولهُم: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ أمرٌ بِصِلةِ المساكينِ وذَوِي الحاجَاتِ.

ص: كَما أَحْسَنَ: - الكاف للتشبيهِ أو للتعليل-، انتهى.

وقول قارون: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي قال الجمهور: ادَّعَى أنَّ عندَه علماً استوجَبَ به أن يكونَ صاحبَ ذلك المالِ، ثم اخْتَلَفُوا في ذلك العلم، فقال ابن المسيب: أراد علم الكيمياء «٤» .

وقال أبو سليمان الداراني: أراد العلم بالتجارة ووجوهِ تثميرِ المال، وقيل غير هذا.

وقوله تعالى: وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ.

قال محمد بن كعب: هو كلامٌ متصِلٌ بمعنى ما قبلَه، والضميرُ في ذُنُوبِهِمُ عائدٌ على مَنْ أُهْلِكَ مِن القرون، أي: أهْلِكوا وَلَمْ يُسْئَلْ غَيرُهم بَعْدَهُمْ عن ذنوبهم، أي: كل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ ﴾ قالَ الحَسَنُ: في ثِيابٍ حُمْرٍ وصُفْرٍ؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: في ثِيابٍ مُعَصْفَرَةٍ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: خَرَجَ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْها سُرْجٌ أحْمَرُ مِن أُرْجُوانٍ ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافِ مُقاتِلٍ، وثَلاثَمِائَةُ وصِيفَةٍ عَلَيْهِنَّ الحُلِيُّ والزِّينَةُ عَلى بِغالٍ بِيضٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: الأُرْجُوانُ في اللُّغَةِ: صَبْغٌ أحْمَرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَذُو حَظٍّ ﴾ أيْ: لَذُو نَصِيبٍ وافِرٍ مِنَ الدُّنْيا.

[وَقَوْلُهُ]: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي الأحْبارَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

وقالَ مُقاتِلٌ: الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ بِما وعَدَ اللَّهُ في الآخِرَةِ قالُوا لِلَّذِينَ تَمَنَّوْا ما أُوتِيَ [قارُونُ] ﴿ وَيْلَكم ثَوابُ اللَّهِ ﴾ أيْ: ما عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ ﴿ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ ﴾ مِمّا أُعْطِيَ قارُونُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُلَقّاها ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا يُوَفَّقُ لَها ويُرْزَقُها.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " ولا يَلْقاها " بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ.

وفي المُشارِ إلَيْها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الأعْمالُ الصّالِحَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها الجَنَّةُ، والمَعْنى: لا يُعْطاها في الآخِرَةِ إلّا الصّابِرُونَ عَلى أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: أنَّها الكَلِمَةُ الَّتِي قالُوها، وهي قَوْلُهم: ﴿ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ ﴾ ، قالَهُ الفَرّاءُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِن القُرُونِ مِن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عن ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ القائِلُ قارُونُ.

لَمّا وعَظَهُ قَوْمُهُ ونَدَبُوهُ إلى اتِّقاءِ اللهِ تَعالى في المالِ الَّذِي أعْطاهُ تَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِ، أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ، وقالَ لَهم عَلى جِهَةِ الرَدِّ عَلَيْهِمْ والرَوَغانِ عَمّا ألْزَمُوهُ فِيهِ: ﴿ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ ، ولِكَلامِهِ هَذا وجْهانِ يَحْمِلُهُما، وبِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما قالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: فَقالَ الجُمْهُورُ مِنهُمْ: إنَّهُ ادَّعى أنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا اسْتَوْجَبَ بِهِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ النَعِيمُ لَهُ وكَذَلِكَ المالُ، ثُمُ اخْتَلَفُوا في العِلْمِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ، ما هُوَ؟

فَقالَ بَعْضُهُمْ: عِلْمُ التَوْراةِ وحِفْظُها، قالُوا: وكانَتْ هَذِهِ مُغالَطَةً ورِياءً، وقالَأبُو سُلَيْمانَ الدارانِيُّ: أرادَ العِلْمَ بِالتِجاراتِ ووُجُوهِ تَمْيِيزِ المالِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أُوتِيتُهُ بِإدْراكِي وبِسَعْيِي، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: أرادَ عِلْمَ الكِيمْياءِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: إنَّما أرادَ: أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللهِ تَعالى وتَخْصِيصٍ مِن لَدُنْهُ قَصَدَنِي بِهِ، فَلا يَلْزَمُنِي فِيهِ شَيْءٌ مِمّا قُلْتُمْ، ثُمْ جُعِلَ قَوْلُهُ: " عِنْدِي " كَما تَقُولُ: "فِي مُعْتَقَدِي وعَلى ما أراهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ مَعًا فَقَدْ نَبَّهَ القُرْآنُ عَلى خَطَئِهِ في اغْتِرارِهِ، وعارِضَ مَنزَعَهُ بِأنَّ مِن مَعْلُوماتِ الناسِ المُتَحَقِّقَةِ عِنْدَهم أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أهْلَكَ مِنَ الأُمَمِ والقُرُونِ والمُلُوكِ مَن هو أشَدُّ مِن قارُونَ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا، إمّا لِلْمالِ أو لِلْحاشِيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَعْلَمْ ﴾ يُرَجِّحُ أنَّ قارُونَ تَشَبَّعَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ عَلى زَعْمِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُسْألُ عن ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ .

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو كَلامٌ مُتَّصِلٌ بِمَعْنى ما قَبْلَهُ، والضَمِيرُ في "ذُنُوبِهِمْ" عائِدٌ عَلى مَن أُهْلِكَ مِنَ القُرُونِ، أيْ: أُهْلِكُوا ولَمْ يُسْألْ غَيْرُهم بَعْدَهم عن ذُنُوبِهِمْ، أيْ: كُلُّ أحَدٍ إنَّما يُسْألُ ويُعاقَبُ بِحَسْبِ ما يَخُصُّهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ عن حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، مَعْناهُ أنَّ المُجْرِمِينَ لا يُسْألُونَ عن ذُنُوبِهِمْ، أيْ أنَّ المَلائِكَةَ لا تَسْألُ عن ذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم مِنَ السَوادِ والتَشْوِيهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي آياتِ اللهِ ما يَقْتَضِي أنَّ الناسَ يَوْمَ القِيامَةِ يُسْألُونَ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ  ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وفِيهِ آياتٌ تَقْتَضِي أنَّهُ لا يُسْألُ أحَدٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ  ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الآياتُ الَّتِي تُوجِبُ السُؤالَ إنَّما يُرِيدُ بِها أسْئِلَةَ التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ، والَّذِي يَنْفِيهِ يُرادُ بِهِ أسْئِلَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى جِهَةِ الحاجَةِ إلى عِلْمِ ذَلِكَ مِنَ المَسْؤُولِينَ، أيْ أنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِهِمْ مُحِيطٌ، وسُؤالُ التَوْبِيخِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّ قارُونَ خَرَجَ عَلى قَوْمِهِ وقَدْ أظْهَرَ قُدْرَتَهُ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ وزِينَةِ الدُنْيا، قالَ جابِرٌ ومُجاهِدٌ: خَرَجَ في ثِيابٍ حُمْرٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: خَرَجَ هو وحَشَمُهُ في ثِيابٍ مُعَصْفَرَةٍ، وقِيلَ: في ثِيابِ الأُرْجُوانِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، وأكْثَرَ المُفَسِّرُونَ في تَحْدِيدِ زِينَةِ قارُونَ وتَعْيِينِها -مِمّا لا صِحَّةَ لَهُ- فاخْتَصَرَتْهُ.

وباقِي الآيَةِ في اغْتِرارِ الجَهَلَةِ والأغْمارِ مِنَ الناسِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ [القصص: 76] إلى آخرها مع ما عطف عليها وتعلق بها، فدلت الفاء على أن خروجه بين قومه في زينته بعد ذلك كله كان من أجل أنه لم يقصر عن شيء من سيرته ولم يتعظ بتلك المواعظ ولا زمناً قصيراً بل أعقبها بخروجه هذه الخرجة المليئة صلفاً وازدهاء.

فالتقدير: قال إنما أوتيته على علم عندي فخرج، أي رفض الموعظة بقوله وفعله.

وتعدية (خرج) بحرف ﴿ على ﴾ لتضمينه معنى النزول إشارة إلى أنه خروج متعال مترفِّع، و ﴿ في زينته ﴾ حال من ضمير (خرج.

(والزينة: ما به جمال الشيء والتباهي به من الثياب والطيب والمراكب والسلاح والخدم، وتقدم قوله تعالى ﴿ ولا يُبْدين زينتهن ﴾ في سورة [النور: 31].

وإنما فصلت جملة ﴿ قال الذين يريدون الحياة الدنيا ﴾ ولم تعطف لأنها تتنزل منزلة بدل الاشتمال لما اشتملت عليه الزينة من أنها مما يتمناه الراغبون في الدنيا.

وذلك جامع لأحوال الرفاهية وعلى أخصر وجه لأن الذين يريدون الحياة الدنيا لهم أميال مختلفة ورغبات متفاوتة فكل يتمنى أمنية مما تلبس به قارون من الزينة، فحصل هذا المعنى مع حصول الأخبار عن انقسام قومه إلى مغترين بالزخارف العاجلة عن غير علم، وإلى علماء يؤثرون الآجل على العاجل، ولو عطفت جملة ﴿ قال الذين يريدون ﴾ بالواو وبالفاء لفاتت هذه الخصوصية البليغة فصارت الجملة إما خبراً من جملة الأخبار عن حال قومه، أو جزء خبر من قصته.

و ﴿ الذين يريدون الحياة الدنيا ﴾ لما قوبلوا ب ﴿ الذين أوتوا العلم ﴾ [القصص: 80] كان المعنيُّ بهم عامة الناس وضعفاء اليقين الذين تلهيهم زخارف الدنيا عما يكون في مطاويها من سوء العواقب فتقصر بصائرهم عن التدبر إذا رأوا زينة الدنيا فيتلهفون عليها ولا يتمنون غير حصولها فهؤلاء وإن كانوا مؤمنين إلا أن إيمانهم ضعيف فلذلك عظم في عيونهم ما عليه قارون من البذخ فقالوا ﴿ إنه لذو حظ عظيم ﴾ أي إنه لذو بخت وسعادة.

وأصل الحظ: القِسم الذي يعطاه المقسوم له عند العطاء، وأريد به هنا ما قسم له من نعيم الدنيا.

والتوكيد في قوله ﴿ إنه لذو حظ عظيم ﴾ كناية عن التعجب حتى كأن السامع ينكر حظه فيؤكده المتكلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في حَشَمِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: في تَبَعِهِ في سَبْعِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ المُعَصْفَراتُ وكانَ أوَّلَ يَوْمٍ رُؤِيَتْ فِيهِ المُعَصْفَراتُ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، قالَ أبُو لَبابَةَ: أوَّلُ مَن صَبَغَ بِالسَّوادِ قارُونُ.

الثّالِثُ: خَرَجَ في جِوارٍ بِيضٍ عَلى بِغالٍ بِيضٍ بِسُرُوجٍ مِن ذَهَبٍ عَلى قُطُفِ أُرْجُوانٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ ﴾ تَمَنَّوْا مالَهُ رَغْبَةً في الدُّنْيا.

﴿ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَذُو دَرَجَةٍ عَظِيمَةٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: لَذُو جِدِّ عَظِيمٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن قارون كان من قوم موسى ﴾ قال: كان ابن عمه، وكان يبتغي العلم حتى جمع علماً، فلم يزل في أمره ذلك حتى بغى على موسى وحسده.

فقال له موسى عليه السلام: إن الله أمرني أن آخذ الزكاة، فأبى فقال: إن موسى عليه السلام يريد أن يأكل أموالكم.

جاءكم بالصلاة، وجاءكم بأشياء فاحتملتموها، فتحملوه أن تعطوه أموالكم؟

قالوا: لا نحتمل فما ترى فقال لهم: أرى أن أرسل إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، فنرسلها إليه فترميه بأنه أرادها على نفسها.

فارسلوا إليها فقالوا لها: نعطيك حكمك على أن تشهدي على موسى أنه فجر بك.

قالت: نعم.

فجاء قارون إلى موسى عليه السلام قال: اجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك قال: نعم.

فجمعهم فقالوا له: بم أمرك ربك؟

قال: أمرني أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تصلوا الرحم، وكذا وكذا، وقد أمرني في الزاني إذا زنى وقد أحصن أن يرجم.

قالوا: وإن كنت أنت قال: نعم.

قالوا: فإنك قد زنيت قال: أنا.

فأرسلوا إلى المرأة، فجاءت فقالوا: ما تشهدين على موسى؟

فقال لها موسى عليه السلام: أنشدك بالله إلا ما صدقت قالت: أما إذ نشدتني بالله فإنهم دعوني وجعلوا لي جعلاً على أن أقذفك بنفسي، وأنا أشهد أنك بريء، وأنك رسول الله، فخر موسى عليه السلام ساجداً يبكي، فأوحى الله إليه: ما يبكيك؟

قد سلطناك على الأرض، فمرها فتطيعك.

فرفع رأسه فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعقابهم، فجعلوا يقولون: يا موسى...

يا موسى...

فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم، فجعلوا يقولون: يا موسى...

يا موسى...

فقال: خذيهم فغيبتهم فأوحى الله يا موسى: سألك عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم، وعزتي لو أنهم دعوني لأجبتهم.

قال ابن عباس: وذلك قوله تعالى ﴿ فخسفنا به وبداره الأرض ﴾ وخسف به إلى الأرض السفلى.

وأخرج الفريابي عن إبراهيم رضي الله عنه قال: كان قارون ابن عم موسى.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن قارون كان من قوم موسى ﴾ قال: كان ابن عمه أخي أبي قارون بن مصر بن فاهث أو قاهث، وموسى بن عرمرم بن فاهث أو قاهث، وعرمرم بالعربية عمران.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله قال: كان قارون ابن عم موسى أخي أبيه، وكان قطع البحر مع بني إسرائيل، وكان يسمى النور من حسن صوته بالتوراة، ولكن عدوّ الله نافق كما نافق السامري، فأهلكه الله ببغيه.

وإنما بغى لكثرة ماله وولده.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ فبغى عليهم ﴾ قال: فعلا عليهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ﴾ قال: زاد عليهم في طول ثيابه شبراً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ قال: أصاب كنزاً من كنوز يوسف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الوليد بن زوران رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ قال: كان قارون يعلم الكيمياء.

وأخرج ابن مردويه عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كانت أرض دار قارون من فضة، وأساسها من ذهب» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن خيثمة رضي الله عنه قال: وجدت في الإِنجيل أن مفاتيح خزائن قارون كانت وقر ستين بغلاً غراً محجلةً، ما يزيد منها مفتاح على أصبع، لكل مفتاح كنز.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن خيثمة رضي الله عنه قال: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود كل مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حملت المفاتيح على سبعين بغلاً أغر محجلاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: كانت المفاتيح من جلود الإِبل.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لتنوء بالعصبة ﴾ يقول: لا يرفعها العصبة من الرجال ﴿ أولي القوّة ﴾ .

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ لتنوء بالعصبة ﴾ قال: لتثقل قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول امرئ القيس إذ يقول: تمشي فتثقلها عجيزتها ** مشي الضعيف ينوء بالوسق وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ العصبة ﴾ ما بين العشرة إلى الخمسة عشر ﴿ أولوا القوّة ﴾ خمسة عشر.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي قال: ﴿ العصبة ﴾ ما بين الخمس عشرة إلى الأربعين.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ العصبة ﴾ أربعون رجلاً.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: كنا نحدث أن ﴿ العصبة ﴾ ما فوق العشرة إلى الأربعين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح مولى أم هانئ قال: ﴿ العصبة ﴾ سبعون رجلاً.

قال: وكانت خزانته تُحْمَلُ على أربعين بغلاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ قال له قومه لا تفرح ﴾ قال: هم المؤمنون منهم قالوا: يا قارون لا تفرح بما أوليت فتبطر.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله لا يحب الفرحين ﴾ قال: المرحين، الأشرين، البطرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم.

وأخرج الحاكم وصححه والطبراني وأبو نعيم والبيهقي في الشعب والخرائطي في اعتلال القلوب عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب كل قلب حزين» .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان وقال: هذا متن منكر، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زُرِ القبور تَذْكُر بها الآخرة، واغسل الموتى فإن معالجة جسد خاو موعظة بليغة، وصل على الجنائز لعل ذلك يحزنك، فإن الحزين في ظل الله يوم القيامة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله لا يحب الفرحين ﴾ قال: الفرح هنا البغي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله لا يحب الفرحين ﴾ قال: إن الله لا يحب الفرح بطراً ﴿ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ﴾ قال: تصدق، وقرب الله تعالى، وصل الرحم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الله لا يحب الفرحين ﴾ قال: المرحين.

وفي قوله: ﴿ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ يقول: لا تترك أن تعمل لله في الدنيا.

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ و لا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ قال: أن تعمل فيها لآخرتك.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ قال: العمل بطاعة الله نصيبه من الدنيا الذي يثاب عليه في الآخرة.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ ولا تنس نصيبك ﴾ قال: قدم الفضل، وأمسك ما يبلغك- وفي لفظ- قال: امسك قوت سنة، وتصدق بما بقي.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ قال: أن تأخذ من الدنيا ما أحل الله لك، فإن لك فيه غنى وكفاية.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن منصور رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ قال: ليس هو عرض من عرض الدنيا، ولكن هو نصيبك عمرك أن تقدم فيه لآخرتك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قال إنما أوتيته على علم عندي ﴾ يقول على خير عندي، وعلم عندي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما أوتيته على علم عندي ﴾ يقول: علم الله أني أهل لذلك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ قال: المشركون.

لا يسألون عن ذنوبهم، ولا يحاسبون لدخول النار بغير حساب.

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ قال: كقوله: ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ [ الرحمن: 41] سود الوجوه، زرق العيون، الملائكة لا تسأل عنهم قد عرفتهم.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: خرج على براذين بيض، عليها سرج من أرجوان، وعليها ثياب معصفرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: في ثوبين أحمرين.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الزبير رضي الله عنه قال: خرج قارون على قومه في ثوبين أحمرين بغير عصفر كالقرمز.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: في ثياب صفر وحمر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: خرج في سبعين ألفاً عليهم المعصفرات، وكان ذلك أول يوم في الأرض رؤيت المعصفرات فيها.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: في حشمه.

وذكر لنا أنهم خرجوا على أربعة الاف دابة، عليهم ثياب حمر، منها ألف بغلة بيضاء وعلى دوابهم قطائف الأرجوان.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان، وعليها ثلاثمائة جارية، على بغال شهب عليهن ثياب حمر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: خرج في جوار بيض، على سروج من ذهب، على قطف أرجوان، وهن على بغال بيض، عليهن ثياب حمر، وحلى ذهب.

وأخرج ابن مردويه عن أوس بن أوس الثقفي «عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال في أربعة آلاف بغل يعني عليه البزيون» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدة بن أبي لبابة رضي الله عنه قال: أول من صبغ بالسواد قارون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال الذين يريدون الحياة الدنيا ﴾ قال: أناس من أهل التوحيد قالوا: ﴿ يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون ﴾ وفي قوله: ﴿ ولا يلقاها إلا الصابرون ﴾ يعني لا يلقى ثواب الله، والصواب من القول.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنه لذو حظ عظيم ﴾ قال: ذو جد.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الحرث رضي الله عنه؛ وهو ابن نوفل الهاشمي قال: بلغنا أن قارون أوتي من الكنوز والمال حتى جعل باب داره من ذهب، وجعل داره كلها من صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون، يطعمهم الطعام ويتحدثون عنده، وكان مؤذياً لموسى عليه الصلاة والسلام، فلم تدعه القسوة والهوى حتى أرسل إلى امرأة من بني إسرائيل مذكورة بالجمال كانت تذكر بريبة فقال لها: هل لك أن أموّلك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من إسرائيل عندي فتقولين: يا قارون ألا تنهي موسى عني؟

فقالت: بلى.

فلمّا جاء أصحابه واجتمعوا عنده، دعا بها فقامت على رؤوسهم، فقلب الله قلبها ورزقها التوبة فقالت: ما أجد اليوم توبة أفضل من أن أكذب عدو الله، وأبرئ رسول الله عليه السلام فقالت: إن قارون بعث إلي فقال: هل لك أن أمولك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي، وتقولين: يا قارون ألا تنهي موسى عني، فإني لم أجد اليوم توبة أفضل من أن أكذب عدو الله، وأبرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكس قارون رأسه وعرف أنه قد هلك.

وفشا الحديث في الناس حتى بلغ موسى عليه السلام، وكان موسى عليه السلام شديد الغضب.

فلما بلغه توضأ، ثم صلى وسجد وبكى وقال: يا رب...

عدوك قارون كان لي مؤذياً، فذكر أشياء ثم لم ينهاه حتى أراد فضيحتي.

يا رب سلطني عليه.

فأوحى الله إليه: أن مر الأرض بما شئت تطعك.

فجاء موسى إلى قارون، فلما رآه قارون عرف الغضب في وجهه فقال: يا موسى ارحمني فقال موسى عليه السلام: يا أرض خذيهم، فاضطربت داره وخسف به وبأصحابه حتى تغيبت أقدامهم، وساخت دارهم على قدر ذلك فقال قارون: يا موسى ارحمني فقال: يا أرض خذيهم، فخسف به وبداره وبأصحابه، فلما خسف به قيل له: «يا موسى ما أفظك أما وعزتي لو إياي دعا لرحمته» وقال أبو عمران الجوني: فقيل لموسى: لا أعبد في الأرض بعدك أحداً.

وأخرج الفريابي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فخسفنا به وبداره الأرض ﴾ قال: خسف به إلى الأرض السفلى.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق قتادة عن أبي ميمون عن سمرة بن جندب قال: يخسف بقارون وقومه في كل يوم قدر قامة، فلا يبلغ الأرض السفلى إلى يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أنه يخسف به كل يوم قامة، وأنه يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه، مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: إن الله أمر الأرض أن تطيعه ساعة.

وأخرج عبد بن حميد عن مالك بن دينار رضي الله عنه: أن قارون يخسف به كل يوم قامة.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما خسف بقارون فهو يذهب وموسى قريب منه قال: يا موسى ادع ربك يرحمني.

فلم يجبه موسى حتى ذهب.

فأوحى الله إليه «استغاث بك فلم تغثه، وعزتي وجلالي لو قال: يا رب لرحمته» .

وأخرج أحمد في الزهد عن عون بن عبد الله القاري عامل عمر بن عبد العزيز على ديوان فلسطين أنه بلغه: أن الله عز وجل أمر الأرض أن تطيع موسى عليه السلام في قارون، فلما لقيه موسى قال للأرض: أطيعيني فأخذته إلى الركبتين، ثم قال: أطيعيني فوارته في جوفها، فأوحى الله إليه «يا موسى ما أشد قلبك، وعزتي وجلالي لو بي استغاث لأغثته» قال: رب غضباً لك فعلت.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين ﴾ قال: ما كانت عنده منعة يمتنع بها من الله تعالى.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ويكأن الله ﴾ يقول: أو لا يعلم ﴿ أن الله يبسط الرزق ﴾ وفي قوله: ﴿ ويكأنه لا يفلح الكافرون ﴾ يقول: أو لا يعلم ﴿ أنه لا يفلح الكافرون ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾ يعني بني إسرائيل ﴿ فِي زِينَتِهِ ﴾ قال مقاتل: يعني بالزينة: الشارة (١) قال عطاء عن ابن عباس: قالوا: البغال الشُّهْب (٢) (٣) (٤) وقال مجاهد: خرج بجوارٍ عليهن ثياب حمر، على بَراذينَ بيضٍ، عليها سرج حمر من أُرجوان (٥) وقال قتادة: خرج على أربعة آلاف دابة، عليهم ثياب حمر، منها ألف بغلة بيضاء عليها قطائف الأُرجوان (٦) وقال مقاتل: خرج على بغلة شهباء عليها سَرج من ذهب، عليه الأُرجوان، ومعه أربعة آلاف فارس على الخيل، عليهم وعلى دوابهم الأُرجوان، ومعهم ثلاثمائة جارية بيض، عليهن الحلي، والثياب الحمر، على البغال الشُّهب (٧) قال أبو إسحاق: والأرجوان في اللغة: صبغ أحمر، وهو: ما روي أنه كان عليهم وعلى خيلهم الديباج الأحمر (٨) (٩) وروى مبارك عن الحسن في قوله: ﴿ فِي زِينَتِهِ ﴾ قال ثياب صفر (١٠) (١١) (١٢) قال مقاتل: فلما نظر مؤمنو أهل (١٣) ﴿ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ لذو نصيب وافر من الدنيا (١٤) (١) "تفسير مقاتل" 69 أ.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3014، عن الضحاك.

يقال: ما أحسن شَوَار الرجل، وشارَته، يعني: لباسه وهيئته.

"تهذيب اللغة" 11/ 404 (شار).

(٢) الشهب في ألوان الخيل: أن تشق معظم لونه شعرة، أو شعرات بيض.

"تهذيب اللغة" 6/ 88 (شهب).

(٣) الكواعب: هي التي نهد ثديها، إذا ارتفع عن الصدر، وصار له حجم.

"اللسان" 1/ 719 (كعب) و (نهد) 3/ 429.

(٤) أخرجه نحوه ابن جرير 20/ 117، عن ابن عباس، من طريق عبد الله بن الحارث.

(٥) أخرجه نحوه ابن جرير 20/ 115، وابن أبي حاتم 9/ 3013، عن مجاهد.

وذكره الثعلبي 8/ 152 ب.

والبراذين: جمع: بِرذُون، الدابة، والبراذين من الخيل: ما كان من غير نتاج العِراب.

"اللسان" 13/ 51، وفي "المعجم الوسيط" 1/ 48: البرذون يطلق على غير العربي من الخيل والبغال، من الفصيلة الخيلية، عظيم الخِلقة، غليظ الأعضاء، قوي الأرجل، عظيم الحوافر.

والسَّرج: رَحْل الدابة.

"تهذيب اللغة" 10/ 582 (سرج)، و"اللسان" 2/ 297.

والأرجوان: شجر له زهر شديد العمرة، حسن المنظر، وليست له رائحة.

"المعجم الوسيط" 1/ 31.

(٦) أخرجه عبد الرزاق 2/ 94، وابن جرير 20/ 115، وابن أبي حاتم 9/ 3014.

(٧) "تفسير مقاتل" 69 أ.

وذكره عنه الثعلبي 8/ 152 ب.

(٨) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 156.

(٩) أخرجه ابن جرير 20/ 115، عن إبراهيم النخعي.

وذكره عنه الثعلبي 8/ 152 ب.

(١٠) أخرجه ابن جرير 20/ 115، وابن أبي حاتم 9/ 3014.

(١١) أخرجه ابن جرير 20/ 115، وابن أبي حاتم 9/ 3013.

(١٢) أخرجه ابن جرير 20/ 115، وابن أبي حاتم 9/ 3014.

وهذا كله مما لا دليل عليه؛ والأولى الإعراض عنه؛ إذ المقصود في الآية: أنه خرج على قومه في زينة بهرتهم.

(١٣) أهل.

ساقطة من نسخة: (ب).

(١٤) "تفسير مقاتل" 69 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَخَرَجَ على قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾ في ثياب حمر، وقيل: في عبيده وحاشيته، واللفظ أعم من ذلك ﴿ وَيْلَكُمْ ﴾ زجر للذين تمنوا مثل حال قارون ﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الصابرون ﴾ الضمير عائد على الخصال التي دل عليها الكلام المتقدم، وهو الإيمان والعمل الصالح، وقيل: على الكلمة التي قالها الذين أوتوا العلم: أي لا تصدر الكلمة إلا عن الصابرين، والصبر هنا إمساك النفس عن الدنيا وزينتها ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض ﴾ روي أن قارون لما بغى على بني إسرائيل وآذى موسى دعى موسى عليه السلام عليه، فأوحى إليه أن قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه وفي أتباعه، فقال موسى: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الركب فاستغاثوا بموسى فقال: يا أرض خذيهم حتى تمّ بهم الخسف ﴿ مَكَانَهُ ﴾ أي منزلته في المال والعزة ﴿ بالأمس ﴾ يحتمل أن يريد به اليوم الذي كان قبل ذلك اليوم أو ما تقدم من الزمان القريب ﴿ وَيْكَأَنَّ ﴾ مذهب سيبويه أن وي حرف تنبيه، ثم ذكرت بعدها كأن، والمعنى على هذا أنهم تنبهوا لخطئهم في قولهم: ﴿ ياليت لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ ﴾ ، ثم قالوا: ﴿ وَيْكَأَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ﴾ : أي ما أشبه الحال بهذا، وقال الكوفيون: ويك هو ويلك حذفت منها اللام لكثرة الاستعمال، ثم ذكرت بعدها أن، والمعنى ألم يعلموا أن الله.

وقيل: ويكأن كلمة واحدة معناها ألم تعلم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عندي أولم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن فليح وأبو عمرو وخزاعي عن أصحابه وابن مجاهد وأبو عون والسرندي عن قنبل.

الباقون بالإسكان ﴿ ويكأن ﴾ ﴿ ويكأنه ﴾ الوقف على الياء: أبو عمرو ويعقوب ﴿ ويك ﴾ الوقف على الكاف و ﴿ ويكأنه ﴾ موصولة: روى السوسي عن السرندي وهو مذهب حمزة.

الباقون كلاهما موصلان ﴿ لخسف ﴾ على البناء للفاعل: سهل ويعقوب وحفص ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ بضياء ﴾ ط ﴿ تسمعون ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ص لأن الواو للحال أي وقد آتينا مع طول الكلام ﴿ القوّة ﴾ ط بناء على أن التقدير و"أذكر" إذ قال: وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ ﴿ تنوء ﴾ فلا وقف ﴿ الفرحين ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ عندي ﴾ ط ﴿ جمعاً ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ في زينته ﴾ ط لعدم العاطف واختلاف القائل.

﴿ قارون ﴾ لا لأن ما بعده تعليل التمني ولو ابتدأنا لحكمنا بأنه ذو حظ ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ج لأن ما بعده احتمل أن يكون ابتداء إخبار من الله، واحتمل أن يكون من قول أهل العلم ﴿ الصابرون ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ق قد قيل: لتفصيل الاعتبار ﴿ المنتصرون ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ج للابتداء بلولا مع اتحاد المقول ﴿ لخسف بنا ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ ولا فساداً ﴾ ط ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ منها ﴾ ج لعطف جملة الشرط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معاد ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ للكافرين ﴾ ه ز للآية مع العطف ﴿ المشركين ﴾ ه للآية وخلو المعطوف عن نون التأكيد التي خلت المعطوف عليه مع اتفاق الجملتين آخراً احترازاً من إيهام كون ما بعده صفة ﴿ آخر ﴾ ه ﴿ لا إله إلا هو ﴾ ط ﴿ وجهه ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه.

التفسير: لما بين  حقيقة آلهيته واستحقاقه للحمد المطلق وأن مرجع الكل إلى حكمته وقضائه، أتبعه بعض ما يجب أن يحمد عليه مما لا يقدر عليه أحد سواه وهو تبديل ظلام الليل بضياء النهار وبالعكس.

والمعنى: أخبروني من يقدر على هذا؟

والسرمد الدائم المتصل من السرد، والميم زائدة، وانتصابه على أن مفعول ثانٍ لجعل أو على الحال، وإلى متعلق بجعل أو بـ ﴿ سرمداً ﴾ ، ومنافع الليل والنهار والاستدلال بهما على كمال قدرة الله تعالى قد تقدمت مراراً.

قال جار الله: وإنما لم يقل بنهار تتصرفون فيه كما قيل: ﴿ بليل تسكنون فيه ﴾ لأن الضياء وهو ضوء الشمس تتعلق به المنافع المتكاثرة وليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة ومن ثَمّ قرن بالضياء ﴿ أفلا تسمعون ﴾ لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل ﴿ أفلا تبصرون ﴾ لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه.

قال الكلبي: ﴿ أفلا تسمعون ﴾ معناه أفلا تطيعون من يفعل ذلك.

وقوله ﴿ أفلا تبصرون ﴾ معناه أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلال.

وقال أهل البرهان: قدم الليل على النهار لأن ذهاب الليل بطلوع الشمس أكثر فائدة من ذهاب النهار بدخول الليل.

وإنما ختم الاية الأولى بقوله ﴿ أفلا تسمعون ﴾ بناء على الليل، وختم الأخرى بقوله ﴿ أفلا تبصرون ﴾ بناء على النهار والنهار مبصر وآية النهار مبصرة.

ثم بين أن من رحمته زواجه بين الليل والنهار لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار ولإرادة الشكر على النعمتين جميعاً.

وفي الآية طريقة اللف ثقة بفهم السامع وذلك لأن السكون بالنهار وإن كان ممكناً وكذا الابتغاء من فضل الله بالليل إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره فلهذا خصه به.

وفي تكرير التوبيخ باتخاذ الشركاء دليل على أنه لا شيء أسخط عند الله من الإشراك به، ويعلم منه أنه لا شيء أجلب لرضاه من الشهادة بوحدانيته.

وفحوى الخطاب: أين الذين ادّعيتم إلهيتهم لتخلصكم أو أين الذين قلتم إنها تقربكم إلى الله زلفى وقد علموا أن لا إله إلا الله؟

فيكون ذلك زيادة في غمهم.

ومعنى ﴿ ونزعنا ﴾ وأخرجنا ﴿ من كل أمة شهيداً ﴾ قال بعضهم: هونبيهم لأن الأنبياء يشهدون أنهم بلغوا أمتهم الدلائل وبلغوا في إيضاحها كل غاية ليعلم أن التقصير منهم فيكون ذلك زيادة في غمهم أيضاً.

وقال آخرون: بل هم الشهداء الذين يشهدون على الناس في كل زمان، ويدخل في جملتهم الأنبياء وهذا أقرب، لأنه  عم كل جماعة بأن ينزع منهم الشهيد فيدخل فيه أزمنة الفترات والأزمنة التي بعد محمد  .

﴿ فقلنا ﴾ للأمة ﴿ هاتوا برهانكم ﴾ فيما كنتم عليه من الشرك وخلاف الرسول ﴿ فعلموا ﴾ حينئذ ﴿ أن الحق لله ﴾ ورسوله وغاب ﴿ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ من الباطل والزور.

ثم عقب حديث أهل الضلال بقصة قارون.

وهو اسم أعجمي ولهذا لم ينصرف بعد العلمية ولو كان "فاعولاً" من قرن لا نصرف.

والظاهر أنه كان ممن آمن بموسى، هذا ظاهر نص القرآن ولا يبعد أيضاً حمله على القرابة.

قال الكلبي: إنه كان ابن عم موسى.

وقيل: كان موسى ابن أخيه وكان يسمى المنوّر لحسن صورته، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة إلا أنه نافق كما نافق السامري.

وقال: إذا كانت النبوّة لموسى والذبح والقربان إلى هارون فما لي؟

وفي قوله ﴿ فبغى عليهم ﴾ وجوه أحدها: أن بغيه استخفافه بالفقراء.

وثانيها أن ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم.

وقال القفال: معناه طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده.

وقال الضحاك: طغى عليهم واستطال فلم يوافقهم في أمر.

ابن عباس: تجبر وتكبر عليهم ومثله عن شهر بن حوشب قال: بغيه أنه زاد عليهم في الثياب شبراً فهذا يعود إلى التكبر.

الكلبي: بغيه حسده وذلك أنه لما جاوز بهم موسى البحر وصارت الرسالة له والوزارة لهارون، وكان القربان إلى موسى فجعله إلى هارون فوجد قارون في نفسه حسدهما فقال لموسى: الأمر لكما ولست على شيء إلى متى اصبر؟

قال موسى: هكذا حكم الله.

قال: والله لا أصدقك حتى تأتي بآية، فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يأتي كل واحد بعصا فألقى مجموع العصيّ في القبة التي كان الوحي ينزل عليه فيها فأصبحوا فإذا بعصا هارون تهتز ولها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال قارون: ما هو بأعجب مما تصنع من السحر.

واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال كما أخبر الله  عن ذلك بقوله ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ سأل الكلبي: الستم تقولون إن الله لا يعطي الحرام فكيف أضاف إيتاء مال قارون إلى نفسه؟

فأجاب بأنه لا حجة في أن ماله حرام لجواز أنه ظفر بكنز لبعض الملوك الخالية، وكان الظفر عندهم طريق التملك، أو لعله وصل إليه بالإرث من جهات، أو بالكسب من جهة المضاربات وغيرها.

والمفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهو ما يفتح به الباب، أو جمع مفتح بالفتح وهو الخزانة.

فمن الناس من طعن في القول الأول لأن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ، ولو أنا قدرنا بلدة مملوأة من الذهب لكفاها أعداد قليلة من المفاتيح ولهذا قال أبو رزين: يكفي للكوفة مفتاح واحد.

وأيضاً الكنوز هي الأموال المدفونة في الأرض ولا يتصوّر لها مفتاح.

أجاب الناصرون للقول الأول وهو اختيار ابن عباس والحسن: أن المال إذا كان من جنس العروض لا من جنس النقود جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد.

وأيضاً ما روي أن مفاتيحه كانت من جلود الإبل وكل مفتاح إصبع ولكل خزانة مفتاح، وكان إذا ركب حملت المفاتيح ستون بغلاً غير مذكور في القرآن.

فالصواب أن يفسر قوله ﴿ لتنوء ﴾ أي تنهض مثقلاً بأن تلك الخزائن يعسر ضبطها ومعرفتها على أهل القوّة في الحساب، وقريب منه قول أبي مسلم: إن المراد من المفاتح العلم والإحاطة كقوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب  ﴾ والمراد أن حفظها والاطلاع عليها يثقل على العصبة أولي القوّة والمتانة في الرأي.

وظاهر الكنوز وإن كان من جهة العرف هو المال المدفون إلا أنه قد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق.

وأيضاً لا استبعاد في أن يكون موضع المال المدفون بيتاً تحت الأرض له غلق ومفتاح معه.

و ﴿ لا تفرح ﴾ كقوله ﴿ ولا تفرحوا بما آتاكم  ﴾ وذلك أنه لا يفرح بالدنيا إلا من اطمأن ورضي بها.

قال ابن عباس: كان حبه ذلك شركاً لأنه ما كان يخاف معه عقوبه الله  : ﴿ وابتغ فيما آتاك الله ﴾ من المال والثروة ﴿ الدار الآخرة ﴾ يعني أسباب حصول سعاداتها من أصناف الخيرات والمبرات الواجبة والمندوبة فإن ذلك هو نصيب المؤمن من الدنيا دون الذي يأكل ويشرب، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ولا تنسَ نصيبك من الدنيا ﴾ ويحتمل أن يراد به اللذات المباحة.

وحين أمروه بالإحسان المالي أمروه بالإحسان مطلقاً ويدخل فيه الإحسان بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن الغيبة والحضور.

وفي قوله ﴿ كما أحسن الله إليك ﴾ إشارة إلى قوله  ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم  ﴾ وإلى ما قال الحكماء: المكافأة في الطبيعة واجبة.

و ﴿ الفساد في الأرض ﴾ المنهي عنه هو ما كان عليه من الظلم والبغي.

وهذا القائل موسى  أو مؤمنو قومه وهو ظاهر اللفظ.

وكيف كان فقد جمع في هذه الألفاظ من الوعظ ما لو قبل لم يكن عليه مزيد لكنه أبي أن يقبل بل تلقى النصح بكفران النعمة قائلاً ﴿ إنما آوتيته على علم عندي ﴾ قال قتادة ومقاتل والكلبي: كان قارون أقرأ بني إسرائيل للتوراة فقال: إنما أوتيته لفضل علمي واستحقاقي لذلك.

وقال سعيد بن المسيب والضحاك: إن موسى أنزل عليه الكيمياء من السماء فعلم قارون ثلث العلم ويوشع ثلثه وطالوت ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه، وكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهباً.

وقيل: أراد علمه بوجوه المكاسب والتجارات.

وقيل: أراد إن الله أعطاني ذلك على علم له  بحالي وباستئهالي لذلك.

وقوله ﴿ عندي ﴾ الأمر كذلك اي في اعتقادي وفي ظني فأجابه الله  بقوله ﴿ أولم يعلم ﴾ الآية.

قال علماء المعاني: يجوز أن يكون المعنى بالاستفهام إثباتاً لعلمه لأنه قد قرأ في التوراة أخبار الأمم السالفة والقرون الخالية وحفظها من موسى وغيره فكأنه قيل: إنه قد علم ذلك فلم اغتر بكثرة ماله وأعوانه؟

ويجوز أن يراد به نفي العلم لأنه لما تحدّى بكونه من أهل العلم حيث قال ﴿ على علم عندي ﴾ وبخه الله  أنه لم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهلكى.

ووجه اتصال قوله ﴿ ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ بما قبله أنه تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها لأنه عالم بكل المعلومات.

وقال أبو مسلم: أراد أنهم لا يسألون سؤال استيقان وإنما يسألون سؤال تقريع ومحاسبة ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ عن الحسن: في الحمرة والصفرة.

وقيل: خرج على بغلة شهباء عليه ثوب أحمر أرجواني، وعلى البغلة سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف على زيه.

وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلثمائة غلام، وعن يساره ثلثمائة جارية بيض عيلهن الحلى والثياب الفاخرة.

وقيل: في تسعين ألفاً عليهم الثياب الصفر.

قال الراغبون في الحياة العاجلة ﴿ يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إِنه لذو حظ عظيم ﴾ والحظ الجد والبخت.

عن قتادة: كانوا مسلمين تمنوا ذلك رغبة في الإنفاق في سبيل الخير.

وقال آخرون: كانوا كفاراً وقد مر في سورة النساء تحقيق الغبطة والحسد في قوله ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض  ﴾ ﴿ وقال الذين أوتوا العلم ﴾ بأحوال الدنيا وأنها عند الآخرة كلا شيء ﴿ ويلكم ﴾ وأصله الدعاء بالهلاك إلا أنه قد يستعمل في الردع والزجر بطريق النصح والإِشفاق، والضمير في قوله ﴿ ولا يلقاها ﴾ عائد إلى الكلمة المذكورة وهي قوله ﴿ ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ﴾ أو إلى الصواب بمعنى المثوبة.

أو بتأويل الجنة، أو إلى السير والطريقة أي لا يلزم هذه السيرة ﴿ إلا الصابرون ﴾ على الطاعات وعن الشهوات وعلى ما قسم الله وحكم به من الغنى وضده، وظاهر حال قارون ينبئ عن أنه كان ذا أشر وبطر واستخفاف بحقوق الله واستهانة بنبيه وكتابه، فلا جرم خسف الله به وبدراه الأرض، إلا أن المفسرين فصلوا فقالوا: كان يؤذي نبي الله موسى وهو يداريه للقرابة التي كانت بينهما حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل الف درهم على درهم، فحسبه فاستكثر فشحت به نفسه فجمع بني إسرائيل وقال: إن موسى يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فأمر بما شئ.

فقال: ائتوا إلى فلانة البغي حتى ترميه بنفسها في جمع بني إسرائيل فجعل لها ألف دينار أو طستاً مملوءاً من ذهب.

فلما كان يوم عيد قام موسى فقال يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنى وهو غير محصن جلدناه، وإن أحصن رجمناه.

فقال قارون: وإن كنت أنت؟

قال: وإن كنت أنا.

قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة.

فأحضرت فناشدها موسى بالذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق فتداركها الله فقالت: كذبوا بل جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي فخر موسى ساجداً يبكي وقال: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي فأوحى إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك.

فقال: يا بني إسرائيل إن الله قد بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معي فيعتزل فاعتزلوا جميعهاً غير رجلين.

ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط.

ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون واصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه بالله والرحم وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه.

ثم قال: خذيهم فانطبقت عليهم.

فأوحى الله إلى موسى ما أفظك!

استغاثوا بك مراراً فلم ترحمهم أما وعزتي لو إياي دعوا مرة واحدة لوجدوني قريباً مجيباً.

قلت: لعل استغاثته كانت مقرونة بالتوبة وإلا فالعتاب بعيد.

ثم إن بني إسرائيل أصبحوا يتناجون بينهم إنما دعا موسى على قارون ليستفيد داره وكنوزه، فدعا الله حتى خسف بداره وأمواله.

ومعنى ﴿ من المنتصرين ﴾ من المنتقمين من موسى، أو من الممتنعين من عذاب الله ﴿ وأصبح الذين تمنوا مكانه ﴾ أي منزلته من الدنيا وأسبابها ﴿ بالأمس ﴾ أي بالزمان المتقدم ﴿ يقولون ﴾ راغبين في طاعة الله والرضا بقضائه وقسمته ﴿ ويكأن الله ﴾ من قرأ ﴿ وي ﴾ مفصولة عن ﴿ كأن ﴾ وهو مذهب الخليل وسيبويه فهي كلمة تنبيه على الخطأ وتندم كأنهم تنبهوا على خطئهم في تمنيهم وتندموا ثم قالوا ﴿ كأنه لا يفلح الكافرون ﴾ أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح نظير هذا الاستعمال قول الشاعر: ويكأن من يكن له نشب يحـ *** ـبب ومن يفتقر يعيش عيش ضر وعند الكوفيين: ويك بمعنى ويلك أي ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون.

حكى هذا القول قطرب عن يونس، وجوّز جار الله أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى ﴿ وي ﴾ واللام مقدر قبل أن لبيان المقول لأجله هذا القول والتعليل أي لأنه لا يفلح الكفار كان ذلك الخسف.

قال في الكشاف قوله ﴿ تلك ﴾ تعظيم للدار الآخرة وتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت ذكرها وبلغك وصفها.

قلت: يحتمل أن يكون للتبعيد حقيقة.

وفي قوله ﴿ لا يريدون ﴾ دون أن يقول "يتركون" زجر عظيم ووعظ بليغ كقوله ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا  ﴾ حيث علق الوعيد بالركون عن علي أن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحته.

ومن الناس من رد العلو إلى فرعون والفساد إلى قارون لقوله  ﴿ إن فرعون علا في الأرض  ﴾ وقال في قصة قارون ﴿ ولا تبغ الفساد في الأرض ﴾ وضعف هذا التخصيص بيِّن لقوله في خاتمة الآية ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ قوله ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ الآية، قد مر تفسير مثله في آخر "الأنعام" وفي آخر "النمل".

وقوله ﴿ فلا يجزى الذين عملوا السيئات ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر إذ كان يكفي أن يقال: "فلا تجزون" إلا أنه أراد فضل تهجين لحالهم بإسناد عمل السيئات إليهم مكرراً، وفي ذلك لطف للسامعين في زيادة تبغيض السيئة إلى قلوبهم.

ثم أراد أن يسلي رسوله في خاتمة السورة فقال ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن ﴾ أي أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه ﴿ لرادّك إلى معاد ﴾ وأي معاد فتنكير المعاد للتعظيم وأنه ليس لغيره من البشر مثله يعني أن الذي حملك صعوبة تكلي التبليغ وما يتصل به لمثيبك عليها ثواباً لا يحيط به الوصف.

وقيل: أراد عوده إلى مكة يوم الفتح، ووجه التنكير ظاهر لأن مكة يومئذ كانت معاداً له شأن لغلبة المسلمين وظهور عز الإسلام وأهله وذل أهل الشرك وحزبه والسورة مكية.

فقيل: وعده وهو بمكة في أذى من أهلها أنه مهاجر بالنبي منها ويعيده إليها في ظفر ودولة.

وقيل: نزلت عليه هذه الآية حين بلغ الجحفة في مهاجرة وقد اشتاق إلى وطنه.

وفي الآية إخبار عن الغيب وقد وقع كما أخبر فيكون فيه إعجاز دال على نبوّته.

وحين وعد رسوله الردّ إلى المعاد المعتبر قال ﴿ قل ﴾ لأهل الشرك ﴿ ربي أعلم ﴾ يعني نفسه وإياهم بما يستحقه كل من الفريقين في معاده، ولا يخفى أن هذا كلام منصف واثق بصدقه وحقيته.

ثم ذكر رسوله ما أنعم به عليه فقال ﴿ وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ﴾ قال أهل العربية: هذا الاستثناء محمول على المعنى كأنه قيل: وما ألقى إليك الكتاب إلا لأجل الرحمة، أو "إلا" بمعنى "لكن" أي ولكن لرحمة من ربك ألقي إليك.

ثم نهاه عن اتباع أهواء أهل الشرك وقد مرّ مراراً أن مثل هذا النهي من باب التهييج له ولأمته.

ثم إن مرجع الكل إليه فقال ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ فمن الناس من فسر الهلاك بالعدم أي يعدم كل شيء سواه، والوجه يعبر به عن الذات، ومنهم من فسر الهلاك بخروجه عن كونه منتفعاً به منفعته الخاصة به إما بالإماتة أوبتفريق الأجزاء كما يقال "هلك الثوب وهلك المتاع" وقال أهل التحقيق: معنى الهلاك كونه في حيز الإمكان غير مستحق للوجود ولا للعدم من عند ذاته، وإن سميت المعدوم شيئاً فممتنع الوجود أحق كل شيء بأن يسمى هالكاً.

استدلت المعتزلة بالآية على أن الجنة والنار غير مخلوقتين لأنهما لو كانتا مخلوقتين لعرض لهما الفناء بحكم الآية، وهذا يناقض قوله ﴿ أكلها دائم  ﴾ وعورض بقوله ﴿ اعدّت للمتقين  ﴾ و ﴿ أعدت للكافرين  ﴾ ويحتمل أن يقال الكل بمعنى الأكثر ومن هناك قال الضحاك: كل شيء هالك إلا الله والعرش والجنة والنار.

وقيل: إلا العلماء فإن علمهم باق.

ويمكن أن يقال إن زمان فناء الجنة لما كان قليلاً بالنسبة إلى زمان بقائها فلا جرم أطلق لفظ الدوام عليه ومن فسر الهلاك بالإمكان فلا إشكال والله أعلم.

التأويل: ﴿ أرايتم إن جعل الله عليكم ﴾ ليل الفراق عند استيلاء ظلمة البشرية ﴿ سرمداً ﴾ ﴿ من إله غير الله يأتيكم بضياء ﴾ نهار الوصل والتجلي ﴿ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ﴾ نهار الوصل بطلوع شمس التجلي ﴿ سرمداً ﴾ ﴿ من إله غير الله يأتيكم بليل ﴾ سر تسكنون فيه عن وعثاء سطوة التجلي ﴿ ومن رحمته جعل لكم ﴾ ليل السر ونهار التجلي فإن العاشق لو دام في التجلي كان يستهلك وجوده، وكان النبي  يقول "إنه ليغان على قلبي" وقال لعائشة: كلميني يا حميراء.

وذلك لتخرجه من سطوات شمس التجلي إلى سر ظل البشرية ليستريح من التعب والنصب.

وليس هذا السر من قبيل الحجاب وإنما هو من جملة الرحمة واللطف نظيره الشمس في عالم الصورة فإنها في خط الاستواء تحرق، وفي الآفاق الرحوية لا تؤثر، وفي الآفاق الحملية يعتدل الحر والبرد فتكثر العمارة وتسهل ويعيش الحيوان ﴿ ونزعنا من كل أمة ﴾ من أرباب النفوس ﴿ شهيداً ﴾ هو القلب الحاضر ﴿ فقلنا هاتوا برهانكم ﴾ وهو حقيقة التوحيد التي لا تحصل بالفعل إلا بجذبة خطاب الحق فعلموا بتلك البراهين القاطعة أن الحق لله ﴿ إن قارون ﴾ النفس ﴿ كان من قوم موسى ﴾ القلب لأن الله  جعل النفس تبعاً للقلب وجعل سعادتها في متابعة ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ المودعة في صفاتها قد أهلك من قبله من القرون كإبليس فإنه أكثر علماً وطاعة ﴿ في زينته ﴾ هي التي زين حبها للناس من النساء والبنين وغير ذلك ﴿ قال الذين يريدون الحياة الدنيا ﴾ وهم صفات النفس.

﴿ وقال الذين أوتوا العلم ﴾ وهو صفات الروح ﴿ فخسفنا به ﴾ الأرض دركات السفل ﴿ وبداره ﴾ وهي قالبه أرض جهنم يتغلغل فيها إلى يوم القيامة بل إلى الأبد ﴿ نجعلها للذين لا يريدون ﴾ كما قال في بعض الكتب المنزلة: عبدي أنا ملك حي لا أموت أبداً، أطعني أجعلك ملكاً حياً لا تموت أبداً.

عبدي أنا ملك إذا قلت لشيء كن فيكون، أطعني أجعلك ملكاً إذا قلت لشيء كن فيكون.

وعن النبي  "عنوان كتاب الله إلى عباده المؤمنين من الملك الحي الذي لا يموت إلى الملك الحي الذي لا يموت" ﴿ إن الذي فرض ﴾ أي أوجب عليك التخلق بخلق القرآن ﴿ لرادّك إلى معاد ﴾ هو مقام الفناء في الله والبقاء به ﴿ قل ربي أعلم من جاء بالهدى ﴾ وهو بذل الوجود المجازي في الوجود الحقيقي ﴿ إلا رحمة من ربك ﴾ أي إلا أنا ألقينا الكتاب إليك إلقاء الإكسير على النحاس فتخلقت بخلق القرآن والله المستعان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ﴾ : كأنه قال - والله أعلم - يخوّف أهل مكة، ويوعدهم ببغيهم على الله وعلى رسوله بعذاب ينزل بهم؛ كما نزل بقارون ببغيه على موسى وقومه، أي: لم تنفعه قرابته من موسى ولا صلته به؛ لما ذكر أنه كان ابن عمه وكان ختنه: زوج أخته مريم؛ فعلى ذلك يقول - والله أعلم -: لا تنفعكم القرابة التي بينكم وبين رسول الله ولا اتصالكم - به من عذاب الله ومقته في الدنيا، إذا بغيتم عليه وتركتم اتباعه؛ كما لم تنفع القرابة التي بين قارون وموسى من عذاب الله ومقته في الدنيا إذا بغى عليه، وكما لم تنفع أبوة أبي إبراهيم لأبي إبراهيم إذا بغى عليه وترك اتباعه، حيث تبرأ إبراهيم منه وحيث قال: ﴿ يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ الآية [مريم: 45]، وحيث لم تنفع لامرأة نوح ولوط الزوجية التي كانت بينهما وبين نوح ولوط من نزول العذاب ومقته بهما إذا تركتا اتباعهما وبغتا عليهما؛ فعلى ذلك يأهل مكة لا ينفعكم من عذاب الله ومقته قرابتكم برسول الله - صلوات الله عليه - ووصلتكم به، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ﴾ : اختلف أهل التأويل في بغيه عليهم: قال بعضهم: هو أن موسى طلب منه زكاة ما آتاه الله من المال، فمنعه وأبى أن يعطيه.

وقال بعضهم: بغيه عليهم هو أن أعطى امرأة جعلا لتقذفه بنفسها، فأراد أن يفضحه على رءوس الأخيار والملأ وأن يرجموه، فدفع الله عنه وبرأه منه.

وقال بعضهم: إنما بغى عليه بكثرة ماله وولده، هذا يشبه أن يكون كأنه افتخر بكثرة ماله في دفع عذاب الله ونقمته؛ كقول أهل مكة: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً...

﴾ الآية [سبأ: 35].

وقال بعضهم: بغى عليه لأن النبوة جعلت في موسى والحبورة في هارون، ولم يجعل لقارون شيء، فاعتزل عن موسى واتبعه ناس كثير، فاعتدى عليه ونحو هذا كثير مما قالوه.

والأشبه أن يكون بغيه الذي ذكر عليه كبغي فرعون وهامان عليه؛ حيث قال: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ  إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [العنكبوت: 39]، فكان منه ما كان من فرعون وهامان من التكذيب والرد لرسالته، وتسميته: ساحراً كذاباً، فذلك هو البغي عليه.

أو لا يفسر البغي عليه؛ لأنه ذكر البغي ولم يبين ما ذلك البغي، والله أعلم بذلك.

وقال قائلون: بغيه عليه: هو أن زاد في ثيابهم شبرا، فذلك أيضاً لا نعلمه فهو مثل الأول.

وقوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ ﴾ : قال بعضهم: مفاتحه: خزائنه.

وقال بعضهم: جمع مفتاح وهو في الأصل مفاتيح.

وذكر أن كنوزه كانت كذا كذا ألفاً، وأن مفاتيحه كان يحملها كذا كذا بغلا، وأنها من جلود كذا أو من كذا قدر كذا، فذلك أيضاً لا نعلمه ولا نفسره ولا نذكره إلا قدر ما ذكر في الكتاب؛ إذ ذكر في الكتاب الكنوز والمفاتح، وذكر أن العصبة تنوء بها وذلك للكثرة ما ذكر، ولكن لا نعلم قدره وعدده ما هو؟

ولا كم هو؟

وكذلك العصبة أيضاً لا نعلمه كم عدده؟

إلا أن أهل التأويل يقول بعضهم: من عشرة إلى أربعين، ويقول بعضهم: من عشرة إلى خمس وسبعين، وبعضهم: من عشرة إلى خمس عشرة ونحوه، لا نفسره ولا نذكر عدده سوى أنه اسم جماعة يتعصب بعضهم بعضاً يرجعون جميعاً إلى أمر واحد، وكذلك الشيعة هي جماعة يتشيع بعضهم بعضاً ويتبع بعضهم بعضاً؛ ولذلك قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ  ﴾ أي: يتعصب بعضنا بعضاً لا ندعه يأكله، ولئن لم نفعل ولم نحفظه ﴿ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: لتثقل بالعصبة تلك المفاتيح.

وقال القتبي: ﴿ لَتَنُوءُ ﴾ أي: تميل بها العصبة إذا حملتها من ثقلها.

وقال أبو عوسجة: ﴿ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ ﴾ ، أي: لتعجز العصبة عن حملها.

وقال بعضهم: تنوء: تثقل، والعصبة: جماعة.

وقوله: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ ﴾ : قال بعضهم: لا تبطر ولا تأشر؛ إن الله لا يحب البطرين الأشرين.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لاَ تَفْرَحْ ﴾ أي: لا تفتخر على الناس بما آتاك الله من المال ولا تتكبر عليهم، و ﴿ لاَ تَفْرَحْ ﴾ لا تسكن إليها، ولا تركن إلى ذلك، إن الله لا يحب من ذكر.

وقوله: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ : كان كثرة ما آتاه الله من المال أنسته الآخرة، وشغلته عنها وعن العمل لها، حتى حمله ذلك الجحود والإنكار، فقالوا: وابتغ الدار الآخرة بما آتاك الله.

﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: لا تنس من مالك نصيبك في الدنيا ولكن قدم لآخرتك.

قال الحسن في قوله: ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا...

﴾ إلى آخره قال: أمر أن يأخذ من ماله قدر عيشه، ويقدم ما سوى ذلك لآخرته، وكذلك قال في قوله: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ أي: قدم الفضل وأمسك ما يبلغك.

﴿ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ : قال: يكفيك ما أحل الله لك من الدنيا؛ فإن فيه غناء وكفاية.

وأصله: ما روي عن نبي الله  أنه قال: "لك من الدنيا ما أكلت ولبست وأفنيت وما قدمت" جعل المقدم من الدنيا له، وأمّا ما خلفه فهو لغيره.

وهكذا أمر الدنيا لم تخلق الدنيا لتبقى لأهلها أو يبقى أهلها فيها، ولكن إنما خلقت لتفنى هي أو يفنى أهلها، وخلقت الآخرة للبقاء، فنصيبه من الدنيا ما قدم وأنفق في طاعة الله وفي سبيله ليس ما خلفه في هذه الدنيا.

وقوله: ﴿ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَأَحْسِن ﴾ إلى نفسك في العمل للآخرة كما أحسن الله إليك، وأحسن إلى الخلق كما أحسن الله إليك.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : هذا يدل أنه كان ينفق ماله إلا أنه كان ينفق في الصدّ عن سبيل الله؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، ولو كان في ترك الإنفاق لم يكن في ذلك بغي الفساد في الأرض.

ثم الواجب على من حضر الملوك وشهد مجالسهم من أهل العلم أن يخوفوا الملوك، ويواعدوهم بما أوعد قوم موسى قارون وخوفوه، ويأمروهم بالصلاح في أنفسهم وفي رعيتهم، كما أمر أولئك قارون، وينهوهم كما نهاه أولئك، فإن أجابوهم وإلا امتنعوا عنهم وكفوا أنفسهم عن الاختلاف إليهم، فإن لم يفعلوا فهم شركاؤهم في جميع ما يفعلون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: إن قارون كان أخبر الناس بالتوراة وأعلمهم بها وسمي: قارون لذلك، وذكر أنه سمي: المنور؛ لحسن صوته بالتوراة.

وقال بعضهم: سميّ: منوراً لذكائه، والله أعلم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ﴾ : وهو الكمياء، ذكر أنه يعالج صنعة الذهب ويحسنها.

وقال بعضهم: ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ﴾ أي: على خبر عندي، قال ذلك على أثر قول أولئك: ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا ﴾ إلى قوله  : ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ كأنهم أوعدوه بذهاب ذلك عنه وهلاكه، فقال - والله أعلم -: إنما أوتيت ذلك على علم عندي، لم أوت جزافاً بلا سبب، وكأنه - والله أعلم - نسي الآخرة بما أوتي من المال والكنوز، وترك الإنفاق في الخير، وكان ينفق في صد الناس عن سبيل الله؛ ولذلك قال: ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، إلا أنه كان عارفاً بالله حيث قالوا له: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ وقالوا له: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ دل هذا منهم أنه كان عارفاً بالله  .

وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ﴾ : ذكر هذا - والله أعلم - لما أنه كان يفتخر ويستكبر على الناس بما أوتي من الأموال والكنوز والأتباع، ويحسب أنه يدفع العذاب الموعود في هذه الدنيا بذلك عن نفسه.

أو يظن أنه لما أوتي ذلك لا يعذب كظن أولئك الكفرة حيث قالوا: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ ؛ فجائز أن كان من قارون من الإعجاب بالكثرة والجمع ما ذكر بأولئك، فقال عند ذلك: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ﴾ ، ثم لم يتهيأ لهم دفع ما نزل بهم من العذاب؛ فعلى ذلك أنت يا قارون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: لا يسألون عن ذنوبهم؛ كقوله: ﴿ يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ  ﴾ .

وقال بعضهم: لا يسأل هذه الأمة عن صنيع مجرمي الأمم الخالية.

وجائز ألا يسأل عن ذنوبهم؛ لأنهم لا يرون ما يعملون من الأعمال ذنوباً، ولكن إنما يسألون عن الدليل الذي به لا يرون تلك الأعمال ذنباً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: إنه خرج على بغال شهب، ومعه كذا كذا من الجواري على كذا كذا بغال شهب عليهن من الثياب كذا.

وقال بعضهم: إنه خرج على براذين كذا بيض ومع كذا كذا غلمان وجواري، ونحو ما ذكروا.

لكنّا لا ندري على أيّ زينة خرج؟

ولكنا نعلم أنه خرج على الزينة التي يخرج أمثاله من الملوك، ولا نفسّر أنه كذا على كذا، وكذلك لا نفسّر العلم؛ ذكر أنه أوتي له من المال والكنز أنه كان عنده كذا من العلم، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.

وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ أي: أوتوا منافع العلم: لأنه قد يؤتى العلم ربمّا، ولا يؤتى من الانتفاع له به ما أوتي هؤلاء ؛ حيث قالوا لأولئك: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ لم يكن من أولئك إلا التمني أن يؤتوا مثل ما أوتي قارون، ثم نهاهم الذين أوتوا منافع العلم والانتفاع به عن ذلك التمني، فدل ذلك أن التمني لا يسع الاشتغال به والطلب؛ حيث قالوا لهم: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَآ ﴾ كيف ذكره بالتأنيث، وإنما تقدم له ذكر الثواب، فألا قال: (وما يلقاه)؟

لكن اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَآ ﴾ كناية عن تلك المقالة التي كانت من أولئك الذين أوتوا العلم لأولئك الذين يريدون الحياة الدنيا، أي: لا يلقى تلك المقالة التي قالوها لأولئك إلا الصابرون.

وقال بعضهم: لا، ولكن ذلك كناية عن الأعمال، أي: ولا يلقى تلك الأعمال ولا يوفق إليها إلا الصابرون.

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَآ ﴾ أي: لا يوفق، ويقال: لا يرزق.

﴿ ٱلصَّابِرُونَ ﴾ يحتمل: المؤمنين أنفسهم؛ كقوله -  -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ  ﴾ وقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ أي: آمنوا.

ويحتمل: الصابرون: الذين صبروا أنفسهم وحبسوها على أداء ما افترض الله عليهم، ولم يؤتوا أنفسهم شهواتهم وهواها، والله أعلم.

ثم كان في قوم موسى خصال ثلاث لم تكن تلك ومثلها في غيرهم من الأمم.

أحدها: ما ذكر من صلابة [الذين] أوتوا العلم، ويقينهم، وطمأنينتهم فيما وعدوا في الآخرة من الثواب، وصبرهم على أداء ما افترض الله عليهم، وحبسوا أنفسهم عن مُنَاهم وشهواتهم، ولصلابتهم وقوتهم في الدّين ما وعظوا قارون، حيث قالوا له: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ...

﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ وهو كان يومئذ ملكاً، ولما قالوا لأولئك الذين يريدون الحياة الدنيا: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ .

والثاني: ما ذكر سحرة فرعون حين أوعدهم بالقطع والصلب والقتل بإيمانهم الذي آمنوا فقالوا: ﴿ لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ  ﴾ وقالوا: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ  ﴾ وأمثال ذلك مما لم يبالوا حلول ما أوعدهم وخوفهم من أنواع العذاب.

والثالث: ما ذكر من الذي كان يكتم إيمانه؛ حيث قال: ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ  ﴾ وإنما أظهر ذلك حين قال فرعون: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ  ﴾ كأنه همّ أن يقتله؛ ألا ترى أن ذلك الرجل المؤمن الذي كان يكتم إيمانه قال لهم: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ  ﴾ لم يبال هلاك نفسه بإظهاره الإيمان بعد أن أعان به الله موسى، ونفع له بما قال، واستقبل فرعون وقومه بما استقبل.

فهذه خصال لم تذكر عن قوم قط من سوى قوم موسى مثلها.

ولذلك وصفهم ونعتهم بفضل الهداية والعدالة، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ  ﴾ .

وهكذا الواجب على كل مؤمن إذا أريد منه أخذ الإيمان، أو خاف على دينه أن يذهب به، أو أن يدخل فيه النقصان ألاَّ يبدّل ذلك، وإن خاف على نفسه تلفها وهلاكها وتعذيبها بأشدّ ما يكون من العذاب؛ ألا ترى أن الله مدح أصحاب الأخدود بما احتملوا أشدّ العذاب وأسوأ القتل، ولم يتركوا الإيمان، ولم يعطوا أولئك الكفرة ما أرادوا منهم، فهكذا الاختيار على كل مسلم أن يختار ما اختار أولئك.

وهكذا الواجب على كل من يأتي الأمراء والسلاطين ويحضر مجالسهم من العلماء أن يعظوهم، ويأمروهم بكل ما يؤتى، وينهوهم عن كل محذور، ويدلوهم على كل خير وكل ما هو طاعة لله، كما فعل قوم قارون بقارون، وإلا لم يحضروا مجالسهم ولا أتوا طائعين، فلو فعلوا فإنهم يكونون شركاءهم.

وذكر عن بعض السلف أنه قال: في عيسى وقارون عبرة لمن اعتبر؛ إن عيسى - صلوات الله عليه - زهد في الدنيا زهداً، حتى لم يتخذ لنفسه مسكناً يسكنه، ولا مقرّاً يقر فيه، ولا اتخذ لنفسه ما يتعيش به، ولا اشتغل بشيء منها، فرفعه الله إلى السماء، فجعل عيشه ومقره فيها في كرامة الله وجواره.

وقارون كان يرغب في هذه الدنيا رغبة، وجهد في طلبها طاقته ووسعه، وركن إليها ركوناً، حتى خسفه الله في الأرض، وأدخله فيها مع كنوزه وأتباعه، فيكون فيها إلى يوم القيامة؛ ففي ذلك عبرة وآية لكل راغب وزاهد، فيرغب الزاهد في الزهد فيها، وينزجر الراغب عن الرغبة فيها، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ ﴾ بالبغي الذي بغى عليهم؛ أعني: على موسى وأصحابه.

وقوله: ﴿ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ كأنه كان يفتخر بالمال والحواشي، ويتقوى بذلك في دفع عذاب الله ونقمته؛ لذلك قال: ﴿ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لم يغن في دفع عذاب الله عنه أتباعه وحواشيه، وهو كظنّ أولئك: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ وكان ظنهم ذلك وقولهم إنما كان بوجهين: أنهم ظنوا أن أموالهم وأتباعهم تدفع عنهم عذاب الله ونقمته كما تدفع نقمة بعضهم عن بعض فيما بينهم؛ كقول ذلك الرجل: ﴿ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ  ﴾ .

والثاني: ظنوا أنهم إنما أعطوا هذه الأموال والأتباع في هذه الدنيا لكرامة لهم عند الله؛ فلا يعذبون أبداً.

وقوله: ﴿ وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ ﴾ كانوا تمنّوا أن يعطوا مثل ما أعطي قارون ﴿ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ...

وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ قال بعض أهل الأدب: (وَيْ) صلة، وإنما هو (كأنّ) و(كأنّه).

وقال مقاتل: ﴿ وَيْكَأَنَّهُ ﴾ أي: لكنه ويكأنّ.

قال بعضهم: قوله: ﴿ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ ﴾ أي: اعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء، واعلموا أنه لا يفلح الكافرون، لكن الله يبسط الرزق لمن يشاء، ولكنه لا يفلح الكافرون.

وقال بعضهم: ألم تر أن الله يبسط الرزق، وألم تر أنه لا يفلح كذا.

وقال الزجاج: "وي" مقطوعة من (كأنّ) وهو حرف يفتتح به التندم، ثم ابتدأ بقوله: كأنه لا يفلح الكافرون.

ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في وجوب الأصلح على الله؛ لأنهم ذكروا مِنَّة الله في منعه إياهم ما تمنوا بالأمس مما أوتي قارون، فلو كان ما أعطي قارون أصلح له في دينه لم يكن في منعه عن هؤلاء منة؛ دل أن ما أعطى قارون لم يكن أصلح له، بل المنع أصلح له، وأن ليس على الله حفظ الأصلح للعباد في الدّين.

وقوله: ﴿ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ في ظاهرها: أن كل من لا يريد العلوّ في هذه الدنيا ولا الفساد فيها يكون من أهل نعمة الله، وكذلك ما ذكر من الدار الآخرة، وجهنم هي من دار الآخرة أيضاً، لكن الآية تخرج على وجهين: أحدهما: كأنها نزلت في رؤساء الكفرة وكبرائهم من الذين كانت همتهم في التكبر والتجبر على الرسل، والفساد فيها، في صرف الناس عن دين الله واتباع الرسل، فقال - والله أعلم -: ﴿ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ ﴾ - أي: الجنة - ليست لهؤلاء، ولكن لمن تواضع للرسل، ودعا الناس إلى دين الله واتباع الرسل.

والثاني: تكون الآية في الذين كانوا يعملون بالخيرات والطاعات منهم في نحو صلة الأرحام والصدقة على الفقراء والإنفاق في ذلك، فأخبر أنهم وإن كانوا يعملون بتلك الأعمال فإنما يعملون للدنيا والعلو فيها لا للآخرة، فتلك الدار الآخرة ليست لهم، إنما هي للذين يعملون ويريدون بها الدار الآخرة.

وقوله: ﴿ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ ﴾ : كأنه يقول: تلك الدار التي دعوا إليها ليست لمن ذكر، وهي الدار التي قال الله فيها: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ  ﴾ ، فالدار الآخرة هي الدار التي دعوا إليها وهي الجنة؛ الدار الآخرة على الإطلاق: الجنة؛ كالكتاب المطلق كتاب الله، والدين المطلق: دين الله، ونحوه.

وقوله: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: تلك الدار الآخرة للمتقين.

وقوله: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: ما قال أهل التأويل على التقديم والتأخير: فله منها خير، ومعناه: أن ما يكون له في الآخرة من الخير؛ إنما يكون بتلك الحسنة التي جاء بها في الدنيا وهي التوحيد.

والثاني: قوله: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: ما أعطوا في الآخرة من الخير والثواب خير مما يعطون في الدنيا بصبرهم، وحبسهم أنفسهم عن شهواتها وأمانيها.

والثالث: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: ثواب الله وما أكرموا به خير مما عملوا في الدنيا.

والرابع: أن توفيقه إياهم وإرشاده خير مما عملوا.

أو أن يكون ذكر الله وحمده خير مما ذكر؛ كقوله: ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ ﴾ : قالوا جميعاً: السيئة: هي الشرك، ﴿ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا  ﴾ هو التخليد في النار أبداً، ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ  ﴾ : فيما يجزون بها بل ظلموا أنفسهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فخرج قارون في زينته مظهرًا أُبَّهَتَه، قال الذين يطمعون في زينة الحياة الدنيا من أصحاب قارون: يا ليتنا أُعْطِينا من زينة الدنيا مثل ما أُعْطِي قارون، إن قارون لذو نصيب وافٍ كبير.

<div class="verse-tafsir" id="91.oxDqE"

مزيد من التفاسير لسورة القصص

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 17.7 / 29.5
الإضاءة 91%
الهلال الجديد بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله