الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ٥ من سورة العنكبوت
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 54 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( من كان يرجو لقاء الله ) أي : في الدار الآخرة ، وعمل الصالحات رجاء ما عند الله من الثواب الجزيل ، فإن الله سيحقق له رجاءه ويوفيه عمله كاملا موفورا ، فإن ذلك كائن لا محالة ; لأنه سميع الدعاء ، بصير بكل الكائنات ; ولهذا قال : ( من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم ) .
القول في تأويل قوله تعالى : مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) يقول تعالى ذكره: من كان يرجو الله يوم لقائه، ويطمع في ثوابه، فإن أجل الله الذي أجله لبعث خلقه للجزاء والعقاب لآت قريبا، (وهو السميع) يقول: والله الذي يرجو هذا الراجي بلقائه ثوابه، السميع لقوله: آمنا بالله، العليم بصدق قيله، إنه قد آمن من كذبه فيه.
قوله تعالى : من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت ( يرجو ) بمعنى يخاف من قول الهذلي في وصف عسال :إذا لسعته النحل لم يرج لسعها [ وحالفها في بيت نوب عوامل ]وأجمع أهل التفسير على أن المعنى : من كان يخاف الموت فليعمل عملا صالحا فإنه لا بد أن يأتيه ; ذكره النحاس قال الزجاج : معنى يرجو لقاء الله ثواب الله و ( من ) في موضع رفع بالابتداء و ( كان ) في موضع الخبر وهي في موضع جزم بالشرط و ( يرجو ) في موضع خبر كان والمجازاة : فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم .
يعني: يا أيها المحب لربه، المشتاق لقربه ولقائه، المسارع في مرضاته، أبشر بقرب لقاء الحبيب، فإنه آت، وكل آت إنما هو قريب، فتزود للقائه، وسر نحوه، مستصحبا الرجاء، مؤملا الوصول إليه، ولكن، ما كل من يَدَّعِي يُعْطَى بدعواه، ولا كل من تمنى يعطى ما تمناه، فإن اللّه سميع للأصوات، عليم بالنيات، فمن كان صادقا في ذلك أناله ما يرجو، ومن كان كاذبا لم تنفعه دعواه، وهو العليم بمن يصلح لحبه ومن لا يصلح.
( من كان يرجو لقاء الله ) قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - ومقاتل : من كان يخشى البعث والحساب ، والرجاء بمعنى الخوف .
وقال سعيد بن جبير - رضي الله عنه - : من كان يطمع في ثواب الله ( فإن أجل الله لآت ) يعني : ما وعد الله من الثواب والعقاب .
وقال مقاتل : يعني : يوم القيامة لكائن .
ومعنى الآية : أن من يخشى الله أو يأمله فليستعد له ، وليعمل لذلك اليوم .
كما قال : " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا " الآية ( الكهف - 110 ( وهو السميع العليم )
«من كان يرجو» يخاف «لقاء الله فإن أجل الله» به «لآتٍ» فليستعد له «وهو السميع» لأقوال العباد «العليم» بأفعالهم.
من كان يرجو لقاء الله، ويطمع في ثوابه، فإن أجل الله الذي أجَّله لبعث خلقه للجزاء والعقاب لآتٍ قريبًا، وهو السميع للأقوال، العليم بالأفعال.
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدخل السرور والاطمئنان على قلوب عباده المؤمنين الصادقين فقال - تعالى - : ( مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ الله فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ وَهُوَ السميع ) أى : من كان من الناس يرجو لقاء الله - تعالى - يوم القيامة لقاء يسره ويرضيه ، ويطمعه فى ثوابه وعطائه ، فلثبت على إيمانه ، وليواظب على العمل الصالح ، ( فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ ) .
أى : فإن الأجل الذى حدده الله - تعالى - لموت كل نفس وللبعث والحساب ، لآت لا محالة فى وقته الذى حدده - سبحانه - " وهو السميع " لأقوال خلقه " العليم " بما يخفونه وما يعلنونه .فالرجاء فى لقاء الله ، بمعنى الطمع فى ثوابه ، ومنهم من فسره بمعنى الخوف من حسابه - سبحانه - .قال صاحب الكشاف : لقاء الله : مثل للوصول إلى العاقبة ، من تلقى ملك الموت ، البعث ، والحساب ، والجزاء ، مثلت تلك الحال بحال عبد قدم على سيده بعد عهد طويل ، وقد اطلع مولاه على ما كان يأتى ويذر ، فإما أن يلقاه ببشر وترحيب ، لما رضى من أفعاله ، أو بضد ذلك لما سخطه منها .
.
.
وقيل : " يرجو " يخاف ، كما فى قول الشاعر :إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها .
.
...
أي : إذا لسعته النحل لم يخف لسعهاوعلى كلا التفسرين للرجاء .
فإن الآية الكريمة تبشر المؤمنين بما يدخل السرور على نفوسهم ، وتعدهم بأنهم متى ثبتوا على إيمانهم ، وأحسنوا أعمالهم ، فإن ثوابهم سيظفرون به كاملا غير منقوص ، بفضل الله وإحسانه .
ثم قال تعالى: ﴿ أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ﴾ لما بين حسن التكليف بقوله: ﴿ أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ ﴾ بين أن من كلف بشيء ولم يأت به يعذب وإن لم يعذب في الحال فسيعذب في الاستقبال ولا يفوت الله شيء في الحال ولا في المآل، وهذا إبطال مذهب من يقول التكاليف إرشادات والإيعاد عليه ترغيب وترهيب ولا يوجد من الله تعذيب ولو كان يعذب ما كان عاجزاً عن العذاب عاجلاً فلم كان يؤخر العقاب فقال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبَ الذين يَعْلَمُونَ السيئات أَن يَسْبِقُونَا ﴾ يعني ليس كما قالوا بل يعذب من يعذب ويثيب من يثيب بحكم الوعد والإيعاد والله لا يخلف الميعاد، وأما الإمهال فلا يفضي إلى الإهمال والتعجيل في جزاء الأعمال شغل من يخاف الفوت لولا الاستعجال.
ثم قال تعالى: ﴿ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾ يعني حكمهم بأنهم يعصون ويخالفون أمر الله ولا يعاقبون حكم سيء فإن الحكم الحسن لا يكون إلا حكم العقل أو حكم الشرع والعقل لا يحكم على الله بذلك فإن الله له أن يفعل ما يريد والشرع حكمه بخلاف ما قالوه، فحكمهم حكم في غاية السوء والرداءة.
ثم قال: ﴿ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ وَهُوَ السميع العليم ﴾ .
لما بين بقوله: أحسب الناس أن العبد لا يترك في الدنيا سدى، وبين في قوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ أن من ترك ما كلف به يعذب كذا بين أن يعترف بالآخرة ويعمل لها لا يضيع عمله ولا يخيب أمله، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنا ذكرنا في مواضع أن الأصول الثلاثة وهي الأول وهو الله تعالى ووحدانيته والأصل الآخر وهو اليوم الآخر والأصل المتوسط وهو النبي المرسل من الأول الموصل إلا الآخر لا يكاد ينفصل في الذكر الإلهي بعضها عن بعض، فقوله: ﴿ أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا ﴾ فيه إشارة إلى الأصل الأول يعني أظنوا أنه يكفي الأصل الأول وقوله: ﴿ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا أَن يَقُولُوٓا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَٰذِبِينَ ﴾ يعني بإرسال الرسل وإيضاح السبل فيه إشارة إلى الأصل الثاني وقوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ مع قوله: ﴿ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله ﴾ فيه إشارة إلى الأصل الثالث وهو الآخر.
المسألة الثانية: ذكر بعض المفسرين في تفسير لقاء الله أنه الرؤية وهو ضعيف فإن اللقاء والملاقاة بمعنى وهو في اللغة بمعنى الوصول حتى أن جمادين إذا تواصلا فقد لاقى أحدهما الآخر.
المسألة الثالثة: قال بعض المفسرين المراد من الرجاء الخوف والمعنى من قوله: ﴿ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله ﴾ من كان يخاف الله وهو أيضاً ضعيف، فإن المشهور في الرجاء هو توقع الخير لا غير ولأنا أجمعنا على أن الرجاء ورد بهذا المعنى يقال أرجو فضل الله ولا يفهم منه أخاف فضل الله، وإذا كان وارداً لهذا لا يكون لغيره دفعاً للاشتراك.
المسألة الرابعة: يمكن أن يكون المراد بأجل الله الموت ويمكن أن يكون هو الحياة الثانية بالحشر، فإن كان هو الموت فهذا ينبئ عن بقاء النفوس بعد الموت كما ورد في الأخبار وذلك لأن القائل إذا قال من كان يرجو الخير فإن السلطان واصل يفهم منه أن متصلاً بوصول السلطان يكون هو الخير حتى أنه لو وصل هو وتأخر الخير يصح أن يقال للقائل، أما قلت ما قلت ووصل السلطان ولم يظهر الخير، فلو لم يحصل اللقاء عند الموت لما حسن ذلك كما ذكرنا في المثال، وإذا تبين هذا فلولا البقاء لما حصل اللقاء.
المسألة الخامسة: قوله: ﴿ مَن كَانَ يَرْجُو ﴾ شرط وجزاؤه ﴿ فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ ﴾ والمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط فمن لا يرجو لقاء الله لا يكون أجل الله آتياً له، وهذا باطل فما الجواب عنه؟
نقول المراد من ذكر إتيان الأجل وعد المطيع بما بعده من الثواب، يعني من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت بثواب الله يثاب على طاعته عنده ولا شك أن من لا يرجوه لا يكون أجل الله آتياً على وجه يثاب هو.
المسألة السادسة: قال: ﴿ وَهُوَ السميع العليم ﴾ ولم يذكر صفة غيرهما كالعزيز الحكيم وغيرهما، وذلك لأنه سبق القول في قوله: ﴿ أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ﴾ وسبق الفعل بقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ﴾ وبقوله: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ ﴾ وبقوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ ولا شك أن القول يدرك بالسمع والعمل منه ما لا يدرك بالبصر ومنه ما يدرك به كالقصود والعلم يشملهما وهو السميع يسمع ما قالوه وهو العليم يعلم من صدق فيما قال: ممن كذب وأيضاً عليم يعلم ما يعمل فيثيب ويعاقب وهاهنا لطيفة وهي أن العبد له ثلاثة أمور هي أصناف حسناته أحدها: عمل قلبه وهو التصديق وهو لا يرى ولا يسمع، وإنما يعلم وعمل لسانه وهو يسمع وعمل أعضائه وجوارحه وهو يرى فإذا أتى بهذه الأشياء يجعل الله لمسموعه ما لا أذن سمعت، ولمرئيه ما لا عين رأت، ولعمل قلبه ما لا خطر على قلب أحد، كما وصف في الخبر في وصف الجنة.
<div class="verse-tafsir"
لقاء الله: مثل للوصول إلى العاقبة، من تلقي ملك الموت، والبعث، والحساب، والجزاء: مثلت تلك الحال بحال عبد قدم على سيده بعد عهد طويل، وقد اطلع مولاه على ما كان يأتي ويذر، فإما أن يلقاه ببشر وترحيب لما رضي من أفعاله، أو بضد ذلك لما سخطه منها، فمعنى قوله: ﴿ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله ﴾ : من كان يأمل تلك الحال.
وأن يلقى فيها الكرامة من الله والبشر ﴿ فَإِنَّ أَجَلَ الله ﴾ وهو الموت ﴿ لآتٍ ﴾ لا محالة؛ فليبادر العمل الصالح الذي يصدق رجاءه، ويحقق أمله، ويكتسب به القربة عند الله والزلفى ﴿ وَهُوَ السميع العليم ﴾ الذي لا يخفى عليه شيء مما يقوله عباده ومما يفعلونه، فهو حقيق بالتقوى والخشية.
وقيل: ﴿ يَرْجُو ﴾ : يخاف من قول الهذلي في صفة عسّال: إِذَا لَسَعْتُه الدَّبْرُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا فإن قلت: فإن أجل الله لآت، كيف وقع جواباً للشرط؟
قلت: إذا علم أن لقاء الله عنيت به تلك الحال الممثلة والوقت الذي تقع فيه تلك الحال هو الأجل المضروب للموت: فكأنه قال: من كان يرجو لقاء الله فإن لقاء الله لآت، لأن الأجل واقع فيه اللقاء، كما تقول: من كان يرجو لقاء الملك فإن يوم الجمعة قريب، إذا علم أنه يقعد للناس يوم الجمعة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ ﴾ في الجَنَّةِ، وقِيلَ المُرادُ بِلِقاءِ اللَّهِ الوُصُولُ إلى ثَوابِهِ، أوْ إلى العاقِبَةِ مِنَ المَوْتِ والبَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ عَلى تَمْثِيلِ حالِهِ بِحالِ عَبْدٍ قَدِمَ عَلى سَيِّدِهِ بَعْدَ زَمانٍ مَدِيدٍ وقَدِ اطَّلَعَ السَّيِّدُ عَلى أحْوالِهِ، فَإمّا أنْ يَلْقاهُ بِبَشَرٍ لِما رَضِيَ مِن أفْعالِهِ أوْ بِسُخْطٍ لِما سَخِطَ مِنها.
﴿ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ ﴾ فَإنَّ الوَقْتَ المَضْرُوبَ لِلِقائِهِ.
﴿ لآتٍ ﴾ لَجاءٍ وإذا كانَ وقْتُ اللِّقاءِ آتِيًا كانَ اللِّقاءُ كائِنًا لا مَحالَةَ، فَلْيُبادِرْ ما يُحَقِّقُ أمَلَهُ ويَصْدُقُ رَجاءَهُ أوْ ما يَسْتَوْجِبُ بِهِ القُرْبَةَ والرِّضا.
﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ ﴾ لِأقْوالِ العِبادِ.
﴿ العَلِيمُ ﴾ بِعَقائِدِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله} أي يأمل ثوابه أو يخاف حسابه فالرجاء يحتملهما {فَإِنَّ أَجَلَ الله} المضروب للثواب والعقاب {لأَتٍ} لا محالة فاليبادر للعمل الصالح الذي يصدق رجاءه ويحقق أمله {وَهُوَ السميع} لما يقوله عباده {العليم} بما يفعلونه فلا يفوته شيء ما وقال الزجاج من للشرط ويرتفع بالابتداء وجواب الشرط فإن أجل الله لات كقولك إن كان زيد الدار فقد صدق الوعد
﴿ مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: أيُّ مَن كانَ يَخْشى البَعْثَ في الآخِرَةِ فالرَّجاءُ بِمَعْنى الخَوْفِ كَما في قَوْلِ الهُذَلِيِّ في وصْفِ عَسّالٍ: إذا لَسَعَتْهُ الدُّبُرُ لَمْ يَرُجْ لَسْعَها وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبِ عَوامِلِ ولَعَلَّ إرادَةَ البَعْثِ مِن لِقائِهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ مِن مَبادِيهِ، وقِيلَ: لَعَلَّهُ جَعَلَ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى عِبارَةً عَنِ الوُصُولِ إلى العاقِبَةِ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ البَعْثُ مِن أعْظَمِ ما يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَيْهِ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ، وفي الكَشّافِ أنَّ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى مَثَلٌ لِلْوُصُولِ إلى العاقِبَةِ مِن تَلَقِّي مَلَكِ المَوْتِ والبَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ، مُثِّلَتْ تِلْكَ الحالُ بِحالِ عَبْدٍ قَدِمَ عَلى سَيِّدِهِ بَعْدَ عَهْدٍ طَوِيلٍ وقَدِ اطَّلَعَ مَوْلاهُ عَلى ما كانَ يَأْتِي ويَذْرُ فَإمّا أنْ يَلْقاهُ بِبِشْرٍ وتَرْحِيبٍ لِما رَضِيَ مِن أفْعالِهِ أوْ بِضِدِّ ذَلِكَ لِما سَخِطَهُ مِنها، فَمَعْنى ﴿ مَن كانَ ﴾ إلَخْ مَن كانَ يَأْمُلُ تِلْكَ الحالَ وأنْ يَلْقى فِيها الكَرامَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى والبُشْرى، فالكَلامُ عِنْدَهُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ والرَّجاءُ بِمَعْنى الأمَلِ والتَّوَقُّعِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ذَلِكَ إلّا أنَّ الكَلامَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مَن كانَ يَتَوَقَّعُ مُلاقاةَ جَزاءِ اللَّهِ تَعالى ثَوابًا أوْ عِقابًا أوْ مُلاقاةَ حُكْمِهِ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى الخَوْفِ، والمُضافُ مَحْذُوفٌ أيْضًا أيْ مَن كانَ يَخافُ مُلاقاةَ عِقابِ اللَّهِ تَعالى، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى ظَنِّ حُصُولِ ما فِيهِ مَسَرَّةٌ وتَوَقُّعِهِ كَما هو المَشْهُورُ، والمُضافُ كَذَلِكَ أيْضًا، أيْ مَن كانَ يَرْجُو مُلاقاةَ ثَوابِ اللَّهِ تَعالى، ويَجُوزُ أنْ لا يُقَدَّرُ مُضافٌ، ويُجْعَلَ لِقاءُ اللَّهِ تَعالى مَجازًا عَنِ الثَّوابِ لِما أنَّهُ لازِمٌ لَهُ.
واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ الرَّجاءَ بِمَعْناهُ المَشْهُورِ وأنَّ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى مُشاهَدَتُهُ سُبْحانَهُ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ إذْ لا حاجَةَ لِلْخُرُوجِ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ وما حَسِبَهُ المُعْتَزِلِيُّ مِنها فَلَيْسَ مِنها كَما بُيِّنَ في عِلْمِ الكَلامِ أيْ مَن كانَ يَتَوَقَّعُ مُشاهَدَةَ اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ الَّتِي لا نَعِيمَ يَعْدِلُها ويَلْزَمُها الفَوْزُ بِكُلِّ خَيْرٍ ونَعِيمٍ ﴿ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ ﴾ الأجَلُ غايَةٌ لِزَمانٍ مُمْتَدٍّ عُيِّنَتْ لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ ذَلِكَ الزَّمانُ، والأوَّلُ أشْهَرُ في الِاسْتِعْمالِ أيْ فَإنَّ الوَقْتَ الَّذِي عَيَّنَهُ جَلَّ شَأْنُهُ لِذَلِكَ ﴿ لآتٍ ﴾ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِ لِأنَّ أجْزاءَ الزَّمانِ عَلى التَّقَضِّي والتَّصَرُّمِ دائِمًا، ومَجِيءُ ذَلِكَ الوَقْتِ كِنايَةٌ عَنْ إتْيانِ ما فِيهِ ووُقُوعِهِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ قائِمَةٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ وهي في الحَقِيقَةِ دَلِيلُ الجَوابِ المَحْذُوفِ أيْ فَلْيُبادِرْ ما يُنْفِقُهُ مِنِ امْتِثالِ الأوامِرِ واجْتِنابِ المَناهِي أوْ فَلْيُبادِرْ ما يُحَقِّقُ أمَلَهُ ويُصَدِّقُ رَجاءَهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُلائِمُ الشَّرْطَ فَتَدَبَّرْ.
وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هي الجَوابَ عَلى أنَّ المُرادَ بِها المَعْنى المُلائِمَ لِلشَّرْطِ كَما ذُكِرَ ﴿ وهُوَ السَّمِيعُ ﴾ جَلَّ شَأْنُهُ لِأقْوالِ العِبادِ ﴿ العَلِيمُ ﴾ بِأحْوالِهِمْ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والعَقائِدِ والصِّفاتِ الباطِنَةِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِتَحْقِيقِ حُصُولِ المَرْجُوِّ والمُخَوِّفِ وعْدًا ووَعِيدًا <div class="verse-tafsir"
ثم قال: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني: الشرك والمعاصي أَنْ يَسْبِقُونا يعني: أن يفوتونا.
ويقال: يعجزونا.
ويقال: يهربوا منا فلا نجازيهم ساءَ مَا يَحْكُمُونَ يعني: بئس ما يقضون لأنفسهم.
قال الكلبي: نزلت في عتبة وشيبة والوليد بن عتبة بارزوا يوم بدر، فبارزهم من المسلمين: علي، وحمزة، وعبيدة بن الحارث، فنزل في شأن مبارزي المسلمين مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ يعني: الآخرة لكائن وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ السَّمِيعُ لمقالتهم الْعَلِيمُ بهم وبأعمالهم.
وقوله عز وجل: وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ يعني: علي بن أبي طالب وصاحبيه م إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ يعني: عن نصرة العالمين يوم بدر.
ويقال: نزلت في جميع المسلمين مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ أي: يخاف الآخرة ويقال: يخاف الموت، فيستعد للآخرة والموت بالعمل الصالح فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ يعني: كائن وَهُوَ السَّمِيعُ لدعائهم، الْعَلِيمُ بأمر الخلق.
وَمَنْ جاهَدَ يعني: عمل الخيرات، فإنما يجاهد لِنَفْسِهِ يعني: ثوابه لنفسه إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ يعني: عن أعمالهم، فإنما ثوابهم لأنفسهم.
ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ أي: لنمحون عنهم سَيِّئاتِهِمْ يعني: ذنوبهم وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ.
يعني: لنثيبنهم أحسن الذي كانوا يعملون، يعني: أفضل من أعمالهم، ويقال: لَنَجْزِيَنَّهُمْ بأحسن أعمالهم الذي كانوا يَعْمَلُونَ في الدنيا.
قوله عز وجل: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً يعني: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن، يعني: براً بهما.
وقال الكلبي: نزلت الآية في سعد بن أبي وقاص، لما أسلم قالت له أمه: يا سعد بلغني أنك صبوت إلى دين محمد، فو الله لا يظلني سقف بيت، وإن الطعام والشراب علي حرام حتى تكفر بمحمد، وترجع إلى دينك الذي كنت عليه، فأبى عليها ذلك، فثبتت على حالها لا تطعم ولا تشرب، ولا تسكن بيتاً، فلما خلص إليها الجوع لم تجد بداً من أن تأكل وتشرب، فحثّ عز وجل الله سعدا بالبر إلى أمه، ونهاه أن يطيعها على الشرك فقال: وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ حجة، يعني: الشرك فَلا تُطِعْهُما في الشرك، ثم حذّره ليثبت على الإسلام فقال: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ يعني: مصيركم في الآخرة فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: أخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من خير أو شر، وأثيبكم على ذلك.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ٦١ أ/ وصلّى الله على سيّدنا ومولانا محمّد وآله
تفسير «سورة العنكبوت»
وهي مكّيّة إلا الصدر منها العشر الآيات فإنها مدنية نزلت في شأن من كان من المسلمين بمكة هذا أصحّ ما قيل هنا والله تعالى أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: الم تقدم الكلام على هذه الحروف.
وقوله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ نزلت هذه الآيةُ في قوم من المؤمنينَ بمكةَ وكان كفار قريش يؤذونهم، ويعذبونهم على الإسلام، فكانت صدورهم تضيق لذلك وربما استنكر بعضهم أن يُمَكِّنَ اللهُ الكفرةَ من المؤمنين.
قال مجاهد وغيره: فنزلت هذه الآيةُ مسليةً، ومعلمةً أن هذه هي سيرة الله في عباده اختباراً للمؤمنين، ليعلم الصادقَ من الكاذِبَ «١» ، و «حِسبَ» بمعنى «٢» : ظَنَّ.
والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يريد بهم: المؤْمنين مع الأنبياء في سالف الدّهر.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في آخِرِ (الكَهْفِ) ﴿ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لآتٍ ﴾ يَعْنِي الأجَلَ المَضْرُوبَ لِلْبَعْثِ؛ والمَعْنى: فَلْيَعْمَلْ لِذَلِكَ اليَوْمِ ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ ﴾ لِما يَقُولُ ﴿ العَلِيمُ ﴾ بِما يَعْمَلُ.
﴿ وَمَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ ﴾ أيْ: إنَّ ثَوابَهُ إلَيْهِ يَرْجِعُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ أيْ: لَنُبْطِلَنَّها حَتّى تَصِيرَ بِمَنزِلَةِ ما لَمْ يُعْمَلُ ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أيْ: بِأحْسَنِ أعْمالِهِمْ، وهو الطّاعَةُ، ولا نَجْزِيهِمْ بِمَساوِئِ أعْمالِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ ﴿ مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللهِ فَإنَّ أجَلَ اللهِ لآتٍ وهو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ وَمَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عنهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ "أمْ" مُعادِلَةٌ لِلْألِفِ في قَوْلِهِ: "أحَسِبَ"، وكَأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَرَّرَ الفَرِيقَيْنِ، قَرَّرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم لا يُفْتَنُونَ، وقَرَّرَ الكافِرِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ بِتَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم يَسْبِقُونَ عِقابَ اللهِ تَعالى ويُعْجِزُونَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ ﴾ -وَإنْ كانَ الكَفّارُ المُرادَ الأوَّلَ بِحَسْبِ النازِلَةِ الَّتِي الكَلامُ فِيها- فَإنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَعُمْ كُلَّ عاصٍ وعامِلِ سَيِّئَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، فَهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: ساءَ حُكْمًا يَحْكُمُونَهُ.
وفي هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ، وتَأْنِيسٌ لِلْمُؤْمِنِينَ يَظْهَرُ في وعْدِهِ بِالنَصْرِ في القِيامَةِ، وبِأنَّهُ آتٍ؛ إذْ قَدْ أجَّلَهُ اللهُ تَعالى وأخْبَرَ بِهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿ مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللهِ ﴾ تَثْبِيتٌ، أيْ: مَن كانَ عَلى هَذا الحَقِّ فَلْيُوقِنْ بِأنَّهُ آتٍ ولْيَزْدَدْ بَصِيرَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "يَرْجُو" هُنا بِمَعْنى: يَخافُ، والصَحِيحُ أنَّ الرَجاءَ هُنا عَلى بابِهِ، وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: لِقاءَ ثَوابِ اللهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ مَعْناهُ: لِأقْوالِ كُلِّ فُرْقَةٍ، العَلِيمُ بِالمُعْتَقَداتِ الَّتِي لَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مُجازى بِفِعْلِهِ الحَسَنِ، فَهو حَظُّهُ الَّذِي يَنْبَغِي ألّا يُفَرِّطَ فِيهِ، فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عن جِهادِهِ وعَنِ العالَمِينَ بِأسْرِهِمْ.
وهاتانِ الآيَتانِ كَأنَّهُما [.....] عَلى سَواءٍ إلى الطائِفَةِ المُرْتابَةِ المُتَرَدِّدَةِ في فِتْنَةِ الكَفّارِ، الَّتِي كانَتْ تُنْكِرُ أنْ يَنالَ الكُفّارُ المُؤْمِنِينَ بِمَكْرُوهٍ، وتَرْتابُ مِن أجْلِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهم قِيلَ لَهُمْ: مَن كانَ يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ فَإنَّ الأمْرَ حُقٌّ في نَفْسِهِ، واللهُ تَعالى بِالمِرْصادِ، أيْ: هَذِهِ بَصِيرَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَعْتَقِدَها لِوَجْهِ أحَدٍ.
وكَذَلِكَ مَن جاهَدَ فَثَمَرَةُ جِهادِهِ لَهُ، فَلا يَمُنُّ بِذَلِكَ عَلى أحَدٍ، وهَذا كَما يَقُولُ المُناظِرُ عِنْدَ سَوْقِ حُجَّتِهِ: مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى الحَقِّ فَإنَّ الأمْرَ كَذا وكَذا، ونَحْوُ هَذا فَتَأمَّلْهُ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: ومَن جاهَدَ عَدُّوَّهُ لِنَفْسِهِ لا يُرِيدُ وجْهَ اللهِ، فَإنَّما جِهادُهُ لِنَفْسِهِ لا لِلَّهِ تَعالى، ولَيْسَ لِلَّهِ بِجِهادِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةُ، إخْبارٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ هم في أعْلى رُتْبَةٍ مِنَ البِدارِ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، أشادَ بِهِمْ عَزَّ وجَلَّ وبِحالِهِمْ لِيُقِيمَ بِهِمْ نُفُوسَ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الهِجْرَةِ، وهُمُ الَّذِينَ فَتَنَهُمُ الكُفّارُ إلى الحُصُولِ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ، و"السَيِّئَةُ": الكُفْرُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ المَعاصِي مِنَ المُؤْمِنِينَ مَعَ الأعْمالِ الصالِحَةِ واجْتِنابِ الكَبائِرِ، وفي قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ ﴾ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ثَوابَ أحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ.
<div class="verse-tafsir"
هذا مسوق للمؤمنين خاصة لأنهم الذين يرجون لقاء الله، فالجملة مفيدة التصريح بما أومأ إليه قوله ﴿ أن يسبقونا ﴾ [العنكبوت: 4] من الوعد بنصر المؤمنين على عدوّهم مبينة لها ولذلك فصلت.
ولولا هذا الوقع لكان حق الإخبار بها أن يجيء بواسطة حرف العطف.
ورجاء لقاء الله: ظنّ وقوع الحضور لحساب الله.
و ﴿ لقاء الله ﴾ : الحشر للجزاء لأن الناس يتلقون خطاب الله المتعلق بهم، لهم أو عليهم، مباشرة بدون واسطة، وقد تقدم في قوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ﴾ [البقرة: 46] وقوله ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ في سورة [البقرة: 223].
و ﴿ أجل الله ﴾ يجوز أن يكون الوقت الذي عينه الله في علمه للبعث والحساب فيكون من الإظهار في مقام الإضمار، ومقتضى الظاهر أن يقال: فإنه لآتتٍ فعدل إلى الإظهار كما في إضافة ﴿ أجل ﴾ إلى اسم الجلالة من الإيماء إلى أنه لا يخلف.
والمقصود الاهتمام بالتحريض على الاستعداد.
ويجوز أن يكون المراد ب ﴿ أجل الله ﴾ الأجل الذي عيَّنه الله لنصر المؤمنين وانتهاء فتنة المشركين إياهم باستئصال مساعير تلك الفتنة، وهم صناديد قريش وذلك بما كان من النصر يوم بدر ثم ما عقبه إلى فتح مكة فيكون الكلام تثبيتاً للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين حين استبطأ المؤمنون النصر للخلاص من فتنة المشركين حتى يعبدوا الله لا يفتنوهم في عبادته.
والمعنى عليه: إن كنتم مؤمنين بالبعث إيقاناً ينبعث من تصديق وعد الله به فإن تصديقكم بمجيء النصر أجدر لأنه وعدكم به، ف ﴿ من ﴾ شرطية، وجعل فعل الشرط فعل الكون للدلالة على تمكن هذ الرجاء من فاعل فعل الشرط.
ولهذا كان قوله ﴿ فإن أجل الله لآت ﴾ جواباً لقوله ﴿ من كان يرجو لقاء الله ﴾ باعتبار دلالته على الجواب المقدر ليلتئم الربط بين مدلول جملة الشرط ومدلول جملة الجزاء.
ولولا ذلك لاختلّ الربط بين الشرط والجزاء إذ يفضي إلى معنى من لم يكن يرجو لقاء الله فإن أجل الله غير آتتٍ.
وهذا لا يستقيم في مجاري الكلام فلزم تقدير شيء من باب دلالة الاقتضاء.
وتأكيد جملة الجزاء بحرف التوكيد على الوجه الأول للتحريض والحث على الاستعداد للقاء الله، وعلى الوجه الثاني لقصد تحقيق النصر الموعود به تنزيلاً لاستبطائه منزلة التردد لقصد إذكاء يقينهم بما وعد الله ولا يوهنهم طول المدة الذي يضخمه الانتظار.
وبهذا يظهر وقع التذييل بوصفي ﴿ السميع العليم ﴾ دون غيرهما من الصفات العُلَى للإيماء بوصف ﴿ السميع ﴾ إلى أن الله تعالى سمع مقالة بعضهم من الدعاء بتعجيل النصر كما أشار إليه قوله تعالى ﴿ وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر الله ﴾ [البقرة: 214].
وكقول النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم أنججِ عياش بن أبي ربيعة اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم أنج سلمة بن هشام اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف».
والإيماء بوصف ﴿ العليم ﴾ إلى أن الله علم ما في نفوسهم من استعجال النصر ولو كان المراد من ﴿ أجل الله ﴾ الموتَ لَمَا كان وجه للإعلام بإتيانه بَلْهَ تأكيده، وكذا لو كان المراد منه البعث لكان قوله ﴿ من كان يرجو لقاء الله ﴾ كافياً، فهذا وجه ما أشارت إليه الآيات بالمنطوق والاقتضاء، والعدول بها عن هذا المهيع وإلى ما في «الكشاف» و«مفاتيح الغيب» أخذاً من كلام أبي عبيدة تحويل لها عن مجراها وصرف كلمة الرجاء عن معناها وتفكيك لنظم الكلام عن أن يكون آخذاً بعضه بحُجز بعض.
وإظهار اسم الجلالة في جملة ﴿ فإن أجل الله لآت ﴾ مع كون مقتضى الظاهر الإضمار لتقدم اسم الجلالة في جملة الشرط ﴿ من كان يرجو لقاء الله ﴾ لئلا يلتبس معاد الضمير بأن يُعاد إلى ﴿ من ﴾ إذ المقصود الإعلام بأجل مخصوص وهو وقت النصر الموعود كما في قوله تعالى ﴿ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون ﴾ [سبأ: 29، 30].
وعبّر بفعل الرجاء عن ترقب البعث لأن الكلام مسوق للمؤمنين وهم ممن يرجو لقاء الله لأنهم يترقبون البعث لما يأملون من الخيرات فيه.
قال بلال رضي الله عنه حين احتضاره متمثلاً بقول بعض الأشعريين الذين وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم: غداً ألقَى الأحبهْ *** محمداً وصحبهْ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَن كانَ يَخْشى لِقاءَ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: مَن كانَ يُؤَمِّلُ.
وَفِي ﴿ لِقاءَ اللَّهِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ثَوابُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: البَعْثُ إلَيْهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
﴿ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لآتٍ ﴾ يَعْنِي الجَزاءَ في القِيامَةِ فاسْتَعِدُّوا لَهُ.
﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ ﴾ لِمَقالَتِكم.
﴿ العَلِيمُ ﴾ بِمُعْتَقَدِكم.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ من كان يرجو لقاء الله ﴾ قال: من كان يخشى البعث في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ ﴾ أي: يخاف البعث والحساب.
قاله المفسرون (١) (٢) ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ .
وقال سعيد بن جبير: من كان يطمع في ثواب الله (٣) (٤) ﴿ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد يوم القيامة (٥) وقال صاحب النظم: هذا مقتص من قوله: ﴿ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ والأجل المسمى (٦) ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ قال ابن عباس: لقولكم ﴿ الْعَلِيمُ ﴾ بما في الدنيا العلم به.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3034، عن سعيد بن جبير، والسدي، بلفظ: يخشى.
وهو قول أبي عبيدة، مجاز القرآن 2/ 113.
وقال ابن قتيبة: يخافه، "غريب القرآن" 337.
وهو قول ابن جرير 20/ 130.
والثعلبي 8/ 156 أ.
(٢) "تفسير مقاتل" 70 ب.
(٣) "تفسير الثعلبي" 8/ 156 أ، بنصه، وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3034، بلفظ: من كان يخشى، وبلفظ: البعث في الآخرة، وبلفظ: ثواب ربه.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 160، وقد رد على من قال بأن معنى الرجاء هنا الخوف فقال: فأما من قال: إن معناه الخوف، فالخوف ضد الرجاء، وليس في الكلام ضد.
(٥) "تفسير مقاتل" 70 ب.
(٦) المسمى، من نسخة: (أ).
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ الله ﴾ الآية: تسلية المؤمنين، ووعد لهم بالخير في الدار الآخرة، والرجاء هنا على بابه، وقيل: هو بمعنى الخوف، ﴿ أَجَلَ الله ﴾ هو الموت، ومعنى الآية: من كان يرجو ثواب الله فليصبر وفي الدنيا، على المجاهدة في طاعة الله حتى يلقى الله، فيجازيه فإن لقاء الله قريب الإتيان، وكل ما هو آتٍ قريب.
<div class="verse-tafsir"
الوقوف: ﴿ الم ﴾ كوفي.
﴿ لا يفتنون ﴾ ه ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ يسبقونا ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ج ﴿ لآت ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ فلا تطعهما ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ كعذاب الله ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المنافقين ﴾ ه ﴿ خطاياكم ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ مع أثقالهم ﴾ ط فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين.
﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ عاماً ﴾ ط لحق الحذف اي فلم يؤمنوا فأخذهم ﴿ الطوفان ﴾ ط ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه.
التفسير: إنه لما قال في خواتيم السور المتقدمة ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد ﴾ أي إلى مكة ظاهراً ظافراً، وكان في ذلك الرد من احتمال مشاق الحوادث ما كان قال بعده ﴿ ألم أحسب الناس ﴾ إلى قوله ﴿ وهم لا يفتنون ﴾ بالجهاد أو نقول: لما أمر بالدعاء إلى الدين القويم في قوله ﴿ وادع إلى ربك ﴾ وكان دونه من المتاعب وأعباء الرسالة مالا يخفى، بدا السورة بما يهوّن على النفس بعض ذلك.
وايضاً لما بين أن كل هالك له رجوع إليه، ردّ على منكري الحشر بأن الأمر ليس على ما حسبوه ولكنهم يكلفون في دار الدنيا ثم يرجعون إلى مقام الجزاء والحساب.
قال أهل البرهان: وقوع الاستفهام بعد "ألم" يدل على استقلالها وانقطاعها عما بعدها في هذه السورة وفي غيرها من السور.
وفي تصدير السورة بأمثال هذه الحروف تنبيه للمخاطب وإيقاظ له من سنة الغفلة كما يقدم لذلك كلام له معنى مفهوم كقول القائل: اسمع وكن لي.
ولا يقدم إلا إذا كان في الحديث شأن وبالخطاب اهتمام، ولهذا ورد بعد هذه الحروف ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن الذي لا يخفى غناؤه والاهتمام بشأنه كقوله ﴿ الم ذلك الكتاب ﴾ ﴿ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب ﴾ ﴿ المص كتاب أنزل إليك ﴾ ﴿ يس والقرآن ﴾ ﴿ ص والقرآن ﴾ ﴿ الم تنزيل الكتاب ﴾ إلا ثلاث سور: ﴿ كهيعص ﴾ ﴿ الم أحسب الناس ﴾ } { ﴿ الم غلبت الروم ﴾ ولا يخفى أن ما بعد حروف التهجي فيها من الأمور العظام التي يحق أن ينبه عليها بيانه في هذه السورة أن القرآن ثقله وعبؤة بما فيه من التكاليف، وبيانه في سورة مريم ظاهر، لأن خلق الولد فيما بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر معجز.
وكذا الإخبار عن غلبة الروم قبل وقوعها.
ومعنى الآية راجع إلى أن الناس لا يتركون بمجرد التلفظ بكلمة الإِيمان بل يؤمرون بأنواع التكاليف.
واختلفوا في سبب نزولها فقيل: نزلت في عمار بن ياسر والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وكانوا يعذبون بمكة.
وقيل: نزلت في أقوام هاجروا وتبعهم الكفار فاستشهد بعضهم ونجا الباقون.
وقيل: في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب وهو أول قتيل من المسلمين، رماه عامر بن الحضرمي يوم بدر فقال رسول الله : سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة.
قال جار الله: مفعولا الحسبان الترك وعلته والتقدير أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا.
قال: والترك بمعنى التصيير.
فقوله ﴿ وهم لا يفتنون ﴾ حال سدّ مسدّ ثاني مفعوليه.
وقال آخرون: تقديره أحسبوا أنفسهم متروكة غير مفتونين لأن ﴿ قالوا آمنا ﴾ وأقول: إن من خواص "أن" مع الفعل و"أن" مع جزأيه سدّها مسدّ مفعولي أفعال القلوب، والحكم بأن الترك ههنا بمعنى التصيير غير لازم يؤيد ما ذكرناه من المعنيين قوله في موضع آخر ﴿ أم حسبتم أن تتركوا ﴾ والفتنة الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان وكل ما يحب ويستلذ، ومن ملاقاة الأعداء والمصابرة على أذاهم وسائر ما تكرهه النفس.
والتحقي أن المقصود من خلق البشر هو العبادة الخالصة لله.
فإذا قال باللسان: آمنت فقد ادعى طاعة الله بالجنان فلا بدّ له من شهود وهو الإتيان بالأركان، وإذا حصل الشهود فلا بدلا له من مزك وهو بذل النفس والمال في سبيل الرحمن.
فمعنى الآية: أحسبوا أن يقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهود بلا مزك؟
أو المراد أحسبوا أن يتركوا في أول المقامات لا بل ينقلون إلى أعلى الدرجات وهو مقام الإخلاص والقربات؟
ثم مثل حال هؤلاء بحال السلف منهم قائلاً ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم ﴾ أراد كذلك فعل الله بمن قبلهم لم يتركهم بمجرد قولهم "آمنا"، بل أمرهم بالطاعات وزجرهم عن المنهيات.
وقوله ﴿ فليعلمن الله ﴾ كقوله ﴿ وليعلم الله ﴾ وقد مر تحقيقه في "آل عمران".
والحاصل أن التجدد يرجع إلى المعلوم لا إلى العالم ولا إلى العلم، وذلك لأن الأول زماني دون الأخيرين.
وأما عبارات المفسرين فقال مقاتل: فليرين الله وليظهرن الله.
وقيل: فليميزن، وجوز جار الله أن يكون وعداً ووعيداً كأنه قال: وليبينن الذي صدقوا وليعاقبن الكاذبين.
قال الإمام فخر الدين الرازي: في وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام في أول إيجاب التكليف وعن قوم مستديمي الكفر مستمرين عليه، فقال في حق الأوّلين ﴿ الذين صدقوا ﴾ بصيغة الفعل المنبئ عن التجدد، وقال في حق الآخرين ﴿ وليعلمن الكاذبين ﴾ بالصيغة المنبئة عن الثبات.
وإنما قال ﴿ يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ بلفظ اسم الفاعل لأن الصدق يومئذ قد يرسخ في قلوب المؤمنين بخلاف أوائل الإِسلام.
ثم بين بقوله ﴿ أم حسب الذين ﴾ الخ.
أن من كلف بشيء ولم يمتثل عذب في الحال وإلا يعذب في الاستقبال نظيره قوله ﴿ ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا ﴾ والحاصل أن الإمهال لا يوجب الإهمال، والتعجيل في جزاء الأعمال إنما يوجد ممن يخاف الفوت لولا الاستعجال.
ومعنى الإضراب أن هذا الحسبان أشنع من الحسبان الأول، لأن ذلك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ والمخصوص محذوف و"ما" موصولة أو مبهمة والتقدير: بئس الذي يحكمون حكمهم هذا، وبئس حكماً يحكمونه حكمهم هذا.
وفي الآية إبطال قول من ذهب إلى أن التكاليف إرشادات وإلا يعاد عليها ترغيب وترهيب ولا يوجب من الله تعذيب.
واعلم أن أصول الدين ثلاثة: معرفة المبدأ وأشار إليه بقوله ﴿ آمنا ﴾ ، ومعرفة الوسط وهو إرسال الرسل.
وإيضاح السبل وإليه أشار بقوله ﴿ وهم لا يفتنون ولقد فتنا ﴾ ومعرفة المعاد إما للأشقياء وهو قوله ﴿ الم أحسب ﴾ الآية وإما للسعداء وهو قوله ﴿ من كان يرجو ﴾ أي يأمل ﴿ لقاء ﴾ جزاء ﴿ الله فإن أجل الله لآت ﴾ فإن أراد بالأجل الموت ففيه إشارة إلى بقاء النفس بعد فراق البدن، فلولا البقاء لما حصل اللقاء كقولك: من كان يرجو الخير فإن السلطان واصل.
فإِنه لا يفهم منه إلا إيصال الخير بوصوله.
ومثله: من كان يرجو لقاء الملك فإن يوم الجمعة قريب.
إذا علم أنه يقعد للناس يوم الجمعة.
ويحتمل أن يراد بالأجل الوقت المضروب للحشر.
وقيل: يرجو بمعنى يخاف من قول الهذلي: إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها *** ﴿ وهو السميع ﴾ لأقوال العباد صدقوا أم كذبوا ﴿ العليم ﴾ بنياتهم وطوياتهم وبسائر أعمالهم فيجازيهم بالمسموع ما لا أذن سمعت، وبالمرئي مالا عين رأت وبالنيات مالا خطر على قلب بشر.
ثم بين بقوله ﴿ ومن جاهد ﴾ الآية.
أن فائدة التكاليف والمجاهدات إنما ترجع إلى المكلف والله غني عن كل ذلك.
قال المتكلمون من الأشاعرة: في الآية دلالة على ان رعاية الأصلح لا تجب على الله وإلا كان مستكملاً بذلك، وأن أفعاله لا تعلل بغرض لأن ذلك خلاف الغني، وأنه ليس في مكان وإلا لزم افتقاره، وأنه ليس قادريته بقدرة ولا عالميته بعلم لأن القدرة والعلم غيره فيلزم افتقاره.
ويمكن أن يجاب عن الأول بأن وجوب صدور الأصلح عنه لمقتضى الحكمة لا يوجب الاستكمال.
وعن الثاني بأن استتباع الفائدة لا يوجب افتقار المفيد.
وعن الثالث أن استصحاب المكان غير الافتقار إليه.
وعن الرابع أن العالم هو ما يغاير ذات الله مع صفاته.
وفي الآية بشارة من وجه وإنذار من وجه آخر، وذلك أن الاستغناء عن الكل يوجب غناه عن تعذيب كل فاجر كما أنه يمكن أن يهلك كل صالح ولا شيء عليه إلا أنه رجح جانب البشارة بقوله ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية وقد مر مراراً أن الإيمان في الشرع عبارة عن التصديق بجميع ما قال الله وقال رسول الله تفصيلاً فيما علم وإجمالاً فيما لم يعلم، والعمل الصالح هو الذي ندب الله ورسوله إليه، والفاسد ما نهى الله ورسوله عنه.
وعند المعتزلة الأمر والنهي مترتب على الحسن والقبح.
ثم العمل الصالح باق لأنه في مقابلة الفاسد والفاسد هو الهالك التالف.
يقال: فسد الزرع إذا خرج عن حد الانتفاع.
ولكن العمل عرض لا يبقى بنفسه ولا بالعامل لأن كل شيء هالك إلا وجهه، فبقاؤه إنما يتصور إذا كان لوجه الله.
ومنه يعلم أن النية شرط في الأعمال الصالحة وهي كونها لله .
وخالف زفر في نية الصوم وأبو حنيفة في نية الوضوء، وقد مر.
ثم إنه ذكر في مقابلة الإيمان والعمل الصالح أمرين: تكفير السيئات والجزاء بالأحسن.
فتكفير السيئات في مقابلة الإيمان، والجزاء بالأحسن في مقابلة العمل الصالح، ومنه يعلم أن الإيمان يقتضي عدم الخلود في النار لأن الذي كفر سيئاته يدخل الجنة لا محالة، فالجزاء الأحسن يكون غير الجنة وهو مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا يبعد أن يكون هو الرؤية عند من يقول بها.
وههنا بحث وهو أن قوله ﴿ لنكفرن ﴾ يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، فالمراد بالذين آمنوا وعملوا إما قوم مسلمون مذنبون، وإما قوم مشركون آمنوا فحط الإيمان ما قبله.
أو يقال إن وعد الجميع بأشياء لا يستدعي وعد كل واحد بكل واحد من تلك الأشياء، نظيره قول الملك لقوم: إذا أطعتموني أكرم آباءكم وأحترم أبناءكم.
وهذا لا يقتضي أن يكرم آباء من توفي ابوه ويحترم ابن من لم يولد له ابن، ولكن مفهومه أنه يكرم آباء من له أب ويحترم ابن من له ابن.
أو يقال: ما من مكلف إلا وله سيئة حتى الأنبياء، فإن ترك الأولى بالنسبة إليهم سيئة بل حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وحين بين حسن التكاليف ووقوعها وذكر ثواب من حقق التكاليف أصولها وفروعها اشار بقوله ﴿ ووصينا الإنسان ﴾ الآية إلى أنه لا دافع لهذه السيرة ولا مانع لهذه الطريقة فإن الإنسان إذا انقاد لأحد ينبغي أن ينقاد لأبويه، ومع هذا لو أمروه بالمعصية لا يجوز اتباعهم فكيف غيره؟
ومنه يعلم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ومعنى ﴿ وصينا ﴾ أمرنا كما مر في قوله ﴿ ووصى بها إبراهيم ﴾ وقوله ﴿ بوالديه ﴾ أي بتعهدهما ورعاية حقوقهما، وعلى هذا ينتصب ﴿ حسناً ﴾ بمضمر يدل عليه ما قبله أي أولهما حسناً أو افعل بهما حسناً كأنه قال: قلنا له ذلك وقلنا له ﴿ وإن جاهداك ﴾ إلى آخره فلو وقف على قوله ﴿ بوالديه ﴾ حسن ويجوز أن يراد وصيناه بإيتاء والديه حسناً وقلنا له ﴿ وإن جاهداك ﴾ وقوله ﴿ ما ليس لك به علم ﴾ كقوله ﴿ ما لم ينزل به عليكم سلطاناً ﴾ أي لا معلوم ليتعلق العلم به.
وإذا كان التقليد في الإيمان قبيحاً فكيف يكون حال التقليد في الكفر.
وعلى وجوب ترك طاعة الوالدين إذا ارادا ولدهما على الإشراك دليل عقلي، وذلك أن طاعتهما وجبت بأمر الله فإذا نفيا طاعة الله في الإشراك به فقد أبطلا طاعة الله مطلقاً، ويلزم منه عدم لزوم طاعة الوالدين بأمر الله، وكل ما يفضي وجوده إلى عدمه فهو باطل.
فطاعة الوالدين في اتخاذ الشرك بالله من الممتنعات.
وفي قوله ﴿ إليّ مرجعكم ﴾ ترغيب في رعاية حقوق الوالدين وترهيب عن عقوقهما وإن كانا كافرين إلا في الدعاء إلى الشرك.
وفيه أن المجازي للمؤمن والمشرك إذا كان هو الله وحده فلا ينبغي أن يعق الوالدين لأجل كفرهما.
وفي قوله ﴿ فأنبئكم ﴾ دليل على أنه عالم بالخفيات لا يعزب عنه شيء.
يروى أن سعد بن أبي وقاص الزهري حين اسلم قالت أمه وهي حمنة بنت أبي سفيان: يا سعد بلغني أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف بيت وإن الطعام والشراب عليّ حرام حتى تكفر بمحمد.
وكان أحب ولدها إليها فابى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فنزلت هذه الآية، فأمر رسول الله سعداً أن يداريها ويرضيها بالإحسان.
ثم أكد جزاء من آمن وعمل صالحاً بتكرير قوله ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ﴾ اي في زمرتهم ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ قال الحكماء: أي في المجردين الذين لا كون لهم ولا فساد فيدخل فيه العلويات عندهم.
ثم بين حال أهل النفاق بعد تقرير حال أهل الكفر والوفاق فقال ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله ﴾ يعني أنا والمؤمنون حقاً آمنا ادّعى أن إيمانه كإِيمانهم فأخبر أن إيمانه لا تحقيق له بدليل قوله ﴿ فإذا أوذي في الله ﴾ اي في سبيله ودينه ﴿ جعل فتنة الناس كعذاب الله ﴾ قال جار الله: أي جعل فتنة الناس صارفة عن الإيمان كما أن عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر، وهذا على التوهم أو كما يجب أن يكون عذاب الله صارفاً وهذا في الواقع.
وقيل: جزعوا من عذاب الناس كما جزعوا من عذاب الله.
وبالجملة معناه أنهم جعلوا فتنة الناس مع ضعفها وانقطاعها كعذاب الله الأليم الدائم حتى تردّدوا في الأمر وقالوا: إن آمنا نتعرض للتأذي من الناس، وذلك أنهم كانوا يمسهم أذى من الكفار، وإن تركنا الإِيمان نتعرض لما توعدنا به محمد فاختاروا الاحتراز عن التعرض العاجل ونافقوا.
وإنما قال ﴿ فتنة الناس ﴾ ولم يقل "عذاب الناس" لأن فعل العبد ابتلاء من الله.
وليس في الاية منع من إظهار كلمة الكفر إكراهاً، وإنما المنع من إظهارها مع مواطأة القلب التي كانوا عليها.
ومما يؤكد تذبذبهم قوله ﴿ ولئن جاء نصر من ربك ﴾ ويلزمه الغنيمة غالباً ﴿ ليقولن إنا كنا معكم ﴾ يعني دأب المنافق أنه إذا رأى اليد للكافر أظهر ما أضمر من الكفر، وإن كان النصر للمؤمن أضمر ما أضمر وأظهر المعية وادّعى التبعية.
وفي تخصيص اسم الرب بالمقام إشارة إلى أن التوبة والرحمة هي التي أوجبت النصر.
ثم أخبر أنه أعلم بما في صدور العالمين منهم بما في صدورهم، لأنه خبير بما بأنفسهم كما هي وهم لا يعرفون نفوسهم كما هي، فالتلبيس لا يفيد المنافق بالنسبة إلى الله شيئاً لأنه لا يجوز عليه الالتباس دليله قوله ﴿ وليعلمنّ الله الذين آمنوا وليعلمنّ المنافقين ﴾ وفيه وعد للمؤمنين ووعيد للمنافقين.
اعتبر أمر القلب ههنا وهو في المؤمن التصديق، وفي المنافق النفاق، واعتبر في أول السورة أمر اللسان وهو في الكافر الكذب لأنه يقول: الله غير موجود، أو الله أكثر من واحد.
وفي المؤمن الصدق لأنه يقول: الله واحد.
وحين بين أحوال الفرق الثلاثة وذكر أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى الكفر بالفتنة، وبين أن عذاب الله فوقها وكان للكافر أن يقول للمؤمن لم تصبر في الذل على الإيذاء ولم لا تدفع الذل والعذاب عن نفسك بموافقتنا، وكان جواب المؤمن أن يقول خوفاً من عذاب الله خطيئة مذهبكم فقالوا: لا خطيئة فيه، وإن كان فيه خطيئة فعلينا، اشار إلى جميع ذلك قوله ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ﴾ أرادوا وليجتمع هذا الأمران في الحصول أن تتبعوا طريقتنا وأن نحمل خطاياكم، نظيره "ليكن منك العطاء وليكن مني الدعاء" وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب ولكنه حكاية قول صناديد قريش.
كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فإِن عسى كان جزاء ومعاد فإنا نتحمل عنكم الإثم.
وترى نظيره في الإسلام يشجع أحدهم أخاه على ارتكاب بعض المآثم فيقول: افعل هذا وإثمه عليّ، وكم من مغرور بمثل هذا الضمان.
ثم أخبر الله عنهم بأنهم لا يحملون شيئاً من خطاياهم، ولا ريب أن هذا مخالف لما زعموا من أنهم يحملون أوزارهم فلهذا حكم الله عليهم بأنهم كاذبون.
ويجوز أن يكونوا كاذبين لأنهم وعدوا وفي قلوبهم نية الخلف.
ولا حاجة في توجيه تسميتهم كاذبين إلى التشبيه الذي ذكره في الكشاف.
أما الجمع بين قوله ﴿ وما هم بحاملين ﴾ وبين قوله ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ فهو أن النفي راجع إلى الحمل الذي يخفف عن صاحبه بسببه، والإثبات يرجع إلى انهم يحملون وزر الإضلال ووزر الضلال مع أن أتباعهم حاملون وزر الضلال كما قال عليه الصلاة والسلام "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء" قال ﴿ وليسئلن ﴾ سؤال تقريع ﴿ يوم القيمة عما كانوا يفترون ﴾ من أنه لا حشر، وعلى تقدير وجوده يحملون خطايا التابعين.
ثم أجمل قصة نوح ومن بعده تصديقاً لقوله في أول السورة ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم ﴾ وفيه تثبيت للنبي عليه الصلاة والسلام كأنه قيل له: إن نوحاً لبث الف سنة تقريباً يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك، وفيه تحذير لكفار قريش فإن أولئك الكفار ما نجوا من العذاب مع تلك الأعمار الطوال، فهؤلاء كيف يسلمون أم كيف يغترون؟
سؤال: ما الفائدة في قوله ﴿ ألف سنة إلا خمسين عاماً ﴾ دون أن يقول: تسعمائة وخمسين.
الجواب: لأن العبارة الثانية تحتمل التجويز والتقريب.
فإن من قال: عاش فلان ألف سنة يمكن أن يتوهم أنه يدعي ذلك تقريباً لا تحقيقاً.
فإذا قال: إلا شهراً أو إلا سنة، زال ذلك الوهم.
وأيضاً المقصود تثبيت النبي ، وذكر الألف الذي هو عقد معتبر أوصل إلى هذا الغرض.
وإنما جاء بالمميز في المستثنى مخالفاً لما في المستثنى منه تجنباً من التكرار الخالي عن الفائدة وتوسعة في الكلام.
قال بعض الأطباء: العمر الطبيعي للإِنسان مائة وعشرون سنة.
فاعترضوا عليهم بعمر نوح وغيره، وذلك أن المفسرين قالوا: عمر نوح الفاً وخمسين سنة بعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستين.
وعن وهب أنه عاش ألفاً واربعمائة سنة.
ويمكن أن يقال: إنهم ارادوا بالطبيعي ما كان أكثرياً في أعصارهم.
ولا ينافي هذا كون بعض الأعمار زائداً على هذا القدر بطريق خرق العادة على أن العادة قد تختلف باختلاف الأعصار والأدوار، ولهذا قال "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين" والطوفان ما عم كل المكان بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل.
وفي قوله ﴿ وهم ظالمون ﴾ دليل على أن العذاب أخذهم وهم مصرون على الظلم ولو كانوا قد تركوه لما أهلكهم.
والضمير في قوله ﴿ وجعلناها ﴾ إما للحادثة أو للقصة أو للسفينة.
وأعاجيب هذه القصة وأحوال السفينة وأهوالها قد تقدّمت مراراً ولا ريب أنها آيات يجب أن يستدل بها على موجدها.
التأويل: أقسم بفردانيته وبآلائه ونعمائه أنه مهما يكون من العبد التقرب إليه بأصناف العبودية يكون منه التقرب إلى العبد بالطاف الربوبية يؤكده قوله ﴿ أحسب الناس ﴾ أي الناسون من أهل البطالة أن يتركوار بمجرد الدعوى ولا يطالبون بالبلوى، فالمحبة والمحنة توأمان وبالامتحان يكرم الرجل أو يهان، فمن زاد قدر معناه زاد قدر بلواه.
فالبلاء للنفوس لإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في حسن العمل، والبلاء على القلوب لتصفيتها من شين الرين لقبول نقوش الغيب، والبلاء على الأرواح لتجردها بالبوائق عن العلائق، والبلاء على الأسرار في اعتكافها في مشاهدة الكشف بالصبر على آثار التجلي إلى أن تصير مستهلكة فيه بإفنائه، وإن أشدّ الفتن حفظ وجود التوحيد لئلا يجري عليه نكر في أوقات غلبات شواهد الحق فيظن أنه هو الحق لا يدري أنه من الحق ولا يقال: إنه الحق وعزيز من يهتدي إلى ذلك ﴿ أم حسب الذين ﴾ فيه أن موجبات عمل السيئات سواد مرآة القلوب بصدأ الحسبان ورين الكفران ليتوهموا ﴿ أن يسبقونا ﴾ بالعدوان عن طريق سنتنا في الانتقام من أهل الحال والإجرام.
﴿ ساء ما يحكمون ﴾ بالنجاة عن الدركات باتباع الشهوات هيهات هيهات.
﴿ من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت ﴾ فإن من رجى عمره في رجاء لقائنا فهو الذي نبيح له النظر إلى جمالنا ﴿ وهو السميع ﴾ لأنين المشتاقين العليم بطويات الصادقين.
ومن جاهد بالسعي في طلبنا فإنما يجاهد لنفسه لأنها بالتخلية عن الأخلاق الذميمة وبالتحلية بالصفات الحميدة تخلص عن الإمارية وتستأهل للمطمئنية فتستحق لجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ والذين آمنت قلوبهم بمحبتنا ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ ببذل الوجود في طلب جودنا ﴿ لنكفرن عنهم ﴾ سيئات وجودهم المجازي ﴿ ولنجزينهم ﴾ وجوداً حقيقياً أحسن منه ﴿ وإن جاهداك لتشرك بي ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذا تمسك بذيل شيخ كامل وتوجه إلى الحضرة بعزيمة من عزائم الرجال فإن منعه الوالدان عن ذلك فعليه أن لا يطيعهما لأنه سبب ولادته في عالم الأرواح وهما سبب ولادته في عالم الاشباح كما قال عيسى : لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين.
فهو احق برعاية الحقوق منهما.
﴿ جعل فتنة الناس كعذاب الله ﴾ فيه أن المؤمن من كف الأذى والولي من يتحمل من الخلق الأذى ولا تترشح عنه الشكوى من البلوى كالأرض يلقى عليها كل قبيح فينبت منها كل مليح.
والمنافق إذا لم يكن في حماية خشية الله يفترسه خوف الخلق إذا أوذي في الله.
﴿ وقال الذين كفروا ﴾ فيه أن كافر النفس وصفاته يقولون بلسان الطبيعة الإنسانية لموسى القلب والسر والروح وصفاتهم ﴿ اتبعوا سبيلنا ﴾ في طلب الشهوات الحيوانية ﴿ ولنحمل خطاياكم ﴾ أي ندفع عنكم ضرر ما يرجع إليكم في متابعة شهوات الدنيا وطيباتها ﴿ وما هم بحاملين ﴾ شيئاً ﴿ من خطاياهم ﴾ وهو العمى والصمم والبكم وسائر الصفات النفسانية، ولكن يحملون أثقالهم هذه الأوقات مع الآفات التي تختص بها والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ الۤـمۤ ﴾ : قد ذكرناه في غير موضع.
وقوله: ﴿ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ ﴾ .
قوله: ﴿ أَحَسِبَ ﴾ : هو وإن كان في الظاهر استفهاماً فهو على الإيجاب لا الاستخبار؛ إذ حقيقة الاستفهام والاستخبار إنما تكون ممن يجهل الأمور فيستخبر ويستفهم ليعرف ذلك، فالله يتعالى عن أن يخفى عليه شيء، فهو على التقرير والإيجاب منه لذلك.
ثم يخرج قوله: ﴿ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ ﴾ على أحد وجهين؛ [أحدهما] أي: قد حسب الناس.
والثاني: أي: لا يحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا: آمنا.
وقوله: ﴿ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا ﴾ : ذكر الإيمان ولم يذكره بمن؟
بالله أو بغيره؟
وليس أحد من الخلائق إلا وهو يؤمن بأحد ويكفر بغيره، وليس في الآية بيان الإيمان به أو بمن؟
إلا أن الله سخر الخلق على الفهم من الإيمان المطلق المرسل: الإيمان بالله وبرسله، وسخرهم حتى فهموا من الكتاب المطلق: كتاب الله، والدار الآخرة: الجنة، وأمثال ذلك ما فهموا من الكتاب المطلق: كان كتاب الله، وفهموا ما ذكرنا من الإيمان المطلق: الإيمان بالله وبرسله، وفهموا أيضاً من الدين المطلق: دين الله؛ فيكون قوله: ﴿ أَن يَقُولُوۤاْ ﴾ آمنا بالله أو برسله.
وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ﴾ أي: لا يبتلون، والفتنة: هي الابتلاء الذي فيه الشدة، يمتحن الله عباده باختلاف الأحوال: مرة بالضيق والشدة، ومرة بالسعة والرخاء وأنواع العبادات؛ ليكون ذلك علما للخلق في صدق الإيمان به والكذب به والكذب فيه، فيعرفوا صدق كل مخبر عن نفسه الإيمان بالله وكذبه؛ إذ قد يجوز أن يكون فيما يخبر ويقول: آمنت - كاذباً، فجعل الله للعلم في صدقهم وكذبهم أعمالا يظهر بها عنده صدقهم ما لو كان الابتلاء والامتحان بجهة لعله لا يظهر ذلك، وهو ما أخبر عن المنافقين فقال: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...
﴾ الآية [الحج: 11]، هذا يدل أن الفتنة هي المحنة التي فيها الشدة والبلاء، و[هو] ما قال: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ ، فإنما يظهر صدق الرجل في إيمانه بما يصيبه من الشدة، فأما السعة والرخاء فهو ما يوافق طبعه وهوى نفسه، فلا يظهر صدقه بما يوافق طبعه، وإنما يظهر ذلك بما يخالف طبعه ويثقل عليه تحمل ذلك.
ثم قال بعضهم: نزلت الآية في قوم أظهروا الإيمان باللسان، وأضمروا الخلاف والكذب.
وقال بعضهم: نزلت في قوم آمنوا بالله وبرسوله حقيقة، ثم عذبوا بأنواع العذاب؛ فتركوا الإيمان وكفروا به؛ وفيهم نزل: ﴿ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ ﴾ فكيفما كان ففيه أن من أقر بالإيمان وقبله، يمتحن بأنواع المحن بموافقة الطبع ومخالفته؛ ليظهر صدقه عند الناس فيعاملونه على ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ ﴾ : [ذكرنا] فيما تقدم أنه يعلم ظاهراً كائناً ما قد علمه غير كائن أنه يكون، وليعلمه موجوداً ما قد علمه غير موجود أنه يوجد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ : هذا أيضاً يخرج على وجهين: أحدهما: قد حسب الذين ...
ما ذكر.
والثاني: لا يحسب؛ على النهي.
وقوله: ﴿ أَن يَسْبِقُونَا ﴾ : لا أحد يقدر أن يسبق الله في عذابه ونقمته، لكنهم إذا رأوا الكافر والمسلم في هذه الدنيا على السواء في نعيمها وسعتها، ورأوا أيضاً عند الموت أنه لم ينزل على الكافر عذاب كالمسلم - ظنوا أن لا بعث وما ينبئهم باطلا ذلك ظن الذين كفروا حملهم ذلك على إنكار البعث؛ كقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ ﴾ حين خلقهما إذا لم يكن بعث باطلا، وهم قد علموا أن خلقه إياهما ليس بباطل، ولكن صير خلقهما إذا لم يكن بعث باطلا، فإذا أنكروا البعث ظنوا أن لا عذاب ولا جزاء، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ ﴾ : أضاف اللقاء إلى نفسه، وكذلك ما ذكر من المصير إليه لقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ ونحوه، هذا كله لأن خلق الدنيا وخلق العالم فيها لا لها، ولكن المقصود بخلقها وخلق العالم فيها الآخرة، فإنما صار خلق هذه الأشياء فيها حكمة بالآخرة؛ إذ لو لم يكن آخرة، كان خلق ما ذكر في هذه الدنيا لعباً باطلا؛ كقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] صير خلقهم لا للرجوع إليه لعباً باطلا.
وقوله: ﴿ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ : بما يقولون ويظهرون، والعليم بما يضمرون ويسرون؛ لأن القصة قصة المنافقين.
أو السميع المجيب العليم بحوائجهم وأمورهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ ، أي: فعليها.
ففي هذا: أن الله إنما امتحن الخلائق لا لحاجة له فيما امتحنهم من دفع مضرة أو جر نفع، لكن إنما امتحنهم لحاجة أنفسهم في دفع المضار وجر المنافع؛ وكذلك إنما أنشأ الدنيا وهذا العالم فيها لا لحاجة له في إنشاء ذلك، ولكن لحوائج أنفسهم، وكذلك ما أنشأ من الخلائق سوى البشر إنما أنشأ البشر وله سخر جميع ذلك، وجعل البشر بحيث يقدر على استعمال جميع ذلك لمنافع أنفسهم وحاجتهم، وهو ما ذكر في غير آي من القرآن حيث قال: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ ، وقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ ونحو ذلك؛ فعلى ذلك امتحن هذا العالم لحاجة أنفسهم في دفع مضار وجر نفع؛ لذلك قال: ﴿ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ﴾ أي: لحاجة نفسه ومنفعة نفسه، لا لمنفعة أو لحاجة لله .
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : هذا تفسير ما ذكر.
ثم المجاهدة تكون مرة مع الشيطان والجن، ومرة مع أعدائه من الإنس، ومرة مع هوى النفس، ومرة في أمر الدنيا، كل ذلك مجاهدة في الله؛ قال الله : ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ ، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
من كان يأمل لقاء الله يوم القيامة ليثيبه فليعلم أن الأجل الذي ضربه الله لذلك لآت قريبًا، وهو السميع لأقوال عباده، العليم بأفعالهم، لا يفوته منها شيء، وسيجازيهم عليها.
<div class="verse-tafsir" id="91.dj1bl"