الآية ٧ من سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ٧ من سورة العنكبوت

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 49 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧ من سورة العنكبوت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أخبر أنه مع غناه عن الخلائق جميعهم من إحسانه وبره بهم يجازي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أحسن الجزاء ، وهو أنه يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا ، ويجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ، فيقبل القليل من الحسنات ، ويثيب عليها ، الواحدة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، ويجزي على السيئة بمثلها أو يعفو ويصفح ، كما قال تعالى : ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) [ النساء : 40 ] ، وقال هاهنا : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) يقول تعالى ذكره: والذين آمنوا بالله ورسوله، فصحّ إيمانهم عند ابتلاء الله إياهم وفتنته لهم، ولم يرتدّوا عن أديانهم بأذى المشركين إياهم ( وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ) التي سلفت منهم في شركهم ( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ) يقول: ولنثيبنهم على صالحات أعمالهم في إسلامهم، أحسن ما كانوا يعملون في حال شركهم مع تكفيرنا سيئات أعمالهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ( والذين آمنوا ) أي صدقوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم أي لنغطينها عنهم بالمغفرة لهم .

ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون أي بأحسن أعمالهم وهو الطاعات ثم قيل : يحتمل أن تكفر عنهم كل معصية عملوها في الشرك ويثابوا [ ص: 302 ] على ما عملوا من حسنة في الإسلام ويحتمل أن تكفر عنهم سيئاتهم في الكفر والإسلام ويثابوا على حسناتهم في الكفر والإسلام .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يعني أن الذين منَّ اللّه عليهم بالإيمان والعمل الصالح، سيكفر اللّه عنهم سيئاتهم، لأن الحسنات يذهبن السيئات، { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } وهي أعمال الخير، من واجبات ومستحبات، فهي أحسن ما يعمل العبد، لأنه يعمل المباحات أيضا، وغيرها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ) لنبطلنها ، يعني : حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل .

والتكفير : إذهاب السيئة بالحسنة ( ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون ) أي : بأحسن أعمالهم وهو الطاعة .

وقيل : نعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن ، كما قال : " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " ( الأنعام - 160 ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم» بعمل الصالحات «ولنجزينهم أحسن» بمعنى: حسن ونصبه بنزع الخافض الباء «الذي كانوا يعملون» وهو الصالحات.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والذين صدَّقوا الله ورسوله، وعملوا الصالحات لنمحونَّ عنهم خطيئاتهم، ولنثيبنَّهم على أعمالهم الصالحة أحسن ما كانوا يعملون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وضح - سبحانه - ما أعده للمؤمنين الصادقين من ثواب جزيل فقال : ( والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ) أى : لنسترن عنهم سيئاتهم ، ولنزيلنها - بفضلنا وإحساننا - من صحائف أعمالهم .ثم بعد ذلك ( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) أى : ولنجزينهم بأحسن الجزاء على أعمالهم الصالحة التى كانوا يعملونها فى الدنيا ، بأن نعطيهم على الحسنة عشر أمثالها .قال الجمل ما ملخصه : قوله : ( والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات .

.

) يجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء ، والخبر جملة القسم المذحوف ، وجوابها أى : والله لنكفرن .

ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مضمر على الاشتغال .

أى : ونخلص الذين آمنوا من سيئاتهم .

.وقال ( أَحْسَنَ ) لأنه سبحانه إذا جازاهم بالأحسن ، جازاهم بما هو دونه .

فهو من التنبيه على الأدنى بالأعلى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما بين إجمالاً أن من يعمل صالحاً فلنفسه بين مفصلاً بعض التفصيل أن جزاء المطيع الصالح عمله فقال: ﴿ والذين ءامَنُواْ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنها تدل على أن الأعمال مغايرة للإيمان لأن العطف يوجب التغاير.

المسألة الثانية: أنها تدل على أن الأعمال داخلة فيما هو المقصود من الإيمان لأن تكفير السيئات والجزاء بالأحسن معلق عليها وهي ثمرة الإيمان، ومثال هذا شجرة مثمرة لا شك في أن عروقها وأغصانها منها، والماء الذي يجري عليها والتراب الذي حواليها غير داخل فيها لكن الثمرة لا تحصل إلا بذلك الماء والتراب الخارج فكذلك العمل الصالح مع الإيمان وأيضاً الشجرة لو احتفت بها الحشائش المفسدة والأشواك المضرة ينقص ثمرة الشجرة وإن غلبتها عدمت الثمرة بالكلية وفسدت فكذلك الذنوب تفعل بالإيمان.

المسألة الثالثة: الإيمان هو التصديق كما قال: ﴿ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا  ﴾ أي بمصدق واختص في استعمال الشرع بالتصديق بجميع ما قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل إن علم مفصلاً أنه قول الله أو قول الرسول أو على سبيل الإجمال فيما لم يعلم، والعمل الصالح عندنا كل ما أمر الله به صار صالحاً بأمره، ولو نهى عنه لما كان صالحاً فليس الصلاح والفساد من لوازم الفعل في نفسه، وقالت المعتزلة ذلك من صفات الفعل ويترتب عليه الأمر والنهي، فالصدق عمل صالح في نفسه ويأمر الله به لذلك، فعندنا الصلاح والفساد والحسن والقبح يترتب على الأمر والنهي، وعندهم الأمر والنهي يترتب على الحسن والقبح والمسألة بطولها في (كتب) الأصول.

المسألة الرابعة: العمل الصالح باق لأن الصالح في مقابلة الفاسد والفاسد هو الهالك التالف، يقال فسدت الزروع إذا هلكت أو خرجت عن درجة الانتفاع ويقال هي بعد صالحة أي باقية على ما ينبغي.

إذا علم هذا فنقول العمل الصالح لا يبقى بنفسه لأنه عرض، ولا يبقى بالعامل أيضاً لأنه هالك كما قال تعالى: ﴿ كُلُّ شَيء هَالِكٌ ﴾ فبقاؤه لابد من أن يكون بشيء باق، لكن الباقي هو وجه الله لقوله: ﴿ كُلُّ شَيء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ  ﴾ فينبغي أن يكون العمل لوجه الله حتى يبقى فيكون صالحاً، وما لا يكون لوجهه لا يبقى لا بنفسه ولا بالعامل ولا بالمعمول له فلا يكون صالحاً، فالعمل الصالح هو الذي أتى به المكلف مخلصاً لله.

المسألة الخامسة: هذا يقتضي أن تكون النية شرطاً في الصالحات من الأعمال وهي قصد الإيقاع لله، ويندرج فيها النية في الصوم خلافاً لزفر، وفي الوضوء خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله.

المسألة السادسة: العمل الصالح مرفوع لقوله تعالى: ﴿ والعمل الصالح يَرْفَعُهُ  ﴾ لكنه لا يرتفع إلا بالكلم الطيب فإنه يصعد بنفسه كما قال تعالى: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب  ﴾ وهو يرفع العمل فالعمل من غير المؤمن لا يقبل، ولهذا قدم الإيمان على العمل، وهاهنا لطيفة، وهي أن أعمال المكلف ثلاثة عمل قلبه وهو فكره واعتقاده وتصديقه، وعمل لسانه وهو ذكره وشهادته، وعمل جوارحه وهو طاعته وعبادته.

فالعبادة البدنية لا ترتفع بنفسها وإنما ترتفع بغيرها، والقول الصادق يرتفع بنفسه كما بين في الآية، وعمل القلب وهو الفكر ينزل إليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا ويقول هل من تائب والتائب النادم بقلبه»، وكذلك قوله عليه السلام: «يقول الله عز وجل أنا عند المنكسرة قلوبهم».

يعني بالفكرة في عجزه وقدرتي وحقارته وعظمتي ومن حيث العقل من تفكر في آلاء الله وجد الله وحضر ذهنه، فعلم أن لعمل القلب يأتي الله وعمل اللسان يذهب إلى الله وعمل الأعضاء يوصل إلى الله، وهذا تنبيه على فضل عمل القلب.

المسألة السابعة: ذكر الله من أعمال العبد نوعين: الإيمان والعمل الصالح، وذكر في مقابلتهما من أفعال الله أمرين تكفير السيئات والجزاء بالأحسن حيث قال: ﴿ لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ﴾ فتكفير السيئات في مقابلة الإيمان، والجزاء بالأحسن في مقابلة العمل الصالح، وهذا يقتضى أموراً الأول: المؤمن لا يخلد في النار لأن بإيمانه تكفر سيئاته فلا يخلد في العذاب الثاني: الجزاء الأحسن المذكور هاهنا غير الجنة، وذلك لأن المؤمن بإيمانه يدخل الجنة إذ تكفر سيئاته ومن كفرت سيئاته أدخل الجنة، فالجزاء الأحسن يكون غير الجنة وهو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا يبعد أن يكون هو الرؤية.

الأمر الثالث: هو أن الإيمان يستر قبح الذنوب في الدنيا فيستر الله عيوبه في الأخرى، والعمل الصالح يحسن حال الصالح في الدنيا فيجزيه الله الجزاء الأحسن في العقبى، فالإيمان إذن لا يبطله العصيان بل هو يغلب المعاصي ويسترها ويحمل صاحبها على الندم، والله أعلم.

المسألة الثامنة: قوله: ﴿ لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ ﴾ يستدعي وجود السيئات حتى تكفر ﴿ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ بأسرها من أين يكون لهم سيئة؟

فنقول: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن وعد الجميع بأشياء لا يستدعي وعد كل واحد بكل واحد من تلك الأشياء، مثاله: إذا قال الملك لأهل بلد إذا أطعتموني أكرم آباءكم واحترم أبناءكم وأنعم عليكم وأحسن إليكم، لا يقتضي هذا أنه يكرم آباء من توفى أبوه، أو يحترم ابن من لم يولد له ولد، بل مفهومه أنه يكرم أب من له أب، ويحترم ابن من له ابن، فكذلك يكفر سيئة من له سيئة الجواب الثاني: ما من مكلف إلا وله سيئة أما غير الأنبياء فظاهر، وأما الأنبياء فلأن ترك الأفضل منهم كالسيئة من غيرهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ  ﴾ .

المسألة التاسعة: قوله: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لنجزينهم بأحسن أعمالهم وثانيهما: لنجزينهم أحسن من أعمالهم.

وعلى الوجه الأول معناه نقدر أعمالهم أحسن ما تكون ونجزيهم عليها لا أنه يختار منها أحسنها ويجزي عليه ويترك الباقي، وعلى الوجه الثاني: معناه قريب من معنى قوله تعالى: ﴿ مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا  ﴾ وقوله: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا  ﴾ .

المسألة العاشرة: ذكر حال المسيء مجملاً بقوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات أَن يَسْبِقُونَا ﴾ إشارة إلى التعذيب مجملاً.

وذكر حال المحسن مجملاً بقوله: ﴿ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يجاهد لِنَفْسِهِ ﴾ ومفصلاً بهذه الآية، ليكون ذلك إشارة إلى أن رحمته أتم من غضبه وفضله أعم من عدله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

إما أن يريد قوماً مسلمين صالحين قد أساءوا في بعض أعمالهم وسيئاتهم مغمورة بحسناتهم فهو يكفرها عنهم، أي يسقط عقابها بثواب الحسنات ويجزيهم أحسن الذي كانوا يعملون، أي: أحسن جزاء أعمالهم: وإما قوماً مشركين آمنوا وعملوا الصالحات، فالله عز وجل يكفر سيئاتهم بأن يسقط عقاب ما تقدم لهم من الكفر والمعاصي ويجزيهم أحسن جزاء أعمالهم في الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمَن جاهَدَ ﴾ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ عَلى مَضَضِ الطّاعَةِ والكَفِّ عَنِ الشَّهَواتِ.

﴿ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ ﴾ لِأنَّ مَنفَعَتَهُ لَها.

﴿ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ فَلا حاجَةَ بِهِ إلى طاعَتِهِمْ، وإنَّما كَلَّفَ عِبادَهُ رَحْمَةً عَلَيْهِمْ ومُراعاةً لِصَلاحِهِمْ.

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ الكُفْرُ بِالإيمانِ والمَعاصِي بِما يَتْبَعُها مِنَ الطّاعاتِ.

﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أيْ أحْسَنَ جَزاءٍ أعْمالَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ} أي الشرك والمعاصي بالإيمان والتوبة {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي أحسن جزاء أعمالهم في الإسلام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ الكُفْرُ الأصْلِيُّ أوِ العارِضِيُّ بِالإيمانِ والمَعاصِي بِما يَتْبَعُها مِنِ الطّاعاتِ ﴿ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أيْ أحْسَنَ جَزاءِ أعْمالِهِمْ والجَزاءُ الحَسَنُ أنْ يُجازِيَ بِحَسَنَةٍ حَسَنَةً، وأحْسَنُ الجَزاءِ أنْ تُجازى الحَسَنَةُ الواحِدَةُ بِالعَشَرِ وزِيادَةٍ، وقِيلَ: لَوْ قُدِّرَ لَنَجْزِيَنَّهم بِأحْسَنِ أعْمالِهِمْ أوْ جَزاءَ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ لِإخْراجِ المُباحِ جازَ ﴿ ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ أيْ أمَرْناهُ بِتَعَهُّدِهِما ومُراعاتِهِما، وانْتَصَبَ حُسْنًا عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إيصاءً حُسْنًا أيْ ذا حُسْنٍ أوْ هو في حَدِّ ذاتِهِ حَسَنٌ لِفَرْطِ حُسْنِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا  ﴾ وهَذا ما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حَسَنًا مَفْعُولٌ بِهِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مُضافٍ إلى والِدَيْهِ أيْ وصَّيْناهُ بِإيتاءِ والِدَيْهِ أوْ بِإيلاءِ والِدَيْهِ حُسْنًا، وفِيهِ إعْمالُ المَصْدَرِ مَحْذُوفًا وإبْقاءُ عَمَلِهِ وهو لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حُسْنًا مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ أحْسَنَ حُسْنًا، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِـ وصّى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى القَوْلِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ القائِلِينَ بِأنَّ ما يَتَضَمَّنُ مَعْنى القَوْلِ يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ في الجُمَلِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ لِلْقَوْلِ، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ يُقَدَّرُ القَوْلُ في مِثْلِ ذَلِكَ وعَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ وجُمْلَةُ القَوْلِ مُفَسِّرَةٌ لِلتَّوْصِيَةِ أيْ قُلْنا أوَّلَهُما أوِ افْعَلْ بِهِما حُسْنًا، وعَلى هَذا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى بِوالِدَيْهِ لِاسْتِئْنافِ الجُمْلَةِ بَعْدَهُ، ورَجَّحَ تَقْدِيرَ الأمْرِ بِأنَّهُ أوْفَقُ لِما بَعْدَهُ مِنَ الخِطابِ والنَّهْيِ الَّذِي هو أخُوهُ لَكِنْ ضَعَّفَ ما فِيهِ كَثْرَةُ تَقْدِيرٍ بِكَثْرَةِ التَّقْدِيرِ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهم يَجْعَلُونَ حُسْنًا مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ ويُقَدِّرُونَ أنْ يَفْعَلَ حُسْنًا، وفِيهِ حَذْفُ أنْ وصِلَتِها وإبْقاءُ المَعْمُولِ وهو لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وقِيلَ: إنَّ حُسْنًا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ وبِوالِدَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِوَصَّيْنا والباءُ فِيهِ بِمَعْنى في أيْ وصَّيْنا الإنْسانَ في أمْرِ والِدَيْهِ بِحُسْنٍ وهو كَما تَرى، وقَرَأ عِيسى والجَحْدَرِيُّ «حَسَنًا» بِفَتْحَتَيْنِ وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ «إحْسانًا» ﴿ وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ ولا بُدَّ مِن إضْمارِ القَوْلِ إنْ لَمْ يُضْمَرْ قَبْلَ أيْ وقُلْنا: إنْ جاهَداكَ إلَخْ لِئَلّا يَلْزَمَ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ لِأنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ إذا كانَ جَوابُها إنْشاءً فَهي إنْشائِيَّةٌ كَما صَرَّحُوا بِهِ فَإذا لَمْ يُضْمَرِ القَوْلُ لا يَلِيقُ عَطْفُها عَلى وصَّيْنا لِما ذُكِرَ ولا عَلى ما عَمِلَ فِيهِ لِكَوْنِهِ في مَعْنى القَوْلِ وهو أحْسَنُ وإنْ تَوافَقا في الإنْشائِيَّةِ لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الوَصِيَّةِ بِالوالِدَيْنِ لِأنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْ مُطاوَعَتِهِما، وأمّا عَطْفُهُ عَلى قُلْنا المُفَسِّرِ لِلتَّوْصِيَةِ فَلا يَضُرُّ لِما فِيهِ مِن تَقْيِيدِها بِعَدَمِ الإفْضاءِ إلى المَعْصِيَةِ مَآلًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: أحْسِنْ إلَيْهِما وأطِعْهُما ما لَمْ يَأْمُراكَ بِمَعْصِيَةٍ فَتَأمَّلْ، والظّاهِرُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ أنَّ (ما) عامٌ لِما سِواهُ تَعالى شَأْنُهُ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (بِهِ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ما لَيْسَ لَكَ بِإلَهِيَّتِهِ عِلْمٌ، وتَنْكِيرُ عِلْمٌ لِلتَّحْقِيرِ.

والمُرادُ لِتُشْرِكَ بِي شَيْئًا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ إلَهًا ولا يَسْتَقِيمُ، وفي العُدُولِ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ إيذانٌ بِأنَّ ما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ ولَوْ إجْمالًا كَما في التَّقْلِيدِ لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ وإنْ لَمْ يُعْلَمْ بُطْلانُهُ فَكَيْفَ بِما عُلِمَ عَلى أتَمَّ وجْهٍ بُطْلانُهُ، وجَعَلَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ نَفْيَ العِلْمِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ المَعْلُومِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ هَذا الأُسْلُوبَ يُسْتَعْمَلُ غالِبًا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى نَحْوُ «أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ» ثُمَّ قالَ: وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ نَفْيَ الشِّرْكِ مِنَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ وأنَّ الفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ مَجْبُولَةٌ عَلَيْهِ عَلى ما ورَدَ ««كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ»» وذَلِكَ أنَّ المُخاطَبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني: الشرك والمعاصي أَنْ يَسْبِقُونا يعني: أن يفوتونا.

ويقال: يعجزونا.

ويقال: يهربوا منا فلا نجازيهم ساءَ مَا يَحْكُمُونَ يعني: بئس ما يقضون لأنفسهم.

قال الكلبي: نزلت في عتبة وشيبة والوليد بن عتبة بارزوا يوم بدر، فبارزهم من المسلمين: علي، وحمزة، وعبيدة بن الحارث، فنزل في شأن مبارزي المسلمين مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ يعني: الآخرة لكائن وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ السَّمِيعُ لمقالتهم الْعَلِيمُ بهم وبأعمالهم.

وقوله عز وجل: وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ يعني: علي بن أبي طالب وصاحبيه  م إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ يعني: عن نصرة العالمين يوم بدر.

ويقال: نزلت في جميع المسلمين مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ أي: يخاف الآخرة ويقال: يخاف الموت، فيستعد للآخرة والموت بالعمل الصالح فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ يعني: كائن وَهُوَ السَّمِيعُ لدعائهم، الْعَلِيمُ بأمر الخلق.

وَمَنْ جاهَدَ يعني: عمل الخيرات، فإنما يجاهد لِنَفْسِهِ يعني: ثوابه لنفسه إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ يعني: عن أعمالهم، فإنما ثوابهم لأنفسهم.

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ أي: لنمحون عنهم سَيِّئاتِهِمْ يعني: ذنوبهم وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ.

يعني: لنثيبنهم أحسن الذي كانوا يعملون، يعني: أفضل من أعمالهم، ويقال: لَنَجْزِيَنَّهُمْ بأحسن أعمالهم الذي كانوا يَعْمَلُونَ في الدنيا.

قوله عز وجل: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً يعني: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن، يعني: براً بهما.

وقال الكلبي: نزلت الآية في سعد بن أبي وقاص، لما أسلم قالت له أمه: يا سعد بلغني أنك صبوت إلى دين محمد، فو الله لا يظلني سقف بيت، وإن الطعام والشراب علي حرام حتى تكفر بمحمد، وترجع إلى دينك الذي كنت عليه، فأبى عليها ذلك، فثبتت على حالها لا تطعم ولا تشرب، ولا تسكن بيتاً، فلما خلص إليها الجوع لم تجد بداً من أن تأكل وتشرب، فحثّ عز وجل الله سعدا بالبر إلى أمه، ونهاه أن يطيعها على الشرك فقال: وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ حجة، يعني: الشرك فَلا تُطِعْهُما في الشرك، ثم حذّره ليثبت على الإسلام فقال: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ يعني: مصيركم في الآخرة فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: أخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من خير أو شر، وأثيبكم على ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ٦١ أ/ وصلّى الله على سيّدنا ومولانا محمّد وآله

تفسير «سورة العنكبوت»

وهي مكّيّة إلا الصدر منها العشر الآيات فإنها مدنية نزلت في شأن من كان من المسلمين بمكة هذا أصحّ ما قيل هنا والله تعالى أعلم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله تعالى: الم تقدم الكلام على هذه الحروف.

وقوله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ نزلت هذه الآيةُ في قوم من المؤمنينَ بمكةَ وكان كفار قريش يؤذونهم، ويعذبونهم على الإسلام، فكانت صدورهم تضيق لذلك وربما استنكر بعضهم أن يُمَكِّنَ اللهُ الكفرةَ من المؤمنين.

قال مجاهد وغيره: فنزلت هذه الآيةُ مسليةً، ومعلمةً أن هذه هي سيرة الله في عباده اختباراً للمؤمنين، ليعلم الصادقَ من الكاذِبَ «١» ، و «حِسبَ» بمعنى «٢» : ظَنَّ.

والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يريد بهم: المؤْمنين مع الأنبياء في سالف الدّهر.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في آخِرِ (الكَهْفِ) ﴿ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لآتٍ ﴾ يَعْنِي الأجَلَ المَضْرُوبَ لِلْبَعْثِ؛ والمَعْنى: فَلْيَعْمَلْ لِذَلِكَ اليَوْمِ ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ ﴾ لِما يَقُولُ ﴿ العَلِيمُ ﴾ بِما يَعْمَلُ.

﴿ وَمَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ ﴾ أيْ: إنَّ ثَوابَهُ إلَيْهِ يَرْجِعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ أيْ: لَنُبْطِلَنَّها حَتّى تَصِيرَ بِمَنزِلَةِ ما لَمْ يُعْمَلُ ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أيْ: بِأحْسَنِ أعْمالِهِمْ، وهو الطّاعَةُ، ولا نَجْزِيهِمْ بِمَساوِئِ أعْمالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ ﴿ مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللهِ فَإنَّ أجَلَ اللهِ لآتٍ وهو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ وَمَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عنهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ "أمْ" مُعادِلَةٌ لِلْألِفِ في قَوْلِهِ: "أحَسِبَ"، وكَأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَرَّرَ الفَرِيقَيْنِ، قَرَّرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم لا يُفْتَنُونَ، وقَرَّرَ الكافِرِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ بِتَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم يَسْبِقُونَ عِقابَ اللهِ تَعالى ويُعْجِزُونَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ ﴾ -وَإنْ كانَ الكَفّارُ المُرادَ الأوَّلَ بِحَسْبِ النازِلَةِ الَّتِي الكَلامُ فِيها- فَإنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَعُمْ كُلَّ عاصٍ وعامِلِ سَيِّئَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، فَهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: ساءَ حُكْمًا يَحْكُمُونَهُ.

وفي هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ، وتَأْنِيسٌ لِلْمُؤْمِنِينَ يَظْهَرُ في وعْدِهِ بِالنَصْرِ في القِيامَةِ، وبِأنَّهُ آتٍ؛ إذْ قَدْ أجَّلَهُ اللهُ تَعالى وأخْبَرَ بِهِ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿ مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللهِ ﴾ تَثْبِيتٌ، أيْ: مَن كانَ عَلى هَذا الحَقِّ فَلْيُوقِنْ بِأنَّهُ آتٍ ولْيَزْدَدْ بَصِيرَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "يَرْجُو" هُنا بِمَعْنى: يَخافُ، والصَحِيحُ أنَّ الرَجاءَ هُنا عَلى بابِهِ، وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: لِقاءَ ثَوابِ اللهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ مَعْناهُ: لِأقْوالِ كُلِّ فُرْقَةٍ، العَلِيمُ بِالمُعْتَقَداتِ الَّتِي لَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مُجازى بِفِعْلِهِ الحَسَنِ، فَهو حَظُّهُ الَّذِي يَنْبَغِي ألّا يُفَرِّطَ فِيهِ، فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عن جِهادِهِ وعَنِ العالَمِينَ بِأسْرِهِمْ.

وهاتانِ الآيَتانِ كَأنَّهُما [.....] عَلى سَواءٍ إلى الطائِفَةِ المُرْتابَةِ المُتَرَدِّدَةِ في فِتْنَةِ الكَفّارِ، الَّتِي كانَتْ تُنْكِرُ أنْ يَنالَ الكُفّارُ المُؤْمِنِينَ بِمَكْرُوهٍ، وتَرْتابُ مِن أجْلِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهم قِيلَ لَهُمْ: مَن كانَ يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ فَإنَّ الأمْرَ حُقٌّ في نَفْسِهِ، واللهُ تَعالى بِالمِرْصادِ، أيْ: هَذِهِ بَصِيرَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَعْتَقِدَها لِوَجْهِ أحَدٍ.

وكَذَلِكَ مَن جاهَدَ فَثَمَرَةُ جِهادِهِ لَهُ، فَلا يَمُنُّ بِذَلِكَ عَلى أحَدٍ، وهَذا كَما يَقُولُ المُناظِرُ عِنْدَ سَوْقِ حُجَّتِهِ: مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى الحَقِّ فَإنَّ الأمْرَ كَذا وكَذا، ونَحْوُ هَذا فَتَأمَّلْهُ.

وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: ومَن جاهَدَ عَدُّوَّهُ لِنَفْسِهِ لا يُرِيدُ وجْهَ اللهِ، فَإنَّما جِهادُهُ لِنَفْسِهِ لا لِلَّهِ تَعالى، ولَيْسَ لِلَّهِ بِجِهادِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةُ، إخْبارٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ هم في أعْلى رُتْبَةٍ مِنَ البِدارِ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، أشادَ بِهِمْ عَزَّ وجَلَّ وبِحالِهِمْ لِيُقِيمَ بِهِمْ نُفُوسَ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الهِجْرَةِ، وهُمُ الَّذِينَ فَتَنَهُمُ الكُفّارُ إلى الحُصُولِ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ، و"السَيِّئَةُ": الكُفْرُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ المَعاصِي مِنَ المُؤْمِنِينَ مَعَ الأعْمالِ الصالِحَةِ واجْتِنابِ الكَبائِرِ، وفي قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ ﴾ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ثَوابَ أحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون عطفاً على جملة ﴿ أم حَسِب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ﴾ [العنكبوت: 4] لما تضمنته الجملة المعطوف عليها من التهديد والوعيد، فعطف عليها ما هو وعد وبشارة للذين آمنوا وعملوا الصالحات مع ما أفضى إلى ذكر هذا الوعد من قوله قبله ﴿ ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ﴾ [العنكبوت: 6] فإن مضمون جملة ﴿ والذين ءامنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية يفيد بيان كون جهاد من جاهد لنفسه.

ويجوز أن تكون عطفاً على جملة ﴿ ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ﴾ [العنكبوت: 6] وسلك بها طريق العطف باعتبار ما أومأ إليه الموصول وصلته من أن سبب هذا الجزاء الحسن هو أنهم آمنوا وعملوا الصالحات وهو على الوجه إظهار في مقام الإضمار لنكتة هذا الإيماء.

فالجزاء فضل لأن العبد إذا امتثل أمر الله فإنما دفع عن نفسه تبعة العصيان؛ فأما الجزاء على طاعة مولاه فذلك فضل من المولى، وغفران ما تقدم من سيئاتهم فضل عظيم لأنهم كانوا أحقاء بأن يؤاخذوا بما عملوه وبأن إقلاعهم عن ذلك في المستقبل لا يقتضي التجاوز عن الماضي لكنه زيادة في الفضل.

وانتصب ﴿ أحسنَ ﴾ على أنه وصف لمصدر محذوف هو مفعول مطلق من فعل ﴿ لنجزينهم ﴾ .

والتقدير: ولنجزينهم جزاءً أحسن.

وإضافته إلى ﴿ الذي كانوا يعملون ﴾ لإفادة عِظَم الجزاء كله فهو مقدَّر بأحسن أعمالهم.

وتقدير الكلام: لنجزينهم عن جميع صالحاتهم جزاء أحسن صالحاتهم.

وشمل هذا من يكونون مشركين فيؤمنون ويعملون الصالحات بعد نزول هذه الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَن كانَ يَخْشى لِقاءَ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: مَن كانَ يُؤَمِّلُ.

وَفِي ﴿ لِقاءَ اللَّهِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ثَوابُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: البَعْثُ إلَيْهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لآتٍ ﴾ يَعْنِي الجَزاءَ في القِيامَةِ فاسْتَعِدُّوا لَهُ.

﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ ﴾ لِمَقالَتِكم.

﴿ العَلِيمُ ﴾ بِمُعْتَقَدِكم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ من كان يرجو لقاء الله ﴾ قال: من كان يخشى البعث في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد ما عملوا في الشرك.

يريد: لَيُبْطِلها حتى تصير بمنزلة من لم يعمل ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا ﴾ قال مقاتل: نجزيهم بإحسانهم ولا نجزيهم بمساوئهم (١) (٢) (١) "تفسير مقاتل" 71 أ.

(٢) "تفسير الثعلبي" 8/ 156 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ﴾ أي منفعة جهاده فإنما هي لنفسه، فإن الله لا تنفعه طاعة العباد، والجهاد هنا يحتمل أن يراد به القتال، أو جهاد النفس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف: ﴿ الم ﴾ كوفي.

﴿ لا يفتنون ﴾ ه ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ يسبقونا ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ج ﴿ لآت ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ فلا تطعهما ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ كعذاب الله ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المنافقين ﴾ ه ﴿ خطاياكم ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ مع أثقالهم ﴾ ط فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين.

﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ عاماً ﴾ ط لحق الحذف اي فلم يؤمنوا فأخذهم ﴿ الطوفان ﴾ ط ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما قال في خواتيم السور المتقدمة ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد  ﴾ أي إلى مكة ظاهراً ظافراً، وكان في ذلك الرد من احتمال مشاق الحوادث ما كان قال بعده ﴿ ألم أحسب الناس ﴾ إلى قوله ﴿ وهم لا يفتنون ﴾ بالجهاد أو نقول: لما أمر بالدعاء إلى الدين القويم في قوله ﴿ وادع إلى ربك  ﴾ وكان دونه من المتاعب وأعباء الرسالة مالا يخفى، بدا السورة بما يهوّن على النفس بعض ذلك.

وايضاً لما بين أن كل هالك له رجوع إليه، ردّ على منكري الحشر بأن الأمر ليس على ما حسبوه ولكنهم يكلفون في دار الدنيا ثم يرجعون إلى مقام الجزاء والحساب.

قال أهل البرهان: وقوع الاستفهام بعد "ألم" يدل على استقلالها وانقطاعها عما بعدها في هذه السورة وفي غيرها من السور.

وفي تصدير السورة بأمثال هذه الحروف تنبيه للمخاطب وإيقاظ له من سنة الغفلة كما يقدم لذلك كلام له معنى مفهوم كقول القائل: اسمع وكن لي.

ولا يقدم إلا إذا كان في الحديث شأن وبالخطاب اهتمام، ولهذا ورد بعد هذه الحروف ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن الذي لا يخفى غناؤه والاهتمام بشأنه كقوله ﴿ الم ذلك الكتاب  ﴾ ﴿ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب  ﴾ ﴿ المص كتاب أنزل إليك  ﴾ ﴿ يس والقرآن  ﴾ ﴿ ص والقرآن  ﴾ ﴿ الم تنزيل الكتاب  ﴾ إلا ثلاث سور: ﴿ كهيعص  ﴾ ﴿ الم أحسب الناس ﴾ } { ﴿ الم غلبت الروم  ﴾ ولا يخفى أن ما بعد حروف التهجي فيها من الأمور العظام التي يحق أن ينبه عليها بيانه في هذه السورة أن القرآن ثقله وعبؤة بما فيه من التكاليف، وبيانه في سورة مريم ظاهر، لأن خلق الولد فيما بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر معجز.

وكذا الإخبار عن غلبة الروم قبل وقوعها.

ومعنى الآية راجع إلى أن الناس لا يتركون بمجرد التلفظ بكلمة الإِيمان بل يؤمرون بأنواع التكاليف.

واختلفوا في سبب نزولها فقيل: نزلت في عمار بن ياسر والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وكانوا يعذبون بمكة.

وقيل: نزلت في أقوام هاجروا وتبعهم الكفار فاستشهد بعضهم ونجا الباقون.

وقيل: في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب وهو أول قتيل من المسلمين، رماه عامر بن الحضرمي يوم بدر فقال رسول الله  : سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة.

قال جار الله: مفعولا الحسبان الترك وعلته والتقدير أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا.

قال: والترك بمعنى التصيير.

فقوله ﴿ وهم لا يفتنون ﴾ حال سدّ مسدّ ثاني مفعوليه.

وقال آخرون: تقديره أحسبوا أنفسهم متروكة غير مفتونين لأن ﴿ قالوا آمنا ﴾ وأقول: إن من خواص "أن" مع الفعل و"أن" مع جزأيه سدّها مسدّ مفعولي أفعال القلوب، والحكم بأن الترك ههنا بمعنى التصيير غير لازم يؤيد ما ذكرناه من المعنيين قوله  في موضع آخر ﴿ أم حسبتم أن تتركوا  ﴾ والفتنة الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان وكل ما يحب ويستلذ، ومن ملاقاة الأعداء والمصابرة على أذاهم وسائر ما تكرهه النفس.

والتحقي أن المقصود من خلق البشر هو العبادة الخالصة لله.

فإذا قال باللسان: آمنت فقد ادعى طاعة الله بالجنان فلا بدّ له من شهود وهو الإتيان بالأركان، وإذا حصل الشهود فلا بدلا له من مزك وهو بذل النفس والمال في سبيل الرحمن.

فمعنى الآية: أحسبوا أن يقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهود بلا مزك؟

أو المراد أحسبوا أن يتركوا في أول المقامات لا بل ينقلون إلى أعلى الدرجات وهو مقام الإخلاص والقربات؟

ثم مثل حال هؤلاء بحال السلف منهم قائلاً ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم ﴾ أراد كذلك فعل الله بمن قبلهم لم يتركهم بمجرد قولهم "آمنا"، بل أمرهم بالطاعات وزجرهم عن المنهيات.

وقوله ﴿ فليعلمن الله ﴾ كقوله ﴿ وليعلم الله  ﴾ وقد مر تحقيقه في "آل عمران".

والحاصل أن التجدد يرجع إلى المعلوم لا إلى العالم ولا إلى العلم، وذلك لأن الأول زماني دون الأخيرين.

وأما عبارات المفسرين فقال مقاتل: فليرين الله وليظهرن الله.

وقيل: فليميزن، وجوز جار الله أن يكون وعداً ووعيداً كأنه قال: وليبينن الذي صدقوا وليعاقبن الكاذبين.

قال الإمام فخر الدين الرازي: في وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام في أول إيجاب التكليف وعن قوم مستديمي الكفر مستمرين عليه، فقال في حق الأوّلين ﴿ الذين صدقوا ﴾ بصيغة الفعل المنبئ عن التجدد، وقال في حق الآخرين ﴿ وليعلمن الكاذبين ﴾ بالصيغة المنبئة عن الثبات.

وإنما قال ﴿ يوم ينفع الصادقين صدقهم  ﴾ بلفظ اسم الفاعل لأن الصدق يومئذ قد يرسخ في قلوب المؤمنين بخلاف أوائل الإِسلام.

ثم بين بقوله ﴿ أم حسب الذين ﴾ الخ.

أن من كلف بشيء ولم يمتثل عذب في الحال وإلا يعذب في الاستقبال نظيره قوله ﴿ ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا  ﴾ والحاصل أن الإمهال لا يوجب الإهمال، والتعجيل في جزاء الأعمال إنما يوجد ممن يخاف الفوت لولا الاستعجال.

ومعنى الإضراب أن هذا الحسبان أشنع من الحسبان الأول، لأن ذلك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ والمخصوص محذوف و"ما" موصولة أو مبهمة والتقدير: بئس الذي يحكمون حكمهم هذا، وبئس حكماً يحكمونه حكمهم هذا.

وفي الآية إبطال قول من ذهب إلى أن التكاليف إرشادات وإلا يعاد عليها ترغيب وترهيب ولا يوجب من الله تعذيب.

واعلم أن أصول الدين ثلاثة: معرفة المبدأ وأشار إليه بقوله ﴿ آمنا ﴾ ، ومعرفة الوسط وهو إرسال الرسل.

وإيضاح السبل وإليه أشار بقوله ﴿ وهم لا يفتنون ولقد فتنا ﴾ ومعرفة المعاد إما للأشقياء وهو قوله ﴿ الم أحسب ﴾ الآية وإما للسعداء وهو قوله ﴿ من كان يرجو ﴾ أي يأمل ﴿ لقاء ﴾ جزاء ﴿ الله فإن أجل الله لآت ﴾ فإن أراد بالأجل الموت ففيه إشارة إلى بقاء النفس بعد فراق البدن، فلولا البقاء لما حصل اللقاء كقولك: من كان يرجو الخير فإن السلطان واصل.

فإِنه لا يفهم منه إلا إيصال الخير بوصوله.

ومثله: من كان يرجو لقاء الملك فإن يوم الجمعة قريب.

إذا علم أنه يقعد للناس يوم الجمعة.

ويحتمل أن يراد بالأجل الوقت المضروب للحشر.

وقيل: يرجو بمعنى يخاف من قول الهذلي: إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها *** ﴿ وهو السميع ﴾ لأقوال العباد صدقوا أم كذبوا ﴿ العليم ﴾ بنياتهم وطوياتهم وبسائر أعمالهم فيجازيهم بالمسموع ما لا أذن سمعت، وبالمرئي مالا عين رأت وبالنيات مالا خطر على قلب بشر.

ثم بين بقوله ﴿ ومن جاهد ﴾ الآية.

أن فائدة التكاليف والمجاهدات إنما ترجع إلى المكلف والله غني عن كل ذلك.

قال المتكلمون من الأشاعرة: في الآية دلالة على ان رعاية الأصلح لا تجب على الله وإلا كان مستكملاً بذلك، وأن أفعاله لا تعلل بغرض لأن ذلك خلاف الغني، وأنه ليس في مكان وإلا لزم افتقاره، وأنه ليس قادريته بقدرة ولا عالميته بعلم لأن القدرة والعلم غيره فيلزم افتقاره.

ويمكن أن يجاب عن الأول بأن وجوب صدور الأصلح عنه لمقتضى الحكمة لا يوجب الاستكمال.

وعن الثاني بأن استتباع الفائدة لا يوجب افتقار المفيد.

وعن الثالث أن استصحاب المكان غير الافتقار إليه.

وعن الرابع أن العالم هو ما يغاير ذات الله مع صفاته.

وفي الآية بشارة من وجه وإنذار من وجه آخر، وذلك أن الاستغناء عن الكل يوجب غناه عن تعذيب كل فاجر كما أنه يمكن أن يهلك كل صالح ولا شيء عليه إلا أنه رجح جانب البشارة بقوله ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية وقد مر مراراً أن الإيمان في الشرع عبارة عن التصديق بجميع ما قال الله  وقال رسول الله  تفصيلاً فيما علم وإجمالاً فيما لم يعلم، والعمل الصالح هو الذي ندب الله ورسوله إليه، والفاسد ما نهى الله ورسوله  عنه.

وعند المعتزلة الأمر والنهي مترتب على الحسن والقبح.

ثم العمل الصالح باق لأنه في مقابلة الفاسد والفاسد هو الهالك التالف.

يقال: فسد الزرع إذا خرج عن حد الانتفاع.

ولكن العمل عرض لا يبقى بنفسه ولا بالعامل لأن كل شيء هالك إلا وجهه، فبقاؤه إنما يتصور إذا كان لوجه الله.

ومنه يعلم أن النية شرط في الأعمال الصالحة وهي كونها لله  .

وخالف زفر في نية الصوم وأبو حنيفة في نية الوضوء، وقد مر.

ثم إنه  ذكر في مقابلة الإيمان والعمل الصالح أمرين: تكفير السيئات والجزاء بالأحسن.

فتكفير السيئات في مقابلة الإيمان، والجزاء بالأحسن في مقابلة العمل الصالح، ومنه يعلم أن الإيمان يقتضي عدم الخلود في النار لأن الذي كفر سيئاته يدخل الجنة لا محالة، فالجزاء الأحسن يكون غير الجنة وهو مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا يبعد أن يكون هو الرؤية عند من يقول بها.

وههنا بحث وهو أن قوله ﴿ لنكفرن ﴾ يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، فالمراد بالذين آمنوا وعملوا إما قوم مسلمون مذنبون، وإما قوم مشركون آمنوا فحط الإيمان ما قبله.

أو يقال إن وعد الجميع بأشياء لا يستدعي وعد كل واحد بكل واحد من تلك الأشياء، نظيره قول الملك لقوم: إذا أطعتموني أكرم آباءكم وأحترم أبناءكم.

وهذا لا يقتضي أن يكرم آباء من توفي ابوه ويحترم ابن من لم يولد له ابن، ولكن مفهومه أنه يكرم آباء من له أب ويحترم ابن من له ابن.

أو يقال: ما من مكلف إلا وله سيئة حتى الأنبياء، فإن ترك الأولى بالنسبة إليهم سيئة بل حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وحين بين حسن التكاليف ووقوعها وذكر ثواب من حقق التكاليف أصولها وفروعها اشار بقوله ﴿ ووصينا الإنسان ﴾ الآية إلى أنه لا دافع لهذه السيرة ولا مانع لهذه الطريقة فإن الإنسان إذا انقاد لأحد ينبغي أن ينقاد لأبويه، ومع هذا لو أمروه بالمعصية لا يجوز اتباعهم فكيف غيره؟

ومنه يعلم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ومعنى ﴿ وصينا ﴾ أمرنا كما مر في قوله ﴿ ووصى بها إبراهيم  ﴾ وقوله ﴿ بوالديه ﴾ أي بتعهدهما ورعاية حقوقهما، وعلى هذا ينتصب ﴿ حسناً ﴾ بمضمر يدل عليه ما قبله أي أولهما حسناً أو افعل بهما حسناً كأنه قال: قلنا له ذلك وقلنا له ﴿ وإن جاهداك ﴾ إلى آخره فلو وقف على قوله ﴿ بوالديه ﴾ حسن ويجوز أن يراد وصيناه بإيتاء والديه حسناً وقلنا له ﴿ وإن جاهداك ﴾ وقوله ﴿ ما ليس لك به علم ﴾ كقوله ﴿ ما لم ينزل به عليكم سلطاناً  ﴾ أي لا معلوم ليتعلق العلم به.

وإذا كان التقليد في الإيمان قبيحاً فكيف يكون حال التقليد في الكفر.

وعلى وجوب ترك طاعة الوالدين إذا ارادا ولدهما على الإشراك دليل عقلي، وذلك أن طاعتهما وجبت بأمر الله فإذا نفيا طاعة الله في الإشراك به فقد أبطلا طاعة الله مطلقاً، ويلزم منه عدم لزوم طاعة الوالدين بأمر الله، وكل ما يفضي وجوده إلى عدمه فهو باطل.

فطاعة الوالدين في اتخاذ الشرك بالله من الممتنعات.

وفي قوله ﴿ إليّ مرجعكم ﴾ ترغيب في رعاية حقوق الوالدين وترهيب عن عقوقهما وإن كانا كافرين إلا في الدعاء إلى الشرك.

وفيه أن المجازي للمؤمن والمشرك إذا كان هو الله وحده فلا ينبغي أن يعق الوالدين لأجل كفرهما.

وفي قوله ﴿ فأنبئكم ﴾ دليل على أنه  عالم بالخفيات لا يعزب عنه شيء.

يروى أن سعد بن أبي وقاص الزهري حين اسلم قالت أمه وهي حمنة بنت أبي سفيان: يا سعد بلغني أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف بيت وإن الطعام والشراب عليّ حرام حتى تكفر بمحمد.

وكان أحب ولدها إليها فابى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فنزلت هذه الآية، فأمر رسول الله  سعداً أن يداريها ويرضيها بالإحسان.

ثم أكد جزاء من آمن وعمل صالحاً بتكرير قوله ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ﴾ اي في زمرتهم ﴿ وحسن أولئك رفيقاً  ﴾ قال الحكماء: أي في المجردين الذين لا كون لهم ولا فساد فيدخل فيه العلويات عندهم.

ثم بين حال أهل النفاق بعد تقرير حال أهل الكفر والوفاق فقال ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله ﴾ يعني أنا والمؤمنون حقاً آمنا ادّعى أن إيمانه كإِيمانهم فأخبر أن إيمانه لا تحقيق له بدليل قوله ﴿ فإذا أوذي في الله ﴾ اي في سبيله ودينه ﴿ جعل فتنة الناس كعذاب الله ﴾ قال جار الله: أي جعل فتنة الناس صارفة عن الإيمان كما أن عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر، وهذا على التوهم أو كما يجب أن يكون عذاب الله صارفاً وهذا في الواقع.

وقيل: جزعوا من عذاب الناس كما جزعوا من عذاب الله.

وبالجملة معناه أنهم جعلوا فتنة الناس مع ضعفها وانقطاعها كعذاب الله الأليم الدائم حتى تردّدوا في الأمر وقالوا: إن آمنا نتعرض للتأذي من الناس، وذلك أنهم كانوا يمسهم أذى من الكفار، وإن تركنا الإِيمان نتعرض لما توعدنا به محمد فاختاروا الاحتراز عن التعرض العاجل ونافقوا.

وإنما قال ﴿ فتنة الناس ﴾ ولم يقل "عذاب الناس" لأن فعل العبد ابتلاء من الله.

وليس في الاية منع من إظهار كلمة الكفر إكراهاً، وإنما المنع من إظهارها مع مواطأة القلب التي كانوا عليها.

ومما يؤكد تذبذبهم قوله ﴿ ولئن جاء نصر من ربك ﴾ ويلزمه الغنيمة غالباً ﴿ ليقولن إنا كنا معكم ﴾ يعني دأب المنافق أنه إذا رأى اليد للكافر أظهر ما أضمر من الكفر، وإن كان النصر للمؤمن أضمر ما أضمر وأظهر المعية وادّعى التبعية.

وفي تخصيص اسم الرب بالمقام إشارة إلى أن التوبة والرحمة هي التي أوجبت النصر.

ثم أخبر أنه  أعلم بما في صدور العالمين منهم بما في صدورهم، لأنه خبير بما بأنفسهم كما هي وهم لا يعرفون نفوسهم كما هي، فالتلبيس لا يفيد المنافق بالنسبة إلى الله شيئاً لأنه لا يجوز عليه الالتباس دليله قوله ﴿ وليعلمنّ الله الذين آمنوا وليعلمنّ المنافقين ﴾ وفيه وعد للمؤمنين ووعيد للمنافقين.

اعتبر أمر القلب ههنا وهو في المؤمن التصديق، وفي المنافق النفاق، واعتبر في أول السورة أمر اللسان وهو في الكافر الكذب لأنه يقول: الله غير موجود، أو الله أكثر من واحد.

وفي المؤمن الصدق لأنه يقول: الله واحد.

وحين بين أحوال الفرق الثلاثة وذكر أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى الكفر بالفتنة، وبين أن عذاب الله فوقها وكان للكافر أن يقول للمؤمن لم تصبر في الذل على الإيذاء ولم لا تدفع الذل والعذاب عن نفسك بموافقتنا، وكان جواب المؤمن أن يقول خوفاً من عذاب الله خطيئة مذهبكم فقالوا: لا خطيئة فيه، وإن كان فيه خطيئة فعلينا، اشار إلى جميع ذلك قوله ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ﴾ أرادوا وليجتمع هذا الأمران في الحصول أن تتبعوا طريقتنا وأن نحمل خطاياكم، نظيره "ليكن منك العطاء وليكن مني الدعاء" وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب ولكنه حكاية قول صناديد قريش.

كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فإِن عسى كان جزاء ومعاد فإنا نتحمل عنكم الإثم.

وترى نظيره في الإسلام يشجع أحدهم أخاه على ارتكاب بعض المآثم فيقول: افعل هذا وإثمه عليّ، وكم من مغرور بمثل هذا الضمان.

ثم أخبر الله  عنهم بأنهم لا يحملون شيئاً من خطاياهم، ولا ريب أن هذا مخالف لما زعموا من أنهم يحملون أوزارهم فلهذا حكم الله عليهم بأنهم كاذبون.

ويجوز أن يكونوا كاذبين لأنهم وعدوا وفي قلوبهم نية الخلف.

ولا حاجة في توجيه تسميتهم كاذبين إلى التشبيه الذي ذكره في الكشاف.

أما الجمع بين قوله ﴿ وما هم بحاملين ﴾ وبين قوله ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ فهو أن النفي راجع إلى الحمل الذي يخفف عن صاحبه بسببه، والإثبات يرجع إلى انهم يحملون وزر الإضلال ووزر الضلال مع أن أتباعهم حاملون وزر الضلال كما قال عليه الصلاة والسلام "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء" قال ﴿ وليسئلن ﴾ سؤال تقريع ﴿ يوم القيمة عما كانوا يفترون ﴾ من أنه لا حشر، وعلى تقدير وجوده يحملون خطايا التابعين.

ثم أجمل قصة نوح ومن بعده تصديقاً لقوله في أول السورة ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم ﴾ وفيه تثبيت للنبي عليه الصلاة والسلام كأنه قيل له: إن نوحاً لبث الف سنة تقريباً يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك، وفيه تحذير لكفار قريش فإن أولئك الكفار ما نجوا من العذاب مع تلك الأعمار الطوال، فهؤلاء كيف يسلمون أم كيف يغترون؟

سؤال: ما الفائدة في قوله ﴿ ألف سنة إلا خمسين عاماً ﴾ دون أن يقول: تسعمائة وخمسين.

الجواب: لأن العبارة الثانية تحتمل التجويز والتقريب.

فإن من قال: عاش فلان ألف سنة يمكن أن يتوهم أنه يدعي ذلك تقريباً لا تحقيقاً.

فإذا قال: إلا شهراً أو إلا سنة، زال ذلك الوهم.

وأيضاً المقصود تثبيت النبي  ، وذكر الألف الذي هو عقد معتبر أوصل إلى هذا الغرض.

وإنما جاء بالمميز في المستثنى مخالفاً لما في المستثنى منه تجنباً من التكرار الخالي عن الفائدة وتوسعة في الكلام.

قال بعض الأطباء: العمر الطبيعي للإِنسان مائة وعشرون سنة.

فاعترضوا عليهم بعمر نوح  وغيره، وذلك أن المفسرين قالوا: عمر نوح الفاً وخمسين سنة بعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستين.

وعن وهب أنه عاش ألفاً واربعمائة سنة.

ويمكن أن يقال: إنهم ارادوا بالطبيعي ما كان أكثرياً في أعصارهم.

ولا ينافي هذا كون بعض الأعمار زائداً على هذا القدر بطريق خرق العادة على أن العادة قد تختلف باختلاف الأعصار والأدوار، ولهذا قال  "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين" والطوفان ما عم كل المكان بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل.

وفي قوله ﴿ وهم ظالمون ﴾ دليل على أن العذاب أخذهم وهم مصرون على الظلم ولو كانوا قد تركوه لما أهلكهم.

والضمير في قوله ﴿ وجعلناها ﴾ إما للحادثة أو للقصة أو للسفينة.

وأعاجيب هذه القصة وأحوال السفينة وأهوالها قد تقدّمت مراراً ولا ريب أنها آيات يجب أن يستدل بها على موجدها.

التأويل: أقسم بفردانيته وبآلائه ونعمائه أنه مهما يكون من العبد التقرب إليه بأصناف العبودية يكون منه التقرب إلى العبد بالطاف الربوبية يؤكده قوله ﴿ أحسب الناس ﴾ أي الناسون من أهل البطالة أن يتركوار بمجرد الدعوى ولا يطالبون بالبلوى، فالمحبة والمحنة توأمان وبالامتحان يكرم الرجل أو يهان، فمن زاد قدر معناه زاد قدر بلواه.

فالبلاء للنفوس لإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في حسن العمل، والبلاء على القلوب لتصفيتها من شين الرين لقبول نقوش الغيب، والبلاء على الأرواح لتجردها بالبوائق عن العلائق، والبلاء على الأسرار في اعتكافها في مشاهدة الكشف بالصبر على آثار التجلي إلى أن تصير مستهلكة فيه بإفنائه، وإن أشدّ الفتن حفظ وجود التوحيد لئلا يجري عليه نكر في أوقات غلبات شواهد الحق فيظن أنه هو الحق لا يدري أنه من الحق ولا يقال: إنه الحق وعزيز من يهتدي إلى ذلك ﴿ أم حسب الذين ﴾ فيه أن موجبات عمل السيئات سواد مرآة القلوب بصدأ الحسبان ورين الكفران ليتوهموا ﴿ أن يسبقونا ﴾ بالعدوان عن طريق سنتنا في الانتقام من أهل الحال والإجرام.

﴿ ساء ما يحكمون ﴾ بالنجاة عن الدركات باتباع الشهوات هيهات هيهات.

﴿ من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت ﴾ فإن من رجى عمره في رجاء لقائنا فهو الذي نبيح له النظر إلى جمالنا ﴿ وهو السميع ﴾ لأنين المشتاقين العليم بطويات الصادقين.

ومن جاهد بالسعي في طلبنا فإنما يجاهد لنفسه لأنها بالتخلية عن الأخلاق الذميمة وبالتحلية بالصفات الحميدة تخلص عن الإمارية وتستأهل للمطمئنية فتستحق لجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ والذين آمنت قلوبهم بمحبتنا ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ ببذل الوجود في طلب جودنا ﴿ لنكفرن عنهم ﴾ سيئات وجودهم المجازي ﴿ ولنجزينهم ﴾ وجوداً حقيقياً أحسن منه ﴿ وإن جاهداك لتشرك بي ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذا تمسك بذيل شيخ كامل وتوجه إلى الحضرة بعزيمة من عزائم الرجال فإن منعه الوالدان عن ذلك فعليه أن لا يطيعهما لأنه سبب ولادته في عالم الأرواح وهما سبب ولادته في عالم الاشباح كما قال عيسى  : لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين.

فهو احق برعاية الحقوق منهما.

﴿ جعل فتنة الناس كعذاب الله ﴾ فيه أن المؤمن من كف الأذى والولي من يتحمل من الخلق الأذى ولا تترشح عنه الشكوى من البلوى كالأرض يلقى عليها كل قبيح فينبت منها كل مليح.

والمنافق إذا لم يكن في حماية خشية الله يفترسه خوف الخلق إذا أوذي في الله.

﴿ وقال الذين كفروا ﴾ فيه أن كافر النفس وصفاته يقولون بلسان الطبيعة الإنسانية لموسى القلب والسر والروح وصفاتهم ﴿ اتبعوا سبيلنا ﴾ في طلب الشهوات الحيوانية ﴿ ولنحمل خطاياكم ﴾ أي ندفع عنكم ضرر ما يرجع إليكم في متابعة شهوات الدنيا وطيباتها ﴿ وما هم بحاملين ﴾ شيئاً ﴿ من خطاياهم ﴾ وهو العمى والصمم والبكم وسائر الصفات النفسانية، ولكن يحملون أثقالهم هذه الأوقات مع الآفات التي تختص بها والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ : كأن ما عملوا من الحسنات والصالحات يكفر بها سيئاتهم.

وقوله: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: أن جزاءهم الذي يجزون بتلك الأعمال أحسن من أعمالهم التي عملوا؛ لأن قدر ذلك الجزاء عندهم أعظم وأحسن من قدر [ما علموا] من أعمالهم؛ إذ ليس لأعمالهم عندهم كبير قيمة وقدر؛ إذ منهم من يحيي ليله بدرهم وبما يسد به حاجتهم في يوم أو ليلة.

والثاني: أن الأعمال التي يعملها المرء تكون على وجوه سيئات تكفر بالتوبة أو بما كان يعاقبون عليها، وحسنات يجزون بها الثواب الجزيل، وإباحات يعملون لحوائج أنفسهم مما لا يعاقبون عليه ولا يثابون، فيقول - والله أعلم -: لنجزينهم أحسن الذي عملوا وهو الحسنات والخيرات عملوها لله.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أن نكفر سيئاتهم بنوع من الحسنات ويثابون على أحسنها، وهو ما قال: ﴿ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ﴾ .

وقرئ أيضاً: ﴿ إحسانا ﴾ قال الزجاج: قوله: ﴿ حُسْناً ﴾ أجمع وأقرب؛ لأنه يرجع إلى حسن الشيء في نفسه، وإلى حسنه عند ذلك الإنسان؛ يقال: حسن كذا إذا كان في نفسه حسنا، والإحسان: هو ما يحسن عند ذلك المعمول له، أو كلام نحو هذا.

قال الشيخ -  -: لكن الإحسان هو اسم ما حسن أيضاً في نفسه، يقال: أحسن، فإذا أحسن، فقد حسن، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ : إن كان هذا الخطاب لأهل الإيمان فيكون تأويل الآية: ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ أي: بأن له شريكاً، أي: تعلم بأن ليس له شريك فلا تشرك به؛ وهو كقوله: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: يعلم بخلاف ما يقولون؛ فعلى ذلك قوله يحتمل ﴿ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ بأن له شريكا، أي: لك العلم بخلافه: بأن ليس له شريك.

وإن كان الخطاب لأهل الكفر يقولون على الله ما ليس لهم به علم.

وقوله: ﴿ فَلاَ تُطِعْهُمَآ ﴾ : أمر بالبرّ للوالدين والإحسان إليهما والطاعة لهما ما لم يكن في طاعتهما معصية الربّ؛ ليعلم أن ليس يجب طاعتهما في كل شيء وفي كل ما كان عندهما إحساناً، ولكن فيما كان في ذلك طاعة الخالق.

وقوله: ﴿ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ : وعيد لتكونوا أبداً على حذر في أعمالكم لا تعملون بما فيه معصية الرب.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : كأنه قال: والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولهم سيئات، لنكفرن عنهم تلك السيئات بأعمالهم الصالحات، ثم لندخلنهم في الصالحين الذين لا سيئة لهم وهم الأنبياء، إذ أكثر ما ذكر في الكتاب الصالحين إنما أريد بهم الأنبياء - صلوات الله عليهم - وهو ما ذكرنا - والله أعلم - على تكفير السيئات عنهم على ما ذكر فيما تقدم، وهو ما قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ .

أو أن يكون قوله: ﴿ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ ﴾ أي: لنجعلنهم من الصالحين.

فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ ﴾ وهم قد عملوا الصالحات؟

قيل: معناه ما ذكرنا بدءاً: أنهم قد عملوا الصالحات إلا أن لهم سيئات يكفرها بالصالحات، ثم ليجعلنهم في الصالحين الذين لا سيئة لهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والذين آمنوا وصبروا على امتحاننا لهم، وعملوا الأعمال الصالحات لنمحونّ ذنوبهم بما عملوه من الأعمال الصالحة، ولنثيبنّهم في الآخرة أحسن الذي كانوا يعملون في الدنيا.

<div class="verse-tafsir" id="91.yB9pY"

مزيد من التفاسير لسورة العنكبوت

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل