الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 173 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وصدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نزل في وفد نجران وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة كما سيأتى بيان ذلك عند تفسير آية المباهلة منها إن شاء الله تعالى وقد ذكر ما ورد من فضلها مع سورة البقرة أول البقرة.
قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسـره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان.
ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور.
قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم" السجدة و "هل أتى على الإنسان" وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال:الم وحم والمص وص.
فواتح افتتح الله بها القرآن وكذا قال غيره عن مجاهد وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال الم اسم من أسماء القرآن وهكذا وقال قتادة وزيد بن أسلم ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبدالرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم من أسماء السور فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن فإنه يبعد أن يكون المص اسما للقرآن كله لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول قرأت المص إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن والله أعلم.
وقيل هي اسم من أسماء الله تعالى فقال عنها في فواتح السور من أسماء الله تعالى وكذلك قال سالم بن عبدالله وإسماعيل بن عبدالرحمن السدي الكبير وقال شعبة عن السدي بلغني أن ابن عباس قال الم اسم من أسماء الله الأعظم.
هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال سألت السدي عن حم وطس والم فقال قال ابن عباس هي اسم الله الأعظم وقال ابن جرير وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو النعمان حدثنا شعبة عن إسماعيل السدي عن مرة الهمذانى قال: قال عبدالله فذكر نحوه.
وحُكي مثله عن علي وابن عباس وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله تعالى وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة أنه قال الم قسم.
وروينا أيضا من حديث شريك بن عبدالله بن عطاء بن السائب عن أبى الضحى عن ابن عباس:الم قال أنا الله أعلم وكذا قال سعيد بن جبير وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمذاني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الم قال أما الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى.
قال وأبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى الم قال هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفا دارت فيها الألسن كلها ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلألائه ليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم.
قال عيسى ابن مريم عليه السلام وعجب:فقال أعجب أنهم يظنون بأسمائه ويعيشون في رزقه فكيف يكفرون به فالألف مفتاح الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد فالألف آلاء الله واللام لطف الله والميم مجد الله والألف سنة واللام ثلاثون سنة والميم أربعون سنة.
هذا لفظ ابن أبي حاتم ونحوه رواه ابن جرير ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر وأن الجمع ممكن فهي أسماء للسور ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته كما افتتح سورا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه قال ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله وعلى صفة من صفاته وعلى مدة وغير ذلك كما ذكره الربيع بن أنس عن أبي العالية لأن الكلمة الواحدة تطلق على معاني كثيرة كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين كقوله تعالى "إنا وجدنا آباءنا على أمة" وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله كقوله تعالى "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين" وتطلق ويراد بها الجماعة كقوله تعالى "وجد عليه أمة من الناس يسقون" وقوله تعالى "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا" وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله تعالى "وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة" أي بعد حين على أصح القولين قال فكذلك هذا.
هذا حاصل كلامه موجها ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا وعلى هذا معا ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول ليس هذا موضع البحث فيها والله أعلم.
ثم إن لفظة الأمة تدل على كل من معانيها في سياق الكلام بدلالة الوضع فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف والمسألة مختلف فيها وليس فيها إجماع حتى يحكم به وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا كما قال الشاعر: قلنا قفي لنا فقالت قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف تعني وقفت.
وقال الآخر: ما للظليم عال كيف لايـ ينقد عنه جلده إذا يـــــــ فقال ابن جرير كأنه أراد أن يقول إذا يفعل كذا وكذا فاكتفى بالياء من يفعل وقال الآخر: بالخير خيرات وإن شرا فــ ولا أريد الشر إلا أن تـــــ يقول وإن شرا فشرا ولا أريد الشر إلا أن تشاء فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام والله أعلم.
قال القرطبي وفي الحديث "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" الحديث قال سفيان هو أن يقول في اقتل"ا قـ" وقال خصيف عن مجاهد أنه قال فواتح السور كلها"ق وص وحم وطسم والر" وغير ذلك هجاء موضوع وقال بعض أهل العربية هي حروف من حروف المعجم استغنى بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا كما يقول القائل ابني يكتب في - ا ب ت ث - أي في حروف المعجم الثمانية والعشرين فيستغني بذكر بعضها عن مجموعها حكاه ابن جرير.
قلت مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا وهي - ال م ص ر ك ه ي ع ط س ح ق ن- يجمعها قولك:نص حكيم قاطع له سر.
وهي نصف الحروف عددا والمذكور منها أشرف من المتروك وبيان ذلك من صناعة التصريف.
قال الزمخشري وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة ومن الرخوة والشديدة ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة ومن حروف القلقلة.
وقد سردها مفصلة ثم قال:فسبحان الذي دقت في كل شىء حكمته.
وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله وههنا ههنا لخص بعضهم في هذا المقام كلاما فقال:لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثا ولا سدى ومن قال من الجهلة إن في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلمة فقد أخطأ خطأ كبيرا فتعين أن لها معنى في نفس الأمر فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا "آمنا به كل من عند ربنا" ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين وإنما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه وإلا فالوقف حتى يتبين هذا المقام.
المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها فقال بعضهم إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور حكاه ابن جرير وهذا ضعيف لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة وقال آخرون بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن حتى إذا استمعوا له تلا عليهم المؤلف منه حكاه ابن جرير أيضا وهو ضعيف أيضا لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها بل غالبها ليس كذلك ولو كـان كذلك أيضا لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابا للمشركين فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.
وقال آخرون بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا وقرره الزمخشري فى كشافه ونصره أتم نصر وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية.
قال الزمخشري ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة وكرر التحدي بالصريح في أماكن قال وجاء منها على حرف واحد كقوله - ص ن ق- وحرفين مثل "حم" وثلاثة مثل "الم" وأربعة مثل "المر" و "المص" وخمسة مثل "كهيعص- و- حمعسق" لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك "قلت" ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته وهذا معلوم بالاستقراء وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ولهذا يقول تعالى "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" "الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه" "المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه" "الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم" "الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين" "حم تنزيل من الرحمن الرحيم" "حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم" وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم.
وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له وطار في غير مطاره وقد ورد في ذلك حديث ضعيف وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته وهو ما رواه محمد بن إسحق بن يسار صاحب المغازي حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبدالله بن رباب قال مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فأتى أخاه بن أخطب في رجال من اليهود فقال تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله تعالى عليه "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فقال أنت سمعته قال نعم قال فمشى حي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد ألم يذكر أنك تتلوا فيما أنزل الله عليك "الم ذلك الكتاب"؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بلى" فقالوا جاءك بهذا جبريل من عند الله؟
فقال "نعم" قالوا لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك.
فقام حي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟
ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد هل مع هذا غيره فقال "نعم" قال ما ذاك؟
قال "المص" قال هذا أثقل وأطول الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة.
هل مع هذا يا محمد غيره؟
قال "نعم" قال ما ذاك؟
قال "الر" قال هذا أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة.
فهل مع هذا يا محمد غيره؟
قال "نعم" قال ماذا قال "المر" قال هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان فهذه إحدى وسبعون ومائتان ثم قال:لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا.
ثم قال قوموا عنه ثم قال أبو ياسر لأخيه حي بن أخطب ولمن معه من الأحبار ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع سنين؟
فقالوا لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة وإن حسبت مع التكرر فأطم وأعظم والله أعلم.
القول في تأويل قوله : الم (1) قال أبو جعفر: قد أتينا على البيان عن معنى قوله: " الم " فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(2) وكذلك البيان عن قوله: " الله ".
(3) _____________________ الهوامش : (1) في المطبوعة: "أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري ، رضي الله عنه" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) انظر ما سلف 1: 205-224.
(3) انظر ما سلف 1: 122-126.
اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السورة ; فقال عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين : هي سر الله في القرآن , ولله في كل كتاب من كتبه سر .فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه , ولا يجب أن يتكلم فيها , ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت .وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما .وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا : الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر .وقال أبو حاتم : لم نجد الحروف المقطعة في القرآن إلا في أوائل السور , ولا ندري ما أراد الله جل وعز بها .قلت : ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الأنباري : حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا أبو بكر بن أبي طالب حدثنا أبو المنذر الواسطي عن مالك بن مغول عن سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم قال : إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء , وأطلعكم على ما شاء , فأما ما استأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه , وأما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه وتخبرون به , وما بكل القرآن تعلمون , ولا بكل ما تعلمون تعملون .قال أبو بكر : فهذا يوضح أن حروفا من القرآن سترت معانيها عن جميع العالم , اختبارا من الله عز وجل وامتحانا ; فمن آمن بها أثيب وسعد , ومن كفر وشك أثم وبعد .حدثنا أبو يوسف بن يعقوب القاضي حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن عمارة عن حريث بن ظهير عن عبد الله قال : ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب , ثم قرأ : " الذين يؤمنون بالغيب " [ البقرة : 3 ] .قلت : هذا القول في المتشابه وحكمه , وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في ( آل عمران ) إن شاء الله تعالى .وقال جمع من العلماء كبير : بل يجب أن نتكلم فيها , ونلتمس الفوائد التي تحتها , والمعاني التي تتخرج عليها ; واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة ; فروي عن ابن عباس وعلي أيضا أن الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم , إلا أنا لا نعرف تأليفه منها .وقال قطرب والفراء وغيرهما : هي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم ; ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم .قال قطرب : كانوا ينفرون عند استماع القرآن , فلما سمعوا : " الم " و " المص " استنكروا هذا اللفظ , فلما أنصتوا له صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في أسماعهم وآذانهم ويقيم الحجة عليهم .وقال قوم : روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة وقالوا : " لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه " [ فصلت : 26 ] نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة .وقال جماعة : هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت بقيتها ; كقول ابن عباس وغيره : الألف من الله , واللام من جبريل , والميم من محمد صلى الله عليه وسلم .وقيل : الألف مفتاح اسمه الله , واللام مفتاح اسمه لطيف , والميم مفتاح اسمه مجيد .وروى أبو الضحى عن ابن عباس في قوله : " الم " قال : أنا الله أعلم , " الر " أنا الله أرى , " المص " أنا الله أفضل .فالألف تؤدي عن معنى أنا , واللام تؤدي عن اسم الله , والميم تؤدي عن معنى أعلم .واختار هذا القول الزجاج وقال : أذهب إلى أن كل حرف منها يؤدي عن معنى ; وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة نظما لها ووضعا بدل الكلمات التي الحروف منها , كقوله : فقلت لها قفي فقالت قاف أراد : قالت وقفت .وقال زهير : بالخير خيرات وإن شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تا أراد : وإن شرا فشر .وأراد : إلا أن تشاء .وقال آخر : نادوهم ألا الجموا ألا تا قالوا جميعا كلهم ألا فا أراد : ألا تركبون , قالوا : ألا فاركبوا .وفي الحديث : ( من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة ) قال شقيق : هو أن يقول في اقتل : اق ; كما قال عليه السلام ( كفى بالسيف شا ) معناه : شافيا .وقال زيد بن أسلم : هي أسماء للسور .وقال الكلبي : هي أقسام أقسم الله تعالى بها لشرفها وفضلها , وهي من أسمائه ; عن ابن عباس أيضا ورد بعض العلماء هذا القول فقال : لا يصح أن يكون قسما لأن القسم معقود على حروف مثل : إن وقد ولقد وما ; ولم يوجد ها هنا حرف من هذه الحروف , فلا يجوز أن يكون يمينا .والجواب أن يقال : موضع القسم قوله تعالى : " لا ريب فيه " فلو أن إنسانا حلف فقال : والله هذا الكتاب لا ريب فيه ; لكان الكلام سديدا , وتكون " لا " جواب القسم .فثبت أن قول الكلبي وما روي عن ابن عباس سديد صحيح .فإن قيل : ما الحكمة في القسم من الله تعالى , وكان القوم في ذلك الزمان على صنفين : مصدق , ومكذب ; فالمصدق يصدق بغير قسم , والمكذب لا يصدق مع القسم ؟
.قيل له : القرآن نزل بلغة العرب ; والعرب إذا أراد بعضهم أن يؤكد كلامه أقسم على كلامه ; والله تعالى أراد أن يؤكد عليهم الحجة فأقسم أن القرآن من عنده .وقال بعضهم : " الم " أي أنزلت عليك هذا الكتاب من اللوح المحفوظ .وقال قتادة في قوله : " الم " قال اسم من أسماء القرآن .وروي عن محمد بن علي الترمذي أنه قال : إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة , ولا يعرف ذلك إلا نبي أو ولي , ثم بين ذلك في جميع السورة ليفقه الناس .وقيل غير هذا من الأقوال ; فالله أعلم .والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها .واختلف : هل لها محل من الإعراب ؟
فقيل : لا ; لأنها ليست أسماء متمكنة , ولا أفعالا مضارعة ; وإنما هي بمنزلة حروف التهجي فهي محكية .هذا مذهب الخليل وسيبويه .ومن قال : إنها أسماء السور فموضعها عنده الرفع على أنها عنده خبر ابتداء مضمر ; أي هذه " الم " ; كما تقول : هذه سورة البقرة .أو تكون رفعا على الابتداء والخبر ذلك ; كما تقول : زيد ذلك الرجل .وقال ابن كيسان النحوي : " الم " في موضع نصب ; كما تقول : اقرأ " الم " أو عليك " الم " .وقيل : في موضع خفض بالقسم ; لقول ابن عباس : إنها أقسام أقسم الله بها .
وهي مدنية نزل صدرها إلى بضع وثمانين آية في مخاصمة النصارى وإبطال مذهبهم ودعوتهم إلى الدخول في الدين الحق دين الإسلام كما نزل صدر البقرة في محاجة اليهود كما تقدم.
تقدم تفسيرها
قوله تعالى ( الم الله ) قال الكلبي والربيع بن أنس وغيرهما : نزلت هذه الآيات في وفد نجران وكانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم ، وفي الأربعة عشر ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم : العاقب : أمير القوم وصاحب مشورتهم ، الذي لا يصدرون إلا عن رأيه ، واسمه عبد المسيح ، والسيد : ثمالهم وصاحب رحلهم واسمه الأيهم وأبو حارثة بن علقمة أسقفهم وحبرهم .
دخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى العصر ، عليهم ثياب الحبرات جبب وأردية في [ جمال ] رجال بلحارث بن كعب ، يقول من رآهم : ما رأينا وفدا مثلهم ، وقد حانت صلاتهم فقاموا للصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعوهم " فصلوا إلى المشرق ، [ فسلم ] السيد والعاقب فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم " أسلما " قالا أسلمنا قبلك قال " كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما لله ولدا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير " قالا إن لم يكن عيسى ولدا لله فمن يكن أبوه؟
وخاصموه جميعا في عيسى ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم " ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه " ؟
قالوا بلى قال : " ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يحفظه ويرزقه " قالوا : بلى ، قال : " فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟
" قالوا : لا قال : " ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟
" قالوا : بلى ، قال : " فهل يعلم عيسى عن ذلك شيئا إلا ما علم؟
" قالوا : لا قال : " فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء [ وربنا ليس بذي صورة وليس له مثل ] وربنا لا يأكل ولا يشرب " قالوا : بلى ، قال : " ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ، ثم غذي كما يغذى الصبي ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟
" ، قالوا : بلى قال : " فكيف يكون هذا كما زعمتم؟
" فسكتوا ، فأنزل الله تعالى صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها .
فقال عز من قائل ( الم الله ) مفتوح الميم ، موصول عند العامة ، وإنما فتح الميم لالتقاء الساكنين حرك إلى أخف الحركات وقرأ أبو يوسف ويعقوب بن خليفة الأعشى عن أبي بكر ( الم الله ) مقطوعا سكن الميم على نية الوقف ثم قطع الهمزة للابتداء وأجراه على لغة من يقطع ألف الوصل .
«آلم» الله اعلم بمراده بذلك.
سبق الكلام عليها في أول سورة البقرة.
افتتحت سورة آل عمران ببعض حروف التهجى وهو قوله - تعالى - : { الم } .
.ويبلغ عدد السور القرآنية التى افتتحت بالحروف المقطعة تسعا عشرين سورة .وقد وقع خلاف بين العلماء فى المعنى المقصود من حروف التهجى التى افتتحت بها بعض السور القرآنية ويمكن إجمال اختلافهم فى رأيين رئيسيين :الرأى الأول يرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها غير معروف ، فهى من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه .وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس - فى إحدى الروايات عنه - كما ذهب إليه الشعبى ، وسفيان الثورى وغيرهما من العلماء ، فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبى أنه سئل عن فواتح السور فقال : " إن لكل كتاب سراً ، وإن سر هذا القرآن فواتح السور " وروى عن ابن عباس أنه قال : " عجزت العلماء عن إدراكها " .وعن على بن أبى طالب أنه قال : " إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجى " وفى رواية أخرى للشعبى أنه قال : " سر الله فلا تطلبوه " .ومن الاعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأى أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس؛ لأنه من المتشابه فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل ، أو مثله كمثل التكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها .وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإِفهام عنها عند كل الناس .
فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يفهم المراد بها ، وكذلك بعض الصحابة المقربين ، ولكن الذى ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور .
وهناك مناقشات للعلماء حول هذا الرأى لا مجال لذكرها هنا .أما الرأى الثانى فيرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها معلوم .
وأنها ليست من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه .
وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا فيما بينهم فى تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها :1- أن هذه الحروف أسماء للسور ، بدليل قول النبى صلى الله عليه وسلم " من قرأ حم السجدة حفظ إلى أن يصبح " وبدليل اشتهار بعض السورة بالتسمية بها ، كسورة " ص " وسورة " يس " وسورة " ق " .
.
الخ .ولا يخلو هذا القول من ضعف لأنه لا يلزم من التسمية ببعضها أن تكون جميع الحروف المقطعة أسماء للسور التى بدئت بها ، ولأن كثيراً من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح ، فلو كانت أسماء للسور لم تتكرر لمعان مختلفة؛ لأن الغرض من التسمية رفع الاشتباه .2- وقيل : إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدلالة على انقضاء سورة وابتداء أخرى .3- وقيل : إنها حروف مقطعة بعضها من أسماء الله - تعالى - وبعضها من صفاته ، فمثلا : { الم } أصلها أنا الله أعلم .4- وقيل : إنها اسم الله الأعظم .
إلى غير ذلك من الأقوال التى لا تخلو من مقال ، والتى أوصلها السيوطى فى كتابه " الإِتقان " إلى أكثر من عشرين قولا .5- ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض سور القرآن على سبيل الإِيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن .فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله : هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك .ومما يشهد لصحة هذا الرأى : أن الآيات التى تلى هذه الحروف المقطعة تتحدث عن الكتاب المنزل ، وعن كونه معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم فى أغلب المواضع .وأنت ترى هذه الآيات كثيرا ما تتصدر صراحة باسم الإِشارة الذى يعود إلى القرآن كما فى قوله - تعالى - : (الم ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ ) أو ضمنا كما فى قوله - تعالى - : (المص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ) وأيضا فإن هذه السور التى افتتحت بالحروف المقطعة إذا ما تأملتها من أولها إلى آخرها ترى من أهدافها الأساسية إثبات صحة الرسالة المحمدية عن طريق هذا الكتاب الذى جعله الله - تعالى - معجزة لنبيه صلى الله عليه وسلم .هذه خلاصة موجزة لآراء العلماء فى المراد بالحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع إلى ما كتبه العلماء فى هذا الموضوع .
أما تفسير ﴿ الم ﴾ فقد تقدم في سورة البقرة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو بكر عن عاصم ﴿ الم الله ﴾ بسكون الميم، ونصب همزة: الله، والباقون موصولاً بفتح الميم، أما قراءة عاصم فلها وجهان الأول: نية الوقف ثم إظهار الهمزة لأجل الابتداء والثاني: أن يكون ذلك على لغة من يقطع ألف الوصل، فمن فصل وأظهر الهمزة فللتفخيم والتعظيم، وأما من نصب الميم ففيه قولان: القول الأول: وهو قول الفراء واختيار كثير من البصريين أن أسماء الحروف موقوفة الأواخر، يقول: ألف، لام، ميم، كما تقول: واحد، إثنان، ثلاثة، وعلى هذا التقدير وجب الابتداء بقوله: الله، فإذا ابتدأنا به نثبت الهمزة متحركة، إلا أنهم أسقطوا الهمزة للتخفيف، ثم ألقيت حركتها على الميم لتدل حركتها على أنها في حكم المبقاة بسبب كون هذه اللفظة مبتدأ بها.
فإن قيل: إن كان التقدير فصل إحدى الكلمتين عن الأخرى امتنع إسقاط الهمزة، وإن كان التقدير هو الوصل امتنع بقاء الهمزة مع حركتها، وإذا امتنع بقاؤها امتنعت حركتها، وامتنع إلقاء حركتها على الميم.
قلنا: لم لا يجوز أن يكون ساقطاً بصورته باقياً بمعناه فأبقيت حركتها لتدل على بقائها في المعنى هذا تمام تقرير قول الفرّاء.
والقول الثاني: قول سيبويه، وهو أن السبب في حركة الميم التقاء الساكنين، وهذا القول رده كثير من الناس، وفيه دقة ولطف، والكلام في تلخيصه طويل.
وأقول: فيه بحثان أحدهما: سبب أصل الحركة، والثاني: كون تلك الحركة فتحةً.
أما البحث الأول: فهو بناء على مقدمات: المقدمة الأولى: أن الساكنين إذا اجتمعا فإن كان السابق منهما حرفاً من حروف المد واللين لم يجب التحريك، لأنه يسهل النطق بمثل هذين الساكنين، كقولك: هذا إبراهيم وإسحاق ويعقوب موقوفة الأواخر، أما إذا لم يكن كذلك وجب التحريك لأنه لا يسهل النطق بمثل هذين، لأنه لا يمكن النطق إلا بالحركة.
المقدمة الثانية: مذهب سيبويه أن حرف التعريف هي اللام، وهي ساكنة، والساكن لا يمكن الابتداء به فقدموا عليها همزة الوصل وحركوها ليتوصلوا بها إلى النطق باللام، فعلى هذا إن وجدوا قبل لام التعريف حرفاً آخر فإن كان متحركاً توصلوا به إلى النطق بهذه اللام الساكنة وإن كان ساكناً حركوه وتوصلوا به إلى النطق بهذه اللام، وعلى هذا التقدير يحصل الاستغناء عن همزة الوصل لأن الحاجة إليها أن يتوصل بحركتها إلى النطق باللام، فإذا حصل حرف آخر توصلوا بحركته إلى النطق بهذه اللام، فتحذف هذه الهمزة صورة ومعنى، حقيقة وحكماً، وإذا كان كذلك امتنع أن يقال: ألقيت حركتها على الميم لتدل تلك الحركة على كونها باقية حكماً، لأن هذا إنما يصار إليه حيث يتعلق بوجوده حكم من الأحكام، أو أثر من الآثار، لكنا بينا أنه ليس الأمر كذلك فعلمنا أن تلك الهمزة سقطت بذاتها وبآثارها سقوطاً كلياً، وبهذا يبطل قول الفرّاء.
المقدمة الثالثة: أسماء هذه الحروف موقوفة الأواخر، وذلك متفق عليه.
إذا عرفت هذه المقدمات فنقول: الميم من قولنا ﴿ الم ﴾ ساكن ولام التعريف من قولنا ﴿ الله ﴾ ساكن، وقد اجتمعا فوجب تحريك الميم، ولزم سقوط الهمزة بالكلية صورة ومعنى، وصح بهذا البيان قول سيبويه، وبطل قول الفرّاء.
أما البحث الثاني: فلقائل أن يقول: الساكن إذا حرك حرك إلى الكسر، فلم اختير الفتح هاهنا، قال الزجاج في الجواب عنه: الكسر هاهنا لا يليق، لأن الميم من قولنا ﴿ الم ﴾ مسبوقة بالياء فلو جعلت الميم مكسورة لاجتمعت الكسرة مع الياء وذلك ثقيل، فتركت الكسرة واختيرت الفتحة، وطعن أبو علي الفارسي في كلام الزجاج، وقال: ينتقض قوله بقولنا: جير، فإن الراء مكسورة مع أنها مسبوقة بالياء، وهذا الطعن عندي ضعيف، لأن الكسرة حركة فيها بعض الثقل والياء أختها، فإذا اجتمعا عظم الثقل، ثم يحصل الانتقال منه إلى النطق بالألف في قولك ﴿ الله ﴾ وهو في غاية الخفة، فيصير اللسان منتقلاً من أثقل الحركات إلى أخف الحركات، والانتقال من الضد إلى الضد دفعة واحدة صعب على اللسان، أما إذا جعلنا الميم مفتوحة، انتقل اللسان من فتحة الميم إلى الألف في قولنا ﴿ الله ﴾ فكان النطق به سهلاً، فهذا وجه تقرير قول سيبويه، والله أعلم.
المسألة الثانية: في سبب نزول أول هذه السورة قولان: القول الأول: وهو قولُ مقاتل بن سليمان: إن بعض أول هذه السورة في اليهود، وقد ذكرناه في تفسير ﴿ الٓمٓ ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ .
والقول الثاني: من ابتداء السورة إلى آية المُباهلة في النَّصارى، وهو قول محمد بن إسحاق قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران ستون راكباً فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم، أحدهم: أميرهم، واسمه عبد المسيح، والثاني: مشيرهم وذو رأيهم، وكانوا يقولون له: السيد، واسمه الأيهم، والثالث: حبرهم وأسقفهم وصاحب مدراسهم، يقال له أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل، وملوك الروم كانوا شرفوه ومولوه وأكرموه لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، فلما قدموا من بحران ركب أبو حارثة بغلته، وكان إلى جنبه أخوه كرز بن علقمة، فبينا بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت، فقال كرز أخوه: تعس الأبعد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو حارثة: بل تعست أمك، فقال: ولم يا أخي؟
فقال: إنه والله النبي الذي كنا ننتظره، فقال له أخوه كرز: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا، قال: لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالاً كثيرة وأكرمونا، فلو آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم لأخذوا منا كل هذه الأشياء، فوقع ذلك في قلب أخيه كرز، وكان يضمره إلى أن أسلم فكان يحدث بذلك، ثم تكلم أولئك الثلاثة: الأمير، والسيد والحبر، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على اختلاف من أديانهم، فتارة يقولون عيسى هو الله، وتارة يقولون: هو ابن الله، وتارة يقولون: ثالث ثلاثة، ويحتجون لقولهم: هو الله، بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير، ويحتجون في قولهم: إنه ولد الله بأنه لم يكن له أب يعلم، ويحتجون على ثالث ثلاثة بقول الله تعالى: فعلنا وجعلنا، ولو كان واحداً لقال فعلت فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسلموا»، فقالوا: قد أسلمنا، فقال صلى الله عليه وسلم: «كذبتم كيف يصح إسلامكم وأنتم تثبتون لله ولداً، وتعبدون الصليب، وتأكلون الخنزير»، قالوا: فمن أبوه؟
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى في ذلك أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها.
ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يناظر معهم، فقال: «ألستم تعلمون أن الله حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟» قالوا: بلى، قال: «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه؟» قالوا بلى، قال: «ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه، فهل يملك عيسى شيئاً من ذلك؟
قالوا: لا، قال ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل يعلم عيسى شيئاً من ذلك إلا ما علم؟» قالوا: لا، قال: «فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، فهل تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث وتعلمون أن عيسى حملته امرأة كحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب، ويحدث الحدث».
قالوا: بلى فقال صلى الله عليه وسلم: «فكيف يكون كما زعمتم؟» فعرفوا ثم أبوا إلا جحوداً، ثم قالوا: يا محمد ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟
قال: «بلى»، قالوا: فحسبنا فأنزل الله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه ﴾ الآية.
ثم إن الله تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بملاعنتهم إذ ردوا عليه ذلك، فدعاهم رسول الله إلى الملاعنة، فقالوا: يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما تريد أن نفعل، فانصرفوا ثم قال بعض أولئك الثلاثة لبعض: ما ترى؟
فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبياً قط إلا وفى كبيرهم وصغيرهم، وأنه الاستئصال منكم إن فعلتم، وأنتم قد أبيتم إلا دينكم والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك، ونرجع نحن على ديننا، فابعث رجلاً من أصحابك معنا يحكم بيننا في أشياء قد اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضا، فقال عليه السلام: «آتوني العشية أبعث معكم الحكم القوي الأمين».
وكان عمر يقول: ما أحببت الإمارة قط إلا يومئذ رجاء أن أكون صاحبها، فلما صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سلم ثم نظر عن يمينه وعن يساره، وجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يردد بصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح، فدعاه فقال: اخرج معهم واقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه، قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة.
واعلم أن هذه الرواية دالة على أن المناظرة في تقرير الدين وإزالة الشبهات حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأن مذهب الحشوية في إنكار البحث والنظر باطل قطعاً، والله أعلم.
المسألة الثالثة: إعلم أن مطلع هذه السورة له نظم لطيف عجيب، وذلك لأن أولئك النصارى الذين نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قيل لهم: إما أن تنازعوه في معرفة الإله، أو في النبوّة، فإن كان النزاع في معرفة الإله وهو أنكم تثبتون له ولداً وأن محمداً لا يثبت له ولداً فالحق معه بالدلائل العقلية القطعية، فإنه قد ثبت بالبرهان أنه حي قيوم، والحي القيوم يستحيل عقلاً أن يكون له ولد وإن كان النزاع في النبوّة، فهذا أيضاً باطل، لأن بالطريق الذي عرفتم أن الله تعالى أنزل التوراة والإنجيل على موسى وعيسى فهو بعينه قائم في محمد صلى الله عليه وسلم، وما ذاك إلا بالمعجزة وهو حاصل هاهنا، فكيف يمكن منازعته في صحة النبوّة، فهذا هو وجه النظم وهو مضبوط حسن جداً فلننظر هاهنا إلى بحثين.
البحث الأول: ما يتعلق بالإلهيات فنقول: إنه تعالى حي قيوم، وكل من كان حياً قيوماً يمتنع أن يكون له ولد، وإنما قلنا: إنه حي قيوم، لأنه واجب الوجود لذاته، وكل ما سواه فإنه ممكن لذاته محدث حصل تكوينه وتخليقه وإيجاده على ما بينا كل ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم ﴾ وإذا كان الكل محدثاً مخلوقاً امتنع كون شيء منها ولداً له وإلها، كما قال: ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السموات والأرض إِلاَّ ءَاتِى الرحمن عَبْداً ﴾ وأيضاً لما ثبت أن الإله يجب أن يكون حياً قيوماً، وثبت أن عيسى ما كان حياً قيوماً لأنه ولد، وكان يأكل ويشرب ويحدث، والنصارى زعموا أنه قتل وما قدر على دفع القتل عن نفسه، فثبت أنه ما كان حياً قيوماً، وذلك يقتضي القطع والجزم بأنه ما كان إلها، فهذه الكلمة وهي قوله: ﴿ الحى القيوم ﴾ جامعة لجميع وجوه الدلائل على بطلان قول النصارى في التثليث.
وأما البحث الثاني: وهو ما يتعلق بالنبوّة، فقد ذكره الله تعالى هاهنا في غاية الحسن ونهاية الجودة، وذلك لأنه قال: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق ﴾ وهذا يجري مجرى الدعوى، ثم إنه تعالى أقام الدلالة على صحة هذه الدعوى، فقال: وافقتمونا أيها اليهود والنصارى على أنه تعالى أنزل التوراة والإنجيل من قبل هدىً للناس، فإنما عرفتم أن التوراة والإنجيل كتابان إلهيان، لأنه تعالى قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قول المحق وقول المبطل والمعجز لما حصل به الفرق بين الدعوى الصادقة والدعوى الكاذبة كان فرقاً لا محالة، ثم أن الفرقان الذي هو المعجز كما حصل في كون التوراة والإنجيل نازلين من عند الله، فكذلك حصل في كون القرآن نازلاً من عند الله وإذا كان الطريق مشتركاً، فإما أن يكون الواجب تكذيب الكل على ما هو قول البراهمة، أو تصديق الكل على ما هو قول المسلمين، وأما قبول البعض ورد البعض فذلك جهل وتقليد، ثم إنه تعالى لما ذكر ما هو العمدة في معرفة الإله على ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام، وما هو العمدة في إثبات نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم لم يبق بعد ذلك عذر لمن ينازعه في دينه فلا جرم أردفه بالتهديد والوعيد فقال: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بأيات الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ والله عَزِيزٌ ذُو انتقام ﴾ فقد ظهر أنه لا يمكن أن يكون كلام أقرب إلى الضبط، وإلى حسن الترتيب وجودة التأليف من هذا الكلام، والحمد لله على ما هدى هذا المسكين إليه، وله الشكر على نعمه التي لا حد لها ولا حصر.
ولما لخصنا ما هو المقصود الكلي من الكلام فلنرجع إلى تفسير كل واحد من الألفاظ.
أما قوله: ﴿ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ فهو رد على النصارى لأنهم كانوا يقولون بعبادة عيسى عليه السلام فبيّن الله تعالى أن أحداً لا يستحق العبادة سواه.
ثم أتبع ذلك بما يجري مجرى الدلالة عليه فقال: ﴿ الحى القيوم ﴾ فأما الحي فهو الفعال الدراك وأما القيوم فهو القائم بذاته، والقائم بتدبير الخلق والمصالح لما يحتاجون إليه في معاشهم، من الليل والنهار، والحر والبرد، والرياح والأمطار، والنعم التي لا يقدر عليها سواه، ولا يحصيها غيره، كما قال تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ وقرأ عمر رضي الله عنه ﴿ الحى القيوم ﴾ قال قتادة، الحي الذي لا يموت، والقيوم القائم على خلقه بأعمالهم، وآجالهم، وأرزاقهم، وعن سعيد بن جبير: الحي قبل كل حي، والقيوم الذي لا ند له، وقد ذكرنا في سورة البقرة أن قولنا: الحي القيوم محيط بجميع الصفات المعتبرة في الإلهية، ولما ثبت أن المعبود يجب أن يكون حياً قيوماً ودلّت البديهة والحسن على أن عيسى عليه السلام ما كان حياً قيوماً، وكيف وهم يقولون بأنه قتل وأظهر الجزع من الموت.
علمنا قطعاً أن عيسى ما كان إلها، ولا ولداً للإله تعالى وتقدس عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ م ﴾ حقها أن يوقف عليها كما وقف على ألف ولام، وأن يبدأ ما بعدها كما تقول: واحد اثنان: وهي قراءة عاصم.
وأما فتحها فهي حركة الهمزة ألقيت عليها حين أسقطت للتخفيف.
فإن قلت: كيف جاز إلقاء حركتها عليها وهي همزة وصل لا تثبت في درج الكلام فلا تثبت حركتها لأنّ ثبات حركتها كثباتها؟
قلت: هذا ليس بدرج، لأنّ (م) في حكم الوقف والسكون والهمزة في حكم الثابت.
وإنما حذفت تخفيفاً وألقيت حركتها على الساكن قبلها ليدل عليها.
ونظيره قولهم: واحد اثنان، بإلقاء حركة الهمزة على الدال.
فإن قلت: هلا زعمت أنها حركة لالتقاء الساكنين؟
قلت: لأنّ التقاء الساكنين لا يبالى به في باب الوقف، وذلك قولك: هذا إبراهيم وداود وإسحاق.
ولو كان التقاء الساكنين في حال الوقف يوجب التحريك لحرك الميمين في ألف لام ميم، لالتقاء الساكنين.
ولما انتظر ساكن آخر.
فإن قلت: إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين في ميم، لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين، فإذا جاء ساكن ثالث لم يمكن إلا التحريك فحركوا.
قلت: الدليل على أن الحركة ليست لملاقاة الساكن أنه كان يمكنهم أن يقولوا: واحد اثنان، بسكون الدال مع طرح الهمزة، فيجمعوا بين ساكنين، كما قالوا: أصيم، ومديق.
فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير وليست لالتقاء الساكنين.
فإن قلت: فما وجه قراءة عمرو بن عبيد بالكسر؟
قلت: هذه القراءة على توهم التحريك لالتقاء الساكنين وما هي بمقولة.
و ﴿ التوراة والإنجيل ﴾ اسمان أعجميان.
وتكلف اشتقاقهما من الورى والنجل ووزنهما بتفعلة وأفعيل، إنما يصح بعد كونهما عربيين.
وقرأ الحسن: ﴿ الأنجيل ﴾ ، بفتح الهمزة، وهو دليل على العجمة، لأن أفعيل بفتح الهمزة عديم في أوزان العرب.
فإن قلت: لم قيل ﴿ نَزَّلَ الكتاب ﴾ ﴿ وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل ﴾ ؟
قلت: لأن القرآن نزل منجماً، ونزل الكتابان جملة.
وقرأ الأعمش: ﴿ نزَل عليك الكتابُ ﴾ بالتخفيف ورفع الكتاب ﴿ هُدًى لّلنَّاسِ ﴾ أي لقوم موسى وعيسى.
ومن قال نحن متعبدون بشرائع من قبلنا فسره على العموم.
فإن قلت: ما المراد بالفرقان؟
قلت: جنس الكتب السماوية، لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل أو الكتب التي ذكرها، كأنه قال بعد ذكر الكتب الثلاثة وأنزل ما يفرق به بين الحق والباطل من كتبه، أو من هذه الكتب، أو أراد الكتاب الرابع وهو الزبور، كما قال: ﴿ وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً ﴾ [النساء: 163] وهو ظاهر.
أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له ومدح من كونه فارقاً بين الحق والباطل بعد ما ذكره باسم الجنس، تعظيماً لشأنه وإظهاراً لفضله ﴿ بآيات الله ﴾ من كتبه المنزلة وغيرها ﴿ ذُو انتقام ﴾ له انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ آلِ عِمْرانَ مَدَنِيَّةٌ وآياتُها مِائَتانِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الم ﴾ ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ إنَّما فَتْحُ المِيمِ في المَشْهُورِ وكانَ حَقُّها أنْ يُوقَفَ عَلَيْها لِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلَيْها لِيَدُلَّ عَلى أنَّها في حُكْمِ الثّابِتِ، لِأنَّها أُسْقِطَتْ لِلتَّخْفِيفِ لا لِلدَّرَجِ، فَإنَّ المِيمَ في حُكْمِ الوَقْفِ كَقَوْلِهِمْ واحِدٌ اثْنانِ بِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى الدّالِ لا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَحْذُورٍ في بابِ الوَقْفِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُحَرَّكِ المِيمُ في لامٍ.
وقُرِئَ بِكَسْرِها عَلى تَوَهُّمِ التَّحْرِيكِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها والِابْتِداءُ بِما بَعْدَها عَلى الأصْلِ.
﴿ الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «إنَّ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ في ثَلاثِ سُوَرٍ في البَقَرَةِ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ، وفي آلِ عِمْرانَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ، وفي طَهَ وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحىِّ القَيُّومِ».» <div class="verse-tafsir"
والله مبتدأ {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} خبره وخبر لا مضمر التقدير لا إله في الوجود إلا هو وهو في موضع الرفع بدل من موضع لا واسمه {الحي القيوم} خبر مبتدأ محذوف أي هو الحى أو بدل من هو والقيوم فيعول من قام وهو القائم بالقسط والقائم على كل نفس بما كسبت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الم ﴾ ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ [ 2 ] قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ والبُرْجُمِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِسُكُونِ المِيمِ وقَطْعِ الهَمْزَةِ ولا إشْكالَ فِيها، لِأنَّ طَرِيقَ التَّلَفُّظِ فِيما لا تَكُونُ مِن هَذِهِ الفَواتِحِ مُفْرَدَةً كَ (ص) ولا مُوازِنَةً المُفْرَدِ كَ (حم) حَسْبَما ذُكِرَ في «اَلْكِتابِ» الحِكايَةُ فَقَطْ ساكِنَةُ الإعْجازِ عَلى الوَقْفِ، سَواءٌ جُعِلَتْ أسْماءً أوْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ وإنْ لَزِمَها اِلْتِقاءُ السّاكِنَيْنِ لِما أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في بابِ الوَقْفِ قَطْعًا، ولِذا ضُعِّفَتْ قِراءَةُ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ بِكَسْرِ المِيمِ، والجُمْهُورُ يَفْتَحُونَ المِيمَ ويَطْرَحُونَ الهَمْزَةَ مِنَ الِاسْمِ الكَرِيمِ، قِيلَ: وإنَّما فُتِحَتْ لِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلَيْها لِيَدُلَّ عَلى أنَّها في حُكْمِ الثّابِتِ لِأنَّها أُسْقِطَتْ لِلتَّخْفِيفِ لا لِلدَّرَجِ فَإنَّ المِيمَ في حُكْمِ الوَقْفِ، كَقَوْلِهِ: (واحِدِ اِثْنانِ) لا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَحْذُورٍ في بابِ الوَقْفِ ولِذَلِكَ لَمْ تُحَرَّكْ في لامٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وفي «اَلْبَحْرِ» إنَّهُ ضَعِيفٌ لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ الألِفَ المَوْصُولَةَ في التَّعْرِيفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ وما يَسْقُطُ لا تُلْقى حَرَكَتُهُ كَما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقَوْلُهُمْ: إنَّ المِيمَ في حُكْمِ الوَقْفِ وحَرَكَتُها حَرَكَةُ الإلْقاءِ مُخالِفٌ لِإجْماعِ العَرَبِ، والنُّحاةُ أنَّهُ لا يُوقَفُ عَلى مُتَحَرِّكٍ البَتَّةَ سَواءٌ في ذَلِكَ حَرَكَةُ الإعْرابِ والبِناءِ والنَّقْلِ والتِقاءِ السّاكِنَيْنِ والحِكايَةِ والِاتِّباعِ، فَلا يَجُوزُ في ”قَدْ أفْلَحَ“ إذا حُذِفَتِ الهَمْزَةُ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الدّالِ أنْ تَقِفَ عَلى دالِ (قَدْ) بِالفَتْحَةِ بَلْ تُسَكِّنَها قَوْلًا واحِدًا، وأمّا تَنْظِيرُهم بِ (واحِدِ اِثْنانِ) بِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى الدّالِ فَإنَّ سِيبَوَيْهِ ذَكَرَ أنَّهم يَشُمُّونَ آخِرَ واحِدٍ لِتَمَكُّنِهِ ولَمْ يُحْكَ الكَسْرُ لُغَةً فَإنْ صَحَّ الكَسْرُ فَلَيْسَ واحِدٌ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ كَما زَعَمُوا، ولا حَرَكَتُهُ حَرَكَةَ نَقْلٍ مِن هَمْزَةِ الوَصْلِ ولَكِنَّهُ مَوْصُولٌ بِقَوْلِهِمُ: اِثْنانِ، فالتَقى ساكِنانِ دالُ واحِدٍ وثاءٌ اِثْنَيْنِ فَكُسِرَتِ الدّالُ لِالتِقائِهِما وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّها لا تَثْبُتُ في الوَصْلِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ غَيْرُ مَحْذُورٍ في بابِ الوَقْفِ ولِذَلِكَ لَمْ يُحَرَّكْ في لامٍ، فَجَوابُهُ أنَّ الَّذِي قالَ: إنَّ الحَرَكَةَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لَمْ يُرِدْ بِهِما اِلْتِقاءَ الياءِ والمِيمِ مِن (ألم) في الوَقْفِ بَلْ أرادَ المِيمَ الأخِيرَ مِن (ألم) ولامَ التَّعْرِيفِ، فَهو كالتِقاءِ نُونِ مَن ولامِ الرَّجُلِ إذا قُلْتَ (مَنِ الرَّجُلُ؟) عَلى أنَّ في قَوْلِهِمْ تَدافُعًا فَإنَّ سُكُونَ آخِرِ المِيمِ إنَّما هو عَلى نِيَّةِ الوَقْفِ عَلَيْها وإلْقاءَ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلَيْها إنَّما هو عَلى نِيَّةِ الوَصْلِ، ونِيَّةُ الوَصْلِ تُوجِبُ حَذْفَ الهَمْزَةِ، ونِيَّةُ الوَقْفِ عَلى ما قَبْلَها تُوجِبُ ثَباتَها وقَطْعَها، وهَذا مُتَناقِضٌ، ولِذا قالَ الجارَبَرْدِيُّ: الوَجْهُ ما قالَهُ سِيبَوَيْهِ، والكَثِيرُ مِنَ النُّحاةِ أنَّ تَحْرِيكَ المِيمِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ واخْتِيارُ الفَتْحِ لِخِفَّتِهِ ولِلْمُحافَظَةِ عَلى تَفْخِيمِ الِاسْمِ الجَلِيلِ، واخْتارَ ذَلِكَ اِبْنُ الحاجِبِ وادَّعى أنَّ في مَذْهَبِ الفَرّاءِ حَمْلًا عَلى الضَّعِيفِ لِأنَّ إجْراءَ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ في اللُّغَةِ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، والقَوْلُ: بِأنَّهُ ضَعِيفٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَئِنْ سُلِّمَ فَغَيْرُ ناهِضٍ لِأنَّهُ قَوّى فِيما المَطْلُوبُ مِنهُ الخِفَّةُ كَثَلاثَةٍ أرْبَعَةٍ وهَهُنا الِاحْتِياجُ إلى التَّخْفِيفِ أمَسُّ ولِهَذا جَعَلُوهُ مِن مُوجِباتِ الفَتْحِ، وإنَّما قِيلَ ذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الأسْماءَ مِن قَبِيلِ المُعْرَباتِ وسُكُونُها سُكُونُ وقْفٍ لا بِناءٍ وحَقُّها أنْ يُوقَفَ عَلَيْها، و(الم) رَأْسُ آيَةٍ ثُمَّ إنْ جُعِلَتِ اِسْمَ السُّورَةِ فالوَقْفُ عَلَيْها لِأنَّها كَلامٌ تامٌّ وإنْ جُعِلَتْ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ لِأسْماءِ الحُرُوفِ إمّا قَرْعًا لِلْعَصا أوْ مُقَدِّمَةً لِدَلائِلَ الإعْجازِ فالواجِبُ أيْضًا القَطْعُ والِابْتِداءُ بِما بَعْدَها تَفْرِقَةً بَيْنِها وبَيْنَ الكَلامِ المُسْتَقِلِّ المُفِيدِ بِنَفْسِهِ فَإذَنِ القَوْلُ بِنَقْلِ الحَرَكَةِ هو المَقْبُولُ لِأنَّ فِيهِ إشْعارًا بِإبْقاءِ أثَرَ الهَمْزَةِ المَحْذُوفَةِ لِلتَّخْفِيفِ المُؤَذِنِ بِالِابْتِداءِ والوَقْفِ ولا كَذَلِكَ القَوْلُ بِأنَّ الحَرَكَةَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وحَيْثُ كانَتْ حَرَكَةُ المِيمِ لِغَيْرِها كانَتْ في حُكْمِ الوَقْفِ عَلى السُّكُونِ دُونَ الحَرَكَةِ كَما تُوُهِّمَ لِئَلّا يَلْزَمَ المُحَذَّرُ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في هَذا المَقامِ مُضْطَرِبٌ فَفي «اَلْكَشّافِ» اِخْتارَ مَذْهَبَ الفَرّاءِ، وفي «اَلْمُفَصَّلِ» اِخْتارَ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ: مَبْنِيٌّ عَلى الِاجْتِهادِ، والثّانِيَ: عَلى التَّقْلِيدِ والنَّقْلِ، لِما في «اَلْكِتابِ» لِأنَّ «اَلْمُفَصَّلَ» مُخْتَصَرُهُ، فَتَدَبَّرْ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالفَواتِحِ مِن حَيْثُ الإعْرابُ وغَيْرُهُ، وفِيهِ كِفايَةٌ لِمَن أخَذَتِ العِنايَةُ بِيَدِهِ، والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعُبُودِيَّةِ لا غَيْرَ، و ﴿ الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لَهُ أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الحَيُّ القَيُّومُ لا غَيْرَ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مِنَ الخَبَرِ الأوَّلِ أوْ هو الخَبَرُ وما قَبْلَهُ اِعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مُقَرِّرٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْمُ الكَرِيمُ، أوْ حالٌ مِنهُ عَلى رَأْيِ مَن يَرى صِحَّةَ ذَلِكَ وأيًّا ما كانَ فَهو كالدَّلِيلِ عَلى اِخْتِصاصِ اِسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا «”إنَّ اِسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ في ثَلاثِ سُوَرٍ سُورَةِ البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ وطَهَ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: فالتَمَسْتُها فَوَجَدْتُ في البَقَرَةِ [255] ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ وفي آلِ عِمْرانَ ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ وفي طَهَ [111] ﴿ وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ ﴾ » وقَرَأ عُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ وعَلْقَمَةُ (اَلْحَيُّ القَيّامُ) وهَذا رَدٌّ عَلى النَّصارى الزّاعِمِينَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَبًّا، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قالَ: ««قَدِمَ عَلى النَّبِيِّ وفْدُ نَجْرانَ وكانُوا سِتِّينَ راكِبًا فِيهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ مِنهم أبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ والعاقِبُ وعَبْدُ المَسِيحِ والأيْهَمُ السَّيِّدُ وهو مِنَ النَّصْرانِيَّةِ عَلى دِينِ المَلِكِ مَعَ اِخْتِلافِ أمْرِهِمْ يَقُولُونَ: هو اللَّهُ تَعالى، ويَقُولُونَ: هو ولَدُ اللَّهِ تَعالى، ويَقُولُونَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، كَذَلِكَ قَوْلُ النَّصْرانِيَّةِ، وهم يَحْتَجُّونَ لِقَوْلِهِمْ يَقُولُونَ: هو اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ كانَ يُحْيِي المَوْتى ويُبْرِئُ الأسْقامَ ويُخْبِرُ بِالغُيُوبِ ويَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا، ويَحْتَجُّونَ في قَوْلِهِمْ إنَّهُ ولَدُ اللَّهِ تَعالى: بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ يَعْلَمُ وقَدْ تَكَلَّمَ في المَهْدِ وصَنَعَ ما لَمْ يَصْنَعْهُ أحَدٌ مِن ولَدِ آدَمَ قَبْلَهُ، ويَحْتَجُّونَ في قَوْلِهِمْ إنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ فَعَلْنا وأمَرْنا وخَلَقْنا وقَضَيْنا فَلَوْ كانَ واحِدًا ما قالَ إلّا فَعَلْتُ وأمَرْتُ وخَلَقْتُ وقَضَيْتُ، ولَكِنَّهُ هو وعِيسى ومَرْيَمَ، فَفي كُلِّ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ نَزَلَ القُرْآنُ وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ فِيهِ قَوْلَهم فَلَمّا كَلَّمَهُ الحَبْرانِ وهُما العاقِبُ والسَّيِّدُ كَما في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ والرَّبِيعِ عَنْ أنَسٍ قالَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ : أسْلِما قالا: قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ، قالَ: كَذَبْتُما مَنَعَكُما مِنَ الإسْلامِ دُعاؤُكُما لِلَّهِ تَعالى ولَدًا وعِبادَتُكُما الصَّلِيبَ وأكْلُكُما الخِنْزِيرَ؟
قالا: فَمَن أبُوهُ يا مُحَمَّدُ؟
وصَمَتَ فَلَمْ يُجِبْ شَيْئًا“ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ واخْتِلافِ أمْرِهِمْ كُلِّهِ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنها، فافْتَتَحَ السُّورَةَ بِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ مِمّا قالُوا وتَوْحِيدِهِ إيّاها بِالخَلْقِ والأمْرِ لا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ ما اِبْتَدَعُوا مِنَ الكُفْرِ وجَعَلُوا مَعَهُ مِنَ الأنْدادِ، واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ في صاحِبِهِمْ لِيُعَرِّفَهم بِذَلِكَ ضَلالَتَهم فَقالَ: ﴿ الم ﴾ ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ » أيْ لَيْسَ مَعَكَ غَيْرُهُ شَرِيكٌ في أمْرِهِ الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ وقَدْ ماتَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِمْ: (اَلْقَيُّومُ) القائِمُ عَلى سُلْطانِهِ لا يَزُولُ وقَدْ زالَ عِيسى.
وفِي رِوايَةِ اِبْنِ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: «”إنِ النَّصارى أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ فَخاصَمُوهُ في عِيسى اِبْنِ مَرْيَمَ وقالُوا لَهُ: مَن أبُوهُ؟
وقالُوا عَلى اللَّهِ تَعالى الكَذِبَ والبُهْتانَ فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ : ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَكُونُ ولَدٌ إلّا وهو يُشْبِهُ أباهُ؟
قالُوا: بَلى قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا حَيٌّ لا يَمُوتُ وأنَّ عِيسى يَأْتِي عَلَيْهِ الفَناءُ؟
قالُوا: بَلى، قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا قَيِّمٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكْلَؤُهُ ويَحْفَظُهُ ويَرْزُقُهُ؟
قالُوا: بَلى، قالَ: فَهَلْ يَمْلِكُ عِيسى مِن ذَلِكَ شَيْئًا؟
قالُوا: لا قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ؟
قالُوا: بَلى، قالَ: فَهَلْ يَعْلَمُ عِيسى مِن ذَلِكَ شَيْئًا إلّا ما عَلِمَ؟
قالُوا: لا، قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا صَوَّرَ عِيسى في الرَّحِمِ كَيْفَ شاءَ وأنَّ رَبَّنا لا يَأْكُلُ الطَّعامَ ولا يَشْرَبُ الشَّرابَ ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟
قالُوا: بَلى، قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَما تَحْمِلُ المَرْأةُ ثُمَّ وضَعَتْهُ كَما تَضَعُ المَرْأةُ ولَدَها ثُمَّ غُذِّيَ كَما يُغَذّى الصَّبِيُّ ثُمَّ كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَشْرَبُ الشَّرابَ ويُحْدِثُ الحَدَثَ ؟
قالُوا: بَلى، قالَ: فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا كَما زَعَمْتُمْ؟
فَعَرَفُوا ثُمَّ أبَوْا إلّا جُحُودًا، فَأنْزَلَ ﴿ الم ﴾ ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ “».
<div class="verse-tafsir"
مائتا آية وهي مدنية الم قال ابن عباس ما: أنا الله أعلم اللَّهُ يعني، هو الله الذي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الذي لا يموت ولا يزول أبداً.
ويقال الحي الذي لا بادئ له الْقَيُّومُ يعني القائم على كل نفس بما كسبت.
ويقال: القائم بتدبير الخلق.
وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: الحي قبل كل حي، والحي بعد كل حي، الدائم الذي لا يموت ولا تنقضي عجائبه، والقائم على العباد بأرزاقهم وآجالهم.
ويقال: الحي القيوم هو اسم الله الأعظم.
ويقال: أن عيسى ابن مريم عليهما السلام، كان إذا أراد أن يُحيي الموتى، يدعو بهذا الاسم يا حي يا قيوم.
ويقال: إن آصف بن برخيا لما أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان- - دعا بقوله يا حي يا قيوم- ويقال: إن بني إسرائيل، سألوا موسى- - عن اسم الله الأعظم فقال لهم: قولوا اهيا- يعني يا حي- شراهيا- يعني يا قيوم- ويقال: هو دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرق يدعون به، ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"
كان المراد أنهما هُدىً في ذاتهما، مَدْعُوٌّ إليه فرعَوْنُ وغَيْرُه، فالناسُ عامٌّ في كل من شاء حينئذ أن يستبصر، والْفُرْقانَ: القرآن لأنه فَرَقَ بيْنَ الحقِّ والباطلِ، ثم توعَّد سبحانه الكفَّارَ عموماً بالعذابِ الشديدِ، والإشارةُ بهذا الوعيد إلى نصارى نجران، وعَزِيزٌ:
معناه: غالبٌ، والنقمة والاِنتقام: معاقبةُ المذْنِبِ بمبالغةٍ في ذلك.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ: هذه الآية خَبَرٌ عن علْمِ اللَّه تعالى بالأشياء، على التفصيل، وهذه صفةٌ لَمْ تكُنْ لعيسى، ولا لأحدٍ من المخلوقين، ثم أخبر سبحانه عن تَصْويره للبَشَرِ في أرحامِ الأمَّهاتِ، وهذا أمر لا ينكرُهُ عاقلٌ، ولا ينكر أنَّ عيسى وسائر البَشَر لا يقْدِرُونَ عليه، ولا ينكر أنَّ عيسى من المصوَّرِينَ كغيره من سائرِ البَشَر، فهذه الآية تعظيمٌ للَّه جلَّتْ قُدْرته في ضِمْنِها الرَّدُّ على نصارى نَجْران، وفي قوله: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ: وعيد، وشرح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كيفيَّة التصْويرِ في الحديثِ الَّذي رواه ابنُ مَسْعُودٍ وغيره «أنَّ النُّطْفَةَ، إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ، مَكَثَتْ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهَا مَلَكاً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَذَكَرْ/ أَمْ أنثى؟
أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ...
» الحديث بطوله على اختلاف ألفاظه «١» ، وفي مسندِ ابن «سِنْجَر» حديثٌ «أنَّ اللَّهَ سُبْحَانه يَخْلُقُ عِظَامَ الجَنِينِ وَغَضَارِيفَهُ مِنْ مَنِيِّ الرَّجُلِ، وَلَحْمَهُ وَشَحْمَهُ وَسَائِرَ ذَلِكَ مِنْ مَنِيِّ المَرْأَةِ» ، وَصَوَّرَ: بناءُ مبالغةٍ من صَارَ يَصُورُ، إِذا أمال وثنى إلى حالٍ مَّا، فلما كان التصويرُ إمالةً إلى حال، وإِثباتاً فيها، جاء بناؤه على المُبَالغة، والكتابُ في هذه الآية: القرآن، بإِجماع، والمُحْكَمَاتُ:
المفصَّلات المبيَّنات الثابتَاتُ الأحكامِ، والمُتَشَابِهَاتُ: هي التي تحتاجُ إِلى نظر وتأويلٍ، ويظهر فيها ببَادِي النَّظَرِ: إِما تَعَارُضٌ مع أخرى، وإما مع العَقْل إِلى غير ذلك من أنواع التشابه، فهذا الشَّبَه الذي من أجله تُوصَفُ بمتشابهات، إِنما هو بينها وبيْنَ المعانِي الفاسدة الَّتي يظنُّها أهْلُ الزيغِ، ومَنْ لم يُنْعِمِ النظَرَ، وهذا نحوُ الحديث الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
«الحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ» «٢» ، أي: يكون الشيء حراما في نفسه،
فَيُشْبِهُ عند من لَمْ يُنْعِمِ النظر شيئاً حلالاً وكذلك الآية: يكونُ لها في نفسها معنًى صحيحٌ، فيشبه عنْد مَنْ لم ينعمِ النظر، أو عند الزائغِ معنًى آخر فاسداً، فربَّما أراد الاِعتراضَ به على كتاب اللَّه، هذا عندي معنَى الإِحكام والتشابُهِ في هذه الآية.
قال ع «١» : وأحسنُ ما قيل في هذه الآية قولُ محمَّدِ بنِ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيرِ»
أن المُحْكَمَاتِ هي الَّتِي فيهن حُجَّةُ الربِّ، وعصمةُ العبادِ، ودفْعُ الخصومِ والباطل، ليس لها تصريفٌ ولا تحريفٌ عمَّا وضعْنَ عليه، والمُتَشَابِهَاتُ: لها تصريفٌ وتحريفٌ، وتأويلٌ ابتلى اللَّه فيهنَّ العباد «٣» ، قال ابن الحاجِبِ في «منتهَى الوُصُولِ» : مسألةٌ في القرآن محكمٌ ومتشابهٌ، قال تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ، فالمُحُكَمُ:
المتَّضِح المعنى، قال الرهوني: يعني نَصًّا كان أو ظَاهِراً، والمُتَشَابَهُ: مقابله إمَّا للاشتراك مثل: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] ، أو للإجمالِ مثلُ: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ [البقرة: ٢٣٧] وما ظاهره التّشبيه مثل: مِنْ رُوحِي [ص: ٧٢] ، وأَيْدِينا [يس: ٧١] ، وبِيَدَيَّ [ص: ٧٥] وبِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] ، ويَسْتَهْزِئُ [البقرة: ١٥] ، ومَكَرَ اللَّهُ [آل عمران: ٥٤] ونحوه، والظاهرُ: الوقْفُ على: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لأن الخطاب بما لا يُفْهَمُ بعيدٌ.
انتهى.
قال الرهونيُّ: وسمِّي ما ذكر «مُتَشَابِهاً» لاشتباهه على السامِعِ، قال الرهونيُّ:
والحقُّ الوقْفُ على: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ.
وهو المرويُّ عن جماعة منهم: ابنُ عبَّاسٍ، وابنُ عمر، وابنْ مسعودٍ، ومالكٌ، وغيرهم، وفي مُصْحَفِ أُبِيٍّ: «وما يعلم تأويلَهُ إلاَّ اللَّه ويقول الراسخونَ [في العلْمِ] «٤» آمنا بِه» «٥» .
اهـ.
وقوله تعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، أي: معظم الكتاب، وعُمْدة ما فيه: إذ المُحْكَم في آياتِ اللَّه كثيرٌ قد فُصِّلَ، ولم يفرَّطْ في شيء منه، قال يَحْيَى بْنُ يعمر «٦» : كما يقال
لمكَّة أمُّ القرى.
قال ع «١» : وكما يقالُ: أمُّ الرَّأْس لمجتمع الشؤونِ، فجميع المحكَمِ هو أم الكتابِ، ومعنى الآية الإِنْحَاءُ على أهل الزيْغِ، والمذمَّةُ لهم، والإِشارة بذلك أولاً إلى نصارى نَجْرَانَ، وإلى اليهودِ الذين كانوا معاصِرِينَ لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، فإِنهم كانوا يعترضُون معانِيَ القُرآن، ثم يعم بعد ذلك كلِّ زائغ، فذكر تعالى أنه نزّل الكتاب/ على نبيّه محمد صلّى الله عليه وسلّم إِفضالاً منه، ونعمةً وأنَّ مُحْكَمَه وبَيِّنَهُ الَّذي لا اعتراض فيه هو معظمه، والغالِبُ فيه وأنَّ متشابهه الذي يحتملُ التَّأْوِيلَ، ويحتاجُ إِلى التفهُّم هو أقلُّه، ثم إِن أهل الزيغ يتركُونَ المحكَمَ الذي فيه غُنْيَتهم، ويتبعونَ المتشَابِه ابتغاء الفِتْنَةِ، وأنْ يفسدوا ذاتَ البَيْن، ويردوا النَّاس إِلى زيغهم.
م: قال أبو البقاءِ: وَأُخَرُ: معطوف على آياتٌ، ومُتَشابِهاتٌ: نعت ل أُخَرُ.
وقوله تعالى: الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ: يعمُّ كل طائفةٍ من كافرٍ وزنديق وجاهل صاحب بدعة، والزيغ: الميل، وابْتِغاءَ: نصبٌ على المفعولِ من أجله، ومعناه: طلبُ الفِتْنَة، قال الربيع: الفِتْنَة هنا الشرْكُ، وقال مجاهدٌ: الفتْنَةُ: الشبهاتُ، واللَّبْسُ على المؤمنين، ثم قال: وابتغاء تأويلِهِ، والتأويل هو مَرَدُّ الكلامِ، وَمَرْجِعُهُ، والشيء الذي يقفُ علَيْه من المعانِي، وهو من: آلَ يَئولُ، إذا رجع، فالمعنى: وطَلَبَ تأويلِهِ على مَنَازِعِهِمُ الفاسدَةِ، هذا في ما له تأويلٌ حسنٌ، وإن كان ممَّا لا يتأوَّل، بل يوقَفُ فيه، كالكلامِ في معنَى الرُّوح ونحوه، فنَفْسُ طلب تأويله هو اتباع ما تشابه، ثم قال تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، أي: وما يعلم تأويله على الكَمَال إلا اللَّه سبحانه.
واختلف في قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، فرأَتْ فرقةٌ أنَّ رفْعَ الراسخين هو بالعطْفِ على اسْمِ اللَّهِ (عَزَّ وجلَّ) وأنه مع علمهم بالمتشابه يقولونَ: آمَنَّا بِهِ، وقالتْ طائفةٌ أخرى: والراسخُونَ: رفْع بالابتداء، وهو مقطوعٌ من الكلامِ الأول، وخبره «يَقُولُونَ» ، والمنفَردُ بعلْم المتشابه هو اللَّه وحده.
قال ع «١» : وهذه المسألة إذا تأمّلت، قَرُبَ الخلافُ فيها من الاِتفاقِ، وذلك أنَّ اللَّه تعالى قسَّم آي الكتابِ قسْمَيْن محكمًا ومتشابهًا، فالمُحْكَم هو المتَّضِحُ المعنى لكلِّ من يفهم كلامَ العَرَب، لا يحتَاجُ فيه إِلى نظر، ولا يتعلَّق به شيء يلبِّس، ويستوي في علمه الراسخُ وغيره، والمتشابه على نوعَيْن، منه: ما لا يُعْلَمُ البتَّةَ كأمر الرُّوح، وآمادِ المغيَّبات التي قد أعْلَمَ اللَّه بوقوعها إلى سائر ذلك، ومنه: ما يُحْمَلُ على وجوه في اللغة، ومَنَاحٍ في كلامِ العربِ، فَيُتَأوَّلُ، ويُعْلَم تأويله، ولا يسمَّى أحدٌ راسِخاً إلاَّ أنْ يعلم من هذا النوع كثيراً بحَسَب ما قُدِّر له، فمَنْ قال: إن الراسخين لا يعلمون تأويله، فمراده النوْعُ الثاني الَّذي ذكرناه، ومَنْ قال: إن الراسخين لا يعلَمُونَ تأويله، فمراده النوع الأول كأمر الرُّوح، ووقْتِ الساعةِ، لكنَّ تخصيصه المتشابه بهذا النوعِ غيرُ صحيحٍ، بل هو نوعانِ كما ذكرنا، والضمير في تَأْوِيلِهِ عائدٌ على جميع متشابه القرآن، وهما نوعانِ كما ذكرنا، والرُّسُوخُ: الثبوتُ في الشيءِ، وسئل النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ، فَقَالَ: «هُوَ مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ، واستقام قَلْبُهُ» «٢» ، قُلْتُ: ومن «جامعِ العَتَبِيَّةِ» ، وسُئِل مالكٌ عن تفسيرِ الراسخين في العلم، فقال: العالمون العالمون بما علموا، المتَّبِعُونَ له، قال ابنُ رُشْدٍ: قولُ مالِكٍ هذا هو معنى ما رُوِيَ من أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سُئِلَ: مَنِ الراسِخُ في العِلْمِ؟
فقالَ: «مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وصَدَقَ لِسَانُهُ، / واستقام بِهِ قَلْبُهُ، وعَفَّ بَطْنُهُ، فَذَلِكَ الرَّاسِخُ فِي العِلْمِ» قال ابنُ رُشْدٍ: ويشهد لصحَّة هذا قولُ اللَّهِ (عز وجل) : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] لأنه كَلاَمٌ يدُلُّ عَلى أنَّ مَنْ لَمْ يَخْشَ اللَّه، فَلَيْسَ بعالمٍ.
انتهى.
قلت: وقد جاء في فضْلِ العلْمِ آثارٌ كثيرةٌ، فمن أحسنها: ما رواه أبو عُمَرَ بْنُ عبدِ البَرِّ بسنده، عن معاذِ بنِ جَبلٍ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تَعَلَّمُوا العِلْمَ فَإِنَّ تَعْلِيمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، والبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لاَ يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لأَهْلِهِ قُرْبَةٌ لأَنَّهُ مَعَالِمُ الحَلاَلِ وَالْحَرَامِ، وَمَنَارُ سُبُلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وهو الأنيسُ فِي الوَحْشَةِ، والصَّاحِبُ فِي الغُرْبَةِ، وَالمُحْدِّثُ فِي الخَلْوَةِ، والدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالسِّلاَحُ عَلَى الأَعْدَاءِ، وَالزِّيْنُ عِنْدَ الأَخِلاَّءِ، وَيَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَاماً فَيَجْعَلُهُمْ فِي الخَيْرِ قَادَةً وَأَئِمَّةً تُقْتَصُّ آثَارُهُمْ، ويقتدى بِفِعَالِهِمْ، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلّتهم،
سُورَةُ آَلِ عِمْرانَ.
ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وأنَّ صَدْرًا مِن أوَّلِها نَزَلَ في وفْدِ نَجْرانَ، قَدِمُوا النَّبِيَّ في سِتِّينَ راكِبًا، فِيهِمُ العاقِبُ، والسَّيِّدُ، فَخاصَمُوهُ في عِيسى، فَقالُوا: إنْ لَمْ يَكُنْ ولَدَ اللَّهِ، فَمَن أبَوْهُ؟
فَنَزَلَتْ فِيهِمْ صَدْرُ (آَلِ عِمْرانَ) إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آَيَةً مِنها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي: القُرْآَنَ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ يَعْنِي: العَدْلَ.
﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ مِنَ الكُتُبِ.
وقِيلَ: إنَّما قالَ في القُرْآَنِ: "نَزَلَ" بِالتَّشْدِيدِ، وفي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ: أنْزَلَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أُنْزِلَ في مَرَّةٍ واحِدَةٍ، وأُنْزِلَ القُرْآَنُ في مَرّاتٍ كَثِيرَةٍ.
فَأمّا التَّوْراةُ، فَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ الفَرّاءُ أنَّهُ يَجْلَعُها مِن: ورى الزَّنْدُ يُرى: إذا خَرَجَتْ نارُهُ، وأوْرَيْتُهُ، يُرِيدُ أنَّها ضِياءٌ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى: ورى يُرِي، ويُقالُ: ورَيْتُ بِكَ زِنادِي.
والإنْجِيلَ، مِن نَجَلْتُ الشَّيْءَ: إذا أخْرَجْتُهُ، ووَلَدُ الرَّجُلِ: نَجْلُهُ، كَأنَّهُ هو اسْتَخْرَجَهُ، يُقالُ: قَبَّحَ اللَّهُ ناجِلَيْهِ، أيْ: والِدَيْهِ، وقِيلَ لِلْماءِ يَقْطُرُ مِنَ البِئْرِ: نَجْلٌ، يُقالُ: قَدِ اسْتَنْجَلَ الوادِي: [إذا ظَهَرَ نُزُوزُهُ ] .
وإنْجِيلُ: إفْعِيلٌ مِن ذَلِكَ، كَأنَّ اللَّهَ أظْهَرَ بِهِ عافِيًا مِنَ الحَقِّ دارِسًا.
قالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: والإنْجِيلُ: أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، قالَ: وقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ عَرَبِيًّا، فاشْتِقاقُهُ مِنَ النَّجْلِ، وهو ظُهُورُ الماءِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، واتِّساعُهُ، ونَجَلْتُ الشَّيْءَ: إذا اسْتَخْرَجْتُهُ وأظْهَرْتُهُ، فالإنْجِيلُ مُسْتَخْرَجٌ بِهِ عُلُومٌ وحِكَمٌ وقِيلَ: هو إفْعِيلٌ مِنَ النَّجْلِ وهو الأصْلُ: فالإنْجِيلُ أصْلٌ لِعُلُومٍ وحِكَمٍ وفي الفُرْقانِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ قَتادَةُ، والجُمْهُورُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سُمِّيَ القُرْآَنُ فُرْقانًا، لِأنَّهُ فَرَقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والمُؤْمِنِ والكافِرِ، والثّانِي: أنَّهُ الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أمْرِ عِيسى حِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وقالَ السُّدِّيُّ: في الآَيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: وأنْزَلَ التَّوْراةَ، والإنْجِيلَ، والفَرْقانَ، فِيهِ هُدًى لِلنّاسِ.
*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ وفْدَ نَجْرانَ النَّصارى، كَفَرُوا بِالقُرْآَنِ، وبِمُحَمَّدٍ.
والِانْتِقامُ: المُبالَغَةُ في العُقُوبَةِ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ فِيما عَلِمْتُ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ اسْمَ هَذِهِ السُورَةِ في التَوْراةِ طَيِّبَةُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الم ﴾ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ ﴿ مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ العُلَماءِ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومِن حَيْثُ جاءَ في هَذِهِ السُورَةِ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ جُمْلَةً قائِمَةً بِنَفْسِها فَتُتَصَوَّرُ تِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها فِي: "الم" في هَذِهِ السُورَةِ، وذَهَبَ الجُرْجانِيُّ في النَظْمِ إلى أنَّ أحْسَنَ الأقْوالِ هُنا أنْ يَكُونَ "الم" إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابُكَ أو نَحْوُ هَذا، ويَدُلُّ قَوْلُهُ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ عَلى ما تَرَكَ ذِكْرَهُ مِمّا هو خَبَرٌ عَنِ الحُرُوفِ، قالَ: وذَلِكَ في نَظْمِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ ﴾ وتَرْكُ الجَوابِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللهِ ﴾ تَقْدِيرُهُ: كَمَن قَسا قَلْبُهُ.
ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ∗∗∗ عَلَيْكُمْ، ولَكِنْ خامِرِي أُمَّ عامِرِ التَقْدِيرُ: ولَكِنِ اتْرُكُونِي لِلَّتِي يُقالُ لَها: "خامِرِي أُمَّ عامِرٍ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَحْسُنُ في هَذا القَوْلِ أنْ يَكُونَ "نَزَّلَ" خَبَرَ قَوْلِهِ "اللهُ" حَتّى يَرْتَبِطَ الكَلامُ إلى هَذا المَعْنى.
وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي الجُرْجانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ مِثْلَهُ لَيْسَتْ صَحِيحَةَ الشَبَهِ بِالمَعْنى الَّذِي نَحا إلَيْهِ، وما قالَهُ في الآيَةِ مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الأبْرَعَ في نَظْمِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ "الم" لا تَضُمُّ ما بَعْدَها إلى نَفْسِها في المَعْنى، وأنْ يَكُونَ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً جَزْمًا جُمْلَةً رادَّةً عَلى نَصارى نَجْرانَ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ فَحاجُّوهُ في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وقالُوا: إنَّهُ اللهُ، وذَلِكَ أنَّ ابْنَ إسْحاقَ والرَبِيعَ وغَيْرَهُما مِمَّنْ ذَكَرَ السِيَرَ، رَوَوْا «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللهِ : نَصارى سِتُّونَ راكِبًا، فِيهِمْ مِن أشْرافِهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، في الأرْبَعَةَ عَشَرَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، إلَيْهِ يَرْجِعُ أمْرُهُمُ: العاقِبُ أمِيرُ القَوْمِ وذُو رَأْيِهِمْ واسْمُهُ عَبْدُ المَسِيحِ، والسَيِّدُ ثِمالُهم وصاحِبُ مُجْتَمَعِهِمْ واسْمُهُ الأيْهَمُ، وأبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ أُسْقُفُهم وعالِمُهُمْ؛ فَدَخَلُوا عَلى رَسُولِ اللهِ المَسْجِدَ إثْرَ صَلاةِ العَصْرِ، عَلَيْهِمُ الحَبِراتُ جِبَبٌ وأرْدِيَةٌ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ: ما رَأيْنا وفْدًا مِثْلَهم جَمالًا وجَلالَةً، وحانَتْ صَلاتُهم فَقامُوا فَصَلُّوا في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ إلى المَشْرِقِ، فَقالَ النَبِيُّ : "دَعُوهُمْ"؛ ثُمَّ أقامُوا بِالمَدِينَةِ أيّامًا يُناظِرُونَ رَسُولَ اللهِ في عِيسى ويَزْعُمُونَ أنَّهُ اللهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْوالٍ بَشِعَةٍ مُضْطَرِبَةٍ، ورَسُولُ اللهِ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِالبَراهِينِ الساطِعَةِ وهم لا يُبْصِرُونَ، ونَزَلَ فِيهِمْ صَدْرُ هَذِهِ السُوَرِ إلى نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً، إلى أنْ آلَ أمْرُهم إلى أنْ دَعاهم رَسُولُ اللهِ إلى الِابْتِهالِ،» وسَيَأْتِي تَفْسِيرُ ذَلِكَ.
وَقَرَأ السَبْعَةُ "ألَمَ اللهُ" بِفَتْحِ المِيمِ والألِفِ ساقِطَةً، ورُوِيَ عن عاصِمٍ أنَّهُ سَكَّنَ المِيمَ ثُمَّ قَطَعَ الألِفَ، رَوى الأُولى الَّتِي هي كالجَماعَةِ حَفْصٌ، ورَوى الثانِيَةَ أبُو بَكْرٍ، وذَكَرَها الفَرّاءُ عن عاصِمٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرُؤاسِيُّ وأبُو حَيْوَةَ " ألَمِ" بِكَسْرِ المِيمِ لِلِالتِقاءِ وذَلِكَ رَدِيءٌ لِأنَّ الياءَ تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، والصَوابُ الفَتْحُ قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُرُوفُ التَهَجِّي مَبْنِيَّةٌ عَلى الوَقْفِ فالمِيمُ ساكِنَةٌ واللامُ ساكِنَةٌ، فَحُرِّكَتِ المِيمُ بِالفَتْحِ كَما حُرِّكَتِ النُونُ في قَوْلِكَ: مِنَ اللهِ ومِنَ المُسْلِمِينَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَن قالَ بِأنَّ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ أُلْقِيَتْ عَلى المِيمِ فَذَلِكَ ضَعِيفٌ لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ الألِفَ المَوْصُولَةَ في التَعْرِيفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ، فَما يَسْقُطُ فَلا تُلْقى حَرَكَتُهُ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: "الحَيُّ القَيُّومُ" في آيَةِ الكُرْسِيِّ، والآيَةُ هُنالِكَ إخْبارٌ لِجَمِيعِ الناسِ، وكُرِّرَتْ هُنا إخْبارًا لِحُجَجِ هَؤُلاءِ النَصارى، ولِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ أنْ هَذِهِ الصِفاتِ لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاؤُها لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهم إذْ يَقُولُونَ إنَّهُ صُلِبَ، فَذَلِكَ مَوْتٌ في مُعْتَقَدِهِمْ لا مَحالَةَ، إذْ مِنَ البَيِّنِ أنَّهُ لَيْسَ بِقَيُّومٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "القَيُّومُ" وزْنُهُ فَيْعُولُ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ "القَيّامُ" وزْنُهُ- فَيْعالُ- ورُوِيَ عن عَلْقَمَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ "القَيِّمُ" وزْنُهُ فَيْعِلُ، وهَذا كُلُّهُ مِن: قامَ بِالأمْرِ يَقُومُ بِهِ إذا اضْطَلَعَ بِحِفْظِهِ وبِجَمِيعِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في وُجُودِهِ، فاللهُ تَعالى القَيّامُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِما يَنْبَغِي لَهُ أو فِيهِ أو عَلَيْهِ.
وتَنْزِيلُ اللهِ الكِتابَ هو بِواسِطَةِ المَلَكِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"الكِتابَ" في هَذا المَوْضِعِ القُرْآنُ بِاتِّفاقٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "نَزَّلَ عَلَيْكَ" بِتَشْدِيدِ الزايِ "الكِتابَ" بِنَصْبِ الباءِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ "نَزَلَ عَلَيْكَ الكِتابُ" بِتَخْفِيفِ الزايِ ورَفْعِ الباءِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُنْحازَةٌ.
وقَوْلُهُ "بِالحَقِّ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى ضِمْنَ الحَقائِقِ مِن خَيْرِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ ومَواعِظِهِ، فالباءُ عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ: جاءَنِي كِتابٌ بِخَبَرِ كَذا وكَذا، أيْ ذَلِكَ الخَبَرُ مُقْتَصٌّ فِيهِ، والثانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ نَزَّلَ الكِتابَ بِاسْتِحْقاقِ أنْ يَنْزِلَ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ الشامِلَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ واجِبٌ عَلى اللهِ تَعالى أنْ يَفْعَلَهُ، بَلْ لَهُ بِالحَقِّ أنْ يَفْعَلَهُ، فالباءُ في هَذا المَعْنى عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ﴾ .
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: مَعْنى قَوْلِهِ "بِالحَقِّ": أيْ مِمّا اخْتَلَفَ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ واضْطَرَبَ فِيهِ هَؤُلاءِ النَصارى الوافِدُونَ، وهَذا داخِلٌ في المَعْنى الأوَّلِ.
و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وهي راتِبَةٌ غَيْرُ مُنْتَقِلَةٍ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُصَدِّقٍ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن كِتابِ اللهِ، فَهو كَقَوْلِ ابْنِ دارَةَ: أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِي ∗∗∗ ∗∗∗ وهَلْ بِدارَةَ يا لَلنّاسِ مِن عارِ؟
و"ما بَيْنَ يَدَيْهِ" التَوْراةُ والإنْجِيلُ وسائِرُ كُتُبِ اللهِ الَّتِي تُلُقِّيَتْ مِن شَرْعِنا كالزَبُورِ والصُحُفِ؛ وما بَيْنَ اليَدِ في هَذِهِ الحَوادِثِ هو المُتَقَدِّمُ في الزَمَنِ.
و"التَوْراةَ والإنْجِيلَ" اسْمانِ أصْلُهُما عِبْرانِيٌّ، لَكِنَّ النُحاةَ وأهْلَ اللِسانِ حَمَلُوها عَلى الِاشْتِقاقِ العَرَبِيِّ، فَقالُوا في التَوْراةِ: إنَّها مِن ورِيَ الزَنْدُ يَرِي إذا قُدِحَ وظَهَرَتْ نارُهُ، يُقالُ: أورَيْتُهُ فَوَرِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ" وقَوْلُهُ: ﴿ أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ ﴾ .
قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَأمّا قَوْلُهُمْ: ورِيَتْ بِكَ زِنادِي عَلى وزْنِ فَعِلَتْ، فَزَعَمَ أبُو عُثْمانَ أنَّهُ اسْتُعْمِلَ في هَذا الكَلامِ فَقَطْ ولَمْ يُجاوَزْ بِهِ غَيْرُهُ.
وتَوْراةٌ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وسائِرِ البَصْرِيِّينَ فَوْعَلَةٌ، كَحَوْقَلَةٍ، أصْلُها ووْرَيَةٌ قُلِبَتِ الواوُ الأُولى تاءً، كَما قُلِبَتْ في "تَوْلَجَ" وأصْلُهُ "وَوْلَجَ" مِن: ولَجَتْ.
وحَكى الزَجّاجُ عن بَعْضِ الكُوفِيِّينَ: أنَّ تَوْراةً أصْلُها تَفْعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، مِن: ورِيَتْ بِكَ زِنادِي، قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مِن: أورَيْتَ، قالَ: فَهي تَوْرِيَةٌ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ تَفْعِلَةً بِكَسْرِ العَيْنِ مِثْلَ تَوْصِيَةٍ "ثُمَّ رُدَّتْ إلى تَفْعَلَةٍ بِفَتْحِ العَيْنِ.
قالَ الزَجّاجُ وكَأنَّهُ يُجِيزُ في تَوْصِيَةٍ" تَوْصِأةً وذَلِكَ غَيْرُ مَسْمُوعٍ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فالياءُ لَمّا انْفَتَحَ ما قَبْلَها وتَحَرَّكَتْ هي انْقَلَبَتْ ألِفًا فَقِيلَ: تَوْراةٌ، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قَوْلَ البَصْرِيِّينَ وضَعَّفَهُ غَيْرُهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ "التَوْراةَ" مَفْتُوحَةَ الراءِ، وكانَ حَمْزَةُ ونافِعٌ يَلْفِظانِ بِالراءِ بَيْنَ اللَفْظَيْنِ بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وكَذَلِكَ فَعَلا في قَوْلِهِ: "مَعَ الأبْرارِ" و"مِنَ الأشْرارِ" و"مِن قَرارٍ" إذا كانَ الحَرْفُ مَخْفُوضًا.
ورَوى المُسَيِّبِيُّ عن نافِعٍ فَتْحَ الراءِ مِنَ التَوْراةِ، ورَوى ورْشٌ عنهُ كَسْرَها، وكانَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ يَكْسِرانِ الراءَ مِنَ التَوْراةِ ويُمِيلانِ "مِنَ الأبْرارِ" وغَيْرَها أشَدَّ مِن إمالَةِ حَمْزَةَ ونافِعٍ.
وقالُوا في الإنْجِيلِ: إنَّهُ إفْعِيلٌ مِنَ النَجْلِ، وهو الماءُ الَّذِي يَنِزُّ مِنَ الأرْضِ؛ قالَ الخَلِيلُ: اسْتَنْجَلَتِ الأرْضُ وبِها نِجالٌ إذا خَرَجَ مِنها الماءُ.
والنَجْلُ أيْضًا الوَلَدُ والنَسْلُ قالَهُ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ، ونَجَلَهُ أبُوهُ أيْ ولَدَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: أنْجَبَ أيّامَ والِداهُ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ إذْ نَجَلاهُ فَنِعْمَ ما نَجَلا قالَ ابْنُ سِيدَهْ عن أبِي عَلِيٍّ: مَعْنى قَوْلِهِ: "أيّامَ والِداهُ بِهِ" كَما تَقُولُ: أنا بِاللهِ وبِكَ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: مَعْنى البَيْتِ: أنْجَبَ والِداهُ بِهِ أيّامَ إذْ نَجَلاهُ، فَهو كَقَوْلِكَ: حِينَئِذٍ ويَوْمَئِذٍ لَكِنَّهُ حالٌ بِالفاعِلِ بَيْنَ المُضافِ الَّذِي هو "أيّامَ" وبَيْنَ المُضافِ إلَيْهِ الَّذِي هو "إذْ".
ويُرْوى هَذا البَيْتُ: "أنْجَبَ أيّامَ والِدَيْهِ".
والنَجْلُ: الرَمْيُ بِالشَيْءِ وذَلِكَ أيْضًا مِن مَعْنى الظُهُورِ وفِراقِ شَيْءٍ شَيْئًا، وحَكى أبُو القاسِمِ الزَجّاجِيُّ في نَوادِرِهِ: أنَّ الوالِدَ يُقالُ لَهُ: نَجْلٌ، وأنَّ اللَفْظَةَ مِنَ الأضْدادِ، وأمّا بَيْتُ زُهَيْرٍ فالرِوايَةُ الصَحِيحَةُ فِيهِ: .......................
∗∗∗ وكُلُّ فَحْلٍ لَهُ نَجْلُ أيْ ولَدٌ كَرِيمٌ ونَسْلٌ.
ورَوى الأصْمَعِيُّ فِيما حُكِيَ "عنهُ" "وَكُلُّ فَرْعٍ لَهُ نَجْلُ"، وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى تَسْمِيَةِ الوالِدِ نَجْلًا.
وقالَ الزَجّاجُ: الإنْجِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَجْلِ وهو الأصْلُ، فَهَذا يَنْحُو إلى ما حَكى أبُو القاسِمِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: فالتَوْراةُ مِن ورى الزِنادُ إذا ظَهَرَتْ نارُهُ والإنْجِيلُ مِن نَجَلَ إذا ظَهَرَ ولَدُهُ، أو مِن ظُهُورِ الماءِ مِنَ الأرْضِ، فَهو مُسْتَخْرَجٌ إمّا مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ وإمّا مِنَ التَوْراةِ.
و"الفُرْقانَ" مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَحُرُوفُها مُخْتَلِفَةٌ، والمَعْنى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، إذْ كُلُّها مَعْناهُ: ظُهُورُ الحَقِّ، وبَيانُ الشَرْعِ وفَصْلُهُ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأباطِيلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "الأنْجِيلَ" - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ - وذَلِكَ لا يَتَّجِهُ في كَلامِ العَرَبِ، ولَكِنْ تَحْمِيهِ مَكانَةُ الحَسَنِ مِنَ الفَصاحَةِ، وأنَّهُ لا يَقْرَأُ إلّا بِما رَوى، وأراهُ نَحا بِهِ نَحْوَ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنِي مِن قَبْلِ القُرْآنِ.
وقَوْلُهُ: "هُدىً لِلنّاسِ" مَعْناهُ دُعاءٌ، والناسُ: بَنُو إسْرائِيلَ في هَذا المَوْضِعِ، لِأنَّهُمُ المَدْعُوُّونَ بِهِما لا غَيْرُ، وإنْ أرادَ أنَّهُما هُدىً في ذاتِهِما مَدْعُوٌّ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ وغَيْرُهُ، مَنصُوبٌ لِمَنِ اهْتَدى بِهِ، فالناسُ عامٌّ في كُلِّ مَن شاءَ حِينَئِذٍ أنْ يَسْتَبْصِرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ هُنا "لِلنّاسِ"، وقالَ في القُرْآنِ: "هُدىً لِلْمُتَّقِينَ" وذَلِكَ عِنْدِي لِأنَّ هَذا خَبَرٌ مُجَرَّدٌ، وقَوْلُهُ: "هُدىً لِلْمُتَّقِينَ" خَبَرٌ مُقْتَرِنٌ بِهِ الِاسْتِدْعاءُ والصَرْفُ إلى الإيمانِ، فَحَسُنَتِ الصِفَةُ، لِيَقَعَ مِنَ السامِعِ النَشاطُ والبِدارُ، وذَكَرَ الهُدى الَّذِي هو إيجادُ الهِدايَةِ في القَلْبِ، وهُنا إنَّما ذَكَرَ الهُدى الَّذِي هو الدُعاءُ، والهُدى الَّذِي هو في نَفْسِهِ مُعَدٌّ يَهْتَدِي بِهِ الناسُ، فَسُمِّيَ هُدىً لِذَلِكَ، وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: التَقْدِيرُ هُنا: هُدىً لِلنّاسِ المُتَّقِينَ، ويَرُدُّ هَذا العامَّ إلى ذَلِكَ الخاصِّ، وفي هَذا نَظَرٌ.
والفُرْقانُ: القُرْآنُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، الَّذِي جادَلَ فِيهِ الوَفْدُ، وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وغَيْرُهُما: فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أحْكامِ الشَرائِعِ، وفي الحَلالِ والحَرامِ وَنَحْوِهِ، والفُرْقانُ يَعُمُّ هَذا كُلَّهُ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الفُرْقانُ هُنا: كُلُّ أمْرٍ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فِيما قَدُمَ وحَدُثَ، فَيَدْخُلُ في هَذا التَأْوِيلِ طُوفانُ نُوحٍ، وفَرْقُ البَحْرِ لِغَرَقِ فِرْعَوْنَ، ويَوْمُ بَدْرٍ، وسائِرُ أفْعالِ اللهِ تَعالى المُفَرِّقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَكَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الكِتابَ العَزِيزَ، ثُمَّ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، ثُمَّ كُلَّ أفْعالِهِ ومَخْلُوقاتِهِ الَّتِي فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَما فَعَلَتْ هَذِهِ الكُتُبُ ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى الكُفّارَ عُمُومًا بِالعَذابِ الشَدِيدِ، وذَلِكَ يَعُمُّ عَذابَ الدُنْيا بِالسَيْفِ والغَلَبَةِ، وعَذابَ الآخِرَةِ بِالنارِ، والإشارَةُ بِهَذا الوَعِيدِ إلى نَصارى نَجْرانَ، وقالَ النَقّاشُ: إلى اليَهُودِ، كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وكَعْبِ بْنِ أسَدٍ، وابْنَيْ أخْطَبَ وغَيْرِهِمْ.
و"عَزِيزٌ"، مَعْناهُ: غالِبٌ، وقَدْ ذَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ والنِقْمَةُ والِانْتِقامُ: مُعاقَبَةُ المُذْنِبِ بِمُبالَغَةٍ في ذَلِكَ..
<div class="verse-tafsir"
لما كان أول أغراض هذه السورة، الذي نزلت فيه، هو قضية مجادلة نصارى نجران حين وفدوا إلى المدينة، وبيان فضل الإسلام على النصرانِيَّة، لا جرم افتتحت بحروف التهجّي، المرموز بها إلى تحدّي المكذّبين بهذا الكتاب، وكان الحظّ الأوفر من التكذيب بالقرآن للمشركين منهم، ثم للنصارى من العَرب؛ لأنّ اليهود الذين سكنوا بلاد العرب فتكلّموا بلسانهم لم يكونوا معدودين من أهل اللسان، ويندر فيهم البلغاء بالعربية مثلُ السَّمَوْأل، وهذا وما بعده إلى قوله: ﴿ إن الله اصطفى ءادم ونوحا ﴾ [آل عمران: 33] تمهيد لِما نزلت السورة بسببه وبراعة استهلال لذلك.
وتقدم القول في معاني ﴿ آلم ﴾ أول البقرة.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ آلِ عِمْرانَ ﴿ الم ﴾ ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ ﴿ مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ﴾ ﴿ الم ﴾ ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ ذَلِكَ مِن قَبْلُ.
فَإنْ قِيلَ: ﴿ الم ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى كانَ قَوْلُهُ: ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ نَعْتًا لِلْمُسَمّى بِهِ، وتَفْسِيرُهُ أنَّ الم هو اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وَإنْ قِيلَ: إنَّهُ قَسَمٌ كانَ واقِعًا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ، إثْباتًا لِكَوْنِهِ إلَهًا ونَفْيًا أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ إلَهًا.
وَإنْ قِيلَ بِما سِواهُما مِنَ التَّأْوِيلاتِ كانَ ما بَعْدَهُ مُبْتَدَأً مَوْصُوفًا، وأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ.
وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنَ السُّورَةِ في وفْدِ نَجْرانَ مِنَ النَّصارى لَمّا جاؤُوا يُحاجُّونَ النَّبِيَّ وكانُوا أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ.
﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالعَدْلِ مِمّا اسْتَحَقَّهُ عَلَيْكَ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ.
والثّانِي: بِالعَدْلِ فِيما اخْتَصَّكَ بِهِ مِن شَرَفِ الرِّسالَةِ.
وَإنْ قِيلَ بِأنَّهُ الصِّدْقُ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالصِّدْقِ فِيما تَضَمَّنَهُ مِن أخْبارِ القُرُونِ الخالِيَةِ والأُمَمِ السّالِفَةِ.
والثّانِي: بِالصِّدْقِ فِيما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ بِالثَّوابِ عَلى طاعَتِهِ، والوَعِيدِ بِالعِقابِ عَلى مَعْصِيَتِهِ.
﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أيْ لِما قَبْلَهُ مِن كِتابٍ ورَسُولٍ، وإنَّما قِيلَ لِما قَبْلَهُ ﴿ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ لِأنَّهُ ظاهِرٌ لَهُ كَظُهُورِ ما بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ مُخْبِرًا بِما بَيْنَ يَدَيْهِ إخْبارَ صِدْقٍ دَلَّ عَلى إعْجازِهِ.
والثّانِي: مَعْناهُ أنَّهُ يُخْبِرُ بِصِدْقِ الأنْبِياءِ فِيما أتَوْا بِهِ عَلى خِلافِ مَن يُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ويَكْفُرُ بِبَعْضٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِدَلائِلِهِ وحُجَجِهِ.
والثّانِي: بِآياتِ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ وفْدَ نَجْرانَ حِينَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ لِمُحاجَّتِهِ.
﴿ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ يَعْنِي عَذابَ جَهَنَّمَ.
﴿ واللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في امْتِناعِهِ.
الثّانِي: في قُدْرَتِهِ.
﴿ ذُو انْتِقامٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذُو سَطْوَةٍ.
والثّانِي: ذُو اقْتِضاءٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أبيّ بن كعب أنه قرأ ﴿ الحي القيوم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: ﴿ القيوم ﴾ القائم على كل شيء.
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي داود وابن الأنباري معاً في المصاحف وابن المنذر والحاكم وصححه عن عمر أنه صلى العشاء الآخرة فاستفتح سورة آل عمران، فقرأ ﴿ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ .
وأخرج ابن أبي داود عن الأعمش قال في قراءة عبدالله ﴿ الحي القيام ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن الأنباري عن علقمة أنه كان يقرأ ﴿ الحي القيام ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن الأنباري عن أبي معمر قال: سمعت علقمة يقرأ ﴿ الحي القيم ﴾ وكان أصحاب عبدالله يقرؤون ﴿ الحي القيام ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: كان عمر يعجبه أن يقرأ سورة آل عمران في الجمعة إذا خطب.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد نجران ستون راكباً، فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب، وعبد المسيح، والأيهم السيد، وهو من النصرانية على دين الملك مع اختلاف من أمرهم.
يقولون هو الله، ويقولون هو ولد الله، ويقولون هو ثالث ثلاثة، كذلك قول النصرانية، فهم يحتجون في قولهم يقولون هو الله بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الاسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيراً، وذلك كله بإذن الله ليجعله آية للناس.
ويحتجون في قولهم بأنه ولد بأنهم يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد شيئاً لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله.
ويحتجون في قولهم إنه ثالث ثلاثة بقول الله: فعلنا: وأمرنا، وخلقنا، وقضينا، فيقولون: لو كان واحداً ما قال إلا فعلت، وأمرت، وقضيت، وخلقت، ولكنه هو وعيسى ومريم.
ففي كل ذلك من قولهم نزل القرآن وذكر الله لنبيه فيه قولهم، فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسلما» قالا: قد أسلمنا قبلك.
قال: «كذبتما منعكما من الإِسلام دعاؤكما لله ولداً، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير» ، قالا: فمن أبوه يا محمد؟
فصمت فلم يجبهما شيئاً، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها، فافتتح السورة بتنزيه نفسه مما قالوه، وتوحيده إياهم بالخلق، والأمر لا شريك له فيه، ورد عليه ما ابتدعوا من الكفر، وجعلوا معه من الأنداد، واحتجاجاً عليهم بقولهم في صاحبهم ليعرفهم بذلك ضلالتهم فقال: ﴿ الم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ أي ليس معه غيره شريك في أمره، الحي الذي لا يموت وقد مات عيسى، في قولهم القائم على سلطانه لا يزول وقد زال عيسى.
وقال ابن إسحق: حدثني محمد بن سهل بن أبي امامة قال: لما قدم أهل نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن عيسى ابن مريم.
نزلت فيهم فاتحة آل عمران إلى رأس الثمانين منها وأخرجه البيهقي في الدلائل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع قال: إن النصارى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخاصموه في عيسى ابن مريم وقالوا له: من أبوه؟
وقالوا على الله الكذب والبهتان.
فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟» قالوا: بلى.
قال: «ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وإن عيسى يأتي عليه الفناء؟» قالوا: بلى.
قال: «ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟» قالوا: بلى.
قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً؟
قالوا: لا.
قال: «أفلستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟
قالوا: بلى.
قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئاً إلا ما علم؟» قالوا: لا.قال: «فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب، ولا يحدث الحدث؟» قالوا: بلى.
قال: «ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غُذّيَ كما تُغذي المرأة الصبي، ثم كان يأكل الطعام، ويشرب الشراب، ويحدث الحدث؟» قالوا: بلى.
قال: «فكيف يكون هذا كما زعمتم؟» فعرفوا ثم أبوا إلا جحوداً.
فأنزل الله: ﴿ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور والطبراني عن ابن مسعود أنه كان يقرؤها ﴿ القيام ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن علقمة أنه قرأ ﴿ الحي القيوم ﴾ .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه ﴾ قال: لما قبله من كتاب أو رسول.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ يقول: من البينات التي أنزلت على نوح وإبراهيم وهود والأنبياء.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ نزل عليك الكتاب ﴾ قال: القرآن ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ من الكتب التي قد خلت قبله ﴿ وأنزل التوراة والإنجيل، من قبل هدى للناس ﴾ هما كتابان أنزلهما الله فيهما بيان من الله، وعصمة لمن أخذ به، وصدق به وعمل بما فيه ﴿ وأنزل الفرقان ﴾ هو القرآن فرق به بين الحق والباطل.
فأحل فيه حلاله، وحرم فيه حرامه، وشرع فيه شرائعه، وَحَدَّ فيه حدوده، وفرض فيه فرائضه، وبَيَّنَ فيه بيانه، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير ﴿ وأنزل الفرقان ﴾ أي الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره.
وفي قوله: ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام ﴾ أي أن الله منتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها، ومعرفته بما جاء منه فيها.
وفي قوله: ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ﴾ أي قد علم ما يريدون، وما يكيدون، وما يضاهون بقولهم في عيسى.
إذ جعلوه رباً، وإلهاً، وعندهم من علمه غير ذلك، غرة بالله وكفراً به ﴿ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ قد كان عيسى ممن صور في الأرحام لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه، كما صور غيره من بني آدم فكيف يكون إلهاً وقد كان بذلك المنزل؟
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: ﴿ يصوركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ قال: ذكوراً وإناثاً.
وأخرج ابن جرير من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح وعن ابن عباس عن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة.
في قوله: ﴿ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ قال: إذا وقعت النطفة في الأرحام طارت في الجسد أربعين يوماً، ثم تكون علقة أربعين يوماً، ثم تكون مضغة أربعين يوماً.
فإذا بلغ أن يخلق، بعث الله ملكاً يصوّرها فيأتي الملك بتراب بين اصبعيه، فيخلط فيه المضغة، ثم يعجنه بها، ثم يصوّره كما يؤمر، ثم يقول أذكر أم أنثى، أشقي أم سعيد، وما رزقه، وما عمره، وما أثره، وما مصائبه؟
فيقول الله...
ويكتب الملك.
فإذا مات ذلك الجسد دفن حيث أخذ ذلك التراب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ قال: من ذكر، وأنثى، وأحمر، وأبيض، وأسود، وتام، وغير تام الخلق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ العزيز الحكيم ﴾ قال: العزيز في نقمته إذا انتقم، الحكيم في أمره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الم ﴾ اجتمعت القرّاء على فتح الميم، وإدراج ألفِ اللهِ في الوصل (١) (٢) (٣) واختلفوا في عِلَّةِ فتح الميم: فقال الفراء (٤) (٥) ومذهب سيبويه (٦) (٧) (٨) (٩) ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا ﴾ (١٠) فكذلك (١١) ﴿ الم ﴾ ، إذا اتَّصَلَ بما قبلها لزم حذفُها، كما لزم إسقاطُها فيما (١٢) (١٣) وأمّا ما احتج به الفرّاءُ مِن أنّ هذه الحروف موضوعةٌ على الوقف، وإذا كان كذلك وجب أنْ تثبت الهمزةُ ولا تحذَف، كما تثبت في الابتداء، فإذا لزم أن لا (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) فقولك: (ألقيت حركته عليه) بمنزلة قولك: (وَصَلْتُه)، ألا ترى أنك إذا خفَّفْتَ (مَنْ أَبُوكَ)، قلتَ: (مَنَ بُوك) فَوَصَلْتَ، ولو (١٩) (٢٠) (٢١) ويقوي قولَ الفراء ما حكاه سيبويه (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) والساكن الذي حُرِّكت لَهُ الميمُ في ﴿ الم ﴾ ، الساكنُ الثالث، وهو (٢٧) ﴿ حم (1) عسق ﴾ ، ولا يُحرَّك الساكنُ الثاني منها.
وجمعهم بين الساكِنَيْنِ في هذه الحروف، دليلٌ على أنها في ﴿ الم ﴾ ليس بمتحرك للساكن الثاني إذ لو كان للثاني (٢٨) (٢٩) قال الأخفش (٣٠) ﴿ الم ﴾ ، لَجَازَ.
قال أبو إسحاق (٣١) (٣٢) (٣٣) قال أبو علي (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) وقول أبي إسحاق: (إنَّ ما قبل الميم ياءً مكسورًا (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) وكما جاز الفتح بعد الياء؛ لقولهم (٤٤) (٤٥) ويدل على جواز التحريك بالكسر لالتقاء الساكنين في ما (٤٦) (٤٧) (٤٨) وأما (٤٩) (٥٠) (٥١) قال محمد بن إسحاق (٥٢) (٥٣) (٥٤) نزلت هذه الآية، إلى (٥٥) (٥٦) (٥٧) قال ابن عباس (٥٨) ﴿ الم ﴾ يريد بالألف: الله، واللام (٥٩) (٦٠) ﴿ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ .
(١) أي: بأن تُفتح الميمُ، ولا تظهر همزةُ اسم الجلالة في الوصل، حال النطق.
انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجّاج 1/ 373، "السبعة في القراءات" لابن مجاهد 200، "الحجة للقراء السبعة" لأبي علي الفارسي 3/ 8، وكتاب "التبصرة في القراءات السبع" لمكي بن أبي طالب 455، "إتحاف فضلاء البشر" لأحمد البَنّا ص 170.
ويجوز لكل القرّاء في "ميم" المدُّ والقصر؛ لتغير سبب المد، فيجوز الاعتداد بالعارض وعدمه.
انظر: "إتحاف فضلاء البشر" ص 170، "البدور الزاهرة" لعبد الفتاح القاضي 58.
(٢) في (ج)، (د): (روي).
(٣) (قَطَع الألف) أي: ابتدأ بها.
انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 9، "السبعة" لابن مجاهد 200، "التبصرة" لمكي ص 455.
وهذه القراءة عن عاصم، رواها ابنُ مجاهد من طرق عدّة عن أبي بكر عنه، كما رُويت عن الحسن، وعمرو بن عبيد، وأبي جعفر الرؤاسي، والأعمش، والأعشى، والبرجمي، وابن القعقاع.
انظر: "السبعة" ص 200، "معاني القرآن" للفراء 1/ 9، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 307، "علل الوقوف" للسجاوندي: 1/ 220، "البحر المحيط" لأبي حيان: 2/ 374.
ولكنَّ المعروف والمضبوط عن عاصم هو الوصلُ وفتح الميم، وهي == روايةُ حفصٍ عنه.
ويقول الزجّاج: (والمضبوط عن عاصم في رواية أبي بكر بن عياش وأبي عمرو فتح الميم.
وفتح الميم إجماعٌ).
ويقول مكي: (والذي قرأت به في رواية يحيى بن آدم بالوصل، مثل الجماعة).
يعني: رواية يحيى عن أبي بكر.
انظر: "معاني القرآن" للزجّاج: 1/ 373، "التبصرة" لمكي 455، "السبعة" لابن مجاهد ص 200، "الحجة" للفارسي 3/ 5.
(٤) في "معاني القرآن" له 1/ 9.
نقله عنه بالمعنى.
وقد تقدمت ترجمته.
(٥) يعني بـ "الثبات": عدم سقوط الهمزة في الوصل.
وقد ذهب الزمخشريُّ مذهبَ الفرّاء، وناقشه أبو حيان ورَدَّ عليه.
انظر: "الكشاف" للزمخشري 1/ 410، "البحر المحيط" لأبي حيان 2/ 375 "الدر المصون" للسمين الحلبي 3/ 812.
(٦) في "الكتاب" له 4/ 152.
(٧) قال السمين الحلبي: (وهو مذهب سيبويه وجمهور الناس).
"الدر المصون" 3/ 6.
(٨) في (ج): (متحركة).
(٩) يقول أبو علي الفارسي: (فإن كان الحرف الثاني من الكلمة التي فيها الساكن الثاني مضمومًا ضمة لازمة، جاز فيه التحريكُ بالضم والكسر جميعًا) وأتى بهذه الآية ضمن الشواهد على ذلك.
ثم قال: وجميع هذا يجوز في الساكن الأول التحريك بالضم) أي أن تقرأ هكذا: ﴿عَذَابٍ (41) ارْكُضْ﴾ في حال الوصل.
"التكملة" للفارسي 177، وانظر: "كتاب سيبويه" 4/ 153، "الكشف" لمكي 1/ 274.
وقد قرأ بكسر الباء مع التنوين في ﴿ عَذَابٌ ﴾ في حال الوصل: عاصم، وحمزة، وأبو عمرو بن العلاء، وقنبل، وابن ذكوان، ويعقوب.
وأجمعوا على ضم الهمزة في الابتداء.
وقرأ الباقون بضم الباء مع التنوين.
انظر: "الكشف" لمكي 1/ 274، 275، وقال: والضم في ذلك كلِّه الاختيارُ؛ لأن عليه أكثر القراء، ولأنه أخف.
والكسر حسن؛ لأنه الأصل في حركة التقاء الساكنين.
وانظر: "إتحاف فضلاء البشر" ص 372، "البدور الزاهرة" ص 272.
(١٠) وقد وردت كتابتها في جميع النسخ: (وأن لو) بفصل (أن) عن (لو).
وأثبتها وفق رسم المصحف.
(١١) في (ج): (فلذلك).
(١٢) في (ج): (في ما).
(١٣) في (ب)، (ج)، (د): (إذًا).
(١٤) (لا) ساقطة من: (ج)، (د).
(١٥) (كما لا تحذف): ساقط من (ج).
(١٦) في (ج): (الحرف).
(١٧) في (د): (يوجب).
(١٨) في (ج): (وإثباتها).
(١٩) (ولو) ساقطة من (د).
(٢٠) في (ب): (وإذا).
(٢١) يقول السمين الحلبي - بعد أن نقل ردّ الواحدي هذا على الفراء: (قلت: هذا الرد مردود؛ بأن ذلك معامل معاملة الموقوف عليه، والابتداء بما بعده، لا أنه موقوف عليه، ومبتدأ بما بعده حقيقةً، حتى يَرُدَّ عليه بما ذكر).
"الدر المصون" 3/ 8.
ورأي الفراء هذا رده آخرون غير المؤلف، ومنهم: أبو علي الفارسي، وابن جنِّي، وخطَّأه تاجُ القراء الكرماني، واستبعده العكبريُّ.
انظر: "الحجة" للفارسي: 3/ 9، "المحتسب" لابن جني: 240، "غرائب التفسير وعجائب التأويل" للكرماني 1/ 139، "التبيان" للعكبري 1/ 173.
قال الفارسي: (ولا يجوز أن تكون الفتحة لهمزة الوصل ألقيت على النون؛ لأن الهمزة إذا أوجب الإدراجُ إسقاطَها لم تبق لها حركة تلقى على شيء، فيما علمناه).
(٢٢) في "الكتاب" 3/ 265.
(٢٣) (ثلثهربعة): مطموسة في (د).
(٢٤) أي: أن أصلها (ثلاثة أربعة)، فلما وقفنا على (ثلاثة) أبدلنا التاء (هاءً) كما هو اللغة المشهورة، ثم أجرينا الوصل مجرى الوقف، فتركنا الهاءَ على حالها في الوصل، ثم نقلنا الهمزة إلى الهاء، فكذلك هذا.
وانظر: "الدر المصون" 3/ 8 (٢٥) (ثلثهربعة): مطموسة في (د).
(٢٦) ولكن يلاحظ أن الهمزةَ في (أربعة) همزة قطع، فهي ثابتة في الابتداء والدرج، وعليه نقلت حركتها.
أما همزة اسم الجلالة، فهي همزة وصل واجبة السقوط، فلا تنقل حركتها إلى ما قبلها.
وهذا هو الفرق.
انظر: "غرائب التفسير" للكرماني 1/ 240، "الدر المصون" 3/ 8.
(٢٧) في (د): (فهو).
(٢٨) في (ج): (الثاني).
(٢٩) انظر: "التكملة" للفارسي 179، "غرائب التفسير" للكرماني 1/ 239.
(٣٠) في "معاني القرآن" له 1/ 22.
نقله عنه بمعناه.
وقد تقدمت ترجمته.
(٣١) قوله في "معاني القرآن وإعرابه" له 1/ 373.
نقله عنه بنصه.
(٣٢) في (ج): (مكسور).
(٣٣) في "معاني القرآن" (وذلك لثقل الكسرة مع الياء).
(٣٤) لم أقف على مصدر قوله فيما رجعت إليه من كتبه المطبوعة، وقد أورد قوله السمين الحلبي في "الدر المصون" 3/ 14.
(٣٥) في (ب): (به).
(٣٦) في (ج): (الوصل).
(٣٧) في (ج): (القياس).
(٣٨) في (ج): (امتناع).
(٣٩) في (ج): (مكسورة).
(٤٠) ما بين المعقوفين زيادة أضفتها من "الدر المصون" للسمين 3/ 14.
حيث أورد السمين هذه العبارة ناقلًا لها عن الواحدي، وكذلك هي في الأصل المنقول عنه وهو "معاني الزجاج" حيث إن الزجاج لا يعني كسر الياء، وإنما كسر ما قبل الياء.
(٤١) (جير وكان من الأمر): ساقط من (ج)، (جَيْر) بكسر الراء، وقد يُنَوَّن: يمينٌ، أي: حَقَّا.
أو بمعنى نعم، أو أجل.
انظر: "البسيط في شرح جمل الزجاجي" 2/ 937، 944، "مجمل اللغة" لابن فارس: 1/ 204، "القاموس المحيط" ص370 (جير).
(٤٢) في (د): (ديت وديت).
(٤٣) (ذيت وذيت) بفتح التاء أو كسرها أو ضمها: اسم كناية، يكنى بها عن الحديث أو القصة أي: الحديث عن شيء حصل أو قول وقع.
ولا بد مع تكرارهما مع فصلهما بالواو، مع اعتبارهما كلمة واحدة في محل نصب أو جر أو رفع حسب حاجة الجملة.
ويقال في (كيت وكيت) ما قيل في (ذيت وذيت).
ولم أقف في المصادر التي رجعت إليها على كسر الذال من (ذيت) والكاف من (كيت).
انظر: "الخصائص" لابن جني 1/ 202، "سر صناعة الإعراب" له: 1/ 152 - 153، "لسان العرب" 3/ 1528 (ذيت) 7/ 3964 (كيت)، "النحو الوافي" 4/ 583.
(٤٤) في (ج)، (د): (كقولهم).
وفي "الدر المصون": (في قولهم).
(٤٥) في (ج): (خبر).
(٤٦) في (ب)، (ج)، (د)، "الدر المصون": (فيما).
(٤٧) في (د): (لقولهم).
وفي "الدر المصون" (نحو قولهم).
(٤٨) في (د): (إذا).
بدون واو.
(٤٩) من قوله: (وأما ..) إلى (..
للابتداء بها): نقله بنصه عن "الحجة" للفارسي: 3/ 9.
(٥٠) في "الحجة": (الوقوف).
(٥١) في (د): (وقطع).
(٥٢) قوله في "سيرة ابن هشام" 2/ 175، "تفسير الطبري" 3/ 162، "المحرر الوجيز" 3/ 5، "تفسير ابن كثير" 1/ 368.
وهو: محمد بن إسحاق بن يَسَار، المُطَّلِبي بالولاء، من أهل المدينة، سكن العراق، إمام في المغازي والسيرة النبوية، رُمَي بالتشيع والقدر، صدوق يُدلِّس، مات ببغداد سنة (151 هـ)، وقيل بعدها.
انظر: "وفيات الأعيان" 4/ 276، "تذكرة الحفاظ" 1/ 172، "تهذيب التهذيب" 3/ 504.
(٥٣) قوله في "بحر العلوم" 2/ 8، "تفسير البغوي" 2/ 5.
(٥٤) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 163، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 585، "تفسير البغوي" 2/ 5، "المحرر الوجيز": 3/ 5.
(٥٥) في (ج): (في).
(٥٦) نجران: هي الآن في أرض الحجاز من المملكة العربية السعودية، وكانت قديمًا من مدن اليمن، من ناحية مكة.
انظر حولها "معجم ما استعجم" 4/ 1298، "معجم البلدان" 5/ 266.
(٥٧) انظر في خبر وفد نجران، وأنه سبب نزول هذه الآيات إضافة إلى المصادر السابقة: "أسباب النزول" للمؤلف ص 99، "امتناع الأسماع" للمقريزي 1/ 502، "وتفسيرات شيخ الإسلام ابن تيمية" جمع إقبال الأعظمي: 115، "زاد المعاد" لابن القيم: 3/ 629، "السيرة النبوية" لابن كثير: 1/ 367، "البداية والنهاية" له 5/ 52 - 56، "حدائق الأنوار" لابن الدَّيْبَع الشيباني 1/ 68، 2/ 709، "الدر== المنثور" للسيوطي: 2/ 66، "لباب النقول" له: 51، وزاد في نسبة إخراجه فيهما لابن المنذر، والبيهقي في "دلائل النبوة".
وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 395 - 398 فله توجيه لطيف حول قول محمد بن إسحاق هذا ومن معه في سبب نزول هذه الآية.
(٥٨) قوله في "تفسير الثعلبي" (مخطوط مصور في جامعة الإمام):1/ 23 ب.
(٥٩) في (ب): (والميم واللام).
(٦٠) أورد الأثر هذا عنه الثعلبي في تفسيره "الكشف والبيان" 1/ 23 ب.
<div class="verse-tafsir"
نزل صدرها إلى نيف وثمانين آية لما قدم نصارى نجران المدينة المنوّرة يناظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام ﴿ الم ﴾ تقدّم الكلام على حروف الهجاء وقرأ الجمهور بفتح الميم هنا في الوصل لالتقاء الساكنين نحو من الناس، وقال الزمخشري: هي حركة الهمزة نقلت إلى الميم وهذا ضعيف لأنها ألف وصل تسقط في الدرج ﴿ الحي القيوم ﴾ ردّ على النصارى في قولهم إنّ عيسى هو الله لأنهم زعموا أنه صلب، فليس بحيّ وليس بقيوم ﴿ الكتاب ﴾ هنا هو القرآن ﴿ بالحق ﴾ أي تضمن الحق من الأخبار والأحكام وغيرها أو بالاستحقاق ﴿ مُصَدِّقاً ﴾ قد تقدّم في مصدّقاً لما معكم ﴿ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ الكتب المتقدّمة ﴿ التوراة والإنجيل ﴾ أعجميان فلا يصح ما ذكره النحاة في اشتقاقهما ووزنهما ﴿ وَأَنزَلَ الفرقان ﴾ يعني القرآن؛ وإنما كرر ذكره ليصفه بأنه الفارق بين الحق والباطل، ويحتمل أن يكون ذكره أولاً على وجه الإثبات لإنزاله لقوله: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ، ثم ذكره ثانياً: على وجه الامتنان بالهدى به، كما قال في التوراة والإنجيل ﴿ هُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ ، فكأنه قال: وأنزل الفرقان هدى للناس ثم حذف ذلك لدلالة الهدى الأول عليه، فلما اختلف قصدُ الكلام في الموضعين لم يكن ذلك تكراراً، وقيل: الفرقان هنا؛ كل ما فرق بين الحق والباطل من كتاب وغيره، وقيل: هو الزبور، وهذا بعيد ﴿ لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ خبر عن إحاطة علم الله بجميع الأشياء على التفصيل، وهذه صفة لم تكن لعيسى، ولا لغيره، ففي ذلك ردّ على النصارى ﴿ هُوَ الذي يُصَوِّرُكُمْ ﴾ برهان على إثبات علم الله المذكور قبل، وفيه ردّ على النصارى؛ لأن عيسى لا يقدر على التصوير، بل كان مصوّراً كسائر بني آدم ﴿ كَيْفَ يَشَآءُ ﴾ من طول، وقصر، وحسن، وقبح، ولون؛ وغير ذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ آلم الله ﴾ مقطوعة الألف والميم ساكنة: يزيد والمفضل والأعشى والبرجمي الباقون موصولاً بفتح الميم.
﴿ التوراة ﴾ ممالة حيث كان: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف والنجاري عن ورش، والخزاز عن هبيرة، وابن ذكوان غير ابن مجاهد ﴿ كدأب ﴾ حيث كان بغير همزة: أبو عمرو وغيره شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش والخزاز عن هبيرة وحمزة عن الوقف.
الوقوف: ﴿ آلم ﴾ ج كوفي مختلف فإن غير الأعشى والبرجمي ويزيد والمفضل يصلون.
﴿ إلا هو ﴾ ج ﴿ القيوم ﴾ ط ﴿ والإنجيل ﴾ ط ﴿ الفرقان ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه، ﴿ في السماء ﴾ ط ﴿ كيف يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه، ﴿ متشابهات ﴾ ط لاستئناف تفصيل ﴿ وابتغاء / تأويله ﴾ ج لأن الواو تصلح استئنافاً والحال أليق ﴿ إلا الله ﴾ م عند أهل السنة لأنه لو وصل فهم أن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه كما يعلم الله، ومن لم يحترز عن هذا وجعل المتشابه غير صفة الله ذاتاً وفعلاً من الأحكام التي يدخلها القياس والتأويل وجعل المحكمات الأصول النصوص المجمع عليها فعطف قوله ﴿ والراسخون ﴾ على اسم الله وجعل ﴿ يقولون ﴾ حالاً لهم ساغ له أن لا يقف على ﴿ إلا الله ﴾ .
﴿ آمنا به ﴾ (لا) لأن قوله ﴿ كل من عند ربنا ﴾ من مقولهم فإن التسليم من تمام الإيمان.
﴿ من عند ربنا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مقولهم ﴿ الألباب ﴾ ه، ﴿ رحمة ﴾ ج للابتداء بأن ولاحتمال لام التعليل أو فاء التعقيب للتسبب ﴿ الوهاب ﴾ ه، ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه، ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ (لا) لتعلق كاف التشبيه ﴿ فرعون ﴾ (لا) للعطف، ﴿ من قبلهم ﴾ ط، ﴿ بآياتنا ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ بذنوبهم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه.
التفسير: أما قراءة عاصم فلها وجهان: الأول نية الوقف ثم إظهار الهمزة لأجل الابتداء.
الثاني أن يكون ذلك على لغة من يقطع ألف الوصل.
وأما من فتح الميم ففيه قولان: أحدهما قول الفراء واختيار كثير من البصريين وصاحب الكشاف أن أسماء الحروفموقوفة الأواخر تقول: ألف، لام، ميم كما تقول: واحد، اثنان، ثلاثة، وعلى هذا وجب الابتداء بقوله ﴿ الله ﴾ فإذا ابتدأنا به تثبت الهمزة متحركة إلا أنهم أسقطوا الهمزة للتخفيف وألقيت حركتها على الميم لتدل حركتها على أنها في حكم المبقاة بسبب كون هذه اللفظة مبتدأ بها، فكأن الهمزة ساقطة بصورتها باقية بمعناها.
وثانيهما قول سيبويه وهو أنه لما وصل ﴿ الله ﴾ بـ ﴿ آلم ﴾ التقى ساكنان بل سواكن ضرورة سقوط الهمزة في الدرج، فوجب تحريك الأول أعني الوسطاني منها وهو الميم وكان الأصل هو الكسر إلا أنهم فتحوا الميم محافظة على التفخيم.
فالفتحة على هذا القول ليست هي المنقولة من همزة الوصل فلا يردعليه ما يرد على القول الأول من أن الهمزة حيث لا وجود لها في الوصل أصلاً فكيف تنقل حركتها.
قال الواحدي: نقل المفسرون أنه "قدم على رسول الله وفد نجران ستون راكباً فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم، أحدهم أميرهم واسمه عبد المسيح والثاني مشيرهم ووزيرهم، وكانوا يقولون له السيد واسمه الأيهم، والثالث حبرهم وأسقفهم وصاحب مدراسهم يقال له أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل.
وكان ملوك الروم شرفوه وموّلوه فأكرموه لما بلغهم عنه عن علمه واجتهاده في دينهم، فلما قدموا من نجران ركب أبو حارثة بغلته وكان إلى جنبه أخوه كرز بن علقمة فبينما بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت فقال كرز أخوه: تعس الأبعد يريد رسول الله .
فقال أبو حارثة: بل تعست / أمك.
فقال: ولم يا أخي؟
فقال: إنه والله النبي الذي ننتظره.
فقال له أخوه كرز: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟
قال: لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالاً كثيرة وأكرمونا.
فلو آمنا بمحمد لأخذوا منا كل هذه الأشياء.
فوقع ذلك في قلب أخيه كرز وكان يضمره إلى أن أسلم، وكان يحدث بذلك، ثم تكلم أولئك الثلاثة - الأمير والسيد والحبر - مع رسول الله على اختلاف من أديانهم.
فتارة يقولون عيسى هو الله، وتارة ابن الله، وتارة ثالث ثلاثة، ويحتجون لقولهم هو الله بأنه كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير، ويحتجون في قولهم إنه ولد الله بأنه لم يكن له أب يعلم، ويحتجون على ثالث ثلاثة بقول الله : فعلنا وفعلنا ولو كان واحداً لقال فعلت.
وقد حان وقت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد رسول الله فقال رسول الله : دعوهم.
فصلوا إلى المشرق، فقال لهم رسول الله : أسلموا فقالوا: قد أسلمنا قبلك.
فقال : كذبتم.
كيف يصح إسلامكم وأنتم تثبتون لله ولداً، وتعبدون الصليب وتأكلون الخنزير؟
قالوا: فمن أبوه؟
فسكت رسول الله فأنزل الله في ذلك أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها آية المباهلة.
ثم أخذ رسول الله يناظر معهم فقال: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه؟
قالوا: بلى.
قال: ألستم تعلمون أنه حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟
قالوا: بلى.
قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟
فهل يملك عيسى شيئا من ذلك؟
قالوا: لا.
قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل يعلم عيسى شيئاً من ذلك إلا ما علم؟
قالوا: لا.
قال: فإن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء، فهل تعلمون ذلك؟
قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث، وتعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة وغذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟
قالوا: بلى.
فقال : فكيف يكون هو كما زعمتم؟
فعرفوا ثم أبوا إلا حجوداً ثم قالوا: يا محمد، ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟
قال: بلى، قالوا: فحسبنا.
ففي ذلك نزل ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ الآية" .
وتمام القصة سيجيء في آية المباهلة إن شاء الله .
واعلم أن مطلع هذه السورة له نظم عجيب ونسق أنيق.
وذلك أن أولئك النصارى كأنه قيل لهم: إما أن تنازعوه في شأن الإله أو في أمر النبوة.
أما الأول فالحق فيه معه لأنه حيّ قيوم كما مر في تفسير آية الكرسي، وأن عيسى ليس كذلك لأنه ولد وكان يأكل ويشرب / ويحدث.
والنصارى زعموا أنه قتل وما قدر على دفع القتل عن نفسه.
وهذه الكلمة أعني قوله ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ جامعة لجيمع وجوه الدلائل على بطلان قول النصارى بالتثليث.
وأما الثاني فقوله ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق ﴾ كالدعوى.
وقوله ﴿ وأنزل التوراة والإنجيل من قبل ﴾ كالدليل عليها.
وتقريره أنكم وافقتمونا على أن التوراة والإنجيل كتابان إلهيان لأنه قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قولهما وبين أقوال الكاذبين.
ثم إن المعجز قائم في كون القرآن نازلاً من عند الله كما قام في الكتابين.
وإذا كان الطريق مشتركاً فالواجب تصديق الكل كالمسلمين.
أما قبول البعض ورد البعض فجهل وتقليد، وإذا لم يبق بعد ذلك عذر لمن ينازعه في دينه فلا جرم ختم بالتهديد والوعيد فقال ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد ﴾ وإنما خص القرآن بالتنزيل والكتابين بالإنزال لأنه نزل منجماً، فكان معنى التكثير حاصلاً فيه، وأنهما نزلا جملة.
وأما قوله ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ﴾ فالمراد هناك نزوله مطلقاً من غير اعتبار التنجيم.
قال أبو مسلم: قوله ﴿ بالحق ﴾ أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم، و أن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل، وأنه قول فصل وليس بالهزل.
وقال الأصم: أي بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية، ولبعضهم على بعض من سلوك سبيل العدالة والإنصاف في المعاملات.
وقيل: مصوناً من المعاني الفاسدة المتناقضة كقوله ﴿ ولم يجعل له عوجاً قيماً ﴾ ﴿ لوجدوا فيه اختلافا كثيراً ﴾ وفي قوله ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ إنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقاً لسائر الكتب المتقدمة، لأن من هو على مثل حاله من كونه أمياً لم يخالط أهل الدرس والقراءة إن كان مفترياً استحال أن يسلم من التحريف والجزاف.
وفيه أنه لم يبعث نبياً قط إلا بالدعاء إلى توحيده وتنزيهه عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان.
فإن قيل: كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه؟
فالجواب أن هذا اللفظ صار مطلقاً في معنى التقدم، أو لغاية ظهور تلك الأخبار جعلها كالحاضر عنده.
فإن قلت: كيف يكون مصدقاً لما تقدمه من الكتب مع أنه ناسخ لأحكامها أكثرها؟
قلنا: إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثته ثم تصير منسوخة عند نزول القرآن، كانت موافقة للقرآن، وكان القرآن مصدقاً لها.
فأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها لأن المباحث الإلهية والقصص والمواعظ لا تختلف.
والتوراة والإنجيل اسمان أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسريانية.
فالاشتغال باشتقاقهما لا يفيد إلا أن بعض الأدباء قد تكلف ذلك فقال الفراء: التوراة معناها الضياء والنور من ورى الزند يرى إذا قدح وظهرت / النار.
قال: وأصلها تورية بفتح التاء والراء ولهذا قلبت الياء ألفاً.
أو تورية بكسر الراء "تفعلة" مثل "توفية" إلا أن الراء فتحت على لغة طي فإنهم يقولون في بادية "باداة".
وزعم الخليل والبصريون أن أصلها "وورية" "فوعلة" كصومعة فقلبت الواو الأولى تاء كتجاه وتراث.
وأما الإنجيل فالزجاج: إفعيل من النجل الأصل أي هو الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين.
وقيل: من نجلت الشيء استخرجته أي إنه أظهر الحق بسببه.
أبو عمرو الشيباني: التناجل التنازع سمي بذلك لأن القوم تنازعوا فيه.
ومعنى قوله ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل أن ينزل القرآن.
و ﴿ هدى للناس ﴾ إما أن يكون عائداً إلى الكتابين فقط فيكون قد وصف القرآن بأنه حق، ووصف التوراة والإنجيل بأنهما هدى.
وإنما لم يوصف القرآن بأنه هدى مع أنه قال في أول البقرة ﴿ هدى للمتقين ﴾ لأن المناظرة ههنا مع النصارى وهم لا يهتدون بالقرآن، فذكر أنه حق في نفسه سواء قبلوه أو لم يقبلوه، وأما الكتابان فهم قائلون بصحتهما فخصهما بالهداية لذلك، وإما أن يكون راجعاً إلى الكتب الثلاثة وهو قول الأكثرين.
﴿ وأنزل الفرقان ﴾ قيل: أي جنس الكتب السماوية لأنها كلها تفرق بين الحق والباطل.
وقيل: أي الكتب التي ذكرها كأنه وصفها بوصف آخر فيكون كما قال: الى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم وقيل: أي الكتاب الرابع وهو الزبور، وزيف بأن الزبور ليس فيه شيء من الشرائع والأحكام وإنما هو مواعظ، ويحتمل أن يجاب بأن غاية المواعظ هي التزام الأحكام المعلومة فيؤل إلى ذلك.
وقيل: كرر ذكر القرآن بما هو مدح له ونعت بعد ذكره باسم الجنس تفخيماً لشأنه وإظهاراً لفضله.
وفي التفسير الكبير: إنه لما ذكر الكتب الثلاثة بيّن أنه أنزل معها ما هو الفرقان الحق وهو المعجز الباهر الذي يدل على صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين كلام المخلوقين.
ثم إنه بعد ذكر الإلهيات والنبوات زجراً لمعرضين عن هذه الدلائل وهم أولئك النصارى أو كل من أعرض عن دلائله فإن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ فقال ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله ﴾ من كتبه المنزلة وغيرها من دلائله ﴿ لهم عذاب شديد والله عزيز ﴾ لا يغالب إذ لا حد لقدرته ﴿ ذو انتقام ﴾ عقاب شديد لا يقدر على مثله منتقم.
فالتنكير للتعظيم.
وانتقمت منه إذا كافأته عقوبة بما صنع.
فالعزيز إشارة إلى القدرة التامة على العقاب، وذو انتقام إشارة إلى كونه فاعلاً للعقاب.
فالأول صفة الذات، والثاني صفة الفعل.
قوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ لما ذكر أنه حيّ قيوم والقيوم هو القائم بإصلاح مصالح الخلق، وكونه كذلك يتوقف على مجموع أمرين: أن يكون عالماً بكميات / حاجاتهم وكيفياتها وكلياتها وجزئياتها، ثم أن يكون قادراً على ترتيبها.
والأول لا يتم إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات أشار إلى ذلك بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ والثاني لا يتأتى إلا إذا كان قادراً على جميع الممكنات فأشار إليه بقوله ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ ثم فيه لطيفة أخرى وهي أنه لما ادعى كمال عمله بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ والطريق إلى إثبات كونه عالماً لا يجوز أن يكون هو السمع، لأن معرفة صحة السمع موقوفة على العلم بكونه عالماً بجميع المعلومات، بل الطريق إلى ذلك ليس إلا الدليل العقلي فلا جرم قال ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ﴾ ظلمات ﴿ ٱلأَرْحَامِ ﴾ بهذه البنية العجيبة والتركيب الغريب من أعضاء مختلفة في الشكل والطبع والصفة، بعضها عظام، وبعضها أوردة، وبعضها شرايين، وبعضها عضلات.
ثم إنه ضم بعضها إلى بعض على التركيب الأحسن والتأليف الأكمل، وذلك يدل على كمال علمه لأن التركيب المحكم المتقن لا يصدر إلا عن العالم بتفاصيله.
ثم إنه لما كان قيوماً بمصالح الخلق ومصالحهم قسمان: جسمانية وأشرفها تعديل المزاج وأشار إليها بقوله ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ وروحانية وأشرفها إلى العلم فلا جرم أشار إلى ذلك بقوله ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب ﴾ .
ويحتمل أن تنزل هذه الآيات على سبب نزولها.
وذلك أن النصارى ادعوا إلهية عيسى وعولوا في ذلك على نوعين من الشبهة: أحدهما يتعلق بالعلم وهو أن عيسى كان يخبر عن الغيوب وذلك قوله : ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ﴾ والثاني يتعلق بالقدرة كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وليس للنصارى شبهة غير هاتين.
فأزال شبهتهم الأولى بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ فمن المعلوم بالضرورة من أحوال عيسى أنه ما كان عالماً بجميع المعلومات.
فعدم إحاطته بجميع الأشياء فيه دلالة قاطعة على أنه ليس بإله، ولكن إحاطته ببعض المغيبات لا تدل على كونه إلهاً لاحتمال أنه علم ذلك بالوحي أو الإلهام.
وأزال شبهتهم الثانية بقوله ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ وذلك أن الإله هو الذي يقدر على أن يصور في الأرحام من قطرة صغيرة من النطفة هذا التركيب العجيب والتأليف الغريب، ومعلوم أن عيسى لم يكن قادراً على الإحياء والإماتة بهذا الوجه.
كيف ولو قدر على ذلك لأمات أولئك الذين أخذوه على زعم النصارى وقتلوه.
فإماتة بعض الأشخاص أو إحياؤه لا يدل على الإلهية لجواز كونه بإظهار الله المعجزة على يده، والعجز على إماتة البعض أو إحيائه يدل على عدم الإلهية قطعاً، وأما الإحياء والإماتة لجميع الحيوانات فيدل على الإلهية قطعاً.
ثم إنّهم عدلوا عن المقدمات المشاهدية إلى مقدمات إلزامية وهو أنكم أيها المسلمون توافقوننا على أنه ما كان له أب من البشر فيكون ابناً لله.
والجواب عنه بقوله / أيضاً ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ لأن هذا التصوير لما كان منه صفة فإن شاء صوره من نطفة الأب، وإن شاء صوره ابتداء من غير أب.
وأيضاً قالوا للرسول : ألست تقول إن عيسى كلمة الله وروحه؟
وهذا يدل على أنه ابن لله.
فأجاب الله عنه بأن هذا إلزام لفظي، محتمل للحقيقة والمجاز.
وإذا ورد اللفظ بحيث يخالف الدليل العقلي كان من باب المتشابهات فوجب رده إلى التأويل، أو تفويضه إلى علم الله وذلك قوله ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب ﴾ الآية.
فظهر أنه ليس في المسألة حجة ولا شبهة إلا وقد اشتملت هذه الآيات على دفعها والجواب عنها، فإن قيل: ما الفائدة في قوله ﴿ في الأرض ولا في السماء ﴾ مع أنه لو أطلق كان أبلغ؟
قلت: الغرض تفهيم العباد كمال علمه وذلك عند ذكر السموات والأرض أقوى لعظمتهما في الحس، والحس متى أعان العقل على المطلوب كان الفهم أتم والإدراك أكمل، وهذه فائدة ضرب الأمثلة في العلوم.
قال الواحدي: التصوير جعل الشيء على صورة، والصورة هيئة حاصلة للشيء عند إيقاع التأليف بين أجزائه، وأصله من صاره إذا أماله.
وذلك أن الصورة مائلة إلى شكل أبويه.
والأرحام جمع الرحم، والتركيب يدل على الرقة والعطف كما سلف.
وقيل: سمي رحماً لاشتراك الرحم فيما بوجب الرحمة والعطف.
وقرىء ﴿ تصوركم ﴾ أي صوركم لنفسه ولتعبده.
و"كيف" في موضع الحال أي على أي حال أراد طويلاً أو قصيراً، أسود أو أبيض، حسناً أو قبيحاً إلى غير ذلك من الأحوال المختلفة.
ثم إنه لما أجاب عن شبههم أعاد كلمة التوحيد رداً على النصارى القائلين بالتثليث فقال ﴿ لا إله إلا هو العزيز الحكيم ﴾ فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إلى كمال العلم.
وفيه رد على من زعم إلهية عيسى فإن العلم ببعض الغيوب وإحياء بعض الأشخاص لا يكفي في كونه إلهاً.
ولنذكر ههنا مسائل: الأولى: القرآن دل على أنه بكليته محكم وذلك قوله: ﴿ الر كتاب أحكمت آياته ﴾ ﴿ الر تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ والمراد كون كله كلاماً ملحقاً فصيح الألفاظ صحيح المعاني، وأنه بحيث لا يتمكن أحد من الإتيان بمثله لوثاقة مبانية وبلاغة معانيه.
ودل على أنه بتمامه متشابه ﴿ كتاباً متشابهاً مثاني ﴾ والمراد أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن والإعجاز والبراءة من التناقض والتناقض.
ثم إن هذه الآية ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ﴾ دلت على أن بعض القرآن محكم وبعضه متشابه.
فيعني ههنا بالمحكم ما هو المشترك بين النص والظاهر، وبالمتشابه القدر المشترك بين المجمل والمؤول كما تقرر في المقدمة التاسعة من مقدّمات هذا الكتاب.
والإحكام في اللغة المنع وكذا سائر تراكيبه.
/ فالحاكم يمنع الظالم من الظلم، وحكمة اللجام تمنع الفرس من الاضطراب، وفي حديث النخعي "حكم اليتيم كما تحكم ولدك" أي امنعه من الفساد.
وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي وأما التشابه فهو كون الشيئين بحيث يعجز الذهن عن التمييز بينهما.
ثم يقال لكل ما لا يهتدي الإنسان إليه متشابه إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، ونظيره المشكل لأنه أشكل أي دخل في شكل غيره، ثم إن كل أحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، ولقول خصمه متشابهة.
فالمعتزلي يقول: ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ﴾ محكم ﴿ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ﴾ متشابه.
والسني يقلب الأمر في ذلك.
وكذا المعتزلي يقول: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ محكم وقوله ﴿ وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة ﴾ متشابه.
والسني بالعكس.
فلا بد من قانون يرجع إليه فنقول: صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل.
وهو إما لفظي أو عقلي.
والدليل اللفظي لا يكون قاطعاً ألبتة لتوقفه على نقل اللغات، وعلى وجوه التصريف والإعراب، وعلى عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم التخصيص وعدم الإضمار وعدم المعارض النقلي والعقلي، وكل ذلك مظنون، والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنوناً فلا يجوز التعويل عليه في المسائل الأصولية، فإذن لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بالدلالة القطعية العقلية، على أن معناه الراجح محال عقلاً فإذا قامت هذه الدلالة وعرف المكلف أنه ليس مراد الله من هذه اللفظ ما أشعر به الظاهر، فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا، لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز، وترجيح تأويل على تأويل، وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلائل اللفظية وهي ظنية كما بينا ولا سيما المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر، فإذن الخوض في تعيين التأويل غير جائز والله أعلم.
المسألة الثانية في حكاية أقوال الناس في المحكم والمتشابه.
عن ابن عباس أن المحكمات هي الآيات الثلاث في سورة الأنعام ﴿ قل تعالوا ﴾ إلى آخرها، وعلى هذا فالمحكم عنده ما لا يتغير باختلاف الشرائع، لأن هذه الآية كذلك.
والمتشابهاتهي التي اشتبهت على اليهود كأوائل السور، أوّلوها على حساب الجمل ليستخرجوا بقاء هذه الأمة فاختلط الأمر عليهم واشتبه.
وعنه أن المحكم هو الناسخ والمتشابه هو المنسوخ.
وقال الأصم: المحكم هو الذي يكون دلائله واضحة لائحة كإنشاء الخلق في قوله: ﴿ فخلقنا النطفة علقة ﴾ \[المؤمنون: 14\] والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل كآيات / البعث، فإن التأمل يجعلها محكمة، فإن من قدر على الإنشاء قدر على الإعادة.
فإن عنى الأصم بوضوح الدلائل رجحانها، وبالخفاء خلاف ذلك، فهذا هو الذي ذكرنا من أن المحكم عبارة عن النص والظاهر، والمتشابه المجمل والمؤول.
وإن عنى بالواضح ما تعلم صحته بضرورة العقل، وبالخفي ما تعرف صحته بدليل العقل، فكل القرآن متشابه.
فإن إنشاء الخلق أيضاً يفتقر إلى دليل عقلي، فإن الدهري ينسب ذلك إلى الطبيعة، والمنجم إلى تأثير الكواكب.
ولعل الأصم يسمي ما هو الأبعد عن الغلط لقلة مقدماته وضبطها محكماً، والذي هو غير ذلك متشابهاً.
وقيل: كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي أو دليل خفي فهو المحكم، وكل ما لا سبيل إلى معرفته كالعلم بوقت القيامة وبمقادير الثواب والعقاب في حق كل مكلف فذاك متشابه.
المسألة الثالثة في أنه لم جعل بعض القرآن محكماً وبعضه متشابهاً.
من الملحدة من طعن فيه وقال: كيف يليق بالحكيم أن يجعل كتابه المرجوع إليه في دينه، الموضوع إلى يوم القيامة بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب، فمثبت الرؤية يتمسك بقوله ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ﴾ ونافيها يتشبث بقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ ومثبت الجهة ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ﴾ ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ والنافي ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ فكل منهم يسمي الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والمخالفة متشابهة، وربما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى وجوه ضعيفة وتراجيح خفية، وهذا لا يليق بالحكمة مع أنه لو جعل كله ظاهراً جلياً خالصاً عن المتشابه نفياً كان أقرب إلى حصول الغرض.
والجواب أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق، وزيادة المشقة توجب مزيدالثواب.
وأيضاً لو كان كله محكماً كان مطابقاً لمذهب واحد فقط فكان ينفر أرباب سائر المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه والانتفاع به، وإذا كان مشتملاً على القسمين فحينئذٍ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يؤيد مقالته فيجتهد في فهم معانيه، وبعد الفحص والاستكشاف، صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات، ويتخلص المبطل عن باطلة ويصل إلى الحق.
وأيضاً إذا كان فيه محكم ومتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بالدلائل العقلية، فيتخلص من ظلمة التقليد إلى ضياء البينة والاستدلال والطمأنينة، وافتقر أيضاً إلى تحصيل علوم أخر كالصرف والنحو والمعاني والبيان وأصول الفقه وأصول الكلام إلى غير ذلك، ولما في المشابهة من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه.
وههنا سبب أقوى وهو أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام، وطباع العامة تنبو في / الأغلب عن إدراك الحقائق، فمن سمع منهم في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما توهموه وتخيلوه مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح.
فالأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر من باب المتشابهات، والثاني وهو الذي يكشف لهم آخر الحال من قبيل المحكمات.
قوله ﴿ هن أم الكتاب ﴾ الأم في اللغة الأصل الذي يتكون منه الشيء.
فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات، فلا جرم صارت المحكمات أصولاً للمتشابهات.
وإنما لم يقل أمهات الكتاب ليطابق المبتدأ لأن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد هو الأصل لمجموع المتشابهات، وهذا كقوله ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ \[المؤمنون: 50\] على معنى أن مجموعها آية واحدة.
﴿ وأخر ﴾ أي ومنه آيات آخر ﴿ متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ أي ميل عن الحق ﴿ فيتبعون ما تشابه منه ﴾ لا يتمسكون إلا بالمتشابه.
قال الربيع: هم وفد نجران "حاجوا رسول الله في المسيح فقالوا: أليس هو كلمة الله وروحاً منه؟
قال : بلى.
قالوا: حسبنا" .
وقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم مدة بقاء هذه الأمة من الحروف المقطعة في أوائل السور.
وقال قتادة والزجاج: هم منكرو البعث لأنه قال في آخره ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ وما ذاك إلا وقت القيامة فإنه أخفاها عن الخلائق حتى الملائكة والأنبياء.
والتحقيق أنه عام لكل مبطل متشبث بأهداب المتشابهات، لأن اللفظ عام وخصوص السبب لا يمنع عن عموم اللفظ.
ويدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه.
ومن جملته ما وعد الله به الرسول من النصرة والكفار من النقمة فكانوا يقولون ائتنا بعذاب الله، ومتى الساعة، ولو ما تأتينا بالملائكة، فموهوا الأمر على الضعفة.
قال أهل السنة: ويدخل في هذا الباب استدلال المشبهة بقوله ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ فإنه لما ثبت بصريح العقل امتناع كون الإله في مكان وإلا لزم انقسامه، وكل منقسم مركب، وكل مركب ممكن.
فمن تمسك به كان متمسكاً بالمتشابهات.
ومن جملة ذلك استدلال المعتزلة بالظواهر الدالة على تفويض الفعل بالكلية إلى العبد فإنه لما ثبت بالبرهان العقلي أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي وأنه من الله وإلا تسلسل، فيكون حصول الفعل مع تلك الداعية وعدمه عند عدمها واجباً فيبطل التفويض ويثبت أن الكل بقضاء الله وقدره.
وإذا لاحت الدلائل العقلية يجوز للعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابه؟
بناء على ما اشتهر بين الجمهور من أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة، وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة.
/ والإنصاف أن الآيات ثلاثة أقسام: أحدها ما يتأكد ظواهرها بالدلائل العقلية فذاك هو المحكم حقاً.
وثانيها التي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله غير ظاهره.
وثالثها الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه فهو المتشابه بمعنى أن الأمر اشتبه فيه ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر.
لكن ههنا عقدة أخرى وهي أن الدليل العقلي مختلف فيه أيضاً بحسب ما رتبه كل فريق وتخيله صادقاً في ظنه مادة وصورة.
فكل فريق يدعي بمقتضى فكره أن الدليل العقلي قد قام على ما يوافق مذهبه وتأكد به الظاهر الذي تعلق به، فلا خلاص من البين إلا بتأييد سماوي ونور إلهي ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ ثم إنه بين أن للزائغين غرضين: أحدهما ﴿ ابتغاء الفتنة ﴾ وهي في اللغة الاستهتار بالشيء والغلو فيه، يقال: فلان مفتون بطلب الدنيا، والرجل مفتون بابنه وبشعره.
فكان التمسك بذلك المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه فيصير مفتوناً به عاشقاً لا ينقطع عنه تخيله البتة.
وقيل: الفتنة في الدين هو الضلال عنه أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم.
وعن الأصم: إنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين صار بعضهم مخالفاً للبعض في الدين، وذلك يفضي إلى التقاتل والهرج والمرج فذاك هو الفتنة.
الغرض الثاني ﴿ ابتغاء تأويله ﴾ أي طلب المعنى الذي يرجع إليه اللفظ بحسب ما يشتهونه من غير أن يكون قد وجد له في كتاب الله بيان.
قال القاضي أبو بكر: هؤلاء الزائغون قد ابتغوا المتشابه من وجهين أحدهما أن يحملوه على غير الحق وهو المراد من قوله ﴿ ابتغاء الفتنة ﴾ والثاني أن يحكموا بحكم في الموضع الذي لا دليل فيه وهو قوله ﴿ وابتغاء تأويله ﴾ ثم قال عز من قائل ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ والعلماء اختلفوا في هذا الموضع.
منهم من يقف ههنا، فعلى هذا لا يعلم المتشابه إلا الله وهو قول ابن عباس وعائشة والحسن ومالك بن أنس والكسائي والفراء، ومن المعتزلة قول أبي علي الجبائي.
ومنهم من لم يجعل الواو في ﴿ والراسخون ﴾ للابتداء وإنما يجعله للعطف حتى يكون العلم بالمتشابه حاصلاً عند الله وعند الراسخين، لأن وصفهم بالرسوخ في العلم - وهو الثبوت والتعمق وبعد الغور فيه - يناسب ذلك.
وهذا قول مجاهد والربيع بن أنس وأكثر المتكلمين، وقد يروى عن ابن عباس أيضاً.
والمختار هو الأول لوجوه منها: ما ذهب إليه كثير من العلماء أن "أما" فيه معنى التفصيل البتة، وهذا إنما يستقيم لو قدر و"أما الراسخون في العلم فيقولون".
ومنها أن اللفظ إذا كان له معنى راجح ثم دل دليل أقوى منه على أن ذلك الظاهر غير مراد، علم أن مراد الله بعض مجازات تلك الحقيقة وفي المجازات كثرة.
وترجيح البعض على البعض لا يكون إلا بالتراجيح اللغوية الظنية، ومثل ذلك لا يصح / الاستدلال به في المسائل القطعية مثاله ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ فإنه دل الدليل على أن الإله يمتنع أن يكون في المكان، فعرفنا أنه ليس مراداً لله من هذه الآية ما أشعر به ظاهرها إلا أن في مجازات هذا اللفظ كثرة لا يتعين أحدها إلا بدليل لغوي ظني، والقول بالظن في ذات الله وصفاته غير جائز بإجماع المسلمين، ولهذا قال مالك بن أنس: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
ومنها ما قيل إن هذه الآية ذم لطالب تأويل المتشابه حيث قال ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه ﴾ وتخصيص بعض المتشابهات بذلك كطلب وقت الساعة ونحوه ترجيح من غير مرجح، فالذم يتوجه على الكل وهو المطلوب.
ومنها أنه مدح الراسخين في العلم بأنهم ﴿ يقولون آمنا به ﴾ وقال في أول البقرة: ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ﴾ فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح، ولا في قولهم ﴿ كل من عند ربنا ﴾ لأن كل من عرف شيئاً على التفصيل فإنه لا بد أن يؤمن به إنما الراسخون في العلم هم الذين علموا بالدلائل القطعية أن الله عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها، وعلموا أن القرآن كلام الله ، وأنه لا يتكلم بالباطل والعبث، فإذا سمعوا آية ودلت الدلائل القاطعة على أنه لا يجوز أن يكون ظاهرها مراداً لله عرفوا أن مراد الله منه شيء غير ذلك الظاهر، ثم فوضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه وقطعوا بأن ذلك المعنى أي شيء كان فهو الحق والصواب.
فهؤلاء هم الراسخون في العلم بالله بحيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر ولا عدم علمهم بالمراد عن الإيمان بالله والجزم بصحة القرآن، ولم يصر كون ظاهره مردوداً شبهة لهم في الطعن في كلام الله .
ثم إن جعل قوله ﴿ والراسخون ﴾ عطفاً على اسم ﴿ الله ﴾ فقوله ﴿ يقولون آمنا به ﴾ كلام مستأنف موضح لحال الراسخين بمعنى هم يقولون آمنا بالمتشابه كل من عند ربنا أي كل واحد من المحكم والمتشابه من عنده.
وفي زيادة ﴿ عند ﴾ مزيد توضيح وتأكيد وتفخيم لشأن القرآن، ويحتمل أن يعود الضمير في ﴿ آمنا به ﴾ إلى الكتاب أي يقولون، آمنا بالكتاب كل من محكمه ومتشابهه من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه ولا يختلف كتابه، ويحتمل أن يكون قوله ﴿ يقولون ﴾ حالاً إلا أن فيه إشكالاً وهو أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره وههنا قد تقدم ذكر الله وذكر الراسخين، والحال لا يمكن إلا من الراسخين فيلزم ترك الظاهر.
﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ ما يتعظ إلا ذوو العقول الكاملة الذين يستعملون أذهانهم في فهم القرآن فيعلمون ما الذي يطابق ظاهره دلائل العقل فيكون محكماً، وما الذي هو بالعكس فيكون متشابهاً، ثم يعتقدون أن الكل كلام من لا يجوز في / كلامه التناقض، فيحكمون بأن ذلك المتشابه لا بد أن يكون له معنى صحيح عند الله وإن دق عن فهومنا.
وقيل: هو مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمل حتى علموا من التأويل ما علموا.
ثم إنه حكى عن الراسخين نوعين من الدعاء: الأول قولهم ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ﴾ أي بعد وقت هدايتنا، والثاني قولهم ﴿ وهب لنا من لدنك رحمة ﴾ سألوا ربهم أوّلاً أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الأباطيل والعقائد الفاسدة، ثم أن ينور قلوبهم بأنوار المعرفة ويزين جوارحهم وأعضاءهم بزينة الطاعة والعبودية والخدمة.
ونكَّر رحمة ليشمل جميع أنواعها.
فأوّلها أن يحصل في القلب نور الإيمان والتوحيد والمعرفة، وثانيها أن يحصل في الجوارح والأعضاء نور الطاعة والعبودية والخدمة، وثالثها أن يحصل له في الدنيا سهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفاية، ورابعها أن يحصل عند الموت سهولة سكرات الموت، وخامسها سهولة السؤال والظلمة والوحشة في القبر، وسادسها في القيامة سهولة العقاب والخطاب وغفران السيئات وتبديلها بالحسنات، وسابعها في الجنة ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وثامنها في الحضرة رفع الأستار ورؤية الملك الجبار.
وفي قولهم ﴿ من لدنك ﴾ تنبيه على أن هذا المقصود لا يحصل إلا من عنده ويؤكده قوله ﴿ إنك أنت الوهاب ﴾ فالمطالب وإن كانت عظيمة فإنها تكون حقيرة بالنسبة إلى غاية كرمك ونهاية وجودك وموهبتك.
ولنعد إلى ما يتعلق بالدعاء الأول قال أهل السنة: القلب صالح لأن يميل إلى الإيمان، وصالح لأن يميل إلى الكفر، وكل منهما يتوقف على داعية ينشئها الله تعالى فيه، إذ لو حدثت بنفسها لزم سد باب إثبات الصانع.
فإن كانت داعية الكفر فهو الخذلان والإزاغة والصد والختم والطبع والرين وغيرها مما ورد في القرآن، وإن كانت داعية الإيمان فهو التوفيق والرشاد والهداية والتثبيت والعصمة ونحوها.
وكان رسول الله يقول: " "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن" يعني الداعيتين.
ومما يؤكد ذلك أن الله مدح هؤلاء الراسخين بأنهم لا يتبعون المتشابهات بل يؤمنون بها على سبيل الإجمال ويتركون الخوض فيها فيبعد منهم في مثل هذا الوقت أن يتكلموا بالمتشابه، فتكون هذه الآية من أقوى المحكمات وهو ظاهر في أن الإزاغة والهداية كلتيهما من الله .
أما المعتزلة فقد قالوا: لما دلت الدلائل على أن الإزاغة لا يجوز أن تصدر من الله لأن ذلك ظلم وقبيح، وجب صرف الآية إلى التأويل فقال الجبائي واختاره القاضي: المراد أن لا يمنع قلوبهم الألطاف التي معها يستمر قلبهم على صفة الإيمان، وزيف بأن اللطف إن / صح في حقهم وجب عندكم على الله أن يفعل ذلك وجوباً لو تركه لبطلت إلهيته ولصار جاهلاً أو محتاجاً.
وقال الأصم: لا تبلنا ببلوى يزيغ عندها قلوبنا.
والمعنى لا تكلفنا من العبادات ما لا نأمن معه الزيغ.
وقد يقول القائل: لا تحملني على إيذائك أي لا تفعل ما أصير عنده مؤذياً لك.
وزيف بأن التشديد في التكليف قبيح إن علم الله أن له أثراً في حمل المكلف على القبيح وإلا فوجوده كعدمه فلا فائدة في صرف الدعاء إليه.
وقال الكعبى: لا تسمنا باسم الزائغ كما يقال: فلان يكفر فلاناً أي يقول إنه كافر.
وزيف بأن التسمية دائرة مع الفعل، وفعل الزيغ باختيار العبد عندكم فالتسمية أيضاً بسببه، وقال الجبائي أيضاً: لا تزغ قلوبنا عن جنتك وثوابك وهو كالأول إلا أن يحمل على شيء اخر وهو أنه تعالى إذا علم أنه مؤمن في الحال، وعلم أنه لو بقي إلى السنة الثانية لكفر أماته في هذه السنة.
ويرد عليه أنه لو كان علمه بأنه يكفر في السنة الثانية يوجب عليه أن يميته لكان علمه بأنه لا يؤمن قط ويبقى على الكفر طول عمره يوجب أن لا يخلقه.
وعن الأصم أيضاً: لا تزغ قلوبنا عن كمال العقل بالجنون بعد إذ هديتنا بنور العقل.
ولا يخفى تعسفه وعدم مناسبته لقوله ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ .
وقال أبو مسلم: احرسنا من الشيطان ومن شرور أنفسنا حتى لا نزيغ.
ثم إنهم لما طلبوا أن يصونهم عن الزيغ وأن يخصهم بالهداية والرحمة فكأنهم قالوا ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقضية، ولكن الغرض ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه أي في وقوعه.
فاللام للوقت، أو جامع الناس لجزاء يوم فحذف المضاف ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ قيل: هو كلام الله كأنه يصدقهم فيما قالوه، ولو كان من تمام قول المؤمنين لقيل: إنك لا تخلف.
إلا أن يحمل على الالتفات ومعناه أن الإلهية تنافي خلف الميعاد كقولك: إن الجواد لا يخيب سائله.
ولا سيما وعد الحشر والجزاء لينتصف للمظلومين من الظالمين.
والميعاد المواعدة والوقت والموضع قاله في الصحاح.
واعلم أنه لا يلزم من أنه لا يخلف الوعد القطع بوعيد الفساق كما زعم المعتزلة، لأن كل ما ورد في وعيد الفساق فهو عندنا مشروط بشرط عدم العفو، كما أنه بالاتفاق مشروط بشرط عدم التوبة بدليل منفصل.
قال الواحدي: ولم لا يجوز أن يحمل هذا على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء، لأن خلف الوعيد كرم عند العرب.
قال بعضهم: إذا وعد السراء أنجز وعده *** وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه وناظر أبو عمرو بن العلاء عمرو بن عبيد فقال: ما تقول في أصحاب الكبائر؟
فقال: إن الله وعد وعداً وأوعد إيعاداً.
فهو منجز إيعاده كما هو منجز وعده.
فقال أبو عمرو إنك أعجم لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب، لأن العرب تعدّ الرجوع عن الوعد لؤماً وعن الايعاد كرماً وأنشد: وإني وإن أوعدته أو وعدته *** لمكذب إيعادي ومنجز موعدي وذلك أن الوعد حق عليه، والوعيد حق له، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم، ومن أسقط حق غيره فذلك هو اللؤم فهذا هو الفرق بين الوعد والوعيد.
على أنا لا نسلم أن الوعيد ثابت جزماً من غير شرط بل هو مشروط بعدم العفو فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام الله .
ثم إنه لما حكى عن المؤمنين دعاءهم وتضرعهم حكى كيفية حال الكافرين وشدة عذابهم فقال: ﴿ إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً ﴾ وقيل: المراد وفد نجران وذلك أنا روينا في قصتهم أن أبا حارثة بن عقلمة قال لأخيه: إني أعلم أنه رسول الله حقاً، ولكن إن أظهرت ذلك أخذ ملوك الروم مني ما أعطوني من المال.
فالله بيَّن أن أموالهم وأولادهم لا تدفع عنهم عذاب الله في الدنيا والآخرة، لكن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ.
واعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عنه كل ما كان منتفعاً به ويجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة.
أما الأول فإليه أشار بقوله: ﴿ لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ﴾ لأنهما أقرب الأمور التي يفزع إليها المرء عند الخطوب.
وإذا لم يفد أقرب الطرق إلى دفع المضار في ذلك اليوم فما عداه بالتعذر أولى ومثله ﴿ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ﴾ ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير ﴾ .
وأما الثاني فإليه أشار بقوله: ﴿ وأولئك هم وقود النار ﴾ فإنه لا عذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس: و"من" في قوله ﴿ من الله ﴾ للبدل مثله في قوله ﴿ و إن الظن لا يغني من الحق شيئا ﴾ أي بدله والمضاف محذوف تقديره لن تغني عنهم بدل رحمة الله أو طاعته شيئاً.
أو في الحديث " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " أي لا ينفعه جده وحظه في الدنيا بدل طاعتك وعبادتك وما عندك وأنشد أبو علي: فليت لنا من ماء زمزم شربة *** مبردة باتت على طهيان وطهيان من بلاد الأزد.
قلت: يجوز أن يقال "من" للابتداء تقديره من عذاب الله، والجار والمجرور مقدم حالاً من شيء أو "من" زائدة لتأكيد النفي التقدير: لن تغني عنهم عذاب الله شيئاً من الغناء أي لن تدفع.
وقال أبو عبيدة "من" بمعنى "عند" والمعنى: لن تغني عند الله شيئاً.
قوله : ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ يقال: دأب فلانٍ في عمله أي جدّ وتعب دأبا دؤباً فهو دئيب.
وأدأبته أنا، والدائبان الليل والنهار، والدأب العادة والشان، وكل ما عليه الإنسان من صنيع وحالة، وقد يحرّك وأصله من دأبت إطلاقاً لاسم الخاص على العام أي جد هؤلاء الكفار واجتهادهم أو شأنهم أو صنيعهم في تكذيب محمد وكفرهم بدينه كدأب آل فرعون مع موسى .
ثم إنا أهلكنا أولئك بذنوبهم فكذلك نهلك هؤلاء.
فقوله: ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ تفسير لدأبهم على أنه جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ما فعلوا وما فعل بهم؟
فقيل: كذبوا بآياتنا بالمعجزات الدالة على صدق رسلنا.
﴿ فأخذهم الله بذنوبهم ﴾ أي صاروا عند نزول العذاب كالمأخوذ المأسور الذي لا يقدر على وجه الخلاص البتة.
وقيل: المعنى كدأب الله في آل فرعون أي يجعلهم الله وقود النار كعادته وصنيعه في آل فرعون والمصدر يضاف تارة إلى الفاعل وتارة إلى المفعول.
وقال القفال: يحتمل أن تكون الآية جامعة للعادة المضافة إلى الله وللعادة المضافة إلى الكفار كأنه قيل: إن عادة هؤلاء الكفار ومذهبهم في إيذاء محمد كعادة من قبلهم في إيذاء الرسل، وعادتنا أيضاً في إهلاك هؤلاء كعادتنا في إهلاك أولئك الكفرة.
وقيل: الدؤب والدأب اللبث والدوام والتقدير: دؤبهم في النار كدؤب آل فرعون.
وقيل: مشقتهم وتعبهم في النار كمشقة آل فرعون بالعذاب ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴾ .
وقيل: المشبه هو أن أموالهم وأولادهم لا تنفعهم في إزالة العذاب والمعنى: إنكم قد عرفتم ما حل بآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين بالرسل من العذاب المعجل الذي عنده لم ينفعهم مال ولا ولد، فكذلك حالكم أيها الكفار المكذبون بمحمد فينزل بكم مثل ما نزل بهم ولا تغني عنكم الأموال والأولاد.
ويحتمل أن يكون وجه التشبيه أنه كما نزل بمن تقدم العذاب المعجل بالاستئصال وهو قوله ﴿ فأخذهم الله بذنوبهم ﴾ ثم صاروا إلى دوام العذاب وهو قوله ﴿ والله شديد العقاب ﴾ فسينزل بمن كذب بمحمد أمران: أحدهما المحن المعجلة من القتل والسبي والإذلال وسلب الأموال وإليه الإشارة بقوله فيما بعد ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون ﴾ والثاني المصير إلى العذاب الدائم وذلك قوله ﴿ وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ﴾ .
/ التأويل: ﴿ آلم ﴾ الألف إظهار الوحدة مطلقاً ذاتاً وصفة.
فإن الألف واحد في ذاته وصفاته في وضع الحساب، ومتفرد بالأولية والانقطاع عن غيره في وضع الحروف، ويشير باستقامته وعدم تغيره في جميع الأحوال إلى عدم تغيره عن الوجود الوحداني أزلاً وأبداً.
فإن الألف مصدر جميع الحروف، فإن من استقامته يخرج كل حرف معوج.
ثم في اللام والميم المتصل كل حرف منهما بالآخر إثبات أن كل موجود سوى الوحدة موصوفة بالإثنينية وذلك قسمان: قسم لم يكن فكان ثم يزول، وقسم ما كان فكان ولا يزول.
وهذان قسمان محدثان وموجدهما الواحد القديم الذي لا زال كان ولا يزال يكون وإليه الإشارة بالألف.
وأما اللام فإشارة إلى القسم الذي لم يكن فكان ولا يكون باقياً وهو عالم الصورة والملك والأجساد.
فوقوعه في المرتبة الثانية، من الألف إشارة إلى أنه مسبوق بالوجود والألف سابق عليه، والانكسار فيه يشير إلى تغيره وزواله.
والميم إشارة إلى القسم الذي لم يكن فكان ولا يزال يبقى وهو عالم المعنى والملكوت والأرواح.
وذلك أن الميم أول حرف من اسمه المبدىء وآخر حرف من اسمه القيوم، فيشير إلى أنه كما أبدأه المبدىء حين لم يكن يقيمه القيوم حين كان لا يزال.
وبوجه آخر الألف إشارة إلى وجود حقيقي قائم بذاته، واللام يشير إلى إثبات ونفي.
فالإثبات في لام التمليك ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ والنفي في "لا" النافية أي لا وجود لشيء بالحقيقة سواه، والميم يشير أيضاً إلى إثبات ونفي.
فالإثبات ميم اسمه القيوم والنفي "ما" النافية أي ما في الوجود حقيقة إلا هو.
ودليل الوجهين في ﴿ آلم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ فـ ﴿ الله ﴾ إثبات ذات القديم، ﴿ لا إله إلا هو ﴾ نفى الشرك عن وجوده وإثبات وحدته في وجوده و ﴿ الحي القيوم ﴾ إثبات جميع صفات كماله ونفي جميع سمات النقص عن ذاته.
وقد أودع مجموع معاني هذه الآية في قوله ﴿ آلم ﴾ فمعنى قوله ﴿ الله ﴾ أودع في أول حرف من حروفه وهو الألف، ومعنى قوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ أودع في أول حرف من حروفه وهو اللام.
ومعنى قوله ﴿ الحي القيوم ﴾ أودع في آخر حرف من حروفه وهو الميم.
وإنما أودع في آخر حروفه ههنا ليكون السر مودعاً في الآية من أول حرفها إلى آخر حرفها مكتوماً فيما بينهما.
والحروف الثلاثة من قوله ﴿ آلم ﴾ يكون الألف من أولها دالاً على المعنى الذي هو في الكلمة الأولى وهي ﴿ الله ﴾ واللام من أوسطها دالاً على المعنى الذي في الكلمة الثانية وهي ﴿ لا إله إلا هو ﴾ والميم من آخرها دالاً على المعنى الذي هو مودع في الثالثة وهو ﴿ الحي القيوم ﴾ فيكون الاسم الأعظم مودعاً في ﴿ آلم ﴾ كما روي عن سعيد بن جبير وغيره، وهو سر القرآن وصفوته كما روي عن أبي بكر وعلي .
ثم إنه بعد أن أظهر أسرار ألوهيته المودعة في ﴿ آلم ﴾ بقوله ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ أظهر ألطاف ربوبيته المكنونة في أستار العزة مع حبيبه محمد / فقال ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق ﴾ أي نزل حقائق القرآن وأنواره على قلبك بالحقيقة متجلية لسرك، مخيفة عن زورك، فصرت مشاهداً لسر الله المودع في ﴿ آلم ﴾ وهو الذي بين يدي ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ فصرت مصدقاً له تصديق تحقيق لا تصديق تقليد فأفهم إذ لم تتعلم، ولا تعلم أنك لا تفهم لأنه منطق الطير وأنت بعد بيضة لا من الطيارين ولا من السيارين.
﴿ وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس ﴾ فلا تظنن يا محمد أن إنزال الكتب على الأنبياء كان كتنزيل القرآن بالحقيقة على قلبك كما قال: ﴿ ولكن جعلناه نوراً ﴾ حتى صرت مكاشفاً عند تجلي أنواره بأسراره، وحقائق بيني وبينك لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما إنزال الكتب على الأنبياء كان بالصورة مكتوبة في صحائف وألواح يقرؤها كل قاريء، ويستوي في هداها الأنبياء والأمم قاطبة ﴿ هدى للناس ﴾ وكنت مخصوصاً بالهداية عند تجلي أنوار القرآن بالتنزيل على قلبك كما قال: ﴿ ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا ﴾ ﴿ وأنزل الفرقان ﴾ الذي يفرق بين تنزيله على قلبك وبين إنزال الكتب على صورة الأنبياء، ويفرق بين تعليمك القرآن وبين تعليمهم الكتب.
فإن كانوا يتدارسون الكتب فأنت تتخلق بالقرآن، فشتان بين نبي يجيء وهو بذاته نور ومعه كتاب ﴿ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ﴾ وبين نبى يجىء ومعه نور من الكتاب ﴿ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس ﴾ وشتان بين نبي تشرف بكتابة الموعظة له في الألواح ﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة ﴾ وبين نبي تشرف أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم ﴿ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ﴾ ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله ﴾ يسترون بحجب الغفلات وتتبع الشهوات قلوبهم فتعمى عن مشاهدة هذه الآيات البينات ﴿ لهم عذاب شديد ﴾ من هذا العمى والحرمان وهم في خسران من الركون إلى هذا النقصان ﴿ والله عزيز ذو انتقام ﴾ يعز أهل الغرام بنيل المرام وينتقم من أهل السلوة بحجاب العزة.
ثم أخبر عن كمال علمه بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ﴾ وكيف يخفى وإنه ﴿ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز ﴾ عن نقص الأحكام ﴿ الحكيم ﴾ فيما يجري من الأزل إلى الأبد وجفت به الأقلام.
وفي الآية إشارة إلى أنه إذا سقطت من صلب ولاية رجل من رجال الحق نطفة إرادة في رحم قلب مريد صادق يستسلم لتصرفات ولاية الشيخ وهو بمثابة ملك الأرحام، ويضبط المريد أحواله الظاهرة والباطنة على وفق أمر الشيخ ويختار الخلوة والعزلة لئلا يصدر منه حركة عنيفة أو يجد رائحة غريبة يلزم منه سقوط النطفة وفسادها، ويقعد بأمر الشيخ وتدبيره فالله بتصرف ولاية الشيخ / المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها يحوّلها من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام إلى أن يرجع إلى حظائر القدس ورياض الأنس التي منها صدر إلى عالم الإنس، فيتكون الجنين في رحم القلب وهو طفل خليفة الله في أرضه فيستحق الآن أن ينفخ فيه الروح المخصوص بأنبيائه وأوليائه ﴿ يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده ﴾ ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ﴾ فإذا نفخ فيه الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون.
الآيات المحكمات تنزيلها شرب الخواص والعوام لبسط الشرع والاهتداء، والمتشابهات تأويلها شرب الخواص وخواص الخواص لإخفاء الأسرار عن الأغيار والابتلاء ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ ألبست قلوبهم غطاء الريب وحرموا أنوار الغيب وهم أهل الأهواء والبدع ﴿ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ﴾ ليضلوا بأهوائهم ﴿ وابتغاء تأويله ﴾ ليضلوا الناس بآرائهم ﴿ والراسخون في العلم يقولون آمنا به ﴾ بما شاهدوا من أنوار الحق في تحقيق التأويل ﴿ كل من عند ربنا ﴾ بتوفيقه وإعلامه وتعريفه ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين خرجوا في متابعة النبي من ظلمات قشور وجودهم النفساني إلى نور لباب وجودهم الروحاني، وهم الراسخون في قشور العلوم الكسبية الواصلون إلى حقائق لباب العلوم اللدنية من لدن حكيم خبير.
وفي الآية إشارة إلى أن علوم الراسخين كلها بتعليم الله إياهم في الميثاق إذ تجلى بصفة الربوبية للذرّات، وأشهدهم على أنفسهم بشواهد الربوبية ألست بربكم؟
فبشهود تلك الشواهد ركز في جبلة الذرّات علم التوحيد فقالوا: بلى.
ويندرج في علم التوحيد كل العلوم كما قال: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ فلما ردّت الذرّات إلى الأصلاب واحتجبت بصفات البشرية، ثم نقلت إلى الأرحام وتنقلت بقدم الأربعينات من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام من مقامات البعد عن الحضرة إلى أن وضع الحمل، وردت النفس العالمة بعلم التوحيد الناطقة به إلى أسفل سافلين القالب محتجبة بحجب البشرية ناسية تلك العلوم والتنطق بها.
ثم أبواه يذكرانه تلك العلوم بالرموز والقرائن حتى يتذكر بعض تلك العلوم من وراء حجب البشرية وأستار الأطوار، وينطق بلسان الأبوين لا بلسانه الذي أجاب به الرب وقال بلى، فإن ذلك اللسان كان لب هذا اللسان وهذا قشر ذلك.
وكذلك جميع وجود ظاهر الإنسان وباطنه قشور لباب ذلك الوجود المستمع المجيب في الميثاق.
فسمعه قشر ذلك السمع الذي استمع خطاب الحق، وبصره قشر ذلك البصر الذي أبصر جمال الحق، وقلبه قشر ذلك القلب الذي فقه خطاب الحق، وعلومه قشر تلك العلوم التي تعلمت من الحق.
فالنبي إنما بعث ليذكره حقيقة تلك العلوم التي كان أبواه يذكرانه قشرها كما قال ﴿ فذكر إنما أنت مذكر ﴾ فالتذكير عام ولكن التذكر خاص فلهذا قال ﴿ وما يذكر إلا أولوا / الألباب ﴾ إنما يتذكر أولوا الألباب ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا ﴾ عن صراطك بغلبات ظلمات طبائعنا وطباعنا ﴿ بعد إذ هديتنا ﴾ إلى حضرة جلالك ونور جمالك حتى سمعنا بلب سمعنا لب التنزيل، وشاهدنا بلب أبصارنا لب التأويل، وتذكرنا بلب عقولنا علومنا ﴿ وهب لنا من لدنك رحمة ﴾ تجذبنا من لدنا إلى لدنك وتغنينا عنا بك ﴿ إنك أنت الوهاب ﴾ .
وفيه إشارة إلى أن وظيفة الطالب أن لا يسكن في مقام ولا يقف مع حال بل يكون إلى الأبد طلاباً كما كان الله من الأزل إلى الأبد وهاباً.
وكما أنه لا نهاية لمواهبه فلا غاية لمطالب طالبه، وأن بعد هذه الدار داراً هي دار القرار يوفى فيها جزاء الأبرار والفجار.
فحصول الأرب بقدر رعاية الأدب في الطلب.
ومقاساة التعب والنصب، وإن التقوى خير زاد للمعاد ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ ﴿ إن الذين كفروا ﴾ ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات صفات نفسانيتهم ﴿ لن تغنى عنهم ﴾ طاغوت ﴿ أموالهم وأولادهم من ﴾ أنوار الله التي حجبوا عنها ﴿ وأولئك هم وقود النار ﴾ نار الفرقة والقطيعة ﴿ نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ﴾ لا نار الجحيم التي لا تحرق إلا قشور الجلود ولا تخلص إلى لب القلوب.
وإن عذاب حرقة لجلود بالنسبة إلى عذاب حرقة القلوب وحرقة القطيعة عن الله كنسيم الحياة إلى سموم الممات.
في فؤاد المحب نار هوى *** أحر نار الجحيم أبردها وكذلك دأب جميع الكفار الذين ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات صفات النفس فعموا وصموا عن مشاهدة أنوارنا ومحافظة أسرارنا، فأخذهم الله فعاقبهم بحجاب ذنبوبهم وحرقة قلوبهم ﴿ والله شديد العقاب ﴾ أليم نار فراقه عظيم عذاب بعده وإشراقه.
بالنار خوّفني قومي فقلت لهم *** النار ترحم من في قلبه نار <div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ الۤمۤ * ٱللَّهُ ﴾ .
قال بعضهم: تفسيره ما وصل به من قوله: ﴿ الۤـمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ : هو تفسير ﴿ الۤـمۤ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ : تفسير ﴿ الۤـمۤ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤصۤ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ ، وجميع ما وصل به الحروف المقطعة فهو تفسيرها، ولله أن يسمي نفسه بما شاء: سمى نفسه مجيداً؛ كقوله: ﴿ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ ﴾ ، وسمىّ القرآن مجيداً؛ كقوله: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ﴾ .
وقال بعضهم: الحروف المقطعة هي مفتاح السورة.
وقال آخرون: إن كل حرف منها اسم من أسماء الله .
ومنهم من يقول بأنها من المتشابه التي لا يوقف عليها.
ومنهم من يقول: هو على التشبيب؛ إذ من عادة العرب ذلك، وقد مضى الكلام فيه في قوله: ﴿ الۤـمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ بما يكفي.
وقوله: ﴿ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ ﴾ : هو الحيُّ بذاته، وكل حيٍّ سواه حيُّ بحياة هي غيره، فإذا كان هو حيّاً بذاته لم يوصف بالتغاير والزوال، ولما كان كل حيٍّ سواه حيّاً بغيره احتمل التغاير والزوال؛ وكأن الحياة عبارة يوصف بها مَنْ عَظُمَ شَأْنُهُ، وشَرُفَ أمره عند الخلق.
ألا ترى أن الله - - وصف الأرض بالحياة عند نباتِها؛ لما يعظم قدرها ويشرف منزلتها عند الخلق عند النبات؟!
وكذلك سمى المؤمن حيّاً؛ لعلوّ قدره عند الناس، والكافر ميتاً؛ لدون منزلته عند الناس؛ فكذلك الله - - سمى [نفسه] حيّاً؛ لعظمته وجلاله وكبريائه؛ وعلى هذا يخرج قوله في الشهداء؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ ﴾ ، أي: مكرمون معظمون مشرفون عند ربّهم.
وقوله: ﴿ ٱلْقَيُّومُ ﴾ ، قال بعضهم: هو القائم على كل نفس بما كسبت.
وقال آخرون: القيوم: الحافظ.
وفي حرف ابن مسعود - -: "هو الحيّ القيام" وكله يرجع إلى واحد: القائم.
والقيوم، والقيام، يقال: فلان قائم على أمر فلان، أي: يحفظه حتى لا يغيب عنه من أمره شيء.
وروي عن ابن عباس - - أنه قال: "إنَّ اسمَ اللهَ الأَعْظَمَ هَوَ: الحيُّ القَيُّومُ" وقوله: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ .
ظاهر.
﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ قيل فيه بوجوه: يحتمل بالحق، أي: دعاء الخلق إلى الحق، ويحتمل بالحق، أي: هو الحق نفسه حجة مجعولة، وآية معجزة، أيس العرب عن أن يعارضوه أو يأتوا بمثله، وتحقق عند كُلٍّ أنهُ من عند الله، إلا من أعرض عنه، وكابر وعاند.
وقيل: بالحق، أي: بالصِّدق والعدل.
وقيل: بالحق الذي لله عليهم، وما يكون لبعضهم [على بعض].
ثم قال: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .
أي: موافقاً لما قبله من الكتب السماوية، وهي غير مختلفة ولا متفارتة، وفيه دلالة نبوة [سيدنا] محمد ؛ لأنه أخبر أنه موافق لتلك الكتب غير مخالف لها، ولو كان على خلاف ذلك لتكلفوا إظهار موضع الخلاف؛ فإذا لم يفعلوا ذلك دل أنهم عرفوا أنه من الله، وأن محمداً رسوله، لكنهم كابروا وعاندوا.
وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ﴾ .
من بعد.
وقال بعضهم: ﴿ هُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ .
أي: بياناً لهم، وحجَّة لمن اهتدى، وحجة على من عمي؛ إذ لا يحتمل أن يكون له هدى، وعليه حجة فيه الهلاك؛ إنما يكون حجة له وهدى إذا اهتدى، وعليه إن ترك الاهتداء؛ فبان أنه يخالف ما يقوله المعتزلة.
وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ﴾ : قد ذكرنا فيما تقدم أنه سمّي فرقاناً؛ لوجهين: أحدهما: لما فرق آياته وفرق إنزاله.
والثاني: لما يفرِّق بين الحق والباطل، وبين الحرام والحلال، وبين ما يتقى ويؤتى؛ فعلى هذا كل كتاب مبيّن فيه الحلال والحرام، وبُيِّن ما يتقى ويؤتى.
والإنجيل فيه سمي إنجيلاً؛ لما يجلي، وهو الإظهار في اللُّغة.
وَقِيل: سمّى التوراة تَوْراة من أوريت الزند؛ وهو كذلك.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ...
﴾ : قيل: بحجج الله.
وقيل: كفروا بآيات الله، أي: بالله؛ لأنهم إذا كفروا بآياته كفروا به، وكذلك الكفر بدينه كفر به، والبراءة من دينه براءة منه، والبراءة من رسول الله براءة منه.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: ذو انتقام لأوليائه من أعدائِه.
وقيل: ذو انتقام: ذو انتصار على الأعداء.
وقيل: ذو بطش شديد.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
هو وعيد؛ كأنه - والله أعلم - قال: لا يخفى عليه ما في السماوات، و[وما في] الأرض من الأمور المستورة الخفية على الخلق؛ فكيف يخفى عليه أعمالكم وأفعالكم، التي هي ظاهرة عندكم؟!
ويحتمل: إذا لم يخف عليه ما بطن، وخفي في الأصلاب والضمائر والأرحام؛ فكيف يخفى عليه أفعالكم وأقوالكم، وهي ظاهرة؟!.
ألا ترى أنه قال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ ﴾ ؛ إذ علم ما في الأرحام وصوَّرها على ما شاء وكيف شاء.
وهم ﴿ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ﴾ .
وقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ﴾ فيه دليل نقض قول من يقول بالقائف؛ لأنه جعل علم التصور في الأرحام لنفسه، لم يجعل لغيره، كيف عرف بالقائف تصوير الأوَّل، حتى قال الله: إنه على صورته وعلى تصويره، وإنه من مائة، ثم اختلف في خلق الأشياء: قال بعضهم بخلق الفروع من الأصول، وهن أسباب للفروع.
وقال آخرون: يكون بأسباب وبغير أسباب، فإن كان بعض الأشياء يكون بأسباب؛ من نحو الإنسان من النطفة، إلا أن النطفة تتلف؛ فتكون علقة، ثم مضغة؛ فدل أنه يخلق الخلق كيف شاء من شيء ولا من شيء، بسبب وبغير سبب، وهو القادر على ذلك، وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ اختلف فيه: فقيل: المحكمات: هن النَّاسخات المعمولات بهن، والمتشبهات: هن المنسوخات غير معمول بهن، وهو قول ابن عباس [ ].
وقال آخرون: المحكمات: هن ثلاثة آيات في [آخر] سورة الأنعام: قوله: ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ...
﴾ إلى قوله: ﴿ ...
تَتَّقُونَ ﴾ ، وما ذكر في سورة "بني إسرائيل" من قوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ إلى آخر هذه الآيات، سميت محكمة؛ لأن فيها توحيداً وإيماناً بالله وغيره من المتشابه.
ثم قيل بعد هذا بوجوه: قيل: المحكمات: هي التي يعرفها كل أحد إذا نظر فيها، وتأمَّل فيها.
والمتشابه: هو المبهم الذي يعرف عند البحث فيه والطلب.
وقيل: المحكمات: ما يوقف ويفهم مراده.
والمتشابه: هو الذي لا يوقف [عليه] ألبتة، بعد ما قضى حوائج الخلق من البيان في المحكم منه، ولكن يلزم الإيمان به، وهو من الله محنة على عباده، ولله أن يمتحن خلقه بما شاء من أنواع المحن؛ لأنها دار محنة.
وغيرها لا يفهم مرادها.
ويحتمل أن يكون المحكمات: هن ما ظهر لكل أحد من أهل الإسلام؛ حتى لم يختلفوا فيها.
والمتشابه: هو الذي اشبته على الناس؛ لاختلاف الألسن فاختلفوا فيها، ولما يؤدي ظاهره إلى غير ما يؤدي باطنه؛ فتعلق بعضهم بالظاهر فقالوا به، وتعلق آخرون بالباطن؛ لما رأوا ظاهره جوراً وظلماً أو تشبيهاً، على اتفاقهم على نفي الجور والظلم عنه، ويجوز لمن يوقف على المتشابه بمعرفة المحكم.
وقال آخرون: المحكم: هو الواضح المبين، فلو كان على ما قالوا لم يكن لاختلاف الناس فيه، وادعاء كل أنَّ الذي هو عليه هو المحكم؛ لأنه لو كان ظاهراً مبيّناً لتمسّكوا بهن ولم يقع بينهم اختلاف.
وفيه دليل ونقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون بالأصلح في الدين: أنه لا يفعل إلا ذلك، ثم لم يبين لهم المحكم من غير المحكم، ولو بين كان أصلح لهم في الدين؛ فدل أن الله - عز وجل - قد يجوز أن يفعل بهم ما ليس بأصلح لهم في الدين؛ امتحاناً وابتلاءً منه لهم، والله أعلم.
لكن لا يخرج من الحكمة، ثم ما قالوه في الأمر حق؛ لأنه لا يأمر إلا أن يفعل بهم ما لهم فيه الأصلح، وقد يفعل ما هو حكمة في حق المحنة وإن كان غير ذلك أصلح لهم في الدّين، بمعنى: أقرب وأدعى إليه، والله الموفق.
وَقال قوم: المحكم: ما في العقل بيانه.
والمتشابه: ما لا يدرك في العقل؛ وإنما يعرف بمعونة السمع.
وقال قوم: لا متشابه فيما فيه أحكام من أمر ونهي وحلال وحرام؛ وإنما ذلك فيما ليس بالناس حاجة إلى العلم به، نحو: الإنباء عن منتهى الملك، وعن عدد الملوك، وعن الإحاطة بحقيقة الموعود، ونحو ذلك.
ولا قوة إلا بالله.
لكن يمكن أن يكون سمي متشابهاً؛ بما تشابه على أولئك القوم حقيقة ما راموا من الوجه الذي طلبوا.
وقد بيَّنا الحق في أمر المتشابه، وما يجب في ذلك من القول، وبالله العصمة والنجاة.
وقوله: ﴿ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل أم الكتاب، أي: أصل الكتاب.
ويحتمل أم الكتاب، أي: المتقدم على غيرها؛ وعلى هذا يُخَرِّجُ: ﴿ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ ﴾ ، أعني: مكة؛ لأنها هي المتقدمة على غيرها من القرى، ويحتمل هي أصل القرى؛ كما سمى "فاتحة الكتاب": "أم القرآن"؛ لأنها أصل؛ أو لأنها هي المتقدمة على غيرها من السور، والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، أي: مقصود الكتاب، يعني: المحكمات، والمتشابهات مما فيه شبه من غيره؛ فيتشابه؛ فهو متشابه؛ كقولهم: ﴿ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا ﴾ ؛ وكذلك المشكل سمي مشكلاً؛ لما يدخل فيه شكل من غيره فسمي مشكلاً؛ فكذلك المتشابه يدخل فيه شبه غيره؛ فصار متشابهاً، والله أعلم.
وقوله [عز وجل]: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ .
قيل: ميل عن الحق.
وقيل: الزيغ: هو الريب والشك.
﴿ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ ﴾ ولو كان ثم اتباع لعذروا؛ إذ الاتباع للشيء اتباع ما فيه من المراد؛ وعلى هذا يقولون في قوله: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾ : أي يتبعونه حق اتباعه، وكذلك قوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
والمتشابه قد أنزل إلينا من ربنا؛ فيحمد متبعه في الحقيقة؛ فثبت أنه لم يكن ثم اتباع في الحقيقة، وأنه لو كان لعذروا، ولكنه كان - والله أعلم - اتباع الآراء في التأويل بالآراء الفاسدة؛ ألا ترى أنهم طلبوا بالتأويل منتهى ملك هذه الأمَّة؟!
وفي الوقوف عليه وقوف على علم الساعة وسبب القيامة، وذلك علم ما لم يُطْلِع اللهُ الرسلَ على ذلك، فضلاً أن يطلع عليه غيرهم.
قال الشيخ - رحمه الله -: ويحتمل أن يكون اتباعهم نظرهم فيما تقصر أفهامهم عن الإدراك في الوقوف عليه، ولو كان نظرهم في المحكم من ذلك، لكان لهم في ذلك بلاغ وكفاية فيما إليهم به حاجة، ولا قوة إلا بالله.
قال الشيخ - رحمه الله -: في قوله: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ : أي: ميل عن الحق، وذلك همتهم، أو كان ذلك اعتقادهم، فإن كان المراد من ذلك في الكفرة فهو الأوّل، وإن كان في أصحاب الهوى من الذين يدينون دين الإسلام - فهو الثاني؛ وكذلك نجد كل ذي مذهب في الدِّين - ممَّن اعتقد حقيقة الأمر في قوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ الآية، وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ...
﴾ الآية - يتعلق بظاهر الآية؛ يدعي أنها محكمة بما عنده أنه الحق، بعد أن أجهد نفسه في طلب الحق، ويسوي غير ذلك عليه، فإن كان على ذلك فحقه التسليم لما عليه توارث الأمة ظاهراً؛ على ما روي عن نبي الله أنه أخبر عن تفرق الأمة، ثم أشار إلى التمسُّك بما عليه هو وأصحابه [- م -] فعلى ذلك أمر المتوارث؛ فيجب جعله محكماً وبياناً [لما] اختلف عليه، ولا قوة إلا بالله.
ويكوت المتبدع في ابتغاء تأويله؛ يريد التلبيس على من لزم تلك الجملة، وكذلك لأهل جمل في الدِّين مرفوع عليه، كذا التنازع وترك الاشتغال بتأويل ما اعترضه، لكان متبع المحكم عند الأمة مطيعاً المتشابه، ولا قوة إلا بالله.
وإن كان هو الأوَّل فقد ذكر أن ذلك في استخراج منتهى ملك هذه الأمة، وأن نهايته الساعة، والعلم به لم يطلع عليه الرسل فضلاً عمن دونهم، أو كان ذلك في أشياء تقصر عقول الضعفاء عن الإحاطة بذلك؛ يريدون بذلك التلبيس على العوام وأهل الغباوة؛ فأخبر - عز وجل - بما ذكر أنه لا يعلمه إلا الله كان ذلك فيما يعلمه غيره أو لا، فإن كان أطلعه فبالله علم، لا أن في العقول بلوغ ذلك، ومعنى الاتباع ما قد بين.
وقوله: ﴿ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾ ، أي: من القرآن يقول ما اشتبه حسابهم.
﴿ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ ﴾ .
وقيل: الفتنة: الكفر، ويحتمل "الفتنة": المحنة، أي: يمتحنون أهل الإسلام.
وقوله: ﴿ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ .
منتهى ما كتب الله - عز وجل - لهذه الأمَّة من المدّة [لهم والوقت]، وأصل التأويل: هو المنتهى.
قال الله - -: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ .
أي: وما يعلم منتهى تلك الأمة إلاّ الله.
ثم المتشابه: إن كان ما يوقف فيه فهو، وإن كان مما يعرفه أهل المعرفة، ويعلمه بالواضح - فهو هو، وأصل هذا: أن كل ذي مذهب في الإسلام يدعي على خصمه بما ذهب إليه من الحجاج بالآيات - الوقوع في المتشابه، ولنفسه - الوقوع في الواضح، وعنده أن ما ذهب إليه هو الحق؛ فلا فرق بين أن يدعي عليه ذهابه إلى غير الحق، أو تعديه إلى المتشابه وترك الواضح، فسبيل مثله الفحص والبحث عما ذهب إليه إن جاء بشيء يضطر العقل إلى قبوله سلم له ما جاء به، وإلا فخصمه منه في دعوى مثله: بالوقوع له في المتشابه بمحل دعواه.
وقوله: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ : قال قوم: موضع الوقف على قوله: ﴿ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ ﴾ ، ثم ابتدأ فقال: ﴿ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾ : "يقولون"، بمعنى: قالوا، "آمنا به": بما عرفنا، وذلك جائز في اللغة؛ "يقول" بمعنى: "قال".
وقال آخرون: موضع الوقف على قوله: ﴿ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ ، ثم استأنف الكلام فقال: ﴿ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾ : المحكم والمتشابه وغيره.
قيل: الراسخون: هم المتدارسون.
وقيل: المتثابتون؛ رسخ، بمعنى: ثبت.
وقيل: الراسخون: [الناتجون.
يقال: رسخ في العلم: نتج فيه].
فإن قيل: ما الحكمة في إنزال المتشابه؟.
قيل: إذا كان مما يعلم فهو يحتمل وجهين: يحتمل: ليعلم فضل العلم على غير العالم.
ويحتمل: أن جعل عليهم طلب المراد فيه، والفحص عما أودع فيه.
وإن كان مما لا يعلم يحتمل المحنة؛ امتحنهم في ذلك بالوقف فيه؛ إذ الدار دار محنة، ولله أن يمتحن عباده بجميع أنواع المحن, وقوله: ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .
أي: ما يتعظ إلا أولو الحجج والعقل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الم ﴾ هذه الحروف المقطعة تقدّم نَظيرُها في سورة البقرة، وفيها إشارة إلى عجز العرب عن الإتيان بمثل هذا القرآن مع أنه مؤلف من مثل هذه الحروف التى بُدِأت بها السورة، والتي يُركّبون منها كلامهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.pGOkq"
﴿ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ ﴾ المتبادر من كلمة "أنزل" أن التوراة نزلت على موسى مرة واحدة وإن كانت مرتبة في الأسفار المنسوبة إليه فإنها مع ترتيبها مكررة والقرآن لا يعرف هذه الأسفار ولم ينص عليها.
وكذلك الإنجيل نزل مرة واحدة وليس هو هذه الكتب التي يسمونها الأناجيل، لأنه لو أرادها لما أفْرَدَ الإنجيل دائمًا مع أنها كانت متعددة عند النصارى حينئذ.
وحاول بعض المفسرين بيان اشتقاق التوراة والإنجيل من أصل عربي وماهما بعربيين، ومعنى التوراة، وهي عبرية، الشريعة، ومعنى الإنجيل، وهي يونانية، البشارة، وإنما المسيح مبشر بالنبي الخاتم الذي يكمل الشريعة للبشر.
وأما كونها هدى للناس فهو ظاهر.
﴿ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ﴾ إن الفرقان هو العقل الذي به تكون التفرقة بين الحق والباطل، وإنزاله من قبيل إنزال الحديد لأن كل ما كان عن الحضرة العلية الإلهية يسمى إعطاؤه إنزالًا.
إن المفسرين قالوا -كما أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر- إنها نزلت وما بعدها إلى نحو ثمانين آية في نصارى نجران إذ وفدوا على رسول الله وكانوا ستين راكبًا فذكروا عقائدهم واحتجوا على التثليث وألوهية المسيح بكونه خلق على غير السنة التي عرفت في توالد البشر وبما جرى على يديه من الآيات وبالقرآن نفسه فأنزل الله هذه الآيات.
بدأ بذكر توحيد الله لينفي عقيدتهم من أول الأمر، ثم وصفه بما يؤكد هذا النفي كقوله الحي القيّوم أي الذي قامت به السماوات والأرض وهي قد وجدت قبل عيسى فكيف تقوم به قبل وجوده.
ثم قال إنه نزل الكتاب وأنزل التوراة لبيان أن الله تعالى قد أنزل الوحي وشرع الشريعة قبل وجود عيسى كما أنزل عليه وأنزل على من بعده فلم يكن هو المنزل للكتب على الأنبياء وإنما كان نبيًا مثلهم وقوله ﴿ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ﴾ لبيان أنه هو الذي وهب العقل للبشر ليفرقوا به بين الحق والباطل، وعيسى لم يكن واهبًا للعقول وفيه تعريض بأن السائلين تجاوزوا حدود العقل.
ثم قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ ، وهذا رد لاستدلالهم ببعض آيات القرآن على تمييز عيسى على غيره من البشر إذ ورد فيه أنه روح الله وكلمته، فهو يقول: إن هذه الآيات من المتشابهات التي اشتبه عليكم معناها حتى حاولتم جعلها ناقضة للآيات المحكمة في توحيد الله وتنزيهه.
المتشابه إنما يكون بين شيئين فأكثر، وهو لا يفيد عدم فهم المعنى مطلقًا كما قال المفسر (الجلال) ووصف التشابه في هذه الآية هو للآيات باعتبار معانيها أي إنك إذا تأملت هذه الآيات تجد معاني متشابهة في فهمها من اللفظ لا يجد الذهن مرجحًا لبعضها على بعض.
وقالوا أيضًا إن المتشابه ما كان إثبات المعنى فيه للفظ الدال عليه ونفيه عنه متساويان فقد تشابه فيه النفي والإثبات، أو ما دل فيه اللفظ على شيء والعقل على خلافه فتشابهت الدلالة ولا يمكن الترجيح كالاستواء على العرش وكون عيسى روح الله وكلمته فهذا هو المتشابه الذي يقابله المحكم الذي لا ينفي العقل شيئًا من ظاهر معناه.
أما كون المحكمات هن أم الكتاب فمعناه أنهن أصله وعماده أو معظمه وهذا ظاهر لكنه لا ينطبق إلا على بعض الأقوال.
إن معنى ذلك أنها هي الأصل الذي دعا الناس إليه، ويمكنهم أن يفهموها ويهتدوا بها، وعنها يتفرع غيرها وإليها يرجع، فإن اشتبه علينا شيء نرده إليها، وليس المراد بالرد أن نؤوله بل أن نؤمن بأنه من عند الله وأنه لا ينافي الأصل المحكم الذي هو أم الكتاب وأساس الدين الذي أمرنا أن نأخذ به على ظاهره الذي لا يحتمل غيره إلا احتمالًا مرجوحًا.
مثال هذه المتشابهات قوله تعالى ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ وقوله ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ وقوله ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ﴾ .
وهذا رأي جمهور المفسرين، وذهب جمهور عظيم منهم إلى أنه لا متشابه في القرآن إلا أخبار الغيب كصفة الآخرة وأحوالها من نعيم وعذاب.
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ معنى اتباعه ابتغاء الفتنة أنهم يتبعونه بالإنكار والتنفير استعانة بما في أنفس الناس من إنكار ما لم يصل إليه علمهم ولا يناله حسهم كالإحياء بعد الموت وشؤون تلك الحياة الأخرى.
وابتغاء الفتنة بالنسبة إلى الوجه الأول في معنى المتشابه هو أن يتبع أهل الزيغ من المشركين والمجسمة مثل قوله تعالى ﴿ وَرُوحٍ مِنْهُ ﴾ فيأخذونه على ظاهره من غير نظر إلى الأصل المحكم ليفتنوا الناس بدعوتهم إلى أهوائهم ويختلبوهم بشبهتهم فيقولون: إن الله روح والمسيح روح منه فهو من جنسه وجنسه لا يتبعض فهو هو: فالتأويل هنا بمعنى الإرجاع أي أنهم يرجعونه إلى أهوائهم وتقاليدهم لا إلى الأصل المحكم الذي بني عليه الاعتقاد، وأما ابتغاء تأويله فهو أنهم يطبقونه على أحوال الناس في الدنيا فيحولون خبر الإحياء بعد الموت وأخبار الحساب والجنة والنار عن معانيها ويصرفونها إلى معان من أحوال الناس في الدنيا ليخرجوا الناس عن الدين بالمرة، والقرآن مملوء بالرد عليهم كقوله ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .
﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾ قال بعض السلف إن قوله والراسخون في العلم كلام مستأنف وبعضهم إنه معطوف على لفظ الجلالة.
واستدل الذين قالوا بالوقف عند لفظ الجلالة وبكون ما بعده استئنافًا بأدلة: (منها) أن الله تعالى ذم الذين يتبعون تأويله (ومنها) قوله: ﴿ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾ فإن ظاهر الآية التسليم المحض لله تعالى ومن عرف الشيء وفهمه لا يعبر عنه بما يدل على التسليم المحض، وهذا رأي كثير من الصحابة كأبي بن كعب وعائشة وذهب ابن عباس وجمهور من الصحابة إلى القول الثاني وكان ابن عباس يقول: أنا من الراسخين في العلم أنا أعلم تأويله.
وقالوا في استدلال أولئك إن الله تعالى إنما ذم الذين يبتغون التأويل بذهابهم فيه إلى ما يخالف المحكمات يبتغون بذلك الفتنة، والراسخون في العلم ليسوا كذلك فإنهم أهل اليقين الثابت الذي لا زلزال فيه ولا اضطراب فهؤلاء يفيض الله تعالى عليهم فهم المتشابه بما يتفق مع المحكم.
وأما دلالة قولهم ﴿ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾ على التسليم المحض فهو لا ينافي العلم فإنهم سلموا بالمتشابه في ظاهره أو بالنسبة إلى غيرهم لعلمهم باتفاقه مع المحكم فهم لرسوخهم في العلم ووقوفهم على حق اليقين لا يضطربون ولا يتزعزعون بل يؤمنون بهذا وبذاك على حد سواء لأن كلًا منهما من عند الله ربنا، ولا غرو فالجاهل في اضطراب دائم والراسخ في ثبات لازم، ومن اطلع على ينبوع الحقيقة لا تشتبه عليه المجاري فهو يعرف الحق بذاته ويرجع كل قول إليه قائلًا: آمنا به كل من عند ربنا.
بينَّا أن المتشابه ما استأثر الله بعلمه من أحوال الآخرة أو ما خالف ظاهر لفظه المراد منه، وورود المتشابه بالمعنى الأول في القرآن ضروري، لأن من أركان الدين ومقاصد الوحي الإخبار بأحوال الآخرة، فيجب الإيمان بما جاء به الرسول من ذلك على أنه من الغيب، كما نؤمن بالملائكة والجن، ونقول أنه لا يعلم تأويل ذلك، أي حقيقة ما تؤول غليه هذه الألفاظ، إلا الله، والراسخون في العلم وغيرهم في هذا سواء، وإنما يعرف الراسخون ما يقع تحت حكم الحس والعقل فيقفون عند حدهم لا يتطاولون إلى معرفة حقيقة ما يخبر به الرسل عن عالم الغيب لأنهم يعلمون أنه لا مجال لحسهم ولا لعقلهم فيه وإنما سبيله التسليم، فيقولون آمنا به كل من عند ربنا.
فعلى هذا يكون الوقف على لفظ الجلالة لازمًا، وإنما خص الراسخين بما ذكر لأنهم هم الذين يفرقون بين المرتبتين: ما يجول فيه علمهم وما لا يجول فيه، ومن المحال أن يخلو الكتاب من هذا النوع فيكون كله محكمًا بالمعنى الذي يقابل المتشابه، ومن الشواهد على أن التأويل هنا بمعنى ما يؤول إليه الشيء وينطلق عليه لا بمعنى ما يفسر به قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾ .
فتبين مما قررناه أنه لا يقال على هذا لماذا كان القرآن منه محكم ومنه متشابه لأن المتشابه بهذا المعنى من مقاصد الدين فلا يلتمس له سبب لأنه جاء على أصله.
وأما التفسير الثاني للمتشابه وهو كونه ليس قاصرًا على أحوال الآخرة بل يتناول غيرها من صفات الله التي لا يجوز في العقل أخذها على ظاهرها وصفات الأنبياء التي من هذا القبيل نحو قوله تعالى: ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ﴾ فإن هذا مما يمنع الدليل العقلي والدليل السمعي من حمله على ظاهره، فهذا هو الذي يأتي الخلاف في علم الراسخين بتأويله كما تقدم، فالذين قالوا بالنفي جعلوا حكمة تخصيص الراسخين بالتسليم والتفويض هي تمييزهم بين الأمرين وإعطاء كل حكمة كما تقدم آنفًا، وأما القائلون بالإثبات الذين يردون ما تشابه ظاهره من صفات الله وأنبيائه إلى أم الكتاب الذي هو المحكم ويأخذون من مجموع المحكم ما يمكنهم من فهم المتشابه فهؤلاء يقولون إنه ما خص الراسخين بهذا العلم إلا لبيان منع غيرهم من الخوض فيه.
فهذا خاص بالراسخين لا يجوز تقليدهم فيه وليس لغيرهم التهجم عليه.
وهذا خاص بما لا يتعلق بعالم الغيب.
وههنا يأتي السؤال: لم كان في القرآن متشابه لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم؟
ولم لم يكن كله محكمًا يستوي في فهمه جميع الناس وهو قد نزل هاديًا والتشابه يحول دون الهداية بما يوقع اللبس في العقائد ويفتح باب الفتنة لأهل التأويل؟
أجوبة العلماء ثلاثة: أن الله أنزل المتشابه ليمتحن قلوبنا في التصديق به، فإنه لو كان كل ما ورد في الكتاب معقولًا واضحًا لا شبهة فيه عند أحد من الأذكياء ولا من البلداء لما كان في الإيمان شيء من معنى الخضوع لأمر الله تعالى والتسليم لرسله.
جعل الله المتشابه في القرآن حافزًا لعقل المؤمن إلى النظر كيلا يضعف فيموت، فإن السهل الجلي جدًا لا عمل للعقل فيه.
والدين أعز شيء على الإنسان فإذا لم يجد فيع مجالًا للبحث يموت فيه، وإذا مات فيه لا يكون حيًا بغيره، فالعقل شيء واحد إذا قوي في شيء قوي في كل شيء، وإذا ضعف، ضعف في كل شيء، ولذلك قال: ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾ ولم يقل والراسخون في الدين لأن العلم أعم وأشمل، فمن رحمته أن جعل في الدين مجالًا لبحث العقل بما أودع فيه من المتشابه، فهو يبحث أولًا في تمييز المتشابه من غيره، وذلك يستلزم البحث في الأدلة الكونية والبراهين العقلية وطرق الخطاب ووجوه الدلالة ليصل إلى فهمه ويهتدي إلى تأويله، وهذا الوجه لا يأتي إلا على قول من عطف (والراسخون) على لفظ الجلالة وليكن كذلك.
أن الأنبياء بعثوا إلى جميع الأصناف من عامة الناس وخاصتهم سواء كانت بعثتهم لأقوامهم خاصة كالأنبياء السالفين عليهم السلام أو لجميع البشر كنبينا ، فإذا كانت الدعوة إلى الدين موجهة إلى العالم والجاهل والذكي والبليد والمرأة والخادم وكان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة تكشف عن حقيقته وتشرح كنهه بحيث يفهمه كل مخاطب عاميًا كان أو خاصيًا ألا يكون في ذلك من المعاني العالية والحكم الدقيقة ما يفهمه الخاصة ولو بطريق الكناية والتعريض ويؤمر العامة بتفويض الأمر فيه إلى الله تعالى والوقوف عند حكم المحكم فيكون لكل نصيبه على قدر استعداده، مثال ذلك إطلاق لفظ كلمة الله وروح من الله على عيسى فالخاصة يفهمون من هذا ما لا تفهمه العامة ولذلك فتن النصارى بمثل هذا التعبير إذ لم يقفوا عند المحكم وهو التنزيه واستحالة أن يكون لله جنس أو أم أو ولد والمحكم عندنا في هذا قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ﴾ وسيأتي في هذه السورة.
ومن المتشابه ما يحتمل معاني متعددة وينطبق على حالات مختلفة لو أخذ منها أي معنى وحمل على أية حالة لصح، ويوجد هذا النوع في كلام جميع الأنبياء وهو على حد قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ومنه إبهام القرآن لمواقيت الصلاة لحكمة، وقد بيّن النبي ذلك في بلاد العرب المعتدلة بالأوقات الخمسة للصلوات الخمس، وما كانت العرب تعلم أن في الدنيا بلادًا لا يمكن تحديد المواقيت فيها كالبلاد التي تشرق فيها الشمس نحو ساعتين لا يزيد نهار أهلها على ذلك.
أشار القرآن إلى مواقيت الصلاة بقوله: ﴿ فَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ وسبب هذا الإبهام أن القرآن دين عام لا خاص ببلاد العرب ونحوها فوجب أن يسهل الاهتداء به حيثما بلغ، ومثل هذا الإجمال والإبهام في مواقيت الصلاة يجعل لعقول الراسخين في العلم وسيلة للمراوحة فيه واستخراج الأحكام منه في كل مكان بحسبه، فأينما ظهرت الحقيقة وجدت لها حكمًا في القرآن، وهذا النوع من المتشابه من أجلّ نعم الله تعالى، ولا سبيل إلا الاعتراض على اشتمال الكتاب عليه.
﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ أي وما يعقل ذلك ويفقه حكمته إلا أرباب القلوب النيرة والعقول الكبيرة، وإنما وصف الراسخون بذلك لأنهم لم يكونوا راسخين إلا بالتعقل والتدبر لجميع الآيات المحكمة التي هي الأصول والقواعد، حتى إذا عرض المتشابه بعد ذلك يتسنى لهم أن يتذكروا القواعد المحكمة وينظروا ما يناسب المتشابه منها فيردونه إليه.
﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ : فالرحمة في هذا المقام هي الثبات والاستقامة.
﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ : إن مناسبة هذا الدعاء للإيمان بالمتشابه ظاهرة على القول بأن المتشابه هو الإخبار عن الآخرة، أي أنهم كما يؤمنون بالمتشابه يؤمنون بمضمونه والمراد منه ما يؤول إليه.
وأما على القول بأنه لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم فوجهه أنهم يذكرون يوم الجمع ليستشعروا أنفسهم الخوف من تسرب الزيغ الذي يبسلهم في ذلك اليوم، فهذا الخوف هو مبعث الحذر والتوقي من الزيغ.
أعاذنا الله منه بمنه وكرمه.
<div class="verse-tafsir"