الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١١١ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 104 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١١ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى مخبرا عباده المؤمنين ومبشرا لهم أن النصر والظفر لهم على أهل الكتاب الكفرة الملحدين ، فقال : ( لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ) وهكذا وقع ، فإنهم يوم خيبر أذلهم الله وأرغم آنافهم وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة ، كلهم أذلهم الله ، وكذلك النصارى بالشام كسرهم الصحابة في غير ما موطن ، وسلبوهم ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين ، ولا تزال عصابة الإسلام قائمة بالشام حتى ينزل عيسى ابن مريم [ عليه السلام ] وهم كذلك ، ويحكم - عليه السلام - بشرع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ولا يقبل إلا الإسلام .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ولو صدَّق أهل التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند الله؛ لكان خيرًا لهم عند الله في عاجل دنياهم وآجل آخرتهم =" منهم المؤمنون "، يعني: من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، المؤمنون المصدِّقون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاءهم به من عند الله، وهم: عبد الله بن سلام وأخوه، وثعلبة بن سَعْيَة وأخوه، (20) وأشباههم ممن آمنوا بالله وصدّقوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، واتبعوا ما جاءهم به من عند الله =" وأكثرهم الفاسقون "، يعني: الخارجون عن دينهم، (21) وذلك أن من دين اليهود اتباعُ ما في التوراة والتصديقُ بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن دين النصارى اتباعُ ما في الإنجيل، والتصديق به وبما في التوراة، وفي كلا الكتابين صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ومبعثه، (22) وأنه نبي الله.
وكلتا الفرقتين -أعني اليهود والنصارى- مكذبة، فذلك فسقهم وخروجهم عن دينهم الذي يدعون أنهم يدينون به، الذي قال جل ثناؤه: " وأكثرهم الفاسقون ".
* * * وقال قتادة بما:- 7625- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون "، ذم الله أكثر الناس.
------------------------ الهوامش : (20) في المطبوعة: "ثعلبة بن سعيد" ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبته من المخطوطة و"سعية" بالسين المهملة المفتوحة والياء المنقوطة باثنين.
وسيأتي على الصواب في خبر إسلامه وإسلام أخيه ، بعد قليل ، رقم: 7644.
(21) انظر تفسيره"الفسق" فيما سلف 1: 409 ، 410 / 2: 118 ، 399 / 4.
135 - 141 / 6: 91.
(22) في المخطوطة والمطبوعة: "وفي كل الكتابين.
.
." ، وهو تحريف ، والصواب ما أثبت.
قوله تعالى : لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرونقوله تعالى : لن يضروكم إلا أذى يعني كذبهم وتحريفهم وبهتهم ; لا أنه تكون لهم الغلبة ; عن الحسن وقتادة .
فالاستثناء متصل ، والمعنى لن يضروكم إلا ضرا يسيرا ; فوقع الأذى موقع المصدر .
فالآية وعد من الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين ، أن أهل الكتاب لا يغلبونهم وأنهم منصورون عليهم لا ينالهم منهم اصطلام إلا إيذاء بالبهت والتحريف ، وأما العاقبة فتكون للمؤمنين .
وقيل : هو منقطع ، والمعنى لن يضروكم ألبتة ، لكن يؤذونكم بما يسمعونكم .
قال مقاتل : إن رءوس اليهود : كعب وعدي والنعمان وأبو رافع وأبو ياسر وكنانة وابن صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم : عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم ; فأنزل الله تعالى : لن يضروكم إلا أذى يعني باللسان ، وتم الكلام .
ثم قال وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون يعني منهزمين ، وتم الكلام .
ثم لا ينصرون مستأنف ; فلذلك ثبتت فيه النون .
وفي هذه الآية معجزة للنبي عليه السلام ; لأن من قاتله من اليهود ولاه دبره .
ولكن من لطف الله بعباده المؤمنين أنه رد كيدهم في نحورهم، فليس على المؤمنين منهم ضرر في أديانهم ولا أبدانهم، وإنما غاية ما يصلون إليه من الأذى أذية الكلام التي لا سبيل إلى السلامة منها من كل معادي، فلو قاتلوا المؤمنين لولوا الأدبار فرارا ثم تستمر هزيمتهم ويدوم ذلهم ولا هم ينصرون في وقت من الأوقات
قوله تعالى : ( لن يضروكم إلا أذى ) قال مقاتل : إن رؤوس اليهود عمدوا إلى من آمن منهم عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم فأنزل الله تعالى : ( لن يضروكم إلا أذى ) يعني لا يضروكم أيها المؤمنون هؤلاء اليهود إلا أذى باللسان : وعيدا وطعنا وقيل : كلمة كفر تتأذون بها ( وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ) منهزمين ، ( ثم لا ينصرون ) بل يكون لكم النصر عليهم .
«لن يضروكم» أي اليهود يا معشر المسلمين بشيء «إلا أذًى» باللسان من سبِّ ووعيد «وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار» منهزمين «ثم لا ينصرون» عليكم بل لكم النصر عليهم.
لن يضركم هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب إلا ما يؤذي أسماعكم من ألفاظ الشرك والكفر وغير ذلك، فإن يقاتلوكم يُهْزَموا، ويهربوا مولِّين الأدبار، ثم لا ينصرون عليكم بأي حال.
ثم بشر الله - تعالى - المؤمنين ، بأن هذه الكثرة الفاسقة من أهل الكتاب التى عتت عن أمر ربها وناصبت المؤمنين العداء ، ولن تضرهم ضررا بليغا له أثر ما دام أهل الإيمان مستمسكين بدينهم ومنفذين لتعاليمه وآدابه ، فقال - سبحانه - { لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } أى " لن يضركم أهل الكتاب يا معشر المؤمنين إلا ضررا يسيرا ، كأن يؤذوكم بألسنتهم ويلقوا الشبه بينكم ليصدوا من ضعف إيمانه عن الحق ، وفى هذا تثبيت للمؤمنين ، وطمأنينة لقلوبهم ، إذ الضرر الذى يصيب الأمة الإسلامية من أعدائها على قسمين :أولهما : ضرر يؤدى إلى هدم كيان الأمة ، وإضعاف قوتها وإهدار كرامتها وجعل أمورها فى أيدى أعدائها تصرفها كيف تشاء .وثانيهما : ضرر لا يؤثر فى كيان الأمة ، ولا يؤدى إلى اضمحلال قوتها كالأذى بالقول ، أو محاولة التأثير فى ضعاف الإيمان .وقد نفى - سبحانه - أن يلحق المؤمنين ضرر يأتى على كيانهم من جهة أهل الكتاب فقال : { لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } فأوقع الفعل المضارع فى حيز لن المفيدة للنفى - للإشارة إلى أن ذلك لا يكون فى المستقبل .ولكن هذا النفى لهذا النوع من الضرر مشروط بمحافظة الأمة الإسلامية على الأصلين السابقين وهما " الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإيمان بالله " .فإذا أرادت أمة الإسلام ألا تصاب من جهة أهل الكتاب بما يأتى على كيانها ، فعليها أن تخلص العبادة لربها ، وأن تعمل بسنة نبيها ، وأن تتقيد بأحكام كتابها ، وأن تباشر الأسباب التى شرعها خالقها للنصر على أعدائها .أما إذا تركت أمة الإسلام ما أمرها الله - تعالى - به وتجاوزت ما نهاها عنه فإنها فى هذه الحالة قد تصاب من أعدائها بما يؤثر فى كيانها وتكون هي الجانية على نفسها بمخالفتها لأوامر الله ونواهيه .هذا ، وأكثر العلماء على أن الاستثناء فى قوله { لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } متصل وأنه استثناء مفرغ من المصدر العام كأنه قيل : لن يضروكم ضررا ألبتة إلا ضرر أذى لا يبالى به من كلمة سوء و نحوها .وقيل هو استثناء منقطع لأن الأذى ليس من الضرر : أى لن يضروكم بقتال وغلبة لكن بكلمة أذى ونحوها .ورجح الأول ، لأن الكلام إذا أمكن حمله على الاستثناء الحقيقى لم يجز صرفه عن ذلك إلى الاستثناء المنقطع وهنا الأذى مهما قل هو نوع من الضرر وإن لم يترك أثراً .ثم بشر الله - تعالى - المؤمنين ببشارة أخرى فقال : { وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأدبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } .تولية الأدبار : كناية عن الهزيمة لأن المنهزم يحول ظهره ودبره إلى جهة الذى هزمه هربا إلى ملجأ يلجأ إليه ليدفع عن نفسه أو الأسر .والمعنى ، إن أهل الكتاب لن يضروكم يا معشر المؤمنين إلا ضررا يسيراً لا يبقى أثره فيكم - ما دمتم مستمسكين بدينكم - ، فإن قاتلوكم وأنتم على هذه الحال ، أمدكم الله بنصره ، والقى في قلوبهم الرعب فيولونكم الأدبار انهزاما منكم ، ثم لا ينصرون عليكم بل تنصرون أنتم عليهم .والتعبير عن الهزيمة بتولية الأدبار ، فيه إشارة إلى جبنهم وأنهم يفرون فرارا شديدا بذعر وهلع .وهكذا كان الشأن فى قتال المسلمين الأولين لأعداء الله وأعدائهم ، فلقد قاتل المؤمنون اليهود من بنى قيناع والنضير وقريظة وأهل خيبر فانتصر المسلمون عليهم انتصاراً باهراً .وقاتلوا جموع الروم فى بلاد الشام وفى مصر ، فكان النصر المؤزر حليفا للمسلمين مع قلتهم وكثرة أعدائهم .وقوله { ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } احتراس .
أى : يولونكم الأدبار تولية المنهزم ، لا تولية المتحرف لقتال أو المتحيز إلى فئة أو المتأمل فى الأمر .والتعبير ب { ثُمَّ } لإفادة التراخى فى المرتبة : لأن الإخبار بتسليط الخذلفان عليهم أعظم من الإخبار بتوليهم الأدبار .وهذه الجملة خبرية وهى معطوفة على جملتى الشرط وجزائه معا ، للإشعار بأن هذا ديدنهم ، وأنهم لن ينتصروا على المسلمين لا فى قتال ولا فى غيره ، ما دام المسلمون مستقيمين على الطريقة التى رسمها الله - تعالى - لهم .وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : فإن قلت : هلا جزم المعطوف فى قوله { ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } ؟
قلت : عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم إبتداء كأنه قيل أخبركم أنهم لا ينصرون .فإن قلت : فأى فرق بين رفعه وجزمه فى المعنى؟
قلت لو جزم لكان النصر مقيدا بمقاتلتهم كتولية الأدبار وحين رفع كان نفى النصر وعدا مطلقا كأنه قال .
ثم شأنهم وقصتهم التى أخبركم عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوة لا ينهضون بعدها بجناح ولا يستقيم لهم أمر ، وكان كما أخبر من حال بنى قريظة والنضير وبنى قينقاع ويهود خيبر فإن قلت : فما الذى عطف عليه هذا الخبر؟
قتل : جملة الشرط والجزاء كأنه قيل : أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا ، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون .
فإن قلت فما معنى التراخى فى ثم؟
قلت : التراخى فى المرتبة ، لأن الاخبار بتلسيط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار فإن قلت : ما موقع الجملتين ، أعنى { مِّنْهُمُ المؤمنون } و { لَن يَضُرُّوكُمْ } قلت هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب ، كما يقول القائل : وعلى ذكر فلان فإن من شأنه كيت وكيت ولذلك جاءا من غير عطف " .فأنت ترى الآية الكريمة قد بشرت المؤمنين الصادقين ببشارات ثلاث :أولها : أنهم فى مأمن من الضرر البليغ الذى يؤثر فى كيانهم وعزتهم وكرامتهم من جهة أهل الكتاب .ثانيها : أن أهل الكتاب لو قاتلوهم ، فإن المؤمنين سيكون لهم النصر عليهم .ثالثها : أنهم بعد نصرهم عليهم لن تكون لأهل الكتاب - وعلى رأسهم اليهود - شوكة أو قوة للأخذ بثأرهم بعد ذلك .وقد تحققت هذه البشارات ، وكانت كما أخبر الله - تعالى - فإن المسلمين الأولين الذين كانوا متمسكين بتعاليم دنيهم نصرهم الله - تعالى - على أهل الكتاب وعلى غيرهم من أعدائهم نصرا مؤزرا - كما سبق أن أشرنا - .فإن قال قائل : ولكن الذى نراه الآن أن اليهود الذين لا يمارى أحد فى جبنهم وفى حرصهم على الحياة قد انتصروا على المسلمين وأقاموا لهم دولة فى بقعة من أعز بقاع البلاد الإسلامية وهى فلسطين فهل يخلف وعد الله؟والجواب على ذلك .
أن وعد الله - تعالى - لا يخلف ولن يتخلف وقد حققه - سبحانه - لأسلافنا الصالحين الذى آمنوا به حق الإيمان .
ولكن المسلمين فى هذا العصر هم الذين تغيرت أحوالهم ، فقد فرطوا فى دينهم وأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وتفرقوا شيعاً وأحزاباً وتنكبوا الطريق القويم ولم يباشروا الأسباب التى شرعها الله - تعالى - لبلوغ النصر ، ولم يحسنوا الشعور بالمسئولية .فلما فعلوا ذلك تبدل حالهم من الخير إلى الشر ، ومن القوة إلى الضعف .وسلط الله عليهم من لا يخافهم ولا يرحمهم ، لأنه - سبحانه - { لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } وإذا ما عاد المسلمون إلى دينهم فطبقوا أوامره ونواهيه على أنفسهم تطبيقا كاملا ، فإن الله - تعالى - سيعيد لهم كرامتهم وعزتهم وقوتهم { وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } ومن هنا نعلم أ ، الشرط فى نفى الذى يؤثر فى نفى الضرر الذى يؤثر فى الأمة الإسلامية ، هو أن تكون مؤمنة بربها حق الإيمان متبعة لهدى رسولها محمد صلى الله عليه وسلم .
في النظم وجهان الأول: أنه تعالى لما أمر المؤمنين ببعض الأشياء ونهاهم عن بعضها وحذرهم من أن يكونوا مثل أهل الكتاب في التمرد والعصيان، وذكر عقيبه ثواب المطيعين وعقاب الكافرين، كان الغرض من كل هذه الآيات حمل المؤمنين المكلفين على الانقياد والطاعة ومنعهم عن التمرد والمعصية، ثم إنه تعالى أردف ذلك بطريق آخر يقتضي حمل المؤمنين على الانقياد والطاعة فقال: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ والمعنى أنكم كنتم في اللوح المحفوظ خير الأمم وأفضلهم، فاللائق بهذا أن لا تبطلوا على أنفسكم هذه الفضيلة، وأن لا تزيلوا عن أنفسكم هذه الخصلة المحمودة، وأن تكونوا منقادين مطيعين في كل ما يتوجه عليكم من التكاليف الثاني: أن الله تعالى لما ذكر كمال حال الأشقياء وهو قوله: ﴿ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ ﴾ وكمال حال السعداء وهو قوله: ﴿ وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ ﴾ نبه على ما هو السبب لوعيد الأشقياء بقوله: ﴿ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين ﴾ يعني أنهم إنما استحقوا ذلك بأفعالهم القبيحة، ثم نبه في هذه الآية على ما هو السبب لوعد السعداء بقوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ أي تلك السعادات والكمالات والكرامات إنما فازوا بها في الآخرة لأنهم كانوا في الدنيا ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: لفظة ﴿ كَانَ ﴾ قد تكون تامة وناقصة وزائدة على ما هو مشروح في النحو واختلف المفسرون في قوله: ﴿ كُنتُمْ ﴾ على وجوه: الأول: أن (كان) هاهنا تامة بمعنى الوقوع والحدوث وهو لا يحتاج إلى خبر، والمعنى: حدثتم خير أمة ووجدتم وخلقتم خير أمة، ويكون قوله: ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ بمعنى الحال وهذا قول جمع من المفسرين الثاني: أن (كان) هاهنا ناقصة وفيه سؤال: وهو أن هذا يوهم أنهم كانوا موصوفين بهذه الصفة وأنهم ما بقوا الآن عليها.
والجواب عنه: أن قوله (كان) عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام، ولا يدل ذلك على انقطاع طارئ بدليل قوله: ﴿ استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ﴾ قوله: ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ إذا ثبت هذا فنقول: للمفسرين على هذا التقدير أقوال أحدها: كنتم في علم الله خير أمة.
وثانيها: كنتم في الأمم الذين كانوا قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة وهو كقوله: ﴿ أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التوراة ﴾ فشدتهم على الكفار أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
وثالثها: كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم خير أمة.
ورابعها: كنتم منذ آمنتم خير أمة أخرجت للناس.
وخامسها: قال أبو مسلم قوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ تابع لقوله: ﴿ وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ ﴾ والتقدير: أنه يقال لهم عند الخلود في الجنة: كنتم في دنياكم خير أمة فاستحقيتم ما أنتم فيه من الرحمة وبياض الوجه بسببه، ويكون ما عرض بين أول القصة وآخرها كما لا يزال يعرض في القرآن من مثله.
وسادسها: قال بعضهم: لو شاء الله تعالى لقال (أنتم) وكان هذا التشريف حاصلاً لكلنا ولكن قوله: ﴿ كُنتُمْ ﴾ مخصوص بقوم معينين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وهم السابقون الأولون، ومن صنع مثل ما صنعوا.
وسابعها: كنتم مذ آمنتم خير أمة تنبيهاً على أنهم كانوا موصوفين بهذه الصفة مذ كانوا.
الاحتمال الثالث: أن يقال (كان) هاهنا زائدة، وقال بعضهم قوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ هو كقوله: ﴿ واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ﴾ وقال في موضع آخر ﴿ واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ ﴾ وإضمار كان وإظهارها سواء إلا أنها تذكر للتأكيد ووقوع الأمر لا محالة: قال ابن الأنباري: هذا القول ظاهر الاختلال، لأن (كان) تلغى متوسطة ومؤخرة، ولا تلغى متقدمة، تقول العرب: عبد الله كان قائم، وعبد الله قائم كان على أن كان ملغاة، ولا يقولون: كان عبد الله قائم على إلغائها، لأن سبيلهم أن يبدؤا بما تنصرف العناية إليه، والمعنى لا يكون في محل العناية، وأيضاً لا يجوز إلغاء الكون في الآية لانتصاب خبره، وإذا عمل الكون في الخبر فنصبه لم يكن ملغى.
الاحتمال الرابع: أن تكون (كان) بمعنى صار، فقوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ معناه صرتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، أي صرتم خير أمة بسبب كونكم آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر ومؤمنين بالله.
ثم قال: ﴿ وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ الكتاب لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ يعني كما أنكم اكتسبتم هذه الخيرية بسبب هذه الخصال، فأهل الكتاب لو آمنوا لحصلت لهم أيضاً صفة الخيرية والله أعلم.
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن إجماع الأمة حُجَّة، وتقريره من وجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق ﴾ ثم قال في هذه الآية ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ فوجب بحكم هذه الآية أن تكون هذه الآية أفضل من أولئك الذين يهدون بالحق من قوم موسى، وإذا كان هؤلاء أفضل منهم وجب أن تكون هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق إذ لو جاز في هذه الآية أن تحكم بما ليس بحق لامتنع كون هذه الأمة أفضل من الأمة التي تهدي بالحق، لأن المبطل يمتنع أن يكون خيراً من المحق، فثبت أن هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق، وإذا كان كذلك كان إجماعهم حجة.
الوجه الثاني: وهو (أن الألف واللام) في لفظ ﴿ المعروف ﴾ ولفظ ﴿ المنكر ﴾ يفيدان الاستغراق، وهذا يقتضي كونهم آمرين بكل معروف، وناهين عن كل منكر ومتى كانوا كذلك كان إجماعهم حقاً وصدقاً لا محالة فكان حجة، والمباحث الكثيرة فيه ذكرناها في الأصول.
المسألة الثالثة: قال الزجاج: قوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ ظاهر الخطاب فيه مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه عام في كل الأمة، ونظيره قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام ﴾ ﴿ كتب عَلَيْكُم القصاص ﴾ فإن كل ذلك خطاب مع الحاضرين بحسب اللفظ، ولكنه عام في حق الكل كذا هاهنا.
المسألة الرابعة: قال القفال رحمه الله: أصل الأمة الطائفة المجتمعة على الشيء الواحد فأمة نبينا صلى الله عليه وسلم هم الجماعة الموصوفون بالإيمان به والإقرار بنبوته، وقد يقال لكل من جمعتهم دعوته أنهم أمته إلا أن لفظ الأمة إذا أطلقت وحدها وقع على الأول، ألا ترى أنه إذا قيل أجمعت الأمة على كذا فهم منه الأول وقال عليه الصلاة والسلام: «أمتي لا تجتمع على ضلالة» وروي أنه عليه الصلاة والسلام يقول يوم القيامة: «أمتي أمتي» فلفظ الأمة في هذه المواضع وأشباهها يفهم منه المقرون بنبوته، فأما أهل دعوته فإنه إنما يقال لهم: إنهم أمة الدعوة ولا يطلق عليهم إلا لفظ الأمة بهذا الشرط.
أما قوله: ﴿ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ ففيه قولان الأول: أن المعنى كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار، فقوله: ﴿ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ أي أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها والثاني: أن قوله: ﴿ لِلنَّاسِ ﴾ من تمام قوله: ﴿ كُنتُمْ ﴾ والتقدير: كنتم للناس خير أمة، ومنهم من قال: ﴿ أُخْرِجَتْ ﴾ صلة، والتقدير: كنتم خير أمة للناس.
ثم قال: ﴿ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَتُؤْمِنُونَ بالله ﴾ .
واعلم أن هذا كلام مستأنف، والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية، كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم، وتحقيق الكلام أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم مقروناً بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف، فهاهنا حكم تعالى بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة، ثم ذكر عقيبه هذا الحكم وهذه الطاعات، أعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان، فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبادات.
وههنا سؤالات: السؤال الأول: من أي وجه يقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله كون هذه الأمة خير الأمم مع أن هذه الصفات الثلاثة كانت حاصلة في سائر الأمم؟.
والجواب: قال القفال: تفضيلهم على الأمم الذين كانوا قبلهم إنما حصل لأجل أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بآكد الوجوه وهو القتال لأن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد، وأقواها ما يكون بالقتال، لأنه إلقاء النفس في خطر القتل وأعرف المعروفات الدين الحق والإيمان بالتوحيد والنبوة، وأنكر المنكرات: الكفر بالله، فكان الجهاد في الدين محملاً لأعظم المضار لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع، وتخليصه من أعظم المضار، فوجب أن يكون الجهاد أعظم العبادات، ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع، لا جرم صار ذلك موجباً لفضل هذه الأمة على سائر الأمم، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: قوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقروا بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه ولا إله إلا الله أعظم المعروف، والتكذيب هو أنكر المنكر.
ثم قال القفال: فائدة القتال على الدين لا ينكره منصف، وذلك لأن أكثر الناس يحبون أديانهم بسبب الألف والعادة، ولا يتأملون في الدلائل التي تورد عليهم فإذا أكره على الدخول في الدين بالتخويف بالقتل دخل فيه، ثم لا يزال يضعف ما في قلبه من حب الدين الباطل، ولا يزال يقوى في قلبه حب الدين الحق إلى أن ينتقل من الباطل إلى الحق، ومن استحقاق العذاب الدائم إلى استحقاق الثواب الدائم.
السؤال الثاني: لم قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله في الذكر مع أن الإيمان بالله لابد وأن يكون مقدماً على كل الطاعات؟.
والجواب: أن الإيمان بالله أمر مشترك فيه بين جميع الأمم المحقة، ثم إنه تعالى فضل هذه الأمة على سائر الأمم المحقة، فيمتنع أن يكون المؤثر في حصول هذه الخيرية هو الإيمان الذي هو القدر المشترك بين الكل، بل المؤثر في حصول هذه الزيادة هو كون هذه الأمة أقوى حالاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من سائر الأمم، فإذن المؤثر في حصول هذه الخيرية هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما الإيمان بالله فهو شرط لتأثير هذا المؤثر في هذا الحكم لأنه ما لم يوجد الإيمان لم يصر شيء من الطاعات مؤثراً في صفة الخيرية، فثبت أن الموجب لهذه الخيرية هو كونهم آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، وأما إيمانهم فذاك شرط التأثير، والمؤثر ألصق بالأثر من شرط التأثير، فلهذا السبب قدم الله تعالى ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ذكر الإيمان.
السؤال الثالث: لم اكتفى بذكر الإيمان بالله ولم يذكر الإيمان بالنبوة مع أنه لابد منه.
والجواب: الإيمان بالله يستلزم الإيمان بالنبوّة، لأن الإيمان بالله لا يحصل إلا إذا حصل الإيمان بكونه صادقاً، والإيمان بكونه صادقاً لا يحصل إلا إذا كان الذي أظهر المعجز على وفق دعواه صادقاً لأن المعجز قائم مقام التصديق بالقول، فلما شاهدنا ظهور المعجز على وفق دعوى محمد صلى الله عليه وسلم كان من ضرورة الإيمان بالله الإيمان بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، فكان الاقتصار على ذكر الإيمان بالله تنبيهاً على هذه الدقيقة.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ الكتاب لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ وفيه وجهان الأول: ولو آمن أهل الكتاب بهذا الدين الذي لأجله حصلت صفة الخيرية لأتباع محمد عليه الصلاة والسلام لحصلت هذه الخيرية أيضاً لهم، فالمقصود من هذا الكلام ترغيب أهل الكتاب في هذا الدين الثاني: إن أهل الكتاب إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حباً للرياسة واستتباع العلوم ولو آمنوا لحصلت لهم هذه الرياسة في الدنيا مع الثواب العظيم في الآخرة، فكان ذلك خيراً لهم مما قنعوا به.
واعلم أنه تعالى أتبع هذا الكلام بجملتين على سبيل الابتداء من غير عاطف إحداهما: قوله: ﴿ مّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون ﴾ وثانيتهما: قوله: ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يقاتلوكم يُوَلُّوكُمُ الأدبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ قال صاحب الكشاف: هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب، كما يقول القائل: وعلى ذكر فلان فإن من شأنه كيت وكيت، ولذلك جاء ﴿ آمن ﴾ غير عاطف.
أما قوله: ﴿ مّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: الألف واللام في قوله: ﴿ المؤمنون ﴾ للاستغراق أو للمعهود السابق؟.
والجواب: بل للمعهود السابق، والمراد: عبد الله بن سلاّم ورهطه من اليهود، والنجاشي ورهطه من النصارى.
السؤال الثاني: الوصف إنما يذكر للمبالغة فأي مبالغة تحصل في وصف الكافر بأنه فاسق.
والجواب: الكافر قد يكون عدلاً في دينه وقد يكون فاسقاً في دينه فيكون مردوداً عند الطوائف كلهم، لأن المسلمين لا يقبلونه لكفره، والكفار لا يقبلونه لكونه فاسقاً فيما بينهم، فكأنه قيل أهل الكتاب فريقان: منهم من آمن، والذين ما آمنوا فهم فاسقون في أديانهم، فليسوا ممن يجب الاقتداء بهم ألبتة عند أحد من العقلاء.
أما قوله تعالى: ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً ﴾ فاعلم أنه تعالى لما رغب المؤمنين في التصلب في إيمانهم وترك الالتفات إلى أقوال الكفار وأفعالهم بقوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ رغبهم فيه من وجه آخر، وهو أنهم لا قدرة لهم على الاضرار بالمسلمين إلا بالقليل من القول الذي لا عبرة به، ولو أنهم قاتلوا المسلمين صاروا منهزمين مخذولين، وإذا كان كذلك لم يجب الالتفات إلى أقوالهم وأفعالهم، وكل ذلك تقرير لما تقدم من قوله: ﴿ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ فهذا وجه النظم، فأما قوله: ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً ﴾ فمعناه: أنه ليس على المسلمين من كفار أهل الكتاب ضرر وإنما منتهى أمرهم أن يؤذوكم باللسان، إما بالطعن في محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وإما بإظهار كلمة الكفر، كقولهم: ﴿ عُزَيْرٌ ابن الله ﴾ و ﴿ المسيح ابن الله ﴾ و ﴿ الله ثالث ثلاثة ﴾ وإما بتحريف نصوص التوراة والإنجيل، وإما بإلقاء الشبه في الأسماع، وإما بتخويف الضعفة من المسلمين، ومن الناس من قال: إن قوله: ﴿ إِلاَّ أَذىً ﴾ استثناء منقطع وهو بعيد، لأن كل الوجوه المذكورة يوجب وقوع الغم في قلوب المسلمين والغم ضرر، فالتقدير لا يضروكم إلا الضرر الذي هو الأذى، فهو استثناء صحيح، والمعنى لن يضروكم إلا ضرراً يسيراً، والأذى وقع موقع الضرر، والأذى مصدر أذيت الشيء أذى.
ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن يقاتلوكم يُوَلُّوكُمُ الأدبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ وهو إخبار بأنهم لو قاتلوا المسلمين لصاروا منهزمين مخذولين ﴿ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ أي إنهم بعد صيرورتهم منهزمين لا يحصل لهم شوكة ولا قوة ألبتة، ومثله قوله تعالى: ﴿ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأدبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ قوله: ﴿ قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ ﴾ وقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ﴾ وكل ذلك وعد بالفتح والنصرة والظفر.
واعلم أن هذه الآية اشتملت على الإخبار عن غيوب كثيرة، منها أن المؤمنين آمنون من ضررهم، ومنها أنهم لو قاتلوا المؤمنين لانهزموا، ومنها أنه لا يحصل لهم قوة وشوكة بعد الانهزام وكل هذه الأخبار وقعت كما أخبر الله عنها، فإن اليهود لم يقاتلوا إلا انهزموا، وما أقدموا على محاربة وطلب رياسة إلا خذلوا، وكل ذلك إخبار عن الغيب فيكون معجزاً وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: هب أن اليهود كذلك، لكن النصارى ليسوا كذلك فهذا يقدح في صحة هذه الآيات قلنا: هذه الآيات مخصوصة باليهود، وأسباب النزول على ذلك فزال هذا الإشكال.
السؤال الثاني: هلا جزم قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ .
قلنا: عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الأخبار ابتداء كأنه قيل أخبركم أنهم لا ينصرون، والفائدة فيه أنه لو جزم لكان نفي النصر مقيداً بمقاتلتهم كتولية الأدبار، وحين رفع كان نفي النصر وعداً مطلقاً كأنه قال: ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم لا يجدون النصرة بعد ذلك قط بل يبقون في الذلة والمهانة أبداً دائماً.
السؤال الثالث: ما الذي عطف عليه قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ ؟.
الجواب: هو جملة الشرط والجزاء، كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون وإنما ذكر لفظ ﴿ ثُمَّ ﴾ لإفادة معنى التراخي في المرتبة، لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الاخبار بتوليتهم الأدبار.
<div class="verse-tafsir"
(كان) عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام، وليس فيه دليل على سابق عدم ولا على انقطاع طارئ، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ [النساء: 96] ومنه قوله تعالى: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ كأنه قيل: وجدتم خير أمّة، وقيل: كنتم في علم الله خير أمّة.
وقيل: كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمّة، موصوفين به ﴿ أُخْرِجَتْ ﴾ أظهرت، وقوله: ﴿ تَأْمُرُونَ ﴾ كلام مستأنف بين به كونهم خير أمّة، كما تقول زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بالله ﴾ جعل الإيمان بكل ما يجب الإيمان به إيماناً بالله، لأنّ من آمن ببعض ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب أو عقاب أو ثواب أو غير ذلك لم يعتد بإيمانه، فكأنه غير مؤمن بالله ﴿ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون حَقّاً ﴾ [النساء: 150] والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ الكتاب ﴾ مع إيمانهم بالله ﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ لكان الإيمان خيراً لهم مما هم عليه، لأنهم إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حباً للرياسة واستتباع العوام، ولو آمنوا لكان لهم من الرياسة والأتباع وحظوظ الدنيا ما هوخير مما آثروا دين الباطل لأجله، مع الفوز بما وعدوه على الإيمان من إيتاء الأجر مرتين ﴿ مّنْهُمُ المؤمنون ﴾ كعبد الله بن سلام وأصحابه ﴿ وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون ﴾ المتمرّدون في الكفر ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى ﴾ إلا ضرراً مقتصراً على أذى بقول من طعن في الدين أو تهديد أو نحو ذلك ﴿ وَإِن يقاتلوكم يُوَلُّوكُمُ الادبار ﴾ منهزمين ولا يضروكم بقتل أو أسر ﴿ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ ثم لا يكون لهم نصر من أحد ولا يمنعون منكم.
وفيه تثبيت لمن أسلم منهم، لأنهم كانوا يؤذنونهم بالتلهي بهم وتوبيخهم وتضليلهم وتهديدهم بأنهم لا يقدرون أن يتجاوزوا الأذى بالقول إلى ضرر يبالى به، مع أنه وعدهم الغلبة عليهم والانتقام منهم وأنّ عاقبة أمرهم الخذلان والذل.
فإن قلت: هلا جزم المعطوف في قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ ؟
قلت عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الإخبار ابتداء، كأنه قيل: ثم أخبركم أنهم لا ينصرون.
فإن قلت: فأي فرق بين رفعه وجزمه في المعنى؟
قلت: لو جزم لكان نفي النصر مقيداً بمقاتلتهم، كتولية الأدبار.
وحين رفع كان نفي النصر وعداً مطلقاً، كأنه قال: ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوّة لا ينهضون بعدها بجناح ولا يستقيم لهم أمر وكان كما أخبر من حال بني قريظة والنضير وبني قينقاع ويهود خيبر.
فإن قلت: فما الذي عطف عليه هذا الخبر؟
قلت: جملة الشرط والجزاء كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون.
فإن قلت: فما معنى التراخي في ثمَّ؟
قلت: التراخي في المرتبة لأنّ الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار.
فإن قلت: ما موقع الجملتين أعني ﴿ مِّنْهُمُ المؤمنون ﴾ و ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ ﴾ ؟
قلت: هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب، كما يقول القائل: وعلى ذكر فلان فإنّ من شأنه كيت وكيت، ولذلك جاء من غير عاطف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى ﴾ ضَرَرًا يَسِيرًا كَطَعْنٍ وتَهْدِيدٍ.
﴿ وَإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ﴾ يَنْهَزِمُوا ولا يَضُرُّوكم بِقَتْلٍ وأسْرٍ.
﴿ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴾ ثُمَّ لا يَكُونُ أحَدٌ يَنْصُرُهم عَلَيْكم أوْ يَدْفَعُ بَأْسَكم عَنْهُمْ، نُفِيَ إضْرارُهم سِوى ما يَكُونُ بِقَوْلٍ وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهم لَوْ قامُوا إلى القِتالِ كانَتِ الدَّبْرَةُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ تَكُونُ عاقِبَتُهُمُ العَجْزُ والخِذْلانُ.
وقُرِئَ «لا يُنْصَرُوا» عَطْفًا عَلى يُوَلُّوا عَلى أنَّ ثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ فَيَكُونُ عَدَمُ النَّصْرِ مُقَيَّدًا بِقِتالِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُغَيَّباتِ الَّتِي وافَقَها الواقِعُ إذْ كانَ ذَلِكَ حالَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ ويَهُودِ خَيْبَرَ.
<div class="verse-tafsir"
{لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} إلا ضرراً مقتصراً على أذى بقول من
طعن في الدين أو تهديد أو نحو ذلك {وَإِن يقاتلوكم يولوكم الأدبار} منهزمين ولا يضروكم يقتل أو أسر {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} ثم لا يكن لهم نصر من أحد ولا يمنعون منكم وفيه تثبيت لمن أسلم منهم لأنهم كانوا يؤذونهم بتوبيخهم وتهديدهم وهو ابتداء إخبار معطوف على جملة الشرط والجزاء وليس بمعطوف على يولوكم إذ لو كان معطوفاً عليه لقيل ثم لا ينصروا وإنما استؤنف ليؤذن أن الله لا ينصرهم قاتلوا أو لم يقاتلوا وتقدير الكلام أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا ثم أخبركم أنهم لا ينصرون وثم للتراخي في المرتبة لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار
﴿ لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ لِأنَّ الأذى بِمَعْنى الضَّرَرِ اليَسِيرِ كَما يَشْهَدُ بِهِ مَواقِعُ الِاسْتِعْمالِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ ﴾ ضَرَرًا ما إلّا ضَرَرًا يَسِيرًا، وقِيلَ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ لِأنَّ الأذى لَيْسَ بِضَرَرٍ وفِيهِ نَظَرٌ، والآيَةُ كَما قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ لَمّا عَمَدَ رُؤَساءُ اليَهُودِ مِثْلَ كَعْبٍ وأبِي رافِعٍ وأبِي ياسِرٍ وكِنانَةَ وابْنِ صُورِيّا إلى مُؤْمِنِيهِمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، وآذَوْهم لِإسْلامِهِمْ وكانَ إيذاءً قَوْلِيًّا عَلى ما يُفْهِمُهُ كَلامُ قَتادَةَ وغَيْرِهِ، وكانَ ذَلِكَ الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ تَعالى كَما قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ﴾ أيْ يَنْهَزِمُوا مِن غَيْرِ أنْ يَظْفَرُوا مِنكم بِشَيْءٍ، وتَوْلِيَةُ الأدْبارِ كِنايَةٌ عَنِ الِانْهِزامِ مَعْرُوفَةٌ.
﴿ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴾ (111) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ و( ثُمَّ ) لِلتَّرْتِيبِ والتَّراخِي الإخْبارِيِّ أيْ لا يَكُنْ لَهم نَصْرٌ مِن أحَدٍ ثُمَّ عاقِبَتُهُمُ العَجْزُ والخِذْلانُ إنْ قاتَلُوكم أوْ لَمْ يُقاتِلُوكم، وفِيهِ تَثْبِيتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ.
وقُرِئَ: ( ثُمَّ لا يُنْصَرُوا ) والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى جَزاءِ الشَّرْطِ، و( ثُمَّ ) لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ بَيْنَ الخِبْرَيْنِ لا في الزَّمانِ لِمُقارَنَتِهِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَها لِلتَّراخِي في الزَّمانِ عَلى القِراءَتَيْنِ بِناءً عَلى اعْتِبارِهِ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وآخِرِ أجْزاءِ المَعْطُوفِ، وقِراءَةُ الرَّفْعِ أبْلَغُ لِخُلُوِّها عَنِ القَيْدِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولِكَوْنِها مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ الَّذِي وافَقَهُ الواقِعُ؛ لِأنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقاعَ وبَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، ويَهُودَ خَيْبَرَ حارَبُوا المُسْلِمِينَ ولَمْ يَثْبُتُوا، ولَمْ يَنالُوا شَيْئًا مِنهم، ولَمْ تَخْفُقْ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ رايَةٌ ولَمْ يَسْتَقِمْ أمْرٌ ولَمْ يَنْهَضُوا بِجَناحٍ.
<div class="verse-tafsir"
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قال الكلبي: أخبر الله تعالى أن خير الدين عند الله دين أهل الإسلام، ووصفهم بالوفاء فقال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ...
يقول: كنتم خير أهل دين كان الناس لا يظلمون من خالطهم منهم، أو من غيرهم، فجعلهم الله خير الناس للناس تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويقال: خير أمة أُخْرِجَت للناس، تأمرون بالمعروف، فتقاتلون الكفار ليسلموا، فترجع منفعتهم إلى غيرهم.
كما قال : «خيرُ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاس» .
ويقال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ يعني: كنتم عند الله في اللوح المحفوظ.
ويقال: كنتم مذ أنتم خير أُمَّة.
ويقال: هذا الخطاب لأصحاب النبيّ ، يعني أنتم خير الأمة.
كما قال النبيّ : «خير القرون أصحابي، ثم الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ثُمَّ وَصَفَهُمْ، فقال: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ أي بالتوحيد والإسلام.
وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي عن الشرك وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أي تصدقون بتوحيد الله، وتثبتون على ذلك.
وقال الزجاج: تؤمنون بالله، معناه تقرون أن محمدا نبيّ الله، لأن من كفر بمحمد لم يوحد الله، لأنه يزعم أن الآيات المعجزات التي أتى بها من ذات نفسه.
ثم قال تعالى: وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ وهم اليهود والنصارى لَكانَ خَيْراً لَهُمْ من الإقامة على دينهم مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وهم مؤمنو أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه، ومن آمن من اليهود والنصارى وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ وهم كعب بن الأشرف وأصحابه، والذين لم يؤمنوا منهم لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً يعني باللسان بالسب وغيره، وليس لهم قوة القتال وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يعني إن أعانوكم في القتال، فلا منفعة لكم منهم لأنهم يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ وينهزمون ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ يقول لا يُمْنَعون من الهزيمة، فكأنه يحكي ضعفهم عن القتال.
يقول: لو كانوا عليكم لا يضرونكم، ولو كانوا معكم لا ينفعونكم، وهذا حالهم إلى يوم القيامة وَهُمْ اليهود ليس لهم شوكة، ولا قوة القتال في موضع من المواضع.
ويقال: وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ يعني إن خرجوا إلى قتالكم، وأرادوا قتالكم يولون الأدبار، أي ينهزمون منكم.
ويقال: يُوَلُّوكم الأَدْبَار، يعني منهزمين، ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ يقول: لا يُمْنَعون منكم، وهو قول الكلبي.
<div class="verse-tafsir"
الكلام شيْءٌ مقدَّر لا يستغنِي المعنى عنه كقوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ [البقرة: ١٨٤] المعنى: فَأَفْطَرَ، فَعِدَّةٌ.
وقوله تعالى: بَعْدَ إِيمانِكُمْ يقتضي أنَّ لهؤلاء المذكورين إيماناً متقدِّماً، واختلف أهل التأويل في تَعْيِينِهِمْ، فقال أُبيُّ بْنُ كَعْبٍ: هم جميعُ الكُفَّارِ، وإيمانهم هو إقرارهم يَوْمَ قِيلَ لهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى «١» [الأعراف: ١٧٢] وقال أكثر المتأوِّلين: المراد أهل القبْلَة مِنْ هذه الأمة، ثم اختلفوا، فقال الحسَنُ: الآية في المنافقين «٢» ، وقال قتادة: هي في أهْل الرَّدة «٣» ، وقال أبو أُمَامة: هي في الخَوَارج «٤» .
وقوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ الإشارة ب «تِلْكَ» إلى هذه الآياتِ المتضمِّنة تعذيبَ الكُفَّار، وتَنْعِيمَ المؤمنين، ولَمَّا كان في هذا ذكْرُ التعذيبِ، أخبر سبحانه أنه لا يريدُ أنْ يقع منه ظُلْمٌ لأحدٍ من العبادِ، وإذا لم يردْ ذلك، فلا يوجد ألبتة لأنه لا يَقَعُ من شيء إلاَّ ما يريده سُبْحانه، وقوله: بِالْحَقِّ: معناه بالإخبار الحَقِّ، ويحتمل أنْ يكون المعنى: نَتْلُوهَا عَلَيْكَ مضمَّنة الأفعال التي هِيَ حَقٌّ في نفسها من كرامةِ قومٍ، وتعذيبِ آخرينَ، ولما كان للذِّهْنِ أنْ يقف هنا في الوَجْه الذي به خَصَّ اللَّه قومًا بعملٍ يرحمهم مِنْ أجله، وآخرين بعملٍ يعذِّبهم عليه، ذكر سبحانه الحُجَّة القاطعة في مِلْكِهِ جميعَ المخلوقاتِ، وأنَّ الحَقَّ أَلاَّ يعترض علَيْه وذلك في قوله: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ...
الآية/.
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)
وقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ...
الآية: اختلفَ في تأويل هذه الآية.
فقيل: نزلَتْ في الصحابة، وقال الحسَنُ بْنُ أبي الحَسَن وجماعةٌ مِنْ أَهْل العلْمِ:
الآيةُ خطَابٌ لجميع الأمة بأنهم خير أمة أخرجَتْ للنَّاس «١» ويؤيِّد هذا التأويلَ كونُهم شهداءَ عَلَى النَّاس.
وأمَّا قوله: «كُنْتُمْ» على صيغة المُضِيِّ فإنها التي بمعنَى الدَّوامِ كما قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الأحزاب: ٧٣] وقال قوم: المعنى: كنتم فِي عِلْمِ اللَّه، وهذه الخَيْريَّة التي خَصَّ اللَّه بها هذه الأمَّة، إنما يأخذ بحَظِّه منها مَنْ عمل بهذه الشُّروط مِنَ الأمر بالمعروفِ، والنَّهْيِ عن المنكر، والإيمانِ باللَّه ممَّا جاء في فَضْل هذه الأمَّة ما خرَّجه مُسْلِمٌ في صحيحه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامةِ» وفي رواية: «السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّة» وفي رواية: «نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ القيامة، المقتضي لَهُمْ قَبْلَ الخَلاَئِقِ» ، وفي رواية: «المَقْضِيُّ بَيْنَهُمْ» «٢» .
اهـ.
وخرَّج ابن مَاجَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «نَحْنُ آخرُ الأُمَمِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبَ، يقال: أين الأمّة الأمّيّة ونبيّها، فَنَحْنُ الآخرُونَ الأَوَّلُونَ» «٣» ، وفي روايةٍ عن ابن عَبَّاس: «فتُفَرِّجُ لَنَا الأَمَمُ عَنْ طَرِيقَنَا، فَنَمْضِي غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الطُّهُورِ، فَتَقُولُ الأُمَمُ:
كَادَتْ هَذِهِ الأَمَّةُ أَنْ تَكُونَ أَنْبِيَاءَ كُلُّهَا» «٤» ، وخَرَّجهُ أيضاً أبو داود الطَّيَالِسِيُّ في مسنده بمعناه.
اهـ من «التذكرة» «٥» .
ورَوَى أبو داودَ في سننِه، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبة، عن أبيه، عن أبي
موسى، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الفِتَنُ، وَالزَّلاَزِلُ، وَالقَتْل» «١» اهـ، وقد ذكرنا هذا الحديثَ أيضاً عن غَيْر أبي داود، وهذا الحديثُ ليس هو على عمومه في جميعِ الأمَّة لثبوت نُفُوذِ الوعيدِ في طائفةٍ من العُصَاة.
اهـ.
وقوله: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وما بعده: أحوالٌ في موضعِ نصبٍ.
وفي الحديثِ: «خَيْرُ النَّاسِ أتُقَاهُمْ لِلَّهِ، وَآمَرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ، وَأَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ» «٢» ، رواه البغويُّ في «منتخبه» .
اهـ من «الكوكب الدري» .
وقوله سبحانه: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ: تنبيهٌ على حال عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ وأخيهِ، وثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ، وغيْرِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ.
وقوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً، أي: إلا أَذًى بالألسنة فَقَطْ، وأخبر سبحانه في قوله: وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ، بخبر غَيْب، صحَّحه الوجود، فهي من آيات نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وفائدةُ الخَبَرِ هي في قولِهِ: ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ، أي: لا تكونُ حَرْبُ اليهودِ معكم سِجَالاً، وخص الأدبار بالذِّكْر دون الظَّهْرِ، تَخْسِيساً للفَارِّ، وهكذا هو حيثُ تصرَّفَ.
وقوله تعالى: ضُرِبَتْ: معناه: أُثْبِتَتْ بشدَّةٍ وإلزامٍ، وهذا وصْفُ حالٍ تقرَّرت على اليهودِ في أقطار الأرْضِ قبل مَجِيء الإسلام، وثُقِفُوا: معناه أُخِذُوا بحالِ المذْنِبِ المستحِقِّ الإهلاك، وقوله: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ في الكلامِ محذوفٌ يدركُهُ فهُمْ السامعِ، تقديره: فلا نجاة لهم مِنَ القَتْلِ أو الاستئصال إلاَّ بحَبْلٍ، وهو العَهْدُ.
وقوله: ذلِكَ إشارةٌ إلى الغَضَب، وضَرْب الذلَّة والمَسْكَنَة، وباقي الآية تقدّم تفسير نظيره.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رُؤَساءَ اليَهُودِ عَمَدُوا إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ فَآَذُوهم لِإسْلامِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والأذى قَوْلُهُمْ: ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ و ﴿ المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴾ التَّوْبَةِ: ٣٠ و ﴿ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ﴾ .
وقالَ الحَسَنُ: هُوَ الكَذِبُ عَلى اللَّهِ، ودُعاؤُهُمُ المُسْلِمِينَ إلى الضَّلالَةِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو البُهْتُ والتَّحْرِيفُ.
ومَقْصُودُ الآَيَةِ: إعْلامُ المُسْلِمِينَ بِأنَّهُ لَنْ يَنالَهم مِنهم إلّا الأذى بِاللِّسانِ مِن دُعائِهِمْ إيّاهم إلى الضَّلالِ، وإسْماعِهِمُ الكُفْرَ، ثُمَّ وعَدَهُمُ النَّصْرَ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ﴾ <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وحَبْلٍ مِنَ الناسِ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يُصِيبَكم مِنهم ضَرَرٌ في الأبْدانِ ولا في الأمْوالِ، وإنَّما هو أذىً بِالألْسِنَةِ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: "الأذى" هو تَحْرِيفُهم أمْرَ مُحَمَّدٍ وتَكْذِيبُهم إيّاهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَنَقُّصُهُمُ المُؤْمِنِينَ وطَعْنُهم عَلَيْهِمْ جُمْلَةً وأفْرادًا، وهَذا كُلُّهُ عَظِيمٌ مُقْلِقٌ، وبِسَبَبِهِ اسْتَحَقُّوا القَتْلَ والإجْلاءَ، وضَرْبَ الجِزْيَةِ.
لَكِنْ أرادَ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يَلْحَظَهُمُ المُؤْمِنُونَ بِعَيْنِ الِاحْتِقارِ حَتّى لا يَصُدُّوا أحَدًا عن دِينِهِ ولا يَشْغَلُوهُ عن عِبادَةِ رَبِّهِ، وهَكَذا هي فَصاحَةُ العَرَبِ، ومِن هَذا المَعْنى في التَحْقِيرِ؛ قَوْلُ ثُمامَةَ بْنِ أُثالٍ: يا مُحَمَّدُ إنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذا دَمٍ، وإنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلى شاكِرٍ، وإنْ شِئْتَ المالَ فَسَلْ مِنهُ ما شِئْتَ" فَقَوْلُهُ: "ذا دَمٍ" رُوِيَ بِالذالِ مَنقُوطَةً، وبِالدالِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، فَـ "ذَمٍّ" بِفَتْحِ الذالِ وبِكَسْرِها أرادَ بِها الذِمامَ، وأمّا الدالُ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ التَعْظِيمَ لِأمْرِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ بِأحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يُرِيدَ الوَعِيدَ، أيْ تَقْتُلْ ذا دَمٍ مَطْلُوبٍ بِثَأْرِهِ لَهُ حُماةٌ فاحْذَرْ عاقِبَةَ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يُرِيدَ تَقْتُلْ مَلِكًا يُسْتَشْفى بِدَمِهِ، كَما كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ في دِماءِ المُلُوكِ، فَهَذا اسْتِعْطافٌ لا وعِيدٌ، أيْ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تُفْسِدَ مِثْلِي، وهَذا كَما اسْتَعْطَفَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِهَذا المَعْنى، ويَحْتَمِلُ كَلامُ ثُمامَةَ، أنَّهُ أرادَ تَحْقِيرَ أمْرِ نَفْسِهِ ولِيُذْهِبَ عن نَفْسِ رَسُولِ اللهِ المَسَرَّةَ بِنَيْلِ مِثْلِ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ، ويَجْرِي ذَلِكَ مَجْرى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: وهَلْ أعْمَدُ مِن رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ؟
ومِثْلُهُ قَوْلُ الأسِيرِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، حِينَ قالَ لَهُ: لَأقْتُلَنَّكَ، قالَ: إنَّ ذَلِكَ لا يَنْقُصُ مِن عَدَدِ الخَزَرِ شَيْئًا فَكَأنَّ ثُمامَةَ أرادَ: إنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ حَيَوانًا حَقِيرًا شَأْنُهُ، كَما يُقْتَلُ كُلُّ ذِي دَمٍ فَما بالُكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وتَدَعُ الإنْعامَ عَلَيَّ؟
فالآيَةُ تَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى مِن جِهَةِ أنَّهُ حَقَّرَ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ ما هو عَظِيمٌ في نَفْسِهِ تَنْبِيهًا لَهم.
وأخْبَرَ اللهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ يُقاتِلُوكُمْ ﴾ ....
الآيَةِ، بِخَبَرِ غَيْبٍ صَحَّحَهُ الوُجُودُ، فَهي مِن آياتِ مُحَمَّدٍ ، وفائِدَةُ الخَبَرِ هي في قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴾ ، أيْ: لا تَكُونُ حَرْبُهم مَعَكم سِجالًا وخَصَّ الأدْبارَ بِالذِكْرِ دُونَ الظَهْرِ تَخْسِيسًا لِلْفارِّ، وهَكَذا هو حَيْثُ تَصَرَّفَ.
وقَوْلُهُ: "ضُرِبَتْ" مَعْناهُ: أُثْبِتَتْ بِشِدَّةٍ والتِزامٍ مُؤَكَّدٍ، وهَذا وصْفُ حالٍ تَقَرَّرَتْ عَلى اليَهُودِ في أقْطارِ الأرْضِ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ، قالَ الحَسَنُ: جاءَ الإسْلامُ وإنَّ المَجُوسَ لَتَجْبِيهِمُ الجِزْيَةَ، وما كانَتْ لَهم عِزَّةٌ ومَنَعَةٌ إلّا بِيَثْرِبَ وخَيْبَرَ وتِلْكَ الأرْضِ فَأزالَها اللهُ بِالإسْلامِ، ولَمْ تَبْقَ لَهم رايَةٌ أصْلًا في الأرْضِ.
و"الذِلَّةُ"، فِعْلَةٌ مِنَ الذُلِّ، و"ثُقِفُوا" مَعْناهُ: أُخِذُوا وهم بِحالِ المُذْنِبِ المُسْتَحِقِّ الإهْلاكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ ﴾ .
﴿ واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ واللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الثِقافِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: نَدْعُو ثَقِيفًا وقَدْ عَضَّ الحَدِيدُ بِها عَضَّ الثِقافِ عَلى صُمِّ الأنابِيبِ وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا بِحَبْلٍ" اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً ﴾ لِأنَّ بادِيَ الرَأْيِ يُعْطِي أنَّ لَهُ أنْ يَقْتُلَ خَطَأً، وأنَّ الحَبْلَ مِنَ اللهِ ومِنَ الناسِ يُزِيلُ ضَرْبَ الذِلَّةِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وإنَّما الكَلامُ مَحْذُوفٌ يُدْرِكُهُ فَهْمُ السامِعِ الناظِرِ في الأمْرِ، وتَقْدِيرُهُ في آياتِنا: فَلا نَجاةَ مِنَ المَوْتِ إلّا بِحَبْلٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا ﴾ كَأنَّهُ بِالمَعْنى: هَلَكُوا واسْتُؤْصِلُوا، فَلِذَلِكَ حَسُنَ أنْ يَجِيءَ بَعْدَها: "إلّا بِحَبْلٍ".
وقَرُبَ فَهْمُ ذَلِكَ لِلسّامِعِ.
قالَ الزَجّاجُ: المَعْنى ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ إلّا أنَّهم يَعْتَصِمُونَ بِالعَهْدِ إذا أُعْطَوْهُ، والحَبْلُ: العَهْدُ، شُبِّهَ بِهِ لِأنَّهُ يَصِلُ قَوْمًا بِقَوْمٍ كَما يَفْعَلُ الحَبْلُ في الأجْرامِ.
و"باءُوا" مَعْناهُ: مَضَوْا مُتَحَمِّلِينَ لِهَذا الحُكْمِ، وغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي أوقَعَ بِهِمْ.
وأفْعالُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى وجْهِ الدَهْرِ مِنَ التَعَنُّتِ والعِصْيانِ تُوجِبُ الغَضَبَ، فَلِذَلِكَ خُصُّوا بِهِ، والنَصارى إنَّما ضَلُّوا فَقَطْ.
و"المَسْكَنَةُ": التَذَلُّلُ والضَعَةُ، وهي حالَةُ الطَوافِ المُلْتَمِسِ لِلُّقْمَةِ واللُقْمَتَيْنِ المُضارِعِ المُفارِقِ لِحالَةِ التَعَفُّفِ والتَعَزُّزِ بِهِ، فَلَيْسَ أحَدٌ مِنَ اليَهُودِ وإنْ كانَ غَنِيًّا إلّا وهو بِهَذِهِ الحالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الغَضَبِ وضَرْبِ الذِلَّةِ والمَسْكَنَةِ، فَعاقَبَهُمُ اللهُ عَلى كُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِذَلِكَ.
و"آياتِ اللهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها المَتْلُوَّةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ العِبَرَ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: "بِغَيْرِ حَقٍّ" تَأْكِيدٌ ومُبالَغَةٌ وقَطْعٌ لِما عَسى أنْ يَكُونَ في وهْمِ إنْسانٍ مُمْكِنًا بِوَجْهٍ ما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِما عَصَوْا ﴾ حَمَلَهُ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الإشارَةَ بِـ "ذَلِكَ" إلى الشَيْءِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِـ "ذَلِكَ" الأوَّلِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ والزَجّاجُ وغَيْرُهُما.
والَّذِي أقُولُ: إنَّ الإشارَةَ بِـ "ذَلِكَ" الأخِيرِ إنَّما هي إلى كُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى اسْتَدْرَجَهم فَعاقَبَهم عَلى العِصْيانِ والِاعْتِداءِ بِالمَصِيرِ إلى الكُفْرِ وقَتْلِ الأنْبِياءِ، وهو الَّذِي يَقُولُ أهْلُ العِلْمِ: إنّاللهَ تَعالى يُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ بِالإيقاعِ في مَعْصِيَةٍ، ويُجازِي عَلى الطاعَةِ بِالتَوْفِيقِ إلى طاعَةٍ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في الناسِ إذا تَأمَّلَ.
وعِصْيانُ بَنِي إسْرائِيلَ واعْتِداؤُهم في السَبْتِ وغَيْرِهِ مُتَقَرِّرٌ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مِن كِتابِ اللهِ.
وقالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ عِنْدَما فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ: "اجْتَنِبُوا المَعْصِيَةَ والعُدْوانَ، فَإنَّ بِها أُهْلِكَ مَن كانَ قَبْلَكم مِنَ الناسِ".
<div class="verse-tafsir"
استئناف نشأ عن قوله ﴿ وأكثرهم الفاسقون ﴾ [آل عمران: 110] لأن الإخبار عن أكثرهم بأنَّهم غير مؤمنين يؤذن بمعادَاتهم للمؤمنين، وذلك من شأنه أن يوقع في نفوس المسلمين خشية من بأسهم، وهذا يختصّ باليهود، فإنَّهم كانوا منتشرين حيال المدينة في خيبر، والنضير، وقينقاع، وقريظة، وكانوا أهل مكر، وقوة، ومال، عُدّة، والمسلمون يومئذٍ في قلّة فطمأن الله المسلمين بأنَّهم لا يخشون بأس أهل الكتاب، ولا يخشون ضُرّهم، لكن أذاهُم.
أمَّا النصّارى فلا ملابسة بينهم وبين المسلمين حتَّى يخشوهم.
والأذى هو الألم الخفيف وهو لا يبلغ حد الضرّ الَّذي هو الألم، وقد قيل: هو الضرّ بالقول، فيكون كقول إسحاق بن خلف: أخشىَ فَظاظة عمّ أو جَفاء أخٍ *** وكُنتُ أبقى عليها من أذى الكَلِم ومعنى ﴿ يولّوكم الأدبار ﴾ يفرّون منهزمين.
وقوله ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ احتراس أي يولوكم الأدبار تولية منهزمين لا تولية متحرّفين لقتال أو متحيّزين إلى فئة، أو متأمّلين في الأمر.
وفي العدول عن جعله معطوفاً على جملة الجواب إلى جعله معطوفاً على جملتي الشرط وجزائه معاً، إشارة إلى أنّ هذا ديدنهم وهجيراهم.
لو قاتلوكم، وكذلك في قتالهم غيركم.
وثمّ لترتيب الإخبار دالّة على تراخي الرتبة.
ومعنى تراخي الرتبة كون رتبة معطوفها أعظم من رتبة المعطوف عليه في الغرض المسوق له الكلام.
وهو غير التّراخي المجازي، لأن التّراخي المجازي أن يشبَّه ما ليس بمتأخّر عن المعطوف بالمتأخّر عنه.
وهذا كلّه وعيد لهم بأنهم سيقاتلون المسلمين، وأنّهم ينهزمون، وإغراء للمسلمين بقتالهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) ولَمْ يَقُلْ: أنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ؟
فَفِيهِ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ كانَ قَدَّمَ البِشارَةَ لَهم بِأنَّهم خَيْرُ أُمَّةٍ، فَقالَ: ( كُنْتُمْ ) يَعْنِي إلى ما تَقَدَّمَ في البِشارَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ قالَ: « (أنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أنْتُمْ خَيْرُها وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ)» .
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ لِأنَّ المُتَقَدِّمَ مُسْتَصْحَبٌ ولَيْسَ الآنِفُ مُتَقَدِّمًا، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ والثّالِثُ: مَعْناهُ خَلَقَهم خَيْرَ أُمَّةٍ.
والرّابِعُ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والفريابي وأحمد والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه عن ابي عباس في قوله: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: قال عمر بن الخطاب: لو شاء الله لقال: أنتم.
فكنا كلنا، ولكن قال: ﴿ كنتم ﴾ في خاصة أصحاب محمد، ومن صنع مثل صنيعهم كانوا ﴿ خير أمة أخرجت للناس ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي عمن حدثه عن عمر في قوله: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ قال: تكون لأوّلنا، ولا تكون لآخرنا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذرعن عكرمة في الآية قال: نزلت في ابن مسعود، وعمار بن يسار، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل.
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ الآية.
ثم قال: يا أيها الناس من سرَّه أن يكون من تلكم الأمة فليؤدِّ شرط الله منها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ يقول: على هذا الشرط: أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، وتؤمنوا بالله.
يقول: لمن أنتم بين ظهرانيه كقوله: ﴿ ولقد اخترناهم على علم على العالمين ﴾ [ الدخان: 32] .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن أبي هريرة في قوله: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام.
وأخرج ابن المنذر من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ قال: خير الناس للناس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب قال: لم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمة، فمن ثم قال: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن معاوية بن حيدة.
أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ قال: «إنكم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها، وأكرمها على الله» .
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: «ذكر لنا نبي الله صلى لله عليه وسلم قال ذات يوم وهو مسند ظهره إلى الكعبة: نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة، نحن آخرها وخيرها» .
وأخرج أحمد بسند حسن عن علي قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لي طهوراً، وجعلت أمتي خير الأمم» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ قال: أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطية في الآية قال: خير الناس للناس.
شهدتم للنبيين الذين كذبهم قومهم بالبلاغ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال: لم تكن أمة دخل فيها من أصناف الناس غير هذه الأمة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ﴾ يقول: تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله ويقاتلونهم عليه.
ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف ﴿ وتنهونهم عن المنكر ﴾ والمنكر هو التكذيب وهو أنكر المنكر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ منهم المؤمنون ﴾ قال: استثنى الله منهم ثلاثة كانوا على الهدى والحق.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وأكثرهم الفاسقون ﴾ قال: ذم الله أكثر الناس.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ قال: تسمعونه منهم.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ قال: إشراكهم في عزير، وعيسى، والصليب.
وأخرج عن الحسن ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ قال: تسمعون من كذباً على الله، يدعونكم إلى الضلالة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ضربت عليهم الذلة ﴾ قال: هم أصحاب القبالات.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ ضربت عليهم الذلة ﴾ قال: أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: أدركتهم هذه الأمة، وأن المجوس لتجتنيهم الجزية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن وقتادة ﴿ ضربت عليهم الذلة ﴾ قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ ضربت عليهم الذلة ﴾ قال: الجزية.
وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم من طريقين عن ابن عباس ﴿ إلا بحبل من الله وحبل من الناس ﴾ قال: بعهد من الله وعهد من الناس.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ﴾ قال اجتنبوا المعصية والعدوان، فإن بهما هلك من هلك قبلكم من الناس.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ﴾ هذا وعْد مِنَ الله تعالى (١) ﴿ إِلَّا أَذًى ﴾ ؛ أي: أذًى باللِّسانِ، مثل (٢) (٣) وقال الحسن (٤) (٥) وموضع ﴿ إِلَّا أَذًى ﴾ نصبٌ بالاستثناء المتصل؛ المعنى: لن يضروكم إلا ضَرَرًا يسيرًا.
فـ (الأذى) وقع موقع الضَّرَر (٦) والأذى: مصدر (أَذِيْتُ بالشيء أذًى) (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ﴾ قال أبو على (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) ﴿ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ ، إلّا أنّ المفعول الثاني الزائِد في نَقل (فَعِلَ) (١٥) ﴿ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ﴾ (١٦) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ محمول (١٧) (١٨) وإنَّما لم يُحتملْ (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) ﴿ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ (٢٤) قال المفسرون: صدق الله وعْدَه بالنصر، فلم يقاتل يهودُ (٢٥) والمسلمين (٢٦) (٢٧) (٢٨) .
(١) تعالى: ساقطة من: (ب)، (ج).
(٢) في (ج): (ثم).
(٣) البُهْت -بضم الباء-، والبَهِيتة، والبهتان: الكذب والافتراء.
والبَهت -بفتح الباء-: أن يقول المرء في غيره ما لم يفعله.
يقال: (بَهَته، يَبهَتُه، بَهْتًا، وبَهَتا، وبُهْتانًا).
والبَهْتُ: الانقطاع والحَيْرة، يقال: (بَهَتَ، وبَهِتَ، وبُهِتَ): إذا تَحيَرّ.
وهو أصل== معنى الكلمة.
فـ (البُهتان): هو الباطل الذي يُتحير من بطلانه.
انظر: (بهت) في.
"مقاييس اللغة" 1/ 308، والنهاية في "غريب الحديث" 1/ 165، "اللسان" 1/ 367 - 368.
(٤) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 47، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 734، "زاد المسير" 1/ 240.
(٥) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 46 ونصه عنده: (لن يضروكم إلا أذى تسمعونه منهم).
"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 734.
(٦) وقيل: هو استثناء منقطع؛ أي: لن يضروكم بقتال أو غلبة، ولكن بكلمة أذى أو نحوها.
وممن قال بهذا: الأخفش، والطبري، والنحاس، ومكي، وأبو بكر الأنباري.
انظر: "معاني القرآن" للأخفش: 1/ 213، "تفسير الطبري" 4/ 41، "إعراب القرآن" للنحاس: 1/ 358، "البيان" للأنباري: 1/ 285، "الدر المصون" للسمين الحلبي: 3/ 352، "مشكل إعراب القرآن" لمكي: 1/ 170.
(٧) الأذى: هو ما تسمعه من مكروه.
يقال: (أذِيتُ بالشيء، آذَى أذًى وأذاة وأذِيَّة)، فـ (أنا أذٍ).
أمَّا (آذى)، فمصدرها: إيذاء، وأذيّة.
وتأذَّيْت به تأذِّيا.
انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 140 (أذا)، "الصحاح" 6/ 2266 (أذا)، "اللسان" 1/ 54.
(٨) هو: الفارسي، ولم أقف على مصدر قوله فيما رجحت إليه من مؤلفاته، وقد وجدته -مع اختلاف يسير جدًا- في "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج: 2/ 447 في كلام طويل نقله عن أبي علي في تعليقه على قوله -تعالى-: ﴿ فَلَنُوَليَنَّكَ قِبْلَة تَرضَاهَا ﴾ .
(٩) في (ب): (ووليته).
(١٠) في (ج): (وإذا).
(١١) في "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج: نقلته.
(١٢) في (أ)، (ب): (ما آخيره).
والمثبت من: (ب)، (ج)، "إعراب القرآن".
وفي "إعراب القرآن": (قلت: وَلِيتُ مآخيره، وولّاني مآخيره).
والمآخير: لم أقف على المراد بها في معاجم اللغة التي رجعت إليها، وقد ورد فيها (المئخار)، وهي النخلة التي يبقى حملها إلى آخر الصِّرام، أو يبقى إلى آخر الشتاء، وجمعها: مآخير.
انظر: "كتاب النخل"، لأبي حاتم السجستاني: 92، وانظر مادة (أخر) في "اللسان" 1/ 45، "التاج" 6/ 17.
ولكن هذا المعنى ليس هو - المراد هنا، وإنما يراد بها هنا -والله أعلم- جهة الخلف من الإنسان: الظهر وما يليه.
ويعزز هذا قوله بعده: (وولاني ميامنه).
(١٣) ورد في "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج: (ووليت ميامنه، وولاني ميامنه).
والميامن: جمع (مَيمَنه)، وهي خلاف الميسرة في الإنسان.
انظر: "اللسان" 8/ 4967 (يمن).
(١٤) في "إعراب القرآن" السابق، أضاف بعدها: (وليس مثل: لقي وألقيته ولقَّيْته).
(١٥) في (أ): (فعِّل).
وفي (ب)، (ج): (غير مشكولة).
وما أثبته هو الصواب.
(١٦) فـ (الأدبار) مفعول ثانٍ.
انظر: "التبيان" للعكبري: ص 204، "الدر المصون" 3/ 352.
(١٧) من قوله: (محمول ..) إلى (ثم لا ينصرون): ساقط من (ج).
(١٨) انظر: "إعراب الحديث النبوي" للعكبري: 172.
(١٩) في (ج): (يحمل).
(٢٠) في (ج): (لأنه).
(٢١) أي: لو قلنا بعطفه على جواب الشرط، للزم تقييد عدم نصرهم في حالة مقاتلتهم لنا فقط.
ولكن -في الحقيقة- هم غير منصورين مطلقًا؛ لكفرهم، سواءً أقاتلوا أم لم يقاتلوا.
(٢٢) في (ج): (لتشاكل).
(٢٣) في (ب): (والنون).
(٢٤) في رفع ﴿ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ -هنا- وجهان: أ- أنها معطوفة على ما قبلها ﴿ وَلَا يُؤْذَنُ ﴾ فهي نفي؛ أي: فلا يعتذرون فلم يجعل الاعتذار متسببًا عن الإذن؛ إذ لو كان كذلك لنُصب وحذف النون.
وذهب الفرَّاء إلى أن الرفع فيها لمراعاة الفواصل.
ب- أنها مستأنفة؛ أي: فهم يعتذرونه ومعناها: أنهم ينطقون في مواقف دون أخرى.
انظر: "معاني القرآن" للفراء: 1/ 229، 3/ 226، "التبيان" للعكبري: ص 204، "البيان" للأنباري: 2/ 488، "البحر المحيط" 8/ 408.
(٢٥) في (ب): (بعد) بدلًا من (يهود).
(٢٦) (والمسلمين): ساقطة من: (ج).
(٢٧) في (ج): (الدائرة).= الدَّبْرَة: العاقبة، والهزيمة في القتال.
أمَّا الدِّبْرة -بكسر الدال المشددة- فهي خلاف القِبلة.
انظر: "القاموس المحيط" ص 389 (دبر).
(٢٨) زيادة من (أ).
<div class="verse-tafsir"
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ كان هنا هي التي تقتضي الدوام كقوله وكان الله غفوراً رحيماً، وقيل: كنتم في علم الله، وقيل: كنتم فيما وصفتم به في الكتب المتقدمة، وقيل: كنتم بمعنى أنتم، والخطاب لجميع المؤمنين، وقيل: للصحابة خاصة ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى ﴾ أي بالكلام خاصة، وهو أهون المضرة ﴿ يُوَلُّوكُمُ الأدبار ﴾ إخبار بغيب ظهر في الوجود صدقة ﴿ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ إخبار مستأنف غير معطوف على يولوكم، وفائدة ذلك أن توليهم الأدبار مقيدٌ بوقت القتال، وعدم النصر على الإطلاق، وعطفت الجملة على جملة الشرط والجزاء، وثم لترتيب الأحوال؛ لأن عدم نصرهم على الإطلاق أشد من توليهم الأدبار حين القتال.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ حق تقاته ﴾ بالإمالة: علي ﴿ ولا تفرقوا ﴾ بتشديد الراء: البزي وابن / فليح.
الوقوف: ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ ولا تفرقوا ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ إخواناً ﴾ ج لاحتمال الواو وللحال والاستئناف ﴿ منها ﴾ ط ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط للعدول ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ البينات ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه (لا) لتعلق الظرف بلهم على الأصح.
وقيل: مصنوب بإضمار "اذكر".
﴿ وتسود وجوه ﴾ ج ﴿ اسودت وجوههم ﴾ (لا) لأن التقدير: فيقال لهم: أكفرتم؟
﴿ تكفرون ﴾ 5 ﴿ ففي رحمة الله ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ 5 ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ 5 ﴿ ما في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ وتؤمنون بالله ﴾ ط ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه قيل: لا وقف عليه وعليه وقف لأن المعرف لا يتصف بالجملة ﴿ إلا أذى ﴾ ط و ﴿ الأدبار ﴾ وقفة لأن "ثم" لترتيب الإخبار أي ثم هم لا ينصرون، ولو كان عطفاً لكان ثم لا ينصروا.
﴿ لا ينصرون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما حذر المؤمنين إضلال الكفار أمرهم في هذه الآيات بمجامع الطاعات ومعاقد الخيرات، فأولها لزوم سيرة التقوى.
عن ابن عباس: لما نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴾ وهو أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى.
أو هو القيام بالمواجب كلها والاجتناب عن المحارم بأسرها، وأن لا يأخذه في الله لومة لائم، ويقول بالقسط ولو على نفسه أو الوالدين والأقربين، شق ذلك على المسلمين فنزلت ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ والجمهور على أنها منسوخة لأن معنى ﴿ حق تقاته ﴾ واجب تقواه وكما يحق أن يتقى وهو أن يجتنب جميع معاصيه، ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ وإلا كان إباحة لبعض المعاصي.
ولا يجوز أن يراد بقوله: ﴿ حق تقاته ﴾ ما لا يستطاع من التكاليف كالصادر على سبيل الخطأ والسهو والنسيان لقوله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ فعلى هذا لم يبق فرق بين الآيتين.
ولناصر القول الأول أن يقول: إن كنه الإلهية غير معلوم للخلق، فلا يكون كمال قهره وقدرته وعزته معلوماً فلا يحصل الخوف اللائق بذلك فلا يحصل حق الاتقاء، وإذا كان كذلك فيجوز أن يؤمر بالاتقاء الأغلظ والأخف، ثم ينسخ الأغلظ ويبقى الأخف، ونزول هذه الآية بعد قوله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ ممنوع ﴿ ولا تموتن إلا وانتم مسلمون ﴾ ليس نهياً عن الموت وإنما هو نهي عن أن يدركهم الموت على خلاف حال الإسلام وقد مر في البقرة مثله.
ثم إنه أمرهم بما هو كالأصل لجميع الخيرات وإصلاح المعاش والمعاد وهو الاجتماع على التمسك بدين الله واتفاق الآراء على إعلاء كلمته فقال: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ﴾ حال كونهم مجموعين.
وقولهم: اعتصمت بحبله يجوز أن يكون تمثيلاً لاستظهاره به ووثوقه بعنايته باستمساك المتدلي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه، / لأن وجه الشبه وصف غير حقيقي ومنتزع من عدة أمور.
ويجوز أن يكون الحبل استعارة للعهد والاعتصام لوثوقه بالعهد بناء على أن في الكلام تشبيهين، ويجوز أن تفرض الاستعارة في الحبل فقط ويكون الاعتصام ترشيحاً لها.
والحاصل أن طريق الحق دقيق والسائر عليه غير مأمون أن تزل قدمه عن الجادة، فيراد بالحبل ههنا ما يتوصل به إلى الثبات على الحق وإن كانت عبارات المفسرين متخالفة.
فعن ابن عباس: هو العهد كما يجيء ﴿ إلا بحبل من الله وحبل من الناس ﴾ وقيل: إنه القرآن كما روي عن علي بن أبي طالب عن النبي : " "أما إنها ستكون فتنة.
قيل: فما المخرج منها؟
قال : كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو حبل الله المتين" وروى ابن مسعود عن النبي : " هذا القرآن حبل الله " وعن أبي سعيد الخدري عن النبي : " إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله حبل متين ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي " وقيل: إنه دين الله.
وقيل: إنه طاعة الله.
وقيل: إخلاص التوبة.
وقيل: الجماعة لقوله عقيب ذلك: ﴿ ولا تفرقوا ﴾ لأن الحق لا يكون إلا واحداً، وما بعد الحق إلا الضلال.
ويد الله مع الجماعة.
قال : " "ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة الناجي منهم واحد فقيل: ومن هم يا رسول الله؟
قال: الجماعة " وروي "السواد الأعظم" وروي " ما أنا عليه وأصحابي" " قال : " لا تجتمع أمتي على الضلالة " وقد يتمسك بالآية نفاة القياس قالوا: الأحكام الشرعية إن احتيج فيها إلى الدلائل اليقينية امتنع الاكتفاء فيها بالقياس، وإن اقتصر فيها على الدلائل الظنية فالقول بجواز القياس لكل أحد يوجب التفرق والاختلاف وهو منهي عنه.
وأجيب بأن الدلائل الدالة على وجوب العمل بالقياس مخصصه لعموم قوله: ﴿ ولا تفرقوا ﴾ .
ثم إنه ذكرهم نعمته عليهم وذلك أنهم كانوا في الجاهلية بينهم إلا حن والبغضاء والحروب المتطاولة، فألف الله بين قلوبهم ببركة الإسلام فصاروا إخواناً في الله متراحمين متناصحين، وذلك أن من كان وجهه إلى الدنيا فقلما يخلو من معاداة ومناقشة بسبب الأغراض الدنيوية، أما العارف الناظر من الحق إلى الخلق فإنه يرى الكل اسيراً في قبضة القضاء فلا يعادي أحداً ألبتة لأنه مستبصر بسر الله في القدر.
فإذا أمر أمر برفق ناصح لا بعنف معير وكان حبه لحزب الله ونظرائه في الدين ورفقائه في طلب / اليقين أشد من حب الوالد لولده، فكانوا كالأقربين والإخوان بل كجسد واحد وكنفس واحدة, وقيل: يريد الإخوان في النسب.
وذلك أن الأوس والخزرج كانا أخوين لأب وأم، وكان بينهما العداوة والحروب، وبقيا على ذلك مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام، وألف بينهم برسول الله، فذكر الله تلك النعمة.
وفيه دليل على أن المعاملات الحسنة الجارية فيما بينهم بعد الإسلام إنما حصلت من الله حيث خلق فيهم تلك الداعية المستلزمة لحصول الفعل.
قال الكعبي: إن ذلك بالهداية والبيان والتحذير والمعونة والألطاف لا بخلق الفعل.
وأجيب بأن كل هذا كان حاصلاً قبل ذلك.
فاختصاص أحد الزمانين بحصول الألفة والمحبة لا بد أن يكون لأمر زائد على ما ذكرتم.
هذا شرح النعم الدنيوية عليهم، ثم ذكرهم النعم الأخروية بقوله: ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ﴾ وشفا الحفرة وشفتها حرفها بالتذكير والتأنيث، ومنه يقال: أشفى على الشيء إذا أشرف عليه كأنه بلغ شفاه أي حده وطرفه.
وأنقذه واستنقذه خلصه ونجاه.
والضمير في ﴿ منها ﴾ للحفرة أو النار أو للشفاء إما لأنه في معنى الشفة وإما لإضافته إلى الحفرة وهو بعضها وهو كقوله: كما شرقت صدر القناة من الدم *** قال بعضهم: الشفة أصغر من الشفا وكذلك الضلالة والضلال لذلك قال نوح : ﴿ ليس بي ضلالة ﴾ حين قال له قومه ﴿ إنا لنراك في ضلال مبين ﴾ أي ليس بي صغير من الضلال فكيف الكبير منه؟
ومعنى الآية إنكم كنتم مشرفين بكفركم على جهنم تشبيهاً لها بالحفر التي فيها النار وتمثيلاً بحياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها.
وفيه تنبيه على تحقير مدة الحياة وإن طالت كأنه ليس بين الحياة وبين الموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشيء وبين ذلك الشيء.
قالت المعتزلة: معنى الإنقاذ أنه لطف بهم بالرسول وبسائر ألطفاه حتى آمنوا.
وقال أهل السنة: جميع الألطاف مشتركة بين المؤمن والكافر، فلو كان فاعل الإيمان هو العبد لكان العبد هو الذي أنقذ نفسه من النار، لكن الآية دلت على أن الله هو المنقذ فعلم أن خالق أفعال العباد هو الله .
﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك البيان البليغ ﴿ يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ﴾ إرادة أن تزدادوا هدى أو لتكونوا على رجاء هداية.
فالأول قول المعتزلة والثاني لأهل السنة، وقد مر في أوائل سورة البقرة.
ثم رغب المؤمنين الكاملين في تكميل غيرهم فقال: ﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ﴾ وهو جنس تحته نوعان: الترغيب في فعل ما / ينبغي من واجبات الشرع ومندوباته والكف عما لا ينبغي من محرماته ومكروهاته، فلا جرم أتبعه النوعين زيادة في البيان فقال: ﴿ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ واختلفوا في أن كلمة "من" في قوله: ﴿ منكم ﴾ للتبيين أو للتبيعض.
فذهب طائفة إلى أنها للتبيين لأنه ما من مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه، وكيف لا وقد وصفهم الله بذك في قوله: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾ فهذا كقولك: لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر.
وتريد جميع الأولاد والغلمان لا بعضهم.
ثم قالوا: إن ذلك وإن كان واجباً على الكل إلا أنه متى قام به بعض سقط عن الباقين كسائر فروض الكفايات.
وقال آخرون: إنها للتبعيض إما لأن في القوم من لا يقدر على الدعوة وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنساء والمرضى والعاجزين، وإما لأن هذا التكليف مختص بالعماء الذين يعرفون الخير ما هو والمعروف والمنكر ما هما، ويعلمون كيف يرتب الأمر في إقامتهما، وكيف يباشر فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تمادياً.
وأيضاً قد أجمعنا على أن ذلك واجب على الكفاية، فكان هذا بالحقيقة إيجاباً على البعض الذي يقوم به.
ثم إن نصب لذلك رجل تعين عليه بحكم الولاية وهو المحتسب.
واعلم أن الأمر بالمعروف على ثلاثة أضرب: أحدها ما يتعلق بحقوق الله وهو نوعان: أحدهما ما يؤمر به الجمع دون الأفراد كإقامة الجمعة حيث تجتمع شرائطها، فإن كانوا عدداً يرون انعقاد الجمعة بهم والمحتسب لا يراه فلا يأمرهم بما لا يجوّزه ولا ينهاهم عما يرونه فرضاً عليهم ويأمرهم بصلاة العيد.
والثاني ما يؤمر به الأفراد كما إذا أخر بعض الناس الصلاة عن الوقت.
فإن قال: نسيتها.
حثه على المراقبة.
ولا يعترض على من أخرها والوقت باق.
وثانيها ما يتعلق بحقوق الآدميين وينقسم إلى عام كالبلد إذا تعطل شربه أو انهدم سوره أو طرقه أبناء السبيل المحتاجون وتركوا معونتهم.
فإن كان في بيت المال مال لم يؤمر الناس بذلك، وإن لم يكن أمر ذوو المكنة برعايتها والي خاص كمطل المديون الموسر بالدين.
فالمحتسب يأمره بالخروج عنه إذا استعداه رب الدين وليس له الحبس.
وثالثها الحقوق المشتركة كأمر الأولياء بإنكاح الأكفاء، وإلزام النساء أحكام العدد، وأخذ السادة بحقوق الأرقاء، وأرباب البهائم بتعهدها وأن لا يستعملون فيما لا تطيق، ومن يغير هيئات العبادات كالجهر في الصلاة السرية وبالعكس، أو يزيد في الأذان يمنعه وينكر عليه، / من تصدى للتدريس والوعظ وهو ليس من أهله ولم يؤمن اغترار الناس به في تأويل أو تحريف، فينكر المحتسب عليه ويظهر أمره لئلا يغتر به.
وإذا رأى رجلاً واقفاً مع امرأة في شارع يطرقه الناس لم ينكر عليه، وإن كان في طريق خال فهو موضع ريبة فينكر ويقول: إن كانت ذات محرم فصنها عن مواضيع الريب، وإن كانت أجنبية فخف الله معها في الخلوة.
ولا ينكر في حقوق الآدميين كتعدي الجار في جدار الجار إلا باستعداء صاحب الحق، وينكر على من يطيل الصلاة من أئمة المساجد المطروقة، وعلى القضاة إذا حجبوا الخصوم وقصروا في النظر في الخصومات.
والسوقي المختص بمعاملة النساء يختبر أمانته فإن ظهرت منه خيانة منع من معاملتهن.
وبالجملة: " الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" فلينظر الداعي إلى الخير في حال كل مكلف وغير مكلف حتى الصبيان، ليتمرنوا والمجانين كيلا يضروا ويدعوه إلى ما يليق به متدرجاً من الأسهل إلى الأصعب في الأمر والإنكار كل ذلك إيماناً واحتساباً لا سمعة ورياء، ولا لغرض من الأغراض النفسانية والجسمانية، وذلك أنّ هذه الدعوة منصب النبي وخلفائه الراشدين بعده، ومن ههنا ذهب الضحاك إلى أن المراد من المذكورين في هذه الآية أصحاب رسول الله الذين يتعلمون من الرسول ويعلمون الناس.
وروي عن النبي " "من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسول الله وخليفة كتابه" وعن علي: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن شنأ الفاسقين وغضب لله غضب الله له وكفى بقوله : ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ أي الأخصاء بالفالح مدحاً لهم.
وقد يتمسك بهذا في أن الفاسق ليس له أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لأنه ليس من أهل الفلاح.
وأجيب بأن هذا ورد على سبيل الغالب، فإن الظاهر أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا يشرع فيه إلا بعد إصلاح أحوال نفسه، لأن العاقل يقدم مهم نفسه على مهم الغير وقلما يتفق ممن يزني بامرأة أن يأمرها بالمعروف في أنها لم كشفت عن وجهها.
قال بعض العلماء: إن ترك ارتكاب المنهي عنه والنهي عن ارتكاب المنهي واجبان على الفاسق، فبتركه أحد الواجبين لا يسقط عنه الواجب الآخر, وعن بعض السلف: مروا بالخير وإن لم تفعلوا.
وعن الحسن أنه سمع مطرف بن عبد الله يقول: لا أقول ما لا أفعل فقال: وأينا يفعل ما يقول؟
ود الشيطان لو ظفر بهذه منكم فلا يأمر أحد بمعروف ولا ينهي عن منكر.
والحق في هذه القضية ما قيل:/ وغير تقيّ يأمر الناس بالتقى *** طبيب يداوي الناس وهو مريض والقرآن ينعي عليه بقوله: ﴿ لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ﴾ ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ﴾ وقد سلف تقريره في البقرة.
وعن داود الطائي أنه سمع صوتاً من قبر: ألم أزكِ ألم أصلِ ألم أصم ألم أفعل كذا وكذا؟
أجيب بلى يا عدو الله ولكن إنك إذا خلوت بارزته بالمعاصي ولم تراقبه.
قوله : ﴿ ولا تكونوا كالذين تفرقوا ﴾ في النظم وجهان: أحدهما أنه ذكر في الآيات المتقدمة أنه بين في التوراة والإنجيل ما يدل على صحة دين الإسلام، ثم إن أهل الكتاب حسدوا محمداً فاحتالوا لإلقاء الشكوك في تلك النصوص، ثم انجز الكلام إلى أنه أمر المؤمنين بالدعاء إلى الخير، فختم الكلام بتحذير المؤمنين من مثل فعل أهل الكتاب من إلقائ الشبهات في النصوص واستخراج التأويلات الفاسدة، فعلى هذا تكون الآية من تتمة الآيات المتقدمة.
وثانيهما أنه لما أمر الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن ضده وكان ذلك مما لا يتم إلا بالقدرة على تنفيذه، كيف وفي الناس ظلمة ومتغلبون، فلا جرم حذر أهل الحق أن يتفرقوا ويختلفوا كيلا يصير ذلك سبباً لعجزهم عن القيام بهذا التكليف، وعلى هذا تكون الآية من تتمة الآية السابقة فقط.
قال بعضهم: تفرقوا واختلفوا مؤداهما واحد والتكرير للتأكيد.
وقيل: معناهما مختلف.
تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين.
أو تفرقوا بسبب التأويلات الفاسدة للنصوص، واختلفوا كل منهم نصرة قوله.
أو تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل من الأحبار رئيسا في بلد، واختلفوا بأن صار كل منهم يدعي أنه على الحق وصاحبه على الباطل.
ولعل الإنصاف أن أكثر علماء الزمان بهذه الصفة فنسأل الله العصمة والسداد.
﴿ وأولئك ﴾ اليهود والنصارى الذين اختلفوا من بعد ما جاءهم الدلالات الواضحة والنصوص الظاهرة، أو أولئك الذين اقتفوا آثارهم من مبتدعه هذه الأمة ﴿ لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ وفي تعليق الظرف بقوله ﴿ لهم ﴾ فائدتان: إحداهما أن ذلك العذاب في هذا اليوم، والأخرى أن من حكم هذا اليوم أن يبيض بعض الوجوه ويسود بعضها ونظير ذلك في القرآن: ﴿ وجوه يومئذٍ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة ﴾ وفي أمثال هذه الألوان للمفسرين قولان: أحدهما - وإليه ميل أبي مسلم -: أن البياض مجاز عن الفرح والسواد عن الغم وهذا مجاز مستعمل قال : ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودّاً ﴾ ولما سلم الحسن بن علي الأمر على معاوية قال له رجل: يا مسوّد وجوه المؤمنين.
وتمام الخبر سوف يجيء إن شاء الله في تفسير سورة القدر، ولبعض الشعراء في الشيب: / يا بياض القرون سودت وجهي *** عند بيض الوجوه سود القرون.
وثانيهما: أن السواد والبياض محمولان على ظاهرهما وهما النور والظلمة، إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة.
فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته وسعى النور بين يديه وبيمينه، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكمده واسودت صحيفته وأحاطبت به الظلمة من كل جانب.
قالوا: والحكمة في ذلك أن يعرف أهل الموقف كل صنف فيعظمونهم أو يصغرون بحسب ذلك ويحصل لهم بسببه مزيد بهجة وسرور أو ويل وثبور.
وأيضاً إذا عرف المكلف في الدنيا أنه يحصل له في الآخرة إحدى الحالتين ازدادت رغبته في الطاعات وترك المحرمات.
قلت: والتحقيق فيه أن الهيئات والأخلاق الحميدة أنوار، والملكات والعادات الذميمة ظلمات، وكل منهما لا يظهر آثارهما كما هي إلا بعد المفارقة إلى الآخرة ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً ﴾ واحتج أهل السنة بالآية على أن المكلف إما مؤمن وإما كافر وإنه ليس ههنا منزلة بين المنزلتين، لأنه قسم أهل القيامة إلى قسمين: مبيض الوجوه وهم المؤمنون، ومسودها وهم الكافرون لقوله في آخر الآية ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ واعترض القاضي عليه بأن عدم ذكر القسم الثالث لا يدل على عدمه، وأيضاً لفظ وجوه نكرة فلا يفيد العموم.
وأيضاً المذكور في الآية هم المؤمنون والذين كفروا بعد الإيمان، ولا شبهة أن الكافر الأصلي من أهل النار مع أنه غير داخل تحت هذين القسمين فكذا القول في الفساق.
والجواب لم لا يجوز أن يكون المراد أن كل أحد أسلم وقت استخراج الذرية من صلب آدم، فيكون الخطاب لجميع الكفار؟
وأنه أيضاً جعل موجب العذاب في آخر الآية هو الكفر من حيث إنه كفر لا الكفر من حيث إنه بعد الإيمان.
فإن قيل: لم قدم البياض على السواد أوّلاً وعكس آخراً؟
فالجواب بعد تسليم إفادة الواو الترتيب، أنه بدأ بذكر أهل الثواب وختم بها أيضاً تنبيهاً على أن إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب كما قال: " "سبقت رحمتي غضبي" ولما في ذلك من رعاية حسن المطلع والمقطع وأنه فن بديع في الفصاحة.
ومن المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم؟
قال أبي بن كعب: هم جميع الكفار لأنهم آمنوا وقت الميثاق، ورواه الواحدي في البسيط بإسناده عن النبي .
وقيل: المراد أكفرتم بعدما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو ما نصبه الله من دلائل التوحيد والنبوة؟
وقال عكرمة والأصم والزجاج: إنهم أهل الكتاب آمنوا قبل مبعث النبي وكفروا به بعد بعثه.
وقال قتادة: إنهم المرتدون.
وقال الحسن: هم المنافقون.
وقيل: هم الخوارج الذين قال فيهم رسول الله : "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من / الرمية" ولما رأى أبو أمامة رؤوساً منصوبة على درج مسجد دمشق دمعت عنياه ثم قال: كلاب النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء، وخير قتلى تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء.
فقال له أبو غالب: أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من رسول الله ؟
قال: بل سمعته من رسول الله ، ولو لم أسمعه، إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً حتى عد سبعاً ما حدثتكموه.
قال: فما شأنك دمعت عيناك؟
قال: رحمة لهم.
كانوا من أهل الإسلام فكفروا ثم قرأ هذه الآية.
ثم أخذ بيده فقال: إن بأرضك منهم كثيراً فأعاذ الله منهم.
هذا مما أخرجه الإمام أبو عيسى الترمذي في جامعة.
ولكن المشهور من مذهب أهل السنة أنّ الخروج على الإمام لا يوجب الكفر ألبتة، والاستفهام في قوله : ﴿ أكفرتم ﴾ بمعنى الإنكار.
قال القاضي: وفيه وكذا في قوله: ﴿ ما كنتم تكفرون ﴾ دليل على أن الكفر منهم لا من الله.
وقالت المرجئة: فيه دلالة على أن العذاب لا يكون إلا للكفار.
أما قوله: ﴿ ففي رحمة الله ﴾ فالمراد بها الجنة التي هي محل الرحمة.
وموقع قوله: ﴿ هم فيها خالدون ﴾ موقع الاستئناف كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟
فأجيب بذلك أي لا يظعنون عنها ولا يموتون.
وفي إقامة الرحمة مقام الجنة دليل على أن العبد وإن كثرت طاعته فإنه لا يدخل الجنة إلا بفضل الله وبرحمته.
وفي إضافة الرحمة إلى نفسه وتعليل العذاب بكفرهم والنص على خلود أهل الثواب دون أهل النار وإن كانوا مخلدين أيضاً دلائل وإشارات إلى أن جانب العفو والمغفرة والرحمة مغلب، وكيف لا وقد أردفه بقوله: ﴿ تلك ﴾ الأحكام التي وردت في حيز الوعيد والوعد وانقضى ذكرها ﴿ آيات الله نتلوها عليك ﴾ متلبسة ﴿ بالحق ﴾ العدل من جزاء المحسن بإحسانه وجزاء المسيء بإساءته، أو ملتبسه بالمعنى الحق لأن معنى المتلو حق ﴿ وما الله يريد ظلما للعالمين ﴾ ولكن مصالح الخلق لا نتتظم إلا بتهديد المذنبين، وإذا حصل التهديد فلا بد من التحقيق دفعاً للكذب عمن هو أصدق القائلين.
قال الجبائي: قوله: ﴿ ظلماً ﴾ نكرة في سياق النفي فوجب أن لا يريد شيئاً مما يكون ظلماً سواء فرض منه أو من العبد على نفسه أو على غيره، وإذا لم يرد لم يفعل إذ لو كان فاعلاً لشيء من الأقسام الثلاثة كان مريداً له هذا خلف، فثبت بهذه الآية أنه غير فاعل للظلم وغير فاعل لأعمال العباد، إذ من جملتها القبائح، وقد بينا أنه لا يريدها.
ثم إنه تمدح بأنه لا يريد ذلك، والتمدح إنما يصح لو صح منه فعل ذلك الشيء وصح منه كونه مريداً له، فدلت الآية على أنه قادر على الظلم وعلى أن يمنع الظلمة من الظلم على سبيل الإلجاء والقهر فلهذا قال: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وأيضاً لما ذكر أنه لا يريد الظلم والقبائح استدل عليه بأن فاعل القبيح إنما يفعل القبيح للجهل أو العجز أو الحاجة.
وكل ذلك على / الله محال لأنه مالك لكل ما في السموات وما في الأرض بل لكل ما في الوجود.
وربما يقال: معنى الآية إما أن يكون أنه لا يريد أن يظلمهم، أو أنه لا يريد أن يظلم بعضهم بعضاً.
والأول لا يستقيم على مذهبكم لأن من مذهبكم أنه لو عذب البريء من الذنب أشد العذاب لم يكن ظالماً بل كان عادلاً لأن الظلم تصرف في ملك الغير وهو إنما يتصرف في ملك نفسه، فتصور الظلم منه محال عندكم، فلا يلزم منه مدح.
والثاني أيضاً محال على قولكم لأن كلاً بإرادة الله وبتكوينه عندكم، فثبت أنه لا يمكن حمل الآية على وجه صحيح في مذهبكم.
أجاب أهل السنة من وجهين: الأول أنه يتوقف التمدح بنفي صفة على إمكان تصور ذلك الشيء منه بدليل قوله: ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ ولا يتوقف التمدح بذلك على صحة النوم والأكل عليه.
الثاني أنه إن عذب من ليس بمستحق للظلم لم يكن ظالماً لكنه في صورة الظلم.
وقد يطلق اسم أحد المتشابهين على الآخر كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ والحق في هذا المقام أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه.
وإذا كان اللطف والقهر من ضرورات صفات الكمال، فوضع كل منهما في مظهره يكون وضع الشيء في موضعه فلا يكون ظلماً.
واحتجت الأشاعرة بقوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأنها من جملة ما في السموات وما في الأرض.
أجابت المعتزلة بأن قوله: ﴿ لله ﴾ إضافة ملك لا إضافة فعل كما يقال: هذا البناء لفلان.
يراد أنه مملوكه لا أنه مفعوله.
وأيضاً الآية مسوقة في معرض المدح ولا مدح في نسبة الفواحش والقبائح إلى نفسه.
وأيضاً قوله: ﴿ ما في السموات وما في الأرض ﴾ يتناول ما كان مظروفاً لهما وذلك من صفات الأجسام لا من صفات الأفعال التي هي أعراض، والداعية المنتهية إلى تخليق الله دفعاً للتسلسل أو لترجيح من غير مرجح، قالت الحكماء: تقديم السموات في الذكر على الأرض دليل على أن جميع الأحوال الأرضية مستندة إلى الأسباب السموية، ولا شك أن الأحوال السموية مستندة إلى خلقه وتكوينه فيكون الجبر أيضاً لازماً من هذا الوجه.
﴿ وإلى الله ﴾ أي إلى حيث لا مالك سواه ﴿ ترجع الأمور ﴾ فالأول إشارة إلى أنه مبدأ المخلوقات كلها، وهذا إشارة إلى أن معاد الكل إليه.
قوله عز من قائل: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ في النظم وجهان: أحدهما أنه لما أمر المؤمنين بما أمر ونهاهم عما نهى، عدل إلى طريق آخر يقتضي حملهم على الانقياد والطاعة لأن كونهم خير الأمم مما يقوّي داعتيهم في أن لا يبطلوا على أنفسهم هذه المزية، وذلك إنما / يكون بالتزام التكاليف الشرعية، وثانيهما أنه لما ذكر حال الاشقياء وحال السعداء نبه أوّلاً على ما هو السبب لوعيد الأشقياء بقوله: ﴿ وما الله يريد ظلماً للعالمين ﴾ بمعنى أنهم استحقوا ذلك بأفعالهم القبيحة.
ثم نبه على سبب وعد السعداء بقوله: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ أي تلك الكرامات والسعادات إنما فازوا بها في الآخرة لأنهم كانوا في الدنيا خير أمة، وأقول: لما انجز الكلام في مخاطبة المؤمنين الى بيان أن كل ما في الوجود ملكه وملكه إبداعاً واختراعاً وأن منتهى الكل إليه، أتبع ذلك مزية هذه الأمة ليعلم أنها بسابقة العناية الأزلية إذ جعلهم مظهر الألطاف، وذكر بعدها رذيلة أهل الكتاب ليعرف أنها لوقوعهم في طريق القهر ولا اعتراض لأحد على ما يفعله المالك في ملكه.
عن عكرمة ومقاتل "أن مالك بن الصيف ووهب بن يهوديا اليهوديين قالا لابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى حذيفة: إن ديننا خير مما تدعوننا إليه، ونحن خير وأفضل منكم, فأنزل الله هذه الآية" .
قال بعض المفسرين: "كان" ههنا تامة، وانتصاب ﴿ خير أمة ﴾ على الحال حدثتم ووجدتم خير أمة.
والأكثرون على أنها ناقصة، فجاء إيهام أنهم كانوا موصوفين بالخيرية في الزمان الماضي دون ما يستقبل.
فأجيب بأن "كان" لا تدل على عدم سابق ولا انقطاع طارىء بدليل قوله: ﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ {النساء: 96] وقيل: المراد كنتم في علم الله أو في اللوح المحفوظ خير أمة، أو كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة كقوله: ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل ﴾ وقال أبو مسلم: هذا تابع لقوله: ﴿ وأما الذين ابيضت وجوههم ﴾ وما بينهما اعتراض والتقدير: أنه يقال لهم عند الخلود في الجنة: كنتم في دنياكم خير أمة فلهذا نلتم من الرحمة وبياض الوجه ما نلتم.
وقال بعضهم: لو شاء الله لقال: أنتم.
فكان هذا التشريف حاصلاً لكلنا، ولكنه مخصوص بقوم معينين من أصحاب رسول الله وهم السابقون الأولون ومن صنع مثل صنيعهم.
وقيل: إنها زائدة والمعنى: أنتم خير أمة.
وزيفه ابن الأنباري بأن الزائدة لا تقع في أول الكلام ولا تعمل كقول العرب "عبد الله كان قائم وعبد الله قائم كان" ولا يقولون: "كان عبد الله قائم" على أن "كان" زائدة.
لأن البداءة بها دليل شدة العناية، والملغى لا يكون في محل العناية.
وقيل: إنها بمعنى صار أي صرتم خير أمة.
وأصل الأمة الطائفة المجتمعة على الشيء الواحد، وأمة محمد هي الطائفة الموصوفة بالإيمان به والإقرار بنبوته.
وإذا أطقلت الأمة في نحو قول العلماء"اجتمعت الأمة" وقعت عليهم.
وقد يقال لكل من جمعتهم دعوته إنهم أمة الدعوة ولا يطلق عليهم لفظ الأمة إلا بهذا القيد.
قال الزجاج: ظاهر الخطاب في ﴿ كنتم ﴾ مع أصحاب النبي ولكنه عام في حق لكل الأمة.
ونظيره ﴿ كتب عليكم القصاص ﴾ ﴿ كتب عليكم القصاص ﴾ وقوله: ﴿ للناس ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ أخرجت ﴾ / والمعنى: كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار.
ومعنى إخراجها أنها أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها.
وإما أن يتعلق بـ ﴿ كنتم ﴾ أي كنتم للناس خير أمة.
ثم بين سبب الخيرية على سبيل الاستئناف بقوله: ﴿ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ﴾ كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بمصالحهم.
وقد يستدل بالآية على أن إجماع هذه الأمة حجة لأنها لو لم تحكم بالحق لم تكن خيراً من المبطل، ولأن اللام في ﴿ المعروف ﴾ وفي ﴿ المنكر ﴾ للاستغراق فيقتضي كونهم آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر فيكون إجماعهم حقاً , وأما أنه من أي وجه يقتضي ذلك كون هذه الأمة خير الأمم مع أن الصفات الثلاثة كانت حاصلة لسائر الأمم فذلك أن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد، وأقواها ما يكون بالقتال لأنه إلقاء النفس في خطر القتل.
وأعرف المعروفات الدين الحق والإيمان بالتوحيد والنبوة، وأنكر المنكرات الكفر بالله، فكان الجهاد في الدين تحملاً لأعظم المضارّ لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع وتخليصه من أعظم المضار، فكان من أعظم العبادات.
ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع كما قال النبي : " "أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" " فلا جرم صار لك موجباً لفضل هذه الأمة على سائر الأمم، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس في تفسير قوله: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقروا بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، ولا إله إلا الله أعظم المعروف والتكذيب أنكر المنكر.
وفائدة القتل على الدين لا ينكره منصف فإن أكثر الناس يحبون ما ألفوه من الأديان الباطلة ولا يتأملون في الدلائل التي تورد عليهم، فإذا خوف بالقتل دخل في دين الحق مكرهاً إلى أن يألفه متدرجاً.
وأما الإيمان بالله فلا شك أنه في هذه الأمة أكمل لأنهم آمنوا بكل ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب أو ثواب أو عقاب إلى غير ذلك، ولا يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض.
وإنما اقتصر في وصف الأمة على الإيمان بالله لأنه يستلزم الإيمان بالنبوة وبسائر ما عددنا وإلا لم يكن في الحقيقة إيمانأ، ولهذا نفى عن أهل الكتاب في قوله: ﴿ ولو آمن أهل الكتاب ﴾ وإنما قدم الأمر بالمعروف على الإيمان بالله في الذكر مع أن الإيمان مقدم على كل الطاعات، لأن الآية سيقت لبيان فضل الأمر بالمعروف وتأكد القيام به ولهذا كرر بعد قوله: ﴿ ولتكن منكم / أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ﴾ فكانت العناية به أشد فكان تقديمه أهم.
وليعلم أن التكميل أفضل من الكمال نفسه ولهذا استلزم الأول الثاني دون العكس، ولأن التكميل يتضمن الكمال فكان في تأخير الإيمان بالله تكريراً له مرة بالتضمن وأخرى بالمطابقة على أن الواو لا تفيد الترتيب، وأيضاً أراد أن يبني عليه قوله: ﴿ ولو آمن ﴾ وفي التفسير الكبير: إن أصل الإيمان مشترك فيه بين الأديان فلا تتبين فيه الخيرية، لكن الآية سيقت لبيان الخيرية وليس ذلك إلا لأن هذه الأمة أقوى في باب الأمر بالمعروف فلهذا قدم، ثم أتبع ذكر الإيمان بالله ليعلم أن شرط تأثير الأمر بالمعروف في الخيرية حاصل.
ولا يخفى أن هذا الجواب مبني على أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وعلى أن إيمان أهل الكتاب معتد به وليس كذلك، ولهذا قال : ﴿ ولو آمن أهل الكتاب ﴾ يعني إيماناً متعتبراً وهو الإيمان بالله وبسائر ما لا بد منه من الأمور المعدودة ﴿ كان خيرا لهم ﴾ لحصلت لهم صفة الخيرية أيضاً لانضمامهم في زمرة هذه الأمة، أو لحصل لهم من الرياسة وحظوظ الدنيا ما هو خير مما تركوا هذا الدين لأجله، لأن الحاصل على هذا التقدير عزة الإسلام مع الفوز بما وعدوا من إيتاء الأجر في الآخرة مرتين، وعلى ما هم فيه ليس إلا استتباع بعض الجهلة من العوام وشيء نزر من الرشا، وبعد ذلك خلود في النار، ثم فصل أهل الكتاب على سبيل الاستئناف فقال: ﴿ منهم المؤمنون ﴾ كعبد الله بن سلام ورهطه وكالنجاشي وأصحابه، فاللام للمعهود السابق ﴿ وأكثرهم الفاسقون ﴾ الخارجون عن طاعة الله وعن دينه فيقارب الكفر أو يرادفه، أو المراد أنهم ليسوا بعدول في دينهم أيضاُ فهم مردودون باتفاق الطوائف كلهم، فلا ينبغي أن يقتدى بهم ألبتة.
ثم أخبر عن حالهم وكان كما قال وهو آية الإعجاز بجملة مستأنفة هي ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ الإضرار ألا يجاوز أذى بقول كطعن في الدين أو تهديد أو تحريف نص أو إلقاء شبهة أو إظهار كلمة الكفر بإشراكهم عزيراً والمسيح.
والأذى مصدر كالأسى يقال: يفعلون أذاه يؤذيه أذى وأذاة وأذية.
والأذى نوع من الضر فصح انصابه به والتقدير: لن يضروكم شيئاً من أنواع الضرر إلا ضرراً يسيراً.
ومن هذا تبين أن الاستثناء ليس بمنقطع على ما ظن ﴿ وإن قاتلوكم بولوكم الأدبار ﴾ منهزمين ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ وإنما لم يجزم بالعطف على ﴿ يولوكم ﴾ لئلا يصير نفي النصر مقيداً بمقاتلتهم بل يرفع ليكون نفي النصر وعداً مطلقاً، وتكون هذه الجملة معطوفة على جملة الشرط والجزاء كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم وأبشركم أن النصر والقوة منتفٍ عنهم رأساً فلن يستقيم لهم أمر ألبتة.
ومعنى "ثم" إفادة التراخي في الرتبة لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أينما كانوا أعظم من الإخبار بانهزامهم عند القتال.
فإن قيل: هب أن اليهود كذلك، لكن النصارى قد يوجد لهم قوى وشوكة في ديارهم.
قلنا: هذه الآيات مخصوصة باليهود وأسباب النزول تدل على ذلك، فكان كما أخبر من حال بني قريظة والنضير وبني قينقاع وأهل خيبر، أو لعل نفي النصرة عنهم بعد القتال ولم يوجد نصراني بهذه الحالة.
وفي الآية تشجيع للمؤمن وتثبيت لمن آمن من أهل الكتاب كيلا يلتفتوا إلى تضليلاتهم وتحريفاتهم.
التأويل: ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ لأهل العزائم وقوله: ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ لأهل الرخص.
والمعنى: اتقوا عن وجودكم بالله وبوجوده ﴿ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ لا ينتف وجودكم المجازي إلا وقد سلمتم لتصرفات الأحكام الإلهية والجذبات الربانية، واستفدتم الوجود الحقيقي وهو البقاء بالله ﴿ واعتصموا ﴾ أهل الاعتصام طائفتان: أهل الصورة وهم المتعلقون بالأسباب لأن مشربهم الأعمال فقيل لهم اعتصموا بحبل الله وهو كل سبب يتوصل به إلى الله من أعمال البر، وأهل المعنى وهم المنقطعون عن الأسباب إذ مشربهم الأحوال فقيل لهم: واعتصموا بالله هو مولاكم مقصودكم أو ناصركم، ولا تفرقوا في الظاهر وهو مفارقة الجماعة، وفي الباطن وهو الميل إلى البدع والأهواء.
﴿ وكنتم على شفا حفرة ﴾ وهي عداوة بعضكم لبعض وعداوتكم لله ولأنفسكم ﴿ فأنقذكم منها ﴾ بالهداية والإيمان وتأليف القلوب ﴿ كذلك ﴾ مثل ما بين آياته للأوس والخزرج حتى صاروا إخواناً ﴿ يبين لكم ﴾ أيها الطلاب ﴿ آياته ﴾ وهي الجذبة الإلهية وتجلي صفات الربوبية ﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ﴾ بالأفعال دون الأقوال ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ من وعيد من يأمر بالمعروف ولا يأتيه ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ لأن الوجوه تحشر بلون القلوب كقوله: ﴿ يوم تبلى السرائر ﴾ أي يجعل ما في الضمائر على الظواهر ﴿ أكفرتم بعد إيمانكم ﴾ هم أرباب الطلب السائرون إلى الله انقطعوا في بادية النفس واتبعوا غول الهوى وارتدوا على أعقابهم القهقرى.
﴿ فذوقوا العذاب ﴾ لأن الناس نيام لا يذوقون ألم جراحات الانقطاع والإعراض عن الله، فإذا ماتوا انتبوا وذاقوا ﴿ ففي رحمة الله ﴾ في الدنيا بالجمعية والوفاق مع أهل الله ﴿ هم فيها خالدون ﴾ في الآخرة، ولأنه يموت على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه ﴿ تلك ﴾ الأحوال ﴿ آيات الله ﴾ مع خواصه ﴿ نتلوها عليك بالحق ﴾ نظهرها على قلبك بالتحقيق ﴿ وما الله يريد ظلماً للعالمين ﴾ بأن يضع السواد والبياض في غير موضعهما ﴿ كنتم خير أمة أخرجت ﴾ من العدم إلى الوجود مستعدة لقبول كمالية الإنسان من جملة الخيرية تخفيف التكليف وضمان التضعيف، ومنها عاقب مطيعهم بشؤم عصيانهم، وغفر لعصاة هذه الأمة ببركة مطيعهم، ومنها زلاتهم لعنة وزلاتنا رحمة، ومنها شكا منهم إلينا وشكر منا إليهم قبل وجودنا ﴿ ولو آمن أهل الكتاب ﴾ يعني علماء السوء ﴿ لن يضروكم ﴾ أيها المحققون ﴿ إلا أذى ﴾ من طريق الإنكار والحسد ﴿ وإن يقاتلوكم ﴾ ينازعوكم ويخاصموكم ﴿ يولوكم الأدبار ﴾ من صدق نياتكم ﴿ لا ينصرون ﴾ لأنكم أهل الحق وحزب الله وإن حزب الله هم الغالبون.
<div class="verse-tafsir"
وعن ابن عباس - - في قوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ قال: "خير الناس أنفعهم للناس و ﴿ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ : أي تأمرونهم، أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، وتقاتلون عليه، ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف، والمنكر: هو التكذيب، فهو أنكر المنكر".
وعن علي - - [أنه] قال: قال النبي : "أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِياءِ، قلنا يا رسول الله، وما هو؟
قال: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ، وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُوراً، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأُمَمِ" قال الشيخ - رحمه الله -: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ له وجهان: أي: ﴿ كُنْتُمْ ﴾ على ألسن الرسل في الكتب المتقدمة خير أمة.
ويحتمل: أي: كنتم صرتم بإيمانكم برسول الله ، واتباعكم ما معه - خير أمّة على وجه الأرض؛ لأنهم آمنوا ببعض، وكفروا ببعض.
وقوله: ﴿ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ : يتوجّه إلى وجوه ثلاثة: المعروف: هو المعروف في العقول، [أي]: الذي تستحسنه العقول، والمنكر: هو الذي قبحته العقول وأنكرته.
ويحتمل أن يكون المعروف: هو الَّذي عرف بالآيات والبراهين أنه حسن، والمنكر: [ما عرف بالحجج؛ أي: أنه قبيح.
ويحتمل أن المعروف: هو الذي جرى على ألسن الرسل أنه حسن، والمنكر:] هو الذي أنكروه ونهوا عنه.
فعلى هذه الوجوه يخرج تأويل الآية، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ .
لا شك أن الإيمان خير لهم من الكفر، ولكن معناه - والله أعلم - أنهم إنما أبوا الإيمان وتمسكوا بالكفر لوجهين: أحدهما: أنهم كانوا أهل عزة وشرف فيما بينهم، وأهل دراية؛ ينتاب إليهم الناس، ويختلفون إليهم بحوائجهم، فخافوا ذهاب ذلك عنهم إذا آمنوا، فأخبر الله - عز وجل - أنهم إن آمنوا لكان [خيراً] لهم من الذكر والشرف والعزّ في أهل الإيمان أكثر مما لهم في أهل الكفر؛ ألا ترى أنّ من آمن منهم مِنْ دَرَسة الكتاب وعلمائهم - كان لهم من الذكر والشرف في الإيمان ما لم يكن لأحد مات منهم على الكفر؛ نحو: عبد الله بن سلام، ومن أسلم منهم؛ نحو: كعب، وغيره من الأحبار؟!
وإنما كانوا من علمائهم لم يكونوا من علماء أهل الإيمان، فنالوا بالإيمان من الذكر والعزّ والشرف ما لم ينل أحد منهم مات على الكفر، بل حمل ذكرهم وانتشر في أهلهم؛ فضلاً عن أهل الإيمان والإسلام، والله أعلم.
والثاني: أنهم كانوا أبوا الإسلام واتباع محمد ، واختاروا المقام على الكفر؛ خوفاً وإشفاقاً على ما لهم من المنافع والمنال أن يذهب ذلك عنهم بالإسلام، فأخبر - عزّ وجلّ - أنهم لو آمنوا لكان خيراً لهم في الآخرة؛ إذ ذاك ينقطع ويذهب عن قريب، والذي لأهل الإيمان في الآخرة باق دائم، لا يزول أبداً؛ لما كان الذي يُنال بالإيمان غيباً، وكذلك ما يحلُّ بالكفار من جزاء الكفر - غيب اشتد عليهم الفكر والتدبر، لما يمنعهم عن الشهوات، وبنغص عليهم اللّذات، فآثروا ما هوته أنفسهم وتلذذوا به على التدبّر، مع ما كان إدراك الغائب بالشاهد أمر عسير، لا يوصل إليه إلا بفضل الله، ولم يكن عليه ذلك لا يسقط معنى الإفضال والإنعام، ويصير حقّاً مع ما كان منهم تقديم الجفاء، وإيثار زهرة الدنيا وبهجة الغنى على الموعود، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ : كذلك كانوا: كان المؤمنون أقل، والكفار أكثر، [والله أعلم].
وقوله: ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدْبَارَ...
﴾ الآية: فيه بشارة لرسول الله وللمؤمنين، بالأمن لهم عن أذى المشركين وضررهم، إلا أذى باللسان؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ ، وقوله: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ...
﴾ الآية [الحشر: 12]، ونحوه من الآيات التي فيها بشارة لأهل الإيمان بالنصر لهم على عدوهم.
وفي قوله: ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى...
﴾ الآية - دلالة إثبات رسالة محمد ؛ لأنه أخبر بذلك قبل أن يكون، فكان على ما أخبر؛ فدل أنه إنما علم ذلك بالله عزّ وجلّ.
وقوله: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .
وفي حرف ابن مسعود - -: "ضُربت عليهم المسكنة" وليس فيه الذلة، وفي حرف حفصة: "ضربت عليهم المسكنة والذلة".
ثم اختلف في ﴿ ٱلذِّلَّةُ ﴾ : قيل: هي الجزية التي ضربت عليهم، وهي ذلة؛ كقوله: ﴿ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ ؛ لأنهم كانوا يأنفون عنها.
وقوله: ﴿ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ ﴾ أي: وجدوا.
﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .
يعني: بعهد من الله، وعهد من الناس يكون تحت قوم يؤدّون الجزية؛ وكذلك تأوّل ابن عباس - -: ﴿ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ أي: بعهد من الله، وعهد من الناس.
وقال مقاتل: و"الناس" في هذا الموضع: النبي خاصّة.
ويحتمل قوله: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ ﴾ بكفرهم فيما بين المسلمين، بعد ما كانوا أهل ذكر وشرف وعز فيما بينهم.
﴿ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ ﴾ .
أي: لا يوجدون إلا بحبل من الله وحبل من الناس - بالإسلام، أي: لا يظفرون بهم ولا يوجدون؛ إلا أن يسلموا لخوفهم على أنفسهم.
وقوله: ﴿ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ : قيل: استوجبوا غضباً من الله بكفرهم.
وقيل: رجعوا.
وقيل: وجب عليهم الغضب.
وقد ذكرنا هذا في غير موضع.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ﴾ : وهي الحاجة والفقر، وهو ما ذكرنا: أنهم ظاهروا المشركين على رسول الله مع قربهم برسول الله وبعدهم بالمشركين؛ فأذلهم الله - - بذلك، وجعلهم أهل حاجة وَضِعة فيما بين المسلمين، بعد ما كانوا أهل عزّ وشرف فيما بينهم؛ وهو كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ...
﴾ الآية [الأحزاب: 26].
قال الشيخ - رحمه الله -: وقد يحتمل رجوع الآية إلى خاص منهم، وهم الذين ذكر الله في قوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم ﴾ الآية [الأحزاب: 26] الآية، وغير ذلك مما يصير فيه المسلمون.
يعرف حقيقة المراد من شهد النوازل، وعرف الأسباب التي لها جاءت البشارات.
ويحتمل: أن الله - - جعل كل حاجاتهم إلى ما يفنى؛ وهي الدنيا التي لا بقاء لها ولا منفعة في الحقيقة، فهي حاجة، ثم بما فيهم بالجهل أن ذلك فيهم حاجة.
ويحتمل: أن الله مع ما وسع عليهم الدنيا - جعل في قلوبهم خوف الفقر، وأعظم الحاجات فهي المسكنة.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : وآيات الله: ما ذكرنا في غير موضع.
وقوله: ﴿ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ : يحتمل وجوهاً: يحتمل: أن أوائلهم قد قتلوا الأنبياء [بغير حق]، وهؤلاء رضوا بذلك، وإن كانوا لم يتولوا هم بأنفسهم؛ فأضاف الله - - ذلك إليهم؛ لأنهم شاركوا في صنيعهم برضاهم؛ وهو كقوله: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ .
ويحتمل: أن يكونوا [قصدوا قتل] محمد ، فإذا قصدوا ذلك فكأنهم قصدوا الأنبياء كلهم، كما ذكرنا في قوله: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً...
﴾ الآية.
ويحتمل: أن يكونوا هموا قتل محمد .
ويحتمل: أن يكون عيَّرَهُم بآبائهم؛ إذ هم قلدوهم في الدّين، فبين سوء صنيعهم بالأنبياء - عليهم السلام - ليعرفوا به سفههم وسفه كل من [قصد تقليدهم]، والله أعلم.
ويحتمل: أن يكونوا قتلوا أتباع محمد ؛ فأضاف إليه، وهو كما أضاف إليه مخادعتهم المؤمنين - إلى نفسه؛ وكما أضاف نصر أوليائه إليه، وإن كان الله لا يخادع ولا ينصر؛ فعلى ذلك إضافة القتل إليه؛ لقتلهم الأتباع، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ومهما كان منهم من عداوة فلن يضروكم - أيها المؤمنون - في دينكم ولا في أنفسكم إلا أذى بألسنتهم، من الطعن في الدين، والاستهزاء بكم ونحو ذلك، وإن قاتلوكم يَفِرُّوا منهزمين أمامكم، ولا يُنْصَرون عليكم أبدًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.3oz5l"
هذا الوصف يصدق على الذين خوطبوا به أولًا وهم النبي وأصحابه الذين كانوا معه عليهم الرضوان، فهم الذين كانوا أعداء فألف الله بين قلوبهم فكانوا بنعمته إخوانًا، وهم الذين اعتصموا بحبل الله ولم يتفرقوا في الدين فيذهبوا فيه مذاهب تتعصب لكل مذهب شيعة منهم، وهم الذين كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا يخاف في ذلك ضعيف قويًا، ولا يهاب صغير كبيرًا، وهم المؤمنون بالله، ذلك الإيمان الذي استولى على عقولهم وقلوبهم ومشاعرهم وملك أزمة أهوائهم حتى كان هو المسير لهم في عامة أحوالهم، ذلك الإيمان الذي بيّن سبحانه خواصه وصفاته في آيات كثيرة، وظهرت فوائده وآثاره في تغيير هيئة الأرض على أيديهم، ذلك الإيمان الذي قال تعالى في أهله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ وقال فيهم: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ وقال فيهم: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ إلخ.
الآيات التي تحقق معناها ومعنى أمثالها في أولئك الأصحاب الذين كانوا مع الرسول .
أما تقديم ذكر الأمر والنهي على الإيمان فالحكمة فيه أن هذه الصفة -(الأمر والنهي)- محمودة في عرف جميع الناس، مؤمنهم وكافرهم، ويعترفون لصاحبها بالفضل، ولما كان الكلام في خيرية هذه الأمة على جميع الأمم مؤمنهم وكافرهم قدم الوصف المتفق على حسنه عند المؤمنين والكافرين.
وهناك حكمة أخرى وهي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سياج الإيمان وحفاظه، فكان تقديمه في الذكر موافقًا للمعهود عند الناس في جعل سياج كل شيء مقدمًا عليه.
﴿ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ إنه بعد ما نهانا سبحانه عن التفرق والاختلاف كما تفرق أهل الكتاب بعد ما جاءهم البينات، وأمرنا بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكر أننا خير أمة أخرجت للناس بهذا وبالإيمان الحقيقي الذي يقترن بالإذعان النفسي والاتباع العملي، ناسب أن يذكر أن أهل الكتاب المختلفين ليسوا مؤمنين هذا الإيمان الخاص الذي يحبه الله تعالى ويرضاه، وهو الذي يكون الأمر بالمعروف ثمرة من ثماره والنهي عن المنكر أثرًا من آثاره، فعلمنا أن المراد بهذا الإيمان شيء أخص من الإيمان العرفي الذي يدعيه كل أحد له دين وكتاب، بل هو ما عرفناه آنفًا وقبل ذلك.
والكلام يشعر بأنه لا يوجد فيهم مؤمن هذا الإيمان الإذعاني الذي يصحبه الإخلاص والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أنه لا يمكن أن تعرى منه أمة لها دين سماوي، والواقع أنه كان في أهل الكتاب مؤمنون مخلصون ولذلك قال تعالى ﴿ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ فعلم أن الحكم الأول على الأمة إنما هو حكم على أكثر أفرادها فهم الذين فسقوا عن حقيقة الدين ولم يبق عندهم منه إلا بعض الرسوم والتقاليد الظاهرة، فالكلام استئناف بياني لا استطراد كما قيل.
ثم قال جل شأنه ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ﴾ ، أي أن حالهم معكم أن يكونوا أدلاء مهضومي الحقوق رغم أنوفهم إلا بحبل من الله وهو ما قررته شريعته لهم إذا دخلوا في حكمكم من المساواة في الحقوق والقضاء وتحريم إيذائهم وهضم شيء من حقوقهم وحبل من الناس وهو ما تقتضيه المشاركة من احتياجكم إليهم واحتياجهم إليكم في بعض الامور.
أي فهذا القدر المستثنى من عموم الذلة لم يأتهم من أنفسهم وإنما جاءهم من غيرهم فهم لا عزة لهم في أنفسهم لأن السلطان والملك قد فقدا منهم.
﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ﴾ ، إن المسكنة حالة للشخص منشؤها استصغاره لنفسه حتى لا يدعي لها حقًا، والذلة حالة تعتري الشخص من سلب غيره لحقه وهو يتمناه، فمنشؤها وسببها غيره لا نفسه كالمسكنة.
<div class="verse-tafsir"