الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٢٤ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 138 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢٤ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ختلف المفسرون في هذا الوعد : هل كان يوم بدر أو يوم أحد ؟
على قولين : أحدهما : أن قوله : ( إذ تقول للمؤمنين ) متعلق بقوله : ( ولقد نصركم الله ببدر ) وروي هذا عن الحسن البصري ، وعامر الشعبي ، والربيع بن أنس ، وغيرهم .
واختاره ابن جرير .
قال عباد بن منصور ، عن الحسن في قوله : ( إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ) قال : هذا يوم بدر .
رواه ابن أبي حاتم ، ثم قال : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا وهيب عن داود ، عن عامر - يعني الشعبي - أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يمد المشركين ، فشق ذلك عليهم ، فأنزل الله : ( ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ) إلى قوله : ( مسومين ) قال : فبلغت كرزا الهزيمة ، فلم يمد المشركين ولم يمد الله المسلمين بالخمسة .
وقال الربيع بن أنس : أمد الله المسلمين بألف ، ثم صاروا ثلاثة آلاف ، ثم صاروا خمسة آلاف .
فإن قيل : فما الجمع بين هذه الآية - على هذا القول - وبين قوله تعالى في قصة بدر : ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين [ وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله ] إن الله عزيز حكيم ) [ الأنفال : 9 ، 10 ] فالجواب : أن التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها ، لقوله : ( مردفين ) بمعنى يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم .
وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران .
فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان يوم بدر ، والله أعلم ، قال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة : أمد الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف .
القول الثاني : أن هذا الوعد متعلق بقوله : ( وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ) وذلك يوم أحد .
وهو قول مجاهد ، وعكرمة ، والضحاك ، والزهري ، وموسى بن عقبة وغيرهم .
لكن قالوا : لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف ، لأن المسلمين فروا يومئذ - زاد عكرمة : ولا بالثلاثة الآلاف ، لقوله : ( بلى إن تصبروا وتتقوا ) فلم يصبروا ، بل فروا ، فلم يمدوا بملك واحد .
القول في تأويل قوله : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا، وينصركم ربكم، =" ولقد نصركم الله ببدر " على أعدائكم وأنتم يومئذ =" أذلة " يعني: قليلون، في غير منعة من الناس، حتى أظهركم الله على عدوكم، مع كثرة عددهم وقلة عددكم، وأنتم اليوم أكثر عددًا منكم حينئذ، فإن تصبروا لأمر الله ينصركم كما نصركم ذلك اليوم، =" فاتقوا الله "، يقول تعالى ذكره: فاتقوا ربكم بطاعته واجتناب محارمه =" لعلكم تشكرون "، يقول: لتشكروه على ما منَّ به عليكم من النصر على أعدائكم وإظهار دينكم، ولما هداكم له من الحق الذي ضلّ عنه مخالفوكم، كما:- 7733- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة "، يقول: وأنتم أقل عددًا وأضعف قوة =" فاتقوا الله لعلكم تشكرون "، أي: فاتقون، فإنه شكر نعمتي.
(10) * * * واختلف في المعنى الذي من أجله سمي بدر " بدرًا ".
فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه كان ماء لرجل يسمى " بدرًا "، فسمي باسم صاحبه.
*ذكر من قال ذلك: 7734- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن زكريا، عن الشعبي قال: كانت " بدر " لرجل يقال له " بدر "، فسميت به.
* * * 7735- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا زكريا، عن الشعبي أنه قال: " ولقد نصركم الله ببدر "، قال: كانت " بدر " بئرًا لرجل يقال له " بدر "، فسميت به.
وأنكر ذلك آخرون وقالوا: ذلك اسم سميت به البقعة، كما سمى سائر البلدان بأسمائها.
*ذكر من قال ذلك: 7736- حدثنا الحارث بن محمد قال، حدثنا ابن سعد قال، حدثنا محمد بن عمر الواقدي قال، حدثنا منصور، عن أبي الأسود، عن زكريا، عن الشعبي قال: إنما سمي" بدرًا "، لأنه كان ماء لرجل من جهينة يقال له " بدر " = وقال الحارث، قال ابن سعد، قال الواقدي: فذكرت ذلك لعبد الله بن جعفر ومحمد بن صالح فأنكراه وقالا فلأيّ شيء سميت " الصفراء "؟
ولأي شيء سميت &; 7-171 &; " الحمراء "؟
ولأيّ شيء سمي" رابغ "؟
هذا ليس بشيء، إنما هو اسم الموضع = قال: وذكرت ذلك ليحيى بن النعمان الغفاريّ فقال: سمعت شيوخنا من بني غفار يقولون: هو ماؤنا ومنـزلنا، وما ملكه أحدٌ قط يقال له " بدر "، وما هو من بلاد جهينة، إنما هي بلاد غِفار = قال الواقدي: فهذا المعروف عندنا.
7737- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: " بدر "، ماء عن يمين طريق مكة، بين مكة والمدينة.
* * * وأما قوله: " أذلة "، فإنه جمع " ذليل "، كما " الأعزة " جمع " عزيز "،" والألِبَّة " جمع " لبيب ".
* * * قال أبو جعفر: وإنما سماهم الله عز وجل " أذلة "، لقلة عددهم، لأنهم كانوا ثلثمئة نفس وبضعة عشر، وعدوهم ما بين التسعمئة إلى الألف -على ما قد بينا فيما مضى- فجعلهم لقلة عددهم " أذلة ".
* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: 7738- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون "، وبدر ماء بين مكة والمدينة، التقى عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم والمشركون، وكان أول قتال قاتله نبي الله صلى الله عليه وسلم = وذكر لنا أنه قال لأصحابه يومئذ: " أنتم اليوم بعدَّة أصحاب طالوت يوم لقى جالوت ": فكانوا ثلثمئة وبضعة عشر رجلا والمشركون يومئذ ألفٌ، أو راهقوا ذلك.
(11) 7739- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر، عن عباد، عن الحسن في قوله: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون "، قال: يقول: " وأنتم أذلة "، قليل، وهم يومئذ بضعة عشر وثلثمئة.
7740- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، نحو قول قتادة.
7741- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة "، أقل عددًا وأضعف قوة.
(12) * * * قال أبو جعفر: وأما قوله: " فاتقوا الله لعلكم تشكرون "، فإن تأويله، كالذي قد بيَّنت، كما:- 7742- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " فاتقوا الله لعلكم تشكرون "، أي: فاتقوني، فإنه شكر نعمتي.
(13) ---------------- الهوامش : (10) الأثر: 7733- سيرة ابن هشام 3: 113 ، هو بقية الآثار التي آخرها رقم: 7732 ، وسياق أبي جعفر في روايته ، أقوم من سياق ابن هشام.
(11) الأثر: 7738- مضى بعضه برقم: 5730 ، وانظر عدة أهل بدر فيما سلف من 5724 - 5732.
وقوله: "راهقوا ذلك" أي: قاربوا ذلك.
(12) الأثر: 7741- سيرة ابن هشام 3: 113 ، وهو بعض الأثر السالف قريبًا رقم: 7733.
(13) الأثر: 7742- سيرة ابن هشام 3: 113 ، وهو أيضًا بعض الأثر: 7733.
وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا"نعمى" ، وأثبت ما مضى في المخطوطة والمطبوعة في الأثر السالف ، وهو مطابق نص ابن هشام.
فأنزل الله تعالى : ألن يكفيكم إلى قوله : مسومين فبلغ كرزا الهزيمة فلم يمدهم ورجع ، فلم يمدهم الله أيضا بالخمسة آلاف ، وكانوا قد مدوا بألف .
وقيل : إنما وعد الله المؤمنين يوم بدر إن صبروا على طاعته ، واتقوا محارمه أن يمدهم أيضا في حروبهم كلها ، فلم يصبروا ولم يتقوا محارمه إلا في يوم الأحزاب ، فأمدهم حين حاصروا قريظة .
وقيل : إنما كان هذا يوم أحد ، وعدهم الله المدد إن صبروا ، فما صبروا فلم يمدهم بملك واحد ، ولو أمدوا لما هزموا ; قاله عكرمة والضحاك .
فإن قيل : فقد ثبت عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : رأيت عن يمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن يساره يوم بدر رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه أشد القتال ، ما رأيتهما قبل ولا بعد .
قيل له : لعل هذا مختص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - خصه بملكين يقاتلان عنه ، ولا يكون هذا إمدادا للصحابة ، والله أعلم .نزول الملائكة سبب من أسباب النصر لا يحتاج إليه الرب تعالى ، وإنما يحتاج إليه المخلوق فليعلق القلب بالله وليثق به ، فهو الناصر بسبب وبغير سبب ; إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون .
لكن أخبر بذلك ليمتثل الخلق ما أمرهم به من الأسباب التي قد خلت من قبل ، ولن تجد لسنة الله تبديلا ، ولا يقدح ذلك في التوكل .
وهو رد على من قال : إن الأسباب إنما سنت في حق الضعفاء لا للأقوياء ; فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا الأقوياء وغيرهم هم الضعفاء ; وهذا واضح .
و " مد " في الشر و " أمد " في الخير .
وقد تقدم في البقرة .
وقرأ أبو حيوة " منزلين " بكسر الزاي مخففا ، يعني منزلين النصر .
وقرأ ابن عامر مشددة الزاي مفتوحة على التكثير .
إذ تقول يا محمد للمؤمنين يوم بدر مبشرا لهم بالنصر.{ ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا } أي: من مقصدهم هذا، وهو وقعة بدر { يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين } أي: معلمين بعلامة الشجعان، فشرط الله لإمدادهم ثلاثة شروط: الصبر، والتقوى، وإتيان المشركين من فورهم هذا، فهذا الوعد بإنزال الملائكة المذكورين وإمدادهم بهم، وأما وعد النصر وقمع كيد الأعداء فشرط الله له الشرطين الأولين كما تقدم في قوله: { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا }
( إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم ) اختلفوا في هذه الآية فقال قتادة : كان هذا يوم بدر أمدهم الله تعالى بألف من الملائكة كما قال : " فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة " ( الأنفال - 9 ) ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف كما ذكر هاهنا ( بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ) .
«إذ» ظرف لنصركم «تقول للمؤمنين» توعدهم تطمينا «ألن يكفيكم أن يمدّكم» يعينكم «ربكم بثلاثة آلافِ من الملائكة مُنْزَلينَ» بالتخفيف والتشديد.
اذكر -أيها الرسول- ما كان من أمر أصحابك في "بدر" حين شقَّ عليهم أن يأتي مَدَد للمشركين، فأوحينا إليك أن تقول لهم: ألن تكفيكم معونة ربكم بأن يمدكم بثلاثة آلاف من الملائكة مُنْزَلين من السماء إلى أرض المعركة، يثبتونكم، ويقاتلون معكم؟
ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان يوجهه إليهم النبى صلى الله عليه وسلم من توجيهات سامية ، وإرشادات نافعة فقال - تعالى - : { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الملائكة مُنزَلِينَ } .قال ابن كثير : اختلف المفسرون فى هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين؟
أحدهما : أن قوله - تعالى - : { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ } ، وهذا عن الحسن والشعبى والربيع بن أنس وغيرهم .فعن الحسن فى قوله : { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } .
.
.
إلخ قال : هذا يوم بدر .
وعن الشعبى : أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يريد أن يمد المشركين - برجال وسلاح - فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى - : { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الملائكة } إلى قوله : { مُسَوِّمِينَ } قال : فبلغت كرزاً الهزيمة فلم يمد المشركين .وقال الربيع بن أنس : أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا بخمسة آلاف .فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله فى قصة بدر { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ .
.
} إلى قوله : { إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فالجواب : أن التنصيص على الألف ههنا لا ينافى الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله - تعالى - : ( مُرْدِفِينَ ) بمعنى غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم .وهذا السياق شبيه بالسياق في سورة آل عمران ، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان ببدر .والقول الثاني يرى أصحابه أن هذا الوعد متعلق بقوله : { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } وذلك يوم أحد .
وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم .
لكن قالوا : لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف ، لأن المسلمين يومئذ فروا .
وزاد عكرمة : ولا بالثلاثة الآلاف لقوله - تعالى - :
وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلف المفسرون في أن هذا الوعد حصل يوم بدر، أو يوم أُحد ويتفرع على هذين القولين بيان العامل في ﴿ إِذْ ﴾ فإن قلنا هذا الوعد حصل يوم بدر كان العامل في ﴿ إِذْ ﴾ قوله: ﴿ نَصَرَكُمُ الله ﴾ والتقدير: إذ نصركم الله ببدر وأنتم أذلة تقول للمؤمنين، وإن قلنا إنه حصل يوم أحد، كان ذلك بدلاً ثانياً من قوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ ﴾ .
إذا عرفت هذا فنقول: القول الأول: أنه يوم أحد، وهو مروي عن ابن عباس والكلبي والواقدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق، والحجة عليه من وجوه: الحجة الأولى: أن يوم بدر إنما أمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بألف من الملائكة قال تعالى في سورة الأنفال: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ إِنّى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ الملائكة ﴾ فكيف يليق ما ذكر فيه ثلاثة آلاف وخمسة آلاف بيوم بدر؟.
الحجة الثانية: أن الكفار كانوا يوم بدر ألفاً أو ما يقرب منه والمسلمون كانوا على الثلث منهم لأنهم كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، فأنزل الله تعالى يوم بدر ألفاً من الملائكة، فصار عدد الكفار مقابلاً بعدد الملائكة مع زيادة عدد المسلمين فلا جرم وقعت الهزيمة على الكفار فكذلك يوم أحد كان عدد المسلمين ألفاً، وعدد الكفار ثلاثة آلاف، فكان عدد المسلمين على الثلث من عدد الكفار في هذا اليوم، كما في يوم بدر، فوعدهم الله في هذا اليوم أن ينزل ثلاثة آلاف من الملائكة ليصير عدد الكفار مقابلاً بعدد الملائكة مع زيادة عدد المسلمين، فيصير ذلك دليلاً على أن المسلمين يهزمونهم في هذا اليوم كما هزموهم يوم بدر ثم جعل الثلاثة آلاف خمسة آلاف لتزداد قوة قلوب المسلمين في هذا اليوم ويزول الخوف عن قلوبهم، ومعلوم أن هذا المعنى إنما يحصل إذا قلنا إن هذا الوعد إنما حصل يوم أحد.
الحجة الثالثة: أنه تعالى قال في هذه الآية ﴿ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاف من الملائكة مُسَومين ﴾ والمراد ويأتوكم أعداؤكم من فورهم، ويوم أحد هو اليوم الذي كان يأتيهم الأعداء، فأما يوم بدر فالأعداء ما أتوهم، بل هم ذهبوا إلى الأعداء.
فإن قيل: لو جرى قوله تعالى: ﴿ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلافٍ مِنَ الملائكة ﴾ في يوم أحد، ثم إنه ما حصل هذا الإمداد لزم الكذب.
والجواب عنه من وجهين: الأول: أن إنزاله خمسة آلاف من الملائكة كان مشروطاً بشرط أن يصبروا ويتقوا في المغانم ثم أنهم لم يصبروا ولم يتقوا في المغانم بل خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما فات الشرط لا جرم فات المشروط وأما إنزال ثلاثة آلاف من الملائكة فإنما وعد الرسول بذلك للمؤمنين الذين بوأهم مقاعد للقتال وأمرهم بالسكون والثبات في تلك المقاعد، فهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم إنما وعدهم بهذا الوعد بشرط أن يثبتوا في تلك المقاعد، فلما أهملوا هذا الشرط لا جرم لم يحصل المشروط.
الوجه الثاني: في الجواب: لا نسلم أن الملائكة ما نزلت، روى الواقدي عن مجاهد أنه قال: حضرت الملائكة يوم أُحد ولكنهم لم يقاتلوا، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى اللواء معصب بن عمير فقتل مصعب فأخذه ملك في صورة مصعب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تقدم يا مصعب فقال الملك لست بمصعب فعرف الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ملك أمد به، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: كنت أرمي السهم يومئذ فيرده على رجل أبيض حسن الوجه وما كنت أعرفه، فظننت أنه ملك، فهذا ما نقوله في تقرير هذا الوجه.
إذا عرفت هذا فنقول: نظم الآية على هذا التأويل أنه تعالى ذكر قصة أحد، ثم قال: ﴿ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون ﴾ أي يجب أن يكون توكلهم على الله لا على كثرة عددهم وعددهم فلقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فكذلك هو قادر على مثل هذه النصرة في سائر المواضع، ثم بعد هذا أعاد الكلام إلى قصة أحد فقال: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءالاَفٍ مّنَ الملئكة ﴾ .
القول الثاني: أن هذا الوعد كان يوم بدر، وهو قول أكثر المفسرين، واحتجوا على صحته بوجوه.
الحجة الأولى: أن الله تعالى قال: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾ ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ ﴾ كذا وكذا، فظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى نصرهم ببدر حينما قال الرسول للمؤمنين هذا الكلام، وهذا يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام قال هذا الكلام يوم بدر.
الحجة الثانية: أن قلة العدد والعدد كانت يوم بدر أكثر وكان الاحتياج إلى تقوية القلب ذلك اليوم أكثر، فكان صرف هذا الكلام إلى ذلك اليوم أولى.
الحجة الثالثة: أن الوعد بإنزال ثلاثة آلاف من الملائكة كان مطلقاً غير مشروط بشرط، فوجب أن يحصل، وهو إنما حصل يوم بدر لا يوم أُحد، وليس لأحد أن يقول إنهم نزلوا لكنهم ما قاتلوا لأن الوعد كان بالإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة، وبمجرد الإنزال لا يحصل الإمداد بل لابد من الإعانة، والإعانة حصلت يوم بدر ولم تحصل يوم أحد، ثم القائلون بهذا القول أجابوا عن دلائل الأولين فقالوا: أما الحجة الأولى: وهي قولكم: الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أمد يوم بدر بألف من الملائكة.
فالجواب عنها: من وجهين: الأول: أنه تعالى أمد أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بألف ثم زاد فيهم ألفين فصاروا ثلاثة آلاف، ثم زاد ألفين آخرين فصاروا خمسة آلاف، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال لهم: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بألف من الملائكة فقالوا بلى، ثم قال: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف فقالوا بلى، ثم قال لهم: إن تصبروا وتتقوا يمددكم ربكم بخمسة آلاف، وهو كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: أيسركم أن تكونوا ربع أهل الجنة قالوا نعم قال أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة قالوا نعم قال فإني أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة.
الوجه الثاني في الجواب: أن أهل بدر إنما أمدوا بألف على ما هو مذكور في سورة الأنفال، ثم بلغهم أن بعض المشركين يريد إمداد قريش بعدد كثير فخافوا وشق عليهم ذلك لقلة عددهم، فوعدهم الله بأن الكفار إن جاءهم مدد فأنا أمدكم بخمسة آلاف من الملائكة، ثم إنه لم يأت قريشاً ذلك المدد، بل انصرفوا حين بلغهم هزيمة قريش، فاستغنى عن إمداد المسلمين بالزيادة على الألف.
وأما الحجة الثانية: وهي قولكم: إن الكفار كانوا يوم بدر ألفاً فأنزل الله ألفاً من الملائكة ويوم أحد ثلاثة آلاف فأنزل الله ثلاثة آلاف.
فالجواب: إنه تقريب حسن، ولكنه لا يوجب أن لا يكون الأمر كذلك، بل الله تعالى قد يزيد وقد ينقص في العدد بحسب ما يريد.
وأما الحجة الثالثة: وهي التمسك بقوله: ﴿ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ ﴾ .
فالجواب عنه: أن المشركين لما سمعوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد تعرضوا للعير ثار الغضب في قلوبهم واجتمعوا وقصدوا النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن الصحابة لما سمعوا ذلك خافوا فأخبرهم الله تعالى: أنهم إن يأتوكم من فورهم يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة فهذا حاصل ما قيل في تقرير هذين القولين، والله أعلم بمراده.
المسألة الثانية: اختلفوا في عدد الملائكة، وضبط الأقوال فيها أن من الناس من ضم العدد الناقص إلى العدد الزائد، فقالوا: لأن الوعد بإمداد الثلاثة لا شرط فيه، والوعد بإمداد الخمسة مشروط بالصبر والتقوى ومجيء الكفار من فورهم، فلابد من التغاير وهو ضعيف، لأنه لا يلزم من كون الخمسة مشروطة بشرط أن تكون الثلاثة التي هي جزؤها مشروطة بذلك الشرط ومنهم من أدخل العدد الناقص في العدد الزائد، أما على تقدير الأول: فإن حملنا الآية على قصة بدر كان عدد الملائكة تسعة آلاف لأنه تعالى ذكر الألف، وذكر ثلاثة آلاف، وذكر خمسة آلاف، والمجموع تسعة آلاف، وإن حملناها على قصة أحد، فليس فيها ذكر الألف، بل فيها ذكر ثلاثة آلاف، وخمسة آلاف، والمجموع: ثمانية آلاف، وأما على التقدير الثاني: وهو إدخال الناقص في الزائد فقالوا: عدد الملائكة خمسة آلاف، ثم ضم إليها ألفان آخران، فلا جرم وعدوا بالألف ثم ضم إليه ألفان فلا جرم وعدوا بثلاثة آلاف، ثم ضم إليها ألفان آخران فلام جر وعدوا بخمسة آلاف، وقد حكينا عن بعضهم أنه قال أمد أهل بدر بألف فقيل: إن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك على المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: ألن يكفيكم يعني بتقدير أن يجيء المشركين مدد فالله تعالى يمدكم أيضاً بثلاثة آلاف وخمسة آلاف، ثم إن المشركين ما جاءهم المدد، فكذا هاهنا الزائد على الألف ما جاء المسلمين فهذه وجوه كلها محتملة، والله أعلم بمراده.
المسألة الثالثة: أجمع أهل التفسير والسير أن الله تعالى أنزل الملائكة يوم بدر وأنهم قاتلوا الكفار، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم تقاتل الملائكة سوى يوم بدر وفيما سواه كانوا عدداً ومدداً لا يقاتلون ولا يضربون، وهذا قول الأكثرين، وأما أبو بكر الأصم، فإنه أنكر ذلك أشد الإنكار، واحتج عليه بوجوه: الحجة الأولى: إن الملك الواحد يكفي في إهلاك الأرض، ومن المشهور أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت المدائن الأربع لقوم لوط وبلغ جناحه إلى الأرض السابعة، ثم رفعها إلى السماء وقلب عاليها سافلها، فإذا حضر هو يوم بدر، فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار؟
ثم بتقدير حضوره، فأي فائدة في إرسال سائر الملائكة؟.
الحجة الثانية: أن أكابر الكفار كانوا مشهورين وكل واحد منهم مقابله من الصحابة معلوم وإذا كان كذلك امتنع إسناد قتله إلى الملائكة.
الحجة الثالثة: الملائكة لو قاتلوا لكانوا إما أن يصيروا بحيث يراهم الناس أو لا يراهم الناس فإن رآهم الناس فإما أن يقال إنهم رأوهم في صورة الناس أو في غير صورة الناس، فإن كان الأول فعلى هذا التقدير صار المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف، أو أكثر، ولم يقل أحد بذلك، ولأن هذا على خلاف قوله تعالى: ﴿ وَيُقَلّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ﴾ وإن شاهدوهم في صورة غير صور الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق فإن من شاهد الجن لا شك أنه يشتد فزعه ولم ينقل ذلك ألبتة.
وأما القسم الثاني: وهو أن الناس ما رأوا الملائكة فعلى هذا التقدير: إذا حاربوا وحزوا الرؤوس، ومزقوا البطون وأسقطوا الكفار عن الأفراس، فحينئذ الناس كانوا يشاهدون حصول هذه الأفعال مع أنهم ما كانوا شاهدوا أحداً من الفاعلين، ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات، وحينئذ يجب أن يصير الجاحد لمثل هذه الحالة كافراً متمرداً، ولما لم يوجد شيء من ذلك عرف فساد هذا القسم أيضاً.
الحجة الرابعة: أن هؤلاء الملائكة الذين نزلوا، إما أن يقال: إنهم كانوا أجساماً كثيفة أو لطيفة، فإن كان الأول وجب أن يراهم الكل وأن تكون رؤيتهم كرؤية غيرهم، ومعلوم أن الأمر ما كان كذلك، وإن كانوا أجساماً لطيفة دقيقة مثل الهواء لم يكن فيهم صلابة وقوة، ويمتنع كونهم راكبين على الخيول وكل ذلك مما ترونه.
واعلم أن هذه الشبهة إنما تليق بمن ينكر القرآن والنبوّة، فأما من يقر بهما فلا يليق به شيء من هذه الكلمات، فما كان يليق بأبي بكر الأصم إنكار هذه الأشياء مع أن نص القرآن ناطق بها وورودها في الأخبار قريب من التواتر، روى عبد الله بن عمر قال لما رجعت قريش من أحد جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ظفروا، ويقولون: لم نر الخيل البلق ولا الرجال البيض الذين كنا نراهم يوم بدر والشبهة المذكورة إذا قابلناها بكمال قدرة الله تعالى زالت وطاحت فإنه تعالى يفعل ما يشاء لكونه قادراً على جميع الممكنات ويحكم ما يريد لكونه منزّهاً عن الحاجات.
المسألة الرابعة: اختلفوا في كيفية نصرة الملائكة قال بعضهم: بالقتال مع المؤمنين، وقال بعضهم: بل بتقوية نفوسهم وإشعارهم بأن النصرة لهم وبإلقاء الرعب في قلوب الكفار، والظاهر في المدد أنهم يشركون الجيش في القتال إن وقعت الحاجة إليهم، ويجوز أن لا تقع الحاجة إليهم في نفس القتال وأن يكون مجرد حضورهم كافياً في تقوية القلب، وزعم كثير من المفسرين أنهم قاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا في سائر الأيام.
المسألة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ ﴾ معنى الكفاية هو سد الخلة والقيام بالأمر، يقال كفاه أمر كذا إذا سد خلته، ومعنى الإمداد إعطاء الشيء حالاً بعد حال قال المفضل: ما كان على جهة القوة والإعانة قيل فيه أمده يمده، وما كان على جهة الزيادة قيل فيه: مده يمده ومنه قوله: ﴿ والبحر يَمُدُّهُ ﴾ .
المسألة السادسة: قرأ ابن عامر ﴿ مُنزَلِينَ ﴾ مشدد الزاي مفتوحة على التكثير، والباقون بفتح الزاي مخففة، وهما لغتان.
المسألة السابعة: قال صاحب الكشاف: إنما قدم لهم الوعد بنزول الملائكة لتقوى قلوبهم ويعزموا على الثبات ويثقوا بنصر الله ومعنى ﴿ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ ﴾ إنكار أن لا يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة وإنما جيء بلن التي هي لتأكيد النفي للاشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عددهم كالآيسين من النصر.
<div class="verse-tafsir"
أمرهم بألا يتوكلوا إلا عليه ولا يفوّضوا أمورهم إلا إليه ثم ذكرهم ما يوجب عليهم التوكل مما يسر لهم من الفتح يوم بدر وهم في حالة قلة وذلة.
والأذلة: جمع قلة والذلان جمع الكثرة.
وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلاً، وذلتهم، ما كان بهم من ضعف الحال وقلة السلاح والمال والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد وما كان معهم إلا فرس واحد.
وقلتهم أنهم كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، وكان عدوّهم في حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس والشَّكَّة والشَّوْكة.
وبدر: اسم ماء بين مكة والمدينة كان لرجل يسمى بدراً فسمي به ﴿ فاتقوا الله ﴾ في الثبات مع رسوله ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ بتقواكم ما أنعم به عليكم من نصرته.
أو لعلكم ينعم الله عليكم نعمة أخرى تشكرونها، فوضع الشكر موضع الإنعام لأنه سبب له ﴿ إِذْ تَقُولُ ﴾ ظرف لنصركم، على أن يقول لهم ذلك يوم بدر، أو بدل ثان من ﴿ وإِذْ غَدَوْتَ ﴾ على أن يقوله لهم يوم أحد.
فإن قلت: كيف يصح أن يقول لهم يوم أحد ولم تنزل فيه الملائكة؟
قلت: قاله لهم مع اشتراط الصبر والتقوى (عليهم)، فلم يصبروا عن الغنائم ولم يتقوا، حيث خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلذلك لم تنزل الملائكة؛ ولو تموا على ما شرط عليهم لنزلت.
وإنما قدم لهم الوعد بنزول الملائكة لتقوى قلوبهم ويعزموا على الثبات ويثقوا بنصر الله.
ومعنى ﴿ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ ﴾ إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة.
وإنما جيء بلن الذي هو لتأكيد النفي، للإشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوّهم وشوكته كالآيسين من النصر.
و ﴿ بلى ﴾ إيجاب لما بعد لن، بمعنى: بل يكفيكم الإمداد بهم، فأوجب الكفاية ثم قال: ﴿ وإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ ﴾ يمددكم بأكثر من ذلك العدد مسوّمين للقتال ﴿ وَيَأْتُوكُمْ ﴾ يعني المشركين ﴿ مّن فَوْرِهِمْ هذا ﴾ من قولك: قفل من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره.
ومنه قول أبي حنيفة رحمه الله: الأمر على الفور لا على التراخي، وهو مصدر من: فارت القدر، إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التي لا ريث فيها ولا تعريج على شيء من صاحبها؛ فقيل: خرج من فوره، كما تقول: خرج من ساعته، لم يلبث.
والمعنى: أنهم إن يأتوكم من ساعتهم هذه ﴿ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ ﴾ بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم، يريد: أنّ الله يعجل نصرتكم وييسر فتحكم إن صبرتم واتقيتم.
وقرئ: ﴿ منزلين ﴾ بالتشديد.
﴿ ومنزلين ﴾ بكسر الزاي، بمعنى: منزلين النصر.
و ﴿ مُسَوّمِينَ ﴾ بفتح الواو وكسرها.
بمعنى: معلمين.
ومعلمين أنفسهم أو خيلهم.
قال الكلبي: معلمين بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم.
وعن الضحاك: معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها.
وعن مجاهد: مجزوزة أذناب خيلهم.
وعن قتادة: كانوا على خيل بلق.
وعن عروة بن الزبير: كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء، فنزلت الملائكة كذلك، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه: «تسوّموا فإنّ الملائكة قد تسوّمت» .
﴿ وَمَا جَعَلَهُ الله ﴾ الهاء لأن يمدكم.
أي: وما جعل الله إمدادكم بالملائكة إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ﴾ كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة قلوبهم ﴿ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله ﴾ لا من عند المقاتلة إذا تكاثروا، ولا من عند الملائكة والسكينة، ولكن ذلك مما يقوي به الله رجاء النصرة والطمع في الرحمة، ويربط به على قلوب المجاهدين ﴿ العزيز ﴾ الذي لا يغالب في حكمه ﴿ الحكيم ﴾ الذي يعطي النصر ويمنعه لما يرى من المصلحة ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ الذين كَفَرُواْ ﴾ ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر، وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش وصناديدهم ﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة ﴿ فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ ﴾ غير ظافرين بمبتغاهم.
ونحوه ﴿ وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ﴾ [الأحزاب: 25] ويقال: كبته، بمعنى كبده إذا ضرب كبده بالغيظ والحرقة.
وقيل في قول أبي الطيب: لأَكْبِتَ حَاسِداً وَأرى عَدُوًّا هومن الكبد والرئة، واللام المتعلقة بقوله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله ﴾ أو بقوله: ﴿ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله ﴾ ﴿ أَوْ يَتُوبَ ﴾ عطف على ما قبله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ ﴾ تَذْكِيرٌ بِبَعْضِ ما أفادَهُمُ التَّوَكُّلُ.
وبَدْرٌ ماءٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ كانَ لِرَجُلٍ يُسَمّى بَدْرًا فَسُمِّيَ بِهِ.
وأنْتُمْ أذِلَّةٌ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، وإنَّما قالَ أذِلَّةٌ ولَمْ يَقُلْ ذَلائِلَ تَنْبِيهًا عَلى قِلَّتِهِمْ مَعَ ذِلَّتِهِمْ لِضَعْفِ الحالِ وقِلَّةِ المَراكِبِ والسِّلاحِ.
﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في الثِّيابِ.
﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ بِتَقْواكم ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِن نَصْرِهِ، أوْ لَعَلَّكم بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكم فَتَشْكُرُونَ، فَوَضَعَ الشُّكْرَ مَوْضِعَ الإنْعامِ لِأنَّهُ سَبَبُهُ.
﴿ إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ظَرْفٌ لِنَصْرِكم.
وقِيلَ بَدَلٌ ثانٍ مِن إذْ غَدَوْتَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ لَهم يَوْمَ أُحُدٍ وكانَ مَعَ اشْتِراطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى عَنِ المُخالَفَةِ، فَلَمّا لَمْ يَصْبِرُوا عَنِ الغَنائِمِ وخالَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ لَمْ تَنْزِلِ المَلائِكَةُ.
﴿ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾ إنْكارٌ أنْ لا يَكْفِيَهُمْ، ذَلِكَ وإنَّما جِيءَ بِلَنْ إشْعارًا بِأنَّهم كانُوا كالآيِسِينَ مِنَ النَّصْرِ لِضَعْفِهِمْ وقِلَّتِهِمْ وقُوَّةِ العَدُوِّ وكَثْرَتِهِمْ.
قِيلَ أمَدَّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ أوَّلًا بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ ثُمَّ صارُوا ثَلاثَةَ آلافٍ ثُمَّ صارُوا خَمْسَةَ آلافٍ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مُنَزَّلِينَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّدْرِيجِ.
<div class="verse-tafsir"
{إذ تقول للمؤمنين} ظرف لنصركم على أن تقول لهم ذلك يوم بدر أي نصركم الله وقت مقالتكم هذه أو بدل ثانٍ من إذ غدوت على أن
آل عمران (١٢٤ _ ١٢٧)
تقول لهم ذلك يوم أحد {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف مِّنَ الملائكة مُنزَلِينَ} منزّلين شامي مُنزلِين أبو حيوة أي للنصرة ومعنى ألن يكفيكم إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة وجئ بلن الذي هو لتأكيد النفي للإشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوهم وشوكته كالآيسين من النصر
﴿ إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ظَرْفٌ لِنَصْرِكم، والمُرادُ بِهِ وقْتٌ مُمْتَدٌّ، وقَدَّمَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِالتَّقْوى إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ، وقِيلَ: بَدَلٌ ثانٍ مِن ( إذْ غَدَوْتَ ) وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ هَذا القَوْلُ بِبَدْرٍ، وعَلى ذَلِكَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ المُسْلِمِينَ بَلَغَهم يَوْمَ بَدْرٍ أنَّ كُرْزَ بْنَ جابِرٍ المُحارِبِيَّ يُرِيدُ أنْ يَمُدَّ المُشْرِكِينَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ ألَنْ يَكْفِيَكُمْ ﴾ إلَخْ، فَبَلَغَتْ كُرْزًا الهَزِيمَةُ فَلَمْ يَمُدَّ المُشْرِكِينَ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ القَوْلُ بِأُحُدٍ، وكانَ مَعَ اشْتِراطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى عَنِ المُخالَفَةِ ولَمْ يُوجِدا مِنهم فَلَمْ يَمُدُّوا، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى عِكْرِمَةَ وقَتادَةَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ.
﴿ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾ الكِفايَةُ سَدُّ الحاجَةِ وفَوْقَها الغِنى بِناءً عَلى أنَّهُ الزِّيادَةُ عَلى نَفْيِ الحاجَةِ، والإمْدادُ في الأصْلِ إعْطاءُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ، ويُقالُ مَدَّ في السَّيْرِ إذا اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، وامْتَدَّ بِهِمُ السَّيْرُ إذا طالَ واسْتَمَرَّ، وعَنْ بَعْضِهِمْ ما كانَ بِطَرِيقِ التَّقْوِيَةِ والإعانَةِ، يُقالُ فِيهِ أمَدَّهُ يُمِدُّهُ إمْدادًا، وما كانَ بِطَرِيقِ الزِّيادَةِ يُقالُ فِيهِ: مَدَّهُ مَدًّا، وقِيلَ: يُقالُ: مَدَّهُ في الشَّرِّ وأمَدَّهُ في الخَيْرِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ أنْ لا يَكْفِيَهم ذَلِكَ، وأتى بِلَنْ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم كانُوا حِينَئِذٍ كالآيِسِينَ مِنَ النَّصْرِ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ، وفي التَّعْبِيرِ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ وتَقْوِيَةِ الإنْكارِ و ﴿ أنْ يُمِدَّكُمْ ﴾ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ فاعِلٌ بِيَكْفِيكم و( مِنَ المَلائِكَةِ ) بَيانٌ أوْ صِفَةٌ لِآلافٍ أوْ لِما أُضِيفَ إلَيْهِ، و( مُنْزِلِينَ ) صِفَةٌ لِثَلاثَةِ آلافٍ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ وفي وصْفِهِمْ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم مَنَّ أشْرَفِ المَلائِكَةِ، وقَدْ أُنْزِلُوا عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ مِنَ السَّماءِ الثّالِثَةِ، وذَكَرَ سِرَّ ذَلِكَ في الفُتُوحاتِ، وقُرِئَ ( مُنَزَّلِينَ ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّدْرِيجِ، وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِنَ الصِّيغَتَيْنِ عَلى مَعْنى ( مُنْزِلِينَ ) الرُّعْبَ في قُلُوبِ أعْدائِكم أوِ النَّصْرَ لَكم، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ التّاءِ مِن ثَلاثَةٍ، وقَدْ أُسْكِنَتْ في الشَّواذِّ، ووُقِفَ عَلَيْها بِإبْدالِها هاءً أيْضًا عَلى أنَّهُ أُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ فِيهِما، ويُضَعِّفُ ذَلِكَ أنَّ المُضافَ والمُضافَ إلَيْهِ كالشَّيْءِ الواحِدِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم ذكَّرهم أمر بَدْر فقال تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ أي أعانكم الله ببدر وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ يعني قليلة، فَاتَّقُوا اللَّهَ يعني: اعرفوا هذه النعمة، واتقوا الله ولا تعصوه لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي لكي تشكروا الله.
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ يعني يوم أُحد أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ من السماء.
يقول الله تعالى: بَلى إِنْ تَصْبِرُوا مع نبيّكم، وَتَتَّقُوا معصيته بالهزيمة وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يعني العدو، يأتوكم من وجوههم يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ يعني مُعلمين بالصوف الأبيض في نواصي الخيل، وفي أذنابها عليهم البياض، قد أَرْخَوْا أطراف العمائم بين أكتفهم فأنزل الله تعالى عليهم يوم بدر ثلاثة آلاف، ووعد لهم يوم أُحد خمسة آلاف.
ولكنهم لما عصوا وتركوا أمر رسول الله رجعوا عنهم، ولو أنهم صبروا لنزلت عليهم.
قرأ عاصم، وابن كثير، وأبو عمرو: مُسَوِّمِينَ بكسر الواو والباقون بالنصب ومعناهم قريب.
وهو: إرخاء أطراف العمائم بين الأكتاف وهذا كما روي عن النبيّ أنه قال يوم بدر: «تَسَوّمُوا فَإِنَّ المَلاَئِكَةَ قَدْ تسوّمت» .
<div class="verse-tafsir"
وَأسْنَدَ هُوَ إلَى الجَبَلِ، فَلَمَّا اضطرمت نَارُ الحَرْبِ، انكشف المُشْرِكُونَ، وانهزموا، وَجَعَلَ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ يَشْدُدْنَ فِي الجَبَلِ، وَيَرْفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ، قَدْ بَدَتْ خَلاَخِيلُهُنَّ، فَجَعَلَ الرُّمَاةُ يَقُولُونَ: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ، وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَدْ قَالَ لَهُمْ: لاَ تَبْرَحُوا مِنْ هُنَا، وَلَوْ رَأَيْتُمُونَا تَخَطَّفُنَا الطَّيْرُ، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَوْمٌ مِنْهُمْ: اتقوا اللَّهَ واثبتوا كَمَا أَمَرَكُمْ نَبِيُّكُمْ، فَعَصَوْا، وَخَالَفُوا، وانصرفوا يُرِيدُونَ النَّهْبَ، وَخَلَّوْا ظُهُورَ المُسْلِمِينَ لِلْخَيْلِ، وَجَاءَ خَالِدٌ فِي جَرِيدَةِ خَيْلٍ مِنْ خَلْفِ المُسْلِمِينَ، حَيْثُ كَانَ الرُّمَاةُ، فَحَمَلَ عَلَى النَّاسِ، وَوَقَعَ التَّخَاذُلُ، وَصِيحَ فِي المُسْلِمِينَ مِنْ مُقَدِّمَتِهِم، وَمِنْ سَاقَتِهِمْ، وَصَرَخَ صَارِخٌ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَتَخَاذَلَ النَّاسِ، واستشهد مِنَ المُسْلِمِينَ سَبْعُونَ، وَتَحَيَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم فِي أَعْلَى الجَبَلِ، وَتَحَاوَزَ النَّاسُ» .
هَذَا مختصرٌ من القصَّة يتركَّب عليه تفسيرُ الآياتِ، وأمْرِ أُحُدٍ مستوعَبٌ في السِّيَرِ، وليس هذا التعليقُ ممّا يقتضي ذكره، وتُبَوِّئُ: معناه: تُعَيِّنُ لهم مقاعدَ يتمكَّنون فيها، ويثْبُتُون، وقوله سبحانه: مَقاعِدَ: جمعُ مَقْعَدٍ، وهو مكانُ القعود، وهذا بمنزلة قولك:
مَوَاقِف، ولكنَّ لفظة القُعُود أدلُّ على الثبوتِ، ولا سيَّما أنَّ الرماة إنما كانوا قُعُوداً، وكذلك كانَتْ صفوفُ المسلمين أولاً والمُبَارِزَةُ والسَّرعَان «١» يَجُولُون.
قوله تعالى: وَاللَّهُ سَمِيعٌ، أي: ما تقولُ: وما يقالُ لك وقت المشاورة وغيره، وهَمَّتْ: معناه: أرادَتْ، ولم تَفْعَلْ، والفَشَل: في هذا الموضع: هو الجُبْن الذي كاد يلحق الطَّائفتين، ففي البُخَاريِّ وغيره، عَنْ جَابِرٍ، قال: نزلَتْ هذه الآيةُ فينا إذ همَّت طائفتان في بَنِي سَلِمَةَ وبَنِي حَارِثَةَ، وما أحب أنها لم تنزل، والله يقول: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما «٢» .
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ...
لمّا أمر الله سبحانه بالتوكّل
عليه، ذَكَّر بأَمْر بَدْرٍ الذي كان ثَمَرَتُهُ التوكُّلَ عَلَى اللَّه سبحانه، والثِّقَةَ به.
وقوله سبحانه: وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ: معناه: قليلون، واسم الذُّلِّ في هذا الموضع:
مستعارٌ إذ نسبتهم إلى عدوِّهم، وإلى جميعِ الكفَّار في أقطار الأرض تَقْتَضِي عند المتأمِّل ذِلَّتَهُمْ، وأنهم مغلوبُونَ رَوَى ابن عمرو «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي ثَلاَثِمِائَةٍ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «اللَّهُمَّ، إنَّهُمْ حُفَاةٌ، فاحملهم، اللَّهُمَّ إنَّهُمْ عُرَاةٌ، فاكسهم، اللَّهُمَّ، إنَّهُمْ جِيَاعٌ، فَأَشْبِعْهُمْ» ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فانقلبوا حِينَ انقلبوا، وَمَا فِيهِمْ رجُلٌ إلاَّ قَدْ رَجَعَ بِجَمَلٍ أوْ جمَلَيْنِ، واكتسوا، وَشَبِعُوا» «١» رواه أبو داود، والحاكمُ في «المستدرك على الصَّحيحَيْن» ، واللفظ له، وقال: صحيحٌ على شرط الشيخَيْن.
اهـ من «السلاح» .
وقوله سبحانه: إِذْ/ تَقُولُ: العاملُ في «إذ» فعلٌ مضمرٌ، ويحتملُ أنْ يكون العاملُ «نَصَرَكُمْ» ، وعلى هذا قولُ الجمهورِ أَنَّ هذا القولَ من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كَانَ ببَدْرٍ، قال ابنُ عبَّاس: لم تقاتِلِ الملائكةُ في يَوْمٍ من الأيامِ إلا يَوْمَ بَدْرٍ، وكانوا يكونون في سائرِ الأيام عدَداً ومَدداً لا يَضْرِبُون «٢» ، قال الشَّعْبِيُّ: وهم يحضرون حروبَ المُسْلمين إلى يَوْمِ القيامة، وقال قتادة: أمد اللَّه المؤمنين يَوْمَ بَدْر بخَمْسَة آلاف «٣» ، قال عِكْرِمَةُ: كان الوعْدُ يوْمَ بدرٍ، فلم يصْبروا يَوْمَ أُحُدٍ، ولا اتقوا، فلم يُمَدُّوا، ولَوْ مُدُّوا، لَمْ يهزموا «٤» ، وقال الضَّحَّاك، وابنُ زيدٍ: إنما كان هذا الوعدُ والمقالة للمؤمنين يوم أحُدٍ، ففَرَّ الناس، ووَلَّوْا مدبرين، فلم يمدَّهم اللَّه، وإنما مُدَّوا يوم بدر بألفٍ من الملائكة مُرْدِفِينَ «٥» ، والفَوْرُ: النهوضُ المُسْرِعُ إلى الشيء مأخوذ من فَوْرِ القِدْرِ، والماءِ ونحوِهِ ومنه: الفور في الحجّ والوضوء
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكُمْ ﴾ قالَ الشَّعْبِيُّ: قالَ كَرَزُ بْنُ جابِرٍ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ: إنِّي أمُدُّكم بِقَوْمِي، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
وفي أيِّ يَوْمٍ كانَ ذَلِكَ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، .
والثّانِي: يَوْمَ أُحُدٍ، وعَدَهم فِيهِ بِالمَدَدِ إنْ صَبَرُوا، فَلَمّا لَمْ يَصْبِرُوا، لَمْ يُمَدُّوا، رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ، ومُقاتِلٍ، والأوَّلُ أصَحُّ.
والكافِيَةُ: مِقْدارُ سَدِّ الخَلَّةِ.
والِاكْتِفاءُ: الِاقْتِصارُ عَلى ذَلِكَ.
والإمْدادُ: إعْطاءُ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُنْزَلِينَ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِتَخْفِيفِ الزّايِ، وشَدَّدَها ابْنُ عامِرٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللهُ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾ ﴿ بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِن المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ لَمّا أمَرَ اللهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، ذَكَّرَ بِأمْرِ بَدْرٍ الَّذِي كانَ ثَمَرَةَ التَوَكُّلِ عَلى اللهِ والثِقَةِ بِهِ، فَمَن قالَ مِنَ المُفَسِّرِينَ إنَّ قَوْلَ النَبِيِّ لِلْمُؤْمِنِينَ: "ألَنْ يَكْفِيَكُمْ".
كانَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَيَجِيءُ التَذْكِيرُ بِأمْرِ بَدْرٍ وبِأمْرِ المَلائِكَةِ وقِتالِهِمْ فِيهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، مُحَرِّضًا عَلى الجِدِّ والتَوَكُّلِ عَلى اللهِ، ومَن قالَ: إنَّ قَوْلَ النَبِيِّ : "ألَنْ يَكْفِيَكُمْ"...
الآيَةَ إنَّما كانَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ، كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ ﴾ إلى "تَشْكُرُونَ" اعْتِراضًا بَيْنَ الكَلامِ جَمِيلًا، والنَصْرُ بِبَدْرٍ هو المَشْهُورُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ، وعَلى ذَلِكَ اليَوْمِ انْبَنى الإسْلامُ، وكانَتْ بَدْرٌ يَوْمَ سَبْعَةَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ لِثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ.
وبَدْرٌ: ماءٌ هُنالِكَ سُمِّيَ بِهِ المَوْضِعُ.
وقالَ الشَعْبِيُّ: كانَ ذَلِكَ الماءُ لِرَجُلٍ مِن جُهَيْنَةَ يُسَمّى بَدْرًا فَبِهِ سُمِّيَ.
قالَ الواقِدِيُّ: فَذَكَرْتُ هَذا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ ومُحَمَّدِ بْنِ صالِحٍ فَأنْكَراهُ وقالا: بِأيِّ شَيْءٍ سُمِّيَتِ الصَفْراءُ والجارُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ؟
قالَ: وذَكَرْتُ ذَلِكَ لِيَحْيى بْنِ النُعْمانِ الغِفارِيِّ فَقالَ: سَمِعْتُ شُيُوخًا مِن بَنِي غِفارٍ يَقُولُونَ: هو ماؤُنا ومَنزِلُنا وما مَلَكَهُ أحَدٌ قَطُّ يُقالُ لَهُ بَدْرٌ، وما هو مِن بِلادِ جُهَيْنَةَ إنَّما هي بِلادُ غِفارٍ، قالَ الواقِدِيُّ: فَهَذا المَعْرُوفُ عِنْدَنا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنْتُمْ أذِلَّةٌ" مَعْناهُ: قَلِيلُونَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ أو أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وكانَ عَدُوُّهم ما بَيْنَ التِسْعِمِائَةِ إلى الألْفِ، وأذِلَّةٌ: جَمْعُ ذَلِيلٍ، واسْمُ الذُلِّ في هَذا المَوْضِعِ مُسْتَعارٌ، ولَمْ يَكُونُوا في أنْفُسِهِمْ إلّا أعِزَّةً، ولَكِنَّ نِسْبَتَهم إلى عَدُوِّهِمْ وإلى جَمِيعِ الكُفّارِ في أقْطارِ الأرْضِ يَقْتَضِي عِنْدَ التَأمُّلِ ذِلَّتَهُمْ، وأنَّهم مَغْلُوبُونَ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ في ذَلِكَ اليَوْمِ: « "اللهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لَمْ تُعْبَدْ"،» وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ كاسْتِعارَةِ الكَذِبِ في قَوْلِهِ في المُوَطَّإ: كَذَبَ كَعْبٌ، وكَقَوْلِهِ: كَذَبَ أبُو مُحَمَّدٍ، وكاسْتِعارَةِ المَسْكَنَةِ لِأصْحابِ السَفِينَةِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، إذْ كانَتْ مَسْكَنَتُهم بِالنِسْبَةِ إلى المَلِكِ القادِرِ الغاصِبِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالتَقْوى، ورَجّاهم في الإنْعامِ الَّذِي يُوجِبُ الشُكْرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اتَّقُوا اللهَ عَسى أنْ تَكُونَ تَقْواكم شُكْرًا عَلى النِعْمَةِ في نَصْرِهِ بِبَدْرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إذْ تَقُولُ"، العامِلُ في "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ: "نَصَرَكُمُ" وهَذا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ: إنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ النَبِيِّ كانَ بِبَدْرٍ، قالَ الشَعْبِيُّ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُما: إنَّ هَذا كانَ بِبَدْرٍ، قالَ الشَعْبِيُّ: بَلَغَ المُؤْمِنِينَ أنَّ كُرْزَ بْنَ جابِرِ بْنِ حِسْلٍ المُحارِبِيَّ مُحارِبَ فِهْرٍ قَدْ جاءَ في مَدَدٍ لِلْمُشْرِكِينَ، فَغَمَّ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ النَبِيُّ لِلْمُؤْمِنِينَ عن أمْرِ اللهِ تَعالى هَذِهِ المَقالَةَ، فَصَبَرَ المُؤْمِنُونَ واتَّقَوْا، وهُزِمَ المُشْرِكُونَ، وبَلَغَتِ الهَزِيمَةُ كُرْزًا ومَن مَعَهُ فانْصَرَفُوا ولَمْ يَأْتُوا مِن فَوْرِهِمْ، ولَمْ يُمَدَّ المُؤْمِنُونَ بِالمَلائِكَةِ، وكانَتِ المَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ تَحْضُرُ حُرُوبَ النَبِيِّ مَدَدًا، وهي تَحْضُرُ حُرُوبَ المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وخالَفَ الناسُ الشَعْبِيَّ في هَذِهِ المَقالَةِ، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ بِأنَّ المَلائِكَةَ حَضَرَتْ بَدْرًا وقاتَلَتْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي أُسَيْدٍ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ: لَوْ كُنْتُ مَعَكُمُ الآنَ بِبَدْرٍ وَمَعِي بَصَرِي لَأرَيْتُكُمُ الشِعْبَ الَّذِي خَرَجَتْ مِنهُ المَلائِكَةُ، لا أشُكُّ ولا أتَمارى.
ومِنهُ حَدِيثُ الغِفارِيِّ وابْنِ عَمِّهِ اللَذَيْنِ سَمِعا مِنَ الصَحابَةِ: أقْدِمْ حَيْزُومُ فانْكَشَفَ قِناعُ قَلْبِ أحَدِهِما، فَماتَ مَكانَهُ، وتَماسَكَ الآخَرُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تُقاتِلِ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ، وكانُوا يَكُونُونَ في سائِرِ الأيّامِ عَدَدًا ومَدَدًا لا يَضْرِبُونَ.
ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ لِأبِي لَهَبٍ: ما هو إلّا أنْ لَقِينا القَوْمَ فَمَنَحْناهم أكْتافَنا يَقْتُلُونَ ويَأْسِرُونَ، وعَلى ذَلِكَ فَواللهِ ما لُمْتُ الناسَ، لَقِينا رِجالًا بِيضًا عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ ما تُلِيقُ شَيْئًا ولا يَقُومُ لَها شَيْءٌ، ومِن ذَلِكَ «أنَّ أبا اليُسْرِ كَعْبَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ أحَدَ بَنِي سَلَمَةَ أسَرَ يَوْمَ بَدْرٍ العَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وكانَ أبُو اليُسْرِ رَجُلًا مَجْمُوعًا وكانَ العَبّاسُ رَجُلًا طَوِيلًا جَسِيمًا، فَقالَ النَبِيُّ : "لَقَدْ أعانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ"...» الحَدِيثُ بِجُمْلَتِهِ.
وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَحابَةِ: كُنْتُ يَوْمَ بَدْرٍ أتْبَعُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ لِأضْرِبَهُ بِسَيْفِي فَلَمّا دَنَوْتُ مِنهُ وقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ سَيْفِي إلَيْهِ، فَعَلِمْتُ أنَّ مَلَكًا قَتَلَهُ.
وَقالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ: أمَدَّ اللهُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ آخَرُونَ: إنَّ اللهَ وعَدَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أنْ يُمِدَّهم في حُرُوبِهِمْ كُلِّها إنْ صَبَرُوا واتَّقَوْا، فَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ إلّا في يَوْمِ الأحْزابِ، فَأمَدَّهم حِينَ حاصَرُوا قُرَيْظَةَ، ثُمَّ أدْخَلَ تَحْتَ هَذِهِ التَرْجَمَةِ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أوفى أنَّهُ قالَ: «حاصَرْنا قُرَيْظَةَ مُدَّةً فَلَمْ يُفْتَحْ عَلَيْنا فَرَجَعْنا، فَبَيْنا رَسُولُ اللهِ قَدْ دَعا بِغُسْلٍ يُرِيدُ أنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ، إذْ جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ فَقالَ: وضَعْتُمْ أسْلِحَتَكم ولَمْ تَضَعِ المَلائِكَةُ أوزارَها، فَلَفَّ رَسُولُ اللهِ رَأسَهُ بِخِرْقَةٍ ولَمْ يَغْسِلْهُ، ونادى فِينا فَقُمْنا كالِّينَ مُتْعَبِينَ، حَتّى أتَيْنا قُرَيْظَةَ والنَضِيرَ، فَيَوْمَئِذٍ أمَدَّنا اللهُ بِالمَلائِكَةِ بِثَلاثَةِ آلافٍ، وفَتَحَ لَنا فَتْحًا يَسِيرًا، فانْقَلَبْنا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ.» وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَ الوَعْدُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمْ يَصْبِرُوا يَوْمَ أُحُدٍ ولا اتَّقَوْا، فَلَمْ يُمَدُّوا ولَوْ مُدُّوا لَمْ يُهْزَمُوا.
وقالَ الضَحّاكُ: كانَ هَذا الوَعْدُ والمَقالَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَفَرَّ الناسُ ووَلَّوْا مُدْبِرِينَ فَلَمْ يُمِدَّهُمُ اللهُ، وإنَّما مُدُّوا يَوْمَ بَدْرٍ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: «قالَ المُسْلِمُونَ لِرَسُولِ اللهِ يَوْمَ أُحُدٍ وهم يَنْتَظِرُونَ المُشْرِكِينَ: يا رَسُولَ اللهِ، ألَيْسَ يُمِدُّنا اللهُ كَما أمَدَّنا يَوْمَ بَدْرٍ؟
فَقالَ لَهُمُ النَبِيُّ : ﴿ ألَنْ يَكْفِيَكُمْ ﴾ ....
الآيَةَ،» وإنَّما أمَدَّهم يَوْمَ بَدْرٍ بِألْفٍ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَلَمْ يَصْبِرُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَنْ يَكْفِيَكُمْ" تَقْرِيرٌ عَلى اعْتِقادِهِمُ الكِفايَةَ في هَذا العَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ، ومِن حَيْثُ كانَ الأمْرُ بَيِّنًا في نَفْسِهِ أنَّ المَلائِكَةَ كافِيَةٌ، بادَرَ المُتَكَلِّمُ إلى الجَوابِ لِيَبْنِيَ ما يَسْتَأْنِفُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: بَلى وهي جَوابُ المُقَرِّرِينَ.
وهَذا يَحْسُنُ في الأُمُورِ البَيِّنَةِ الَّتِي لا مَحِيدَ في جَوابِها، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلْ اللهُ ﴾ وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، "ألا يَكْفِيكُمْ"، وقَدْ مَضى القَوْلُ في الإمْدادِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ ﴾ .
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بِثَلاثَهْ آلافٍ" يَقِفُ عَلى الهاءِ، وكَذَلِكَ: "بِخَمْسَهْ آلافٍ"، ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ ضَعِيفٌ، لِأنَّ المُضافَ والمُضافَ إلَيْهِ يَقْتَضِيانِ الِاتِّصالَ، إذْ هُما كالِاسْمِ الواحِدِ، وإنَّما الثانِي كَمالٌ لِلْأوَّلِ، والهاءُ إنَّما هي أمارَةُ وقْفٍ، فَيُقْلِقُ الوَقْفُ في مَوْضِعٍ إنَّما هو لِلِاتِّصالِ، لَكِنْ قَدْ جاءَ نَحْوُ هَذا لِلْعَرَبِ في مَواضِعَ، فَمِن ذَلِكَ ما حَكاهُ الفَرّاءُ أنَّهم يَقُولُونَ: أكَلْتُ لَحْمًا شاهْ، يُرِيدُونَ لَحْمَ شاةٍ فَمَطَلُوا الفَتْحَةَ حَتّى نَشَأتْ عنها ألِفٌ، كَما قالُوا في الوَقْفِ: قالا، يُرِيدُونَ: قالَ، ثُمَّ مَطَلُوا الفَتْحَةَ في القَوافِي ونَحْوِها مِن مَواضِعِ الرَوِيَّةِ والتَثَبُّتِ، ومِن ذَلِكَ في الشِعْرِ قَوْلُ الشاعِرِ: يَنْباعُ مِن ذِفَرِي غَضُوبٍ جَسْرَةٍ.........................
يُرِيدُ: يَنْبُعُ فَمُطِلَ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أقُولُ إذْ خَرَّتْ عَلى الكَلْكالِ ∗∗∗ يا ناقَتا ما جُلْتِ مِن مَجالِ يُرِيدُ: عَلى الكَلْكَلِ فَمُطِلَ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: فَأنْتَ مِنَ الغَوائِلِ حِينَ تُرْمى ∗∗∗ ومِن ذَمِّ الرِجالِ بِمُنْتَزاحِ يُرِيدُ بِمُنْتَزِحٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: فَإذا جازَ أنْ يَعْتَرِضَ هَذا التَمادِي بَيْنَ أثْناءِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ، جازَ التَمادِي والتَأنِّي بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ إذْ هُما في الحَقِيقَةِ اثْنانِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "مُنَزَّلِينَ" بِفَتْحِ النُونِ والزايِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ الباقُونَ: "مُنْزَلِينَ" بِسُكُونِ النُونِ وفَتْحِ الزايِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مُنَزِّلِينَ" بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ الزايِ مُشَدَّدَةً مَعْناها: يُنْزِلُونَ النَصْرَ، وحَكى النَحّاسُ قِراءَةً ولَمْ يَنْسِبْها: "مُنْزِلِينَ" بِسُكُونِ النُونِ وكَسْرِ الزايِ خَفِيفَةً، وفَسَّرَها بِأنَّهم يُنْزِلُونَ النَصْرَ.
و"بَلى" جَوابٌ لِلنَّفْيِ الَّذِي في "ألَنْ" وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ: ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الشَرْطَ الَّذِي مَعَهُ يَقَعُ الإمْدادُ وهو الصَبْرُ، والتُقى.
والفَوْرُ: النُهُوضُ المُسْرِعُ إلى الشَيْءِ مَأْخُوذٌ مِن فَوْرِ القِدْرِ والماءِ ونَحْوِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "وَفارَ التَنُّورُ" فالمَعْنى: ويَأْتُوكم في نَهْضَتِكم هَذِهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "مِن فَوْرِهِمْ هَذا" مَعْناهُ: مِن سَفَرِهِمْ هَذا، قالَ الحَسَنُ والسُدِّيُّ: مَعْناهُ: مِن وجْهِهِمْ هَذا، وقالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وأبُو صالِحٍ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ: مِن غَضَبِهِمْ هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، قَدْ يَكُونُ "الفَوْرُ" لِغَضَبٍ ولِطَمَعٍ ولِرَغْبَةٍ في أجْرٍ، ومِنهُ الفَوْرُ في الحَجِّ والوُضُوءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ: "مُسَوِّمِينَ"، بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ: "مُسَوَّمِينَ"، بِفَتْحِ الواوِ، فَأمّا مَن قَرَأ بِفَتْحِ الواوِ فَمَعْناهُ: مُعَلَّمِينَ بِعَلاماتٍ، قالَ أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ: السُومَةُ: العَلامَةُ تَكُونُ عَلى الشاةِ وغَيْرِها يُجْعَلُ عَلَيْها لَوْنٌ يُخالِفُ لَوْنَها لِتُعْرَفَ، ورُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ أعْلَمَتْ يَوْمَئِذٍ بِعَمائِمَ بِيضٍ، حَكاهُ المَهْدَوِيُّ عَنِ الزَجّاجِ، إلّا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ فَإنَّهُ كانَ بِعِمامَةٍ صَفْراءَ عَلى مِثالِ عِمامَةِ الزُبَيْرِ بْنِ العَوّامِ، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ خَيْلُهم مَجْزُوزَةَ الأذْنابِ والأعْرافِ، مُعَلَّمَةَ النَواصِي والأذْنابِ بِالصُوفِ والعِهْنِ.
وقالَ الرَبِيعُ: كانَتْ سِيماهم أنَّهم كانُوا عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ، وقالَ عَبّادُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ: نَزَلَتِ المَلائِكَةُ في سِيما الزُبَيْرِ، عَلَيْهِمْ عَمائِمُ صُفْرٌ، وقالَ ذَلِكَ عُرْوَةُ وعَبْدُ اللهِ ابْنا الزُبَيْرِ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ: كانَتْ مِلاءَةً صَفْراءَ فاعْتَمَّ الزُبَيْرُ بِها، ومَن قَرَأ: "مُسَوِّمِينَ" بِكَسْرِ الواوِ، فَيُحْتَمَلُ مِنَ المَعْنى مِثْلُ ما تَقَدَّمَ، أيْ: هم قَدْ أعْلَمُوا أنْفُسَهم بِعَلامَةٍ وأعْلَمُوا خَيْلَهُمْ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ هَذِهِ القِراءَةَ بِأنَّ النَبِيَّ قالَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: « "سَوِّمُوا فَإنَّ المَلائِكَةَ قَدْ سَوَّمَتْ"» فَهم عَلى هَذا مُسَوِّمُونَ، وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ التَفْسِيرِ: إنَّ مَعْنى "مُسَوِّمِينَ" بِكَسْرِ الواوِ أيْ هم قَدْ سَوَّمُوا خَيْلَهُمْ: أيْ: أعْطَوْها سَوْمَها مِنَ الجَرْيِ والقِتالِ والإحْضارِ فَهي سائِمَةٌ، ومِنهُ سائِمَةُ الماشِيَةِ، لِأنَّها تُرِكَتْ وسَوْمَها مِنَ الرَعْيِ، وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ هَذا المَعْنى في "مُسَوَّمِينَ" بِفَتْحِ الواوِ أيْ أرْسَلُوا وُسُومَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ قَلِقٌ، وقَدْ قالَهُ ابْنُ فُورَكٍ أيْضًا.
إذ قد كانت وقعة أحُد لم تنكشف عن نصر المسلمين، عَقَّب الله ذكرها بأن ذكَّرهم الله تعالى نَصره إيّاهم النصر الَّذي قدّره لهم يوم بدر، وهو نصر عظيم إذ كان نصرَ فئة قليلةٍ على جيش كثير، ذي عُدد وافرة، وكان قتلى المشركين يومئذ سادةَ قريش، وأيمّة الشرك، وحسبك بأبي جهل بن هشام، ولذلك قال تعالى: ﴿ وأنتم أذلة ﴾ أي ضعفاء.
والذلّ ضد العزّ فهو الوهن والضعف.
وهذا تعريض بأنّ انهزام يوم أحُد لا يفلّ حدّة المسلمين لأنّهم صاروا أعزّة.
والحرب سجال.
وقوله: ﴿ فاتقوا الله لعلكم تشكرون ﴾ اعتراض بين جملة ﴿ ولقد نصركم الله ببدر ﴾ ومتعلّق فعلها أعني ﴿ إذ تقول للمؤمنين ﴾ .
والفاء للتفريع والفاء تقع في الجملة المعترضة على الأصحّ، خلافاً لمن منع ذلك من النحويين..
فإنَّه لمّا ذكّرهم بتلك المنّة العظيمة ذكّرهم بأنَّها سبب للشكر فأمرهم بالشكر بملازمة التَّقوى تأدّباً بنسبة قوله تعالى: ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ [إبراهيم: 70].
ومن الشكر على ذلك النَّصر أن يثبتوا في قتال العدو، وامتثالُ أمر النَّبيء صلى الله عليه وسلم وأن لا تَفُلّ حدّتَهم هزيمة يوم أحُد.
وظرف ﴿ إذ تقول للمؤمنين ﴾ زماني وهو متعلّق «بنصركم» لأنّ الوعد بنصرة الملائكة والمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحُد.
هذا قول جمهور المفسّرين.
وخصّ هذا الوقت بالذكر لأنَّه كان وقت ظهور هذه المعجزة، وهذه النِّعمة، فكان جديراً بالتذكير والامتنان.
والمعنى: إذ تعِد المؤمنين بإمداد الله بالملائكة، فما كان قول النَّبيء صلى الله عليه وسلم لهم تلك المقالة إلاّ بوعد أوحاه الله إليه أن يقوله.
والاستفهام في قوله: ﴿ ألن يكفيكم ﴾ تقريري، والتقريري يكثر أن يورد على النَّفي، كما قدّمنا بيانه عند قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ في سورة [البقرة: 243].
وإنَّما جيء في النَّفي بحرف لَن الَّذي يفيد تأكيد النَّفي للإشعَار بأنّهم كانوا يوم بدر لقلّتهم، وضعفهم، مع كثرة عدوّهم، وشوكته، كالآيسين من كفاية هذا المدد من الملائكة، فأوقع الاستفهام التَّقريري على ذلك ليكون تلقيناً لِمن يخالج نفسَه اليأس من كفاية ذلك العدد من الملائكة، بأن يصرّح بما في نفسه، والمقصود من ذلك لازمهُ، وهذا إثبات أنّ ذلك العدد كاف.
ولأجل كون الاستفهام غير حقيقي كان جوابه من قِبَل السائل بقوله: بلى } لأنّه ممَّا لا تسع المماراة فيه كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم ﴾ في سورة [الأنعام: 19]، فكان (بلى) إبطالاً للنفي، وإثباتاً لكون ذلك العدد كافياً، وهو من تمام مقالة النَّبيء للمؤمنين.
وقد جاء في سورة الأنفال [9] عند ذكره وقعة بدر أن الله وعدهم بمدد من الملائكة عدده ألف بقوله: ﴿ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنِّي ممدّكم بألف من الملائكة مردفين ﴾ وذكر هنا أنّ الله وعدهم بثلاثة آلاف ثُمّ صيّرهم إلى خمسة آلاف.
ووجه الجمع بين الآيتين أنّ الله وعدهم بثلاثة آلاف ثُمّ صيّرهم إلى خمسة آلاف.
ووجه الجمع بين الآيتين أنّ الله وعدهم بألف من الملائكة وأطمعهم بالزّيادة بقوله: ﴿ مردفين ﴾ [الأنفال: 9] أي مردَفيْن بعدد آخر، ودلّ كلامه هنا على أنَّهم لم يزالوا وجلين من كثرة عدد العدوّ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «ألن يكفيكم أن يمدّكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين» أراد الله بذلك زيادة تثبيتهم ثمّ زادهم ألفين إن صبروا واتَّقوا.
وبهذا الوجه فسّر الجمهور، وهو الذي يقتضيه السياق.
وقد ثبت أنّ الملائكة نزلوا يوم بدر لنصرة المؤمنين، وشاهد بعض الصّحابة طائفة منهم، وبعضهم شهد آثار قتلهم رجالاً من المشركين.
ووصف الملائكة بمُنْزَلين للدلالة على أنَّهم يَنزلون إلى الارض في موقع القتال عناية بالمسلمين قال تعالى: ﴿ ما تَنَزَّل الملائكة إلاّ بالحق ﴾ [الحجر: 8].
وقرأ الجمهور: مُنْزلين بسكون النُّون وتخفيف الزاي وقرأه ابن عامر بفتح النُّون وتشديد الزاي.
وأنزل ونزّل بمعنى واحد.
فالضميران: المرفوعُ والمجرور، في قوله: ﴿ ويأتوكم من فورهم ﴾ عائدان إلى الملائكة الَّذين جرى الكلام عليهم، كما هو الظاهر، وعلى هذا حمله جمع من المفسّرين.
وعليه فموقع قوله: ﴿ ويأتوكم ﴾ موقع وعد، فهو المعنى معطوف على ﴿ يمددكم ربكم ﴾ وكان حقّه أن يرِد بعده، ولكنَّه قدّم على المعطوف عليه، تعجيلاً للطمأنينة إلى نفوس المؤمنين، فيكون تقديمه من تقديم المعطوف على المعطوف عليه، وإذا جاز ذلك التَّقديم في عطف المفردات كما في قول صَنَّان بن عَبَّاد اليَشْكُرِي: ثمّ اشتَكَيْتُ لأَشْكانِي وسَاكنُه *** قَبْرٌ بِسِنْجَارَ أوْ قبر على قَهَدِ قال ابن جنّي في شرح أبيات الحماسة: قدّم المعطوف على المعطوف عليه، وحَسَّنه شدّة الاتِّصال بين الفعل ومرفوعه (أي فالعامل وهو الفعل آخذ حظَّه من التقديم ولا التفات لكون المعطوففِ عليه مؤخّراً عن المعطوف) ولو قلت: ضربت وزيداً عمراً كان أضعف، لأنّ اتّصال المفعول بالفعل ليس في قوّة اتّصال الفاعل به، ولكن لو قلت: مررت وزيد بعمرو، لم يجز من جهة أنَّك لم تقدم العامل، وهو الباء، على حرف العطف.
ومن تقديم المفعول به قول زيد: جمعتَ وعيباً غِيبةً ونَمِيمَةً *** ثلاثَ خصال لستَ عنها بمُرْعوِيْ ومنه قول آخر: لعن الإلهُ وزوجَها مَعَها *** هِنْدَ الهنود طَوِيلَةَ الفعل ولا يجوز وعيباً جمعت غيبة ونميمة.
وأمَّا قوله: عليككِ ورحمةُ الله السلامُ *** فممَّا قرب مأخذه عن سيبويه، ولكن الجماعة لم تتلقّ هذا البيت إلاّ على اعتقاد التَّقديم فيه، ووافقه المرزوقي على ذلك، وليس في كلامهما أن تقديم المعطوف في مثل ما حسُن تقديمه فيه خاص بالضرورة في الشعر، فلذلك خرّجنا عليه هذا الوجه في الآية وهو من عطف الجمل، على أن عطف الجمل أوسع من عطف المفردات لأنَّه عطف صوري.
ووقع في «مغني اللبيب» في حرف الواو أنّ تقديم معطوفها على المعطوف عليه ضرورة، وسبقه إلى ذلك ابن السِّيد في شرح أبياتتِ الجمل، والتفتزاني في شرح المفتاح، كما نقله عنه الدماميني في «تحفة الغريب».
وجعل جمع من المفسّرين ضميري الغيبة في قوله: ﴿ ويأتوكم من فورهم ﴾ عائديْن إلى طائفة من المشركين، بلغ المسلمين أنَّهم سيمدّون جيش العدوّ يوم بدر، وهم كرز بن جابر المحاربي، ومن معه، فشقّ ذلك على المسلمين وخافوا، فأنزل الله تعالى: ﴿ إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم ﴾ الآية، وعليه درج «الكشاف» ومتابعوه.
فيكون معادُ الضّميرين غير مذكور في الكلام، ولكنَّه معلوم للنَّاس الَّذين حضروا يوم بدر، وحينئذ يكون ﴿ يأتوكم ﴾ معطوفاً على الشرط: أي إن صبرتم واتّقيتم وأتاكم كرز وأصحابه يعاونون المشركين عليكم يمددكم ربّكم بأكثر من ألف ومن ثلاثة آلاف بخمسة آلاف، قالوا فبلغت كرزاً وأصحابه هزيمة المشركين يوم بدر فعدل عن إمدادهم فلم يمدّهم الله بالملائكة، أي بالملائكة الزائدين على الألف.
وقيل: لم يمدّهم بملائكة أصلاً، والآثار تشهد بخلاف ذلك.
وذهب بعض المفسّرين الأوّلين: مثل مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والزهري: إلى أن القول المحكي في قوله تعالى: ﴿ إذ تقول للمؤمنين ﴾ قول صادر يوم أحُد، قالوا وعدهم الله بالمدد من الملائكة على شرط أن يصبروا، فلمّا لم يصبروا واستَبَقُوا إلى طلب الغنيمة لم يمددهم الله ولا بملَك واحد، وعلى هذا التفسير يكون ﴿ إذ تقول المؤمنين ﴾ بدلاً من ﴿ وإذ غَدَوْت ﴾ وحينئذ يتعيّن أن تكون جملة ﴿ ويأتوكم ﴾ مقدمة على المعطوفة هي عليها، للوجه المتقدّم من تحقيق سرعة النَّصر، ويكون القول في إعراب ﴿ ويأتوكم ﴾ على ما ذكرناه آنفاً من الوجهين.
ومعنى ﴿ من فورهم هذا ﴾ المبادرة السَّريعة، فإنّ الفور المبادرة إلى الفعل، وإضافة الفور إلى ضمير الآتين لإفادة شدّة اختصاص الفَور بهم، أي شدّة اتّصافهم به حتَّى صار يعرف بأنَّه فورهم، ومن هذا القبيل قولهم خرج من فوره.
و(من) لابتداء الغاية.
والإشارة بقوله (هذا) إلى الفور تنزيلاً له منزلة المشاهد القريب، وتلك كناية أو استعادة لكونه عاجلاً.
﴿ ومسوّمين ﴾ قرأه الجمهور بفتح الواو على صيغة اسم المفعول من سوّمه، وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ويعقوب بكسر الواو بصيغة اسم الفاعل.
وهو مشتقّ من السُّومة بضم السين وهي العلامة مقلوب سمة لأنّ أصل سمة وسمة.
وتطلق السومة على علامة يجعلها البطل لنفسه في الحرب من صوف أو ريش ملوّن، يجعلها على رأسه أو على رأس فرسه، يرمز بها إلى أنَّه لا يتّقي أن يعرفه أعداؤه، فيسدّدوا إليه سهامهم، أو يحملون عليه بسيوفهم، فهو يرمز بها إلى أنَّه واثق بحمايته نفسه بشجاعته، وصِدققِ لقائه، وأنَّه لا يعبأ بغيره من العدوّ.
وتقدّم الكلام عليها في تفسير قوله تعالى: ﴿ والخيل المسومة ﴾ [آل عمران: 14] في أوّل هذه السورة.
وصيغة التفعيل والاستفعال تكثران في اشتقاق الأفعال من الأسماء الجامدة.
ووصف الملائكة بذلك كناية على كونهم شداداً.
وأحسب أنّ الأعداد المذكورة هنا مناسبة لجيش العدوّ لأنّ جيش العدوّ يوم بدر كان ألفاً فوعدهم الله بمدد ألف من الملائكة فلمَّا خشُوا أن يلحق بالعدوّ مدد من كُرْز المحاربي.
وعدهم الله بثلاثة آلاف أي بجيش له قلب.
وميمنة وميسرة كلّ ركن منها ألف، ولمَّا لم تنقشع خشيتهم من إمداد المشركين لأعدائهم وعدهم الله بخمسة آلاف، وهو جيش عظيم له قلب وميمنة وميسرة ومقدّمة وساقة، وذلك هو الخميس، وهو أعظم تركيباً وجعل كُلّ ركن منه مساوياً لجيش العدوّ كلّه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾ والكِفايَةُ مِقْدارُ سَدِّ الخَلَّةِ، والِاكْتِفاءُ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ، والإمْدادُ إعْطاءُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ، والأصْلُ في الإمْدادِ هو الزِّيادَةُ ومِنهُ مَدُّ الماءِ وهو زِيادَتُهُ.
﴿ بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِن وجْهِهِمْ هَذا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: مِن غَضَبِهِمْ هَذا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وأبِي صالِحٍ، وأصْلُ الفَوْرِ فَوْرُ القِدْرِ، وهو غَلَيانُها عِنْدَ شِدَّةِ الحُمّى، ومِنهُ فَوْرُ الغَضَبِ لِأنَّهُ كَفَوْرِ القِدْرِ.
﴿ يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ قَرَأ بِكَسْرِ الواوِ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، ومَعْناها: أنَّهم سَوَّمُوا خَيْلَهم بِعَلامَةٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الواوِ، ومَعْناها: أنَّها سائِمَةٌ وهي المُرْسَلَةُ في المَرْعى.
واخْتَلَفُوا في التَّسْوِيمِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ بِالصُّوفِ في نَواصِي الخَيْلِ وآذانِها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ.
الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ وعَلَيْهِمْ عَمائِمُ صُفْرٌ، وهو قَوْلُ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ.
واخْتَلَفُوا في عَدَدِهِمْ فَقالَ الحَسَنُ: كانُوا خَمْسَةَ آلافٍ، وقالَ غَيْرُهُ: كانُوا ثَمانِيَةَ آلافٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يُقاتِلِ المَلائِكَةُ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ بِقَتْلِ صَنادِيدِهِمْ وقادَتِهِمْ إلى الكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، كانَ الَّذِي قُتِلَ مِنهم ثَمانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وسَطًا، لِأنَّ الطَّرَفَ أقْرَبُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الوَسَطِ، فاخْتَصَّ القَطْعُ بِما هو إلَيْهِمْ أقْرَبُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ﴾ ﴿ أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ﴾ ، وفِي: ( يَكْبِتَهم ) قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُحْزِنُهم، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ.
والثّانِي: الكَبْتُ: الصَّرْعُ عَلى الوَجْهِ، وهو قَوْلُ الخَلِيلِ.
والفَرْقُ بَيْنَ الخائِبِ والآيِسِ أنَّ الخَيْبَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ أمَلٍ، واليَأْسُ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ أمَلٍ.
﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ في عِقابِهِمْ واسْتِصْلاحِهِمْ، وإنَّما ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم.
والثّانِي: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ فِيما تُرِيدُهُ وتَفْعَلُهُ في أصْحابِكَ وفِيهِمْ، وَإنَّما ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى فِيما يَفْعَلُهُ مِنَ اللُّطْفِ بِهِمْ في التَّوْبَةِ والِاسْتِصْلاحِ أوْ في العَذابِ والِانْتِقامِ.
والثّالِثُ: أُنْزِلَتْ عَلى سَبَبٍ لَمّا كُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ .
واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ فِيهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْمًا قالُوا بَعْدَ كَسْرِ رَباعِيَتُهُ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ نالُوا هَذا مِن نَبِيِّهِمْ، وهو حَرِيصٌ عَلى هِدايَتِهِمْ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، والحَسَنِ وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ.
والثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ هَمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِالدُّعاءِ فاسْتَأْذَنَ فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَكَفَّ وإنَّما لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ لِما في المَعْلُومِ مِن تَوْبَةِ بَعْضِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز جابر المحاربي يمد المشركين، فشق ذلك عليهم، فانزل الله: ﴿ ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف ﴾ إلى قوله: ﴿ مسوّمين ﴾ قال: فبلغت كرزاً الهزيمة فلم يمد المشركين؛ ولم يمد المسلمون بالخمسة.
وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: لما كان يوم بدر بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه إلا أنه قال: ﴿ ويأتوكم من فورهم هذا ﴾ يعني كرزاً وأصحابه ﴿ يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين ﴾ فبلغ كرزاً وأصحابه الهزيمة فلم يمدهم ولم تنزل الخمسة، وأمدوا بعد ذلك بألف فهم أربعة آلاف من الملائكة مع المسلمين.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ إذ تقول للمؤمنين ﴾ الآية.
قال: هذا يوم بدر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: أمدوا بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف.
وذلك يوم بدر.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ بلى إن تصبروا وتتقوا...
﴾ الآية.
قال هذا يوم أحد فلم يصبروا ولم يتقوا فلم يمدوا يوم أحد، ولو مدوا لم يهزموا يومئذ.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لم يمد النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ولا بملك واحد لقول الله: ﴿ إن تصبروا وتتقوا ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ إن تصبروا وتتقوا ﴾ الآية.
قال: كان هذا موعداً من الله يوم أحد عرضه على نبيه صلى الله عليه وسلم، أن المؤمنين إن اتقوا وصبروا أيدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، ففر المسلمون يوم أحد وولوا مدبرين فلم يمدهم الله.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: «قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ينتظرون المشركين: يا رسول الله أليس يمدنا الله كما أمدنا يوم بدر؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ﴾ فإنما أمدكم يوم بدر بألف قال: فجاءت الزيادة من الله على أن يصبروا ويتقوا» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويأتوكم من فورهم هذا ﴾ يقول: من سفرهم هذا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال: ﴿ من فورهم ﴾ من وجههم.
وأخرج ابن جرير عن الحسن والربيع وقتادة والسدي.
مثله.
وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن عكرمة ﴿ من فورهم ﴾ قال: فورهم ذلك كان يوم أحد، غضبوا ليوم بدر مما لقوا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ من فورهم ﴾ قال: من غضبهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي صالح مولى أم هانئ.
مثله.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ ويأتوكم من فورهم ﴾ يقول: وجههم وغضبهم.
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ مسوّمين ﴾ قال: معلمين، وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائمَ سوداً، ويوم أحد عمائمَ حمراً» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير، أن الزبير كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتمراً أو مُعْتَماً بها فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر.
وأخرج ابن إسحاق والطبراني عن ابن عباس قال: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاً، قد أرسلوها في ظهورهم.
ويوم حنين عمائم حمراً، ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا يكونون عدداً ومدداً لا يضربون.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى ﴿ مسوّمين ﴾ قال: الملائكة عليهم عمائم بيض مسوّمة فتلك سيما الملائكة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت الشاعر يقول: ولقد حميت الخيل تحمل شكة ** جرداء صافية الأديم مسوّمة وأخرج ابن جريرعن أبي أسيد وكان بدرياً أنه كان يقول: لو أن بصري معي ثم ذهبتم معي إلى أحد لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة في عمائم صفر، قد طرحوها بين أكتافهم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن عروة قال: نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق، وكان على الزبير يومئذ عمامة صفراء.
وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة عن عروة قال: نزل جبريل يوم بدر على سيما الزبير، وهو معتم بعمامة صفراء.
وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عن عباد بن عبد الله بن الزبير، أنه بلغه أن الملائكة نزلت يوم بدر، وهم طير بيض عليهم عمائم صفر، وكان على رأس الزبير يومئذ عمامة صفراء من بين الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم «نزلت الملائكة على سيما أبي عبد الله.
وجاء النبي صلى الله عليه وسلم عمامة صفراء» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عمير بن إسحاق قال: إن أول ما كان الصوف ليوم بدر.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسوّموا فإن الملائكة قد تسوّمت.
فهو أول يوم وضع الصوف» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض في نواصي الخيل وأذنابها.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله: ﴿ مسوّمين ﴾ قال: بالعهن الأحمر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مسوّمين ﴾ قال: أتوا مسوّمين بالصوف، فسوّم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ مسوّمين ﴾ قال: معلمين مجزوزة أذناب خيولهم ونواصيها، فيها الصوف والعهن.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ مسوّمين ﴾ قال: ذكر لنا أن سيماهم يومئذ الصوف بنواصي خيلهم وأذنابهم، وأنهم على خيل بلق.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة ﴿ مسوّمين ﴾ قال عليهم سيما القتال.
وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: كانوا يومئذ على خيل بلق.
وأخرج عبد بن حميد عن عمير بن إسحاق قال: «لما كان يوم أحد أجلى الله الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقي سعد من مالك يرمي، وفتى شاب ينبل به كلما فني النبل أتاه به فنثره فقال: ارم أبا إسحق، ارم أبا إسحق.
فلما انجلت المعركة سئل عن ذلك الرجل فلم يعرف» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وما جعله الله بشرى لكم ﴾ يقول: إنما جعلهم لتستبشروا بهم ولتطمئنوا إليهم، ولم يقاتلوا معهم يومئذ لا قبله ولا بعده، إلا يوم بدر.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ قال: لو شاء أن ينصركم بغير الملائكة فعل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ليقطع طرفاً من الذين كفروا ﴾ قال: قطع الله يوم بدر طرفاً من الكفار، وقتل صناديدهم ورؤوسهم وقادتهم في الشر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ ليقطع طرفاً ﴾ قال: هذا يوم بدر، قطع الله طائفة منهم وبقيت طائفة.
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: ذكر الله قتلى المشركين بأحد، وكانوا ثمانية عشر رجلاً فقال: ﴿ ليقطع طرفاً من الذين كفروا ﴾ ثم ذكر الشهداء فقال: ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً ﴾ الآية.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ﴿ أو يكبتهم ﴾ قال: يخزيهم.
وأخرج ابن جرير عن قتادة والربيع.
مثله.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ الآية.
قال الشَّعْبيُّ (١) (٢) (٣) ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ ﴾ .
ومعنى الكِفَايَةِ، هو: سَدُّ الخَلَّةِ (٤) (٥) (٦) ومعنى الإمْدَاد: إعطاء الشيء حالًا بعد حال (٧) قال المُفَضَّلُ (٨) (٩) (١٠) ﴿ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ ﴾ (١١) (١) قوله في: "مصنف ابن أبي شيبة" رقم (36659) كتاب: المغازي.
غزوة بدر الكبرى، و"تفسير الطبري" 4/ 76، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 752، و"تفسير الثعلبي" 3/ 110 ب، و"تفسير ابن كثير" 1/ 432، و"الدر المنثور" 2/ 123، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.
(٢) هو كرز بن جابر بن حُسيل بن لاحب بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فِهْر القُرَشي الفهري.
كان من رؤساء المشركين قبل أن يسلم، وهو الذي أغار على سَرْح المدينة مرَّةً، وفات النبي ، ولم يدركه، وهي المسماة: (غزوة بدر الأولى)، ثم أسلم وحسن إسلامه، ولاه رسول الله الجيش الذي بعثهم في أثر العرنيين الذين قتلوا راعيه، واستشهد يوم في فتح مكة سنة (8 هـ).
انظر: "أسد الغابة" 4/ 468، و"الإصابة" 3/ 290.
(٣) في (ب): (أن هذا).
بدلًا من (أن يمد).
(٤) الخَلَّةُ -هنا-: الحاجة، والفقر.
انظر: "القاموس" (994) (خلل).
(٥) في (أ)، (ب): (أقام).
والمثبت من (ج).
(٦) انظر: "النكت والعيون" 1/ 421، و"اللسان" 15/ 225 (كفي)، و"بصائر ذوي التمييز" 4/ 368.
(٧) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3361 (مدد)، و"النكت والعيون" 1/ 421.
(٨) قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 111 ب.
(٩) في (ب): (المد مده).
وفي "تفسير الثعلبي": أمدَّه يُمِدُّه إمدادًا.
(١٠) في "تفسير الثعلبي": (مدَّه يمده مدادًا).
ذكر الرَّاغبُ أن أكثر ما جاء (الإمداد) في المحبوب، و (المد) في المكروه.
فمن (الإمداد) قوله تعالى: ﴿ وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ ، و ﴿ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ ﴾ .
ومن (المد) قوله تعالى: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّ ﴾ .
وقد نقل الطبري عن يونس الجرْمي ذلك، وبيَّن أن ما كان منها متعلقًا بالشر وبمعنى أنك تركته، فهو: (مددت)، وما كان في الخير، وبمعنى أنك أعطيته، فهو: (أمددت).
ونقل عن بعض نحوي الكوفة -ولم يسم أحدا منهم-: أنَّ كل زيادة أحدثت في الشيء من نفسه، فهي: (مَدَدت)؛ كقولنا: (مدَّ النهر، ومدَّه نهرٌ آخر غيرُه) حيث يتصل به، فيصير منه.
وكل زيادة أحدثت في الشيء من غيره، فهي: (أمدَدْت)؛ كقولنا: (أمددت الجيش بمدد).
انظر: "تفسيرالطبري" 1/ 135، و"مفردات ألفاظ القرآن" 763 (مدد)، و"تفسير الثعلبي" 3/ 111 ب، و"بصائر ذوي التمييز" 4/ 489.
(١١) سورة لقمان: 27.
وتمامها: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ ﴾ هم بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج، لما رأوا كثرة المشركين وقلة المؤمنين هموا بالانصراف؛ فعصمهم الله ونهضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أَن تَفْشَلاَ ﴾ الفشل في البدن هو الإعياء، والفشل في الرأي هو العجز والحيرة وفساد العزم ﴿ والله وَلِيُّهُمَا ﴾ أي مثبتهما، وقال جابر بن عبد الله: ما وددنا أنها لم تنزل لقوله: ﴿ والله وَلِيُّهُمَا ﴾ ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ ﴾ تذكير بنصر الله يوم بدر لتقوى قلوبهم ﴿ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾ الذلة هي قلة عَددهم وضعف عُددهم؛ كانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، ولم يكن لهم إلاّ فرس واحد، وكان المشركون ما بين التسعمائة والألف، وكان معهم مائة فرس.
فقتل من المشركين سبعون وأسر منهم سبعون وانهزم سائرهم ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ متعلق بنصركم أو باتقوا؛ والأول أظهر ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ كان هذا القول يوم بدر، وقيل: يوم أحد، فالعامل في إذ على الأول محذوف، وعلى الثاني: بدل من إذ غدوت ﴿ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ ﴾ تقرير، جوابه بلى، وإنما جواب المتكلم لصحة الأمر وبيانه كقوله: قل ﴿ مَن رَّبُّ السماوات والأرض قُلِ الله ﴾ [الرعد: 16].
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تبوّى المؤمنين ﴾ بغير همز: أبو عمرو غير شجاع وورش والأعشى وحمزة في الوقف.
﴿ منزلين ﴾ بالتشديد وفتح الزاي: ابن عامر.
الباقون: بالتخفيف والفتح أيضاً.
﴿ مسوّمين ﴾ بكسر الواو: أبو عمرو وابن كثير وعاصم وسهل ورويس.
الباقون.
بالفتح.
الوقوف: ﴿ للقتال ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لأن "إذ" بدل من ﴿ إذ غدوت ﴾ أو يتعلق بالوصفين أو بقوله ﴿ تبوىء ﴾ ﴿ أن تفشلا ﴾ (لا) لأن الواو للحال ﴿ وليهما ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ أذلة ﴾ ج للفاء ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ منزلين ﴾ ط لتمام القول ﴿ بلى ﴾ (لا) لاتحاد مع ما بعده ﴿ مسوّمين ﴾ ه ﴿ قلوبكم به ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ (لا) لتعلق اللام بمعنى الفعل في النصر ﴿ خائبين ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.
/ التفسير: أنه لما وعدهم النصر على الأعداء إن هم صبروا واتقوا وخلاف ذلك إن لم يصبروا، أتبعه قوله: ﴿ وإذا غدوت من أهلك ﴾ ﴿ ولقد نصركم الله ببدر ﴾ يعني أنهم يوم أحد كانوا كثيرين مستعدين للقتال، فلما خالفوا أمر الرسول انهزموا، ويوم بدر كانوا قليلين غير مستعدين لكنهم أطاعوا أمر الرسول فغلبوا واستولوا على خصومهم.
ووجه آخر في النظر وهو أن الانكسار يوم أحد إنما حصل بسبب تخلف عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق، وذلك يدل على أنه لا يجوز اتخاذ المنافقين بطانة.
قال أبو مسلم: هذا كلام معطوف بالواو عل قوله: ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ أي قد كان لكم مثل تلك الآية إذ غدا الرسول يبوىء المؤمنين.
والجمهور على أنه منصوب بإضمار "اذكر" وعن الحسن أن هذا الغدو كان يوم بدر.
وعن مجاهد أنه يوم الأحزاب.
وأكثر العلماء بالمغازي على أن هذه الآية نزلت في واقعة أحد.
وهو قول ابن عباس والسدي وابن إسحق والربيع والأصم وأبي مسلم.
"روي أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء، فاستشار رسول الله أصحابه ودعا عبد الله بن أبيّ ولم يدعه قط قبلها فاستشاره.
فقال عبد الله وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدوّ قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا؟
فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خائبين.
وقال بعضهم: يا رسول الله اخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب لا يرون أنا قد جبنا عنهم.
وقال : إني رأيت في منامي بقراً مذبحة حولي فأوّلتها خيراً، أو رأيت في ذباب سيفي ثلماً فأولته هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأوّلتها المدينة.
فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم، فقال رجال من المسلمين - قد فاتتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد-: اخرج بنا إلى أعدائنا فلم يزالوا به حتى دخل فلبس لأمته.
فلما رأوه قد لبس لأمته ندموا وقالوا: بئسما صنعنا، نشير على رسول الله والوحي يأتيه.
فقالوا: اصنع يا رسول الله ما رأيت.
فقال: لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل.
فخرج يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة من المدينة" .
قالوا من منزل عائشة وهو المراد بقوله: ﴿ من أهلك ﴾ عن مجاهد والواحدي "أنه مشى على رجليه إلى أحد وأصبح بالشعب منها يوم السبت للنصف من شوّال.
وجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوّم بهم القداح إن رأى صدراً خارجاً قال: تأخر.
وكان نزوله في جانب الوادي، وجعل ظهره وعسكره إلى أحد.
وأمر عبد الله بن جبير علىالرماة وقال لهم: انضحوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا، وقال لأصحابه: اثبتوا في هذا المقام فإذا عاينوكم ولوكم الأدبار، فلا تطلبوا المدبرين ولا تخرجوا من هذا المقام" .
"ثم إن رسول الله لما خالف، رأى عبد الله بن أبيّ شق عليه ذلك وقال: أطاع الصبيان وعصاني ثم قال لأصحابة: إن محمداً إنما يظفر بعدوّكم وقد وعد أصحابه أن أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا، فإذا رأيتم أعداءهم فانهزموا فيتبعونكم فيصير الأمر على خلاف ما ذكر محمد .
فلما التقى الفريقان انخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس وقال: يا قوم علام نقتل أولادنا وأنفسنا.
وكان جملة عسكر الإسلام ألفاً - وقيل: تسعمائة وخمسين - فبقي نحو من سبعمائة.
وكان المشركون ثلاثة آلاف فقوّاهم الله مع ذلك حتى هزموا المشركين.
لكنهم لما رأوا انهزام القوم وكان الله بشرهم بذلك طمعوا أن تكون هذه الواقعة كواقعة بدر، فطلبوا المدبرين وتركوا ذلك الموضع وخالفوا أمر الرسول الله ولم يعلموا أن ظفرهم يوم بدر ببركة طاعتهم لله ولرسوله، ومتى تركهم الله مع عدوّهم لم يقوموا لهم.
فنزع الله الرعب من قلوب المشركين، فكرّوا على المسلمين وتفرق العسكر عن رسول الله كما قال: ﴿ إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ﴾ وشج وجه رسول الله وكسرت رباعيته وشلت يد طلحة دونه ولم يبق معه إلا أبو بكر وعلي والعباس وطلحة وسعد.
ووقعت الصيحة في العسكر أن محمداً قتل.
فأشرف أبو سفيان وقال: أفي القوم محمد؟
فقال النبي : لا تجيبوه.
فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟
فقال: لا تجيبوه؟
قال: أفي القوم ابن الخطاب؟
فقال: إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا.
فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدوّ الله.
أبقى الله لك ما يخزيك.
فقال أبو سفيان مرتجزاً: أعل هبل أعل هبل.
فقال النبي : أجيبوه.
فقالوا: ما نقول؟
قال: قولوا: الله أعلى وأجل.
قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم.
فقال : أجيبوه.
قالوا: ما نقول؟
قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال.
فقال رسول الله : أجيبوه.
قالوا: ما نقول؟
قال: قولوا لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار" .
ولنرجع إلى التفسير بوّأته منزلاً وبوّأت له منزلاً أنزلته فيه.
ومقاعد أي مواطن ومواقف، وقد اتتسع في "قعد" و"قام" حتى استعمل المقعد والمقام في المكان ومنه قوله تعالى: ﴿ في مقعد صدق ﴾ وقوله: ﴿ قبل أن تقوم من مقامك ﴾ أي من موضع حكمك.
ويحتمل أنه لما أمرهم أن يثبتوا في تلك الأمكنة ولا ينتقلوا عنها شبهت بالمقاعد لذلك، ويحتمل أن المقاتلين قد يقعدون في الأمكنة المعينة إلى أن يلاقيهم العدوّ فيقوموا فلهذا سميت تلك المواضع مقاعد ﴿ والله سميع ﴾ لأقوالكم ﴿ عليم ﴾ بضمائركم ونياتكم فإنا بينا أنه كان في القوم موافق ومنافق ﴿ إذ همت طائفتان منكم ﴾ هما / حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وهما الجناحان.
﴿ أن تفشلا ﴾ والفشل الجبن والخور.
والظاهر أنها ما كانت عزيمة ممضاة ولكنها كانت حديث نفس وقلما تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع.
فإن ساعدها صاحبها ذم وإن ردها إلى الثبات والصبر فلا بأس بما فعل.
وعن معاوية أنه قال: عليكم بحفظ الشعر فقد كدت أضع رجلي في الركاب يوم صفين فما ثبتني إلاّ قوم عمرو بن الأطنابة: أقول لها إذا جشأت وجاشت *** مكانك تحمدي أو تستريحي ومما يدل على أن ذلك الهمّ لم يفض إلى حد العصيان قوله : ﴿ والله وليهما ﴾ ولو كانت عزيمة لما ثبت معها الولاية.
ويجوز أن يراد والله ناصرهما ومتولي أمرهما فما لهما يفشلان ولا يتوكلان على الله ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ والتوكل "تفعل" من وكل أمره إلى فلان إذا اعتمد في كفايته عليه ولم يتوله بنفسه.
وفيه إشارة إلى أن الإنسان يجب أن يدفع ما يعرض له من مكروه وآفة بالتوكل على الله، وأن يصرف الجزع عن نفسه بذلك.
عن جابر: "فينا نزلت ﴿ إذ همت طائفتان ﴾ نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة.
وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله ﴿ والله وليهما ﴾ " أخرجاه في الصحيحين.
ومع ذلك قال بعض العلماء: إن الله أبهم ذكرهما وستر عليهما ولا يجوز لنا أن نهتك ذلك الستر.
﴿ ولقد نصركم الله ببدر ﴾ وإنه ماء بين مكة والمدينة.
عن الواقدي أنه اسم لماء بعينه.
وعن الشعبي أنه سمي باسم رجل كان ذلك الماء له ﴿ وأنتم أذلة ﴾ إنما جاء بجمع القلة دون الأذلاء الذي هو للكثرة ليدل على أنهم مع قلة العدد - وهو المراد بذلتهم - كانوا قليلي العدد أيضاً كما مر في تفسير قوله: ﴿ قد كان لكم آية ﴾ ولم يعن بالذلة ههنا نقيض العزة لقوله: ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ أو لعل المراد أنهم كانوا أذلة في عزم المشركين وفي اعتقادهم لقلة عددهم وسلاحهم كما حكى عنهم "ليخرجن الأعز منها الأذل" أو لعل الصحابة كانوا قد شاهدوا الكفار في مكة في غاية القوة والشوكة، وإلى هذا الوقت ما اتفق لهم استيلاء على أولئك الكفار فكانت هيبتهم باقية في نفوسهم ﴿ فاتقوا الله ﴾ وفي الثبات مع رسوله ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ بسبب تقواكم ما أنعم به عليكم من نصره.
أو لعل الله ينعم عليكم نعمة أخرى تشكرونها، فوضع الشكر موضع الإنعام لأنه سبب له ﴿ إذ تقول للمؤمنين ﴾ اختلف المفسرون في أن هذا الوعد حصل يوم بدر فيكون العامل في "إذ" قوله: ﴿ نصركم ﴾ أو حصل يوم أحد فيكون بدلاً ثانياً من ﴿ إذا غدوت ﴾ والأول قول أكثر المفسرين لأن الكلام متصل بقصة بدر، ولأن العدد والعُدَدَ يوم بدر أقل وكان الاحتياج إلى المدد أكثر.
والثاني مروي عن ابن عباس والكلبي والواقدي ومقاتل ومحمد بن إسحق، لأن المدد / يوم بدر كان بألف من الملائكة لقوله في سورة الأنفال ﴿ فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة ﴾ دون ثلاثة آلاف وخمسة آلاف فأنى صاروا خمسة الاف؛ وأجيب بأنهم أمدوا بألف ثم زيد ألفان ثم زيد فصاروا ثلاثة آلاف، ثم زيدت ألفان آخران فصاروا خمسة آلاف.
فكأنه قيل لهم: ألم يكفيكم أن يمدكم ربكم بألف من الملائكة؟
فقالوا: بلى ثم قيل: ألم يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف؟
فقالوا: بلى.
ثم قيل لهم: إن تصبروا وتتقوا يمددكم ربكم بخمسة آلاف.
وهو كما روي أنه قال لأصحابه: " أيسركم أن تكونوا ربع أهل الجنة؟
قالوا: نعم.
قال: أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟
قالوا: نعم.
قال: فإني أرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة" وأيضاً لعل أهل بدر أمدوا بألف، ثم بلغهم أن بعض المشركين يريد إمداد قريش بعدد كثير فخافوا وشق ذلك عليهم لقلة عددهم فوعدهم الله بأن الكفار إن جاءهم مدد فأنا أمدكم بخمسة آلاف من الملائكة.
ثم إنه لم يأت قريشاً ذلك المدد بل انصرفوا حين بلغهم هزيمة قريش فاستغنى عن إمداد المسلمين بالزيادة على الألف.
قالوا: إن الكفار كانوا يوم بدر ألفاً والمسلمون على الثلث منهم فأنزل الله ألفاً من الملائكة بعدد الكفار، وأما يوم أحد فكان عدد المسلمين ألفاً وعدد الكفار ثلاثة آلاف، فلا جرم أنزل الله ثلاثة آلاف من الملائكة بعدد الكفار أيضاً، ثم وعدهم أن يجعل الثلاثة الآلاف خمسة آلاف إن صبروا واتقوا.
وأجيب بأن هذا تقريب حسن ولكنه لا يغلب على الظن أن يكون الأمر كذلك.
قالوا: قال : ﴿ ويأتوكم من فورهم ﴾ ويوم أحد هو الذي كان يأتيهم الأعداء، أما يوم بدر فهم ذهبوا إلى الأعداء.
وأجيب بأن المشركين لما سمعوا يوم بدر أن الرسول وأصحابه قد تعرضوا للعير، ثار الغضب في قلوبهم واجتمعوا وقصدوا النبي .
ثم إن الصحابة لما سمعوا ذلك خافوا فأخبرهم الله أنهم إن أتوكم من فورهم يمددكم ربكم بخمسة آلاف.
ثم قالوا في وجه النظم إنه ذكر قصة أحد ثم قال: ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ أي يجب أن يكون توكلكم على الله لا على كثرة عددكم وعُدَدِكم ﴿ ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ﴾ ثم عاد إلى قصة أحد.
ثم إنزال خمسة آلاف كان مشروطاً بشرط أن يصبروا ويتقوا.
ثم إنهم لم يصبروا عن الغنائم ولم يتقوا بل خالفوا أمر الرسول، فلما فات الشرط لا جرم فات المشروط.
وأما إنزال ثلاثة آلاف فإنه وعدهم ذلك بشرط أن يثبتوا في تلك المقاعد، فلما أهملوا الشرط لم يحصل المشروط.
روى الواقدي عن مجاهد أنه قال: حضرت الملائكة يوم أحد ولكنهم لم يقاتلوا.
وروي عن / رسول الله أنه أعطى اللواء مصعب بن عمير فقتل مصعب فأخذه ملك في صورة مصعب فقال رسول الله : تقدم يا مصعب.
فقال الملك: لست بمصعب.
فعرف الرسول أنه ملك أمد به.
وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: كنت أرمي السهم يومئذٍ فيرده عليّ رجل أبيض حسن الوجه وما كنت أعرفه، فظننت أنه ملك.
هذا حاصل تقرير القولين.
واختلفوا أيضاً في عدد الملائكة فمنهم من ضم العدد الناقص إلى العدد الزائد لأن الوعد بإمداد الثلاثة الآلاف لا شرط فيه، والوعد بإمداد خمسة الآلاف مشروط بالصبر والتقوى ومجيء الكفار من فورهم فهما متغايران وعلى هذا إن حملنا الآية على قصة بدر وقد ورد فيها ذكر الألف في موضع آخر فيكون المجموع تسعة آلاف، وإن حملناها على قصة أحد كان الجميع ثمانية آلاف.
ومنهم من أدخل الناقص في الزائد فقال: وعدوا بألف ثم زيد ألفان فصح أن يقال: وعدوا بثلاثة آلاف.
ثم زيد ألفان آخران فوعدوا بخمسة آلاف.
وأجمع أهل التفسير وأرباب السير أنه أنزل الملائكة يوم بدر وأنهم قاتلوا الكفار.
وعن ابن عباس أنه لم تقاتل الملائكة سوى يوم بدر، وفيما سواه كانوا عدداً ومدداً لا يقاتلون ولا يضربون.
ومنهم من قال: إن نصر الملائكة بإلقاء الرعب في قلوب الكفار وبإشعار المؤمنين بأن النصرة لهم.
وأما أبو بكر الأصم فقد أنكر إمداد الملائكة وقال: إن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط، فإذا حضر هو يوم بدر فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار، وبتقدير حضوره فأي فائدة في إرسال سائر الملائكة؟
وأيضاً فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم.
وأيضاً لو قاتلوا فإما أن يكون بحيث يراهم الناس أولاً، وعلى الأول كان المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ولم يقل أحد بذلك، ولأنه خلاف قوله ﴿ ويقللكم في أعينهم ﴾ ولو كانوا في غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق ولم ينقل ذلك ألبتة.
وعلى الثاني كان يلزم جز الرؤوس وتمزيق البطون وإسقاط الكفار عن الأفراس من غير مشاهدة فاعل لهذه الأفعال ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين الكافر والمسلم والموافق والمخالف.
وأيضاً إنهم لو كانوا أجساماً كثيفة وجب أن يراهم الكل، وإن كانوا أجساماً لطيفة هوائية فكيف ثبتوا على الخبول؟
واعلم أن هذه الشبة لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة وبمن يدعي التمسك بها ويعترف بأنه قادر على ما يشاء فاعل لما يريد، فما كان يليق بالأصم إيرادها مع أن نص القرآن ناطق بها وورودها في الإخبار قريب من التواتر.
روى عبيد بن عمير قال: "لما رجعت قريش من أحد جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ظفروا ويقولون: لم نر الخيل البلق ولا الرجال / البيض الذين كنا نراهم يوم بدر" .
والتحقيق في هذا المقام أن التكليف ينافي الإلجاء، وأنه قادر على إهلاك جميع الكفار في لحظة واحدة بملك واحد بل بأدنى من ذلك أو بلا سبب، وكذا على أن يجبرهم على الإسلام ويقسرهم عليه، لكنه لما أراد إشادة هذا الدين على مهل وتدريج بواسطة الدعوة بطريق الابتلاء والتكليف، فلا جرم أجرى الأمور على ما أجرى فله الحمد على ما أولى، وله الحكم في الآخرة والأولى.
والحاصل أن إهلاك قوم لوط كان بعد انقضاء تكليفهم وهو حين نزول البأس، فلا جرم أظهر القدرة وجعل عاليها سافلها، وفي حرب أحد كان الزمان زمان تكليف، فلا جرم أظهر الحكمة ليتميز الموافق من المنافق، والثابت من المضطرب، فإنه لو جرى الأمر في أحد كما جرى في بدر أشبه أن يفضي الأمر إلى حد الإلجاء ونافى التكليف ونوط الثواب والعقاب به، ولمثل ذلك أمد بالملائكة حين أمد على عادة الإمداد بالعساكر وإلا فملك واحد يكفي في إهلاك كثير من الناس فاعلم.
ولنعد إلى تفسير الألفاظ.
قال صاحب الكشاف: إنما قدم لهم الوعد بنزول الملائكة ليقوي قلوبهم ويعزموا على الثبات ويثقوا بنصر الله.
ومعنى ﴿ ألن يكفيكم ﴾ إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة وإنما جيء بـ "لن" الذي هو تأكيد النقي للإشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوهم كالآيسين من النصر.
ومعنى الكفاية سد الخلة والقيام بما يجب، ومعنى الإمداد إعطاء الشيء حالاً بعد حال.
قال بعضهم: ما كان على جهة القوة والإعانة.
قيل فيه: أمده يمده.
وما كان على جهة الزيادة قيل فيه: مده يمده.
وقرىء ﴿ منزلين ﴾ بكسر الزاي بمعنى منزلين النصر.
﴿ بلى ﴾ إيجاب لما بعد "لن" أي بلى يكفيكم الإمداد بهم فأوجب الكفاية.
ثم قال: ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم ﴾ يعني المشركين ﴿ من فورهم هذا ﴾ أي من ساعتهم هذه.
والفور مصدر من فارت القدر إذا غلت، ثم استعمل في معنى السرعة.
يقال: جاء فلان ورجع من فوره.
ومنه قول الأصوليين الأمور للفور أو للتراخي.
ثم سميت به الحالة التي لا توقف فيها على صاحبها فقيل: خرج من فوره كما يقال من ساعته لم يلبث.
جعل مجيء خمسة آلاف مشروطاً بثلاثة أشياء: الصبر والتقوى ومجيء الكفار على الفور.
فلما لم توجد هذه الشرائط بكلها أو بجلها فلا جرم لم يوجد المشروط.
ويحتمل أن يعلق قوله: ﴿ من فورهم هذا ﴾ بما بعده أي يمددكم ربكم بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر النزول عن الإتيان.
وفيه بشارة بتعجيل النصر والفتح إن صبروا عن الغنائم واتقوا مخالفة الرسول.
وقوله: ﴿ مسومين ﴾ من السومة العلامة، وقد يعلم الفارس يوم اللقاء بعلامة ليعرف بها.
فمن قرأ بكسر الواو فمعناه معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة، ومن قرأ بالفتح فالمعنى أن الله سوّمهم.
قال / الكلبي: معلمين بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم.
وعن الضحاك: معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الخيول وأذنابها.
وعن مجاهد: مجزوزة أذناب خيلهم.
وعن قتادة: كانوا على خيل بلق.
وعن عروة بن الزبير: كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء فنزلت الملائكة كذلك.
وعن رسول الله أنه قال لأصحابه يوم بدر: تسوموا فإن الملائكة قد تسوّمت.
وقيل: مسومين مرسلين من أسمت الإبل وسوّمتها أرسلتها للرعي.
فالمعنى أن الملائكة أرسلت خيولهم على الكفار لقتلهم وأسرهم، أو أن الله أرسلهم على المشركين ليهلكوهم كما تهلك الماشية النبات في المراعي.
﴿ وما جعله الله ﴾ الضمير عائد إلى المدد أو الإمداد الدال عليه الفعل.
وقال الزجاج: وما جعل الله ذكر المدد إلا بشرى وهي اسم من البشارة أي إلا لتبشروا بأنكم تنصرون ﴿ ولتطمئن قلوبكم به ﴾ كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم.
﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ لا من المقاتلة إذا تكاثروا، ولا من عند الملائكة والسكينة.
ولكن ذلك مما يقوي به الله رجاء النصرة ويربط به على قلوب المجاهدين.
وفيه تنبيه على أن إيمان العبد لا يكمل إلا عند الإعراض عن الأسباب والإقبال بالكلية على مسببها.
وقوله: ﴿ العزيز ﴾ إشارة إلى كمال قدرته و ﴿ الحكيم ﴾ إشارة إلى كمال علمه فلا يخفى عليه حاجات العباد ولا يعجز عن أنجاحها ﴿ ليقطع طرفاً ﴾ أي طائفة وقطعة من الذين كفروا.
وإنما حسن في هذا الموضع ذكر الطرف دون الوسط لأنه لا وصول إلى الوسط إلا بعد الأخذ من الطرف كما قال: ﴿ أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ ﴿ قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ﴾ ﴿ أو يكبتهم ﴾ الكبت في اللغة صرع الشيء على وجهه.
وفسره الأئمة ههنا بالإخزاء والإهلاك واللعن والهزيمة والغيظ والإذلال والكل متقارب ﴿ فينقلبوا خائبين ﴾ غير ظافرين بمبتغاهم قيل: الخيبة لا تكون إلا بعد التوقع ونقيضه الظفر.
وأما الياس فقد يكون قبل التوقع وبعده.
ونقيضه الرجاء، واللام في ﴿ ليقطع ﴾ يحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد نصركم ﴾ أو بقوله ﴿ وما النصر ﴾ ويحتمل أن يكون من تمام قوله: ﴿ ولتطمئن ﴾ ولكنه ذكر بغير العاطف لأنه إذا كان البعض قريباً من البعض جاز حذف العاطف كما يقول السيد لعبده: اشتريتك لتخدمني لتعينني لتقوم بخدمتي.
قوله عز من قائل: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ فيه قولان: أحدهما وهو الأشهر أنه نزل في قصة أحد عن أنس بن مالك قال: "كسرت رباعية رسول الله يوم أحد ودمي وجهه فجعل يسيل الدم على وجهه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم؟" وفي رواية: "شج رأسه عتبة بن أبي وقاص يوم أحد وكسر رباعيته / فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول الحديث فنزلت" .
وفي رواية عن ابن عمر أن النبي لعن أقواماً فقال : " اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحرث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية" فنزلت هذه الآية.
وفيها ﴿ أو يتوب عليهم ﴾ فتاب الله على هؤلاء فحس إسلامهم.
وقيل نزلت في حمزة بن عبد المطلب.
وذلك أنه لما رآه ورأى ما فعلوه به من المثلة قال: لأمثلن منهم بثلاثين فنزلت، وقيل: أراد يعلن المسلمين الذين خالفوه أمره والذين انهزموا فمنعه الله عن ذلك.
مروى عن ابن عباس، وقيل: أراد أن يستغفر للمسلمين الذين عصوا أمره فنزلت.
وقال القفال: كل هذه الأمور وقعت يوم أحد فلا يمتنع حمل نزول الآية في الكل.
القول الثاني: وإليه ذهب مقاتل أنها نزلت في واقعة أخرى وهي "أن النبي بعث جمعاً من خيار الصحابة زهاء سبعين إلى بني عامر ليعلموهم القرآن.
فلما وصلوا إلى موضع يقال له بئر معونة، ذهب إليهم عامر بن الطفيل مع عسكره وأخذهم وقتلهم.
فجزع من ذلك رسول الله شديداً ودعا على الكفار في القنوت أربعين يوماً يقول بعد ما يرفع رأسه من الركعة الثانية في الصبح: اللهم العن بني لحيان والعن رعلاً وذكوان.
اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمسضعفين بمكة.
اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف حتى أنزل الله عز وجل ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ " ولا يخفى أن ظاهر الآية يدل على أنه كان يفعل فعلاً فمنع منه، وحينئذٍ يتوجه الإشكال بأن فعل ذلك الفعل إن كان من الله فكيف منعه منه وإلا فهو قدح في عصمته ومناف لقوله: ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ والجواب أن المنع من الفعل لا يدل على أن الممنوع مشتغل به كقوله: ﴿ ولا تطع الكافرين ﴾ مع أنه ما أطاعهم وقوله: ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ مع أنه ما أشرك قط.
ولعله شاهد من قتل حمزة وغيره ما أورثه حزناً شديداً، وكان من الممكن أن يحمله على ما لا ينبغي من الفعل والقول، فنص الله على المنع تقوية لعصمته وتأكيداً لطهارته.
ولئن سلمنا أنه كان مشغولاً بذلك الفعل والقول فإنه محمول على ترك الأولى، والنهي إرشاد إلى اختيار الأفضل وأيضاً إن دعاء النبي لا يكون بمجرد التشهي وإنما هو بطلب الأصلح فالذي يظن به خلاف مسؤوله وقد وقع فهو بالحقيقة سؤاله ، ولهذا سأل الله أن يجعل لعنه على من لا يستحقه طهراً وزكاة ورحمة والله أعلم.
وقوله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ معناه ليس لك من قصة هذه الواقعة ومن شأن هذه الحادثة شيء، فإني أعلم بمصالح عبادي، أو المراد الأمر الذي هو خلاف النهي أي ليس لك من / أمر خلقي شيء إلا ما يكون أمري وحكمي.
وقوله: ﴿ أو يتوب ﴾ منصوب بإضمار "أن".
و"أن يتوب" في حكم اسم معطوف بأو على الأمر أي ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم.
ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ شيء ﴾ والحاصل منع رسول الله من كل فعل أو قول إلا ما كان بإذنه وأمره.
وفيه إرشاد إلى كمال درجات العبودية وأن لا يخوض العبد في أسرار ملكه وملكوته.
وعن الفراء والزجاج أن قوله: ﴿ أو يتوب عليهم ﴾ عطف على ﴿ ليقطع ﴾ وما بعده.
وقوله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ كالكلام الأجنبي الواقع بين المعطوف والمعطوف عليه كما تقول: ضربت زيداً فاعلم ذاك وعمراً.
فيكون المعنى أن الله مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر.
وقيل: "أو" بمعنى "إلا أن" كقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي.
والمعنى ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم أو يعذبهم فتتشفى منهم.
ثم التوبة عليهم مفسرة عند أهل السنة بخلق الندم فيه على ما مضى، وخلق العزم فيهم على أن لا يفعلوا مثل ذلك في المستقبل.
وأكدوا هذا الظاهر ببرهان عقلي وهو أن الندم كراهة تحصل في القلب عما سلف منه، والعزم إرادة تتعلق بترك ذلك الفعل فيما يستقبل.
فلو كانت هذه الإرادة فعل العبد لافتقر في فعلها إلى إرادة أخرى وتسلسل، فهو إذن بخلق الله .
وأما المعتزلة ففسروا التوبة عليهم إما بفعل الألطاف أو بقبول التوبة منهم.
وقوله: ﴿ فإنهم ظالمون ﴾ تعليل حسن التعذيب بسبب شركهم أو عصيانهم.
ثم أكد ما ذكر من قوله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ بقوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ أي هما والحقائق والماهيات التي فيهما لله، فليس الحكم فيهما إلا له.
ثم ذكر لازم الملك والحكم فقال: ﴿ يغفر لمن يشاء ﴾ بعميم فضله وإن كان من الأبالسة والفراعنة ﴿ ويعذب من يشاء ﴾ بحكم الإلهية والقدرة وإن كان من الملائكة المقربين والصديقين وكل ذلك يحسن منه شرعاً وعقلاً وإلا لم يحصل لكمال الملك والحكم إلا أن جانب الرحمة والمغفرة غالب، ولهذا ختم الكلام بقوله: ﴿ والله غفور رحيم ﴾ هذا قول الأشاعرة ويؤكده ما يروى عن ابن عباس في تفسير الآية: يهب الذنب الكبير لمن يشاء، ويعذب من يشاء على الذنب الصغير, وأيدوا هذا النقل بدليل عقلي يشبه ما مر آنفاً، وهو أن الإرادات كلها تستند إلى الله دفعاً للتسلسل.
فإذا خلق الله إرادة الطاعة أطاع، وإذا خلق إرادة المعصية عصى.
فطاعة العبد أو معصيته تنتهي إلى الله، وفعل الله لا يوجب على الله شيئاً.
أما المعتزلة فناقشوا في ذلك ورووا عن الحسن: يغفر لمن يشاء بالتوبة ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين، ويعذب من يشاء ولا يشاء أن يعذب إلا المستوجبين للعذاب.
والحق / أن العذاب لازم ملكة العصيان، وكذا القرب منه لازم ملكة الطاعة.
فإن أريد بالوجوب هذا فلا نزاع، وإن أريد غير ذلك فممنوع والله أعلم.
التأويل: أخبر عن النصر بعد الصبر بقوله: ﴿ وإذا غدوت ﴾ وهو إشارة إلى جوهر السالك الصادق والسائر العاشق، وذلك أن يغدو في طلب الحق والرجوع إلى المبدأ من أصله أي صفات نفسه الحيوانية والبهيمية ﴿ تبوىء المؤمنين ﴾ أي صفاتك الروحانية مقاعد لقتال النفس والشيطان والدنيا ﴿ والله سميع ﴾ لدعائكم بالإخلاص للخلاص عن ورطة تيه الهوى ﴿ عليم ﴾ بصدق نياتكم في طلب الحق.
﴿ إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ﴾ يعني القلب وأوصافه والروح وأخلاقه ﴿ والله وليهما ﴾ ليخرجهما من ظلمات البشرية إلى نور الربوبية ﴿ ولقد نصركم الله ببدر ﴾ الدنيا ﴿ وأنتم أذلة ﴾ من غلبات شهوات النفس ﴿ إذ تقول للمؤمنين ﴾ فيه إشارة إلى أن نور النبي يلهم أرواح المؤمنين على الدوام عند مقاتلة الشياطين ومجاهدة النفس ومكابدة الهوى في الركون إلى زخارف الدنيا.
وثلاثة آلاف من الملائكة إشارة إلى الجنود الروحانية الملكوتية التي لا تدركها الحواس كقوله: ﴿ وأنزل جنوداً لم تروها ﴾ ﴿ بلى إن تصبروا ﴾ على مخالفة النفس وتثقوا بالله عما سواه يزدكم في الإمداد بالجنود ﴿ ليقطع طرفاً ﴾ ليقهر بعضاً من الصفات النفسانية التي هي منشأ الكفر بنصر الروح وصفاته ﴿ أو يكبتهم ﴾ أو يغلبهم ويظفر بهم ﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ يعز بحكمته من يشاء على ما يشاء والله المستعان على ما تصفون.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾ .
يذكرهم - عز وجل - ألا يتكلوا إلى أنفسهم لكثرتهم ولقوتهم ولعدّتهم، ولا يثقوا بأحد سواه، بل على الله يتوكلون، وإليه يكلون، وبه يثقون؛ لأنه أخبر أنهم كانوا أذلة ضعفاء فنصرهم، وأمدّ لهم بالملائكة حتى قهر عدوهم - مع ضعفهم، وقلة عددهم - يوم بدر.
ويوم أحد: كانوا أقوياء كثيري العدد؛ فوكلوا إلى أنفسهم، فكانت الهزيمة عليهم.
وقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
يعني: اتقوا معاصيه ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .
فيه دلالة أن الشكر إنما يكون في طاعته، واتقاء معاصيه، وأن المحنة إنما تكون في الشكر لما أنعم عليه، والتكفير لما سبق منه من الجفاء والغفلة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ ﴾ ، وذكر في سورة الأنفال: ﴿ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ .
فاختلف فيه: قيل: كانوا عشرة آلاف؛ لأنه ذكر مرة: ثلاثة آلاف، ومرة: خمسة آلاف.
ومرة: ألفاً - مردفين؛ فيكون ألفان، فذلك عشرة آلاف.
وقيل: كانوا تسعة آلاف: ثلاثة آلاف وخمسة آلاف، وألف.
وقيل: كانوا كلهم خمسة آلاف: ثلاثة آلاف؛ وألفان مدد لهم.
ثم اختلف فيه: قال بعضهم: كان يوم أحد.
وقال آخرون: يوم بدر.
وقوله: ﴿ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ يوم بدر، ولا ندري كيف كانت القصة؟
وليس لنا إلى معرفة القصة حاجة؛ سوى أن فيه بشارة للمؤمنين بالنصر لهم، والمعونة بقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ﴾ جعل في ذلك تسكين قلوب المسلمين.
ثم اختلف في "قتال الملائكة": قال بعضهم: قاتل الملائكة الكفار.
وقال آخرون: لم يقاتلوا، ولكن جاءوا بتسكين قلوبهم ما ذكر في الآية، ولا يحتمل القتال؛ لأنه ذكر في الآية: ﴿ وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ ﴾ ، ولو كانوا يقاتلون لم يكن لما يقلل معنى؛ ولأن الواحد منهم كاف لجميع المشركين، ألا ترى أن جبريل - - كيف رفع قريات لوط إلى السماء فقلبها؟!
فدلّ لما ذكرنا، والله أعلم.
وقيل: قاتلوا يوم بدر، ولم يقاتلوا يوم أحد.
فلا ندري كيف كان الأمر؟.
وقوله: ﴿ مُسَوِّمِينَ ﴾ : قيل: "منزلين"؛ "ومسوّمين" سواء، وهو من الإرسال؛ ومن التسويم.
وقيل: معلمين بعلامة، وذلك - والله أعلم - لِيُعْلِمَ المؤمنين حاجتهم إلى العلامة، [لا أن] الملائكة يحتاجون إلى العلامة؛ وكذلك روي عن نبيّ الله أنه قال لأصحابه يوم بدر: "تَسَوَّمُوا؛ فإنَّ المَلائِكةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ" وقوله: ﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ .
ليعلم أنّ في النصر لطفاً من الله لا يوصل إليه شيء من خلقه؛ لأنه نفاه عنهم مع مدد الملائكة؛ ليعلم أن كل منصور على آخر - إنما كان ذلك من الله - عز وجل.
وقوله: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ...
﴾ \[الآية\].
قال قتادة: "كان يوم بدر قتل صناديدهم وقادتهم في الشر".
وقيل: ﴿ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ﴾ : جماعة.
وقيل: ﴿ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ...
﴾ : يعني: أهل مكة.
وقوله: ﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ : قيل: يخزيهم.
وعن ابن عباس - - قال: "الكبت: الهزيمة".
وقيل: الكيت: هو الصرع على وجهه.
وقوله: ﴿ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ ﴾ : والخائب: هو الذي لم يظفر بحاجته، أي: رجعوا ولم يصيبوا ما أمَّلوا.
قال الشيخ - رحمه الله -: ما ذكر من حضور الملائكة الحرب فهو - والله أعلم - في حق محنة الملائكة، ولله أن يمتحنهم بما شاء من الحضور والمعونة، والكف عن ذلك، أوالدعاء لأوليائه بالنصر، وبما شاء الله من الوجوه التي يمتحن بها عباده، وفيهم من قد امتحنه على الأرزاق والأرواح، والأمطار والأعمال، وأنواع الأذكار والأفعال؛ إذ هم خلق اصطفاهم واختارهم لعبادته وطاعته في جميع ما يأمرهم؛ ليجل به قدرهم، ويعلي رتبتهم، ثم لو أذن لهم بالمعونة أعانوا المؤمنين على قدر الإذن لهم؛ إذ هم - على ما وصفهم الله -: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ ﴾ فصلت: 38] وغير ذلك مما وصفهم بالطاعة له، والاتباع لأمره، وما أكرمهم من هيبة جلاله، وخوف عقابه، صلوات الله عليهم أجمعين.
ثم كان للمؤمنين في حضورهم أنواع البشارات فيما لم يكن أذن لهم بالقتال، وأنواع الآيات فيما قد أذن لهم، على ما ذكر من أمر بدر وغيره؛ مما أخبر الله - عز وجل - من إرسال جنوده، وهزيمة أعدائه؛ بمنّه وفضله، من ذلك: ما قال الله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...
﴾ الآية [الأنفال: 12]، أن يكون الله يؤيّدهم بما به تشجيع قلوب المؤمنين على ما قد أمكن أعداءه من أنواع الوساوس، التي لديها تضطرب قلوبهم، وتزل أقدامهم، فمثله يمكن أولياءه في تشجيع المؤمنين، ليسكن قلوبهم، ويثبت أقدامهم، والله أعلم.
والثاني: أن يكون الذي جُبل عليه الخلق أن يكون كل أحد عند معاينة الحاجة إلى دعائه، وما يحتمل وسعه من معونة؛ عليه أقبل وبه أرغب؛ فيكون للمؤمنين بحضورهم رجاء النصر بدعائهم، ويخرج قوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا...
﴾ الآية [غافر: 51]، وقوله - -: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ ﴾ ، والله أعلم.
أو كان رسول الله في عصرهم يبشرهم بحضورهم؛ فيكون لهم بذلك فضل ثبات وقرار حياة منهم بما أعلموا إطلاعهم على ذلك، أو يكون لهم فضل قوة بذلك، وإقبال على الأمر؛ على ما جبل الخلق من الإقبال على الأمور المهمة، وإذا كثروا على ذلك قوله: ﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾ ولعلهم - أيضاً - بما يطمعون أنهم لو أطاعوا الله، وثبتوا لأعدائه - أن لهم النصر والدفع، فكان ذلك بعض ما يستبشرون؛ وعلى ذلك أكثر ما بلي أصحاب رسول الله بالهزيمة، إنما كان يصرف قلوبهم إلى بعض ما جبل عليه البشر من حبّ الدنيا، والإعجاب بالكثرة، ونحو ذلك، ثم من أعظم الأعلام في ذلك ما قال الله - عز وجل -: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ فتكون البشارة والطمأنينة بالذي جبل عليه البشر على ما بينتُ، ويكون النصر من عند الله، الذي متى أراد نصر أحد لن يغلب، قلَّت أعوانه أو كثرت، وذلك لطف من الله العزيز العليم؛ يريهم النصر من الوجه الذي لا يعلمه إلا هو، وفي حال الأنفس من أنفسهم أن يقوم لعدوهم؛ ليعلموا عظيم لطفه الذي بمثله ارتفعت درجات الأخيار، وشرفت منازلهم، ولو كان لهم بالإذن؛ على ما ذكر من قوة جبريل - - في قلب قريات لوط بجناح واحد، لم يكن يقوم لمثله أهل الأرض، فضلاً عن عدد يسير منهم، ولكنهم لا يتقدمون بين يدي الله، والله لم يكن أذن لهم في القتال عند كل مشهد، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
اذكر -أيها النبي- حين قلت للمؤمنين مثبتًا لهم في معركة بدر بعدما سمعوا بمَدَدٍ يأتي للمشركين: ألن يكفيكم أن يعينكم الله بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين منه سبحانه لتقويتكم في قتالكم؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.z96mK"
إن هذه الآيات وعشرات بعدها نزلت في شأن غزوة أحد، ويتوقف فهمها على الوقوف على قصة تلك الغزوة ولو إجمالًا فوجب لذلك أن نأتي قبل تفسيرها بما يعين على فهمها ويبين له مواقع تلك الأخبار وما فيها من الحكم والأحكام فنقول: لما خذل الله المشركين في غزوة بدر ورجع فلهم إلى مكة مقهورين موتورين نذر أبو سفيان بن حرب أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدًا فخرج في مائة رجل من قريش حتى أتى بني النضير ليلًا، وبات ليلة واحدة عند سلام بن مشكم اليهودي سيد بني النضير وصاحب كنزهم فسقاه الخمر وبطن له من خبر الناس، ثم خرج في عقبة ليلته وأرسل أصحابه إلى ناحية من المدينة يقال لها العريض فقطعوا وحرقوا صورًا من النخل ورأوا رجلًا من الأنصار وحليفًا له فقتلوهما ونذر به رسول الله ، فخرج في طلبهم فلم يدركهم لأنهم فروا وألقوا سويقًا كثيرًا من أزوادهم يتخففون به فسميت غزوة السويق وكانت بعد بدر بشهرين، وإنما ذكرناها قبل ذكر أحد ليعلم القارئ أن العدوان من المشركين على المسلمين كان متصلًا متلاحقًا.
ولما رجع أبو سفيان إلى مكة أخذ يؤلب على رسول الله والمسلمين وكان بعد قتل صناديد قريش في بدر هو السيد الرئيس فيهم، لذلك كلمه في أمر المسلمين الموتورون من عظماء قريش كعبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية ليبذل مال العير التي كان جاء بها من الشام في أخذ الثأر فرضي هو وأصحاب العير بذلك، وكان مال العير كما في السيرة الحلبية خمسين ألف دينار ربحت مثلها فبذلوا الربح في هذه الحرب فاجتمعت قريش للحرب حين فعل ذلك أبو سفيان بن حرب وخرجت بحدها وجدها وأحابيشها، ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة فكانوا نحو ثلاثة آلاف وأخذوا معهم نساءهم التماس الحفيظة وأن لا يفروا فإن الفرار بالنساء عسر والفرار دونهن عار، وكان مع أبي سفيان وهو القائد زوجه هند ابنة عتبة فكانت تحرض الغلام وحشيًا الحبشي الذي أرسله مولاه جبير بن مطعم ليقتل حمزة عم النبي بعمه طعمة بن عدي الذي قتل ببدر وقد علق عتقه على قتله وكان هذا الحبشي ماهرًا في الرمي بالحربة على بعد قلما يخطئ فكانت هند كلما رأته في الجيش تقول له" ويها أبا دسمة اشف واشتف"، تخاطبه بالتكنية تكريمًا له، وذكر الحلبي أنهم ساروا أيضًا بالقيان والدفوف والمعازف والخمور.
نزل أبو سفيان بجيشه قريبًا من أحد في مكان يقال له "عينين" على شفير الوادي مقابل المدينة وكان ذلك في شوال من السنة الثالثة فلما علم رسول الله بذلك استشار أصحابه كعادته أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة وكان رأيه هو أن يتحصنوا بالمدينة فإن دخلها العدو عليهم قاتلوه على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت ووافقه على هذا الرأي أكابر المهاجرين والأنصار كما في السيرة الحلبية وعبد الله بن أُبي، وكان هو الرأي، وأشار عليه جماعة من الصحابة أكثرهم من الأحداث وممن كان فاتهم الخروج يوم بدر بأن يخرج إليهم رغبتهم في القتال فما زالوا يلحون على رسول الله حتى دخل فلبس لأمته بعد صلاة الجمعة وكان قد أوصاهم في خطبتها ووعدهم بأن لهم النصر ما صبروا، ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا رسول الله ولم يكن لنا ذلك وقالوا له قد استكرهناك ولم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد فقال: "ما كان لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه"، أي لما في فسخ العزيمة بعد إحكامها وتوثيقها من الضعف ومبادئ الفشل وسوء الأسوة.
وفي سحر يوم السبت خرج بألف من أصحابه واستعمل بالمدينة عبد الله بن أم مكتوم الأعمى على الصلاة بمن بقي فيها.
فلما كانوا بالشوط بين المدينة وأحد انعزل عنه عبد الله بن أُبي بن سلول بنحو ثلث العسكر (وهم ٣٠٠) وقال: أطاعهم وعصاني -وفي رواية أطاع الولدان زمن لا رأي له- فما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس.
فرجع بمن اتبعه من قومه أهل النفاق والريب فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا.
قالوا لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع ولكن نرى أنه لا يكون قتال.
وقد كان المسلمون نحو ثلث المشركين الذين خرجوا إليهم فأمسوا وقد ذهب من الثلث نحو ثلثه.
وهمت بنو سلمة من الأوس وبنو حارثة من الخزرج أن تفشلا فعصمهما الله تعالى.
وقد كان خروج المنافقين منهم خيرًا لهم كما قال تعالى في مثل ذلك يوم تبوك ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا ﴾ الآية وإنما ارتأى عبد الله بن أُبي عدم الخروج ليكتفي أمر القتال أو خطره حرصًا على الحياة وإيثارًا لها على إعلاء كلمة الله فكان على موافقته للرسول في الرأي مخالفًا له في سببه وعلته، فالرسول كان يراعي في جميع حروبه التي كانت كلها دفاعًا قاعدة ارتكاب أخف الضررين وأبعد الأمرين عن العدوان رحمة بالناس وإيثارًا للسلام.
وتعزز رأيه المبني على هذه السنة برؤيا رآها قبل ذلك وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
رأى أن في سيفه ثلمة ورأى أن بقرًا تذبح وأنه أدخل يده في درع حصينة فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته فكان ذلك الرجل حمزة عمه -وتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون وتأول الدرع بالمدينة.
ولكنه على هذا كله عمل برأي الجمهور من أصحابه.
إقامة لقاعدة الشورى التي أمره الله بها وهو لم يخالف بذلك قاعدة ارتكاب أخف الضررين بل جرى عليها لأن مخالفة رأي الجمهور ولو إلى خير الأمرين هضم لحق الجماعة وإخلال بأمر الشورى التي هي أساس الخير كله.
وإنما يكون المكث في المدينة خيرًا من الخروج إلى العدو في أحد لو لم يكن مخلًا بقاعدة الشورى كما هو ظاهر، فكيف ترك المسلمون هذا الهدى النبوي الأعلى ورضوا بأن يكون ملوكهم وأمراؤهم مستبدين بالأحكام والمصالح العامة يديرون دولابها بأهوائهم التي لا تتفق مع الدين ولا مع العقل؟؟
وسأل قوم من الأنصار النبي أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود فأبى وكان في الحقيقة ضلع اليهود مع المشركين، ولم يكونوا في عهودهم بموفين.
ومضى النبي بأصحابه حتى مر بهم في حرة بني حارثة وقال لهم "من رجل يخرج بنا على القوم من كثب (قرب) لا يمر بنا عليهم؟" قال أبو خثيمة أخو بني حارثة ابن الحارث: أنا يا رسول الله.
فنفذ به في حرة قومه بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك في مال لمربع بن قيظي وكان رجلًا منافقًا ضرير البصر.
فلما سمع حس رسول الله وأصحابه قام يحثو في وجوههم التراب ويقول إن كنت رسول الله فلا أحل لك أن تدخل حائطي.
قال ابن هشام: وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: والله لو أني أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك.
فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله : "لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر".
وفي هذه المسألة من علم النبي بفن الحرب الإرشاد إلى اختيار أقرب الطرق إلى العدو وأخفاها عنه وذلك يتوقف على العلم بخرت الأرض الذي يعرف اليوم بعلم الجغرافية وإباحة المرور في ملك الناس عند الحاجة إلى ذلك لتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
وفيها من رحمته أنه لم يأذن بقتل ذلك المنافق المجاهر بعدائه بل رحمه وعذره ولم تكن المصلحة العامة تتوقف على قتله.
ولم تكن العرب قبل الإسلام تراعي هذه الدقة في حفظ الدماء بل قلما تراعيه أمة من الأمم في زمن الحرب.
ومضى رسول الله حتى نزل الشعب من جبل أحد في عدوة الوادي إلى الجبل فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال: "لا يقاتلن أحد حتى نأمر بالقتال" وفي ذلك من إحكام الحرب أن الرئيس هو الذي يفتحها وما كانت العرب تراعي ذلك دائمًا لا سيما إذا حدث ما يثير حميتهم وقد امتثلوا الأمر على استشراف ولذلك قال بعض الأنصار وقد رأى قريشًا قد سرحت الظهر والكراع في زروع للمسلمين: أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب؟
وفيه من الفوائد ما لا محل لشرحه هنا.
فلما أصبح يوم السبت تعبى للقتال وهو في سبعمائة فيهم خمسون فارسًا وظاهر بين درعين - أي لبس درعًا فوق درع - واستعمل على الرماة وكانوا خمسين عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض وقال: "انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك" ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخي بني عبد الدار وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بين العوام وعلى الأخرى المنذر بن عمرو.
ثم استعرض الشبان يومئذ فرد من استصغره عن القتال وهم ١٧ وأجاز أفرادًا من أبناء الخامسة عشرة قيل لسنهم وقيل لبنيتهم وطاقتهم ولعله الصواب فإنه كان قد رد سمرة بن جندب ورافع بن خديج ولهما خمس عشرة سنة فقيل له يا رسول الله إن رافعًا رام فأجازه فقيل له فإن سمرة يصرع رافعًا.
فأجازه وروي أنهما تصارعا أمامه.
ورد عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وعمرو بن حزم وأسيد بن ظهير والبراء بن عازب ثم أجازهم يوم الخندق وهم أبناء خمس عشرة إذ كانوا يطيقون القتال في هذه السن كما هو الغالب في العرب يومئذ.
وتعبت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل معهم مئتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل وابتدأت الحرب بالمبارزة.
ولما اشتبك القتال والتقى الناس بعضهم ببعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن خلف الرجال ويحرضهن، فقالت هند فيما يقول: ويهًا بني عبد الدار * ويهًا حماة الأدبار * ضربًا بكل بتار * إن تقبلوا نعانق * ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق.
وروي أن النبي كان يقول عند سماع نشيد النساء: "اللهم بك أحول وبك أصول وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل".
وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر عبد بن عمرو بن صيفي وكان رأس الأوس في الجاهلية فلما جاء الإسلام شرق به وجاهر رسول الله بالعداوة، وخرج من المدينة إلى مكة يؤلب قريشًا على قتاله ويزعم أن قومه إذا رأوه أطاعوه ومالوا معه، وكان يسمى الراهب فسماه النبي بالفاسق.
ولما برز نادى قومه وتعرف إليهم فقالوا له: لا أنعم الله بك عينًا يا فاسق.
فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر.
وقاتل قتالًا شديدًا.
وقد كان الظفر للمسلمين في المبارزة ثم في الملاحمة وأبلى يومئذ أبو دجانة الأنصاري الذي أعطاه النبي سيفه وحمزة أسد الله وأسد رسوله وعلي بن أبي طالب والنضر بن أنس وسعد بن الربيع وغيرهم بلاء عظيمًا حتى انهزم المشركون وولوا مدبرين.
وروي أن حمزة قتل ٣١ مشركًا.
لما انهزم المشركون وولوا إلى نسائهم مدبرين ورأى الرماة من المسلمين هزيمتهم ترك الرماة مركزهم الذي أمرهم رسول الله بحفظه وأن لا يدعوه سواء كان الظفر للمسلمين أو عليهم "وإن رأوا الطير تتخطف العسكر" لئلا يكر عليهم المشركون ويأتوهم من ورائهم وهو ما يعبر عنه في الاصطلاح العسكري بخط الرجعة.
وقالوا: يا قوم الغنيمة الغنيمة.
فذكرهم أميرهم عهد رسول الله فلم يرجعوا وظنوا أن ليس للمشركين رجعة فذهبوا في طلب الغنيمة وأخلوا الثغر.
فلما رأى الفرسان المشركين الثغر خاليًا قد خلا من الرماة كروا حتى أقبل آخرهم فأحاطوا بالمسلمين وأبلوا فيهم حتى خلصوا إلى رسول الله فجرحوا وجهه الشريف وكسروا رباعيته اليمنى من ثناياه السفلى وهشموا البيضة التي على رأسه ودثوه بالحجارة حتى وقع لشقه وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين فأخد علي بيده واحتضنه طلحة بن عبيد الله.
وكان الذي تولى أذاه عمر بن قمئة وعتبة ابن وقاص.
وقتل مصعب بن عمير بين يديه فدفع اللواء إلى علي بن أبي طالب، ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه فانتزعهما أبو عبيدة ابن الجراح عض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته، وطمع فيه المشركون فأدركوه يريدون منه ما الله عاصم إياه منهم بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ﴾ وحال دونه نفر من المسلمين نحو عشرة حتى قتلوا، ثم جالدهم طلحة حتى أجهضهم عنه، وترس عليه أبو دجانة بنفسه فكان يقع النبل على ظهره وهو لا يتحرك حتى كثر فيه، ودافع عنه أيضًا بعض النساء اللواتي شهدن القتال.
وقد انتهت الحرب بصرف الله المشركين عما كانوا يريدون من استئصال المسلمين فإن المسلمين كانوا أولًا هم الغالبين بحسن تدبير الرسول والصبر والثبات وتمحض القصد إلى الدفاع عن دين الله وأهله فلما أخرجهم الظفر عن التزام طاعة رسولهم وقائدهم ودب إلى قلوب فريق منهم الطمع في الغنيمة فشلوا وتنازعوا في الأمر كما سيأتي في تفسير قوله ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ وزادهم فشلًا إشاعة قتل الرسول حتى فر كثيرون إلى المدينة منهم عثمان بن عفان والوليد بن عقبة وخارجة بن زيد ولكنهم استحيوا من دخولها فرجعوا بعد ثلاث.
واختلط الأمر على كثير ممن ثبت ولما جاءهم خالد بالفرسان من ورائهم صار يضرب بعضهم بعضًا على غير هدى فمنهم الذين استبسلوا وأرادوا أن يموتوا على ما مات عليه رسول الله ومنهم الذين كانوا معه يفدونه بأنفسهم ويتلقون السهام والسيوف دونه حتى كان يعز عليهم أن يروه ناظرًا إلى جهة المشركين لئلا يصيبه سهم فكان أبو طلحة الذي تقدم ذكر نضاله عنه يقول له: يا نبي الله بأبي أنت وأمي لا تنظر يصبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك، ولما علم سائر المسلمين ببقاء رسول الله نفخت فيهم روح جديدة من القوة فاجتمع أمرهم حتى يئس المشركون منهم وصرفهم الله عنهم كما صرح به القرآن العزيز فيما يأتي.
فهذا ما كان من حرب الثلاثة آلاف من المشركين للسبعمائة من المسلمين.
ولما انكفأ المشركون راجعين ظن المسلمون أنهم يريدون المدينة فقال النبي لعلي: "أخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون، فإن هم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة وإن كانوا ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدنية، فوالذي نفس محمد بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم ثم لأنجزنهم فيها" فرآهم علي قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا مكة.
ولما عزموا على الرجوع أشرف أبو سفيان على المسلمين وناداهم: موعدكم الموسم ببدر.
فقال النبي : "قولوا نعم قد فعلنا".
ولما كان المشركون في الطريق تلاوموا فيما بينهم وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئًا، أصبتم شوكتهم وحدهم وتركتموهم وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم.
فبلغ ذلك النبي فنادى الناس وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوهم وقال: "لا يخرج معنا إلا من شهد القتال" فاستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد والخوف وقالوا: "سمعًا وطاعة" وذلك من خوارق قوة الإيمان وآياته الكبرى فإن هؤلاء المستجيبين كان قد برح بهم التعب والجراح تبريحًا.
فسار بهم حتى بلغوا "حمراء الأسد".
وأقبل معبد الخزاعي إلى رسول الله فأسلم فأمره أن يلحق بأبي سفيان فيخذله فلحقه بالروحاء، فقال ما وراءك يا معبد؟
فقال: محمد وأصحابه قد تحرقوا عليكم وخرجوا في جمع لم يخرجوا في مثله، وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم.
فقال: ما تقول؟
قال: ما أرى أن ترتحل حتى يطلع أول جيش من وراء هذه الأكمة.
فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم.
قال: فلا تفعل فإني لك ناصح.
فرجعوا على أعقابهم إلى مكة.
ولقي أبو سفيان بعض المشركين يريد المدينة فقال: هل لك أن تبلغ محمدًا رسالة وأوقر لك راحلتك زبيبًا إذا أتيت إلى مكة؟
قال: نعم.
قال: أبلغ محمدًا أنا قد أجمعنا الكرة لنستأصله ونستأصل أصحابه.
فلما بلغ النبي والمؤمنين قوله قولوا: "حسبنا الله ونعم الوكيل".
ولما رجعوا قال المنافقون فيمن قتل لو كانوا أطاعونا ولم يخرجوا لما قتلوا.
وجه اتصال الآيات بما قبلها هو أنه تعالى نهاهم في تلك عن اتخاذ بطانة من الأعداء المعروفين بالعداوة لهم وأعلمهم ببغضهم إياهم وإن خادعهم أفراد منهم بدعوى الإيمان وأنهم إن يصبروا ويتقوا ما يجب اتقاؤه لا يضرهم كيدهم شيئًا.
وبعد هذا البيان ذكرهم في هذه الآيات بوقعة أحد وما كان فيها من كيد المنافقين إذ قالوا أولًا وآخرًا وإذ خرجوا ثم انشقوا ورجعوا ليخذلوا المؤمنين ويوقعوا الفشل فيهم، ومن كيد المشركين وتألبهم الذي لم يكن له من دافع إلا الصبر حتى عن الغنيمة التي طمع فيها الرماة فتركوا موقعهم، وإلا التقوى ومنها بل أهمها طاعة الرسول فيما أمر به هؤلاء الرماة، وذكرهم أيضًا بوقعة بدر إذ نصرهم على قلتهم بصبرهم وتقواهم.
قال تعالى ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ أي واذكر بعد هذا يا محمد إذ خرجت من بيت أهلك غدوة وذلك سحر يوم السبت سابع شوال من سنة ثلاث للهجرة ﴿ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ أي توطنهم وتنزلهم أماكن ومواضع في الشعب من "أُحد" لأجل القتال فيها، فمنها موضع للرماة وموضع للفرسان وموضع لسائر المؤمنين، فالمقاعد جمع مقعد وهو في الأصل مكان القعود كالمجلس لمكان الجلوس والمقام لمكان القيام، ثم استعملت هذه الألفاظ كلها بمعنى المكان توسعًا.
وقيل تبوئة المقاعد تسويتها وتهيئتها ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ لم يخف عنه شيء مما قيل في مشاورتك لمن معك في أمر الخروج إلى لقاء المشركين في "أُحد" أو انتظارهم في المدينة، فهو قد سمع أقوال المشركين وعلم نية كل قائل وأن منهم المخلص في قوله وإن أخطأ في رأيه كالقائلين بالخروج إليهم ومنهم غير المخلص في قوله وإن كان صوابًا كعبد الله بن أُبي ومن معه من المنافقين.
ويصح أن يكون الوصفان الكريمان متعلقًا للظرف في الآية التالية كما نبينه في تفسيرها.
وذهب ابن جرير إلى أن الخطاب في هذه الآية للنبي والمراد به أصحابه يضرب لهم مثلًا أو مثلين على صدق وعده في الآية السابقة ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾ بتذكيرهم بما كان يوم "أُحد" من وقوع المصيبة بهم عند ترك الرماة الصبر والتقوى - وذنب الجماعة أو الأمة لا يكون عقابه قاصرًا على من اقترفه بل يكون عامًا- وبما كان يوم بدر إذ نصرهم على قلتهم وذلتهم.
وهذا الرأي يتفق مع ما ذكرناه في وجه الاتصال بين الآيات.
﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا ﴾ قال ابن جرير يعني بذلك جل ثناؤه والله سميع عليم حين همت طائفتان منكم أن تفشلا.
والهم حديث النفس وتوجهها إلى الشيء والفشل ضعف مع جبن.
وقيل إن هذا بدل من قوله ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ ﴾ وقيل متعلق بتبوئ.
أي كان يتخذ المعسكر للمؤمنين وينزل كل طائفة منهم منزلًا في وقت همت فيه طائفتان منهم بالفشل افتتانًا بكيد المنافقين الذين رجعوا من المعسكر.
والطائفتان هما بنو سلمة وبنو حارثة من الأنصار، ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾ أي متولي أمورهما لصدق إيمانهما لذلك صرف الفشل عنهما وثبتهما فلم يجيبا داعي الضعف الذي ألمّ بهما عند رجوع ثلث العسكر بل تذكرا ولاية الله للمؤمنين فوثقا به وتوكلا عليه ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ أمثالهم لا على حولهم وقوتهم ولا على أعوانهم وأنصارهم وإنما يبذلون حولهم وقوتهم.
ويأخذون أهبتهم وعدتهم، إقامة لسنن الله تعالى في خلقه إذ جعل الأسباب مفضية إلى المسببات وهو الفاعل المسخر للسبب والمسبب والموفق بينهما فينصر الفئة القليلة على الكثيرة إن شاء كما نصر المؤمنين يوم بدر ولذلك قال: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ ﴾ وهو ماء أو بئر بين مكة والمدينة كان لرجل اسمه بدر فسمي باسمه ثم أطلق اللفظ على المكان الذي هو فيه.
وقد كانت فيه أول غزوة قاتل فيها النبي المشركين في ١٧ رمضان من السنة الثالثة للهجرة فنصره الله عليهم نصرًا مؤزرًا ﴿ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾ أي نصركم في حال ذلة كنتم فيها على قتلكم -كما يفيده لفظ أذلة، إذ هو جمع قلة- وقد كانوا ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلًا.
والمراد بكونهم أذلة أنهم لا منعة لهم إذ كانوا قليلي العدة من السلاح والظهر والزاد.
ولا غضاضة في الذل إلا إذا كان عن قهر من البغاة والظالمين، ولم يكن المؤمنون بمقهورين ومستذلين من الكافرين وإنما كانت قوتهم في أوائل تكونها ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ فإن التقوى هي التي تعدكم لقيام مقام الشكر على النعم التي يسديكم إياها فمن لم يَرُضْ نفسه بالتقوى غلب عليه اتباع الهوى فلا يرجى له أن يكون شاكرًا يصرف النعمة التي وهبت لأجله من الحكم والمنافع.
﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ قيل إن هذا متعلق بقوله ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ ﴾ وقيل إنه خاص بوقعة أحد التي ورد فيها هذا السياق كقوله ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا ﴾ متعلق بتبوئ أو بسميع أو بدل من إذ الأولى.
والتقدير تبوئهم مقاعد للقتال في الوقت الذي هَمَّ فيه بعضهم بالفشل مع أن الله نصركم ببدر على قلة وذلة -وفي الوقت الذي كنت تقول فيه للمؤمنين ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾ وهذا هو المختار.
والتقدير على الأول أن الله نصركم ببدر في ذلك الوقت الذي كنت تقول فيه لهم ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ ﴾ إلخ أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشعبي أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين.
فشق ذلك عليهم فأنزل الله ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ ﴾ إلخ فبلغت كرزًا الهزيمة فلم يمد المشركين.
ورواه ابن جرير عن الشعبي وعن غيره وذكر الخلاف في حصول هذا الإمداد بالفعل وأن بعضهم يقول أنه لم يحصل وبعضهم قال إنه حصل يوم بدر ونقل عن بعضهم أن الوعد بالإمداد وإن لم يحصل ببدر عام في كل الحروب وأنهم أُمدوا في حرب قريظة والنضير والأحزاب ولم يمدوا يوم أحد لأنهم لم يصبروا ولم يتقوا.
وروي عن الضحاك أن هذا كان وعدًا من الله يوم أحد عرضه على نبيه محمد أن المؤمنين إن اتقوا وصبروا أمدهم بخمسة آلاف.
وروي نحوه عن ابن زيد قال "قالوا لرسول الله وهم ينظرون المشركين أليس الله يمدنا كما أمدنا يوم بدر؟
فقال رسول الله ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين وإنما أمدكم يوم بدر بألف.
قال فجاءت الزيادة ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ الفور في الأصل فوران القِدْر ونحوها ثم استعير الفور للسرعة ثم سميت به الحالة التي لا ريث فيها ولا تعريج من صاحبها على شيء، فمعنى يأتوكم من فورهم من ساعتهم هذه بدون إبطاء ومسومين من التسويم قرأها ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بكسر الواو المشددة والباقون بفتحها.
وقد ورد سومه الأمر بمعنى كلفه إياه وسوم فلانًا خلاه وسومه في ماله حكمه وصرفه وسوم الخيل أرسلها، وكل هذه المعاني ظاهرة على قراءة فتح الواو من "مسومين" فيصح أن يكون المعنى أن هؤلاء الملائكة يكونون مكلفين من الله تثبيت قلوب المؤمنين، أو محكمين ومصرفين فيما يفعلونه في النفوس من إلهام النصر بتثبيت القلوب والربط عليها، أو مرسلين من عنده تعالى.
وأما قراءة كسر الواو "مسومين" فهي من قولهم سوم على القوم إذا أغار عليهم ففتك بهم ولو بالإعانة المعنوية على ذلك.
وقال بعض المفسرين إنه من التسويم بمعنى إظهار سيما الشيء أي علامته أي معلمين أنفسهم أو خيلهم وهو كما ترى لولا الرواية لم يخطر على بال أحد منهم ويمكن أن يقال مسومين للمؤمنين بما يظهر عليهم من سيما تثبيتهم إياهم.
قال ابن جرير بعد ذكر الخلاف في هذا الإمداد ما نصه: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال إن الله أخبر عن نبيه محمد أنه قال للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا، ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف ولا على أنهم لم يمدوا بهم، وقد يجوز أن يكون الله أمدهم على نحو ما رواه الذين اثبتوا أن الله أمدّهم، وقد يجوز أن يكون الله لم يمدهم على النحو الذي ذكره من أنكر ذلك.
ولا خبر عندنا صح من الوجه الذي يثبت أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف، وغير جائز أن يقال في ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به ولا خبر به فنسلم لأحد الفريقين قوله.
غير أن في القرآن دلالة على أنهم قد أُمدوا يوم بدر بألف من الملائكة وذلك قوله: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ أما في أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها في أنهم أُمدوا وذلك أنهم لو أُمدوا لم يهزموا وينل منهم ما نيل منهم".
﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزٌ الحَكِيمٌ ﴾ قال ابن جرير: يعني تعالى ذكره وما جعل الله وعده إياكم ما وعدكم به من إمداده إياكم بالملائكة الذين ذكر عددهم إلا بشرى لكم يبشركم بها ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ﴾ يقول وكي تطمئن بوعده الذي وعدكم من ذلك قلوبكم فتسكن إليه ولا تجزع من كثرة عدد عدوكم وقلة عددكم ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ يعني وما ظفركم إن ظفرتم بعدوكم إلا بعون الله لا من قبل المدد الذي يأتيكم من الملائكة.
وذكر بعض أهل السير أن الملائكة قاتلت يوم أحد، وهو ما نفاه ابن جرير وقد ذكرنا عبارته، بل روي عن ابن عباس أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر وفيما عداه كانوا عددًا ومددًا لا يقاتلون.
وأنكر أبو بكر الأصم قتال الملائكة وقال إن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط فإذا حضر هو يوم بدر فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار وبتقدير حضوره أي فائدة في إرسال سائر الملائكة، وأيضًا فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم، وأيضًا لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أو لا، وعلى الأول يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ولم يقل أحد بذلك ولأنه خلاف قوله: ﴿ وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ﴾ ولو كانوا في غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق ولم ينقل البتة، وعلى الثاني كان يلزم جز الرؤوس وتمزق البطون وإسقاط الكفار من غير مشاهدة فاعل ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين الكافر والمسلم والمرافق والمخالف.
وأيضًا إنهم كانوا أجسامًا كثيفة وجب أن يراهم الكل وإن كانوا أجسامًا لطيفة هوائية فكيف ثبتوا على الخيول.
ذكر ذلك الرازي والنيسابوري فالرازي أورد هذا عن الأصم وذكر حججه مفصلة كعادته بقوله الحجة الأولى- الحجة الثانية إلخ ولخصه النيسابوري عنه بما ذكرناه.
واعترض الرازي عليه بأن مثل هذا إنما يصدر من غير المؤمنين وكان يجب أن يرد عليه بما يدفع هذه الحجج أو يبين لها مخرجًا.
ليس في القرآن الكريم نص ناطق بأن الملائكة قاتلت بالفعل فيحتج به الرازي على أبي بكر الأصم وإنما جاء ذكر الملائكة في سياق الكلام عن غزوة بدر في سورة الأنفال على أنها وعد من الله تعالى بإمداد المؤمنين بألف من الملائكة، وفسر هذا الإمداد بقوله : ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ قال ابن جرير في معنى التثبيت "يقول قووا بقتال أعدائهم" فأنت ترى أنه جزم بأن عمل الملائكة في ذلك اليوم إنما كان موضوعه القلوب بتقوية عزيمتها، وتصحيح نيتها، وذكر قول من قال إن ذلك كان بمعونتهم في القتال بصيغة تدل على ضعفه "قيل" وجعل قوله تعالى: ﴿ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ إلخ من تتمة خطاب الله للمؤمنين وهو الظاهر.
وبعض المفسرين يجعله بيانًا لما تثبت به الملائكة النفوس أي أنها تلقي فيها اعتقاد القاء الله الرعب في قلوب المشركين إلخ.
وبهذا يندفع ما قاله الرازي على الأصم ولا يبقى محل لحججه فإنه لا ينكر أن الملائكة أرواح يمكن أن يكون لها اتصال ما بأرواح بعض البشر وتأثير فيها بالإلهام أو تقوية العزائم.
ويؤيده قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى ﴾ كما قال مثل ذلك في هذه السورة.
هذا ما كان يوم بدر وسيأتي بسطه في تفسير سورة الأنفال إن أحيانا الله تعالى.
وأما يوم أحد فالمحققون على أنه لم يحصل إمداد بالملائكة ولا وعد من الله بذلك وإنما أخبر الله عن رسوله أنه ذكر ذلك لأصحابه وجعل الوعد به معلقًا على ثلاثة أمور: الصبر، والتقوى، وإتيان الأعداء من فورهم.
ولم تتحقق هذه الشروط فلم يحصل الإمداد كما تقدم.
ولكن القول أفاد البشارة والطمأنينة.
وبقي أن يقال ما الحكمة وما السبب في إمداد الله المؤمنين يوم بدر بملائكة يثبتون قلوبهم، وحرمانهم من ذلك يوم أحد حتى أصاب العدو منهم ما أصاب؟
والجواب عن ذلك يعلم من اختلاف حال المؤمنين في ذينك اليومين فنذكره هنا مجملًا مع بيان فلسفته الروحانية وندع التفصيل فيه إلى تفسير الآيات هنا وفي سورة الأنفال فإن ما هنا تفصيل لما في وقعة أحد من الحكم وما في سورة الأنفال تفصيل لما كان في وقعة بدر من ذلك.
كان المؤمنون يوم بدر في قلة وذلة من الضعف والحاجة فلم يكن لهم اعتماد إلا على الله تعالى وما وهبهم من قوة في أبدانهم ونفوسهم وما أمرهم به من الثبات والذكر إذ قال: ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ فبذلوا كل قواهم وامتثلوا أمر ربهم ولم يكن في نفوسهم استشراف إلى شيء ما غير نصر الله وإقامة دينه والذود عن نبيه لا في أول القتال ولا في أثنائه فكانت أرواحهم بهذا الإيمان وهذا الصفاء قد علت وارتقت حتى استعدت لقبول الإلهام من أرواح الملائكة والتقوى بنوع ما من الاتصال بها.
وأما يوم أحد فقد كان بعضهم في أول الأمر على مقربة من الافتتان بما كان من المنافقين، ولذلك همت طائفتان منهم أن تفشلا، ثم إنهم لما تثبتوا وباشروا القتال انتصروا وهزموا المشركين الذين هم أكثر من ثلاثة أمثالهم، فكان بعد ذلك أن خرج بعضهم عن التقوى وخالفوا أمر الرسول وطمعوا في الغنيمة وفشلوا وتنازعوا في الأمر فضعف استعداد أرواحهم فلم ترتق إلى أهلية الاستمداد من أرواح الملائكة فلم يكن لهم منهم مدد لأن الإمداد، لا يكون إلا على حسب الاستعداد.
هذا هو السبب لما حصل بحسب ما يظهر لنا وأما حكمته فهي تمحيص المؤمنين كمل سيأتي في قوله ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ ﴾ إلخ وتربيتهم بالفعل على إقامة سنن الله تعالى في الأسباب والمسببات كما سيأتي في قوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ وبيان أن هذه السنن حاكمة حتى على الرسول ، وأن قتل الرسول ، أو موته لا ينبغي أن يكون مثبطًا للهمم ولا داعية إلى الانقلاب على الأعقاب وأنه ليس له من أمر العباد شيء وأن كل ما يصيبهم من المصائب فهو نتيجة عملهم إذ هو عقوبة طبيعية لهم وغير ذلك مما بينه الله تعالى في قوله: ﴿ أو لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ﴾ إلخ وقوله: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ ﴾ إلخ وغيرهما فلا نتعجله قبل الكلام في تفسير الآيات الناطقة به وما هي ببعيد.
ومن نكت البلاغة المؤيدة لما ذكرنا من اختلاف الحالين في الوقعتين أنه تعالى قال هنا: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ﴾ وقال في سورة الأنفال: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ﴾ والفرق بينهما أن المؤمنين لم يكن لهم يوم بدر ما تطمئن به قلوبهم غير وعد الله وبشارته لهم على لسان رسوله ، ولذلك كان من دعائه يومئذ: "اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تُعْبَد في الأرض أبدًا"، وقال عمر راوي هذا الحديث: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال يا نبي الله كفاك مناشدتك لربك فإنه سينجر لك ما وعدك.
وأنزل الله يومئذ ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ ﴾ .
فكان بهذا الوعد اطمئنان قلوبهم لا بسواه، فلذلك قدم "به" على "قلوبكم" وأما في يوم أحد فلم تكن الحال كذلك، كما علم مما تقدم آنفًا، فلم تَعْدُ البشارة أن تكون مما يطمئن به القلب فقال: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ﴾ من غير قصر ثم قال تعالى: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا متعلق بقوله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ ﴾ وبعض آخر إلى أنه من الكلام في وقعة أحد المقصودة بالذات فإن ذكر النصر ببدر إنما جاء استطرادًا، ولذلك أنكروا أن يكون ذكر الملائكة الثلاثة الآلاف والخمسة الآلاف متعلقًا به.
وهذا هو المختار عندنا.
أي أنه فعل ما فعل ليقطع طرفًا، أو ما النصر إلا من عنده ليقطع طرفًا.
ومعنى قطع الطرف منهم إهلاك طائفة منهم، يقال: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ ﴾ إذا هلكوا، وقد نطق به التنزيل.
وعبر عن الطائفة بالطرف لأنهم الأقرب إلى المسلمين من الوسط أو أراد بهم الأشراف منهم، كذا قيل، والمتبادر الأول لا لأنه من باب ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ ﴾ كما قيل، بل لأن الطرف هو أول ما يوصل إليه من الجيش.
وقد أهلك الله من المشركين يوم أحد طائفة في أول الحرب.
روى ابن جرير عن السدي أنه قال: ذكر الله قتلى المشركين يعني بأحد وكانوا ثمانية عشر رجلًا فقال: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلخ.
ونقول: قد ذكر غير واحد من أهل السير أن قتلى المشركين يوم أحد كانوا ثمانية عشر رجلًا ورد عليهم آخرون بأن حمزة وحده قتل نحو ثلاثين.
وصرح بعضهم بأن سبب غلط من قال ذلك القول هو ما روي أن بعض المسلمين أراد عد قتلى المشركين بعد ثمانية عشر.
وصرح بعضهم بأن سبب ذلك أن المشركين أخذوا قتلاهم أو دفنوهم لئلا يمثل بهم المسلمون بعد المعركة كما مثلوا هم بالمسلمين عندما أصابوا الغرة منهم وهذا هو المعقول.
وأما قوله: ﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ فقد فسروه بأقوال منها أن معناه يخزيهم ومنها أن معناه يصرعهم لوجوههم، وفي الأساس: كبت الله عدوه أكبه وأهلكه.
ولكن صاحب الأساس فسر الكلمة في الكشاف بقوله: "ليخزيهم ويغيظهم بالهزيمة" وقال الراغب: الكبت الرد بعنف وتذليل.
وقال البيضاوي "أو يخزيهم والكبت شدة الغيظ أو وهن يقع في القلب" وكل هذه المعاني وردت في كتب اللغة وصرح البيضاوي بأن "أو" هنا للتنويع لا للترديد، والمعنى أنه يقطع طرفًا وطائفة ويكبت طائفة أخرى أي ويتوب على طائفة ويعذب طائفة كما في الآية الآتية: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ جملة "ليس لك من الأمر شيء" معترضة بين هذا التقسيم وما بعدها معطوف على ما قبلها.
ولما كانت هذه الآية مما نزل في وقعة أحد كما روي في الصحيح تعينّ أن تكون التي قبلها كذلك وإلا كانت غير مفهومة إلا بتكلف ينزه القرآن عن مثله على كونه لا حاجة إليه.
أما كونها نزلت في شأن واقعة أحد فيدل عليه ما ورد في سبب نزولها روى أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله يوم أحد "اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام اللهم العن سهيل بن عمرو اللهم العن صفوان بن أمية" فنزلت هذه الآية فتيب عليهم كلهم، وروى البخاري عن أبي هريرة نحوه وروى أحمد ومسلم من حديث أنس أن النبي كسرت رباعيته يوم أحد وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم" فأنزل الله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ الآية ذكر ذلك كله السيوطي في لباب النقول ولم يعز الأول إلى الترمذي والنسائي اكتفاء بمن هو أصح منهما رواية.
وقد روى ذلك ابن جرير من عدة طرق.
وما روي غير ذلك لا يعتد به.
ولا تنافي بين حديث ابن عمرو وحديث أنس لأن الجمع بينهما ظاهر وهو أنه قال ما قال فيهم حين أدموه ثم لعن رؤساءهم فنزلت الآية عقب ذلك كله.
وأما المعنى فقد قال ابن جرير: يعني بذلك تعالى ذكره: ليقطع طرفًا من اللذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ليس لك من الأمر شيء.
فقوله: ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ منصوب عطفًا على قوله أو: ﴿ يَكْبِتَهُمْ ﴾ وقد يحتمل أن يكون تأويله ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب عليهم فيكون نصب يتوب بمعنى "أو" التي هي في معنى "حتى" والقول الأول أولى بالصواب لأنه لا شيء من أمر الخلق إلى أحد سوى خالقهم قبل توبة الكفار وعقابهم وبعد ذلك.
وتأويل "ليس لك من الأمر شيء ليس إليك يا محمد من أمر خلقي إلا أن تنفذ فيهم أمري وتنهى فيهم إلى طاعتي وإنما أمرهم إلي والقضاء فيهم بيدي دون غيري أقضي فيهم وأحكم بالذي أشاء من التوبة على من كفر بي وعصاني وخالف أمري أو العذاب إما في عاجل الدنيا بالقتل والنقم المبيرة وإما في آجل الآخرة بما أعددت لأهل الكفر بي.
انتهى قول ابن جرير وقد أورد بعده ما عنده من الروايات في الآية.
<div class="verse-tafsir"