الآية ١٤٥ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٤٥ من سورة آل عمران

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَـٰبًۭا مُّؤَجَّلًۭا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ نُؤْتِهِۦ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ ١٤٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 131 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٥ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٥ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ) أي : لا يموت أحد إلا بقدر الله ، وحتى يستوفي المدة التي ضربها الله له ، ولهذا قال : ( كتابا مؤجلا ) كقوله ( وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ) [ فاطر : 11 ] وكقوله ( هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ) [ الأنعام : 2 ] .

وهذه الآية فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال ، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا العباس بن يزيد العبدي قال : سمعت أبا معاوية ، عن الأعمش ، عن حبيب بن صهبان ، قال : قال رجل من المسلمين - وهو حجر بن عدي - : ما يمنعكم أن تعبروا إلى هؤلاء العدو ، هذه النطفة ؟

- يعني دجلة - ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ) ثم أقحم فرسه دجلة فلما أقحم أقحم الناس فلما رآهم العدو قالوا : دبوان ، فهربوا .

وقوله : ( ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ) أي : من كان عمله للدنيا فقد نال منها ما قدره الله له ، ولم يكن له في الآخرة [ من ] نصيب ، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها مع ما قسم له في الدنيا كما قال : ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ) [ الشورى : 20 ] وقال تعالى : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ) [ الإسراء : 18 ، 19 ] وهكذا قال هاهنا : ( وسنجزي الشاكرين ) أي : سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: وما يموت محمد ولا غيره من خلق الله إلا بعد بلوغ أجله الذي جعله الله غاية لحياته وبقائه، فإذا بلغ ذلك من الأجل الذي كتبه الله له، وأذن له بالموت، فحينئذ يموت.

فأما قبل ذلك، فلن يموت بكيد كائد ولا بحيلة محتال، كما:- 7954- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلا "، أي: أن لمحمد أجلا هو بالغه، إذا أذن الله له في ذلك كان.

(52) * * * وقد قيل إنّ معنى ذلك: وما كانت نفسٌ لتموت إلا بإذن الله.

(53) * * * وقد اختلف أهل العربية في معنى الناصب قوله: " كتابًا مؤجلا ".

فقال بعض نحويي البصرة: هو توكيد، ونصبه على: " كتب الله كتابًا مؤجلا ".

قال: وكذلك كل شيء في القرآن من قوله: حَقًّا إنما هو: " أحِقُّ ذلك حقًّا ".

وكذلك: وَعَدَ اللَّهُ و رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ و صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ و كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (54) إنما هو: صَنَعَ الله هكذا صنعًا.

فهكذا تفسير كل شيء في القرآن من نحو هذا، فإنه كثيرٌ.

* * * وقال بعض نحويي الكوفة في قوله: " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله "، معناه: كتب الله آجالَ النفوس، ثم قيل: " كتابًا مؤجلا "، فأخرج قوله: " كتابًا مؤجلا "، نصبًا من المعنى الذي في الكلام، إذ كان قوله: " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله "، قد أدَّى عن معنى: " كتب "، (55) قال: وكذلك سائر ما في القرآن من نظائر ذلك، فهو على هذا النحو.

* * * وقال آخرون منهم: قول القائل: " زيد قائم حقًّا "، بمعنى: " أقول زيد قائم حقًّا "، لأن كل كلام " قول "، فأدى المقول عن " القول "، ثم خرج ما بعده منه، كما تقول: " أقول قولا حقًّا "، وكذلك " ظنًّا " و " يقينًا " وكذلك: وَعَدَ اللَّهُ ، وما أشبهه.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أن كل ذلك منصوب على المصدر من معنى الكلام الذي قبله، لأن في كل ما قبل المصادر التي هي مخالفة ألفاظُها ألفاظَ ما قبلها من الكلام، معانِيَ ألفاظ المصادر وإن خالفها في اللفظ، فنصبها من معاني ما قبلها دون ألفاظه.

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: من يرد منكم، أيها المؤمنون، بعمله جزاءً منه بعضَ أعراض الدنيا، دون ما عند الله من الكرامة لمن ابتغى بعمله ما عنده =" نؤته منها "، يقول: نعطه منها، يعني من الدنيا، يعني أنه يعطيه منها ما قُسم له فيها من رزق أيام حياته، ثم لا نصيب له في كرامة الله التي أعدها لمن أطاعه وطلب ما عنده في الآخرة =" ومن يرد ثوابَ الآخرة "، يقول: ومن يرد منكم بعمله جزاءً منه ثواب الآخرة، يعني: ما عند الله من كرامته التي أعدها للعاملين له في الآخرة =" نؤته منها "، يقول: نعطه منها، يعني من الآخرة.

والمعنى: من كرامة ألله التي خصَّ بها أهلَ طاعته في الآخرة.

فخرج الكلامُ على الدنيا والآخرة، والمعنىُّ ما فيهما.

كما:- 7955- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها "، أي: فمن كان منكم يريد الدنيا، ليست له رغبة في الآخرة، نؤته ما قسم له منها من رزق، ولا حظ له في الآخرة = " ومن يرد ثواب الآخرة نوته منها " ما وعده، مع ما يُجرى عليه من رزقه في دنياه.

(56) * * * وأما قوله: " وسنجزي الشاكرين "، يقول: وسأثيب من شكر لي ما أوليته من إحساني إليه = بطاعته إياي، وانتهائه إلى أمري، وتجنُّبه محارمي = في الآخرة مثل الذي وعدت أوليائي من الكرامة على شكرهم إياي.

وقال ابن إسحاق في ذلك بما:- 7956- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وسنجزي الشاكرين "، أي: ذلك جزاء الشاكرين، يعني بذلك، إعطاء الله إياه ما وعده في الآخرة، مع ما يجري عليه من الرزق في الدنيا.

(57) ---------------------- الهوامش : (52) الأثر: 7954- سيرة ابن هشام 3: 118 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7940.

(53) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1: 104.

(54) هذه مواضع الآيات من كتاب الله على الترتيب: [سورة النساء: 122 / سورة يونس: 4 / سورة لقمان: 9] / [سورة الكهف: 82 / سورة القصص: 46 / سورة الدخان: 6] / [سورة النمل: 88] / [سورة النساء: 24].

(55) في المطبوعة: "عن معناه كتب" ، وهو كلام مختل ، والصواب من المخطوطة.

(56) الأثر: 7955- سيرة ابن هشام 3: 118 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7954.

والاختلاف عظيم في لفظ الأثر.

(57) الأثر: 7956- ليس في سيرة ابن هشام بنصه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وله تعالى : وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرينقوله تعالى : وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا هذا حض على الجهاد ، وإعلام أن الموت لا بد منه وأن كل إنسان مقتول أو غير مقتول ميت إذا بلغ أجله المكتوب له ; لأن معنى مؤجلا إلى أجل .

ومعنى بإذن الله بقضاء الله وقدره .

و كتابا نصب على المصدر ، أي كتب الله كتابا مؤجلا .

وأجل الموت هو الوقت الذي في معلومه سبحانه ، أن روح الحي تفارق جسده ، ومتى قتل العبد علمنا أن ذلك أجله .

ولا يصح أن يقال : لو لم يقتل لعاش .

والدليل على قوله : كتابا مؤجلا إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون إن أجل الله لآت لكل أجل كتاب .

والمعتزلي يقول : يتقدم الأجل ويتأخر ، وإن من قتل فإنما يهلك قبل أجله ، وكذلك كل ما ذبح من الحيوان كان هلاكه قبل أجله ; لأنه يجب على القاتل الضمان والدية .

وقد بين الله تعالى في هذه الآية أنه لا تهلك نفس قبل أجلها .

وسيأتي لهذا مزيد بيان في " الأعراف " إن شاء الله تعالى .

وفيه دليل على كتب العلم وتدوينه .

وسيأتي بيانه في " طه " عند قوله .

قال علمها عند ربي في كتاب إن شاء الله تعالى .قوله تعالى : ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها يعني الغنيمة .

نزلت في الذين تركوا المركز طلبا للغنيمة .

وقيل : هي عامة في كل من أراد الدنيا دون الآخرة ; والمعنى نؤته منها ما قسم له .

وفي التنزيل : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد[ ص: 216 ] ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها أي نؤته جزاء عمله ، على ما وصف الله تعالى من تضعيف الحسنات لمن يشاء .

وقيل : المراد منها عبد الله بن جبير ومن لزم المركز معه حتى قتلوا .

وسنجزي الشاكرين أي نؤتيهم الثواب الأبدي جزاء لهم على ترك الانهزام ، فهو تأكيد ما تقدم من إيتاء مزيد الآخرة .

وقيل : وسنجزي الشاكرين من الرزق في الدنيا لئلا يتوهم أن الشاكر يحرم ما قسم له مما يناله الكافر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم أخبر تعالى أن النفوس جميعها متعلقة بآجالها بإذن الله وقدره وقضائه، فمن حتَّم عليه بالقدر أن يموت، مات ولو بغير سبب، ومن أراد بقاءه، فلو أتى من الأسباب كل سبب، لم يضره ذلك قبل بلوغ أجله، وذلك أن الله قضاه وقدره وكتبه إلى أجل مسمى: { إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } ثم أخبر تعالى أنه يعطي الناس من ثواب الدنيا والآخرة ما تعلقت به إراداتهم، فقال: { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها } قال الله تعالى: { كلاًّ نمدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } { وسنجزي الشاكرين } ولم يذكر جزاءهم ليدل ذلك على كثرته وعظمته، وليعلم أن الجزاء على قدر الشكر، قلة وكثرة وحسنا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وما كان لنفس أن تموت ) قال الأخفش : اللام في ( لنفس ) منقولة تقديره : وما كانت نفس لتموت ، ( إلا بإذن الله ) بقضاء الله وقدره ، وقيل : بعلمه وقيل : بأمره ، ( كتابا مؤجلا ) أي : كتب لكل نفس أجلا لا يقدر أحد على تغييره وتأخيره ، ونصب الكتاب على المصدر ، أي : كتب كتابا ، ( ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ) يعني : من يرد بطاعته الدنيا ويعمل لها نؤته منها ما يكون جزاء لعمله ، يريد نؤته منها ما نشاء بما قدرناه له كما قال : " من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد " ( سورة الإسراء - 18 ) نزلت في الذين تركوا المركز يوم أحد طلبا للغنيمة ، ( ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ) أي أراد بعمله الآخرة ، قيل : أراد الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى قتلوا .

( وسنجزي الشاكرين ) أي : المؤمنين المطيعين .

أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوودي ، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن موسى بن الصلت أنا أبو إسحاق إبراهيم عبد الصمد الهاشمي ، أنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن يزيد بن عبد الرحمن بن المقرئ ، أنا أبي ، أنا الربيع بن صبيح ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه وشتت عليه أمره ولا يأتيه منها إلا ما كتب له " .

أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن محمد بن علي بن توبة الزراد ، أخبرنا أبو بكر محمد بن إدريس بن محمد الجرجاني ، وأبو أحمد محمد بن أحمد المعلم الهروي ، قالا أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى الماليني ، أخبرنا أبو العباس الحسن بن سفيان النسوي ، أخبرنا حيان بن موسى وعبد الله بن أسماء ابن أخي جويرية بن أسماء ، قال أخبرنا عبد الله بن المبارك ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن علقمة بن وقاص الليثي ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله» بقضائه «كتابا» مصدر أي: كتب الله ذلك «مؤجَّلا» مؤقتا لا يتقدم ولا يتأخر فلم انهزمتم والهزيمة لا تدفع الموت والثبات لا يقطع الحياة «ومن يُرد» بعمله «ثواب الدنيا» أي جزاءه منها «نؤته منها» ما قسم له ولا حظَّ له في الآخرة «ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها» أي من ثوابها «وسنجري الشاكرين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لن يموت أحد إلا بإذن الله وقدره وحتى يستوفي المدة التي قدرها الله له كتابًا مؤجَّلا.

ومن يطلب بعمله عَرَض الدنيا، نعطه ما قسمناه له من رزق، ولا حظَّ له في الآخرة، ومن يطلب بعمله الجزاء من الله في الآخرة نمنحه ما طلبه، ونؤته جزاءه وافرًا مع ما لَه في الدنيا من رزق مقسوم، فهذا قد شَكَرَنا بطاعته وجهاده، وسنجزي الشاكرين خيرًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن الآجال بيد الله وحده .

وأنه - سبحانه - قد جعل لكل أجل وقتا محددا لا يعدوه فقال - تعالى - { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً } .أى : ما كان الموت حاصلا لنفس من النفوس مطلقا ، لأى سبب من الأسباب ، إلا بمشيئة الله وأمره وإذنه ، فهو - سبحانه - الذى كتب لكل نفس عمرها كتابا مؤقتا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر .المراد بالنفس هنا .

جنسها .

أى كل نفس لا تموت إلا بإذن الله .والمراد بإذنه - : أمره ومشيئته ، فكل نفس لا تحيا إلا بأمره ، ولا تموت إلا بإذنه .و { كَانَ } نقاصة وقوله { أَنْ تَمُوتَ } في محل رفع اسمها وقوله { لِنَفْسٍ } متعلق بمحذوف وقع خبرا لها .

والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال والأسباب .أى ما كان لها أن تموت فى حالة من الأحوال أو لسبب من الأسباب إلا مأذونا لها منه - سبحانه - .والباء فى قوله { إِلاَّ بِإِذْنِ الله } للمصاحبة .وقوله { كِتَاباً } مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة التى قبله ، وعامله مضمر والتقدير : كتب الله ذلك كتابا مؤجلا .

أى له أجل معلوم لا يتقدم عنه ولا يتأخر ، وهو آت لا ريب فيه .وقوله { مُّؤَجَّلاً } صفة لقوله { كِتَاباً } .ثم ذم - سبحانه - الذين يؤثرون متاع الدنيا على الآخرة ، فقال : { وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا } أى من يرد بعمله ثواب الدنيا أى جزاءها وثمارها كالأموال والغنائم نؤته منها ما نشاء أن نؤتيه ، ولا يكون له فى الآخرة من نصيب .وهذا تعريض بمن شغلوا بجمع الغنائم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بمن تركوا أماكنهم التى وضعهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسارعوا إلى جمع حطام الدنيا ، فنتج عن ذلك هزيمة المسلمين فى غزوة أحد .ثم مدح - سبحانه - الذين يبتغون بأعمالهم ثواب الآخرة فقال : { وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا } .أى ومن يرد بعمله وجهاده ثواب الآخرة وما ادخره الله فيها لعباده المتقين من أجر جزيل نؤته منها ما نشاء من عطائنا الذين تشتهيه النفوس ، وتقر له العيون .وقوله { وَسَنَجْزِي الشاكرين } تذييل مقرر لمضمون ما قبله ، ووعد من عطاء الله لمن شكره على نعمه ويثبت على شرعه .أى وسنجزى الشاكرين فى دنياهم بما يسعدهم ويرضيهم .

وسنجزيهم فى الآخرة بما يشرح صدورهم ، ويدخل البهجة على نفوسهم .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد تضمنت تحريض المؤمنين على القتال .

وتحذيرهم من الجبن والفرار ، لأن الجبن لا يؤخر الحياة ، كما أن الإقدام لا يؤدى إلى الموت قبل حلول وقته ، فإن أحدا لا يموت قبل أجله ، وإن خاص المهالك واقتحم المعارك .كما تضمنت دعوة المؤمنين إلى الزهد فى متع الحياة الدنيا ، وإلى أن يجعلوا مقصدهم الأكبر فى تحصيل ما ينفعهم فى آخرتهم ، فإن هذا هو المقصد الأسمى ، والمطلب الأعلى : قال - تعالى - { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ } وإن الذين خالفوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم تركوا أما كنهم التى أمرهم بالثبات فيها جريا وراء الغنائم ، لم يحصلوا منها شيئا ، بل فقدوها وفقدوا أرواحهم وعزتهم وكرامتهم ، وكان فعلهم هذا من أسباب هزمية المسلمين فى غزوة أحد .كما تضمنت وعداً من الله - تعالى - بأن يزيد الشاكرين من فضله وإحسانه ، وأن يكافئهم على شكرهم إياه بما هم أهل له من نصر وخير وفير .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: في كيفية تعلق هذه الآية بما قبله وجوه: الأول: أن المنافقين أرجفوا أن محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل، فالله تعالى يقول: إنه لا تموت نفس الا بإذن الله وقضائه وقدره، فكان قتله مثل موته في أنه لا يحصل الا في الوقت المقدر المعين، فكما أنه لو مات في داره لم يدل ذلك على فساد دينه، فكذا إذا قتل وجب أن لا يؤثر ذلك في فساد دينه، والمقصود منه ابطال قول المنافقين لضعفة المسلمين أنه لما قتل محمد فارجعوا الى ما كنتم عليه من الأديان.

الثاني: أن يكون المراد تحريض المسلمين على الجهاد بإعلامهم أن الحذر لا يدفع القدر، وأن أحداً لا يموت قبل الأجل وإذا جاء الأجل لا يندفع الموت بشيء، فلا فائدة في الجبن والخوف.

والثالث: أن يكون المراد حفظ الله للرسول صلى الله عليه وسلم وتخليصه من تلك المعركة المخوفة، فإن تلك الواقعة ما بقي سبب من أسباب الهلاك إلا وقد حصل فيها، ولكن لما كان الله تعالى حافظاً وناصراً ما ضره شيء من ذلك وفيه تنبيه على أن أصحابه قصروا في الذب عنه.

والرابع: وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله، فليس في إرجاف من أرجف بموت النبي صلى الله عليه وسلم ما يحقق ذلك فيه أو يعين في تقوية الكفر، بل يبقيه الله إلى أن يظهر على الدين كله.

الخامس: أن المقصود منه الجواب عما قاله المنافقون، فإن الصحابة لما رجعوا وقد قتل منهم من قتل قالوا: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فاخبر الله تعالى أن الموت والقتل كلاهما لا يكونان الا باذن الله وحضور الأجل والله أعلم بالصواب.

المسألة الثانية: اخلفوا في تفسير الإذن على أقوال: الأول: أن يكون الإذن هو الامر وهو قول أبي مسلم، والمعنى أن الله تعالى يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا يموت أحد إلا بهذا الامر.

الثاني: ان المراد من هذا الإذن ما هو المراد بقوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ والمراد من هذا الأمر انما هو التكوين والتخليق والايجاد، لأنه لا يقدر على الموت والحياة أحد الا الله تعالى، فإذن المراد: أن نفساً لن تموت إلا بما أماتها الله تعالى.

الثالث: أن يكون الاذن هو التخلية والإطلاق وترك المنع بالقهر والإجبار، وبه فسر قوله تعالى: ﴿ وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله  ﴾ أي بتخليته فإنه تعالى قادر على المنع من ذلك بالقهر، فيكون المعنى: ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله بتخلي الله بين القاتل والمقتول، ولكنه تعالى يحفظ نبيه ويجعل من بين يديه ومن خلفه رصداً ليتم على يديه بلاغ ما أرسله به، ولا يخلي بين أحد وبين قتله حتى ينتهي الى الاجل الذي كتبه الله له، فلا تنكسروا بعد ذلك في غزواتكم بأن يرجف مرجف أن محمداً قد قتل.

الرابع: أن يكون الإذن بمعنى العلم ومعناه أن نفسا لن تموت إلا في الوقت الذي علم الله موتها فيه، واذا جاء ذلك الوقت لزم الموت، كما قال: ﴿ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ الخامس: قال ابن عباس: الإذن هو قضاء الله وقدره، فإنه لا يحدث شيء إلا بمشيئته وارادته فيجعل ذلك على سبيل التمثيل، كأنه فعل لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا باذن الله.

المسألة الثالثة: قال الأخفش والزجاج: اللام في ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ ﴾ معناها النفي، والتقدير وما كانت نفس لتموت الا باذن الله.

المسألة الرابعة: دلت الآية على أن المقتول ميت بأجله، وأن تغيير الآجال ممتنع.

وقوله تعالى: ﴿ كتابا مُّؤَجَّلاً ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ كتابا مُّؤَجَّلاً ﴾ منصوب بفعل دل عليه ما قبله فإن قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله ﴾ قام مقام أن يقال: كتب الله، فالتقدير كتب الله كتابا مؤجلا ونظيره قوله: ﴿ كتاب الله عَلَيْكُمْ  ﴾ لأن في قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم  ﴾ دلالة على انه كتب هذا التحريم عليكم ومثله: ﴿ صنع الله  ﴾ و ﴿ وعد الله  ﴾ و ﴿ فطرة الله  ﴾ ، و ﴿ صبغة الله  ﴾ .

المسألة الثانية: المراد بالكتاب المؤجل الكتاب المشتمل على الآجال، ويقال: إنه هو اللوح المحفوظ، كما ورد في الأحاديث أنه تعالى قال للقلم اكتب فكتب ما هو كائن الى يوم القيامة.

واعلم أن جميع الحوادث لابد أن تكون معلومة لله تعالى، وجميع حوادث هذا العالم من الخلق والرزق والأجل والسعادة والشقاوة لابد وأن تكون مكتوبة في اللوح المحفوظ، فلو وقعت بخلاف علم الله لانقلب علمه جهلا، ولانقلب ذلك الكتاب كذبا، وكل ذلك محال، وإذا كان الأمر كذلك ثبت أن الكل بقضاء الله وقدره.

وقد ذكر بعض العلماء هذا المعنى في تفسير هذه الآية وأكده بحديث الصادق المصدوق، وبالحديث المشهور من قوله عليه السلام فحج آدم موسى قال القاضي: أما الأجل والرزق فهما مضافان الى الله، وأما الكفر والفسق والايمان والطاعة فكل ذلك مضاف الى العبد، فاذا كتب تعالى ذلك فانما يكتب بعلمه من اختيار العبد، وذلك لا يخرج العبد من أن يكون هو المذموم أو الممدوح.

واعلم أنه ما كان من حق القاضي أن يتغافل عن موضع الإشكال، وذلك لأنا نقول: إذا علم الله من العبد الكفر وكتب في اللوح المحفوظ منه الكفر، فلو أتى بالإيمان لكان ذلك جمعا بين المتناقضين، لأن العلم بالكفر والخبر الصدق عن الكفر مع عدم الكفر جمع بين النقيضين وهو محال، وإذا كان موضع الإلزام هو هذا فأنى ينفعه الفرار من ذلك الى الكلمات الأجنبية عن هذا الإلزام.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشاكرين ﴾ .

فاعلم أن الذين حضروا يوم أحد كانوا فريقين، منهم من يريد الدنيا، ومنهم من يريد الآخرة كما ذكره الله تعالى فيما بعد من هذه السورة، فالذين حضروا القتال للدنيا، هم الذين حضروا لطلب الغنائم والذكر والثناء، وهؤلاء لابد وأن ينهزموا، والذين حضروا للدين، فلابد وأن لا ينهزموا ثم أخبر الله تعالى في هذه الآية أن من طلب الدنيا لابد وأن يصل الى بعض مقصوده ومن طلب الآخرة فكذلك، وتقريره قوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات» إلى آخر الحديث.

واعلم أن هذه الآية وان وردت في الجهاد خاصة، لكنها عامة في جميع الأعمال، وذلك لأن المؤثر في جلب الثواب، والعقاب المقصود والدواعي لا ظواهر الأعمال، فإن من وضع الجبهة على الأرض في صلاة الظهر والشمس قدامه، فإن قصد بذلك السجود عبادة الله تعالى كان ذلك من أعظم دعائم الإسلام، وإن قصد به عبادة الشمس كان ذلك من أعظم دعائم الكفر.

وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أن الله تعالى يقول يوم القيامة لمقاتل في سبيل الله في ماذا قتلت فيقول أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول تعالى: كذبت بل أردت أن يقال فلان محارب وقد قيل ذلك ثم إن الله تعالى يأمر به الى النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كتابا ﴾ مصدر مؤكد، لأن المعنى: كتب الموت كتاباً ﴿ مُّؤَجَّلاً ﴾ موقتاً له أجل معلوم لا يتقدّم ولا يتأخر ﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا ﴾ تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد ﴿ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ أي من ثوابها ﴿ وَسَنَجْزِى ﴾ الجزاء المبهم الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد.

وقرئ: ﴿ يوته ﴾ .

و ﴿ سيجزي ﴾ ، بالياء فيهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ بِإذْنِهِ لِمَلَكِ المَوْتِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَبْضِ رُوحِهِ، والمَعْنى أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ أجَلًا مُسَمًّى في عِلْمِهِ تَعالى وقَضائِهِ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ بِالإحْجامِ عَنِ القِتالِ والإقْدامِ عَلَيْهِ.

وفِيهِ تَحْرِيضٌ وتَشْجِيعٌ عَلى القِتالِ، ووَعْدٌ لِلرَّسُولِ  بِالحِفْظِ وتَأْخِيرِ الأجَلِ.

﴿ كِتابًا ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ إذِ المَعْنى كُتِبَ المَوْتُ كِتابًا.

﴿ مُؤَجَّلا ﴾ صِفَةٌ لَهُ أيْ مُؤَقَّتًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ.

﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ﴾ تَعْرِيضٌ لِمَن شَغَلَتْهُمُ الغَنائِمُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَإنَّ المُسْلِمِينَ حَمَلُوا عَلى المُشْرِكِينَ وهَزَمُوهم وأخَذُوا يَنْهَبُونَ، فَلَمّا رَأى الرُّماةُ ذَلِكَ أقْبَلُوا عَلى النَّهْبِ وخَلَّوْا مَكانَهم فانْتَهَزَ المُشْرِكُونَ وحَمَلُوا عَلَيْهِمْ مِن ورائِهِمْ فَهَزَمُوهم.

﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها ﴾ أيْ مِن ثَوابِها.

﴿ وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ ﴾ الَّذِينَ شَكَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ فَلَمْ يَشْغَلْهم شَيْءٌ عَنِ الجِهادِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا كَانَ} وما جاز {لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} أي بعلمه أو بأن بأذن ملك الموت في قبض روحه والمعنى أن موت الأنفس محال أن يكون إلا بمشيئة الله وفيه تحريض على الجهاد وتشجيع على لقاء العدو وإعلام بأن الحذر لا ينفع وأن أحداً لا يموت قبل بلوغ أجله وإن خاض المهالك واقتحم المعارك {كتابا} مصدر مؤكد لأن المعنى

آل عمران (١٤٦ _ ١٤٩)

كتب الموت كتاباً {مُّؤَجَّلاً} مؤقتاً له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر {وَمَن يُرِدْ} بقتاله {ثَوَابَ الدنيا} أي الغنيمة وهو تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد {نُؤْتِهِ مِنْهَا} من ثوابها {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة} أي إعلاء كلمة الله والدرحة فى الآخرة {نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشاكرين} وسنجزي الجزاء المبهم الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِلْحَضِّ عَلى الجِهادِ واللَّوْمِ عَلى تَرْكِهِ خَشْيَةَ القَتْلِ مَعَ قَطْعِ عُذْرِ المُنْهَزِمِينَ خَشْيَةَ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَسْلِيَةً عَمّا لَحِقَ النّاسَ بِمَوْتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإشارَةً إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَغَيْرِهِ لا يَمُوتُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَلا عُذْرَ لِأحَدٍ بِتَرْكِ دِينِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.

والمُرادُ بِالنَّفْسِ الجِنْسُ وتَخْصِيصُها بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والمَوْتُ هُنا أعَمُّ مِنَ المَوْتِ حَتْفَ الأنْفِ، والمَوْتِ بِالقَتْلِ كَما سَنُحَقِّقُهُ، و(كانَ) ناقِصَةٌ اسْمُها (أنْ تَمُوتَ) (ولِنَفْسٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لَها، والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ الأسْبابِ.

وذَهَبَ أبُو البَقاءِ إلى أنَّ بِإذْنِ اللَّهِ خَبَرُ كانَ، و(لِنَفْسٍ) مُتَعَلِّقٌ بِها واللّامُ لِلتَّبْيِينِ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ المَوْتُ لِنَفْسٍ، و(أنْ تَمُوتَ) تَبْيِينٌ لِلْمَحْذُوفِ، وحُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ وبَعْضٍ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ التَّقْدِيرَ: وما كانَ نَفْسٌ لِتَمُوتَ، ثُمَّ قُدِّمَتِ اللّامُ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ أوْهَنُ مِنَ الوَهَنِ لا سِيَّما الأخِيرَ، والمَعْنى ما كانَ المَوْتُ حاصِلًا لِنَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مُطْلَقًا بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وتَيْسِيرِهِ، والإذْنُ مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مِن لَوازِمِهِ، وظاهِرُ التَّرْكِيبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْتَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي يُقْدَمُ عَلَيْها اخْتِيارًا فَقَدْ شاعَ ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ يَفْعَلَ كَذا فِيما إذا كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ اخْتِيارِيًّا، لَكِنَّ الظّاهِرَ هُنا مَتْرُوكٌ بِأنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ بِأنَّ صُوَرَ المَوْتِ بِالنِّسْبَةِ إلى النُّفُوسِ بِصُورَةِ الفِعْلِ الِاخْتِيارِيِّ الَّذِي لا يُقْدَمُ عَلَيْهِ إلّا بِالإذْنِ.

والمُرادُ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلَيْهِ أوْ بِتَنْزِيلِ إقْدامِ النُّفُوسِ عَلى مَبادِيهِ كالقِتالِ مَثَلًا مَنزِلَةَ الإقْدامِ عَلَيْهِ نَفْسَهُ لِلْمُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ المَرامِ، فَإنَّ مَوْتَها لَمّا اسْتَحالَ وُقُوعُهُ عِنْدَ إقْدامِها عَلَيْهِ أوْ عَلى مَبادِيهِ وسَعْيِها في إيقاعِهِ، فَلِأنْ يَسْتَحِيلَ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ أوْلى وأظْهَرُ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَبْقى الإذْنُ عَلى حَقِيقَتِهِ ومَفْعُولِهِ مُقَدَّرٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، والمُرادُ بِإذْنِهِ تَعالى إذْنُهُ لِمَلَكِ المَوْتِ فَإنَّهُ الَّذِي يَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ ذِي رُوحٍ بَشَرًا كانَ أوْ لا شَهِيدًا كانَ أوْ غَيْرَ شَهِيدٍ بَرًّا أوْ بَحْرًا حَتّى قِيلَ: إنَّهُ يَقْبِضُ رُوحَ نَفْسِهِ، واسْتَثْنى بَعْضُهم أرْواحَ شُهَداءِ البَحْرِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي يَقْبِضُها بِلا واسِطَةٍ، واسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ جُوَيْبِرٍ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، وفِيهِ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ انْقِطاعٌ، وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّ مَلَكَ المَوْتِ إنَّما يَقْبِضُ أرْواحَ الثَّقَلَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وقالَ بَعْضُ المُبْتَدِعَةِ: إنَّهُ يَقْبِضُ الجَمِيعَ سِوى أرْواحِ البَهائِمِ فَإنَّ أعْوانَهُ هُمُ الَّذِينَ يَقْبِضُونَها، ولا تَعارُضُ بَيْنَ ﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ﴾ ، و ﴿ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ ﴾ ، و ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ﴾ لِأنَّ إسْنادَ ذَلِكَ لَهُ تَعالى بِطَرِيقِ الخَلْقِ والإيجادِ الحَقِيقِيِّ، وإلى المَلَكِ لِأنَّهُ المُباشِرُ لَهُ، وإلى الرُّسُلِ لِأنَّهم أعْوانُهُ المُعالِجُونَ لِلنَّزْعِ مِنَ العَصَبِ والعَظْمِ واللَّحْمِ والعُرُوقِ (كِتابًا) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ المُسْتَفادِ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ والمَعْنى كُتِبَ ذَلِكَ المَوْتُ المَأْذُونُ فِيهِ كِتابًا ﴿ مُؤَجَّلا ﴾ أيْ مُوَقَّتًا بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وقِيلَ: حُكْمًا لازِمًا مُبْرَمًا وهو صِفَةُ (كِتابًا) ولا يَضُرُّ التَّوْصِيفُ بِكَوْنِ المَصْدَرِ مُؤَكِّدًا بِناءً عَلى أنَّهُ مَعْلُومٌ مِمّا سَبَقَ ولَيْسَ كُلُّ وصْفٍ يَخْرُجُ عَنِ التَّأْكِيدِ، ولَكَ لِما في ذَلِكَ مِنَ الخَفاءِ أنْ تَجْعَلَ المَصْدَرَ لِوَصْفِهِ مُبَيِّنًا لِلنَّوْعِ وهو أوْلى مِن جَعْلِهِ مُؤَكِّدًا، وجُعِلَ (مُؤَجَّلًا) حالًا مِنَ المَوْتِ لا صِفَةً لَهُ لِبُعْدِ ذَلِكَ غايَةَ البُعْدِ فَتَدَبَّرْ.

وقُرِئَ (مُؤَجَّلًا) بِالواوِ بَدَلَ الهَمْزَةِ عَلى قِياسِ التَّخْفِيفِ، وظاهِرُ الآيَةِ يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ أهْلِ السُّنَّةِ القائِلِينَ إنَّ المَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأجَلِهِ أيْ بِوَقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ وأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَجازَ أنْ يَمُوتَ في ذَلِكَ الوَقْتِ وأنْ لا يَمُوتَ مِن غَيْرِ قَطْعٍ بِامْتِدادِ العُمْرِ ولا بِالمَوْتِ بَدَلَ القَتْلِ، إذْ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ القَتْلِ لا قَطْعَ بِوُجُودِ الأجَلِ وعَدَمِهِ فَلا قَطْعَ بِالمَوْتِ ولا بِالحَياةِ، وخالَفَ في ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ فَذَهَبَ الكَعْبِيُّ مِنهم إلى أنَّ المَقْتُولَ لَيْسَ بِمَيِّتٍ لِأنَّ القَتْلَ فِعْلُ العَبْدِ والمَوْتَ فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ أيْ مَفْعُولُهُ وأثَرُ صِفَتِهِ، وأنَّ لِلْمَقْتُولِ أجَلَيْنِ: أحَدُهُما القَتْلُ والآخَرُ المَوْتُ وأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَعاشَ إلى أجْلِهِ الَّذِي هو المَوْتُ، وذَهَبَ أبُو الهُذَيْلِ إلى أنَّ المَقْتُولَ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَماتَ البَتَّةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

وذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنهم إلى أنَّ القاتِلَ قَدْ قَطَعَ عَلى المَقْتُولِ أجَلَهُ، وأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَعاشَ إلى أمَدٍ هو أجَلُهُ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مَوْتَهُ فِيهِ لَوْلا القَتْلُ، ولَيْسَ النِّزاعُ بَيْنَ الأصْحابِ والجُمْهُورِ لَفْظِيًّا كَما رَآهُ الأُسْتاذُ وكَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ حَيْثُ قالُوا: إنَّهُ إذا كانَ الأجَلُ زَمانَ بُطْلانِ الحَياةِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ المَقْتُولُ مَيِّتًا بِأجَلِهِ بِلا خِلافٍ مِنَ المُعْتَزِلَةِ في ذَلِكَ إذْ هم لا يُنْكِرُونَ كَوْنَ المَقْتُولِ مَيِّتًا بِالأجَلِ الَّذِي عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى وهو الأجَلُ بِسَبَبِ القَتْلِ، وإنْ قُيِّدَ بُطْلانُ الحَياةِ بِأنْ لا يَتَرَتَّبَ عَلى فِعْلٍ مِنَ العَبْدِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بِلا خِلافٍ مِنَ الأصْحابِ فِيهِ إذْ هم يَقُولُونَ بِعَدَمِ كَوْنِ المَقْتُولِ مَيِّتًا بِالأجَلِ غَيْرِ المُرَتِّبِ عَلى فِعْلِ العَبْدِ، لِأنّا نَقُولُ حاصِلُ النِّزاعِ أنَّ المُرادَ بِأجَلِ المَقْتُولِ المُضافِ إلَيْهِ زَمانُ بُطْلانِ حَياتِهِ بِحَيْثُ لا مَحِيصَ عَنْهُ ولا تَقَدُّمَ ولا تَأخُّرَ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ ويَرْجِعُ الخِلافُ إلى أنَّهُ هَلْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ في حَقِّ المَقْتُولِ أمِ المَعْلُومُ في حَقِّهِ أنَّهُ إنْ قُتِلَ ماتَ وإنْ لَمْ يُقْتَلْ يَعِشْ كَذا في شَرْحِ المَقاصِدِ، ولَعَلَّهُ جَوابٌ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الأوَّلِ وهو أنَّ المُرادَ زَمانُ بُطْلانِ الحَياةِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لَكِنَّهُ لا مُطْلَقًا بَلْ عَلى ما عَلِمَهُ تَعالى وقَدَّرَهُ بِطَرِيقِ القَطْعِ، وحِينَئِذٍ يَصْلُحُ مَحَلًّا لِلْخِلافِ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ في المَقْتُولِ كَما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ تَخَلُّفُ العِلْمِ عَنِ المَعْلُومِ لِجَوازِ أنْ يُعْلَمَ تَقَدُّمُ مَوْتِهِ بِالقَتْلِ مَعَ تَأخُّرِ الأجَلِ الَّذِي لا يُمْكِنُ تَخَلُّفُهُ عَنْهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَوابًا بِاخْتِيارِ شِقٍّ ثالِثٍ وهو المُقَدَّرُ بِطَرِيقِ القَطْعِ إذْ لا تَعَرُّضَ في تَقْرِيرِ الجَوابِ لِلْعِلْمِ، والمُقَدَّرُ أخَصُّ مِنَ الأجَلِ المَعْلُومِ مُطْلَقًا، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ كَوْنِهِ جَوابًا بِاخْتِيارِ الأوَّلِ، لَكِنْ لا مُطْلَقًا اعْتِبارُ قَيْدِ العِلْمِ في الأجَلِ الَّذِي هو مَحَلُّ النِّزاعِ عَلى تَقْدِيرِ اخْتِيارِ الأوَّلِ وعَدَمِ اعْتِبارِهِ فِيهِ عَلى اخْتِيارِ الثّالِثِ، وإنْ كانَ مَعْلُومًا في الواقِعِ أيْضًا فافْهَمْ، ثُمَّ إنَّ أبا الحُسَيْنِ، ومَن تابَعَهُ يَدَّعُونَ الضَّرُورَةَ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وكَذا الجُمْهُورُ في رَأْيِ البَعْضِ، وعِنْدَ البَعْضِ الآخَرِ هي عِنْدَهُمُ اسْتِدْلالِيَّةٌ.

واحْتَجُّوا عَلى مَذْهَبِهِمْ بِالأحادِيثِ الوارِدَةِ في أنَّ بَعْضَ الطّاعاتِ تَزِيدُ في العُمُرِ، وبِأنَّهُ لَوْ كانَ المَقْتُولُ مَيِّتًا بِأجَلِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ القاتِلُ ذَمًّا ولا عِقابًا، ولَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ قِصاصٌ ولا غُرْمُ دِيَةٍ ولا قِيمَةٌ في ذَبْحِ شاةِ الغَيْرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ أجَلًا، ولَمْ يُحْدِثْ بِفِعْلِهِ مَوْتًا، وبِأنَّهُ رُبَّما يُقْتَلُ في المَلْحَمَةِ والحَرْبِ أُلُوفٌ تَقْضِي العادَةُ بِامْتِناعِ اتِّفاقِ مَوْتِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِآجالِهِمْ، وتَمَسَّكَ أبُو الهُذَيْلِ بِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَمُتِ المَقْتُولُ لَكانَ القاتِلُ قاطِعًا لِأجَلٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ومُغَيِّرًا لَأمْرٍ عَلِمَهُ وهو مُحالٌ، والكَعْبِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ ﴾ حَيْثُ جَعَلَ القَتْلَ قَسِيمًا لِلْمَوْتِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالقَتْلِ المَقْتُولِيَّةُ وأنَّها نَفْسُ بُطْلانِ الحَياةِ، وأنَّ المَوْتَ خاصٌّ بِما لا يَكُونُ عَلى وجْهِ القَتْلِ، ومَتى كانَ المَوْتُ غَيْرَ القَتْلِ كانَ لِلْمَقْتُولِ أجَلانِ: أحَدُهُما القَتْلُ والآخَرُ المَوْتُ، وأُجِيبَ عَنْ مُتَمَسِّكِ الأوَّلِينَ الأوَّلَ بِأنَّ تِلْكَ الأحادِيثَ أخْبارُ آحادٍ فَلا تُعارِضُ الآياتِ القَطْعِيَّةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ أوْ بِأنَّ المُرادَ مِن أنَّ الطّاعَةَ تَزِيدُ في العُمُرِ أنَّها تَزِيدُ فِيما هو المَقْصُودُ الأهَمُّ مِنهُ وهو اكْتِسابُ الكَمالاتِ والخَيْراتِ والبَرَكاتِ الَّتِي بِها تُسْتَكْمَلُ النُّفُوسُ الإنْسانِيَّةُ، وتَفُوزُ بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، أوْ بِأنَّ العُمُرَ غَيْرُ الأجَلِ لِأنَّهُ لُغَةً الوَقْتُ، وأجَلُ الشَّيْءِ يُقالُ لِجَمِيعِ مُدَّتِهِ ولِآخِرِها كَما يُقالُ أجَلُ الدَّيْنِ شَهْرانِ أوَآخِرُ شَهْرِ كَذا، ثُمَّ شاعَ اسْتِعْمالُهُ في آخِرِ مُدَّةِ الحَياةِ، ومِن هُنا يُفَسَّرُ بِالوَقْتِ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى بُطْلانَ حَياةِ الحَيَوانِ عِنْدَهُ عَلى ما قَرَّرْناهُ.

والعُمُرُ لُغَةً مُدَّةُ الحَياةِ كَعُمُرِ زَيْدٍ كَذا، ومُدَّةُ البَقاءِ - كَعُمُرِ الدُّنْيا - وكَثِيرًا ما يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنْ مُدَّةِ بَقاءِ ذِكْرِ النّاسِ الشَّخْصَ لِلْخَيْرِ بَعْدَ مَوْتِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ذِكْرُ الفَتى عُمُرُهُ الثّانِي، ومِن هُنا يُقالُ لِمَن ماتَ وأعْقَبَ ذِكْرًا حَسَنًا وأثَرًا جَمِيلًا: ما ماتَ، فَلَعَلَّهُ أرادَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّ تِلْكَ الطّاعاتِ تَزِيدُ في هَذا العُمُرِ لِما أنَّها تَكُونُ سَبَبًا لِلذِّكْرِ الجَمِيلِ، وأكْثَرُ ما ورَدَ ذَلِكَ في الصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وكَوْنِهِما مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما ثَناءُ النّاسِ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ قِيلَ: ولِهَذا لَمْ يَقُلْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في ذَلِكَ إنَّهُ يَزِيدُ في الأجَلِ، أوْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يَعْلَمُ أنَّ هَذا المُطِيعَ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ هَذِهِ الطّاعَةَ لَكانَ عُمُرُهُ أرْبَعِينَ مَثَلًا لَكِنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُها ويَكُونُ عُمُرُهُ سَبْعِينَ سَنَةً، فَنِسْبَةُ هَذِهِ الزِّيادَةِ إلى تِلْكَ الطّاعَةِ بِناءً عَلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ لَوْلاها لَما كانَتْ هَذِهِ الزِّيادَةُ، ومُحَصِّلُ هَذا أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدَّرَ عُمُرَهُ سَبْعِينَ بِحَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ عَنْهُ لِعِلْمِهِ بِأنَّ طاعَتَهُ تَصِيرُ سَبَبًا لِثَلاثِينَ فَتَصِيرُ مَعَ أرْبَعِينَ مِن غَيْرِ الطّاعَةِ سَبْعِينَ، ولَيْسَ مُحَصِّلُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى قَدَّرَهُ سَبْعِينَ عَلى تَقْدِيرٍ وأرْبَعِينَ عَلى تَقْدِيرٍ حَتّى يَلْزَمَ تَعَدُّدُ الأجَلِ، والأصْحابُ لا يَقُولُونَ بِهِ.

والثّانِي بِأنَّ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ والعِقابِ وتَوَجُّهَ القِصاصِ أوْ غُرْمَ الدِّيَةِ مَثَلًا عَلى القاتِلِ لَيْسَ بِما يَثْبُتُ في المَحَلِّ مِنَ المَوْتِ، بَلْ هو بِما اكْتَسَبَهُ وارْتَكَبَهُ مِنَ الإقْدامِ عَلى الفِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ الَّذِي يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى بِهِ المَوْتَ كَما في سائِرِ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ لا سِيَّما عِنْدَ ظُهُورِ أماراتِ البَقاءِ وعَدَمِ ما يُظَنُّ مَعَهُ حُضُورُ الأجَلِ حَتّى لَوْ عُلِمَ مَوْتُ شاةٍ بِإخْبارِ صادِقٍ مَعْصُومٍ، أوْ ظَهَرَتِ الأماراتُ المُفِيدَةُ لِلْيَقِينِ لَمْ يَضْمَن عِنْدَ بَعْضِ الفُقَهاءِ، والثّالِثُ بِأنَّ العادَةَ مَنقُوضَةٌ أيْضًا بِحُصُولِ مَوْتِ أُلُوفٍ في وقْتٍ واحِدٍ مِن غَيْرِ قِتالٍ ولا مُحارِبَةٍ كَما في أيّامِ الوَباءِ مَثَلًا عَلى أنَّ التَّمَسُّكَ بِمِثْلِ هَذا الدَّلِيلِ في مِثْلِ هَذا المَطْلَبِ في غايَةِ السُّقُوطِ، وأُجِيبَ عَنْ مُتَمَسَّكِ أبِي الهُذَيْلِ بِأنَّ عَدَمَ القَتْلِ إنَّما يُتَصَوَّرُ عَلى تَقْدِيرِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ لا يُقْتَلُ، وحِينَئِذٍ لا نُسَلِّمُ لُزُومَ المُحالِ، وبِأنَّهُ لا اسْتِحالَةَ في قَطْعِ الأجَلِ المُقَدَّرِ الثّابِتِ لَوْلا القَتْلُ، لِأنَّهُ تَقْرِيرٌ لِلْمَعْلُومِ لا تَغْيِيرٌ لَهُ، وعَنْ مُتَمَسَّكِ الكَعْبِيِّ المُخالِفِ لِلْمُعْتَزِلَةِ والأشاعِرَةِ في إثْباتِ الأجَلَيْنِ بِأنَّ القَتْلَ قائِمٌ بِالقاتِلِ وحالٌ لَهُ لا لِلْمَقْتُولِ، وإنَّما حالُهُ المَوْتُ وانْزِهاقُ الرُّوحِ الَّذِي هو بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى وإذْنِهِ ومَشِيئَتِهِ وإرادَةِ المَقْتُولِيَّةِ المُتَوَلِّدَةِ عَنْ قَتْلِ القاتِلِ بِالقَتْلِ وهي حالُ المَقْتُولِ، إذْ هي بُطْلانُ الحَياةِ والتَّخْصِيصُ بِما لا يَكُونُ عَلى وجْهِ القَتْلِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ.

﴿ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ ﴾ خِلافُ مَذْهَبِهِ مِن إنْكارِ القَضاءِ والقَدَرِ في أفْعالِ العِبادِ إذْ بُطْلانُ الحَياةِ المُتَوَلِّدُ مِن قَتْلِ القاتِلِ أجَلٌ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وعَيَّنَهُ وحَدَّدَهُ، ومَعْنى الآيَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ: أفِئْنَ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ بِلا سَبَبٍ، أوْ ماتَ بِسَبَبِ القَتْلِ، فَتَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ بُطْلانِ الحَياةِ مَوْتٌ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ في المَقْتُولِ مَعْنَيَيْنِ قَتْلًا هو مِن فِعْلِ الفاعِلِ، ومَوْتًا هو مِنَ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، وذَهَبَتِ الفَلاسِفَةُ إلى مِثْلِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكَعْبِيُّ مِن تَعَدُّدِ الأجَلِ فَقالُوا: إنَّ لِلْحَيَوانِ أجَلًا طَبِيعِيًّا بِتَحَلُّلِ رُطُوبَتِهِ وانْطِفاءِ حَرارَتِهِ الغَرِيزِيَّتَيْنِ، وآجالًا اخْتِرامِيَّةً تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ أسْبابٍ لا تُحْصى مِنَ الأمْراضِ والآفاتِ، وبَيانُهُ أنَّ الجَواهِرَ الَّتِي غَلَبَتْ عَلَيْها الأجْزاءُ الرَّطْبَةُ رُكِّبَتْ مَعَ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ فَصارَتْ لَها بِمَنزِلَةِ الدُّهْنِ لِلْفَتِيلَةِ المُشْعِلَةِ، وكُلَّما انْتُقِصَتْ تِلْكَ الرُّطُوباتُ تَبِعَتْها الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ في ذَلِكَ حَتّى إذا انْتَهَتْ في الِانْتِقاصِ وتَزايَدَ الجَفافُ انْطَفَأتِ الحَرارَةُ كانْطِفاءِ السِّراجِ عِنْدَ نَفاذِ دُهْنِهِ فَحَصَلَ المَوْتُ الطَّبِيعِيُّ، وهو مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأمْزِجَةِ وهو في الإنْسانِ في الأغْلَبِ تَمامُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً.

وقَدْ يَعْرِضُ مِنَ الآفاتِ مِثْلُ البَرْدِ المُجَمِّدِ والحَرْبِ المُذَوِّبِ وأنْواعِ السُّمُومِ وأنْواعِ تَفَرُّقِ الِاتِّصالِ وسُوءِ المِزاجِ ما يُفْسِدُ البَدَنَ ويُخْرِجُهُ عَنْ صَلاحِهِ لِقَبُولِ الحَياةِ إذْ شَرْطُها اعْتِدالُ المِزاجِ فَيَهْلِكُ بِسَبَبِهِ وهَذا هو الأجَلُ الِاخْتِرامِيُّ، ويَرُدُّ ذَلِكَ أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى قَواعِدِهِمْ مِن تَأْثِيرِ الطَّبِيعَةِ والمِزاجِ وهو باطِلٌ عِنْدَنا إذْ لا تَأْثِيرَ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، وتِلْكَ الأُمُورُ عِنْدَنا أسْبابٌ عادِيَّةٌ لا عَقْلِيَّةٌ كَما زَعَمُوا، وادَّعى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ النِّزاعَ بَيْنَنا وبَيْنَ الفَلاسِفَةِ كالنِّزاعِ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ - عَلى رَأْيٍ الأُسْتاذِ - لَفْظِيٌّ، إذْ هم لا يُنْكِرُونَ القَضاءَ والقَدَرَ، فالوَقْتُ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى بُطْلانَ الحَياةِ فِيهِ بِأيِّ سَبَبٍ كانَ واحِدٌ عِنْدَهم أيْضًا، وما ذَكَرُوهُ مِنَ الأجَلِ الطَّبِيعِيِّ نَحْنُ لا نُنْكِرُهُ أيْضًا، لَكِنَّهم يَجْعَلُونَ اعْتِدالَ المِزاجِ واسْتِقامَةَ الحَرارَةِ والرُّطُوبَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ شُرُوطًا حَقِيقَةً عَقْلِيَّةً لِبَقاءِ الحَياةِ، ونَحْنُ نَجْعَلُها أسْبابًا عادِيَّةً، وذَلِكَ بَحْثٌ آخَرُ وسَيَأْتِي تَتِمَّةُ الكَلامِ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ، إذِ الأُمُورُ مَرْهُونَةٌ لِأوْقاتِها، ولِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ.

﴿ ومَن يُرِدْ ﴾ أيْ بِعَمَلِهِ كالجِهادِ ﴿ ثَوابَ الدُّنْيا ﴾ كالغَنِيمَةِ ﴿ نُؤْتِهِ ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ ﴿ مِنها ﴾ أيْ شَيْئًا مِن ثَوابِها إنْ شِئْنا فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ﴾ وهَذا تَعْرِيضٌ بِمَن شَغَلَتْهُمُ الغَنائِمُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ مَصْلَحَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ.

﴿ ومَن يُرِدْ ﴾ أيْ بِعَمَلِهِ كالجِهادِ أيْضًا والذَّبِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

﴿ ثَوابَ الآخِرَةِ ﴾ مِمّا أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ فِيها مِنَ النَّعِيمِ ﴿ نُؤْتِهِ مِنها ﴾ أيْ مِن ثَوابِها ما نَشاءُ حَسْبَما جَرى بِهِ قَلَمُ الوَعْدِ الكَرِيمِ، وهَذا إشارَةٌ إلى مَدْحِ الثّابِتِينَ يَوْمَئِذٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في الجِهادِ خاصَّةً لَكِنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الأعْمالِ.

﴿ وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ ﴾ (145) يَحْتَمِلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِمُ المُرِيدُونَ لِلْآخِرَةِ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِمْ جِنْسُ الشّاكِرِينَ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ووَعْدٌ بِالمَزِيدِ عَلَيْهِ وفي تَصْدِيرِها بِالسِّينِ وإبْهامِ الجَزاءِ مِنَ التَّأْكِيدِ والدَّلالَةِ عَلى فَخامَةِ شَأْنِ الجَزاءِ وكَوْنِهِ بِحَيْثُ يَضِيقُ عَنْهُ نِطاقُ البَيانِ ما لا يَخْفى، وبِذَلِكَ جُبِرَ اتِّحادُ العِبادَتَيْنِ في شَأْنِ الفَرِيقَيْنِ واتَّضَحَ الفَرْقُ لِذِي عَيْنَيْنِ، وقُرِئَتِ الأفْعالُ الثَّلاثَةُ بِالياءِ.

* * * هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ ) ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً ﴾ إمّا إشارَةٌ إلى الأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى في طَلَبِ الرِّزْقِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ، أوْ رَمْزٌ إلى الأمْرِ بِالإحْسانِ إلى عِبادِ اللَّهِ المُحْتاجِينَ مِن غَيْرِ طَلَبِ نَفْعٍ مِنهم، فَقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ «القَرْضَ أفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ»، أوْ إيماءٌ إلى عَدَمِ طَلَبِ الأجْرِ عَلى الأعْمالِ بِأنْ يَفْعَلَها مَحْضًا لِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ مِن أكْلِ الرِّبا ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ أيْ تَفُوزُونَ بِالحَقِّ.

﴿ واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ أيِ اتَّقُونِي في النّارِ لِأنَّ إحْراقَها وعَذابَها مِنِّي، وهَذا سِرُّ عَيْنِ الجَمْعِ قالُوا: ويَرْجِعُ في الحَقِيقَةِ إلى تَجَلِّي القَهْرِ وهو بِظاهِرِهِ تَخْوِيفٌ لِلْعَوامِّ، والتَّخْوِيفُ الأوَّلُ لِلْخَواصِّ وقَلِيلٌ ما هم.

﴿ وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ ﴾ وهي سَتْرُ أفْعالِكُمُ الَّتِي هي حِجابُكُمُ الأعْظَمُ عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ ﴿ وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ ﴾ وهي جَنَّةُ تَوْحِيدِ الأفْعالِ وهو تَوْحِيدُ عالَمِ المُلْكِ، ولِذا ذَكَرَ سُبْحانَهُ السَّمَواتِ والأرْضَ، وذَكَرَ العَرْضَ دُونَ الطُّولِ؛ لِأنَّ الأفْعالَ بِاعْتِبارِ السِّلْسِلَةِ العَرْضِيَّةِ وهي تُوقِفُ كُلَّ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ آخَرَ تَنْحَصِرُ في عالَمِ المُلْكِ الَّذِي تَصِلُ إلَيْهِ أفْهامُ النّاسِ ويُقَدِّرُونَهُ، وأمّا بِاعْتِبارِ الطُّولِ فَلا تَنْحَصِرُ فِيهِ ولا يُقَدَّرُ قَدْرُها، إذِ الفِعْلُ مَظْهَرُ الوَصْفِ، والوَصْفُ مَظْهَرُ الذّاتِ، والذّاتُ لا نِهايَةَ لَها ولا حَدَّ.

﴿ وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقّ قَدْرِهِ ﴾ فالمَحْجُوبُونَ عَنِ الذّاتِ والصِّفاتِ لا يَرَوْنَ إلّا هَذِهِ الجَنَّةَ، وأمّا البارِزُونَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ فَعَرْضُ جَنَّتِهِمْ عَيْنُ طُولِها ولا حَدَّ لِطُولِها فَلا يُقَدَّرُ قَدْرُها طُولًا وعَرْضًا ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ حَجَبَ أفْعالَهم وتَرَكَ نِسْبَةَ الأفْعالِ إلى غَيْرِ الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ دَعا خَلْقَهُ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ إلى فِعْلِ ما يُؤَدِّي إلى المَغْفِرَةِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها فَإنَّ الذَّنْبَ مُخْتَلِفٌ وذَنْبُ المَعْصُومِ قِلَّةُ مَعْرِفَتِهِ بِرَبِّهِ بِالنَّظَرِ إلى عَظَمَةِ جِمالِهِ وجَلالِهِ في نَفْسِ الأمْرِ.

وفِي الخَبَرِ عَنْ سَيِّدِ العارِفِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «سُبْحانَكَ ما عَرَفْناكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ» فَما عَرَفَهُ العارِفُونَ مِن حَيْثُ هو، وإنَّما عَرَفُوهُ مِن حَيْثُ هم، وفَرْقٌ بَيْنَ المَعْرِفَتَيْنِ، ولِهَذا قِيلَ: ما عَرَفَ اللَّهَ تَعالى إلّا اللَّهُ تَعالى، ودَعاهم أيْضًا إلى ما يَجُرُّهم إلى الجَنَّةِ، والخِطابُ بِذَلِكَ إنْ كانَ لِلْعارِفِينَ فَهو دُعاءٌ إلى عَيْنِ الجَمْعِ لِيَتَجَلّى لَهم بِالوَسائِطِ لِبَقائِهِمْ في المَعْرِفَةِ وفي الحَقِيقَةِ مَعْرِفَتُهُ قُرْبَتُهُ، وجَنَّتُهُ مُشاهَدَتُهُ، وفي حَقِيقَةِ الحَقِيقَةِ هي الذّاتُ الجامِعُ الَّتِي لا يَصِلُ إلَيْها الأغْيارُ، ومِن هُنا قِيلَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وإنْ كانَ الخِطابُ بِالنَّظَرِ إلى آحادِ المُؤْمِنِينَ، فالمُرادُ بِها أنْواعُ التَّجَلِّياتِ الجَمالِيَّةِ أوْ ظاهِرُها الَّذِي أفْصَحَ بِهِ لِسانُ الشَّرِيعَةِ، ودُعاؤُهم إلَيْهِ مِن بابِ التَّرْبِيَةِ وجَلْبِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُفْطَمْ بَعْدُ مِن رَضْعِ ثَدْيِ اللَّذائِذِ إلى ما يُرَغِّبُها في كَسْبِ الكَمالاتِ الإنْسانِيَّةِ والتَّرَقِّي إلى ذُرْوَةِ المَعارِجِ الإلَهِيَّةِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ نَفائِسَ نُفُوسِهِمْ لِمَوْلاهم في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ في حالَتَيِ الجَمالِ والجَلالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الَّذِينَ لا تَمْنَعُهُمُ الأحْوالُ المُتَضادَّةُ عَنِ الإنْفاقِ فِيما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى لِصِحَّةِ تَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِرُؤْيَةِ جَمِيعِ الأفْعالِ مِنهُ.

﴿ والكاظِمِينَ الغَيْظَ ﴾ الَّذِي يَعْرِضُ لِلْإنْسانِ بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ، وكَظْمُهم لَهُ قَدْ يَكُونُ بِالشَّدِّ عَلَيْهِ بِوِكاءِ التَّسْلِيمِ والرِّضا، وذَلِكَ بِالنَّظَرِ لِمَن هو في مَقامِ جَنَّةِ الصِّفاتِ، وأمّا مَن دُونَهم فَكَظْمُهم دُونَ هَذا الكَظْمِ، وسَبَبُ الكَظْمِ أنَّهم يَرَوْنَ الجِنايَةَ عَلَيْهِمْ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ لِلْخَلْقِ مَدْخَلٌ فِيها.

﴿ والعافِينَ عَنِ النّاسِ ﴾ إمّا لِأنَّهم في مَقامِ تَوْحِيدِ الأفْعالِ، أوْ لِأنَّهم في مَقامِ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ.

﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ حَسَبِ مَراتِبِهِمْ في الإحْسانِ ﴿ والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً ﴾ أيْ كَبِيرَةً مِنَ الكَبائِرِ وهي رُؤْيَةُ أفْعالِهِمُ المُحَرَّمَةِ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمَ رُؤْيَةِ الأجْنَبِيّاتِ بِشَهْوَةٍ ﴿ أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِنَقْصِهِمْ حُقُوقَها والتَّثَبُّطِ عَنْ تَكْمِيلِها ﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ ﴾ أيْ تَذَكَّرُوا عَظَمَتَهُ وعَلِمُوا أنَّهُ لا فاعِلَ في الحَقِيقَةِ سِواهُ ﴿ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ أيْ طَلَبُوا سَتْرَ أفْعالِهِمْ عَنْهم بِالتَّبَرِّي عَنِ الحَوْلِ والقُوَّةِ إلّا بِاللَّهِ ﴿ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ﴾ وهي رُؤْيَةُ الأفْعالِ، أوِ النَّظَرُ إلى سائِرِ الأغْيارِ ﴿ إلا اللَّهُ ﴾ وهو المَلِكُ العَظِيمُ الَّذِي لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ ﴿ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا ﴾ في غَفْلَتِهِمْ ونَقْصِ حَقِّ نُفُوسِهِمْ ﴿ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ حَقِيقَةَ الأمْرِ وأنْ لا فِعْلَ لِغَيْرِهِ ﴿ أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ ﴾ وهو سَتْرُهُ لِوُجُودِهِمْ بِوُجُودِهِ وتَرَقِّيهِمْ مِن مَقامِ تَوْحِيدِ الأفْعالِ إلى ما فَوْقَهُ ﴿ وجَنّاتٌ ﴾ أيْ أشْياءُ خَفِيَّةٌ وهي جَنّاتُ الغَيْبِ وبَساتِينُ المُشاهَدَةِ والمُداناةِ الَّتِي هي عُيُونُ صِفاتِ الذّاتِ ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ أيْ تَجْرِي مِنها أنْهارُ الأوْصافِ الأزَلِيَّةِ ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ بِلا مُكْثٍ ولا قَطْعٍ ولا خَطَرِ الزَّمانِ ولا حَجْبِ المَكانِ ولا تَغَيُّرٍ ﴿ ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ﴾ ومِنهُمُ الواقِفُونَ بِشَرْطِ الوَفاءِ في العِشْقِ عَلى الحَضْرَةِ القَدِيمَةِ بِلا نَقْضٍ لِلْعُهُودِ ولا سَهْوٍ في الشُّهُودِ.

﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ ﴾ بَطَشاتٌ ووَقائِعُ في الَّذِينَ كَذَّبُوا الأنْبِياءَ في دُعائِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ ﴿ فَسِيرُوا ﴾ بِأفْكارِكم ﴿ فِي الأرْضِ فانْظُرُوا ﴾ وتَأمَّلُوا في آثارِها لِتَعْلَمُوا ﴿ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ أيْ آخِرُ أمْرِهِمْ ونِهايَتُهُ الَّتِي اسْتَدْعاها التَّكْذِيبُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا أمْرًا لِلنُّفُوسِ بِأنْ تَنْظُرَ إلى آثارِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي في أرْضِ الطَّبِيعَةِ لِتَعْلَمَ ماذا عَراها وكَيْفَ انْتَهى حالُها فَلَعَلَّها تَرْقى بِسَبَبِ ذَلِكَ عَنْ حَضِيضِ اللُّحُوقِ بِها ﴿ هَذا ﴾ أيْ كَلامُ اللَّهِ تَعالى ﴿ بَيانٌ لِلنّاسِ ﴾ يُبَيِّنُ لَهم حَقائِقَ أُمُورِ الكَوْنَيْنِ ﴿ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ ﴾ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ ﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ وهم أهْلُ اللَّهِ تَعالى وخاصَّتُهُ.

واخْتَلَفَ الحالُ لِاخْتِلافِ اسْتِعْدادِ المُسْتَمِعِينَ لِلْكَلامِ إذْ مِنهم قَوْمٌ يَسْمَعُونَهُ بِأسْماعِ العُقُولِ، ومِنهم قَوْمٌ يَسْمَعُونَهُ بِأسْماعِ الأسْرارِ، وحَظُّ الأوَّلِينَ مِنهُ الِامْتِثالُ والِاعْتِبارُ، وحَظُّ الآخِرِينَ مَعَ ذَلِكَ الكَشْفُ ومُلاحَظَةُ الأنْوارِ، وقَدْ تَجَلّى الحَقُّ فِيهِ لِخَواصِّ عِبادِهِ ومُقْرَبِّي أهْلِ اصْطِفائِهِ، فَشاهَدُوا أنْوارًا تَجَلّى وصِفَةً قَدِيمَةً وراءِ عالَمِ الحُرُوفِ تُتْلى.

﴿ ولا تَهِنُوا ﴾ أيْ لا تَضْعُفُوا في الجِهادِ ﴿ ولا تَحْزَنُوا ﴾ عَلى ما فاتَكم مِنَ الفَتْحِ ونالَكم مِن قَتْلِ الإخْوانِ ﴿ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ في الرُّتْبَةِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ مُوَحِّدِينَ حَيْثُ إنَّ المُوَحِّدَ يَرى الكُلَّ مِن مَوْلاهُ فَأقَلُّ دَرَجاتِهِ الصَّبْرُ.

﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ ولَمْ يُبالُوا مَعَ أنَّهم دُونَكم ﴿ وتِلْكَ الأيّامُ ﴾ أيِ الوَقائِعُ ﴿ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ﴾ فَيَوْمٌ لِطائِفَةٍ وآخَرُ لِأُخْرى ﴿ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ لِيَظْهَرَ عِلْمُهُ التَّفْصِيلِيُّ التّابِعُ لِوُقُوعِ المَعْلُومِ ﴿ ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الحَقَّ فَيَذْهَلُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ﴾ أيِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وأضاعُوا حَقَّها ولَمْ يُكْمِلُوا نَشْأتَها.

﴿ ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ لِيُخَلِّصَهم مِنَ الذُّنُوبِ والغَواشِي الَّتِي تُبْعِدُهم مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالعُقُوبَةِ والبَلِيَّةِ ﴿ ويَمْحَقَ ﴾ أيْ يُهْلِكَ ﴿ الكافِرِينَ ﴾ بِنارِ أنانِيَّتِهِمْ.

﴿ أمْ حَسِبْتُمْ ﴾ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ أيْ تَلِجُوا عالَمَ القُدُسِ ﴿ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ ﴾ أيْ ولَمْ يَظْهَرْ مِنكم مُجاهَداتٌ تُورِثُ المُشاهَداتِ وصَبْرٌ عَلى تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ وتَصْفِيَةِ القُلُوبِ عَلى وفْقِ الشَّرِيعَةِ وقانُونِ الطَّرِيقَةِ لِيَتَجَلّى لِلْأرْواحِ أنْوارُ الحَقِيقَةِ.

﴿ ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ ﴾ أيْ مَوْتِ النُّفُوسِ عَنْ صِفاتِها ﴿ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ ﴾ بِالمُجاهَداتِ والرِّياضاتِ ﴿ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ ﴾ بِرُؤْيَةِ أسْبابِهِ وهي الحَرْبُ مَعَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى ﴿ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ الجِهادَ أحَدُ أسْبابِهِ مَوْتُ النَّفْسِ عَنْ صِفاتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُوقِنَ إذا لَمْ يَكُنْ يَقِينُهُ مِلْكُهُ تَمَنّى أُمُورًا وادَّعى أحْوالًا حَتّى إذا امْتُحِنَ ظَهَرَ مِنهُ ما يُخالِفُ دَعْواهُ ويُنافِي تَمَنِّيهِ ومِن هُنا قِيلَ: وإذا ما خَلا الجَبانُ بِأرْضٍ طَلَبَ الطَّعْنَ وحْدَهُ والنِّزالا ومَتى رَسَخَ ذَلِكَ اليَقِينُ وتَمَكَّنَ وصارَ مَلَكَةً ومَقامًا ولَمْ يَبْقَ حالًا لَمْ يَخْتَلِفِ الأمْرُ عَلَيْهِ عِنْدَ الِامْتِحانِ، والآيَةُ تُشِيرُ إلى تَوْبِيخِ المُنْهَزِمِينَ بِأنَّ يَقِينَهم كانَ حالًا ولَمْ يَكُنْ مَقامًا.

﴿ وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ أيْ أنَّهُ بَشَرٌ كَسائِرِ إخْوانِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ فَكَما خَلَوْا مِن قَبْلِهِ سَيَخْلُو هو مِن بَعْدِهِمْ ﴿ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ ﴾ ورَجَعْتُمُ القَهْقَرى، والإشارَةُ في ذَلِكَ إلى أنَّهُ تَعالى عاتَبَ مِن تَزَلْزَلَ لِذَهابِ الواسِطَةِ العُظْمى عَنِ البَيْنِ وهو مُنافٍ لِمُشاهَدَةِ الحَقِّ ومُعايَنَتِهِ، ولِهَذا قالَ الصِّدِّيقُ الأكْبَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ماتَ، ومَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ تَعالى حَيٌّ لا يَمُوتُ، ﴿ ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾ لِفَنائِهِ الذّاتِيِّ ﴿ وسَيَجْزِي اللَّهُ ﴾ بِالإيمانِ الحَقِيقِيِّ ﴿ الشّاكِرِينَ ﴾ بِالإيمانِ التَّقْلِيدِيِّ بِأداءِ حُقُوقِهِ مِنَ الِائْتِمارِ بِأوامِرِ الشَّرْعِ والِانْتِهاءِ عَنْ نَواهِيهِ ﴿ وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ ﴾ هَذا المَوْتَ المَعْلُومَ، أوِ المَوْتَ عَنْ أوْصافِها الدَّنِيَّةِ وأخْلاقِها الرَّدِّيَةِ ﴿ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ ومَشِيئَتِهِ أوْ جَذْبِهِ بِإشْراقِ نُورِهِ ﴿ ومَن يُرِدْ ﴾ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ ﴿ ثَوابَ الدُّنْيا ﴾ جَزاءً لِعَمَلِهِ ﴿ نُؤْتِهِ مِنها ﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿ ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ ﴾ جَزاءً لِعَمَلِهِ ﴿ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ ﴾ ولَعَلَّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا الثَّوابَيْنِ ولَمْ يَكُنْ لَهم غَرَضٌ سِوى العُبُودِيَّةِ، وأبْهَمَ جَزاءَهم لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ أمْرٌ وراءَ العِبارَةِ، ولَعَلَّهُ تَجَلِّي الحَقِّ لَهم، وهَذا غايَةُ مُتَمَنِّي المُحِبِّينَ ونِهايَةُ مَطْلَبِ السّالِكِينَ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى رِضاهُ وتَوْفِيقَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ قبل أجلها إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا يقول: في موتها كتاباً مؤجلاً في اللوح، فلا يسبق أجله.

وقال الزجاج: قوله كتاباً مؤجلاً، أي كتب كتاباً ذا أجل، وهو الوقت المعلوم، وذكر الكتاب على معنى التأكيد كقوله: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [النساء: 24] أي أن المحرمات مفروضة عليكم على معنى التأكيد.

وفي هذه الآية إبطال قول المعتزلة، لأنهم يقولون: إن من قتل فإنما يهلك قبل أجله، وكل ما ذبح من الحيوان كان هالكاً قبل أجله، لأنه يجب على القاتل الضمان والدية.

وقد بيّن الله تعالى في هذه الآية أنه لا تهلك نفس قبل أجلها.

وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها قال الكلبي: يعني يرد ثواب الدنيا بالعمل الذي افترض الله عليه نُؤْتِهِ مِنْها يعني أعطاه الله ما يحب، وَمَا لَهُ فِى الاخرة من نصيب وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ في الآخرة.

ومن الناس من قال: إن الرياء يدخل في النوافل، ولا يدخل في الفرائض، لأن الفرائض واجبة على جميع الناس.

وقال بعضهم: يدخل في الفرائض ولا يدخل في النوافل، لأنه لو لم يأتِ بها لا يؤاخذ بها، فإذا أتى بهذا القدر ليس عليه غير ذلك.

وقال بعضهم: كلاهما سواء، فالرياء يدخل في الفرائض والنوافل جميعاً.

وهذا القول أصح لقوله تعالى: وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ [النساء: 142] .

ثم إن الله تعالى أخبرهم بما لَقِيَتِ الأنبياءُ والمؤمنون قبلهم فعزَّاهم ليصبروا فقال تعالى سبحانه: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قرأ ابن كثير وَكَأَيِّنْ بعد الألف والهمزة، وقرأ الباقون بغير مد، ومعناهما واحد.

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو: وكأيِّن من نبي قُتِل، بضم القاف وكسر التاء.

وقرأ الباقون: قاتَلَ، فمن قرأ قاتل فمعناه كم من نبيّ قاتل معه جموع كثيرة.

ومن قرأ قتل معناه: وكم من نبي قتل مَعَهُ جماعة كثيرة.

وقوله: رِبِّيُّونَ قال الكلبي: الربية الواحدة من عشرة آلاف.

وقال الزجاج: هاهنا قراءتان رُبِّيُّون بضم الراء، ورِبِّيّون بكسرها، فأما بالضم فهي الجماعة الكثيرة عشرة آلاف، وأما الرِّبّيُّون بالكسر العلماء الأتقياء الصبراء على ما يصيبهم في الله تعالى.

ويقال: وكأين من نبي قتل يعني: كم من نبيّ قتل وكان معه ربيون كثير.

فَما وَهَنُوا بعد قَتْلِهِ عن القتال، وما عجزوا بما نزل بهم من قتل أنبيائهم وأنفسهم لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا لَعدُوِّهم، ويقال: وما جبنوا.

ثم قال وَمَا اسْتَكانُوا يقول: وما خضعوا لعدوهم ولكنهم صبروا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ فكأنه يقول للمؤمنين: فهلا قاتلتم مع نبيكم  وبعد قتله وإن قتل، كما قاتلت القرون الماضية من قبلكم إذا أصيبت أنبياؤهم.

ثم أخبر عن قول الذين قاتلوا مع النبيين فقال تعالى: وَما كانَ قَوْلَهُمْ عند قتل أنبيائهم إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أي هي دون الكبائر وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا أي العظائم من الذنوب وَثَبِّتْ أَقْدامَنا عند القتال وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ معناه: هلاّ قلتم كما قالوا وقاتلتم كما قاتلوا.

وقرأ بعضهم قولهم بالضم، والمعنى في ذلك أنه جعل القول اسم كان، فيكون معناه وما كان قولهم إلا قولهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا.

ومن قرأ بالنصب جعل القول خبر كان، وجعل الاسم ما بعده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أنس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ (عَزَّ وجَلَّ) خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا، وأَنَّ الدُّنْيَا لَهُ وَمَا فِيهَا، إلاَّ الشَّهِيدَ، لِمَا يرى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلُ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يرى مِنَ الكَرَامَةِ» .

اهـ «١» .

فقد تبيَّن لك تمنِّي القَتْلِ في سبيل اللَّه بهذه النُّصُوصِ لما فيه من الكرامة.

وصَوَابُ كلام ع «٢» : أنْ يقول: وإِنما يتمنَّى القتلُ للواحقه من الشَّهادةِ والتنْعِيمِ.

وقوله سبحانه: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ، يريد: رأيتم أسبابه، وقوله: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ:

تأكيدٌ للرؤية، وإخراجِها من الاشتراك الذي بين رؤية القلب ورؤية العين.

وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)

وقوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ...

الآية: هذا استمرار في عتبهم، وإقامةُ الحُجَّة علَيْهم: المعنى أنَّ محمدًا- عليه السلام- رسُولٌ كسائرِ الرُّسُلِ قد بَلَّغ كما بلَّغوا، ولزمكم أيُّها المؤمنُونَ العَمَلُ بمُضَمَّن الرسالة، وليسَتْ حياته وبَقَاؤه بَيْنَ أظهركم شَرْطاً في ذلك لأنه يَمُوتُ كما مَاتَتِ الرُّسُل قبله، ثم توعَّد سبحانه المُنْقَلِبَ على عَقِبَيْهِ بقوله: فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً لأن المعنى: فإنما يضرُّ نفسه، وإياها يوبق، ثم وعد الشاكِرِينَ، وهم الذين صدَقُوا، وصَبَرُوا، ومَضَوْا في دينهم، ووفّوا لله

بعدهم كسعدِ بْنِ الرَّبيع «١» ، ووصيته يومئذٍ للأنصار، وأَنَسِ بْنِ النَّضرِ «٢» ، وغيرهما، ثم يَدْخُلُ في الآية الشاكرون إلى يوم القيامةِ، وقال عليٌّ (رضي اللَّه عنه) في تفسير هذه الآية «٣» : الشاكِرُونَ الثَّابِتُونَ على دِينِهِمْ أبو بَكْر، وأصحابه، وكان يقولُ: أبُو بَكْرٍ/ أَمِيرُ الشَّاكِرِينَ إشارة منه إلى صَدْعِ أبي بَكْر بهذه الآيةِ يوم موت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وثبوتِهِ في ذلك المَوْطِن، وثبوتِهِ في أمْرِ الرِّدَّة، وسائرِ المواطنِ التي ظَهَرَ فيها شُكْرُهُ، وشُكْرُ الناس بسببه، ثم أخبر عزَّ وجلَّ عن النفوسِ أنها إنما تَمُوتُ بَأجَلٍ مَكْتُوبٍ محتومٍ عند اللَّه تعالى، أي:

فالجُبْنُ والخَوَرُ لا يزيدُ في الأجَلِ، والشَّجَاعَةُ والإقدامُ لا ينقصُ منه، وفي هذه الآية تقويةٌ للنفوس في الجهادِ، وفيها ردٌّ على المعتزلة في قَوْلِهِمْ بِالأَجَلَيْنِ.

وقوله سبحانه: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها ...

الآية، أي: نؤت من شئْنا منها ما قُدِّرَ له يبيِّن ذلك قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء: ١٨] ، وقرينةُ الكلامِ تقتضي أنه لا يؤتى شيْئاً من الآخرة لأنَّ مَنْ كانَتْ نيَّته من عمله مقصورةً على طَلَب الدُّنْيا، فلا نَصِيبَ له في الآخرة، والأعمال بالنيَّات، وقرينةُ الكلامِ مِنْ قوله: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها لا تمنع أنْ يؤتى نصيباً من الدنيا، قال ابنُ فُورَكَ في قوله تعالى: وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ: إشارة إلى أنه ينعِّمهم بِنعَمِ الدُّنْيا، لا أنهم يقصرون عَلَى الآخرة «٤» .

ثم ضَرَب سبحانه المثل للمؤمنينَ بمَنْ سَلَف مِنْ صالح الأمم الذين لم يَثْنِهِمْ عن دينهم قَتْلُ الكُفَّار لأنبيائِهِمْ، فقال: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ...

الآية: وفي «كَأَيِّنْ» لغاتٌ، فهذه اللغة أصلها «٥» لأنها كافُ التشبيه دخلت على «أيّ» ، و «كأيّن» في

هذه الآية في موضِعِ رَفْعٍ بالابتداء، وهي بمنزلة «كَمْ» ، وبمعناها تعطى في الأغلب التكثيرَ، وقرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو: «قُتِلَ» مَبْنياً لما لم يسمَّ فاعله، وقرأ «١» الباقُونَ «قَاتَلَ» ، فقوله: «قُتِلَ» ، قال فيه جماعةٌ من المفسِّرين، منهم الطَّبريُّ «٢» : إنه مستند إلى ضميرِ «نَبِيٍّ» ، والمعنى عندهم أنَّ النبيَّ قُتِلَ، ونحا إليه ابنُ عَبَّاس، وإذا كان هذا، ف «رِبِّيُّونَ» مرتفعٌ بالظرف بلا خلاف، وهو متعلِّق بمحذوفٍ، وليس متعلِّقاً ب «قُتِلَ» ، وقال الحَسَن بْنُ أبي الحَسَن وجماعة: إنَّ «قُتِلَ» إنما هو مستندٌ إلى قوله: «رِبِّيُّون» ، وهم المقتولُونَ «٣» ، قال الحَسَن، وابنُ جُبَيْر: لم يقتل نبيٌّ في حَرْبٍ «٤» قطُّ.

قال ع «٥» : فعلى هذا القول يتعلَّق قوله: «مَعَهُ» ب «قُتِلَ» ورجح الطبريّ «٦» القول الأوّل بدلالة نازلة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وذلك أنَّ المؤمنين إنما تخاذلوا يَوْم أحد، لما قِيلَ: قُتِلَ مُحَمَّد، فضرب المَثَل بنَبِيٍّ قُتِلَ، وترجيحُ الطبريِّ حسن ويؤيِّد ذلك ما تقدَّم من قوله:

أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ [آل عمران: ١٤٤] وحجة من قَرَأَ «قَاتَلَ» : أنها أعمُّ في المدح لأنه يدخل فيها مَنْ قتل، ومن بقي.

قال ع «١» : ويحسُنُ عندي على هذه القراءةِ استناد الفعْلِ إلى الربِّيِّين، وقوله:

رِبِّيُّونَ، قال ابن عباس وغيره: معناه: جموعٌ كثيرةٌ، وهو الرِّبَّة «٢» (بكسر الراء) ، وهي الجماعة الكثيرة، وروي عنِ ابن عَبَّاس والحسنِ بْنِ أبي الحَسَن وغيرهما: إنهم قالوا:

ربِّيونَ: معناه: علماء «٣» ويقوِّي هذا القولَ قراءةُ مَنْ قرأَ: رِبِّيُّونَ «٤» (بفتح الراء) ، منسوبون إلى الرَّبِّ إما لأنهم مطيعُونَ له، أوْ مِنْ حيث إنهم علماء بما شَرَع.

وقوله سبحانه: وَمَا اسْتَكانُوا، ذهبتْ طائفةٌ من النحاة «٥» إلى أنَّه من السُّكُون، وذهَبَتْ طائفة إلى أنه مأخوذٌ مِنْ: «كَانَ، يَكُونُ» ، وأصلُهُ: استكونوا، والمعنى: أنهم لم يَضْعُفوا، ولا كانوا/ قريباً من ذلكَ، قلْتُ: واعلم (رحمك اللَّه) أنَّ أصْلَ الوَهَنِ والضَّعْفِ عن الجِهَادِ، ومكافحةِ العَدُوِّ هو حُبُّ الدنيا، وكراهيةُ بَذْلِ النفوس لله، وبذل مهجها للقتل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ في الإذْنِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الأمْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الإذْنُ نَفْسُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآَيَةِ: وما كانَتْ نَفْسٌ لِتَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كِتابًا مُؤَجَّلا ﴾ تَوْكِيدٌ، والمَعْنى: كَتَبَ اللَّهُ ذَلِكَ كِتابًا مُؤَجَّلًا، أيْ: كِتابًا ذا أجَلٍ.

والأجَلُ: الوَقْتُ المَعْلُومُ، ومِثْلُهُ في التَّوْكِيدِ ﴿ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ  ﴾ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ  ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهُ مَفْرُوضٌ، فَأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ  ﴾ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ  ﴾ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً  ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهُ خَلْقُ اللَّهِ فَأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ﴾ أيْ: مَن قَصَدَ بِعَمَلِهِ الدُّنْيا، أُعْطِيَ مِنها قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، ومَن قَصَدَ الآَخِرَةَ بِعَمَلِهِ، أُعْطِيَ مِنها.

وقالَ مُقاتِلٌ: عَنى بِالآَيَةِ مَن ثَبَتَ يَوْمَ أُحُدٍ، ومَن طَلَبَ الغَنِيمَةَ.

* فَصْلٌ وَأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ مُحْكَمٌ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى نَسْخِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ  ﴾ والصَّحِيحُ أنَّهُ مُحْكَمٌ، لِأنَّهُ لا يُؤْتى أحَدٌ شَيْئًا إلّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نُؤْتِهِ مِنها ﴾ أيْ: ما نَشاءُ، وما قَدَّرْنا لَهُ، ولَمْ يَقُلْ: ما يَشاءُ هو.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُسُلُ أفَإنْ ماتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكم ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللهَ الشاكِرِينَ ﴾ ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللهِ كِتابًا مُؤَجَّلا ﴾ .

هَذا اسْتِمْرارٌ في عَتْبِهِمْ وإقامَةِ حُجَّةِ اللهِ عَلَيْهِمُ، المَعْنى: أنَّ مُحَمَّدًا  رَسُولٌ كَسائِرِ الرُسُلِ، وقَدْ بَلَّغَ كَما بَلَّغُوا، ولَزِمَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ العَمَلُ بِمُضَمَّنِ الرِسالَةِ، ولَيْسَتْ حَياةُ الرَسُولِ وبَقاؤُهُ بَيْنَ أظْهُرِكم شَرْطًا في ذَلِكَ، لِأنَّ الرَسُولَ يَمُوتُ كَما ماتَ الرُسُلُ قَبْلَهُ.

و"خَلَتْ" مَعْناهُ: مَضَتْ وسَلَفَتْ، وصارَتْ إلى الخَلاءِ مِنَ الأرْضِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "الرُسُلُ" بِالتَعْرِيفِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "رُسُلٌ" دُونَ تَعْرِيفٍ، وهي قِراءَةُ حِطّانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَوَجْهُ الأُولى تَفْخِيمُ ذِكْرِ الرُسُلِ والتَنْوِيهُ بِهِمْ عَلى مُقْتَضى حالِهِمْ مِنَ اللهِ تَعالى، ووَجْهُ الثانِيَةِ أنَّهُ مَوْضِعُ تَفْسِيرٍ لِأمْرِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ في مَعْنى الحَياةِ، ومَكانُ تَسْوِيَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ البَشَرِ في ذَلِكَ فَيَجِيءُ تَنْكِيرُ "الرُسُلُ" جارِيًا في مِضْمارِ هَذا الِاقْتِصادِ بِهِ  ، وهَكَذا يُفْعَلُ في مَواضِعِ الِاقْتِصادِ بِالشَيْءِ، فَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَكُورُ  ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ  ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.

ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو الفَتْحِ، والقِراءَةُ بِتَعْرِيفِ الرُسُلِ أوجَهُ في الكَلامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَإنْ ماتَ"...

الآيَةُ، دَخَلَتْ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى جُمْلَةِ الكَلامِ عَلى الحَدِّ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ مُلْتَزِمَهُ، لِأنَّ أقْبَحَ الأحْوالِ أنْ يَقُولُوا: إنْ ماتَ مُحَمَّدٌ أو قُتِلَ انْقَلَبْنا، فَلَمّا كانَ فِعْلُهم يَنْحُو هَذا المَنحى وُقِفُوا عَلى الحَدِّ الَّذِي بِهِ يَقَعُ الإخْبارُ.

وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِها، لِأنَّ الغَرَضَ إنَّما هُوَ: تَنْقَلِبُونَ عَلى أعْقابِكم إنْ ماتَ مُحَمَّدٌ؛ فالسُؤالُ إنَّما هو عن جَوابِ الشَرْطِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِذَلِكَ النَظَرِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ يَبِينُ وجْهُ فَصاحَةِ الألِفِ عَلى الشَرْطِ، وذَلِكَ شَبِيهٌ بِدُخُولِ ألِفِ التَقْرِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ  ﴾ ونَحْوِهِ مِنَ الكَلامِ، كَأنَّكَ أدْخَلْتَ التَقْرِيرَ عَلى ما ألْزَمْتَ المُخاطَبَ أنَّهُ يَقُولُهُ.

والِانْقِلابُ عَلى العَقِبِ يَقْتَضِي التَوَلِّي عَنِ المُنْقَلَبِ عنهُ.

ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى المُنْقَلِبَ عَلى عَقِبِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا ﴾ لِأنَّ المَعْنى: فَإنَّما يَضُرُّ نَفْسَهُ وإيّاها يُوبِقُ.

ثُمَّ وعَدَ الشاكِرِينَ وهُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا وصَبَرُوا ولَمْ يَنْقَلِبْ مِنهم أحَدٌ عَلى عَقِبَيْهِ بَلْ مَضى عَلى دِينِهِ قُدُمًا حَتّى ماتَ، فَمِنهم سَعْدُ بْنُ الرَبِيعِ وتَقْضِي بِذَلِكَ وصِيَّتُهُ إلى الأنْصارِ، ومِنهم أنَسُ بْنُ النَضْرِ، ومِنهُمُ الأنْصارِيُّ الَّذِي ذَكَرَ الطَبَرِيُّ عنهُ بِسَنَدٍ أنَّهُ مَرَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِيُّ يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، فَقالَ: يا فُلانُ أشَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَقالَ الأنْصارِيُّ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ فَإنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، فَقاتِلُوا عن دِينِكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَؤُلاءِ أصْحابُ النازِلَةِ يَوْمَئِذٍ صَدَقَ فِعْلُهم قَوْلَهُمْ،.

ثُمَّ يَدْخُلُ في الآيَةِ الشاكِرُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: مَعْنى ﴿ وَسَيَجْزِي اللهُ الشاكِرِينَ ﴾ أيْ مَن أطاعَهُ وعَمِلَ بِأمْرِهِ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ بِسَنَدٍ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وذَكَرَ غَيْرَهُ: أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: الشاكِرُونَ: الثابِتُونَ عَلى دِينِهِمْ، أبُو بَكْرٍ وأصْحابُهُ، وكانَ يَقُولُ: أبُو بَكْرٍ أمِيرُ الشاكِرِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عِبارَةٌ مِن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ إنَّما هي إلى صَدْعِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في يَوْمِ مَوْتِ النَبِيِّ  وثُبُوتِهِ في ذَلِكَ المَوْطِنِ، وثُبُوتِهِ في أمْرِ الرِدَّةِ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا قُبِضَ وشاعَ مَوْتُهُ، هاجَ المُنافِقُونَ وتَكَلَّمُوا، وهَمُّوا بِالِاجْتِماعِ والمُكاشَفَةِ، أوقَعَ اللهُ تَعالى في نَفْسِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَبِيَّ لَمْ يُقْبَضْ، فَقامَ بِخُطْبَتِهِ المَشْهُورَةِ المُخَوِّفَةِ لِلْمُنافِقِينَ بِرُجُوعِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، فَفَتَّ ذَلِكَ في أعْضادِ المُنافِقِينَ وتَفَرَّقَتْ كَلِمَتُهُمْ، ثُمَّ جاءَ أبُو بَكْرٍ بَعْدَ أنْ نَظَرَ إلى النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ فَسَمِعَ كَلامَ عُمَرَ فَقالَ لَهُ: اسْكُتْ، فاسْتَمَرَّ عُمَرُ في كَلامِهِ فَتَشَهَّدَ أبُو بَكْرٍ فَأصْغى الناسُ إلَيْهِ، فَقالَ: أمّا بَعْدُ فَإنَّهُ مَن كانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإنَّ اللهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، ومَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ماتَ، ﴿ وَما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُسُلُ ﴾ وتَلا الآيَةَ كُلَّها، فَبَكى الناسُ ولَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا قَرَأ الآيَةَ كَأنَّ الناسَ ما سَمِعُوها قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في البُخارِيِّ: فَنَفَعَ اللهُ بِخُطْبَةِ عُمَرَ ثُمَّ بِخُطْبَةِ أبِي بَكْرٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا مِنَ المَواطِنِ الَّتِي ظَهَرَ فِيها شُكْرُ أبِي بَكْرٍ وشُكْرُ الناسِ بِسَبَبِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ النُفُوسِ أنَّها إنَّما تَمُوتُ بِأجَلٍ مَكْتُوبٍ مَحْتُومٍ واحِدٍ عِنْدَ اللهِ تَعالى، أيْ فالجُبْنُ لا يَزِيدُ فِيهِ، والشَجاعَةُ والإقْدامُ لا تَنْقُصُ مِنهُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَقْوِيَةُ النُفُوسِ لِلْجِهادِ، قالَ ابْنُ فُورَكٍ: وفِيها تَسْلِيَةُ ما في مَوْتِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ والعِبارَةُ بِقَوْلِهِ: "وَما كانَ" قَدْ تَجِيءُ فِيما هو مُمْكِنٌ قَرِيبٌ نَحْوُ قَوْلِ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةَ أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ  .

وقَدْ تَقَعُ في المُمْتَنِعِ عَقْلًا نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها  ﴾ فَهي عِبارَةٌ لا صِيغَةَ لَها ولا تَتَضَمَّنُ نَهْيًا كَما يَقُولُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وإنَّما يُفْهَمُ قَدْرُ مَعْناها مِن قَرائِنِ الكَلامِ الَّذِي تَجِيءُ العِبارَةُ فِيهِ.

و"نَفْسٍ" في هَذِهِ الآيَةِ: اسْمُ الجِنْسِ، والإذْنُ: التَمْكِينُ مِنَ الشَيْءِ مَعَ العِلْمِ بِالشَيْءِ المَأْذُونِ فِيهِ، فَإنِ انْضافَ إلى ذَلِكَ قَوْلٌ فَهو الأمْرُ.

وقَوْلُهُ: "كِتابًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، و"مُؤَجَّلًا" صِفَةٌ.

وهَذِهِ الآيَةُ رادَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ بِالأجَلَيْنِ.

وأمّا الِانْفِصالُ عن تَعَلُّقِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى  ﴾ ونَحْوِ هَذا مِنَ الآياتِ؛ فَسَيَجِيءُ في مَواضِعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

مَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كتابا مُّؤَجَّلاً}.

جملة معترضة، والواو اعتراضية.

فإن كانت من تتمة الإنكار على هلعهم عند ظنّ موت الرسول، فالمقصود عموم الأنفس لا خصوص نفس الرسول عليه السلام، وتكون الآية لوماً للمسلمين على ذهولهم عن حفظ الله رسولَه من أن يسلّط عليه أعداؤُه، ومن أن يخترم عمره قبل تبليغ الرسالة.

وفي قوله: ﴿ والله يعصمك عن الناس ﴾ [المائدة: 67] عقب قوله: ﴿ بلغ ما أنزل إليك من ربك ﴾ [المائدة: 67] الدالّ على أنّ عصمته من النَّاس لأجل تبليغ الشَّلايعة.

فقد ضمن الله له الحياة حتَّى يبلّغ شرعه، ويتمّ مراده، فكيف يظنّون قتله بيد أعدائه، على أنَّه قبل الإعلان بإتمام شرعه، ألا ترى أنَّه لمّا أنزل قوله تعالى: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ [المائدة: 3] الآية.

بكى أبو بكر وعلم أنّ أجل النَّبيء صلى الله عليه وسلم قد قرب، وقال: ما كمُل شيء إلاّ نقص.

فالجملة، على هذا، في موضع الحال، والواو واو الحال.

وإن كان هذا إنكاراً مستأنفاً على الَّذين فزعوا عند الهزيمة وخافوا الموت، فالعموم في النفس مقصود أي ما كان ينبغي لكم الخوف وقد علمتم أنّ لكلّ نفس أجلاً.

وجيء في هذا الحكم بصيغة الجحود للمبالغة في انتفاء أن يكون موت قبل الأجل، فالجملة، على هذا، معترضة، والواو اعتراضية، ومثل هذه الحقائق تلقى في المقامات الَّتي يقصد فيها مداواة النُّفوس من عاهات ذميمة، وإلاّ فإنّ انتهاء الأجل منوط بعلم الله لا يعلم أحد وقته، ﴿ وما تدري نفس بأي أرض تموت ﴾ [لقمان: 34]، والمؤمن مأمور بحفظ حياته، إلاّ في سبيل الله، فتعيّن عليه في وقت الجهاد أن يرجع إلى الحقيقة وهي أنّ الموت بالأجل، والمراد ﴿ بإذن الله ﴾ تقديره وقت الموت، ووضعه العلامات الدالة على بلوغ ذلك الوقت المقدّر، وهو ما عبّر عنه مرّة ب (كن)، ومرة بقدر مقدُور، ومرّة بالقلم، ومرّة بالكتاب.

والكتاب في قوله: ﴿ كتاباً مؤجلاً ﴾ يجوز أن يكون اسماً بمعنى الشيء المكتوب، فيكون حالاً من الإذن، أو من الموت، كقوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ [الرعد: 38] و«مؤجّلاً» حالاً ثانية، ويجوز أن يكون ﴿ كتاباً ﴾ مصدر كاتب المستعمل في كتب للمبالغة، وقوله: ﴿ مؤجلاً ﴾ صفة له، وهو بدل من فِعله المحذوف، والتَّقدير: كُتِب كتاباً مؤجّلاً أي مؤقتاً.

وجعله صاحب «الكشاف» مصدراً مؤكّداً أي لِمضمون جملة ﴿ وما كان لنفس ﴾ الآية، وهو يريد أنَّه مع صفته وهي ﴿ مؤجّلاً ﴾ يؤكِّد معنى ﴿ إلاّ بإذن الله ﴾ لأنّ قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ يفيد أنّ له وقتاً قد يكون قريباً وقد يكون بعيداً فهو كقوله تعالى: ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ [النساء: 24] بعد قوله: ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ [النساء: 23] الآية.

﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الاخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشاكرين ﴾ .

عطف على الجملة المعترضة.

أي من يرد الدنيا دون الآخرة، كالَّذي يفضّل الحياة على الموت في سبيل الله أو كالَّذين استعجلوا للغنيمة فتسبّبوا في الهزيمة، وليس المراد أنّ من أراد ثواب الدنيا وحظوظها يُحرم من ثواب الآخرة وحظوظها، فإنّ الأدلّة الشرعية دلّت على أنّ إرادة خير الدنيا مقصد شرعي حسن، وهل جاءت الشريعة إلاّ لإصلاح الدنيا والإعداد لِحياة الآخرة الأبدية الكاملة، قال الله تعالى: ﴿ فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ﴾ [آل عمران: 148] وقال تعالى: ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ﴾ أي الغنيمة أو الشَّهادة، وغيرُ هذا من الآيات والأحاديث كثير.

وجملة ﴿ وسنجزي الشاكرين ﴾ تذييل يعمّ الشاكرين ممّن يريد ثواب الدنيا ومن يريد ثواب الآخرة.

ويعمّ الجزاء كلّ بحسبه، أي يجزي الشاكرين جزاء الدنيا والآخرة أو جزاء الدنيا فقط.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ لَمّا أُشِيعَ يَوْمَ أُحُدٍ أنَّ النَّبِيَّ  قَدْ قُتِلَ، قالَ أُناسٌ: لَوْ كانَ نَبِيًّا ما قُتِلَ، وقالَ آخَرُونَ: نُقاتِلُ عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ حَتّى نَلْحَقَ بِهِ.

﴿ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ ﴾ يَعْنِي رَجَعْتُمْ كُفّارًا بَعْدَ إيمانِكم.

﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَن أرادَ بِجِهادِهِ ثَوابَ الدُّنْيا أيْ ما يُصِيبُهُ مِنَ الغَنِيمَةِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّانِي: مَن عَمِلَ لِلدُّنْيا لَمْ نَحْرِمْهُ ما قَسَمْنا لَهُ فِيها مِن غَيْرِ حَظٍّ في الآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.

والثّالِثُ: مَن أرادَ ثَوابَ الدُّنْيا بِالنُّهُوضِ لَها بِعَمَلِ النَّوافِلِ مَعَ مُواقَعَةِ الكَبائِرِ جُوزِيَ عَلَيْها في الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ.

وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ قَرَأ بِذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وقَرَأ الباقُونَ ( قاتَلَ )، وفي ( رِبِّيُّونَ ) أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ واحِدُهم رِبِّيٌّ، وهو قَوْلُ بَعْضِ نَحْوِيِّي البَصْرَةِ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الجَماعاتُ الكَثِيرَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وعِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ العُلَماءُ الكَثِيرُونَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ.

والرّابِعُ: أنَّ (الرِّبِّيُّونَ) الأتْباعُ.

والرَّبّانِيُّونَ: الوُلاةُ، والرِّبِّيُّونَ الرَّعِيَّةُ، وهو قَوْلُ أبِي زَيْدٍ، قالَ الحَسَنُ: ما قُتِلَ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا في مَعْرَكَةٍ.

﴿ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا ﴾ الوَهْنُ: الِانْكِسارُ بِالخَوْفِ.

الضَّعْفُ نُقْصانُ القُوَّةِ، الِاسْتِكانَةُ الخُضُوعُ، ومَعْناهُ فَلَمْ يَهِنُوا بِالخَوْفِ، ولا ضَعُفُوا بِنُقْصانِ القُوَّةِ ولا اسْتَكانُوا بِالخُضُوعِ.

وَقالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَما وهَنُوا بِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ ولا ضَعُفُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ ولا اسْتَكانُوا لِما أصابَهم.

﴿ فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ ﴾ في ثَوابِ الدُّنْيا قَوْلانِ: أحَدُهُما: النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ.

والثّانِي: الغَنِيمَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ ﴿ وَحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ ﴾ الجَنَّةُ، في قَوْلِ الجَمِيعِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن كليب قال: خطبنا عمر فكان يقرأ على المنبر آل عمران، ويقول: إنها أُحُدِيَّة، ثم قال: تفرقنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فصعدت الجبل فسمعت يهودياً يقول: قتل محمد فقلت لا أسمع أحداً يقول: قتل محمد إلا ضربت عنقه، فنظرت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يتراجعون إليه، فنزلت هذه الآية ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ﴾ .

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتزل هو وعصابة معه يومئذ على أكمة والناس يفرون، ورجل قائم على الطريق يسألهم: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

وجعل كلما مروا عليه يسألهم فيقولون: والله ما ندري ما فعل!

فقال: والذي نفسي بيده لئن كان قتل النبي صلى الله عليه وسلم لنعطينهم بأيدينا أنهم لعشائرنا وإخواننا وقالوا: لو أن محمداً كان حياً لم يهزم، ولكنه قد قتل، فترخصوا في الفرار حينئذ فأنزل الله: ﴿ وما محمد إلا رسول...

﴾ الآية كلها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال: ذلك يوم أحد حين أصابهم ما أصابهم من القتل والقرح، وتداعوا نبي الله...؟

قالوا: قد قتل.

وقال أناس منهم: لو كان نبياً ما قتل.

وقال أناس من علية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: قاتلوا على ما قتل عليه نبيكم حتى يفتح الله عليكم أو تلحقوا به، وذكر لنا أن رجلاً من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتخبَّط في دمه فقال: يا فلان أشعرت أن محمداً قد قتل؟

فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم.

فأنزل الله: ﴿ وما محمد إلا رسول الله قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ يقول: ارتددتم كفاراً بعد إيمانكم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة نحوه.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: نادى مناد يوم أحد حين هزم أصحاب محمد: أن محمداً قد قتل فارجعوا إلى دينكم الأول، فأنزل الله: ﴿ وما محمد إلا رسول...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قال أهل المرض والإرتياب والنفاق حين فر الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم: قد قتل محمد فالحقوا بدينكم الأول.

فنزلت هذه الآية ﴿ وما محمد إلا رسول...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: فشا في الناس يوم أحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبي، فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان.

يا قوم إن محمداً قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلونكم.

قال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم إني أعتذر إليك ممَّا يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء.

فشد بسيفه فقاتل حتى قتل.

فأنزل الله: ﴿ وما محمد إلا رسول ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخي بني عدي بن النجار قال: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم فقال: ما يجلسكم؟

قالوا: قتل محمد رسول الله قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟

قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله.

واستقبل القوم فقاتل حتى قتل.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطية العوفي قال: لما كان يوم أحد وانهزموا قال بعض الناس: إن كان محمد قد أصيب فأعطوهم بأيديكم إنما هم إخوانكم.

وقال بعضهم: إن كان محمد قد أصيب ألا تمضون على ما مضى عليه نبيكم حتى تلحقوا به؟

فأنزل الله: ﴿ وما محمد إلا رسول ﴾ إلى قوله: ﴿ فآتاهم الله ثواب الدنيا ﴾ .

وأخرج ابن سعد في الطبقات عن محمد بن شرحبيل العبدري قال: حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد فقطعت يده اليمنى، فأخذ اللواء بيده اليسرى وهو يقول ﴿ وما محمد إلا رسول الله قد خَلَتْ من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ ثم قطعت يده اليسرى فجثا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول ﴿ وما محمد إلا رسول...

﴾ الآية.

وما نزلت هذه الآية ﴿ وما محمد إلا رسول ﴾ يومئذ حتى نزلت بعد ذلك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ومن ينقلب على عقبيه ﴾ قال: يرتد.

وأخرج البخاري والنسائي من طريق الزهري عن أبي سلمة عن عائشة أن أبا بكر أقبل على فرس من مسكنه بالسخ حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه وقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين، وأما الموتة التي كتبت عليك فقدمتها.

قال الزهري: وحدثني أبو سلمة عن ابن عباس.

أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر.

وقال أبو بكر: أما بعد من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت.

قال الله: ﴿ وما محمد إلا رسول ﴾ إلى قوله: ﴿ الشاكرين ﴾ فقال: فوالله لكان الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلاها الناس منه كلهم.

فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها.

وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر بن الخطاب فقال: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي، وأن رسول الله والله ما مات، ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات.

والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات.

فخرج أبو بكر فقال: على رسلك يا عمر انصت.

فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس أنه من كان يعبد محمداً فان محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت.

ثم تلا هذه الآية ﴿ وما محمد إلا رسول ﴾ الآية.

فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ، وأخذ الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم.

قال عمر: فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض، ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم قام عمر بن الخطاب فتوعد من قال قد مات بالقتل والقطع، فجاء أبو بكر فقام إلى جانب المنبر وقال: إن الله نعى نبيكم إلى نفسه وهو حي بين أظهركم، ونعاكم إلى أنفسكم، فهو الموت حتى لا يبقى أحد إلا الله.

قال الله: ﴿ وما محمد إلا رسول ﴾ إلى قوله: ﴿ الشاكرين ﴾ فقال عمر: هذه الآية في القرآن؟

والله ما علمت أن هذه الآية أنزلت قبل اليوم وقال: قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون ﴾ [ الزمر: 30] .

وأخرج ابن المنذر والبيهقي من طريق ابن عباس أن عمر بن الخطاب قال: كنت أتأوّل هذه الآية ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ [ البقرة: 143] فوالله إن كنت لا أظن أنه سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها، وأنه هو الذي حملني على أن قلت ما قلت.

وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ وسيجزي الله الشاكرين ﴾ قال: الثابتين على دينهم، أبا بكر وأصحابه، فكان علي يقول: كان أبو بكر أمين الشاكرين.

وأخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل عن الحسن بن محمد قال: «قال عمر: دعني يا رسول الله أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو فلا يقوم خطيباً في قومه أبداً فقال: دعها فلعلها أن تسرك يوماً.

فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم نفر أهل مكة، فقام سهيل عند الكعبة فقال: من كان يعبد محمداً فان محمداً مات والله حي لا يموت» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم عن ان عباس.

أن علياً كان يقول في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يقول ﴿ أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت.

وأخرج ابن المنذر عن الزهري قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ [ الفتح: 4] قالوا: يا رسول الله قد علمنا أن الإيمان يزداد فهل ينقص؟

قال: إي والذي بعثني بالحق إنه لينقص قالوا: يا رسول الله فهل لذلك دلالة في كتاب الله؟

قال: نعم.

ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ فالإنقلاب نقصان لا كفر» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن إسحاق ﴿ وما كان لنفس ﴾ الآية أي لمحمد صلى الله عليه وسلم أجل هو بالغه، فإذا أذن الله في ذلك كان ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ أي من كان منكم يريد الدنيا ليست له رغبة في الآخرة نؤته ما قسم له فيها من رزق ولا حظ له في الآخرة ﴿ ومن يرد ثواب الآخرة ﴾ منكم ﴿ نؤته منها ﴾ ما وعده مع يجري عليه من رزقه في دنياه، وذلك جزاء الشاكرين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن عبد العزيز في الآية قال: لا تموت نفس ولها في الدنيا عمر ساعة إلا بلغته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وسنجزي الشاكرين ﴾ قال: يعطي الله العبد بنيته الدنيا والآخرة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: قال أبو بكر: لو منعوني ولو عقالاً أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاهدتهم.

ثم تلا ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ .

وأخرج البغوي في معجمه عن إبراهيم بن حنظلة عن أبيه أن سالماً مولى أبي حذيفة، كان معه اللواء يوم اليمامة فقطعت يمينه، فأخذ اللواء بيساره، فقطعت يساره، فاعتنق اللواء وهو يقول ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم...

﴾ الآيتين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ الآية.

قال الأخفش (١) (٢) (٣) (٤) قال ابن عباس (٥) (٦) واختلفوا في المراد بهذا: فقال بعض (٧) (٨)  إذا (٩) وقال بعضهم (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ كتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾ إنتصب ﴿ كِتَابًا ﴾ بالفعل الذي دلّ عليه ما قبله، وذلك أن قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ ، يدل على: (كَتَبَ).

وكذلك قوله: ﴿ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ  ﴾ ، لأن في قوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ  ﴾ ، دِلاَلَةً على: (كَتَبَ هذا التحريمَ عليكم).

ومثله: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ  ﴾ ، و ﴿ وَعَدَ اللَّهُ  ﴾ .

و (المُؤَجَّلُ): ذو الأَجَلِ.

و (الأَجَلُ): الوقت المعلوم (١٤) [و] (١٥) (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ قال المفسرون (١٨) قال أهل المعاني (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ  ﴾ .

يعني بهذا: الذين تركوا المَرْكَزَ يوم أُحُد طلبًا للغنيمة، ورَغْبَةً في الدنيا (٢٢) ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ ﴾ أي: مَنْ كانَ قَصْدُهُ بِعِمْلِهِ ثَوَابَ الآخرة.

قال عطاء (٢٣) ﴿ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ .

يعني بهذا: أولئك الذين ثَبَتُوا يومَ أُحُد حتى قُتِلُوا (٢٤) أعْلَمَ الله -تعالى- أنَّهُ يُجازي كُلًّا على قَصْدِهِ وإرادته، فَمَنْ نَصِبَ للدنيا، و (٢٥) (٢٦) (٢٧)  في قوله: "الأعمال بالنيَّاتِ" (٢٨) وأَنَّثَ الكِنَاية (٢٩) ﴿ مِنْهَا ﴾ ، -وهي (٣٠) (٣١) وقوله تعالى: ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ قيل (٣٢) ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ .

وقال محمد بن إسحاق (٣٣) (٣٤) (١) لم أهتد إلى قوله في كتاب "المعاني" له، وقد ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 128أ.

(٢) في "معاني القرآن" له 1/ 474.

وهو قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 104.

(٣) في (ج): النفس.

(٤) أي: أنَّ قوله: ﴿ أَنْ تَمُوتَ ﴾ جُعِل خبَرًا لـ ﴿ كَانَ ﴾ ، بعد أن كان اسمًا لها.

وجُعِلَ ﴿ لِنَفْسٍ ﴾ اسمًا لـ ﴿ كَانَ ﴾ بعد أن كان خبرًا لها.

انظر: "الدر المصون" 3/ 408.

(٥) لم أقف على مصدر قوله.

(٦) انظر رأيهم حول هذه المسألة في "كتاب الرد والاحتجاج على الحسن بن محمد بن الحنفية" ليحيى بن الحسين 153 وما بعدها، و"شرح جوهرة التوحيد" 160 - 162، == فقد ذكر آراء المعتزلة المختلفة في هذا الأمر، وذكر رأي أهل السنة، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 305، و"المحرر الوجيز" 3/ 351، و"تفسير القرطبي" 7/ 202، و"روح المعاني" 4/ 76.

(٧) (بعض): ساقطة من (ج).

(٨) ممن قال بذلك: ابن فورك.

انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 351.

(٩) في (ج): (وإذا).

(١٠) لم أقف عليهم.

وقد ذكر هذا القولَ ابنُ عطية في "المحرر" 3/ 351، ولم يعزه لقائل.

(١١) لم أقف على مصدر قوله.

(١٢) كلمة (تعالى): ساقطة من (ج).

(١٣) ما بين المعقوفين مطموس في (أ).

والمثبت من (ب).

(ج).

(١٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 474.

(١٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(١٦) لم أقف على مصدر قوله.

(١٧) في "تفسيره" 1/ 305.

(١٨) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 115 - 116، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 475، و"بحر العلوم" 1/ 306، و"تفسير الثعلبي" 3/ 128 أ.

(١٩) من قوله: (قال ..) إلى (..

طلبًا للغنيمة): نقله -بتصرف يسير- عن "تفسير الثعلبي" 3/ 128 أ.

(٢٠) (هو مجمل): ساقط من (ج).

(٢١) وممن قال بهذا: ابن إسحاق.

انظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 64، و"تفسير الطبري" 4/ 115 - 116، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 779، و"الدر المنثور" 2/ 145 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.

وهو قول الطبري.

انظر: "تفسيره" 4/ 115 - 116.

(٢٢) ممن قال هذا: مقاتل في "تفسيره" 1/ 305.

(٢٣) لم أقف على مصدر قوله.

(٢٤) هذا قول مقاتل في: "تفسيره" 1/ 305، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 128 ب.

(٢٥) في (ج): (أو).

(٢٦) قال الزجاج: (وليس في هذا دليل أنه يحرمه خير الدنيا؛ لأنه لم يقل: (ومن يرد ثواب الآخرة، لم نؤته إلا منها)، والله -عز وجل- ذو الفضل العظيم).

"معاني القرآن" 1/ 475.

(٢٧) في (ج): (قال النبي) بدلًا من: روي عن.

(٢٨) الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" -في مواضع منها-: (1) كتاب بدء الوحي.

باب كيف كان بدء الوحي، و (54) كتاب الإيمان: باب ما جاء من الأعمال بالنية، و (2529) كتاب العتق.

باب الخطأ والنسيان في العتاق والطلاق، و (3898) كتاب مناقب الأنصار.

باب هجرة النبي إلى المدينة.

وأخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (1907) كتاب الإمارة.

باب إنما الأعمال بالنيات.

وأبو داود في "السنن" رقم (2201) كتاب الطلاق.

باب فيما عني به الطلاق والنيات.

والترمذي رقم (1647) كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا.

والنسائي 1/ 58 كتاب الطهارة.

باب النية في الوضوء، و 6/ 158 كتاب الطلاق.

باب الكلام إذا قصد به فيما يحتمل معناه، و7/ 13 في الأيمان.

باب النية في اليمين.

وابن ماجة في "السنن" رقم (4227) كتاب "الزهد".

باب النية.

وأحمد في "المسند" 1/ 25، 43، والدارقطني في "السنن" 1/ 50،== وابن خزيمة في "الصحيح" 1/ 73 رقم (142، 243)، 1/ 232 رقم (455).

وابن حبان في "الصحيح".

انظر: "الإحسان" 2/ 113رقم: (388)، (389)، و11/ 210رقم: (4868)، والبيهقي في "السنن" 1/ 41، 298، و2/ 14، و4/ 112، و5/ 39، و7/ 341، والحميدي في مسنده 1/ 17 رقم (28)، وأبو داود الطيالسي 1/ 41 - 42 (37)، وابن المبارك في "الزهد" 62 رقم (188)، وهناد بن السري في "الزهد" 2/ 286 رقم (883)، والخطيب في "تاريخ بغداد" 9/ 346، 4/ 244.

وابن الجارود في: "المنتقى" انظر: "غوث المكدود" 1/ 65 رقم (64).

وقد وردت معظم روايات الحديث بلفظ: (إنما الأعمال بالنِّيَّة)، ووردت بعض الروايات: (الأعمال بالنية)، وفي رواية: (العمل بالنية)، والرواية التي أوردها المؤلف موافِقَةٌ لِما أورده ابن حبان في: "صحيحه"، ولفظه: "الأعمال بالنيات، ولكل امرئٍ ما نَوَى، فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله، ومَنْ كانت هجرتُه لدنيا يصيبُها أو امرأةٍ يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".

(٢٩) أي: الضمير.

(٣٠) في (ج): (وهو).

(٣١) في (ج): (لرجوعهما).

(٣٢) لم أقف على من قال بهذا القول.

(٣٣) قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 115، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 779.

(٣٤) في "تفسير الطبري" مع ما يجري عليه من الرزق في الدنيا.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كتابا مُّؤَجَّلاً ﴾ نصب على المصدر لأنّ المعنى: كتب الموت كتاباً، وقال ابن عطية: نصب على التمييز ﴿ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ في ثواب الدنيا، مقيد بالمشيئة بدليل قوله: ﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ﴾ [الإسراء: 18].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ رايتموه ﴾ بغير همزة يعني بالتليين ونحوه ﴿ رأوك  ﴾ و ﴿ رأوه  ﴾ روى هبة الله بن جعفر الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

﴿ يرد ثواب ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمروا وشان بن عامر وسهل وحمزة وعلي وخلف ﴿ نؤته ﴾ مثل ﴿ يؤده  ﴾ ﴿ وكائن ﴾ بالمد والهمز مثل "كاعن" حيث كان: ابن كثير.

وقرأ يزيد ﴿ وكاين ﴾ بالمد بغير همزة.

وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي بغير نون في الوقف ﴿ وكأي ﴾ الباقون: ﴿ وكأين ﴾ في الحالين ﴿ قتل ﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ونافع وقتيبة والمفضل.

الباقون.

﴿ قاتل ﴾ .

الوقوف: ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ تلقوه ﴾ ص لطول الكلام ﴿ رسول ﴾ ج لأن ما بعده يصلح صفة واستئنافاً ﴿ الرسل ﴾ ط ﴿ أعقابكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ مؤجلاً ﴾ ج لابتداء الشرط ﴿ منها ﴾ ج للعطف ﴿ منها ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ قتل ﴾ ط ليكون قتل النبي  إلزاماً للحجة على من اعتذر في الانهزام بما سمع من نداء إبليس ألا إن محمداً قد قتل.

والتقدير ومعه ريبون كثير.

ولو وصل كان الريبون مقتولين.

ومن قرأ ﴿ قاتل ﴾ فله أن لا يقف ﴿ كثير ﴾ ج لابتداء النفي مع فاء التعقيب ﴿ وما استكانوا ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ مولاكم ﴾ ج ﴿ الناصرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر فوائد مداولة الأيام وحكمها، أتبعها ما هو السبب الأصلي في ذلك فقال: ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ﴾ بدون تحمل المشاق.

و"أم" منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار و"لما" بمعنى "لم" مع زيادة التوقع.

وليس المراد نفي العلم بالمجاهدين ولكن المراد نفي المعلوم.

وإنما حسن إقامة ذلك مقام هذا لأن العلم متعلق بالمعلوم كما هو عليه، فلما حصلت بينهما هذه المطابقة حسن إقامة أحدها مقام الآخر.

تقول: ما علم الله في فلان خيراً أي ما فيه خير حتى يعلمه.

فحاصل الكلام لا تحسبوا أن / تدخلوا الجنة ولم تجاهدوا بعد.

وإنما أنكر هذا الحسبان لأنه  أوجب الجهاد قبل هذه الواقعة, وأوجب الصبر على تحمل متاعبها، وبين وجوه المصالح المنوطة بها في الدين والدنيا.

وإذا كان كذلك فمن البعيد أن يصل الإنسان إلى السعادة والجنة مع إهمال مثل هذه الطاعة.

والواو في قوله: ﴿ ويعلم الصابرين ﴾ واو الجمع في قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن.

كأنه قيل: إن دخول الجنة وترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان فليس كل من أقر بدين الله كان صادقاً، ولكن الفيصل فيه تسليط المكروهات ومخالفات النفس فإن الحب هو الذي لا ينقص بالجفاء ولا يزداد بالوفاء.

وقيل: التقدير أظننتم أن تدخلوا الجنة قبل أن يعلم الله المجاهدين وأن يعلم الصابرين؟

ووجه آخر وهو أن يكون مجزوماً أيضاً لكن الميم لما حركت للساكنين حركت بالفتحة إتباعاً للفتحة قبلها.

وهذا كما قرىء ﴿ ولما يعلم الله ﴾ بفتح الميم إلا أن يراد ولما يعلمن بالنون الخفيفة ثم حذفت.

وقرأ الحسن ﴿ ويعلم ﴾ بالجزم على العطف.

وروي عن أبي عمرو ﴿ ويعلم ﴾ بالرفع على الحال كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون ﴿ ولقد كنتم تمنون الموت ﴾ الخطاب فيه للذين ألحوا على رسول الله  في الخروج إلى المشركين وكان رأيه في الإقامة بالمدينة.

ويراد بالموت سببه وهو الجهاد والقتل.

قال المحققون: إنه لم يكن تمنيهم للموت تمنياً لأن يقتلوا لأن قتل المشركين لهم كفر.

ولا يجوز للمؤمن أن يتمنى الكفر أو يريده أو يرضى به، بل إنما تمنوا الفوز بدرجات الشهداء والوصول إلى كراماتهم.

وشبهوا ذلك بمن شرب دواء الطبيب النصراني فإن غرضه حصول الشفاء.

ولا يخطر بباله جر منفعة وإحسان إلى عدو الله وتنفيق صناعته، قالت الأشاعرة ههنا: من أراد شيئاً أراد ما هو من لوازمه، وثواب الشهداء لا يحصل إلا بالشهادة، ولا ريب أنه  أراد إيصال ثواب الشهداء إلى المؤمنين، ولهذا ورد من الترغيبات ما ورد فأراد صيرورتهم شهداء، ولن يصيروا شهداء إلا إذا قتلهم الكفار فلا بد أن يريد أن يقتلهم الكفار وذلك القتل كفر ومعصية، فثبت أنه  مريد للكفر والإيمان والطاعة والعصيان.

﴿ من قبل أن تلقوه ﴾ من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته وصعوبة مقاساته.

﴿ فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ﴾ قال الزجاج: أي وأنتم بصراء كقولهم: رأيته بعيني أي رأيتموه معاينين حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وشارفتم أن تقتلوا.

ويحتمل أن يراد رأيتم إقدام القوة وشدة حرصهم على قتلكم وعلى قتل الرسول، ثم بقيتم أنتم تنظرون إليهم من غير جد في دفعهم ولا اجتهاد في مقاتلتهم، وفيه توبيخ لهم على تمنيهم الجهاد وعلى إلحاحهم في الخروج إليه، ثم انهزامهم وقلة ثباتهم عنده.

قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: "لما نزل النبي  بالشعب أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل ولا ينتقلوا سواء كان الأمر لهم أو عليهم.

فلما وقفوا وحملوا على الكفار هزموهم وقتل علي عليه / السلام طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم، والزبير والمقداد شدا على المشركين، ثم حمل الرسول  مع أصحابه فهزموا أبا سفيان.

ثم إن بعض القوم لما رأوا انهزام الكفار بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة، وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار، فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم وفرق جمعهم، وكثر القتل في المسلمين، ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله  بحجر وكسر رباعيته وشج وجهه وأقبل يريد قتله، فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد حتى قتله ابن قميئة.

واحتمل طلحة بن عبيد الله رسول الله ودافع عنه أبو بكر وعلي  .

وظن ابن قميئة أنه قتل رسول الله  فقال: قد قتلت محمداً، وصرخ صارخاً ألا إن محمداً قد قتل.

قيل: وكان الصارخ الشيطان ففشا في الناس خبر قتله  فانكفؤا، وجعل رسول الله  يدعو: إليّ عباد الله، حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هربهم فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا خبر قتلك فرعبت قلوبنا فنزلت" ﴿ وما محمد إلا رسول ﴾ أي مرسل.

قال أبو علي: وقد يكون الرسول في غير هذا الموضع بمعنى الرسالة أي حاله مقصور على الرسالة لا يتخطاها إلى البقاء والدوام ﴿ قد خلت من قبله الرسل ﴾ فسيخلو كما خلوا.

وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم فكونوا أنتم كذلك لأن الغرض من إرسال الرسل التبليغ وإلزام الحجة لا وجودهم بين أممهم أبداً ﴿ أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ الفاء لتسبيب الجملة الشرطية عن الجملة التي قبلها، والهمزة لإنكار الجزاء لأنه في الحقيقة كأنه دخل عليه.

والمعنى: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات محمداً أو قتل؟

وسبب الإنكار ما تقدم من الدليلين: أحدهما أن الحاجة الى الرسول هي التبليغ وبعد ذلك لا حاجة إليه، فلا يلزم من قتله أو موته الإدبار عما كان هو عليه من الدين وما يلزم كالجهاد.

وثانيهما القياس على موت سائر الأنبياء وقتلهم، فإن موسى  مات ولم ترجع أمته عن ذلك الدين.

والنصارى زعموا أن عيسى  قتل وهم لم يرجعوا عن دينه وإنما ذكر القتل.

وقد علم أنه لا يقتل لكونه مجوّزاً عند المخاطبين.

وقوله: ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ لو سلم أنه متقدم في النزول فإنه مما كان يختص بمعرفته العلماء منهم على أنه ليس نصاً في العصمة عن القتل، بل يحتمل العصمة من فتنة الناس وإضلالهم.

وقوله: ﴿ إنك ميت  ﴾ يراد به المفارقة إلى الآخرة بأي طريق كان بدليل ﴿ وإنهم ميتون  ﴾ وكثير منهم قد قتلوا.

ويمكن أن يقال: صدق القضية الشرطية لا يتوقف على صدق جزأيها لصدق قولنا إن كانت الخمسة زوجاً فهي تنقسم بمتساويين مع كذب جزأيها.

ومعنى "أو" هو الترديد والتشكيك أي سواء فرض / وقوع الموت أو القتل فلا تأثير له في ضعف الدين ووجوب الإدبار أو الارتداد ﴿ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً ﴾ بل لا يضر إلا نفسه، وهذا كما يقول الوالد لولده عند العتاب إن هذا الذي تأتي به من الأفعال لا يضر السماء والأرض.

يريد أنه يعود ضرره عليه.

وما ارتد أحد من المسلمين ذلك اليوم إلا ما كان من قول المنافقين.

ويجوز أن يكون على وجه التغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والإنكشاف عن رسول الله  .

روي أنه لما صرخ الصارخ قال بعض المسلمين: ليت عبد الله بن أبيّ يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان.

وقال ناس من المنافقين: لو كان نبياً لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم.

فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: يا قوم إن كان قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت.

وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله؟

فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه.

ثم قال: اللهم إني اعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل.

وعن بعض المهاجرين أنه مر بأنصاري يتشحط في دمه فقال: يا فلان، اشعرت أن محمداً قد قتل؟

فقال: إن كان قتل فقد بلغ قاتلوا على دينكم.

ففي أمثالهم قال تعالى: ﴿ وسيجزي الله الشاكرين ﴾ لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا من الصبر والثبات.

ثم قال: ﴿ وما كان لنفس أن تموت ﴾ ووجه النظم أن المنافقين أرجفوا أن محمداً قتل فارجعوا إلى ما كنتم عليه من الأديان، فأبطل قولهم بأن القتل مثل الموت في أنه لا يحصل إلا في الوقت المقدر.

وكما أنه لو مات في بلده لم يدل ذلك على فساد دينه فكذا لو قتل.

وفيه تحريض المؤمنين على الجهاد بإعلامهم أن الحذر لا يغنى عن القدر، وأن أحداً لا يموت قبل الأجل وإن خوّض المهالك واقتحم المعارك.

أو الغرض بيان حفظة وكلاءته لنبيه فإنه ما بقي في تلك الواقعة سبب من أسباب الهلاك والشر إلا وقد حصل إلا أنه  لما كان حافظاً لنبيه ولم يقدّر في ذلك الوقت أجله لم يضره ذلك.

وفيه تقريع لأصحابه أنهم قد قصروا في الذب عنه  ، وجواب عما قاله المنافقون للصحابة لما رجعوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

قال الأخفش والزجاج: تقدير الكلام وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله.

وقال ابن عباس: الإذن هو قضاء الله وقدره فإنه لا يحدث شيء إلا بمشيئة الله وأرادته، فأورد الكلام على سبيل التمثيل كأنه فعل لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الله فيه، وذلك أن إسناد الموت إلى النفس نسبة الفعل إلى القابل لا إلى الفاعل، فأقيم القابل مقام الفاعل.

وقال أبو مسلم: الإذن هو الأمر.

والمعنى أن الله  يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا يموت أحد إلا بهذا الأمر.

وقيل: المراد التكوين والتخليق لأنه لا يقدر على خلق الموت والحياة أحد إلا الله.

وقيل: التخلية والإطلاق وترك المنع بالقهر والإجبار.

/ والمعنى ما كان لنفس أن تموت بالقتل إلا بأن يخلي الله بين القاتل والمقتول.

وفيه أنه تعالى لا يخلي بين نبيه وبين أحد ليقتله  ، ولكنه جعل من بين يديه  ومن خلفه رصداً ليتم على يديه بلاغ ما أرسله به فلا تهنوا في غزواتكم بعد ذلك بإرجاف مرجف.

وقيل: الإذن العلم أي لن تموت نفس إلا في الوقت الذي علم الله موتها فيه.

وفي الآية دليل على أن المقتول ميت بأجله، وأن تغيير الآجال ممتنع ولذا أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ كتاباً موجلاً ﴾ وهو مصدر مؤكد لنفسه لدلالة ما قبله عليه أي كتب الموت كتاباً مؤجلاً مؤقتاً له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر.

وقيل: الكتاب المؤجل هو المشتمل على الآجال.

وقيل: هو اللوح المحفوظ الذي كتب فيه جميع الحوادث من الخلق والرزق والأجل والسعادة والشقاوة.

قال القاضي: الأجل والرزق مضافان إلى الله  ، وأما الكفر والفسق والإيمان والطاعة فكل ذلك مضاف إلى العبد.

فإذا كتب  ذلك فإنما يكتب ما يعلمه من اختيار العبد وذلك لا يخرج فيه العبد من أن يكون مذموماً أو ممدوحاً.

والحق أن هذا تعكيس للقضية فإن الله  إذا علم من العبد الكفر استحال أن يأتي هو بالإيمان وإلا انقلب علم الله جهلاً، وإذا كان هو غير قادر على الإيمان حينئذٍ فما معنى اختياره؟

ثم إنه كان في الذين حضروا يوم أحد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة كما أخبر الله  في هذه السورة فقوله: ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ أي من ثوابها تعريض بالفريق الدنيوي وهم الذين شغلتهم الغنائم، وباقي الآية مدح للفريق الآخر الأخروي، وإن فضله  وعطيته شامل لكلا الفريقين، لكن ثواب الفريق الثاني هو المعتد به في الحقيقة ولهذا ختم الكلام بقوله: ﴿ وسنجزي الشاكرين ﴾ فأبهم الجزاء وأضافه إلى نفسه تنبيهاً على جزاء الذين شكروا نعمة الإسلام فلم يشغلهم عن الجهاد شيء لا يكتنه كنهه وتقصر عنه العبارة، وأنه كما يليق بعميم فضله وجسيم طوله.

وهذه الآية وإن وردت في الجهاد لكنها عامة في جميع الأعمال كما قال  : " "إنما الأعمال بالنيات" " وذلك لأن المؤثر في جانب الثواب والعقاب القصود والدواعي.

فمن وضع الجبهة على الأرض والوقت ظهر والشمس أمامه، فإن قصد بذلك السجود عبادة الله  كان من الإيمان، وإن قصد تعظيم الشمس كان من الكفر.

﴿ وكأين ﴾ الأكثرون على أنها في الأصل مركبة من كاف التشبيه و"أي" التي هي في غاية الإبهام إذا قطعت عن الإضافة.

كما أن "كذا" مركبة من "الكاف" و"ذا" المقصود به / الإشارة.

"فكأين" مثل "كذا" في كون المجرورين مبهمين عند السامع إلا أن في "ذا" إشارة في الأصل إلى ما في ذهن المتكلم بخلاف "أي" فإنه للعدد المبهم ومميزها منصوب ومفرد على الأصل.

والأكثر إدخال "من" في مميز "كأين" وبه ورد القرآن, والتمييز بعد "كذا" و"كأين" في الأصل عن الكاف لا عن "ذا" و"أي" كما في "مثلك رجلاً" لأنك تبين في كذا رجلاً وكأين رجلاً أن مثل العدد المبهم في أي جنس هو ولم تبين العدد المبهم.

فأي في الأصل كان معرباً لكنه انمحى عن الجزأين معناهما الإفرادي وصار المجموع كاسم مفرد بمعنى "كم" الخبرية فصار كأنه اسم مبني على السكون آخره نون ساكنة كما في "من" لا تنوين تمكن فلهذا يكتب بعد الياء نون، مع أن التنوين لا صورة له خطاً ولأجل التركيب تصرف فيه فقيل: كائن مثل كاعن.

وربما ظن بعضهم أنه اسم فاعل من كان، ولكنه بني لكثرة الاستعمال وهاتان اللغتان فيه مشهورتان ولهذا قرىء بهما.

وفيه لغات آخر غير مشهورة تركنا ذكرها لأنه لم يقرأ بها ولعلك تجدها في كتبنا الأدبية، ومحل ﴿ كأين ﴾ ههنا رفع على الابتداء، وقوله ﴿ قتل ﴾ أو ﴿ قاتل ﴾ خبره والضمير يعود إلى لفظ ﴿ كأين ﴾ فإنه مفرد اللفظ.

وإن كان مجموع المعنى.

والربيون معناه الألوف أو الجماعات الكثيرة.

الواحد ربى عن الفراء والزجاج.

قال ابن قتيبة: أصله من الربة الجماعة، فحذفت الهاء في النسبة، ويقال: ترببوا أي تجمعوا.

وقال ابن زيد: الربانيون الأئمة والولاة، والربيون الرعية.

والكسر فيه من تغييرات النسب كالضم في دهري، والقياس الفتح، ثم من قرأ ﴿ قتل ﴾ فمعنى الآية إن كثيراً من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعده ما وهنوا في دينهم بل استمروا على جهاد عدوّهم ونصرة دينهم وكان ينبغي أن يكون لكم فيهم أسوة حسنة.

فيكون المقصود من الآية حكاية ما جرى لسائر الأنيباء لتقتدي هذه الأمم بهم.

ومن قرأ ﴿ قاتل ﴾ فالمعنى: وكم من نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوّهم قروح فما وهنوا.

فعلى هذا يكون الغرض من الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي  في القتال.

وربما تؤيد هذه القراءة بما روي عن سعيد بن جبير أنه قال: ما سمعنا بنبي قتل في القتال، ويحتمل أن تنزل القراءة الأولى على هذه الرواية أيضاً بأن يقال: المعنى وكأين من نبي قتل ممن كان معه وعلى دينه ربيون كثير، فما ضعف الباقون وما استكانوا لقتل من قتل من إخوانهم، بل مضوا على جهاد عدّوهم.

ثم إنه  مدح هؤلاء الربيين بصفات وذلك قوله ﴿ فما وهنوا ﴾ إلخ ولا بد من تغايرها فقيل ﴿ فما وهنوا ﴾ عند قتل النبي ﴿ وما ضعفوا ﴾ عن الجهاد بعده ﴿ وما استكانوا ﴾ للعدو أي لم يخضعوا له، وفيه تعريض بما أصاب المسلمين من الوهن والانكسار عن الإرجاف بقتل رسول الله  ، وبضعفهم عند ذلك عن جهاد الكفار / واستكانتهم لهم حين أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبد الله بن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان.

وقيل: الوهن استيلاء الخوف عليهم، والضعف ضعف الإيمان واختلاج الشبهات في صدورهم، والاستكانة الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم.

وقيل: الوهن ضعف يلحق القلب، والضعف مطلقاً اختلال القوة الجسمية، والاستكانة إظهار ذلك العجز والضعف.

واستكان قيل"افتعل" من السكون كأنه سكن لصاحبه ليفعل به ما يريد.

وعلى هذا فالمد شاذ كقولهم "هو منه بمنتزاح" أي ببعد يراد بمنتزح.

والأصح أنه استفعل من "كان" والمد قياسي كأن صاحبه تغير من كون إلى كون أي من حال إلى حال.

﴿ والله يحب الصابرين ﴾ بأن يريد إكرامهم والحكم بالثواب والجنة لهم.

ثم أخبر أنهم كانا مستعينين عند ذلك التصبر والتجلد بالدعاء والتضرع وطلب الإمداد والنصر من الله، والغرض أن تقتدي هذه الأمة بهم.

فإن من عول في تحصيل مهماته على نفسه وعدده وعُدَدِه ذل، ومن اعتصم بالله والتجأ إليه فاز بالظفر.

وفي إضافتهم الذنوب والإسراف إلى أنفسهم وهم ربانيون هضم للنفس واستصغار لها.قال المحققون: إنما قدموا الاستغفار لعلمهم بأنه  ضمن نصر المؤمنين، فإذا لم يحصل النصرة وظهرت أمارات واستيلاء الأعداء دل ذلك على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين، فيلزم تقديم التوبة والاستغفار على طلب النصرة ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة أقرب إلى الاستجابة.

إنهم عمموا الذنوب أوَّلاً الصغائر والكبائر بقولهم: ﴿ ربنا اغفر لنا ذنوبنا ﴾ ثم خصصوا الذنوب الكبائر بقولهم ﴿ وإسرافنا في أمرنا ﴾ لأن الإسراف في كل شيء هو الإفراط فيه.

والمراد بتثبيت الأقدام وإزالة الخوف عن قلوبهم وإماطة الخواطر الفاسدة عن صدورهم.

والمراد بالنصر الأمور الزائدة على القوة والعدة والشدة كإلقاء الرعب في قلوب الأعداء، وكإحداث أحوال سماوية أو أرضية توجب انهزامهم كهبوب ريح تثير الغبار في وجوههم، وإجراء سيل في مواضع وقوفهم.

وفي الآية تأديب وإراشاد من الله  في كيفية الطلب عند النوائب جهاداً كان أو غيره ﴿ فآتاهم الله ثواب الدنيا ﴾ من النصرة والغنيمة والعز وطيب الذكر وانشراح الصدر ﴿ وحسن ثواب الآخرة ﴾ وهو الجنة وما فيها من المنافع واللذات وذلك غير حاصل في الحال.

والمراد أنه حكم لهم بحصولها في الآخرة، وحكم الله بالحصول كنفس الحصول.

أو المراد أنه سيؤتيهم مثل أتى أمر الله أي سيأتي، قال القاضي: ولا يمتنع أن تكون الآية مختصة بالشهداء وأنهم في الجنة عند ربهم كما ماتوا أحياء، وثواب الآخرة كله حسن، فما ظنك بحسن ثوابها؟

وإنما لم يصف ثواب الدنيا بالحسن لقلتها وامتزاجها بالمضار وكدر صفوها بالانقطاع والزوال.

قال القفال: يحتمل أن يكون الحسن هو الحسن كقوله: ﴿ وقولوا للناس / حسناً  ﴾ والغرض منه المبالغة كما يقال: فلان جود وعدل إذا كان غاية في الجود ونهاية في العدل.

وههنا نكتة وهي أنه أدخل "من" التبعيضية في الآية المتقدمة في قوله: ﴿ نؤته منها ﴾ في الموضعين، ولم يذكر في هذه الآية.

لأن أولئك اشتغلوا بالثواب عن العبودية فلم ينالوا إلا البعض، بخلاف هؤلاء فإنهم لم يذكروا أنفسهم إلا بالعيب والقصور ولم يسألوا ربهم إلا ما يوجب إعلاء كلمته، فلا جرم فازوا بالكل.

وفيه تنبيه على أن من أقبل على خدمة الله أقبل على خدمته كل ما سوى الله.

ثم قال ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.

وههنا سر وهو أنه  وفقهم للطاعة ثم أثابهم عليها ثم مدحهم على ذلك فسماهم محسنين، ليعلم العبد أن الكل بعنايته وفضله.

﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا ﴾ عن السدي: المراد بالذين كفروا هو أبو سفيان وأصحابه فإنه كان كبير القوم في ذلك اليوم.

والمعنى إن تستكينوا لهم وتستأمنوهم.

وعن علي  : هم المنافقون عبد الله بن أبيّ وأشياعه قالوا للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم.

وعن الحسن: هم اليهود والنصارى يستغوونهم ويوقعون لهم الشبهة في الدين ولا سيما عند هذه الواقعة كانوا يقولون: لو كان نبياً حقاً لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوم له ويوم عليه.

والأقرب أنه عام في جميع الكفار فإن خصوص السبب لا ينافي إرادة العموم، فعلى المؤمنين أن لا يطيعوهم في شيء ولا ينزلوا على حكمهم وعلى مشورتهم حتى لا يستجرّوهم إلى موافقتهم وهو المراد بقوله: ﴿ يردوكم على أعقابكم ﴾ أي إلى الكفر بعد الإيمان ﴿ فتنقلبوا خاسرين ﴾ في الدنيا باستبدال ذلة الكفر بعزة الإسلام والانقياد للأعداء الذي هو اشق الأشياء لدى العقلاء، وفي الآخر بالحرمان عن الثواب المؤبد والوقوع في العقاب المخلد.

﴿ بل الله مولاكم ﴾ ناصركم وهو إضراب عما كانوا بصدده من طاعة الكفار.

والمعنى أنكم إنما تطيعون الكفار لينصروكم ويعينوكم على مطالبكم وهذا خطأ وجهالة لأنهم عاجزون مثلكم متحيرون، وبغير إذن الله لا ينفعون ولا يضرون.

﴿ وهو خير الناصرين ﴾ لو فرض أن لأحد سواه قدرة على النصر لأنه خبير بمواقع الحاجات، قدير على إنجاز الطلبات، ينصر في الدنيا والآخرة بلا شائبة علة من العلات، ونصرة غيره لو فرض فإنه مخصوص بالدنيا وببعض الأمور وفي بعض الأوقات ولغرض من الأغراض الفاسدات، كيف ولا ناصر بالحقيقة سواه.

التأويل: ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ﴾ أن تلجوا عالم الملكوت ولم تظهر منكم مجاهدات تورث المشاهدات ولا الصبر على تزكية النفوس وتصفية القلوب على وفق / الشريعة وقانون الطريقة لتتحلى الأرواح بأنوار الحقيقة ﴿ ولقد كنتم ﴾ يا أرباب الصدق وأصحاب الطلب ﴿ تمنون ﴾ موت النفوس عن صفاتها تزكية لها ﴿ من قبل أن تلقوه ﴾ بالمجاهدات والرياضات في خلاف النفس وقهرها عند لقاء العدو في الجهاد الأصغر ظاهراً وفي الجهاد الأكبر باطناً ﴿ فقد ﴾ رأيتم هذه الأسباب التي كنتم تمنونها عياناً ﴿ وأنتم تنظرون ﴾ لا تفدون أرواحكم و لاتجاهدون حق الجهاد في الله بأرواحكم وأشباحكم ﴿ أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ فيه أن الإيمان التقليدي لا اعتبار له فينقلب المقلد عن إيمانه عند إعدام المقلد من الوالدين أو الاستاذ، وكذا عند موت المقلد فيعجز عند سؤال الملكين في قولهما له من ربك؟

فيقول: هاه لا أدري.

فيقولون: ما تقول في هذا الرجل؟

فيقول: هاه لا أدري كنت أقول فيه ما قال الناس.

فيقولان له: لا دريت ولا تليت.

﴿ وسيجزي الله ﴾ بالإيمان الحقيقي ﴿ الشاكرين ﴾ الذين شكروا نعمة الإيمان التقليدي بأداء حقوقه وهو الائتمان بأوامر الشرع والانتهاء عن نواهيه ﴿ وما كان لنفس أن تموت ﴾ عن أوصافها الدنية وأخلاقها الردية وتتخلص عنها بطبعها إلا بتوفيق الله وجذبه وإشراق نوره كما أن ظلمة الليل لا تنتهي إلا بإشراق طلوع الشمس.

ثم أثبت للعبد كسباً في طلب الهداية واستجلاب العناية بقوله: ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ وهذه رتبة الخواص أي من عمل شوقاً إلى الحق فقد رأى نعمة وجود المنعم، فثوابه نقد في الدنيا لأنه حاضر لا غيبه له وهو معنى قولهم "الصوفي ابن الوقت" وفيه أنشد: خليلي هل أبصرتما أو سمعتما *** بأكرم من مولى تمشى إلى عبد أتى زائراً من غير وعد وقال لي *** أصونك عن تعذيب قلبك بالوعد.

ومن عمل شوقاً إلى الجنة فنظره على النعمة فثوابه في الآخرة ﴿ وسجيزي الشاكرين ﴾ أي كلا الفريقين على قدر شكرهما ﴿ وكأين من نبي قاتل ﴾ أعدى العدو الذي بين جنبيه و ﴿ معه ربيون ﴾ متخلقون بأخلاق الرب ﴿ فما وهنوا لما أصابهم ﴾ من تعب المجاهدات ﴿ وما ضعفوا ﴾ في طلب الحق ﴿ وما استكانوا ﴾ باحتمال الذلة والالتفات إلى غير الله.

﴿ إن تطيعوا الذين كفروا ﴾ أي النفوس الكافرة وصفاتها ﴿ يردّوكم ﴾ إلى أسفل سافلين بشريتكم وبهيمتكم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ ﴾ : قيل فيه بوجهين: قيل: قوله - عز وجل -: تمنون ما فيه الموت، وهو القتال.

وقيل: تمنون الموت نفس الموت.

ثم يحتمل وجوهاً: يحتمل: يتمنون إشفاقاً على دينهم الإسلام؛ لئلا يخرجوا من الدنيا على غير دينهم الذي هم عليه، ويحتمل أن يكونوا تمنوا الموت، لينجوا أو يتخلصوا من تعذيب الكفار إيّاهم وتغييرهم؛ على ما قيل: إن أهل مكة كانوا يعذبونهم، طلبوا النجاة منهم والخلاص، والله أعلم.

وقيل: يتمنون الموت، أي: يتمنون الشهادة؛ لما سمعوا من عظيم الثواب وجزيل الأجر، تمنوا أن يكونوا شهداء الله - عز وجل - أحياء عند ربهم، والله أعلم.

وقيل: في قوله - عز وجل -: ﴿ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ ﴾ : وذلك حين أخبر الله - عزّ وجلّ - عن قتلى بدر، وما هم فيه من الخير؛ فتمنوا يوماً مثل يوم بدر؛ فأراهم الله يوم أحد [فانهزموا]، فعوتبوا على ذلك بقوله: ﴿ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ﴾ ، يعني: يوم أحد.

وقوله: - عز وجل -: ﴿ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ﴾ .

يحتمل [أيضاً] وجوهاً: يحتمل: فقد رأيتم أسباب الموت وأهواله.

ويحتمل: فقد رأيتم أصحابكم الذين قتلوا بين أيديكم، على تأويل من صرف قوله - عز وجل -: ﴿ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ ﴾ إلى القتال، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ .

يحتمل: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ إلى الموت، يعني: إلى موت أصحابكم أو إلى القتال.

ويحتمل: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ ، أي: تعلمون أنكم كنتم تمنون الموت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: يحتمل: - والله أعلم -: أن يقول لهم: إنكم لما آمنتم بمحمّد  قبل أن يبعث لم تؤمنوا به؛ لأنّه محمّد [رسول الله  ]، ولكن آمنتم بالذي أرسله إليكم، والمُرْسِل حي، وإن كان محمد  قتل أو مات على زعمكم؛ فكيف أنقبلتم على أعقابكم؟!.

قال الشيخ: رحمه الله -: في الآية خبر بانقلاب من علم الله أنه يرتد بموت رسول الله صلى الله وسلم كقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ  ﴾ .

والشاكرون: الذين جاهدوهم، قد أخبر الله -  - أنه يحبّهم ويحبّونه.

وقال الحسن: إن أبا بكر الصّديق -  - كان - والله - إمام الشاكرين.

ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن من كان قبلكم من قوم موسى وعيسى - عليهما السلام - كانوا يكذبون رسلهم ما داموا أحيّاء؛ حتى قال لهم موسى -  - ﴿ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ  ﴾ ، وكذلك قال عيسى -  -: ﴿ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً ﴾ الآية [الصف: 6]، فإذا ماتوا ادعوا أنهم على دينهم، وأنهم صدقوهم فيما دعوهم إليه، وإن لم يكونوا على ذلك، فلم ينقلبوا على أعاقبهم؛ فيكف تنقلبون أنتم على أعقابكم إن مات محمد  أو قتل؟!.

والانقلاب على الأعقاب: على الكناية والتمثيل، ليس على التصريح، وهو الرجوع إلى ماكانوا عليه من قبل من الدين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ : أي: من ارتدّ بعد الإسلام فلن يضرّ الله شيئاً؛ لأنه لم يستعملهم لنفسه، ولكن إنما استعملهم لأنفسهم؛ ليستوجبوا بذلك الثواب الجزيل في الآخرة، فإنما يضرون بذلك أنفسهم، لا الله -  .

والثاني: أنه إنما يأمرهم ويكلفهم؛ لحاجة أنفسهم، لا أنه يأمر لحاجة نفسه، ومن أمر آخر في الشاهد: إنما يأمر لحاجة نفس الآمر، فإذا لم يأتمر لَحِق ضرر نَفْس ذلك الآمر، فإذا كان الله -  - يتعالى عن أن يأمر لحاجته؛ وإنما يأمر لحاجة المأمور، فإذا ترك أمره - ضر نفسه، وبالله التوفيق.

﴿ وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ ﴾ : قيل: الموحّدين لله.

وقيل: الذين آمنوا وجاهدوا يجزيهم في الآخرة، وكل متمسك بأمر الله ومؤتمر بأمره فهو شاكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ ﴾ ، أي: لا يموت إلا بقبض المسلط على قبض الأرواح - روحه؛ كقوله: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ  ﴾ : إن مات أو قتل.

ويحتمل: ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ ﴾ : إلا بعلم الله.

﴿ كِتَٰباً مُّؤَجَّلاً ﴾ : قيل: وقتاً موقتاً، لا يتقدم ولا يتأخر، مات أو قتل، ما لم تستوف رزقها وأجلها.

وقيل: ﴿ كِتَٰباً مُّؤَجَّلاً ﴾ ، أي: مبيناً في اللوح المحفوظ، مكتوباً فيه.

وقوله: ﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ : أي: من أراد بمحاسن أعماله الدنيا نؤته منها.

﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ : أي: من يرد بأعماله الصّالحات ومحاسنه الآخرة نؤته منها.

﴿ وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ ﴾ : وهو كقوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا  ﴾ على قدر ما قدّر ﴿ وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ  ﴾ ؛ فكذلك هذا - أيضاً - والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما كانت نفس لتموت إلا بقضاء الله، بعد أن تستوفي المدة التي كتبها الله وجعلها أجلًا لها، لا تزيد عنها ولا تنقص.

ومن يُرِد ثواب الدنيا بعمله نعطه بقدر ما قُدِّر له منها، ولا نصيب له في الآخرة، ومن يُرِد بعمله ثواب الله في الآخرة نعطه ثوابها، وسنجزي الشاكرين لربهم جزاءً عظيمًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.KXv8e"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام متصل بما قبله والخطاب فيه لمن شهد وقعة "أحد" من المؤمنين.

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ  ﴾ إن "أم" الاستفهام المجرد أو للمعادلة.

إنه تعالى يقول المؤمنين بعد ذلك التنبيه والإرشاد لسنته وحكمه فيما حصل المتضمن للوم والعتاب في مثل ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ  ﴾ إلخ: هل جريتم على تلك السنن؟

هل تدبرتم تلك الحكم؟

أم حسبتم كما يحسب أهل الغرور أن تدخلوا الجنة وأنتم إلى الآن لم تقوموا بالجهاد في سبيله حق القيام، ولم تتمكن صفة الصبر من نفوسكم تمام التمكن، والجنة إنما تنال بهما، ولا سبيل إلى دخولها بدونهما، لو قمتم بذلك لعلمه تعالى منكم وجازاكم عليه بالنصر والظفر في غزوتكم هذه وكان ذلك آية على أنه سيجازيكم بالجنة في الآخرة.

ربما يقول قائل أن الآية تفيد أن من لم يجاهد ويصبر لا يدخل الجنة مع أن الجهاد فرض كفاية.

ونقول: نعم إنه لا يدخل الجنة من لم يجاهد في سبيل الحق ولكن الجهاد في الكتاب والسنة يستعملان بمعناهما اللغوي وهو احتمال المشقة في مكافحة الشدائد ومنه جهاد النفس الذي روي عن السلف التعبير عنه بالجهاد الأكبر.

ومن أمثلة ذلك مجاهدة الإنسان لشهواته لا سيما في سن الشباب، وجهاده بماله، وما يبتلي به المؤمن من مدافعة الباطل ونصرة الحق.

إن الله في كل نعمة عليك حقًا وللناس عليك حقًا، وأداء هذه الحقوق يشق على النفس فلا بد من جهادها ليسهل عليه أداؤها وربما يفضل بعض جهاد النفس جهاد الأعداء في الحرب، فإن الإنسان إذا أراد أن يبث فكرة صالحة في الناس أو يدعوهم إلى خيرهم من إقامة سنة، أو مقاومة بدعة، أو النهوض بمصلحة، فإنه يجد أمامه من الناس من يقاومه ويؤذيه إيذاء قلما يصبر عليه أحد.

وناهيك بالتصدي لإصلاح عقائد العامة وعاداتهم وما الخاصة في ضلالهم إلا أصعب مراسًا من العامة.

ومن مباحث اللفظ في الآية ما تقدم بيانه من معنى أم ولما.

ومنها أن قوله: ﴿ وَيُعَلِّمُ  ﴾ منصوب بإضمار "إن" على أن الواو للجمع كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي لا يكن أكل السمك وشرب اللبن معًا، فالتقدير في الآية على هذا: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة والحال أنه لم يتحقق منكم الجمع بين الجهاد والصبر.

بعد ما بيّن تعالى للمؤمنين أن الفوز والظفر في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة لا يكونان بالأماني والغرور، ولا ينالان بالمحاباة والكيل الجزاف، بل بالجهاد ومكافحة الأيام، ومصابرة الشدائد والأخوال، واتباع سنن الله في هذا العالم.

وبعد ما بيّن لهم أن دعوى الإيمان ودعوى الجهاد والصبر لا يترتب عليهما الجزاء بالنصر ودخول الجنة وإنما يترتب ذلك على تحققهما بحسب علم الله المطابق للواقع لا بحسب ظن الناس وشعورهم.

بعد هذا وذاك أرشدهم إلى أمر واقع يظهر لهم به تأويل قوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا  ﴾ قوله: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ  ﴾ إلخ، وطريق الجمع بينه وبين شعورهم واعتقادهم قبل ذلك أنهم لم يقصروا في الجهاد والصبر فيتعلموا كيف يحاسبون أنفسهم ولا يغترون بشعورهم وخواطرهم فقال: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ  ﴾ الخطاب لجماعة المسلمين الذين شهدوا وقعة أُحد.

فلقد كان النبي  يرى أن لا يخرج للمشركين بل يستعد لمدافتعهم في المدينة، وكان على هذا الرأي جماعة من كبراء الصحابة، وبه صرح عبدالله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين ولكن أكثر الصحابة أشاروا بالخروج إلى أُحد حيث عسكر المشركين ومناجزتهم هناك، وإن الشبان ومن لم يشهد بدرًا كانوا يلحون في الخروج.

لهذا قال مجاهد: إن هذه الآية عتاب لرجال غابوا عن بدر فكانوا يتمنون مثل يوم بدر أن يلقوه فيصيبوا من الخير والأجر مثل ما أصاب أهل بدر فلما كان يوم أُحد ولى منهم من ولى فعاتبهم الله، وروي نحو ذلك عن غيره منهم الربيع والسدي، وروي عن الحسن أنه قال بلغني أن رجالًا من أصحاب النبي  كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي  لنفعلن ولنفعلن فابتلوا بذلك فلا والله ما كلهم صدق فأنزل الله  : ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ  ﴾ الآية.

فأطلق الحسن ولم يخص من لم يشهد بدرًا وهو الصواب، فإن الذين كانوا يتمنون القتال كثيرون.

قلنا إن هذه الآية أظهرت للمؤمنين تأويل قوله تعالى في إيمانهم وجهادهم وصبرهم، وعلمتهم كيف يحاسبون أنفسهم ويمتحنون قلوبهم، وبيان ذلك أنهم تمنوا القتال، أو الموت في القتال لينالوا مرتبة الشهادة، وقد أثبت الله لهم هذا التمني وأكده بقوله: ﴿ وَلَقَدْ  ﴾ فلم يكن ذلك منهم دعوى قولية، ولا صورة في الذهن خيالية، بل كان حقيقة واقعة في النفس، ولكنها زالت عند مجيء دور الفعل، وهذه مرتبة من مراتب النفس في شعورها وعرفانها هي دون مرتبة الكمال الذي يصدقه العمل، وفوق مرتبة التصور والتخيل مع الانصراف عن تمني العمل بمقتضاه، أو مع كراهته والهرب منه كما يتوهم بعض الناس أنه يحب ملته أو وطنه ولكنه يهرب من كل طريق يخشى أن يطالب فيه بعمل يأتيه لأجلهما، أو مال يعاون به العاملين لهما، أو يكون خالي الذهن من الفكر في العمل، أو البذل لإعلاء شأن هذا المحبوب، أو كف العدوان أو الشر عنه، فهاتان مرتبتان دون مرتبة من يتصور أنه يحب ملته ووطنه، ويفكر في خدمتهما ويتمنى لو يتاح له ذلك، حتى إذا احتيج إلى خدمته التي كان يفكر فيها ويتمناها وجد من نفسه الضعف فأعرض عن العمل قبل الشروع أو بعد أن ذاق مرارته، وكابد مشقته، وإنما المطلوب في الإيمان ما هو أعلى من هذه المرتبة، المطلوب فيه مرتبة اليقين والاذعان النفسي التي من مقتضاها العمل مهما كان شاقًا، والجهاد مهما كان عسيرًا، والصبر على المكاره، وإيثار الحق على الباطل، وقد تقدم في تفسير: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ  ﴾ وتفسير ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ  ﴾ من الآيتين السابقتين أمثلة تزيد المبحث وضوحًا.

وقد كان في مجموع المخاطبين بالآية عند نزولها من هم في المرتبة العليا، وأولئك هم المجاهدون الصابرون الذين ثبتوا مع النبي  ثبات الجبال لا ثبات الأبطال وهم نحو ثلاثين رجلًا، وقد ذكرنا أسماء بعضهم في تلخيص القصة وإنما جعل الخطاب عامًا؛ ليكون تربية عامة فإن أصحاب المراتب العلية يتهمون أنفسهم بالتقصير فيزدادون كمالًا.

فهذه الآية تنبه كل مؤمن إلى اتقاء الغرور بحديث النفس والتمني والتشهي وتهديه إلى امتحان نفسه بالعمل الشاق، وعدم الثقة منها بما دون الجهاد والصبر على المكاره في سبيل الحق، حتى يأمن الدعوى الخادعة، بله الدعوى الباطلة، وإنما الخادعة أن تدعي ما تتوهم أنك صادق فيه، مع الغفلة أو الجهل بعجزك عنه، والباطلة لا تخفى عليك، وإنما تظن أنها تخفى على سواك.

قد أشرنا إلى أن الظاهر من تمني الموت هو تمني الشهادة في سبيل الله، وقال بعضهم إن المراد بالموت الحرب لأنها سببه.

وعد بعضهم تمني الشهادة المأثور عن كثير من الصحابة مشكلًا لأنه يستلزم انتصار الكفار على المسلمين، ولا إشكال إلا في مخ من اخترع هذه العبارة، فإن الذي يتمنى الشهادة في سبيل الله لا يلقي بنفسه إلى التهلكة، ولا يقصر في الدفاع والصدام حتى يقال إنه مكن الأعداء منه، ومهد لهم سبيل الظفر بالمؤمنين وإنما يكون أقوى جهادًا وأشد وأجدر بأن ينصر قومه ويخذل من يحاربهم.

ثم إنه لا يقصد لازم الموت والشهادة من نقص عدد المسلمين أو ضعفهم على أن هذا اللازم إنما يتبع استشهاد الكثير أو الأكثر منهم، ومن يتمن الشهادة فإنما يتمناها لنفسه دون العدد الكثير من قومه.

إن تمني الشهادة الذي وقع ليس تمنيًا مطلقًا وإنما هو تمني من يقاتل لنصرة الحق أن تذهب نفسه دونه، فإذا هو وصل إلى ما ينبغي من نصرة الحق وإعزازه بانهزام أهل الباطل وخذلانهم فيها ونعمت وإلا فضل الموت في سبيل إعزاز الحق ورآه خيرًا من البقاء مع إذلاله وغلبه الباطل عليه.

وإن الخطاب لمن سبق لهم تمني الموت بعد أن فاتهم حضور وقعة بدر أو الشهادة فيها لبعض من حضرها، ثم جاءت وقعة أُحد فكان منهم من انكسرت نفسه في أثناء الواقعة ووهن عزمه، ومنهم من وهن وضعف بعدها عند ما ندبهم النبي  إلى اتباع المشركين معه في حمراء الأسد، كأنه يقول: يا سبحان الله لقد كنتم تتمنون الموت قبل أن تلاقوا القوم في الحرب فها أنتم أولاء قد رأيتم ما كنت تتمنونه وأنتم تنظرون إليه لا تغفلون عنه فما بالكم دهشتم عندما وقع الموت فيكم؟، وما بالكم تحزنون وتضعفون، عند لقاء ما كنتم تحبون وتتمنون؟، ومن تمنى الشيء وسعى إليه لا ينبغي أن يحزنه لقاؤه ويسوءه، فقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ  ﴾ للتأكيد لأن الإنسان يرى الشيء أحيانًا ولكنه لانشغاله عنه ربما لا يتبينه، فأراد أن يقول إنكم قد رأيتموه رؤية كان لها الأثر الثابت في نفوسكم لا رؤية من قبيل لمح الشيء مع الغفلة عنه وعدم المبالاة به.

وقال بعض المفسرين إن الجملة مستأنفة أي أبصرتموه وأنتم الآن تنظرون وتتأملون فيما رأيتموه وتفكرون في علاقته بشؤونكم، والذي يظهر هو صحة التأويل الأول.

بعد هذا بيّن الله تعالى حكمة أخرى من أعظم الحكم المتعلقة بغزوة أُحد وهي إشاعة قتل النبي  ، وما كان من تأثيرها في المسلمين، وما كان يجب أن يكون فقال: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ  ﴾ إلخ.

إن كلمة ﴿ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ  ﴾ من قبيل المثل تضرب لمن رجع عن الشيء بعد الإقبال عليه، والأحسن أن تكون عامة تشمل الارتداد عن الدين الذي جاهر بالدعوة إليه بعض المنافقين، والارتداد عن العمل كالجهاد ومكافحة الأعداء وتأييد الحق وهذا هو الصواب.

قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ  ﴾ في هذه الآية إرشاد لنا إلى أن لا نجعل المصائب الشخصية دليلًا على كون من تصيبه على باطل أو على حق، فإن من الجائز عقلًا والواقع فعلًا أن يبتلى صاحب الحق بالمصائب والرزايا، وأن يبتلى صاحب الباطل بالنعم والعطايا، كما أن عكس ذلك جائز وواقع.

وتعلمنا أيضًا أن لا نعتمد في معرفة الحق والخير على وجود المعلم بحيث نتركهما بعد ذهابه أو موته وإنما نعتمد على معرفتهما والتحقق بهما والسير على منهاجهما في حال وجود المعلم وبعده.

فالله تعالى يقول عليكم أن تستضيئوا بالنور، وتتقلدوا سيف البرهان اللذين جاءكم بهما محمد، وأما ما يصيب جسمه من جرح أو ألم، وما يعرض له من حياة أو موت، فلا مدخل له في صحة دعوته، ولا في إضعاف النور الذي جاء به، فلا معنى إذًا لتعليق إيمانكم بحياته أو سلامة بدنه مما يعرض له من حيث هو بشر مثلكم، خاضع لسنن الله كخضوعكم.

﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا  ﴾ الآية.

تلك قضية وهذه قضية أخرى ووجه الاتصال بينهما أن المراد بتلك لوم المؤمنين على ما وقع منهم إذ بلغهم قتل النبي  ، والمراد بهذه بيان أنه لو قتل لما كان قتله إلا بإذن الله ومشيئته، فهو توبيخ لمن اندهش من خبر موته كأنهم بسبب زلزالهم وزعزعة عقائدهم قد جعلوا موته جناية منه، فأذاقهم تعالى بهذه العبارة مرارة خطأهم، وأراهم بها قبح جهلهم، كأنه يقول إن محمدًا يدعوكم إلى الله -أي لا إلى نفسه- فلو كان هذا الموت يقع بدون إذن الله لكان الانقلاب صوابًا، ولكن إذا كان هذا الموت لا يقع إلا بإذنه تعالى، إذ ليس لأحد في العالم سلطان يقهره ويوقع في ملكه شيئًا بالكره منه فلا معنى لزلزلة ثقتكم بالله، وضعفكم عن المضي فيما كنتم عليه مع النبي في حياته لأن الله لم يزل حيًا باقيًا عليمًا حكيمًا.

وفي الآية معنى آخر وهو أنه ما دام محيانا ومماتنا بيد الله فلا محل للجبن والخوف، ولا عذر في الوهن والضعف، وفيها تأكيد لما تقدم بيانه في الآية التي قبلها وهو أن الموت لا يدل على بطلان ما كان عليه من يموت ولا على حقيته، ولقد جعل صاحب الكشاف الجملة تمثيلًا.

﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا  ﴾ ، هذه قضية أخرى فيها وجهان: أحدهما: أنها رد لاستدلال من استدل بما حل بالمسلمين على أن ما هم عليه غير الحق، فهي من هذا الوجه فرع من فروع قوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ  ﴾ فهو يقول إن لنيل ثواب الدنيا سننًا ولنيل ثواب الآخرة سننًا فمن سار على سنن واحدة منهما وصل إليها.

فإذا كان المشركون قد استظهروا على المسلمين في هذه المرة فلأنهم طلبوا بعملهم الدنيا وأخذوا له أهبته من حيث قد قصر المسلمون في اتباع السنن في ذلك بمخالفة الرسول كما تقدم.

والوجه الثاني: أنه يقول لأولئك الذين ضعفوا وفشلوا وانقلبوا على أعقابهم: ما الذي تريدون بعملكم هذا؟

إن كنتم تريدون ثواب الدنيا فالله لا يمنعكم ذلك وما عليكم إلا أن تسلكوا طريقه، ولكن ليس هذا هو الذي يدعوكم إليه محمد وإنما يدعوكم إلى خير ترون حظًا منه في الدنيا، والمعول فيه على ما في الآخرة، فالمسألة معكم بين أمرين: إرادة الدنيا، وإرادة الآخرة، كل يريد أمرًا ولكل أمر سنن تتبع ولكل دار طريق تسلك.

﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ  ﴾ ، كأنس بن النضر وأمثاله الذين جاهدوا وصبروا مع النبي  بحفظهم قوة إرادتهم فكانوا السبب في انجلاء المشركين عن المسلمين، وخصهم بالذكر الذي يعينه الوصف تنويهًا بهم ووعدًا لهم بالجزاء، وهو من التفصيل لإجمال من يريد الآخرة.

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ  وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ  فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  ﴾ ثواب هؤلاء حسن على كل حال ولكن ذكر الحسن في ثواب الآخرة مزيد في تعظيم أمره، وتنبيه على أنه ثواب لا يشوبه أذى، فليس مثل ثواب الدنيا عرضة للشوائب والمنغصات.

ولقد اتفق المفسرون على أن الآيات جاءت تأديبًا للمؤمنين وتوبيخًا لمن فرط منهم ما فرط والأمر ظاهر كالشمس في الضحى أو أشد ظهورًا.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله