الآية ١٤٦ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٤٦ من سورة آل عمران

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّۢ قَـٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌۭ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ ١٤٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 149 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٦ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٦ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى - مسليا للمسلمين عما كان وقع في نفوسهم يوم أحد - : ( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ) قيل : معناه : كم من نبي قتل وقتل معه ربيون من أصحابه كثير .

وهذا القول هو اختيار ابن جرير ، فإنه قال : وأما الذين قرءوا : ( قتل معه ربيون كثير ) فإنهم قالوا : إنما عنى بالقتل النبي وبعض من معه من الربيين دون جميعهم ، وإنما نفى الوهن والضعف عمن بقي من الربيين ممن لم يقتل .

قال : ومن قرأ ( قاتل ) فإنه اختار ذلك لأنه قال : لو قتلوا لم يكن لقوله : ( فما وهنوا ) وجه معروف ، لأنهم يستحيل أن يوصفوا بأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا بعد ما قتلوا .

ثم اختار قراءة من قرأ ( قتل معه ربيون كثير ) ، لأن الله [ تعالى ] عاتب بهذه الآيات والتي قبلها من انهزم يوم أحد ، وتركوا القتال أو سمعوا الصائح يصيح : " إن محمدا قد قتل " .

فعذلهم الله على فرارهم وتركهم القتال فقال لهم : ( أفإن مات أو قتل ) أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم وانقلبتم على أعقابكم ؟

.

وقيل : وكم من نبي قتل بين يديه من أصحابه ربيون كثير .

وكلام ابن إسحاق في السيرة يقتضي قولا آخر ، [ فإنه ] قال : أي وكأين من نبي أصابه القتل ، ومعه ربيون ، أي : جماعات فما وهنوا بعد نبيهم ، وما ضعفوا عن عدوهم ، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهم ، وذلك الصبر ، ( والله يحب الصابرين ) .

فجعل قوله : ( معه ربيون كثير ) حالا وقد نصر هذا القول السهيلي وبالغ فيه ، وله اتجاه لقوله : ( فما وهنوا لما أصابهم ) الآية ، وكذلك حكاه الأموي في مغازيه ، عن كتاب محمد بن إبراهيم ، ولم يقل غيره .

وقرأ بعضهم : ( قاتل معه ربيون كثير ) قال سفيان الثوري ، عن عاصم ، عن زر ، عن ابن مسعود ( ربيون كثير ) أي : ألوف .

وقال ابن عباس ، ومجاهد وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، والربيع ، وعطاء الخراساني : الربيون : الجموع الكثيرة .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر عن الحسن : ( ربيون كثير ) أي : علماء كثير ، وعنه أيضا : علماء صبر أبرار أتقياء .

وحكى ابن جرير ، عن بعض نحاة البصرة : أن الربيين هم الذين يعبدون الرب ، عز وجل ، قال : ورد بعضهم عليه قال : لو كان كذلك لقيل ربيون ، بفتح الراء .

وقال ابن زيد : " الربيون : الأتباع ، والرعية ، والربابيون : الولاة .

( فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ) قال قتادة والربيع بن أنس : ( وما ضعفوا ) بقتل نبيهم ( وما استكانوا ) يقول : فما ارتدوا عن نصرتهم ولا عن دينهم ، أن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله .

وقال ابن عباس ( وما استكانوا ) تخشعوا .

وقال السدي وابن زيد : وما ذلوا لعدوهم .

وقال محمد بن إسحاق ، وقتادة والسدي : أي ما أصابهم ذلك حين قتل نبيهم .

( والله يحب الصابرين)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك: فقرأه بعضهم: (وَكَأَيِّنْ)، بهمز " الألف " وتشديد " الياء ".

* * * وقرأه آخرون بمد " الألف " وتخفيف " الياء " * * * وهما قراءتان مشهورتان في قرأة المسلمين، ولغتان معروفتان، لا اختلاف في معناهما، فبأي القراءتين قرأ ذلك قارئ فمصيبٌ.

لاتفاق معنى ذلك، وشهرتهما في كلام العرب.

ومعناه: وكم من نبي.

* * * القول في تأويل قوله : قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله: " قتل معه ربيون ".

(58) فقرأ ذلك جماعة من قرأة الحجاز والبصرة: (قُتِلَ)، بضم القاف.

* * * وقرأه جماعة أخر بفتح " القاف " و " بالألف ".

(59) وهي قراءة جماعة من قرأة الحجاز والكوفة.

* * * قال أبو جعفر: فأما من قرأ (قَاتَلَ)، فإنه اختار ذلك، لأنه قال: لو قُتلوا لم يكن لقوله: فَمَا وَهَنُوا ، وجه معروف.

لأنه يستحيل أن يوصفوا بأنهم لم يَهِنوا ولم يضعفوا بعد ما قتلوا.

وأما الذين قرأوا ذلك: (قُتِلَ)، فإنهم قالوا: إنما عنى بالقتل النبيَّ وبعضَ من معه من الربيين دون جميعهم، وإنما نفى الوهن والضعف عمن بقى من الربيين ممن لم يقتل.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب، قراءة من قرأ بضم " القاف ": ( " قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُونَ كَثِيرٌ " )، لأن الله عز وجل إنما عاتب بهذه الآية والآيات التي قبلها = من قوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ (60) الذين انهزموا يوم أحُد، وتركوا القتال، أو سمعوا الصائح يصيح: " إن محمدًا قد قتل ".

فعذلهم الله عز وجل على فرارهم وتركهم القتال فقال: أفائن مات محمد أو قتل، أيها المؤمنون، ارتددتم عن دينكم وانقلبتم على أعقابكم؟

ثم أخبرهم عما كان من فعل كثير من أتباع الأنبياء قبلهم، وقال لهم: هلا فعلتم كما كان &; 7-265 &; أهل الفضل والعلم من أتباع الأنبياء قبلكم يفعلونه إذا قتل نبيهم = من المضي على منهاج نبيهم، والقتال على دينه أعداءَ دين الله، على نحو ما كانوا يقاتلون مع نبيهم = ولم تهنوا ولم تضعفوا، كما لم يضعف الذين كانوا قبلكم من أهل العلم والبصائر من أتباع الأنبياء إذا قتل نبيهم، ولكنهم صَبروا لأعدائهم حتى حكم الله بينهم وبينهم؟

وبذلك من التأويل جاء تأويل المتأوِّلين.

(61) * * * وأما " الربيون "، فإنهم مرفوعون بقوله: " معه " لا بقوله: " قتل ".

وإنما تأويل الكلام: وكأين من نبيّ قتل، ومعه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله.

وفي الكلام إضمار " واو "، لأنها " واو " تدل على معنى حال قَتْل النبي صلى الله عليه وسلم، غير أنه اجتزأ بدلالة ما ذكر من الكلام عليها من ذكرها، وذلك كقول القائل في الكلام: " قتل الأمير معه جيش عظيم "، بمعنى: قتل ومعه جيشٌ عظيم.

* * * وأما " الربيون "، فإن أهل العربية اختلفوا في معناه.

فقال بعض نحويي البصرة: هم الذين يعبدون الرَّبَّ، واحدهم " رِبِّي".

* * * وقال بعض نحويي الكوفة: لو كانوا منسوبين إلى عبادة الربّ لكانوا " رَبِّيون " بفتح " الراء "، ولكنه: العلماء، والألوف.

* * * و " الربيون " عندنا، الجماعات الكثيرة، (62) واحدهم " رِبِّي"، وهم الجماعة.

(63) * * * واختلف أهل التأويل في معناه.

* * * فقال بعضهم مثل ما قلنا.

*ذكر من قال ذلك: 7957- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله: الربيون: الألوف.

7958- حدثني المثني قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان الثوري، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله، مثله.

7959- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري وابن عيينة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن عبد الله، مثله.

7960- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عمرو عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، مثله.

7961- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عوف عمن حدثه، عن ابن عباس في قوله: " ربيون كثير "، قال: جموع كثيرة.

7962- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " قاتل معه ربيون كثير " (64) قال: جموع.

7963- حدثني حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا شعبة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله: " وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير " قال: الألوف.

* * * وقال آخرون بما:- 7964- حدثني به سليمان بن عبد الجبار قال، حدثنا محمد بن الصلت &; 7-267 &; قال، حدثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير " قال: علماء كثير.

7965- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عوف، عن الحسن في قوله: " وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير "، قال: فقهاء علماء.

7966- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية.

عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله: " وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير " قال: الجموع الكثيرة = قال يعقوب: وكذلك قرأها إسماعيل: ( " قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُونَ كَثِيرٌ " ).

7967- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير " يقول: جموع كثيرة.

7968- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله: " قتل معه ربيون كثير "، قال: علماء كثير = (65) وقال قتادة: جموعٌ كثيرة.

7969- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة في قوله: " ربيون كثير "، قال: جموع كثيرة.

7970- حدثني عمرو بن عبد الحميد الآملي قال، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، مثله.

7971- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " قتل معه ربيون كثير " قال: جموع كثيرة.

7972- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

&; 7-268 &; 7973- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " قتل معه ربيون كثير " يقول: جموع كثيرة.

7974- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير "، يقول: جموع كثيرة، قُتل نبيهم.

7975- حدثني المثني قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن جعفر بن حبان والمبارك، عن الحسن في قوله: " وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير "، قال جعفر: علماء صبروا = وقال ابن المبارك: أتقياء صُبُر.

(66) 7976- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " قتل معه ربيون كثير " يعني الجموع الكثيرة، قتل نبيهم.

7977- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " قاتل معه ربيون كثير "، يقول: جموع كثيرة.

7978- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله: " وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير " قال: وكأين من نبي أصابه القتل، ومعه جماعات.

(67) 7979- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير "، الربيون: هم الجموع الكثيرة.

(68) * * * وقال آخرون: الربيون، الاتباع.

*ذكر من قال ذلك: 7980- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير "، قال: " الربيون " الأتباع، و " الرّبانيون " الولاة، و " الربِّيون " الرعية.

وبهذا عاتبهم الله حين انهزموا عنه، (69) حين صاح الشيطان: " إن محمدًا قد قتل " = قال: كانت الهزيمة عند صياحه في [سه صاح]: (70) أيها الناس، إنّ محمدًا رسول الله قد قُتل، فارجعوا إلى عشائركم يؤمِّنوكم!.

* * * القول في تأويل قوله : فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: " فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله "، فما عجزوا = لما نالهم من ألم الجراح الذي نالهم في سبيل الله، (71) ولا لقتل من قُتل منهم =، عن حرب أعداء الله، ولا نكلوا عن جهادهم =" وما ضعفوا "، يقول: وما ضعفت قواهم لقتل نبيهم =" وما استكانوا "، يعني وما ذلوا فيتخشَّعوا لعدوّهم بالدخول في دينهم ومداهنتهم فيه خيفة منهم، ولكن مضوا قُدُمًا على بصائرهم ومنهاج نبيِّهم، صبرًا على أمر الله وأمر نبيهم، وطاعة لله واتباعًا لتنـزيله ووحيه = &; 7-270 &; " والله يحب الصابرين "، يقول: والله يحب هؤلاء وأمثالهم من الصابرين لأمره وطاعته وطاعة رسوله في جهاد عدوه، لا مَنْ فشل ففرَّ عن عدوه، ولا من انقلب على عقبيه فذلّ لعدوه لأنْ قُتِل نبيه أو مات، ولا مَن دخله وهن عن عدوه، وضعفٌ لفقد نبيه.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 7981- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا "، يقول: ما عجزوا وما تضعضعوا لقتل نبيهم =" وما استكانوا " يقول: ما ارتدوا عن بصيرتهم ولا عن دينهم، (72) بل قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله.

7982- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا "، يقول: ما عجزوا وما ضعفوا لقتل نبيهم =" وما استكانوا "، يقول: وما ارتدوا عن بصيرتهم، (73) قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى لحقوا بالله.

7983- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فما وهنوا "، فما وهن الربيون =" لما أصابهم في سبيل الله " من قتل النبي صلى الله عليه وسلم =" وما ضعفوا "، يقول: ما ضعفوا في سبيل الله لقتل النبي =" وما استكانوا "، يقول: ما ذلُّوا حين قال رسول الله صلى الله عليه &; 7-271 &; وسلم: " اللهم ليس لهم أن يعلونا " - و وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (74) .

7984- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " فما وهنوا " لفقد نبيهم =" وما ضعفوا "، عن عدوهم =" وما استكانوا "، لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك الصبر =" والله يحب الصابرين ".

(75) 7985- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " وما استكانوا "، قال: تخشَّعوا.

7986- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " وما استكانوا "، قال: ما استكانوا لعدوهم =" والله يحب الصابرين ".

--------------------- الهوامش : (58) في المطبوعة: "ربيون كثير" ، واتبعت ما في المخطوطة.

(59) في المطبوعة: "جماعة أخرى" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(60) السياق: إنما عاتب بهذه الآية.

.

.

الذين انهزموا.

.

.

(61) في المطبوعة والمخطوطة: "تأويل المتأول" ، ولكن"لام""المتأول" في المخطوطة ممدودة في الهامش ، وتحتها نقطتان ، فهذا صواب قراءتها ، وهو صواب السياق.

(62) في المطبوعة: "الجماعة الكثيرة" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(63) في المطبوعة والمخطوطة: "وهم جماعة" ، وكأن الأجود ما أثبت ، إلا أن يكون قد سقط من الناسخ شيء.

(64) في هذا الموضع من الآثار التالية ، كتب"قاتل معه" ، وسائرها"قتل" ، كالقراءة التي اختارها أبو جعفر ، فتركت قراءة أبي جعفر كما هي في هذه الآثار ، وإن خالفت القراءة التي عليها مصحفنا وقراءتنا في مصر وغيرها.

وذلك لأن معاني الآثار كلها مطابقة لقراءتها"قتل" بالبناء للمجهول.

(65) في المطبوعة: "علماء كثيرة" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(66) في المطبوعة: "أتقياء صبروا" والصواب ما في المخطوطة: "صبر" (بضمتين) جمع"صبور".

(67) الأثر: 7978- سيرة ابن هشام 3: 118 ، وهو من تتمة الآثار التي آخرها: 7955 مع بعض خلاف في لفظه.

(68) في المطبوعة: "الربيون الجموع" بإسقاط"هم" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(69) في المطبوعة: "وهذا عاتبهم" ، وكأن صواب قراءتها في المخطوطة ما أثبت ، وهو السياق.

(70) الكلمات التي بين القوسين ، هكذا جاءت في المخطوطة غير منقوطة ، أما المطبوعة فقد قرأها"في سننية صاح" ، وهو لا معنى له.

وقد جهدت أن أجد هذا الأثر في مكان آخر ، أو أن أعرف وجهًا مرضيًا في قراءته ، فأعياني طلب ذلك.

وقد بدا لي أنها محرفة عن اسم موضع ، أو ثنية ، وقف عندها إبليس فنادى بذلك النداء ، ولكني لم أجد ما أردت.

والمعروف في السير ، أن أزب العقبة إبليس قد تصور متمثلا في شبه جعال بن سراقة ، وصرخ بما صرخ به ، حتى هم أناس بقتل جعال ، فشهد له خوات بن جبير ، وأبو بردة بن نيار ، بأن جعالا كان عندهما وبجنبهما يقاتل ، حين صرخ ذلك الصارخ.

فأرجو أن أجد بعد إن شاء الله صواب قراءة هذا الرسم المشكل.

(71) انظر تفسير"وهن" فيما سلف قريبًا: 234.

(72) في المطبوعة والمخطوطة في هذا الموضع"عن نصرتهم" ، وهو خطأ لا معنى له.

و"البصيرة": عقيدة القلب ، والمعرفة على تثبت ويقين واستبانة.

يريد ما اعتقدوا في قلوبهم من الدين عن بصر ويقين.

وقد سلف منذ أسطر": ولكن مضوا قدمًا على بصائرهم" ، وانظر ما سيأتي في الأثر التالي ، والتعليق عليه.

(73) في المطبوعة: "عن نصرتهم" كما في الأثر السالف ، وهو خطأ ، وفي المخطوطة"عن نصرتهم" غير منقوطة ، وهذا صواب قراءتها.

انظر التعليق السالف.

(74) في المطبوعة: "ليس لهم أن يعلونا ولا تهنوا.

.

." ، وفي المخطوطة: "ليس لهم أن يعلونا لا تهنوا.

.

." ، والصواب ما أثبت ، مع الفصل ، يعني: ما ذلوا حين قال لهم رسول الله ما قال ، وحين نزل الله على رسوله الآية.

وانظر تفسير الآية فيما سلف ص: 234 ، والأثر: 7892.

(75) الأثر: 7984- سيرة ابن هشام 3: 118 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7978.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرينقوله تعالى : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير قال الزهري : صاح الشيطان يوم أحد : قتل محمد ; فانهزم جماعة من المسلمين .

قال كعب بن مالك : فكنت أول من عرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأيت عينيه من تحت المغفر تزهران ، فناديت بأعلى صوتي : هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأومأ إلي أن اسكت ، فأنزل الله عز وجل : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا الآية .

و كأين بمعنى كم .

قال الخليل وسيبويه : هي أي دخلت عليها كاف التشبيه وبنيت معها فصار في الكلام معنى وكم وصورت في المصحف نونا ; لأنها كلمة .

نقلت عن أصلها فغير لفظها لتغير معناها ، ثم كثر استعمالها فتلعبت بها العرب وتصرفت فيها بالقلب والحذف ، فحصل فيها لغات أربع قرئ بها .

وقرأ ابن كثير " وكائن " مثل وكاعن ، على وزن فاعل ، وأصله كيء فقلبت الياء ألفا ، كما قلبت في ييأس فقيل ياءس ; قال الشاعر :وكائن بالأباطح من صديق يراني لو أصبت هو المصاباوقال آخر :وكائن رددنا عنكم من مدجج يجيء أمام الركب يردي مقنعا[ ص: 217 ] وقال آخر :وكائن في المعاشر من أناس أخوهم فوقهم وهم كراموقرأ ابن محيصن " وكئن " مهموزا مقصورا مثل وكعن ، وهو من كائن حذفت ألفه .

وعنه أيضا " وكأين " مثل وكعين وهو مقلوب كيء المخفف .

وقرأ الباقون كأين بالتشديد مثل كعين وهو الأصل ، قال الشاعر :كأين من أناس لم يزالوا أخوهم فوقهم وهم كراموقال آخر :كأين أبدنا من عدو بعزنا وكائن أجرنا من ضعيف وخائففجمع بين لغتين : كأين وكائن ، ولغة خامسة كيئن مثل كيعن ، وكأنه مخفف من كيء مقلوب كأين .

ولم يذكر الجوهري غير لغتين : كائن مثل كاعن ، وكأين مثل كعين ; تقول كأين رجلا لقيت ; بنصب ما بعد كأين على التمييز .

وتقول أيضا : كأين من رجل لقيت ; وإدخال " من " بعد كأين أكثر من النصب بها وأجود .

وبكأين تبيع هذا الثوب ؟

أي بكم تبيع ; قال ذو الرمة :وكائن ذعرنا من مهاة ورامح بلاد العدا ليست له ببلادقال النحاس : ووقف أبو عمرو " وكأي " بغير نون ; لأنه تنوين .

وروى ذلك سورة بن المبارك عن الكسائي .

ووقف الباقون بالنون اتباعا لخط المصحف .

ومعنى الآية تشجيع المؤمنين ، والأمر بالاقتداء بمن تقدم من خيار أتباع الأنبياء ; أي كثير من الأنبياء قتل معه ربيون كثير ، أو كثير من الأنبياء قتلوا فما ارتد أممهم ; قولان : الأول للحسن وسعيد بن جبير .

قال الحسن : ما قتل نبي في حرب قط .

وقال ابن جبير : ما سمعنا أن نبيا قتل في القتال .

والثاني عن قتادة وعكرمة .

والوقف - على هذا القول - على " قتل " جائز ، وهي قراءة نافع وابن جبير وأبي عمرو ويعقوب .

وهي قراءة ابن عباس واختارها أبو حاتم .

وفيه وجهان : أحدهما أن يكون " قتل " واقعا على النبي وحده ، وحينئذ يكون تمام الكلام عند قوله " قتل " ويكون في الكلام إضمار ، أي ومعه ربيون كثير ; كما يقال : قتل الأمير معه جيش عظيم ، أي ومعه جيش .

وخرجت معي تجارة ; أي ومعي .

الوجه الثاني أن يكون القتل نال النبي ومن معه من الربيين ، ويكون وجه الكلام قتل بعض من كان معه ; تقول العرب : قتلنا بني تميم وبني سليم ، وإنما قتلوا بعضهم .

ويكون قوله فما وهنوا راجعا إلى من بقي منهم .

قلت : وهذا القول أشبه بنزول الآية وأنسب ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل ، وقتل معه جماعة من أصحابه .

وقرأ [ ص: 218 ] الكوفيون وابن عامر قاتل وهي قراءة ابن مسعود ; واختارها أبو عبيد وقال .

إن الله إذا حمد من قاتل كان من قتل داخلا فيه ، وإذا حمد من قتل لم يدخل فيه غيرهم ; فقاتل أعم وأمدح .

و " الربيون " بكسر الراء قراءة الجمهور .

وقراءة علي - رضي الله عنه - بضمها .

وابن عباس بفتحها ; ثلاث لغات .

والربيون الجماعات الكثيرة ; عن مجاهد .

وقتادة والضحاك وعكرمة ، واحدهم ربي بضم الراء وكسرها ; منسوب إلى الربة بكسر الراء أيضا وضمها ، وهي الجماعة .

وقال عبد الله بن مسعود : الربيون الألوف الكثيرة .

وقال ابن زيد : الربيون الأتباع .

والأول أعرف في اللغة ; ومنه يقال للخرقة التي تجمع فيها القداح : ربة وربة .

والرباب قبائل تجمعت .

وقال أبان بن ثعلب : الربي عشرة آلاف .

وقال الحسن : هم العلماء الصبر .

ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والسدي : الجمع الكثير ; قال حسان :وإذا معشر تجافوا عن الحق حملنا عليهم ربياوقال الزجاج : هاهنا قراءتان " ربيون " بضم الراء " وربيون " بكسر الراء ; أما الربيون ( بالضم ) : الجماعات الكثيرة .

ويقال : عشرة آلاف .

قلت : وقد روي عن ابن عباس " ربيون " بفتح الراء منسوب إلى الرب .

قال الخليل : الربي الواحد من العباد الذين صبروا مع الأنبياء .

وهم الربانيون نسبوا إلى التأله والعبادة ومعرفة الربوبية لله تعالى ، والله أعلم .قوله تعالى : فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وهنوا أي ضعفوا ، وقد تقدم .

والوهن انكسار الجد بالخوف .

وقرأ الحسن وأبو السمال " وهنوا " بكسر الهاء وضمها ، لغتان عن أبي زيد .

وهن الشيء يهن وهنا .

وأوهنته أنا ووهنته ضعفته .

والواهنة : أسفل الأضلاع وقصارها .

والوهن من الإبل : الكثيف .

والوهن : ساعة تمضي من الليل ، وكذلك الموهن .

وأوهنا صرنا في تلك الساعة ; أي ما وهنوا لقتل نبيهم ، أو لقتل من قتل منهم ، أي ما وهن باقيهم ; فحذف المضاف .

وما ضعفوا أي عن عدوهم .

وما استكانوا أي لما أصابهم في الجهاد .

والاستكانة : الذلة والخضوع ; وأصلها " استكنوا " على افتعلوا ; فأشبعت فتحة الكاف فتولدت منها ألف .

ومن جعلها من الكون فهي استفعلوا ; والأول أشبه بمعنى الآية .

وقرئ " فما وهنوا وما ضعفوا " بإسكان الهاء والعين .

وحكى الكسائي " ضعفوا " بفتح العين .

ثم أخبر تعالى عنهم بعد أن قتل منهم أو قتل نبيهم بأنهم صبروا ولم يفروا ووطنوا أنفسهم على الموت ، واستغفروا ليكون موتهم على التوبة من الذنوب إن رزقوا الشهادة ، ودعوا في الثبات حتى لا ينهزموا ، وبالنصر على أعدائهم .

وخصوا الأقدام بالثبات دون غيرها من الجوارح لأن الاعتماد عليها .

يقول : فهلا فعلتم وقلتم مثل ذلك يا أصحاب محمد ؟

فأجاب [ ص: 219 ] دعاءهم وأعطاهم النصر والظفر والغنيمة في الدنيا والمغفرة في الآخرة إذا صاروا إليها .

وهكذا يفعل الله مع عباده المخلصين التائبين الصادقين الناصرين لدينه ، الثابتين عند لقاء عدوه بوعده الحق ، وقوله الصدق .

والله يحب الصابرين يعني الصابرين على الجهاد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا تسلية للمؤمنين، وحث على الاقتداء بهم، والفعل كفعلهم، وأن هذا أمر قد كان متقدما، لم تزل سنة الله جارية بذلك، فقال: { وكأين من نبي } أي: وكم من نبي { قاتل معه ربيون كثير } أي: جماعات كثيرون من أتباعهم، الذين قد ربتهم الأنبياء بالإيمان والأعمال الصالحة، فأصابهم قتل وجراح وغير ذلك.

{ فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا } أي: ما ضعفت قلوبهم، ولا وهنت أبدانهم، ولا استكانوا، أي: ذلوا لعدوهم، بل صبروا وثبتوا، وشجعوا أنفسهم، ولهذا قال: { والله يحب الصابرين }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ) قرأ ابن كثير " وكائن " بالمد والهمزة على وزن فاعل وتليين الهمزة أبو جعفر ، وقرأ الآخرون " وكأين " بالهمز والتشديد على وزن كعين ، ومعناه : وكم ، وهي كاف التشبيه ضمت إلى أي الاستفهامية ، ولم يقع للتنوين صورة في الخط إلا في هذا الحرف خاصة ويقف بعض القراء على " وكأي " بلا نون والأكثرون على الوقوف بالنون قوله ( قاتل ) قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة بضم القاف وقرأ الآخرون ( قاتل ) فمن قرأ ( قاتل ) فلقوله : ( فما وهنوا ) ويستحيل وصفهم بأنهم لم يهنوا بعدما قتلوا لقول سعيد بن جبير : ما سمعنا أن نبيا قتل في القتال ولأن ( قاتل ) أعم .

قال أبو عبيد : إن الله تعالى إذا حمد من قاتل كان من قتل داخلا فيه ، وإذا حمد من قتل لم يدخل فيه غيرهم ، فكان ( قاتل ) أعم .

ومن قرأ " قتل " ) فله ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون القتل راجعا إلى النبي وحده ، فيكون تمام الكلام عند قوله " قتل " ويكون في الآية إضمار معناه : ومعه ربيون كثير ، كما يقال : قتل فلان معه جيش كثير أي : ومعه .

والوجه الثاني : أن يكون القتل نال النبي ومن معه من الربيين ويكون المراد : بعض من معه ، تقول العرب قتلنا بني فلان وإنما قتلوا بعضهم ويكون قوله ( فما وهنوا ) راجعا إلى الباقين .

والوجه الثالث : أن يكون القتل للربيين لا غير .

وقوله ( ربيون كثير ) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : جموع كثيرة ، وقال ابن مسعود : الربيون الألوف ، وقال الكلبي الربية الواحدة : عشرة آلاف ، وقال الضحاك : الربية الواحدة : ألف ، وقال الحسن : فقهاء علماء وقيل : هم الأتباع والربانيون الولاة ، والربيون الرعية ، وقيل : منسوب إلى الرب وهم الذين يعبدون الرب ، ( فما وهنوا ) أي : فما جبنوا ، ( لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا ) عن الجهاد بما نالهم من ألم الجراح وقتل الأصحاب .

( وما استكانوا ) قال مقاتل : وما استسلموا وما خضعوا لعدوهم وقال السدي : وما ذلوا قال عطاء وما تضرعوا وقال أبو العالية : وما جبنوا ولكنهم صبروا على أمر ربهم وطاعة نبيهم وجهاد عدوهم ، ( والله يحب الصابرين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكأيِّن» كم «من نبي قاتِلَ» وفي قراءة قَُتل والفاعل ضميره «معه» خبر مبتدؤه «ربِّيون كثير» جموعٌ كثيرة «فما وهَنوا» جبنوا «لما أصابهم في سبيل الله» من الجراح وقتل أنبيائهم وأصحابهم «وما ضعفوا» عن الجهاد «وما استكانوا» خضعوا لعدوهم كما فعلتم حين قبل قُتل النبي «والله يحب الصابرين» على البلاء أي يثيبهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

كثير من الأنبياء السابقين قاتل معهم جموع كثيرة من أصحابهم، فما ضعفوا لِمَا نزل بهم من جروح أو قتل؛ لأن ذلك في سبيل ربهم، وما عَجَزوا، ولا خضعوا لعدوهم، إنما صبروا على ما أصابهم.

والله يحب الصابرين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما كان عليه أتباع الأنبياء السابقين من إيمان عميق ، وعزم وثيق ، حتى يتأسى بهم كل ذى عقل سليم ، فقال - تعالى - : { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا استكانوا } .وكلمة { وَكَأَيِّن } مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة ، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على الكثير .ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها وهى مبتدأ : وجملة { قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ } خبرها .والربيون جمع ربى ، وهو العالم بربه ، الصادق فى إيمانه به ، الملخص له فى عبادته نسبة إلى الرب كالربانى .قال القرطبى ما ملخصه : والربيون - بكسر الراء - قراءة الجمهور .

وقرأها بعضهم بضم الراء وقرأها بعضهم بفتحها والربيون : الجماعة الكثيرة نسبة إلى الربة - بكسر الراء وضمها - وهى الجماعة .

.

ومنه يقال للخرقة التى تجمع فيها القداح : ربة .

وربة والرباب : قبائل تجمعت .وقال ابن عباس : ربيون - بفتح الراء - منسوب إلى الرب .وقال الخليل : الربى - بكسر الراء - الواحد من العباد الذين صبروا مع الأنبياء ، وهم الربانيون نسبوا إلى التأله والعبادة ومعرفة الربوبية لله - تعالى - .

وقوله { فَمَا وَهَنُواْ } من الوهن وهو اضطراب نفسى ، وانزعاج قلبي ، يبتدىء من داخل الإنسان ، فإذا وصل إلى الخارج كان ضعفاً وتخاذلا .والمعنى : وكثير من الأنبياء قاتل معهم مؤمنون صادقو الإيمان من أجل إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه وأصيبوا وهم يقاتلون بما أصيبوا من جراح وآلام ، { فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله } أى فما عجزوا أو جبنوا بسبب ما أصابهم من جراح ، أو ما أصاب أنبياءهم وإخوانهم من قتل واستشهاد .

لأن الذى أصابهم إنما هو فى سبيل الله وطاعته وإقامة دينه ، ونصرة رسله .وقوله { وَمَا ضَعُفُواْ } أى : عن قتال أعدائهم وعن الدفاع عن الذى آمنوا به وقوله { وَمَا استكانوا } أى ما خضعوا وذلوا لأعدائهم .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد نفى عن هؤلاء المؤمنين الصادقين ثلاثة أوصاف لا تتفق مع الإيمان .نفى عنهم - أولا - الوهن وهو اضطراب نفسى ، وهلع قلبى ، يستولى على الإنسان فيفقده ثباته وعزيمته .ونفى عنهم - ثانيا - الضعف الذى هو ضد القوة ، وهو ينتج عن الوهن .ونفى عنهم - ثالثاً - الاستكانة وهى الرضا بالذل والخضوع للاعداء ليفعلوا بهم ما يريدون .وقد نفى - سبحانه - هذه الأوصاف الثلاثة عن هؤلاء المؤمنين الصادقين مع أن واحداً منها يكفى نفيه لنفيها لأنها متلازمة - وذلك لبيان قبح ما يقعون فيه من أضرار فيما لو تمكن واحد من هذه الأوصاف من نفوسهم .وجاء ترتيب هذه الأوصاف فى نهاية الدقة بحسب حصولها فى الخارج ، فإن الوهن الذى هو خور فى العزيمة إذا تمكن من النفس أنتج الضعف الذى هو لون من الاستسلام والفشل .ثم تكون بعدهما الاستكانة التى يكون معها الخضوع لكل مطالب الأعداء وإذا وصل الإنسان إلى هذه المرحلة فى حياته كان الموت أكرم له من هذه الحياة .وقوله { والله يُحِبُّ الصابرين } تذييل قصد به حض المؤمنين على تحمل المكاره وعلى مقاساة الشدائد ومعاناة المكاره من أجل إعلاء دينهم حتى يفوزوا برضا الله ورعايته كما فاز أولئك الأنقياء الأوفياء .أى والله - تعالى - يحب الصابرين على آلام القتال ، ومصاعب الجهاد ، ومشاق الطاعات ، وتبعات التكاليف التى كلف الله - تعالى - بها عباده .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى من تمام تأديبه قال للمنهزمين يوم أحد: إن لكم بالأنبياء المتقدمين وأتباعهم أسوة حسنة، فلما كانت طريقة أتباع الأنبياء المتقدمين الصبر على الجهاد وترك الفرار، فكيف يليق بكم هذا الفرار والانهزام، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وكائن على وزن كاعن ممدوداً مهموزاً مخففا، وقرأ الباقون كأين مشدوداً بوزن كعين وهي لغة قريش، ومن اللغة الأولى قول جرير: وكائن بالأباطح من صديق *** يراني لو أصيب هو المصاب وأنشد المفضل: وكائن ترى في الحي من ذي قرابة *** المسألة الثانية: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ﴿ قتل معه ﴾ والباقون ﴿ قاتل معه ﴾ فعلى القراءة الأولى يكون المعنى أن كثيرا من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعدهم ما وهنوا في دينهم، بل استمروا على جهاد عدوهم ونصرة دينهم، فكان ينبغي أن يكون حالكم يا أمة محمد هكذا.

قال القفال رحمه الله: والوقف على هذا التأويل على قوله: (قتل) وقوله: (معه ربيون) حال بمعنى قتل حال ما كان معه ربيون، أو يكون على معنى التقديم والتأخير، أي وكأين من نبي معه ربيون كثير قتل فما وهن الربيون على كثرتهم، وفيه وجه آخر، وهو أن يكون المعنى وكأين من نبي قتل ممن كان معه وعلى دينه ربيون كثير فما ضعف الباقون ولا استكانو لقتل من قتل من إخوانهم، بل مضوا على جهاد عدوهم، فقد كان ينبغي أن يكون حالكم كذلك، وحجة هذه القراءة أن المقصود من هذه الآية حكاية ما جرى لسائر الأنبياء لتقتدي هذه الأمة بهم، وقد قال تعالى: ﴿ أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم  ﴾ فيجب أن يكون المذكور قتل سائر الأنبياء لا قتالهم، ومن قرأ ﴿ قاتل معه ﴾ فالمعنى: وكم من نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوهم قرح فما وهنوا، لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل الله وطاعته وإقامة دينه ونصرة رسوله، فكذلك كان ينبغي أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد.

وحجة هذه القراءة ان المراد من هذه الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في القتال، فوجب أن يكون المذكور هو القتال.

وأيضاً روي عن سعيد بن جبير أنه قال: ما سمعنا بنبي قتل في القتال.

المسألة الثالثة: قال الواحدي رحمه الله: أجمعوا على أن معنى كأين كم، وتأويلها التكثير لعدد الأنبياء الذين هذه صفتهم، ونظيره قوله: ﴿ فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أهلكناها  ﴾ ﴿ وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا  ﴾ والكافي في كأين كاف التشبيه دخلت على أي التي هي للاستفهام كما دخلت على ذا من كذا وأن من كأن، ولا معنى للتشبيه فيه كما لا معنى للتشبيه في كذا، تقول: لي عليه كذا وكذا: معناه لي عليه عدد ما، فلا معنى للتشبيه، الا أنها زيادة لازمة لا يجوز حذفها، واعلم أنه لم يقع للتنوين صورة في الخط إلا في هذا الحرف خاصة، وكذا استعمال هذه الكلمة فصارت كلمة واحدة موضوعة للتكثير.

المسألة الرابعة: قال صاحب الكشاف: الربيون الربانيون، وقرئ بالحركات الثلاث والفتح على القياس، والضم والكسر من تغييرات النسب.

وحكى الواحدي عن الفراء أنه قال: الربيون: الأولون، وقال الزجاج: هم الجماعات الكثيرة، الواحد ربي، قال ابن قتيبة: أصله من الربة وهي الجماعة، يقال: ربي كأنه نسب الى الربة.

وقال الأخفش: الربيون الذين يعبدون الرب، وطعن فيه ثعلب، وقال: كان يجب أن يقال: ربي ليكون منسوباً إلى الرب، وأجاب من نصر الأخفش وقال: العرب إذا نسبت شيئاً الى شيء غيرت حركته، كما يقال: بصري في النسب الى البصرة، ودهري في النسبة الى الدهر، وقال ابن زيد: الربانيون الأئمة والولاة، والربيون الرعية، وهم المنتسبون الى الرب.

واعلم أنه تعالى مدح هؤلاء الربيون نوعين: أولا بصفات النفي، وثانيا بصفات الإثبات، أما المدح بصفات النفي فهو قوله تعالى: ﴿ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا استكانوا ﴾ ولا بد من الفرق بين هذه الأمور الثلاثة، قال صاحب الكشاف: ما وهنوا عند قتل النبي وما ضعفوا عن الجهاد بعده وما استكانوا للعدو، وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار، عند الإرجاف بقتل رسولهم، وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين، واستكانتهم للكفار حتى أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبدالله بن أُبَيّ، وطلب الأمان من أبي سفيان، ويحتمل أيضا أن يفسر الوهن باستيلاء الخوف عليهم، ويفسر الضعف بأن يضعف إيمانهم، وتقع الشكوك والشبهات في قلوبهم، والاستكانة هي الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم، وفيه وجه ثالث وهو ان الوهن ضعف يلحق القلب.

والضعف المطلق هو اختلال القوة والقدرة بالجسم، والاستكانة هي إظهار ذلك العجز وذلك الضعف، وكل هذه الوجوه حسنة محتملة، قال الواحدي: الاستكانة الخضوع، وهو أن يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريد.

ثم قال تعالى: ﴿ والله يُحِبُّ الصابرين ﴾ والمعنى أن من صبر على تحمل الشدائد في طريق الله ولم يظهر الجزع والعجز والهلع فإن الله يحبه، ومحبة الله تعالى للعبد عبارة عن إرادة إكرامه واعزازه وتعظيمه، والحكم له بالثواب والجنة، وذلك نهاية المطلوب.

ثم إنه تعالى أتبع ذلك بأن مدحهم بصفات الثبوت فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ قاتل ﴾ .

و ﴿ قتل ﴾ و ﴿ قتّل ﴾ ، بالتشديد، والفاعل ربيون، أو ضمير النبي.

و ﴿ مَعَهُ رِبّيُّونَ ﴾ حال عنه بمعنى: قتل كائناً معه ربيون.

والقراءة بالتشديد تنصر الوجه الأوّل.

وعن سعيد بن جبيبر رحمه الله: ما سمعنا بنبيّ قتل في القتال.

والربيون الربانيون.

وقرئ بالحركات الثلاث، فالفتح على القياس، والضم والكسر من تغييرات النسب.

وقرئ: ﴿ فما وهنوا ﴾ بكسر الهاء.

والمعنى: فما وهنوا عند قتل النبي ﴿ وَمَا ضَعُفُواْ ﴾ عن الجهاد بعده ﴿ وَمَا استكانوا ﴾ للعدوّ.

وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار عند الإرجاف بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين واستكانتهم لهم.

حين أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبد الله بن أبيّ في طلب الأمان من أبي سفيان ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ ﴾ هذا القول وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين، هضما لها واستقصاراً.

والدعاء بالاستغفار منها مقدّما على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على العدوّ، ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة وخضوع، وأقرب إلى الاستجابة ﴿ فأاتاهم الله ثَوَابَ الدنيا ﴾ من النصرة والغنيمة والعز وطيب الذكر.

وخص ثواب الآخرة بالحسن دلالة على فضله وتقدّمه، وأنه هو المعتدّ به عنده ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الأخرة ﴾ [الأنفال: 67] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَكَأيِّنْ ﴾ أصْلُهُ أيْ دَخَلَتِ الكافُ عَلَيْها وصارَتْ بِمَعْنى كَمْ والنُّونُ تَنْوِينٌ أُثْبِتَ في الخَطِّ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «وَكائِنٌ» كَكاعِنٍ ووَجْهُهُ أنَّهُ قَلَبَ قَلْبَ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ كَقَوْلِهِمْ رَعْمَلِي في لَعَمْرِي، فَصارَ كَيْأنَّ ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ الثّانِيَةُ لِلتَّخْفِيفِ ثُمَّ أُبْدِلَتِ الياءُ الأُخْرى ألِفًا كَما أُبْدِلَتْ مِن طائِيٍّ مِن نَبِيٍّ بَيانٌ لَهُ.

﴿ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ رَبّانِيُّونَ عُلَماءُ أتْقِياءُ، أوْ عابِدُونَ لِرَبِّهِمْ.

وقِيلَ جَماعاتٌ والرِّبِّيُّ مَنسُوبٌ إلى الرُّبَّةِ وهي الجَماعَةُ لِلْمُبالَغَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ «قَتَلَ»، وإسْنادُهُ إلى رِبِّيُّونَ أوْ ضَمِيرِ النَّبِيِّ ومَعَهُ رِبِّيُّونَ حالٌ مِنهُ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ أنَّهُ قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ وقُرِئَ رَبِّيُّونَ بِالفَتْحِ عَلى الأصْلِ وبِالضَّمِّ وهو مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ كالكَسْرِ.

﴿ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فَما فَتَرُوا ولَمْ يَنْكَسِرْ جَدُّهم لِما أصابَهم مِن قَتْلِ النَّبِيِّ أوْ بَعْضِهِمْ.

﴿ وَما ضَعُفُوا ﴾ عَنِ العَدُوِّ أوْ في الدِّينِ.

﴿ وَما اسْتَكانُوا ﴾ وما خَضَعُوا لِلْعَدُوِّ، وأصْلُهُ اسْتَكَنَ مِنَ السُّكُونِ لِأنَّ الخاضِعَ يَسْكُنُ لِصاحِبِهِ لِيَفْعَلَ بِهِ ما يُرِيدُهُ، والألِفُ مِن إشْباعِ الفَتْحَةِ أوِ اسْتَكْوَنَ مِنَ الكَوْنِ لِأنَّهُ يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ لِمَن يَخْضَعُ لَهُ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِما أصابَهم عِنْدَ الإرْجافِ بِقَتْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ ﴾ فَيَنْصُرُهم ويُعْظِمُ قَدْرَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَكَأَيّن} أصله أي دخل عليه كاف التشبيه وصار فى معنى كم التى للتكثير وكائن يوزن كاع حيث كان مكي {مِّن نَّبِىٍّ قَاتَلَ} قتل مكي وبصري ونافع {مَعَهُ} حال من الضمير في قتل أي قتل كائناً معه {ربيون كثير} والربيون والربانيون وعن الحسن بضم الراء وعن البعض بفتحها فالفتح على القياس لأنه منسوب إلى الرب والضم والكسر من تغييرات النسب {فَمَا وَهَنُواْ} فما فتروا عند قتل نبيهم {لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ الله وَمَا

ضَعُفُواْ} عن الجهاد بعده {وَمَا استكانوا} وما خضعوا لعدوهم وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن عند الإرجاف بقتل رسول الله عليه السلام واستكانتهم لهم حيث أرادوا أن يعتضدوا بابن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان {والله يُحِبُّ الصابرين} على جهاد الكافرين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكَأيِّنْ ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ سِيقَ تَوْبِيخًا لِلْمُنْهَزِمِينَ أيْضًا حَيْثُ لَمْ يَسْتَنُّوا بِسُنَنِ الرَّبّانِيِّينَ المُجاهِدِينَ مَعَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مَعَ أنَّهم أوْلى بِذَلِكَ حَيْثُ كانُوا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ.

وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الكَلِمَةِ فَقِيلَ: إنَّها بَسِيطَةٌ وُضِعَتْ كَذَلِكَ ابْتِداءً والنُّونُ أصْلِيَّةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَيّانَ وغَيْرُهُ، وعَلَيْهِ فالأمْرُ ظاهِرٌ مُوافِقٌ لِلرَّسْمِ، وقِيلَ وهو المَشْهُورُ: إنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن (أيٍّ) المُنَوَّنَةِ وكافِ التَّشْبِيهِ، واخْتُلِفَ في (أيٍّ) هَذِهِ فَقِيلَ: هي أيُّ الَّتِي في قَوْلِهِمْ: أيُّ الرِّجالِ، وقالَ ابْنُ جِنِّي: إنَّها مَصْدَرٌ أوى يَأْوِي إذا انْضَمَّ واجْتَمَعَ، وأصْلُهُ أوْيٍ فاجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتْ وادْغِمَتْ مِثْلَ طَيٍّ وشَيٍّ، وحَدَثَ فِيها بَعْدَ التَّرْكِيبِ مَعْنى التَّكْثِيرِ المَفْهُومِ مِن كَمْ كَما حَدَثَ في كَذا بَعْدَ التَّرْكِيبِ مَعْنًى آخَرَ، فَكَمْ وكَأيِّنْ بِمَعْنى واحِدٍ قالُوا: وتُشارِكُها في خَمْسَةِ أُمُورٍ: الإبْهامُ والِافْتِقارُ إلى التَّمْيِيزِ والبِناءُ ولُزُومُ التَّصْدِيرِ، وإفادُهُ التَّكْثِيرِ وهو الغالِبُ، والِاسْتِفْهامُ وهو نادِرٌ، ولَمْ يُثْبِتْهُ إلّا ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ عُصْفُورٍ وابْنُ مالِكٍ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ لِابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: كائِنٌ تَقْرَأُ سُورَةَ الأحْزابِ آيَةً فَقالَ: ثَلاثًا وسَبْعِينَ، وتُخالِفُها في خَمْسَةِ أُمُورٍ أيْضًا: أحَدُها أنَّها مُرَكَّبَةٌ في المَشْهُورِ، وكَمْ بَسِيطَةٌ فِيهِ خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِنَ الكافِ وما الِاسْتِفْهامِيَّةِ، ثُمَّ حُذِفَتْ ألِفُها لِدُخُولِ الجارِ، وسُكِّنَتْ لِلتَّخْفِيفِ لِثِقَلِ الكَلِمَةِ بِالتَّرْكِيبِ، والثّانِي أنَّ مُمَيِّزَها مَجْرُورٌ بِمِن غالِبًا حَتّى زَعَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ لُزُومَ ذَلِكَ، ويَرُدُّهُ نَصُّ سِيبَوَيْهِ عَلى عَدَمِ اللُّزُومِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: اطْرُدِ اليَأْسَ بِالرَّجاءِ فَكائِنٌ آلِمًا حُمَّ يُسْرُهُ بَعْدَ عُسْرِ والثّالِثُ أنَّها لا تَقَعُ اسْتِفْهامِيَّةً عِنْدَ الجُمْهُورِ، والرّابِعُ أنَّها لا تَقَعُ مَجْرُورَةً خِلافًا لِابْنِ قُتَيْبَةَ وابْنِ عُصْفُورٍ أجازا بِكايِنٍ تَبِيعُ الثَّوْبَ، والخامِسُ أنَّ خَبَرَها لا يَقَعُ مُفْرَدًا، وقالُوا: إنَّ بَيْنَها وبَيْنَ - كَذا - مُوافَقَةً ومُخالَفَةً أيْضًا، فَتَوافُقُها -كَذا - في أرْبَعَةِ أُمُورٍ: التَّرْكِيبُ والبِناءُ والإبْهامُ والِافْتِقارُ إلى التَّمْيِيزِ، وتَخالُفُها في ثَلاثَةِ أُمُورٍ: الأوَّلُ أنَّها لَيْسَ لَها الصَّدْرُ تَقُولُ: قَبَضْتُ كَذا وكَذا دِرْهَمًا، الثّانِي أنَّ تَمْيِيزَها واجِبُ النَّصْبِ فَلا يَجُوزُ جَرُّهُ بِمِنِ اتِّفاقًا ولا بِالإضافَةِ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ أجازُوا في غَيْرِ تَكْرارٍ ولا عَطْفٍ أنْ يُقالَ: كَذا ثَوْبٍ وكَذا أثْوابٍ قِياسًا عَلى العَدَدِ الصَّرِيحِ، ولِهَذا قالَ فُقَهاؤُهم: إنَّهُ يَلْزَمُ بِقَوْلِ القائِلِ لَهُ عِنْدِي كَذا دِرْهَمٍ مِائَةٍ وبِقَوْلِهِ: كَذا دِرْهَمٍ ثَلاثَةٍ وبِقَوْلِهِ: كَذا كَذا دِرْهَمًا أحَدَ عَشَرَ، وبِقَوْلِهِ: كَذا دِرْهَمًا عِشْرُونَ، وبِقَوْلِهِ: كَذا وكَذا دِرْهَمًا أحَدٌ وعِشْرُونَ حَمْلًا عَلى المُحَقَّقِ مِن نَظائِرِهِنَّ مِنَ العَدَدِ الصَّرِيحِ، ووافَقَهم عَلى هَذا التَّفْصِيلِ - غَيْرَ مَسْألَتَيِ الإضافَةِ - المُبَرِّدُ والأخْفَشُ والسِّيرافِيُّ وابْنُ عُصْفُورٍ، ووَهِمَ ابْنُ السَّيِّدِ في نَقْلِ الإجْماعِ عَلى إجازَةِ ما أجازَهُ المُبَرِّدُ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، الثّالِثُ أنَّها لا تُسْتَعْمَلُ غالِبًا إلّا مَعْطُوفًا عَلَيْها كَقَوْلِهِ: عِدِ النَّفْسَ نُعْمى بَعْدَ بُؤْسِكَ ذاكِرًا ∗∗∗ كَذا وكَذا لُطْفًا بِهِ نُسِيَ الجَهْدُ وزَعَمَ ابْنُ خَرُوفٍ أنَّهم لَمْ يَقُولُوا كَذا دِرْهَمًا، وذَكَرَ ابْنُ مالِكٍ أنَّهُ مَسْمُوعٌ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ قالَهُ ابْنُ هِشامٍ، ثُمَّ إنَّ إثْباتَ تَنْوِينِ (كَأيِّنْ) عَلى القَوْلِ المَشْهُورِ في الوَقْفِ والخَطِّ عَلى خِلافِ القِياسِ لِما أنَّهُ نَسْخُ أصْلِها، وفِيهِ لُغاتٌ وكُلُّها قَدْ قُرِئَ بِهِ: أحَدُها (كَأيِّنْ) بِالتَّشْدِيدِ عَلى الأصْلِ وهي اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ، والثّانِيَةُ - كائِنٌ - بِألِفٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ مِن غَيْرِ ياءٍ عَلى وزْنِ كاعِنٍ كاسْمِ الفاعِلِ، وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: وكائِنٌ لَنا فَضْلًا عَلَيْكم ومِنَّةٌ ∗∗∗ قَدِيمًا ولا تَدْرُونَ ما مِن مُنْعِمِ واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِها فَعَنِ المُبَرِّدِ أنَّها اسْمُ فاعِلٍ مِن كانَ يَكُونُ وهو بَعِيدُ الصِّحَّةِ إذْ لا وجْهَ لِبِنائِها حِينَئِذٍ ولا لِإفادَتِها التَّكْثِيرَ، وقِيلَ: أصْلُها المُشَدَّدَةُ فَقُدِّمَتِ الياءُ المُشَدَّدَةُ عَلى الهَمْزَةِ وصارَ - كَيَئِنٍ - بِكافٍ وياءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ونُونٍ ووَزْنُهُ كَعَلَفٍ، ونَظِيرُ هَذا التَّصَرُّفِ في المُفْرَدِ تَصَرُّفُهم في المُرَكَّبِ كَما ورَدَ في لُغَةٍ نادِرَةٍ رَعَمْلِي بِتَقْدِيمِ الرّاءِ في لَعَمْرِي ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ الأُولى لِلتَّخْفِيفِ فَقُلِبَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها أوْ حُذِفَتِ الياءُ الثّانِيَةُ لِثِقَلِها بِالحَرَكَةِ والتَّضْعِيفِ، وقُلِبَتِ الياءُ السّاكِنَةُ ألِفًا كَما في آيَةٍ، ونَظِيرُهُ في حَذْفِ إحْدى الياءَيْنِ وقَلْبِ الأُخْرى ألِفًا طائِيٌّ في النِّسْبَةِ إلى طَيٍّ اسْمِ قَبِيلَةٍ، فَإنَّ أصْلَهُ طَيِّئِيٌّ بِياءَيْنِ مُشَدَّدَتَيْنِ بَيْنَهُما هَمْزَةٌ، فَحُذِفَتْ إحْدى الياءَيْنِ وقُلِبَتِ الأُخْرى، والثّالِثَةُ - كَأْيٍ - بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وبِها قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَجْهُها أنَّها حُذِفَتِ الياءُ الثّانِيَةُ وسُكِّنَتِ الهَمْزَةُ لِاخْتِلاطِ الكَلِمَتَيْنِ وجَعْلِهِما كالكَلِمَةِ الواحِدَةِ كَما سَكَّنُوا الهاءَ في لَهْوٍ وفَهْوٍ، وحُرِّكَتِ الياءُ لِسُكُونِ ما قَبْلَها، والرّابِعَةُ - كَيْئِنٍ - بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ، والخامِسَةُ كَئِنْ بِكافٍ مَفْتُوحَةٍ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ونُونٍ، ووَزْنُهُ كَعٍ، ووَرَدَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: كَئِنْ مِن صَدِيقٍ خِلْتُهُ صادِقَ الإخا ∗∗∗ أبانَ اخْتِبارِي إنَّهُ لَمُداهِنُ ووَجْهُهُ أنَّهُ حُذِفَتْ إحْدى الياءَيْنِ ثُمَّ حُذِفَتِ الأُخْرى لِلتَّنْوِينِ أوْ حُذِفَتا دُفْعَةً واحِدَةً، واحْتُمِلَ ذَلِكَ لَمّا امْتَزَجَ الحَرْفانِ والكافُ لا مُتَعَلِّقَ لَها لِخُرُوجِها عَنْ مَعْناها، ومَن قالَ بِهِ كالحَوْفِيِّ فَقَدْ تَعَسَّفَ، ومَوْضِعُهُما رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن نَبِيٍّ ﴾ تَمْيِيزٌ لَهُ كَتَمْيِيزِ كَمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا الكَلامُ في ذَلِكَ، ولَعَلَّ المُرادَ مِنَ النَّبِيِّ هُنا الرَّسُولُ وبِهِ صَرَّحَ الطَّبَرْسِيُّ ﴿ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ أيْ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، وهو التَّفْسِيرُ المَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، واسْتَشْهَدَ لَهُ كَما رَواهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ حِينَ سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ بِقَوْلٍ حَسّانَ: وإذا مَعْشَرٌ تَجافَوْا عَنِ القَصْـ ∗∗∗ ـدِ أمَلْنا عَلَيْهِمْ رِبِّيّا وعَلَيْهِ فَهو مَنسُوبٌ إلى رِبَّةٍ بِكَسْرِ الرّاءِ، وكَوْنُ الضَّمِّ فِيها لُغَةً غَيْرُ مُتَحَقَّقٍ - وهي الجَماعَةُ - لِلْمُبالَغَةِ وخَصَّها الضَّحّاكُ بِألِفٍ، وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ العُلَماءُ الفُقَهاءُ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضٍا وعَلَيْهِ فَهو مَنسُوبٌ إلى الرَّبِّ - كَرَبّانِيٍّ عَلى خِلافِ القِياسِ كَقِراءَةِ الضَّمِّ، والمُوافِقُ لَهُ الفَتْحُ، وبِهِ قُرِئَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرِّبِّيُّونَ هُمُ الأتْباعُ، والرَّبّانِيُّونَ الوُلاةُ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ: قُتِلَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وفي خَبَرِ المُبْتَدَأِ أوْجُهٌ: أحَدُها أنَّهُ الفِعْلُ مَعَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ الرّاجِعِ إلى (كَأيِّنْ) أوْ إلى (نَبِيٍّ) وحِينَئِذٍ - فَمَعَهُ رِبِّيُّونَ - جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أوْ مِن (نَبِيٍّ) لِتَخْصِيصِهِ مَعْنًى، أوْ (مَعَهُ) حالٌ، و ﴿ رِبِّيُّونَ ﴾ فاعِلُهُ.

وثانِيها أنَّهُ جُمْلَةٌ ﴿ مَعَهُ رِبِّيُّونَ ﴾ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ جُمْلَةُ الفِعْلِ مَعَ مَرْفُوعِهِ صِفَةً لِنَبِيٍّ.

وثالِثُها أنَّهُ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ مَضى ونَحْوُهُ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ صِفَةً لِنَبِيٍّ، و ﴿ مَعَهُ رِبِّيُّونَ ﴾ حالًا عَلى ما تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مُسْنَدًا لِرِبِّيُّونَ فَلا ضَمِيرَ فِيهِ والجُمْلَةُ صِفَةً لِنَبِيٍّ.

ورابِعُها أنْ يَكُونَ رِبِّيُّونَ مَرْفُوعًا بِالفِعْلِ فَلا ضَمِيرَ، والجُمْلَةُ هي الخَبَرُ.

وقُرِئَ قُتِّلَ بِالتَّشْدِيدِ، قالَ ابْنُ جِنِّي: وحِينَئِذٍ فَلا ضَمِيرَ في الفِعْلِ لِما في التَّضْعِيفِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّكْثِيرِ وهو يُنافِي إسْنادَهُ إلى الواحِدِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ الأوَّلِ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تُؤَيِّدُ إسْنادَ قُتِلَ إلى الرِّبِّيِّينَ، ويُؤَيِّدُها أيْضًا ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ما سَمِعْنا قَطُّ أنَّ نَبِيًّا قُتِلَ في القِتالِ، وقَوْلُ الحَسَنِ وجَماعَةٌ: لَمْ يُقْتَلْ نَبِيٌّ في الحَرْبِ قَطُّ، ثُمَّ إنَّ مَنِ ادَّعى إسْنادَ القَتْلِ إلى النَّبِيِّ وأنَّهُ في الحَرْبِ أيْضًا عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ المَقامَ، حَمَلَ النُّصْرَةَ المَوْعُودَ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا ﴾ عَلى النُّصْرَةِ بِإعْلاءِ الكَلِمَةِ ونَحْوِهِ لا عَلى الأعْداءِ مُطْلَقًا لِئَلّا تَتَنافى الآيَتانِ، وهَذا أحَدُ أجْوِبَةٍ في هَذا المَقامِ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْها فَتَذَكَّرْ، والتَّنْوِينُ في نَبِيٍّ لِلتَّعْظِيمِ، وزَعَمَ الأجْهُورِيُّ أنَّهُ لِلتَّكْثِيرِ.

﴿ فَما وهَنُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى قاتَلُوا عَلى أنَّ المُرادَ عَدَمُ الوَهْنِ المُتَوَقَّعِ مِنَ القِتالِ والتَّلَبُّسِ بِالشَّيْءِ بَعْدَ وُرُودِ ما يَسْتَدْعِي خِلافَهُ، وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لَكِنَّهُ بِحَسَبِ الحَقِيقَةِ كَما قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ: صُنْعٌ جَدِيدٌ، ومِن هُنا صَحَّ دُخُولُ الفاءِ المُؤْذِنَةِ بِتَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ، وزَجَرْتُهُ فَلَمْ يَنْزَجِرْ، وأصْلُ الوَهْنِ الضَّعْفُ، وفَسَّرَهُ قَتادَةُ وابْنُ أبِي مالِكٍ هُنا بِالعَجْزِ، والزُّجاجُ بِالجُبْنِ أيْ فَما عَجَزُوا أوْ فَما جَبُنُوا.

﴿ لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ في أثْناءِ القِتالِ وهَذا عِلَّةٌ لِلْمَنفِيِّ لا لِلنَّفْيِ، نَعَمْ يُفْهَمُ المَنفِيُّ مِن تَقْيِيدِ المُثْبَتِ بِهَذا الظَّرْفِ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، فَإنْ جُعِلَ الضَّمِيرانِ لِجَمِيعِ الرِّبِّيِّينَ فَهي عِبارَةٌ عَما عَدا القَتْلِ مِن مَكارِهِ الحُرُوبِ الَّتِي تَعْتَرِي الكُلَّ، وإنَّ جُعِلا لِلْبَعْضِ الباقِينَ بَعْدَ قَتْلِ الآخَرِينَ وهو الأنْسَبُ كَما قِيلَ: بِمَقامِ تَوْبِيخِ المُنْخَذِلِينَ بَعْدَ ما اسْتُشْهِدَ الشُّهَداءُ، فَهي عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا مَعَ ما اعْتَراهم بَعْدَ قَتْلِ إخْوانِهِمْ مِن نَحْوِ الخَوْفِ والحُزْنِ، هَذا عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، وأمّا عَلى القِراءَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ أعْنِي: قُتِلَ وقُتِّلَ، عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفَةً ومُشَدَّدَةً فَقَدْ قالُوا: إنْ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الظّاهِرِ فالضَّمِيرانِ لِلْباقِينَ حَتْمًا والكَلامُ حِينَئِذٍ مِن قَبِيلِ: قُتِلَ بَنُو فَلانٍ إذا وقَعَ القَتْلُ فِيهِمْ ولَمْ يَسْتَأْصِلْهم، وإنْ أُسْنِدَ إلى الضَّمِيرِ كَما هو الظّاهِرُ الأنْسَبُ عِنْدَ البَعْضِ بِالتَّوْبِيخِ عَلى الِانْخِذالِ بِسَبَبِ الإرْجافِ بِقَتْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وإلَيْهِ ذَهَبُ قَتادَةُ والرَّبِيعُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والسُّدِّيُّ - كَما قِيلَ - فَهُما لِلْباقِينَ أيْضًا إنِ اعْتُبِرَ كَوْنُ الرِّبِّيِّينَ مَعَ النَّبِيِّ في القَتْلِ ولِلْجَمِيعِ إنِ اعْتُبِرَ كَوْنُهم مَعَهُ في القِتالِ ﴿ وما ضَعُفُوا ﴾ أيْ ما فَتَرَوْا عَنِ الجِهادِ قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: ما عَراهم ضَعْفٌ في الدِّينِ بِأنَّ تَغَيَّرَ اعْتِقادُهم لِعَدَمِ النَّصْرِ ﴿ وما اسْتَكانُوا ﴾ أيْ ما ارْتَدُّوا عَنْ بَصِيرَتِهِمْ ولا عَنْ دِينِهِمْ قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: ما خَضَعُوا لِعَدُوِّهِمْ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ اسْتَكانَ بِهَذا المَعْنى، وكَذا بِمَعْنى تَضَرَّعَ، واخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هو مِنَ السُّكُونِ فَوَزْنُهُ افْتَعَلَ لِأنَّ الخاضِعَ يَسْكُنُ لِمَن خَضَعَ لَهُ فَألِفُهُ لِلْإشْباعِ وهو كَثِيرٌ ولَيْسَ بِخَطَأٍ خِلافًا لِأبِي البَقاءِ، ولا يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ خِلافًا لِأبِي حَيّانَ، أوْ مِنَ الكَوْنِ فَوَزْنُهُ اسْتَفْعَلَ وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ والسِّينُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَأنَّهُ طَلَبَ مِن نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ لِمَن قَهَرَهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كالعَدَمِ فَهو يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ الوُجُودَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ العَرَبِ: باتَ فُلانٌ - بِكَيْنَةِ سُوءٍ - أيْ بِحالَةِ سُوءٍ، أوْ مِن - كانَهُ يَكِينُهُ - إذا أذَلَّهُ، وعُزِيَ ذَلِكَ إلى الأزْهَرِيِّ وأبِي عَلِيٍّ، وحِينَئِذٍ فَألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِ الهاءِ مِن ﴿ وهَنُوا ﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ والفَتْحُ أشْهَرُ، وقُرِئَ بِإسْكانِها عَلى تَخْفِيفِ المَكْسُورِ، وفي الكَلامِ تَعْرِيضٌ لا يَخْفى.

﴿ واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ ﴾ (146) عَلى مُقاساةِ الشَّدائِدِ ومُعاناةِ المَكارِهِ في سَبِيلِهِ فَيَنْصُرُهم ويُعَظِّمُ قَدْرَهم.

والمُرادُ بِالصّابِرِينَ إمّا الرِّبِّيُّونَ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّصْرِيحِ بِالثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِالصَّبْرِ الَّذِي هو مِلاكُ الأمْرِ مَعَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وإمّا ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم وهم داخِلُونَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ قبل أجلها إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا يقول: في موتها كتاباً مؤجلاً في اللوح، فلا يسبق أجله.

وقال الزجاج: قوله كتاباً مؤجلاً، أي كتب كتاباً ذا أجل، وهو الوقت المعلوم، وذكر الكتاب على معنى التأكيد كقوله: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [النساء: 24] أي أن المحرمات مفروضة عليكم على معنى التأكيد.

وفي هذه الآية إبطال قول المعتزلة، لأنهم يقولون: إن من قتل فإنما يهلك قبل أجله، وكل ما ذبح من الحيوان كان هالكاً قبل أجله، لأنه يجب على القاتل الضمان والدية.

وقد بيّن الله تعالى في هذه الآية أنه لا تهلك نفس قبل أجلها.

وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها قال الكلبي: يعني يرد ثواب الدنيا بالعمل الذي افترض الله عليه نُؤْتِهِ مِنْها يعني أعطاه الله ما يحب، وَمَا لَهُ فِى الاخرة من نصيب وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ في الآخرة.

ومن الناس من قال: إن الرياء يدخل في النوافل، ولا يدخل في الفرائض، لأن الفرائض واجبة على جميع الناس.

وقال بعضهم: يدخل في الفرائض ولا يدخل في النوافل، لأنه لو لم يأتِ بها لا يؤاخذ بها، فإذا أتى بهذا القدر ليس عليه غير ذلك.

وقال بعضهم: كلاهما سواء، فالرياء يدخل في الفرائض والنوافل جميعاً.

وهذا القول أصح لقوله تعالى: وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ [النساء: 142] .

ثم إن الله تعالى أخبرهم بما لَقِيَتِ الأنبياءُ والمؤمنون قبلهم فعزَّاهم ليصبروا فقال تعالى سبحانه: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قرأ ابن كثير وَكَأَيِّنْ بعد الألف والهمزة، وقرأ الباقون بغير مد، ومعناهما واحد.

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو: وكأيِّن من نبي قُتِل، بضم القاف وكسر التاء.

وقرأ الباقون: قاتَلَ، فمن قرأ قاتل فمعناه كم من نبيّ قاتل معه جموع كثيرة.

ومن قرأ قتل معناه: وكم من نبي قتل مَعَهُ جماعة كثيرة.

وقوله: رِبِّيُّونَ قال الكلبي: الربية الواحدة من عشرة آلاف.

وقال الزجاج: هاهنا قراءتان رُبِّيُّون بضم الراء، ورِبِّيّون بكسرها، فأما بالضم فهي الجماعة الكثيرة عشرة آلاف، وأما الرِّبّيُّون بالكسر العلماء الأتقياء الصبراء على ما يصيبهم في الله تعالى.

ويقال: وكأين من نبي قتل يعني: كم من نبيّ قتل وكان معه ربيون كثير.

فَما وَهَنُوا بعد قَتْلِهِ عن القتال، وما عجزوا بما نزل بهم من قتل أنبيائهم وأنفسهم لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا لَعدُوِّهم، ويقال: وما جبنوا.

ثم قال وَمَا اسْتَكانُوا يقول: وما خضعوا لعدوهم ولكنهم صبروا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ فكأنه يقول للمؤمنين: فهلا قاتلتم مع نبيكم  وبعد قتله وإن قتل، كما قاتلت القرون الماضية من قبلكم إذا أصيبت أنبياؤهم.

ثم أخبر عن قول الذين قاتلوا مع النبيين فقال تعالى: وَما كانَ قَوْلَهُمْ عند قتل أنبيائهم إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أي هي دون الكبائر وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا أي العظائم من الذنوب وَثَبِّتْ أَقْدامَنا عند القتال وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ معناه: هلاّ قلتم كما قالوا وقاتلتم كما قاتلوا.

وقرأ بعضهم قولهم بالضم، والمعنى في ذلك أنه جعل القول اسم كان، فيكون معناه وما كان قولهم إلا قولهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا.

ومن قرأ بالنصب جعل القول خبر كان، وجعل الاسم ما بعده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أنس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ (عَزَّ وجَلَّ) خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا، وأَنَّ الدُّنْيَا لَهُ وَمَا فِيهَا، إلاَّ الشَّهِيدَ، لِمَا يرى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلُ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يرى مِنَ الكَرَامَةِ» .

اهـ «١» .

فقد تبيَّن لك تمنِّي القَتْلِ في سبيل اللَّه بهذه النُّصُوصِ لما فيه من الكرامة.

وصَوَابُ كلام ع «٢» : أنْ يقول: وإِنما يتمنَّى القتلُ للواحقه من الشَّهادةِ والتنْعِيمِ.

وقوله سبحانه: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ، يريد: رأيتم أسبابه، وقوله: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ:

تأكيدٌ للرؤية، وإخراجِها من الاشتراك الذي بين رؤية القلب ورؤية العين.

وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)

وقوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ...

الآية: هذا استمرار في عتبهم، وإقامةُ الحُجَّة علَيْهم: المعنى أنَّ محمدًا- عليه السلام- رسُولٌ كسائرِ الرُّسُلِ قد بَلَّغ كما بلَّغوا، ولزمكم أيُّها المؤمنُونَ العَمَلُ بمُضَمَّن الرسالة، وليسَتْ حياته وبَقَاؤه بَيْنَ أظهركم شَرْطاً في ذلك لأنه يَمُوتُ كما مَاتَتِ الرُّسُل قبله، ثم توعَّد سبحانه المُنْقَلِبَ على عَقِبَيْهِ بقوله: فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً لأن المعنى: فإنما يضرُّ نفسه، وإياها يوبق، ثم وعد الشاكِرِينَ، وهم الذين صدَقُوا، وصَبَرُوا، ومَضَوْا في دينهم، ووفّوا لله

بعدهم كسعدِ بْنِ الرَّبيع «١» ، ووصيته يومئذٍ للأنصار، وأَنَسِ بْنِ النَّضرِ «٢» ، وغيرهما، ثم يَدْخُلُ في الآية الشاكرون إلى يوم القيامةِ، وقال عليٌّ (رضي اللَّه عنه) في تفسير هذه الآية «٣» : الشاكِرُونَ الثَّابِتُونَ على دِينِهِمْ أبو بَكْر، وأصحابه، وكان يقولُ: أبُو بَكْرٍ/ أَمِيرُ الشَّاكِرِينَ إشارة منه إلى صَدْعِ أبي بَكْر بهذه الآيةِ يوم موت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وثبوتِهِ في ذلك المَوْطِن، وثبوتِهِ في أمْرِ الرِّدَّة، وسائرِ المواطنِ التي ظَهَرَ فيها شُكْرُهُ، وشُكْرُ الناس بسببه، ثم أخبر عزَّ وجلَّ عن النفوسِ أنها إنما تَمُوتُ بَأجَلٍ مَكْتُوبٍ محتومٍ عند اللَّه تعالى، أي:

فالجُبْنُ والخَوَرُ لا يزيدُ في الأجَلِ، والشَّجَاعَةُ والإقدامُ لا ينقصُ منه، وفي هذه الآية تقويةٌ للنفوس في الجهادِ، وفيها ردٌّ على المعتزلة في قَوْلِهِمْ بِالأَجَلَيْنِ.

وقوله سبحانه: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها ...

الآية، أي: نؤت من شئْنا منها ما قُدِّرَ له يبيِّن ذلك قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء: ١٨] ، وقرينةُ الكلامِ تقتضي أنه لا يؤتى شيْئاً من الآخرة لأنَّ مَنْ كانَتْ نيَّته من عمله مقصورةً على طَلَب الدُّنْيا، فلا نَصِيبَ له في الآخرة، والأعمال بالنيَّات، وقرينةُ الكلامِ مِنْ قوله: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها لا تمنع أنْ يؤتى نصيباً من الدنيا، قال ابنُ فُورَكَ في قوله تعالى: وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ: إشارة إلى أنه ينعِّمهم بِنعَمِ الدُّنْيا، لا أنهم يقصرون عَلَى الآخرة «٤» .

ثم ضَرَب سبحانه المثل للمؤمنينَ بمَنْ سَلَف مِنْ صالح الأمم الذين لم يَثْنِهِمْ عن دينهم قَتْلُ الكُفَّار لأنبيائِهِمْ، فقال: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ...

الآية: وفي «كَأَيِّنْ» لغاتٌ، فهذه اللغة أصلها «٥» لأنها كافُ التشبيه دخلت على «أيّ» ، و «كأيّن» في

هذه الآية في موضِعِ رَفْعٍ بالابتداء، وهي بمنزلة «كَمْ» ، وبمعناها تعطى في الأغلب التكثيرَ، وقرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو: «قُتِلَ» مَبْنياً لما لم يسمَّ فاعله، وقرأ «١» الباقُونَ «قَاتَلَ» ، فقوله: «قُتِلَ» ، قال فيه جماعةٌ من المفسِّرين، منهم الطَّبريُّ «٢» : إنه مستند إلى ضميرِ «نَبِيٍّ» ، والمعنى عندهم أنَّ النبيَّ قُتِلَ، ونحا إليه ابنُ عَبَّاس، وإذا كان هذا، ف «رِبِّيُّونَ» مرتفعٌ بالظرف بلا خلاف، وهو متعلِّق بمحذوفٍ، وليس متعلِّقاً ب «قُتِلَ» ، وقال الحَسَن بْنُ أبي الحَسَن وجماعة: إنَّ «قُتِلَ» إنما هو مستندٌ إلى قوله: «رِبِّيُّون» ، وهم المقتولُونَ «٣» ، قال الحَسَن، وابنُ جُبَيْر: لم يقتل نبيٌّ في حَرْبٍ «٤» قطُّ.

قال ع «٥» : فعلى هذا القول يتعلَّق قوله: «مَعَهُ» ب «قُتِلَ» ورجح الطبريّ «٦» القول الأوّل بدلالة نازلة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وذلك أنَّ المؤمنين إنما تخاذلوا يَوْم أحد، لما قِيلَ: قُتِلَ مُحَمَّد، فضرب المَثَل بنَبِيٍّ قُتِلَ، وترجيحُ الطبريِّ حسن ويؤيِّد ذلك ما تقدَّم من قوله:

أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ [آل عمران: ١٤٤] وحجة من قَرَأَ «قَاتَلَ» : أنها أعمُّ في المدح لأنه يدخل فيها مَنْ قتل، ومن بقي.

قال ع «١» : ويحسُنُ عندي على هذه القراءةِ استناد الفعْلِ إلى الربِّيِّين، وقوله:

رِبِّيُّونَ، قال ابن عباس وغيره: معناه: جموعٌ كثيرةٌ، وهو الرِّبَّة «٢» (بكسر الراء) ، وهي الجماعة الكثيرة، وروي عنِ ابن عَبَّاس والحسنِ بْنِ أبي الحَسَن وغيرهما: إنهم قالوا:

ربِّيونَ: معناه: علماء «٣» ويقوِّي هذا القولَ قراءةُ مَنْ قرأَ: رِبِّيُّونَ «٤» (بفتح الراء) ، منسوبون إلى الرَّبِّ إما لأنهم مطيعُونَ له، أوْ مِنْ حيث إنهم علماء بما شَرَع.

وقوله سبحانه: وَمَا اسْتَكانُوا، ذهبتْ طائفةٌ من النحاة «٥» إلى أنَّه من السُّكُون، وذهَبَتْ طائفة إلى أنه مأخوذٌ مِنْ: «كَانَ، يَكُونُ» ، وأصلُهُ: استكونوا، والمعنى: أنهم لم يَضْعُفوا، ولا كانوا/ قريباً من ذلكَ، قلْتُ: واعلم (رحمك اللَّه) أنَّ أصْلَ الوَهَنِ والضَّعْفِ عن الجِهَادِ، ومكافحةِ العَدُوِّ هو حُبُّ الدنيا، وكراهيةُ بَذْلِ النفوس لله، وبذل مهجها للقتل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ "وَكَأيْنِ" في وزْنِ "كَعَيْنِ" .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ "وَكائِنِ" في وزْنِ "كاعِنِ" قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: "كَأيْنِ" مِثْلُ: "كَعَيْنِ" يَنْصِبُونَ الهَمْزَةَ، ويُشَدِّدُونَ الياءَ.

وتَمِيمٌ يَقُولُونَ: "وَكائِنُ" كَأنَّها فاعِلٌ مِن "كِئْتُ" .

وأنْشَدَنِي الكِسائِيُّ: وكائِنُ تُرى يَسْعى مِنَ النّاسِ جاهِدًا عَلى ابْنٍ غَدًا مِنهُ شُجاعٌ وعَقْرَبُ وَقالَ آَخَرُ: وكائِنٌ أصابَتْ مُؤْمِنًا مِن مُصِيبَةٍ ∗∗∗ عَلى اللَّهِ عُقْباها ومِنهُ ثَوابُها ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كائِنٌ بِمَعْنى "كَمْ" مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها  ﴾ وفِيها لُغَتانِ: "كَأيْنَ" بِالهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الياءِ، و"كائِنُ" عَلى وزْنِ "قائِلٍ" [وَبائِعٍ ] وقَدْ قُرِئَ بِهِما [جَمِيعًا في القُرْآَنِ ] والأكْثَرُ والأفْصَحُ تَخْفِيفُها.

قالَ الشّاعِرُ: وكائِنٌ أرَيْنا المَوْتَ مِن ذِي تَحِيَّةٍ ∗∗∗ إذا ما ازْدَرانا أوْ أصَرَّ لِمَأْثَمٍ.

وَقالَ الآَخَرُ: وكائِنٌ تَرى مِن صامِتٍ لَكَ مُعْجَبٍ ∗∗∗ زِيادَتُهُ أوْ نَقْصُهُ في التَّكَلُّمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبانُ، والمُفَضَّلُ كِلاهُما عَنْ عاصِمٍ: "قُتِلَ" بِضَمِّ القافِ، وكَسْرِ التّاءِ، مِن غَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ الباقُونَ: "قاتَلَ" بِألِفٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ، وأيُّوبُ: "رُبِّيُّونَ" بِضَمِّ الرّاءِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٌ وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةِ، والجَحْدَرِيُّ، بِفَتْحِها.

فَعَلى حَذْفِ الألِفِ يُحْتَمَلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ قَتْلٌ لِلنَّبِيِّ وحْدَهُ، ويَكُونُ المَعْنى: وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ، ومَعَهُ رِبِّيُّونَ، فَما وهَنُوا بَعْدَ قَتْلِهِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَتْلٌ لِلرِّبِّيِّينَ، ويَكُونُ: "فَما وهَنُوا" لِمَن بَقِيَ مِنهم.

وعَلى إثْباتِ الألِفِ يَكُونُ المَعْنى: أنَّ القَوْمَ قاتَلُوا، فَما وهَنُوا.

وفي مَعْنى الرِّبِّيِّينَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الأُلُوفُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي الجَماعاتُ الكَثِيرَةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الفُقَهاءُ والعُلَماءُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، واخْتارَهُ اليَزِيدِيُّ، والزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ الأتْباعُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّهُمُ المُتَألِّهُونَ العارِفُونَ بِاللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ فارِسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما وهَنُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الضَّعْفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ العَجْزُ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والِاسْتِكانَةُ: الخُشُوعُ، والذُّلُّ، ومِنهُ أخْذُ المِسْكِينِ.

وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فَما وهَنُوا بِالخَوْفِ، وما ضَعُفُوا بِنُقْصانِ القُوَّةِ، ولا اسْتَكانُوا بِالخُضُوعِ.

.

والثّانِي: فَما وهَنُوا لِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ، ولا ضَعُفُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ، ولا اسْتَكانُوا لِما أصابَهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الدُنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشاكِرِينَ  ﴾ ﴿ وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللهُ يُحِبُّ الصابِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "نُؤْتِهِ مِنها" مَشْرُوطٌ بِالمَشِيئَةِ، أيْ نُؤْتِ مَن شِئْنا مِنها ما قُدِّرَ لَهُ، بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ  ﴾ ، وقَرِينَةُ الكَلامِ تَقْتَضِي أنَّهُ لا يُؤْتى شَيْئًا مِنَ الآخِرَةِ، لِأنَّ مَن كانَتْ نِيَّتُهُ مِن عَمَلِهِ مَقْصُورَةً عَلى طَلَبِ الدُنْيا فَلا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ، والأعْمالُ بِالنِيّاتِ، وقَرِينَةُ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها  ﴾ لا تَمْنَعُ أنْ يُؤْتى نَصِيبًا مِنَ الدُنْيا.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "نُؤْتِهِ" و"نُؤْتِهِ" و"سَنَجْزِي" كُلَّها بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالياءِ في الثَلاثَةِ، وذَلِكَ عَلى حَذْفِ الفاعِلِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.

قالَ ابْنُ فُورَكٍ في قَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿ وَسَنَجْزِي الشاكِرِينَ  ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يُنَعِّمُهم بِنَعِيمِ الدُنْيا لا أنَّهم يُقْصَرُونَ عَلى الآخِرَةِ.

ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى المَثَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَن سَلَفَ مِن صالِحِي الأُمَمِ الَّذِينَ لَمْ يَثْنِهِمْ عن دِينِهِمْ قَتْلُ الكُفّارِ لِأنْبِيائِهِمْ فَقالَ: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ ﴾ ..

الآيَةَ، وفي "كَأيِّنْ" أرْبَعُ لُغاتٍ: "كَأيِّنْ" عَلى وزْنِ كَعَيِّنْ بِفَتْحِ العَيْنِ، و"وَكائِنْ"، عَلى وزْنِ كاعِنْ، و"كَأْيَنْ" عَلى وزْنِ كَعْيَنْ بِسُكُونِ العَيْنِ، و"كَإنْ" عَلى وزْنِ كَعِنْ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ وأكْثَرُ ما اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ في أشْعارِها الَّتِي عَلى وزْنِ كاعِنْ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: وكائِنْ رَدَدْنا عنكُمُ مِن مُدَجَّجٍ يَجِيءُ أمامَ القَوْمِ يَرْدِي مُقَنَّعا وقالَ جَرِيرٌ: وكائِنْ بِالأباطِحِ مِن صَدِيقٍ يَرانِي ∗∗∗ لَوْ أُصِبْتُ هو المُصابا وَقالَ آخَرُ: وكائِنْ تَرى مِن صامِتٍ لَكَ مُعْجِبٍ ∗∗∗ زِيادَتُهُ أو نَقْصُهُ في التَكَلُّمِ وقَدْ جاءَ في اللُغَةِ الَّتِي ذَكَرْتُها أوَّلًا قَوْلُ الشاعِرِ: كَأيِّنْ في المَعاشِرِ مِن أُناسٍ أخُوهم فَوْقَهم وهُمُ كِرامُ وهَذِهِ اللُغَةُ هي أصْلُ هَذِهِ اللَفْظَةِ، لِأنَّها كافُ التَشْبِيهِ دَخَلَتْ عَلى "أيُّ" كَما دَخَلَتْ عَلى "ذا" في قَوْلِكَ: لِفُلانٍ كَذا وكَذا، وكَما دَخَلَتْ عَلى "أنَّ" في قَوْلِكَ: كَأنَّ زَيْدًا أسَدٌ، لَكِنْ بَقِيَ لَها مَعْنى التَشْبِيهِ في كَأنَّ، وزالَ عنها ذَلِكَ في كَذا وكَذا، وفي كَأيِّنْ، وصَرَفَتِ العَرَبُ كَأيِّنْ في مَعْنى "كَمِ" الَّتِي هي لِلتَّكْثِيرِ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُهم لِلَّفْظَةِ حَتّى لَعِبَ فِيها لِسانُ العَرَبِ عَلى اللُغاتِ الأرْبَعِ الَّتِي ذَكَرْتُ، وهَذا كَما لَعِبَ في قَوْلِهِمْ: لَعَمْرِي حَتّى قالُوا: رَعَمْلِي، وكَما قالُوا: أطْيَبُ وأيْطَبُ، وكَما قالُوا: طِبِّيخٌ في بِطِّيخٍ، فَعُومِلَتِ الكافُ وأيُّ مُعامَلَةَ ما هو شَيْءٌ واحِدٌ.

فَأمّا اعْتِلالُ لُغَةِ مَن قالَ: "كائِنْ" عَلى وزْنِ فاعِلْ؛ فَإنَّهم أخَذُوا الأصْلَ الَّذِي هو "كَأيِّنْ" فَقَلَبُوا الياءَ قَبْلَ الهَمْزَةِ ونُقِلَتْ حَرَكَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلى أُخْتِها، فَجاءَ "كَيَّأْ" عَلى وزْنِ كَيَّعْ، فَحَذَفُوا الياءَ الثانِيَةَ المَفْتُوحَةَ تَخْفِيفًا، كَما حَذَفُوا الياءَ مِن مَيِّتٍ وهَيِّنٍ ولَيِّنٍ فَقالُوا، مَيْتٌ وهَيْنٌ وَلَيْنٌ، وكَما حَذَفُوا الياءَ الثانِيَةَ مِن "أيُّ" تَخْفِيفًا ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ بْنِ غالِبٍ التَمِيمِيِّ: تَنَظَّرْتُ نَصْرًا والسِماكَيْنِ أيْهُما عَلَيَّ ∗∗∗ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهْ؟

فَجاءَ "كَيْإٍ" عَلى وزْنِ كَيْعٍ، فَأُبْدِلَتْ هَذِهِ الياءُ الساكِنَةُ ألِفًا مُراعاةً لِلْفَتْحَةِ الَّتِي قَبْلَها، كَما قالُوا: في يَوْجَلُ ياجَلُ، وكَما أبْدَلُوا الياءَ ألِفًا في "طايْ"، وكَما أُبْدِلَتْ في "آيَةْ" عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، إذْ أصْلُها عِنْدَهُ "أيَّةْ" عَلى وزْنِ فَعْلَةْ بِسُكُونِ العَيْنِ، فَجاءَ "كاءٍ" ثُمَّ كُتِبَ هَذا التَنْوِينُ نُونًا في المُصْحَفِ؛ فَأمّا قِياسُ اللُغَةِ فَحَذْفُهُ في الوَقْفِ، فَكَما يَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِزَيْدْ فَكَذَلِكَ يَقُولُونَ "كَأيْيْ"، ووَقَفَ عَلَيْهِ أبُو عَمْرٍو" كَأيْ" بِياءٍ دُونَ نُونٍ، وكَذَلِكَ رَوى سَوْرَةُ بْنُ المُبارَكِ عَنِ الكِسائِيِّ، ووَقَفَ سائِرُ القُرّاءِ بِإثْباتِ النُونِ مُراعاةً لِخَطِّ المُصْحَفِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَوْ قِيلَ إنَّهُ لَمّا تُصُرِّفَ في الكَلِمَةِ بِالقَلْبِ صارَتْ بِمَنزِلَةِ النُونِ الَّتِي مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ وصارَتْ بِمَنزِلَةِ لامِ فاعِلٍ فَأُقِرَّتْ في الوَقْفِ، لَكانَ قَوْلًا، ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّهم لَمّا حَذَفُوا الكَلامَ مِن قَوْلِهِمْ: إمالًا، جَعَلُوها بِالحَذْفِ كَكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، فَأجازُوا الإمالَةَ في ألِفِ "لا" كَما تَجُوزُ في الَّتِي مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ في الأسْماءِ والأفْعالِ، فَيُوقَفُ عَلى "كَأيِّنْ" بِالنُونِ ولا يُتَوَقَّفُ عَلى النُونِ إذا لَمْ تُقْلَبْ، كَما لا تَمِيلُ الألِفُ مِن "لا" إذا لَمْ يُحْذَفْ فِعْلُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِهَذِهِ اللُغَةِ الَّتِي فِيها هَذا القَلْبُ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ، وقَرَأ سائِرُ السَبْعَةِ بِاللُغَةِ الَّتِي هي الأصْلُ، "كَأيِّنْ"، وذَهَبَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ في "كَأيِّنْ" إلى أنَّهُ فاعِلٌ مِنَ الكَوْنِ، وقَوْلُهُ مَرْدُودٌ، إذْ يَلْزَمُ عنهُ إعْرابُ الكَلِمَةِ ولَمْ يُعْرِبْها أحَدٌ مِنَ العَرَبِ.

وأمّا اللُغَةُ الَّتِي هي "كَأيْنْ" عَلى وزْنِ "كَعَيْنْ" فَهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ والأشْهَبِ العَقِيلِيِّ، وتَعْلِيلُ هَذِهِ اللُغَةِ أنَّهُ عَلَّلَ الأصْلَ الَّذِي هو "كَأيْنْ" بِالتَعْلِيلِ المُتَقَدِّمِ، فَلَمّا جاءَ "كَيْأْ" عَلى وزْنِ كَيْعْ، تَرَكَ هَؤُلاءِ إبْدالَ الياءِ الساكِنَةِ ألِفًا كَما تَقَدَّمَ في التَعْلِيلِ الأوَّلِ، وقَلَبُوا الكَلِمَةَ فَجَعَلُوها "كَأيْنْ" عَلى وزْنِ كَعَيْنْ، وحَسُنَ هَذا مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ التَلَعُّبَ والتَصَرُّفَ في هَذِهِ الكَلِمَةِ مَهْيَعٌ، والثانِي أنَّهم راجَعُوا الأصْلَ الَّذِي هو تَقْدِيمُ الهَمْزَةِ عَلى الياءِ.

وأمّا اللُغَةُ الَّتِي هي "كَإنْ" عَلى وزْنِ "كَعِنْ" فَهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أيْضًا، حَكاها عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِي، وقَرَأها الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ إلّا أنَّهُ سَهَّلَ الهَمْزَةَ ياءً فَقَرَأ "كَيٍّ" في جَمِيعِ القُرْآنِ، وتَعْلِيلُ هَذِهِ اللُغَةِ أنَّهم حَذَفُوا الألِفَ مِن "كائِنَ" المَمْدُودَةِ عَلى وزْنِ كاعِنْ بَعْدَ ذَلِكَ التَصَرُّفِ كُلِّهِ تَخْفِيفًا، وهَذا كَما قالُوا: أمَ واللهِ، يُرِيدُونَ: أما، وكَما قالُوا عَلى لِسانِ الضَبِّ: لا أشْتَهِي أنْ أرِدا ∗∗∗ إلّا عَرادًا عَرَدا وصِلِيّانًا بَرِدا ∗∗∗ وعنكَثًا مُلْتَبِدا أرادُوا: عارِدًا وبارِدًا، فَحَذَفُوا تَخْفِيفًا، وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، و"كَأيِّنْ" في هَذِهِ الآيَةِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وهي بِمَنزِلَةِ "كَمْ" وبِمَعْناها تُعْطِي في الأغْلَبِ التَكْثِيرَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ "قُتِلَ" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ الباقُونَ: "قاتَلَ مَعَهُ"، بِألِفٍ بَيْنَ القافِ والتاءِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "قُتِّلَ" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التاءِ مُشَدَّدَةً عَلى التَكْثِيرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "قُتِلَ" قالَ فِيهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ الطَبَرِيُّ: إنَّهُ مُسْتَنِدٌ إلى ضَمِيرِ "نَبِيٍّ"، والمَعْنى عِنْدَهُمْ: أنَّ النَبِيَّ قُتِلَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ  ﴾ النَبِيُّ يُقْتَلُ؛ فَكَيْفَ لا يُخانُ، وإذا كانَ هَذا فَـ "رِبِّيُّونَ" مُرْتَفِعٌ بِالظَرْفِ بِلا خِلافٍ.

وقَوْلُهُ: "مَعَهُ رِبِّيُّونَ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ "نَبِيٍّ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي أُسْنِدَ إلَيْهِ "قُتِلَ" فَإنْ جَعَلْتَهُ صِفَةً أضْمَرْتَ لِلْمُبْتَدَإ الَّذِي هو "كَأيِّنْ" خَبَرًا تَقْدِيرُهُ في آخِرِ الكَلامِ: مَضى أو ذَهَبَ أو فَقَدَ "فَما وهَنُوا"، وإنْ جَعَلْتَ مَعَهُ "رِبِّيُّونَ" حالًا مِنَ الضَمِيرِ فَخَبَرُ المُبْتَدَإ في قَوْلِهِ: "قُتِلَ"، وإذا جَعَلْتَهُ صِفَةً فالضَمِيرُ في "مَعَهُ" عائِدٌ عَلى "نَبِيٍّ"، وإذا جَعَلْتَهُ حالًا فالضَمِيرُ في "مَعَهُ" عائِدٌ عَلى الضَمِيرِ ذِي الحالِ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ مِنَ الصِفَةِ أوِ الحالِ فَـ "مَعَهُ رِبِّيُّونَ" مُتَعَلِّقٌ في الأصْلِ بِمَحْذُوفٍ، ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِـ "قُتِلَ".

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وجَماعَةٌ مَعَهُ: إنَّ "قُتِلَ" إنَّما هو مُسْتَنِدٌ إلى قَوْلِهِ: "رِبِّيُّونَ" وهُمُ المَقْتُولُونَ، قالَ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يُقْتَلْ نَبِيٌّ في حَرْبٍ قَطُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا القَوْلِ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: "مَعَهُ" بِـ "قُتِلَ"، وهَذِهِ الجُمْلَةُ: "قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ" هي خَبَرُ الِابْتِداءِ.

ويُتَصَوَّرُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ "قاتَلَ" جَمِيعُ ما ذَكَرْتُهُ مِنَ التَقْدِيراتِ في قِراءَةِ "قُتِلَ".

وأمّا قِراءَةُ قَتادَةَ "قُتِّلَ" فَقالَ أبُو الفَتْحِ: لا يَحْسُنُ أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلّا إلى الرِبِّيِّينَ، لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَكْثِيرِ الَّذِي لا يَجُوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ في قَتْلِ شَخْصٍ واحِدٍ، فَإنْ قِيلَ: يَسْتَنِدُ إلى "نَبِيٍّ" مُراعاةً لِمَعْنى "كَمْ" فالجَوابُ أنَّ اللَفْظَ قَدْ مَشى عَلى جِهَةِ الإفْرادِ في قَوْلِهِ: "مِن نَبِيٍّ"، ودَلَّ"الضَمِيرُ المُفْرَدُ في "مَعَهُ" عَلى أنَّ المُرادَ إنَّما هو التَمْثِيلُ بِواحِدٍ واحِدٍ، فَخَرَجَ الكَلامُ عَلى مَعْنى "كَمْ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذِهِ القِراءَةُ تُقَوِّي قَوْلَ مَن قالَ مِنَ السَبْعَةِ: إنَّ"قُتِلَ" بِتَخْفِيفِ التاءِ أو "قاتَلَ" إنَّما يَسْتَنِدُ إلى الرِبِّيِّينَ.

ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ اسْتِنادَ "قُتِلَ" إلى النَبِيِّ بِدَلالَةِ نازِلَةِ مُحَمَّدٍ  ، وذَلِكَ أنَّ المُؤْمِنِينَ إنَّما تَخاذَلُوا لَمّا قِيلَ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَضَرَبَ المَثَلَ بِنَبِيٍّ قُتِلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذا لَمْ يُسْنَدِ الفِعْلُ إلى "نَبِيٍّ" فَإنَّما يَجِيءُ مَعْنى الآيَةِ: تَثْبِيتُ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ مَن قُتِلَ مِنهم فَقَطْ، وتَرْجِيحُ الطَبَرِيِّ حَسَنٌ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَإنْ ماتَ أو قُتِلَ  ﴾ وحُجَّةُ مَن قَرَأ: "قاتَلَ" أنَّها أعَمُّ في المَدْحِ لِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيها مَن قُتِلَ ومَن بَقِيَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْسُنُ عِنْدِي عَلى هَذِهِ القِراءَةِ إسْنادُ الفِعْلِ إلى الرِبِّيِّينَ، وعَلى قِراءَةِ "قُتِلَ" إسْنادُهُ إلى "نَبِيٍّ".

وأجْمَعَ السَبْعَةُ وجَماعَةٌ مِنَ الناسِ عَلى كَسْرِ الراءِ مِن "رِبِّيُّونَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وعَطاءُ بْنُ السائِبِ: "رُبِّيُّونَ" بِضَمِّ الراءِ، ورَوى قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ "رَبِّيُّونَ" بِفَتْحِ الراءِ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: الفَتْحُ في الراءِ لُغَةُ تَمِيمٍ، وكُلُّها لُغاتٌ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "رِبِّيُّونَ" فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الرِبِّيُّونَ: الأُلُوفُ مِنَ الناسِ والجَمْعُ الكَثِيرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِبِّيُّونَ: جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، وقالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ.

ولِقَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ: "إنَّهُمُ الأُلُوفُ" قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هم عَشْرَةُ آلافٍ فَصاعِدًا، أُخِذَ ذَلِكَ مِن بِناءِ الجَمْعِ الكَثِيرِ في قَوْلِهِما: هُمُ الأُلُوفُ، وهَذا في الرِبِّيِّينَ أنَّهُمُ الجَماعاتُ الكَثِيرَةُ هو مِنَ الرِبَّةِ بِكَسْرِ الراءِ وهي الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ، قالَهُ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، وقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( قَتْل مَعَهُ ربيون ) مَنسُوبُونَ إلَيْها، قالَ قُطْرُبُ: جَماعَةُ العُلَماءِ عَلى قَوْلِ يُونُسَ، وقالَ الزَجّاجُ: يُقالُ: إنَّ الرِبَّةَ عَشْرَةُ آلافٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ وغَيْرِهِما أنَّهم قالُوا: "رِبِّيُّونَ" مَعْناهُ: عُلَماءٌ، وقالَ الحَسَنُ: فُقَهاءٌ عُلَماءٌ، قالَ أيْضًا: عُلَماءٌ صُبُرٌ، وهَذا القَوْلُ هو عَلى النِسْبَةِ إلى الرَبِّ، إمّا لِأنَّهم مُطِيعُونَ لَهُ، أو مِن حَيْثُ هم عُلَماءُ بِما شَرَعَ، ويَقْوى هَذا القَوْلُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ "رَبِّيُّونَ" بِفَتْحِ الراءِ، وأمّا في ضَمِّ الراءِ وكَسْرِها فَيَجِيءُ عَلى تَغْيِيرِ النَسَبِ، كَما قالُوا في النِسْبَةِ إلى الحَرَمِ: حِرَمِيٌّ بِكَسْرِ الحاءِ، وإلى البَصْرَةِ، بِصْرِيٌّ بِكَسْرِ الباءِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَبّانِيُّونَ: الوُلاةُ، والرَبِّيُّونَ: الرَعِيَّةُ الأتْباعُ لِلْوُلاةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّ هَذا مِن حَيْثُ هم مَرْبُوبُونَ.

وقالَ النَقّاشُ: اشْتِقاقُ "رِبِّيٍّ" مِن رَبا الشَيْءُ يَرْبُو إذا كَثُرَ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ الكَثِيرُ العِلْمِ.

قالَ أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

وقالَ مَكِّيٌّ: رِبِّيٌّ بِكَسْرِ الراءِ مَنسُوبٌ إلى الرَبِّ، لَكِنْ كُسِرَتْ راؤُهُ إتْباعًا لِلْكَسْرَةِ والياءِ اللَتَيْنِ بَعْدَ الراءِ، ورُوِيَ بِضَمِّ الراءِ كَذَلِكَ لَكِنَّهم ضَمُّوها كَما قِيلَ: دُهْرِيٌّ بِضَمِّ الدالِ في النَسَبِ إلى الدَهْرِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "فَما وهَنُوا" بِفَتْحِ الهاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ والحَسَنُ وأبُو السَمّالِ: "وَهِنُوا" بِكَسْرِ الهاءِ، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنىً، يُقالُ: وهِنَ بِكَسْرِ الهاءِ يُوهَنُ ووَهَنَ بِفَتْحِ الهاءِ يَهِنُ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأبُو السَمّالِ أيْضًا "وَهْنُوا" بِإسْكانِ الهاءِ، وهَذا عَلى طَلَبِ الخِفَّةِ كَما قالُوا: في نِعْمَ وبِئْسَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الوَهْنِ في قَوْلِهِ آنِفًا "وَلا تَهِنُوا".

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَما وهَنُوا" عائِدٌ عَلى جَمِيعِ الرِبِّيِّينَ في قَوْلِ مَن أسْنَدَ "قُتِلَ" إلى "نَبِيٍّ"، ومَن أسْنَدَهُ إلى "الرِبِّيِّينَ" قالَ في هَذا الضَمِيرِ: إنَّهُ يَعُودُ عَلى مَن بَقِيَ مِنهُمْ، إذِ المَعْنى يُفْهَمُ نَفْسُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَما ضَعُفُوا" مَعْناهُ: لَمْ يَكْتَسِبُوا مِنَ العَجْزِ والإلْقاءِ بِاليَدِ ما يُنْبِئُ عن ضَعْفِهِمْ.وَقَوْلُهُ تَعالى:"وَما اسْتَكانُوا": ذَهَبَتْ طائِفَةٌ مِنَ النُحاةِ إلى أنَّهُ مِنَ السُكُونِ فَوَزْنُهُ افْتَعَلُوا، اسْتَكَنُوا، فَمُطِلَتْ فَتْحَةُ الكافِ فَحَدَثَ مِن مَطْلِها ألِفٌ.

وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن كانَ يَكُونُ، فَوَزْنُهُ عَلى هَذا الِاشْتِقاقِ اسْتَفْعَلُوا أصْلُهُ اسْتَكْوَنُوا، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الكافِ وقُلِبَتْ ألِفًا، كَما فَعَلُوا في قَوْلِكَ: اسْتَعانُوا واسْتَقامُوا، والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يَضْعُفُوا ولا كانُوا قَرِيبًا مِن ذَلِكَ، كَما تَقُولُ: ما فَعَلْتُ كَذا ولا كِدْتُ، فَتُحْذَفُ لِأنَّ الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ: وما كِدْتُ أنْ أفْعَلَ، ومَحَبَّةُ اللهِ تَعالى لِلصّابِرِينَ ما يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن نَصْرِهِ وتَنْعِيمِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ ومن ينقلب على عقبيه ﴾ [آل عمران: 144] الآية وما بينهما اعتراض، وهو عطف العبرة على الموعظة فإنّ قوله: ﴿ ومن ينقلب عقبيه ﴾ موعظة لمن يَهِمّ بالانقلاب، وقولَه: ﴿ وكأين من نبي قاتل ﴾ عبرة بما سلف من صبر أتباع الرسل والأنبياء عند إصابة أنبيائهم أو قتلهم، في حرب أو غيره، لمماثلة الحالين.

فالكلام تعريض بتشبيه حال أصحاب أحُد بحال أصحاب الأنبياء السالفين لأنّ مَحَلّ المثل ليس هو خصوص الانهزام في الحرب بل ذلك هو الممثل.

وأمَّا التَّشبيه فهو بصير الأتباع عند حلول المصائب أو موت المتبوع.

«وكأيّن» كلمة بمعنى التكثير، قيل: هي بسيطة موضوعة للتكثير، وقيل: هي مركّبة من كاف التَّشبيه وأي الاستفهامية وهو قول الخليل وسيبويه، وليست (أيّ) هذه استفهاماً حقيقيّاً، ولكنّ المراد منها تذكير المستفهم بالتكثير، فاستفهامها مجازي، ونونها في الأصل تنوين، فلمّا ركّبت وصارت كلمة واحدة جعل تنوينها نوناً وبُنيت.

والأظهر أنَّها بسيطة وفيها لغات أرْبع، أشهرها في النثر كأيِّن بوزن كعَيِّن (هكذا جرت عادة اللغويين والنحاة إذا وزنوا الكلمات المهموزة أن يعوّضوا عن حرف الهمزة بحرف العين لئلا تلتبس الهمزة بالألف أو الياء الَّتي تكتب في صورة إحداهما)، وأشهرها في الشِعْر كائن بوزن اسم فاعل كان، وليست باسم فاعل خلافاً للمبرّد، بل هي مخفّف كأيِّن.

ولهم في كيفية تخفيفها توجيهات أصلها قول الخليل لمّا كثر استعمالها تصرّف فيها العرب بالقلب والحذف في بعض الأحوال.

قلت: وتفصيله يطول.

وأنا أرى أنَّهم لمّا راموا التَّخفيف جعلوا الهمزة ألفاً، ثمّ التقى ساكنان على غير حدّه، فحذفوا الياء الساكنة فبقيت الياء المكسورة فشابهت اسم فاعل (كان) فجعلوها همزة كالياء الَّتي تقع بعد ألف زائدة، وأكثر ما وقع في كلام العرب هو كاين لأنَّها أخف في النظم وأسعد بأكثر الموازين في أوائل الأبيات وأواسطها بخلاف كائن، قال الزجاج: اللغتان الجيّدتان كايِّن وكائن.

وحكى الشَّيخ ابن عرفة في تفسيره عن شيخه ابن الحباب قال: أخبرنا شيخنا أحمد بن يوسف السلمي الكناني، قال: قلت لشيخنا ابن عصفور: لِم أكثرت في شرحك للإيضاح من الشواهد على كائن؟

فقال: لأنِّي دخلت على السلطان الأمير المستنصر (يعني محمد المستنصر ابن أبي زكرياء الحفصي والظاهر أنَّه حينئذ ولّي العهد) فوجدت ابن هشام (يعني محمد بن يحيى بن هشام الخضراوي نزيل تونس ودفينها المتوفّى سنة 646) فأخبرني أنَّه سأله عمَّا يحفظ من الشواهد على قراءة كايِّن فلم يستحضر غير بيت الإيضاح: وكائن بالأباطح من صديق *** يراني لو أُصِبت هو المصابا قال ابن عصفور: فلمَّا سألني أنا قلت: أحفظ فيها خمسين بيتاً فلمَّا أنشدته نحو عشرة قال: حسبك، وأعطاني خمسين ديناراً، فخرجت فوجدت ابن هشام جالساً بالباب فأعطيته نصفها.

وقرأ الجمهور ﴿ وكأيِّن ﴾ بهمزة مفتوحة بعد الكاف وياء تحتية مشدّدة بعد الهمزة، على وزن كلمة ﴿ كصَيِّب ﴾ وقرأه ابن كثير ﴿ كَائن ﴾ بألف بعد الكاف وهمزة مكسورة بعد الألف بوزن كَاهِن.

والتكثير المستفاد من ﴿ كأيّن ﴾ واقع على تمييزها وهو لفظ (نبيء) فيحتمل أن يكون تكثيراً بمعنى مطلق العدد، فلا يتجاوز جمع القلّة، ويحتمل أن يكون تكثيراً في معنى جمع الكثرة، فمنهم من علمناه ومنهم من لم نعلمه، كما قال تعالى: ﴿ ومنهم من لم نقصص عليك ﴾ ، ويحضرني أسماء ستة مِمَّن قتل من الأنبياء: أرمياء قتلته بنو إسرائيل، وحزقيال قتلوه أيضاً لأنَّه وبّخهم على سوء أعمالهم، وأشعياء قتله منسا بن حزقيال ملك إسرائيل لأنَّه وبّخه ووعظه على سوء فعله فنشره بمنشار، وزكرياء، ويحيى، قتلتهما بنو إسرائيل لإيمانهما بالمسيح، وقتل أهلُ الرسّ من العرب نبيئهم حنظلة بن صفوان في مدّة عدنان، والحواريّون اعتقدوا أنّ المسيح قُتل ولم يهنوا في إقامة دينه بعده، وليس مراداً هنا وإنَّما العبرة بثبات أتباعه على دينه مع مفارقته لهم إذ العبرة في خلوّ الرسول وبقاء أتباعه، سواء كان بقتل أو غيره.

وليس في هؤلاء رسول إلاّ حنظلة بن صفوان، وليس فيهم أيضاً من قُتِل في جِهادٍ، قال سعيد بن جبير: ما سمعنا بنبيء قتل في القتال.

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وأبو بكر عن عاصم: (قُتل) بصيغة المبنى للمجهول، وقرأه ابن عامر، وحمزة، وعاصم، والكسائي، وخلف، وأبو جعفر: (قَاتَلَ) بصيغة المفاعلة فعلى قراءة (قُتل) بالبناء للمجهول فمرفوع الفعل هو ضمير نبيء، وعلى كلتا القراءتين يجوز أن يكون مرفوع الفعلين ضميرَ نبيء فيكون قوله: ﴿ معه ربيون ﴾ جملة حاليَّة من (نبيء) ويجوز أن يكون مرفوع الفعلين لفظ (ربّيّون) فيكون قوله (معه) حالاً من (ربّيّون) مقدّماً.

وجاءت هذه الآية على هذا النظم البديع الصالح لحمل الكلام على تثبيت المسلمين في حال الهزيمة وفي حال الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الوجهين في موقع جملة ﴿ ومعه ربّيّون ﴾ يختلف حُسن الوقف على كلمة (قتل) أو على كلمة (كثير).

و (الرّبيُّون) جمع ربيّ وهو المتّبع لشريعة الرّب مثل الربّاني، والمراد بهم هنا أتباع الرسل وتلامذة الأنبياء.

ويجوز في رَائه الفتح، على القياس، والكسر، على أنَّه من تغييرات النسب وهو الذي قرئ به في المتواتر.

ومحلّ العبرة هو ثبات الربّانيّين على الدّين مع موت أنبيائهم ودعاتهم.

وقوله: ﴿ كثير ﴾ صفة ﴿ ربّيّون ﴾ وجيء به على صيغة الإفراد، مع أنّ الموصوف جمع، لأنّ لفظ كثير وقليل يعامل موصوفهما معاملة لفظ شيءٍ أو عدد، قال تعالى: ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾ [النساء: 1] وقال: ﴿ ود كثير من أهل الكتاب ﴾ [البقرة: 109] وقال: ﴿ اذكروا إذ أنتم قليل ﴾ [الأنفال: 26] وقال: ﴿ إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً ﴾ [الأنفال: 43].

وقوله: ﴿ فما وهنوا ﴾ أي الربّيّون إذ من المعلوم أنّ الأنبياء لا يهنون فالقدوة المقصودة هنا، هي الاقتداء بأتباع الأنبياء، أي لا ينبغي أن يكون أتباع من مضى من الأنبياء، أجدر بالعزم من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم وجمع بين الوهن والضّعف، وهما متقاربان تقارباً قريباً من الترادف؛ فالوهن قلَّة القدرة على العمل، وعلى النُّهوض في الأمر، وفعله كوعَد وورِث وكرُم.

والضّعف بضم الضّاد وفتحها ضدّ القوّة في البدن، وهما هنا مجازان، فالأوّل أقرب إلى خور العزيمة، ودبيب اليأس في النُّفوس والفكر، والثَّاني أقرب إلى الاستسلام والفشل في المقاومة.

وأمّا الاستكانة فهي الخضوع والمذلّة للعدوّ.

ومن اللطائف ترتيبها في الذّكر على حسب ترتيبها في الحصول: فإنَّه إذا خارت العزيمة فَشِلت الأعضاء، وجاء الاستسلام، فتبعته المذلّة والخضوع للعدوّ.

واعلموا أنَّه إذا كان هذا شأن أتباع الأنبياء، وكانت النُّبوءة هدياً وتعليماً، فلا بدع أن يكون هذا شأن أهل العلم، وأتباع الحقّ، أن لا يوهنهم، ولا يضعفهم، ولا يخضعهم، مقاومة مقاوم، ولا أذى حاسد، أو جاهل، وفي الحديث الصّحيح، في «البخاري»: أن خَبَّاباً قال للنَّبيء صلى الله عليه وسلم " لقد لقينا من المشركين شدّة ألاَ تدعُو الله " فقعد وهو محمّر وجهه فقال: " لقد كان مَن قبلكم لَيُمشَط بِمِشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضَع المنشار على مَفْرِق رأسه فيُشَقّ باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه " الحديث.

وقوله تعالى: ﴿ وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ﴾ الآية عطف على ﴿ فما وهنوا ﴾ لأنَّه لمّا وصفهم برباطة الجأش، وثبات القلب، وصفهم بعد ذلك بما يدلّ على الثبات من أقوال اللِّسان الَّتي تجري عليه عند الاضطراب والجزع، أي أنّ ما أصابهم لم يخالجهم بسببه تردّد في صدق وعد الله، ولا بَدَر منهم تذمّر، بل علموا أنّ ذلك لحكمة يعلمها سبحانه، أو لعلَّه كان جزاء على تقصير منهم في القيام بواجب نصر دينه، أو في الوفاء بأمانة التكليف، فلذلك ابتهلوا إليه عند نزول المصيبة بقولهم: ﴿ ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ﴾ خشية أن يكون ما أصابهم جزاء على ما فرط منهم، ثُمّ سألوه النصر وأسبابه ثانياً فقالوا: ﴿ وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ فلم يصُدّهم ما لحقهم من الهزيمة عن رجاء النَّصر، وفي «الموطأ»، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " يستجاب لأحدكم ما لم يعجّل يقول: دعوت فلم يُستجب لي " فقصر قولهم في تلك الحالة الَّتي يندر فيها صدور مثل هذا القول، على قولهم: ﴿ ربنا اغفر لنا ﴾ إلى آخره، فصيغة القصر في قوله: ﴿ وما كان قولهم إلا أن قالوا ﴾ قصر إضافي لردّ اعتقاد من قد يتوهمّ أنَّهم قالوا أقوالاً تنبئ عن الجزع، أو الهلع، أو الشكّ في النَّصر، أو الاستسلام للكفار.

وفي هذا القصر تعريض بالَّذين جزِعوا من ضعفاء المسلمين أو المنافقين فقال قائلهم: لو كلّمنا عبد الله بن أبي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان.

وقدّم خبر (كان) على اسمها في قوله: ﴿ وما كان قولهم إلا أن قالوا ﴾ لأنَّه خبر عن مبتدأ محصور، لأنّ المقصود حصر أقوالهم حينئذ في مقالة ﴿ ربنا اغفر لنا ذنوبنا ﴾ فالقصر حقيقي لأنَّه قصر لقولهم الصّادر منهم، حين حصول ما أصابهم في سبيل الله، فذلك القيد ملاحظ من المقام، نظير القصر في قوله تعالى: ﴿ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ﴾ [النور: 51] فهو قصر حقيقي مقيّد بزمان خاص، تقييداً منطوقاً به، وهذا أحسن من توجيه تقديم الخبر في الآية بأنّ المصدر المنسبك المؤوّل أعرف من المصدر الصّريح لدلالة المؤوّل على النسبة وزمان الحدث، بخلاف إضافة المصدر الصّريح، وذلك جائز في باب (كان) في غير صيغ القصر، وأمَّا في الحصر فمتعيّن تقديم المحصور.

والمراد من الذنوب جميعها، وعطف عليه بعض الذنوب وهو المعبّر عنه هنا بالإسراف في الأمر، والإسراف هو الإفراط وتجاوز الحدّ، فلعلّه أريد به الكبائر من الذنوب كما نقل عن ابن عبَّاس وجماعة، وعليه فالمراد بقوله: أمرْنا، أي ديننا وتكليفنا، فيكون عطف خاص للاهتمام بطلب غفرانه، وتمحّض المعطوف عليه حينئذ لبقية الذنوب وهي الصّغائر.

ويجوز عندي أن يكون المراد بالإسْراف في الأمر التقصير في شأنهم ونظامهم فيما يرجع إلى أهبة القتال، والاستعداد له، أو الحذر من العدوّ، وهذا الظاهر من كلمة أمْر، بأن يكونوا شكُّوا أن يكون ما أصابهم من هزيمتهم في الحرب مع عدوّهم ناشئاً عن سببين: باطننٍ وظاهر، فالباطن هو غضب الله عليهم من جهة الذنوب، والظاهرُ هو تقصيرهم في الاستعداد والحذر، وهذا أولى من الوجه الأول.

وقوله: ﴿ فأتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ﴾ إعلام بتعجيل إجابة دعوتهم لِحصول خيري الدنيا والآخرة، فثواب الدّنيا هو الفتح والغنيمة، وثواب الآخرة هو ما كتب لهم حينئذ من حسن عاقبة الآخرة، ولذلك وصفه بقوله: ﴿ وحسن ثواب الآخرة ﴾ لأنَّه خيرٌ وأبقى.

وتقدّم الكلام على الثّواب عند قوله تعالى في سورة [البقرة: 103] ﴿ لمثوبة من عند اللَّه خير ﴾ وجملة والله يحب المحسنين} تذييل أي يحبّ كلّ محسن، وموقع التذييل يدلّ على أنّ المتحدّث عنهم هم من الَّذين أحسنوا، فاللام للجنس المفيد معنى الاستغراق، وهذه من أكبر الأدلّة على أنّ (أل) الجنسية إذا دخلت على جمع أبطلت منه معنى الجمعية، وأنّ الاستغراق المفاد من (أل) إذا كان مدخولها مفرداً وجملة سواء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ لَمّا أُشِيعَ يَوْمَ أُحُدٍ أنَّ النَّبِيَّ  قَدْ قُتِلَ، قالَ أُناسٌ: لَوْ كانَ نَبِيًّا ما قُتِلَ، وقالَ آخَرُونَ: نُقاتِلُ عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ حَتّى نَلْحَقَ بِهِ.

﴿ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ ﴾ يَعْنِي رَجَعْتُمْ كُفّارًا بَعْدَ إيمانِكم.

﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَن أرادَ بِجِهادِهِ ثَوابَ الدُّنْيا أيْ ما يُصِيبُهُ مِنَ الغَنِيمَةِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّانِي: مَن عَمِلَ لِلدُّنْيا لَمْ نَحْرِمْهُ ما قَسَمْنا لَهُ فِيها مِن غَيْرِ حَظٍّ في الآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.

والثّالِثُ: مَن أرادَ ثَوابَ الدُّنْيا بِالنُّهُوضِ لَها بِعَمَلِ النَّوافِلِ مَعَ مُواقَعَةِ الكَبائِرِ جُوزِيَ عَلَيْها في الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ.

وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ قَرَأ بِذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وقَرَأ الباقُونَ ( قاتَلَ )، وفي ( رِبِّيُّونَ ) أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ واحِدُهم رِبِّيٌّ، وهو قَوْلُ بَعْضِ نَحْوِيِّي البَصْرَةِ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الجَماعاتُ الكَثِيرَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وعِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ العُلَماءُ الكَثِيرُونَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ.

والرّابِعُ: أنَّ (الرِّبِّيُّونَ) الأتْباعُ.

والرَّبّانِيُّونَ: الوُلاةُ، والرِّبِّيُّونَ الرَّعِيَّةُ، وهو قَوْلُ أبِي زَيْدٍ، قالَ الحَسَنُ: ما قُتِلَ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا في مَعْرَكَةٍ.

﴿ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا ﴾ الوَهْنُ: الِانْكِسارُ بِالخَوْفِ.

الضَّعْفُ نُقْصانُ القُوَّةِ، الِاسْتِكانَةُ الخُضُوعُ، ومَعْناهُ فَلَمْ يَهِنُوا بِالخَوْفِ، ولا ضَعُفُوا بِنُقْصانِ القُوَّةِ ولا اسْتَكانُوا بِالخُضُوعِ.

وَقالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَما وهَنُوا بِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ ولا ضَعُفُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ ولا اسْتَكانُوا لِما أصابَهم.

﴿ فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ ﴾ في ثَوابِ الدُّنْيا قَوْلانِ: أحَدُهُما: النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ.

والثّانِي: الغَنِيمَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ ﴿ وَحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ ﴾ الجَنَّةُ، في قَوْلِ الجَمِيعِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ وكأين من نبي قاتل معه ربيون ﴾ ويقول ألا ترى أنه يقول ﴿ فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذرعن سعيد بن جبير أنه كان يقول: ما سمعنا قط أن نبياً قتل في القتال.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن الحسن وإبراهيم، أنهما كانا يقرآن ﴿ قاتل معه ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك أنه قرأ ﴿ وكأين من نبي قتل معه ربيون ﴾ بغير ألف.

وأخرج عن عطية.

مثله.

وأخرج من طريق زر عن ابن مسعود مثله.

أنه كان يقرأها بغير ألف.

وأخرج عبد بن حميد عن عطية أنه قرأ ﴿ وكأيِّن من نبي قتل معه ربيون ﴾ بغير ألف.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ربيون ﴾ قال: ألوف.

وأخرج سعيد بن منصور عن الضحاك في قوله: ﴿ ربيون ﴾ قال: الربة الواحدة ألف.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس ﴿ ربيون ﴾ يقول: جموع.

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن في قوله: ﴿ ربيون ﴾ قال: فقهاء علماء قال: وقال ابن عباس: هي الجموع الكثيرة.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ ربيون ﴾ قال: جموع قال: وهل يعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول حسان: وإذا معشر تجافوا القص ** د أملنا عليهم ربيّا وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ربيون كثيرٌ ﴾ قال: علماء كثير.

وأخرج من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ربيون كثير ﴾ قال: ﴿ الربيون ﴾ هم الجموع الكثيرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ ربيون ﴾ قال: علماء كثير.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: ﴿ الربيون ﴾ الأتباع، والربانيون الولاة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكأين من نبي قاتل ﴾ الآية.

قال: هم قوم قتل نبيهم، فلم يضعفوا ولم يستكينوا لقتل نبيهم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ﴾ لقتل أنبيائهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك ﴿ فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ﴾ يعني فما عجزوا عن عدوهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فما وهنوا...

﴾ الآية.

يقول: فما عجزوا وما تضعضعوا لقتل نبيهم ﴿ وما استكانوا ﴾ يقول ما ارتدوا عن بصيرتهم ولا عن دينهم، إن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما استكانوا ﴾ قال: ﴿ ما استكانوا ﴾ قال: تخشعوا.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ وما استكانوا ﴾ يقول: ما ذلوا.

وأخرج عن ابن زيد ﴿ وما استكانوا ﴾ قال: ما استكانوا لعدوهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإسرافنا في أمرنا ﴾ قال: خطايانا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإسرافنا في أمرنا ﴾ قال: خطايانا وظلمنا أنفسنا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ وإسرافنا في أمرنا ﴾ يعني الخطايا الكبار.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فآتاهم الله ثواب الدنيا ﴾ قال: النصر والغنيمة ﴿ وحسن ثواب الآخرة ﴾ قال: رضوان الله ورحمته.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ فآتاهم الله ثواب الدنيا ﴾ الفلاح، والظهور، والتمكن، والنصر على عدوهم في الدنيا ﴿ وحسن ثواب الأخرة ﴾ هي الجنة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ ﴾ .

اجتمعوا (١) (٢) (٣) (٤) ولم يقع للتنوين صورةٌ في الخط، إلا في هذا الحرف خاصَّةً.

وكَثُرَ استعمالُ هذه الكلمة، فصارت كَكَلِمَةٍ واحدةٍ، موضوعة للتكثير؛ كقول الشاعر: كأيِّنْ في المَعَاشِرِ مِنْ أُنَاسٍ ...

أخُوهُم فوقَهْمْ وهُمُ كِرَامُ (٥) أي: كَم مِن أُنَاسٍ.

وقرأ ابنُ كَثِير (٦) ﴿ وَكَائِنْ ﴾ (٧) ووجه هذه القِرَاءةِ: أن (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) تَنَظَّرْتُ نَضرًا والسِّماكَيْنِ أيْهُمَا (١٦) (١٧) قال جرير: وكايِنْ في الأَبَاطِحِ مِن صَدِيقٍ ...

يَرَانِي لَوْ أُصِيبَ (١٨) (١٩) (٢٠) وكائِنْ (٢١) (٢٢) (٢٣) فإنْ وقفت على هذه الكلمة؛ فَلَكَ في الوَقْفِ على قِرَاءةِ ابن كثير، ثلاثة أوجه: أحدها: أنْ تحذف التنوين الدَّاخِلَ الكلمة مع الجرِّ، فيقول (٢٤) (٢٥) الثاني: أن يقول: (كائِي) (٢٦) (٢٧) الوجه الثالث: أنْ تَقِفَ على التنوين، وتترك الحركة (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) والغُدْوَةُ: البُكْرَةُ ما بين صلاة الفجر، وطلوع الشمس.

فإذا كانت مِن يَومٍ بعينه، فهي عَلَمٌ للوقت، غير مَصْروفَةٍ، فلا يدخلها التَنْوِينُ؛ لأنها مَعْرِفَة، أما إذا كانت نَكِرَةً، فإنها تُنَوَّنُ.

انظر.

"اللسان" 15/ 116.]].

فأما الوقف في القراءة (٣٤) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ .

﴿ قُتِلَ ﴾ ، و ﴿ قَاتَلَ ﴾ (٣٦) ﴿ قُتِلَ ﴾ (٣٧) أحدهما: أن يكون القَتْلُ مُسْنَدًا إلى ﴿ نَبِيٍّ ﴾ .

[وقوله: ﴿ مَعَهُ رِبِّيُّونَ ﴾ ]، (٣٨) ﴿ نَبِيٍّ ﴾ .

و (الرِّبِّيُّون) -على هذا- مرتَفِعٌ بالظَّرْفِ (٣٩) والثاني: أنْ يُسْنَدَ القَتْلُ إلى قوله: ﴿ رِبِّيُّونَ ﴾ .

ويكون معنى قوله: ﴿ فَمَا وَهَنُوا ﴾ أي: مَا وَهَنَ باقِيهم بَعْدُ، بِمَنْ (٤٠) (٤١) وحُجّة هذه القراءة: أنَّ هذا الكلامَ، اقتصاصُ ما جرى عليه سَيْرُ (٤٢) ﴿ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ  ﴾ .

ومَنْ قَرَأَ: ﴿ قَاتَلَ ﴾ ، جاز فيه الوجهان اللذان ذكرنا في ﴿ قُتِلَ ﴾ ، مِن إسناد القِتَالِ إلى ﴿ نَّبيٍّ ﴾ ، أو إلى ﴿ الرِّبِّيِّينَ ﴾ .

وحُجَّةُ هذه القراءة: أنَّ المُراد بهذه الآية مدح الطائفة الذين مع النَّبِيِّ، بالقتال والثَّبَاتِ على ما كان عليه نَبِيُّهُمْ.

والقتال أَلْيَقُ بهذا المعنى مِنَ القَتْلِ، فَحَصلَ مِن هذا أنَّ قوله: ﴿ وَكَأَيِّنْ ﴾ ، موضع الكاف الجَارَّةِ مع المجرور، رَفْعٌ بالابتداء، كما أنَّ موضع (لَهُ كَذَا وَكَذَا)، رَفْعٌ.

وخَبَرُهُ: ﴿ قُتِلَ ﴾ ؛ إذا أسندت القَتْلَ إلى ﴿ نَبِيٍّ ﴾ .

وإذا لم يُسنَدْ القَتلُ إليه، كان قولُه: ﴿ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ ﴾ : صِفَةً لـ ﴿ نَبِيٍّ ﴾ ، وتُضمِرُ للمبتدإ خَبَرًا؛ بتقدير: (كَأيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ معه رِبِّيُّونَ كثيرٌ قبلكم أو مضى).

وما أشبهه من التقدير.

وهذا الذي ذكرنا في هذه الآية: قولُ الفَرَّاء (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) وقوله تعالى: ﴿ رِبِّيُّونَ ﴾ .

قال الفَرّاء (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) وقال الزّجاج (٥١) أخبرنا العَرُوضي (٥٢) (٥٣) وهو قول ابن عباس (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) [و] (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) وقال الأخفش (٦٥) (٦٦) قال أحمد بن يحيى (٦٧) (٦٨) (٦٩) فقال مَنْ نَصَرَ الأخفشَ (٧٠) وقوله تعالى: ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا ﴾ جَمَعَ بين الوَهْنِ والضَّعْفِ؛ لأن (الوَهْنَ): انكسارُ الحَدِّ بالخوف (٧١) و (الضَّعْفُ): نُقْصانِ القوة.

أي: لم يَهِنْوا بالخوف، ولا ضَعُفُوا بنُقْصان القُوَّة.

هذا معنى قول أبي إسحاق (٧٢) (٧٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾ الاسْتِكَانَةُ: الخُضُوعُ.

وهو أنْ يَسْكنُ لصاحِبِهِ، لِيَفْعَلَ (٧٤) (٧٥) قال المفسرون: هذه الآية احتجاجٌ على المنهزِمِينَ يومَ أُحُد، وذلك أنَّ صائِحًا صاحَ: قد قُتِلَ مُحمَد!

فاضْطَرَبَ أمرُ المسلمينَ؛ كما ذكرنا القصة في قوله: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ  ﴾ ، الآية.

واختلفوا فيما بينهم، فأنزل الله هذه الآية، يعاتبهم على ما كان مِن فِعْلِهم، وَيحَضُّهم على الجهاد في سبيل الله؛ لِسُلُوك طريقة العلماء مِن صَحَابَةِ الأنبياء، لِيَقْتَدِيَ الخَلَفُ بالسَّلَفِ في الصَّبْرِ، حتى يأتي اللهُ عز وجل بالفتح (٧٦) وقال ابنُ الأنباري (٧٧) (١) في (ج): (أجمعوا).

وكذا ورد في "تفسير الفخر الرازي" 9/ 27 حيث نقل هذا النص عن المؤلف.

(٢) هي (كم) الخبرية التي يُكنى بها عن معدود كثير، ولكنه مجهول الجنس والكمية.

و (كأين تشترك مع (كم) -هنا- في إفادة التكثير للمعدود، وهو الغالب من استعمالها، وتستعمل في الأكثر مع (مِنْ)، ولا تأتي استفهامًا إلا في النادر، وهو رأي الجمهور، وأثبت وقوعها استفهامًا: ابن قتيبة وابن عصفور وابن مالك؛ كما أفاد ذلك ابن هشام.

ويرى سيبويه أن معنى (كأين) معنى: (رُبَّ).

انظر: "كتاب سيبويه" 2/ 170، و"تأويل مشكل القرآن" 519، و"الإيضاح العضدي" 1/ 143، و"المغني" لابن هشام 246، و"النحو الوافي" 4/ 577 - 580.

(٣) من هنا إلى نهاية: (..

لدن غدوة): نقل معناه عن "الحجة"، للفارسي 3/ 80 - 82، مع إضافات أخرى لم أقف على مصادرها.

(٤) (كذا) من كنايات العدد المبهمة التي يكنى بها عن معدود؛ سواء كان كثيرًا أو قليلًا.

(٥) للكميت بن زيد الأسدي في ديوانه، وأخبار أبي تمام، بلفظ (أخوهم منهم) والوساطة للجرجاني ص 329.

وقد ورد في: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 476، و"حجة القراءات" 175، و"تفسير الثعلبي" 3/ 129 أ، و"المحرر الوجيز" 3/ 354، و"تفسير القرطبي" 4/ 228، و"البحر المحيط" 3/ 72، و"الدر المصون" 3/ 422.

وروايته عند الثعلبي: (وكأين من أناس لم يزالوا ...

................).

المَعَاشِر: جماعات الناس.

والمَعْشَرُ: كلُّ جماعةٍ أمرُهُم واحد، نحو: مَعْشَر المسلمين، ومَعْشَر المشركين.

انظر: "اللسان" 4/ 754 (عشر).

(٦) انظر: "السبعة" 216، و"الحجة" للفارسي 3/ 80، و"الكشف" 1/ 357.

(٧) (أ)، (ب)، (ج): (وكاين).

والمُثْبَت هو الموافق للقراءة.

(٨) (أن): ساقطة من (ج).

(٩) هو ثَعْلب.

وقوله في: "الحجة"، للفارسي 3/ 81، و"المسائل المشكلة" له 394، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 308.

(١٠) من قوله: (فحذفت ..) إلى (..

فصارت كَيْإن): ساقط من (ج).

(١١) الأصل فيها: (مَيِّت، وهَيِّن، ولَيِّن).

انظر: "المنصف" 2/ 15.

(١٢) في (أ)، (ب): (كَيْأن).

والمثبت من: "الحجة" 3/ 81، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 307، و"المحتسب" 1/ 171.

ورسِمَت الكلمةُ فيها: (كَيْءٍ).

(١٣) في (أ)، (ب)، (ج): (طاي).

والمثبت من المصادر السابقة، و"المسائل المشكلة" 394.

والأصل في كلمة (طائي): (طَيِّئيّ)، ثم حذفوا الياء المتحركة من الياء المشددة الأولى، فصارت: (طَيْئيّ)، ثم قلبوا الياءَ الساكنةَ ألِفًا، فصارت (طائي).

انظر: "الدر المصون" 3/ 423، و"روح المعاني" 4/ 27، ويرى مَكيُّ بن أبي طالب أنَّ أصل (طائي): (طيِّيّ) -بياءين مشددتين-؛ لأنه ينسب إلى (طَيّ)، لكن أبدلوا من الياء الأولى الساكنةِ ألِفًا، فوقعت الياء الثانية بعد ألف زائدة، فأبدلوا منها همزة.).

"الكشف"1/ 357.

وانظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 23، 307، 2/ 669.

(١٤) انظر: "الكتاب" له 4/ 398، و"الحجة" للفارسي 1/ 85، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 23، 2/ 669، و"الكشف" 1/ 357.

(١٥) في (ب): (أبيه).

(١٦) في (ج): (الهما).

(١٧) في (ب): (مواطر).

والبيت في: ديوانه: 246.

وقد ورد منسوبًا له في: "الحجة" للفارسي 1/ 92، 3/ 81، و"المحتسب"1/ 41، 108، 2/ 152، و"المحرر الوجيز" 3/ 355، و"اللسان" 2/ 1068 (حير).

وقد ورد في: "اللسان" (تنظرت نَسْرا ..).

وقوله: (نصرا) يعني: نَصْرَ بن سَيَّار، الذي قال القصيدة في مدحه.

والسِّمَاكان: نجمان نَيِّران، أحدهما: السماك الرامح، والآخر: السماك الأعزل.

و (الرامح) لا نَوْء له، وهو في جهة الشمال.

و (الأعزل): من منازل القمر، وهو من كواكب الأنوار، وجهتة الجنوب.

انظر: (سمك) في: "التهذيب" 2/ 1759، و"اللسان" 4/ 2099.

والشاهد فيه: تخفيفه لـ (أيِّهما)؛ بأن حذف الياءَ الثانِية.

(١٨) هكذا جاءت في كل (أ)، (ب)، (ج): (أصيبَ).

وهي خلاف ما جاء في كل المصادر التي أوردت البيت.

وقد أثْبَتها كذلك؛ لاتفاق النسخ عليها، ولأني وجدت ابن الحاجب أوردها كذلك.

انظر: "أمَالِيه" 2/ 662.

وجاء في جميع نسخ تفسير (الوسيط) للمؤلف: (لو أصِيب)، ولكن المحقق جعلها (لو أصِبْتُ)، وقال: (في جميع النسخ: (لو أصيب) وما أَثبته هو "الصحيح".

"الوسيط" (تحقيق: بالطيور) 346.

(١٩) البيت في "ديوانه" 21.

وقد ورد منسوبًا له في أكثر المصادر التالية: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 475، و"الإيضاح العضدي"، للفارسي 1/ 143، و"شرح الأبيات المشكلة" له 244، و"الحجة" له 3/ 80، و"حجة القراءات" 174، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 106، و"غرائب التفسير" للكرماني 1/ 272، و"المحرر الوجيز" 3/ 352، و"شرح المفصل" 3/ 110، 4/ 135، و"أمالي ابن الحاجب" 2/ 662، و"تفسير القرطبي" 4/ 228، و"المغني" 643، و"منهج السالك" 4/ 87، و"همع الهوامع" 1/ 68، 256، و"شرح شواهد المغني" 875، و"الدرر اللوامع" 1/ 46، 213، 2/ 92، و"خزانة الأدب" 5/ 397.

ورد البيت في جميع المصادر السابقة: (بالأباطح ..).

وورد في الديوان وجميع المصادر السابقة -عدا أمالي ابن الحاجب-: (..

يراني لو أصِبْتُ هو المصابا).

وأشار في: "خزانة الأدب" 5/ 401 إلى أن الأخفش رواه: (وكم في الأباطح ..)، وليس فيه موضع الشاهد.

الأباطح، جمع: أبطح، وهو: مَسِيل واسعٌ فيه دقاق الحصى.

ويجمع -كذلك- على: (بِطَاح)، و (بَطَائِح).

انظر: "القاموس" ص 213 (بطح).

ومعنى (يراني لو أصيبَ هو المصابا) -على الرواية التي أوردها المؤلف-: يراني أننى المصاب فيما أصِيب هو.

-والله أعلم-.

(٢٠) قوله: (وأنشد ..) إلى نهاية بيت الشعر: (..

حذاريا): ورد بنصه في "تفسير الثعلبي" 3/ 129 أ.

ويبدو أن المؤلف نقله عنه.

(٢١) في (أ)، (ب)، (ج): (وكاين).

(٢٢) في (ب): (يرى).

وفي (ج): (نرى).

(٢٣) لم أقف على قائله.

وقد ورد في المصدر السابق، وأورد شطره الأول الفخرُ الرازي في "تفسيره" 9/ 27.

والحِذار: المحاذرة، والتحرز، والتأهب.

انظر: "اللسان" 2/ 809 (حذر).

(٢٤) هكذا في: (أ)، (ب).

وفي (ج): مهملة من النقط.

وقد تكون على تقدير: فيقول الواقف، أو القارئ.

(٢٥) في (ب): (كائنتسكن).

وفي (ج): (كافتسكن).

(٢٦) (أ)، (ب)، (ج): (كايَ).

وما أثبَتُّه من "الحجة"، للفارسي 3/ 82، وهو الصواب؛ لأن الإبدال من التنوين، وليس من الهمز.

(٢٧) في (ج): (فتبدل).

(٢٨) في (ب): أن تترك الحركة، وتقف على التنوين.

(٢٩) في (ب)، (ج): (كاين).

(٣٠) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(٣١) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(٣٢) ما بين المعقوفين زيادة أضفتها ليتضح الكلام.

انظر: "الحجة" 3/ 82.

(٣٣) في (ج): (الزائدة).

(٣٤) في (ب)، (ج): (القراة).

(٣٥) انظر: الكلام حول (كائن) في: "كتاب سيبويه" 3/ 151، 2/ 170 - 171، و"الحجة" للفارسي 3/ 80 - 82، و"المسائل المشكلة" 393 - 394، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 306 - 308، و"المحتسب" 1/ 170 - 173، و"الكشف" لمكي 1/ 357، 358، و"مشكل إعراب القرآن" له 1/ 175.

(٣٦) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع -من السبعة-، ويعقوب: ﴿ قُتِلَ ﴾ .

وقرأ باقي القراء: ﴿ قَاتَلَ ﴾ .

انظر: "السبعة" 217، و"الحجة"، للفارسي 3/ 82، و"النشر" 2/ 242، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 180.

(٣٧) من قوله: (فمن قرأ ..) إلى (..

وتضمر للمبتدأ خبرا): نقله -بتصرف واختصار- عن "الحجة"، للفارسي 3/ 83 (٣٨) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(٣٩) ويكون الضمير الذي في ﴿ مَعَهُ ﴾ يعود لـ ﴿ نَبِيٍّ ﴾ .

ويجوز أن يكون ﴿ قُتِلَ ﴾ في محل جَرٍّ، صِفَةً لـ ﴿ نَبِيٍّ ﴾ ، و ﴿ مَعَهُ رَبِّيُّونَ ﴾ .

صِفَةً ثانية.

أو يكون ﴿ مَعَهُ رَبِّيُّونَ ﴾ في حالة إسناد القتل إلى ﴿ نَبِيٍّ ﴾ -: حالًا مِن الضَمِير الذيَ في ﴿ قُتِلَ ﴾ .

انظر: "الحجة" 3/ 83، و"الدر المصون" 3/ 427.

(٤٠) في "الحجة" بعْدَ مَنْ.

(٤١) في (ج): (بقتل).

(٤٢) في "الحجة"، ضُبِطت: سِيَرُ.

(٤٣) في "معاني القرآن" له 1/ 237.

(٤٤) في "معاني القرآن" له / 476.

(٤٥) في "الحجة للقراء السبعة" 3/ 83 - 84 (٤٦) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 117، و"إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 585 - 587،== وكتاب "القطع والائتناف" 236 - 237، و"حجة القراءات" 175 - 176، و"التبيان"، للعكبري ص 212 - 213.

(٤٧) في "معاني القرآن"، له 1/ 237.

(٤٨) قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 134، و"تفسير الطبري" 4/ 118، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 780، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 490، و"تفسير الثعلبي" 3/ 129ب، و"تفسير البغوي" 2/ 116، و"زاد المسير" 1/ 472، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 146 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

(٤٩) قوله في "تفسير الطبري"4/ 119ونصه عنده: (جموع كثيرة، قتل نبيهم).

وفي "تفسير الثعلبي" 3/ 129 ب، ونصه عند: (الرِّبِّيَّة الواحدة: ألف)، وكذا في: "تفسير البغوي" 2/ 116.

وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 146 ونسب إخراجه إلى سعيد بن منصور، ولفظه: (الرِّبَّة الواحدة: ألف).

(٥٠) قوله، في: "بحر العلوم" 1/ 306، و"تفسير الثعلبي" 3/ 129 ب، و"تفسير البغوي" 2/ 116، ونصه: (الرِّبِّيَّة الواحدة: عشرة آلاف) (٥١) في "معاني القرآن" له 1/ 476، وأوره بلفظ: (قيل: ..

إنهم الجماعات الكثيرة) واستحسنه.

(٥٢) هو: أحمد بن محمد، أبو الفضل.

تقدمت ترجمته.

(٥٣) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1336 - 1337 (ربّ) (٥٤) قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 117 - 118، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 780، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 146 - 147 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر.

وفي رواية أخرى عنه فَسرها بـ (علماء كثير).

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 117.

(٥٥) قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 118، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 780، و"معاني القرآن"، للنحاس: 490، و"تفسير الثعلبي" 3/ 129 ب، و"النكت والعيون" 1/ 428، و"زاد المسير" 1/ 472.

(٥٦) قوله، في: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 134، و"تفسير الطبري" 4/ 118، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 780، و"تفسير الثعلبي" 3/ 129 ب، و"زاد المسير" 1/ 472.

(٥٧) قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 118، و"تفسير الثعلبي" 3/ 129 ب، و"زاد المسير" 1/ 472.

(٥٨) قوله، في: المصادر السابقة، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 780.

(٥٩) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(٦٠) في "تفسير غريب القرآن" له ص 106.

(٦١) في "تفسير الغريب" يقال للجمع.

(٦٢) في (ج): (ينسب).

(٦٣) (الربة): مطموس في (ج).

(٦٤) في "تفسير غريب القرآن" فيُقال: رِبَّيُّون.

(٦٥) في "معاني القرآن"، له 1/ 217.

(٦٦) (أ)، (ب): (الذي).

والمثبت من (ج)، و"معاني القرآن".

(٦٧) قوله، في: "تهذيب اللغة" 2/ 1336 (ربّ)، و"اللسان" 3/ 1548 - 1549 (ربب).

(٦٨) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب)، (ج): (إلّا).

وهي تخل بالمعنى، وأراها تصحيفًا من النساخ.

والمثبت من: المصادر السابقة.

(٦٩) في (أ): رِبِّي -بكسر الراء-.

وفي (ب)، (ج): مهمل من النقط.

وما أثبَتُّهُ -بفتح الراء- هو الصواب.

(٧٠) هو الثعلبي، في: "تفسيره" 3/ 129 ب.

(٧١) في (ج): (بالحذف).

لم أرَ في مصادر اللغة والتفسير التي رجعت إليها، مَن فسَّر (الوَهْن) بهذا المعنى الدقيق، وإنما فَسَّروه جميعًا بـ (الضَّعْف)، وجعلوهما مترادفين، وهما من عطف الشيء على نفسه.

ومنهم من قال بأنه الضعف في الخَلْق والخُلُق، ومنهم من فَسَّره بالضعف في العمل والأمر.

انظر: "غريب القرآن"، لابن اليزيدي 44، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 106، و"غريب الحديث" للحربي 1056، وانظر مادة (وهن) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3966، و"الصحاح" 2215، و"المقاييس" 6/ 149، و"اللسان" 8/ 4935، و"تخليص الشواهد" لابن هشام 452، و"عمدة الحفاظ" 645.

(٧٢) في "معاني القرآن" له 1/ 476.

(٧٣) نص عبارة الزجاج: ( ﴿ فَمَا وَهَنُوا ﴾ : فما فَتَروا، ﴿ وَمَا ضَعُفُواْ ﴾ : وما جبنوا عن قتال عدوهم).

أفهم من عبارة المؤلف -والله أعلم- أن (الوَهْنَ): أقرب إلى أن يكون نقصان القوة المعنوية، ومنها خَوَر العزيمة، ودبيب اليأس إلى النفس، وحُلُول الخوف.

وأما (الضعف)؛ فهو: نقصان القوى البدنية، والفشل في المقاومة.

ومن الطبيعي أنه إذا عمل الخوفُ عَمَلَه في النفس، خارت العزيمةُ، وضعفت القُوَى البدنيةُ، وقلّ إثرَها اندفاعُ الإنسان، وكُسِرت حدَّتُه، فيتضعضع حينها، ويذل، ويستكين.

فالوهْنُ يكون أوَّلًا ثم الضعف، ثم الاستكانة.

انظر حول هذا المعنى: "التحرير والتنوير" لابن عاشور 4/ 118، و"تفسير الفخر الرازي" 9/ 28.

(٧٤) من قوله: (ليفعل ..) إلى نهاية قوله: (..

وقال في موضع آخر: السلطان في اللغة: الحجة): سقط من: (ج) من هذا الموضع من المخطوط، ثم عاد الناسخ وكتبه بعد تفسير قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ ﴾ آية: 152، بحيث تداخل مع تفسير هذه الآية.

(٧٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 476.

(٧٦) (بالفتح): ساقط من (ج).

وانظر: التعليق على تفسير المؤلف لقوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ﴾ من آية: 144 سورة آل عمران، فقد وردت مصادر هذه الأقوال هناك.

(٧٧) لم أقف على مصدر قوله.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ ﴾ الفعل مسند، إلى ضمير النبيّ ومعه ربيون على هذا في موضع الحال، وقيل: إنه مسند إلى الربيين، فيكون ربيون على هذا مفعولاً لما لم يسم فاعله فعلى الأوّل يوقف على قوله: قتل، ويترجح الثاني بأنه لم يقتل قط نبي في محاربة ﴿ رِبِّيُّونَ ﴾ علماء مثل ربانيين، وقيل: جموع كثيرة ﴿ فَمَا وَهَنُواْ ﴾ الضمير لربيون على إسناد القتل للنبي، وهو لم يق منهم على إسناد القتل إليهم ﴿ وَمَا استكانوا ﴾ أي: لم يذلوا للكفار قال بعض النحاة: الاستكان مشتق من السكون، ووزنه افتعلوا مطلت فتحة الكاف فحدث عن مطلها ألف وذلك كالإشباع، وقيل: أنه من كان يكون، فوزنه استفعلوا، وقوله تعالى: ﴿ فَمَا وَهَنُواْ ﴾ وما بعده: تعريض لما صدر من بعض الناس يوم أحد ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ أي في الحرب ﴿ ثَوَابَ الدنيا ﴾ النصر ﴿ ثَوَابِ الآخرة ﴾ الجنة ﴿ إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ ﴾ هم المنافقون الذين قالوا في قضية أحد ما قالوا، وقيل: مشركو قريش وقيل: اليهود.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ رايتموه ﴾ بغير همزة يعني بالتليين ونحوه ﴿ رأوك  ﴾ و ﴿ رأوه  ﴾ روى هبة الله بن جعفر الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

﴿ يرد ثواب ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمروا وشان بن عامر وسهل وحمزة وعلي وخلف ﴿ نؤته ﴾ مثل ﴿ يؤده  ﴾ ﴿ وكائن ﴾ بالمد والهمز مثل "كاعن" حيث كان: ابن كثير.

وقرأ يزيد ﴿ وكاين ﴾ بالمد بغير همزة.

وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي بغير نون في الوقف ﴿ وكأي ﴾ الباقون: ﴿ وكأين ﴾ في الحالين ﴿ قتل ﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ونافع وقتيبة والمفضل.

الباقون.

﴿ قاتل ﴾ .

الوقوف: ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ تلقوه ﴾ ص لطول الكلام ﴿ رسول ﴾ ج لأن ما بعده يصلح صفة واستئنافاً ﴿ الرسل ﴾ ط ﴿ أعقابكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ مؤجلاً ﴾ ج لابتداء الشرط ﴿ منها ﴾ ج للعطف ﴿ منها ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ قتل ﴾ ط ليكون قتل النبي  إلزاماً للحجة على من اعتذر في الانهزام بما سمع من نداء إبليس ألا إن محمداً قد قتل.

والتقدير ومعه ريبون كثير.

ولو وصل كان الريبون مقتولين.

ومن قرأ ﴿ قاتل ﴾ فله أن لا يقف ﴿ كثير ﴾ ج لابتداء النفي مع فاء التعقيب ﴿ وما استكانوا ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ مولاكم ﴾ ج ﴿ الناصرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر فوائد مداولة الأيام وحكمها، أتبعها ما هو السبب الأصلي في ذلك فقال: ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ﴾ بدون تحمل المشاق.

و"أم" منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار و"لما" بمعنى "لم" مع زيادة التوقع.

وليس المراد نفي العلم بالمجاهدين ولكن المراد نفي المعلوم.

وإنما حسن إقامة ذلك مقام هذا لأن العلم متعلق بالمعلوم كما هو عليه، فلما حصلت بينهما هذه المطابقة حسن إقامة أحدها مقام الآخر.

تقول: ما علم الله في فلان خيراً أي ما فيه خير حتى يعلمه.

فحاصل الكلام لا تحسبوا أن / تدخلوا الجنة ولم تجاهدوا بعد.

وإنما أنكر هذا الحسبان لأنه  أوجب الجهاد قبل هذه الواقعة, وأوجب الصبر على تحمل متاعبها، وبين وجوه المصالح المنوطة بها في الدين والدنيا.

وإذا كان كذلك فمن البعيد أن يصل الإنسان إلى السعادة والجنة مع إهمال مثل هذه الطاعة.

والواو في قوله: ﴿ ويعلم الصابرين ﴾ واو الجمع في قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن.

كأنه قيل: إن دخول الجنة وترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان فليس كل من أقر بدين الله كان صادقاً، ولكن الفيصل فيه تسليط المكروهات ومخالفات النفس فإن الحب هو الذي لا ينقص بالجفاء ولا يزداد بالوفاء.

وقيل: التقدير أظننتم أن تدخلوا الجنة قبل أن يعلم الله المجاهدين وأن يعلم الصابرين؟

ووجه آخر وهو أن يكون مجزوماً أيضاً لكن الميم لما حركت للساكنين حركت بالفتحة إتباعاً للفتحة قبلها.

وهذا كما قرىء ﴿ ولما يعلم الله ﴾ بفتح الميم إلا أن يراد ولما يعلمن بالنون الخفيفة ثم حذفت.

وقرأ الحسن ﴿ ويعلم ﴾ بالجزم على العطف.

وروي عن أبي عمرو ﴿ ويعلم ﴾ بالرفع على الحال كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون ﴿ ولقد كنتم تمنون الموت ﴾ الخطاب فيه للذين ألحوا على رسول الله  في الخروج إلى المشركين وكان رأيه في الإقامة بالمدينة.

ويراد بالموت سببه وهو الجهاد والقتل.

قال المحققون: إنه لم يكن تمنيهم للموت تمنياً لأن يقتلوا لأن قتل المشركين لهم كفر.

ولا يجوز للمؤمن أن يتمنى الكفر أو يريده أو يرضى به، بل إنما تمنوا الفوز بدرجات الشهداء والوصول إلى كراماتهم.

وشبهوا ذلك بمن شرب دواء الطبيب النصراني فإن غرضه حصول الشفاء.

ولا يخطر بباله جر منفعة وإحسان إلى عدو الله وتنفيق صناعته، قالت الأشاعرة ههنا: من أراد شيئاً أراد ما هو من لوازمه، وثواب الشهداء لا يحصل إلا بالشهادة، ولا ريب أنه  أراد إيصال ثواب الشهداء إلى المؤمنين، ولهذا ورد من الترغيبات ما ورد فأراد صيرورتهم شهداء، ولن يصيروا شهداء إلا إذا قتلهم الكفار فلا بد أن يريد أن يقتلهم الكفار وذلك القتل كفر ومعصية، فثبت أنه  مريد للكفر والإيمان والطاعة والعصيان.

﴿ من قبل أن تلقوه ﴾ من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته وصعوبة مقاساته.

﴿ فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ﴾ قال الزجاج: أي وأنتم بصراء كقولهم: رأيته بعيني أي رأيتموه معاينين حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وشارفتم أن تقتلوا.

ويحتمل أن يراد رأيتم إقدام القوة وشدة حرصهم على قتلكم وعلى قتل الرسول، ثم بقيتم أنتم تنظرون إليهم من غير جد في دفعهم ولا اجتهاد في مقاتلتهم، وفيه توبيخ لهم على تمنيهم الجهاد وعلى إلحاحهم في الخروج إليه، ثم انهزامهم وقلة ثباتهم عنده.

قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: "لما نزل النبي  بالشعب أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل ولا ينتقلوا سواء كان الأمر لهم أو عليهم.

فلما وقفوا وحملوا على الكفار هزموهم وقتل علي عليه / السلام طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم، والزبير والمقداد شدا على المشركين، ثم حمل الرسول  مع أصحابه فهزموا أبا سفيان.

ثم إن بعض القوم لما رأوا انهزام الكفار بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة، وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار، فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم وفرق جمعهم، وكثر القتل في المسلمين، ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله  بحجر وكسر رباعيته وشج وجهه وأقبل يريد قتله، فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد حتى قتله ابن قميئة.

واحتمل طلحة بن عبيد الله رسول الله ودافع عنه أبو بكر وعلي  .

وظن ابن قميئة أنه قتل رسول الله  فقال: قد قتلت محمداً، وصرخ صارخاً ألا إن محمداً قد قتل.

قيل: وكان الصارخ الشيطان ففشا في الناس خبر قتله  فانكفؤا، وجعل رسول الله  يدعو: إليّ عباد الله، حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هربهم فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا خبر قتلك فرعبت قلوبنا فنزلت" ﴿ وما محمد إلا رسول ﴾ أي مرسل.

قال أبو علي: وقد يكون الرسول في غير هذا الموضع بمعنى الرسالة أي حاله مقصور على الرسالة لا يتخطاها إلى البقاء والدوام ﴿ قد خلت من قبله الرسل ﴾ فسيخلو كما خلوا.

وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم فكونوا أنتم كذلك لأن الغرض من إرسال الرسل التبليغ وإلزام الحجة لا وجودهم بين أممهم أبداً ﴿ أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ الفاء لتسبيب الجملة الشرطية عن الجملة التي قبلها، والهمزة لإنكار الجزاء لأنه في الحقيقة كأنه دخل عليه.

والمعنى: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات محمداً أو قتل؟

وسبب الإنكار ما تقدم من الدليلين: أحدهما أن الحاجة الى الرسول هي التبليغ وبعد ذلك لا حاجة إليه، فلا يلزم من قتله أو موته الإدبار عما كان هو عليه من الدين وما يلزم كالجهاد.

وثانيهما القياس على موت سائر الأنبياء وقتلهم، فإن موسى  مات ولم ترجع أمته عن ذلك الدين.

والنصارى زعموا أن عيسى  قتل وهم لم يرجعوا عن دينه وإنما ذكر القتل.

وقد علم أنه لا يقتل لكونه مجوّزاً عند المخاطبين.

وقوله: ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ لو سلم أنه متقدم في النزول فإنه مما كان يختص بمعرفته العلماء منهم على أنه ليس نصاً في العصمة عن القتل، بل يحتمل العصمة من فتنة الناس وإضلالهم.

وقوله: ﴿ إنك ميت  ﴾ يراد به المفارقة إلى الآخرة بأي طريق كان بدليل ﴿ وإنهم ميتون  ﴾ وكثير منهم قد قتلوا.

ويمكن أن يقال: صدق القضية الشرطية لا يتوقف على صدق جزأيها لصدق قولنا إن كانت الخمسة زوجاً فهي تنقسم بمتساويين مع كذب جزأيها.

ومعنى "أو" هو الترديد والتشكيك أي سواء فرض / وقوع الموت أو القتل فلا تأثير له في ضعف الدين ووجوب الإدبار أو الارتداد ﴿ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً ﴾ بل لا يضر إلا نفسه، وهذا كما يقول الوالد لولده عند العتاب إن هذا الذي تأتي به من الأفعال لا يضر السماء والأرض.

يريد أنه يعود ضرره عليه.

وما ارتد أحد من المسلمين ذلك اليوم إلا ما كان من قول المنافقين.

ويجوز أن يكون على وجه التغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والإنكشاف عن رسول الله  .

روي أنه لما صرخ الصارخ قال بعض المسلمين: ليت عبد الله بن أبيّ يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان.

وقال ناس من المنافقين: لو كان نبياً لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم.

فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: يا قوم إن كان قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت.

وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله؟

فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه.

ثم قال: اللهم إني اعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل.

وعن بعض المهاجرين أنه مر بأنصاري يتشحط في دمه فقال: يا فلان، اشعرت أن محمداً قد قتل؟

فقال: إن كان قتل فقد بلغ قاتلوا على دينكم.

ففي أمثالهم قال تعالى: ﴿ وسيجزي الله الشاكرين ﴾ لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا من الصبر والثبات.

ثم قال: ﴿ وما كان لنفس أن تموت ﴾ ووجه النظم أن المنافقين أرجفوا أن محمداً قتل فارجعوا إلى ما كنتم عليه من الأديان، فأبطل قولهم بأن القتل مثل الموت في أنه لا يحصل إلا في الوقت المقدر.

وكما أنه لو مات في بلده لم يدل ذلك على فساد دينه فكذا لو قتل.

وفيه تحريض المؤمنين على الجهاد بإعلامهم أن الحذر لا يغنى عن القدر، وأن أحداً لا يموت قبل الأجل وإن خوّض المهالك واقتحم المعارك.

أو الغرض بيان حفظة وكلاءته لنبيه فإنه ما بقي في تلك الواقعة سبب من أسباب الهلاك والشر إلا وقد حصل إلا أنه  لما كان حافظاً لنبيه ولم يقدّر في ذلك الوقت أجله لم يضره ذلك.

وفيه تقريع لأصحابه أنهم قد قصروا في الذب عنه  ، وجواب عما قاله المنافقون للصحابة لما رجعوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

قال الأخفش والزجاج: تقدير الكلام وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله.

وقال ابن عباس: الإذن هو قضاء الله وقدره فإنه لا يحدث شيء إلا بمشيئة الله وأرادته، فأورد الكلام على سبيل التمثيل كأنه فعل لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الله فيه، وذلك أن إسناد الموت إلى النفس نسبة الفعل إلى القابل لا إلى الفاعل، فأقيم القابل مقام الفاعل.

وقال أبو مسلم: الإذن هو الأمر.

والمعنى أن الله  يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا يموت أحد إلا بهذا الأمر.

وقيل: المراد التكوين والتخليق لأنه لا يقدر على خلق الموت والحياة أحد إلا الله.

وقيل: التخلية والإطلاق وترك المنع بالقهر والإجبار.

/ والمعنى ما كان لنفس أن تموت بالقتل إلا بأن يخلي الله بين القاتل والمقتول.

وفيه أنه تعالى لا يخلي بين نبيه وبين أحد ليقتله  ، ولكنه جعل من بين يديه  ومن خلفه رصداً ليتم على يديه بلاغ ما أرسله به فلا تهنوا في غزواتكم بعد ذلك بإرجاف مرجف.

وقيل: الإذن العلم أي لن تموت نفس إلا في الوقت الذي علم الله موتها فيه.

وفي الآية دليل على أن المقتول ميت بأجله، وأن تغيير الآجال ممتنع ولذا أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ كتاباً موجلاً ﴾ وهو مصدر مؤكد لنفسه لدلالة ما قبله عليه أي كتب الموت كتاباً مؤجلاً مؤقتاً له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر.

وقيل: الكتاب المؤجل هو المشتمل على الآجال.

وقيل: هو اللوح المحفوظ الذي كتب فيه جميع الحوادث من الخلق والرزق والأجل والسعادة والشقاوة.

قال القاضي: الأجل والرزق مضافان إلى الله  ، وأما الكفر والفسق والإيمان والطاعة فكل ذلك مضاف إلى العبد.

فإذا كتب  ذلك فإنما يكتب ما يعلمه من اختيار العبد وذلك لا يخرج فيه العبد من أن يكون مذموماً أو ممدوحاً.

والحق أن هذا تعكيس للقضية فإن الله  إذا علم من العبد الكفر استحال أن يأتي هو بالإيمان وإلا انقلب علم الله جهلاً، وإذا كان هو غير قادر على الإيمان حينئذٍ فما معنى اختياره؟

ثم إنه كان في الذين حضروا يوم أحد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة كما أخبر الله  في هذه السورة فقوله: ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ أي من ثوابها تعريض بالفريق الدنيوي وهم الذين شغلتهم الغنائم، وباقي الآية مدح للفريق الآخر الأخروي، وإن فضله  وعطيته شامل لكلا الفريقين، لكن ثواب الفريق الثاني هو المعتد به في الحقيقة ولهذا ختم الكلام بقوله: ﴿ وسنجزي الشاكرين ﴾ فأبهم الجزاء وأضافه إلى نفسه تنبيهاً على جزاء الذين شكروا نعمة الإسلام فلم يشغلهم عن الجهاد شيء لا يكتنه كنهه وتقصر عنه العبارة، وأنه كما يليق بعميم فضله وجسيم طوله.

وهذه الآية وإن وردت في الجهاد لكنها عامة في جميع الأعمال كما قال  : " "إنما الأعمال بالنيات" " وذلك لأن المؤثر في جانب الثواب والعقاب القصود والدواعي.

فمن وضع الجبهة على الأرض والوقت ظهر والشمس أمامه، فإن قصد بذلك السجود عبادة الله  كان من الإيمان، وإن قصد تعظيم الشمس كان من الكفر.

﴿ وكأين ﴾ الأكثرون على أنها في الأصل مركبة من كاف التشبيه و"أي" التي هي في غاية الإبهام إذا قطعت عن الإضافة.

كما أن "كذا" مركبة من "الكاف" و"ذا" المقصود به / الإشارة.

"فكأين" مثل "كذا" في كون المجرورين مبهمين عند السامع إلا أن في "ذا" إشارة في الأصل إلى ما في ذهن المتكلم بخلاف "أي" فإنه للعدد المبهم ومميزها منصوب ومفرد على الأصل.

والأكثر إدخال "من" في مميز "كأين" وبه ورد القرآن, والتمييز بعد "كذا" و"كأين" في الأصل عن الكاف لا عن "ذا" و"أي" كما في "مثلك رجلاً" لأنك تبين في كذا رجلاً وكأين رجلاً أن مثل العدد المبهم في أي جنس هو ولم تبين العدد المبهم.

فأي في الأصل كان معرباً لكنه انمحى عن الجزأين معناهما الإفرادي وصار المجموع كاسم مفرد بمعنى "كم" الخبرية فصار كأنه اسم مبني على السكون آخره نون ساكنة كما في "من" لا تنوين تمكن فلهذا يكتب بعد الياء نون، مع أن التنوين لا صورة له خطاً ولأجل التركيب تصرف فيه فقيل: كائن مثل كاعن.

وربما ظن بعضهم أنه اسم فاعل من كان، ولكنه بني لكثرة الاستعمال وهاتان اللغتان فيه مشهورتان ولهذا قرىء بهما.

وفيه لغات آخر غير مشهورة تركنا ذكرها لأنه لم يقرأ بها ولعلك تجدها في كتبنا الأدبية، ومحل ﴿ كأين ﴾ ههنا رفع على الابتداء، وقوله ﴿ قتل ﴾ أو ﴿ قاتل ﴾ خبره والضمير يعود إلى لفظ ﴿ كأين ﴾ فإنه مفرد اللفظ.

وإن كان مجموع المعنى.

والربيون معناه الألوف أو الجماعات الكثيرة.

الواحد ربى عن الفراء والزجاج.

قال ابن قتيبة: أصله من الربة الجماعة، فحذفت الهاء في النسبة، ويقال: ترببوا أي تجمعوا.

وقال ابن زيد: الربانيون الأئمة والولاة، والربيون الرعية.

والكسر فيه من تغييرات النسب كالضم في دهري، والقياس الفتح، ثم من قرأ ﴿ قتل ﴾ فمعنى الآية إن كثيراً من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعده ما وهنوا في دينهم بل استمروا على جهاد عدوّهم ونصرة دينهم وكان ينبغي أن يكون لكم فيهم أسوة حسنة.

فيكون المقصود من الآية حكاية ما جرى لسائر الأنيباء لتقتدي هذه الأمم بهم.

ومن قرأ ﴿ قاتل ﴾ فالمعنى: وكم من نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوّهم قروح فما وهنوا.

فعلى هذا يكون الغرض من الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي  في القتال.

وربما تؤيد هذه القراءة بما روي عن سعيد بن جبير أنه قال: ما سمعنا بنبي قتل في القتال، ويحتمل أن تنزل القراءة الأولى على هذه الرواية أيضاً بأن يقال: المعنى وكأين من نبي قتل ممن كان معه وعلى دينه ربيون كثير، فما ضعف الباقون وما استكانوا لقتل من قتل من إخوانهم، بل مضوا على جهاد عدّوهم.

ثم إنه  مدح هؤلاء الربيين بصفات وذلك قوله ﴿ فما وهنوا ﴾ إلخ ولا بد من تغايرها فقيل ﴿ فما وهنوا ﴾ عند قتل النبي ﴿ وما ضعفوا ﴾ عن الجهاد بعده ﴿ وما استكانوا ﴾ للعدو أي لم يخضعوا له، وفيه تعريض بما أصاب المسلمين من الوهن والانكسار عن الإرجاف بقتل رسول الله  ، وبضعفهم عند ذلك عن جهاد الكفار / واستكانتهم لهم حين أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبد الله بن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان.

وقيل: الوهن استيلاء الخوف عليهم، والضعف ضعف الإيمان واختلاج الشبهات في صدورهم، والاستكانة الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم.

وقيل: الوهن ضعف يلحق القلب، والضعف مطلقاً اختلال القوة الجسمية، والاستكانة إظهار ذلك العجز والضعف.

واستكان قيل"افتعل" من السكون كأنه سكن لصاحبه ليفعل به ما يريد.

وعلى هذا فالمد شاذ كقولهم "هو منه بمنتزاح" أي ببعد يراد بمنتزح.

والأصح أنه استفعل من "كان" والمد قياسي كأن صاحبه تغير من كون إلى كون أي من حال إلى حال.

﴿ والله يحب الصابرين ﴾ بأن يريد إكرامهم والحكم بالثواب والجنة لهم.

ثم أخبر أنهم كانا مستعينين عند ذلك التصبر والتجلد بالدعاء والتضرع وطلب الإمداد والنصر من الله، والغرض أن تقتدي هذه الأمة بهم.

فإن من عول في تحصيل مهماته على نفسه وعدده وعُدَدِه ذل، ومن اعتصم بالله والتجأ إليه فاز بالظفر.

وفي إضافتهم الذنوب والإسراف إلى أنفسهم وهم ربانيون هضم للنفس واستصغار لها.قال المحققون: إنما قدموا الاستغفار لعلمهم بأنه  ضمن نصر المؤمنين، فإذا لم يحصل النصرة وظهرت أمارات واستيلاء الأعداء دل ذلك على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين، فيلزم تقديم التوبة والاستغفار على طلب النصرة ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة أقرب إلى الاستجابة.

إنهم عمموا الذنوب أوَّلاً الصغائر والكبائر بقولهم: ﴿ ربنا اغفر لنا ذنوبنا ﴾ ثم خصصوا الذنوب الكبائر بقولهم ﴿ وإسرافنا في أمرنا ﴾ لأن الإسراف في كل شيء هو الإفراط فيه.

والمراد بتثبيت الأقدام وإزالة الخوف عن قلوبهم وإماطة الخواطر الفاسدة عن صدورهم.

والمراد بالنصر الأمور الزائدة على القوة والعدة والشدة كإلقاء الرعب في قلوب الأعداء، وكإحداث أحوال سماوية أو أرضية توجب انهزامهم كهبوب ريح تثير الغبار في وجوههم، وإجراء سيل في مواضع وقوفهم.

وفي الآية تأديب وإراشاد من الله  في كيفية الطلب عند النوائب جهاداً كان أو غيره ﴿ فآتاهم الله ثواب الدنيا ﴾ من النصرة والغنيمة والعز وطيب الذكر وانشراح الصدر ﴿ وحسن ثواب الآخرة ﴾ وهو الجنة وما فيها من المنافع واللذات وذلك غير حاصل في الحال.

والمراد أنه حكم لهم بحصولها في الآخرة، وحكم الله بالحصول كنفس الحصول.

أو المراد أنه سيؤتيهم مثل أتى أمر الله أي سيأتي، قال القاضي: ولا يمتنع أن تكون الآية مختصة بالشهداء وأنهم في الجنة عند ربهم كما ماتوا أحياء، وثواب الآخرة كله حسن، فما ظنك بحسن ثوابها؟

وإنما لم يصف ثواب الدنيا بالحسن لقلتها وامتزاجها بالمضار وكدر صفوها بالانقطاع والزوال.

قال القفال: يحتمل أن يكون الحسن هو الحسن كقوله: ﴿ وقولوا للناس / حسناً  ﴾ والغرض منه المبالغة كما يقال: فلان جود وعدل إذا كان غاية في الجود ونهاية في العدل.

وههنا نكتة وهي أنه أدخل "من" التبعيضية في الآية المتقدمة في قوله: ﴿ نؤته منها ﴾ في الموضعين، ولم يذكر في هذه الآية.

لأن أولئك اشتغلوا بالثواب عن العبودية فلم ينالوا إلا البعض، بخلاف هؤلاء فإنهم لم يذكروا أنفسهم إلا بالعيب والقصور ولم يسألوا ربهم إلا ما يوجب إعلاء كلمته، فلا جرم فازوا بالكل.

وفيه تنبيه على أن من أقبل على خدمة الله أقبل على خدمته كل ما سوى الله.

ثم قال ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.

وههنا سر وهو أنه  وفقهم للطاعة ثم أثابهم عليها ثم مدحهم على ذلك فسماهم محسنين، ليعلم العبد أن الكل بعنايته وفضله.

﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا ﴾ عن السدي: المراد بالذين كفروا هو أبو سفيان وأصحابه فإنه كان كبير القوم في ذلك اليوم.

والمعنى إن تستكينوا لهم وتستأمنوهم.

وعن علي  : هم المنافقون عبد الله بن أبيّ وأشياعه قالوا للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم.

وعن الحسن: هم اليهود والنصارى يستغوونهم ويوقعون لهم الشبهة في الدين ولا سيما عند هذه الواقعة كانوا يقولون: لو كان نبياً حقاً لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوم له ويوم عليه.

والأقرب أنه عام في جميع الكفار فإن خصوص السبب لا ينافي إرادة العموم، فعلى المؤمنين أن لا يطيعوهم في شيء ولا ينزلوا على حكمهم وعلى مشورتهم حتى لا يستجرّوهم إلى موافقتهم وهو المراد بقوله: ﴿ يردوكم على أعقابكم ﴾ أي إلى الكفر بعد الإيمان ﴿ فتنقلبوا خاسرين ﴾ في الدنيا باستبدال ذلة الكفر بعزة الإسلام والانقياد للأعداء الذي هو اشق الأشياء لدى العقلاء، وفي الآخر بالحرمان عن الثواب المؤبد والوقوع في العقاب المخلد.

﴿ بل الله مولاكم ﴾ ناصركم وهو إضراب عما كانوا بصدده من طاعة الكفار.

والمعنى أنكم إنما تطيعون الكفار لينصروكم ويعينوكم على مطالبكم وهذا خطأ وجهالة لأنهم عاجزون مثلكم متحيرون، وبغير إذن الله لا ينفعون ولا يضرون.

﴿ وهو خير الناصرين ﴾ لو فرض أن لأحد سواه قدرة على النصر لأنه خبير بمواقع الحاجات، قدير على إنجاز الطلبات، ينصر في الدنيا والآخرة بلا شائبة علة من العلات، ونصرة غيره لو فرض فإنه مخصوص بالدنيا وببعض الأمور وفي بعض الأوقات ولغرض من الأغراض الفاسدات، كيف ولا ناصر بالحقيقة سواه.

التأويل: ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ﴾ أن تلجوا عالم الملكوت ولم تظهر منكم مجاهدات تورث المشاهدات ولا الصبر على تزكية النفوس وتصفية القلوب على وفق / الشريعة وقانون الطريقة لتتحلى الأرواح بأنوار الحقيقة ﴿ ولقد كنتم ﴾ يا أرباب الصدق وأصحاب الطلب ﴿ تمنون ﴾ موت النفوس عن صفاتها تزكية لها ﴿ من قبل أن تلقوه ﴾ بالمجاهدات والرياضات في خلاف النفس وقهرها عند لقاء العدو في الجهاد الأصغر ظاهراً وفي الجهاد الأكبر باطناً ﴿ فقد ﴾ رأيتم هذه الأسباب التي كنتم تمنونها عياناً ﴿ وأنتم تنظرون ﴾ لا تفدون أرواحكم و لاتجاهدون حق الجهاد في الله بأرواحكم وأشباحكم ﴿ أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ فيه أن الإيمان التقليدي لا اعتبار له فينقلب المقلد عن إيمانه عند إعدام المقلد من الوالدين أو الاستاذ، وكذا عند موت المقلد فيعجز عند سؤال الملكين في قولهما له من ربك؟

فيقول: هاه لا أدري.

فيقولون: ما تقول في هذا الرجل؟

فيقول: هاه لا أدري كنت أقول فيه ما قال الناس.

فيقولان له: لا دريت ولا تليت.

﴿ وسيجزي الله ﴾ بالإيمان الحقيقي ﴿ الشاكرين ﴾ الذين شكروا نعمة الإيمان التقليدي بأداء حقوقه وهو الائتمان بأوامر الشرع والانتهاء عن نواهيه ﴿ وما كان لنفس أن تموت ﴾ عن أوصافها الدنية وأخلاقها الردية وتتخلص عنها بطبعها إلا بتوفيق الله وجذبه وإشراق نوره كما أن ظلمة الليل لا تنتهي إلا بإشراق طلوع الشمس.

ثم أثبت للعبد كسباً في طلب الهداية واستجلاب العناية بقوله: ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ وهذه رتبة الخواص أي من عمل شوقاً إلى الحق فقد رأى نعمة وجود المنعم، فثوابه نقد في الدنيا لأنه حاضر لا غيبه له وهو معنى قولهم "الصوفي ابن الوقت" وفيه أنشد: خليلي هل أبصرتما أو سمعتما *** بأكرم من مولى تمشى إلى عبد أتى زائراً من غير وعد وقال لي *** أصونك عن تعذيب قلبك بالوعد.

ومن عمل شوقاً إلى الجنة فنظره على النعمة فثوابه في الآخرة ﴿ وسجيزي الشاكرين ﴾ أي كلا الفريقين على قدر شكرهما ﴿ وكأين من نبي قاتل ﴾ أعدى العدو الذي بين جنبيه و ﴿ معه ربيون ﴾ متخلقون بأخلاق الرب ﴿ فما وهنوا لما أصابهم ﴾ من تعب المجاهدات ﴿ وما ضعفوا ﴾ في طلب الحق ﴿ وما استكانوا ﴾ باحتمال الذلة والالتفات إلى غير الله.

﴿ إن تطيعوا الذين كفروا ﴾ أي النفوس الكافرة وصفاتها ﴿ يردّوكم ﴾ إلى أسفل سافلين بشريتكم وبهيمتكم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ : قيل: فيه لغات: أحدها: "قاتل معه" بالألف، وتأويله: وكم من نبي قاتل معه ربّيون كثير، فقتل؛ على الإضمار.

والثاني: "وكم من نبيّ قُتِل معه ربّيون كثير"، برفع القاف.

والثالث: "وكم من نبيّ قتل معه ربيون كثير" بالنصب.

ومعنى الآية - والله أعلم -: كم من نبي قتل معه [ربيون كثير]، فلم ينقلب أتباعه على أعقابهم؛ بل كانوا بعد وفاتهم أشدّ اتباعاً لهم من حال حياتهم؛ حتى قالوا: لن يبعث الله من بعده رسولا؛ فما بالكم يخطر ببالكم الانقلاب على أعقابكم، إذا أخبرتم أنه قتل نبيكم أو مات؟!.

وفي إنباء هذه الأمة قصصَ الأمم الخالية وأخبارهم - وجهان.

أحدهما: دلالة إثبات رسالة [رسولنا] محمد  ؛ لأنهم علموا أنه لم يختلف إلى أحد منهم ممن يعلم هذا، ثم أخبر بذلك، فكان ما أخبر؛ فدل أنه علم ذلك بالله.

والثاني: العمل بشرائعهم وسننهم، إلا ما ظهر نسخة بشريعتنا؛ ألا ترى أنه ذكر محاسنهم وخيراتهم؛ وإنما ذكر لنتبعهم في ذلك ونقتدي بهم، وذكر مساوئهم وما لحقهم بها؛ لننتهي عنها ونكون على حذر مما أصابهم بذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ : اختلف فيه - عن ابن عباس -  - قال: "علم كثير"، وعنه - أيضاً -: "الجموع الكثير"؟

وعن الحسن - رحمه الله - مثله.

وعن ابن مسعود -  - قال: الألوف.

وعن ابن مسعود -  - قال في قوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ ، يقول: قاتل؛ ألا ترى أنه يقول: ﴿ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ ﴾ ؟!.

ثم اختلف في قوله: ﴿ فَمَا وَهَنُواْ ﴾ ، ﴿ وَمَا ضَعُفُواْ ﴾ .

قيل: فما وهنوا في الدين، وما ضعفوا في أنفسهم في قتال عدوهم بذهاب النبي  من بينهم؛ فما بالكم تضعفون أنتم؟!

ويحتمل قوله: ﴿ فَمَا وَهَنُواْ ﴾ ، يعني: فما عجزوا لما نزل بهم من قتل أنبيائهم، وما ضعفوا في شيء أصابهم في سبيل الله من البلايا.

وقيل: قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا وَهَنُواْ ﴾ يرجع إلى: ﴿ قَاتَلَ ﴾ إلى المقاتلين وفي "قتل" إلى الباقين.

وقوله: ﴿ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ ﴾ : قيل: لم يذلّوا في عدو لهم، ولم يخضعوا لقتل نبيهم؛ بل قاتلوا بعده على ما قاتلوا معه؛ فهلا قاتلتم أنتم على ما قاتل عليه نبيكم؛ كما قاتلت القرون من قبلكم إذا أصيب أنبياؤهم، والله أعلم.

﴿ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ : على قتال عدوّهم، وعلى كل مصيبة تصيبهم.

وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا ﴾ : قيل: وما كان قول الأمم السالفة عند قتل نبيهم - إلا أن قالوا: ﴿ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ الآية، يقول: يعلِّمُ الله هذه الأمة ويعاتبهم: هلاّ قلتم أنتم حين نُعِي إليكم نبيكم كما قالوا القوم في الأمم السالفة؟!.

وقوله: ﴿ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ ، قيل: الذنوب: هي المعاصي.

وقوله: ﴿ وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا ﴾ : والإسراف: هي المجاوزة في الحدّ، والتعدّي عن أمره.

وقيل: هما واحد.

وقوله: ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ثبتنا على الإيمان، ودين الإسلام، والقدمُ كناية؛ كقوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا  ﴾ ، أي: تكفر بعد الإيمان، [و] كقوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ ؛ وذكر القدم لما بالقدم ثبت.

ويحتمل قوله: ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ في قتال العدوَّ، وفزعوا إلى الله - عز وجلّ - بعد ذهاب نبيّهم من بينهم؛ ليحفظهم على ما كان يحفظهم في حياة نبيهم.

وقوله: ﴿ وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ : يحتمل: النصر عليهم بالحجج والبراهين.

ويحتمل: النصر بالغلبة والهزيمة عليهم.

وقوله: ﴿ فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا ﴾ : يحتمل ثواب الدنيا: الذكر والثناء الحسن، وهم كذلك اليوم نتبعهم ونقتدي آثارهم وهم موتى.

ويحتمل -: على ما قيل -: النصر والغنمية.

وقوله: ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ ﴾ : الدائم، وذُكِر في ثواب الآخرة "الحُسْن"، ولم يذكر في ثواب الدنيا الحسن؛ لأن ثواب الآخرة دائم لا يزول أبداً، وثواب الدنيا قد يزول، أو أن يشوب في ثواب الدنيا آفاتٌ وأحزان؛ فينقص ذلك، وليس ثواب الآخرة كذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ الإحسان يحتمل وجوهاً ثلاثة: يحتمل: المحسن: العارف، كما يقال: فلان يحسن ولا يحسن.

ويحتمل: المعروف من الفعل - مما ليس عليه - يصنع إلى آخر؛ تفضلاً منه وإحساناً.

ويحتمل: اختيار الحسن من الفعل على القبيح من الفعل والسوء؛ وكان كقوله: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ  ﴾ : هذا يختار المحاسن من الأفعال على المساوئ، والله أعلم.

ويحتمل: المحسنين إلى أنفسهم باستعمالها فيما به نجاتها.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكم من نبي من أنبياء الله قاتل معه جماعات من أتباعه كثيرة، فما جَبُنُوا عن الجهاد لما أصابهم من قتل وجراح في سبيل الله، وما ضعفوا عن قتال العدو، وما خضعوا له، بل صبروا وثبتوا، والله يحب الصابرين على الشدائد والمكاره في سبيله.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZdgQn"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام متصل بما قبله والخطاب فيه لمن شهد وقعة "أحد" من المؤمنين.

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ  ﴾ إن "أم" الاستفهام المجرد أو للمعادلة.

إنه تعالى يقول المؤمنين بعد ذلك التنبيه والإرشاد لسنته وحكمه فيما حصل المتضمن للوم والعتاب في مثل ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ  ﴾ إلخ: هل جريتم على تلك السنن؟

هل تدبرتم تلك الحكم؟

أم حسبتم كما يحسب أهل الغرور أن تدخلوا الجنة وأنتم إلى الآن لم تقوموا بالجهاد في سبيله حق القيام، ولم تتمكن صفة الصبر من نفوسكم تمام التمكن، والجنة إنما تنال بهما، ولا سبيل إلى دخولها بدونهما، لو قمتم بذلك لعلمه تعالى منكم وجازاكم عليه بالنصر والظفر في غزوتكم هذه وكان ذلك آية على أنه سيجازيكم بالجنة في الآخرة.

ربما يقول قائل أن الآية تفيد أن من لم يجاهد ويصبر لا يدخل الجنة مع أن الجهاد فرض كفاية.

ونقول: نعم إنه لا يدخل الجنة من لم يجاهد في سبيل الحق ولكن الجهاد في الكتاب والسنة يستعملان بمعناهما اللغوي وهو احتمال المشقة في مكافحة الشدائد ومنه جهاد النفس الذي روي عن السلف التعبير عنه بالجهاد الأكبر.

ومن أمثلة ذلك مجاهدة الإنسان لشهواته لا سيما في سن الشباب، وجهاده بماله، وما يبتلي به المؤمن من مدافعة الباطل ونصرة الحق.

إن الله في كل نعمة عليك حقًا وللناس عليك حقًا، وأداء هذه الحقوق يشق على النفس فلا بد من جهادها ليسهل عليه أداؤها وربما يفضل بعض جهاد النفس جهاد الأعداء في الحرب، فإن الإنسان إذا أراد أن يبث فكرة صالحة في الناس أو يدعوهم إلى خيرهم من إقامة سنة، أو مقاومة بدعة، أو النهوض بمصلحة، فإنه يجد أمامه من الناس من يقاومه ويؤذيه إيذاء قلما يصبر عليه أحد.

وناهيك بالتصدي لإصلاح عقائد العامة وعاداتهم وما الخاصة في ضلالهم إلا أصعب مراسًا من العامة.

ومن مباحث اللفظ في الآية ما تقدم بيانه من معنى أم ولما.

ومنها أن قوله: ﴿ وَيُعَلِّمُ  ﴾ منصوب بإضمار "إن" على أن الواو للجمع كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي لا يكن أكل السمك وشرب اللبن معًا، فالتقدير في الآية على هذا: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة والحال أنه لم يتحقق منكم الجمع بين الجهاد والصبر.

بعد ما بيّن تعالى للمؤمنين أن الفوز والظفر في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة لا يكونان بالأماني والغرور، ولا ينالان بالمحاباة والكيل الجزاف، بل بالجهاد ومكافحة الأيام، ومصابرة الشدائد والأخوال، واتباع سنن الله في هذا العالم.

وبعد ما بيّن لهم أن دعوى الإيمان ودعوى الجهاد والصبر لا يترتب عليهما الجزاء بالنصر ودخول الجنة وإنما يترتب ذلك على تحققهما بحسب علم الله المطابق للواقع لا بحسب ظن الناس وشعورهم.

بعد هذا وذاك أرشدهم إلى أمر واقع يظهر لهم به تأويل قوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا  ﴾ قوله: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ  ﴾ إلخ، وطريق الجمع بينه وبين شعورهم واعتقادهم قبل ذلك أنهم لم يقصروا في الجهاد والصبر فيتعلموا كيف يحاسبون أنفسهم ولا يغترون بشعورهم وخواطرهم فقال: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ  ﴾ الخطاب لجماعة المسلمين الذين شهدوا وقعة أُحد.

فلقد كان النبي  يرى أن لا يخرج للمشركين بل يستعد لمدافتعهم في المدينة، وكان على هذا الرأي جماعة من كبراء الصحابة، وبه صرح عبدالله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين ولكن أكثر الصحابة أشاروا بالخروج إلى أُحد حيث عسكر المشركين ومناجزتهم هناك، وإن الشبان ومن لم يشهد بدرًا كانوا يلحون في الخروج.

لهذا قال مجاهد: إن هذه الآية عتاب لرجال غابوا عن بدر فكانوا يتمنون مثل يوم بدر أن يلقوه فيصيبوا من الخير والأجر مثل ما أصاب أهل بدر فلما كان يوم أُحد ولى منهم من ولى فعاتبهم الله، وروي نحو ذلك عن غيره منهم الربيع والسدي، وروي عن الحسن أنه قال بلغني أن رجالًا من أصحاب النبي  كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي  لنفعلن ولنفعلن فابتلوا بذلك فلا والله ما كلهم صدق فأنزل الله  : ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ  ﴾ الآية.

فأطلق الحسن ولم يخص من لم يشهد بدرًا وهو الصواب، فإن الذين كانوا يتمنون القتال كثيرون.

قلنا إن هذه الآية أظهرت للمؤمنين تأويل قوله تعالى في إيمانهم وجهادهم وصبرهم، وعلمتهم كيف يحاسبون أنفسهم ويمتحنون قلوبهم، وبيان ذلك أنهم تمنوا القتال، أو الموت في القتال لينالوا مرتبة الشهادة، وقد أثبت الله لهم هذا التمني وأكده بقوله: ﴿ وَلَقَدْ  ﴾ فلم يكن ذلك منهم دعوى قولية، ولا صورة في الذهن خيالية، بل كان حقيقة واقعة في النفس، ولكنها زالت عند مجيء دور الفعل، وهذه مرتبة من مراتب النفس في شعورها وعرفانها هي دون مرتبة الكمال الذي يصدقه العمل، وفوق مرتبة التصور والتخيل مع الانصراف عن تمني العمل بمقتضاه، أو مع كراهته والهرب منه كما يتوهم بعض الناس أنه يحب ملته أو وطنه ولكنه يهرب من كل طريق يخشى أن يطالب فيه بعمل يأتيه لأجلهما، أو مال يعاون به العاملين لهما، أو يكون خالي الذهن من الفكر في العمل، أو البذل لإعلاء شأن هذا المحبوب، أو كف العدوان أو الشر عنه، فهاتان مرتبتان دون مرتبة من يتصور أنه يحب ملته ووطنه، ويفكر في خدمتهما ويتمنى لو يتاح له ذلك، حتى إذا احتيج إلى خدمته التي كان يفكر فيها ويتمناها وجد من نفسه الضعف فأعرض عن العمل قبل الشروع أو بعد أن ذاق مرارته، وكابد مشقته، وإنما المطلوب في الإيمان ما هو أعلى من هذه المرتبة، المطلوب فيه مرتبة اليقين والاذعان النفسي التي من مقتضاها العمل مهما كان شاقًا، والجهاد مهما كان عسيرًا، والصبر على المكاره، وإيثار الحق على الباطل، وقد تقدم في تفسير: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ  ﴾ وتفسير ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ  ﴾ من الآيتين السابقتين أمثلة تزيد المبحث وضوحًا.

وقد كان في مجموع المخاطبين بالآية عند نزولها من هم في المرتبة العليا، وأولئك هم المجاهدون الصابرون الذين ثبتوا مع النبي  ثبات الجبال لا ثبات الأبطال وهم نحو ثلاثين رجلًا، وقد ذكرنا أسماء بعضهم في تلخيص القصة وإنما جعل الخطاب عامًا؛ ليكون تربية عامة فإن أصحاب المراتب العلية يتهمون أنفسهم بالتقصير فيزدادون كمالًا.

فهذه الآية تنبه كل مؤمن إلى اتقاء الغرور بحديث النفس والتمني والتشهي وتهديه إلى امتحان نفسه بالعمل الشاق، وعدم الثقة منها بما دون الجهاد والصبر على المكاره في سبيل الحق، حتى يأمن الدعوى الخادعة، بله الدعوى الباطلة، وإنما الخادعة أن تدعي ما تتوهم أنك صادق فيه، مع الغفلة أو الجهل بعجزك عنه، والباطلة لا تخفى عليك، وإنما تظن أنها تخفى على سواك.

قد أشرنا إلى أن الظاهر من تمني الموت هو تمني الشهادة في سبيل الله، وقال بعضهم إن المراد بالموت الحرب لأنها سببه.

وعد بعضهم تمني الشهادة المأثور عن كثير من الصحابة مشكلًا لأنه يستلزم انتصار الكفار على المسلمين، ولا إشكال إلا في مخ من اخترع هذه العبارة، فإن الذي يتمنى الشهادة في سبيل الله لا يلقي بنفسه إلى التهلكة، ولا يقصر في الدفاع والصدام حتى يقال إنه مكن الأعداء منه، ومهد لهم سبيل الظفر بالمؤمنين وإنما يكون أقوى جهادًا وأشد وأجدر بأن ينصر قومه ويخذل من يحاربهم.

ثم إنه لا يقصد لازم الموت والشهادة من نقص عدد المسلمين أو ضعفهم على أن هذا اللازم إنما يتبع استشهاد الكثير أو الأكثر منهم، ومن يتمن الشهادة فإنما يتمناها لنفسه دون العدد الكثير من قومه.

إن تمني الشهادة الذي وقع ليس تمنيًا مطلقًا وإنما هو تمني من يقاتل لنصرة الحق أن تذهب نفسه دونه، فإذا هو وصل إلى ما ينبغي من نصرة الحق وإعزازه بانهزام أهل الباطل وخذلانهم فيها ونعمت وإلا فضل الموت في سبيل إعزاز الحق ورآه خيرًا من البقاء مع إذلاله وغلبه الباطل عليه.

وإن الخطاب لمن سبق لهم تمني الموت بعد أن فاتهم حضور وقعة بدر أو الشهادة فيها لبعض من حضرها، ثم جاءت وقعة أُحد فكان منهم من انكسرت نفسه في أثناء الواقعة ووهن عزمه، ومنهم من وهن وضعف بعدها عند ما ندبهم النبي  إلى اتباع المشركين معه في حمراء الأسد، كأنه يقول: يا سبحان الله لقد كنتم تتمنون الموت قبل أن تلاقوا القوم في الحرب فها أنتم أولاء قد رأيتم ما كنت تتمنونه وأنتم تنظرون إليه لا تغفلون عنه فما بالكم دهشتم عندما وقع الموت فيكم؟، وما بالكم تحزنون وتضعفون، عند لقاء ما كنتم تحبون وتتمنون؟، ومن تمنى الشيء وسعى إليه لا ينبغي أن يحزنه لقاؤه ويسوءه، فقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ  ﴾ للتأكيد لأن الإنسان يرى الشيء أحيانًا ولكنه لانشغاله عنه ربما لا يتبينه، فأراد أن يقول إنكم قد رأيتموه رؤية كان لها الأثر الثابت في نفوسكم لا رؤية من قبيل لمح الشيء مع الغفلة عنه وعدم المبالاة به.

وقال بعض المفسرين إن الجملة مستأنفة أي أبصرتموه وأنتم الآن تنظرون وتتأملون فيما رأيتموه وتفكرون في علاقته بشؤونكم، والذي يظهر هو صحة التأويل الأول.

بعد هذا بيّن الله تعالى حكمة أخرى من أعظم الحكم المتعلقة بغزوة أُحد وهي إشاعة قتل النبي  ، وما كان من تأثيرها في المسلمين، وما كان يجب أن يكون فقال: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ  ﴾ إلخ.

إن كلمة ﴿ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ  ﴾ من قبيل المثل تضرب لمن رجع عن الشيء بعد الإقبال عليه، والأحسن أن تكون عامة تشمل الارتداد عن الدين الذي جاهر بالدعوة إليه بعض المنافقين، والارتداد عن العمل كالجهاد ومكافحة الأعداء وتأييد الحق وهذا هو الصواب.

قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ  ﴾ في هذه الآية إرشاد لنا إلى أن لا نجعل المصائب الشخصية دليلًا على كون من تصيبه على باطل أو على حق، فإن من الجائز عقلًا والواقع فعلًا أن يبتلى صاحب الحق بالمصائب والرزايا، وأن يبتلى صاحب الباطل بالنعم والعطايا، كما أن عكس ذلك جائز وواقع.

وتعلمنا أيضًا أن لا نعتمد في معرفة الحق والخير على وجود المعلم بحيث نتركهما بعد ذهابه أو موته وإنما نعتمد على معرفتهما والتحقق بهما والسير على منهاجهما في حال وجود المعلم وبعده.

فالله تعالى يقول عليكم أن تستضيئوا بالنور، وتتقلدوا سيف البرهان اللذين جاءكم بهما محمد، وأما ما يصيب جسمه من جرح أو ألم، وما يعرض له من حياة أو موت، فلا مدخل له في صحة دعوته، ولا في إضعاف النور الذي جاء به، فلا معنى إذًا لتعليق إيمانكم بحياته أو سلامة بدنه مما يعرض له من حيث هو بشر مثلكم، خاضع لسنن الله كخضوعكم.

﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا  ﴾ الآية.

تلك قضية وهذه قضية أخرى ووجه الاتصال بينهما أن المراد بتلك لوم المؤمنين على ما وقع منهم إذ بلغهم قتل النبي  ، والمراد بهذه بيان أنه لو قتل لما كان قتله إلا بإذن الله ومشيئته، فهو توبيخ لمن اندهش من خبر موته كأنهم بسبب زلزالهم وزعزعة عقائدهم قد جعلوا موته جناية منه، فأذاقهم تعالى بهذه العبارة مرارة خطأهم، وأراهم بها قبح جهلهم، كأنه يقول إن محمدًا يدعوكم إلى الله -أي لا إلى نفسه- فلو كان هذا الموت يقع بدون إذن الله لكان الانقلاب صوابًا، ولكن إذا كان هذا الموت لا يقع إلا بإذنه تعالى، إذ ليس لأحد في العالم سلطان يقهره ويوقع في ملكه شيئًا بالكره منه فلا معنى لزلزلة ثقتكم بالله، وضعفكم عن المضي فيما كنتم عليه مع النبي في حياته لأن الله لم يزل حيًا باقيًا عليمًا حكيمًا.

وفي الآية معنى آخر وهو أنه ما دام محيانا ومماتنا بيد الله فلا محل للجبن والخوف، ولا عذر في الوهن والضعف، وفيها تأكيد لما تقدم بيانه في الآية التي قبلها وهو أن الموت لا يدل على بطلان ما كان عليه من يموت ولا على حقيته، ولقد جعل صاحب الكشاف الجملة تمثيلًا.

﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا  ﴾ ، هذه قضية أخرى فيها وجهان: أحدهما: أنها رد لاستدلال من استدل بما حل بالمسلمين على أن ما هم عليه غير الحق، فهي من هذا الوجه فرع من فروع قوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ  ﴾ فهو يقول إن لنيل ثواب الدنيا سننًا ولنيل ثواب الآخرة سننًا فمن سار على سنن واحدة منهما وصل إليها.

فإذا كان المشركون قد استظهروا على المسلمين في هذه المرة فلأنهم طلبوا بعملهم الدنيا وأخذوا له أهبته من حيث قد قصر المسلمون في اتباع السنن في ذلك بمخالفة الرسول كما تقدم.

والوجه الثاني: أنه يقول لأولئك الذين ضعفوا وفشلوا وانقلبوا على أعقابهم: ما الذي تريدون بعملكم هذا؟

إن كنتم تريدون ثواب الدنيا فالله لا يمنعكم ذلك وما عليكم إلا أن تسلكوا طريقه، ولكن ليس هذا هو الذي يدعوكم إليه محمد وإنما يدعوكم إلى خير ترون حظًا منه في الدنيا، والمعول فيه على ما في الآخرة، فالمسألة معكم بين أمرين: إرادة الدنيا، وإرادة الآخرة، كل يريد أمرًا ولكل أمر سنن تتبع ولكل دار طريق تسلك.

﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ  ﴾ ، كأنس بن النضر وأمثاله الذين جاهدوا وصبروا مع النبي  بحفظهم قوة إرادتهم فكانوا السبب في انجلاء المشركين عن المسلمين، وخصهم بالذكر الذي يعينه الوصف تنويهًا بهم ووعدًا لهم بالجزاء، وهو من التفصيل لإجمال من يريد الآخرة.

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ  وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ  فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  ﴾ ثواب هؤلاء حسن على كل حال ولكن ذكر الحسن في ثواب الآخرة مزيد في تعظيم أمره، وتنبيه على أنه ثواب لا يشوبه أذى، فليس مثل ثواب الدنيا عرضة للشوائب والمنغصات.

ولقد اتفق المفسرون على أن الآيات جاءت تأديبًا للمؤمنين وتوبيخًا لمن فرط منهم ما فرط والأمر ظاهر كالشمس في الضحى أو أشد ظهورًا.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله