الآية ١٤٨ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٤٨ من سورة آل عمران

فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلْـَٔاخِرَةِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ١٤٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٨ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٨ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي النصر والظفر والعاقبة "وحسن ثواب الآخرة" أي جمع لهم ذلك مع هذا "والله يحب المحسنين".

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: فأعطى الله الذين وصفهم بما وصفهم، من الصبر على طاعة الله بعد مقتل أنبيائهم، وعلى جهاد عدوهم، والاستعانة بالله في أمورهم، واقتفائهم مناهج إمامهم على ما أبلوا في الله -" ثوابَ الدنيا "، يعني: جزاء في الدنيا، وذلك: النصرُ على عدوهم وعدو الله، والظفرُ، والفتح عليهم، والتمكين لهم في البلاد =" وحسن ثواب الآخرة "، يعني: وخير جزاء الآخرة على ما أسلفوا في الدنيا من أعمالهم الصالحة، وذلك: الجنةُُ ونعيمُها، كما:- 7994- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ، فقرأ حتى بلغ: " والله يحب المحسنين "، أي والله، لآتاهم الله الفتح والظهورَ والتمكينَ والنصر على عدوهم في الدنيا =" وحسنَ ثواب الآخرة "، يقول: حسن الثواب في الآخرة، هي الجنة.

7995- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ ، ثم ذكر نحوه.

7996- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: " فآتاهم الله ثواب الدنيا "، قال: النصر والغنيمة =" وحسن ثواب الآخرة "، قال: رضوانَ الله ورحمته.

&; 7-276 &; 7997- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " فآتاهم الله ثوابَ الدنيا "، الظهورَ على عدوهم = (86) " وحسن ثواب الآخرة "، الجنةَ وما أعدَّ فيها = وقوله: " والله يحب المحسنين "، يقول تعالى ذكره: فعل الله ذلك بهم بإحسانهم، فإنه يحب المحسنين، وهم الذين يفعلون مثل الذي وصف عنهم تعالى ذكره أنهم فعلوه حين قتل نبيُّهم.

(87) * * * --------------- الهوامش : (86) في المطبوعة: "حسن الظهور على عدوهم" ، وفي المخطوطة كتب"وحسن الظهور" ثم ضرب على"وحسن".

وفي ابن هشام: "بالظهور" بالباء.

(87) الأثر: 7997- سيرة ابن هشام 3: 119 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7993 ، مع اختلاف في اللفظ ، ومع اختصاره.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين قوله تعالى : فآتاهم الله أي أعطاهم ثواب الدنيا ، يعني النصر والظفر على عدوهم .

وحسن ثواب الآخرة يعني الجنة .

وقرأ الجحدري " فأثابهم الله " من الثواب .

والله يحب المحسنين تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فآتاهم الله ثواب الدنيا } من النصر والظفر والغنيمة، { وحُسن ثواب الآخرة } وهو الفوز برضا ربهم، والنعيم المقيم الذي قد سلم من جميع المنكدات، وما ذاك إلا أنهم أحسنوا له الأعمال، فجازاهم بأحسن الجزاء، فلهذا قال: { والله يحب المحسنين } في عبادة الخالق ومعاملة الخلق، ومن الإحسان أن يفعل عند جهاد الأعداء، كفعل هؤلاء الموصوفين

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فآتاهم الله ثواب الدنيا ) النصرة والغنيمة ، ( وحسن ثواب الآخرة ) الأجر والجنة ، ( والله يحب المحسنين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فآتاهم الله ثواب الدنيا» النصر والغنيمة «وحسن ثواب الآخرة» أي الجنة: التفضل فوق الاستحقاق «والله يحب المحسنين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فأعطى الله أولئك الصابرين جزاءهم في الدنيا بالنصر على أعدائهم، وبالتمكين لهم في الأرض، وبالجزاء الحسن العظيم في الآخرة، وهو جنات النعيم.

والله يحب كلَّ مَن أحسن عبادته لربه ومعاملته لخلقه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - الثمار التى ترتبت على هذا الدعاء الخاشع والإيمان الصادق والعمل الخالص لوجهه - سبحانه - فقال : { فَآتَاهُمُ الله ثَوَابَ الدنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة والله يُحِبُّ المحسنين } .والفاء فى قوله { فَآتَاهُم } لترتيب ما بعدها على ما قبلها .أى أن هؤلاء الذين آمنوا بالله حق الإيمان وجاهدوا فى سبيله حق الجهاد لم يخيب الله - تعالى - سعيهم ولم يقفل بابه عن إجابة دعائهم ، وإنما أعطاهم الله - تعالى - لأنه غير زائل ، وغير مشوب بتنغيص أو قلق .وقوله { والله يُحِبُّ المحسنين } تذييل مقرر لمضمون ما قبله ، فإن محبة الله - تعالى - للعبد مبدأ كل خير وسعادة .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد قررت فى مطلعها حقيقة ثابتة .

وهى أن محمدا صلى الله عليه وسلم بشر من البشر ، وأنه يموت كما يموت سائر البشر وأن رسالته لا تموت من بعده بل على أتباعه أن يسيروا على طريقته وأن يحملوا من بعده عبء تبليغ تعاليم الإسلام الذى جاء به ثم قررت بعد ذلك أن الآجال بيد الله وأن الحذر لا يمنع القدر وأن أحداً لن يموت قبل انتهاء أجله ، ما دام الأمر كذلك فعلى المؤمنين أن يجاهدوا الكفار والمنافقين وأن يغلظوا عليهم .ثم ذكرت الناس بعد ذلك بما كان من أتباع الرسل السابقين من إيمان عميق وجهاد صادق وثبات فى وجه الباطل ودعاء مخلص خاشع .

حتى يتأسى بهم فى أقوالهم وأعمالهم كل ذى عقل سليم .ثم ختمت هذه الآيات ببيان النتائج الطيبة التى منحها الله - تعالى - لعباده المؤمنين الصادقين فى دنياهم وآخرهم حتى يسارع الناس فى كل زمان ومكان إلى الأعمال الصالحة التى تكون سببا فى سعادتهم وعزتهم ثم وجه القرآن ندء إلى المؤمنين ، نهاهم فيه عن طاعة أعداء الله وأعدائهم ، وأمرهم بالتمسك بتعاليم دينهم وبشرهم بسوء عاقبة أعدائهم فقال - تعالى - : { يَا أَيُّهَا الذين آمنوا .

.

.

} .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما شرح طريقة الربيين في الصبر، وطريقتهم في الدعاء ذكر أيضا ما ضمن لهم في مقابلة ذلك في الدنيا والآخرة فقال: ﴿ فآتاهم الله ثَوَابَ الدنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ فآتاهم الله ﴾ يقتضي أنه تعالى أعطاهم الأمرين، أما ثواب الدنيا فهو النصرة والغنيمة وقهر العدو والثناء الجميل، وانشراح الصدر بنور الايمان وزوال ظلمات الشبهات وكفارة المعاصي والسيئات، وأما ثواب الآخرة فلا شك أنه هو الجنة وما فيها من المنافع واللذات وأنواع السرور والتعظيم، وذلك غير حاصل في الحال، فيكون المراد أنه تعالى حكم لهم بحصولها في الآخرة، فأقام حكم الله بذلك مقام نفس الحصول، كما أن الكذب في وعد الله والظلم في عدله محال، أو يحمل قوله: ﴿ فأتاهم ﴾ على أنه سيؤتيهم على قياس قوله: ﴿ أتى أَمْر الله  ﴾ أي سيأتي أمر الله.

قال القاضي: ولا يمتنع أن تكون هذه الآية مختصة بالشهداء، وقد أخبر الله تعالى عن بعضهم أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، فيكون حال هؤلاء الربيين أيضاً كذلك، فإنه تعالى في حال إنزال هذه الآية كان قد آتاهم حسن ثواب الآخرة في جنان السماء.

المسألة الثانية: خص تعالى ثواب الآخرة بالحسن تنبيها على جلالة ثوابهم، وذلك لأن ثواب الآخرة كله في غاية الحسن، فما خصه الله بأنه حسن من هذا الجنس فانظر كيف يكون حسنه، ولم يصف ثواب الدنيا بذلك لقلتها وامتزاجها بالمضار وكونها، منقطعة زائلة، قال القفال رحمه الله: يحتمل أن يكون الحسن هو الحسن كقوله: ﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا  ﴾ أي حسنا، والغرض منه المبالغة كأن تلك الأشياء الحسنة لكونها عظيمة في الحسن صارت نفس الحسن، كما يقال: فلان جود وكرم، إذا كان في غاية الجود والكرم، والله أعلم.

المسألة الثالثة: قال فيما تقدم: ﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا  ﴾ فذكر لفظة من الدالة على التبعيض فقال في الآية: ﴿ فآتاهم الله ثَوَابَ الدنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة ﴾ ولم يذكر كلمة من والفرق: أن الذين يريدون ثواب الآخرة انما اشتغلوا بالعبودية لطلب الثواب، فكانت مرتبتهم في العبودية نازلة، وأما المذكورون في هذه الآية فإنهم لم يذكروا في أنفسهم الا الذنب والقصور، وهو المراد من قوله: ﴿ اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا  ﴾ ولم يروا التدبير والنصرة والإعانة إلا من ربهم، وهو المراد بقوله: ﴿ وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وانصرنا عَلَى القوم الكافرين  ﴾ فكان مقام هؤلاء في العبودية في غاية الكمال، فلا جرم أولئك فازوا ببعض الثواب، وهؤلاء فازوا بالكل، وأيضاً أولئك أرادوا الثواب، وهؤلاء ما أرادوا الثواب.

وإنما أرادوا خدمة مولاهم فلا جرم أولئك حرموا وهؤلاء أعطوا، ليعلم أن كل من أقبل على خدمة الله أقبل على خدمته كل ما سوى الله.

ثم قال: ﴿ والله يُحِبُّ المحسنين ﴾ وفيه دقيقة لطيفة وهي أن هؤلاء اعترفوا بكونهم مسيئين حيث قالوا: ﴿ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ﴾ فلما اعترفوا بذلك سماهم الله محسنين، كأن الله تعالى يقول لهم: إذا اعترفت باساءتك وعجزك فأنا أصفك بالإحسان وأجعلك حبيبا لنفسي، حتى تعلم أنه لا سبيل للعبد الى الوصول الى حضرة الله الا باظهار الذلة والمسكنة والعجز.

وأيضاً: انهم لما أرادوا الإقدام على الجهاد طلبوا تثبيت أقدامهم في دينه ونصرتهم على العدو من الله تعالى، فعند ذلك سماهم بالمحسنين، وهذا يدل على أن العبد لا يمكنه الإتيان بالفعل الحسن، إلا إذا أعطاه الله ذلك الفعل الحسن وأعانه عليه، ثم إنه تعالى قال: ﴿ هَلْ جَزَاء الإحسان إِلاَّ الإحسان  ﴾ وقال: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ  ﴾ وكل ذلك يدل على أنه سبحانه هو الذي يعطي الفعل الحسن للعبد، ثم أنه يثيبه عليه ليعلم العبد أن الكل من الله وبإعانة الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ قاتل ﴾ .

و ﴿ قتل ﴾ و ﴿ قتّل ﴾ ، بالتشديد، والفاعل ربيون، أو ضمير النبي.

و ﴿ مَعَهُ رِبّيُّونَ ﴾ حال عنه بمعنى: قتل كائناً معه ربيون.

والقراءة بالتشديد تنصر الوجه الأوّل.

وعن سعيد بن جبيبر رحمه الله: ما سمعنا بنبيّ قتل في القتال.

والربيون الربانيون.

وقرئ بالحركات الثلاث، فالفتح على القياس، والضم والكسر من تغييرات النسب.

وقرئ: ﴿ فما وهنوا ﴾ بكسر الهاء.

والمعنى: فما وهنوا عند قتل النبي ﴿ وَمَا ضَعُفُواْ ﴾ عن الجهاد بعده ﴿ وَمَا استكانوا ﴾ للعدوّ.

وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار عند الإرجاف بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين واستكانتهم لهم.

حين أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبد الله بن أبيّ في طلب الأمان من أبي سفيان ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ ﴾ هذا القول وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين، هضما لها واستقصاراً.

والدعاء بالاستغفار منها مقدّما على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على العدوّ، ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة وخضوع، وأقرب إلى الاستجابة ﴿ فأاتاهم الله ثَوَابَ الدنيا ﴾ من النصرة والغنيمة والعز وطيب الذكر.

وخص ثواب الآخرة بالحسن دلالة على فضله وتقدّمه، وأنه هو المعتدّ به عنده ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الأخرة ﴾ [الأنفال: 67] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما كانَ قَوْلَهم إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ أيْ وما كانَ قَوْلُهم مَعَ ثَباتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ في الدِّينِ وكَوْنِهِمْ رَبّانِيِّينَ إلّا هَذا القَوْلَ، وهو إضافَةُ الذُّنُوبِ والإسْرافِ إلى أنْفُسِهِمْ هَضْمًا لَها وإضافَةً لِما أصابَهم إلى سُوءِ أعْمالِهِمْ والِاسْتِغْفارِ عَنْها، ثُمَّ طَلَبَ التَّثْبِيتَ في مُواطِنِ الحَرْبِ والنَّصْرِ عَلى العَدُوِّ لِيَكُونَ عَنْ خُضُوعٍ وطَهارَةٍ، فَيَكُونُ أقْرَبَ إلى الإجابَةِ، وإنَّما جَعَلَ قَوْلَهم خَبَرًا لِأنَّ "أنْ قالُوا" أعْرَفُ لِدَلالَتِهِ عَلى جِهَةِ النِّسْبَةِ وزَمانِ الحَدَثِ.

﴿ فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ فَآتاهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ الِاسْتِغْفارِ واللَّجَأِ إلى اللَّهِ النَّصْرَ والغَنِيمَةَ والعِزَّ وحُسْنَ الذِّكْرِ في الدُّنْيا، والجَنَّةَ والنَّعِيمَ في الآخِرَةِ، وخَصَّ ثَوابَها بِالحُسْنِ إشْعارًا بِفَضْلِهِ وأنَّهُ المُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)

{فآتاهم الله ثَوَابَ الدنيا} أي النصرة والظفر والغنيمة {وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة} المغفرة والجنة وخص بالحسن دلالة على فضله وتقدمه وأنه هو المعتد به عنده {والله يُحِبُّ المحسنين} أي هم محسنون والله يحبهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَآتاهُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ كَما تُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ ﴿ ثَوابَ الدُّنْيا ﴾ أيِ النَّصْرَ والغَنِيمَةَ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ قَتادَةُ: الفَتْحُ والظُّهُورُ والتَّمَكُّنُ والنَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ، قِيلَ: وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ ثَوابًا لِأنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى طاعَتِهِمْ، وفِيهِ إجْلالٌ لَهم وتَعْظِيمٌ، وقِيلَ: تَسْمِيَةُ ذَلِكَ ثَوابًا مَجازٌ لِأنَّهُ يُحاكِيهِ.

واسْتَشْكَلَ تَفْسِيرُ ابْنِ جُرَيْجٍ بِأنَّ الغَنائِمَ لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلَ الإسْلامِ بَلْ كانَتِ الأنْبِياءُ إذا غَنِمُوا مالًا جاءَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَأخَذَتْهُ فَكَيْفَ تَكُونُ الغَنِيمَةُ ثَوابًا دُنْيَوِيًّا ولَمْ يَصِلْ لِلْغانِمِينَ مِنها شَيْءٌ ؟!

وأُجِيبَ بِأنَّ المالَ الَّذِي تَأْخُذُهُ النّارُ غَيْرُ الحَيَوانِ، وأمّا الحَيَوانُ فَكانَ يَبْقى لِلْغانِمِينَ دُونَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكانَ ذَلِكَ هو الثَّوابَ الدُّنْيَوِيَّ.

﴿ وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ ﴾ أيْ وثَوابَ الآخِرَةِ الحَسَنَ، وهو عِنْدَ ابْنِ جُرَيْجٍ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتُهُ، وعِنْدَ قَتادَةَ هي الجَنَّةُ، وتَخْصِيصُ الحَسَنِ بِهَذا الثَّوابِ لِلْإيذانِ بِفَضْلِهِ ومَزِيَّتِهِ وأنَّهُ المُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَهُ تَعالى، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ ثَوابِ الدُّنْيا عَلَيْهِ مُراعاةً لِلتَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ، أوْ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِما قَبْلَهُ مِنَ الدُّعاءِ بِالنَّصْرِ عَلى الكافِرِينَ.

﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ (148) تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، فَإنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْعَبْدِ مَبْدَأُ كُلِّ خَيْرٍ وسَعادَةٍ، واللّامُ إمّا لِلْعَهْدِ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إيذانًا بِأنَّ ما حُكِيَ عَنْهم مِن بابِ الإحْسانِ، وإمّا لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وفِيهِ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ تَرْغِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في تَحْصِيلِ ما حُكِيَ مِنَ المَناقِبِ الجَلِيلَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا أي أعطاهم الله ثواب الدنيا بالغنيمة والنصرة وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ أي الجنة وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ المؤمنين المجاهدين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في سَبيلِ اللَّهِ ألا ترى إلى حال الصَّحابة (رضي اللَّه عنهم) ، وقلَّتِهِمْ في صَدْرِ الإسلامِ، وكيف فتح اللَّه بهم البلاد، ودان لدِينِهِمُ العباد، لما بَذَلُوا للَّه أنفسَهُمْ في الجهاد، وحالِنا اليَوْمَ، كما ترى عددُ أهْل الإسلام كثيرٌ، ونكايتهم في الكُفَّار نَزْرٌ يسيرٌ، وقد روى أبو دَاوُدَ في «سننه» عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تتداعى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: ومِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟

قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ كَثِيرٌ، ولَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ المَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الوَهَنُ؟

قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ» «١» .

اهـ، فانظر (رحمك اللَّه) ، فهل هذا الزمانُ إلا زماننا بعَيْنه، وتأمَّل حال ملوكنا، إنما هِمَّتهم جمْعُ المالِ مِنْ حرامٍ وحلالٍ، وإعراضُهم عَنْ أمْر الجهاد، فإنا للَّه وإنا إليه راجعُونَ على مصاب الإسلام.

وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)

وقوله تعالى: وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ...

الآية: هذه الآيةُ في ذكْر الرِّبِّيِّين، أي: هذا كان قولَهُم، لا ما قاله بعضُكم، يا أصْحَاب محمَّد: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنا هاهُنا [آل عمران: ١٥٤] ، إلى غير ذلك ممَّا اقتضته تلْكَ الحَالُ مِن الأقوال، قُلْتُ: وهذه المقالَةُ ترجِّح القولَ الثانِيَ في تفْسير الرِّبِّيِّينَ إذ هذه المقالةُ إنما تَصْدُرُ من علماء عارفينَ باللَّه.

قال ع «٢» : واستغفار هؤلاءِ القَوْمِ الممْدُوحِينَ فِي هذا المَوْطِنِ يَنْحُو إلى أنهم رَأَوْا أَنَّ ما نزل مِنْ مصائبِ الدُّنْيا إنما هو بِذُنُوبٍ من البَشَرِ كما نزلَتْ قصَّة أُحُدٍ بعصيان من عصى، وقولهم: ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا: عبارتان عن معنًى قريبٍ بعضُهُ من بعضٍ جاء للتأكيد، ولتعمَّ مناحي الذنوبِ وكذلكَ فسَّره ابنُ عبَّاس وغيره «٣» ، وقال الضَّحَّاك: الذنوبُ عامُّ، والإسرافُ في الأمر، أريدَ به الكبائرُ خاصَّة، فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ النَّصْرُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: الغَنِيمَةُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ: النَّصْرُ والغَنِيمَةُ.

وَفِي حُسْنِ ثَوابِ الآخِرَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما أنَّهُ الجَنَّةُ.

والثّانِي: الأجْرُ والمَغْفِرَةُ، وهَذا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ ما يَفْعَلُونَ ويَقُولُونَ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كانَ قَوْلَهم إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُنْيا وحُسْنَ ثَوابَ الآخِرَةِ واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ في ذِكْرِ الرِبِّيِّينَ، أيْ هَذا كانَ قَوْلَهُمْ، لا ما قالَهُ بَعْضُكم يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ، مِن قَوْلِ مَن قالَ: نَأْخُذُ أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ، ومِن قَوْلِ مَن قالَ: نَرْجِعُ إلى دِينِنا الأوَّلِ، ومِن قَوْلِ مَن فَرَّ، فَلا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ مُناسِبٌ لِفِعْلِهِ ولَوْ بَعْضَ المُناسَبَةِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اقْتَضَتْهُ تِلْكَ الحالُ مِنَ الأقْوالِ.

وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورُ الناسِ: "قَوْلَهُمْ" بِالنَصْبِ، ويَكُونُ الِاسْمُ فِيما بَعْدَ "إلّا"، وقَرَأ جَماعَةٌ مِنَ القُرّاءِ "قَوْلُهُمْ" بِالرَفْعِ، وجَعَلُوا الخَبَرَ فِيما بَعْدَ "إلّا"، ورَوى ذَلِكَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.

واسْتِغْفارُ هَؤُلاءِ القَوْمِ المَمْدُوحِينَ في هَذا المَوْطِنِ يَنْحُو إلى أنَّهم رَأوا ما نَزَلَ مِن مَصائِبِ الدُنْيا إنَّما هو بِذُنُوبٍ مِنَ البَشَرِ، كَما نَزَلَتْ قِصَّةُ أُحُدٍ بِعِصْيانِ مَن عَصا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا ﴾ عِبارَتانِ عن مَعْنىً قَرِيبٍ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، جاءَ ذَلِكَ لِلتَّأْكِيدِ ولِتُعْلَمَ مَناحِي الذُنُوبِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ.

وقالَ الضَحّاكُ: الذُنُوبُ عامٌّ، والإسْرافُ في الأمْرِ أُرِيدَ بِهِ الكَبائِرُ خاصَّةً.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَثَبِّتْ أقْدامَنا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَجْرِيَ مَعَ ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الِاسْتِغْفارِ، فَيَكُونَ المَعْنى: اجْعَلْنا دائِبِينَ عَلى طاعَتِكَ والإيمانِ بِكَ، وتَثْبِيتُ القَدَمِ عَلى هَذا اسْتِعارَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَعْنى ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ فَيُرادَ ثُبُوتُ القَدَمِ حَقِيقَةً في مَواقِفِ الحَرْبِ؛ قالَ ابْنُ فُورَكٍ: في هَذا الدُعاءِ رَدٌّ عَلى القَدَرِيَّةِ، لِقَوْلِهِمْ: إنَّ اللهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العَبْدِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَمْ يَسُغْ أنْ يُدَّعى فِيما لا يَفْعَلُهُ.

وَ"ثَوابَ الدُنْيا" في هَذِهِ الآيَةِ: الظُهُورُ عَلى عَدُوِّهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الظَفَرُ والغَنِيمَةُ، وفَسَّرَ بِهَذا جَماعَةٌ مِنَ المُؤَلِّفِينَ في التَفْسِيرِ، قالَ النَقّاشُ: لَيْسَ إلّا الظَفَرَ والغَلَبَةَ فَقَطْ، لِأنَّ الغَنِيمَةَ لَمْ تُحَلَّ إلّا لِهَذِهِ الأُمَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا اعْتِراضٌ صَحِيحٌ.

﴿ وَحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ ﴾ الجَنَّةُ بِلا خِلافٍ، وعَبَّرَ بِلَفْظَةِ "حُسْنَ" زِيادَةً في التَرْغِيبِ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ ومن ينقلب على عقبيه ﴾ [آل عمران: 144] الآية وما بينهما اعتراض، وهو عطف العبرة على الموعظة فإنّ قوله: ﴿ ومن ينقلب عقبيه ﴾ موعظة لمن يَهِمّ بالانقلاب، وقولَه: ﴿ وكأين من نبي قاتل ﴾ عبرة بما سلف من صبر أتباع الرسل والأنبياء عند إصابة أنبيائهم أو قتلهم، في حرب أو غيره، لمماثلة الحالين.

فالكلام تعريض بتشبيه حال أصحاب أحُد بحال أصحاب الأنبياء السالفين لأنّ مَحَلّ المثل ليس هو خصوص الانهزام في الحرب بل ذلك هو الممثل.

وأمَّا التَّشبيه فهو بصير الأتباع عند حلول المصائب أو موت المتبوع.

«وكأيّن» كلمة بمعنى التكثير، قيل: هي بسيطة موضوعة للتكثير، وقيل: هي مركّبة من كاف التَّشبيه وأي الاستفهامية وهو قول الخليل وسيبويه، وليست (أيّ) هذه استفهاماً حقيقيّاً، ولكنّ المراد منها تذكير المستفهم بالتكثير، فاستفهامها مجازي، ونونها في الأصل تنوين، فلمّا ركّبت وصارت كلمة واحدة جعل تنوينها نوناً وبُنيت.

والأظهر أنَّها بسيطة وفيها لغات أرْبع، أشهرها في النثر كأيِّن بوزن كعَيِّن (هكذا جرت عادة اللغويين والنحاة إذا وزنوا الكلمات المهموزة أن يعوّضوا عن حرف الهمزة بحرف العين لئلا تلتبس الهمزة بالألف أو الياء الَّتي تكتب في صورة إحداهما)، وأشهرها في الشِعْر كائن بوزن اسم فاعل كان، وليست باسم فاعل خلافاً للمبرّد، بل هي مخفّف كأيِّن.

ولهم في كيفية تخفيفها توجيهات أصلها قول الخليل لمّا كثر استعمالها تصرّف فيها العرب بالقلب والحذف في بعض الأحوال.

قلت: وتفصيله يطول.

وأنا أرى أنَّهم لمّا راموا التَّخفيف جعلوا الهمزة ألفاً، ثمّ التقى ساكنان على غير حدّه، فحذفوا الياء الساكنة فبقيت الياء المكسورة فشابهت اسم فاعل (كان) فجعلوها همزة كالياء الَّتي تقع بعد ألف زائدة، وأكثر ما وقع في كلام العرب هو كاين لأنَّها أخف في النظم وأسعد بأكثر الموازين في أوائل الأبيات وأواسطها بخلاف كائن، قال الزجاج: اللغتان الجيّدتان كايِّن وكائن.

وحكى الشَّيخ ابن عرفة في تفسيره عن شيخه ابن الحباب قال: أخبرنا شيخنا أحمد بن يوسف السلمي الكناني، قال: قلت لشيخنا ابن عصفور: لِم أكثرت في شرحك للإيضاح من الشواهد على كائن؟

فقال: لأنِّي دخلت على السلطان الأمير المستنصر (يعني محمد المستنصر ابن أبي زكرياء الحفصي والظاهر أنَّه حينئذ ولّي العهد) فوجدت ابن هشام (يعني محمد بن يحيى بن هشام الخضراوي نزيل تونس ودفينها المتوفّى سنة 646) فأخبرني أنَّه سأله عمَّا يحفظ من الشواهد على قراءة كايِّن فلم يستحضر غير بيت الإيضاح: وكائن بالأباطح من صديق *** يراني لو أُصِبت هو المصابا قال ابن عصفور: فلمَّا سألني أنا قلت: أحفظ فيها خمسين بيتاً فلمَّا أنشدته نحو عشرة قال: حسبك، وأعطاني خمسين ديناراً، فخرجت فوجدت ابن هشام جالساً بالباب فأعطيته نصفها.

وقرأ الجمهور ﴿ وكأيِّن ﴾ بهمزة مفتوحة بعد الكاف وياء تحتية مشدّدة بعد الهمزة، على وزن كلمة ﴿ كصَيِّب ﴾ وقرأه ابن كثير ﴿ كَائن ﴾ بألف بعد الكاف وهمزة مكسورة بعد الألف بوزن كَاهِن.

والتكثير المستفاد من ﴿ كأيّن ﴾ واقع على تمييزها وهو لفظ (نبيء) فيحتمل أن يكون تكثيراً بمعنى مطلق العدد، فلا يتجاوز جمع القلّة، ويحتمل أن يكون تكثيراً في معنى جمع الكثرة، فمنهم من علمناه ومنهم من لم نعلمه، كما قال تعالى: ﴿ ومنهم من لم نقصص عليك ﴾ ، ويحضرني أسماء ستة مِمَّن قتل من الأنبياء: أرمياء قتلته بنو إسرائيل، وحزقيال قتلوه أيضاً لأنَّه وبّخهم على سوء أعمالهم، وأشعياء قتله منسا بن حزقيال ملك إسرائيل لأنَّه وبّخه ووعظه على سوء فعله فنشره بمنشار، وزكرياء، ويحيى، قتلتهما بنو إسرائيل لإيمانهما بالمسيح، وقتل أهلُ الرسّ من العرب نبيئهم حنظلة بن صفوان في مدّة عدنان، والحواريّون اعتقدوا أنّ المسيح قُتل ولم يهنوا في إقامة دينه بعده، وليس مراداً هنا وإنَّما العبرة بثبات أتباعه على دينه مع مفارقته لهم إذ العبرة في خلوّ الرسول وبقاء أتباعه، سواء كان بقتل أو غيره.

وليس في هؤلاء رسول إلاّ حنظلة بن صفوان، وليس فيهم أيضاً من قُتِل في جِهادٍ، قال سعيد بن جبير: ما سمعنا بنبيء قتل في القتال.

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وأبو بكر عن عاصم: (قُتل) بصيغة المبنى للمجهول، وقرأه ابن عامر، وحمزة، وعاصم، والكسائي، وخلف، وأبو جعفر: (قَاتَلَ) بصيغة المفاعلة فعلى قراءة (قُتل) بالبناء للمجهول فمرفوع الفعل هو ضمير نبيء، وعلى كلتا القراءتين يجوز أن يكون مرفوع الفعلين ضميرَ نبيء فيكون قوله: ﴿ معه ربيون ﴾ جملة حاليَّة من (نبيء) ويجوز أن يكون مرفوع الفعلين لفظ (ربّيّون) فيكون قوله (معه) حالاً من (ربّيّون) مقدّماً.

وجاءت هذه الآية على هذا النظم البديع الصالح لحمل الكلام على تثبيت المسلمين في حال الهزيمة وفي حال الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الوجهين في موقع جملة ﴿ ومعه ربّيّون ﴾ يختلف حُسن الوقف على كلمة (قتل) أو على كلمة (كثير).

و (الرّبيُّون) جمع ربيّ وهو المتّبع لشريعة الرّب مثل الربّاني، والمراد بهم هنا أتباع الرسل وتلامذة الأنبياء.

ويجوز في رَائه الفتح، على القياس، والكسر، على أنَّه من تغييرات النسب وهو الذي قرئ به في المتواتر.

ومحلّ العبرة هو ثبات الربّانيّين على الدّين مع موت أنبيائهم ودعاتهم.

وقوله: ﴿ كثير ﴾ صفة ﴿ ربّيّون ﴾ وجيء به على صيغة الإفراد، مع أنّ الموصوف جمع، لأنّ لفظ كثير وقليل يعامل موصوفهما معاملة لفظ شيءٍ أو عدد، قال تعالى: ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾ [النساء: 1] وقال: ﴿ ود كثير من أهل الكتاب ﴾ [البقرة: 109] وقال: ﴿ اذكروا إذ أنتم قليل ﴾ [الأنفال: 26] وقال: ﴿ إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً ﴾ [الأنفال: 43].

وقوله: ﴿ فما وهنوا ﴾ أي الربّيّون إذ من المعلوم أنّ الأنبياء لا يهنون فالقدوة المقصودة هنا، هي الاقتداء بأتباع الأنبياء، أي لا ينبغي أن يكون أتباع من مضى من الأنبياء، أجدر بالعزم من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم وجمع بين الوهن والضّعف، وهما متقاربان تقارباً قريباً من الترادف؛ فالوهن قلَّة القدرة على العمل، وعلى النُّهوض في الأمر، وفعله كوعَد وورِث وكرُم.

والضّعف بضم الضّاد وفتحها ضدّ القوّة في البدن، وهما هنا مجازان، فالأوّل أقرب إلى خور العزيمة، ودبيب اليأس في النُّفوس والفكر، والثَّاني أقرب إلى الاستسلام والفشل في المقاومة.

وأمّا الاستكانة فهي الخضوع والمذلّة للعدوّ.

ومن اللطائف ترتيبها في الذّكر على حسب ترتيبها في الحصول: فإنَّه إذا خارت العزيمة فَشِلت الأعضاء، وجاء الاستسلام، فتبعته المذلّة والخضوع للعدوّ.

واعلموا أنَّه إذا كان هذا شأن أتباع الأنبياء، وكانت النُّبوءة هدياً وتعليماً، فلا بدع أن يكون هذا شأن أهل العلم، وأتباع الحقّ، أن لا يوهنهم، ولا يضعفهم، ولا يخضعهم، مقاومة مقاوم، ولا أذى حاسد، أو جاهل، وفي الحديث الصّحيح، في «البخاري»: أن خَبَّاباً قال للنَّبيء صلى الله عليه وسلم " لقد لقينا من المشركين شدّة ألاَ تدعُو الله " فقعد وهو محمّر وجهه فقال: " لقد كان مَن قبلكم لَيُمشَط بِمِشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضَع المنشار على مَفْرِق رأسه فيُشَقّ باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه " الحديث.

وقوله تعالى: ﴿ وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ﴾ الآية عطف على ﴿ فما وهنوا ﴾ لأنَّه لمّا وصفهم برباطة الجأش، وثبات القلب، وصفهم بعد ذلك بما يدلّ على الثبات من أقوال اللِّسان الَّتي تجري عليه عند الاضطراب والجزع، أي أنّ ما أصابهم لم يخالجهم بسببه تردّد في صدق وعد الله، ولا بَدَر منهم تذمّر، بل علموا أنّ ذلك لحكمة يعلمها سبحانه، أو لعلَّه كان جزاء على تقصير منهم في القيام بواجب نصر دينه، أو في الوفاء بأمانة التكليف، فلذلك ابتهلوا إليه عند نزول المصيبة بقولهم: ﴿ ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ﴾ خشية أن يكون ما أصابهم جزاء على ما فرط منهم، ثُمّ سألوه النصر وأسبابه ثانياً فقالوا: ﴿ وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ فلم يصُدّهم ما لحقهم من الهزيمة عن رجاء النَّصر، وفي «الموطأ»، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " يستجاب لأحدكم ما لم يعجّل يقول: دعوت فلم يُستجب لي " فقصر قولهم في تلك الحالة الَّتي يندر فيها صدور مثل هذا القول، على قولهم: ﴿ ربنا اغفر لنا ﴾ إلى آخره، فصيغة القصر في قوله: ﴿ وما كان قولهم إلا أن قالوا ﴾ قصر إضافي لردّ اعتقاد من قد يتوهمّ أنَّهم قالوا أقوالاً تنبئ عن الجزع، أو الهلع، أو الشكّ في النَّصر، أو الاستسلام للكفار.

وفي هذا القصر تعريض بالَّذين جزِعوا من ضعفاء المسلمين أو المنافقين فقال قائلهم: لو كلّمنا عبد الله بن أبي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان.

وقدّم خبر (كان) على اسمها في قوله: ﴿ وما كان قولهم إلا أن قالوا ﴾ لأنَّه خبر عن مبتدأ محصور، لأنّ المقصود حصر أقوالهم حينئذ في مقالة ﴿ ربنا اغفر لنا ذنوبنا ﴾ فالقصر حقيقي لأنَّه قصر لقولهم الصّادر منهم، حين حصول ما أصابهم في سبيل الله، فذلك القيد ملاحظ من المقام، نظير القصر في قوله تعالى: ﴿ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ﴾ [النور: 51] فهو قصر حقيقي مقيّد بزمان خاص، تقييداً منطوقاً به، وهذا أحسن من توجيه تقديم الخبر في الآية بأنّ المصدر المنسبك المؤوّل أعرف من المصدر الصّريح لدلالة المؤوّل على النسبة وزمان الحدث، بخلاف إضافة المصدر الصّريح، وذلك جائز في باب (كان) في غير صيغ القصر، وأمَّا في الحصر فمتعيّن تقديم المحصور.

والمراد من الذنوب جميعها، وعطف عليه بعض الذنوب وهو المعبّر عنه هنا بالإسراف في الأمر، والإسراف هو الإفراط وتجاوز الحدّ، فلعلّه أريد به الكبائر من الذنوب كما نقل عن ابن عبَّاس وجماعة، وعليه فالمراد بقوله: أمرْنا، أي ديننا وتكليفنا، فيكون عطف خاص للاهتمام بطلب غفرانه، وتمحّض المعطوف عليه حينئذ لبقية الذنوب وهي الصّغائر.

ويجوز عندي أن يكون المراد بالإسْراف في الأمر التقصير في شأنهم ونظامهم فيما يرجع إلى أهبة القتال، والاستعداد له، أو الحذر من العدوّ، وهذا الظاهر من كلمة أمْر، بأن يكونوا شكُّوا أن يكون ما أصابهم من هزيمتهم في الحرب مع عدوّهم ناشئاً عن سببين: باطننٍ وظاهر، فالباطن هو غضب الله عليهم من جهة الذنوب، والظاهرُ هو تقصيرهم في الاستعداد والحذر، وهذا أولى من الوجه الأول.

وقوله: ﴿ فأتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ﴾ إعلام بتعجيل إجابة دعوتهم لِحصول خيري الدنيا والآخرة، فثواب الدّنيا هو الفتح والغنيمة، وثواب الآخرة هو ما كتب لهم حينئذ من حسن عاقبة الآخرة، ولذلك وصفه بقوله: ﴿ وحسن ثواب الآخرة ﴾ لأنَّه خيرٌ وأبقى.

وتقدّم الكلام على الثّواب عند قوله تعالى في سورة [البقرة: 103] ﴿ لمثوبة من عند اللَّه خير ﴾ وجملة والله يحب المحسنين} تذييل أي يحبّ كلّ محسن، وموقع التذييل يدلّ على أنّ المتحدّث عنهم هم من الَّذين أحسنوا، فاللام للجنس المفيد معنى الاستغراق، وهذه من أكبر الأدلّة على أنّ (أل) الجنسية إذا دخلت على جمع أبطلت منه معنى الجمعية، وأنّ الاستغراق المفاد من (أل) إذا كان مدخولها مفرداً وجملة سواء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ لَمّا أُشِيعَ يَوْمَ أُحُدٍ أنَّ النَّبِيَّ  قَدْ قُتِلَ، قالَ أُناسٌ: لَوْ كانَ نَبِيًّا ما قُتِلَ، وقالَ آخَرُونَ: نُقاتِلُ عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ حَتّى نَلْحَقَ بِهِ.

﴿ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ ﴾ يَعْنِي رَجَعْتُمْ كُفّارًا بَعْدَ إيمانِكم.

﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَن أرادَ بِجِهادِهِ ثَوابَ الدُّنْيا أيْ ما يُصِيبُهُ مِنَ الغَنِيمَةِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّانِي: مَن عَمِلَ لِلدُّنْيا لَمْ نَحْرِمْهُ ما قَسَمْنا لَهُ فِيها مِن غَيْرِ حَظٍّ في الآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.

والثّالِثُ: مَن أرادَ ثَوابَ الدُّنْيا بِالنُّهُوضِ لَها بِعَمَلِ النَّوافِلِ مَعَ مُواقَعَةِ الكَبائِرِ جُوزِيَ عَلَيْها في الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ.

وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ قَرَأ بِذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وقَرَأ الباقُونَ ( قاتَلَ )، وفي ( رِبِّيُّونَ ) أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ واحِدُهم رِبِّيٌّ، وهو قَوْلُ بَعْضِ نَحْوِيِّي البَصْرَةِ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الجَماعاتُ الكَثِيرَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وعِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ العُلَماءُ الكَثِيرُونَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ.

والرّابِعُ: أنَّ (الرِّبِّيُّونَ) الأتْباعُ.

والرَّبّانِيُّونَ: الوُلاةُ، والرِّبِّيُّونَ الرَّعِيَّةُ، وهو قَوْلُ أبِي زَيْدٍ، قالَ الحَسَنُ: ما قُتِلَ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا في مَعْرَكَةٍ.

﴿ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا ﴾ الوَهْنُ: الِانْكِسارُ بِالخَوْفِ.

الضَّعْفُ نُقْصانُ القُوَّةِ، الِاسْتِكانَةُ الخُضُوعُ، ومَعْناهُ فَلَمْ يَهِنُوا بِالخَوْفِ، ولا ضَعُفُوا بِنُقْصانِ القُوَّةِ ولا اسْتَكانُوا بِالخُضُوعِ.

وَقالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَما وهَنُوا بِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ ولا ضَعُفُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ ولا اسْتَكانُوا لِما أصابَهم.

﴿ فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ ﴾ في ثَوابِ الدُّنْيا قَوْلانِ: أحَدُهُما: النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ.

والثّانِي: الغَنِيمَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ ﴿ وَحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ ﴾ الجَنَّةُ، في قَوْلِ الجَمِيعِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ وكأين من نبي قاتل معه ربيون ﴾ ويقول ألا ترى أنه يقول ﴿ فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذرعن سعيد بن جبير أنه كان يقول: ما سمعنا قط أن نبياً قتل في القتال.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن الحسن وإبراهيم، أنهما كانا يقرآن ﴿ قاتل معه ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك أنه قرأ ﴿ وكأين من نبي قتل معه ربيون ﴾ بغير ألف.

وأخرج عن عطية.

مثله.

وأخرج من طريق زر عن ابن مسعود مثله.

أنه كان يقرأها بغير ألف.

وأخرج عبد بن حميد عن عطية أنه قرأ ﴿ وكأيِّن من نبي قتل معه ربيون ﴾ بغير ألف.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ربيون ﴾ قال: ألوف.

وأخرج سعيد بن منصور عن الضحاك في قوله: ﴿ ربيون ﴾ قال: الربة الواحدة ألف.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس ﴿ ربيون ﴾ يقول: جموع.

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن في قوله: ﴿ ربيون ﴾ قال: فقهاء علماء قال: وقال ابن عباس: هي الجموع الكثيرة.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ ربيون ﴾ قال: جموع قال: وهل يعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول حسان: وإذا معشر تجافوا القص ** د أملنا عليهم ربيّا وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ربيون كثيرٌ ﴾ قال: علماء كثير.

وأخرج من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ربيون كثير ﴾ قال: ﴿ الربيون ﴾ هم الجموع الكثيرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ ربيون ﴾ قال: علماء كثير.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: ﴿ الربيون ﴾ الأتباع، والربانيون الولاة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكأين من نبي قاتل ﴾ الآية.

قال: هم قوم قتل نبيهم، فلم يضعفوا ولم يستكينوا لقتل نبيهم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ﴾ لقتل أنبيائهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك ﴿ فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ﴾ يعني فما عجزوا عن عدوهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فما وهنوا...

﴾ الآية.

يقول: فما عجزوا وما تضعضعوا لقتل نبيهم ﴿ وما استكانوا ﴾ يقول ما ارتدوا عن بصيرتهم ولا عن دينهم، إن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما استكانوا ﴾ قال: ﴿ ما استكانوا ﴾ قال: تخشعوا.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ وما استكانوا ﴾ يقول: ما ذلوا.

وأخرج عن ابن زيد ﴿ وما استكانوا ﴾ قال: ما استكانوا لعدوهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإسرافنا في أمرنا ﴾ قال: خطايانا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإسرافنا في أمرنا ﴾ قال: خطايانا وظلمنا أنفسنا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ وإسرافنا في أمرنا ﴾ يعني الخطايا الكبار.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فآتاهم الله ثواب الدنيا ﴾ قال: النصر والغنيمة ﴿ وحسن ثواب الآخرة ﴾ قال: رضوان الله ورحمته.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ فآتاهم الله ثواب الدنيا ﴾ الفلاح، والظهور، والتمكن، والنصر على عدوهم في الدنيا ﴿ وحسن ثواب الأخرة ﴾ هي الجنة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴾ يعنى: الأجر والمغفرة، وما يَلْقَوْنَه مِنَ النَّعِيم.

(١) لم أقف على مصدر قوله.

وهو قول: الحسن، وقتادة، والربيع، وابن جريج، وابن إسحاق.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 122، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 783 - 784.

(٢) في (ب): (بالنصر).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ ﴾ الفعل مسند، إلى ضمير النبيّ ومعه ربيون على هذا في موضع الحال، وقيل: إنه مسند إلى الربيين، فيكون ربيون على هذا مفعولاً لما لم يسم فاعله فعلى الأوّل يوقف على قوله: قتل، ويترجح الثاني بأنه لم يقتل قط نبي في محاربة ﴿ رِبِّيُّونَ ﴾ علماء مثل ربانيين، وقيل: جموع كثيرة ﴿ فَمَا وَهَنُواْ ﴾ الضمير لربيون على إسناد القتل للنبي، وهو لم يق منهم على إسناد القتل إليهم ﴿ وَمَا استكانوا ﴾ أي: لم يذلوا للكفار قال بعض النحاة: الاستكان مشتق من السكون، ووزنه افتعلوا مطلت فتحة الكاف فحدث عن مطلها ألف وذلك كالإشباع، وقيل: أنه من كان يكون، فوزنه استفعلوا، وقوله تعالى: ﴿ فَمَا وَهَنُواْ ﴾ وما بعده: تعريض لما صدر من بعض الناس يوم أحد ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ أي في الحرب ﴿ ثَوَابَ الدنيا ﴾ النصر ﴿ ثَوَابِ الآخرة ﴾ الجنة ﴿ إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ ﴾ هم المنافقون الذين قالوا في قضية أحد ما قالوا، وقيل: مشركو قريش وقيل: اليهود.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ رايتموه ﴾ بغير همزة يعني بالتليين ونحوه ﴿ رأوك  ﴾ و ﴿ رأوه  ﴾ روى هبة الله بن جعفر الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

﴿ يرد ثواب ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمروا وشان بن عامر وسهل وحمزة وعلي وخلف ﴿ نؤته ﴾ مثل ﴿ يؤده  ﴾ ﴿ وكائن ﴾ بالمد والهمز مثل "كاعن" حيث كان: ابن كثير.

وقرأ يزيد ﴿ وكاين ﴾ بالمد بغير همزة.

وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي بغير نون في الوقف ﴿ وكأي ﴾ الباقون: ﴿ وكأين ﴾ في الحالين ﴿ قتل ﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ونافع وقتيبة والمفضل.

الباقون.

﴿ قاتل ﴾ .

الوقوف: ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ تلقوه ﴾ ص لطول الكلام ﴿ رسول ﴾ ج لأن ما بعده يصلح صفة واستئنافاً ﴿ الرسل ﴾ ط ﴿ أعقابكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ مؤجلاً ﴾ ج لابتداء الشرط ﴿ منها ﴾ ج للعطف ﴿ منها ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ قتل ﴾ ط ليكون قتل النبي  إلزاماً للحجة على من اعتذر في الانهزام بما سمع من نداء إبليس ألا إن محمداً قد قتل.

والتقدير ومعه ريبون كثير.

ولو وصل كان الريبون مقتولين.

ومن قرأ ﴿ قاتل ﴾ فله أن لا يقف ﴿ كثير ﴾ ج لابتداء النفي مع فاء التعقيب ﴿ وما استكانوا ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ مولاكم ﴾ ج ﴿ الناصرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر فوائد مداولة الأيام وحكمها، أتبعها ما هو السبب الأصلي في ذلك فقال: ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ﴾ بدون تحمل المشاق.

و"أم" منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار و"لما" بمعنى "لم" مع زيادة التوقع.

وليس المراد نفي العلم بالمجاهدين ولكن المراد نفي المعلوم.

وإنما حسن إقامة ذلك مقام هذا لأن العلم متعلق بالمعلوم كما هو عليه، فلما حصلت بينهما هذه المطابقة حسن إقامة أحدها مقام الآخر.

تقول: ما علم الله في فلان خيراً أي ما فيه خير حتى يعلمه.

فحاصل الكلام لا تحسبوا أن / تدخلوا الجنة ولم تجاهدوا بعد.

وإنما أنكر هذا الحسبان لأنه  أوجب الجهاد قبل هذه الواقعة, وأوجب الصبر على تحمل متاعبها، وبين وجوه المصالح المنوطة بها في الدين والدنيا.

وإذا كان كذلك فمن البعيد أن يصل الإنسان إلى السعادة والجنة مع إهمال مثل هذه الطاعة.

والواو في قوله: ﴿ ويعلم الصابرين ﴾ واو الجمع في قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن.

كأنه قيل: إن دخول الجنة وترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان فليس كل من أقر بدين الله كان صادقاً، ولكن الفيصل فيه تسليط المكروهات ومخالفات النفس فإن الحب هو الذي لا ينقص بالجفاء ولا يزداد بالوفاء.

وقيل: التقدير أظننتم أن تدخلوا الجنة قبل أن يعلم الله المجاهدين وأن يعلم الصابرين؟

ووجه آخر وهو أن يكون مجزوماً أيضاً لكن الميم لما حركت للساكنين حركت بالفتحة إتباعاً للفتحة قبلها.

وهذا كما قرىء ﴿ ولما يعلم الله ﴾ بفتح الميم إلا أن يراد ولما يعلمن بالنون الخفيفة ثم حذفت.

وقرأ الحسن ﴿ ويعلم ﴾ بالجزم على العطف.

وروي عن أبي عمرو ﴿ ويعلم ﴾ بالرفع على الحال كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون ﴿ ولقد كنتم تمنون الموت ﴾ الخطاب فيه للذين ألحوا على رسول الله  في الخروج إلى المشركين وكان رأيه في الإقامة بالمدينة.

ويراد بالموت سببه وهو الجهاد والقتل.

قال المحققون: إنه لم يكن تمنيهم للموت تمنياً لأن يقتلوا لأن قتل المشركين لهم كفر.

ولا يجوز للمؤمن أن يتمنى الكفر أو يريده أو يرضى به، بل إنما تمنوا الفوز بدرجات الشهداء والوصول إلى كراماتهم.

وشبهوا ذلك بمن شرب دواء الطبيب النصراني فإن غرضه حصول الشفاء.

ولا يخطر بباله جر منفعة وإحسان إلى عدو الله وتنفيق صناعته، قالت الأشاعرة ههنا: من أراد شيئاً أراد ما هو من لوازمه، وثواب الشهداء لا يحصل إلا بالشهادة، ولا ريب أنه  أراد إيصال ثواب الشهداء إلى المؤمنين، ولهذا ورد من الترغيبات ما ورد فأراد صيرورتهم شهداء، ولن يصيروا شهداء إلا إذا قتلهم الكفار فلا بد أن يريد أن يقتلهم الكفار وذلك القتل كفر ومعصية، فثبت أنه  مريد للكفر والإيمان والطاعة والعصيان.

﴿ من قبل أن تلقوه ﴾ من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته وصعوبة مقاساته.

﴿ فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ﴾ قال الزجاج: أي وأنتم بصراء كقولهم: رأيته بعيني أي رأيتموه معاينين حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وشارفتم أن تقتلوا.

ويحتمل أن يراد رأيتم إقدام القوة وشدة حرصهم على قتلكم وعلى قتل الرسول، ثم بقيتم أنتم تنظرون إليهم من غير جد في دفعهم ولا اجتهاد في مقاتلتهم، وفيه توبيخ لهم على تمنيهم الجهاد وعلى إلحاحهم في الخروج إليه، ثم انهزامهم وقلة ثباتهم عنده.

قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: "لما نزل النبي  بالشعب أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل ولا ينتقلوا سواء كان الأمر لهم أو عليهم.

فلما وقفوا وحملوا على الكفار هزموهم وقتل علي عليه / السلام طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم، والزبير والمقداد شدا على المشركين، ثم حمل الرسول  مع أصحابه فهزموا أبا سفيان.

ثم إن بعض القوم لما رأوا انهزام الكفار بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة، وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار، فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم وفرق جمعهم، وكثر القتل في المسلمين، ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله  بحجر وكسر رباعيته وشج وجهه وأقبل يريد قتله، فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد حتى قتله ابن قميئة.

واحتمل طلحة بن عبيد الله رسول الله ودافع عنه أبو بكر وعلي  .

وظن ابن قميئة أنه قتل رسول الله  فقال: قد قتلت محمداً، وصرخ صارخاً ألا إن محمداً قد قتل.

قيل: وكان الصارخ الشيطان ففشا في الناس خبر قتله  فانكفؤا، وجعل رسول الله  يدعو: إليّ عباد الله، حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هربهم فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا خبر قتلك فرعبت قلوبنا فنزلت" ﴿ وما محمد إلا رسول ﴾ أي مرسل.

قال أبو علي: وقد يكون الرسول في غير هذا الموضع بمعنى الرسالة أي حاله مقصور على الرسالة لا يتخطاها إلى البقاء والدوام ﴿ قد خلت من قبله الرسل ﴾ فسيخلو كما خلوا.

وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم فكونوا أنتم كذلك لأن الغرض من إرسال الرسل التبليغ وإلزام الحجة لا وجودهم بين أممهم أبداً ﴿ أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ الفاء لتسبيب الجملة الشرطية عن الجملة التي قبلها، والهمزة لإنكار الجزاء لأنه في الحقيقة كأنه دخل عليه.

والمعنى: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات محمداً أو قتل؟

وسبب الإنكار ما تقدم من الدليلين: أحدهما أن الحاجة الى الرسول هي التبليغ وبعد ذلك لا حاجة إليه، فلا يلزم من قتله أو موته الإدبار عما كان هو عليه من الدين وما يلزم كالجهاد.

وثانيهما القياس على موت سائر الأنبياء وقتلهم، فإن موسى  مات ولم ترجع أمته عن ذلك الدين.

والنصارى زعموا أن عيسى  قتل وهم لم يرجعوا عن دينه وإنما ذكر القتل.

وقد علم أنه لا يقتل لكونه مجوّزاً عند المخاطبين.

وقوله: ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ لو سلم أنه متقدم في النزول فإنه مما كان يختص بمعرفته العلماء منهم على أنه ليس نصاً في العصمة عن القتل، بل يحتمل العصمة من فتنة الناس وإضلالهم.

وقوله: ﴿ إنك ميت  ﴾ يراد به المفارقة إلى الآخرة بأي طريق كان بدليل ﴿ وإنهم ميتون  ﴾ وكثير منهم قد قتلوا.

ويمكن أن يقال: صدق القضية الشرطية لا يتوقف على صدق جزأيها لصدق قولنا إن كانت الخمسة زوجاً فهي تنقسم بمتساويين مع كذب جزأيها.

ومعنى "أو" هو الترديد والتشكيك أي سواء فرض / وقوع الموت أو القتل فلا تأثير له في ضعف الدين ووجوب الإدبار أو الارتداد ﴿ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً ﴾ بل لا يضر إلا نفسه، وهذا كما يقول الوالد لولده عند العتاب إن هذا الذي تأتي به من الأفعال لا يضر السماء والأرض.

يريد أنه يعود ضرره عليه.

وما ارتد أحد من المسلمين ذلك اليوم إلا ما كان من قول المنافقين.

ويجوز أن يكون على وجه التغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والإنكشاف عن رسول الله  .

روي أنه لما صرخ الصارخ قال بعض المسلمين: ليت عبد الله بن أبيّ يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان.

وقال ناس من المنافقين: لو كان نبياً لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم.

فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: يا قوم إن كان قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت.

وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله؟

فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه.

ثم قال: اللهم إني اعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل.

وعن بعض المهاجرين أنه مر بأنصاري يتشحط في دمه فقال: يا فلان، اشعرت أن محمداً قد قتل؟

فقال: إن كان قتل فقد بلغ قاتلوا على دينكم.

ففي أمثالهم قال تعالى: ﴿ وسيجزي الله الشاكرين ﴾ لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا من الصبر والثبات.

ثم قال: ﴿ وما كان لنفس أن تموت ﴾ ووجه النظم أن المنافقين أرجفوا أن محمداً قتل فارجعوا إلى ما كنتم عليه من الأديان، فأبطل قولهم بأن القتل مثل الموت في أنه لا يحصل إلا في الوقت المقدر.

وكما أنه لو مات في بلده لم يدل ذلك على فساد دينه فكذا لو قتل.

وفيه تحريض المؤمنين على الجهاد بإعلامهم أن الحذر لا يغنى عن القدر، وأن أحداً لا يموت قبل الأجل وإن خوّض المهالك واقتحم المعارك.

أو الغرض بيان حفظة وكلاءته لنبيه فإنه ما بقي في تلك الواقعة سبب من أسباب الهلاك والشر إلا وقد حصل إلا أنه  لما كان حافظاً لنبيه ولم يقدّر في ذلك الوقت أجله لم يضره ذلك.

وفيه تقريع لأصحابه أنهم قد قصروا في الذب عنه  ، وجواب عما قاله المنافقون للصحابة لما رجعوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

قال الأخفش والزجاج: تقدير الكلام وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله.

وقال ابن عباس: الإذن هو قضاء الله وقدره فإنه لا يحدث شيء إلا بمشيئة الله وأرادته، فأورد الكلام على سبيل التمثيل كأنه فعل لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الله فيه، وذلك أن إسناد الموت إلى النفس نسبة الفعل إلى القابل لا إلى الفاعل، فأقيم القابل مقام الفاعل.

وقال أبو مسلم: الإذن هو الأمر.

والمعنى أن الله  يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا يموت أحد إلا بهذا الأمر.

وقيل: المراد التكوين والتخليق لأنه لا يقدر على خلق الموت والحياة أحد إلا الله.

وقيل: التخلية والإطلاق وترك المنع بالقهر والإجبار.

/ والمعنى ما كان لنفس أن تموت بالقتل إلا بأن يخلي الله بين القاتل والمقتول.

وفيه أنه تعالى لا يخلي بين نبيه وبين أحد ليقتله  ، ولكنه جعل من بين يديه  ومن خلفه رصداً ليتم على يديه بلاغ ما أرسله به فلا تهنوا في غزواتكم بعد ذلك بإرجاف مرجف.

وقيل: الإذن العلم أي لن تموت نفس إلا في الوقت الذي علم الله موتها فيه.

وفي الآية دليل على أن المقتول ميت بأجله، وأن تغيير الآجال ممتنع ولذا أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ كتاباً موجلاً ﴾ وهو مصدر مؤكد لنفسه لدلالة ما قبله عليه أي كتب الموت كتاباً مؤجلاً مؤقتاً له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر.

وقيل: الكتاب المؤجل هو المشتمل على الآجال.

وقيل: هو اللوح المحفوظ الذي كتب فيه جميع الحوادث من الخلق والرزق والأجل والسعادة والشقاوة.

قال القاضي: الأجل والرزق مضافان إلى الله  ، وأما الكفر والفسق والإيمان والطاعة فكل ذلك مضاف إلى العبد.

فإذا كتب  ذلك فإنما يكتب ما يعلمه من اختيار العبد وذلك لا يخرج فيه العبد من أن يكون مذموماً أو ممدوحاً.

والحق أن هذا تعكيس للقضية فإن الله  إذا علم من العبد الكفر استحال أن يأتي هو بالإيمان وإلا انقلب علم الله جهلاً، وإذا كان هو غير قادر على الإيمان حينئذٍ فما معنى اختياره؟

ثم إنه كان في الذين حضروا يوم أحد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة كما أخبر الله  في هذه السورة فقوله: ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ أي من ثوابها تعريض بالفريق الدنيوي وهم الذين شغلتهم الغنائم، وباقي الآية مدح للفريق الآخر الأخروي، وإن فضله  وعطيته شامل لكلا الفريقين، لكن ثواب الفريق الثاني هو المعتد به في الحقيقة ولهذا ختم الكلام بقوله: ﴿ وسنجزي الشاكرين ﴾ فأبهم الجزاء وأضافه إلى نفسه تنبيهاً على جزاء الذين شكروا نعمة الإسلام فلم يشغلهم عن الجهاد شيء لا يكتنه كنهه وتقصر عنه العبارة، وأنه كما يليق بعميم فضله وجسيم طوله.

وهذه الآية وإن وردت في الجهاد لكنها عامة في جميع الأعمال كما قال  : " "إنما الأعمال بالنيات" " وذلك لأن المؤثر في جانب الثواب والعقاب القصود والدواعي.

فمن وضع الجبهة على الأرض والوقت ظهر والشمس أمامه، فإن قصد بذلك السجود عبادة الله  كان من الإيمان، وإن قصد تعظيم الشمس كان من الكفر.

﴿ وكأين ﴾ الأكثرون على أنها في الأصل مركبة من كاف التشبيه و"أي" التي هي في غاية الإبهام إذا قطعت عن الإضافة.

كما أن "كذا" مركبة من "الكاف" و"ذا" المقصود به / الإشارة.

"فكأين" مثل "كذا" في كون المجرورين مبهمين عند السامع إلا أن في "ذا" إشارة في الأصل إلى ما في ذهن المتكلم بخلاف "أي" فإنه للعدد المبهم ومميزها منصوب ومفرد على الأصل.

والأكثر إدخال "من" في مميز "كأين" وبه ورد القرآن, والتمييز بعد "كذا" و"كأين" في الأصل عن الكاف لا عن "ذا" و"أي" كما في "مثلك رجلاً" لأنك تبين في كذا رجلاً وكأين رجلاً أن مثل العدد المبهم في أي جنس هو ولم تبين العدد المبهم.

فأي في الأصل كان معرباً لكنه انمحى عن الجزأين معناهما الإفرادي وصار المجموع كاسم مفرد بمعنى "كم" الخبرية فصار كأنه اسم مبني على السكون آخره نون ساكنة كما في "من" لا تنوين تمكن فلهذا يكتب بعد الياء نون، مع أن التنوين لا صورة له خطاً ولأجل التركيب تصرف فيه فقيل: كائن مثل كاعن.

وربما ظن بعضهم أنه اسم فاعل من كان، ولكنه بني لكثرة الاستعمال وهاتان اللغتان فيه مشهورتان ولهذا قرىء بهما.

وفيه لغات آخر غير مشهورة تركنا ذكرها لأنه لم يقرأ بها ولعلك تجدها في كتبنا الأدبية، ومحل ﴿ كأين ﴾ ههنا رفع على الابتداء، وقوله ﴿ قتل ﴾ أو ﴿ قاتل ﴾ خبره والضمير يعود إلى لفظ ﴿ كأين ﴾ فإنه مفرد اللفظ.

وإن كان مجموع المعنى.

والربيون معناه الألوف أو الجماعات الكثيرة.

الواحد ربى عن الفراء والزجاج.

قال ابن قتيبة: أصله من الربة الجماعة، فحذفت الهاء في النسبة، ويقال: ترببوا أي تجمعوا.

وقال ابن زيد: الربانيون الأئمة والولاة، والربيون الرعية.

والكسر فيه من تغييرات النسب كالضم في دهري، والقياس الفتح، ثم من قرأ ﴿ قتل ﴾ فمعنى الآية إن كثيراً من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعده ما وهنوا في دينهم بل استمروا على جهاد عدوّهم ونصرة دينهم وكان ينبغي أن يكون لكم فيهم أسوة حسنة.

فيكون المقصود من الآية حكاية ما جرى لسائر الأنيباء لتقتدي هذه الأمم بهم.

ومن قرأ ﴿ قاتل ﴾ فالمعنى: وكم من نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوّهم قروح فما وهنوا.

فعلى هذا يكون الغرض من الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي  في القتال.

وربما تؤيد هذه القراءة بما روي عن سعيد بن جبير أنه قال: ما سمعنا بنبي قتل في القتال، ويحتمل أن تنزل القراءة الأولى على هذه الرواية أيضاً بأن يقال: المعنى وكأين من نبي قتل ممن كان معه وعلى دينه ربيون كثير، فما ضعف الباقون وما استكانوا لقتل من قتل من إخوانهم، بل مضوا على جهاد عدّوهم.

ثم إنه  مدح هؤلاء الربيين بصفات وذلك قوله ﴿ فما وهنوا ﴾ إلخ ولا بد من تغايرها فقيل ﴿ فما وهنوا ﴾ عند قتل النبي ﴿ وما ضعفوا ﴾ عن الجهاد بعده ﴿ وما استكانوا ﴾ للعدو أي لم يخضعوا له، وفيه تعريض بما أصاب المسلمين من الوهن والانكسار عن الإرجاف بقتل رسول الله  ، وبضعفهم عند ذلك عن جهاد الكفار / واستكانتهم لهم حين أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبد الله بن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان.

وقيل: الوهن استيلاء الخوف عليهم، والضعف ضعف الإيمان واختلاج الشبهات في صدورهم، والاستكانة الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم.

وقيل: الوهن ضعف يلحق القلب، والضعف مطلقاً اختلال القوة الجسمية، والاستكانة إظهار ذلك العجز والضعف.

واستكان قيل"افتعل" من السكون كأنه سكن لصاحبه ليفعل به ما يريد.

وعلى هذا فالمد شاذ كقولهم "هو منه بمنتزاح" أي ببعد يراد بمنتزح.

والأصح أنه استفعل من "كان" والمد قياسي كأن صاحبه تغير من كون إلى كون أي من حال إلى حال.

﴿ والله يحب الصابرين ﴾ بأن يريد إكرامهم والحكم بالثواب والجنة لهم.

ثم أخبر أنهم كانا مستعينين عند ذلك التصبر والتجلد بالدعاء والتضرع وطلب الإمداد والنصر من الله، والغرض أن تقتدي هذه الأمة بهم.

فإن من عول في تحصيل مهماته على نفسه وعدده وعُدَدِه ذل، ومن اعتصم بالله والتجأ إليه فاز بالظفر.

وفي إضافتهم الذنوب والإسراف إلى أنفسهم وهم ربانيون هضم للنفس واستصغار لها.قال المحققون: إنما قدموا الاستغفار لعلمهم بأنه  ضمن نصر المؤمنين، فإذا لم يحصل النصرة وظهرت أمارات واستيلاء الأعداء دل ذلك على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين، فيلزم تقديم التوبة والاستغفار على طلب النصرة ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة أقرب إلى الاستجابة.

إنهم عمموا الذنوب أوَّلاً الصغائر والكبائر بقولهم: ﴿ ربنا اغفر لنا ذنوبنا ﴾ ثم خصصوا الذنوب الكبائر بقولهم ﴿ وإسرافنا في أمرنا ﴾ لأن الإسراف في كل شيء هو الإفراط فيه.

والمراد بتثبيت الأقدام وإزالة الخوف عن قلوبهم وإماطة الخواطر الفاسدة عن صدورهم.

والمراد بالنصر الأمور الزائدة على القوة والعدة والشدة كإلقاء الرعب في قلوب الأعداء، وكإحداث أحوال سماوية أو أرضية توجب انهزامهم كهبوب ريح تثير الغبار في وجوههم، وإجراء سيل في مواضع وقوفهم.

وفي الآية تأديب وإراشاد من الله  في كيفية الطلب عند النوائب جهاداً كان أو غيره ﴿ فآتاهم الله ثواب الدنيا ﴾ من النصرة والغنيمة والعز وطيب الذكر وانشراح الصدر ﴿ وحسن ثواب الآخرة ﴾ وهو الجنة وما فيها من المنافع واللذات وذلك غير حاصل في الحال.

والمراد أنه حكم لهم بحصولها في الآخرة، وحكم الله بالحصول كنفس الحصول.

أو المراد أنه سيؤتيهم مثل أتى أمر الله أي سيأتي، قال القاضي: ولا يمتنع أن تكون الآية مختصة بالشهداء وأنهم في الجنة عند ربهم كما ماتوا أحياء، وثواب الآخرة كله حسن، فما ظنك بحسن ثوابها؟

وإنما لم يصف ثواب الدنيا بالحسن لقلتها وامتزاجها بالمضار وكدر صفوها بالانقطاع والزوال.

قال القفال: يحتمل أن يكون الحسن هو الحسن كقوله: ﴿ وقولوا للناس / حسناً  ﴾ والغرض منه المبالغة كما يقال: فلان جود وعدل إذا كان غاية في الجود ونهاية في العدل.

وههنا نكتة وهي أنه أدخل "من" التبعيضية في الآية المتقدمة في قوله: ﴿ نؤته منها ﴾ في الموضعين، ولم يذكر في هذه الآية.

لأن أولئك اشتغلوا بالثواب عن العبودية فلم ينالوا إلا البعض، بخلاف هؤلاء فإنهم لم يذكروا أنفسهم إلا بالعيب والقصور ولم يسألوا ربهم إلا ما يوجب إعلاء كلمته، فلا جرم فازوا بالكل.

وفيه تنبيه على أن من أقبل على خدمة الله أقبل على خدمته كل ما سوى الله.

ثم قال ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.

وههنا سر وهو أنه  وفقهم للطاعة ثم أثابهم عليها ثم مدحهم على ذلك فسماهم محسنين، ليعلم العبد أن الكل بعنايته وفضله.

﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا ﴾ عن السدي: المراد بالذين كفروا هو أبو سفيان وأصحابه فإنه كان كبير القوم في ذلك اليوم.

والمعنى إن تستكينوا لهم وتستأمنوهم.

وعن علي  : هم المنافقون عبد الله بن أبيّ وأشياعه قالوا للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم.

وعن الحسن: هم اليهود والنصارى يستغوونهم ويوقعون لهم الشبهة في الدين ولا سيما عند هذه الواقعة كانوا يقولون: لو كان نبياً حقاً لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوم له ويوم عليه.

والأقرب أنه عام في جميع الكفار فإن خصوص السبب لا ينافي إرادة العموم، فعلى المؤمنين أن لا يطيعوهم في شيء ولا ينزلوا على حكمهم وعلى مشورتهم حتى لا يستجرّوهم إلى موافقتهم وهو المراد بقوله: ﴿ يردوكم على أعقابكم ﴾ أي إلى الكفر بعد الإيمان ﴿ فتنقلبوا خاسرين ﴾ في الدنيا باستبدال ذلة الكفر بعزة الإسلام والانقياد للأعداء الذي هو اشق الأشياء لدى العقلاء، وفي الآخر بالحرمان عن الثواب المؤبد والوقوع في العقاب المخلد.

﴿ بل الله مولاكم ﴾ ناصركم وهو إضراب عما كانوا بصدده من طاعة الكفار.

والمعنى أنكم إنما تطيعون الكفار لينصروكم ويعينوكم على مطالبكم وهذا خطأ وجهالة لأنهم عاجزون مثلكم متحيرون، وبغير إذن الله لا ينفعون ولا يضرون.

﴿ وهو خير الناصرين ﴾ لو فرض أن لأحد سواه قدرة على النصر لأنه خبير بمواقع الحاجات، قدير على إنجاز الطلبات، ينصر في الدنيا والآخرة بلا شائبة علة من العلات، ونصرة غيره لو فرض فإنه مخصوص بالدنيا وببعض الأمور وفي بعض الأوقات ولغرض من الأغراض الفاسدات، كيف ولا ناصر بالحقيقة سواه.

التأويل: ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ﴾ أن تلجوا عالم الملكوت ولم تظهر منكم مجاهدات تورث المشاهدات ولا الصبر على تزكية النفوس وتصفية القلوب على وفق / الشريعة وقانون الطريقة لتتحلى الأرواح بأنوار الحقيقة ﴿ ولقد كنتم ﴾ يا أرباب الصدق وأصحاب الطلب ﴿ تمنون ﴾ موت النفوس عن صفاتها تزكية لها ﴿ من قبل أن تلقوه ﴾ بالمجاهدات والرياضات في خلاف النفس وقهرها عند لقاء العدو في الجهاد الأصغر ظاهراً وفي الجهاد الأكبر باطناً ﴿ فقد ﴾ رأيتم هذه الأسباب التي كنتم تمنونها عياناً ﴿ وأنتم تنظرون ﴾ لا تفدون أرواحكم و لاتجاهدون حق الجهاد في الله بأرواحكم وأشباحكم ﴿ أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ فيه أن الإيمان التقليدي لا اعتبار له فينقلب المقلد عن إيمانه عند إعدام المقلد من الوالدين أو الاستاذ، وكذا عند موت المقلد فيعجز عند سؤال الملكين في قولهما له من ربك؟

فيقول: هاه لا أدري.

فيقولون: ما تقول في هذا الرجل؟

فيقول: هاه لا أدري كنت أقول فيه ما قال الناس.

فيقولان له: لا دريت ولا تليت.

﴿ وسيجزي الله ﴾ بالإيمان الحقيقي ﴿ الشاكرين ﴾ الذين شكروا نعمة الإيمان التقليدي بأداء حقوقه وهو الائتمان بأوامر الشرع والانتهاء عن نواهيه ﴿ وما كان لنفس أن تموت ﴾ عن أوصافها الدنية وأخلاقها الردية وتتخلص عنها بطبعها إلا بتوفيق الله وجذبه وإشراق نوره كما أن ظلمة الليل لا تنتهي إلا بإشراق طلوع الشمس.

ثم أثبت للعبد كسباً في طلب الهداية واستجلاب العناية بقوله: ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ وهذه رتبة الخواص أي من عمل شوقاً إلى الحق فقد رأى نعمة وجود المنعم، فثوابه نقد في الدنيا لأنه حاضر لا غيبه له وهو معنى قولهم "الصوفي ابن الوقت" وفيه أنشد: خليلي هل أبصرتما أو سمعتما *** بأكرم من مولى تمشى إلى عبد أتى زائراً من غير وعد وقال لي *** أصونك عن تعذيب قلبك بالوعد.

ومن عمل شوقاً إلى الجنة فنظره على النعمة فثوابه في الآخرة ﴿ وسجيزي الشاكرين ﴾ أي كلا الفريقين على قدر شكرهما ﴿ وكأين من نبي قاتل ﴾ أعدى العدو الذي بين جنبيه و ﴿ معه ربيون ﴾ متخلقون بأخلاق الرب ﴿ فما وهنوا لما أصابهم ﴾ من تعب المجاهدات ﴿ وما ضعفوا ﴾ في طلب الحق ﴿ وما استكانوا ﴾ باحتمال الذلة والالتفات إلى غير الله.

﴿ إن تطيعوا الذين كفروا ﴾ أي النفوس الكافرة وصفاتها ﴿ يردّوكم ﴾ إلى أسفل سافلين بشريتكم وبهيمتكم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ : قيل: فيه لغات: أحدها: "قاتل معه" بالألف، وتأويله: وكم من نبي قاتل معه ربّيون كثير، فقتل؛ على الإضمار.

والثاني: "وكم من نبيّ قُتِل معه ربّيون كثير"، برفع القاف.

والثالث: "وكم من نبيّ قتل معه ربيون كثير" بالنصب.

ومعنى الآية - والله أعلم -: كم من نبي قتل معه [ربيون كثير]، فلم ينقلب أتباعه على أعقابهم؛ بل كانوا بعد وفاتهم أشدّ اتباعاً لهم من حال حياتهم؛ حتى قالوا: لن يبعث الله من بعده رسولا؛ فما بالكم يخطر ببالكم الانقلاب على أعقابكم، إذا أخبرتم أنه قتل نبيكم أو مات؟!.

وفي إنباء هذه الأمة قصصَ الأمم الخالية وأخبارهم - وجهان.

أحدهما: دلالة إثبات رسالة [رسولنا] محمد  ؛ لأنهم علموا أنه لم يختلف إلى أحد منهم ممن يعلم هذا، ثم أخبر بذلك، فكان ما أخبر؛ فدل أنه علم ذلك بالله.

والثاني: العمل بشرائعهم وسننهم، إلا ما ظهر نسخة بشريعتنا؛ ألا ترى أنه ذكر محاسنهم وخيراتهم؛ وإنما ذكر لنتبعهم في ذلك ونقتدي بهم، وذكر مساوئهم وما لحقهم بها؛ لننتهي عنها ونكون على حذر مما أصابهم بذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ : اختلف فيه - عن ابن عباس -  - قال: "علم كثير"، وعنه - أيضاً -: "الجموع الكثير"؟

وعن الحسن - رحمه الله - مثله.

وعن ابن مسعود -  - قال: الألوف.

وعن ابن مسعود -  - قال في قوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ ، يقول: قاتل؛ ألا ترى أنه يقول: ﴿ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ ﴾ ؟!.

ثم اختلف في قوله: ﴿ فَمَا وَهَنُواْ ﴾ ، ﴿ وَمَا ضَعُفُواْ ﴾ .

قيل: فما وهنوا في الدين، وما ضعفوا في أنفسهم في قتال عدوهم بذهاب النبي  من بينهم؛ فما بالكم تضعفون أنتم؟!

ويحتمل قوله: ﴿ فَمَا وَهَنُواْ ﴾ ، يعني: فما عجزوا لما نزل بهم من قتل أنبيائهم، وما ضعفوا في شيء أصابهم في سبيل الله من البلايا.

وقيل: قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا وَهَنُواْ ﴾ يرجع إلى: ﴿ قَاتَلَ ﴾ إلى المقاتلين وفي "قتل" إلى الباقين.

وقوله: ﴿ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ ﴾ : قيل: لم يذلّوا في عدو لهم، ولم يخضعوا لقتل نبيهم؛ بل قاتلوا بعده على ما قاتلوا معه؛ فهلا قاتلتم أنتم على ما قاتل عليه نبيكم؛ كما قاتلت القرون من قبلكم إذا أصيب أنبياؤهم، والله أعلم.

﴿ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ : على قتال عدوّهم، وعلى كل مصيبة تصيبهم.

وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا ﴾ : قيل: وما كان قول الأمم السالفة عند قتل نبيهم - إلا أن قالوا: ﴿ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ الآية، يقول: يعلِّمُ الله هذه الأمة ويعاتبهم: هلاّ قلتم أنتم حين نُعِي إليكم نبيكم كما قالوا القوم في الأمم السالفة؟!.

وقوله: ﴿ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ ، قيل: الذنوب: هي المعاصي.

وقوله: ﴿ وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا ﴾ : والإسراف: هي المجاوزة في الحدّ، والتعدّي عن أمره.

وقيل: هما واحد.

وقوله: ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ثبتنا على الإيمان، ودين الإسلام، والقدمُ كناية؛ كقوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا  ﴾ ، أي: تكفر بعد الإيمان، [و] كقوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ ؛ وذكر القدم لما بالقدم ثبت.

ويحتمل قوله: ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ في قتال العدوَّ، وفزعوا إلى الله - عز وجلّ - بعد ذهاب نبيّهم من بينهم؛ ليحفظهم على ما كان يحفظهم في حياة نبيهم.

وقوله: ﴿ وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ : يحتمل: النصر عليهم بالحجج والبراهين.

ويحتمل: النصر بالغلبة والهزيمة عليهم.

وقوله: ﴿ فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا ﴾ : يحتمل ثواب الدنيا: الذكر والثناء الحسن، وهم كذلك اليوم نتبعهم ونقتدي آثارهم وهم موتى.

ويحتمل -: على ما قيل -: النصر والغنمية.

وقوله: ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ ﴾ : الدائم، وذُكِر في ثواب الآخرة "الحُسْن"، ولم يذكر في ثواب الدنيا الحسن؛ لأن ثواب الآخرة دائم لا يزول أبداً، وثواب الدنيا قد يزول، أو أن يشوب في ثواب الدنيا آفاتٌ وأحزان؛ فينقص ذلك، وليس ثواب الآخرة كذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ الإحسان يحتمل وجوهاً ثلاثة: يحتمل: المحسن: العارف، كما يقال: فلان يحسن ولا يحسن.

ويحتمل: المعروف من الفعل - مما ليس عليه - يصنع إلى آخر؛ تفضلاً منه وإحساناً.

ويحتمل: اختيار الحسن من الفعل على القبيح من الفعل والسوء؛ وكان كقوله: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ  ﴾ : هذا يختار المحاسن من الأفعال على المساوئ، والله أعلم.

ويحتمل: المحسنين إلى أنفسهم باستعمالها فيما به نجاتها.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فآتاهم الله ثواب الدنيا بنصرهم والتمكين لهم، وآتاهم الثواب الحسن في الآخرة بالرضا عنهم، والنعيم المقيم في جنات النعيم، والله يحب المحسنين في عبادتهم ومعاملتهم.

من فوائد الآيات الابتلاء سُنَّة إلهية يتميز بها المجاهدون الصادقون الصابرون من غيرهم.

يجب ألا يرتبط الجهاد في سبيل الله والدعوة إليه بأحد من البشر مهما علا قدره ومقامه.

أعمار الناس وآجالهم ثابتة عند الله تعالى، لا يزيدها الحرص على الحياة، ولا ينقصها الإقدام والشجاعة.

تختلف مقاصد الناس ونياتهم، فمنهم من يريد ثواب الله، ومنهم من يريد الدنيا، وكل سيُجازَى على نيَّته وعمله.

<div class="verse-tafsir" id="91.QJ0Ej"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام متصل بما قبله والخطاب فيه لمن شهد وقعة "أحد" من المؤمنين.

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ  ﴾ إن "أم" الاستفهام المجرد أو للمعادلة.

إنه تعالى يقول المؤمنين بعد ذلك التنبيه والإرشاد لسنته وحكمه فيما حصل المتضمن للوم والعتاب في مثل ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ  ﴾ إلخ: هل جريتم على تلك السنن؟

هل تدبرتم تلك الحكم؟

أم حسبتم كما يحسب أهل الغرور أن تدخلوا الجنة وأنتم إلى الآن لم تقوموا بالجهاد في سبيله حق القيام، ولم تتمكن صفة الصبر من نفوسكم تمام التمكن، والجنة إنما تنال بهما، ولا سبيل إلى دخولها بدونهما، لو قمتم بذلك لعلمه تعالى منكم وجازاكم عليه بالنصر والظفر في غزوتكم هذه وكان ذلك آية على أنه سيجازيكم بالجنة في الآخرة.

ربما يقول قائل أن الآية تفيد أن من لم يجاهد ويصبر لا يدخل الجنة مع أن الجهاد فرض كفاية.

ونقول: نعم إنه لا يدخل الجنة من لم يجاهد في سبيل الحق ولكن الجهاد في الكتاب والسنة يستعملان بمعناهما اللغوي وهو احتمال المشقة في مكافحة الشدائد ومنه جهاد النفس الذي روي عن السلف التعبير عنه بالجهاد الأكبر.

ومن أمثلة ذلك مجاهدة الإنسان لشهواته لا سيما في سن الشباب، وجهاده بماله، وما يبتلي به المؤمن من مدافعة الباطل ونصرة الحق.

إن الله في كل نعمة عليك حقًا وللناس عليك حقًا، وأداء هذه الحقوق يشق على النفس فلا بد من جهادها ليسهل عليه أداؤها وربما يفضل بعض جهاد النفس جهاد الأعداء في الحرب، فإن الإنسان إذا أراد أن يبث فكرة صالحة في الناس أو يدعوهم إلى خيرهم من إقامة سنة، أو مقاومة بدعة، أو النهوض بمصلحة، فإنه يجد أمامه من الناس من يقاومه ويؤذيه إيذاء قلما يصبر عليه أحد.

وناهيك بالتصدي لإصلاح عقائد العامة وعاداتهم وما الخاصة في ضلالهم إلا أصعب مراسًا من العامة.

ومن مباحث اللفظ في الآية ما تقدم بيانه من معنى أم ولما.

ومنها أن قوله: ﴿ وَيُعَلِّمُ  ﴾ منصوب بإضمار "إن" على أن الواو للجمع كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي لا يكن أكل السمك وشرب اللبن معًا، فالتقدير في الآية على هذا: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة والحال أنه لم يتحقق منكم الجمع بين الجهاد والصبر.

بعد ما بيّن تعالى للمؤمنين أن الفوز والظفر في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة لا يكونان بالأماني والغرور، ولا ينالان بالمحاباة والكيل الجزاف، بل بالجهاد ومكافحة الأيام، ومصابرة الشدائد والأخوال، واتباع سنن الله في هذا العالم.

وبعد ما بيّن لهم أن دعوى الإيمان ودعوى الجهاد والصبر لا يترتب عليهما الجزاء بالنصر ودخول الجنة وإنما يترتب ذلك على تحققهما بحسب علم الله المطابق للواقع لا بحسب ظن الناس وشعورهم.

بعد هذا وذاك أرشدهم إلى أمر واقع يظهر لهم به تأويل قوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا  ﴾ قوله: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ  ﴾ إلخ، وطريق الجمع بينه وبين شعورهم واعتقادهم قبل ذلك أنهم لم يقصروا في الجهاد والصبر فيتعلموا كيف يحاسبون أنفسهم ولا يغترون بشعورهم وخواطرهم فقال: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ  ﴾ الخطاب لجماعة المسلمين الذين شهدوا وقعة أُحد.

فلقد كان النبي  يرى أن لا يخرج للمشركين بل يستعد لمدافتعهم في المدينة، وكان على هذا الرأي جماعة من كبراء الصحابة، وبه صرح عبدالله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين ولكن أكثر الصحابة أشاروا بالخروج إلى أُحد حيث عسكر المشركين ومناجزتهم هناك، وإن الشبان ومن لم يشهد بدرًا كانوا يلحون في الخروج.

لهذا قال مجاهد: إن هذه الآية عتاب لرجال غابوا عن بدر فكانوا يتمنون مثل يوم بدر أن يلقوه فيصيبوا من الخير والأجر مثل ما أصاب أهل بدر فلما كان يوم أُحد ولى منهم من ولى فعاتبهم الله، وروي نحو ذلك عن غيره منهم الربيع والسدي، وروي عن الحسن أنه قال بلغني أن رجالًا من أصحاب النبي  كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي  لنفعلن ولنفعلن فابتلوا بذلك فلا والله ما كلهم صدق فأنزل الله  : ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ  ﴾ الآية.

فأطلق الحسن ولم يخص من لم يشهد بدرًا وهو الصواب، فإن الذين كانوا يتمنون القتال كثيرون.

قلنا إن هذه الآية أظهرت للمؤمنين تأويل قوله تعالى في إيمانهم وجهادهم وصبرهم، وعلمتهم كيف يحاسبون أنفسهم ويمتحنون قلوبهم، وبيان ذلك أنهم تمنوا القتال، أو الموت في القتال لينالوا مرتبة الشهادة، وقد أثبت الله لهم هذا التمني وأكده بقوله: ﴿ وَلَقَدْ  ﴾ فلم يكن ذلك منهم دعوى قولية، ولا صورة في الذهن خيالية، بل كان حقيقة واقعة في النفس، ولكنها زالت عند مجيء دور الفعل، وهذه مرتبة من مراتب النفس في شعورها وعرفانها هي دون مرتبة الكمال الذي يصدقه العمل، وفوق مرتبة التصور والتخيل مع الانصراف عن تمني العمل بمقتضاه، أو مع كراهته والهرب منه كما يتوهم بعض الناس أنه يحب ملته أو وطنه ولكنه يهرب من كل طريق يخشى أن يطالب فيه بعمل يأتيه لأجلهما، أو مال يعاون به العاملين لهما، أو يكون خالي الذهن من الفكر في العمل، أو البذل لإعلاء شأن هذا المحبوب، أو كف العدوان أو الشر عنه، فهاتان مرتبتان دون مرتبة من يتصور أنه يحب ملته ووطنه، ويفكر في خدمتهما ويتمنى لو يتاح له ذلك، حتى إذا احتيج إلى خدمته التي كان يفكر فيها ويتمناها وجد من نفسه الضعف فأعرض عن العمل قبل الشروع أو بعد أن ذاق مرارته، وكابد مشقته، وإنما المطلوب في الإيمان ما هو أعلى من هذه المرتبة، المطلوب فيه مرتبة اليقين والاذعان النفسي التي من مقتضاها العمل مهما كان شاقًا، والجهاد مهما كان عسيرًا، والصبر على المكاره، وإيثار الحق على الباطل، وقد تقدم في تفسير: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ  ﴾ وتفسير ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ  ﴾ من الآيتين السابقتين أمثلة تزيد المبحث وضوحًا.

وقد كان في مجموع المخاطبين بالآية عند نزولها من هم في المرتبة العليا، وأولئك هم المجاهدون الصابرون الذين ثبتوا مع النبي  ثبات الجبال لا ثبات الأبطال وهم نحو ثلاثين رجلًا، وقد ذكرنا أسماء بعضهم في تلخيص القصة وإنما جعل الخطاب عامًا؛ ليكون تربية عامة فإن أصحاب المراتب العلية يتهمون أنفسهم بالتقصير فيزدادون كمالًا.

فهذه الآية تنبه كل مؤمن إلى اتقاء الغرور بحديث النفس والتمني والتشهي وتهديه إلى امتحان نفسه بالعمل الشاق، وعدم الثقة منها بما دون الجهاد والصبر على المكاره في سبيل الحق، حتى يأمن الدعوى الخادعة، بله الدعوى الباطلة، وإنما الخادعة أن تدعي ما تتوهم أنك صادق فيه، مع الغفلة أو الجهل بعجزك عنه، والباطلة لا تخفى عليك، وإنما تظن أنها تخفى على سواك.

قد أشرنا إلى أن الظاهر من تمني الموت هو تمني الشهادة في سبيل الله، وقال بعضهم إن المراد بالموت الحرب لأنها سببه.

وعد بعضهم تمني الشهادة المأثور عن كثير من الصحابة مشكلًا لأنه يستلزم انتصار الكفار على المسلمين، ولا إشكال إلا في مخ من اخترع هذه العبارة، فإن الذي يتمنى الشهادة في سبيل الله لا يلقي بنفسه إلى التهلكة، ولا يقصر في الدفاع والصدام حتى يقال إنه مكن الأعداء منه، ومهد لهم سبيل الظفر بالمؤمنين وإنما يكون أقوى جهادًا وأشد وأجدر بأن ينصر قومه ويخذل من يحاربهم.

ثم إنه لا يقصد لازم الموت والشهادة من نقص عدد المسلمين أو ضعفهم على أن هذا اللازم إنما يتبع استشهاد الكثير أو الأكثر منهم، ومن يتمن الشهادة فإنما يتمناها لنفسه دون العدد الكثير من قومه.

إن تمني الشهادة الذي وقع ليس تمنيًا مطلقًا وإنما هو تمني من يقاتل لنصرة الحق أن تذهب نفسه دونه، فإذا هو وصل إلى ما ينبغي من نصرة الحق وإعزازه بانهزام أهل الباطل وخذلانهم فيها ونعمت وإلا فضل الموت في سبيل إعزاز الحق ورآه خيرًا من البقاء مع إذلاله وغلبه الباطل عليه.

وإن الخطاب لمن سبق لهم تمني الموت بعد أن فاتهم حضور وقعة بدر أو الشهادة فيها لبعض من حضرها، ثم جاءت وقعة أُحد فكان منهم من انكسرت نفسه في أثناء الواقعة ووهن عزمه، ومنهم من وهن وضعف بعدها عند ما ندبهم النبي  إلى اتباع المشركين معه في حمراء الأسد، كأنه يقول: يا سبحان الله لقد كنتم تتمنون الموت قبل أن تلاقوا القوم في الحرب فها أنتم أولاء قد رأيتم ما كنت تتمنونه وأنتم تنظرون إليه لا تغفلون عنه فما بالكم دهشتم عندما وقع الموت فيكم؟، وما بالكم تحزنون وتضعفون، عند لقاء ما كنتم تحبون وتتمنون؟، ومن تمنى الشيء وسعى إليه لا ينبغي أن يحزنه لقاؤه ويسوءه، فقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ  ﴾ للتأكيد لأن الإنسان يرى الشيء أحيانًا ولكنه لانشغاله عنه ربما لا يتبينه، فأراد أن يقول إنكم قد رأيتموه رؤية كان لها الأثر الثابت في نفوسكم لا رؤية من قبيل لمح الشيء مع الغفلة عنه وعدم المبالاة به.

وقال بعض المفسرين إن الجملة مستأنفة أي أبصرتموه وأنتم الآن تنظرون وتتأملون فيما رأيتموه وتفكرون في علاقته بشؤونكم، والذي يظهر هو صحة التأويل الأول.

بعد هذا بيّن الله تعالى حكمة أخرى من أعظم الحكم المتعلقة بغزوة أُحد وهي إشاعة قتل النبي  ، وما كان من تأثيرها في المسلمين، وما كان يجب أن يكون فقال: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ  ﴾ إلخ.

إن كلمة ﴿ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ  ﴾ من قبيل المثل تضرب لمن رجع عن الشيء بعد الإقبال عليه، والأحسن أن تكون عامة تشمل الارتداد عن الدين الذي جاهر بالدعوة إليه بعض المنافقين، والارتداد عن العمل كالجهاد ومكافحة الأعداء وتأييد الحق وهذا هو الصواب.

قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ  ﴾ في هذه الآية إرشاد لنا إلى أن لا نجعل المصائب الشخصية دليلًا على كون من تصيبه على باطل أو على حق، فإن من الجائز عقلًا والواقع فعلًا أن يبتلى صاحب الحق بالمصائب والرزايا، وأن يبتلى صاحب الباطل بالنعم والعطايا، كما أن عكس ذلك جائز وواقع.

وتعلمنا أيضًا أن لا نعتمد في معرفة الحق والخير على وجود المعلم بحيث نتركهما بعد ذهابه أو موته وإنما نعتمد على معرفتهما والتحقق بهما والسير على منهاجهما في حال وجود المعلم وبعده.

فالله تعالى يقول عليكم أن تستضيئوا بالنور، وتتقلدوا سيف البرهان اللذين جاءكم بهما محمد، وأما ما يصيب جسمه من جرح أو ألم، وما يعرض له من حياة أو موت، فلا مدخل له في صحة دعوته، ولا في إضعاف النور الذي جاء به، فلا معنى إذًا لتعليق إيمانكم بحياته أو سلامة بدنه مما يعرض له من حيث هو بشر مثلكم، خاضع لسنن الله كخضوعكم.

﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا  ﴾ الآية.

تلك قضية وهذه قضية أخرى ووجه الاتصال بينهما أن المراد بتلك لوم المؤمنين على ما وقع منهم إذ بلغهم قتل النبي  ، والمراد بهذه بيان أنه لو قتل لما كان قتله إلا بإذن الله ومشيئته، فهو توبيخ لمن اندهش من خبر موته كأنهم بسبب زلزالهم وزعزعة عقائدهم قد جعلوا موته جناية منه، فأذاقهم تعالى بهذه العبارة مرارة خطأهم، وأراهم بها قبح جهلهم، كأنه يقول إن محمدًا يدعوكم إلى الله -أي لا إلى نفسه- فلو كان هذا الموت يقع بدون إذن الله لكان الانقلاب صوابًا، ولكن إذا كان هذا الموت لا يقع إلا بإذنه تعالى، إذ ليس لأحد في العالم سلطان يقهره ويوقع في ملكه شيئًا بالكره منه فلا معنى لزلزلة ثقتكم بالله، وضعفكم عن المضي فيما كنتم عليه مع النبي في حياته لأن الله لم يزل حيًا باقيًا عليمًا حكيمًا.

وفي الآية معنى آخر وهو أنه ما دام محيانا ومماتنا بيد الله فلا محل للجبن والخوف، ولا عذر في الوهن والضعف، وفيها تأكيد لما تقدم بيانه في الآية التي قبلها وهو أن الموت لا يدل على بطلان ما كان عليه من يموت ولا على حقيته، ولقد جعل صاحب الكشاف الجملة تمثيلًا.

﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا  ﴾ ، هذه قضية أخرى فيها وجهان: أحدهما: أنها رد لاستدلال من استدل بما حل بالمسلمين على أن ما هم عليه غير الحق، فهي من هذا الوجه فرع من فروع قوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ  ﴾ فهو يقول إن لنيل ثواب الدنيا سننًا ولنيل ثواب الآخرة سننًا فمن سار على سنن واحدة منهما وصل إليها.

فإذا كان المشركون قد استظهروا على المسلمين في هذه المرة فلأنهم طلبوا بعملهم الدنيا وأخذوا له أهبته من حيث قد قصر المسلمون في اتباع السنن في ذلك بمخالفة الرسول كما تقدم.

والوجه الثاني: أنه يقول لأولئك الذين ضعفوا وفشلوا وانقلبوا على أعقابهم: ما الذي تريدون بعملكم هذا؟

إن كنتم تريدون ثواب الدنيا فالله لا يمنعكم ذلك وما عليكم إلا أن تسلكوا طريقه، ولكن ليس هذا هو الذي يدعوكم إليه محمد وإنما يدعوكم إلى خير ترون حظًا منه في الدنيا، والمعول فيه على ما في الآخرة، فالمسألة معكم بين أمرين: إرادة الدنيا، وإرادة الآخرة، كل يريد أمرًا ولكل أمر سنن تتبع ولكل دار طريق تسلك.

﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ  ﴾ ، كأنس بن النضر وأمثاله الذين جاهدوا وصبروا مع النبي  بحفظهم قوة إرادتهم فكانوا السبب في انجلاء المشركين عن المسلمين، وخصهم بالذكر الذي يعينه الوصف تنويهًا بهم ووعدًا لهم بالجزاء، وهو من التفصيل لإجمال من يريد الآخرة.

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ  وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ  فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  ﴾ ثواب هؤلاء حسن على كل حال ولكن ذكر الحسن في ثواب الآخرة مزيد في تعظيم أمره، وتنبيه على أنه ثواب لا يشوبه أذى، فليس مثل ثواب الدنيا عرضة للشوائب والمنغصات.

ولقد اتفق المفسرون على أن الآيات جاءت تأديبًا للمؤمنين وتوبيخًا لمن فرط منهم ما فرط والأمر ظاهر كالشمس في الضحى أو أشد ظهورًا.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله