الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٦٢ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 99 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦٢ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ) أي : لا يستوي من اتبع رضوان الله فيما شرعه ، فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه وأجير من وبيل عقابه ، ومن استحق غضب الله وألزم به ، فلا محيد له عنه ، ومأواه يوم القيامة جهنم وبئس المصير .
وهذه لها نظائر في القرآن كثيرة كقوله تعالى : ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ) [ الرعد : 19 ] وكقوله ( أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا [ ثم هو يوم القيامة من المحضرين ] ) [ القصص : 61 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك: فقال بعضهم: معنى ذلك: أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول، كمن باء بسخَط من الله بغلوله ما غلّ؟
*ذكر من قال ذلك: 8169- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن مطرف، عن الضحاك في قوله: " أفمن اتبع رضوان الله "، قال: من لم يغلّ =" كمن باء بسخط من الله "، كمن غل.
8170- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني سفيان بن عيينة، عن مطرف بن طريف، عن الضحاك قوله: " أفمن اتبع رضوان الله "، قال: من أدَّى الخمُس =" كمن باء بسخط من الله "، فاستوجب سخطًا من الله.
* * * وقال آخرون في ذلك بما:- 8171- حدثني به ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " أفمن &; 7-366 &; اتبع رضوان الله "، على ما أحب الناس وسخطوا =" كمن باء بسخط من الله "، لرضى الناس وسخطهم؟
يقول: أفمن كان على طاعتي فثوابه الجنة ورضوانٌ من ربه، كمن باء بسخط من الله، فاستوجب غضبه، وكان مأواه جهنم وبئس المصير؟
أسَواءٌ المثلان؟
أي: فاعرفوا (60) .
* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل الآية عندي، قولُ الضحاك بن مزاحم.
لأن ذلك عَقيب وعيد الله على الغلول، ونهيه عباده عنه.
ثم قال لهم بعد نهيه عن ذلك ووعيده: أسواءٌ المطيع لله فيما أمره ونهاه، والعاصي له في ذلك؟
أي: إنهما لا يستويان، ولا تستوي حالتاهما عنده.
لأن لمن أطاع الله فيما أمره ونهاه، الجنةُ، ولمن عصاه فيما أمره ونهاه النار.
* * * فمعنى قوله: " أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله " إذًا: أفمن ترك الغلول وما نهاه الله عنه عن معاصيه، وعمل بطاعة الله في تركه ذلك، وفي غيره مما أمره به ونهاه من فرائضه، متبعًا في كل ذلك رضا الله، ومجتنبًا سخطه =" كمن باء بسخط من الله "، يعني: كمن انصرف متحمِّلا سخط الله وغضبه، فاستحق بذلك سكنى جهنم، يقول: ليسا سواءً.
(61) * * * وأما قوله: " وبئس المصير "، فإنه يعني: وبئس المصير = الذي يصير إليه ويئوب إليه من باء بسخط من الله = جهنم.
(62)
قوله تعالى : أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصيرقوله تعالى : أفمن اتبع رضوان الله يريد بترك الغلول والصبر على الجهاد .
كمن باء بسخط من الله يريد بكفر أو غلول أو تول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحرب .
ومأواه جهنم أي مثواه النار ، أي إن لم يتب أو يعف الله عنه .
وبئس المصير أي المرجع .
وقرئ رضوان بكسر الراء وضمها كالعدوان والعدوان .
يخبر تعالى أنه لا يستوي من كان قصده رضوان ربه، والعمل على ما يرضيه، كمن ليس كذلك، ممن هو مكب على المعاصي، مسخط لربه، هذان لا يستويان في حكم الله، وحكمة الله، وفي فطر عباد الله.
{ أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } ولهذا قال هنا: { هم درجات عند الله } أي: كل هؤلاء متفاوتون في درجاتهم ومنازلهم بحسب تفاوتهم في أعمالهم.
فالمتبعون لرضوان الله يسعون في نيل الدرجات العاليات، والمنازل والغرفات، فيعطيهم الله من فضله وجوده على قدر أعمالهم، والمتبعون لمساخط الله يسعون في النزول في الدركات إلى أسفل سافلين، كل على حسب عمله، والله تعالى بصير بأعمالهم، لا يخفى عليه منها شيء، بل قد علمها، وأثبتها في اللوح المحفوظ، ووكل ملائكته الأمناء الكرام، أن يكتبوها ويحفظوها، ويضبطونها.
( أفمن اتبع رضوان الله ) وترك الغلول ، ( كمن باء بسخط من الله ) فعل ، ( ومأواه جهنم وبئس المصير )
«أفمن اتبع رضوان الله» فأطاع ولم يغل «كمن باء» رجع «بسخط من الله» لمعصيته وغلوله «ومأواه جهنم وبئس المصير» المرجع هي.
لا يستوي من كان قصده رضوان الله ومن هو مُكِبٌ على المعاصي، مسخط لربه، فاستحق بذلك سكن جهنم، وبئس المصير.
ثم أكد - سبحانه - نفى الظلم عن ذاته فقال : { أَفَمَنِ اتبع رِضْوَانَ الله } بأن واظب على ما يرضيه ، والتزم طاعته ، وترك كل ما نهى عنه من غلول وغيره { كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ الله } أى كمن رجع بغضب عظيم عليه من الله بسبب غلوله وخيانته وارتكابه لما نهى الله عنه من أقوال وأفعال؟فالآية الكريمة تفريع على قوله - تعالى - قبل ذلك { ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } وتأكيد لبيان أنه لا يستوى المحسن والمسىء والأمين والخائن .والاستفهام إنكارى بمعنى النفى ، أى لا يستوى من اتبع رضوان الله مع من باء بسخط منه .وقد ساق - سبحانه - هذا الكلام الحكيم بصيغة الاستفهام الإنكارى ، للتنبيه على أن عدم المساواة بين المسحن والمسىء أمر بدهى واضح لا تختلف فيه العقول والأفهام ، وأن أى إنسان عاقل لو سئل عن ذلك لأجاب بأنه لا يستوى من اتبع رضوان الله مع من رجع بسخط عظيم منه بسبب كفره أو فسقه وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - { أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ } وقوله { أَمْ نَجْعَلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِي الأرض } والفاء فى قوله { أَفَمَنِ اتبع } للعطف على محذوف والتقدير ، أمن اتقى فاتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله؟ثم أعقب - سبحانه - ذكر سخطه بذكر عقوبته فقال : { وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير } أى أن هذا الذى رجع بغضب عظيم عليه من الله - تعالى - بسبب كفره أو فسوقه أو خيانته ، سيكون مثواه ومصيره إلى النار وبئس ذلك المصير الذى صار إليه وكان له مرجعا ونهاية .
اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ أتبعه بتفصيل هذه الجملة، وبين ان جزاء المطيعين ما هو، وجزاء المسيئين ما هو، فقال: ﴿ أَفَمَنِ اتبع رضوان الله ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: للمفسرين فيه وجوه: الأول: ﴿ أَفَمَنِ اتبع رضوان الله ﴾ في ترك الغلول ﴿ كَمَن بَاء بِسَخطٍ مّنَ الله ﴾ في فعل الغلول، وهو قول الكلبي والضحاك.
الثاني: ﴿ أفمن اتبع رضوان الله ﴾ بالإيمان به والعمل بطاعته، ﴿ كمن باء بسخط من الله ﴾ بالكفر به والاشتغال بمعصيته.
الثالث: ﴿ أَفَمَنِ اتبع رضوان الله ﴾ وهم المهاجرون، ﴿ كَمَن بَاء بِسَخطٍ مّنَ الله ﴾ وهم المنافقون.
الرابع: قال الزجاج: لما حمل المشركون على المسلمين دعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الى أن يحملوا على المشركين، ففعله بعضهم وتركه آخرون.
فقال: ﴿ أَفَمَنِ اتبع رضوان الله ﴾ وهم الذين امتثلوا أمره ﴿ كَمَن بَاء بِسَخطٍ مّنَ الله ﴾ وهم الذين لم يقبلوا قوله، وقال القاضي: كل واحد من هذه الوجوه صحيح، ولكن لا يجوز قصر اللفظ عليه لأن اللفظ عام، فوجب أن يتناول الكل.
لأن كل من أقدم على الطاعة فهو داخل تحت قوله: ﴿ أَفَمَنِ اتبع رضوان الله ﴾ وكل من أخلد الى متابعة النفس والشهوة فهو داخل تحت قوله: ﴿ كَمَن بَاء بِسَخطٍ مّنَ الله ﴾ أقصى ما في الباب أن الآية نازلة في واقعة معينة، لكنك تعلم أن عموم اللفظ لا يبطل لأجل خصوص السبب.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ أَفَمَنِ اتبع ﴾ الهمزة فيه للانكار، والفاء للعطف على محذوف تقديره: أمن اتقى فاتبع رضوان الله.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ بَاء بِسَخطٍ ﴾ أي احتمله ورجع به، وقد ذكرناه في سورة البقرة.
المسألة الرابعة: قرأ عاصم في إحدى الروايتين عنه: ﴿ رضوان الله ﴾ بضم الراء، والباقون بالكسر وهما مصدران، فالضم كالكفران، والكسر كالحسبان.
المسألة الخامسة: قوله: ﴿ ومأواه جَهَنَّمُ ﴾ من صلة ما قبله والتقدير: كمن باء بسخط من الله وكان مأواه جهنم، فأما قوله: ﴿ وَبِئْسَ المصير ﴾ فمنقطع عما قبله وهو كلام مبتدأ، كأنه لما ذكر جهنم أتبعه بذكر صفتها.
المسألة السادسة: نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات أَن نَّجْعَلهُمْ كالذين آمنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ ومماتُهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ ﴾ وقوله: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِي الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار ﴾ واحتج القوم بهذه الآية على أنه لا يجوز من الله تعالى أن يدخل المطيعين في النار، وأن يدخل المذنبين الجنة، وقالوا: انه تعالى ذكر ذلك على سبيل الاستبعاد، ولولا أنه ممتنع في العقول، وإلا لما حسن هذا الاستبعاد، وأكد القفال ذلك فقال: لا يجوز في الحكمة أن يسوى المسيء بالمحسن، فإن فيه إغراء بالمعاصي وإباحة لها وإهمالا للطاعات.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِن يَنصُرْكُمُ الله ﴾ كما نصركم يوم بدر فلا أحد يغلبكم ﴿ وَإِن يَخْذُلْكُمْ ﴾ كما خذلكم يوم أحد ﴿ فَمَن ذَا الذى يَنصُرُكُم ﴾ فهذا تنبيه على أن الأمر كله لله وعلى وجوب التوكل عليه.
ونحوه ﴿ مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ﴾ [فاطر: 2] .
﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ من بعد خذلانه.
أو هو من قولك ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان؛ تريد إذا جاوزته.
وقرأ عبيد بن عمير: ﴿ وإن يخذلكم ﴾ ، من أخذله إذا جعله مخذولاً.
وفيه ترغيب في الطاعة وفيما يستحقون به النصر من الله تعالى والتأييد، وتحذير من المعصية ومما يستوجبون به العقوبة بالخذلان ﴿ وَعَلَى الله ﴾ وليخص المؤمنون ربهم بالتوكل والتفويض إليه لعلمهم أنه لا ناصر سواه، ولأن إيمانهم يوجب ذلك ويقتضيه.
يقال غلّ شيئاً من المغنم غلولاً وأغلّ إغلالاً، إذا أخذه في خفية.
يقال أغلّ الجازر، إذا سرق من اللحم شيئاً مع الجلد.
والغل: الحقد الكامن في الصدر.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «من بعثناه على عمل فغلّ شيئاً جاء يوم القيامة يحمله على عنقه» وقوله صلى الله عليه وسلم: «هدايا الولاة غلول» وعنه: «ليس على المستعير غير المغل ضمان» وعنه: «لا إغلال ولا إسلال» ويقال: أغله إذا وجده غالا، كقولك: أبخلته وأفحمته ومعنى ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ وما صحّ له ذلك، يعني أن النبوة تنافي الغلول، وكذلك من قرأ على البناء للمفعول فهو راجع إلى معنى الأوّل، لأن معناه: وما صح له أن يوجد غالاً، ولا يوجد غالا إلا إذا كان غالاً.
وفيه وجهان: أحدهما أن يبرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وينزه وينبه على عصمته بأن النبوّة والغلول متنافيان؟
لئلا يظن به ظانّ شيئاً منه وألا يستريب به أحد، كما روى: أنّ قطيفة حمراء فقدت يوم بدر.
فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها.
وروي: «أنها نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز وطلبوا الغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري، فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً، فقال صلى الله عليه وسلم: بل ظنتم أنا نغل ولا نقسم لكم» .
والثاني أن يكون مبالغة في النهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي: أنه بعث طلائع فغنمت غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع، فنزلت.
يعني: وما كان لنبيّ أن يعطي قوماً ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بالسوية.
وسمى حرمان بعض الغزاة ﴿ غلولا ﴾ تغليظاً وتقبيحاً لصورة الأمر، ولو قرئ: (أن يغل) من أغل بمعنى غل، لجاز ﴿ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة ﴾ يأت بالشيء الذي غله بعينه يحمله كما جاء في الحديث: «جاء يوم القيامة يحمله على عنقه» وروي: «ألا لا أعرفنّ أحدكم يأتي ببعير له رغاء وببقرة لها خوار وبشاة لها ثغاء، فينادي يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً فقد بلغتك» وعن بعض جفاة العرب أنه سرق نافجة مسك، فتليت عليه الآية فقال: إذاً أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل.
ويجوز أن يراد يأتي بما احتمل من وباله وتبعته وإثمه فإن قلت: هلا قيل: ثم يوفى ما كسب، ليتصل به؟
قلت: جيء بعامّ دخل تحته كل كاسب من الغال وغيره فاتصل به من حيث المعنى، وهو أبلغ وأثبت، لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيراً أو شراً مجزي فموفى جزاءه، علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ أي يعدل بينهم في الجزاء، كلٌّ جزاؤه على قدر كسبه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ ﴾ بِالطّاعَةِ.
﴿ كَمَن باءَ ﴾ رَجَعَ.
﴿ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ بِسَبَبِ المَعاصِي.
﴿ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَرْجِعِ أنَّ المَصِيرَ يَجِبُ أنْ يُخالِفَ الحالَةَ الأُولى ولا كَذَلِكَ المَرْجِعُ.
هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ شُبِّهُوا بِالدَّرَجاتِ لِما بَيْنَهم مِنَ التَّفاوُتِ في الثَّوابِ والعِقابِ، أوْ هم ذَوُو دَرَجاتٍ.
واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ عالِمٌ بِأعْمالِهِمْ ودَرَجاتِهِمْ صادِرَةٌ عَنْهم فَيُجازِيهِمْ عَلى حَسَبِها.
<div class="verse-tafsir"
أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)
{أَفَمَنِ اتبع رضوان الله} أي رضا الله قيل هم المهاجرون والأنصار {كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ الله} وهم المنافقون والكفار {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير} المرجع
﴿ أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ ﴾ أيْ سَعى في تَحْصِيلِهِ وانْتَحى نَحْوَهُ كَمَن باءَ أيْ رَجَعَ ﴿ بِسَخَطٍ ﴾ أيْ غَضَبٍ عَظِيمٍ جِدًّا وهو بِفَتْحَتَيْنِ مَصْدَرٌ قِياسِيٌّ ويُقالُ: بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وهو غَيْرُ مَقِيسٍ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ أيْ رَجَعَ مُصاحِبًا لِسَخَطٍ.
﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ كائِنٌ مِنهُ تَعالى.
وفِي المُرادِ مِنَ الآيَةِ أقْوالٌ: أحَدُها أنَّ المَعْنى ﴿ أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ ﴾ تَعالى في العَمَلِ بِالطّاعَةِ ﴿ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ ﴾ مِنهُ سُبْحانَهُ في العَمَلِ بِالمَعْصِيَةِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ.
ثانِيها: أنَّ مَعْناهُ ﴿ أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ ﴾ في تَرْكِ الغُلُولِ كالنَّبِيِّ ومَن يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ ﴿ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ تَعالى بِفِعْلِ الغُلُولِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِالمَقامِ.
ثالِثُها: أنَّ المُرادَ ﴿ أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ ﴾ تَعالى بِالجِهادِ في سَبِيلِهِ ﴿ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ ﴾ مِنهُ جَلَّ جَلالُهُ في الفِرارِ عَنْهُ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ والزَّجّاجِ، وقِيلَ: وهو المُطابِقُ لِما حُكِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا أُمِرَ بِالخُرُوجِ إلى أُحُدٍ قَعَدَ عَنْهُ جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ واتَّبَعَهُ المُؤْمِنُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ - وفِيهِ بُعْدٌ - وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
﴿ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ ﴾ أيْ مَصِيرُهُ ذَلِكَ، وفي الجُمْلَةِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِبَيانِ حالِ مَن باءَ بِسَخَطٍ، ويُفْهَمُ مِن مُقابِلِهِ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الرِّضْوانَ كانَ مَأْواهُ الجَنَّةُ، ولَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الزَّجْرِ، وقِيلَ: لَمْ يُذْكَرْ مَعَ الرِّضْوانِ الجَنَّةُ لِأنَّ رِضْوانَ اللَّهِ تَعالى أكْبَرُ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِكُلِّ نَعِيمٍ، وكَوْنُ السَّخَطِ مُسْتَلْزِمًا لِكُلِّ عِقابٍ فَيَقْتَضِي أنْ تُذْكُرَ مَعَهُ جَهَنَّمُ في حَيِّزِ المَنعِ لِسَبْقِ الجَمالِ الجَلالِ فافْهَمْ، والثّانِي: أنَّها داخِلَةٌ في حَيِّزِ المَوْصُولِ فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿ باءَ بِسَخَطٍ ﴾ عَطْفَ الصِّلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الصِّلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ ﴿ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ إمّا تَذْيِيلٌ أوِ اعْتِراضٌ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى الصِّلَةِ بِتَقْدِيرٍ، ويُقالُ: في حَقِّهِمْ ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فالمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ جَهَنَّمُ، و(المَصِيرُ) اسْمُ مَكانٍ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرِيَّةُ، وفَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ المَرْجِعِ بِأنَّ المَصِيرَ يَقْتَضِي مُخالَفَةَ ما صارَ إلَيْهِ مِن جَهَنَّمَ لِما كانَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الصَّيْرُورَةَ تَقْتَضِي الِانْتِقالَ مِن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى كَصارَ الطِّينُ خَزَفًا، والمَرْجِعُ انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالٍ قَدْ كانَ عَلَيْها كَقَوْلِكَ: مَرْجِعُ ابْنِ آدَمَ إلى التُّرابِ، وأمّا قَوْلُهم مَرْجِعُ العِبادِ إلى اللَّهِ تَعالى فَبِاعْتِبارِ أنَّهم يَنْقَلِبُونَ إلى حالٍ لا يَمْلِكُونَ فِيها لِأنْفُسِهِمْ شَيْئًا كَما كانَ قَبْلَ ما مَلَكُوا.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: يَغُل بنصب الياء.
وقرأ الباقون: يُغَل بضم الياء ونصب الغين.
فمن قرأ بالنصب معناه: وما كان لنبي أن يخون في الغنيمة، ومن قرأ بالضم فمعناه: لا ينسب إلى الغلول.
وذلك أنه لما كان يوم أحد أخذوا في النهب والغارة وتركوا القتال، وخافوا أن تفوتهم الغنيمة، وظنوا أن من أخذ شيئاً يكون له، وأن النبيّ لا يقسم لهم، فنزلت هذه الآية: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ يقول: ما جاز لنبيّ أن يخون في الغنيمة، وما جاز لأصحابه أن ينسبوه إلى الخيانة وَمَنْ يَغْلُلْ أي يخن في الغنيمة يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني يحمله على ظهره.
وهذا كما روي عن رسول الله أنه قال: «لأَعرِفَنّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ يَأْتِي عَلَى عُنقِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ: لاَ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله شَيْئاً» يريد أن من غل شاة أو بقرة، أتى بها يوم القيامة يحملها.
ويقال: من غلّ شيئاً في الدنيا، يمثل له يوم القيامة في النار، ثم يقال له: انزل إليه فَخُذْه، فيهبط إليه فإذا انتهى إليه حمله، فكلما انتهى به إلى الباب سقط منه إلى أسفل جهنم، فيرجع فيأخذه فلا يزال كذلك ما شاء الله.
ويقال: يَأْتِ بِما غَلَّ يعني تشهد عليه يوم القيامة تلك الخيانة والغلول، ويقال هذا على سبيل التمثيل يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي بوباله، فيكون وباله على عنقه كما قال في آية أخرى: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ [الأنعام: 31] .
ثم قال تعالى: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ أي توفى وتجازى كل نفس ما عملت من خير أو شر وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ يعني لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ قال الكلبي: يعني أفمن أخذ الحلال من الغنيمة كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ يعني: كمن استوجب سخطاً من الله بأخذ الغلول من الغنائم.
ثم بيّن مستقر كل من غل يوم القيامة ومن أخذ من الحلال، فقال لمن غل: وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ الذي صاروا إليه يعني النار.
وقال في حق من أخذ الحلال: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ يعني لهم درجات في الجنة عند الله، ويقال: هم ذوو درجات عند الله وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ أي بمن غلّ وبمن لم يغل.
وقال القتبي: هي طبقات عند الله في الفضل، فبعضهم أرفع من بعض.
وقال أبو عبيدة والكسائي: لهم درجات عند الله، ويقال لمن لم يغل درجات في الجنة، ولمن غل درجات في النار.
<div class="verse-tafsir"
«التذكرة» «١» ، وما وقَعَ من ذكْرِ الحَثْيَةِ والحَفْنَةِ لَيْسَ هو على ظاهره، فاللَّه سبحانه منزَّه عن صفَاتِ الأجْسَامِ.
وقوله تعالى: وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ أيْ: يترككم، والخذل الترك، والضميرُ في: مِنْ بَعْدِهِ يعودُ على اسمِ اللَّهِ، ويحتملُ على الخذل.
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣)
وقوله تعالى: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ، قرأ ابنُ كَثِيرٍ «٢» ، وأبو عَمْرٍو، وعاصم: «أَنْ يَغُلَّ» بفتح الياء، وضم الغين، وقرأ باقي السبعة: «أَنْ يُغَلَّ» بضم الياء، وفتح الغين، واللفظةُ بمعنى الخِيَانة في خَفَاءِ، تقولُ العربُ: أَغَلَّ الرَّجُلُ يُغِلُّ إغْلاَلاً، إذا خان، واختلفَ عَلَى القراءة الأولى، فقال ابنُ عَبَّاسٍ وغيره: نزلَتْ بسبب قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ فُقِدَتْ من المغانمِ يَوْمَ بَدْرٍ، فقال بعضُ النَّاس: لعلَّ رسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم أَخَذَهَا «٣» ، فقيلَ: كانت هذه المَقَالَةُ مِنْ مؤمِنٍ لم يَظُنَّ في ذلك حَرَجاً.
وقيل: كانَتْ من منافِقين، وقد رُوِيَ أن المفقود إنما كَانَ سَيْفاً، قال النَّقَّاش: ويقال:
إنما نزلَتْ لأن الرماة قالوا يوم أُحُدٍ: الغنيمةَ الغنيمةَ، فإنا نخشى أن يقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: مَنْ أَخَذ شيئاً، فهو له «٤» ، وقال ابْنُ إسحاق: الآية إنما أنزلَتْ، إعلاماً بأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يكتم شيئاً مما أُمِرَ بتبليغه «٥» .
وأمَّا على القراءة الثانيةِ، فمعناها عند الجمهور، أي: ليس لأحدٍ أنْ يغل النبيَّ، أيْ:
يخونه في الغنيمة لأنَّ المعاصِيَ تَعْظُمُ بحَضْرته لتعيين توقيره.
قال ابن العربي «١» في «أحكامه» : وهذا القول هو الصحيحُ، وذلك أنَّ قوماً غَلُّوا من الغنائمِ، أو هَمُّوا، فأنزل اللَّه تعالَى الآية، فنهاهُمُ اللَّه عن ذلك، رواه الترمذيُّ.
انتهى.
وقوله تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ...
الآية: وعيدٌ لِمَنْ يغل من الغنيمة، أو في زكاته بالفَضِيحَة يَوْمَ القيامة على رءوس الأَشهاد، قال القرطبيُّ في «تذكرته» «٢» : قال علماؤنا (رحمهم اللَّه) في قوله تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ: إنّ ذلك على الحقيقة كما بيّنه صلّى الله عليه وسلّم، أي: يأتي به حاملاً له على ظهره ورقبته، معذَّباً بحمله وثِقَلِهِ، ومروَّعاً بصوته، وموبَّخاً بإظهار خيانته.
انتهى.
وفي الحديث عنه صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «أَدُّوا الْخَائِطَ وَالمَخِيطَ فَإنَّ الغُلُولَ عَارٌ ونَارٌ وشَنَارٌ على أَهْلِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» «٣» رواه مالكٌ في «الموطَّأ» ، قال أبو عُمَرَ في «التمهيد» : الشَّنَار: لَفْظَةٌ جامعةٌ لمعنَى العَارِ وَالنَّارِ، ومعناها الشَّيْن، والنَّار يريد أن الغلول شَيْنٌ وعارٌ ومنْقَصَة في الدُّنْيا، وعذابٌ في الآخرة.
انتهى، وفي الباب أحاديثُ صحيحةٌ في الغُلُولِ، وفي مَنْعِ الزكاة.
وقوله سبحانه: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ، أي: الطاعة الكفيلة بِرضْوَان اللَّه.
قال ص: «أَفَمَنْ» : استفهام، معناه: النَّفْيُ، أي: ليس مَنِ اتبع مَا يَئُولُ به إلى رِضَا اللَّه تعالى عَنْه فباء برضَاه، كَمَنْ لم يَتَّبِعْ ذلك فباء بسَخَطه.
انتهى.
وقوله سبحانه: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ قال ابنُ إسحاق وغيره: المراد بذلك الجَمْعَانِ المذكورانِ أهل الرِّضْوان، وأصحاب السَّخَط «٤» ، / أيْ: لكلِّ صِنْفٍ منهم تَبَايُنٌ في نفسه في منازل الجنة، وفي أطباق النَّار أيضاً، وقال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ ما ظاهره: أن المراد بقوله: «هم» ، إنما هو لمتبعي الرضْوان «٥» ، أي: لهم درجاتٌ كريمةٌ عند ربهم، وفي الكلامِ حذفٌ، تقديره: هُمْ ذَوْو دَرَجَاتٍ، والدرجاتُ: المنازلُ بعضها أعلى من بعض في المَسَافة، أو في التكرمة، أو في العذاب، وباقي الآية وعد ووعيد.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ ﴾ اخْتَلَفُوا في مَعْنى هَذِهِ الآَيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَعْناها: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ، فَلَمْ يَغُلَّ، ﴿ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ حِينَ غَلَّ؟!
هَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، والجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ لَمّا أمَرَ المُسْلِمِينَ بِاتِّباعِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، اتَّبَعَهُ المُؤْمِنُونَ، وتَخَلَّفَ جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ بِحالِ مَن تَبِعَهُ، ومَن تَخَلَّفَ عَنْهُ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ ﴿ أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ ﴿ هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في صِيغَةِ: وما كانَ لِكَذا أنْ يَكُونَ كَذا، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ "يَغُلَّ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ.
وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ "أنْ يُغَلَّ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ، وبِها قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ.
واللَفْظَةُ: بِمَعْنى الخِيانَةِ في خَفاءٍ.
قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الغَلَلِ؛ وهو الماءُ الجارِي في أُصُولِ الشَجَرِ والدَوْحِ، قالَ أبُو عَمْرٍو: تَقُولُ العَرَبُ: أغَلَّ الرَجُلُ يُغِلُّ إغْلالًا: إذا خانَ، ولَمْ يُؤَدِّ الأمانَةَ، ومِنهُ قَوْلُ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: جَزى اللهُ عَنِّي جَمْرَةَ بْنَةَ نَوْفَلٍ جَزاءَ مُغِلٍّ بِالأمانَةِ كاذِبِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ شُرَيْحٌ: لَيْسَ عَلى المُسْتَعِيرِ غَيْرِ المُغِلِّ ضَمانٌ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَقُولُ في الغِلِّ الَّذِي هو الضَغَنُ: غَلَّ يَغِلُّ بِكَسْرِ الغَيْنِ.
ويَقُولُونَ في الغُلُولِ مِنَ الغَنِيمَةِ: غَلَّ يَغُلُّ بِضَمِّ الغَيْنِ.
والحُجَّةُ لِمَن قَرَأ "يَغُلَّ" أنَّ ما جاءَ مِن هَذا النَحْوِ في التَنْزِيلِ أُسْنِدَ الفِعْلُ فِيهِ إلى الفاعِلِ عَلى نَحْوِ: ﴿ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ﴾ ﴿ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ ﴾ ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ ﴾ ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهُمْ ﴾ ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ﴾ ولا يَكادُ يَجِيءُ: ما كانَ زَيْدٌ لِيُضْرَبَ فَيُسْنَدُ الفِعْلُ فِيهِ إلى المَفْعُولِ بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا الِاحْتِجاجِ نَظَرٌ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ "يَغُلَّ" بِضَمِّ الغَيْنِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ "يُغَلَّ" بِفَتْحِ الغَيْنِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلى واللهِ ويُقْتَلُ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في السَبَبِ الَّذِي أوجَبَ أنْ يَنْفِيَ اللهُ تَعالى عَنِ النَبِيِّ أنْ يَكُونَ غالًّا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ -الَّتِي هي بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَطِيفَةٍ حَمْراءَ فُقِدَتْ مِنَ المَغانِمِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ مَن كانَ مَعَ النَبِيِّ : لَعَلَّ رَسُولَ اللهِ أخَذَها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قِيلَ: كانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِن مُؤْمِنِينَ لَمْ يَظُنُّوا أنَّ في ذَلِكَ حَرَجًا، وقِيلَ: كانَتْ مِن مُنافِقِينَ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ المَفْقُودَ إنَّما كانَ سَيْفًا.
قالَ النَقّاشُ: ويُقالُ: «إنَّما نَزَلَتْ لِأنَّ الرُماةَ قالُوا يَوْمَ أُحُدٍ: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ أيُّها الناسُ، إنَّما نَخْشى أنْ يَقُولَ النَبِيُّ : مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ، فَلَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ، قالَ: "خَشِيتُمْ أنْ نَغُلَّ؟" ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وقالَ الضَحّاكُ: بَلِ السَبَبُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ : بَعَثَ طَلائِعَ في بَعْضِ غَزَواتِهِ ثُمَّ غَنِمَ قَبْلَ مَجِيئِهِمْ، فَقَسَمَ لِلنّاسِ ولَمْ يَقْسِمْ لِلطَّلائِعِ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ عِتابًا: ﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ » أيْ: يَقْسِمَ لِبَعْضٍ ويَتْرُكَ بَعْضًا، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا القَوْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّجِهُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ الآيَةُ إعْلامًا بِعَدْلِ رَسُولِ اللهِ وقَسْمِهِ لِلْغَنائِمِ، ورَدًّا عَلى الأعْرابِ الَّذِينَ صاحُوا بِهِ: اقْسِمْ عَلَيْنا غَنائِمَنا يا مُحَمَّدُ، وازْدَحَمُوا حَتّى اضْطَرُّوهُ إلى السَمُرَةِ الَّتِي أخَذَتْ رِداءَهُ، ونَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الآيَةُ إنَّما نَزَلَتْ إعْلامًا بِأنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يَكْتُمْ شَيْئًا مِمّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَأنَّ الآيَةَ عَلى هَذا في قِصَّةِ أُحُدٍ، لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿ وَشاوِرْهم في الأمْرِ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اسْتَحْسَنُوهُ بَعْدَ إساءَتِهِمْ مِنَ العَفْوِ عنهم ونَحْوِهِ، وبِالجُمْلَةِ فَهو تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ، وكانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ "يُغِلَّ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الغَيْنِ، لِأنَّهُ مِنَ الإغْلالِ في الأمانَةِ.
وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ: "أنْ يُغَلَّ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ، فَمَعْناها عِنْدَ جُمْهُورٍ مِن أهْلِ العِلْمِ: أنْ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَغُلَّهُ، أيْ يَخُونَهُ في الغَنِيمَةِ.
فالآيَةُ في مَعْنى نَهْيِ الناسِ عَنِ الغُلُولِ في المَغانِمِ والتَوَعُّدِ عَلَيْهِ.
وخُصَّ النَبِيُّ بِالذِكْرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ مَحْظُورًا مَعَ الأُمَراءِ لِشُنْعَةِ الحالِ مَعَ النَبِيِّ ، لِأنَّ المَعاصِيَ تَعْظُمُ مَعَ حَضْرَتِهِ لِتَعَيُّنِ تَوْقِيرِهِ، والوُلاةُ وإنَّما هم عن أمْرِ النَبِيِّ فَلَهم حَظُّهم مِنَ التَوْقِيرِ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: مَعْنى "أنْ يُغَلَّ" أنْ يُوجَدَ غالًّا، كَما تَقُولُ: أحْمَدْتُ الرَجُلَ وجَدْتَهُ مَحْمُودًا، فَهَذِهِ القِراءَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَرْجِعُ إلى مَعْنى "يَغُلَّ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَعْنى "يُغَلَّ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ يُقالُ لَهُ: غَلَلْتَ ويُنْسَبُ إلى ذَلِكَ، كَما تَقُولُ أسْقَيْتُهُ، إذا قُلْتَ: سَقاكَ اللهُ كَما قالَ ذُو الرُمَّةِ: وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ مُوَقِّرٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ.
ونَحْوُهُ في الكَلامِ: أكْفَرْتُ الرَجُلَ إذا نَسَبْتَهُ إلى الكُفْرِ، وقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا آكُلُ سَمْنًا حَتّى يَحْيا الناسُ مِن أوَّلِ ما يَحْيَوْنَ"، أيْ يَدْخُلُونَ في الحَيا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ وعِيدٌ لِمَن يَغُلُّ مِنَ الغَنِيمَةِ، أو في زَكاتِهِ فَيَجْحَدُها ويُمْسِكُها، فالفَضِيحَةُ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنْ يَأْتِيَ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ بِالشَيْءِ الَّذِي غَلَّ في الدُنْيا.
ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ خَطَبَ فَقالَ: "ألا عَسى رَجُلٌ مِنكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ شاةٌ لَها ثُغاءٌ، يَقُولُ: يا رَسُولَ اللهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ" ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَلامُ في بَقَرَةٍ لَها خُوارٌ، وجَمَلٍ لَهُ رُغاءٌ، وفَرَسٍ لَهُ حَمْحَمَةٌ.» ورَوى نَحْوَ هَذا الحَدِيثِ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ النَبِيُّ : « "لا أعْرِفَنَّ أحَدَكم يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ يَحْمِلُ شاةً لَها ثُغاءٌ...."» الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
ورَوى نَحْوَهُ أبُو حُمَيْدٍ الساعِدِيُّ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ : « "أدُّوا الخِياطَ والمِخْيَطَ" فَقامَ رَجُلٌ فَجاءَ بِشِراكٍ أو شِراكَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "شِراكٌ أو شِراكانِ مِن نارٍ"» وقالَ في مِدْعَمٍ: « "إنَّ الشَمْلَةَ الَّتِي غَلَّ مِنَ المَغانِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نارًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الفَضِيحَةُ الَّتِي يُوقِعُ اللهُ بِالغالِّ هي نَظِيرَةُ الفَضِيحَةِ الَّتِي تُوقَعُ بِالغادِرِ؛ في أنْ يُنْصَبَ لَهُ لِواءٌ بِغَدْرَتِهِ حَسَبَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، وجَعَلَ اللهُ هَذِهِ المُعاقَباتِ حَسْبَما يَعْهَدُهُ البَشَرُ ويَفْهَمُونَهُ، ألا تَرى إلى قَوْلِ الحادِرَةِ أسُمَيُّ ويْحَكِ هَلْ سَمِعْتِ بِغَدْرَةٍ ∗∗∗ رُفِعَ اللِواءُ لَنا بِها في المَجْمَعِ وكانَتِ العَرَبُ تَرْفَعُ لِلْغادِرِ لِواءً، وكَذَلِكَ يُطافُ بِالجانِي مَعَ جِنايَتِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ: ﴿ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَن باءَ ﴾ ....
الآيَةُ، تَوْقِيفٌ عَلى تَبايُنِ المَنزِلَتَيْنِ وافْتِراقِ الحالَتَيْنِ، والرِضْوانُ: مَصْدَرٌ، وقَرَأهُ عاصِمٌ -فِيما رُوِيَ عنهُ- بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ جَمِيعُهم بِكَسْرِها، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِي عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأها بِكَسْرِ الراءِ وضَمِّ الضادِ، وهَذا كُلُّهُ بِمَعْنىً واحِدٍ مَصْدَرٌ مِنَ الرِضى.
والمَعْنى: اتَّبَعُوا الطاعَةَ الكَفِيلَةَ بِرِضْوانِ اللهِ، فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ وَ"باءَ بِسَخَطٍ" مَعْناهُ: مَضى مُتَحَمِّلًا لَهُ، والسَخَطُ: صِفَةُ فِعْلٍ، وقَدْ تَتَرَدَّدُ مَتى لُحِظَ فِيها مَعْنى الإرادَةِ.
وقالَ الضَحّاكُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشِيرَةٌ إلى أنَّ مَن لَمْ يَغُلَّ واتَّقى؛ فَلَهُ الرِضْوانُ، وإلى أنَّ مَن غَلَّ وعَصى فَلَهُ السَخَطُ.
وقالَ غَيْرُهُ: هي مُشِيرَةٌ إلى أنَّ مَنِ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ فَلَهُ الرِضْوانُ، وإلى المُنافِقِينَ الراجِعِينَ عَنِ النَبِيِّ فَلَهُمُ السَخَطُ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "هم دَرَجاتٌ"؛ مَنِ المُرادُ بِذَلِكَ؟
فَقالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِذَلِكَ الجَمْعانِ المَذْكُورانِ، أهْلُ الرِضْوانِ وأصْحابُ السَخَطِ، أيْ: لِكُلِّ صِنْفٍ مِنهم تَبايُنٌ في نَفْسِهِ؛ في مَنازِلِ الجَنَّةِ، وفي أطْباقِ النارِ أيْضًا.
وقالَ مُجاهِدٌ والسُدِّيُّ ما ظاهِرُهُ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: "هُمْ" إنَّما هو لِمُتَّبِعِي الرِضْوانِ، أيْ: لَهم دَرَجاتٌ كَرِيمَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: هم دَرَجاتٌ، والدَرَجاتُ: المَنازِلُ بَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ في المَسافَةِ أو في التَكْرِمَةِ، أو في العَذابِ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ "هم دَرَجَةٌ" بِالإفْرادِ.
وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ ووَعْدٌ.
<div class="verse-tafsir"
تفريع على قوله: ﴿ ثم توفى محل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ﴾ فهو كالبيان لتوفية كلّ نفس بما كسبت.
والاستفهام إنكار للمماثلة المستفادة من كاف التَّشبيه فهو بمعنى لا يستوون.
والاتِّباع هنا بمعنى التطلّب: شبه حَال المتوّخي بأفعاله رضَى الله بحال المتطلِّب لطِلْبَة فهو يتبعها حيث حلّ ليقتنصها، وفي هذا التَّشبيه حسن التنبيه على أنّ التحصيل على رضوان الله تعالى محتاج إلى فرط اهتمام، وفي فعل (باء) من قوله: ﴿ كمن بآء بسخط من الله ﴾ تمثيل لحال صاحب المعاصي بالَّذي خرج يطلب ما ينفعه فرجع بما يضرّه، أو رجع بالخيبة كما تقدّم في معنى قوله تعالى: ﴿ فما ربحت تجارتهم ﴾ في سورة البقرة (16).
وقد علم من هذه المقابلة حال أهل الطاعة وأهل المعصية، أوْ أهللِ الإيمان وأهللِ الكفر.
وقوله: هم درجات عند الله } عاد الضّمير ل ﴿ من اتَّبع رضوان الله ﴾ لأنَّهم المقصود من الكلام، ولقرينة قوله: ﴿ درجات ﴾ لأن الدرجات منازل رفعة.
وقوله: ﴿ عند الله ﴾ تشريف لمنازلهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ، وما صِلَةٌ دَخَلَتْ لِحُسْنِ النَّظْمِ.
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ ﴾ الفَظُّ: الجافِي، والغَلِيظُ القَلْبِ: القاسِي، وجَمَعَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ، وإنْ كانَ مَعْناهُما واحِدًا لِلتَّأْكِيدِ.
﴿ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ ﴾ وفي أمْرِهِ بِالمُشاوَرَةِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ في الحَرْبِ لِيَسْتَقِرَّ لَهُ الرَّأْيُ الصَّحِيحُ فِيهِ، قالَ الحَسَنُ: ما شاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أُمُورِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ تَأْلِيفًا لَهم وتَطْيِبًا لِأنْفُسِهِمْ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ لِما عَلِمَ فِيها مِنَ الفَضْلِ، ولِتَتَأسّى أُمَّتُهُ بِذَلِكَ بَعْدَهُ ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ لِيَسْتَنَّ بِهِ المُسْلِمُونَ ويَتْبَعَهُ فِيها المُؤْمِنُونَ وإنْ كانَ عَنْ مَشُورَتِهِمْ غَنِيًّا، وهَذا قَوْلُ سُفْيانَ.
﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ (يُغَلُّ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ.
فَفي تَأْوِيلِ مَن قَرَأ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: «أنَّ قَطِيفَةً حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: أخَذَها رَسُولُ اللَّهِ ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في طَلائِعَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ وجَّهَهم في وجْهٍ، ثُمَّ غَنِمَ الرَّسُولُ فَلَمْ يَقْسِمْ لِلطَّلائِعِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ أيْ يَقْسِمَ لِطائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ويَتْرُكَ طائِفَةً ويَجُورَ في القَسْمِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكْتُمَ النّاسَ ما بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ لِرَهْبَةٍ مِنهُ ولا رَغْبَةٍ فِيهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.
وَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ (يُغَلُّ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي: وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَتَّهِمَهُ أصْحابُهُ ويُخَوِّنُوهُ.
والثّانِي: مَعْناهُ: وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ أصْحابَهُ ويُخَوِّنَهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
وَأصْلُ الغُلُولِ الغَلَلُ وهو دُخُولُ الماءِ في خِلالِ الشَّجَرِ، فَسُمِّيَتِ الخِيانَةُ غُلُولًا لِأنَّها تَجْرِي في المالِ عَلى خَفاءٍ كَجَرْيِ الماءِ، ومِنهُ الغِلُّ الحِقْدُ لِأنَّهُ العَداوَةُ تَجْرِي في النَّفْسِ مَجْرى الغَلَلِ.
﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ وفي وجْهِ المِنَّةِ بِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِيَكُونَ ذَلِكَ شَرَفًا لَهم.
والثّانِي: لِيُسَهِّلَ عَلَيْهِمْ تَعَلُّمَ الحِكْمَةِ مِنهُ لِأنَّهُ بِلِسانِهِمْ.
والثّالِثُ: لِيُظْهِرَ لَهم عِلْمَ أحْوالِهِ مِنَ الصِّدْقِ والأمانَةِ والعِفَّةِ والطَّهارَةِ.
﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَشْهَدُ لَهم بِأنَّهم أزْكِياءُ في الدِّينِ.
والثّانِي: أنْ يَدْعُوَهم إلى ما يَكُونُونَ بِهِ أزْكِياءَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ يَأْخُذُ مِنهُمُ الزَّكاةَ الَّتِي يُطَهِّرُهم بِها، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج أبو داود وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق مقسم عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ في قطيفة حمراء افتقدت يوم بدر فقال بعض الناس: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها.
فأنزل الله: ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن الأعمش قال: كان ابن مسعود يقرأ ﴿ ما كان لنبي أن يغل ﴾ فقال ابن عباس: بلى.
ويقتل، إنما كانت في قطيفة قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم غلها يوم بدر.
فأنزل الله: ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: نزلت هذه الآية ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من الغنيمة.
وأخرج الطبراني بسند جيد عن ابن عباس قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً فردت رايته، ثم بعث فردت بغلول رأس غزالة من ذهب.
فنزلت ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ » .
وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ قال: ما كان لنبي أن يتهمه أصحابه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن عباس قال: فقدت قطيفة حمراء يوم بدر مما أصيب من المشركين فقال بعض الناس: لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها.
فأنزل الله: ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ قال: خصيف فقلت لسعيد بن جبير ﴿ ما كان لنبي أن يغل ﴾ يقول: ليخان قال: بل يغل، فقد كان النبي والله يغل ويقتل أيضاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ بنصب الياء ورفع الغين.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الرحمن السلمي وأبي رجاء ومجاهد وعكرمة.
مثله.
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ بفتح الياء.
وأخرج ابن منيع في مسنده عن أبي عبد الرحمن قال: قلت لابن عباس إن ابن مسعود يقرأ ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ يعني بفتح الغين فقال لي: قد كان له أن يغل وأن يقتل، إنما هي ﴿ أن يغل ﴾ يعني بضم الغين.
ما كان الله ليجعل نبياً غالاً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ قال: أن يقسم لطائفة من المسلمين ويترك طائفة ويجور في القسمة، ولكن يقسم بالعدل، ويأخذ فيه بأمر الله، ويحكم فيه بما أنزل الله يقول: ما كان الله ليجعل نبياً يغل من أصحابه فإذا فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم استسنوا به.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير من طريق سلمة بن نبيط عن الضحاك قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم طلائع، فغنم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسم بين الناس ولم يقسم للطلائع شيئاً، فلما قدمت الطلائع قالوا: قسم الفيء ولم يقسم لنا؟
فأنزل الله: ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ » .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ قال: أن يقسم لطائفة ولا يقسم لطائفة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ قال أن يخون.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن أنه قرأ ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ بنصب الغين قال: أن يخان.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة والربيع ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ يقول: ما كان لنبي أن يغله أصحابه الذين معه.
وذكر لنا أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وقد غل طوائف من أصحابه.
وأخرج الطبراني والخطيب في تاريخه عن مجاهد قال: كان ابن عباس ينكر على من يقرأ ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ ويقول: كيف لا يكون له أن يغل وقد كان له أن يقتل؟
قال الله: ﴿ ويقتلون الأنبياء بغير حق ﴾ [ البقرة: 61] ولكن المنافقين اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من الغنيمة، فأنزل الله: ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن زيد بن خالد الجهني.
«أن رجلاً توفي يوم حنين فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صلوا عليه.
فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال: إن صاحبكم غل في سبيل الله، ففتشنا متاعه فوجدنا خرزاً من خرز اليهود لا يساوي درهمين» .
وأخرج الحاكم وصححه عن عبدالله بن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب غنيمة أمر بلالاً فنادى في النار، فيجيئون بغنائمهم، فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال: يا رسول الله هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة فقال: أسمعت بلالاً ثلاثاً؟
قال: نعم.
قال: فما منعك أن تجيء به؟
قال: يا رسول الله أعتذر.
قال: كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله عنك» .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن صالح بن محمد بن زائدة قال: دخل مسلمة أرض الروم، فأتي برجل قد غل فسأل سالماً عنه فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه، واضربوه.
قال فوجدنا في متاعه مصحفاً، فسئل سالم عنه فقال: بعه وتصدق بثمنه» .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبدالله بن شقيق قال: «أخبرني من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى وجاءه رجل فقال: استشهد مولاك فلان.
قال: بل هو الآن يُجَرُّ إلى النار في عباءة غلَّ بها الله ورسوله» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: «كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو في النار.
فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه عباءة قد غلها» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك قال: «قيل يا رسول الله استشهد مولاك فلان قال: كلا.
إني رأيت عليه عباءه قد غلها» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: «أهدى رفاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً فخرج به معه إلى خيبر، فنزل بين العصر والمغرب، فأتى الغلام سهم غائر فقتله.
فقلنا هنيئاً لك الجنة فقال: والذي نفسي بيده إن شملته لُتحْرَقَ عليه الآن في النار، غلها من المسلمين.
فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أصبت يومئذ شراكين فقال: يقدمنك مثلها من نار جهنم» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن سالم قال: كان أصحابنا يقولون: عقوبة صاحب الغلول، أن يحرق فسطاطه ومتاعه.
وأخرج الطبراني عن كثير بن عبدالله عن أبيه عن جده.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا إسلال ولا غلول ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ » وأخرج الترمذي وحسنه عن معاذ بن جبل قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فلما سرت أرسل في أثري فرددت فقال: أتدري لمَ بعثت إليك؟
لا تصيبن شيئاً بغير إذني فإنه غلول ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ لهذا دعوتك، فامضِ لذلك» .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: «ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غنم مغنماً بعث مناديه يقول: ألا لا يغلن رجل مخيطاً فما فوقه، ألا لا أعرفن رجلاً يغل بعيراً يأتي به يوم القيامة حامله على عنقه له رغاء، ألا لا أعرفن رجلاً يغل فرساً يأتي به يوم القيامة حامله على عنقه له حمحمة، ألا لا أعرفن رجلاً يغل شاة يأتي بها يوم القيامة حاملها على عنقه لها ثغاء يتتبع من ذلك ما شاء الله أن يتتبع.
ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: اجتنبوا الغلول فإنه عار، وشنار، ونار» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن جرير والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فذكر الغلول، فعظمه وعظم أمره ثم قال: ألا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك» .
وأخرج هناد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة.
أن رجلاً قال له: أرأيت قول الله: ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ هذا يغل ألف درهم وألفي درهم يأتي بها، أرأيت من يغل مائة بعير ومائتي بعير كيف يصنع بها؟
قال: أرأيت من كان ضرسه مثل أحد، وفخذه مثل ورقان، وساقه مثل بيضاء، ومجلسه ما بين الربذة إلى المدينة.
ألا يحمل مثل هذا.
وأخر ج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن بريدة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الحجر ليزن سبع خلفات ليلقى في جهنم فيهوى فيها سبعين خريفاً، ويؤتى بالغلول فيلقى معه ثم يكلف صاحبه أن يأتي به وهو قول الله: ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود عن عدي بن عميرة الكندي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس من عمل منكم لنا في عمل فكتمنا منه مخيطاً فما فوقه فهو غل وفي لفظ فإنه غلول يأتي به يوم القيامة» .
وأخرج ابن جرير عن عبدالله بن أنيس.
أنه تذاكر هو وعمر يوماً الصدقة فقال: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر غلول الصدقة، من غل منها بعيراً أو شاة فإنه يحمله يوم القيامة؟
قال عبدالله بن أنيس: بلى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ يعني يأت بما غل يوم القيامة يحمله على عنقه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمرو قال: لو كنت مستحلاً من الغلول القليل لاستحللت منه الكثير، ما من أحد يغل غلولاً إلا كلف أن يأتي به من أسفل درك جهنم.
وأخرج أحمد وابن أبي داود في المصاحف عن خمير بن مالك قال: لما أمر بالمصاحف أن تغير فقال ابن معسود: من استطاع منكم أن يغل مصحفه فليغله فإنه، من غل شيئاً جاء به يوم القيامة، ونعم الغل المصحف يأتي به أحدكم يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ أفمن اتبع رضوان الله ﴾ يعني رضا الله فلم يغلل في الغنيمة ﴿ كمن باء بسخط من الله ﴾ يعني كمن استوجب سخطاً من الله في الغلول فليس هو بسواء، ثم بين مستقرهما فقال للذي يغل ﴿ مأواه جهنم وبئس المصير ﴾ يعني مصير أهل الغلول، ثم ذكر مستقر من لا يغل فقال: ﴿ هم درجات ﴾ يعني فضائل ﴿ عند الله والله بصير بما يعملون ﴾ يعني بصير بمن غل منكم ومن لم يغل.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ أفمن اتبع رضوان الله ﴾ قال: من لم يغل ﴿ كمن باء بسخط من الله ﴾ كمن غل.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج ﴿ أفمن اتبع رضوان الله ﴾ قال: أمر الله في أداء الخمس ﴿ كمن باء بسخط من الله ﴾ فاستوجب سخطاً من الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ أفمن اتبع رضوان الله ﴾ قال: من أدى الخمس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ أفمن اتبع رضوان الله ﴾ يقول: من أخذ الحلال خير له ممن أخذ الخرام وهذا في الغلول، وفي المظالم كلها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ هم درجات عند الله ﴾ يقول: بأعمالهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ هم درجات عند الله ﴾ قال: هي كقوله: ﴿ لهم درجات عند الله ﴾ [ الأنفال: 4] .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ هم درجات ﴾ يقول: لهم درجات.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن قوله: ﴿ هم درجات ﴾ قال: للناس درجات بأعمالهم في الخير والشر.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ هم درجات عند الله ﴾ قال: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذين فاق فضله على الذي أسفل منه، ولا يرى الذي أسفل منه أنه فضل عليه أحد.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾ .
يعني: بترك الغُلُولِ -في قول: الكلبي (١) (٢) ﴿ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ ، في فِعْلِ الغُلول.
وقيل: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾ بالعمل بطاعته والإيمان، ﴿ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ في العملِ بمعصيته، والكفر به.
وهذا القولُ يُحكَى عن محمد بن إسحاق (٣) وعلى هذا المعنى دلّ كلامُ ابن عباس -في رواية عطاء-؛ لأنه قال (٤) ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾ ؛ يريد: المهاجرين والأنصار، {كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ}؛ يريد: المنافقين.
وقال الزجاج (٥) ، حين أمر المسلمين يوم أحد بالحرب، اتَّبَعَهُ المؤمنون، وتَخَلَّفَ عنه جماعةٌ مِنَ المنافقين (٦) فأعلم الله عز وجل: أنّ مَنْ اتَّبَعَ نَبِيَّهُ، اتَّبَعَ رِضوانَهُ، وأنَّ مَن تَخَلّف عنه فقد باء بِسَخَطٍ مِنَ الله.
ومعنى (باءَ به)؛ أي: احتمله، ورَجَع به.
وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة (٧) (١) قوله في "بحر العلوم" 1/ 312.
(٢) قوله في: "المصنف" لعبد الرزاق 5/ 246 رقم (9507)، و"تفسير الطبري" 4/ 161، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 806.
وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 165 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر.
(٣) قوله في: "سيرة ابن هشام" 3/ 70، و"تفسير الطبري" 4/ 161، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 807.
(٤) لم أقف على مصدر قوله.
(٥) في "معاني القرآن" له 1/ 486.
نقله عنه بتصرف.
(٦) انظر: تفسير ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا ﴾ آية: 122 من سورة آل عمران.
(٧) انظر: "تفسير البسيط" عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ البقرة: 61.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ هو من الغلول وهو أخذ الشيء خفية من المغانم وغيرها.
وقرئ بفتح الياء وضم الغين، ومعناه تبرئة النبي صلى الله عليه وسلم من الغلول، وسببها أنه فقدت من المغانم قطيفة حمراء، فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، وقرأ نافع وغيره بضم الياء وفتح الغين، أي ليس لأحد أن يغل نبياً: أي يخونه في المغانم، وخص النبي بالذكر وإن كان ذلك محظوراً من الأمر، لشنعة الحال مع النبي؛ لأن المعاصي تعظم بحضرته، وقيل: معنى هذه القراءة: أن يوجد غالاً كما تقول أحمدت الرجل، إذا أصبته محموداً، فعلى هذا القول يرجع معنى هذه القراءة، إلى معنى فتح الياء ﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ ﴾ وعيد لمن غل بأن يسوق يوم القيامة على رقتبه الشيء الذي غل، وقد جاء ذلك مفسراً في الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير لا ألفين أحدكم على ربقبته فرس لا ألفين أحدكم على رقبته رقاع لا ألفين أحدكم على رقبته صامت، لا ألفين أحدكم على رقبته إنسان فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك ﴿ أَفَمَنِ اتبع ﴾ الآية: فقيل: إن الذي اتبع رضوان الله.
من لم يغلل، والذي باء بالسخط من غل، وقيل الذي اتبع الرضوان: من استشهد بأحد، والذي باء بالسخط: المنافقون الذين رجعوا عن الغزو ﴿ هُمْ درجات ﴾ ذووا درجات، والمعنى تفاوت بين منازل أهل الرضوان وأهل السخط، أو التفاوت بين درجات أهل الرضوان فإن بعضهم فوق بعض، فكذلك درجات أهل السخط.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يغل ﴾ بفتح الياء وضم الغين: ابن كثير وأبو عمرو وعاصم غير المفضل ويعقوب غير رويس.
الباقون: بالضم والفتح على البناء للمفعول.
﴿ ولا يحسبن ﴾ بياء الغيبة: الحلواني عن هشام.
الباقون: بتاء الخطاب.
﴿ قتلوا ﴾ بالتشديد: ابن عامر.
الباقون: بالتخفيف.
﴿ وإن الله ﴾ بالكسر على الابتداء: عليّ.
الباقون: بالفتح.
﴿ وخافوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل.
الباقون بالحذف.
الوقوف: ﴿ إن يغل ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ يوم القيامة ﴾ ج لانتهاء جزاء الشرط مع العطف ﴿ لايظلمون ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ بما تعملون ﴾ ه ﴿ والحكمة ﴾ ج لمكان العطف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مثليها ﴾ (لا) لأن استفهام الإنكار دخل على ﴿ قلتم ﴾ ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ وليعلم المؤمنين ﴾ ه لا ﴿ نافقوا ﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف والوصل أولى على تقدير وقد قيل لهم.
﴿ أو ادفعوا ﴾ ط ﴿ لاتبعناكم ﴾ ط ﴿ للإيمان ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف.
﴿ في قلوبهم ﴾ ط ﴿ يكتمون ﴾ ج لاحتمال كون "الذين" بدلاً عن ضمير ﴿ يكتمون ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف.
﴿ ما قتلوا ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أمواتاً ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ص ﴿ يرزقون ﴾ ه لا لأن ﴿ فرحين ﴾ حالهم.
﴿ من فضله ﴾ (لا) للعطف.
﴿ من خلفهم ﴾ (لا) لتعلق "أن".
﴿ يحزنون ﴾ ه م للآية واستئناف الفعل إذ يستحيل أن يكون الاستبشار حالاً للذين يحزنون.
﴿ وفضل ﴾ (لا) لأن التقدير وبأن ومن كسر وقف والجملة حينئذٍ اعتراضية.
﴿ المؤمنين ﴾ ه ج لأن "الذين" يصلح صفة اللمؤمنين ومبتدأ خبره للذين أحسنوا، أو نصباً على المدح والأول أوجه لاتحاد الصفة.
﴿ القرح ﴾ ط لمن لم يقف على ﴿ المؤمنين ﴾ .
﴿ عظيم ﴾ ج لاحتمال البدل وكونه خبر مبتدأ محذوف.
﴿ إيماناً ﴾ ق والوصل أولى للعطف واتصال توكل اللسان بيقين القلب.
﴿ الوكيل ﴾ ه ﴿ سوء ﴾ لا للعطف ﴿ رضوان الله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ أولياءه ﴾ ص لوصل النهي عن الخوف بعد ذكر التخويف ﴿ مؤمنين ﴾ ه.
التفسير: هذا حكم من أحكام الجهاد.
وأصل الغلول أخذ الشيء في خفية.
يقال: أغل الجازر والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئاً من اللحم ليسرقه.
والغل الحقد الكامن في الصدر.
والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الدرع والثياب، والغلل الماء الذي يجري في / أصول الشجر لأنه مستتر بالأشجار.
وقال : " "من بعثناه على عمل فغل شيئاً جاء يوم القيامة يحمله على عنقه" وقال أيضاً: " هدايا الولاة غلول" " وقال الجوهري: غل يغل غلولاً أي خان.
وأغل مثله إلا أن العرف جعله في الغالب مخصوصاً بالخيانة في الغنيمة حتى قال أبو عبيدة: الغلول في المغنم خاصة، وقد جعله النبي من الكبائر.
عن ثوبان عن رسول الله : " "من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاثة دخل الجنة الكبر والغلول والدين " وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال: " لا ألْفَيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك " ومعنى الآية فيمن قرأ بفتح الياء وضم الغين: ما كان لنبي أن يخون أي ما صح وما ينبغي له ذلك لأن النبوة تنافي الغلول لأنها أعلى المراتب الإنسانية، فلا يليق بصاحبها ما هو عار في الدنيا ونار في الآخرة، كيف وإنه أمين على الوحي النازل عليه من فوق سبع سموات، أفلا يكون أميناً في الأرض؟
هيهات.
وقيل: اللام منقولة والتقدير: وما كان نبي ليغل كقوله ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ أي ما كان الله ليتخذ ولداً.
ومن قرأ بضم الياء وفتح الغين ففيه وجهان: أحدهما يخان أي يؤخذ من غنيمته.
وفي تخصيصه بهذه الحرمة والخيانة محرمة على الإطلاق فوائد منها: أن المجني عليه كلما كان أجل منصباً كانت الخيانة في حقه أفحش.
ومنها أنه لا يكاد يخفى عليه من قبل الوحي فكان مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا.
ومنها أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في غاية الفقر، فكانت تلك الخيانة وقتئذٍ أقبح.
وثانيهما يخوّن أي ينسب إلى الخيانة فيكون من / الإغلال.
قال المبرد: تقول العرب: أكفرت الرجل جعلته كافراً أو نسبته إلى الكفرة.
قال القتيبي: لو كان هذا هو المراد لقيل "يغلل" كما يقال: "يفسق ويكفر" والأولى أن يقال: هو من أغللته أي وجدته غالاً كما يقال: أبخلته أي وجدته كذلك.
ومن هنا قال في الكشاف: معناه راجع إلى القراءة الأولى إذ معناه ما صح له أن يوجد غلالاً ولا يوجد غالاً إلا إذا كان غالاً.
وكان ابن عباس ينكر على هذه القراءة ويقول: كيف لا ينسب إلى الخيانة وقد كان يقتل؟
وقال خصيف: قلت لسعيد بن جبير: ما كان لنبي أن يغل.
فقال: بل يغل ويقتل.
ولا يخفى أن الإنكار لا يتوجه إذا كان أغل بمعنى وجده غالاً، وإنما يتوجه إذا كان الإغلال بمعنى النسبة إلى الخيانة كما روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله أخذها.
وقد طعن بعضهم في هذه القراءة وقال: إن أكثر ما جاء من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل ﴿ ما كان لنا أن نشرك ﴾ ﴿ ما كان ليأخذ أخاه ﴾ ﴿ ما كان لنفس أن تموت ﴾ ﴿ ما كان الله ليضل قوماً ﴾ ﴿ وما كان الله ليطلعكم ﴾ وحكى أبو عبيدة عن يونس أنه قال: ليس في الكلام "ما كان لك أن تضرب" بضم التاء.
والحق أن القرآن حجة على غيره لا بالعكس.
ويوافق هذه القراءة ما روي "أنه لما وقعت غنائم هوازن في يده غله رجل بمخيط فنزلت" .
وعلى هذا يغل بمعنى يخان.
وإن جعل يغل بمعنى يوجد غالاً فالقراءتان متعاضدتان ويوافقهما أسباب النزول، أكثرها يروي "أنه تأخرت قسمة الغنيمة في بعض الغزوات لمانع فجاءه قوم وقالوا: ألا تقسم غنائمنا؟
فقال : لو كان لكم مثل أحد ذهباً ما حبست منكم درهماً، أترون أني أغلكم مغنمكم؟
فنزلت" .
وعن ابن عباس "أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي من الغنائم بشيء زائد فنزلت" .
وقال الكلبي ومقاتل: "نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز طلباً للغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر.
فقال لهم : ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟
فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً فقال : بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم" .
وروي "أنه بعث طلائع فغنم بعدهم غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع" فنزلت مبالغة في النهي لرسوله يعني وما كان لنبي أن يعطي قوماً ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بالسوية.
وسمى حرمان بعض الغزاة غلولاً تغليظاً وتقبيحاً لصورة الأمر.
وقيل: نزلت في أداء الوحي.
كان يقرأ القرآن - وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم - فسألوه أن يترك ذلك فقيل: / ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم رغبة في الناس أو رهبة منهم ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ أكثر المفسرين أجروه على ظاهره ونظيره في مانع الزكاة ﴿ يوم يحمى عليها في نار جهنم ﴾ ويدل عليه الحديث الذي رويناه وعن ابن عباس أنه قال: يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ثم يقال له: أنزل إليه فخذه فيهبط إليه فإذا انتهى إليه حمله على ظهره فلا يقبل منه.
وعن بعض جفاة الأعراب أنه سرق نافجة مسك فتليت عليه هذه الآية فقال: إذن أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل.
قلت: ذلك الشقي قاس الأمور الأخروية على الأمور الدنيوية، ولم يعلم أن ذلك المسك وقتئذٍ يكون أنتن من الجيفة وأثقل من الجبل وذلك ليذوق وبال أمره ويرى نقيض مقصوده.
قال المحققون: والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادات فضيحته.
ومثله قوله : " لكل غادر لواء يوم القيامة " وقال أبو مسلم: هذا على سبيل التمثيل والتصوير لوباله وتبعته.
والمراد أنه يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه لأنه لا يخفى عليه خافية.
وقيل: المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء، وفيه صرف اللفظ عن ظاهره من غير دليل ولا ضرورة.
﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ إثبات للجزاء لكل كاسب على سبيل العموم ليعلم صاحب الغلول أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب وهذا أبلغ مما لو خص الغال بتوفية الجزاء فقيل: ثم يوفى ما كسب.
ثم فصل ما أجمل فقال: ﴿ أفمن اتبع ﴾ والهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره "أمن اتقى فاتبع" قال الكلبي والضحاك: أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول ﴿ كمن باء بسخط من الله ﴾ رجع منه بشدّة إرادة انتقام لأجل الغلول؟
وقال الزجاج: أفمن اتبع رضوان الله بامتثال امر النبي حين دعاهم إلى دفع المشركين يوم أحد، كمن باء بسخط من الله وهم الذين لم يمتثلوا؟
وقيل: الأولون المهاجرون والآخرون المنافقون.
وقيل: أفمن اتبع رضوان الله بالإيمان والعمل بطاعته كمن باء بسخط من الله بالكفر به والاشتغال بمعصيته؟
وهذا القول أقرب لتكون الآية مجراة على العموم وإن كان سبب النزول خاصاً.
وقوله: ﴿ ومأواه جهنم ﴾ من تمام صلة من "باء".
وقوله: ﴿ وبئس المصير ﴾ اعتراض.
قال القفال: لا يجوز في الحكمة أن يُسوى بين المسيء والمحسن وإلا كان إغراء بالمعاصي وإباحة لهما وإهمالاً للطاعات وتنفيراً عنها.
﴿ هم درجات ﴾ قيل: أي لهم / درجات.
وحسن هذا الحذف لأن اختلاف أعمالهم كأنه قد صيرهم بمنزلة الأشياء المختلفة في ذواتها.
وقالت الحكماء: النفوس الإنسانية مختلفة بالماهية يدل عليها اختلاف صفاتها بالإشراق والإظلام، ومن هنا قال : "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" فهم في أنفسهم درجات لا أن لهم درجات.
وقيل: المراد ذوو درجات.
ثم الضمير إلى أي شيء يعود؟
قيل: إلى من اتبع رضوان الله لأن الغالب في العرف استعمال الدرجات في أهل الثواب، والدركات في أهل العقاب.
ولأنه قد ذكر وصف من باء بسخط من الله وهو أن مأواه جهنم فيكون هذا وصفاً لمن اتبع الرضوان ويؤيده قوله: ﴿ عند الله ﴾ وهذا وإن كان معناه في علمه وحكمه كما يقال: "هذه المسألة عند الشافعي كذا" ولا يراد به عندية المكان لتنزهه عن ذلك إلا أنه يفيد في الجملة تشريفاً وأنه يليق بأهل الثواب.
وقال الحسن: يعود إلى من باء بسخط لأنه أقرب لأنهم متفاوتون في العذاب.
عن رسول الله : "إن منها ضحضاحاً وغمراً " وقال: " إن أهون أهل النار عذاباً رجل يحذى له نعلان من نار يغلى من حرهما دماغه ينادي يا رب وهل يعذب أحد عذابي " والأوجه أن يكون عائداً إلى الكل، لأن درجات أهل الثواب متفاوتة، وكذا دركات أهل العقاب حسب تفاوت أعمال الخلق.
وقد تستعمل الدرجات في مراتب أهل النار كقوله: ﴿ ولكل درجات مما عملوا ﴾ ﴿ والله بصير بما يعملون ﴾ فيجازيهم بمقدارها.
قوله عز من قائل: ﴿ لقد منّ الله على المؤمنين ﴾ في النظم وجوه منها: أن هذا الرسول نشأ فيما بينهم ولم يظهر منه طول عمره إلا الصدق والأمانة، فكيف يليق بمن هذا حاله الخيانة؟
ومنها كأنه قال: لا أكتفي في وصفه بأن أنزهه عن الخيانة ولكني أقول: إن وجوده فيكم من أعظم نعمي عليكم.
ومنها أنكم كنتم خاملين جاهلين وإنما حصل لكم الشرف والعلم بسبب هذا الرسول، فالطعن فيه طعن فيكم.
ومنها أن مثل هذا الرجل يجب على كل عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه ويكون معه باليد واللسان والسيف والسنان، فيكون المقصود العود إلى ترغيب المسلمين في الجهاد.
ومعنى المنّ ههنا الإنعام على من لا يطلب الجزاء منه.
والوجه في المنة إما أن يعود إلى أصل البعثة، وإما أن يعود إلى بعثة هذا الرسول.
فمن الأول أن الخلق مجبولون على النقصان والجهالة، والنبي يورد عليهم / وجوه دلائل الكمال ويزيح عللهم في كل حال.
وأيضاً إنهم وإن شهدت فطرتهم بوجوب خدمة مولاهم لكن لا يعرفون كيفية تلك الخدمة إلى أن يشرحها النبي لهم.
وأيضاً أنهم جبلوا على الكسل والملل فهو يورد عليهم أنواع الترغيبات والترهيبات فيزول فتورهم ويتجدد نشاطهم.
وبالجملة فعقول البشر يمنزلة أنوار البصر، وعقل النبي بمنزلة نور الشمس.
فكما لا يتم الانتفاع بنور البصر إلا عند سطوع نور الشمس، فكذلك لا يحصل الاهتداء بمجرد العقل ما لم ينضم إليه إرشاد النبي .
ومن الثاني أن هذا الرسول بعث ﴿ من أنفسهم ﴾ أي من جنسهم عربياً مثلهم، أو من ولد إسماعيل كما أنهم من ولده.
فعلى هذا يكون المراد بالمؤمنين من آمن مع الرسول من قومه.
وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون به، ووجه المنة أنه إذا كان اللسان واحداً سهل عليهم أخذ ما يجب أخذه عنه، وإذا كانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة كان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به.
وفيه أيضاً شرف لهم وفخر كما قال: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ وذلك أن الافتخار بإبراهيم كان مشتركاً فيه بين اليهود والنصارى والعرب.
ثم اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى وبالتوراة والإنجيل، وما كان للعرب ما يقابل ذلك.
فلما بعث الله محمداً وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائداً على شرف جميع الأمم.
وقيل: ﴿ من أنفسهم ﴾ أي من جنس الإنس لا من الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل.
ويروى عن النبي وعن فاطمة أنهما قرآ ﴿ من أنفسهم ﴾ بفتح الفاء أي أشرفهم، وعلى هذا يكون المؤمنون عاماً.
ويحتمل أن يراد بهم العرب ويصح لأن عدنان ذروة ولد إسماعيل، ومضر ذروة نزار بن معد بن عدنان، وخندف ذروة مضر، ومدركة ذروة خندف، وقريش ذروة مدركة، وذروة قريش محمد .
وأما سائر أوصافه من قوله: ﴿ يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ﴾ فقد مر تفسيرها في البقرة عند قوله: ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً ﴾ وإعراب قوله: ﴿ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ كما سلف في قوله: ﴿ وإن كانت لكبيرة ﴾ ومعنى المنة فيه أن النعمة إذا وردت بعد المحنة كان موقعها أعظم.
فبعثة هذا الرسول عقب الجهل والذهاب عن الدين تكون أعم نفعاً وأتم وقعاً.
ثم لما أجاب عن نسبة النبي إلى الغلول، حكى عنهم شبهة أخرى وهي قولهم لو كان رسولاً من عند الله ما انهزم عسكره وهو المراد بقوله: ﴿ أنى هذا ﴾ وأجاب عنها بقوله: ﴿ قل هو من عند انفسكم ﴾ والواو في قوله ﴿ أو لما أصابتكم ﴾ لعطف هذه الجملة الاستفهامية على ما قبلها من قصة أحد إلا أن حرف الاستفهام قدم على واو العطف لأن له صدر الكلام و ﴿ لما ﴾ ظرف ﴿ قلتم ﴾ ومقول القول ﴿ أنى هذا ﴾ و ﴿ وأصابتكم ﴾ في محل / الجر بإضافة ﴿ لما ﴾ إليه.
والتقدير: أقلتم حين أصابتكم؟
ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على محذوف كأنه قيل: أفعلتم كذا، وقلتم حينئذٍ من أين أصابنا هذا، وكيف نصروا علينا، ونحن على الحق ومعنا الرسول وهم على الباطل ولا نبي معهم؟
والمراد بالمصيبة واقعة أحد، وبمثلها وقعة بدر.
وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقيل: أراد نسبة الضعف في الهزيمة لا في عدد القتلى والأسرى.
فالمسلمون هزموا الكفار يوم بدر وهزموهم أيضاً في الأولى يوم أحد، ثم لما عصوا الله هزمهم المشركون فانهزام المشركين حصل مرتين، وانهزام المسلمين حصل مرة واحدة فخرج عن قوله: ﴿ قد أصبتم مثليها ﴾ جواب ضمني يعني أن أحوال الدنيا لا تدوم على حالة واحدة، فإذا أصبتم منهم مثلي ما نالوا منكم فما وجه الاستبعاد؟
لكنه صرح بجواب آخر فقال: ﴿ قل هو من عند أنفسكم ﴾ وفي تقريره وجهان: الأول أن هذه المصيبة بشؤم معصيتكم.
وذلك أنهم عصوا الرسول في أمور في الخروج عن المدينة وكان رأيه في الإقامة، ثم في الفشل وفي التنازع وفي مقارقة المركز وفي الاشتغال بطلب الغنيمة.
الثاني ما روي عن علي أنه قال: جاء جبريل إلى النبي يوم بدر فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى، وأمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى فيضربوا أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم.
فذكر رسول الله ذلك لقومه فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا نأخذ الفداء منهم فنتقوى به على قتال العدو ونرضى أن يستشهد منا بعددهم.
فقتل يوم أحد سبعون رجلاً بعدد أسارى بدر.
فمعنى ﴿ هو من عند أنفسكم ﴾ هو بأخذكم الفداء واختياركم القتل.
وتمسك المعتزلة بالآية على أن للعبد اختياراً في الفعل والترك، وأنه من عند نفسه.
وعارضهم الأشاعرة بقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ فإن فعل العبد من جملة الأشياء فيكون الله قادراً عليه.
فلو وجد بإيجاد العبد امتنع من الله أن يقدر عليه إذ لا قدرة على إيجاد الموجود والحق أن وجود الواسطة لا ينافي انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب ويؤيده قوله: ﴿ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ﴾ قال ابن عباس: أي وقع بقضائه وحكمه وفيه تسلية للمؤمنين لأن الرضا بالقضاء لازم.
وقيل: بتخليته لأن الإذن مخل بين المأذون له ومراده، فاستعير الإذن للتخلية، وإن اعتبرتم المصالح فذاك قد وقع ﴿ ليعلم المؤمنين ﴾ أي ليتميزوا عن أهل النفاق.
وإنما لم يقل "وليعلم المنافقين" ليناسب المؤمنين لفظاً لأن الغرض تصوير أنهم شرعوا في الأعمال اللائقة بالنفاق في ذلك الوقت وأحدثوها، ولأنه عطف على الصلة.
﴿ وقيل لهم ﴾ قال الأصم: هذا القائل رسول الله ، كان يدعوهم إلى / القتال.
وقيل: هو أبو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، لما انخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس تبعهم وقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم ﴿ تعالوا قاتلوا في سبيل الله ﴾ إن كان في قلبكم حب هذا الدين ﴿ أو ادفعوا ﴾ عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم إن لم يكن بكم هم الآخرة وطلب مرضاة الله أي كونوا من رجال الدين أو من رجال الدنيا.
وقال السدي وابن جريج: ادفعوا العدو بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا لأن الكثرة أحد أسباب الهيبة والرعب.
ثم إنه كأن سائلاً سأل فما أجاب المنافقون عند دعاء المؤمنين إياهم إلى القتال؟
فقيل: ﴿ قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم ﴾ كأنهم جحدوا أن يكون بين الفريقين قتالألبتة.
أو المراد لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً لوافقناكم عليه, ولكنكم تلقون بأيديكم إلى التهلكة، وذلك أن رأي عبد الله كان في الإقامة وما كان يستصوب الخروج من المدينة، وكلا المعنيين منهم في الجواب فاسد.
أما الأول فلأن ظهور أمارات الحرب كافٍ في وجوب القتال والدفع عن النفس والمال.
والظن في أمور الدنيا قائم مقام العلم، ولا أمارة أقوى من قرب الأعداء من المدينة عند جبل أحد.
وأما الثاني فلأنه لما وعدهم بالنصر والغلبة إن صبروا واتقوا لم يكن الخروج إلى ذلك القتال إلقاء النفس إلى التهليكة.
ولركاكة جوابهم قال: ﴿ هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإيمان ﴾ لأنهم تباعدوا بهذا الجواب المنبىء عن الدغل والنفاق عن الإيمان المظنون بهم قبل اليوم.
والمراد أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانخزال تقوية لجانب المشركين وعلى الأول قال أكثر العلماء: إنه تنصيص من الله على أنهم كفار لأن القرب من الكفر حصول الكفر.
قال الحسن: إذا قال الله أقرب فهو اليقين بأنهم مشركون كقوله: ﴿ مائة ألف أو يزيدون ﴾ فهذه الزيادة لا شك فيها.
وقال الواحدي: فيه دليل على أن الآتي بكلمة التوحيد لا يكفر لأنه لم يظهر القول بتكفيرهم ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ﴾ أي لا يتجاوز الإيمان حناجرهم ومخارج الحروف منهم خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم ما نطقوا به من التوحيد ﴿ والله أعلم بما يكتمون ﴾ من بغض الإسلام والمسلمين وسائر مجاري أحوالهم فيما بينهم.
وذلك أن المؤمنين قد علموا بعض ذلك بالقرائن والأمارات، وهو عالم بتفاصيل ذلك ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض ﴾ .
﴿ الذين قالوا ﴾ منصوب على الذم أو على البدل من ﴿ الذين نافقوا ﴾ أو مرفوع على الذم أي هم الذين، أو على البدل من ضمير ﴿ يكتمون ﴾ وقيل: يجوز أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في ﴿ أفواههم ﴾ أو ﴿ قلوبهم ﴾ ﴿ لإخوانهم ﴾ لأجل إخوانهم المقتولين يوم أحد / إخوة في النسب أو في سكنى الدار أو في الجنسية في النفاق.
والقائلون - عند جمهور المفسرين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه.
واعترض الأصم بأنه قد خرج يوم أحد فكيف وصف بالقعود في قوله: ﴿ وقعدوا ﴾ أي والحال أنهم قد قعدوا عن القتال.
والجواب أن القعود عن القتال وهو الجبن عنه وتركه لا ينافي الخروج.
﴿ لو أطاعونا ﴾ في أمرنا إياهم بالقعود ﴿ ما قتلوا ﴾ كأنهم قعدوا وما اكتفوا بذلك بل أرادوا تثبيط غيرهم وذلك لما في الطباع من محبة الحياة وكراهة الموت.
"ومن يسمع يخل" فلعل بعض ضعفة المسلمين إذا سمع ذلك رغب في القعود ونفر طبعه عن الجهاد فأجابهم الله بقوله: ﴿ قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ﴾ في أن الحذر يغني عن القدر، وأن سلامتكم كانت بسبب قيودكم لا بغيره من أسباب النجاة, وفيه استهزاء بهم أي إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت فادفعوا جميع أسبابه حتى لا تموتوا.
وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً.
جميع ذلك بناء على أن القتل أمر مكروه يجب على العاقل أن يتحرز منه لو أمكنه، لكنا لا نسلم ذلك وهو المراد بقوله: ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ﴾ والخطاب للرسول أو لكل أحد.
ومن قرأ على الغيبة فالضمير للرسول.
أو المراد لا يحسبن حاسب أو لا يحسبنهم أمواتاً.
وضمير المفعول للذين قتلوا أي لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً.
فحذف المفعول الأوّل لدلالة الكلام عليه، فكأنه مذكرو كما حذف المبتدأ في قوله: ﴿ بل أحياء ﴾ أي هم أحياء للدلالة.
عن ابن عباس قال: قال رسول الله " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهارالجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله عز وجل أنا أبلغهم عنكم فأنزل هذه الآية " وعن جابر بن عبد الله قال: "نظر إليّ رسول الله فقال: ما لي أراك مهتماً؟
قلت: يا رسول الله قتل أبي وترك ديناً وعيالاً.
فقال: ألا أخبرك ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحاً.
فقال: يا عبدي سلني أعطك.
فقال: أسألك أن تردّني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية.
فقال: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون.
فقال: يا رب فأبلغ من روائي " فنزلت.
وقال جماعة من أهل التفسير: نزلت / الآية في شهداء بئر معونة.
وقال بعضهم: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا: نحن في النعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فنزلت الآية تنفيساً عنهم وإخباراً عن حال قتلاهم أنهم أحياء متنعمون.
واختلف العلماء في معنى هذه الحياة.
فعن طائفة أنها على سبيل المجاز.
وقال الأصم والبلخي: أريد بها الذكر الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبة.
وروي أن عبد الملك بن مروان لما رأى الزهري وعلم فقهه وتحقيقه قال: ما مات من خلف مثلك.
ومن هذه الطائفة من قال: مجاز هذه الحياة أن أجسادهم باقية في قبورهم وأنها لا تبلى تحت الأرض ألبتة.
روي أنه لما أراد معاوية أن يجري العين إلى قبور الشهداء أمر بأن ينادي: من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع.
قال جابر: فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان فأصاب المسحاة أصبع رجل منهم فقطرت دماً.
ومن هؤلاء من قال: المراد أنهم لا يغسلون كما لا يغسل الأحياء وذهبت طائفة من متكلمي المعتزلة إلى أن المراد أنهم سيصيرون أحياء والغرض تعذيب منكري المعاد، وزيف بأنه عدول عن الظاهر، وبأن عذاب القبر ثابت.
فالثواب أولى.
وبأنه نهى عن حسبانهم أمواتاً والذي يزيل هذا الحسبان هو اعتقاد أنهم أحياء في الحال لا اعتقاد أنهم أحياء في قوم القيامة، فإن ذلك مما لا يشك النبي والمؤمنون فيه.
وبما رويناه عن ابن عباس أن أرواحهم في أجواف طير.
وبقوله: ﴿ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ﴾ والاستبشار بمن يكون في الدنيا لا بد أن يكون قبل يوم القيامة.
وذهب كثير من المحققين إلى أنهم أحياء في الحال لكن بحياة روحانية، وأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة.
وذلك أن الإنسان ليس عبارة عن مجموع هذه البنية، لأن أجزاء البدن في الذوبان والانحلال ويعرض لها السمن والهزال والقوّة والكلال، وكلنا يجد من نفسه أنه شيء واحد من أول عمره إلى آخره والباقي مغاير للمتبدل.
ولأن الإنسان يكون عالماً بنفسه حالماً يكون غافلاً عن جميع أعضائه وأجزائه، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم.
ثم ذلك الشيء المغاير لهذا البدن المحسوس سواء كان جسماً مخصوصاً سارياً أو جوهراً مجرداً لا يبعد أن ينفصل بعد موت البدن حياً أو أماته الله فيعيده حياً, وبهذا يثبت عذاب القبر وثوابه وتزول الشبهات.
ومن تأمل في الأمور الواردة عليه وجد أحوال النفس مضادة لأحوال البدن، ووجد قوة أحدهما مقتضية لضعف الآخر، كما أن البدن يضعف وقت النوم وتقوى النفس على مشاهدة المغيبات ونقوش عالم الأرواح، وإذا أعرضت النفس عن الطعام والشراب وأقبلت على مطالعة العالم العلوي زادت سروراً وابتهاجاً وفرحاً وارتياحاً، وانطبعت فيها الجلايا القدسية، وانكشفت لها المعارف الإلهية، وأكثر أرباب / الشرع على أنهم أحياء في الحال بحياة جسمانية.
ثم منهم من قال: إنه يصعد أجسادهم إلى السموات وإلى قناديل تحت العرش ويوصل أنواع السعادات والكرامات إليها، ومنهم من قال: بل يتركها في الأرض ويحييها ويوصل هذه السعادات إليها.
ومن الناس من طعن في هذه القول وقال: إن تجويز كون البدن الميت الملقى في التراب حياً متنعماً عاقلاً عارفاً نوع من السفسطة.
والحق في هذه المسألة عندي خلاف ما يقوله أهل التناسخ من أن النفس بعد موت بدنها تقبل على بدن آخر وتعرض عن الأوّل بالكلية، وخلاف ما يقوله الفلاسفة من أن النفس تنقطع علاقتها عن البدن مطلقاً وإنما تلتذ أو تتألم هي بما اكتسبت من المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة أو بالعقائد الباطلة والملكات الذميمة.
والذي أقوله: إن النفس تبقى لها علاقة مع بدنها لا بالتحريك واكتساب الأعمال، ولكن بالتلذذ والتألم والتعقل ونحوها.
وليس ببدع أن يتغير التعلق بحسب تغير الأطوار كما كان يتغير في مدّة العمر بحسب الأسنان والأمزجة.
والتحقيق فيه أن النفس في هذا العالم جعلت متصرفة في البدن لأجل اكتساب الأعمال والملكات، وأنه يفتقر إلى تحريك الأعضاء وأعمال الجوارح والآلات، وبعد الموت تجعل متصرفة فيه من جهة الجزاء والحساب، فكيف ينبغي أن يقاس أحدهما على الآخر؟
فلعله يكفي بعد الموت أن يكون له علاقة التلذذ والتألم والإدراك فقط إلى أن تقوم القيامة الكبرى.
وهذا القدر لا ينافي كون البدن مشاهداً في القبر من غير تحرك ولا إحساس ونطق، ويؤيده ما روي "أنه وقف على قليب بدر وقال: يافلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقاً؟
فإني وجدت ما وعدني الله حقاً.
فقال عمر: يا رسول الله كيف تكلم أجساداً لا أرواح فيها؟
فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردّوا عليّ شيئاً" .
وفي حديث عذاب القبر " إنه ليسمع قرع نعالهم " ولعل السر في أنه اكتفى بهذا القدر من التصرف أنه إن كان أكثر من ذلك كما سيكون في القيامة الكبرى نافى تكليف سائر الأحياء وأفضى الأمر إلى الإلجاء وهو السر في آخر حديث عذاب القبر " فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين" وأما الشهداء فلا يبعد أن يجازيهم الله بمزيد التلذذ بنعيم الآخرة كما قتلوا تعجيلاً للثواب.
وكما عجلوا الانقطاع عن طيبات الدنيا ومشتهياتها فإن جزاء كل طائفة ينبغي أن يناسب عملهم.
فافهم / هذه الأسرار فإنها علق مضنة وبه ثبت جميع ما ورد في الشريعة الحقة والله أعلم.
ومعنى ﴿ عند ربهم ﴾ أنهم مقربون ذوو كرامة كقوله: ﴿ فالذين عند ربك ﴾ أو المراد بحيث لا يملك أحد جزاءهم سوى ربهم، أو المراد في علمه وحكمه كما يقال: "هذه المسألة عند الشافعي كذا".
يرزقون كما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون وهو تأكيد لكونهم أحياء ووصف لحالهم التي هم عليها التنعم برزق الله كما ورد في الحديث.
﴿ فرحين بما آتاهم الله من فضله ﴾ وهو توفيق الشهادة وما خصصهم به من التفضيل على غيرهم من قبل تعجيل رزق الجنة ونعيمها.
وقال المتكلمون: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم.
فقوله: ﴿ يرزقون ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ فرحين ﴾ إشارة إلى الابتهاج الحاصل بسبب التعظيم.
بلسان الحكماء ﴿ يرزقون ﴾ إشارة إلى كون ذواتهم مشرقة بالمعارف الإلهية و ﴿ فرحين ﴾ رمز إلى ابتهاجها بالنظر إلى ينبوع النور ومصدر الكمال، و ﴿ يستبشرون بالذين ﴾ بإخوانهم من المجاهدين الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم.
والاستبشار السرور الحاصل بالبشارة.
ومعنى ﴿ من خلفهم ﴾ أنهم بقوا بعدهم.
وقيل لم يحلقوا بهم أي لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم ﴿ ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ بدل الاشتمال من "الذين".
وذلك أن الله يبشرهم بأن من تركوا خلفهم من المؤمنين يبعثون امنين يوم القيامة، فهم مستبشرون بأنه لا خوف عليهم, وإنما بشرهم الله بذلك لأنهم لما فارقوا الدنيا بغتة كان ذلك مظنة أن يكون لهم نوع تعلق بأحوال إخوانهم وهو شبه تألم، فأكرمهم الله بإزالة ذلك التعلق بأن أعلمهم أمن إخوانهم من عذاب الله فحصل لهم سروران: من قبل حالهم في أنفسهم وذلك قوله: ﴿ فرحين بما آتاهم الله من فضله ﴾ ومن قبل حال إخوانهم وأعزتهم وذلك قوله ﴿ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ﴾ ثم كرر هذا المعنى لمزيد التأكد فقال: ﴿ يستبشرون بنعمة من الله ﴾ وهي الثواب.
وفضل وهو التفضل الزائد وهذا هو سرورهم بسعادة أنفسهم.
﴿ وأن الله ﴾ أي وبأن الله ﴿ لا يضيع أجر المؤمنين ﴾ وهذا سرورهم بسعادة إخوانهم المؤمنين.
ثم إنه مدح المؤمنين بغزوتين متصلتين بغزوة أحد تعرف أولاهما بغزوة حمراء الأسد، والثانية بغزوة بدر الصغرى.
أما الأولى فما روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وقالوا: إنا قتلنا أكثرهم ولم يبقَ منهم إلاّ القليل.
فلم تركناهم؟
فهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوّتهم فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال: لا أريد الآن أن يخرج معي إلا من حضر يومنا بالأمس.
فخرج في سبعين من الصحابة حتى بلغوا حمراء الأسد - وهي من المدينة على ثمانية أميال - فألقى الله الرعب في قلوب / المشركين وانهزموا.
فنزلت ﴿ الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا ﴾ بإتيان جميع المأمورات ﴿ واتقوا ﴾ بالانتهاء عن المحظورات ﴿ وأحسنوا ﴾ في طاعة الرسول واتقوا مخالفته وإن بلغ الأمر بهم إلى الجراحات.
روي أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة.
ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ويتوكأ عليه صاحبه ساعة.
و "من" في قوله: ﴿ للذين أحسنوا منهم ﴾ للتبيين لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم.
وقال أبو بكر الأصم: نزلت في يوم أحد لما رجع النبي بالناس بعد الهزيمة فشد بهم على المشركين حتى كشفهم، وكانوا قد هموا بالمثلة فدفعهم عنهم بعد أن مثلوا بحمزة، فصلى عليهم النبي ودفنهم بدمائهم.
وذكروا "أن صفية جاءت لتنظر إلى أخيها حمزة فقال للزبير: ردّها لئلا تجزع من مثلة أخيها.
فقالت: قد بلغني ما فعل به وذلك يسير في جنب طاعة الله .
فقال للزبير: فدعها تنظر إليه، فقالت خيراً واستغفرت له.
وجاءت امرأة أخرى قد قتل زوجها وأبوها وأخوها وابنها، فلما رأت الرسول وهو حي قالت: إن كل مصيبة بعدك هدر" .
وأما الثانية فروى ابن عباس "أن أبا سفيان لما عزم أن ينصرف من المدينة إلى مكة نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى القابل فنقتتل بها إن شئت.
فقال لعمر: قل بيننا وبينك ذاك إن شاء الله.
فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل مرّ الظهران، فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال: يا نعيم إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن أرجع.
ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جرأة فألحق بالمدينة وثبطهم ولك عندي عشر من الإبل.
فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: ما هذا بالرأي أتوكم في دياركم وقراركم فقتلوا أكثركم، فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم.
فقال : والذي نفسي بيده لأخرجنّ إليهم وحدي.
فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل، إلى أن وصلوا إلى بدر الصغرى وهي ماء لبني كنانة وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام.
فلم يلق رسول الله وأصحابه أحداً من المشركين.
وكانت معهم تجارت ونفقات فوافوا السوق وباعوا ما معهم واشتروا بها أدماً وزبيباً وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين.
ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق وقالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق وأنزل الله في المؤمنين ﴿ الذي قال لهم الناس ﴾ " يعني نعيم بن مسعود كما ذكرناه.
وإنما عبر / عن الإنسان الواحد بالناس لأنه من جنس الناس كما يقال: فلان يركب الخيل وما له إلا فرس واحد.
ولأن الواحد إذا قال قولاً وله أتباع يقولون مثل قوله ويرضون به، حسن إضافة ذلك الفعل إلى الكل كقوله : ﴿ وإذا قتلتم نفساً ﴾ وحين قال نعيم ذلك القول لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامّونه ويصلون جناح كلامه، وقال ابن عباس ومحمد بن إسحق: "مر ركب من عبد القيس بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليخوفوهم وضمن لهم عليه جعلاً - حمل بعير من زبيب -" .
وقال السدي: هم منافقو المدينة كانوا يثبطون المسلمين عند الخروج ويقولون: إن الناس قد جمعوا لكم يعني أبا سفيان وأصحابه.
والمفعول محذوف أي جمعوا لكم الجموع.
والعرب تسمي الجيش جمعاً.
﴿ فاخشوهم فزادهم ﴾ قول نعيم أو قول المثبطين ﴿ إيماناً ﴾ لأنهم لم يسمعوا قولهم وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد، وأظهروا حمية الإسلام فكان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى بحسب زيادتها ونقصانها.
وأما من قال: الإيمان عبارة عن نفس التصديق فتأويله أن الزيادة وقعت في ثمرات الإيمان، ولكنها جعلت في الإيمان مجازاً.
وقد مر تحقيق الكلام لنا في هذا المعنى في أوائل الكتاب.
وكما أنهم أضمروا ذلك بحسب الاعتقاد وافقوا الخليل حين ألقي في النار فأظهروه باللسان وقالوا: حسبنا الله.
وقد مر إعراب مثله في البقرة في قوله: ﴿ فحسبه جهنم ﴾ ﴿ ونعم الوكيل ﴾ الكافي أو الكافل أو الموكول إليه هو.
ثم عملوا بما اعتقدوه وقالوا فخرجوا ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله ﴾ وهي العافية ﴿ وفضل ﴾ وهو الربح بالتجارة، أو النعمة منافع الدنيا والفضل ثواب الآخرة ﴿ لم يمسسهم سوء ﴾ لم يصبهم قتل ولا جراح وصفهم بأنه حصل لهم الملائم ولم يحصل لهم المنافي وهذه غاية المطلب ونهاية الأماني، وإن ذلك ثمرة الإخلاص والتوكل على الله وتعالى .
ثم روي أنهم قالوا: هل يكون هذا غزواً؟
فقال : ﴿ واتبعوا رضوان الله ﴾ ليعلموا أن لهم ثواب المجاهدين حيث قضوا ما عليهم.
ثم قال: ﴿ والله ذو فضل عظيم ﴾ تنبيهاً على أن السبب الكلي في ثواب المطيعين هو فضل ربهم ورحمته عليهم ولم ينج أحداً عمله إلا أن يتغمده الله برحمته، فعلى المؤمن أن لا يثق إلا بالله ولا يخاف أحداً إلا إياه وذلك قوله: ﴿ إنما ذلكم ﴾ المثبط هو ﴿ الشيطان ﴾ لعتوّه وتمرده وإعوائه، ثم بين شيطنته بقوله: ﴿ يخوّف أولياءه ﴾ أو الشيطان صفة اسم الإشارة، وهذه الجملة خبر والمعفول الأوّل محذوف أي يخوّفكم أولياءه ﴿ فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ﴾ فإن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس الذين هم أولياء المثبطين.
والأولياء هم أبو سفيان وأصحابه.
وقيل: الشيطان هو إبليس.
وقيل: المضاف محذوف والتقدير إنما / ذلكم قول الشيطان.
وقيل: يخوّف أولياءه القاعدين عن الخروج مع رسول الله .
وعلى هذا فالضمير في ﴿ فلا تخافوهم ﴾ للناس في قوله: ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ وقيل: التقدير يخوّفكم بأوليائه كقوله: ﴿ ويخوّفونك بالذين من دونه ﴾ فحذف حرف الجر قاله الفراء والزجاج وأبو علي، وزيفه ابن الأنباري بأن التخويف قد يتعدى بنفسه إلى مفعولين فلا ضرورة إلى إضمار حرف الجر.
الله حسبي.
التأويل: قد ذكرنا أن النفس يبقى لها نوع تعلق ببدنها.
فالآن نقول: إن روح الشهيد مخصوص بمزيد تعلق ببدنه جزاء له على تعجيب إذاقة مرارة الفراق عن الدنيا، ولهذا لا تبلى أجساد كثير منهم وتبقى غضة طرية وكأنهم هم الشهداء في الحقيقة، وهكذا أجساد الكاملين من النبيين و الصديقين الذين قتلوا أنفسهم بسيوف الرياضات، ومطارف الأذكار، وأسنة ألسنة الطاعنين، وتجرع سموم مخالفات النفس، ومكايدة الشيطان حتى ماتوا بالإرادة وحيوا بالطبيعة.
وليس كل تعلق بهذا العالم سبباً للتألم بل بعضه سبب اللذة والابتهاج ﴿ يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ﴾ وكما ورد في حديث الشهداء " "من يبلغ إخواننا عنا إنا في الجنة" والذي جاء فيه " "إن أرواحهم في أجواف طير خضر" فلعل ذلك جزاء لهم على خروج الدم والأبخرة اللطيفة منهم ظلماً.
فمن الممكن أن يخلق الله من ذلك جسماً لطيفاً شبه طائر، ويكون لروح الشهيد به مزيد تعلق حتى تحركه ويطير حيث شاء من السماء والأرض وإلى الجنة بإذن الله .
وأما كون الطيرخضراً فإما لأن بدن الميت يميل إلى الخضرة، وإما أن يكون عبارة عن النضرة ﴿ تعرف في وجوههم نضرة النعيم ﴾ وإما لأن حالهم بالنسبة إلى ما سيؤل إليه أهل الجنة والنار يوم القيامة كالمتوسط بين الحالين الذين يعبر عنهما بالبياض والسواد في قوله: ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ وهذه المعاني ما وجدتها في كتب التفسير والتأويل، وأرجو أن أكون مصيباً فيها الغرض والله ورسوله أعلم بمرادهما.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ فيه قراءتان: "يغل" بنصب الياء، وبرفع الياء ونصب الغين، ومن قرأه بنصب الياء فذلك يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ أي: لم يكن نبي من الأنبياء غلَّ قط، وهو أحق من لا تتهمونه؛ لعلمكم به؛ فكيف اتهمتموه هنا بالغلول؟!
وقيل: إن ناساً من المنافقين خَشُوا ألا يقسم رسول الله الغنيمة بينهم؛ فطلبوا القسمة؛ فنزلت [هذه] الآية.
وقيل: قالوا: اعدل يا محمد في القسمة؛ فنزل هذا.
ويحتمل قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ أي: قد كنتم عرفتموه من قبل أن يرسل، فما عرفتموه خان قط أَوْ غَلَّ؛ فكيف يحتمل الخيانة بعدما أرسل؟!
هذا لا يحتمل.
ومن قرأه بالرفع [أي: يُغَلّ] فهو - أيضاً - يحتمل وجهين، أي: يتهم بالغلول في الغنيمة؛ فهو يرجع إلى تأويل الأول.
ويحتمل قوله: "أن يُغَلّ" أن يخان في الغنيمة، لا يخون ولا يحل أن يخان النبي في الغنيمة؛ فإنه يطلع على ذلك، يطلع الله ورسوله، على ما جاء في بعض الأخبار "أنَّهُ مرَّ بقبر، فقال: إنه في عذاب، قيل: بماذا يا رسول الله؟!
فقال: إِنَّه كَانَ أَخَذَ مِنَ الغَنِيمَةِ قَدْرَ دِرْهَمَيْنِ أَوْ نَحْوَهُ" ويحتمل: خصوص الغنيمة بما يتناول الغالَّ حِلُّهُ، بما لا يعرف له صاحب؛ كالمال الذي لا مالك له، وربما يباح التناول منه للحاجة والأخذ بغير البدل بوجه لا يحتمل بتلك أكل الحل من ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ : أي: يؤخذ به يوم القيامة، وهكذا كل من أخذ من مال غيره بغير إذنه؛ فإنه يؤخذ به.
وقال بعض الناس: وإنما خص الغنيمة بفضل وعيد؛ لأن الغلول فيها يجحف بحق الفقراء وأهل الحاجة، أو يضر ذلك أصناف الخلق، وسائرُ الأموال ليس كذا.
وقيل: إنما جاء الوعيد في هذا أنهم كانوا أهل نفاق، يستحلون الغلول في الغنيمة والأخذ منها، وهذا كأنه أشبه.
وعن ابن عباس - - قال: بعث [رسول الله] جيشاً فغلوا رأس ذهب؛ فنزلت [الآية]: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ .
وعن ابن عباس - - أيضاً - قال: فُقِدَتْ قطيفة حمراء يوم بدر مما أصيب من المشركين؛ فقال الناس: لعل رسول الله أخذها لنفسه؛ فأنزل الله - -: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ : قل: أفمن لم يغل، ولم يأخذ من الغنيمة شيئاً - كمن غلَّ وأخذ منها؟!
ليسا سواء؛ رجع أحدهما برضوان الله، والآخر بسخطه.
ويحتمل: ﴿ أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ ﴾ : أفمن أطاع الله واتبع أمره، كمن عصى الله واتبع هواه؟!
ليسا بسواء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ : والدرجات - والله أعلم -: ما يقصدوها أهلها.
والدركات: ما تدركهم من غير أن يقصدوها؛ كالدرك في العقود يدرك من غير قصد.
وقيل: الدرجات: ما يعلو.
والدركات: ما يَسْفُل، والله أعلم.
فهذا في التسمية المعروفة أنْ سُمِّيَتِ النار دركات والجنة درجات، وحقيقة ذلك واحد، والآية تدل على الأمرين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ : وجه المنة فيما بعث الرسل عليهم من البشر، ولم يرسلهم من الملائكة ولا من الجن - وجوه: أحدها: أن كل جوهر يألف بجوهره، وينضم إليه ما لم يألف بجوهر غيره، ولا ينضم إلى جنس آخر، فإذا كان كذلك، والرسل إنما بعثوا لتأليف قلوب الخلق وجمعهم، والدعاء إلى دين يوجب الجمع بينهم، ويدفع الاختلاف من بينهم - فإذا كان ما وصفنا بُعِثُوا من جوهرهم وجنسهم؛ ليألفوا بهم وينضموا إليهم، والله أعلم.
والثاني: أن الرسل لا بدّ لهم من أن يقيموا آيات وبراهين لرسالتهم، فإذا كانوا من غير جوهرهم وجنسهم لا يظهر لهم الآيات والبراهين؛ لما يقع عندهم أنهم إنما يأتون ذلك بطباعهم دون أن يأتوها بغير إعطائهم إياها ذلك.
والثالث: أن ليس في وسع البشر معرفة غير جوهرهم وغير جنسهم من نحو الملائكة والجن؛ ألا ترى أن البشر لا يرونهم؟!
فإذا كان كذلك بُعِثُوا منهم؛ ليعرفوهم ولتظهر لهم الحجة، والله أعلم.
ثم المنة الثانية: حيث بعثهم من نسبهم وجنسهم وحَسَبهم لم يبعثهم من غيرهم؛ وذلك أنهم إذا بعثوا من غير قبيلهم وجنسهم لم يظهر لهم صدقهم ولا أمانتهم فيما ادعوا من الرسالة، فبعثهم منهم؛ ليظهر صدقهم وأمانتهم، لَمَّا ظهر صدقهم وأمانتهم في غير ذلك؛ فيدلّ ذلك لهم أنهم لما لم يكذبوا بشيء قط ولا خانوا في أمانة - لا يكذبون على الله .
والثاني: أنهم إ ذا كانوا من غير نسبهم فلعلهم إذا أتوا بآية أو براهين يقولون: إنما كان ذلك بتعليم من أحد، واختلاف إلى أحد ممن يفتعل بمثل هذا، بعثهم الله منهم؛ ليعلموا أنهم إذا لم يتعلموا من أحد، ولا اختلفوا فيه - أنهم إنما علموا ذلك بالله - - لا بأحد من البشر، والله أعلم.
ألا ترى أن ما أتى به موسى - صلوات الله عليه - من الآيات من نحو: العصا، واليد البيضاء وغير ذلك لو كان سحراً في الحقيقة لكان من أعظم آيات رسالته: لأنه لم يعرف أنه اختلف إلى أحد في تعلم السحر قط، وقد نشأ بين أظهرهم، فكيف ولم يكن سحراً؟!
فدل أن لله على خلقه منة عظيمة؛ فيما بعث الرسل من نسبهم وقرابتهم، وومن نشأ بين أظهرهم لمعنى الذي وصفنا، والله أعلم.
وقيل: قوله: ﴿ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: من العرب معروف النسب أميّاً؛ ليعلموا أنه إنما أتى به ما أتى سماويّاً وَحْياً، وألا يرتابوا في رسالته وفيما يقوله، كقوله: ﴿ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴾ الآية [العنكبوت: 48].
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ﴾ : يحتمل: إعلام رسالته ونبوته، ويحتمل الآيات الحجج والبراهين، هما واحد، ويحتمل: آيات القرآن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ : يحتمل: التزكية من الزكاء النماء، وهو أن أظهر ذكرهم، وأفشى شرفهم ومذاهبهم؛ حتى صاروا أئمة يذكرون ويقتدون بهم بعد موتهم؛ قكوله - -: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾ : أظهره ولم يُخمل ذكرهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ أي: أخفاها وأخملها؟!
ويحتمل: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ ، أي: يطهرهم بالتوحيد، وقيل: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ ، أي: يأخذ منهم الزكاة؛ ليطهرهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ أن ينصرف إلى وجوه، وقد ذكرناه في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ﴾ : وقد ذكرنا الضلال أنه يتوجه إلى وجوه: إلى الهلاك، وإلى الحيرة، وإلى خمول الذكر وغيره.
<div class="verse-tafsir"
لا يستوي عند الله من اتبع ما ينال به رضوان الله من الإيمان والعمل الصالح، ومن كفر بالله وعَمِلَ السيئات، فرجع بغضب شديد من الله، ومستقره جهنم وساءت مرجعًا ومستقرًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.7nBqW"
نزلت هذه الآية في شأن النبي من سياق الحكم والأحكام المتعلقة بغزوة أُحد، ولكن أخرج أبو داود والترمذي وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ قد نزل في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض الناس لعل رسول الله أخذها، وقد ضعف هذه الرواية بعض المفسرين وإن حسنها الترمذي لأن السياق كله في واقعة أُحد ورجحوا عليها ما روي عن الكلبي ومقاتل من أن الرماة قالوا حين تركوا المركز الذي وضعهم النبي فيه: نخشى أن يقول النبي : "من أخذ شيئًا فهو له"، وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر، فقال النبي : "أظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم" ولهذا نزلت الآية.
وروى ابن أبي شيبة في (المصنف) وابن جرير مرسلًا عن الضحاك قال بعث رسول الله طلائع فغنم غنيمة فقسم بين الناس ولم يقسم للطلائع فلما قدمت الطلائع قالوا قسم النبي ولم يقسم لنا، فأنزل الله تعالى الآية.
والصواب أن هذه الآية من متعلقات هذه الواقعة كالآيات التي قبلها وكثير مما يأتي بعدها.
وأصل الغل الأخذ بخفية كالسرقة، وغلب في السرقة من الغنيمة قبل القسمة وتسمى غلولاً.
قال الرماني وغيره: أصل الغلول من الغلل وهو دخول الماء في خلل الشجر، وسميت الخيانة غلولًا لأنها تجري في الملك على خفاء من غير الوجه الذي يحل.
ومن ذلك الغل للحقد والغليل لحرارة العطش والغلالة للشعار، والمعنى ما كان من شأن نبي من الأنبياء ولا من سيرته أن يغل؛ لأن الله قد عصم أنبياءه من الغل والغلول فهو لا يقنع منهم، وهذا التعبير أحسن من قولهم: ما صح ولا استقام لنبي أن يغل أي يخون في المغنم.
وقد تقدم بيان ما يفيده هذا التعبير من نفي الشأن الذي هو أبلغ من نفي الفعل لأنه عبارة عن دعوى بدليل كأنه يقول هنا إن النبي لا يمكن أن يقع منه ذلك لأنه ليس من شأن الأنبياء ولا مما يقع منهم أو يجوز عليهم.
وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب "أن يغل" بالبناء للمفعول وهو من أغللته بمعنى وجدته غالًا أي ما كان من شأن النبي أن يوجد غالًا، أو بمعنى نسبته إلى الغلول أي ما كان لنبي أن يكون متهمًا بالغلول، أو من غل أي ما كان لنبي أن يكون بحيث يسرق من غنيمته السارقون ويخونه العاملون وهذا أضعف مما قبله.
وذهب بعض المفسرين إلى أن الغل أو الغلول المنفي هنا هو إخفاء شيء من الوحي وكتمانه عن الناس لا الخيانة في المغنم، وإن كان ما بعده عامًا في كل غلول أو خاصًا بالغنيمة فإنه جيء به للمناسبة كما عهد في مناسبات القرآن وانتقاله من حكم إلى حكم أو خبر له حكمه.
وذكروا أنه نزل ردًا على من رغب إلى النبي أن يترك النهي على المشركين.
ومن مناسبة كون الغل بمعنى الكتمان وإخفاء بعض التنزيل ما تقدم من أمر الله تعالى نبيه في الآيات السابقة بمعاتبة من كان معه في أُحد وتوبيخهم على ما قصروا، وذلك مما يصعب تبليغه عادة لأنه يشق على المبلِّغ والمبلَّغ، ومن أمره بالعفو عنهم والاستغفار لهم ومشاورتهم في الأمر على ما كان منهم، وفي هذا إعلاء لشأنهم ومعاملة لهم بالمساواة في مثل هذه الشؤون، وذلك مما عهد في طباع البشر أن يشق على الرئيس منهم إبلاغه للمرؤوسين.
ثم قال: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ فسروا الإتيان بما غل به الغال بأنه يحمله وكأنهم جعلوا الباء للمصاحبة، وليس بمتعين، وقد عدل عنه بعض المفسرين كأبي مسلم الأصفهاني وقال إنه على حد قوله تعالى حكاية عن لقمان ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾ فليس معنى ﴿ يَأْتِ بِهَا اللَّه ﴾ أنه يحملها، ولكن معناه أنه يعلم بها أتم العلم لا تخفى عليه مهما كانت مستترة، لأن من يأتي بالشيء لا بد أن يكون عالمًا به، والمعنى أن الإتيان بالشيء الذي يغله الغال هو كناية عن انكشافه وظهوره، أي أن كل غلول وخيانة خفية يعلمه الله تعالى مهما خفي ويظهره يوم القيامة للغال حتى يعرفه كمعرفة من أتى بالشيء لذلك الشيء على حد قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ .
﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ : من عليهم غمرهم بالمنة وأثقلهم بالنعمة.
انتقل من نفي الغلول عن النبي عليه ومن وصفه قبل ذلك بالرحمة واللين، وأمره بالمشاورة إلى التفرقة بين أصحابه الذين عاملهم هذه المعاملة الذين اتبعوا رضوان الله، وبين من باء بسخط من الله وتفاوت درجاتهم في ذلك وقالوا ما قالوا مما دل على جهلهم وكفرهم بحرمانهم من هدايته، ثم عاد إلى ذكر منته تعالى على المؤمنين ببعثه النبي فيهم.
وقد كان ما تقدم من وصفه بالرحمة واللين وأمره بتلك المعاملة الحسنى وتنزيهه عن الغلول تمهيدًا لهذه المنة.
ثم وصفه بأوصاف أخرى أكد بها المنة أولها: أنه من أنفسهم أي من جنسهم أي العرب.
ووجه هذه المنة الخاصة، التي لا تنافي كونه رحمة عامة، هو أن كونه منهم يزيد في شرفهم ويجعلهم أول المهتدين به، لأنهم أسرع الناس فهمًا لدعوته، والنعمة العامة قد ذكرت في آيات أخرى كقوله تعالى ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ ويمكن أن يستدل على هذا التخصيص بالعرب دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي تقدمت في سورة البقرة ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ ﴾ إلخ، الأوصاف المذكورة هنا، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بأنفسهم ههنا البشر لا العرب.
الوصف الثاني: قوله: ﴿ يَتلوا عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ ﴾ والآيات هي الآيات الكونية الدالة على قدرته وحكمته ووحدانيته وتلاوتها عبارة عن تلاوة ما فيه بيانها، وتوجيه النفوس إلى الاستفادة منها والاعتبار بها، وهو القرآن كقوله في أواخر هذه السورة ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ ، وقوله في سورة البقرة ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ، ومنها ما لم يذكر فيه كلمة "الآيات" كقوله تعالى ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾ إلخ.
الوصف الثالث والرابع: قوله تعالى: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ تزكيته إياهم هي تطهيرهم من العقائد الزائفة ووساوس الوثنية وأدرانها، والعقائد هي أساس الملكات، ولذلك نقول: إن العرب وغيرهم كانوا قبل بعثة محمد ملوثين في عقولهم ونفوسهم.
أما تعليمهم الكتاب فمعناه أن هذا الدين الذي جاء به قد اضطرهم إلى تعلم الكتابة بالقلم وأخرجهم من الأمية لأنه دين حث على المدنية وسياسة الأمم.
وأما الحكمة فهي أسرار القلوب وفقه الأحكام وبيان المصلحة فيها، والطريق إلى العمل بها ذلك الفقه الذي يبعث على العمل، أو هي العمل الذي يوصل إلى هذا الفقه في الأحكام، أو طرق الاستدلال ومعرفة الحقائق ببراهينها، لأن هذه الطريقة هي طريقة القرآن وسنته في العقائد وكذا في الآداب والعبادات، وقد مرت الشواهد الكثيرة على ذلك وسيأتي ما هو أكثر وأغزر إن شاء الله تعالى.
﴿ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ أي وإنهم كانوا قبل بعثة النبي في ضلال بيّن واضح، وأي ضلال أبين من ضلال قوم مشركين يعبدون الأصنام ويتبعون الأوهام أميين لا يقرأون ولا يكتبون فيعرفوا كنه ضلالتهم، وحقيقة جهالتهم، فضلالهم أبين من ضلال أهل الكتاب، كما هو ظاهر لأولي الألباب.
<div class="verse-tafsir"