الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٦٤ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 114 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦٤ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ) أي : من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به ، كما قال تعالى : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ) [ الروم : 21 ] أي : من جنسكم .
وقال تعالى : ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ) [ الكهف : 110 ] وقال تعالى : ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ) [ الفرقان : 20 ] وقال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ) [ يوسف : 109 ] وقال تعالى : ( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ) [ الأنعام : 130 ] فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسل إليهم منهم ، بحيث يمكنهم مخاطبته ومراجعته في فهم الكلام عنه ، ولهذا قال : ( يتلو عليهم آياته ) يعني : القرآن ) ويزكيهم ) أي : يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر لتزكو نفوسهم وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم ( ويعلمهم الكتاب والحكمة ) يعني : القرآن والسنة ( وإن كانوا من قبل ) أي : من قبل هذا الرسول ( لفي ضلال مبين ) أي : لفي غي وجهل ظاهر جلي بين لكل أحد .
القول في تأويل قوله : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164) قال أبو جعفر: يعني بذلك: لقد تطوّل الله على المؤمنين =" إذ بعث فيهم رسولا "، حين أرسل فيهم رسولا =" من أنفسهم "، نبيًّا من أهل لسانهم، ولم يجعله من غير أهل لسانهم فلا يفقهوا عنه ما يقول =" يتلو عليهم آياته "، يقول: يقرأ عليهم آي كتابه وتنـزيله (67) =" ويزكيهم "، يعني: يطهّرهم من ذنوبهم باتباعهم إياه وطاعتهم له فيما أمرهم ونهاهم (68) =" ويعلمهم الكتاب والحكمة "، يعني: ويعلمهم كتاب الله الذي أنـزله عليه، ويبين لهم تأويله ومعانيه =" والحكمة "، ويعني بالحكمة، السُّنةَ التي سنها الله جل ثناؤه للمؤمنين على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيانَه لهم (69) =" وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين "، يعني: وإن كانوا من قبل أن يمنّ الله عليهم بإرساله رسوله الذي هذه صفته =" لفي ضلال مبين "، يقول: في جهالة جهلاء، وفي حيرة عن الهدى عمياء، لا يعرفون حقًّا، ولا يبطلون باطلا.
* * * وقد بينا أصل " الضلالة " فيما مضى، وأنه الأخذ على غير هدى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(70) .
* * * = و " المبين "، الذي يبَين لمن تأمله بعقله وتدبره بفهمه، أنه على غير استقامة ولا هدى (71) .
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: 8177- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم "، منّ الله عليهم من غير دعوة ولا رغبة من هذه الأمة، جعله الله رحمة لهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى صراط مستقيم = قوله: " ويعلمهم الكتاب والحكمة "، الحكمة، السنة =" وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين "، ليس والله كما تقول أهل حروراء: " محنة غالبة، من أخطأها أهَريق دمه "، (72) ولكن الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم إلى قوم لا يعلمون فعلَّمهم، وإلى قوم لا أدب لهم فأدَّبهم.
8178- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال،" لقد منّ الله على المؤمنين "، إلى قوله: " لفي ضلال مبين "، أي: لقد منّ الله عليكم، يا أهل الإيمان، إذ بعث فيكم رسولا من أنفسكم يتلو عليكم آياته ويزكيكم فيما أحدثتم وفيما عملتم، (73) ويعلمكم الخير والشر، لتعرفوا الخير فتعملوا به، والشر فتتقوه، ويخبركم برضاه عنكم إذ أطعتموه، لتستكثروا من طاعته، وتجتنبوا ما سخط منكم من معصيته، فتتخلصوا بذلك من نقمته، وتدركوا بذلك ثوابه من جنته =" وإن كنتم من قبل لفي ضلال مبين "، أي: في عمياء من الجاهلية، لا تعرفون حسنة ولا تستغفرون من سيئة، (74) صُمٌّ عن الحق، عُمْيٌ عن الهدى.
(75) -------------------- الهوامش : (67) انظر تفسير"يتلو" فيما سلف 2: 411 ، 569 / 6 : 466 ، تعليق: 3 ، وفهارس اللغة"تلا".
(68) انظر تفسير"يزكي" فيما سلف 1: 573 ، 574 / 3 : 88 / 5 : 29 / 6 : 528.
(69) انظر تفسير"الحكمة" فيما سلف 3: 87 ، 88 / 5 : 15 ، 371 ، 576 - 579.
(70) انظر تفسير"الضلالة" فيما سلف 1: 195 / 2: 495 ، 496.
(71) انظر تفسير"مبين" فيما سلف 3: 300 / 4 : 258.
(72) أهل حروراء: هم الخوارج ، وهذا مذهبهم.
(73) في المطبوعة: "فيما أخذتم وفيما عملتم" لم يحسن قراءة المخطوطة ، والصواب منها ومن سيرة ابن هشام.
(74) في المطبوعة: "تستغيثون من سيئة" ، ولا معنى لها ، وفي المخطوطة "يستغيثون" غير منقوطة ، والأرجح أنه خطأ ، صوابه ما في سيرة ابن هشام.
(75) الأثر: 8178- سيرة ابن هشام 3: 124 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8172 ، 8176.
والجملة الأخيرة في ابن هشام: "صم عن الخير ، بكم عن الحق ، عمى عن الهدى".
قوله تعالى : لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبينبين الله تعالى عظيم منته عليهم ببعثه محمدا - صلى الله عليه وسلم - .
والمعنى في المنة فيه أقوال : منها أن يكون معنى " من أنفسهم " أي بشر مثلهم .
فلما أظهر البراهين وهو بشر مثلهم علم أن ذلك من عند الله .
وقيل : من أنفسهم منهم .
فشرفوا به - صلى الله عليه وسلم - فكانت تلك المنة .
وقيل : من أنفسهم ليعرفوا حاله ولا تخفى عليهم طريقته .
وإذا كان محله فيهم هذا كانوا أحق بأن يقاتلوا عنه ولا ينهزموا دونه .
وقرئ في الشواذ " من أنفسهم " ( بفتح الفاء ) يعني من أشرفهم ; لأنه من بني هاشم ، وبنو هاشم أفضل من قريش ، وقريش أفضل من العرب ، والعرب أفضل من غيرهم .
ثم قيل : لفظ المؤمنين عام ومعناه خاص في العرب ; لأنه ليس حي من أحياء العرب [ ص: 249 ] إلا وقد ولده - صلى الله عليه وسلم - ولهم فيه نسب ; إلا بني تغلب فإنهم كانوا نصارى فطهره الله من دنس النصرانية .
وبيان هذا التأويل قوله تعالى : هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم .
وذكر أبو محمد عبد الغني قال : حدثنا أبو أحمد البصري حدثنا أحمد بن علي بن سعيد القاضي أبو بكر المروزي حدثنا يحيى بن معين حدثنا هشام بن يوسف عن عبد الله بن سليمان النوفلي عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها : لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم قالت : هذه للعرب خاصة .
وقال آخرون : أراد به المؤمنين كلهم .
ومعنى من أنفسهم أنه واحد منهم وبشر ومثلهم ، وإنما امتاز عنهم بالوحي ; وهو معنى قوله لقد جاءكم رسول من أنفسكم وخص المؤمنين بالذكر لأنهم المنتفعون به ، فالمنة عليهم أعظم .يتلو عليهم " يتلو " في موضع نصب نعت لرسول ، ومعناه يقرأ .
والتلاوة القراءة .
ويعلمهم الكتاب والحكمة تقدم في البقرة .
وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين أي ولقد كانوا من قبل ، أي من قبل محمد ، وقيل : " إن " بمعنى " ما " ، واللام في الخبر بمعنى إلا .
أي وما كانوا من قبل إلا في ضلال مبين .
ومثله وإن كنتم من قبله لمن الضالين أي وما كنتم من قبله إلا من الضالين .
وهذا مذهب الكوفيين .
وقد تقدم في " البقرة " معنى هذه الآية .
هذه المنة التي امتن الله بها على عباده، أكبر النعم، بل أصلها، وهي الامتنان عليهم بهذا الرسول الكريم الذي أنقذهم الله به من الضلالة، وعصمهم به من الهلكة، فقال: { لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } يعرفون نسبه، وحاله، ولسانه، من قومهم وقبيلتهم، ناصحا لهم، مشفقا عليهم، يتلو عليهم آيات الله، يعلمهم ألفاظها ومعانيها.
{ ويزكيهم } من الشرك، والمعاصي، والرذائل، وسائر مساوئ الأخلاق.
و { يعلمهم الكتاب } إما جنس الكتاب الذي هو القرآن، فيكون قوله: { يتلو عليهم آياته } المراد به الآيات الكونية، أو المراد بالكتاب -هنا- الكتابة، فيكون قد امتن عليهم، بتعليم الكتاب والكتابة، التي بها تدرك العلوم وتحفظ، { والحكمة } هي: السنة، التي هي شقيقة القرآن، أو وضع الأشياء مواضعها، ومعرفة أسرار الشريعة.
فجمع لهم بين تعليم الأحكام، وما به تنفذ الأحكام، وما به تدرك فوائدها وثمراتها، ففاقوا بهذه الأمور العظيمة جميع المخلوقين، وكانوا من العلماء الربانيين، { وإن كانوا من قبل } بعثة هذا الرسول { لفي ضلال مبين } لا يعرفون الطريق الموصل إلى ربهم، ولا ما يزكي النفوس ويطهرها، بل ما زين لهم جهلهم فعلوه، ولو ناقض ذلك عقول العالمين.
( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ) قيل : أراد به العرب لأنه ليس حي من أحياء العرب إلا وله فيهم نسب إلا بني ثعلبة دليله قوله تعالى : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ) وقال الآخرون : أراد به جميع المؤمنين ومعنى قوله تعالى : ( من أنفسهم ) أي : بالإيمان والشفقة لا بالنسب ودليله قوله تعالى : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) ( يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ) وقد كانوا ، ( من قبل ) أي : من قبل بعثه ( لفي ضلال مبين )
«لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم» أي عربيا مثلهم ليفهموا عنه ويشرُفوا به لا ملكا ولا عجميا «يتلو عليهم آياته» القرآن «ويُزكِّيهمْ» يطهرهم من الذنوب «ويعلمهم الكتاب» القرآن «والحكمة» السنة «وإن» مخففة أي إنهم «كانوا من قبلُ» أي قبل بعثه «لفى ضلال مبين» بيِّن.
لقد أنعم الله على المؤمنين من العرب؛ إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم، يتلو عليهم آيات القرآن، ويطهرهم من الشرك والأخلاق الفاسدة، ويعلمهم القرآن والسنة، وإن كانوا من قبل هذا الرسول لفي غيٍّ وجهل ظاهر.
وبعد أن بين ذلك أتبعه ببيان فضله - سبحانه - على عباده فى أن بعث فيهم رسولا منهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور فقال - تعالى - : { لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ } .قال الرازى : قال الواحدى : " لمن فى كلام العرب معان :أحدها : الذى يسقط من السماء ، وهو قوله : { وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى } وثانيها : أن تمن بما أعطيت كما فى قوله { لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى } وثالثها : القطع كما فى قوله { وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ } ورابعها الإنعام والإحسان إلى من لا تطلب الجزاء منه - وهو المراد هنا " .والمعنى : لقد أنعم الله على المؤمنين ، وأحسن إليهم { إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ } أى بعث فيهم رسولا عظيم القدر ، هو من العرب أنفسهم ، وهم يعرفون حسبه ونسبه وشرفه وأمانته صلى الله عليه وسلم .وعلى هذا المعنى يكون المراد بقوله { مِّنْ أَنْفُسِهِمْ } أى من نفس العرب ، ويكون المراد بالمؤمنين مؤمنى العرب ، وقد بعثه الله عربيا مثلهم ، ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع بتوجيهاته .ويصح أن يكون معنى قوله { مِّنْ أَنْفُسِهِمْ } أنه بشر مثل سائر البشر إلا أن الله - تعالى - وهبه النبوة والرسالة ، ليخرج الناس - العربى منهم وغير العربى - من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان ، وجعل رسالته عامة فقال : { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } وخص الله - تعالى - منته وفضله بالمؤمنين ، لأنهم هم الذين انتفعوا بنعمة الإسلام ، الذى لن يقبل الله دينا سواه والذى جاء به محمد - عليه الصلاة والسلام .والجملة الكريمة جواب قسم محذوف والتقدير : والله { لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين } .ثم بين - سبحانه - مظاهر هذه المنة والفضل ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : { يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة } .والتلاوة : هى القراءة المتتابعة المرتلة التى يكون بعضها تلو بعض .والتزكية : هى التطهير والتنقية .أى لقد أعطى الله - تعالى - المؤمنين من النعم ما أعطى ، لأنه قد بعث فيهم رسلا من جنسهم يقرأ عليهم آيات الله التى أنزلها لهدايتهم وسعادتهم ، { وَيُزَكِّيهِمْ } أى يطهرهم من الكفر والذنوب .
أو يدعوهم إلى ما يكونون به زاكين طاهرين مما كانوا عليه من دنس الجاهلية ، والاعتقادات الفاسدة .{ وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب } بأن يبين لهم المقاصد التى من أجلها نزل القرآن الكريم ، ويشرح لهم أحكامه ، ويفسر لهم ما خفى عليهم من ألفاظه ومعانيه التى قدى تخفى على مداركهم .فتعليم الكتاب غير تلاوته : لأن تلاوته قراءته مرتلا مفهوما أما تعليمه فمعناه بيان أحكامه وما اشتمل عليه من تشريعات وآداب .ويعلمهم كذلك { الحكمة } أى الفقه فى الدين ومعرفة أسراره وحكمه ومقاصده التى يكمل بها العلم بالكتاب .وهذه الآية الكريمة قد اشتملت على عدة صفات من الصفات الجليلة التى منحها الله تعالى - لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم .ثم بين - سبحانه - حال الناس قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال { وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ } .أى : إن حال الناس وخصوصا العرب أنهم كانوا قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم فى ضلال بين واضح لا يخفى أمره لعى أحد من ذوى العقول السليمة والأذواق المستقيمة .وحقا لقد كان الناس قبل أن يبزغ نور الإسلام الذى جاء به صلى الله عليه وسلم من عند ربه فى ضلال واضح ، وظلام دامس ، فهم من ناحية العبادة كانوا يشركون مع الله آلهة أخرى ، ومن ناحية الأخلاق تفشت فيهم الرذائل حتى صارت شيئاً مألوفا ، ومن ناحية المعاملات كانوا لا يلتزمون الحق والعدل فى كثير من شئونهم .والخلاصة أن الضلال والجهل وغير ذلك من الرذائل ، كانت قد استشرت فى العالم بصورة لا تخفى على عاقل .فكان من رحمة الله بالناس ومنته عليهم أن أرسل فيهم نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم لكى يخرجهم من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان إلى نور الهداية والاستقامة والإيمان .ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن غزوة أحد فحكت ما قاله ضعاف الإيمان فى أعقابها ، وردت عليهم بما يبطل مقالتهم ، وبما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم فقال - تعالى : { أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ .
.
.
.
} .
اعلم أن في وجه النظم وجوها: الأول: أنه تعالى لما بين خطأ من نسبه الى الغلول والخيانة أكد ذلك بهذه الآية، وذلك لأن هذا الرسول ولد في بلدهم ونشأ فيما بينهم، ولم يظهر منه طول عمره الا الصدق والأمانة والدعوة الى الله والإعراض عن الدنيا، فكيف يليق بمن هذا حاله الخيانة.
الوجه الثاني: أنه لما بين خطأهم في نسبته الى الخيانة والغلول قال: لا أقنع بذلك ولا أكتفي في حقه بأن أبين براءته عن الخيانة والغلول، ولكني أقول: إن وجوده فيكم من أعظم نعمتي عليكم فانه يزكيكم عن الطريق الباطلة، ويعلمكم العلوم النافعة لكم في دنياكم وفي دينكم، فأي عاقل يخطر بباله أن ينسب مثل هذا الإنسان الى الخيانة.
الوجه الثالث: كأنه تعالى يقول: إنه منكم ومن أهل بلدكم ومن أقاربكم، وأنتم أرباب الخمول والدناءة، فاذا شرفه الله تعالى وخصه بمزايا الفضل والاحسان من جميع العالمين، حصل لكم شرف عظيم بسبب كونه فيكم، فطعنكم فيه واجتهادكم في نسبة القبائح اليه على خلاف العقل.
الوجه الرابع: أنه لما كان في الشرف والمنقبة بحيث يمن الله به على عباده وجب على كل عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه، فوجب عليكم أن تحاربوا أعداءه وأن تكونوا معه باليد واللسان والسيف والسنان، والمقصود منه العود الى ترغيب المسلمين في مجاهدة الكفار وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: للمن في كلام العرب معان: أحدها: الذي يسقط من السماء وهو قوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى ﴾ .
وثانيها: أن تمن بما أعطيت وهو قوله: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ .
وثالثها: القطع وهو قوله: ﴿ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ ممنون ﴾ ﴿ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ .
ورابعها: الإنعام والإحسان إلى من لا تطلب الجزاء منه، ومنه قوله: ﴿ هذا عَطَاؤُنَا فامنن أَوْ أَمْسِكْ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ﴾ والمنان في صفة الله تعالى: المعطي ابتداء من غير أن يطلب منه عوضا وقوله: ﴿ لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين ﴾ أي أنعم عليهم وأحسن اليهم ببعثه هذا الرسول.
المسألة الثانية: أن بعثة الرسول إحسان الى كل العالمين، وذلك لأن وجه الاحسان في بعثته كونه داعيا لهم الى ما يخلصهم من عقاب الله ويوصلهم الى ثواب الله، وهذا عام في حق العالمين، لأنه مبعوث الى كل العالمين، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ ﴾ إلا أنه لما لم ينتفع بهذا الانعام الا أهل الاسلام، فلهذا التأويل خص تعالى هذه المنة بالمؤمنين، ونظيره قوله تعالى: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ مع أنه هدى للكل، كما قال: ﴿ هُدًى لّلنَّاسِ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها ﴾ .
المسألة الثالثة: اعلم أن بعثة الرسول إحسان من الله إلى الخلق ثم إنه لما كان الانتفاع بالرسول أكثر كان وجه الانعام في بعثة الرسل أكثر، وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانت مشتملة على الأمرين: أحدهما: المنافع الحاصلة من أصل البعثة، والثاني: المنافع الحاصلة بسب ما فيه من الخصال التي ما كانت موجودة في غيره.
أما المنفعة بسبب أصل البعثة فهي التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿ رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل ﴾ قال أبو عبدالله الحليمي: وجه الانتفاع ببعثة الرسل ليس إلا في طريق الدين وهو من وجوه: الأول: أن الخلق جبلوا على النقصان وقلة الفهم وعدم الدراية، فهو صلوات الله عليه أورد عليهم وجوه الدلائل ونقحها، وكلما خطر ببالهم شك أو شبهة أزالها وأجاب عنها.
والثاني: ان الخلق وان كانوا يعلمون أنه لابد لهم من خدمة مولاهم، ولكنهم ما كانوا عارفين بكيفية تلك الخدمة، فهو شرح تلك الكيفية لهم حتى يقدموا على الخدمة آمنين من الغلط ومن الاقدام على ما لا ينبغي.
والثالث: أن الخلق جبلوا على الكسل والغفلة والتواني والملالة فهو يورد عليهم أنواع الترغيبات والترهيبات حتى إنه كلما عرض لهم كسل أو فتور نشطهم للطاعة ورغبهم فيها.
الرابع: أن أنوار عقول الخلق تجري مجرى أنوار البصر، ومعلوم أن الانتفاع بنور البصر لا يكمل الا عند سطوع نور الشمس، ونوره عقلي إلهي يجري مجرى طلوع الشمس، فيقوي العقول بنور عقله، ويظهر لهم من لوائح الغيب ما كان مستترا عنهم قبل ظهوره، فهذا إشارة حقيقية إلى فوائد أصل البعثة.
وأما المنافع الحاصلة بسبب ما كان في محمد صلى الله عليه وسلم من الصفات، فأمور ذكرها الله تعالى في هذه الآية أولها قوله: ﴿ مّنْ أَنفُسِهِمْ ﴾ .
واعلم أن وجه الانتفاع بهذا من وجوه: الأول: أنه عليه السلام ولد في بلدهم ونشأ فيما بينهم وهم كانوا عارفين بأحواله مطلعين على جميع أفعاله وأقواله، فما شاهدوا منه من أول عمره إلى آخره إلا الصدق والعفاف، وعدم الالتفات إلى الدنيا والبعد عن الكذب، والملازمة على الصدق، ومن عرف من أحواله من أول العمر إلى آخره ملازمته الصدق والأمانة، وبعده عن الخيانة والكذب، ثم ادعى النبوة والرسالة التي يكون الكذب في مثل هذه الدعوى أقبح أنواع الكذب، يغلب على ظن كل أحد أنه صادق في هذه الدعوى.
الثاني: أنهم كانوا عالمين بأنه لم يتلمذ لأحد ولم يقرأ كتابا ولم يمارس درسا ولا تكرارا، وأنه إلى تمام الأربعين لم ينطق ألبتة بحديث النبوة والرسالة، ثم إنه بعد الأربعين ادعى الرسالة وظهر على لسانه من العلوم ما لم يظهر على أحد من العالمين، ثم إنه يذكر قصص المتقدمين وأحوال الأنبياء الماضين على الوجه الذي كان موجودا في كتبهم، فكل من له عقل سليم علم أن هذا لا يتأتى إلا بالوحي السماوي والالهام الالهي.
الثالث: أنه بعد ادعاء النبوة عرضوا عليه الأموال الكثيرة والأزواج ليترك هذه الدعوى فلم يلتفت إلى شيء من ذلك، بل قنع بالفقر وصبر على المشقة، ولما علا أمره وعظم شأنه وأخذ البلاد وعظمت الغنائم لم يغير طريقه في البعد عن الدنيا والدعوة إلى الله، والكاذب إنما يقدم على الكذب ليجد الدنيا، فاذا وجدها تمتع بها وتوسع فيها، فلما لم يفعل شيئاً من ذلك علم أنه كان صادقا.
الرابع: أن الكتاب الذي جاء به ليس فيه إلا تقرير التوحيد والتنزيه والعدل والنبوة وإثبات المعاد وشرح العبادات وتقرير الطاعات، ومعلوم أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، ولما كان كتابه ليس إلا في تقرير هذين الأمرين علم كل عاقل أنه صادق فيما يقوله.
الخامس: أن قبل مجيئه كان دين العرب أرذل الأديان وهو عبادة الأوثان، وأخلاقهم أرذل الأخلاق وهو الغارة والنهب والقتل وأكل الأطعمة الرديئة.
ثم لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم نقلهم الله ببركة مقدمة من تلك الدرجة التي هي أخس الدرجات إلى أن صاروا أفضل الأمم في العلم والزهد والعبادة وعدم الالتفات إلى الدنيا وطياتها.
ولا شك أن فيه أعظم المنة.
إذا عرفت هذه الوجوه فنقول: ان محمدا عليه الصلاة والسلام ولد فيهم ونشأ فيما بينهم وكانوا مشاهدين لهذه الأحوال، مطلعين على هذه الدلائل، فكان إيمانهم مع مشاهدة هذه الأحوال أسهل مما إذا لم يكونوا مطلعين على هذه الأحوال.
فلهذه المعاني من الله عليهم بكونه مبعوثا منهم فقال: ﴿ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ ﴾ وفيه وجه آخر من المنة وذلك لأنه صار شرفا للعرب وفخر لهم، كما قال: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ وذلك لأن الافتخار بابراهيم عليه السلام كان مشتركا فيه بين اليهود والنصارى والعرب.
ثم إن اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى والتوراة والانجيل، فما كان للعرب ما يقابل ذلك، فلما بعث الله محمدا عليه السلام وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائدا على شرف جميع الأمم، فهذا هو وجه الفائدة في قوله: ﴿ مّنْ أَنفُسِهِمْ ﴾ .
ثم قال بعد ذلك: ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياته وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة ﴾ .
واعلم أن كمال حال الإنسان في أمرين: في أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، وبعبارة أخرى: للنفس الانسانية قوتان، نظرية وعملية، والله تعالى أنزل الكتاب على محمد عليه السلام ليكون سببا لتكميل الخلق في هاتين القوتين، فقوله: ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياته ﴾ إشارة الى كونه مبلغا لذلك الوحي من عند الله إلى الخلق، وقوله: ﴿ وَيُزَكّيهِمْ ﴾ اشارة إلى تكميل القوة النظرية بحصول المعارف الإلهية ﴿ والكتاب ﴾ إشارة إلى معرفة التأويل، وبعبارة أخرى ﴿ الكتاب ﴾ إشارة الى ظواهر الشريعة ﴿ والحكمة ﴾ إشارة الى محاسن الشريعة وأسرارها وعللها ومنافعها، ثم بين تعالى ما تتكمل به هذه النعمة.
وهو أنهم كانوا من قبل في ضلال مبين، لأن النعمة إذا وردت بعد المحنة كان توقعها أعظم، فاذا كان وجه النعمة العلم والاعلام، ووردا عقيب الجهل والذهاب عن الدين، كان أعظم ونظيره قوله: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فهدى ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُمْ درجات ﴾ أي هم متفاوتون كما تتفاوت الدرجات كقوله: أَنَصْبٌ لِلْمَنِيَّةِ تَعْتَرِيهِمْ ** رِجَالِي أمْ هُمُو دَرَجُ السُّيُولِ وقيل: ذوو درجات والمعنى تفاوت منازل المثابين منهم ومنازل المعاقبين، أو التفاوت بين الثواب والعقاب ﴿ والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ عالم بأعمالهم ودرجاتها فمجازيهم على حسبها ﴿ لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين ﴾ على من آمن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه.
وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون بمبعثه ﴿ مّنْ أَنفُسِهِمْ ﴾ من جنسهم عربياً مثلهم.
وقيل من ولد إسماعيل كما أنه من ولده، فإن قلت: مما وجه المنة عليهم في أن كان من أنفسهم؟
قلت: إذا كان منهم كان اللسان واحداً، فسهل أخذ ما يجب عليهم أخذه عنه وكانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة، فكان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به، وفي كونه من أنفسهم شرف لهم، كقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ [الزخرف: 44] وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقراءة فاطمة رضي الله عنها: من ﴿ أَنْفَسِهِم ﴾ ، أي من أشرفهم.
لأن عدنان ذروة ولد إسماعيل، ومضر ذروة نزار بن معد بن عدنان، وخندف ذروة مضر، ومدركة ذروة خندف، وقريش ذروة مدركة، وذروة قريش محمد صلى الله عليه وسلم.
وفيما خطب به أبو طالب في تزويج خديجة رضي الله عنها وقد حضر معه بنو هاشم ورؤساء مضر: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معدّ وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته وسوّاس حرمه، وجعل لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمنا، وجعلنا الحكام على الناس.
ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله من لا يوزن به فتى من قريش إلا رجح به، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل.
وقرئ: ﴿ لمن منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم ﴾ .
وفيه وجهان: أن يراد لمن منّ الله على المؤمنين منه أو بعثه إذ بعث فيهم، فحذف لقيام الدلالة، أو يكون إذ في محل الرفع كإذا في قولك: أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائماً، بمعنى لمن منّ الله على المؤمنين وقت بعثه ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياته ﴾ بعد ما كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي ﴿ وَيُزَكّيهِمْ ﴾ ويطهرهم من دنس القلوب بالكفر ونجاسة سائر الجوارح بملابسة المحرمات وسائر الخبائث.
وقيل: ويأخذ منهم الزكاة ﴿ وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة ﴾ القرآن والسنة بعدما كانوا أجهل الناس وأبعدهم من دراسة العلوم ﴿ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ ﴾ من قبل بعثة الرسول ﴿ لَفِى ضلال ﴾ إن هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية.
وتقديره: وإنّ الشأن والحديث كانوا من قبل في ضلال ﴿ مُّبِينٍ ﴾ ظاهر لا شبهة فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ أنْعَمَ عَلى مَن آمَنَ مَعَ الرَّسُولِ مِن قَوْمِهِ وتَخْصِيصُهم مَعَ أنَّ نِعْمَةَ البِعْثَةِ عامَّةٌ لِزِيادَةِ انْتِفاعِهِمْ بِها.
وقُرِئَ «لِمَن مَنَّ اللَّهُ» عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مِثْلَ مَنِّهِ أوْ بَعْثِهِ.
﴿ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ مِن نَسَبِهِمْ، أوْ مِن جِنْسِهِمْ عَرَبِيًّا مِثْلَهم لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ بِسُهُولَةٍ ويَكُونُوا واقِفِينَ عَلى حالِهِ في الصِّدْقِ والأمانَةِ مُفْتَخِرِينَ بِهِ.
وقُرِئَ «مِن أنْفَسِهِمْ» أيْ مِن أشْرَفِهِمْ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن أشْرَفِ قَبائِلِ العَرَبِ وبُطُونِهِمْ.
﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ﴾ أيِ القُرْآنَ بَعْدَ ما كانُوا جُهّالًا لَمْ يَسْمَعُوا الوَحْيَ.
﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ الطِّباعِ وسُوءِ الِاعْتِقادِ والأعْمالِ.
﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ﴾ أيِ القُرْآنَ والسُّنَّةَ.
﴿ وَإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ "إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ والمَعْنى وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ بِعْثَةِ الرَّسُولِ في ضَلالٍ ظاهِرٍ.
<div class="verse-tafsir"
{لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين} على من آمن مع رسول الله عليه السلام من قومه وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون بمبعثه {إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ} من جنسهم عربياً مثلهم أو من ولد إسماعيل كما أنهم من ولده والمنة في ذلك من حيث إنه إذا كان منهم كان اللسان واحدا فيسهل أخذ ما يجب عليهم أخذه عنه وكانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة فكان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه وكان لهم شرف بكونه منهم وفي قراءة رسول الله من أنفسهم أى من أشرفهم {يتلو عليهم آياته} أي القرآن بعدما كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي {وَيُزَكّيهِمْ} ويطهرهم بالإيمان من دنس الكفر والطغيان أو يأخذ منهم الزكاة {وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة} القرآن والسنة {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ} من قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم {لَفِى ضلال} عمى وجهالة {مُّبِينٍ} ظاهر لا شبهة فيه إن مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية والتقدير وإن الشأن والحديث كانوا من قبل في ضلال مبين
﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ ﴾ أيْ أنْعَمَ وتَفَضَّلَ، وأصْلُ المَنِّ القَطْعُ، وسُمِّيَتِ النِّعْمَةُ مِنَّةً لِأنَّهُ يُقْطَعُ بِها عَنِ البَلِيَّةِ، وكَذا الِاعْتِدادُ بِالصَّنِيعَةِ مَنًّا لِأنَّهُ قَطْعٌ لَها عَنْ وُجُوبِ الشُّكْرِ عَلَيْها، والجُمْلَةُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ واللَّهِ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ ﴿ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ مِن قَوْمِهِ أوْ مِنَ العَرَبِ مُطْلَقًا أوْ مِنَ الإنْسِ - وخَيْرُ الثَّلاثَةِ الوَسَطُ - وإلَيْهِ ذَهَبَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: هَذِهِ لِلْعَرَبِ خاصَّةً - والأوَّلُ خَيْرٌ مِنَ الثّالِثِ، وأيّا ما كانَ فالمُرادُ بِهِمْ عَلى ما قالَ الأجْهُورِيُّ: المُؤْمِنُونَ مِن هَؤُلاءِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أوِ الَّذِينَ آلَ أمْرُهم إلى الإيمانِ ﴿ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ ﴾ أيْ بَيْنَهم ﴿ رَسُولا ﴾ عَظِيمَ القَدْرِ جَلِيلَ الشَّأْنِ ﴿ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ مِن نَسَبِهِمْ، أوْ مِن جِنْسِهِمْ عَرَبِيًّا مِثْلَهم أوْ مِن بَنِي آدَمَ لا مَلِكًا ولا جِنِّيًّا، و(إذْ) ظَرْفٌ لِمَنَّ، وهو وإنْ كانَ بِمَعْنى الوَقْتِ، لَكِنْ وقَعَ في مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ مُعْظَمُ المُحَقِّقِينَ، والجارُّ إمّا مُتَعَلِّقٌ ( بِبَعَثَ ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً - لِرَسُولًا - والِامْتِنانُ بِذَلِكَ إمّا لِحُصُولِ الأُنْسِ بِكَوْنِهِ مِنَ الإنْسِ فَيَسْهُلُ التَّلَقِّي مِنهُ وتَزُولُ الوَحْشَةُ والنَّفْرَةُ الطَّبِيعِيَّةُ الَّتِي بَيْنَ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ، وإمّا لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ بِسُهُولَةٍ ويَفْتَخِرُوا عَلى سائِرِ أصْنافِ نَوْعِ بَنِي آدَمَ، وإمّا لِيَفْهَمُوا ويَفْتَخِرُوا ويَكُونُوا واقِفِينَ عَلى أحْوالِهِ في الصِّدْقِ والأمانَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى تَصْدِيقِهِ والوُثُوقِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِالِامْتِنانِ مَعَ عُمُومِ نِعْمَةِ البَعْثَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ لِمَزِيدِ انْتِفاعِهِمْ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ فِيهِمْ بِها، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .
وقُرِئَ (لِمِن مَنِّ اللَّهِ) بِمِنِ الجارَّةِ ومَنَّ المُشَدِّدَةِ النُّونِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مِثْلِ مَنُّهُ أوْ بَعْثُهُ، وحُذِفَ لِقِيامِ الدَّلالَةِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ إذْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ كَإذا في قَوْلِكَ: أخْطَبُ ما يَكُونُ الأمِيرُ إذا كانَ قائِمًا، بِمَعْنى لِمِن مَنِّ اللَّهِ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ وقْتُ بَعْثِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ (إذْ) مُبْتَدَأً والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرًا، (وقَدِ اعْتُرِضَ ذَلِكَ) بِأنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ أنَّ أحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ قالَ بِوُقُوعِ إذْ كَذَلِكَ، وما في المِثالِ إذا لا إذْ، وهي أيْضًا فِيهِ لَيْسَتْ مُبْتَدَأً أصْلًا، وإنَّما جَوَّزُوا فِيها وجْهَيْنِ: النَّصْبَ عَلى أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ وهي سادَّةٌ مَسَدَّهُ، والرَّفْعَ عَلى أنَّها هي الخَبَرُ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الكَلامُ مِن بابِ: جَدَّ جَدُّهُ لِأنَّ الأمِيرَ أخْطَبُ في حالِ القِيامِ لا كَوْنُهُ، وعَلى الثّانِي مِن بابِ: نَهارُهُ صائِمٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو المَشْهُورُ، وجَوَّزَ الثّانِي عَبْدُ القاهِرِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: أخْطَبُ ما يَكُونُ الأمِيرُ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِالرَّفْعِ، فَكَأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قاسَ إذْ عَلى إذا والمُبْتَدَأ عَلى الخَبَرِ.
وانْتَصَرَ بَعْضُهم لِلزَّمَخْشَرِيِّ بِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ جَماعَةٌ مِن مُحَقِّقِي النُّحاةِ بِخُرُوجِ إذْ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ فَتَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ وبَدَلًا مِنَ المَفْعُولِ، وهَذا في قُوَّةِ تَصْرِيحِهِمْ بِوُقُوعِها مُبْتَدَأً وخَبَرًا مَثَلًا، إذْ هو قَوْلٌ بِتَصَرُّفِها، ومَتى قِيلَ بِهِ كانَتْ جَمِيعُ الأحْوالِ مُسْتَوِيَةً في جَوازِ الإقْدامِ عَلَيْها مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ حالٍ وحالٍ إلّا لِمانِعٍ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ الحالِ فِيها وفي غَيْرِها مِن سائِرِ الأسْماءِ، وهو أمْرٌ آخَرُ وراءَ ما نَحْنُ فِيهِ، نَعَمْ حَكى الشَّلُوبِينُ في شَرْحِ الجَزُولِيَّةِ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ مَأْخَذَ التَّصَرُّفِ في الظُّرُوفِ هو السَّماعُ، فَإنْ كانَ هَذا حُكْمَ أصْلِ التَّصَرُّفِ فَقَطْ دُونَ أنْواعِهِ ارْتَفَعَ الغُبارُ عَمّا قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِناءً عَلى ما ذَكَرْنا بِلا خَفاءٍ، وإنْ كانَ حُكْمُ الأنْواعِ أيْضًا كَذَلِكَ فَلا يُقْدَمُ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِمُجَرَّدِ ثُبُوتِ المَفْعُولِيَّةِ، ولا عَلى الِابْتِدائِيَّةِ بِمُجَرَّدِ ثُبُوتِ الخَبَرِيَّةِ مَثَلًا إلّا بِوُرُودِ سَماعٍ في ذَلِكَ، فَفي صِحَّةِ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ تَرَدُّدٌ بَيِّنٌ؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ تَصْرِيحِهِمْ حِينَئِذٍ بِوُقُوعٍ إذْ مَفْعُولًا وبَدَلًا، وبِوُقُوعِ إذا خَبَرًا مَثَلًا لا يُجْدِي نَفْعًا لِجَوازِ وُرُودِ السَّماعِ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ كَما لا يَخْفى.
وفِي قِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ وفاطِمَةَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وعَلَيْها وسَلَّمَ (مِن أنْفَسِهِمْ) بِفَتْحِ الفاءِ أيْ مِن أشْرَفِهِمْ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أشْرَفِ القَبائِلِ وبُطُونِها وهو أمْرٌ مَعْلُومٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ يَنْبَغِي اعْتِقادُهُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ.
وقَدْ سُئِلَ الشَّيْخُ ولِيُّ الدِّينِ العِراقِيُّ: هَلِ العِلْمُ بِكَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَشَرًا ومِنَ العَرَبِ شَرْطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ أوْ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ ؟
فَأجابَ بِأنَّهُ شَرْطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ ثُمَّ قالَ: فَلَوْ قالَ شَخْصٌ: أُومِنُ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ لَكِنْ لا أدْرِي هَلْ هو مِنَ البَشَرِ أوْ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِنَ الجِنِّ أوْ لا أدْرِي هَلْ هو مِنَ العَرَبِ أوِ العَجَمِ ؟
فَلا شَكَّ في كُفْرِهِ لِتَكْذِيبِهِ القُرْآنَ وجَحْدِهِ ما تَلَقَّتْهُ قُرُونُ الإسْلامِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ وصارَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ الخاصِّ والعامِّ، ولا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا، فَلَوْ كانَ غَبِيًّا لا يَعْرِفُ ذَلِكَ وجَبَ تَعْلِيمُهُ إيّاهُ، فَإنْ جَحَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَكَمْنا بِكُفْرِهِ انْتَهى، وهَلْ يُقاسُ اعْتِقادُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أشْرَفِ القَبائِلِ والبُطُونِ عَلى ذَلِكَ، فَيَجِبُ ذَلِكَ في صِحَّةِ الإسْلامِ، أوْ لا يُقاسُ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ إيمانُ مَن لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ مُنَزِّهٌ تِلْكَ السّاحَةَ العَلِيَّةَ عَنْ كُلِّ وصْمَةٍ ؟
فِيهِ تَأمُّلٌ، والظّاهِرُ الثّانِي وهو الأوْفَقُ بِعَوامِّ المُؤْمِنِينَ.
﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ﴾ إمّا صِفَةٌ أوْ حالٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ وفِيهِ بُعْدٌ أيْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ما يُوحى إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ بَعْدَ ما كانُوا أهْلَ جاهِلِيَّةٍ لَمْ يَطْرُقْ أسْماعَهم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ، أوْ بَعْدَ ما كانَ بَعْضُهم كَذَلِكَ وبَعْضُهم مُتَشَوِّقًا إلَيْهِ حَيْثُ أخْبَرَ كِتابُهُ الَّذِي بِيَدِهِ بِنُزُولِهِ وبَشَّرَ بِهِ.
﴿ ويُزَكِّيهِمْ ﴾ أيْ يَدْعُوهم إلى ما يَكُونُونَ بِهِ زاكِينَ طاهِرِينَ مِمّا كانَ فِيهِمْ مِن دَنَسِ الجاهِلِيَّةِ أوْ مِن خَبائِثِ الِاعْتِقاداتِ الفاسِدَةِ كالِاعْتِقاداتِ الَّتِي كانَ عَلَيْها مُشْرِكُو العَرَبِ وأهْلُ الكِتابَيْنِ، أوْ يَشْهَدُ بِأنَّهم أزْكِياءُ في الدِّينِ، أوْ يَأْخُذُ مِنهُمُ الزَّكاةَ الَّتِي يُطَهِّرُهم بِها، قالَهُ الفَرّاءُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ومِثْلُهُ القَرِيبُ إلَيْهِ ﴿ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ.
وهَذا التَّعْلِيمُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى التِّلاوَةِ، وإنَّما وسَّطَ بَيْنَهُما التَّزْكِيَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ تَكْمِيلِ النَّفْسِ بِحَسَبِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ وتَهْذِيبِها المُتَفَرِّعِ عَلى تَكْمِيلِها بِحَسَبِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ الحاصِلِ بِالتَّعْلِيمِ المُتَرَتِّبِ عَلى التِّلاوَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأُمُورِ المُتَرَتِّبَةِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ عَلى حِيالِها مُسْتَوْجِبَةٌ لِلشُّكْرِ، ولَوْ رُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ ﴾ لَتَبادَرَ إلى الفَهْمِ عَدُّ الجَمِيعِ نِعْمَةً واحِدَةً وهو السِّرُّ في التَّعْبِيرِ عَنِ القُرْآنِ بِالآياتِ تارَةً، وبِالكِتابِ والحِكْمَةِ أُخْرى، رَمْزًا إلى أنَّهُ بِاعْتِبارِ كُلِّ عُنْوانٍ نِعْمَةً عَلى حِدَةٍ، قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ مِن تِلاوَةِ الآياتِ تِلاوَةُ ما يُوحى إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، ومِنَ التَّزْكِيَةِ الدُّعاءُ إلى الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلشَّهادَةِ لِلَّهِ تَعالى بِالتَّوْحِيدِ ولِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالرِّسالَةِ، وبِتَعْلِيمِ الكِتابِ تَعْلِيمُ ألْفاظِ القُرْآنِ وكَيْفِيَّةُ أدائِهِ لِيَتَهَيَّأ لَهم بِذَلِكَ إقامَةُ عِمادِ الدِّينِ، وبِتَعْلِيمِ الحِكْمَةِ الإيقافُ عَلى الأسْرارِ المَخْبُوءَةِ في خَزائِنِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ أمْرُ تَرْتِيبِ هَذِهِ المُتَعاطِفاتِ ظاهِرٌ، إذْ حاصِلُ ذَلِكَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُمَهِّدُ سُبُلَ التَّوْحِيدِ ويَدْعُو إلَيْهِ ويَعْلَمُ ما يَلْزَمُ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ، ويَزِيدُ عَلى الزَّبَدِ شَهْدًا، فَتَقْدِيمُ التِّلاوَةِ لِأنَّها مِن بابِ التَّمْهِيدِ، ثُمَّ التَّزْكِيَةُ لِأنَّها بَعْدَهُ وهي أوَّلُ أمْرٍ يَحْصُلُ مِنهُ صِفَةٌ يَتَلَبَّسُ بِها المُؤْمِنُونَ وهي مِن قَبِيلِ التَّخْلِيَةِ المُقَدَّمَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ؛ لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ، ثُمَّ التَّعْلِيمُ لِأنَّهُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ بَعْدَ الإيمانِ، بَقِيُ أمْرُ تَقْدِيمِ التَّعْلِيمِ عَلى التَّزْكِيَةِ في آيَةِ البَقَرَةِ، ولَعَلَّهُ كانَ إيذانًا بِشَرافَةِ التَّحْلِيَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ هُناكَ فَتَأمَّلْ.
﴿ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ بَعْثَةِ الرَّسُولِ ﴿ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ (164) ظاهِرٍ (وإنْ) هي المُخَفَّفَةُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ، والمَعْنى إنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ إلَخْ.
وإلى هَذا ذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وذَكَرَ مِثْلَهُ مَكِّيٌّ إلّا أنَّهُ قالَ: التَّقْدِيرُ وإنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ، فَجُعِلَ اسْمُها ضَمِيرًا عائِدًا عَلى المُؤْمِنِينَ، قالَ أبُو حَيّانَ: وكِلا الوَجْهَيْنِ لا نَعْرِفُ نَحْوِيًّا ذَهَبَ إلَيْهِ، وإنَّما تَقَرَّرَ عِنْدَنا في كُتُبِ النَّحْوِ، ومِنَ الشُّيُوخِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ ثُمَّ خَفَّفْتَ فَمَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: جَوازُ الإعْمالِ ويَكُونُ حالَها، وهي مُخَفَّفَةٌ كَحالِها وهي مُشَدَّدَةٌ إلّا أنَّها لا تَعْمَلُ في مُضْمَرٍ، ومَنَعَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ، وهم مَحْجُوجُونَ بِالسَّماعِ الثّابِتِ مِن لِسانِ العَرَبِ.
والوَجْهُ الثّانِي: وهو الأكْثَرُ عِنْدَهم أنْ تُهْمَلَ فَلا تَعْمَلُ لا في ظاهِرٍ ولا مُضْمَرٍ لا مَلْفُوظٍ ولا مُقَدَّرٍ البَتَّةَ، فَإنْ ولِيَها جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ ارْتَفَعَتْ بِالِابْتِداءِ والخَبَرِ، ولَزِمَتِ اللّامُ في ثانِي مَصْحُوبَيْها إنْ لَمْ يُنْفَ، وفي أوَّلِهِما إنْ تَأخَّرَ فَتَقُولُ: إنَّ زَيْدٌ لِقائِمٌ ومَدْلُولُهُ مَدْلُولُ إنَّ زَيْدًا قائِمٌ، وإنْ ولِيَها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ فَلا بُدَّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أنْ تَكُونَ مِن نَواسِخِ الِابْتِداءِ، وإنْ جاءَ الفِعْلُ مِن غَيْرِها فَهو شاذٌّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ.
وأجابَ الحَلَبِيُّ عَمَّنْ قَدَّرَ الشَّأْنَ بِأنَّهُ تَفْسِيرُ مَعْنًى لا بَيانُ إعْرابٍ، وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: إنَّ مَن قالَ: إنَّ الشَّأْنَ لَمْ يُرِدْ تَقْدِيرَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ بَلْ جَعَلَ الجُمْلَةَ حالًا بِتَأْوِيلِ القِصَّةِ ذَلِكَ لِئَلّا يَخْتَلِفَ زَمانُ الحالِ، والعامِلُ فَإنَّ زَمانَ الكَوْنِ في ضَلالٍ مُبِينٍ قَبْلَ زَمانِ التَّعْلِيمِ لَكِنْ كَوْنُ القِصَّةِ ذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ، ثُمَّ قالَ: وهَذا تَأْوِيلٌ شائِعٌ مَشْهُورٌ في الحالِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ زَمانُ تَحَقُّقِهِ زَمانَ تَحَقُّقِ العامِلِ فاحْفَظْهُ ولا تَلْفِظْهُ انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ الحَلَبِيُّ خِلافُ الظّاهِرِ، وكَلامُ عِصامِ المِلَّةِ مَنظُورٌ فِيهِ لِأنَّ المُناسِبَ لِما ذَكَرَهُ عَلى تَقْدِيرِ تَعَيُّنِهِ تَقْدِيرَ الشَّأْنِ قَبْلَ - أنْ - لا بَعْدَها كَما لا يَخْفى، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الجُمْلَةِ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، والأكْثَرُونَ عَلى الحالِيَّةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهي مُبَيِّنَةٌ لِكَمالِ النِّعْمَةِ وتَمامِها.
<div class="verse-tafsir"
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي أنعم الله عليهم إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يعني: من أصلهم ونسبهم من العرب، يعرفون نسبه.
ويقال: من أنفسهم، يعني من جنسهم من بني آدم، ولم يجعله من الملائكة.
وإنما خاطب بذلك المؤمنين خاصة لأن المؤمنين هم الذين صدقوه فكأنه منهم.
وقرئ في الشاذ: من أَنفسكم بنصب الفاء، أي من أشرفهم.
وقد كانت له فضيلة في ثلاثة أشياء: أحدها: أنه كان من نسب شريف لأنهم اتفقوا أن العرب أفضل، ثم من العرب قريش، ثم من قريش بنو هاشم، فجعله من بني هاشم.
والثاني: إنه كان أميناً فيهم قبل الوحي.
والثالث: أنه كان أمياً لكي لا يرتاب فيه الافتعال.
ثم قال: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ أي يعرض عليهم القرآن وَيُزَكِّيهِمْ يعني يأخذ منهم الزكاة ليطهر أموالهم، ويقال: ويزكيهم يعني يطهرهم من الذنوب والشرك.
ويقال: ويزكيهم أي يأمرهم بكلمة الإخلاص، وهي قول لا إله إلا الله، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ يعني القرآن، والحكمة أي الفقه وبيان الحلال والحرام وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: وقد كانوا مِن قَبْلُ مجيء محمد لفي خطأ بَيِّن.
ثم رجع إلى قصة أُحد وذكر التعزية للمؤمنين بما أصابهم من الجراحات، فقال: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ يعني يوم أحد قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها يوم بدر، لأن المسلمين يوم بدر قتلوا سبعين نفساً من صناديد قريش وأسروا سبعين، وقتل من المسلمين يوم أُحد سبعين ولم يؤسر منهم أحد، فذلك قوله تعالى: قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها وقوله: أَوَلَمَّا فالألف للاستفهام والواو للعطف وما صلة، فكأنه قال: ولئن متم أو قتلتم أو أصابتكم مصيبة يوم أحد، قد أصبتم مثليها يوم بدر قُلْتُمْ أَنَّى هذا يعني قلتم: فمن أين لنا هذا؟
وكيف أصابنا هذا ونحن مسلمون؟
قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ أي من عند قومكم بمعصية الرماة، بتركهم ما أمرهم به رسول الله .
وقال الضحاك: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، يعني بذنوبكم التي سلفت منكم قبل القتال، يعني إن في ذلك تطهيراً لما سلف من ذنوبكم وهو قوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30] .
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من النصرة والهزيمة وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فبإذن الله، أي جمع المسلمين وجمع المشركين فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي فبإرادة الله أصابكم وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا يعني أصابتكم المصيبة لكي يظهر المؤمن من المنافق.
ثم بيّن أمر المنافقين وصنيعهم وقلة حسبتهم في أمر الجهاد، فقال: وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا يعني: إن لم تقاتلوا لوجه الله، فقاتلوا دفعاً عن أنفسكم وحريمكم.
قال الكلبي: ويقال ادفعوا يعني: كثروا.
وقال القتبي: ادفعوا، أي كثروا لأنكم إذا كثرتم ثم دفعتم القوم بكثرتكم قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يعني: أن ميلهم إلى الكفر أقرب من ميلهم إلى الإيمان.
وقوله: لَاتَّبَعْناكُمْ أي لجئنا معكم.
قال الضحاك: وذلك أن النبيّ لما خرج يوم أحد، أبصر كتيبة خثناء وفيها كبكبة من الناس، فقال: «مَنْ هَؤُلاءِ» ؟
فقيل: يا نبيّ الله، هؤلاء حلفاء عبد الله بن أبي.
فقال: «إِنَّا لاَ نَسْتَعِينُ بِالكُفَّارِ» فرجع عبد الله مع حلفائه من اليهود.
فقال له عمر: أقم مع المؤمنين.
فقال: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ.
ويقال: إن عونهم للكفار أكثر من عونهم للمؤمنين يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ذكر الأفواه على معنى التأكيد، لأن الرجل يقول بالمجاز بالإشارة، وهذا كما قال: يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ [البقرة: 79] ويَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح: 11] وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ من النفاق والكفر.
ونزل فيهم أيضاً: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ من المنافقين وَقَعَدُوا عن الجهاد لَوْ أَطاعُونا في القعود عن الجهاد مَا قُتِلُوا في الغزو قُلْ لهم يا محمد فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ في حال حضور الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في مقالتكم.
قال الفقيه: سمعت بعض المفسرين بسمرقند يقول: لما نزلت هذه الآية: فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ مات يومئذ سبعون نفساً من المنافقين.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ...
الآية: اللام في «لقد» : لام القسم، و «منّ» في هذه الآية: معناه: تطوَّل وتفضَّل سبحانه، وقد يقال: «مَنَّ» بمعنى كَدَّرَ مَعْرُوفَهُ بالذِّكْرِ، فهي لفظةٌ مشتركة، وقوله: مِنْ أَنْفُسِهِمْ، أي: في الجنْسِ، واللسانِ، والمُجَاورةِ، فكونه مِنَ الجنْسِ يوجبُ الأنْسَ به، وكونُه بِلِسانِهِمْ يوجِبُ حُسْنَ التفهيم، وكونُه جَاراً ورَبِيًّا يوجِبُ التصديقَ والطُّمأنينة إذ قد خَبَرُوه وعَرَفُوا صِدْقَه وأمانته، ثم وقَف اللَّه سبْحانه المؤمنين عَلَى الخَطَإ في قَلَقِهِمْ للمُصِيبة الَّتي نزلَتْ بهم، وإعراضهم عمَّا نزل بالكفّار، فقال: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ
، أي: يوم أُحُدٍ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها، أيْ: يوم بَدْر إذ قتل من الكُفَّار سبعون، وأسر سَبْعُون، هذا تفْسِيرُ ابنِ عَبَّاس «١» ، والجمهورِ.
وقال الزَّجَّاج «٢» : وَاحِدُ المِثْلَيْن: هو قتْلُ السبعينَ يَوْمَ بَدْر، والثاني: هو قتل اثنين وعشرين يَوْمَ أحد، ولا مَدْخَل للأسرى لأنهم قد فدوا.
وأَنَّى: معناها: كَيْفَ، وَمِنْ أَيْنَ، قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، أي: حين خالفتم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الرأْيِ حينَ رأى أنْ يقيمَ بالمَدينة، ويترك الكُفَّار بَشَّر مَحْبِسٍ، فأبيتم إلا الخُرُوجِ، وهذا هو تأويلُ الجمهور، وقالَتْ طائفة: هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ: إشارةٌ إلى عصيانِ الرُّمَاة، وتسبيبهم الهَزيمة عَلَى المؤمنين، وقال عليٌّ والحَسَن: بل ذلك لِمَا قَبِلُوا الفِدَاءَ يَوْمَ بدر «٣» وذلك أنَّ اللَّه سبحانه أخبرهم على لسانِ نبيِّه بَيْنَ قَتْل الأسرى أو يأخذوا الفِدَاءَ على أنْ يُقْتَلَ منْهم عدَّة الأسرى، فاختاروا أَخْذَ الفدَاءِ، ورَضُوا بالشَّهَادةِ، فقُتِلَ منهم يوْمَ أحدٍ سَبْعُونَ، قلْتُ: وهذا الحديثُ رواه الترمذيُّ عنْ عليٍّ (رضي اللَّه عنه) ، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ أحمدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُودِيُّ: وعَنِ الضَّحَّاك: أَنَّى هذا، أي: بأيّ ذنب هذا؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: أنْعَمَ عَلَيْهِمْ.
و"أنْفُسُهُمْ": جَماعَتُهم، وقِيلَ: نَسَبُهم، وقَرَأ الضَّحّاكُ، وأبُو الجَوْزاءِ: (مِن أنْفُسِهِمْ) بِفَتْحِ الفاءِ.
وفي وجْهِ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِ مِن أنْفُسِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِكَوْنِهِ مَعْرُوفَ النِّسَبِ فِيهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: لِكَوْنِهِمْ قَدْ خُبِّرُوا أمْرَهُ، وعَلِمُوا صِدْقَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمُ التَّعَلُّمُ مِنهُ، لِمُوافَقَةِ لِسانِهِ لِلِسانِهِمْ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
والرّابِعُ: لِأنَّ شَرَفَهم يَتِمُّ بِظُهُورِ نَبِيٍّ مِنهم، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.
وَهَلْ هَذِهِ الآَيَةُ خاصَّةٌ أمْ عامَّةٌ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها خاصَّةٌ لِلْعَرَبِ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ والجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّها عامَّةٌ لِسائِرِ المُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لَيْسَ بِمَلِكٍ، ولا مِن غَيْرِ بَنِي آَدَمَ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
وقَدْ سَبَقَ في (البَقَرَةِ) بَيانُ باقِي الآَيَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مَنَّ أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مَنَّ قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ اللامُ في "لَقَدْ" لامُ القَسَمِ، و"مَنَّ" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ تَطَوَّلَ وتَفَضَّلَ، وقَدْ يُقالُ: مَنَّ بِمَعْنى كَدَّرَ مَعْرُوفَهُ بِالذِكْرِ، فَهي لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن أنْفُسِهِمْ" مَعْناهُ: في الجِنْسِ واللِسانِ والمُجاوَرَةِ، فَكَوْنُهُ مِنَ الجِنْسِ يُوجِبُ الأُنْسَ بِهِ وقِلَّةَ الِاسْتِيحاشِ مِنهُ، وكَوْنُهُ بِلِسانِهِمْ يُوجِبُ حُسْنَ التَفْهِيمِ وقُرْبَ الفَهْمِ، وكَوْنُهُ جارًا ورُبِيًّا يُوجِبُ التَصْدِيقَ والطُمَأْنِينَةَ، إذْ قَدْ خَبَرُوهُ وعَرَفُوا صِدْقَهُ وأمانَتَهُ، فَبُعِثَ رَسُولُ اللهِ : في نَسَبِ قَوْمِهِ، وكَذَلِكَ الرُسُلُ.
قالَ النَقّاشُ: لَيْسَ في العَرَبِ قَبِيلَةٌ إلّا وقَدْ ولَدَتْ رَسُولَ اللهِ مِن قِبَلِ أُمَّهاتِهِ إلّا بَنِي تَغْلِبَ لِنَصْرانِيَّتِهِمْ.
والآياتُ في هَذِهِ الآيَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها القُرْآنُ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها العَلاماتُ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
و"يُزَكِّيهِمْ" مَعْناهُ: يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ الكُفْرِ والمَعاصِي.
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: يَأْخُذُ مِنهُمُ الزَكاةَ، وهَذا ضَعِيفٌ.
و"الكِتابَ": القُرْآنُ، و"الحِكْمَةَ" السُنَّةُ المُتَعَلَّمَةُ مِن لِسانِهِ عَلَيْهِ السَلامُ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَتَهُمُ الأُولى مِنَ الضَلالِ لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بِتَجاوُرِ الضِدَّيْنِ، و"قَبْلُ": لَفْظَةٌ مَبْنِيَّةٌ لِما تَضَمَّنَتِ الإضافَةَ، فَأشْبَهَتِ الحُرُوفَ في تَضَمُّنِ المَعانِي فَبُنِيَتْ.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَلى الخَطَإ في قَلَقِهِمْ لِلْمُصِيبَةِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ، وإعْراضِهِمْ عَمّا نَزَلَ بِالكُفّارِ، وعَرَّفَهم أنَّ ذَلِكَ لِسَبَبِ أنْفُسِهِمْ.
والواوُ في قَوْلِهِ: "أوَلَمّا" عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْها ألِفُ التَقْرِيرِ عَلى مَعْنى إلْزامِ المُؤْمِنِينَ هَذِهِ المَقالَةَ في هَذِهِ الحالِ.
والمُصِيبَةُ الَّتِي نالَتِ المُؤْمِنِينَ هي قِصَّةُ أُحُدٍ وقَتْلِ سَبْعِينَ مِنهم.
واخْتُلِفَ في المِثْلَيْنِ اللَذَيْنِ أصابَ المُؤْمِنُونَ فَقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: ذَلِكَ في يَوْمِ بَدْرٍ، قَتَلَ المُؤْمِنُونَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ، وقالَ الزَجّاجُ: أحَدُ المِثْلَيْنِ: هو قَتْلُ السَبْعِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، والثانِي: هو قَتْلُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ مِنَ الكُفّارِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَهو قَتْلٌ بِقَتْلٍ.
ولا مَدْخَلَ لِلْأسْرى في هَذِهِ الآيَةِ، هَذا مَعْنى كَلامِهِ، لِأنَّ أسارى بَدْرٍ أُسِرُوا ثُمَّ فُدُوا، فَلا مُماثَلَةَ بَيْنَ حالِهِمْ وبَيْنَ قَتْلِ سَبْعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
و"أنّى" مَعْناها: كَيْفَ؟
ومِن أيْنَ؟
ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم.
واخْتَلَفَ الناسُ كَيْفَ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ولِأيِّ سَبَبٍ؟
فَقالَ الجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لِأنَّهم خالَفُوا رَسُولَ اللهِ في الرَأْيِ حِينَ رَأى أنْ يُقِيمَ بِالمَدِينَةِ ويَتْرُكَ كُفّارَ قُرَيْشٍ بِشَرِّ المَحْبِسِ، فَأبَوْا إلّا الخُرُوجَ حَتّى جَرَتِ القِصَّةُ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى عِصْيانِ الرُماةِ وتَسْبِيبِهِمُ الهَزِيمَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ.
وقالَ الحَسَنُ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: بَلْ ذَلِكَ لَمّا قَبِلُوا الفِداءَ يَوْمَ بَدْرٍ، وذَلِكَ أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: «لَمّا فَرَغَتْ هَزِيمَةُ المُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللهَ قَدْ كَرِهَ ما يَصْنَعُ قَوْمُكَ في أخْذِ الأسارى، وقَدْ أمَرَكَ أنْ تُخَيِّرَهم بَيْنَ أمْرَيْنِ: أنْ يُقَدِّمُوا الأسارى فَتَضْرِبَ أعْناقَهُمْ، أو يَأْخُذُوا الفِداءَ، عَلى أنْ يُقْتَلَ مِن أصْحابِكَ عِدَّةُ هَؤُلاءِ الأسارى.
فَدَعا رَسُولُ اللهِ الناسَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهم فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، عَشائِرُنا وإخْوانُنا، بَلْ نَأْخُذُ فِداءَهم فَنَتَقَوّى بِهِ عَلى قِتالِ عَدُوِّنا ويُسْتَشْهَدُ مِنّا عِدَّتُهُمْ، فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما نَكْرَهُ، قالَ: فَقُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ رَجُلًا.» <div class="verse-tafsir"
استئناف لتذكير رِجال يوممِ أُحُد وغيرهم من المؤمنين بنعمة الله عليهم.
ومناسبةُ ذكره هنا أنّ فيه من التسلية على مصيبة الهزيمة حظّاً عظيماً، إذ قد شاع تصْبير المحزون وتعزيته بتذكيره ما هو فيه من النعم، وله مزيد ارتباط بقوله: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ [آل عمران: 159]، وكذلك جاءت آي هذا الغرض في قصة أُحُد ناشئاً بعضها عن بعض، متفنّنة في مواقعها بحسب ما سمحت به فرصُ الفراغ من غرض والشروع في غيره فما تجد طراد الكلام يغدو طَلْقاً في حلبة الاستطراد إلا وتجد له رواحاً إلى مُنْبَعثه.
والمنّ هنا: إسداء المِنّة أي النِّعمة، وليس هو تعداد النعمة على المنعم عليه مثل الَّذي في قوله: ﴿ لا تبطلوا صدقاتكم بالمَن والأذى ﴾ في سورة [البقرة: 264]، وإن كان ذكرُ هذا المنّ مَنّاً بالمعنى الآخر.
والكلّ محمود من الله تعالى لأنّ المنّ إنَّما كان مذموماً لما فيه من إبداء التطاول على المنعم عليه، وطوْل الله ليس بمجحود.
والمراد بالمؤمنين هنا المؤمنون يومئذ وهم الَّذين كانوا مع النَّبيء بقرينة السياق وهو قوله: إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم} أي من أمَّتهم العربية.
و (إذ) ظرف ل (مَنّ) لأنّ الإنعام بهذه النِّعمة حصل أوقات البعث.
ومعنى ﴿ من أنفسهم ﴾ المماثلةُ لهم في الأشياء التي تكون المماثلة فيها سبباً لقوّة التواصل، وهي هنا النسب، واللغة، والوطن.
والعرب تقول: فلان من بني فلان من أنفسهم، أي من صميمهم ليس انتسابه إليهم بوَلاء أو لصق، وكأنّه هذا وجه إطلاق النفس عليه التي هي في معنى المماثلة، فكونه من أهل نسبهم أي كونه عربياً يوجب أنسهم به والركون إليه وعدم الاستيحاش منه، وكونه يتكلّم بلسانهم يجعلهم سريعين إلى فهم ما يجيء به، وكونه جاراً لهم وربيّا فيهم يعجّل لهم التصديق برسالته، إذ يكونون قد خبَروا أمره، وعلموا فضله، وشاهدوا استقامته ومعجزاته.
وعن النقاش: قيل ليس في العرب قبيلة إلا ولها ولادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ تغْلِب، وبذلك فسّر: «قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى».
وهذه المنّة خاصّة بالعرب ومزيّة لهم، زيادة على المنّة ببعثة محمد على جميع البشر، فالعرب وهم الذين تلقّوا الدعوة قبل الناس كلّهم، لأنّ الله أراد ظهور الدين بينهم ليتلقّوه التلقّي الكامل المناسب لصفاء أذهانهم وسرعة فهمهم لدقائق اللغة، ثم يكونوا هم حملته إلى البشر، فيكونوا أعواناً على عموم الدعوة، ولمن تخلّق بأخلاق العرب وأتقن لسانهم والتبس بعوائدهم وأذواقهم اقتراب من هذه المزيّة وهو معظمها، إذ لم يَفته منها إلا النسب والموطن وما هما إلا مكمّلان لحسن التلقّي، ولذلك كان المؤمنون مدّة حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب خاصّة بحيث إنّ تلقّيهم الدعوة كان على سواء في الفهم حتى استقرّ الدين.
وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: " من دخل في الإسلام فهو من العرب ".
وقوله: ﴿ يتلوا عليهم آياتيه ﴾ أي يقرأ عليهم القرآن، وسمّيت جمل القرآن آيات لأنّ كلّ واحدة منها دليل على صدق الرسول من حيث بلاغة اللفظ وكمال المعنى، كما تقدّم في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير، فكانوا صالحين لفهم ما يتلى عليهم من غير حاجة لترجمان.
والتزكية: التطهير، أي يطهر النفوس بهدي الإسلام.
وتعليم الكتاب هو تبيين مقاصد القرآن وأمرُهم بحفظ ألفاظه، لتكون معانيه حاضرة عندهم.
والمراد بالحكمة ما اشتملت عليه الشريعة من تهذيب الأخلاق وتقنين الأحكام لأنّ ذلك كلّه مانع للأنفس من سوء الحال واختلال النظام، وذلك من معنى الحكمة، وتقدّم القول في ذلك عند قوله تعالى: ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ [البقرة: 269].
وعطفُ الحكمة على الكتاب عطف الأخصّ من وجه على الأعمّ من وجه، فمن الحكمة ما هو في الكتاب نحو: ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ [الحشر: 9] ومنها ما ليس في الكتاب مثل قوله عليه السلام: " لا يُلدَغُ المؤمن من جحر مرّتين " وفي الكتاب ما هو علم وليس حكمة مثل فَرْض الصلاة والحجّ.
وجملة ﴿ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ حال، وإنْ مخففة مهملة، والجملة بعدها خبر عن ضمير الشأن محذوف، والجملة خبره على رأي صاحب «الكشاف»، وهو التحقيق إذ لا وجه لزوال عملها مع بقاء معناها، ولا وجه للتفرقة بينها وبين المفتوحة إذا خففت فقد قدّروا لها اسماً هو ضمير الشأن، بل نجد المكسورة أولى ببقاء العمل عند التخفيف لأنها أمّ الباب فلا يزول عملها بسهولة، وقال جمهور النحاة: يبطل عملها وتكون بعدها جملة، وعلى هذا فالمراد بإهمالها أنّها لا تنصب مفردين بل تعمل في ضمير شأن وجملة إمَّا اسمية، أو فعلية فعلها من النواسخ غالباً.
ووصف الضلال بالمبين لأنّه لشدّته لا يلتبس على أحد بشائبة هُدى، أو شبهة، فكان حاله مبيّناً كونَه ضلالاً كقوله: ﴿ وقالوا هذا سحر مبين ﴾ [النمل: 13].
والمراد به ضلال الشرك والجهالة والتقاتل وأحكام الجاهلية.
ويجوز أن يشمل قوله: ﴿ على المؤمنين ﴾ المؤمنين في كل العصور ويراد بكونه من أنفسهم أنّه من نوع البشر.
ويراد بإسناد تعليم الكتاب والحكمة إليه ما يجمع بين الإسناد الحقيقي والمجازي، لأنّ تعليم ذلك متلقّي منه مباشرة أو بالواسطة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ، وما صِلَةٌ دَخَلَتْ لِحُسْنِ النَّظْمِ.
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ ﴾ الفَظُّ: الجافِي، والغَلِيظُ القَلْبِ: القاسِي، وجَمَعَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ، وإنْ كانَ مَعْناهُما واحِدًا لِلتَّأْكِيدِ.
﴿ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ ﴾ وفي أمْرِهِ بِالمُشاوَرَةِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ في الحَرْبِ لِيَسْتَقِرَّ لَهُ الرَّأْيُ الصَّحِيحُ فِيهِ، قالَ الحَسَنُ: ما شاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أُمُورِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ تَأْلِيفًا لَهم وتَطْيِبًا لِأنْفُسِهِمْ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ لِما عَلِمَ فِيها مِنَ الفَضْلِ، ولِتَتَأسّى أُمَّتُهُ بِذَلِكَ بَعْدَهُ ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ لِيَسْتَنَّ بِهِ المُسْلِمُونَ ويَتْبَعَهُ فِيها المُؤْمِنُونَ وإنْ كانَ عَنْ مَشُورَتِهِمْ غَنِيًّا، وهَذا قَوْلُ سُفْيانَ.
﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ (يُغَلُّ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ.
فَفي تَأْوِيلِ مَن قَرَأ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: «أنَّ قَطِيفَةً حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: أخَذَها رَسُولُ اللَّهِ ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في طَلائِعَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ وجَّهَهم في وجْهٍ، ثُمَّ غَنِمَ الرَّسُولُ فَلَمْ يَقْسِمْ لِلطَّلائِعِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ أيْ يَقْسِمَ لِطائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ويَتْرُكَ طائِفَةً ويَجُورَ في القَسْمِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكْتُمَ النّاسَ ما بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ لِرَهْبَةٍ مِنهُ ولا رَغْبَةٍ فِيهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.
وَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ (يُغَلُّ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي: وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَتَّهِمَهُ أصْحابُهُ ويُخَوِّنُوهُ.
والثّانِي: مَعْناهُ: وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ أصْحابَهُ ويُخَوِّنَهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
وَأصْلُ الغُلُولِ الغَلَلُ وهو دُخُولُ الماءِ في خِلالِ الشَّجَرِ، فَسُمِّيَتِ الخِيانَةُ غُلُولًا لِأنَّها تَجْرِي في المالِ عَلى خَفاءٍ كَجَرْيِ الماءِ، ومِنهُ الغِلُّ الحِقْدُ لِأنَّهُ العَداوَةُ تَجْرِي في النَّفْسِ مَجْرى الغَلَلِ.
﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ وفي وجْهِ المِنَّةِ بِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِيَكُونَ ذَلِكَ شَرَفًا لَهم.
والثّانِي: لِيُسَهِّلَ عَلَيْهِمْ تَعَلُّمَ الحِكْمَةِ مِنهُ لِأنَّهُ بِلِسانِهِمْ.
والثّالِثُ: لِيُظْهِرَ لَهم عِلْمَ أحْوالِهِ مِنَ الصِّدْقِ والأمانَةِ والعِفَّةِ والطَّهارَةِ.
﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَشْهَدُ لَهم بِأنَّهم أزْكِياءُ في الدِّينِ.
والثّانِي: أنْ يَدْعُوَهم إلى ما يَكُونُونَ بِهِ أزْكِياءَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ يَأْخُذُ مِنهُمُ الزَّكاةَ الَّتِي يُطَهِّرُهم بِها، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة في هذه الآية ﴿ لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم ﴾ قالت: هذه للعرب خاصة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: منّ من الله عظيم من غير دعوة ولا رغبة من هذه الأمة جعله الله رحمة لهم، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط مستقيم، بعثه الله إلى يوم لا يعلمون فعلمهم، وإلى قوم لا أدب لهم فأدبهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ الآية.
لـ (المَنِّ) (١) أحدها: الذي يسقط من السماء، وقد مرّ ذكره في قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ﴾ .
والمَنُّ: الاعتداد بالصنَّيعَةِ (٢) ﴿ لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ ﴾ .
والمَنُّ: القَطْعُ.
ومنه قوله: ﴿ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ ؛ أي: غيرُ مَقْطُوع (٣) والمَنُّ: الإعطاء والإنعام، والإحسان إلى مَنْ لا تَسْتَثِيبه.
منه قوله تعالى: ﴿ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ (٤) (٥) فمعنى قوله: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ أي: أنعَمَ عليهم، وأحسَنَ إليهم، إذ بَعَثَ فيهم رَسُولًا.
واختلفوا في المراد بـ (المؤمنين) في قوله: ﴿ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
فقال بعضهم (٦) ، كانَ مِنَ العَرَبِ، ولم يكُنْ حَيٌّ مِن أحياء العرب، إلّا [و] (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) وعلى هذا التفسير، معنى قوله: ﴿ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ؛ أي: مِنْ نَسَبِهم.
قال ابن عباس (١٢) (١٣) ومعنى (المِنَّة) -على هذا التفسير-: أنه بُعِثَ واحدًا منهم؛ ليكونَ ذلك شَرَفًا لهم (١٤) أحدهما: أنه أنقذهم به من النار، وهداهم.
والثاني: أنْ جعله منهم.
ودليل هذا التأويل، قولُه: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ ﴾ .
وقال آخرون (١٥) ﴿ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ؛ أي: إنه واحدٌ منهم، يعرفونه، ويعرفون نَسَبَهُ، ليس بِمَلَكٍ، ولا أحد مِن غيرِ بني آدم.
ومعنى (المِنّة) -على هذا القول-: أنّه (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وهذا القول اختيار الزجّاج؛ لأنه قال (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) وعلى هذا التفسير: خُصّ المؤمنون بالذكر، وإنْ كانَ جميعُ المُكَلَّفِينَ في هذا سواء؛ لأن المِنّة على المُؤْمِنِ في هذا أعظمُ منها على الكافر؛ لانتفاع المؤمن ببعثته، فصار كقوله: ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ﴾ ، وهو كان منذرًا لجميع البَشَرِ، ولكنْ لَمَّا كان المؤمنُ يخشَى الساعةَ دون الكافرين، وكان للمؤمن الانتفاعُ بإنذاره، أُضِيفَ إليه.
وباقي الآية مفسَّرَةٌ في سورة البقرة (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ قيل: معناه: وقد كانوا (٢٥) وقيل: معناه: وما كانوا مِنْ قَبْلِهِ؛ أي (٢٦) ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾ (٢٧) (١) في (ج): (المن) بدلا من: (للمن).
(٢) الصَّنِيعة: العَطِيَّة، والكرامة، والإحسان.
والجمع: صَنائِع.
انظر: (صنع) في: "اللسان" 4/ 2510، و"القاموس" 739.
(٣) وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم.
وحكى السُدِّي عن بعضهم، == أن معناه: غيرُ ممنونٍ عليهم.
ورُدَّ عليه؛ لأن المِنَّة لله تعالى على أهل الجنة؛ لأنهم دخلوها برحمته تعالى وفضله، لا بأعمالهم.
انظر: "تفسير ابن كثير" 4/ 519.
(٤) معنى الآية -على هذا الوجه-: لا تُعْطِ العطيَّةَ تلتمس أكثر منها.
وهذا قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، وأبي الأحوص، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم، واستظهره ابن كثير.
ويرى الضحاك أن هذا خاص بالنبي ، مباح للناس عامة.
وقيل: لا تعط عطاءً وتستكثره؛ لأن الكريم يستقل ما يعطي، وإن كان كثيرًا.
ذكره ابن جُزي.
وهناك أقوال أخرى في الآية، هي: - لا تمنن بعملك على ربك تستكثره وهو قول الحسن، والربيع، واختيار الطبري.
- وقيل: لا تضعف أن تستكثر من الخير؛ على أنَّ (تَمْنُنْ) -في كلام العرب-: تضعف.
وهي رواية خصيف عن مجاهد.
أو لا تضعف عن تبليغ الرسالة، وتستكثر ما حملناك من ذلك.
ذكره ابن جُزَي.
- وقيل: لا تمنن بالنبوة والقرآن على الناس، تستكثرهم به، تأخذ عليه عوضًا من الدنيا.
وهو قول ابن زيد.
انظر: "تفسير الطبري" 29/ 148 - 150، "وتفسير ابن جزي" 806، و"تفسير ابن كثير" 4/ 466.
(٥) انظر هذه المعاني لـ (المن) في: "الزاهر" 2/ 355 - 357، و"تهذيب اللغة" 4/ 3459 - 3460، و"مفردات ألفاظ القرآن" 777، و"قاموس القرآن" للدامغاني 444، و"بصائر ذوي التمييز" 4/ 527 - 528.
(٦) من قوله: (قال بعضهم ..) إلى (..
على النصرانية): نقله -بتصرف- عن "تفسير الثعلبي" 3/ 143 - ب.
(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، و"تفسير الثعلبي".
(٨) هم بنو تَغْلب بن وائل بن قاسط.
ينتهي نسبهم إلى مَعَدّ بن عدنان.
ومساكنهم بالجزيرة الفُرَاتية، وتعرف بديار بكر.
وبينهم وبين بني بكر بن وائل دارت حرب (البَسُوس) المشهورة التي استمرت (40) سنة.
انظر: "جمهرة أنساب العرب" 303، 469، و"صبح الأعشى" 1/ 338، و"معجم القبائل العربية" 1/ 120.
(٩) في (أ)، (ب): (فظهره).
والمثبت من (ج)، و"تفسير الثعلبي"، وكذا جاءت في "تفسير القرطبي" 4/ 264، 18/ 92.
وهي الصواب.
(١٠) أورد هذا القول القرطبيُّ في "تفسيره" 18/ 92 ونسبه لابن إسحاق، وكذا أورده أبنُ عطية في "المحرر" 3/ 409 ونسبه للنقاش.
(١١) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.
(١٢) لم أقف على مصدر قوله؛ وقد ذكره ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 494.
(١٣) لم أقف على مصدر قوله.= وممن ورد عنه أن هذا خاصٌّ في العرب: عائشةُ - ا-.
فقد أخرج عنها ابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 808 أنها قالت -بعد أن قرأت هذه الآية-: (هذه للعرب خاصة).
وأورده القرطبي في: "تفسيره" 4/ 264، ونسب إخراجه لأبي محمد عبد الغني، بسنده عنها.
وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 165 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر، والبيهقي في "الشعب".
وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 4/ 163حيث قال: ( ﴿ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ نبيًا من أهل لسانهم، ولم يجعله من غير أهل لسانهم، فلا يفقهوا عنه ما يقول).
(١٤) انظر: "بحر العلوم" لأبي الليث 1/ 313، و"النكت والعيون" 1/ 434.
(١٥) ممن قال هذا: الزجاج -كما سيأتي-، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 143 ب، ولم يعزه لقائل.
(١٦) من قوله: (أنه) إلى (من قبله) نقله -بتصرف- عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 487.
(١٧) في (أ)، (ب): (يتأول).
والمثبت من (ج)، و"معاني القرآن".
(١٨) في (أ): (البرهانُ) بضم النون.
وفي (ب)، (ج): مهملة، وما أثبته هو الصواب.
(١٩) في (ب): (قبل).
(٢٠) في "معاني القرآن" له 1/ 487.
نقله عنه بتصرف يسير.
(٢١) ما بين المعقوفين زيادة ليستقيم بها السياق.
(٢٢) في (ب): (لكانت).
(٢٣) في (ب): (أمانته).
(٢٤) انظر: تفسير الآية 129، والآية 151 من سورة البقرة.
(٢٥) لم أقف على من قال بهذا القول، إلا أنه يُخَرَّج على قول الكسائي -من الكوفيين- أنَّ (إنْ) إنْ دخلت على جملة فعلية، تكون بمعنى (قد)، واللام زائدة للتوكيد، وإن دخلت على جملة اسمية، فتكون (إنْ) هي النافية، واللام بمعنى (إلَّا).
انظر: "تفسير الطبري" 4/ 163، و"اللامات" للزجاجي 115، و"الجنى الداني" 214، و"الدر المصون" 2/ 334.
(٢٦) (من قبله أي): ساقط من (ج).
(٢٧) هذا رأي الكوفيين، ومنهم: الفراء، أنَّ (إنْ) -هنا- نافية، بمعنى (ما)، واللام بمعنى: (إلا)، بينما مذهب أهل البصرة أنَّ (إنْ) هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين (إنْ) النافية.
انظر: المصادر السابقة، و"الفريد في إعراب القرآن المجيد" 1/ 656، و"الجنى الداني" 209، و"المغني" لابن هشام 306.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَقَدْ مَنَّ الله ﴾ الآية إخبار تفضل الله على المؤمنين ببعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ معناه في الجنس واللسان، فكونه من جنسهم يوجب الأنس به، وقلة الاستيحاش منه، وكونه بلسانهم يوجب حسن الفهم عنه، ولكونه منهم يقرفون حسبه وصدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم ويكون، هو صلى الله عليه وسلم أشفق عليهم وأرحم بهم من الأجنبيين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يغل ﴾ بفتح الياء وضم الغين: ابن كثير وأبو عمرو وعاصم غير المفضل ويعقوب غير رويس.
الباقون: بالضم والفتح على البناء للمفعول.
﴿ ولا يحسبن ﴾ بياء الغيبة: الحلواني عن هشام.
الباقون: بتاء الخطاب.
﴿ قتلوا ﴾ بالتشديد: ابن عامر.
الباقون: بالتخفيف.
﴿ وإن الله ﴾ بالكسر على الابتداء: عليّ.
الباقون: بالفتح.
﴿ وخافوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل.
الباقون بالحذف.
الوقوف: ﴿ إن يغل ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ يوم القيامة ﴾ ج لانتهاء جزاء الشرط مع العطف ﴿ لايظلمون ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ بما تعملون ﴾ ه ﴿ والحكمة ﴾ ج لمكان العطف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مثليها ﴾ (لا) لأن استفهام الإنكار دخل على ﴿ قلتم ﴾ ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ وليعلم المؤمنين ﴾ ه لا ﴿ نافقوا ﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف والوصل أولى على تقدير وقد قيل لهم.
﴿ أو ادفعوا ﴾ ط ﴿ لاتبعناكم ﴾ ط ﴿ للإيمان ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف.
﴿ في قلوبهم ﴾ ط ﴿ يكتمون ﴾ ج لاحتمال كون "الذين" بدلاً عن ضمير ﴿ يكتمون ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف.
﴿ ما قتلوا ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أمواتاً ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ص ﴿ يرزقون ﴾ ه لا لأن ﴿ فرحين ﴾ حالهم.
﴿ من فضله ﴾ (لا) للعطف.
﴿ من خلفهم ﴾ (لا) لتعلق "أن".
﴿ يحزنون ﴾ ه م للآية واستئناف الفعل إذ يستحيل أن يكون الاستبشار حالاً للذين يحزنون.
﴿ وفضل ﴾ (لا) لأن التقدير وبأن ومن كسر وقف والجملة حينئذٍ اعتراضية.
﴿ المؤمنين ﴾ ه ج لأن "الذين" يصلح صفة اللمؤمنين ومبتدأ خبره للذين أحسنوا، أو نصباً على المدح والأول أوجه لاتحاد الصفة.
﴿ القرح ﴾ ط لمن لم يقف على ﴿ المؤمنين ﴾ .
﴿ عظيم ﴾ ج لاحتمال البدل وكونه خبر مبتدأ محذوف.
﴿ إيماناً ﴾ ق والوصل أولى للعطف واتصال توكل اللسان بيقين القلب.
﴿ الوكيل ﴾ ه ﴿ سوء ﴾ لا للعطف ﴿ رضوان الله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ أولياءه ﴾ ص لوصل النهي عن الخوف بعد ذكر التخويف ﴿ مؤمنين ﴾ ه.
التفسير: هذا حكم من أحكام الجهاد.
وأصل الغلول أخذ الشيء في خفية.
يقال: أغل الجازر والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئاً من اللحم ليسرقه.
والغل الحقد الكامن في الصدر.
والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الدرع والثياب، والغلل الماء الذي يجري في / أصول الشجر لأنه مستتر بالأشجار.
وقال : " "من بعثناه على عمل فغل شيئاً جاء يوم القيامة يحمله على عنقه" وقال أيضاً: " هدايا الولاة غلول" " وقال الجوهري: غل يغل غلولاً أي خان.
وأغل مثله إلا أن العرف جعله في الغالب مخصوصاً بالخيانة في الغنيمة حتى قال أبو عبيدة: الغلول في المغنم خاصة، وقد جعله النبي من الكبائر.
عن ثوبان عن رسول الله : " "من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاثة دخل الجنة الكبر والغلول والدين " وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال: " لا ألْفَيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك " ومعنى الآية فيمن قرأ بفتح الياء وضم الغين: ما كان لنبي أن يخون أي ما صح وما ينبغي له ذلك لأن النبوة تنافي الغلول لأنها أعلى المراتب الإنسانية، فلا يليق بصاحبها ما هو عار في الدنيا ونار في الآخرة، كيف وإنه أمين على الوحي النازل عليه من فوق سبع سموات، أفلا يكون أميناً في الأرض؟
هيهات.
وقيل: اللام منقولة والتقدير: وما كان نبي ليغل كقوله ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ أي ما كان الله ليتخذ ولداً.
ومن قرأ بضم الياء وفتح الغين ففيه وجهان: أحدهما يخان أي يؤخذ من غنيمته.
وفي تخصيصه بهذه الحرمة والخيانة محرمة على الإطلاق فوائد منها: أن المجني عليه كلما كان أجل منصباً كانت الخيانة في حقه أفحش.
ومنها أنه لا يكاد يخفى عليه من قبل الوحي فكان مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا.
ومنها أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في غاية الفقر، فكانت تلك الخيانة وقتئذٍ أقبح.
وثانيهما يخوّن أي ينسب إلى الخيانة فيكون من / الإغلال.
قال المبرد: تقول العرب: أكفرت الرجل جعلته كافراً أو نسبته إلى الكفرة.
قال القتيبي: لو كان هذا هو المراد لقيل "يغلل" كما يقال: "يفسق ويكفر" والأولى أن يقال: هو من أغللته أي وجدته غالاً كما يقال: أبخلته أي وجدته كذلك.
ومن هنا قال في الكشاف: معناه راجع إلى القراءة الأولى إذ معناه ما صح له أن يوجد غلالاً ولا يوجد غالاً إلا إذا كان غالاً.
وكان ابن عباس ينكر على هذه القراءة ويقول: كيف لا ينسب إلى الخيانة وقد كان يقتل؟
وقال خصيف: قلت لسعيد بن جبير: ما كان لنبي أن يغل.
فقال: بل يغل ويقتل.
ولا يخفى أن الإنكار لا يتوجه إذا كان أغل بمعنى وجده غالاً، وإنما يتوجه إذا كان الإغلال بمعنى النسبة إلى الخيانة كما روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله أخذها.
وقد طعن بعضهم في هذه القراءة وقال: إن أكثر ما جاء من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل ﴿ ما كان لنا أن نشرك ﴾ ﴿ ما كان ليأخذ أخاه ﴾ ﴿ ما كان لنفس أن تموت ﴾ ﴿ ما كان الله ليضل قوماً ﴾ ﴿ وما كان الله ليطلعكم ﴾ وحكى أبو عبيدة عن يونس أنه قال: ليس في الكلام "ما كان لك أن تضرب" بضم التاء.
والحق أن القرآن حجة على غيره لا بالعكس.
ويوافق هذه القراءة ما روي "أنه لما وقعت غنائم هوازن في يده غله رجل بمخيط فنزلت" .
وعلى هذا يغل بمعنى يخان.
وإن جعل يغل بمعنى يوجد غالاً فالقراءتان متعاضدتان ويوافقهما أسباب النزول، أكثرها يروي "أنه تأخرت قسمة الغنيمة في بعض الغزوات لمانع فجاءه قوم وقالوا: ألا تقسم غنائمنا؟
فقال : لو كان لكم مثل أحد ذهباً ما حبست منكم درهماً، أترون أني أغلكم مغنمكم؟
فنزلت" .
وعن ابن عباس "أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي من الغنائم بشيء زائد فنزلت" .
وقال الكلبي ومقاتل: "نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز طلباً للغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر.
فقال لهم : ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟
فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً فقال : بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم" .
وروي "أنه بعث طلائع فغنم بعدهم غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع" فنزلت مبالغة في النهي لرسوله يعني وما كان لنبي أن يعطي قوماً ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بالسوية.
وسمى حرمان بعض الغزاة غلولاً تغليظاً وتقبيحاً لصورة الأمر.
وقيل: نزلت في أداء الوحي.
كان يقرأ القرآن - وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم - فسألوه أن يترك ذلك فقيل: / ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم رغبة في الناس أو رهبة منهم ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ أكثر المفسرين أجروه على ظاهره ونظيره في مانع الزكاة ﴿ يوم يحمى عليها في نار جهنم ﴾ ويدل عليه الحديث الذي رويناه وعن ابن عباس أنه قال: يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ثم يقال له: أنزل إليه فخذه فيهبط إليه فإذا انتهى إليه حمله على ظهره فلا يقبل منه.
وعن بعض جفاة الأعراب أنه سرق نافجة مسك فتليت عليه هذه الآية فقال: إذن أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل.
قلت: ذلك الشقي قاس الأمور الأخروية على الأمور الدنيوية، ولم يعلم أن ذلك المسك وقتئذٍ يكون أنتن من الجيفة وأثقل من الجبل وذلك ليذوق وبال أمره ويرى نقيض مقصوده.
قال المحققون: والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادات فضيحته.
ومثله قوله : " لكل غادر لواء يوم القيامة " وقال أبو مسلم: هذا على سبيل التمثيل والتصوير لوباله وتبعته.
والمراد أنه يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه لأنه لا يخفى عليه خافية.
وقيل: المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء، وفيه صرف اللفظ عن ظاهره من غير دليل ولا ضرورة.
﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ إثبات للجزاء لكل كاسب على سبيل العموم ليعلم صاحب الغلول أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب وهذا أبلغ مما لو خص الغال بتوفية الجزاء فقيل: ثم يوفى ما كسب.
ثم فصل ما أجمل فقال: ﴿ أفمن اتبع ﴾ والهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره "أمن اتقى فاتبع" قال الكلبي والضحاك: أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول ﴿ كمن باء بسخط من الله ﴾ رجع منه بشدّة إرادة انتقام لأجل الغلول؟
وقال الزجاج: أفمن اتبع رضوان الله بامتثال امر النبي حين دعاهم إلى دفع المشركين يوم أحد، كمن باء بسخط من الله وهم الذين لم يمتثلوا؟
وقيل: الأولون المهاجرون والآخرون المنافقون.
وقيل: أفمن اتبع رضوان الله بالإيمان والعمل بطاعته كمن باء بسخط من الله بالكفر به والاشتغال بمعصيته؟
وهذا القول أقرب لتكون الآية مجراة على العموم وإن كان سبب النزول خاصاً.
وقوله: ﴿ ومأواه جهنم ﴾ من تمام صلة من "باء".
وقوله: ﴿ وبئس المصير ﴾ اعتراض.
قال القفال: لا يجوز في الحكمة أن يُسوى بين المسيء والمحسن وإلا كان إغراء بالمعاصي وإباحة لهما وإهمالاً للطاعات وتنفيراً عنها.
﴿ هم درجات ﴾ قيل: أي لهم / درجات.
وحسن هذا الحذف لأن اختلاف أعمالهم كأنه قد صيرهم بمنزلة الأشياء المختلفة في ذواتها.
وقالت الحكماء: النفوس الإنسانية مختلفة بالماهية يدل عليها اختلاف صفاتها بالإشراق والإظلام، ومن هنا قال : "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" فهم في أنفسهم درجات لا أن لهم درجات.
وقيل: المراد ذوو درجات.
ثم الضمير إلى أي شيء يعود؟
قيل: إلى من اتبع رضوان الله لأن الغالب في العرف استعمال الدرجات في أهل الثواب، والدركات في أهل العقاب.
ولأنه قد ذكر وصف من باء بسخط من الله وهو أن مأواه جهنم فيكون هذا وصفاً لمن اتبع الرضوان ويؤيده قوله: ﴿ عند الله ﴾ وهذا وإن كان معناه في علمه وحكمه كما يقال: "هذه المسألة عند الشافعي كذا" ولا يراد به عندية المكان لتنزهه عن ذلك إلا أنه يفيد في الجملة تشريفاً وأنه يليق بأهل الثواب.
وقال الحسن: يعود إلى من باء بسخط لأنه أقرب لأنهم متفاوتون في العذاب.
عن رسول الله : "إن منها ضحضاحاً وغمراً " وقال: " إن أهون أهل النار عذاباً رجل يحذى له نعلان من نار يغلى من حرهما دماغه ينادي يا رب وهل يعذب أحد عذابي " والأوجه أن يكون عائداً إلى الكل، لأن درجات أهل الثواب متفاوتة، وكذا دركات أهل العقاب حسب تفاوت أعمال الخلق.
وقد تستعمل الدرجات في مراتب أهل النار كقوله: ﴿ ولكل درجات مما عملوا ﴾ ﴿ والله بصير بما يعملون ﴾ فيجازيهم بمقدارها.
قوله عز من قائل: ﴿ لقد منّ الله على المؤمنين ﴾ في النظم وجوه منها: أن هذا الرسول نشأ فيما بينهم ولم يظهر منه طول عمره إلا الصدق والأمانة، فكيف يليق بمن هذا حاله الخيانة؟
ومنها كأنه قال: لا أكتفي في وصفه بأن أنزهه عن الخيانة ولكني أقول: إن وجوده فيكم من أعظم نعمي عليكم.
ومنها أنكم كنتم خاملين جاهلين وإنما حصل لكم الشرف والعلم بسبب هذا الرسول، فالطعن فيه طعن فيكم.
ومنها أن مثل هذا الرجل يجب على كل عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه ويكون معه باليد واللسان والسيف والسنان، فيكون المقصود العود إلى ترغيب المسلمين في الجهاد.
ومعنى المنّ ههنا الإنعام على من لا يطلب الجزاء منه.
والوجه في المنة إما أن يعود إلى أصل البعثة، وإما أن يعود إلى بعثة هذا الرسول.
فمن الأول أن الخلق مجبولون على النقصان والجهالة، والنبي يورد عليهم / وجوه دلائل الكمال ويزيح عللهم في كل حال.
وأيضاً إنهم وإن شهدت فطرتهم بوجوب خدمة مولاهم لكن لا يعرفون كيفية تلك الخدمة إلى أن يشرحها النبي لهم.
وأيضاً أنهم جبلوا على الكسل والملل فهو يورد عليهم أنواع الترغيبات والترهيبات فيزول فتورهم ويتجدد نشاطهم.
وبالجملة فعقول البشر يمنزلة أنوار البصر، وعقل النبي بمنزلة نور الشمس.
فكما لا يتم الانتفاع بنور البصر إلا عند سطوع نور الشمس، فكذلك لا يحصل الاهتداء بمجرد العقل ما لم ينضم إليه إرشاد النبي .
ومن الثاني أن هذا الرسول بعث ﴿ من أنفسهم ﴾ أي من جنسهم عربياً مثلهم، أو من ولد إسماعيل كما أنهم من ولده.
فعلى هذا يكون المراد بالمؤمنين من آمن مع الرسول من قومه.
وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون به، ووجه المنة أنه إذا كان اللسان واحداً سهل عليهم أخذ ما يجب أخذه عنه، وإذا كانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة كان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به.
وفيه أيضاً شرف لهم وفخر كما قال: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ وذلك أن الافتخار بإبراهيم كان مشتركاً فيه بين اليهود والنصارى والعرب.
ثم اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى وبالتوراة والإنجيل، وما كان للعرب ما يقابل ذلك.
فلما بعث الله محمداً وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائداً على شرف جميع الأمم.
وقيل: ﴿ من أنفسهم ﴾ أي من جنس الإنس لا من الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل.
ويروى عن النبي وعن فاطمة أنهما قرآ ﴿ من أنفسهم ﴾ بفتح الفاء أي أشرفهم، وعلى هذا يكون المؤمنون عاماً.
ويحتمل أن يراد بهم العرب ويصح لأن عدنان ذروة ولد إسماعيل، ومضر ذروة نزار بن معد بن عدنان، وخندف ذروة مضر، ومدركة ذروة خندف، وقريش ذروة مدركة، وذروة قريش محمد .
وأما سائر أوصافه من قوله: ﴿ يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ﴾ فقد مر تفسيرها في البقرة عند قوله: ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً ﴾ وإعراب قوله: ﴿ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ كما سلف في قوله: ﴿ وإن كانت لكبيرة ﴾ ومعنى المنة فيه أن النعمة إذا وردت بعد المحنة كان موقعها أعظم.
فبعثة هذا الرسول عقب الجهل والذهاب عن الدين تكون أعم نفعاً وأتم وقعاً.
ثم لما أجاب عن نسبة النبي إلى الغلول، حكى عنهم شبهة أخرى وهي قولهم لو كان رسولاً من عند الله ما انهزم عسكره وهو المراد بقوله: ﴿ أنى هذا ﴾ وأجاب عنها بقوله: ﴿ قل هو من عند انفسكم ﴾ والواو في قوله ﴿ أو لما أصابتكم ﴾ لعطف هذه الجملة الاستفهامية على ما قبلها من قصة أحد إلا أن حرف الاستفهام قدم على واو العطف لأن له صدر الكلام و ﴿ لما ﴾ ظرف ﴿ قلتم ﴾ ومقول القول ﴿ أنى هذا ﴾ و ﴿ وأصابتكم ﴾ في محل / الجر بإضافة ﴿ لما ﴾ إليه.
والتقدير: أقلتم حين أصابتكم؟
ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على محذوف كأنه قيل: أفعلتم كذا، وقلتم حينئذٍ من أين أصابنا هذا، وكيف نصروا علينا، ونحن على الحق ومعنا الرسول وهم على الباطل ولا نبي معهم؟
والمراد بالمصيبة واقعة أحد، وبمثلها وقعة بدر.
وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقيل: أراد نسبة الضعف في الهزيمة لا في عدد القتلى والأسرى.
فالمسلمون هزموا الكفار يوم بدر وهزموهم أيضاً في الأولى يوم أحد، ثم لما عصوا الله هزمهم المشركون فانهزام المشركين حصل مرتين، وانهزام المسلمين حصل مرة واحدة فخرج عن قوله: ﴿ قد أصبتم مثليها ﴾ جواب ضمني يعني أن أحوال الدنيا لا تدوم على حالة واحدة، فإذا أصبتم منهم مثلي ما نالوا منكم فما وجه الاستبعاد؟
لكنه صرح بجواب آخر فقال: ﴿ قل هو من عند أنفسكم ﴾ وفي تقريره وجهان: الأول أن هذه المصيبة بشؤم معصيتكم.
وذلك أنهم عصوا الرسول في أمور في الخروج عن المدينة وكان رأيه في الإقامة، ثم في الفشل وفي التنازع وفي مقارقة المركز وفي الاشتغال بطلب الغنيمة.
الثاني ما روي عن علي أنه قال: جاء جبريل إلى النبي يوم بدر فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى، وأمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى فيضربوا أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم.
فذكر رسول الله ذلك لقومه فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا نأخذ الفداء منهم فنتقوى به على قتال العدو ونرضى أن يستشهد منا بعددهم.
فقتل يوم أحد سبعون رجلاً بعدد أسارى بدر.
فمعنى ﴿ هو من عند أنفسكم ﴾ هو بأخذكم الفداء واختياركم القتل.
وتمسك المعتزلة بالآية على أن للعبد اختياراً في الفعل والترك، وأنه من عند نفسه.
وعارضهم الأشاعرة بقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ فإن فعل العبد من جملة الأشياء فيكون الله قادراً عليه.
فلو وجد بإيجاد العبد امتنع من الله أن يقدر عليه إذ لا قدرة على إيجاد الموجود والحق أن وجود الواسطة لا ينافي انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب ويؤيده قوله: ﴿ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ﴾ قال ابن عباس: أي وقع بقضائه وحكمه وفيه تسلية للمؤمنين لأن الرضا بالقضاء لازم.
وقيل: بتخليته لأن الإذن مخل بين المأذون له ومراده، فاستعير الإذن للتخلية، وإن اعتبرتم المصالح فذاك قد وقع ﴿ ليعلم المؤمنين ﴾ أي ليتميزوا عن أهل النفاق.
وإنما لم يقل "وليعلم المنافقين" ليناسب المؤمنين لفظاً لأن الغرض تصوير أنهم شرعوا في الأعمال اللائقة بالنفاق في ذلك الوقت وأحدثوها، ولأنه عطف على الصلة.
﴿ وقيل لهم ﴾ قال الأصم: هذا القائل رسول الله ، كان يدعوهم إلى / القتال.
وقيل: هو أبو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، لما انخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس تبعهم وقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم ﴿ تعالوا قاتلوا في سبيل الله ﴾ إن كان في قلبكم حب هذا الدين ﴿ أو ادفعوا ﴾ عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم إن لم يكن بكم هم الآخرة وطلب مرضاة الله أي كونوا من رجال الدين أو من رجال الدنيا.
وقال السدي وابن جريج: ادفعوا العدو بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا لأن الكثرة أحد أسباب الهيبة والرعب.
ثم إنه كأن سائلاً سأل فما أجاب المنافقون عند دعاء المؤمنين إياهم إلى القتال؟
فقيل: ﴿ قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم ﴾ كأنهم جحدوا أن يكون بين الفريقين قتالألبتة.
أو المراد لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً لوافقناكم عليه, ولكنكم تلقون بأيديكم إلى التهلكة، وذلك أن رأي عبد الله كان في الإقامة وما كان يستصوب الخروج من المدينة، وكلا المعنيين منهم في الجواب فاسد.
أما الأول فلأن ظهور أمارات الحرب كافٍ في وجوب القتال والدفع عن النفس والمال.
والظن في أمور الدنيا قائم مقام العلم، ولا أمارة أقوى من قرب الأعداء من المدينة عند جبل أحد.
وأما الثاني فلأنه لما وعدهم بالنصر والغلبة إن صبروا واتقوا لم يكن الخروج إلى ذلك القتال إلقاء النفس إلى التهليكة.
ولركاكة جوابهم قال: ﴿ هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإيمان ﴾ لأنهم تباعدوا بهذا الجواب المنبىء عن الدغل والنفاق عن الإيمان المظنون بهم قبل اليوم.
والمراد أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانخزال تقوية لجانب المشركين وعلى الأول قال أكثر العلماء: إنه تنصيص من الله على أنهم كفار لأن القرب من الكفر حصول الكفر.
قال الحسن: إذا قال الله أقرب فهو اليقين بأنهم مشركون كقوله: ﴿ مائة ألف أو يزيدون ﴾ فهذه الزيادة لا شك فيها.
وقال الواحدي: فيه دليل على أن الآتي بكلمة التوحيد لا يكفر لأنه لم يظهر القول بتكفيرهم ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ﴾ أي لا يتجاوز الإيمان حناجرهم ومخارج الحروف منهم خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم ما نطقوا به من التوحيد ﴿ والله أعلم بما يكتمون ﴾ من بغض الإسلام والمسلمين وسائر مجاري أحوالهم فيما بينهم.
وذلك أن المؤمنين قد علموا بعض ذلك بالقرائن والأمارات، وهو عالم بتفاصيل ذلك ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض ﴾ .
﴿ الذين قالوا ﴾ منصوب على الذم أو على البدل من ﴿ الذين نافقوا ﴾ أو مرفوع على الذم أي هم الذين، أو على البدل من ضمير ﴿ يكتمون ﴾ وقيل: يجوز أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في ﴿ أفواههم ﴾ أو ﴿ قلوبهم ﴾ ﴿ لإخوانهم ﴾ لأجل إخوانهم المقتولين يوم أحد / إخوة في النسب أو في سكنى الدار أو في الجنسية في النفاق.
والقائلون - عند جمهور المفسرين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه.
واعترض الأصم بأنه قد خرج يوم أحد فكيف وصف بالقعود في قوله: ﴿ وقعدوا ﴾ أي والحال أنهم قد قعدوا عن القتال.
والجواب أن القعود عن القتال وهو الجبن عنه وتركه لا ينافي الخروج.
﴿ لو أطاعونا ﴾ في أمرنا إياهم بالقعود ﴿ ما قتلوا ﴾ كأنهم قعدوا وما اكتفوا بذلك بل أرادوا تثبيط غيرهم وذلك لما في الطباع من محبة الحياة وكراهة الموت.
"ومن يسمع يخل" فلعل بعض ضعفة المسلمين إذا سمع ذلك رغب في القعود ونفر طبعه عن الجهاد فأجابهم الله بقوله: ﴿ قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ﴾ في أن الحذر يغني عن القدر، وأن سلامتكم كانت بسبب قيودكم لا بغيره من أسباب النجاة, وفيه استهزاء بهم أي إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت فادفعوا جميع أسبابه حتى لا تموتوا.
وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً.
جميع ذلك بناء على أن القتل أمر مكروه يجب على العاقل أن يتحرز منه لو أمكنه، لكنا لا نسلم ذلك وهو المراد بقوله: ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ﴾ والخطاب للرسول أو لكل أحد.
ومن قرأ على الغيبة فالضمير للرسول.
أو المراد لا يحسبن حاسب أو لا يحسبنهم أمواتاً.
وضمير المفعول للذين قتلوا أي لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً.
فحذف المفعول الأوّل لدلالة الكلام عليه، فكأنه مذكرو كما حذف المبتدأ في قوله: ﴿ بل أحياء ﴾ أي هم أحياء للدلالة.
عن ابن عباس قال: قال رسول الله " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهارالجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله عز وجل أنا أبلغهم عنكم فأنزل هذه الآية " وعن جابر بن عبد الله قال: "نظر إليّ رسول الله فقال: ما لي أراك مهتماً؟
قلت: يا رسول الله قتل أبي وترك ديناً وعيالاً.
فقال: ألا أخبرك ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحاً.
فقال: يا عبدي سلني أعطك.
فقال: أسألك أن تردّني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية.
فقال: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون.
فقال: يا رب فأبلغ من روائي " فنزلت.
وقال جماعة من أهل التفسير: نزلت / الآية في شهداء بئر معونة.
وقال بعضهم: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا: نحن في النعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فنزلت الآية تنفيساً عنهم وإخباراً عن حال قتلاهم أنهم أحياء متنعمون.
واختلف العلماء في معنى هذه الحياة.
فعن طائفة أنها على سبيل المجاز.
وقال الأصم والبلخي: أريد بها الذكر الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبة.
وروي أن عبد الملك بن مروان لما رأى الزهري وعلم فقهه وتحقيقه قال: ما مات من خلف مثلك.
ومن هذه الطائفة من قال: مجاز هذه الحياة أن أجسادهم باقية في قبورهم وأنها لا تبلى تحت الأرض ألبتة.
روي أنه لما أراد معاوية أن يجري العين إلى قبور الشهداء أمر بأن ينادي: من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع.
قال جابر: فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان فأصاب المسحاة أصبع رجل منهم فقطرت دماً.
ومن هؤلاء من قال: المراد أنهم لا يغسلون كما لا يغسل الأحياء وذهبت طائفة من متكلمي المعتزلة إلى أن المراد أنهم سيصيرون أحياء والغرض تعذيب منكري المعاد، وزيف بأنه عدول عن الظاهر، وبأن عذاب القبر ثابت.
فالثواب أولى.
وبأنه نهى عن حسبانهم أمواتاً والذي يزيل هذا الحسبان هو اعتقاد أنهم أحياء في الحال لا اعتقاد أنهم أحياء في قوم القيامة، فإن ذلك مما لا يشك النبي والمؤمنون فيه.
وبما رويناه عن ابن عباس أن أرواحهم في أجواف طير.
وبقوله: ﴿ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ﴾ والاستبشار بمن يكون في الدنيا لا بد أن يكون قبل يوم القيامة.
وذهب كثير من المحققين إلى أنهم أحياء في الحال لكن بحياة روحانية، وأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة.
وذلك أن الإنسان ليس عبارة عن مجموع هذه البنية، لأن أجزاء البدن في الذوبان والانحلال ويعرض لها السمن والهزال والقوّة والكلال، وكلنا يجد من نفسه أنه شيء واحد من أول عمره إلى آخره والباقي مغاير للمتبدل.
ولأن الإنسان يكون عالماً بنفسه حالماً يكون غافلاً عن جميع أعضائه وأجزائه، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم.
ثم ذلك الشيء المغاير لهذا البدن المحسوس سواء كان جسماً مخصوصاً سارياً أو جوهراً مجرداً لا يبعد أن ينفصل بعد موت البدن حياً أو أماته الله فيعيده حياً, وبهذا يثبت عذاب القبر وثوابه وتزول الشبهات.
ومن تأمل في الأمور الواردة عليه وجد أحوال النفس مضادة لأحوال البدن، ووجد قوة أحدهما مقتضية لضعف الآخر، كما أن البدن يضعف وقت النوم وتقوى النفس على مشاهدة المغيبات ونقوش عالم الأرواح، وإذا أعرضت النفس عن الطعام والشراب وأقبلت على مطالعة العالم العلوي زادت سروراً وابتهاجاً وفرحاً وارتياحاً، وانطبعت فيها الجلايا القدسية، وانكشفت لها المعارف الإلهية، وأكثر أرباب / الشرع على أنهم أحياء في الحال بحياة جسمانية.
ثم منهم من قال: إنه يصعد أجسادهم إلى السموات وإلى قناديل تحت العرش ويوصل أنواع السعادات والكرامات إليها، ومنهم من قال: بل يتركها في الأرض ويحييها ويوصل هذه السعادات إليها.
ومن الناس من طعن في هذه القول وقال: إن تجويز كون البدن الميت الملقى في التراب حياً متنعماً عاقلاً عارفاً نوع من السفسطة.
والحق في هذه المسألة عندي خلاف ما يقوله أهل التناسخ من أن النفس بعد موت بدنها تقبل على بدن آخر وتعرض عن الأوّل بالكلية، وخلاف ما يقوله الفلاسفة من أن النفس تنقطع علاقتها عن البدن مطلقاً وإنما تلتذ أو تتألم هي بما اكتسبت من المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة أو بالعقائد الباطلة والملكات الذميمة.
والذي أقوله: إن النفس تبقى لها علاقة مع بدنها لا بالتحريك واكتساب الأعمال، ولكن بالتلذذ والتألم والتعقل ونحوها.
وليس ببدع أن يتغير التعلق بحسب تغير الأطوار كما كان يتغير في مدّة العمر بحسب الأسنان والأمزجة.
والتحقيق فيه أن النفس في هذا العالم جعلت متصرفة في البدن لأجل اكتساب الأعمال والملكات، وأنه يفتقر إلى تحريك الأعضاء وأعمال الجوارح والآلات، وبعد الموت تجعل متصرفة فيه من جهة الجزاء والحساب، فكيف ينبغي أن يقاس أحدهما على الآخر؟
فلعله يكفي بعد الموت أن يكون له علاقة التلذذ والتألم والإدراك فقط إلى أن تقوم القيامة الكبرى.
وهذا القدر لا ينافي كون البدن مشاهداً في القبر من غير تحرك ولا إحساس ونطق، ويؤيده ما روي "أنه وقف على قليب بدر وقال: يافلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقاً؟
فإني وجدت ما وعدني الله حقاً.
فقال عمر: يا رسول الله كيف تكلم أجساداً لا أرواح فيها؟
فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردّوا عليّ شيئاً" .
وفي حديث عذاب القبر " إنه ليسمع قرع نعالهم " ولعل السر في أنه اكتفى بهذا القدر من التصرف أنه إن كان أكثر من ذلك كما سيكون في القيامة الكبرى نافى تكليف سائر الأحياء وأفضى الأمر إلى الإلجاء وهو السر في آخر حديث عذاب القبر " فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين" وأما الشهداء فلا يبعد أن يجازيهم الله بمزيد التلذذ بنعيم الآخرة كما قتلوا تعجيلاً للثواب.
وكما عجلوا الانقطاع عن طيبات الدنيا ومشتهياتها فإن جزاء كل طائفة ينبغي أن يناسب عملهم.
فافهم / هذه الأسرار فإنها علق مضنة وبه ثبت جميع ما ورد في الشريعة الحقة والله أعلم.
ومعنى ﴿ عند ربهم ﴾ أنهم مقربون ذوو كرامة كقوله: ﴿ فالذين عند ربك ﴾ أو المراد بحيث لا يملك أحد جزاءهم سوى ربهم، أو المراد في علمه وحكمه كما يقال: "هذه المسألة عند الشافعي كذا".
يرزقون كما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون وهو تأكيد لكونهم أحياء ووصف لحالهم التي هم عليها التنعم برزق الله كما ورد في الحديث.
﴿ فرحين بما آتاهم الله من فضله ﴾ وهو توفيق الشهادة وما خصصهم به من التفضيل على غيرهم من قبل تعجيل رزق الجنة ونعيمها.
وقال المتكلمون: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم.
فقوله: ﴿ يرزقون ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ فرحين ﴾ إشارة إلى الابتهاج الحاصل بسبب التعظيم.
بلسان الحكماء ﴿ يرزقون ﴾ إشارة إلى كون ذواتهم مشرقة بالمعارف الإلهية و ﴿ فرحين ﴾ رمز إلى ابتهاجها بالنظر إلى ينبوع النور ومصدر الكمال، و ﴿ يستبشرون بالذين ﴾ بإخوانهم من المجاهدين الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم.
والاستبشار السرور الحاصل بالبشارة.
ومعنى ﴿ من خلفهم ﴾ أنهم بقوا بعدهم.
وقيل لم يحلقوا بهم أي لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم ﴿ ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ بدل الاشتمال من "الذين".
وذلك أن الله يبشرهم بأن من تركوا خلفهم من المؤمنين يبعثون امنين يوم القيامة، فهم مستبشرون بأنه لا خوف عليهم, وإنما بشرهم الله بذلك لأنهم لما فارقوا الدنيا بغتة كان ذلك مظنة أن يكون لهم نوع تعلق بأحوال إخوانهم وهو شبه تألم، فأكرمهم الله بإزالة ذلك التعلق بأن أعلمهم أمن إخوانهم من عذاب الله فحصل لهم سروران: من قبل حالهم في أنفسهم وذلك قوله: ﴿ فرحين بما آتاهم الله من فضله ﴾ ومن قبل حال إخوانهم وأعزتهم وذلك قوله ﴿ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ﴾ ثم كرر هذا المعنى لمزيد التأكد فقال: ﴿ يستبشرون بنعمة من الله ﴾ وهي الثواب.
وفضل وهو التفضل الزائد وهذا هو سرورهم بسعادة أنفسهم.
﴿ وأن الله ﴾ أي وبأن الله ﴿ لا يضيع أجر المؤمنين ﴾ وهذا سرورهم بسعادة إخوانهم المؤمنين.
ثم إنه مدح المؤمنين بغزوتين متصلتين بغزوة أحد تعرف أولاهما بغزوة حمراء الأسد، والثانية بغزوة بدر الصغرى.
أما الأولى فما روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وقالوا: إنا قتلنا أكثرهم ولم يبقَ منهم إلاّ القليل.
فلم تركناهم؟
فهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوّتهم فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال: لا أريد الآن أن يخرج معي إلا من حضر يومنا بالأمس.
فخرج في سبعين من الصحابة حتى بلغوا حمراء الأسد - وهي من المدينة على ثمانية أميال - فألقى الله الرعب في قلوب / المشركين وانهزموا.
فنزلت ﴿ الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا ﴾ بإتيان جميع المأمورات ﴿ واتقوا ﴾ بالانتهاء عن المحظورات ﴿ وأحسنوا ﴾ في طاعة الرسول واتقوا مخالفته وإن بلغ الأمر بهم إلى الجراحات.
روي أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة.
ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ويتوكأ عليه صاحبه ساعة.
و "من" في قوله: ﴿ للذين أحسنوا منهم ﴾ للتبيين لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم.
وقال أبو بكر الأصم: نزلت في يوم أحد لما رجع النبي بالناس بعد الهزيمة فشد بهم على المشركين حتى كشفهم، وكانوا قد هموا بالمثلة فدفعهم عنهم بعد أن مثلوا بحمزة، فصلى عليهم النبي ودفنهم بدمائهم.
وذكروا "أن صفية جاءت لتنظر إلى أخيها حمزة فقال للزبير: ردّها لئلا تجزع من مثلة أخيها.
فقالت: قد بلغني ما فعل به وذلك يسير في جنب طاعة الله .
فقال للزبير: فدعها تنظر إليه، فقالت خيراً واستغفرت له.
وجاءت امرأة أخرى قد قتل زوجها وأبوها وأخوها وابنها، فلما رأت الرسول وهو حي قالت: إن كل مصيبة بعدك هدر" .
وأما الثانية فروى ابن عباس "أن أبا سفيان لما عزم أن ينصرف من المدينة إلى مكة نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى القابل فنقتتل بها إن شئت.
فقال لعمر: قل بيننا وبينك ذاك إن شاء الله.
فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل مرّ الظهران، فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال: يا نعيم إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن أرجع.
ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جرأة فألحق بالمدينة وثبطهم ولك عندي عشر من الإبل.
فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: ما هذا بالرأي أتوكم في دياركم وقراركم فقتلوا أكثركم، فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم.
فقال : والذي نفسي بيده لأخرجنّ إليهم وحدي.
فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل، إلى أن وصلوا إلى بدر الصغرى وهي ماء لبني كنانة وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام.
فلم يلق رسول الله وأصحابه أحداً من المشركين.
وكانت معهم تجارت ونفقات فوافوا السوق وباعوا ما معهم واشتروا بها أدماً وزبيباً وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين.
ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق وقالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق وأنزل الله في المؤمنين ﴿ الذي قال لهم الناس ﴾ " يعني نعيم بن مسعود كما ذكرناه.
وإنما عبر / عن الإنسان الواحد بالناس لأنه من جنس الناس كما يقال: فلان يركب الخيل وما له إلا فرس واحد.
ولأن الواحد إذا قال قولاً وله أتباع يقولون مثل قوله ويرضون به، حسن إضافة ذلك الفعل إلى الكل كقوله : ﴿ وإذا قتلتم نفساً ﴾ وحين قال نعيم ذلك القول لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامّونه ويصلون جناح كلامه، وقال ابن عباس ومحمد بن إسحق: "مر ركب من عبد القيس بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليخوفوهم وضمن لهم عليه جعلاً - حمل بعير من زبيب -" .
وقال السدي: هم منافقو المدينة كانوا يثبطون المسلمين عند الخروج ويقولون: إن الناس قد جمعوا لكم يعني أبا سفيان وأصحابه.
والمفعول محذوف أي جمعوا لكم الجموع.
والعرب تسمي الجيش جمعاً.
﴿ فاخشوهم فزادهم ﴾ قول نعيم أو قول المثبطين ﴿ إيماناً ﴾ لأنهم لم يسمعوا قولهم وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد، وأظهروا حمية الإسلام فكان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى بحسب زيادتها ونقصانها.
وأما من قال: الإيمان عبارة عن نفس التصديق فتأويله أن الزيادة وقعت في ثمرات الإيمان، ولكنها جعلت في الإيمان مجازاً.
وقد مر تحقيق الكلام لنا في هذا المعنى في أوائل الكتاب.
وكما أنهم أضمروا ذلك بحسب الاعتقاد وافقوا الخليل حين ألقي في النار فأظهروه باللسان وقالوا: حسبنا الله.
وقد مر إعراب مثله في البقرة في قوله: ﴿ فحسبه جهنم ﴾ ﴿ ونعم الوكيل ﴾ الكافي أو الكافل أو الموكول إليه هو.
ثم عملوا بما اعتقدوه وقالوا فخرجوا ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله ﴾ وهي العافية ﴿ وفضل ﴾ وهو الربح بالتجارة، أو النعمة منافع الدنيا والفضل ثواب الآخرة ﴿ لم يمسسهم سوء ﴾ لم يصبهم قتل ولا جراح وصفهم بأنه حصل لهم الملائم ولم يحصل لهم المنافي وهذه غاية المطلب ونهاية الأماني، وإن ذلك ثمرة الإخلاص والتوكل على الله وتعالى .
ثم روي أنهم قالوا: هل يكون هذا غزواً؟
فقال : ﴿ واتبعوا رضوان الله ﴾ ليعلموا أن لهم ثواب المجاهدين حيث قضوا ما عليهم.
ثم قال: ﴿ والله ذو فضل عظيم ﴾ تنبيهاً على أن السبب الكلي في ثواب المطيعين هو فضل ربهم ورحمته عليهم ولم ينج أحداً عمله إلا أن يتغمده الله برحمته، فعلى المؤمن أن لا يثق إلا بالله ولا يخاف أحداً إلا إياه وذلك قوله: ﴿ إنما ذلكم ﴾ المثبط هو ﴿ الشيطان ﴾ لعتوّه وتمرده وإعوائه، ثم بين شيطنته بقوله: ﴿ يخوّف أولياءه ﴾ أو الشيطان صفة اسم الإشارة، وهذه الجملة خبر والمعفول الأوّل محذوف أي يخوّفكم أولياءه ﴿ فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ﴾ فإن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس الذين هم أولياء المثبطين.
والأولياء هم أبو سفيان وأصحابه.
وقيل: الشيطان هو إبليس.
وقيل: المضاف محذوف والتقدير إنما / ذلكم قول الشيطان.
وقيل: يخوّف أولياءه القاعدين عن الخروج مع رسول الله .
وعلى هذا فالضمير في ﴿ فلا تخافوهم ﴾ للناس في قوله: ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ وقيل: التقدير يخوّفكم بأوليائه كقوله: ﴿ ويخوّفونك بالذين من دونه ﴾ فحذف حرف الجر قاله الفراء والزجاج وأبو علي، وزيفه ابن الأنباري بأن التخويف قد يتعدى بنفسه إلى مفعولين فلا ضرورة إلى إضمار حرف الجر.
الله حسبي.
التأويل: قد ذكرنا أن النفس يبقى لها نوع تعلق ببدنها.
فالآن نقول: إن روح الشهيد مخصوص بمزيد تعلق ببدنه جزاء له على تعجيب إذاقة مرارة الفراق عن الدنيا، ولهذا لا تبلى أجساد كثير منهم وتبقى غضة طرية وكأنهم هم الشهداء في الحقيقة، وهكذا أجساد الكاملين من النبيين و الصديقين الذين قتلوا أنفسهم بسيوف الرياضات، ومطارف الأذكار، وأسنة ألسنة الطاعنين، وتجرع سموم مخالفات النفس، ومكايدة الشيطان حتى ماتوا بالإرادة وحيوا بالطبيعة.
وليس كل تعلق بهذا العالم سبباً للتألم بل بعضه سبب اللذة والابتهاج ﴿ يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ﴾ وكما ورد في حديث الشهداء " "من يبلغ إخواننا عنا إنا في الجنة" والذي جاء فيه " "إن أرواحهم في أجواف طير خضر" فلعل ذلك جزاء لهم على خروج الدم والأبخرة اللطيفة منهم ظلماً.
فمن الممكن أن يخلق الله من ذلك جسماً لطيفاً شبه طائر، ويكون لروح الشهيد به مزيد تعلق حتى تحركه ويطير حيث شاء من السماء والأرض وإلى الجنة بإذن الله .
وأما كون الطيرخضراً فإما لأن بدن الميت يميل إلى الخضرة، وإما أن يكون عبارة عن النضرة ﴿ تعرف في وجوههم نضرة النعيم ﴾ وإما لأن حالهم بالنسبة إلى ما سيؤل إليه أهل الجنة والنار يوم القيامة كالمتوسط بين الحالين الذين يعبر عنهما بالبياض والسواد في قوله: ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ وهذه المعاني ما وجدتها في كتب التفسير والتأويل، وأرجو أن أكون مصيباً فيها الغرض والله ورسوله أعلم بمرادهما.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ فيه قراءتان: "يغل" بنصب الياء، وبرفع الياء ونصب الغين، ومن قرأه بنصب الياء فذلك يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ أي: لم يكن نبي من الأنبياء غلَّ قط، وهو أحق من لا تتهمونه؛ لعلمكم به؛ فكيف اتهمتموه هنا بالغلول؟!
وقيل: إن ناساً من المنافقين خَشُوا ألا يقسم رسول الله الغنيمة بينهم؛ فطلبوا القسمة؛ فنزلت [هذه] الآية.
وقيل: قالوا: اعدل يا محمد في القسمة؛ فنزل هذا.
ويحتمل قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ أي: قد كنتم عرفتموه من قبل أن يرسل، فما عرفتموه خان قط أَوْ غَلَّ؛ فكيف يحتمل الخيانة بعدما أرسل؟!
هذا لا يحتمل.
ومن قرأه بالرفع [أي: يُغَلّ] فهو - أيضاً - يحتمل وجهين، أي: يتهم بالغلول في الغنيمة؛ فهو يرجع إلى تأويل الأول.
ويحتمل قوله: "أن يُغَلّ" أن يخان في الغنيمة، لا يخون ولا يحل أن يخان النبي في الغنيمة؛ فإنه يطلع على ذلك، يطلع الله ورسوله، على ما جاء في بعض الأخبار "أنَّهُ مرَّ بقبر، فقال: إنه في عذاب، قيل: بماذا يا رسول الله؟!
فقال: إِنَّه كَانَ أَخَذَ مِنَ الغَنِيمَةِ قَدْرَ دِرْهَمَيْنِ أَوْ نَحْوَهُ" ويحتمل: خصوص الغنيمة بما يتناول الغالَّ حِلُّهُ، بما لا يعرف له صاحب؛ كالمال الذي لا مالك له، وربما يباح التناول منه للحاجة والأخذ بغير البدل بوجه لا يحتمل بتلك أكل الحل من ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ : أي: يؤخذ به يوم القيامة، وهكذا كل من أخذ من مال غيره بغير إذنه؛ فإنه يؤخذ به.
وقال بعض الناس: وإنما خص الغنيمة بفضل وعيد؛ لأن الغلول فيها يجحف بحق الفقراء وأهل الحاجة، أو يضر ذلك أصناف الخلق، وسائرُ الأموال ليس كذا.
وقيل: إنما جاء الوعيد في هذا أنهم كانوا أهل نفاق، يستحلون الغلول في الغنيمة والأخذ منها، وهذا كأنه أشبه.
وعن ابن عباس - - قال: بعث [رسول الله] جيشاً فغلوا رأس ذهب؛ فنزلت [الآية]: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ .
وعن ابن عباس - - أيضاً - قال: فُقِدَتْ قطيفة حمراء يوم بدر مما أصيب من المشركين؛ فقال الناس: لعل رسول الله أخذها لنفسه؛ فأنزل الله - -: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ : قل: أفمن لم يغل، ولم يأخذ من الغنيمة شيئاً - كمن غلَّ وأخذ منها؟!
ليسا سواء؛ رجع أحدهما برضوان الله، والآخر بسخطه.
ويحتمل: ﴿ أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ ﴾ : أفمن أطاع الله واتبع أمره، كمن عصى الله واتبع هواه؟!
ليسا بسواء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ : والدرجات - والله أعلم -: ما يقصدوها أهلها.
والدركات: ما تدركهم من غير أن يقصدوها؛ كالدرك في العقود يدرك من غير قصد.
وقيل: الدرجات: ما يعلو.
والدركات: ما يَسْفُل، والله أعلم.
فهذا في التسمية المعروفة أنْ سُمِّيَتِ النار دركات والجنة درجات، وحقيقة ذلك واحد، والآية تدل على الأمرين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ : وجه المنة فيما بعث الرسل عليهم من البشر، ولم يرسلهم من الملائكة ولا من الجن - وجوه: أحدها: أن كل جوهر يألف بجوهره، وينضم إليه ما لم يألف بجوهر غيره، ولا ينضم إلى جنس آخر، فإذا كان كذلك، والرسل إنما بعثوا لتأليف قلوب الخلق وجمعهم، والدعاء إلى دين يوجب الجمع بينهم، ويدفع الاختلاف من بينهم - فإذا كان ما وصفنا بُعِثُوا من جوهرهم وجنسهم؛ ليألفوا بهم وينضموا إليهم، والله أعلم.
والثاني: أن الرسل لا بدّ لهم من أن يقيموا آيات وبراهين لرسالتهم، فإذا كانوا من غير جوهرهم وجنسهم لا يظهر لهم الآيات والبراهين؛ لما يقع عندهم أنهم إنما يأتون ذلك بطباعهم دون أن يأتوها بغير إعطائهم إياها ذلك.
والثالث: أن ليس في وسع البشر معرفة غير جوهرهم وغير جنسهم من نحو الملائكة والجن؛ ألا ترى أن البشر لا يرونهم؟!
فإذا كان كذلك بُعِثُوا منهم؛ ليعرفوهم ولتظهر لهم الحجة، والله أعلم.
ثم المنة الثانية: حيث بعثهم من نسبهم وجنسهم وحَسَبهم لم يبعثهم من غيرهم؛ وذلك أنهم إذا بعثوا من غير قبيلهم وجنسهم لم يظهر لهم صدقهم ولا أمانتهم فيما ادعوا من الرسالة، فبعثهم منهم؛ ليظهر صدقهم وأمانتهم، لَمَّا ظهر صدقهم وأمانتهم في غير ذلك؛ فيدلّ ذلك لهم أنهم لما لم يكذبوا بشيء قط ولا خانوا في أمانة - لا يكذبون على الله .
والثاني: أنهم إ ذا كانوا من غير نسبهم فلعلهم إذا أتوا بآية أو براهين يقولون: إنما كان ذلك بتعليم من أحد، واختلاف إلى أحد ممن يفتعل بمثل هذا، بعثهم الله منهم؛ ليعلموا أنهم إذا لم يتعلموا من أحد، ولا اختلفوا فيه - أنهم إنما علموا ذلك بالله - - لا بأحد من البشر، والله أعلم.
ألا ترى أن ما أتى به موسى - صلوات الله عليه - من الآيات من نحو: العصا، واليد البيضاء وغير ذلك لو كان سحراً في الحقيقة لكان من أعظم آيات رسالته: لأنه لم يعرف أنه اختلف إلى أحد في تعلم السحر قط، وقد نشأ بين أظهرهم، فكيف ولم يكن سحراً؟!
فدل أن لله على خلقه منة عظيمة؛ فيما بعث الرسل من نسبهم وقرابتهم، وومن نشأ بين أظهرهم لمعنى الذي وصفنا، والله أعلم.
وقيل: قوله: ﴿ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: من العرب معروف النسب أميّاً؛ ليعلموا أنه إنما أتى به ما أتى سماويّاً وَحْياً، وألا يرتابوا في رسالته وفيما يقوله، كقوله: ﴿ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴾ الآية [العنكبوت: 48].
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ﴾ : يحتمل: إعلام رسالته ونبوته، ويحتمل الآيات الحجج والبراهين، هما واحد، ويحتمل: آيات القرآن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ : يحتمل: التزكية من الزكاء النماء، وهو أن أظهر ذكرهم، وأفشى شرفهم ومذاهبهم؛ حتى صاروا أئمة يذكرون ويقتدون بهم بعد موتهم؛ قكوله - -: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾ : أظهره ولم يُخمل ذكرهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ أي: أخفاها وأخملها؟!
ويحتمل: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ ، أي: يطهرهم بالتوحيد، وقيل: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ ، أي: يأخذ منهم الزكاة؛ ليطهرهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ أن ينصرف إلى وجوه، وقد ذكرناه في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ﴾ : وقد ذكرنا الضلال أنه يتوجه إلى وجوه: إلى الهلاك، وإلى الحيرة، وإلى خمول الذكر وغيره.
<div class="verse-tafsir"
لقد أنعم الله على المؤمنين وأحسن إليهم حين بعث فيهم رسولًا من جنسهم، يقرأ عليهم القرآن، ويطهِّرهم من الشرك والأخلاق الرذيلة، ويعلمهم القرآن والسُّنَّة، وقد كانوا من قبل بعثة هذا الرسول في ضلال واضح عن الهدى والرشاد.
<div class="verse-tafsir" id="91.jbo4r"
نزلت هذه الآية في شأن النبي من سياق الحكم والأحكام المتعلقة بغزوة أُحد، ولكن أخرج أبو داود والترمذي وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ قد نزل في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض الناس لعل رسول الله أخذها، وقد ضعف هذه الرواية بعض المفسرين وإن حسنها الترمذي لأن السياق كله في واقعة أُحد ورجحوا عليها ما روي عن الكلبي ومقاتل من أن الرماة قالوا حين تركوا المركز الذي وضعهم النبي فيه: نخشى أن يقول النبي : "من أخذ شيئًا فهو له"، وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر، فقال النبي : "أظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم" ولهذا نزلت الآية.
وروى ابن أبي شيبة في (المصنف) وابن جرير مرسلًا عن الضحاك قال بعث رسول الله طلائع فغنم غنيمة فقسم بين الناس ولم يقسم للطلائع فلما قدمت الطلائع قالوا قسم النبي ولم يقسم لنا، فأنزل الله تعالى الآية.
والصواب أن هذه الآية من متعلقات هذه الواقعة كالآيات التي قبلها وكثير مما يأتي بعدها.
وأصل الغل الأخذ بخفية كالسرقة، وغلب في السرقة من الغنيمة قبل القسمة وتسمى غلولاً.
قال الرماني وغيره: أصل الغلول من الغلل وهو دخول الماء في خلل الشجر، وسميت الخيانة غلولًا لأنها تجري في الملك على خفاء من غير الوجه الذي يحل.
ومن ذلك الغل للحقد والغليل لحرارة العطش والغلالة للشعار، والمعنى ما كان من شأن نبي من الأنبياء ولا من سيرته أن يغل؛ لأن الله قد عصم أنبياءه من الغل والغلول فهو لا يقنع منهم، وهذا التعبير أحسن من قولهم: ما صح ولا استقام لنبي أن يغل أي يخون في المغنم.
وقد تقدم بيان ما يفيده هذا التعبير من نفي الشأن الذي هو أبلغ من نفي الفعل لأنه عبارة عن دعوى بدليل كأنه يقول هنا إن النبي لا يمكن أن يقع منه ذلك لأنه ليس من شأن الأنبياء ولا مما يقع منهم أو يجوز عليهم.
وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب "أن يغل" بالبناء للمفعول وهو من أغللته بمعنى وجدته غالًا أي ما كان من شأن النبي أن يوجد غالًا، أو بمعنى نسبته إلى الغلول أي ما كان لنبي أن يكون متهمًا بالغلول، أو من غل أي ما كان لنبي أن يكون بحيث يسرق من غنيمته السارقون ويخونه العاملون وهذا أضعف مما قبله.
وذهب بعض المفسرين إلى أن الغل أو الغلول المنفي هنا هو إخفاء شيء من الوحي وكتمانه عن الناس لا الخيانة في المغنم، وإن كان ما بعده عامًا في كل غلول أو خاصًا بالغنيمة فإنه جيء به للمناسبة كما عهد في مناسبات القرآن وانتقاله من حكم إلى حكم أو خبر له حكمه.
وذكروا أنه نزل ردًا على من رغب إلى النبي أن يترك النهي على المشركين.
ومن مناسبة كون الغل بمعنى الكتمان وإخفاء بعض التنزيل ما تقدم من أمر الله تعالى نبيه في الآيات السابقة بمعاتبة من كان معه في أُحد وتوبيخهم على ما قصروا، وذلك مما يصعب تبليغه عادة لأنه يشق على المبلِّغ والمبلَّغ، ومن أمره بالعفو عنهم والاستغفار لهم ومشاورتهم في الأمر على ما كان منهم، وفي هذا إعلاء لشأنهم ومعاملة لهم بالمساواة في مثل هذه الشؤون، وذلك مما عهد في طباع البشر أن يشق على الرئيس منهم إبلاغه للمرؤوسين.
ثم قال: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ فسروا الإتيان بما غل به الغال بأنه يحمله وكأنهم جعلوا الباء للمصاحبة، وليس بمتعين، وقد عدل عنه بعض المفسرين كأبي مسلم الأصفهاني وقال إنه على حد قوله تعالى حكاية عن لقمان ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾ فليس معنى ﴿ يَأْتِ بِهَا اللَّه ﴾ أنه يحملها، ولكن معناه أنه يعلم بها أتم العلم لا تخفى عليه مهما كانت مستترة، لأن من يأتي بالشيء لا بد أن يكون عالمًا به، والمعنى أن الإتيان بالشيء الذي يغله الغال هو كناية عن انكشافه وظهوره، أي أن كل غلول وخيانة خفية يعلمه الله تعالى مهما خفي ويظهره يوم القيامة للغال حتى يعرفه كمعرفة من أتى بالشيء لذلك الشيء على حد قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ .
﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ : من عليهم غمرهم بالمنة وأثقلهم بالنعمة.
انتقل من نفي الغلول عن النبي عليه ومن وصفه قبل ذلك بالرحمة واللين، وأمره بالمشاورة إلى التفرقة بين أصحابه الذين عاملهم هذه المعاملة الذين اتبعوا رضوان الله، وبين من باء بسخط من الله وتفاوت درجاتهم في ذلك وقالوا ما قالوا مما دل على جهلهم وكفرهم بحرمانهم من هدايته، ثم عاد إلى ذكر منته تعالى على المؤمنين ببعثه النبي فيهم.
وقد كان ما تقدم من وصفه بالرحمة واللين وأمره بتلك المعاملة الحسنى وتنزيهه عن الغلول تمهيدًا لهذه المنة.
ثم وصفه بأوصاف أخرى أكد بها المنة أولها: أنه من أنفسهم أي من جنسهم أي العرب.
ووجه هذه المنة الخاصة، التي لا تنافي كونه رحمة عامة، هو أن كونه منهم يزيد في شرفهم ويجعلهم أول المهتدين به، لأنهم أسرع الناس فهمًا لدعوته، والنعمة العامة قد ذكرت في آيات أخرى كقوله تعالى ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ ويمكن أن يستدل على هذا التخصيص بالعرب دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي تقدمت في سورة البقرة ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ ﴾ إلخ، الأوصاف المذكورة هنا، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بأنفسهم ههنا البشر لا العرب.
الوصف الثاني: قوله: ﴿ يَتلوا عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ ﴾ والآيات هي الآيات الكونية الدالة على قدرته وحكمته ووحدانيته وتلاوتها عبارة عن تلاوة ما فيه بيانها، وتوجيه النفوس إلى الاستفادة منها والاعتبار بها، وهو القرآن كقوله في أواخر هذه السورة ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ ، وقوله في سورة البقرة ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ، ومنها ما لم يذكر فيه كلمة "الآيات" كقوله تعالى ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾ إلخ.
الوصف الثالث والرابع: قوله تعالى: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ تزكيته إياهم هي تطهيرهم من العقائد الزائفة ووساوس الوثنية وأدرانها، والعقائد هي أساس الملكات، ولذلك نقول: إن العرب وغيرهم كانوا قبل بعثة محمد ملوثين في عقولهم ونفوسهم.
أما تعليمهم الكتاب فمعناه أن هذا الدين الذي جاء به قد اضطرهم إلى تعلم الكتابة بالقلم وأخرجهم من الأمية لأنه دين حث على المدنية وسياسة الأمم.
وأما الحكمة فهي أسرار القلوب وفقه الأحكام وبيان المصلحة فيها، والطريق إلى العمل بها ذلك الفقه الذي يبعث على العمل، أو هي العمل الذي يوصل إلى هذا الفقه في الأحكام، أو طرق الاستدلال ومعرفة الحقائق ببراهينها، لأن هذه الطريقة هي طريقة القرآن وسنته في العقائد وكذا في الآداب والعبادات، وقد مرت الشواهد الكثيرة على ذلك وسيأتي ما هو أكثر وأغزر إن شاء الله تعالى.
﴿ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ أي وإنهم كانوا قبل بعثة النبي في ضلال بيّن واضح، وأي ضلال أبين من ضلال قوم مشركين يعبدون الأصنام ويتبعون الأوهام أميين لا يقرأون ولا يكتبون فيعرفوا كنه ضلالتهم، وحقيقة جهالتهم، فضلالهم أبين من ضلال أهل الكتاب، كما هو ظاهر لأولي الألباب.
<div class="verse-tafsir"