الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٢٦ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 176 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٦ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( قل ) يا محمد ، معظما لربك ومتوكلا عليه ، وشاكرا له ومفوضا إليه : ( اللهم مالك الملك ) أي : لك الملك كله ( تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء ) أي : أنت المعطي ، وأنت المانع ، وأنت الذي ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن .
وفي هذه الآية تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وهذه الأمة ، لأن الله حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي المكي الأمي خاتم الأنبياء على الإطلاق ، ورسول الله إلى جميع الثقلين الإنس والجن ، الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله ، وخصه بخصائص لم يعطها نبيا من الأنبياء ولا رسولا من الرسل ، في العلم بالله وشريعته وإطلاعه على الغيوب الماضية والآتية ، وكشفه عن حقائق الآخرة ونشر أمته في الآفاق ، في مشارق الأرض ومغاربها ، وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان والشرائع ، فصلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين ، ما تعاقب الليل والنهار .
ولهذا قال تعالى : ( قل اللهم مالك الملك [ تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ] ) أي : أنت المتصرف في خلقك ، الفعال لما تريد ، كما رد تبارك وتعالى على من يتحكم عليه في أمره ، حيث قال : ( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) [ الزخرف : 31 ] .
قال الله تعالى ردا عليهم : ( أهم يقسمون رحمة ربك [ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ] ) الآية [ الزخرف : 32 ] أي : نحن نتصرف في خلقنا كما نريد ، بلا ممانع ولا مدافع ، ولنا الحكمة والحجة في ذلك ، وهكذا نعطي النبوة لمن نريد ، كما قال تعالى : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) [ الأنعام : 124 ] وقال تعالى : ( انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض [ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ] ) [ الإسراء : 21 ] وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة " إسحاق بن أحمد " من تاريخه عن المأمون الخليفة : أنه رأى في قصر ببلاد الروم مكتوبا بالحميرية ، فعرب له ، فإذا هو : باسم الله ما اختلف الليل والنهار ، ولا دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل النعيم عن ملك قد زال سلطانه إلى ملك وملك ذي العرش دائم أبدا ليس بفان ولا بمشترك .
القول في تأويل قوله : قُلِ اللَّهُمَّ قال أبو جعفر: أما تأويل: " قل اللهم "، فإنه: قل يا محمد: يا اللهُ.
* * * واختلف أهل العربية في نصب " ميم "" اللهم "، وهو منادًى، وحكم المنادى المفرد غير المضافِ الرفعُ = وفي دخول " الميم " فيه، وهو في الأصل " الله " بغير " ميم ".
&; 6-296 &; فقال بعضهم: إنما زيدت فيه " الميمان "، لأنه لا ينادى بـ" يا " كما ينادى الأسماء التي لا " ألف " فيها ولا " لام ".
وذلك أن الأسماء التي لا " ألف " ولا " لام " فيها تنادى بـ" يا " كقول القائل: " يا زيد، ويا عمرو ".
قال: فجعلت " الميم " فيه خلفًا من " يا "، كما قالوا: " فم، وابنم، وهم، وزُرْقُم، (20) وُسْتهُم " ، (21) وما أشبه ذلك من الأسماء والنعوت التي يحذف منها الحرف، ثم يبدل مكانه " ميم ".
قال: فكذلك حذفت من " اللهم "" يا " التي ينادى بها الأسماء التي على ما وصفنا، وجعلت " الميم " خلفًا منها في آخر الاسم.
* * * &; 6-297 &; وأنكر ذلك من قولهم آخرون، وقالوا: قد سمعنا العرب تنادي: " اللهم " بـ" يا " كما تناديه ولا " ميم "، فيه.
قالوا: فلو كان الذي قال هذا القولَ مصيبًا في دعواه، لم تدخل العربُ" يا "، وقد جاءوا بالخلف منها.
(22) وأنشدوا في ذلك سماعًا من العرب: وَمَــا عَلَيْــكِ أَنْ تَقُــولِي كُلَّمَــا صَلَّيْــتِ أَوْ كَــبَّرتِ يَــا أَللَّهُمَـا ارْدُدْ عَلَيْنَا شَيْخَنَا مُسَلَّمَا (23) ويُرْوَى: " سبَّحت أو كبَّرت ".
قالوا: ولم نر العرب زَادت مثل هذه " الميم " إلا مخففة في نواقص الأسماء مثل: " الفم، وابنم، وهم "، (24) قالوا: ونحن نرى أنها كلمة ضُمّ إليها " أمَّ"، بمعنى: " يا ألله أمَّنا بخير "، فكثرت في الكلام فاختلطت به.
قالوا: فالضمة التي في" الهاء " من همزة " أم "، لما تركت انتقلت إلى ما قبلها.
قالوا: ونرى أن قول العرب: " هلم إلينا "، مثلها.
إنما كان " هلم "،" هل " ضم إليها " أمّ"، فتركت على نصبها.
قالوا: من العرب من يقول إذا طرح " الميم ": " يا اللهُ اغفر لي" و " يا أللهُ اغفر لي"، بهمز " الألف " من " الله " مرة، ووصلها أخرى، فمن حذفها أجراها على أصلها، لأنها " ألف ولام "، مثل " الألف واللام " اللتين يدخلان في الأسماء المعارف زائدتين.
ومن همزها توهم أنها من الحرف، &; 6-298 &; إذ كانت لا تسقط منه، وأنشدوا في همز الألف منها: مُبَـــارَكٌ هُــوَّ وَمَــنْ سَــمَّاهُ عَــلَى اسْــمِكَ اللُّهُــمَّ يَــا أَللـهُ (25) قالوا: وقد كثرت " اللهم " في الكلام، حتى خففت ميمها في بعض اللغات، وأنشدوا: (26) كَحَلْفَـــةٍ مِـــنْ أَبــى رِيَــاٍح يَسْــــمَعُهَا اللَّهُـــمُ الكُبَـــار (27) والرواة تنشد ذلك: يَسْمَعُها لاهُهُ الكُبَارُ &; 6-299 &; وقد أنشده بعضهم: (28) يَسْمَعُهَا اللهُ واللهُ كُبَارُ (29) * * * القول في تأويل قوله : مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْـزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ قال أبو جعفر: يعني بذلك: يا مالك الملك، يا منْ له مُلك الدنيا والآخرة خالصًا دون وغيره، كما:- 6789 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير قوله: " قل اللهم مالك الملك "، أي رَبَّ العباد الملكَ، لا يقضى فيهم غيرك.
(30) * * * وأما قوله: " تؤتي الملك ممن تشاء "، فإنه يعني: تُعطى الملك من تَشاء، فتملكه وتسلِّطه على من تشاء.
وقوله: " وتنـزع الملك من تشاء "، يعني: وتنـزع الملك ممن تشاء أن تنـزعه منه، (31) &; 6-300 &; فترك ذكر " أن تنـزعه منه "، اكتفاءً بدلالة قوله: " وتنـزع الملك ممن تشاء "، عليه، كما يقال: " خذ ما شئتَ = وكنْ فيما شئت "، يراد: خذ ما شئت أن تأخذه، وكن فيما شئت أن تكون فيه؛ وكما قال جل ثناؤه: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [سورة الانفطار: 8] يعني: في أيّ صورة شاءَ أن يركبك فيها ركبك.
(32) * * * وقيل: إنّ هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم جوابًا لمسألته ربَّه أن يجعل مُلك فارسَ والروم لأمته.
(33) ذكر من قال ذلك: 6790 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: وذكر لنا: أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه جل ثناؤه أن يجعل له ملك فارسَ والروم في أمته، فأنـزل الله عز وجل: " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء " إلى إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
6791 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة قال: ذُكر لنا والله أعلم: أنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه عز وجل أن يجعل ملك فارس والروم في أمته، ثم ذكر مثله.
* * * وروي عن مجاهد أنه كان يقول: معنى " الملك " في هذا الموضع: النبوة.
ذكر الرواية عنه بذلك: 6792 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " تؤتي الملك من تشاء وتنـزع الملك ممن تشاء "، قال: النبوّة.
&; 6-301 &; 6793- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* * * القول في تأويل قوله : وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: " وتعز من تشاء "، بإعطائه الملك والسلطان، وَبسط القدرة له =" وتذلّ من تشاء " بسلبك ملكه، وتسليط عدوه عليه =" بيدك الخير "، أي: كل ذلك بيدك وإليك، لا يقدر على ذلك أحد، لأنك على كل شيء قديرٌ، دون سائر خلقك، ودون من اتخذه المشركون من أهل الكتاب والأمِّيين من العرب إلهًا وربًّا يعبدونه من دونك، كالمسيح والأنداد التي اتخذها الأميون ربًّا، كما:- 6794 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير قوله: " تؤتي الملك من تشاء "، الآية، أي: إنّ ذلك بيدك لا إلى غيرك (34) =" إنك على كل شيء قدير "، أي: لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وُقدْرَتك.
(35) * * * ------------------- الهوامش : (20) في المطبوعة والمخطوطة"ودم ، وهم" ، والأولى"ودم" خطأ لا شك فيه ، وسيأتي صوابه بعد أسطر ، حين عاد فذكر الثلاثة جميعًا: "فم ، وابنم ، وهم" ، على تصرف المطبوعة هناك في نص المخطوطة ، ليوافق الذي كتبه هنا.
أما قوله: "وهم" ، فلم أعرف لها وجهًا أرتضيه ، وهذه الكلمة جاءت في كلام الفراء في معاني القرآن 1: 203 ، وستأتي أيضًا كذلك بعد أسطر.
وقد راجعتها في نسختي مخطوطة معاني القرآن ، فإذا هي كذلك"وهم" ، وعلى الميم شبيه بالشدة في النسختين المخطوطتين ، وأغفلت ذلك المطبوعة.
وقد وقف ناشر معاني القرآن عليها ، فعلقوا بما نصه: (كأنه يريد"هم" الضمير ، وأصلها"هوم" ، إذ هي جمع"هو" ، فحذفت الواو وزيدت ميم الجمع ، وإن كان هذا الرأي يعزي إلى البصريين.
وانظر شرح الرضى للكافية في مبحث الضمائر) ، وعلق بعض طابعي تفسير الطبري بما يأتي: (قوله: "ودم" كذا في النسخ ، والكلمتان دم ، وهم ، لعلهما محرفتان عن: ابنم ، ودلهم ، أو دلقم ، من الكلمات التي زيدت في آخرها الميم ، وذكرها السيوطي في المزهر 2: 135).
والذي قاله ناشرو معاني القرآن ، لا يقوم ، لأن الميم في هم ، وإن كانت زائدة من وجه ، إلا أنها أتى بها لمعنى هو غير ما جاءت به الزيادة في"فم" و"ابنم" ، ولعلة اختلف عليها النحويون اختلافًا كثيرًا.
وأما ما قاله ناشر الطبري من أنها محرفة عن"دلهم أو دلقم" ، فليس بشيء ، لأن مطبوعات الطبري ومخطوطاته قد اتفقت عليه ، وعجيب أن يتفق تصحيفها ، وتصحيف نسختين من معاني القرآن ، الذي ينقل الطبري نص كلامه.
وبعد هذا كله أجدني عاجزًا كل العجز عن معرفة أصل هذه الكلمة ، وعن وجه يرتضى في تصحيفها أو تحريفها أو قراءتها ، وقد استقصيت أمرها ما استطعت ، ولكني لم أنل إلا النصب في البحث ، فعسى أن أجد عند غيري من علمها ما حرمني الله علمه ، وفوق كل ذي علم عليم.
(21) "زرقم ، وستهم" (كلتاهما بضم الأول وسكون الثاني وضم الثالث): رجل زرقم وامرأة زرقم ، أزرق شديد الزرق.
فلما طرحت الألف من أوله ، زيدت الميم في آخره.
وكذلك"رجل ستهم وامرأة ستهم": أسته ، وهو العظيم الاست ، الكبير العجز ، فعل به ما فعل بصاحبه.
وقال الراجز في امرأة: لَيْسَــتْ بِكَحْــلاَءَ وَلَكِــنْ زُرْقُـمُ وَلا بِرَسْـــحَاءَ وَلَكِـــنْ سُــتْهُمُ (22) في المطبوعة: "لم تدخله العرب يا" ، وفي المخطوطة: "لم تدخله العرسه يا" ، وهذا من عجلة الناسخ ، فرددتها جميعًا إلى أصلهما.
(23) لم يعرف قائله ، والأبيات في معاني القرآن للفراء 1: 203 ، والجمل للزجاجي: 177 والإنصاف: 151 ، والخزانة 1: 359 ، واللسان (أله) وغيرها من كتب العربية والنحو ، ومختلف من روايته ، وجاءوا به شاهدًا على زيادة"ما" بعد"ياللهم" فروايته عند بعضهم"يا اللهم ما" ، وبعد الأبيات زيادة زادها الكوفيون: مِــنْ حَيْثُمَــا وَكَيْفَمَــا وَأَيْنَمَــا فإنَّنَــا مِــنْ خَــيْرِهِ لَـنْ نَعْدَمَـا (24) في المطبوعة: "مثل فم ودم وهم" ، وأثبت نص المخطوطة ، وهو موافق لنص الفراء في معاني القرآن 1: 203 ، وهو نص كلامه.
(25) لم يعرف قائله ، والبيتان في معاني القرآن 1: 203؛ والإنصاف: 150 ، واللسان (أله).
(26) هو الأعشى.
(27) ديوانه: 193 ، ومعاني القرآن 1: 203 ، والخزانة 1: 345 ، واللسان (أله) ، وغيرها.
من قصيدة يعاتب بها بني جحدر ، وكانت بينه وبينهم نائرة ، ذكرها في قصائد من شعره.
وقبل البيت وهو أول القصيدة: أَلَـــمْ تَـــرَوْا إِرَمًــا وَعَــادًا أَوْدَى بِهـــا اللَّيْـــلُ وَالنَّهَـــارُ بَــــادُوا, فلمَّـــا أنْ تـــآدَوْا قَفَّـــى عَــلَى إِثْــرِهِمْ قُـــدَارُ كَحَلْفـــــــةٍ.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
أودى بها: أهلكها وذهب بها.
وقوله: "فلما أن تآدوا" من قولهم: "تآدى القوم تآديًا وتعادوا تعاديًا": تتابعوا موتًا.
وأصله من آدى الرجل: إذا كان شاك السلاح قد لبس أداة الحرب ، يعني أخذوا أسلحتهم فتقاتلوا حتى تفانوا.
ومن شرح البيت"تآدوا" بمعنى تعاونوا وكثروا ، فقد أخطأ ، وذهب مذهبًا باطلا.
يقول: لما هلكت إرم ودعاد ، أتت على آثارهم ثمود ، و"قدار" هو عاقر الناقة من ثمود فسموا القبيلة باسمه ، إذ كان سببًا في هلاكهم إذ دمدم عليهم ربهم فسواها.
وأبو رياح (بياء تحتية) رجل من بني ضبيعة ، كان قتل رجلا من بني سعد بن ثعلبة جارًا لهم ، فسألوه أن يحلف ، أو يعطي الدية؛ فحلف لهم ، ثم قتل بعد حلفته.
فضربته العرب مثلا لما لا يغني من الحلف.
وفي المطبوعة"رباح" بالباء الموحدة ، وهو خطأ ، وهذا البيت الأخير ، جاء في هذا الموضع من الشعر في ديوانه ، ولكن الأرجح ما رواه أبو عبيدة في قول الأعشى لبني جحدر: أَقْسَــــــمتُمُ لا نُعْطِيَّنكُـــــمْ إِلاّ عِــــرَارًا, فَـــذَا عِـــرَارُ والعرار: القتال.
يقول: أقسمتم أن لا تعطونا إلا بعد قتال ، فهذا هو القتال ، قضى عليكم كما قضيت على أبي رياح حلفته الكاذبة إذ سمعها ربه الأكبر.
والكبار (بضم الكاف) صيغة المبالغة من"كبير".
(28) قال الفراء: "وأنشدني الكسائي".
(29) في المطبوعة والمخطوطة: "يسمعها الله والكبار" ، وهو خطأ من الناسخ ، والصواب ما في معاني القرآن للفراء 1: 203 ، والذي مضى جميعه هو من نص كلامه مع قليل من التصرف.
وكذلك رواها شارح ديوانه ، وكذلك سائر الكتب.
وروى أبو عبيدة: "يسمعها الواحد الكبار".
(30) الأثر: 6789- سيرة ابن هشام 2: 227 ، ونصه: "أي رب العباد ، والملك الذي لا يقضي فيهم غيره" ، وهو بقية الآثار السالفة التي آخرها رقم: 6776.
(31) سقط من المطبوعة: "يعني: وتنزع الملك ممن تشاء" ، فأثبتها من المخطوطة.
(32) ما سلف مختصر ما في معاني القرآن للفراء 1: 204-205 ، وقد وفاه حقه.
(33) انظر تفسير"الملك" فيما سلف 1: 148 ، 149 / 2: 488 / 5: 312 ، 315 ، 371.
(34) نص روايته ابن هشام: "أي: لا إله غيرك".
(35) الأثر: 6794- سيرة ابن هشام 2: 227 وهو بقية الآثار التي آخرها رقم: 6789.
قوله تعالى : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قديرقال علي - رضي الله عنه - قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لما أراد الله تعالى أن ينزل فاتحة الكتاب وآية الكرسي وشهد الله وقل اللهم مالك الملك إلى قوله بغير حساب تعلقن بالعرش وليس بينهن وبين الله حجاب وقلن يا رب تهبط بنا دار الذنوب وإلى من يعصيك فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا يقرؤكن عقب كل صلاة مكتوبة إلا أسكنته حظيرة القدس على ما كان منه ، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة في كل يوم سبعين نظرة ، وإلا قضيت له في كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة ، وإلا أعذته من كل عدو ونصرته عليه ولا يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت .
وقال معاذ بن جبل : احتبست عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما فلم أصل معه الجمعة فقال : ( يا معاذ ما منعك من صلاة الجمعة ؟
) قلت : يا رسول الله ، كان ليوحنا بن باريا اليهودي علي أوقية من تبر وكان على بابي يرصدني فأشفقت أن يحبسني دونك .
قال : ( أتحب يا معاذ أن يقضي الله دينك ؟
) قلت : نعم .
قال : ( قل كل يوم قل اللهم مالك الملك - إلى قوله - بغير حساب رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطي منهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء اقض عني ديني فلو كان عليك ملء الأرض ذهبا لأداه الله عنك ) .
خرجه أبو نعيم الحافظ ، أيضا عن عطاء الخراساني أن معاذ بن جبل قال : علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آيات من القرآن - أو كلمات - ما في الأرض مسلم يدعو بهن وهو مكروب أو غارم أو ذو دين إلا قضى الله عنه وفرج همه ، احتبست عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ; فذكره .
غريب من حديث عطاء أرسله عن معاذ .
وقال ابن عباس [ ص: 51 ] وأنس بن مالك : لما افتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة ووعد أمته ملك فارس والروم قال المنافقون واليهود : هيهات هيهات !
من أين لمحمد ملك فارس والروم هم أعز وأمنع من ذلك ، ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم ; فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وقيل : نزلت دامغة لباطل نصارى أهل نجران في قولهم : إن عيسى هو الله ; وذلك أن هذه الأوصاف تبين لكل صحيح الفطرة أن عيسى ليس في شيء منها .
قال ابن إسحاق : أعلم الله عز وجل في هذه الآية بعنادهم وكفرهم ، وأن عيسى - صلى الله عليه وسلم - وإن كان الله تعالى أعطاه آيات تدل على نبوته من إحياء الموتى وغير ذلك فإن الله عز وجل هو المنفرد بهذه الأشياء ; من قوله : تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء .
وقوله : تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب فلو كان عيسى إلها كان هذا إليه ; فكان في ذلك اعتبار وآية بينة .قوله تعالى : قل اللهم اختلف النحويون في تركيب لفظة " اللهم " بعد إجماعهم أنها مضمومة الهاء مشددة الميم المفتوحة ، وأنها منادى ; وقد جاءت مخففة الميم في قول الأعشى :كدعوة من أبي رباح يسمعها إليهم الكبارقال الخليل وسيبويه وجميع البصريين : إن أصل اللهم يا ألله ، فلما استعملت الكلمة دون حرف النداء الذي هو " يا " جعلوا بدله هذه الميم المشددة ، فجاءوا بحرفين وهما الميمان عوضا من حرفين وهما الياء والألف ، والضمة في الهاء هي ضمة الاسم المنادى المفرد .
وذهب الفراء والكوفيون إلى أن الأصل في اللهم يا ألله أمنا بخير ; فحذف وخلط الكلمتين ، وإن الضمة التي في الهاء هي الضمة التي كانت في أمنا لما حذفت الهمزة انتقلت الحركة .
قال النحاس : هذا عند البصريين من الخطأ العظيم ، والقول في هذا ما قال الخليل وسيبويه .
قال الزجاج : محال أن يترك الضم الذي هو دليل على النداء المفرد ، وأن يجعل في اسم الله ضمة أم ، هذا إلحاد في اسم الله تعالى .
قال ابن عطية : وهذا غلو من الزجاج ، وزعم أنه ما سمع قط " يا ألله أم " ، ولا تقول العرب يا اللهم .
وقال الكوفيون : إنه قد يدخل حرف النداء على " اللهم " وأنشدوا على ذلك قول الراجز :غفرت أو عذبت يا اللهما[ ص: 52 ] آخر :وما عليك أن تقولي كلما سبحت أو هللت يا اللهمااردد علينا شيخنا مسلما فإننا من خيره لن نعدماآخر :إني إذا ما حدث ألما أقول يا اللهم يا اللهماقالوا : فلو كان الميم عوضا من حرف النداء لما اجتمعا .
قال الزجاج : وهذا شاذ ولا يعرف قائله ، ولا يترك له ما كان في كتاب الله وفي جميع ديوان العرب ; وقد ورد مثله في قوله :هما نفثا في في من فمويهما على النابح العاوي أشد رجامقال الكوفيون : وإنما تزاد الميم مخففة في " فم وابنم " ، وأما ميم مشددة فلا تزاد .
وقال بعض النحويين : ما قاله الكوفيون خطأ ; لأنه لو كان كما قالوا كان يجب أن يقال : " اللهم " ويقتصر عليه لأنه معه دعاء .
وأيضا فقد تقول : أنت اللهم الرزاق .
فلو كان كما ادعوا لكنت قد فصلت بجملتين بين الابتداء والخبر .
قال النضر بن شميل : من قال اللهم فقد دعا الله تعالى بجميع أسمائه كلها وقال الحسن : اللهم تجمع الدعاء .قوله تعالى : مالك الملك قال قتادة : بلغني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل الله - عز وجل - أن يعطي أمته ملك فارس فأنزل الله هذه الآية .
وقال مقاتل : سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل الله له ملك فارس والروم في أمته ; فعلمه الله تعالى بأن يدعو بهذا الدعاء .
وقد تقدم معناه .
و " مالك " منصوب عند سيبويه على أنه نداء ثان ; ومثله قوله تعالى : قل اللهم فاطر السماوات والأرض ولا يجوز عنده أن يوصف اللهم لأنه قد ضمت إليه الميم .
وخالفه محمد بن يزيد وإبراهيم بن السري الزجاج فقالا : " مالك " في الإعراب صفة لاسم الله تعالى ، وكذلك فاطر السماوات والأرض .
قال أبو علي ; هو مذهب أبي العباس المبرد ; وما قاله سيبويه أصوب وأبين ; وذلك أنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد " اللهم " لأنه اسم مفرد ضم إليه صوت ، والأصوات لا توصف ; نحو غاق وما أشبهه .
وكان حكم الاسم المفرد ألا يوصف وإن كانوا قد وصفوه في مواضع .
فلما ضم هنا ما لا يوصف إلى ما كان قياسه ألا يوصف صار بمنزلة صوت ضم إلى صوت ; نحو حيهل فلم يوصف .
و " الملك " هنا النبوة ; عن مجاهد .
وقيل ، الغلبة .
وقيل : المال والعبيد .
الزجاج : المعنى مالك العباد وما ملكوا .
[ ص: 53 ] وقيل : المعنى مالك الدنيا والآخرة .ومعنى تؤتي الملك أي الإيمان والإسلام .
من تشاء أي من تشاء أن تؤتيه إياه ، وكذلك ما بعده ، ولا بد فيه من تقدير الحذف ، أي وتنزع الملك ممن تشاء أن تنزعه منه ، ثم حذف هذا ، وأنشد سيبويه :ألا هل لهذا الدهر من متعلل على الناس مهما شاء بالناس يفعلقال الزجاج : مهما شاء أن يفعل بالناس يفعل .
وتعز من تشاء يقال : عز إذا علا وقهر وغلب ; ومنه ، وعزني في الخطاب .
وتذل من تشاء ذل يذل إذا غلب وعلا وقهر .
قال طرفة :بطيء عن الجلى سريع إلى الخنا ذليل بأجماع الرجال ملهدبيدك الخير أي بيدك الخير والشر فحذف ; كما قال : سرابيل تقيكم الحر .
وقيل : خص الخير لأنه موضع دعاء ورغبة في فضله .
قال النقاش : بيدك الخير ، أي النصر والغنيمة .
وقال أهل الإشارات .
كان أبو جهل يملك المال الكثير ، ووقع في الرس يوم بدر ، والفقراء صهيب وبلال وخباب لم يكن لهم مال ، وكان ملكهم الإيمان ، قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء تقيم الرسول يتيم أبي طالب على رأس الرس حتى ينادي أبدانا قد انقلبت إلى القليب : يا عتبة ، يا شيبة تعز من تشاء وتذل من تشاء .
أي صهيب ، أي بلال ، لا تعتقدوا أنا منعناكم من الدنيا ببغضكم .
بيدك الخير ما منعكم من عجز إنك على كل شيء قدير إنعام الحق عام يتولى من يشاء .
يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم { قل اللهم مالك الملك } أي: أنت الملك المالك لجميع الممالك، فصفة الملك المطلق لك، والمملكة كلها علويها وسفليها لك والتصريف والتدبير كله لك، ثم فصل بعض التصاريف التي انفرد الباري تعالى بها، فقال: { تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء } وفيه الإشارة إلى أن الله تعالى سينزع الملك من الأكاسرة والقياصرة ومن تبعهم ويؤتيه أمة محمد، وقد فعل ولله الحمد، فحصول الملك ونزعه تبع لمشيئة الله تعالى، ولا ينافي ذلك ما أجرى الله به سنته من الأسباب الكونية والدينية التي هي سبب بقاء الملك وحصوله وسبب زواله، فإنها كلها بمشيئة الله لا يوجد سبب يستقل بشيء، بل الأسباب كلها تابعة للقضاء والقدر، ومن الأسباب التي جعلها الله سببا لحصول الملك الإيمان والعمل الصالح، التي منها اجتماع المسلمين واتفاقهم، وإعدادهم الآلات التي يقدروا عليها والصبر وعدم التنازع، قال الله تعالى: { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم } الآية فأخبر أن الإيمان والعمل الصالح سبب للاستخلاف المذكور، وقال تعالى: { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم } الآية وقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين } فأخبر أن ائتلاف قلوب المؤمنين وثباتهم وعدم تنازعهم سبب للنصر على الأعداء، وأنت إذا استقرأت الدول الإسلامية وجدت السبب الأعظم في زوال ملكها ترك الدين والتفرق الذي أطمع فيهم الأعداء وجعل بأسهم بينهم، ثم قال تعالى: { وتعز من تشاء } بطاعتك { وتذل من تشاء } بمعصيتك { إنك على كل شيء قدير } لا يمتنع عليك أمر من الأمور بل الأشياء كلها طوع مشيئتك وقدرتك
قوله تعالى ( قل اللهم مالك الملك ) قال قتادة ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وقال ابن عباس رضي الله عنهما وأنس بن مالك رضي الله عنه لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعد أمته ملك فارس والروم قال المنافقون واليهود : هيهات هيهات من أين لمحمد صلى الله عليه وسلم ملك فارس والروم؟
وهم أعز وأمنع من ذلك ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم؟
فأنزل الله هذه الآية ( قل اللهم ) قيل : معناه يا الله فلما حذف حرف النداء زيد الميم في آخره ، وقال قوم : للميم فيه معنى ، ومعناها يا ألله أمنا بخير أي : اقصدنا ، حذف منه حرف النداء كقولهم : هلم إلينا ، كان أصله هل أم إلينا ، ثم كثرت في الكلام فحذفت الهمزة استخفافا وربما خففوا أيضا فقالوا : لاهم ، قوله ( مالك الملك ) [ يعني يا مالك الملك ] أي مالك العباد وما ملكوا ، وقيل يا مالك السماوات والأرض ، وقال الله تعالى في بعض الكتب : " أنا الله ملك الملوك ، ومالك الملوك ، وقلوب الملوك ونواصيهم بيدي فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة وإن عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم " .
قوله تعالى : ( تؤتي الملك من تشاء ) قال مجاهد وسعيد بن جبير : يعني ملك النبوة وقال الكلبي : تؤتي الملك من تشاء محمدا وأصحابه ( وتنزع الملك ممن تشاء ) أبي جهل وصناديد قريش وقيل : تؤتي الملك من تشاء : العرب وتنزع الملك ممن تشاء : فارس والروم ، وقال السدي تؤتي الملك من تشاء ، آتى الله الأنبياء عليهم السلام وأمر العباد بطاعتهم ( وتنزع الملك ممن تشاء ) نزعه من الجبارين وأمر العباد بخلافهم ، وقيل تؤتي من تشاء : آدم وولده وتنزع الملك ممن تشاء إبليس وجنوده وقوله تعالى : ( وتعز من تشاء وتذل من تشاء ) قال عطاء تعز من تشاء : المهاجرين والأنصار وتذل من تشاء : فارس والروم ، وقيل تعز من تشاء محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى دخلوا مكة في عشرة آلاف ظاهرين عليها ، وتذل من تشاء : أبا جهل وأصحابه حتى حزت رءوسهم وألقوا في القليب ، وقيل تعز من تشاء بالإيمان والهداية ، وتذل من تشاء بالكفر والضلالة ، وقيل تعز من تشاء بالطاعة وتذل من تشاء بالمعصية ، وقيل تعز من تشاء بالنصر وتذل من تشاء بالقهر ، وقيل تعز من تشاء بالغنى وتذل من تشاء بالفقر ، وقيل تعز من تشاء بالقناعة والرضى وتذل من تشاء بالحرص والطمع ( بيدك الخير ) أي بيدك الخير والشر فاكتفى بذكر أحدهما قال تعالى : " سرابيل تقيكم الحر " ( 81 - النحل ) أي الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما ( إنك على كل شيء قدير ) .
ونزلت لما وعد صلى الله عليه وسلم أمته مُلك فارس والروم فقال المنافقون هيهات: «قل اللهم» يا الله «مالك الملك تؤتي» تعطي «الملك من تشاء» من خلقك «وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء» بإيتائه «وتذل من تشاء» بنزعه منه «بيدك» بقدرتك «الخير» أي والشر «إنك على كل شيء قدير».
قل -أيها النبي متوجها إلى ربك بالدعاء-: يا مَن لك الملك كلُّه، أنت الذي تمنح الملك والمال والتمكين في الأرض مَن تشاء مِن خلقك، وتسلب الملك ممن تشاء، وتهب العزة في الدنيا والآخرة مَن تشاء، وتجعل الذلَّة على من تشاء، بيدك الخير، إنك -وحدك- على كل شيء قدير.
وفي الآية إثبات لصفة اليد لله تعالى على ما يليق به سبحانه.
قال القرطبي : قال ابن عباس وأنس بن مالك : " لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، ووعد أمته ملك فارس والروم ، قال المنافقون واليهود : هيهات هيهات!
من أين لمحمد ملك فارس والروم وهم أعز وأمنع من ذلك ، ألم يكف محمداً مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم .
فأنزل الله هذه الآية .والأمر بقوله { قُلِ } للنبى صلى الله عليه وسلم ولكل من يتأتى له الخطاب من المؤمنين .وكلمة { اللهم } يرى الخليل وسيبويه أن أصلها يا الله فلما استعملت دون حرف النداء الذى هو " يا " جعلوا هذه الميم المشددة التى فى آخرها عوضا عن حرف النداء ، وهذا التعويض من خصائص الاسم الجليل ، كما اختص بجواز الجمع فيه بين " يا " و " أل " وبقطع همزته ، ودخول تاء القسم عليه .والمعنى .
قل أيها المخاطب على سبيل التعظيم لربك ، والشكر له ، والتوكل عليه والضراعة إليه ، قل : يا الله يا مالك الملك أنت وحدك صاحب السلطان المطلق في هذا الوجود ، بحيث تتصرف فيه كيف تشاء ، إيجادا وإعداما ، وإحياء وإماتة ، وتعذيبا وإثابة ، من غير أن ينازعك في ذلك أي منازع .فكأن في هذه الجملة الكريمة { قُلِ اللهم مَالِكَ الملك } دعاءين خاشعين :أما الدعاء الأول فهو بلفظ الجلالة المعبر عنه بقوله { اللهم } أى يا الله ، وفى هذا النداء كل معانى العبودية والتنزيه والتقديس والخضوع .وأما الدعاء الثاني فهو المعبر عنه بقوله { مَالِكَ الملك } أى يا مالك الملك ، وفى هذا النداء كل معانى الإحساس بالربوبية ، والضعف أمام قدرة الله وسلطانه .فقوله { مَالِكَ } منصوب بحرف النداء المحذوف .
كما في قوله { قُلِ اللهم فَاطِرَ السماوات والأرض } أى يا فاطر السموات والأرض .ثم فصل - سبحانه - بعض مظاهر خلقه التي تدل على أنه هو مالك الملك على الحقيقة فقال - تعالى - { تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ } .أى أنت وحدك الذي تعطى الملك من تشاء إعطاءه من عبادك ، وتنزعه ممن تشاء ، نزعه منهم ، فأنت المتصرف في شئون خلقك لا راد لقضائك ولا معقب لحكمك .وعبر بالإيتاء الذى هو مجرد لإعطاء دون التمليك المؤذن بثبوت المالكية ، للتنبيه على أن المالكية على الحقيقة إنما هي مختصة بالله رب العالمين ، أما ما يعطيه لغيره من ملك فهو عارية مستردة ، وهو شىء زائل لا يدوم .والتعبير عن إزالة الملك بقوله { وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ } يشعر بأنه - سبحانه - فى قدرته أن يسلب هذا العطاء من أى مخلوق مهما بلغت سعة ملكه ، ومهما اشتدت ، قوته ، وذلك لأن لفظ النزع يدل على أن المنزع منه الشىء كان متمسكا به ، فسلبه الله منه بمقتضى قدرته وحكمته .والمراد بالملك هنا السلطان ، وقيل النبوة ، وقيل غير ذلك .قال الفخر الرازي : وقوله { تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ } محمول على جميع أنواع الملك فيدخل فيه ملك النبوة ، وملك العقل ، والصحة ، والأخلاق الحسنة .
وملك النفاذ والقدرة ، وملك المحبة ، وملك الأموال ، وذلك لأن اللفظ عام فالتخصيص من غير دليل لا يجوز " .ومفعول المشيئة في الجملتين محذوف أى : تؤتى الملك من تشاء إيتاءه وتنزعه ممن تشاء نزعه منه .أما الأمر الثاني الذي يدل على أنه - سبحانه - هو مالك الملك على الحقيقة فهو قوله { وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ } .العزة - كما يقول الراغب - حالة مانعة للإنسان من أن يغلب ، من قولهم : أرض عزاز : أى صلبة ، وتعزز اللحم : اشتد وعز ، كأنه حصل في عزاز يصعب الوصول إليه .
.
.
.
والعزيز الذى يقهر ولا يغلب .وتذل ، من الذل ، وهو ما كان عن قهر ، يقال : ذل يذل ذلا إذا قهر وغلب والعزة صفة نفسية يحس بها المؤمن الصادق في إيمانه ، لأنه يشعر دائما بأنه عبد الله وحده وليس عبدا لأحد سواه ، قال - تعالى - { وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } فالمؤمنون الصادقون أعزاء ولو كانوا في المال والجاه فقراء .
أما الكافرون أذلاء ، لأنهم خضعوا لغير الله الواحد القهار .والمعنى : أنت يا الله يا ملك الملك ، أنت وحدك الذى تؤتى الملك لمن تشاء أن تؤتيه له ، وتنزعه ممن تريد نزعه منه ، وأنت وحدك الذي تعز من تشاء إعزازه بالنصر والتوفيق ، وتذل من تشاء إذلاله بالهزيمة والخذلان ، ثم ختم - سبحانه - الآية بهذا التسليم المطلق من المؤمنين لذته فقال - تعالى - : { بِيَدِكَ الخير إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .أى أنت وحدك الذى تملك الخير كله ، وتتصرف فيه حسب إرادتك ومشيئتك ، لأنك على كل شىء قدير .وأل في الخير للاستغراق الشامل ، إذ كل خير فهو بيده - سبحانه - وقدرته ، وتقديم الجار والمجرور { بِيَدِكَ } لإفادة الاختصاص ، أى بيدك وحدك على الحقيقة لا بيد غيرك ، وجملة " إنك على كل شيء قدير " تعليلية .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : " كيف قال { بِيَدِكَ الخير } فذكر الخير دون الشر؟
قلت : لأن الكلام إنما وقع في الخير الذى يسوقه إلى المؤمنين وهو الذى أنكرته الكفرة فقال بيدك الخير ، تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك ، ولأن أفعال الله - تعالى - من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة فهو خير كله كإيتاء الملك ونزعه " .
اعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل التوحيد والنبوّة، وصحة دين الإسلام، ثم قال لرسوله ﴿ فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن ﴾ ثم ذكر من صفات المخالفين كفرهم بالله، وقتلهم الأنبياء والصالحين بغير حق، وذكر شدة عنادهم وتمردهم في قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب ﴾ ثم ذكر شدة غرورهم بقوله: ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار إِلا أَيَّامًا معدودات ﴾ ثم ذكر وعيدهم بقوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جمعناهم لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعاء وتمجيد يدل على مباينة طريقه وطريق أتباعه، لطريقة هؤلاء الكافرين المعاندين المعرضين، فقال معلماً نبيّه كيف يمجّد ويعظم ويدعو ويطلب ﴿ قُلِ اللهم مالك الملك ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلف النحويون في قوله: ﴿ اللهم ﴾ فقال الخليل وسيبويه ﴿ اللهم ﴾ معناه: يا الله، والميم المشددة عوض من يا، وقال الفرّاء: كان أصلها، يا الله أم بخير: فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء، وحذفوا الهمزة من: أم، فصار ﴿ اللهم ﴾ ونظيره قول العرب: هلم، والأصل: هل، فضم: أم إليها، حجة الأولين على فساد قول الفرّاء وجوه: الأول: لو كان الأمر على ما قاله الفراء لما صحّ أن يقال: اللّهم افعل كذا إلا بحرف العطف، لأن التقدير: يا الله أمنا واغفر لنا، ولم نجد أحداً يذكر هذا الحرف العاطف والثاني: وهو حجة الزجاج أنه لو كان الأمر كما قال، لجاز أن يتكلم به على أصله، فيقال (الله أم) كما يقال (ويلم) ثم يتكلم به على الأصل فيقال (وَيْلٌ أُمُّهُ) الثالث: لو كان الأمر على ما قاله الفراء لكان حرف النداء محذوفاً، فكان يجوز أن يقال: يا اللّهم، فلما لم يكن هذا جائزاً علمنا فساد قول الفراء بل نقول: كان يجب أن يكون حرف النداء لازماً، كما يقال: يا الله اغفر لي، وأجاب الفراء عن هذه الوجوه، فقال: أما الأول فضعيف، لأن قوله (يا الله أم) معناه: يا الله اقصد، فلو قال: واغفر لكان المعطوف مغايراً للمعطوف عليه فحينئذ يصير السؤال سؤالين أحدهما: قوله: ﴿ أمنا ﴾ والثاني: قوله: ﴿ واغفر لَنَا ﴾ أما إذا حذفنا العطف صار قوله: اغفر لنا تفسيراً لقوله: أمنا.
فكان المطلوب في الحالين شيئاً واحداً فكان ذلك آكد، ونظائره كثيرة في القرآن، وأما الثاني فضعيف أيضاً، لأن أصله عندنا أن يقال: يا الله أمنا.
ومن الذي ينكر جواز التكلم بذلك، وأيضاً فلأن كثيراً من الألفاظ لا يجوز فيها إقامة الفرع مقام الأصل، ألا ترى أن مذهب الخليل وسيبويه أن قوله: ما أكرمه، معناه أي شيء أكرمه ثم إنه قط لا يستعمل هذا الكلام الذي زعموا أنه الأصل في معرض التعجب فكذا هاهنا، وأما الثالث: فمن الذي سلم لكم أنه لا يجوز أن يقالّ: يا اللّهم وأنشد الفرّاء: وأما عليك أن تقولي كلما *** سبحت أو صليت يا اللّهما وقول البصريين: إن هذا الشعر غير معروف، فحاصله تكذيب النقل، ولو فتحنا هذا الباب لم يبق شيء من اللغة والنحو سليماً عن الطعن، وأما قوله: كان يلزم أن يكون ذكر حرف النداء لازماً فجوابه أنه قد يحذف حرف النداء كقوله: ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق أَفْتِنَا ﴾ فلا يبعد أن يختص هذا الاسم بإلزام هذا الحذف، ثم احتج الفراء على فساد قول البصريين من وجوه: الأول: أنا لو جعلنا الميم قائماً مقام حرف النداء لكنا قد أخرنا النداء عن ذكر المنادى، وهذا غير جائز ألبتة، فإنه لا يقال ألبتة (الله يا) وعلى قولكم يكون الأمر كذلك الثاني: لو كان هذا الحرف قائماً مقام النداء لجاز مثله في سائر الأسماء، حتى يقال: زيدم وبكرم، كما يجوز أن يقال: يا زيد ويا بكر والثالث: لو كان الميم بدلاً عن حرف النداء لما اجتمعا، لكنهما اجتمعا في الشعر الذي رويناه الرابع: لم نجد العرب يزيدون هذه المييم في الأسماء التامة لإفادة معنى بعض الحروف المباينة للكلمة الداخلة عليها، فكان المصير إليه في هذه اللفظة الواحدة حكماً على خلاف الاستقراء العام في اللغة وأنه غير جائز، فهذا جملة الكلام في هذا الموضع.
المسألة الثانية: ﴿ مالك الملك ﴾ في نصبه وجهان الأول: وهو قول سيبويه أنه منصوب على النداء، وكذلك قوله: ﴿ قُلِ اللهم فَاطِرَ السموات والأرض ﴾ ولا يجوز أن يكون نعتاً لقوله: ﴿ اللهم ﴾ لأن قولنا ﴿ اللهم ﴾ مجموع الاسم والحرف، وهذا المجموع لا يمكن وصفه والثاني: وهو قول المبرد والزجاج أن ﴿ مالك ﴾ وصف للمنادى المفرد، لأن هذا الاسم ومعه الميم بمنزلته ومعه (يا) ولا يمتنع الصفة مع الميم، كما لا يمتنع مع الياء.
المسألة الثالثة: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم، وهم أعز وأمنع من ذلك، وروي أنه عليه الصلاة والسلام لما خط الخندق عام الأحزاب، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً، وأخذوا يحفرون خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخبره، فأخذ المعول من سلمان فلما ضربها ضرب صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كأنه مصباح في جوف ليل مظلم، فكبّر وكبر المسلمون، وقال عليه الصلاة والسلام: «أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب» ثم ضرب الثانية، فقال: «أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم».
ثم ضرب الثالثة فقال: «أضاءت لي منها قصور صنعاء وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا» فقال المنافقون: ألا تعجبون من نبيّكم يعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومداين كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الخوف لا تستطيعون أن تخرجوا فنزلت هذه الآية والله أعلم، وقال الحسن إن الله تعالى أمر نبيّه أن يسأله أن يعطيه ملك فارس والروم ويرد ذل العرب عليهما، وأمره بذلك دليل على أنه يستجيب له هذا الدعاء، وهكذا منازل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا أمروا بدعاء استجيب دعاءهم.
المسألة الرابعة: ﴿ الملك ﴾ هو القدرة، والمالك هو القادر، فقوله: ﴿ مالك الملك ﴾ معناه القادر على القدرة، والمعنى إن قدرة الخلق على كل ما يقدرون عليه ليست إلا بإقدار الله تعالى فهو الذي يقدر كل قادر على مقدوره، ويملك كل مالك مملوكه، قال صاحب الكشاف ﴿ مالك الملك ﴾ أي يملك جنس الملك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون، واعلم أنه تعالى لما بيّن كونه ﴿ مالك الملك ﴾ على الإطلاق، فصل بعد ذلك وذكر أنواعاً خمسة: النوع الأول: قوله تعالى: ﴿ تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ ﴾ وذكروا فيه وجوهاً الأول: المراد منه: ملك النبوّة والرسالة، كما قال تعالى: ﴿ فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم مُّلْكاً عَظِيماً ﴾ والنبوّة أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر عظيم على بواطن الخلق والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق والأنبياء أمرهم نافذ في البواطن والظواهر، فأما على البواطن فلأنه يجب على كل أحد أن يقبل دينهم وشريعتهم، وأن يعتقد أنه هو الحق، وأما على الظواهر فلأنهم لو تمردوا واستكبروا لاستوجبوا القتل، ومما يؤكد هذا التأويل أن بعضهم كان يستبعد أن يجعل الله تعالى بشراً رسولاً فحكى الله عنهم قولهم: ﴿ أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولاً ﴾ وقال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً ﴾ وقوم آخرون جوزوا من الله تعالى أن يرسل رسولاً من البشر، إلا أنهم كانوا يقولون: إن محمداً فقير يتيم، فكيف يليق به هذا المنصب العظيم على ما حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ ﴾ وأما اليهود فكانوا يقولون النبوّة كانت في آبائنا وأسلافنا، وأما قريش فهم ما كانوا أهل النبوّة والكتاب فكيف يليق النبوّة بمحمد صلى الله عليه وسلم؟
وأما المنافقون فكانوا يحسدونه على النبوّة، على ما حكى الله ذلك عنهم في قوله: ﴿ أم يحْسُدونَ الناس على مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ ﴾ .
وأيضاً فقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المهاد ﴾ أن اليهود تكبروا على النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة عددهم وسلاحهم وشدتهم، ثم إنه تعالى رد على جميع هؤلاء الطوائف بأن بيّن أنه سبحانه هو مالك الملك فيؤتي ملكه من يشاء، فقال: ﴿ تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ ﴾ .
فإن قيل: فإذا حملتم قوله: ﴿ تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ ﴾ على إيتاء ملك النبوّة، وجب أن تحملوا قوله: ﴿ وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ ﴾ على أنه قد يعزل عن النبوّة من جعله نبياً، ومعلوم أن ذلك لا يجوز.
قلنا: الجواب من وجهين: الأول: أن الله تعالى إذا جعل النبوّة في نسل رجل، فإذا أخرجها الله من نسله، وشرَّف بها إنساناً آخر من غير ذلك النسل، صح أن يقال إنه تعالى نزعها منهم، واليهود كانوا معتقدين أن النبوّة لابد وأن تكون في بني إسرائيل، فلما شرف الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بها، صح أن يقال: إنه ينزع ملك النبوّة من بني إسرائيل إلى العرب.
والجواب الثاني: أن يكون المراد من قوله: ﴿ وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ ﴾ أي تحرمهم ولا تعطيهم هذا الملك لا على معنى أنه يسلبه ذلك بعد أن أعطاه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ الله وَلِيُّ الذين ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور ﴾ مع أن هذا الكلام يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط، وقال الله تعالى مخبراً عن الكفار أنهم قالوا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ وأولئك الأنبياء قالوا: ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاءَ الله ﴾ مع أنهم ما كانوا فيها قط، فهذا جملة الكلام في تقرير قول من فسّر قوله تعالى: ﴿ تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ ﴾ بملك النبوة.
القول الثاني: أن يكون المراد من الملك، ما يسمى ملكاً في العرف، وهو عبارة عن مجموع أشياء أحدها: تكثير المال والجاه، أما تكثير المال فيدخل فيه ملك الصامت والناطق والدور والضياع، والحرث، والنسل، وأما تكثير الجاه فهو أن يكون مهيباً عند الناس، مقبول القول، مطاعاً في الخلق والثاني: أن يكون بحيث يجب على غيره أن يكون في طاعته، وتحت أمره ونهيه والثالث: أن يكون بحيث لو نازعه في ملكه أحد، قدر على قهر ذلك المنازع، وعلى غلبته، ومعلوم أن كل ذلك لا يحصل إلا من الله تعالى، أما تكثير المال فقد نرى جمعاً في غاية الكياسة لا يحصل لهم مع الكد الشديد، والعناء العظيم قليل من المال، ونرى الأبله الغافل قد يحصل له من الأموال ما لا يعلم كميته، وأما الجاه فالأمر أظهر، فإنا رأينا كثيراً من الملوك بذلوا الأموال العظيمة لأجل الجاه، وكانوا كل يوم أكثر حقارة ومهانة في أعين الرعية، وقد يكون على العكس من ذلك وهو أن يكون الإنسان معظماً في العقائد مهيباً في القلوب، ينقاد له الصغير والكبير، ويتواضع له القاصي والداني، وأما القسم الثاني وهو كونه واجب الطاعة، فمعلوم أن هذا تشريف يشرف الله تعالى به بعض عباده، وأما القسم الثالث، وهو حصول النصرة والظفر فمعلوم أن ذلك مما لا يحصل إلا من الله تعالى، فكم شاهدنا من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، وعند هذا يظهر بالبرهان العقلي صحة ما ذكره الله تعالى من قوله: ﴿ تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ ﴾ .
واعلم أن للمعتزلة هاهنا بحثا قال الكعبي قوله: ﴿ تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ ﴾ ليس على سبيل المختارية، ولكن بالاستحقاق فيؤتيه من يقوم به، ولا ينزعه إلا ممن فسق عن أمر ربه ويدل عليه قوله: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ وقال في حق العبد الصالح ﴿ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم ﴾ فجعله سبباً للملك، وقال الجبائي: هذا الحكم مختص بملوك العدل، فأما ملوك الظلم فلا يجوز أن يكون ملكهم بإيتاء الله، وكيف يصح أن يكون ذلك بإيتاء الله، وقد ألزمهم أن لا يتملكوه، ومنعهم من ذلك فصح بما ذكرنا أن الملوك العادلين هم المختصون بأن الله تعالى آتاهم ذلك الملك، فأما الظالمون فلا، قالوا: ونظير هذا ما قلناه في الرزق أنه لا يدخل تحته الحرام الذي زجره الله عن الانتفاع به، وأمره بأن يرده على مالكه فكذا هاهنا، قالوا: وأما النزع فبخلاف ذلك لأنه كما ينزع الملك من الملوك العادلين لمصلحة تقتضي ذلك فقد ينزع الملك عن الملوك الظالمين ونزع الملك يكون بوجوه: منها بالموت، وإزالة العقل، وإزالة القوى، والقدر والحواس، ومنها بورود الهلاك والتلف عن الأموال، ومنها أن يأمر الله تعالى المحق بأن يسلب الملك الذي في يد المتغلب المبطل ويؤتيه القوة والنصرة، فإذا حاربه المحق وقهره وسلب ملكه جاز أن يضاف هذا السلب والنزع إليه تعالى، لأنه وقع عن أمره، وعلى هذا الوجه نزع الله تعالى ملك فارس على يد الرسول، هذا جملة كلام المعتزلة في هذا الباب.
واعلم أن هذا الموضع مقام بحث مهم وذلك لأن حصول الملك للظالم، إما أن يقال: إنه وقع لا عن فاعل وإنما حصل بفعل ذلك المتغلب، أو إنما حصل بالأسباب الربانية، والأول: نفي للصانع والثاني: باطل لأن كل أحد يريد تحصيل الملك والدولة لنفسه، ولا يتيسر له ألبتة فلم يبق إلا أن يقال بأن ملك الظالمين إنما حصل بإيتاء الله تعالى، وهذا الكلام ظاهر ومما يؤكد ذلك أن الرجل قد يكون بحيث تهابه النفوس، وتميل إليه القلوب، ويكون النصر قريناً له والظفر جليساً معه فأينما توجه حصل مقصوده، وقد يكون على الضد من ذلك، ومن تأمل في كيفية أحوال الملوك اضطر إلى العلم بأن ذلك ليس إلا بتقدير الله تعالى، ولذلك قال حكيم الشعراء: لو كان بالحيل الغنى لوجدتني *** بأجل أسباب السماء تعلقي لكن من رزق الحجا حرم الغنى *** ضدان مفترقان أي تفرق ومن الدليل على القضاء وكونه *** بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق والقول الثاني: أن قوله: ﴿ تُؤْتِى الملك مَن تَشَاء ﴾ محمول على جميع أنواع الملك فيدخل فيه ملك النبوّة، وملك العلم، وملك العقل، والصحة والأخلاق الحسنة، وملك النفاذ والقدرة وملك المحبة، وملك الأموال، وذلك لأن اللفظ عام فالتخصيص من غير دليل لا يجوز.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء ﴾ فاعلم أن العزة قد تكون في الدين، وقد تكون في الدنيا، أما في الدين فأشرف أنواع العزة الإيمان قال الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ إذا ثبت هذا فنقول: لما كان أعز الأشياء الموجبة للعزة هو الإيمان، وأذل الأشياء الموجبة للمذلة هو الكفر، فلو كان حصول الإيمان والكفر بمجرد مشيئة العبد، لكان إعزاز العبد نفسه بالإيمان وإذلاله نفسه بالكفر أعظم من إعزاز الله عبده بكل ما أعزه به، ومن إذلال الله عبده بكل ما أذله به ولو كان الأمر كذلك لكان حظ العبد من هذا الوصف أتم وأكمل من حظ الله تعالى منه، ومعلوم أن ذلك باطل قطعاً، فعلمنا أن الإعزاز بالإيمان والحق ليس إلا من الله، والإذلال بالكفر والباطل ليس إلا من الله، وهذا وجه قوي في المسألة، قال القاضي: الإعزاز المضاف إليه تعالى قد يكون في الدين، وقد يكون في الدنيا أما الذي في الدين فهو أن الثواب لابد وأن يكون مشتملاً على التعظيم والمدح والكرامة في الدنيا والآخرة، وأيضاً فإنه تعالى يمدهم بمزيد الألطاف ويعليهم على الأعداء بحسب المصلحة، وأما ما يتعلق بالدنيا فبإعطاء الأموال الكثيرة من الناطق والصامت وتكثير الحرث وتكثير النتاج في الدواب، وإلقاء الهيبة في قلوب الخلق.
واعلم أن كلامنا يأبى ذلك لأن كل ما يفعله الله تعالى من التعظيم في باب الثواب فهو حق واجب على الله تعالى ولو لم يفعله لانعزل عن الإلهية ولخرج عن كونه إلها للخلق فهو تعالى بإعطاء هذه التعظيمات يحفظ إلهية نفسه عن الزوال فأما العبد، فلما خص نفسه بالإيمان الذي يوجب هذه التعظيمات فهو الذي أعز نفسه فكان إعزازه لنفسه أعظم من إعزاز الله تعالى إياه، فعلمنا أن هذا الكلام المذكور لازم على القوم.
أما قوله: ﴿ وَتُذِلُّ مَن تَشَاء ﴾ فقال الجبائي في تفسيره: إنه تعالى إنما يذل أعداءه في الدنيا والآخرة ولا يذل أحداً من أوليائه وإن أفقرهم وأمرضهم وأحوجهم إلى غيرهم، لأنه تعالى إنما يفعل هذه الأشياء ليعزهم في الآخرة، إما بالثواب، وإما بالعوض فصار ذلك كالفصد والحجامة فإنهما وإن كانا يؤلمان في الحال إلا أنهما لما كانا يستعقبان نفعاً عظيماً لا جرم لا يقال فيهما: إنهما تعذيب، قال وإذا وصف الفقر بأنه ذل فعلى وجه المجاز كما سمى الله تعالى لين المؤمنين ذلا بقوله: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين ﴾ .
إذا عرفت هذا فنقول: إذلال الله تعالى عبده المبطل إنما يكون بوجوه منها بالذم واللعن ومنها بأن يخذلهم بالحجة والنصرة، ومنها بأن يجعلهم خولاً لأهل دينه، ويجعل مالهم غنيمة لهم ومنها بالعقوبة لهم في الآخرة هذا جملة كلام المعتزلة، ومذهبنا أنه تعالى يعز البعض بالإيمان والمعرفة، ويذل البعض بالكفر والضلالة، وأعظم أنواع الإعزاز والإذلال هو هذا والذي يدل عليه وجوه: الأول: وهو أن عز الإسلام وذل الكفر لابد فيه من فاعل وذلك الفاعل إما أن يكون هو العبد أو الله تعالى والأول باطل، لأن أحداً لا يختار الكفر لنفسه، بل إنما يريد الإيمان والمعرفة والهداية فلما أراد العبد الإيمان ولم يحصل له بل حصل له الجهل، علمنا أن حصوله من الله تعالى لا من العبد الثاني: وهو أن الجهل الذي يحصل للعبد إما أن يكون بواسطة شبهة وإما أن يقال: يفعله العبد ابتداء، والأول باطل إذ لو كان كل جهل إنما يحصل بجهل آخر يسبقه ويتقدمه لزم التسلسل وهو محال، فبقي أن يقال: تلك الجهات تنتهي إلى جهل يفعله العبد ابتداء من غير سبق موجب البتة لكنا نجد من أنفسنا أن العاقل لا يرضى لنفسه أن يصير على الجهل ابتداء من غير موجب فعلمنا أن ذلك بإذلال الله عبده وبخذلانه إياه الثالث: ما بينا أن الفعل لابد فيه من الداعي والمرجح، وذلك المرجح يكون من الله تعالى فإن كان في طرف الخير كان إعزازاً، وإن كان في طرف الجهل والشر والضلالة كان إذلالاً، فثبت أن المعز والمذل هو الله تعالى.
أما قوله تعالى: ﴿ بِيَدِكَ الخير ﴾ .
فاعلم أن المراد من اليد هو القدرة، والمعنى بقدرتك الخير والألف واللام في الخير يوجبان العموم، فالمعنى بقدرتك تحصل كل البركات والخيرات، وأيضاً فقوله: ﴿ بِيَدِكَ الخير ﴾ يفيد الحصر كأنه قال بيدك الخير لا بيد غيرك، كما أن قوله تعالى: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ ﴾ أي لكم دينكم أي لا لغيركم وذلك الحصر ينافي حصول الخير بيد غيره، فثبت دلالة هذه الآية من هذين الوجهين على أن جميع الخيرات منه، وبتكوينه وتخليقه وإيجاده وإبداعه، إذا عرفت هذا فنقول: أفضل الخيرات هو الإيمان بالله تعالى ومعرفته، فوجب أن يكون الخير من تخليق الله تعالى لا من تخليق العبد، وهذا استدلال ظاهر ومن الأصحاب من زاد في هذا التقدير فقال: كل فاعلين فعل أحدهما أشرف وأفضل من فعل الآخر كان ذلك الفاعل أشرف وأكمل من الآخر، ولا شك أن الإيمان أفضل من الخير، ومن كل ما سوى الإيمان فلو كان الإيمان بخلق العبد لا بخلق الله لوجب كون العبد زائداً في الخيرية على الله تعالى، وفي الفضيلة والكمال، وذلك كفر قبيح فدلت هذه الآية من هذين الوجهين على أن الإيمان بخلق الله تعالى.
فإن قيل: فهذه الآية حجة عليكم من وجه آخر لأنه تعالى لما قال: ﴿ بِيَدِكَ الخير ﴾ كان معناه أنه ليس بيدك إلا الخير، وهذا يقتضي أن لا يكون الكفر والمعصية واقعين بتخليق الله.
والجواب: أن قوله: ﴿ بِيَدِكَ الخير ﴾ يفيد أن بيده الخير لا بيد غيره، وهذا ينافي أن يكون بيد غيره ولكن لا ينافي أن يكون بيده الخير وبيده ما سوى الخير إلا أنه خص الخير بالذكر لأنه الأمر المنتفع به فوقع التنصيص عليه لهذا المعنى قال القاضي: كل خير حصل من جهة العباد فلولا أنه تعالى أقدرهم عليه وهداهم إليه لما تمكنوا منه، فلهذا السبب كان مضافاً إلى الله تعالى إلا أن هذا ضعيف لأن على هذا التقدير يصير بعض الخير مضافاً إلى الله تعالى، ويصير أشرف الخيرات مضافاً إلى العبد، وذلك على خلاف هذا النص.
أما قوله: ﴿ إِنَّكَ على كُلّ شَيء قَدِيرٌ ﴾ فهذا كالتأكيد لما تقدم من كونه مالكاً لإيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال.
أما قوله تعالى: ﴿ تُولِجُ اليل فِي النهار وَتُولِجُ النهار فِي اليل ﴾ فيه وجهان الأول: أن يجعل الليل قصيراً ويجعل ذلك القدر الزائد داخلاً في النهار وتارة على العكس من ذلك وإنما فعل سبحانه وتعالى ذلك لأنه علق قوام العالم ونظامه بذلك والثاني: أن المراد هو أنه تعالى يأتي بالليل عقيب النهار، فيلبس الدنيا ظلمة بعد أن كان فيها ضوء النهار، ثم يأتي بالنهار عقيب الليل فيلبس الدنيا ضوءه فكان المراد من إيلاج أحدهما في الآخر إيجاد كل واحد منهما عقيب الآخر، والأول أقرب إلى اللفظ، لأنه إذا كان النهار طويلاً فجعل ما نقص منه زيادة في الليل كان ما نقص منه داخلاً في الليل.
وأما قوله: ﴿ وَتُخْرِجُ الحى مِنَ الميت وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وحمزة والكسائي ﴿ الميت ﴾ بالتشديد، والباقون بالتخفيف، وهما لغتان بمعنى واحد، قال المبرد: أجمع البصريون على أنهما سواء وأنشدوا: إنما الميت ميت الأحياء *** وهو مثل قوله: هين وهين، ولين ولين، وقد ذهب ذاهبون إلى أن الميت من قد مات، والميت من لم يمت.
المسألة الثانية: ذكر المفسرون فيه وجوهاً: أحدها: يخرج المؤمن من الكافر كإبراهيم من آزر، والكافر من المؤمن مثل كنعان من نوح عليه السلام والثاني: يخرج الطيب من الخبيث وبالعكس والثالث: يخرج الحيوان من النطفة، والطير من البيضة وبالعكس والرابع: يخرج السنبلة من الحبة وبالعكس، والنخلة من النواة وبالعكس، قال القفّال رحمه الله: والكلمة محتملة للكل أما الكفر والإيمان فقال تعالى: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه ﴾ يريد كان كافراً فهديناه فجعل الموت كفراً والحياة إيماناً، وسمى إخراج النبات من الأرض إحياء، وجعل قبل ذلك ميتة فقال: ﴿ يحيي الأرض بعد موتها ﴾ وقال: ﴿ فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ وقال: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ .
أما قوله: ﴿ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ففيه وجوه: الأول: أنه يعطي من يشاء ما يشاء لا يحاسبه على ذلك أحد، إذ ليس فوقه ملك يحاسبه بل هو الملك يعطي من يشاء بغير حساب والثاني: ترزق من تشاء غير مقدور ولا محدود، بل تبسطه له وتوسعه عليه كما يقال: فلان ينفق بغير حساب إذا وصف عطاؤه بالكثرة، ونظيره قولهم في تكثير مال الإنسان: عنده مال لا يحصى والثالث: ترزق من تشاء بغير حساب، يعني على سبيل التفضل من غير استحقاق لأن من أعطى على قدر الاستحقاق فقد أعطى بحساب، وقال بعض من ذهب إلى هذا المعنى: إنك لا ترزق عبادك على مقادير أعمالهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
الميم في ﴿ اللهم ﴾ عوض من يا، ولذلك لا يجتمعان.
وهذا بعض خصائص هذا الاسم كما اختص بالتاء في القسم، وبدخول حرف النداء عليه، وفيه لام التعريف، وبقطع همزته في يا أَلله، وبغير ذلك ﴿ مالك الملك ﴾ أي تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرّف الملاك فيما يملكون ﴿ تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ ﴾ تعطي من تشاء النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك من الملك ﴿ وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ ﴾ النصيب الذي أعطيته منه، فالملك الأوّل عام شامل، والملكان الآخران خاصان بعضان من الكل.
روى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات، من أين لمحمد ملك فارس والروم؟
هم أعز وأمنع من ذلك.
وروي «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً وأخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره، فأخذ المعول من سلمان فضربها ضربة صدّعتها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم، وكبر وكبر المسلمون وقال: أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال: أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب الثالثة فقال: أضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمّتي ظاهرة على كلها، فأبشروا.
فقال المنافقون: ألا تعجبون، يمنيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا، فنزلت» فإن قلت: كيف قال: ﴿ بِيَدِكَ الخير ﴾ فذكر الخير دون الشر؟
قلت: لأنّ الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة، فقال بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، ولأن كل أفعال الله تعالى من نافع وضارّ صادر عن الحكمة والمصلحة، فهو خير كله كإيتاء الملك ونزعه.
ثم ذكر قدرته الباهرة بذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما، وحال الحيّ والميت في إخراج أحدهما من الآخر، وعطف عليه رزقه بغير حساب دلالة على أنّ من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام ثم قدر أن يرزق بغير حساب دلالة من يشاء من عباده، فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم وفي بعض الكتب: أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم لهم رحمة، وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم، وهو معنى قوله عليه السلام: «كما تكونوا يولى عليكم» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ ﴾ المِيمُ عِوَضٌ عَنْ يا ولِذَلِكَ لا يَجْتَمِعانِ، وهو مِن خَصائِصِ هَذا الِاسْمِ كَدُخُولِ يا عَلَيْهِ مَعَ لامِ التَّعْرِيفِ وقَطْعِ هَمْزَتِهِ وتاءِ القَسَمِ.
وقِيلَ: أصْلُهُ يا أللَّهُ أمِّنّا بِخَيْرٍ، فَخُفِّفَ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ ومُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ وهَمْزَتِهِ.
﴿ مالِكَ المُلْكِ ﴾ يَتَصَرَّفُ فِيما يُمْكِنُ التَّصَرُّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المُلّاكِ فِيما يَمْلِكُونَ، وهو نِداءٌ ثانٍ عِنْدِ سِيبَوَيْهِ فَإنَّ المِيمَ عِنْدَهُ تَمْنَعُ الوَصْفِيَّةَ.
﴿ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ﴾ تُعْطِي مِنهُ ما تَشاءُ مَن تَشاءُ وتَسْتَرِدُّ، فالمُلْكُ الأوَّلُ عامٌّ والآخَرانِ بَعْضانِ مِنهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالمُلْكِ النُّبُوَّةُ ونَزْعُها نَقْلُها مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ، ﴿ وَتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ ﴾ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، أوْ فِيهِما بِالنَّصْرِ والإدْبارِ والتَّوْفِيقِ والخِذْلانِ.
﴿ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ذِكْرُ الخَيْرِ وحْدَهُ لِأنَّهُ المَقْضِيُّ بِالذّاتِ، والشَّرُّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ، إذْ لا يُوجَدُ شَرٌّ جُزْئِيٌّ ما لَمْ يَتَضَمَّنْ خَيْرًا كُلِّيًّا، أوْ لِمُراعاةِ الأدَبِ في الخِطابِ، أوْ لِأنَّ الكَلامَ وقَعَ فِيهِ إذْ رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَطَّ الخَنْدَقَ وقَطَعَ لِكُلِّ عَشَرَةٍ أرْبَعِينَ ذِراعًا، وأخَذُوا يَحْفِرُونَ، فَظَهَرَ فِيهِ صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ لَمْ يَعْمَلْ فِيها المَعاوِلُ، فَوَجَّهُوا سَلْمانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ يُخْبِرُهُ، فَجاءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأخَذَ المِعْوَلَ مِنهُ فَضَرَبَها ضَرْبَةً صَدَّعَتْها.
وبَرَقَ مِنها بَرْقٌ أضاءَ مِنهُ ما بَيْنَ لابَّتَيْها لَكَأنَّ بِها مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وقالَ: «أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورُ الحَيْرَةِ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، ثُمَّ ضَرَبَ الثّانِيَةَ فَقالَ: أضاءَتْ لِي مِنها القُصُورُ الحُمْرُ مِن أرْضِ الرُّومِ، ثُمَّ ضَرَبَ الثّالِثَةَ فَقالَ: أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورُ صَنْعاءَ» وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلى كُلِّها فابْشُرُوا» .
فَقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَعْجَبُونَ يُمَنِّيكم ويَعِدُكُمُ الباطِلَ ويُخْبِرُكم أنَّهُ يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قُصُورَ الحَيْرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى، وأنَّها تُفْتَحُ لَكم وأنْتُمْ إنَّما تَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ مِنَ الفَرَقِ) فَنَزَلَتْ» .
فَنَبَّهَ عَلى أنَّ الشَّرَّ أيْضًا بِيَدِهِ بِقَوْلِ: ﴿ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ <div class="verse-tafsir"
{قُلِ اللهم} الميم عوض من يا ولذا لا يجتمعان وهذا بعض خصائص هذا الاسم كما اختص بالتاء في القسم وبدخول حرف النداء عليه وفيه لام التعريف وبقطع همزته في يا الله وبالتفخيم {مالك الملك} تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون وهو نداء ثانٍ أي يا مالك الملك {تُؤْتِي الملك مَن تَشَاءُ} تعطي من تشاء النصيب الذي قسمت له من الملك {وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ} أي تنزعه فالملك الاول عام والملكان الآخران خاصان مضان من الكل روي أنه عليه السلام حين فتح مكة واعدأمته ملك فارس والروم فقالت اليهود والمنافقون هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم هم اعز وامنع من ذلك {وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ} بالملك {وَتُذِلُّ مَن تَشَاء} بنزعه منه {بيدك الخير} أى الخير والشرفا كفتى بذكر أحد الضدين عن الآخر أو لأن الكلام وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة فقال بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك {إِنَّكَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ولا يقدر على شيء أحد غيرك إلا بإقدارك وقيل المراد بالملك ملك العافية أو ملك القناعة قال عليه السلام ملوك الجنة من أمتي القانعون بالقوت يوماً فيوماً أو ملك قيام الليل وعن
الشبلي الاستغناء بالمكون عن الكونين تعز بالمعرفة أو بالاستغناء بالمكون أو بالقناعة وتذل بأضدادها
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ ﴾ تَأْكِيدٌ لِما تُشْعِرُ بِهِ الآيَةُ السّابِقَةُ مِن مَزِيدِ عَظَمَتِهِ تَعالى وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ؛ وفِيهِ أيْضًا إفْحامٌ لِمَن كَذَّبَ النَّبِيَّ ورَدَّ عَلَيْهِ لاسِيَّما المُنافِقِينَ الَّذِينَ هم أسْوَأُ حالًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وبِشارَةٌ لَهُ بِالغَلَبَةِ الحِسِّيَّةِ عَلى مَن خالَفَهُ كَغَلَبَتِهِ بِالحُجَّةِ عَلى مَن جادَلَهُ، وبِهَذا تَنْتَظِمُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِما قَبْلَها.
رَوى الواحِدِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّهُ لَمّا اِفْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ مَكَّةَ وعَدَ أُمَّتِهِ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ، قالَتِ المُنافِقُونَ واليَهُودُ: هَيْهاتَ هَيْهاتَ مِن أيْنَ لِمُحَمَّدٍ مُلْكُ فارِسَ والرُّومِ هم أعَزُّ وأمْنَعُ مِن ذَلِكَ ألَمْ يَكْفِ مُحَمَّدًا مَكَّةُ والمَدِينَةُ حَتّى يَطْمَعَ في مُلْكِ فارِسَ والرُّومِ؟!
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ».
ورَوى أبُو الحَسَنِ الثَّعالِبِيُّ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي عَنْ أبِيهِ قالَ: «”خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ الخَنْدَقَ عامَ الأحْزابِ ثُمَّ قَطَعَ لِكُلِّ عَشَرَةٍ أرْبَعِينَ ذِراعًا قالَ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ: كُنْتُ أنا وسَلْمانُ الفارِسِيُّ وحُذَيْفَةُ والنُّعْمانُ بْنُ مُقَرِّنٍ المُزَنِيُّ وسِتَّةٌ مِنَ الأنْصارِ في أرْبَعِينَ ذِراعًا فَحَفَرْنا، فَأخْرَجَ اللَّهُ تَعالى مِن بَطْنِ الخَنْدَقِ صَخْرَةً مُدَوَّرَةً كَسَرَتْ حَدِيدَنا وشَقَّتْ عَلَيْنا، فَقُلْنا: يا سَلْمانُ اِرْقِ إلى رَسُولِ اللَّهِ وأخْبِرْهُ خَبَرَ هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَإمّا أنْ نَعْدِلَ عَنْها أوْ يَأْمُرُنا فِيها بِأمْرِهِ فَإنّا لا نُحِبُّ أنْ نُجاوِزَ خَطَّهُ، قالَ: فَرَقِيَ سَلْمانُ إلى رَسُولِ اللَّهِ وهو ضارِبٌ عَلَيْهِ قُبَّةً تُرْكِيَّةً، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَتْ صَخْرَةٌ بَيْضاءُ مُدَوَّرَةٌ مِن بَطْنِ الخَنْدَقِ وكَسَرَتْ حَدِيدَنا وشَقَّتْ عَلَيْنا حَتّى ما يَحْتَكُّ فِيها قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ فَمُرْنا فِيها بِأمْرٍ فَإنّا لا نُحِبُّ أنْ نُجاوِزَ خَطَّكَ، فَهَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ مَعَ سَلْمانَ الخَنْدَقَ والتِّسْعَةُ عَلى شَفِيرِ الخَنْدَقِ، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ المِعْوَلَ مِن سَلْمانَ فَضَرَبَها ضَرْبَةً صَدَعَها وبَرَقَ مِنها بَرْقٌ أضاءَ ما بَيْنَ لابَّتَيْها حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ وكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ تَكْبِيرَ فَتْحٍ فَكَبَّرَ المُسْلِمُونَ ثُمَّ ضَرَبَها الثّانِيَةَ فَبَرَقَ مِنها بَرْقٌ أضاءَ ما بَيْنَ لابَّتَيْها حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ وكَبَّرَ تَكْبِيرَ فَتْحٍ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ ثُمَّ ضَرَبَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الثّالِثَةَ فَكَسَرَها وبَرَقَ مِنها بَرْقٌ كَذَلِكَ فَكَبَّرَ تَكْبِيرَ فَتْحٍ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ وأخَذَ بِيَدِ سَلْمانَ ورَقِيَ، فَقالَ: سَلْمانُ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ رَأيْتُ شَيْئًا ما رَأيْتُ مِثْلَهُ قَطُّ فالتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ إلى القَوْمِ، فَقالَ: رَأيْتُمْ ما يَقُولُ سَلْمانُ؟
قالُوا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الأُولى فَبَرَقَ لِي الَّذِي رَأيْتُمْ أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورَ الحَيْرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ فَأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها ثُمَّ ضَرَبْتُ الثّانِيَةَ فَبَرَقَ لِي الَّذِي رَأيْتُمْ أضاءَتْ لِي مِنها القُصُورَ الحُمْرَ مِن أرْضِ الرُّومِ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الثّالِثَةَ فَبَرَقَ لِي الَّذِي رَأيْتُمْ أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورَ صَنْعاءَ كَأنَّها أنْيابُ الكَلامِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها فَأبْشِرُوا فاسْتَبْشَرَ المُسْلِمُونَ، وقالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ مَوْعِدَ صِدْقٍ وعَدَنا النَّصْرَ بَعْدَ الحَفْرِ، فَقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَعْجَبُونَ ويَعِدُكُمُ الباطِلَ ويُخْبِرُكم أنَّهُ يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قُصُورَ الحَيْرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى وأنَّها تُفْتَحُ لَكم وأنْتُمْ إنَّما تَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ مِنَ الفَرَقِ لا تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَبْرُزُوا لِلْقِتالِ“، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى القُرْآنَ: ﴿ وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا ﴾ وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ ﴾ الخ».
وأصْلُ (اَللَّهُمَّ) يا اللَّهُ فَحُذِفَتْ (يا) وعُوِّضَ عَنْها المِيمُ وأُوثِرَتْ لِقُرْبِها مِنَ الواوِ الَّتِي هي حَرْفُ عِلَّةٍ، وشُدِّدَتْ لِكَوْنِها عِوَضًا عَنْ حَرْفَيْنِ، وجَمْعُها مَعَ يا كَما في قَوْلِهِ: إنِّي إذا ما حَدَثٌ ألَمّا أقُولُ يا اللَّهُمَّ يا اللَّهُمّا شاذٌّ، وهَذا مِن خَصائِصِ الِاسْمِ الجَلِيلِ كَعَدَمِ حَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ مِنهُ مِن غَيْرِ مِيمٍ، ودُخُولِهِ عَلَيْهِ مَعَ حَرْفِ التَّعْرِيفِ وقَطْعِ هَمْزَتِهِ، ودُخُولِ تاءِ القَسَمِ عَلَيْهِ، واللّامِ في القَسَمِ التَّعَجُّبِيِّ نَحْوَ لَلَّهُ لا يُؤَخِّرُ الأجَلَ، ودُخُولِ اَيْمُنُ ويَمِينٍ عَلَيْهِ في القَسَمِ أيْضًا، ومِيمٍ في م اللَّهِ، ووُقُوعِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ خَلَفًا عَنْ حَرْفِ القَسَمِ نَحْوَ أللَّهِ، وحَرْفِ التَّنْبِيهِ في نَحْوِ لاها اللَّهِ ذا وغَيْرِ ذَلِكَ، فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ كُلُّ شَأْنِهِ غَرِيبٌ، وزَعَمَ الكُوفِيُّونَ أنَّ أصْلَهُ يا اللَّهَ آمَنّا بِخَيْرٍ أيْ أقَصَدْنا بِهِ فَخُفِّفَ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ ومُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ وهَمْزَتِهِ، ويَجُوزُ الجَمْعُ عِنْدَهم بَيْنَ يا والمِيمِ بِلا بَأْسٍ ولا يَخْفى ما فِيهِ، ويَقْتَضِي أنْ لا يَلِيَ هَذِهِ الكَلِمَةَ أمْرٌ دُعائِيٌّ آخَرُ إلّا بِتَكَلُّفِ الإبْدالِ مِن ذَلِكَ الفِعْلِ أوِ العَطْفِ عَلَيْهِ بِإسْقاطِ حَرْفِ العَطْفِ وألْ في المُلْكِ لِلْجِنْسِ أوِ الِاسْتِغْراقِ.
و(اَلْمُلْكِ) بِالضَّمِّ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ أئِمَّةِ التَّحْقِيقِ نِسْبَةً بَيْنَ مَن قامَ بِهِ ومَن تَعَلَّقَ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: صِفَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالغَيْرِ تَعَلُّقَ التَّصَرُّفِ التّامِّ المُقْتَضِي اِسْتِغْناءَ المُتَصَرِّفِ وافْتِقارَ المُتَصَرِّفِ فِيهِ ولِهَذا لَمْ يَصِحَّ عَلى الإطْلاقِ إلّا لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ، وهو أخَصُّ مِنَ المِلْكِ بِالكَسْرِ لِأنَّهُ تَعَلُّقٌ بِاسْتِيلاءٍ مَعَ ضَبْطٍ وتَمَكُّنٍ مِنَ التَّصَرُّفِ في المَوْضُوعِ اللُّغَوِيِّ وبِزِيادَةِ كَوْنِهِ حَقًّا في الشَّرْعِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى اِسْتِغْناءٍ وافْتِقارٍ، فَمالِكُ المُلْكِ هو المَلِكُ الحَقِيقِيُّ المُتَصَرِّفُ بِما شاءَ كَيْفَ شاءَ إيجادًا وإعْدامًا إحْياءً وإماتَةً وتَعْذِيبًا وإثابَةً مِن غَيْرِ مُشارِكٍ ولا مُمانِعٍ، ولِهَذا لا يُقالُ: مَلِكُ المُلْكِ إلّا عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ، وحَمْلُ (اَلْمُلْكِ) عَلى هَذا المَعْنى أوْفَقُ بِمَقامِ المَدْحِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ النُّبُوَّةُ وإلَيْهِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: المالُ والعَبِيدُ، وقِيلَ: الدُّنْيا والآخِرَةُ.
وانْتِصابُ ﴿ مالِكَ ﴾ عَلى الوَصْفِيَّةِ عِنْدَ المُبَرِّدِ والزَّجّاجِ وسِيبَوَيْهِ يُوجِبُ كَوْنَهُ نِداءً ثانِيًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِ (اَللَّهُمَّ) لِأنَّهُ لِاتِّصالِ المِيمِ بِهِ أشْبَهَ أسْماءَ الأصْواتِ وهي لا تُوصَفُ، ونُقِضَ دَلِيلُ سِيبَوَيْهِ بِسِيبَوَيْهِ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ فِيهِ اِسْمُ صَوْتٍ يُوصَفُ، وأُجِيبَ بِأنَّ اِسْمَ الصَّوْتِ تَرَكَّبَ مَعَهُ وصارَ كَبَعْضِ حُرُوفِ الكَلِمَةِ بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ، ومِن هُنا قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَوْلُ سِيبَوَيْهِ عِنْدِي أصَحُّ لِأنَّهُ لَيْسَ في الأسْماءِ المَوْصُوفَةِ شَيْءٌ عَلى حَدِّ اللَّهُمَّ ولِذَلِكَ خالَفَ سائِرَ الأسْماءِ ودَخَلَ في حَيِّزِ ما لا يُوصَفُ نَحْوَ حَيْهَلَ فَإنَّهُما صارا بِمَنزِلَةِ صَوْتٍ مَضْمُومٍ إلى اِسْمٍ فَلَمْ يُوصَفْ، والعَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ عَلى هَذا، وأُيِّدَ أيْضًا بِأنَّ وُقُوعَ خُلْفِ حَرْفِ النِّداءِ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ كَوُقُوعِ حَرْفِ النِّداءِ بَيْنَهُما فَلَوْ جازَ الوَصْفُ لَكانَ مَكانُ الخُلْفِ بَعْدَهُ.
﴿ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِبَعْضِ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ مالِكِيَّةُ المُلْكِ، وجُوِّزَ جَعْلُها حالًا مِنَ المُنادى وفي اِنْتِصابِ الحالِ عَنْهُ خِلافٌ، وصُحِّحَ الجَوازُ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والحالُ تَأْتِي مِنهُ كَما تَأْتِي مِنَ الفاعِلِ، وجَعْلُ الجُمْلَةِ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ أنْتَ تُؤْتِي، وإنِ اِخْتارَهُ أبُو البَقاءِ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ نَفْعٍ ﴿ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ تُؤْتِي ﴾ وحُكْمُهُ حُكْمُهُ، ومَفْعُولُ ﴿ تَشاءُ ﴾ في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ أيْ مَن تَشاءُ إيتاءَهُ إيّاهُ ومِمَّنْ تَشاءُ نَزْعَهُ مِنهُ، و(اَلْمُلْكَ) الثّالِثُ هو الثّانِي واللّامُ فِيهِما لِلْجِنْسِ أوِ العَهْدِ ولَيْسا هُما عَيْنُ الأوَّلِ، لِأنَّ الأوَّلَ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ حَقِيقِيٌّ عامَّ ومَمْلُوكِيَّتُهُ حَقِيقِيَّةٌ والآخَرانِ مَجازِيّانِ خاصّانِ ونِسْبَتُهُما إلى صاحِبِهِما مَجازِيَّةٌ، واعْتَبَرَ بَعْضُهم في التَّفْرِقَةِ كَوْنَ المُرادِ مِنَ الأوَّلِ الجَمِيعَ ومِنَ الآخِرَيْنَ البَعْضَ، ضَرُورَةَ أنَّ المُؤْتى لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الجَمِيعَ والمَنزُوعُ هو ذاكَ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ مُعادَةٌ، ويُرادُ بِها -إنْ لَمْ يَمْنَعْ مانِعٌ- عَيْنُ الأوَّلِ ولِأنَّهُ إذا لَمْ يُمْكِنُ إيتاءُ الكُلِّ لَمْ يُمْكِنْ نَزْعُ الكُلِّ لِأنَّ الثّانِي مَسْبُوقٌ بِالأوَّلِ.
ومِنَ النّاسِ مِن حَمَلَ (اَلْمُلْكَ) هُنا عَلى النُّبُوَّةِ ومَعْنى نَزْعِها هُنا نَقْلُها مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ أيْ تُؤْتِي النُّبُوَّةَ بَنِي إسْرائِيلَ وتَنْقُلُها مِنهم إلى العَرَبِ، وقِيلَ: المَعْنى تُعْطِي أسْبابَ الدُّنْيا مُحَمَّدًا وأُمَّتَهُ وتَسْلُبُها مِنَ الرُّومِ وفارِسَ، فَلا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تُفْتَحَ بِلادُهم ويَمْلِكُ ما في أيْدِيهِمُ المُسْلِمُونَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، وقِيلَ: تَنْزِعُهُ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ.
﴿ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ ﴾ أنْ تُعِزَّهُ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما بِالنَّصْرِ والتَّوْفِيقِ ﴿ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ ﴾ أنْ تُذِلَّهُ في إحْداهُما أوْ فِيهِما مِن غَيْرِ مُمانِعَةِ الغَيْرِ، وقِيلَ: المُرادُ تُعِزُّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ بِأنْ تُدْخِلَهم مَكَّةَ ظاهِرِينَ وتُذِلُّ أبا جَهْلٍ وأضْغاثَ الشِّرْكِ بِالقَتْلِ والإلْقاءِ في القَلِيبِ، وقالَ عَطاءٌ: تُعِزُّ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ وتُذِلُّ فارِسَ والرُّومِ، وقِيلَ: تُعِزُّ المُؤْمِنِينَ بِالظَّفْرِ والغَنِيمَةِ وتُذِلُّ اليَهُودَ بِالقَتْلِ والجِزْيَةِ، وقِيلَ: تُعِزُّ بِالإخْلاصِ وتُذِلُّ بِالرِّياءِ، وقِيلَ: تُعِزُّ الأحْبابَ بِالجَنَّةِ والرُّؤْيَةِ وتُذِلُّ الأعْداءَ بِالنّارِ والحِجابِ؛ وقِيلَ: تُعِزُّ بِالقَناعَةِ والرِّضا وتُذِلُّ بِالحِرْصِ والطَّمَعِ وقِيلَ وقِيلَ، ويَنْبَغِي حَمْلُ سائِرِ الأقْوالِ عَلى التَّمْثِيلِ لِأنَّهُ لا مُخَصَّصَ في الآيَةِ، و”تُعِزُّ“ مُضارِعُ أعَزَّ ضِدُّ أذَلَّ، والمُجَرَّدُ مِنَ الهَمْزَةِ مِنهُ عَزَّ ومُضارِعُهُ يُعِزُّ بِكَسْرِ العَيْنِ، ومِنهُ ما في دُعاءِ قُنُوتِ الشّافِعِيَّةِ، ولَهُ اِسْتِعْمالانِ آخَرانِ الضَّمُّ والفَتْحُ، وقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ الإمامُ السُّيُوطِيُّ بِقَوْلِهِ: يا قارِئًا كُتُبَ الآدابِ كُنْ يَقِظًا ∗∗∗ وحَرِّرِ الفَرْقَ في الأفْعالِ تَحْرِيرا (عَزَّ) المُضاعَفُ يَأْتِي في مُضارِعِهِ ∗∗∗ تَثْلِيثُ عَيْنٍ بِفَرْقٍ جاءَ مَشْهُورا فَما كَقَلَّ وضِدُّ (اَلذُّلِّ) مَعَ عِظَمٍ ∗∗∗ كَذا كَرُمْتَ عَلَيْنا جاءَ مَكْسُورا وما كَعَزَّ عَلَيْنا الحالُ أيْ صَعُبَتْ ∗∗∗ فافْتَحْ مُضارِعَهُ إنْ كُنْتَ نِحْرِيرا وهَذِهِ الخَمْسَةُ الأفْعالُ لازِمَةٌ ∗∗∗ واضْمُمْ مُضارِعَ فَعَلَ لَيْسَ مَقْصُورا (عَزَزْتَ) زَيْدًا بِمَعْنى قَدْ غَلَبْتَ كَذا ∗∗∗ أعَنْتَهُ فَكِلا ذا جاءَ مَأْثُورا وقِيلَ: إذا كُنْتَ في ذِكْرِ القُنُوتِ ولا ∗∗∗ (يَعِزُّ) يا رَبِّ مَن عادَيْتَ مَكْسُورا واشْكُرْ لِأهْلِ عُلُومِ الشَّرْعِ إذْ شَرَحُوا ∗∗∗ لَكَ الصَّوابَ وأبْدَوْا فِيهِ تَذْكِيرا ﴿ بِيَدِكَ الخَيْرُ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وأجْراها بَعْضُهم عَلى طُرُزِ ما قَبْلَها، وتَعْرِيفُ الخَيْرِ لِلتَّعْمِيمِ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلتَّخْصِيصِ أيْ: بِيَدِكَ الَّتِي لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها وبِقُدْرَتِكَ الَّتِي لا يُقَدَّرُ قَدْرُها الخَيْرُ كُلُّهُ تَتَصَرَّفُ بِهِ أنْتَ وحْدَكَ حَسَبَ مَشِيئَتِكَ لا يَتَصَرَّفُ بِهِ أحَدٌ غَيْرُكُ ولا يَمْلِكُهُ أحَدٌ سِواكَ، وإنَّما خَصَّ الخَيْرَ بِالذِّكْرِ تَعْلِيمًا لِمُراعاةِ الأدَبِ وإلّا فَذِكْرُ الإعْزازِ والإذْلالِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ كِلاهُما بِيَدِهِ سُبْحانَهُ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى المَسُوقُ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ وتَحْقِيقِهِ.
﴿ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَلا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ، وقِيلَ: إنَّما اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَمّا أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ ما آتى اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ مِنَ البِشارَةِ بِالفُتُوحِ وتَرادُفِ الخَيْراتِ، وقِيلَ: لَمّا أنَّ الأشْياءَ بِاعْتِبارِ الشَّرِّ وعَدَمِهِ تَنْقَسِمُ إلى خَمْسَةِ أقْسامٍ: الأوَّلُ: ما لا شَرَّ فِيهِ أصْلًا، والثّانِي: ما يَغْلِبُ خَيْرُهُ عَلى شَرِّهِ، والثّالِثُ: ما يَكُونُ شَرًّا مَحْضًا، والرّابِعُ: ما يَكُونُ شَرُّهُ غالِبًا عَلى خَيْرِهِ، والخامِسُ: ما يَتَساوى الخَيْرُ والشَّرُّ فِيهِ.
والمَوْجُودُ مِن هَذِهِ الأقْسامِ في العالَمِ القِسْمُ الأوَّلُ والثّانِي، والشَّرُّ الَّذِي فِيهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذّاتِ بَلْ إنَّما قَضاهُ اللَّهُ تَعالى لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ وهو وسِيلَةٌ إلى خَيْرٍ أعْظَمَ وأعَمَّ نَفْعًا؛ والشَّرُّ اليَسِيرُ مَتى كانَ وسِيلَةً إلى الخَيْرِ الكَثِيرِ كانَ اِرْتِكابُهُ مَصْلَحَةً تَقْتَضِيها الحِكْمَةُ ولا يَأْباها الكَرَمُ المُطْلَقُ، ألا تَرى أنَّ الفَصْدَ والحِجامَةَ وشُرْبَ الدَّواءِ الكَرِيهِ وقَطْعَ السِّلْعَةِ ونَحْوِها مِنَ الأُمُورِ المُؤْلِمَةِ لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلى حُصُولِ الصِّحَّةِ يَحْسُنُ اِرْتِكابُهُ في مُقْتَضى الحِكْمَةِ ويُعَدُّ خَيْرًا لا شَرًّا وصِحَّةً لا مَرَضًا، وكُلُّ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى بِما نَراهُ شَرًّا مِن هَذا القَبِيلِ، ولِهَذا ورَدَ في الحَدِيثِ: «”لا تَتَّهِمُ اللَّهَ تَعالى عَلى نَفْسِكَ“،» ووَرَدَ: «”لا تَكْرَهُوا الفِتَنَ فَإنَّ فِيها حَصادَ المُنافِقِينَ“،» وجاءَ: «”لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَخِفْتُ عَلَيْكم ما هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ العُجْبَ العُجْبَ“،» ومِن هُنا قِيلَ: يا مَن إفْسادُهُ صَلاحٌ فَما قَدَّرَ مِنَ المَفاسِدِ لِتَضَمُّنِهِ المَصالِحَ العَظِيمَةَ اِغْتَفِرْ ذَلِكَ القَدْرَ اليَسِيرَ في جَنْبِها لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلَيْها وما أدّى إلى الخَيْرِ فَهو خَيْرٌ فَكُلُّ شَرٍّ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِكَوْنِهِ لَمْ يُقْصَدْ بِالذّاتِ لِأنَّ أحْكامَ القَضاءِ والقَدَرِ كَما قالُوا جارِيَةٌ عَلى سُنَنِ ما اِتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الشَّرائِعُ كُلُّها مِنَ النَّظَرِ إلى جَلْبِ المَصالِحِ وذَبِّ المَفاسِدِ بَلْ بِالعَرْضِ لِما يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ الخَيْرِ الأعْظَمِ والنَّفْعِ الأتَمِّ يَصْدُقُ عَلَيْهِ بِهَذا الِاعْتِبارِ أنَّهُ خَيْرٌ فَدَخَلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِيَدِكَ الخَيْرُ ﴾ فَلِذا اِقْتَصَرَ عَلى الخَيْرِ عَلى وجْهٍ أنَّهُ شامِلٌ لِما قَصَدَ أصْلًا ولِما وقَعَ اِسْتِلْزامًا، وهَذا مِن بابِ لَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِمّا كانَ، وقَدْ دَرَجَ حُكَماءُ الإسْلامِ عَلَيْهِ ولا يُعْبَأُ بِمَن وجَّهَ سِهامَ الطَّعْنِ إلَيْهِ، وفي «شَرْحِ الهَياكِلِ» أنَّ الشَّرَّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ وصادِرٌ بِالتَّبَعِ، لِما أنَّ بَعْضَ ما يَتَضَمَّنُ الخَيْراتِ الكَثِيرَةَ قَدْ يَسْتَلْزِمُ الشَّرَّ القَلِيلَ فَكانَ تَرْكُ الخَيْراتِ الكَثِيرَةِ لِأجْلِ ذَلِكَ الشَّرِّ القَلِيلِ شَرًّا كَثِيرًا، فَصَدَرَ عَنْكَ ذَلِكَ الخَيْرُ فَلَزِمَهُ حُصُولُ ذَلِكَ الشَّرِّ وهو مِن حَيْثُ صُدُورُهُ عَنْكَ خَيْرٌ إذْ عَدَمُ صُدُورِهِ شَرٌّ لِتَضَمُّنِهِ فَواتَ ذَلِكَ الخَيْرِ فَأنْتَ المُنَزَّهُ عَنِ الفَحْشاءِ مَعَ أنَّهُ لا يَجْرِي في مُلْكِكَ إلّا ما تَشاءُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ القَوْلِ بِوُجُوبِ الأصْلَحِ، ولا يُنافِيهِ ﴿ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ ﴾ إذْ لا يَفْعَلُ ما يُسْألُ عَنْهُ كَرَمًا وحِكْمَةً وُجُودًا ومِنَّةً «ولَوِ اِطَّلَعْتُمْ عَلى الغَيْبِ لاخْتَرْتُمُ الواقِعَ».
<div class="verse-tafsir"
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ قال ابن عباس في رواية أبي صالح: نزلت في شأن المنافقين، وذلك أن رسول الله لما فتح مكة قال عبد الله بن أبي رأس المنافقين: إن محمداً يتمنى أن ينال ملك فارس والروم وأنَّى له ذلك؟
فنزلت هذه الآية.
وقال بعضهم سأل النبي ربه، أن يجعل له ملك فارس والروم في أمته، فعلمه الله بأن يدعو بهذا الدعاء، وهو قول مقاتل وقال بعضهم: إن النبيّ لما أمر بحفر الخندق، فظهر في الخندق صخرة عجزوا عن حفرها، فأخذ النبيّ المعول، وضرب ضربة، فظهر من تلك الصخرة نور فقال له سلمان: رأيت شيئاً عجيباً.
فقال له النبي: «هَلْ رَأَيْتَ ذلك» ؟
قال: نعم.
فقال: رأيت في ذلك النور قصور أهل الشام، ثم ضرب ضربة أخرى، فظهر أيضاً كذلك.
فقال: رأيت قصور أهل فارس.
فقال رسول الله : «سَيَظْهَرُ لأُمَّتِي مُلْكُ الشَّامِ، وَمُلْكُ فَارِسَ» .
فقال المنافقون: إن محمداً لا يأمن على نفسه، واضطر إلى حفر الخندق، فكيف يتمنى ملك الشام وفارس، فنزلت هذه الآية.
وقال بعضهم إن مشركي مكة قالوا: إن فارس والروم يبيتان في الحرير والديباج، فلو كان هو نبياً، كيف ينام على الحصير؟
فنزلت هذه الآية قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وأصل اللهم في اللغة يا الله أمنا بخير، أي اقْصِدْنا بالرحمة، ولكن لما كثر استعمال هذا اللفظ في الناس صارت الكلمتان ككلمة واحدة.
فقال: اللَّهُمَّ، يعني اللهم يا مالك الملك، تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ يعني تؤتي محمدا ومن تبعه وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ من فارس والروم وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ يعني أهل الإسلام وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ يعني أهل الشرك والطغيان بِيَدِكَ الْخَيْرُ يعني النصرة والغنيمة والعز إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الذل والعز وقال الضحاك: تؤتي الملك من تشاء، يعني الإسلام، وتعز من تشاء بالإسلام، وتذل من تشاء بالشرك، بيدك الخير، يعني الهداية والسعادة، إِنَّكَ على كُلّ شَىْء قدير.
وقال الزَّجَّاج: تؤتى الملك من تشاء، معناه تولي الملك من تشاء أن تؤتيه، وتنزع الملك ممن تشاء أن تنزعه، إلا أنه حذف الهاء، لأن في الكلام دليلاً عليه.
قال مقاتل: وقد قيل في الملك قولان: أحدهما هو المال والعبيد، والآخر من جهة الغلبة بالدين ثم قال تعالى تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ يعني ما نقص من الليل دخل في النهار، حتى يبلغ خمسة عشرة ساعة هو أطول ما يكون، والليل تسع ساعات، وهو أقصر ما يكون وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ يعني أن ما نقص من النهار دخل في الليل، حتى يصير الليل خمس عشرة ساعة، والنهار تسع ساعات.
وهو قول الكلبي.
ويقال: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ أي تذهب بالليل، وتجيء بالنهار، وتذهب بالنهار، وتجيء بالليل، هكذا إلى أن تقوم الساعة.
ثم قال وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ فقرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص المَيِّت بالتشديد، والباقون المَيْت بالتخفيف، وهما لغتان ومعناهما واحد.
قال الكلبي: يعني تخرج البيضة، وهي ميتة من الطير، وهو حي، وتخرج الطير الحي من البيضة الميتة، وتخرج النطفة، وهي ميتة من الإنسان الحي، وتخرج الإنسان الحي من النطفة الميتة، وتخرج الحبة من السنبلة إلى آخره.
وقال الحسن البصري: يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن.
ويقال: يخرج الجاهل من العالم، ويخرج العالم من الجاهل.
وروى معمر عن الزهري أن رسول الله دخل على بعض نسائه، فإذا بامرأة حسنة الهيئة فقال: «مَنْ هذه؟» قالوا إحدى خالاتك.
قال: «وَمَنْ هِيَ؟» قالوا هي خالدة بنت الأَسْوَد بن عَبْد يغوث.
فقال رسول الله : «سُبْحَانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ» ، وكانت امرأة صالحة، وكان أبوها كافراً.
ثم قال تعالى: وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ يعني من غير أن تحاسب في الإعطاء، فكأنه يقول: ليس فوقه من يحاسبه في الإعطاء.
كما قال تعالى: لاَّ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: 23] ويقال: من غير أن يحاسبه في الإعطاء.
ويقال: بغير تقتير.
ويقال: بغير حساب كما قال وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يحتسب.
<div class="verse-tafsir"
وأمته، على جهة التوقيفِ والتعجيب: فكيف حالُ هؤلاءِ المغترِّين بالأباطيل، إِذا حشروا يوم القيامة، واضمحلت تلك الزخارفُ والدعاوى، وجوَّزوا بما اكتسبوه مِنْ كفرهم، وأعمالهم القبيحة، قال ابن عطيَّة: والصحيحُ في يوم القيامةِ أنَّه يَوْمٌ لأنَّ قبله ليلةٌ، وفيه شَمْسٌ «١» ، وقال النقَّاش: المراد باليوم الوقت.
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧) لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)
وقوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ...
الآية: هو سبحانه وتعالى مالكُ الملكِ كلِّه مطلقاً في جميع أنواعه، وأشرفُ ملكٍ يؤتيه عباده سعادةُ الآخرة، رُوِيَ أنَّ الآية نزلَتْ بسبب أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بشَّر أُمَّتَه بفتح مُلْك فارس وغيره، فقالَتِ اليهودُ والمنافقُونَ: هَيْهَاتَ، وكذَّبوا بذلك.
ومذهب البصريِّين أن الأصل في «اللَّهُمَّ» : يَا أَللَّهُ، فعوِّض من ياء النداءِ ميماً مشدَّدة.
و «مالك» : نصْبٌ على النداء، وخص تعالى الخَيْر بالذكْر، وهو تعالى بيده كلُّ شيء إِذ الآية في معنى دعاء ورغبة، فكأنَّ المعنى: بِيَدِكَ الخَيْرُ فأجزِلْ حظِّي منه، قال النوويُّ: ورُوِّينَا في كتاب «التِّرْمذيِّ» وغيره، عن عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب (رضي اللَّه عنه) أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم/ قَالَ: «مَنْ دَخَلَ السُّوقَ، فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه وَحْده لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ» «٢» ، ورواه الحاكمُ أبو عبد اللَّه في «المُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» من طرق كثيرةٍ، وزاد فيه في بعْضِ طرقه: «وبنى لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ» قال الحاكمُ: وفي الباب، عن جابر،
وأبي هريرة، وبُرَيْدَة الأسلميِّ.
اهـ من «الحلية» «١» .
وقال ابن عبَّاس وغيره في معنى قوله تعالى: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ...
الآية: إنه ما ينتقصُ من النهار، فيزيد في الليل، وما ينتقصُ من الليلِ، فيزيدُ في النَّهار دَأَباً كلَّ فَصْلٍ من السنة «٢» ، وتحتملُ ألفاظُ الآية أنْ يدخل فيها تعاقُبُ الليلِ والنهارِ كأن زوالَ أحدهما وُلُوجٌ في الآخر.
واختلف في معنى قوله تعالى: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ...
الآيةَ:
فقال الحسَنُ: معناهُ: يُخْرِجُ المؤمِنَ من الكافر، والكافِرَ من المؤمن «٣» ، وروي نحْوَه، عن سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ «٤» ، وروى الزُّهْرِيُّ، أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، لمَّا سَمِعَ نَغْمَةَ «٥» خَالِدَةَ بِنْتِ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ» فأُخْبِرَ بِهَا، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «سُبْحَانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ» ، وكَانَتِ امرأة صَالِحَةً، وكَانَ أَبُوهَا كَافِراً «٦» ، والمرادُ على هذا:
موتُ قلبِ الكافرِ، وحياةُ قَلْب المؤمن.
وذهب جمهورٌ كثيرٌ إِلى أنَّ الحياة والمَوْتَ في الآية حقيقةٌ، لا أنها استعارةٌ، ثم اختلفوا في المُثُلِ التي فسَّروا بها.
فقال ابن مسعود: هي النُّطْفة، تخْرُج من الرجُلِ، وهي ميتة، وهو حيٌّ، ويخرج الرجلُ منْها، وهي ميتة «١» .
وقال عكرمة: هو إِخراج الدَّجَاجة، وهي حية، مِن البَيْضَة، وهي ميتة، وإِخراج البيضة، وهي ميتة من الدَّجَاجة، وهي حية «٢» .
وروى السُّدِّيُّ، عن أبي مالكٍ، قال: هي الحبَّة تَخْرُجُ من السنبلةِ، والسنبلةُ تخرجُ من الحبَّة، وكذلك النَّوَاة «٣» .
وقوله تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ ...
الآية: هذا النهْيُ عن الاِتخاذِ، إِنما هو عن إِظهار اللُّطْفِ للكفَّار، والميلِ إِليهم، فأما أنْ يتخذوا بالقَلْب، فلا يفعل ذلك مؤمن، ولفظ الآية عامٌّ في جميع الأعصار.
واختلف في سَبَب نزولها، فقال ابنُ عَبَّاس: في كَعْبِ بْنِ الأَشْرَف وغيره، قد بطنوا بنَفَرٍ من الأنصار، ليفتنُوهم عن دِينِهِمْ، فنزلَتْ في ذلك الآيةُ «٤» ، وقال قومٌ: نزلَتْ في قصَّة حاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وكتابِه إلى أهْل مكَّة «٥» ، والآيةُ عامَّة في جميع هذا.
وقوله تعالى: فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ: معناه: في شيءٍ مَرْضِيٍّ كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا» «٦» ، ثم أباح سبحانه إِظهار اتخاذهم بشرط الاِتقاءِ، فأما إِبطانه، فلا يصحُّ أن يتصف به مؤمنٌ في حالٍ.
وقوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ ...
إلى آخر الآية: وعيد وتنبيه ووعظ وتذكير بالآخرة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ النَّبِيَّ ، لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ، ووَعَدَ أُمَّتَهُ مُلْكَ فارِسٍ والرُّومِ، قالَ المُنافِقُونَ واليَهُودَ: هَيْهاتَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، والثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ سَألَ رَبَّهُ أنَّ يَجْعَلَ مُلْكَ فارِسٍ والرُّومِ في أُمَّتِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، حَكاهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: واللَّهِ لا نُطِيعُ رَجُلًا جاءَ يَنْقُلُ النُّبُوَّةَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى غَيْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: قالَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ المَوْثُوقِ بِعِلْمِهِمْ: "اللَّهُمَّ" بِمَعْنى "يا اللَّهُ" و"المِيمُ" المُشَدَّدَةُ زِيدَتْ عِوَضًا مِن "ياءٍ" لِأنَّهم لَمْ يَجِدُوا "يا" مَعَ هَذِهِ "المِيمِ" في كَلِمَةٍ، ووَجَدُوا اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُسْتَعْمَلًا بِـ"يا" إذا لَمْ تُذْكَرِ المِيمُ، فَعَلِمُوا أنَّ المِيمَ في آَخِرِ الكَلِمَةِ بِمَنزِلَةِ "يا" في أوَّلِها.
والضَّمَّةُ الَّتِي في "الهاءِ" هي ضَمَّةُ الِاسْمِ المُنادى المُفْرَدِ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: ومَعْنى "مالِكَ المُلْكِ" أنَّهُ بِيَدِهِ، يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، قالَ: وقَدْ يَكُونُ مَعْناهُ: مالِكُ المُلُوكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: وارِثُ المُلْكِ يَوْمَ لا يَدَّعِيهِ مُدَّعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ ﴾ في هَذا المُلْكِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ المالُ، والعَبِيدُ، والحَفَدَةُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ، يَعْنِي مُحَمَّدًا وأُمَّتَهُ، وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، يَعْنِي فارِسَ والرُّومَ.
﴿ وَتُعِزُّ مَن تَشاءُ ﴾ مُحَمَّدًا وأُمَّتَهُ ﴿ وَتُذِلُّ مَن تَشاءُ ﴾ فارِسٌ والرُّومُ.
وبِماذا يَكُونُ هَذا العِزُّ والذُّلُّ؟
فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: العِزُّ بِالنَّصْرِ، والذُّلُّ بِالقَهْرِ، والثّانِي: العِزُّ بِالغِنى، والذُّلُّ بِالفَقْرِ، والثّالِثُ: العِزُّ بِالطّاعَةِ، والذُّلُّ بِالمَعْصِيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِيَدِكَ الخَيْرُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي النَّصْرَ والغَنِيمَةَ، وقِيلَ: مَعْناهُ بِيَدِكَ الخَيْرُ والشَّرُّ، فاكْتَفى بِأحَدِهِما، لِأنَّهُ المَرْغُوبُ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلِ اللهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكِ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكِ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ تُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ وتُولِجُ النَهارِ في اللَيْلَ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ وتَرْزُقُ مِنَ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دافِعَةٌ لِباطِلِ نَصارى نَجْرانَ في قَوْلِهِمْ: إنَّ عِيسى هو اللهُ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأوصافَ تُبَيِّنُ لِكُلِّ صَحِيحِ الفِطْرَةِ؛ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنها، وقالَ قَتادَةُ: "ذُكِرَ لَنا «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ في أُمَّتِهِ مُلْكَ فارِسَ والرُومِ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» وقالَ مُجاهِدٌ: المُلْكُ في هَذِهِ الآيَةِ: النُبُوَّةُ.
والصَحِيحُ أنَّهُ مالِكُ المُلْكِ كُلِّهِ مُطْلَقًا في جَمِيعِ أنْواعِهِ، وأشْرَفُ مُلْكٍ يُؤْتِيهِ سَعادَةُ الآخِرَةِ، ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بَشَّرَ أُمَّتَهُ بِفَتْحِ مُلْكِ فارِسَ وغَيْرِهِ فَقالَتِ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ: هَيْهاتَ وكَذَّبُوا ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في تَرْكِيبِ لَفْظَةِ "اللهُمَّ" بَعْدَ إجْماعِهِمْ عَلى أنَّها مَضْمُومَةُ الهاءِ مُشَدَّدَةُ المِيمِ المَفْتُوحَةِ وأنَّها مُنادى، ودَلِيلُ ذَلِكَ أنَّها لا تَأْتِي مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى خَبَرٍ، فَمَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ والبَصْرِيِّينَ أنَّ الأصْلَ: "يا اللهُ"، فَلَمّا اسْتُعْمِلَتِ الكَلِمَةُ دُونَ حَرْفِ النِداءِ الَّذِي هو "يا" جَعَلُوا بَدَلَ حَرْفِ النِداءِ هَذِهِ المِيمَ المُشَدَّدَةَ، والضَمَّةُ في الهاءِ هي ضَمَّةُ الِاسْمِ المُنادى المُفْرَدِ، وذَهَبَ حَرْفانِ فَعُوِّضَ بِحَرْفَيْنِ.
ومَذْهَبُالفَرّاءِ والكُوفِيِّينَ أنَّ أصْلَ "اللهُمَّ" يا اللهَ أُمَّ: أيْ أُمَّ بِخَيْرٍ، وأنَّ ضَمَّةَ الهاءِ هي ضَمَّةُ الهَمْزَةِ الَّتِي كانَتْ في "أُمَّ" نُقِلَتْ.
ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذا القَوْلِ وقالَ: مُحالٌ أنْ يُتْرَكَ الضَمُّ الَّذِي هو دَلِيلٌ عَلى نِداءِ المُفْرَدِ وأنْ تُجْعَلَ في اسْمِ اللهِ ضَمَّةُ "أُمَّ"، هَذا إلْحادٌ في اسْمِ اللهِ تَعالى.
وهَذا غُلُوٌّ مِنَ الزَجّاجِ.
وقالَ أيْضًا: إنَّ هَذا الهَمْزَ الَّذِي يُطْرَحُ في الكَلامِ، فَشَأْنُهُ أنْ يُؤْتى بِهِ أحْيانًا كَما قالُوا: ويْلُمِّهِ في ويْلُ أُمِّهِ، والأكْثَرُ إثْباتُ الهَمْزَةِ، وما سُمِعَ قَطُّ يا اللهَ أُمَّ في هَذا اللَفْظِ.
وقالَ أيْضًا: ولا تَقُولُ العَرَبُ يا اللهُمَّ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ حَرْفُ النِداءِ عَلى "اللهُمَّ" وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ: وما عَلَيْكِ أنْ تَقُولِي كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحْتِ أو هَلَّلْتِ ياللهُمَّ ما ارْدُدْ عَلَيْنا شَيْخَنا مُسَلَّما قالُوا: فَلَوْ كانَتِ المِيمُ عِوَضًا مِن حَرْفِ النِداءِ لَما اجْتَمَعا.
قالَ الزَجّاجُ: وهَذا شاذٌّ لا يُعْرَفُ قائِلُهُ، ولا يُتْرَكُ لَهُ ما في كِتابِ اللهِ وفي جَمِيعِ دِيوانِ العَرَبِ.
قالَ الكُوفِيُّونَ: وإنَّما تُزادُ المِيمُ مُخَفَّفَةً في فَمِ وابْنَمِ ونَحْوِهِ، فَأمّا مِيمٌ مُشَدَّدَةٌ فَلا تُزادُ.
قالَ البَصْرِيُّونَ: لَمّا ذَهَبَ حَرْفانِ، عُوِّضَ بِحَرْفَيْنِ.
و"مالِكَ" نُصِبَ عَلى النِداءِ، نَصَّ سِيبَوَيْهِ "عَلى" ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ وقالَ: إنَّ "اللهُمَّ" لا يُوصَفُ لِأنَّهُ قَدْ ضُمَّتْ إلَيْهِ المِيمُ، قالَ الزَجّاجُ: و"مالِكَ" عِنْدِي صِفَةٌ لِاسْمِ اللهِ تَعالى، وكَذَلِكَ ( فاطِرِ السَماواتِ ) قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو مَذْهَبُ أبِي العَبّاسِ، وما قالَ سِيبَوَيْهِ أصْوَبُ، وذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ في الأسْماءِ المَوْصُوفَةِ شَيْءٌ عَلى حَدِّ "اللهُمَّ" لِأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ ضُمَّ إلَيْهِ صَوْتٌ، والأصْواتُ لا تُوصَفُ، نَحْوَ، "غاقِ" وما أشْبَهَهُ.
وكَأنَّ حُكْمَ الِاسْمِ المُفْرَدِ أنْ لا يُوصَفَ، وإنْ كانُوا قَدْ وصَفُوهُ في مَواضِعَ، فَلَمّا ضُمَّ هُنا ما لا يُوصَفُ إلى ما كانَ قِياسُهُ ألّا يُوصَفَ صارَ بِمَنزِلَةِ صَوْتٍ ضُمَّ إلى صَوْتٍ نَحْوِ "حَيْهَلَ" فَلَمْ يُوصَفْ.
قالَ النَضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ، مَن قالَ: اللهُمَّ، فَقَدْ دَعا اللهَ بِجَمِيعِ أسْمائِهِ كُلِّها، وقالَ الحَسَنُ: اللهُمَّ مَجْمَعُ الدُعاءِ.
وخَصَّ اللهُ تَعالى: "الخَيْرُ" بِالذِكْرِ وهو تَعالى بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، إذِ الآيَةُ في مَعْنى دُعاءٍ وَرَغْبَةٍ، فَكَأنَّ المَعْنى: بِيَدِكَ الخَيْرُ فَأجْزِلْ حَظِّي مِنهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِيَدِكَ الخَيْرُ والشَرُّ فَحُذِفَ لِدَلالَةِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، كَما قالَ: ﴿ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ .
قالَ النَقّاشُ: بِيَدِكَ الخَيْرُ أيِ: النَصْرُ والغَنِيمَةُ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ أحَدِهِما.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ والسُدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ ﴾ ....
الآيَةِ: أنَّهُ ما يَنْتَقِصُ مِنَ النَهارِ فَيَزِيدُ في اللَيْلِ، وما يَنْتَقِصُ مِنَ اللَيْلِ فَيَزِيدُ في النَهارِ، دَأبًا كُلَّ فَصْلٍ مِنَ السَنَةِ، وتَحْتَمِلُ ألْفاظُ الآيَةِ أنْ يَدْخُلَ فِيها تَعاقُبُ اللَيْلِ والنَهارِ كَأنَّ زَوالَ أحَدِهِما وُلُوجٌ في الآخَرِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ ....
الآيَةِ، فَقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ تُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عن سَلْمانَ الفارِسِيِّ.
ورَوى الزُهْرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ دَخَلَ عَلى بَعْضِ أزْواجِهِ فَإذا بِامْرَأةٍ حَسَنَةِ النَغْمَةِ فَقالَ: "مَن هَذِهِ؟
قالَتْ: إحْدى خالاتِكَ، فَقالَ: إنَّ خالاتِي بِهَذِهِ البَلْدَةِ لَغَرائِبٌ، أيُّ خالاتِي هِيَ؟
قالَتْ: خالِدَةُ بِنْتُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقالَ النَبِيُّ : سُبْحانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ"» وكانَتِ امْرَأةً صالِحَةً، وكانَ أبُوها كافِرًا وهو أحَدُ المُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ كُفِيَهُمُ النَبِيُّ .
عَلَيْهِ السَلامُ.
فالمُرادُ عَلى هَذا القَوْلِ مَوْتُ قَلْبِ الكافِرِ وحَياةُ قَلْبِ المُؤْمِنِ، والحَياةُ والمَوْتُ مُسْتَعارانِ.
وذَهَبَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الحَياةَ والمَوْتَ في الآيَةِ إنَّما هُما الحَياةُ حَقِيقَةً والمَوْتُ حَقِيقَةً لا بِاسْتِعارَةٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُثُلِ الَّتِي فَسَّرُوا بِها فَقالَ عِكْرِمَةُ: هو إخْراجُ الدَجاجَةِ وهي حَيَّةٌ مِنَ البَيْضَةِ وهي مَيِّتَةٌ، وإخْراجُ البَيْضَةِ وهي مَيِّتَةٌ مِنَ الدَجاجَةِ وهي حَيَّةٌ، ولَفْظُ الإخْراجِ في هَذا المِثالِ وما ناسَبَهُ لَفْظٌ مُتَمَكِّنٌ عَلى عُرْفِ اسْتِعْمالِهِ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: هي النُطْفَةُ تَخْرُجُ مِنَ الرَجُلِ وهي مَيِّتَةٌ وهو حَيٌّ، ويَخْرُجُ الرَجُلُ مِنها وهي مَيِّتَةٌ.
ولَفْظُ الإخْراجِ في تَنَقُّلِ النُطْفَةِ حَتّى تَكُونَ رَجُلًا إنَّما هو عِبارَةٌ عن تَغَيُّرِ الحالِ، كَما تَقُولُ في صَبِيٍّ جَيِّدِ البِنْيَةِ: يَخْرُجُ مِن هَذا رَجُلٌ قَوِيٌّ، وهَذا المَعْنى يُسَمِّيهِ ابْنُ جِنِّيٍّ: التَجْرِيدَ، أيْ تَجَرُّدُ الشَيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ هو خُرُوجٌ.
وقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ) أنْ يُرادَ بِهِ أنَّ الحَيَوانَ كُلَّهُ يُمِيتُهُ فَهَذا هو مَعْنى التَجْرِيدِ بِعَيْنِهِ، وأنْشَدَ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى ذَلِكَ: أفاءَتْ بَنُو مَرْوانَ ظُلْمًا دِماءَنا ∗∗∗ ∗∗∗ وفي اللهِ - إنْ لَمْ يُنْصِفُوا- حَكَمٌ عَدْلُ ورَوى السُدِّيُّ عن أبِي مالِكٍ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: هي الحَبَّةُ تَخْرُجُ مِنَ السُنْبُلَةِ، والسُنْبُلَةُ تَخْرُجُ مِنَ الحَبَّةِ، والنَواةُ تَخْرُجُ مِنَ النَخْلَةِ، والنَخْلَةُ تَخْرُجُ مِنَ النَواةِ، والحَياةُ في النَخْلَةِ والسُنْبُلَةِ تَشْبِيهٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: بِغَيْرِ حِسابٍ مِنكَ، لِأنَّهُ تَعالى لا يَخافُ أنْ تُنْتَقَصَ خَزائِنُهُ، هَذا قَوْلُ الرَبِيعِ وغَيْرِهِ.
وقِيلَ: مَعْنى بِغَيْرِ حِسابٍ: أيْ مِن أحَدٍ لَكَ، لِأنَّهُ تَعالى لا مُعَقِّبَ لِأمْرِهِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ "المَيْتَ" بِسُكُونِ الياءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ "مِنَ المَيِّتِ" بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ "المَيِّتِ" بِتَشْدِيدِ الياءِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ: إلى "بَلَدٍ مَيِّتٍ" و"لِبَلَدٍ مَيِّتٍ" وخَفَّفَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ غَيْرَ هَذِهِ الحُرُوفِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَيِّتُ هو الأصْلُ، والواوُ الَّتِي هي عَيْنٌ مِنهُ انْقَلَبَتْ ياءً لِإدْغامِ الياءِ فِيها، و"مَيْتُ" بِالتَخْفِيفِ مَحْذُوفٌ مِنهُ عَيْنُهُ أُعِلَّتْ بِالحَذْفِ كَما أُعِلَّتْ بِالقَلْبِ، والحَذْفُ حَسَنٌ والإتْمامُ حَسَنٌ، وما ماتَ وما لَمْ يَمُتْ في هَذا البابِ يَسْتَوِيانِ في الِاسْتِعْمالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المَيْتَ بِالتَخْفِيفِ إنَّما يُسْتَعْمَلُ فِيما قَدْ ماتَ، وأمّا المَيِّتُ بِالتَشْدِيدِ فَيُسْتَعْمَلُ فِيما ماتَ وفِيما لَمْ يَمُتْ بَعْدُ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي المقصود منه التعريض بأهل الكتاب بأنّ إعراضهم إنّما هو حسد على زوال النبوءة منهم، وانقراض الملك منهم، بتهديدهم وبإقامة الحجة عليهم في أنّه لا عجب أن تنتقل النبوءة من بني إسرائيل إلى العرب، مع الإيماء إلى أنّ الشريعة الإسلامية شريعة مقارنة للسلطان والمُلك.
و ﴿ اللهم ﴾ في كلام العرب خاص بنداء الله تعالى في الدعاء، ومعناه يا الله.
ولما كثر حذف حرف النداء معه قال النحاة: إنّ الميم عوض من حرف النداء يريدون أنّ لحاق الميم باسم الله في هذه الكلمة لما لم يقع إلاّ عند إرادة الدعاء صار غنيّاً عن جلب حرف النداء اختصاراً، وليس المراد أنّ الميم تفيد النداء.
والظاهر أنّ الميم علامة تنوين في اللغة المنقول منها كلمة (اللَّهم) من عبرانية أو قحطانية وأنّ أصلها لاَ هُم مرداف إله.
ويدل على هذا أنّ العرب نطقوا به هكذا في غير النداء كقول الأعشى: كدعوةٍ من أبي رباح *** يَسْمَعُها اللهُم الكبير وأنّهم نطقوا به كذلك مع النداء كقوللِ أبي خراش الهذلي: إنِّي إذا ما حَدَتٌ ألَمَّا *** أقُول يا اللهُمّ يا اللهُمّا وأنّهم يقولون يا الله كثيراً.
وقال جمهور النحاة: إنّ الميم عوض عن حرف النداء المحذوف وإنّه تعويض غير قياسي: وإنّ ما وقع على خلاف ذلك شذوذ.
وزعم الفراء أنّ اللهم مختزل من اسم الجلالة وجملة أصلها «يا الله أمّ» أي أقبل علينا بخير، وكل ذلك تكلّف لا دليل عليه.
والمالك هو المختصّ بالتصرّف في شيء بجميع ما يتصرّف في أمثاله مما يُقصد له من ذواتها، ومنافعها، وثمراتها، بما يشاء فقد يكون ذلك بالانفراد، وهو الأكثر، وقد يكون بمشاركةٍ: واسعةٍ، أو ضيّقة.
والمُلك بضم الميم وسكون اللام نوع من المِلك بكسر الميم فالملك بالكسر جنسٌ والمُلك بالضم نوعٌ منه وهو أعلى أنواعه، ومعناه التصرّف في جماعة عظيمة، أو أمة عديدة تصرُّف التدبير للشؤون، وإقامةِ الحقوق، ورعاية المصالح، ودفع العدوان عنها، وتوجيهها إلى ما فيه خيرها، بالرغبة والرهبة.
وانظر قوله تعالى: ﴿ قالوا أنّى يكون له المُلك علينا ﴾ في سورة البقرة (247) وقد تقدم شيء من هذا عند قوله تعالى: ﴿ مالك يوم الدين ﴾ [الفاتحة: 4]، فمعنى مالك الملك أنّه المتصرّف في نوع الملك (بالضم) بما يشاء، بأن يراد بالمُلك هذا النوع.
والتعريف في المُلك الأول لاستغراق الجنس: أي كل ملك هو في الدنيا.
ولما كان المُلك ماهية من المواهي، كان معنى كون الله مالك المُلك أنّه المالك لتصريف المُلك، أي لإعطائه، وتوزيعه، وتوسيعه، وتضييقه، فهو على تقدير مضاف في المعنى.
والتعريف في المُلك الثاني والثالث للجنس، دون استغراق أي طائفة وحصّة من جنس المُلْك، والتعويل في الفرق بين مقدار الجنس على القرائن.
ولذلك بينت صفة مالك الملك بقوله: ﴿ تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ﴾ [آل عمران: 26] فإنّ إيتاءه ونزعه مقول عليه بالتشكيك: إيجاباً، وسلباً، وكثرة وقلّة.
والنزع: حقيقة إزالة الجِرم من مكانه: كنزع الثوب، ونزع الماء من البئر، ويستعار لإزالة الصفات والمعاني كما قال تعالى: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غلّ ﴾ [الأعراف: 43] بتشبيه المعنى المتمكّن بالذات المتّصلة بالمكان، وتشبيه إزالته بالنزع، ومنه قوله هنا: ﴿ تنزع الملك ﴾ أي تزيل وصف الملك ممّن تشاء.
وقوله: ﴿ بيدك الخير ﴾ تمثيل للتصرّف في الأمر؛ لأنّ المتصرّف يكون أقوى تصرّفه بوضع شيء بيده، ولو كان لا يوضع في اليد، قال عنترة بن الأخرس المَعْني الطائي: فما بيديك خير أرتجيه *** وغيرُ صدودَك الخطبُ الكبير وهذا يعدّ من المتشابه لأنّ فيه إضافة اليد إلى ضمير الجلالة، ولا تشابه فيه: لظهور المراد من استعماله في الكلام العربي.
والاقتصار على الخير في تصرّف الله تعالى اكتفاء كقوله تعالى: ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ [النحل: 81] أي والبرد.
وكان الخير مقتضى بالذات أصالة والشرّ مقتضى بالعَرَض قال الجلال الدواني في شرح ديباجة هياكل النور: «وخُص الخير هنا لأنّ المقام مقام ترجّي المسلمين الخيرمن الله، وقد علم أنّ خيرهم شرّ لضدّهم كما قيل: مصائب قوم عند يوم فوائدُ *** أي «الخير مقتضَى الذات والشرّ مقتضي بالعرض وصادر بالتَبع لِمَا أنّ بعض ما يتضمن خيرات كثيرة هو مستلزم لشرّ قليل، فلو تركت تلك الخيرات الكثيرة لذلك الشرّ القليل، لصار تركها شرّاً كثيراً، فلما صدر ذلك الخير لزمه حصول ذلك الشرّ».
وحقيقة «تُولج» تدخل وهو هنا استعارة لتعاقب ضوء النهار وظلمة الليل، فكأنَّ أحدهما يدخل في الآخر، ولازدياد مدة النهار على مدة الليل وعكسه في الأيام والفصول عدا أيام الاعتدال وهي في الحقيقة لحظات قليلة ثم يزيد أحدهما لكنّ الزيادة لا تدرك في أولها فلا يعرفها إلاّ العلماء، وفي الظاهر هي يومان في كل نصف سنة شمسية قال ابن عرفة: «كان بعضهم يقول: القرآن يشتمل على ألفاظ يفهمها العوامّ وألفاظ يفهمها الخواصّ وما يفهمه الفريقات ومنه هذه الآية؛ فإنّ الإيلاج يشمل الأيام التي لا يفهمها إلاّ الخواص والفصولَ التي يدركها سائر العوام».
وفي هذا رمز إلى ما حدث في العالم من ظلمات الجهالة والإشراك، بعد أن كان الناس على دين صحيح كدين موسى، وإلى ما حدث بظهور الإسلام من إبطال الضلالات، ولذلك ابتدئ بقوله: ﴿ تولج الليل في النهار ﴾ ، ليكون الانتهاء بقوله: ﴿ وتولج النهار في الليل ﴾ ، فهو نظير التعريض الذي بيّنته في قوله: ﴿ تؤتي الملك من تشاء ﴾ الآية.
والذي دل على هذا الرمز افتتاح الكلام بقوله: ﴿ اللهم مالك الملك ﴾ إلخ.
وإخراج الحي من الميّت كخروج الحيوان من المضغة، ومن مُح البيضة.
وإخراج الميت من الحي في عكس ذلك كلّه، وسيجيء زيادة بيان لهذا عند قوله: ﴿ ومن يخرج الحي من الميّت ﴾ في سورة يونس (31).
وهذا رمز إلى ظهور الهُدى والملك في أمّة أمية، وظهور ضلال الكفر في أهل الكتابين، وزوال الملك من خَلَفهم يعد أن كان شعار أسلافهم، بقرينة افتتاح الكلام بقوله: اللهم مالك الملك } إلخ.
وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، وخلف: «الميّت» بتشديد التحتية.
وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب: بسكون التحتية وهما وجهان في لفظ الميت.
وقوله: ﴿ وترزق من تشاء بغير حساب ﴾ هو كالتذييل لذلك كلّه.
والرزق ما يَنتفع به الإنسان فيطلق على الطعام والثمارَ كقوله: ﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ [آل عمران: 37] وقوله: ﴿ فليأتكم برِزق منه ﴾ [الكهف: 19]، ويطلق على أعمّ من ذلك ممّا ينتفع به كما في قوله تعالى: ﴿ يَدْعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب.
وعندهم قاصرات الطَّرف أتراب ثم قال إنّ لهذا لَرِزْقُنا مَالَه من نَفَاد ﴾ [ص: 51 54] وقوله: ﴿ قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله ﴾ ومن ثم سميت الدراهم والدنانير رزقاً: لأنّ بها يعوض ما هو رزق، وفي هذا إيماء إلى بشارة للمسلمين بما أخبئ لهم من كنوز الممالك الفارسية والقيصرية وغيرها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يُرِيدُ بِهِ مُلْكَ أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
والثّانِي: مالِكُ العِبادِ وما مَلَكُوهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: مالِكُ النُّبُوَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ المُلْكَ هُنا النُّبُوَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ الإيمانُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ السُّلْطانُ.
رَوى قَتادَةُ «أنَّ النَّبِيَّ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ في أُمَّتِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
» ﴿ وَتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: تُعِزُّ مَن تَشاءُ بِالطّاعَةِ، وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِالمَعْصِيَةِ.
والثّانِي: تُعِزُّ مَن تَشاءُ بِالنَّصْرِ، وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِالقَهْرِ.
والثّالِثُ: تُعِزُّ مَن تَشاءُ بِالغِنى، وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِالفَقْرِ.
﴿ بِيَدِكَ الخَيْرُ ﴾ أيْ أنْتَ قادِرٌ عَلَيْهِ، وإنَّما خَصَّ الخَيْرَ بِالذِّكْرِ وإنْ كانَ قادِرًا عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، لِأنَّهُ المَرْغُوبُ في فِعْلِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ تُدْخِلُ نُقْصانَ اللَّيْلِ في زِيادَةِ النَّهارِ، ونُقْصانَ النَّهارِ في زِيادَةِ اللَّيْلِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ تَجْعَلُ اللَّيْلَ بَدَلًا مِنَ النَّهارِ، وتَجْعَلُ النَّهارَ بَدَلًا مِنَ اللَّيْلِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.
﴿ وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ﴾ قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (المَيِّتَ) بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.
واخْتَلَفُوا في مَعْناهُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، فَذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ المَيْتَ بِالتَّخْفِيفِ الَّذِي قَدْ ماتَ، وبِالتَّشْدِيدِ الَّذِي لَمْ يَمُتْ بَعْدُ.
وَحَكى أبُو العَبّاسِ عَنْ عُلَماءِ البَصْرِيِّينَ بِأسْرِهِمْ أنَّهُما سَواءٌ، وأنْشَدَ لِابْنِ الرَّعْلاءِ القِلابِيِّ: لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيْتٍ إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ ∗∗∗ إنَّما المَيْتُ مَن يَعِيشُ كَئِيبًا ∗∗∗ كاسِفًا بالُهُ قَلِيلَ الرَّجاءِ وَفِي تَأْوِيلِ إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُخْرِجُ الحَيَوانَ الحَيَّ في النُّطْفَةِ المَيِّتَةِ، ويُخْرِجُ النُّطْفَةَ المَيِّتَةَ مِنَ الحَيَوانِ الحَيِّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ يُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، ويُخْرِجُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
وَقالَ قَتادَةُ: وإنَّما سَمّى اللَّهُ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا بِيَحْيى لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أحْياهُ بِالإيمانِ.
﴿ وَتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ مَضَتْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: «ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل له ملك فارس والروم في أمته.
فأنزل الله: ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء....
﴾ الآية» .
وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: «جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد سل ربك ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ﴾ إلى قوله: ﴿ وترزق من تشاء بغير حساب ﴾ ثم جاءه جبريل فقال: يا محمد فسل ربك ﴿ قل رب أدخلني مدخل صدق...
﴾ [ الإسراء: 8] الآية.
فسأل ربه بقول الله تعالى فأعطاه ذلك» .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء...
﴾ إلى آخر الآية» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: اسم الله الأعظم ﴿ قل اللهم مالك الملك ﴾ إلى قوله: ﴿ بغير حساب ﴾ .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الدعاء عن معاذ بن جبل قال: «شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ديناً كان عليَّ فقال: يا معاذ أتحب أن يقضى دينك؟
قلت: نعم.
قال: ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ﴾ رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي منهما ما تشاء، وتمنع منهما ما تشاء، اقض عني ديني فلو كان عليك ملء الأرض ذهباً أدي عنك» .
وأخرج الطبراني عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتقده يوم الجمعة، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى معاذاً فقال: يا معاذ ما لي لم أرك؟
فقال اليهودي عليَّ وقية من تبر، فخرجت إليك فحسبني عنك فقال: «ألا أعلمك دعاء تدعو به فلو كان عليك من الدين مثل صبير أداه الله عنك، فادع الله يا معاذ ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعزُّ من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ﴾ رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي من تشاء منهما وتمنع من تشاء منهما، ارحمني رحمة تغنني بها عن رحمة من سواك، اللهم أغنني من الفقر، واقض عني الدين، وتوفني في عبادتك وجهاد في سبيلك» .
وأخرج الطبراني في الصغير بسند جيد عن أنس بن مالك قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد ديناً لأداه الله عنك؟
قل يا معاذ ﴿ اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ﴾ رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطيهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ تؤتي الملك من تشاء ﴾ قال: النبوة.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير ﴿ قل اللهم مالك الملك ﴾ أي رب العباد الملك لا يقضي فيهم غيرك ﴿ تؤتي الملك من تشاء ﴾ أي أن ذلك بيدك لا إلى غيرك ﴿ إنك على كل شيء قدير ﴾ أي لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود في قوله: ﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ﴾ قال: يأخذ الصيف من الشتاء ويأخذ الشتاء من الصيف ﴿ وتخرج الحي من الميت ﴾ يخرج الرجل الحي من النطفة الميتة ﴿ وتخرج الميت من الحي ﴾ يخرج النطفة الميتة من الرجل الحي.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: ﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ﴾ قال: قصر أيام الشتاء في طول ليله، وقصر ليل الصيف في طول نهاره.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ﴾ قال: ما نقص من الليل يجعله في النهار وما نقص من النهار يجعله في الليل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ تولج الليل في النهار ﴾ حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة والنهار تسع ساعات ﴿ وتولج النهار في الليل ﴾ حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ﴾ قال: أخذ أحدهما من صاحبه.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله: ﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ﴾ قال: يأخذ النهار من الليل حتى يكون أطول منه ويأخذ الليل من النهار حتى يكون أطول منه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ تخرج الحي من الميت ﴾ قال: يخرج النطفة الميتة من الحي، ثم يخرج من النطفة بشراً حياً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ﴾ قال: الناس الأحياء من النطف والنطف ميتة تخرج من الناس الأحياء، ومن الأنعام والنبات كذلك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة ﴿ تخرج الحي من الميت ﴾ قال: هي البيضة تخرج من الحي وهي ميتة ثم يخرج منها الحي.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة ﴿ تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ﴾ قال: النخلة من النواة والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة والسنبلة من الحبة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك.
مثله.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن ﴿ تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ﴾ يعني المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، والمؤمن عبد حي الفؤاد والكافر عبد ميت الفؤاد.
وأخرج سعد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات وأبو الشيخ في العظمة عن سلمان قال: خمر الله طينة آدم أربعين يوماً، ثم وضع يده فيه فارتفع على هذه كل طيب، وعلى هذه كل خبيث، ثم خلط بعضه ببعض، ثم خلق منها آدم.
فمن ثم ﴿ تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ﴾ يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن.
وأخرج ابن مردويه من طريق أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما خلق الله آدم عليه السلام أخرج ذريته فقبض قبضة بيمينه فقال: هؤلاء أهل الجنة ولا أبالي، وقبض بالأخرى قبضة فجاء فيها كل رديء فقال: هؤلاء أهل النار ولا أبالي، فخلط بعضهم ببعض فيخرج الكافر من المؤمن ويخرج المؤمن من الكافر» فذلك قوله: ﴿ تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ﴾ .
وأخرج ابن مردويه من طريق أبي عثمان النهدي «عن ابن مسعود أو عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ﴾ قال: المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن» .
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الزهري في قوله: ﴿ تخرج الحي من الميت ﴾ عن عبدالله بن عبدالله «أن خالدة ابنة الأسود بن عبد يغوث دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من هذه؟
قيل: خالدة بنت الأسود قال: سبحان الله الذي يخرج الحي من الميت» وكانت امرأة صالحة وكان أبوها كافراً.
وأخرج ابن مسعود من طريق أبي سلمة بن عبدالرحمن عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
مثله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس، أنه كان يقرأ ﴿ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ﴾ خفيفة.
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن وثاب، أنه قرأ ﴿ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ﴾ وقرأ ﴿ إلى بلد ميت ﴾ [ فاطر: 9] مثقلات كلهن.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ وترزق من تشاء بغير حساب ﴾ قال: لا يخرجه بحساب يخاف أن ينقص ما عنده.
أن الله لا ينقص ما عنده.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران ﴿ بغير حساب ﴾ قال: غدقاً.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير ﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ﴾ أي بتلك القدرة التي تؤتي الملك بها من تشاء وتنزعها ممن تشاء ﴿ وترزق من تشاء بغير حساب ﴾ لا يقدر على ذلك غيرك، ولا يصنعه إلا أنت.
أي وإن كنت سلطت عيسى عليه السلام على الأشياء التي تزعمونه إنه إله.
من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، وخلق الطير من الطين، والخبر عن الغيوب لأجعله به آية للناس، وتصديقاً له في نبوته التي بعثته بها إلى قومه، فإن من سلطاني وقدرتي ما لم أعطه.
تمليك الملوك بأمر النبوّة ووضعها حيث شئت، وإِيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، وإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي، ورزق من شئت من بر وفاجر بغير حساب، وكل ذلك لم أسلط عيسى عليه ولم أملكه إياه، أفلم يكن لهم في ذلك عبرة وبينة أن لو كان له إلهاً كان ذلك كله إليه، وهو في علمهم يهرب من الملوك، وينتقل منهم في البلاد من بلد إلى بلد.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ ﴾ اختلف النحويون في إعراب (اللهمَّ)؛ فقال الخليل (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) وأنكر الفرَّاء هذا القول؛ فقال (٧) (٨) فلو (٩) وما عليكِ أنْ تَقُولي كُلَّمَا صَلَّيتِ أو سَبَّحتِ: يا اللَّهما اردُدْ علينا شَيخَنا مُسَلَّما (١٠) فقال: (يا اللهُمَّ).
ثم قال: ونرى أنها كانت في الأصل كلمةً ضُمَّ إليها (أُمَّ)؛ يريد: (يا الله؛ أُمَّنا بخير)، فكثرت في الكلام حتى اختلطت (١١) (١٢) قال الشاعر: لاهُمَّ إنَّ عامِرَ بن جَهْمِ ...
أوْذَمَ (١٣) (١٤) (١٥) وقال آخر: لاهُمَّ إن جُرْهُماً (١٦) (١٧) (١٨) قال (١٩) كحَلْفَةٍ من ابن (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وأنكر أبو إسحاق هذا القول إنكاراً شديداً، فقال (٢٥) (٢٦) (٢٧) فلمَّا لم (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) ﴿ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ ﴾ ، وقال: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ ﴾ .
وما احتجَّ به الفرَّاء من قوله: (أنشدني بعضهم) (٣٣) وقال غير أبي إسحاق مِمَّن نصر مذهبَ الخليل (٣٤) (٣٥) وأجابَ الفرَّاءَ عن قوله: (هذه الميم، إنما تُزاد مُخفَّفةً)؛ بأن قال: إنما شُدِّدت الميمُ في (اللهمَّ)؛ لأنها عِوضٌ من حرفين (٣٦) وما ذَكَر من قوله: (فَمُ) (٣٧) (٣٨) وليس حكمُ قولِكَ: (الله)، حكمَ (الفمُ) و (الابنُ)؛ لأنهما ناقصان أُتمَّا بالميم، و (اللهُمَّ) ليس زيادتها (٣٩) وأمّا ما احتَجَّ به من البيت؛ فجاز إدخال (يا) مع الميم لضرورة الشعر (٤٠) فأما (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) وأمَّا البيت الذي ذكر أنه جاء في (اللهُمُ)، بتخفيف الميم، فهو خطأ فاحشٌّ خصوصا عنده (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾ .
في نصبه، وجهان: أحدهما: وهو قول سيبويه (٥٣) ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ ﴾ ، ولا يجوز عنده أن يكون ﴿ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾ نصباً على النعت للنداء المفرد، الذي هو قوله: ﴿ اللَّهُمَّ ﴾ ؛ لأن هذا الاسم عنده لا يُوصَف.
الوجه الثاني: وهو قول أبي العباس (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) ونَصَر أبو علي الفارسي قولَ سيبويه، وقال (٦٠) (٦١) (٦٢) والأسماء المناداة المفردة المعرَّفة، القياس فيها: أن لا توصف، كما ذهب إليه بعض الناس؛ لأنها واقعة موقع ما لا يوصف؛ وكما (٦٣) (٦٤) فأما قوله: يا حَكَمُ الوارثُ عن عبد الملكْ (٦٥) يا حَكَمُ بن (٦٦) (٦٧) (٦٨) و: .......
يا عُمَرُ الجَوادَ (٦٩) فإن الأول، على: (أنت)، والثاني، على: نداء ثانٍ، والثالث، على: (أعني)، فلمَّا كان هذا الاسم، الأصل فيه: أن لا يُوصَف لِما ذكرنا، كان (اللهم) أولى أن لا يوصف؛ لأنه قبل ضم الميم إليه، واقعٌ موقع ما لا يوصف، فلمَّا ضُمَّت الميمُ إليه، وصيغ معه صياغة مخصوصة، صار حكمُهُ حكمَ الأصوات، وحكم الأصوات: أن لا يوصف (٧٠) (٧١) قال (٧٢) (٧٣) فأما التفسير: فقال ابن عباس (٧٤) مكة، ووعد أمَّتَه مُلكَ فارسَ والرومَ، قالت المنافقون واليهودُ: هيهات، هيهات (٧٥) وقيل: إنَّ الله عز وجل أمر النبي في هذه الآية، أن يسأله نقل عزِّ فارس إلى العرب، وذلِّ العرب إلى فارس (٧٦) وقوله تعالى: ﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾ .
قال ابن عباس (٧٧) ، وتنزع الملكَ منه.
الكلبي (٧٨) ﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ﴾ : محمداً وأصحابَه، ﴿ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾ : أبي جهل (٧٩) وقال بعضهم: ﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ﴾ : العرب، ﴿ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾ : الروم، والعجمِ، وسائرَ الأمم (٨٠) وذكر أبو إسحاق (٨١) ﴿ الْمُلْكَ ﴾ المذكور ههنا، قولين: أحدهما: أن المراد بـ ﴿ الْمُلْكَ ﴾ ههنا: المال، والعبيد، والحَفَدَة (٨٢) الثاني: أن ﴿ الْمُلْكَ ﴾ ههنا: ظهور الدين، والغَلَبة.
فمعنى ﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ﴾ أي ترزق الغَلَبةَ والظَّفَرَ الذين يطيعونك، ويعبدونك.
والله تعالى قد جعل كل ما (٨٣) (٨٤) (٨٥) (٨٦) وقال أهل المعاني (٨٧) ﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ﴾ ؛ أي مَنْ تشاءُ أن تُؤْتِيَه، وكذلك (٨٨) ﴿ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾ أي: ممن تشاء أن تنزعه، إلاَّ أنه حذف؛ لأن في الكلام ما يدل عليه.
قال الفرَّاء (٨٩) (٩٠) (٩١) (٩٢) ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ [فهذا بيَّن أنَّ] (٩٣) (٩٤) وقوله تعالى: ﴿ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾ قال ابن عباس (٩٥) ﴿ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾ ، يريد: الروم وفارس: وقيل (٩٦) ﴿ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾ (٩٧) (٩٨) ﴿ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾ : أبا جهل وأصحابه، حتى حُزَّت (٩٩) (١٠٠) وقوله تعالى: ﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾ أي: الخير والشر، فاكتفى بالخير؛ لأن الرغبة إليه فعل الخير بالعبد دون الشر (١٠١) ﴿ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ﴾ أي: [تقيكم] (١٠٢) وقال ابن عباس في تفسير ﴿ الْخَيْرُ ﴾ ههنا (١٠٣) (١) من قوله: (فقال الخليل ..) إلى (..
وسكون الميم التي قبلها): نقله بتصرف يسير جدًّا عن "معاني القرآن" للزجَّاج: 1/ 394.
(٢) في: (الكتاب)، له: 2/ 196، وانظر مذهبه ومذهب الخليل كذلك في "الأصول في النحو" لابن السراج 1/ 338.
(٣) (الميم): ساقطة من (د).
(٤) في (ب): (عوضًا).
(٥) في (ج): (أولها)، وكذا هي في "معاني القرآن" للزجاج، ولا وجه لها، والصواب ما أثبته.
(٦) ويبنى المنادى المفرد على ما كان يرفع به قبل النداء، في حالة كونه علمًا، أو نكرة مقصودة، على أن لا يكونا مضافين، أو شبيهين بالمضاف.
(٧) في "معاني القرآن" له: 1/ 203، نقله عنه بتصرف.
(٨) قوله: (وهذا ابنم، وستهم): مطموسة في: (د).
و (هذا) لم ترد في "معاني القرآن".
و (ابنم): لغة في (ابن)، وتعرب إعرابها، وقيل إنَّ ميمها زائدة؛ للمبالغة، أو للعوض من لام الاسم المحذوفة، حيث إنَّ أصلها: (بَنَو)، وتعرب (ابنم) == بحسب موقعها في الجملة، وحركة النون فيها تتبع حركة الميم في جميع حالات الإعراب، وبعضهم يبقيها مفتوحة دائمًا، ويجوز إبقاء الميم وحذفها عند إضافتها إلى ياء المتكلم.
انظر: "موسوعة النحو والصرف والإعراب": 19، "معجم الشوارد النحوية" 65.
و (سُتْهُمُ)؛ غير موجودة في "معاني القرآن" المطبوع المتداول، وقد وردت في "تفسير الطبري" 3/ 221.
ومعنى (ستهم): هو الرجل الأسْتَهُ، إذا كان عظيم الاست، ويقال للمرأة: (سُتْهُم)، و (سَتْهاء).
انظر كتاب "خلق الإنسان" لابن أبي ثابت: 306، "تهذيب اللغة" 2/ 1625 (ستة).
(٩) في (د): (ولو).
(١٠) ثلاثة أبيات من الرجز لم يعرف قائلها، وردت في: "المحلى" لابن شقير: 84 "اللَّامات" للزجاجي: 90، "تفسير الطبري" 3/ 221، "الإنصاف" للأنباري ص291، "رصف المباني" 373، "اللسان" 1/ 116 (أله) "ارتشاف الضرب" 3/ 285، 289، "الهمع" 5/ 347، "خزانة الأدب" 2/ 296، "الدرر اللوامع" 2/ 220.
وقد ورد في بعض المصادر: (..
صَلّيتِ أو هلَّلْت ..)، وفي الطبري: أو كبَّرتِ)، وفيه: (يا اللهُمَا)، وفي بعضها: تُفصَل (ما) عن (اللهُمَّ).
والشاعر هنا يأمر بُنيَّته أو زوجته بالدعاء له، إذا ما سافر أو غاب عنهم: أن يرده عليهم سالمًا.
و (التسبيح): تنزيه الله وتعظيمه وتقديسه، و (الصلاة) هنا قد تكون بمعنى الدعاء، أو الصلاة الشرعية، و (الشيخ) هنا الأب، أو الزوج.
والشاهد فيه: قوله: (يا اللهمَّما)؛ حيث جمع بين حرف النداء، والميم المشددة، ولم يكتف بذلك، بل وزادها ميمًا مفردة بعد الميم المشددة، دلالة على أن الميم ليست بدلًا من حرف النداء.
(١١) في (د): (اختلط).
ويعني بذلك: أنها اندمجت مع لفظ الجلالة.
(١٢) (فقيل: اللهم): ساقط من (ج).
(١٣) في جميع النسخ: (أودم).
والصواب ما أثبته، كما سيأتي في التعليق على البيت.
(١٤) في (أ)، (ب): (ثبات)، والمثبت من: (ج)، (د).
(١٥) بيت من الرجز، وقائله مجهول، ولم أقف عليه في "معاني القرآن" للفراء.
وقد ورد غير منسوب في المصادر التالية: "غريب الحديث" لأبي عبيد: 1/ 347، "تأويل مشكل القرآن" 142، "كتاب المعاني الكبير" 1/ 480 "الصحاح" 5/ 2050 (وذم)، "أساس البلاغة" 1/ 271 (دسم)، "اللسان" 3/ 1375 (دسم)، 8/ 4806 (وذم)، "البحر المحيط" 2/ 416 وورد فيه: (..
أحرم جحا).
و (أوذم عليه الشيء)؛ أي: أوجبه وألزمه نفسه، و (ثيابٍ دُسْم)؛ أي: وَسِخة، و (الدَّسَمُ): الوَضَر والدَّنَس.
ويقال للرجل من قبيل المجَاز إذا تدنَّس بمَذامِّ الأخلاق: (إنَّه لَدَسِمُ الثوب).
ومعنى البيت: أنه أحرم بالحج وهو متدنِّسٌ بالذنوب.
انظر: مادة (دسم) و (وذم) في "أساس البلاغة" 1/ 271، "اللسان" 3/ 1375، 8/ 4806.
(١٦) في (ج): (أجرهما).
(١٧) في (د): (طرو).
(١٨) في (ج)، (د): (بلادكا).
ولم أقف عليه في "معاني القرآن" للفراء، والبيت لعامر ابن الحارث بن مُضاض، سيِّد جُرْهم في مكة وقد ورد منسوبًا له في "تاريخ الطبري" 2/ 285، وذكر قصته ومناسبته.
وتمامه كما عند الطبري: (..
بهم قديمًا == عَمِرَتْ بلادكْ).
وقافيته عند الطبري كلها بالسكون.
وورد في شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام: 1/ 574.
وروايته فيه: (اللهم إن جُرْهما عبادُك ..
الناس طُرْفٌ وهم تلادك).
وورد فيه برواية: (اللَّهم إن جرهما عبادكا ..
القوم طرف وهم تلادكا).
وقوله: (طرف): يعني به والله أعلم: أنها جمع (طارف) و (طريف)، وهو: المستحدث من المال.
ونقيضه: التليد والتالد، وهو: المال القديم الأصلي الذي وُلد عندك.
فيعني الشاعر هنا والله أعلم: أن جرهما هم أهل مكة وأهل الحرم، وأول من عمر بهم البلد الحرام، وأما الآخرون فهم حديثو عهد به.
انظر: "اللسان" 1/ 439 (تلد)، 5/ 2657 - 2658 (طرف).
(١٩) يعني: الفرَّاء كما سبق.
(٢٠) هكذا في: (أ)، (ب)، (ج)، (د).
وورد في الديوان وبقية مصادر البيت: (أبي).
(٢١) في (أ): اللهُمَّ.
ولم تضبط بالشكل في بقية النسخ.
وما أثبَتُّه هو الصواب؛ لوروده في مصادره بتخفيف الميم، ولأن تشديدها، خلاف ما أراده المؤلف من إيراده شاهدًا على التخفيف فيها.
(٢٢) البيت مطموس في: (د).
وهو للأعشى، في ديوانه: 82، وقد ورد منسوبًا له، في "سر صناعة الإعراب" 1/ 430، "أمالي ابن الشجري" 2/ 197، "اللسان" 1/ 116 (أله)، "الهمع" 3/ 64، "الخزانة" 2/ 266، 269، "الدرر اللوامع" 1/ 154.
وورد غير منسوب في: "معاني القرآن" للفرَّاء: 1/ 204، 2/ 398، "تفسير الطبري" 3/ 221، والجمهرة: 1/ 327 (برك)، "تهذيب اللغة" 1/ 191 (أله)، "المسائل العضديات" 78، "شرح المفصل" 1/ 3، "شرح ما يقع فيه التصحيف" 310، "المقاصد النحوية" 4/ 238.
وقد وردت (أبي رياح) بدلا من: أبي رباح، في: الديوان، "معاني القرآن" والطبري، "التهذيب" "سر صناعة الإعراب" والجمهرة، "أمالي ابن الشجري" والخزانة، وقال صاحبها: (هو بمثناة تحتيَّة، لا بموحدة كما يزعم شُرَّاح الشواهد).== ووردت (لاهُهُ)، بدلًا من: (اللهُمُ) في: الديوان، والمسائل العضديات، "أمالي ابن الشجري" والخزانة.
وورد في "سر صناعة الإعراب" "اللسان" (لاهُمُ).
وورد في "معاني القرآن" 2/ 398 (..
الهمَّةُ الكبار)، وقال: (الهِمُّ، والهِمَّةُ: الشيخ الفاني)، وفي "معاني القرآن" 2/ 398 (..
الهمَّةُ الكبار)، وقال: (الهِمّ، والهِمَّةُ: الشيخ الفاني)، وفي: 1/ 204: (وإنشاد العامة: "لاهُهُ الكبار"، وأنشدني الكسائي: (يسمعها الله والله كبار).
وفي "الخزانة" 2/ 269 أن الأصمعي رواها: (يسمعها الواحد الكبار).
و (الحَلْفةُ): المرَّة من الحَلِفِ؛ بمعنى: القسم.
و (أبو رياح) وفق رواية المؤلف: رجل من بني ضُبَيعة، وكان قد قتل رجلا من بني سعد بن ثعلبة، فسألوه أن يحلف أو يعطي الدِّيَة، فحلف فقُتِل بعد حَلْفَته، فضربته العربُ مَثَلًا لِمَا لا يغني حِلفُه.
و (الكُبارُ): صيغة مبالغة لـ (الكبير).
والشاهد فيه هنا: تخفيف ميم (اللهم).
(٢٣) في (ج): (ويري).
(٢٤) ومعنى: (هلُمَّ): أقبل، أو أعط.
انظر: "اللسان" 8/ 4694 - 4695 (هلم).
ولكن لم يرتض ابنُ سيده رأيَ الفرَّاء هذا في (هلم)، وردَّه مستدلًا على ذلك: بأن رأي الفرَّاء لا يخلو من أحد أمرين: (إمَّا أن تكون (هل) بمعنى: (قد)، وهذا يدخل في الخبر، وإما تكون بمعنى الاستفهام، وليس لواحد متعلق بـ (هلم) ولا مدخل).
"المخصص": 14/ 88 ولكن هذا الردُّ لا يُسلَّم لابن سيده؛ حيث إن لـ (هل) استعمالات ومعاني أخرى غير ما ذكره ابن سيده، ومن ذلك: ما قاله ابنُ دريد في "الجمهرة" 2/ 988: (هلم) كلمتان جُعلتا كلمة واحدة؛ كأنهم أرادوا (هَلْ)، أي: أقبل، و (أمَّ)؛ أي: اقصد).
وقال الزبيدي في "التاج" 17/ 762 عن (هلم): (وقال الفراء: مركبة من (هل)، التي للزجر، و (أمَّ)، أي: اقصد، خفِّفت الهمزة بإلقاء حركتها على الساكن، وحذفت).
وانظر في مجيء (هل) للزجر والتوبيخ والأمر والتنبيه وغيرها، في: "تهذيب اللغة" 4/ 3784 (هل)، "اللسان" 8/ 4689 (هلل).
(٢٥) في "معاني القرآن" له 1/ 393، ينقله عنه بتصرف كثير.
(٢٦) جاءت (ويل) في الموضعين برفع اللام، ولم تضبط في بقية النسخ بالشكل، وما أثبته هو الصواب؛ لأن (ويل) إذا أضيفت بغير اللام فالوجه فيها النصب؛ على أنها مفعول به لفعل محذوف، يقال: (ويل الظالمين)؛ أي: ألزمَ اللهُ الظالمين وَيلًا.
أما إذا أضيفت باللام، فتُرْفَع؛ مثل: (ويلٌ لأمِّه)، فهي مرفوعة بالابتداء.
و (ويل): بمعنى: عذاب.
وقد تُركَّب لفظة (ويل) مع (أمِّه)، فيقال للرجل: (وْيلُمِّه)، أو (ويْلِمِّه) بكسر اللام، من (ويلٌ لأمه): وتعني: أنه داهية، وأصلها: الدعاء عليه، ثم استعملت في التعجب.
انظر في أصلها وتركيبها: "المسائل الحلبيات" 43، 45، "سر صناعة الإعراب" 113، 235، 745، "معجم النحو" 437، "معجم الشوارد النحوية" 640.
(٢٧) في جميع النسخ: (أمم)، ولا وجه لها، والمثبت من "معاني القرآن" للفرَّاء: 1/ 393.
(٢٨) (لم): ساقطة من: (ب).
(٢٩) ما بيِن المعقوفين زيادة من (د).
(٣٠) في (ج): (ذكره).
(٣١) في (د): (نسمع).
(٣٢) في (أ): (أحدا)، والمثبت من: (ب)، (ج)، (د).
(٣٣) (بعضهم): ساقطة من (ج).
(٣٤) لم أهتد إلى هذا القائل، وقد يكون المبرد، كما في "الأصول في النحو" لابن السرَّاج: 1/ 338، حيث ورد موجز لهذا الرأي نقله عنه.
(٣٥) في (د): (اللهم).
(٣٦) (حرفين): ساقطة من (د).
(٣٧) في (د): (قم).
(٣٨) في (د): (وانتم).
(٣٩) أي: زيادة الميم في (اللهم).
(٤٠) (لضرورة الشعر): ساقط من (د).
(٤١) في (ج)، (د): (وأما).
(٤٢) انظر رأيه في: "الكتاب" 3/ 332، "تأويل مشكل القرآن" 557.
(٤٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
(٤٤) في (ج): (وحلت).
(٤٥) وأصل (لَم)، من قولهم: (لَمَّ الله شعثه)؛ أي: جمعه.
كأنه أراد: لَمَّ نفسك إلينا؛ أي: اقْرُبْ.
انظر (هلم)، في "الصحاح" 5/ 2060، "اللسان" 8/ 4694.
(٤٦) في (ج): (كثرت).
(٤٧) انظر الأقوال في (هلم) في "إصلاح المنطق" 290، "الزاهر" 1/ 476، "تهذيب اللغة" 4/ 3788، "المسائل العضديات" للفارسي:221، "الصاحبي" لابن فارس: 279، "المسائل السفرية" لابن هشام: 34، "تنوير الحوالك شرح موطأ مالك" للسيوطي: 1/ 224 - 226، "تاج العروس" 17/ 762.
(٤٨) في (د): (عندهم).
(٤٩) في "معاني القرآن" له 1/ 393، نقله عنه بتصرف.
(٥٠) ما بين المعقوفين من: (ج)، (د)، وكذا هي في "معاني القرآن".
(٥١) أي: المنادى المفرد: مثل: يا الله.
(٥٢) (أم): ساقطة من (د).
(٥٣) "الكتاب" 2/ 196.
(٥٤) هو المبرد، في "المقتضب" 4/ 239.
(٥٥) في "معاني القرآن" 1/ 394، نقله عنه بتصرف يسير.
(٥٦) في (ب): (ومنه).
(٥٧) (ومعه يا): ساقط من (د).
(٥٨) في (د): (ومعه).
(٥٩) في (د) وردت هنا عبارة: (فلا تمتنع مع يا) مكررة.
(٦٠) قوله، في "الإغفال" 554 - 557.
نقله عنه باختصار وتصرف.
وقوله ينتهي إلى عند: (بمنزلة صوت مضموم إلى صوتٍ، نحو: حي هل).
(٦١) في (ج): (ذلك).
(٦٢) من قوله: (شيء ..) إلى (ما عليه الأسماء الموصوفة): ساقط من (ج).
(٦٣) في (ج): (كما).
ومن قوله: (وكما ..) إلى (..
موقع ما لا يوصف): ساقط من (د).
(٦٤) في (د): (توصف).
(٦٥) بيت شعر من الرجز لرؤبة بن العجاج، في: "ديوانه": 118.
كما ورد منسوبًا له في المصادر التالية: "المعاني الكبير" 2/ 870، "إعراب القرآن" "المنسوب" للزجّاج: 1/ 97، "شرح الأبيات المشكلة" للفارسي: 448، "أمالي ابن الشجري" 3/ 44، "شرح شواهد المغني" 1/ 52، 53.
وورد غير منسوب في "المقتضب" 4/ 208، "الخصائص" 2/ 389، 3/ 331، 332، "الإنصاف" للأنباري: ص 499، "مغني اللبيب" 28.
وبعده وفق رواية الديوان: ..
ميراثُ أحسابٍ وجُودٍ مُنسفِكْ.
وورد في بعض المصادر بنصب لفظ (الوارثَ).
والشاعر هنا يمدح الحكم بن عبد الملك بن بشر بن مروان.
والشاهد هنا أن قوله: (الوارث) على رأي سيبويه وأبي علي الفارسي ليس نعتًا للمنادى، وإنما هو خبر لمبتدأ؛ تقديره: (أنت).
بينما الوجه الآخر فيه أنه مرفوع؛ لأنه نعت للمنادى قبله، ونعت المنادى المفرد إذا كان مقترنا بـ (أل) يجوز رفعه تبعًا للفظ المنادى، ونصبه تبعًا لمحله، فإن المنادى المفرد العلم مبني على الضم في محل نصب.
انظر: "الانتصاف من الإنصاف" للشيخ: محمد محي الدين عبد الحميد (مطبوع مع الإنصاف، لأبي البركات الأنباري): 2/ 630.
(٦٦) في (ج)، (د): (ابن).
(٦٧) في (د): (ابن).
(٦٨) بيت من الرجز، وتكملته: أنت الجوادُ ابنُ الجوادِ المحمودْ.
قيل: هو لرؤبة بن العجاج، وقد ورد في: ملحق ديوانه: 172، وفيه أنه مما نُسب إليه، وقد نُسب إليه كذلك في "مجاز القرآن" 1/ 399، "الصحاح" 4/ 1496 (سردق).
وقيل: هو لعبد الله الأعور، المُسَمَّى بـ (الكذاب الحرمازي)، وقد ورد في: "كتاب سيبويه": 2/ 203، وفيه: (وقال الراجز من بني الحرماز).
ونسبه له ابن قتيبة في "الشعر والشعراء" 2/ 689.
كما ذكرته المصادر التالية، مع ذكر الاختلاف في نسبته إليهما "اللسان" 4/ 1988 (سردق)، "المقاصد النحوية" 4/ 210، "التصريح" 2/ 169، وورد غير منسوب، في "المقتضب" 4/ 232، "الأصول في النحو" 1/ 345، "شرح المفصل" 2/ 5، "أوضح المسالك" ص 200، "منهج السالك" 3/ 142.
والشاعر يمدح الحكمَ بن المنذر بن الجارود العَبْدي، أمير البصرة على عهد هشام ابن عبد الملك.
والشاهد فيه هنا: أن (ابن) تُعْرَب على أنها مُنادى مضاف، فحقها النصب، ولا تعرب على أنها تابعة للمنعوت، وهو (حكم).
و (حكم) يجوز فيها: النصب والرفع؛ لأنه العلم المفرد الموصوف بـ (ابن) المتصلة به، والمضاف إلى علم، يجوز فيه الأمران، إمَّا النصب فعلى الاتباع لحركة الصفة؛ لأنها جُعلت مع (ابن) كأنها اسم واحد لكثرة استعمالها، وكما أضيفت (ابن) إلى ما بعدها، فكذلك جعلوا (حكم) كأنها أضيفت إلى ما بعدها، فكانت كالمنادى المفرد المضاف في هذا البيت.
وإمَّا الرفع فعلى النداء؛ لأنها علم، مفرد، معرفة.
انظر: "شرح أبيات سيبويه" للنحاس: 134، "شرح المفصل" 2/ 5، "هداية السالك" لمحمد محيي الدين عبد الحميد (مطبوع مع "أوضح المسالك" 3/ 80.
(٦٩) جزء من عجز بيت، وتمامه: ما كعبُ بنُ مامَةَ وابنُ سُعدى ...
بأجودَ منك يا عمرُ الجواد هو لجرير، في: "ديوانه": 107.
وقد ورد في المصادر التالية، ونسبه أكثرها إليه: "الكامل" 1/ 231، "المقتضب" 4/ 208، "الأصول في النحو" 1/ 369، "أمالي ابن الشجري" 2/ 40، 3/ 44، "أوضح المسالك" ص 201، "مغني اللبيب" 28، "المقاصد النحوية" 4/ 254، "منهج السالك" 3/ 143، "الهمع" 3/ 54، "شرح شواهد المغني" 1/ 56، "التصريح" 2/ 169، "الخزانة" 4/ 422، 9/ 399، "الدرر اللوامع" 1/ 153.
والشاعر يمدح عمر بن عبد العزيز رحمه الله.
و (كعب بن مامه) من إياد، يُضرب به المثلُ في الجود والإيثار، ومن ذلك: إيثاره رفيقه بالماء على نفسه، ومات هو عطشًا، و (ابن سُعدى): هو: أوس بن حارثة الطائي، يُضرب به المثلُ -كذلك- في الجود والشاهد في البيت -هنا-: أن (الجَوادَ) انتصبت على الاختصاص، بتقدير فعل: (أعني) أو (أخص).
وفي الديوان وبعض المصارد وردت (عمرَ) بالفتح، على أنها منادى مبني على الفتح؛ لأنه منعوت بـ (الجواد) المَنصوب.
أو مبني على ضم مقدر منع من ظهوره فتح الإتباع؛ أي: أن الموصوف هنا يتبع الصفة في فتح آخرها، وهو مما يجيز الكوفيون الفتح فيه، سواء أكان المنادى موصوفًا بلفظ (ابن) أم لم يكن.
انظر: "الأصول في النحو" 1/ 369، "أوضح المسالك" ص 201، "الهمع" 3/ 54.
والأصل فيه أن يكون في المخطوط: (عُمَرَ) بالفتح؛ ليتحقق الشاهد؛ لأن الفارسي أراد أن يقول: إن (الجوادَ) نصبت؛ لا لكونها صفةً لـ (عمرَ) المنصوب، فتبعتها في الإعراب -لأن عنده: المنادَى المعرَّف المفرَد، لا يوصف-، وانما جعلها -في البيت- منصوبة بفعلٍ مُقَدَّرٍ، هو: (أعني).
(٧٠) في (د): (لا توصف)، وفي (ج) غير منقوطة، وأثبتُّ ما في الأصل، ونسخة (ب) على تقدير: أن لا يوصف الصوت.
(٧١) غاق: حكاية صوت الغراب، فإن نكَرَ، نُوِّنَ يقال: سمعتُ (غاق غاق)، وسمعت (غاقٍ غاقٍ).
وسُمِّي الغُرَابُ: (غاقًا)، فيقال: (سمعت صوت الغاق).
انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 310، 2/ 494، 495، "اللسان" 6/ 3317 (غوق).
(٧٢) في (د): (مال).
(٧٣) في (ج): (جبهل).
و (حيَّهَلْ) و (حيَّهَلا) و (حيَّهَلًا) -مُنَوَّنًا وغير مُنَوَّنٍ-: كلمة يستحثُّ بها.
ويقال: (حَيَّ هَلْ بفلان)، و (حيَّ هَلَ)، و (حَيَّ هَلا).
ومعنى (حيَّ على كذا ..): هلمَّ وأقبِلْ، و (هلا) -كذلك- تقال للاستعجال والحَثِّ.
وبُنِيَت (حيَّ) مع (هل)، وجُعِلَتا اسمًا واحدًا، وسُمِّي به الفِعْلُ، ويستوي فيه الواحد والجمع المؤنث.
انظر: "الصحاح" 5/ 1853 (هلل)، "اللسان" 2/ 1082 (حيا)، "المسائل المشكلة" للفارسي: 152، "شرح الشافية" 2/ 294، "شرح المفصل" 9/ 84.
(٧٤) قوله، في "تفسير الثعلبي" 3/ 29 أ، "أسباب النزول" للواحدي: 102، "تفسير البغوي" 2/ 23، "تفسير القرطبي" 4/ 52، وعزوه -كذلك- لأنس بن مالك.
(٧٥) (هيهات): ساقطة من (د).
(٧٦) لم أهتد إلى قائل هذا القول، وقد ورد في "معاني القرآن" للزجَّاج: 1/ 393 مصدرًا بلفظ (قيل)، وعقب عليه بقوله: (الله أعلم بحقيقة ذلك).
والذي في كتب التفسير عن قتادة رحمه الله أن نبي الله سأل ربه جل ثناؤه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته، فأنزل الله هذه الآية.
انظر: "تفسير الطبري" 3/ 222، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 624، "تفسير الثعلبي" 3/ 29/ أ، "النكت والعيون" 1/ 384، "أسباب النزول" للواحدي: 102103، "تفسير البغوي" 2/ 23، "زاد المسير" 1/ 368، وأورده السيوطي في " الدر" 2/ 25 ونسب إخراجه -كذلك- لعبد بن حميد.
(٧٧) لم أهتد إلى مصدر قوله.
(٧٨) قوله، في "تفسير الثعلبي" 3/ 31 أ، "تفسير البغوي" 2/ 23.
(٧٩) هو: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، تقدمت ترجمته.
(٨٠) وردت هذه العبارة بنصها في "تفسير الثعلبي" 3/ 32 أ، وهو بنفس معنى قول مقاتل ﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ﴾ يعني: محمدًا وأمته، ﴿ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾ ؛ يعني الروم وفارس).
تفسيره: 1/ 269.
وقد يكون الثعلبي حكاه بمعناه عن مقاتل ونقله المؤلف عن الثعلبي.
(٨١) هو الزجَّاج، في "معاني القرآن" 1/ 392، نقله عنه بالمعنى.
(٨٢) في "معاني القرآن" (والحضرة)، وفسَّرها المحقق، بأنها: التَّحضر والثراء، وقد تكون (الحفدة) -هكذا- في نسخة أخرى لمعاني القرآن، والذي يؤكد ما نقله المؤلف -هنا- عن الزجاج، هو أن ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 369 نقل هذا القول عن الزجاج وفيه (الحفَدَة) كما هي عند الواحدي.
و (الحفَدَةُ) و (الحفَدُ): الخدم، والأعواد.
والمفرد: حافد.
وحفدة الرجل: بناته، وقيل: أولاد أولاده، ومفردها، حفيد، وقيل: الأصهار.
وأصلها من: (حفَد، يَحفِدُ، حفْدًا، وحفَدانًا، واحتفد احتفادًا)؛ أي: خفَّ وأسرع في العمل.
انظر (حفد) في "اللسان" 2/ 922، "القاموس المحيط" ص 277.
(٨٣) في (ج): (كلما).
(٨٤) في (ج): (ملكه)، في (د): (مملكته).
(٨٥) في (ب): (المغلوب لوبه).
(٨٦) ولكن لفظ (الملك) -هنا- عام، ولا دليل على تخصصه، ولذا يقول ابن عطية في "المحرر الوجيز" 3/ 65: (والصحيح: أنَّه مالك الملك كله مطلقًا في جميع أنواعه)، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 8/ 7.
(٨٧) هذا قول الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 397، وانظر -في هذا المعنى-: "معاني القرآن" للفراء 1/ 204، "الطبري" 3/ 222، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 379.
(٨٨) في (د): (كذلك).
(٨٩) في "معاني القرآن" 1/ 204.
نقله عنه بتصرف واختصار.
(٩٠) من قوله: (وكذلك ..) إلى (..
فلا تقم): ساقط من (ج).
(٩١) في (ب): (إن).
(٩٢) أي: إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن لا تقوم فلا تقم.
(٩٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ).
وفي (ب): (فهذا فيه).
والمُثْبت من: (ج)، (د) "معاني القرآن".
(٩٤) في (ج): (واقعان).
والمعنى: أي: من شاء الإيمان، فلْيُؤمِنْ، ومن شاء الكفُرْ.
فوقعت المشيئة على الإيمان والكفر، وتركا ولم يذكرا في الآية.
(٩٥) لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد ورد هذا القول عن عطاء، كما في "تفسير الثعلبي" 3/ 32 ب، "تفسير البغوي" 2/ 23.
(٩٦) لم أهتد إلى قائل هذا القول، وقد ورد في المصادر السابقة مصدرًا بلفظ: (قيل).
(٩٧) شي (أ)، (ب)، (ج): (تعز) -بدون واو-.
والمثبت من (د).
(٩٨) في (أ): (محمد).
والمثبت من: (ب)، (د)، ومن المصادر السابقة.
(٩٩) في (د): (جرت).
(١٠٠) في (د): (وما أشبهها).
(١٠١) قال الحدَّادي: (وهذا من باب الاقتصار على أحد طرفي الكلام، وهذا مطرد في كلام العرب) انظر "المدخل لعلم تفسير كتاب الله" للحدادي: 306.
وقال الزمخشري -مبيّنًا العِلَّة في ذلك-: (قلت: لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين، وهو الذي أنكرته الكفرة، فقال: ﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾ تؤتيه أولياءك على رغم أعدائك، ولأن كل أفعاله -تعالى- من نافع وضار، صادر عن الحكمة والمصلحة، فهو خير كله، كإيتاء الملك ونزعه) "الكشاف" 1/ 422، وانظر: "غرائب التفسير" للكرماني 1/ 249.
(١٠٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج) و (د).
(١٠٣) لم أهتد على مصدر قوله: والذي في "تنوير المقباس" المنسوب إليه: 45: (بيدك الخير: العز والذل والملك والغنيمة والنصرة والدولة).
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللهم ﴾ منادى، والميم فيه عوض من حرف النداء عند البصريين، ولذلك لا يجتمعان، وقال الكوفيون: أصله يا الله أمّنا بخير فالميم عندهم من أمّنا ﴿ مالك الملك ﴾ منادى عند سيبويه، وأجاز الزجاج أن يكون صفة لاسم الله؛ وقيل إنّ الآية نزلت ردّاً على النصارى في قولهم: إنّ عيسى هو الله لأن هذه الأوصاف ليست لعيسى، وقيل: لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أمته يفتحون ملك كسرى وقيصر: استبعد ذلك المنافقون، فنزلت الآية ﴿ بِيَدِكَ الخير ﴾ قيل: المراد بيدك الخير والشر، فحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه، وقيل: إنما خص الخير بالذكر، لأنّ الآية في معنى دعاء ورغبة فكأنه يقول: بيدك الخير فأجزل حظي منه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ الحي من الميت والميت من الحي ﴾ بالتشديد على "فيعل" حيث كان: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون بالتخفيف على "فيل".
﴿ منهم تقية ﴾ بكسر القاف وفتح الياء وتشديدها: أبو زيد عن المفضل وسهل ويعقوب.
الباقون ﴿ تقاة ﴾ بضم التاء.
وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة.
الوقوف: ﴿ ممن تشاء ﴾ ط لتناهي الجملتين المتضايفتين معنى إلى جملتين مثلهما ﴿ ونذل من تشاء ﴾ ط ﴿ الخير ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه، ﴿ في الليل ﴾ ز للفصل بين الجملتين المتضادتين ﴿ من الحي ﴾ ز لعطف المتفقتين ﴿ حساب ﴾ ه، ﴿ المؤمنين ﴾ ج ﴿ تقاة ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه، ﴿ يعلمه الله ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه، ﴿ محضرا ﴾ ج والأجوز أن يوقف على ﴿ سوء ﴾ تقديره وما عملت من سوء كذلك.
﴿ بعيداً ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ ذنوبكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والرسول ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.
﴿ الكافرين ﴾ ه، ﴿ العالمين ﴾ (لا) لأن ﴿ ذرّية ﴾ بدل.
﴿ من بعض ﴾ ج ﴿ عليم ﴾ (لا) لاحتمال أن "إذ" متعلق بالوصفين أي سمع دعاءها وعلم رجاءها حين قالت، أو اصطفى آل عمران وقت قولها ولاحتمال نصب "إذ" بإضمار "اذكر".
/التفسير: إنه لما ذكر من طريقة المعاندين ما ذكر، علم نبيه طريقة مباينة لطريقتهم من كيفية التمجيد والتعظيم فقال: ﴿ قل اللهم ﴾ ومعناه عند سيبويه يا الله والميم المشددة عوض عن الياء.
وإنما أخرت تبركاً باسم الله وهذا من خصائص اسم الله.
كما اختص بدخول تاء القسم، وبدخول حرف النداء عليه مع لام التعريف، وبقطع همزته في يا الله.
وعند الكوفيين أصله يا الله أمنا بخير أي أقصدنا، فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء.
وخففت الهمزة من أمّ.
وزيف بأن التقدير لو كان كذلك لزم أن يذكر الدعاء بعده بالعطف مثل: اللهم واغفر لنا.
ولجاز أن يتكلم به على أصله من غير تخفيف الهمزة وبإثبات حرف النداء وأجيب بأنه إنما لم يوسط العاطف لئلا يصير السؤال سؤالين ضرورة مغايرة المعطوف للمعطوف عليه بخلاف ما لو جعل الثاني تفسيراً للأول فيكون آكد.
وبأن الأصل كثيراً ما يصير متروكاً مثل: ما أكرمه فإنه لا يقال: شيء ما أكرمه في التعجب.
﴿ ومالك الملك ﴾ نداء مستأنف عند سيبويه.
فإن النداء باللهم لا يوصف كما لا توصف أخواته من الأسماء المختصة بالنداء نحو: يا هناه ويا نومان ويا ملكعان وفل.
وأجاز المبرد نصبه على النعت كما جاز في "يا ألله".
عن ابن عباس وأنس بن مالك "أن رسول الله حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم؟
هم أعز وأمنع من ذلك" فنزلت الآية.
وعن عمرو بن عون "أن رسول الله لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً وأخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله ، يخبره ، فأخذ المعول من سلمان فضربها ضربة صدعتها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كالمصباح في جوف بيت مظلم، وكبر وكبر المسلمون وقال : أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال : أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب الثالثة فقال: أضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا.
فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا" فنزلت.
وقال الحسن: إن الله أمر نبيه أن يسأله أن يعطيه ملك فارس والروم ويرد ذل العرب عليهما.
وأمره بذلك دليل على أن يستجيب له هذا الدعاء وهكذا منازل الأنبياء إذا أمروا بدعاء استجيب دعاؤهم.
﴿ مالك الملك ﴾ أي تملك جنس الملاك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون، وفيه أن قدرة الخلق في كل ما يقدرون عليه ليست إلا بأقدار / الله .
ثم لما بين كونه مالك الملك وأنه هو الذي يقدر كل قادر على مقدوره ويملك كل مالك على مملوكه فصل ذلك بقوله: ﴿ تؤتى الملك من تشاء ﴾ أي النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك.
فالأول عام شامل والآخر بعض من الكل.
وهذا الملك قيل: ملك النبوة لأنها أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر على بواطن الخلق، والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق.
والأنبياء أمرهم نافذ في البواطن والظواهر، فعلى كل أحد أن يقبل شريعتهم ولهم أن يقتلوا من أرادوا من المتمردين.
ولهذا استبعد بعض الجهلة أن يكون النبي بشراً ﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ ومن المجوّزين من كان يقول إن محمداً فقير يتيم فكيف يليق به هذا المنصب العظيم؟
﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ وكانت اليهود تقول: النبوة في أسلافنا فنحن أحق بها.
وقد روينا في تفسير قوله: ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون ﴾ أن اليهود تكبروا على النبي بكثرة عددهم وعددهم فرد الله على جميع هؤلاء الطوائف بأنه مالك الملك يؤتي الملك - وهو النبوة - من يشاء، وينزع الملك - النبوة - ممن يشاء لا بمعنى أنه يعزله عن النبوة فإن ذلك غير جائز بالإجماع بل بمعنى أنه ينقلها من نسل إلى نسل كما نزع عن بني إسرائيل ووضع في العرب، أو بمعنى أنه لا يعطيه النبوة ابتداء كقوله: ﴿ الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ فإنه يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط.
ومثله ﴿ أو لتعودنّ في ملتنا ﴾ مع أن الأنبياء لم يكونوا في ملتهم قط حتى يتصور العود إليها.
وقيل: المراد من الملك التسلط الظاهر وهو الاقتدار على المال بأنواعه وعلى الجاه، وهو أن يكون مهيباً عند الناس وجيهاً غالباً مظفراً مطاعاً.
ومن المعلوم أن كل ذلك بإيتاء الله .
فكم من عاقل قليل المال، ورب جاهل غافل رخي البال، وقد رأينا كثيراً من الملوك بذلوا الأموال لتحصيل الحشمة والجاه وما ازدادوا إلا حقارة وخمولاً، فعلمنا أن الكل بإيتاء الله سواء في ذلك ملوك العدل وملوك الجور، لأن حصول الملك للجائر إن لم يقع بفاعل ففيه سد باب إثبات الصانع، وإن حصل بفعل المتغلب فكل أحد يتمنى حصول الملك والدولة لنفسه ولا يتيسر له.
فلم يبق إلا أن يكون من مسبب الأسباب وفاعل الكل ومدبر الأمور وناظم مصالح الجمهور.
لو كان بالحيل الغنى لوجدتني *** بتخوم أقطار السماء تعلقي لكن من رزق الحجى حرم الغنى *** ضدان مفترقان أيّ تفرق ومن الدليل على القضاء وكونه *** بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق وكذا الكلام في نزع الملك فإنه كما ينزع الملك من الظالم فقد ينزعه من العادل لمصلحة تقتضي ذلك.
والنزع يكون بالموت وبإزالة العقل والقوى والقدرة والحواس وبتلف الأموال وغير ذلك.
في بعض الكتب "أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة.
وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم" وهذا كقوله "كما تكونوا يولى عليكم" والصحيح أن الملك عام يدخل فيه النبوة والولاية والعلم والعقل والصحة والأخلاق الحسنة وملك النفاذ والقدرة وملك محبة القلوب وملك الأموال والأولاد إلى غير ذلك، فإن اللفظ عام ولا دليل على التخصيص ﴿ وتعز من تشاء وتذل من تشاء ﴾ كل من الإعزاز والإذلال في الدين أو في الدنيا، ولا عزة في الدين كعزة الإيمان ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ وفي ضده لا ذلة كذلة الكفر وعزة الدنيا كإعطاء الأموال الكثيرة من الناطق والصامت، وتكثير الحرث وتكثير النتاج في الدواب وإلقاء الهيبة في قلوب الخلق، وكل ذلك بتيسير الله وتقديره ﴿ بيدك الخير ﴾ أي بقدرتك يحصل كل الخيرات وليس في يد غيرك منها شيء.
وإنما خص الخير بالذكر وإن كان بيده الخير والشر والنفع والضرّ، لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة، أي بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، أو لأن جميع أفعاله من نافع وضار لا يخلو عن حكمة ومصلحة وإن كنا لا نعلم تفصيلها فكلها خير، أو لأن القادر على إيصال الخير أقدر على إيصال الشر فاكتفى بالأول عن الثاني.
وللاحتراز عن لفظ الشر مع أن ذلك صار مذكورا بالتضمن في قوله: ﴿ إنك على كل شيء قدير ﴾ ولأن الخير يصدر عن الحكم بالذات والشر بالعرض فاقتصر على الخير.
﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ﴾ وذلك بأن يجعل الليل قصيراً ويدخل ذلك القدر في النهار وبالعكس.
ففي كل منهما قوام العالم ونظامه.
أو يأتي بالليل عقيب النهار فيلبس الدنيا ظلمته بعد أن كان فيها ضوء النهار، ثم يأتي بالنهار عقيب الليل فيلبس الدنيا ضوأه.
فالمراد بالإيلاج إيجاد كل منهما عقيب الآخر والأول أقرب إلى اللفظ، فإن الإيلاج الإدخال فإذا زاد من هذا في ذلك فقد أدخله فيه ﴿ وتخرج الحي من الميت ﴾ المؤمن من الكافر ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ أي كافراً فهديناه، أو الطيب من الخبيث، أو الحيوان من النطفة، أو الطير من البيضة وبالعكس.
والنطفة تسمى ميتاً ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاًَ فأحياكم ﴾ أو يخرج السنبلة من الحبة، والنخلة من النواة وبالعكس.
فإخراج النبات من الأرض يسمى إحياء ﴿ يحيي الأرض بعد موتها ﴾ ﴿ وترزق من تشاء بغير حساب ﴾ تقدم مثله في البقرة.
وإذا كان كذلك فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم / ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم.
ثم لما علم كيفية التعظيم لأمر الله أردفه بشريطة الشفقة على خلق الله، أو نقول: لما ذكر أنه مالك الملك وبيده العزة والذلة والخير كله.
بيّن أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه دون أعدائه فقال: ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين ﴾ بالجزم، ولكن كسر الذال للساكنين.
قال الزجاج: ولو رفع على الخبر جاز، ولكنه لم يقرأ.
والخبر والطلب يقام كل منهما مقام الآخر.
وقوله: ﴿ من دون المؤمنين ﴾ يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم على المؤمنين.
عن ابن عباس قال: "كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد وهؤلا كانوا من اليهود يباطنون نفراً من الأنصار يفتنونهم عن دينهم.
فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود.
فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم" فنزلت هذه الآية.
وعن ابن عباس أيضاً في رواية الضحاك: "نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدرياً نقيباً، وكان له حلفاء من اليهود.
فلما خرج النبي يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو" فنزلت.
وقال الكلبي: نزلت في المنافقين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه - كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله فأنزل الله هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم.
وقد كرر ذلك في آيات أخر كثيرة ﴿ لا تتخذوا بطانة من دونكم ﴾ ﴿ لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ﴾ ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ﴾ وكون المؤمن موالياً للكافر يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون راضياً بكفره والرضا بالكفر كفر فيستحيل أن يصدر عن المؤمن فلا يدخل تحت الآية لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وثانيها المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر وذلك غير ممنوع منه والثالث كالمتوسط بين القسمين وهو الركون إليهم والمعونة والمظاهرة لقرابة أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك، ولهذا قال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، وكانوا يظهرون المودّة لكفار مكة مع اعتقاد أن دينهم باطل، فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه حذراً من أن يجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه حتى يخصه بالموالاة دون المؤمنين، فلا جرم هدد فقال: ﴿ من يفعل ذلك فليس من الله ﴾ أي من ولايته أو من دينه ﴿ في شيء ﴾ يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ عن ولاية الله رأساً، وهذا كالبيان لقوله: ﴿ من دون المؤمنين ﴾ ليعلم أن الاشتراك بينهم وبين المؤمنين في الموالاة غير متصوّر وهذا أمر معقول، فإن موالاة الولي وموالاة عدوه ضدان قال: تود عدوّي ثم تزعم أنني *** صديقك ليس النوك عنك بعازب قال بعض الحكماء: هذا ليس بكلي فإنه قد يكون المشفق على العدوّ مشفقاً على العدو الآخر كالملك العادل فإنه محب لهما، فإن أراد أحد أن يعم الحكم لا بد له أن يزيد عليه إذا كانوا في مرتبة واحدة ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ قال الجوهري: يقال اتقى تقية وتقاة مثل اتخم تخمة، وفاؤها واو كتراث.
فالتقاة اسم وضع موضع المصدر.
قال الواحدي: ويجوز أن يجعل "تقاة" ههنا مثل "دعاة" و "رماة" فيكون حالاً مؤكدة، وعلى هذين الوجهين يكون تتقوا مضمناً معنى تحذروا أو تخافوا ولذا عدي بـ"من".
ويحتمل أن يكون التقاة أو التقية بمعنى المتقي مثل: ضرب الأمير لمضروبه، فالمعنى إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه.
رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة محالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع من قشر العصا وإظهار الطوية كقول عيسى : كن وسطاً وامش جانباً أي ليكن جسدك بين الناس وقلبك مع الله.
وللتقية عند العلماء أحكام منها: إذا كان الرجل في قوم كفار يخاف منهم على نفسه جاز له أن يظهر المحبة والموالاة ولكن بشرط أن يضمر خلافه ويعرّض في كل ما يقول ما أمكن، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلب.
ومنه أنها رخصة فلو تركها كان أفضل لما "روى الحسن أنه أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟
قال: نعم.
قال: أتشهد أني رسول الله؟
قال: نعم.
- وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة ومحمد رسول قريش - فتركه ودعا الآخر وقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟
فقال: نعم نعم نعم.
فقال: أتشهد أني رسول الله؟
فقال: إني أصم ثلاثاً، فقدمه وقتله.
فبلغ ذلك رسول الله : فقال: أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيأ له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه" .
ونظير هذه الآية ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ ومنها أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة.
وقد يجوز أن تكون أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين، فأما الذي يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال وشهادة الزور وقذف المحصنات وإطلاع الكفار على عورات المسلمين فذلك غير جائز ألبتة.
ومنها أن الشافعي جوز التقية بين المسلمين كما جوّزها بين الكافر محاماة على النفس.
ومنها أنها جائزة لصون المال على الأصح كما أنها جائزة لصون النفس لقوله : " "حرمة مال المسلم كحرمة دمه" و "من قتل دون ماله فهو شهيد " ولأن الحاجة إلى المال شديدة ولهذا يسقط فرض الوضوء ويجوز الاقتصار على / التيمم إذا بيع الماء بالغبن.
قال مجاهد: كان هذا في أول الإسلام فقط لضعف المؤمنين.
وروى عوف عن الحسن أنه قال: التقية جائزة إلى يوم القيامة.
وهذا أرجح عند الأئمة.
﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ قيل: أي عقاب نفسه.
وفيه تهديد عظيم لمن تعرّض لسخطه بموالاة أعدائه لأن شدة العقاب على حسب قدرة المعاقب.
وفائدة ذكر النفس تصريح بأن الذي حذر منه هو عقاب يصدر من الله لا من غيره.
وقيل: الضمير يعود إلى اتخاذ الأولياء أي ينهاكم الله عن نفس هذا الفعل.
ثم حذر عن جعل الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية فقال: ﴿ قل إن تخفوا ما في صدوركم ﴾ أي قلوبكم وضمائركم لأن القلب في الصدر فجاز إقامة الظرف مقام المظروف ﴿ أو تبدوه يعلمه الله ﴾ يتعلق به علمه الأزلي.
ثم استأنف بياناً أشفى وتحذيراً أوفى فقال: ﴿ ويعلم ما في السموات وما في الأرض ﴾ ثم قال إتماماً للتحذير ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ ثم خلط الوعيد بالوعد والترهيب بالترغيب فقال: ﴿ يوم تجد ﴾ وفي عامله وجوه قال ابن الأنباري: وإلى الله المصير يوم تجد.
وقيل: والله على كل شيء قدير يوم تجد، وخص ذلك اليوم بالذكر وإن كان غيره من الأيام بمنزلته في قدرة الله تعظيماً لشأنه مثل ﴿ مالك يوم الدين ﴾ وقيل: انتصابه بمضمر أي اذكر.
والأظهر أن العامل فيه ﴿ تود ﴾ والضمير في ﴿ بينه ﴾ لليوم أي تود كل نفس يوم تجد ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء محضراً أيضاً لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً.
والأمد الغاية التي ينتهي إليها مكاناً كانت أو زماناً.
والمقصود تمني بعده كقوله: ﴿ يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ﴾ ومعنى كون العمل محضراً هو أن يكون ما كتب فيه العمل من الصحائف حاضراً، أو يكون جزاؤه حاضراً إذ العمل عرض لا يبقى.
ثم إن لم يكن يوم متعلقاً بـ ﴿ تود ﴾ احتمل أن يكون ﴿ تود ﴾ صفة ﴿ سوء ﴾ والضمير في ﴿ بينه ﴾ يعود إليه، واحتمل أن يكون حالاً، واحتمل أن يكون ﴿ ما عملت ﴾ مبتدأ من الصلة والموصول و ﴿ تود ﴾ خبره وهو الأكثر، واحتمل أن يكون "ما" شرطية و ﴿ تود ﴾ جزاء له وهو قليل كقوله: وإن أتاه خليل يوم مسغبة *** يقول لا غائب ما لي ولا حرم وقراءة عبد الله ﴿ ودت ﴾ يحتملها على السواء إلا أن الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم ﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ تأكيد للوعيد ﴿ والله رؤوف بالعباد ﴾ قال الحسن: ومن رأفته أن حذرهم نفسه وعرّفهم كمال علمه وقدرته، وأنه يمهل ولا يهمل، ورغبهم في استيجاب رحمته، وحذرهم من استحقاق غضبه.
ويجوز أن يراد أنه / رؤوف بهم حيث أمهلهم للتوبة والتلافي، أو هو وعد كما أن التحذير وعيد، أو المراد بالعباد عباده المخلصون كقوله: ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله ﴾ كما هو منتقم من الفساق ومحذرهم نفسه فهو رؤوف بالعباد المطيعين والمحسنين.
ثم إنه دعا القوم إلى الإيمان به ورسوله من طريق آخر سوى طريق التهديد والتحذير فقال: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله ﴾ قال الحسن وابن جريج: زعم أقوام على عهد رسول الله أنهم يحبون الله فقالوا: يا محمد إنا نحب ربنا فأنزل الله هذه الآية.
وروى الضحاك عن ابن عباس قال: "وقف النبي على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها الشنوف وهم يسجدون لها فقال: يا معشر قريش، لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل ولقد كانا على الإسلام.
فقالت قريش: يا محمد إنا نعبد هذه حباً لله ليقربونا إلى الله زلفى" .
فأنزل الله ﴿ قل إن كنتم تحبون الله ﴾ وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه ﴿ فاتبعوني يحببكم الله ﴾ فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم.
وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها نزلت حين زعمت اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه.
وقيل: نزلت في نصارى نجران زعموا أنهم يعظمون المسيح ويعبدونه حباً لله وتعظيماً له.
والحاصل أن كل من يدعي محبة الله من فرق العقلاء فلا بد أن يكون في غاية الحذر مما يوجب سخطه، فإذا قامت الدلائل العقلية والمعجزات الحسية على نبوة محمد وجبت متابعته.
فليس في متابعته إلا أنه يدعوهم إلى طاعة الله وتعظيمه وترك تعظيم غيره.
فمن أحب الله كان راغباً فيه لأن المحبة توجب الإقبال بالكلية على المحبوب والإعراض بالكلية عن غيره، وقد مر في تفسير قوله: ﴿ والذين آمنوا أشد حباً لله ﴾ تحقيق المحبة وأنها من الله عبارة عن إعطاء الثواب.
وقال: ﴿ ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ ليدل مع إيفاء الثواب على إزالة العقاب وهذه غاية ما يطلبه كل عاقل.
﴿ والله غفور ﴾ في الدنيا يستر على عبده أنواع المعاصي ﴿ رحيم ﴾ في الآخرة يثيبه على مثقال الذرة من الطاعة والحسنة.
يروى أنه لما نزل ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ﴾ قال عبد الله بن أبيّ إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحب النصارى عيسى فنزلت ﴿ قل أطيعوا الله والرسول ﴾ وذلك أن الآية الأولى لما اقتضت وجوب متابعته ثم إن المنافق ألقى شبهة في البين أمره الله أن يقول: إنما أوجب الله عليكم متابعتي لا لما يقوله النصارى في عيسى بل لكوني رسولاً من عند الله ومبلغ تكاليفه ﴿ فإن تولوا ﴾ أعرضوا أو تعرضوا على أن يكون التاء الأولى محذوفة ويدخل في جملة ما يقوله الرسول لهم، فإنه لا يحصل للكافرين محبة الله لأنها عبارة عن الثناء لهم وإيصال الثواب إليهم، والكافر يستحق الذم واللعن وهذا ضد المحبة.
ثم إنه لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بيّن / علو درجات الرسل وسموّ طبقاتهم فقال: ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً ﴾ الآية أي جعلهم صفوة خلقه والمختارين من بينهم تمثيلاً بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة، وذلك باستخلاصهم من الصفات الذميمة وتحليتهم بالخصال الحميدة كقوله: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ وقيل: المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح ولكن الأصل عدم الإضمار.
وذكر الحليمي في كتاب المنهاج أن الأنبياء عليهم السلام مخالفون لغيرهم في القوى الجسمانية والقوى الروحانية.
أما القوى الجسمانية فهي إما مدركة أو محركة.
أما المدركة فهي الحواس الظاهرة أو الباطنة أما الظاهرة فقوله " زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها " وقوله: " أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري" وهذا يدل على كمال القوة الباصرة ونظيرها ما حصل لإبراهيم ﴿ وكذلك نُرِي إبراهيم ملكوت السموات والأرض ﴾ ذكروا في تفسيره أن الله تعالى قوّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت وليس بمستبعد، فإنه يروى أن زرقاء اليمامة كانت تبصر من مسيرة ثلاثة أيام.
ويقال: إن النسر وغيره من عظام الجوارح يرتفع فيرى صيده من مائة فرسخ.
وقال : " أطت السماء وحق لها أن تئط " فسمع أطيط السماء.
ومثله ما زعمت الفلاسفة أن فيثاغورس راض نفسه حتى سمع حفيف الفلك.
وقد سمع سليمان كلام النمل وفهمه.
ومثله ما يروى أن النبي تكلم مع الذئب ومع البعير، وقد وجد يعقوب ريح يوسف من مسيرة أيام.
وقال " إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم" وهو دليل كمال قوة الذوق.
وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، قيل: وهو دليل قوة اللمس كما في النعامة والسمندل وفيه نظر، إذ لا إدراك ههنا فكيف يستدل به على قوة الإدراك؟
بل يجب أن يحمل هذا على معنى آخر وهو أنه لا يبعد أن يجعل المنافي ملائماً للإعجاز أو لخاصية أودعها في المنافي حتى يصير ملائماً.
وأما الحواس الباطنة فمنها قوة الحفظ قال : ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ ومنها قوة الذكاء قال علي رضي / الله عنه: علمني رسول الله ألف باب من العلم فاستنبطت من كل باب ألف باب.
وإذا كان حال الولي هكذا فكيف حال النبي؟
وأما القوة المحركة فكعروج النبي وعروج عيسى إلى السماء، وكرفع إدريس وإلياس على ما ورد في الأخبار.
وأما القوة الروحانية العقلية فنقول: إن النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس، أو كالمخالفة صفاء ونورية وانجذاباً إلى عالم الأرواح، فلا جرم تجري عليها الأنوار الفائضة من المبادىء العالية أتم من سائر النفوس وأكمل، ولهذا بعثت مكملة للناقصين ومعلمة للجاهلين ومرشدة للطالبين مصطفاة على العالمين من جميع سكان الأرضين عند من يقول الملك أفضل من البشر، أو من سكان السموات أيضاً عند من يرى البشر أفضل المخلوقات.
ثم إن القرآن دل على أن أول الأنبياء اصفطاء آدم صفي الله وخليفته.
ثم إنه وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم وهم: شيث وأولاده إلى إدريس، ثم إلى نوح ثم إلى إبرهيم ثم انشعب من إبراهيم شعبتان: إسماعيل وإسحق.
فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لمحمد ، وجعل إسحق مبدأ لشعبتين يعقوب وعيص.
فوضع النبوة في نسل يعقوب، ووضع الملك في نسل عيص، واستمر ذلك إلى زمان محمد .
فلما ظهر محمد نقل نور النبوة ونور الملك إليه وبقي الدين والملك في أمته إلى يوم القيامة، فالمراد بآل إبراهيم أولاده عليهم الصلاة والسلام وهو المطلوب بقوله: ﴿ ومن ذريتي ﴾ بعد قوله: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً ﴾ وأما آل عمران فقيل: أولاد عمران بن يصهر والدموسي وهارون.
وقيل: المراد بعمران والد مريم وهو عمران بن ماثان بدليل قوله عقيبه ﴿ إذ قالت امرأة عمران ﴾ ولا شك أنه عمران بن ماثان جد عيسى من قبل الأم، ولأن الكلام سيق للنصارى الذين يحتجون على إلهية عيسى بالخوارق التي ظهرت على يده.
فالله يقول: إن ذلك باصطفاء الله إياه لا لكونه شريكاً للإله ولأن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله : ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين ﴾ .
﴿ ذرية ﴾ بدل ممن سوى آدم ﴿ بعضها من بعض ﴾ قيل: أي في التوحيد والإخلاص والطاعة كقوله: ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ﴾ وذلك لاشتراكهم في النفاق.
وقيل: معناه أن غير آدم كانوا متوالدين من آدم.
وقيل: يعني أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض، موسى وهارون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من قاهث، وقاهث من لاوي، ولاوي من يعقوب، ويعقوب من إسحق.
وكذلك عيسى من مريم، ومريم بنت عمران بن ماثان.
ثم قال في الكشاف: ماثان بن سليمان بن داود بن ايشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحق وفيه نظر، لأن بين ماثان وسليمان قوماً آخرين، وكذلك بين ايشا ويهوذا.
﴿ والله / سميع ﴾ لأقوال العباد ﴿ عليم ﴾ بضمائرهم وأفعالهم فيصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولاً وفعلاً.
ويحتمل أن يكون الكلام مع اليهود والنصارى الذين كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه تغريراً للعوام مع علمهم ببطلان هذا الكلام، فيكون أول الكلام تشريفاً للمرسلين وآخره تهديداً للمبطلين كأنه قيل: والله سميع لأقوالهم الباطلة، عليم بأغراضهم الفاسدة فيجازيهم بحسب ذلك.
ويحتمل أن يتعلق بما بعده كما في الوقوف.
التأويل: مالك هو ملك الوجود فلا وجود بالحقيقة إلا له، تؤتي الوجود من تشاء وتنزع الوجود ممن تشاء، فتخلق بعض الموجودات مستعداً للبقاء كالملائكة والإنسان، توجد بعضها قابلاً للفناء كالنبات والحيوان غير الإنسان.
﴿ وتعز من تشاء ﴾ بعزة الوجود النوري، ﴿ وتذل من تشاء ﴾ بذل القبض القهري، بيدك الخير.
﴿ إنك على كل شيء قدير ﴾ تضمين للدعاء بذكر السبب كما يقال للجواد إنك الذي يقدر على إعطاء كل خير فأتنا وأعزنا يا مفيض كل خير، ويا كاشف كل ضير.
تولج ليل ظلمات الصفات البشرية النفسانية في نهار أنوار الصفات الروحانية وبالعكس، تخرج القلب الحي بالحياة الحقيقية من النفس الميتة، وتخرج القلب الميت عن الحياة الحقيقية من النفس الحية بالحياة المجازية الحيوانية.
لا يتخذ القلب المؤمن والروح والسر وصفاتها الكافرين من النفس الأمّارة والشيطان والهوى والدنيا أولياء من دون المؤمنين من القلب والروح والسر، ومن يفعل ذلك من القلوب فليس من أنوار الله وألطافه في شيء إلا أن تخافوا من هلاك النفوس.
فالنفس مركب الروح فتواسوها كيلا تعجز عن السير في الرجوع وتهلك في الطريق من شدة الرياضات وكثرة المجاهدات.
﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ أي من صفات قهره ﴿ قل إن تخفوا ما في صدوركم ﴾ من معاداة الحق في ضمن موالاة النفس ﴿ ويعلم ما في السموات ﴾ قلوبكم ﴿ وما في الأرض ﴾ نفوسكم ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت ﴾ أثر الخير والشر ظاهر في ذات المرء وصفاته، وبحسب ذلك يبيض وجه قلبه أو يسود ولكنه في غفلة من هذا محجوب عنه بحجاب النفس والجسم كمثل نائم لدغته حية كحية الكفر والخصال الذميمة فلا يحس بها ما دام نائماً نوم الغفلة، فإذا مات انتبه وأحس، ثم أخبر عن طريق الوصول أنه في متابعة الرسول.
واعلم أن للاتباع ثلاث درجات، ولمحبة المحب ثلاث درجات، ولمحبة الله للمحب التابع على حسب الاتباع ثلاث درجات.
أما درجات الاتباع فالأولى درجة عوام المؤمنين وهي متابعة أعماله ، والثانية درجة الخواص وهي متابعة أخلاقه، والثالثة درجة أخص الخواص وهي متابعة أحواله.
وأما درجات محبة المحب فالأولى محبة العوام وهي مطالعة المنة من رؤية إحسان المحسن "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها" وهذا حب / يتغير بتغير الإحسان وهو لمتابعي الأعمال الذين يطمعون في الأجر على ما يعملون وفيه قال أبو الطيب: وما أنا بالباغي على الحب رشوة *** ضعيف هوى يرجى عليه ثواب والثانية محبة الخواص المتبعين للأخلاق الذين يحبونه إعظاماً وإجلالاً له، ولأنه أهل لذلك كما قالت رابعة: أحبك حبين حب الهوى *** وحب لأنك أهل لذاكا ويضطر هذا المحب في هذه الدرجة إلى إيثار الحق على غيره، وهذا الحب يبقى على الأبد بقاء الكمال والجلال على السرمد وفيه قال: سأعبد الله لا أرجو مثوبته *** لكن تعبد إعظام وإجلال والثالثة محبة أخص الخواص المتبعين للأحوال وهي الناشئة من الجذبة الإلهية في مكان من "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" وأهل هذه المحبة هم المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية، غذينا بالمحبة يوم قالت *** له الدنيا أتينا طائعينا وحقيقة هذه المحبة أن يفنى المحب بسطوتها وتبقى المحبة فيه بلا هو كما أن النار تفني الحطب بسطوتها وتبقى النار منه بلا هو.
وحقيقة هذه المحبة نار لا تبقي ولا تذر.
وأما درجات محبة الله للعبد فاعلم أن كل صفة من صفات الله من العلم والقدرة والإرادة وغيرها فإنها لا تشبه في الحقيقة صفات المخلوقين، حتى الوجود فإنه وإن عم الخالق والمخلوق إلا أن وجوده واجب بنفسه ووجود غيره ممكن في ذاته واجب به، فليس في الكون إلا الله وأفعاله.
قرأ القارى بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير رحمه الله قوله: ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ فقال: بحق يحبهم لأنه لا يحب إلا نفسه فليس في الوجود إلا هو، وما سواه فهو من صنعه.
والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه.
والغرض أن محبة الله للخلق عائدة إليه حقيقة إلا أنه لما كان مرورها على الخلق فبحسب ذلك اختلفت مراتبها، مع أنها صدرت عن محل واحد هو محل "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف" فما تعلقت إلا بأهل المعرفة وذلك قوله: "فخلقت الخلق لأعرف" لكنها تعلقت بالعوام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال فقيل لهم ﴿ فاتبعوني ﴾ بالأعمال الصالحة ﴿ يحببكم الله ﴾ يخصكم بالرحمة ﴿ ويغفر لكم ﴾ ذنوبكم التي صدرت منكم على خلاف / المتابعة.
وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة بالفضل ومشربهم الأخلاق فقيل لهم: ﴿ فاتبعوني ﴾ بمكارم الأخلاق يحببكم بالفضل يخصكم بتجلي صفات الجمال ﴿ ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته.
وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة بالجذبات ومشربهم الأحوال فقيل لهم ﴿ فاتبعوني ﴾ ببذل الوجود ﴿ يحببكم الله ﴾ يخصكم بجذبكم إلى نفسه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ذنوب وجودكم فيمحوكم عنكم ويثبتكم به كما قال: "فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً" فهم بين روضة المحو وغدير الإثبات أحياء غير أموات، ويكون في هذا المقام المحب والمحبوب والمحبة واحداً كما أن الرائي في المرآة يشاهد ذاته بذاته وصفاته بصفاته فيكون الرائي والمرئي والرؤية واحداً.
﴿ قل أطيعوا الله والرسول ﴾ فإن متابعته صورة جذبة الحق وصدف درّة محبته لكم.
﴿ إن الله اصطفى آدم ﴾ وذلك أن الله خلق العالمين سبعة أنواع: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والنفوس والعقول والأرواح، وجمع في آدم جميع الأنواع وخصه بتشريف ثامن هو تشريف ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ فهو المظهر لجميع آياته وصفاته وذاته وهو معنى جعله خليفة ومعنى قوله "وإن الله خلق آدم على صورته" ثم ذكر خواص أولاد آدم نوحاً وآل إبراهيم وآل عمران والمراد بالآل كل مؤمن تقي ﴿ بعضها من بعض ﴾ بالوراثة الدينية " "العلماء ورثة الأنبياء" فالعالم كشجرة وثمرتها أهل المعرفة ﴿ والله سميع ﴾ لدعائهم ﴿ عليم ﴾ بأحوالهم وخصالهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ ﴾ الآية [آل عمران: 26]: يحتمل قوله: ﴿ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ ﴾ وجهين: أحدهما: مالك ملك كل ملك في الدنيا له حقيقة الملك.
والثاني: أن الملك له، يؤتي من يشاء من ملكه، وينزع ممن يشاء الملك، وهو المالك لذلك، والقادر عليه.
والآية ترد على القدرية قولهم: لأنهم يقولون: إن الله لا يعطي الكافر الملك، وهو قد أخبر - عز وجلّ - أنه يؤتي من يشاء الملك، وقد يؤتي الكافر به الملك، فإن قالوا: أراد بـ"الملك": الدين، فقد أخبر - عز وجل - أيضا أنه ينزع، فكيف يستقيم على قولكم في الأصلح هذا.
ثم في الآية تقوية لمن قرأ: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ بالألف لأنه أعمّ وأجمع؛ لأنه قال: ﴿ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ ﴾ وهو أعمّ.
والثاني: أن "الملك" إنما يعتبر عن الولاية والسلطان، و"المالك": إنما يعبر عن حقيقة الملك، ومن له في الشيء حقيقة الملك - فله ولاية التغلب والتصرف فيه ولاية السلطان، ولا كل من له ولاية السّلطان يكون له ولاية التغلب فيه؛ لذلك كان بالألف أقرب، ومن قرأ: "ملك يوم الدين" بغير ألف ذهب إلى أن هذا كقوله: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ ومن الملك يقال: ملك؛ لا يقال: مالك؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
والمالك - على الإطلاق - لا يقال إلا [على الله]؛ وكذلك الرب - على الإطلاق - لا يقال إلا [على الله]، وأما العبد فإنه يقرن الشيء إليه؛ فيقال ربّ الدار ومالكها، ورب الدابة ومالكها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ ﴾ : قال قائلون: الخطاب لرسول الله خاصّة.
وقال آخرون: الخطاب بذلك لكل عاقل؛ وهو كقوله: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴾ إلى آخر الآية، ذلك الخطاب لكل أحد لا لرسول الله خاصّة.
وقال الشيخ - رحمه الله -: ليس هو خطاب؛ ولكنه أمر بالبلاغ ليقوله كل أحد؛ لأنه لو خوطب به لم يذكر "قل" عند قراءته.
وقوله: ﴿ ٱللَّهُمَّ ﴾ : قال قائلون: "اللهم" يعني: يا آلهتهم.
وقال آخرون: "الله" - على القطع - "أمّنا" اقصدنا بالخير، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ ﴾ الآية: فكأنه - عز وجل - امتحن من رغب في الملك، أو نال حظّاً منه - أن يصرفوا وجه الرغبة إليه، أو يروا حقيقة ما نالوه منه؛ فيوجهون إليه الشكر، ويخضعون له بالعبادة والطاعة فيما أمرهم به؛ لينالوا شرفة ويدوم له عزّه؛ وذلك كقوله: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ليريهم أن الذي يملك هذا النوع الذي رغبت فيه أنفسكم، ومنعتكم عن القيام بحقهِ - هو الذي يملك ذلك؛ فإليه فاصرفوا سعيكم، وبشكره استديموا، الذي له اخترتم جل كدحكم؛ فإنه يملك ذلك دون غيره؛ وجملة ذلك في قوله: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ﴾ ومعقول فيما عليه طبع البشر، وإليه دعاهم عقولهم: أن كل شيء تؤثره أنفسهم - كان الذي يحق عليهم طلبة عند من به يوصل إليه، واختيارهم ما به يبلغون ما يأملون من أنواع الحيل التي تقربهم إلى ذلك، فمثله يلزم أمر الملك ولذَّات الدُّنيا، وتقرر في قلوبهم وجود ذلك لقوم؛ لو كان ينال بالتدبير أو بحسن السياسة، وطلب ذلك من الوجوه التي يطلب بها البشر - لم يكن الدين لهم ذلك بأحق من غيرهم؛ بل كان فيمن حرموا مَنْ هم أولى بذلك، وأحق أن يكون في ذلك متبوعاً لا تابعاً من الذين نالوه؛ ليعلم أن الذي يملك دفع ذلك إلى أحد أو تمليكه أحداً، غير الذين صرفوا كدحهم، وجعلوا له سعيهم؛ فيكون لله في كل أمر ممّا عليه أمر البشر آية عظيمة، وعلامة لطيفة على تفرده بملك ذلك، وتوحُّدِهِ بالتدبير فيه لمن له بصيرة ولمن به يمتحن عباده.
وعلى ذلك إذ ثبتت في ذلك أدلة التوحيد، ولزوم الاعتبار به؛ ليعرف من له الحق - ثبت القول ببطلان ما ينكره كثير من المعتزلة؛ أن الملك ناله الجبابرة، والسعة التي تصل إلى الكَفَرَة - لم يكن نالوه بتقدير الله، ولا وصلوا إليه بتدبيره؛ إذ حقه ما ذكرت من عظيم ما فيه من النعم؛ ليلزمهم به أرفع المحن وأعلى الشكر، وله أن يبلو بالحسنات والسّيئات؛ كما وعد عز وجل؛ وجملته: أن الدنيا إذ هي دار محنة ومكان ابتلاء، فليس الذي يعطي منه على الاستحقاق، ولا ما يمنع على العقوبة - وإن احتمل الدفع والمنع لذلك - ولكن له وللمحن، والمحنة أكثرها على مخالفة الأهواء، وتحمل المكاره، ويكون ذلك على إعطاء ما يعظم في أنفسهم، أو التمكين ليمتحنوا؛ فيتبين الإيثار والترك لوجه الله، والرغبة فيمن إليه حقيقة ملك كل شيء، أو الميل إلى من إليه أنواع التغرير والمخادعات من غير تحقيق، ولا قوة إلا بالله.
وعلى ذ1لك قوله: ﴿ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ ﴾ يبيّن ذلك احتجاجه على إبراهيم [- -] بالذي ذكر، وإغضاء إبراهيم عنه، ولو كان الذي آتاه [الله] الملك إبراهيم [- -] لم يكن ليجترئ على تلك المقالة بقوله: ﴿ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ﴾ ، ولا قوة إلا بالله.
ثم على قول المعتزلة؛ إنّ الله - - إنما يشاء أن يؤتي الملك أولياءه، وينزع عن أعدائه في الجملة، فكيف ادعى لنفسه هذا السلطان والملك، وكان الوجوب على ضدّ ذلك؟!
أيظن المعتزلة أن الملحدة تطعن ما هو يوجب الشبهة في حجج التوحيد بأوضح مما أعطاهم المعتزلة بهذا القول، أو يمكنهم من الطعن في نقض ما ادعت الموحدة من علو الرب وقدرته وجلاله بأبلغ مما لقنتهم المعتزلة بما لبست ثوب التوحيد، واستترت بستره في الظاهر، ثم أعطت للملحدة هذا؛ ليظنوا أنهم بلغوا ما به نقض التوحيد، ودفع حجج أهله، جل الله عما وصفته الملحدة، وتعالى، فيه العصمة والنجاة.
ولما أعطتهم المعتزلة في الجملة سبقهم به إبليس، حتى كانوا بمثله يحتجون؛ فيظنون أنهم أحق بالنبوة منهم، بما أعطوا من الملك والثروة في الدنيا؛ فظنوا أنهم أجل عند الله - - وأرفع في المنزلة منهم، من لم يكن ليؤثرهم بالرسالة عليهم، لكن أولئك حققوا حقائق النعم لله، ونيل ما نالوا من الملك والشرف به، والمعتزلة رامت إزالة ذلك عن الله؛ ليزيلوا عنهم ما لزمهم من الشكر له، والطاعة لمن بعثه الله، وأسأل الله تمام نعمه في الدين والدنيا.
وقوله: ﴿ تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ ﴾ ونحو ذلك: وجوه من الأدلة.
أحدها: أن يعلم أن الله [- عز وجل -] فيما يخلق - لا يخلق على معونة الأسباب، وتوليد الطبائع؛ لأن الأسباب تكون بموضع الإشكال؛ وكذلك الطباع تولد الذي في جوهرة؛ نحو: الحار يولد الحرارة، والبارد [يولد] البرودة؛ فبين [الله - -] الإنشاء على أحوال التضاد؛ [ليعلم] أنه القادر على اجتماع ما شاء بلا معونة من ذلك ولا توليد، ولا قوة إلا بالله.
والوجه الثاني: أنه جرى تقدير ذلك على ما لا تفاوت له، ولا اختلاف في اختلاف الأعوام؛ ليعلم أنها مسوّاة على التدبير، أحكمه على ذلك العزيز الحكيم، الذي لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه أمرّ وليعلم أن الذي قدر على ذلك واحد؛ إذ لم يختلف ولم يتناقض، ولا قوة إلا بالله.
وأيضاً، أنه قد صيّر كل جوهر بأحداث الآخر؛ كأنه لم يكن قط، ولا كان بقي له أثر، ثم رده بالوصف الذي كان؛ حتى لا يفوت منه شيء، حتى لا سبيل إلى العلم بالتفصيل بينهما؛ ليعلم أن قدرته على البعث، بعد أن يفني كل الأجزاء والآثار، على ما كان، ولا قوة إلا بالله.
وأيضاً، أنه إذ بنى الأمر على ما فيه من عظيم الحكمة، وعجيب التدبير - لم يجز أن يكون فعله خارجاً على العبث، ثم في رفع المحنة، وإبطال الرسالة في تعليم ما في ذلك من الحكمة، وما يلزم بمكان ذلك التدبير من الشكر والمعرفة، ثم من الترغيب فيما يملك من النعمة، والترهيب عما عنده من النقمة - إبطال الحكمة، وتقرير العالم مَع ما ذكرت على العبث، وذلك فاسد في العقول، وموجود في الجواهر عظيم حكمة منشئها، ثبت بذلك العبادة والرسالة والجزاء، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ لْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ ﴾ إلى آخره: يحتمل وجهين: يحتمل أن تؤتي ابتداء من غير أن كان آتاهم مرة؛ وكذلك تنزع - أي تمنع - ابتداء من غير أن كان آتاهم، ثم ينزع؛ كقوله: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴾ رفع ابتداء من غير أن كانت موضوعة فرفعها؛ وكقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ إخراج الابتداء، لا أن كانوا فيها ثم أخرجهم، فعلى ذلك هذا، وعلى ذلك قوله: ﴿ تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ﴾ إيلاج ابتداء، لا أن كان أحدهما في الآخر؛ كقوله - -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ و ﴿ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً ﴾ أخبر أنه لم يجعل واحداً منها مؤبّدا؛ وكذلك قوله: ﴿ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ ﴾ إخراج ابتداء؛ أن يخلق الحي من الميت ابتداء، ويخلق الميت من الحي من غير أن كان فيه؛ ويحتمل هذا كله أن كان يؤتي الملك بعد أن لم يكن، ويعزّ بعد الذل، وينزع الملك بعد أن كان، ويذل بعد أن كان العز؛ [وكذا قوله: ﴿ تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ﴾ : أن يدخل بعض هذا في هذا، وهذا في هذا].
وقوله: ﴿ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ ﴾ : قيل: أن يخرج حي الأقوال من ميت الأفعال، وميت الأفعال من حي الأقوال، يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن؛ على ما سمى الله - - الكافر ميتاً، والمؤمن حيّاً في غير موضع من القرآن.
وقيل: يخرج حي الجوهر من ميت الجوهر، وميت الجوهر من حي الجوهر.
وقيل: يخرج الحي من المني، ويخرج المني من الحي.
وقيل: البيضة من الحي، والحي من البيضة.
وقيل: النخلة من النواة، والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة.
وقوله: ﴿ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .
قيل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ : يعرف الخلق عدده ومقداره.
وقيل: بغير تبعة ولا طلبة؛ أي: لا يحاسبهم فيما أعطاهم من بعد ما أعطاهم.
ويحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، أي: لا يعطيهم بحساب أعمالهم، ولكن بتفضل، خلافاً للمعتزلة.
ويحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ : في الآخرة.
وعن ابن عباس - -: "بغير هنداز - فارسية معربة".
وعن مقاتل: "لا يقدر ذلك غيره؛ يقول: ليس فوقي ملك يحاسبني، أنا الملك أعطي من شئت بغير حساب، لا أخاف من أحد يحاسبني" والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول- مُثْنيًا على ربك ومعظِّمًا له: اللهُمَّ أنت مالك الملك كله في الدنيا والآخرة، تؤتي الملك من تشاء من خلقك، وتنزعه ممن تشاء، وتُعز من تشاء منهم، وتذل من تشاء، وكل ذلك بحكمتك وعدلك، وبيدك وحدك الخير كله، وأنت على كل شيء قدير.
<div class="verse-tafsir" id="91.nYp4Z"
روي عن قتادة أن النبي سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته فنزل قوله تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾ وإن الكلام متصل بما قبله صح ما قيل في سبب النزول أم لم يصح، والكلام في حال النبي مع من خوطبوا بالدعوة من المشركين وأهل الكتاب، فالمشركون كانوا ينكرون النبوة لرجل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق كما أنكر أمثالهم على الأنبياء قبله.
وأهل الكتاب كانوا ينكرون أن يكون نبي من غير آل إسرائيل، وقد عهد في غير موضع من القرآن تسلية النبي في مقام بيان عناد المنكرين ومكابرة الجاحدين وتذكيره بقدرته تعالى على نصره وإعلاء كلمة دينه، فهذه الآية من هذا القبيل.
كأنه يقول له: إذا تولى هؤلاء الجاحدون عن بيانك، ولم ينظروا في برهانك، وظل المشركون منهم على جهلهم، وأهل الكتاب في غرورهم، فعليك أن تلجأ إلى الله تعالى وترجع إليه بالدعاء والثناء، وتتذكر أنه بيده الأمر يفعل ما يشاء، وهذا يناسب ما تقدم في الرد على نصارى نجران من أمره بالالتجاء إليه سبحانه بقوله: ﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ ﴾ .
وعلى هذا التفسير يصح أن يكون الملك بمعنى النبوة أو لازمها.
ولا شك أن النبوة ملك كبير لأن سلطانها على الأجساد والأرواح، على الظاهر والباطن، قال تعالى: ﴿ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ فإن لم يكن هذا الملك عين النبوة فهو لازمها، ونزع الملك على هذا القول عبارة عن نزعه من الأمة التي كان يبعث فيها الأنبياء كأمة إسرائيل فقد نزعت منها النبوة ببعثة النبي ، ويمكن أن يفسر النزع هنا بالحرمان فإنه تعالى يعطي النبوة من يشاء ويحرم منها من يشاء، فإن قيل: إن النزع إنما يكون لشيء قد وجد صح أن يجاب عنه بأن هذا على حد قوله تعالى حكاية على لسان الرسل: ﴿ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ﴾ فإنهم لم يكونوا في ملتهم إذ يستحيل الكفر على الأنبياء.
﴿ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾ العز والذل معروفان من آثار الأول حماية الحقيقة ونفاذ الكلمة ومن أسبابه كثرة الأعوان وملك القلوب بالجاه والعلم النافع للناس وسعة الرزق مع التوفيق للإحسان، ومن آثار الثاني الضعف عن الحماية، والرضى بالضيم والمهانة.
﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾ قدر المفسر (الجلال) هنا كلمة "والشر"، هربًا من المعتزلة، على أنه ليس في العبارة نفي لكون الشر بيده كما أنه ليس فيها إثبات له فلا معنى لتصادم المذاهب فيها وحسبنا قوله: ﴿ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ﴾ أي تدخل طائفة من الليل في النهار فيقصر الليل من حيث يطول النهار، وتدخل طائفة من النهار في الليل فيطول هذا من حيث يقصر ذاك.
﴿ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ﴾ كالعالم من الجاهل والصالح من الطالح والمؤمن من الكافر ﴿ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ﴾ كالكافر من المؤمن والجاهل من العالم والشرير من الخير.
<div class="verse-tafsir"