الآية ٣ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٣ من سورة آل عمران

نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 174 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى ( نزل عليك الكتاب بالحق ) يعني : نزل عليك القرآن يا محمد ) بالحق ) أي : لا شك فيه ولا ريب ، بل هو منزل من عند الله [ عز وجل ] أنزله بعلمه والملائكة يشهدون ، وكفى بالله شهيدا .

وقوله : ( مصدقا لما بين يديه ) أي : من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله الأنبياء ، فهي تصدقه بما أخبرت به وبشرت في قديم الزمان ، وهو يصدقها ، لأنه طابق ما أخبرت به وبشرت ، من الوعد من الله بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم ، وإنزال القرآن العظيم عليه .

وقوله : ( وأنزل التوراة ) أي : على موسى بن عمران [ عليه السلام ] ) والإنجيل ) أي : على عيسى ابن مريم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : نَـزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: يا محمد، إنّ ربك وربَّ عيسى وربَّ كل شيء، هو الرّبّ الذي أنـزل عليك الكتاب = يعني بـ" الكتاب "، القرآن =" بالحق " يعني: بالصّدق فيما اختلف فيه أهل التوراة والإنجيل، وفيما خالفك فيه محاجُّوك من نصارى أهل نجران وسائر أهل الشرك غيرهم =" مُصَدّقًا لما بين يديه "، يعني بذلك القرآن، أنه مصدّق لما كان قبله من كتب الله التي أنـزلها على أنبيائه ورسله، ومحقق ما جاءت به رُسل الله من عنده.

(36) لأن منـزل جميع ذلك واحد، فلا يكون فيه اختلاف، ولو كان من عند غيره كان فيه اختلاف كثير.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 6554 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " مصدقًا لما بين يديه ".

قال: لما قبله من كتاب أو رسول.

6555 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " مصدقًا لما بين يديه "، لما قبله من كتاب أو رسول.

6556 - حدثني محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنى محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " نـزل عليك الكتاب بالحق "، أي بالصدق فيما اختلفوا فيه.

(37) 6557 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " نـزل عليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه "، يقول: القرآن، =" مصدّقًا لما بين يديه " من الكتب التي قد خلت قبله.

6558 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " نـزل عليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه "، يقول: مصدّقًا لما قبله من كتاب ورسول.

* * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " وَأَنْـزَلَ التَّوْرَاةَ"، على موسى =" وَالإِنْجِيلَ" على عيسى =" من قبل "، يقول: من قبل الكتاب الذي نـزله عليك = ويعني بقوله: " هُدًى للناس "، بيانًا للناس من الله فيما اختلفوا فيه &; 6-162 &; من توحيد الله وتصديق رسله، ونَعْتِيك يا محمد بأنك نبيّى ورسولى، (38) وفي غير ذلك من شرائع دين الله، كما:- 6559 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وَأَنْـزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ"، هما كتابان أنـزلهما الله، فيهما بيانٌ من الله، وعصمةٌ لمن أخذ به وصدّق به، وعمل بما فيه.

6560 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " وَأَنْـزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ"، التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، كما أنـزل الكتب على من كان قبله.

(39) ____________________ الهوامش : (36) في المخطوطة"ومخفو ما جاءت به رسل الله" ، وهو خطأ ، والصواب ما في المطبوعة.

(37) الأثر: 6556- هو بقية الآثار السالفة ، التي آخرها آنفًا رقم: 6553.

(38) في المطبوعة: "ومفيدًا يا محمد أنك نبيي رسولي" ، وفي المخطوطة هكذا: "وحفيك يا محمد بأنك نبيي ورسولي" ، الحرف الأول حاء ، والثاني"فاء" والثالث"ياء" ، والرابع كالدال ، إلا أنه بالكاف أشبه.

وقد رجحت أن تكون الكلمة: "نعتيك" ، لأن الله لما نعت محمدًا بأنه نبيه ورسوله ، اختلف الناس في صفته هذه.

وكذلك فعل هذا الوفد من نصارى نجران ، كما هو واضح من حديثهم في سيرة ابن هشام.

وقوله"ونعتيك" معطوف على قوله: "من توحيد الله ، وتصديق رسوله" ، أي ومن نعتيك.

أما ما جاء في المطبوعة ، فهو فاسد في السياق وفي المعنى جميعًا.

(39) الأثر: 6560 - هو بقية الآثار السالفة ، التي آخرها رقم: 6556 ، وفي المطبوعة"على من كان قبلهما" ، والصواب من المخطوطة وسيرة ابن هشام.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : نزل عليك الكتاب يعني القرآن بالحق أي بالصدق ، وقيل : بالحجة البالغة .

والقرآن نزل نجوما : شيئا بعد شيء ، فلذلك قال ( نزل ) والتنزيل مرة بعد [ ص: 7 ] مرة .

والتوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة فلذلك قال أنزل ، والباء في قوله ( بالحق ) في موضع الحال من الكتاب ، والباء متعلقة بمحذوف ، التقدير : آتيا بالحق ولا تتعلق ب نزل لأنه قد تعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر ، ولا يتعدى إلى ثالث .ومصدقا حال مؤكدة غير منتقلة ; لأنه لا يمكن أن يكون غير مصدق ، أي غير موافق ; هذا قول الجمهور .

وقدر فيه بعضهم الانتقال على معنى أنه مصدق لنفسه ومصدق لغيره .قوله تعالى : لما بين يديه يعني من الكتب المنزلة .

والتوراة معناها الضياء والنور مشتقة من : ورى الزند ووري لغتان إذا خرجت ناره وأصلها تورية على وزن تفعلة ، التاء زائدة وتحركت الياء وقبلها فتحة فقلبت ألفا ، ويجوز أن تكون تفعلة فتنقل الراء من الكسر إلى الفتح كما قالوا في جارية جاراة وفي ناصية ناصاة كلاهما عن الفراء .

وقال الخليل : أصلها فوعلة فالأصل وورية قلبت الواو الأولى تاء كما قلبت في تولج والأصل وولج فوعل من : ولجت ، وقلبت الياء ألفا لحركتها وانفتاح ما قبلها ، وبناء فوعلة أكثر من تفعلة .

وقيل : التوراة مأخوذة من التورية ، وهي التعريض بالشيء والكتمان لغيره ، فكأن أكثر التوراة معاريض وتلويحات من غير تصريح وإيضاح ، هذا قول المؤرج .

والجمهور على القول الأول لقوله تعالى : ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين يعني التوراة .

والإنجيل إفعيل من النجل وهو الأصل ، ويجمع على أناجيل وتوراة على توار .

فالإنجيل أصل لعلوم وحكم .

ويقال : لعن الله ناجليه ، يعني والديه ، إذ كانا أصله .

وقيل : هو من نجلت الشيء إذا استخرجته ; فالإنجيل مستخرج به علوم وحكم ، ومنه سمي الولد والنسل نجلا لخروجه ، كما قال :إلى معشر لم يورث اللؤم جدهم أصاغرهم وكل فحل لهم نجلوالنجل الماء الذي يخرج من النز .

واستنجلت الأرض ، وبها نجال إذا خرج منها الماء ، فسمي الإنجيل به ; لأن الله تعالى أخرج به دارسا من الحق عافيا .

وقيل : هو من النجل في العين ( بالتحريك ) وهو سعتها ، وطعنة نجلاء أي واسعة ، قال :ربما ضربة بسيف صقيل بين بصرى وطعنة نجلاءفسمي الإنجيل بذلك ; لأنه أصل أخرجه لهم ووسعه عليهم ونورا وضياء .

وقيل : التناجل التنازع ، وسمي إنجيلا لتنازع الناس فيه .

وحكى شمر عن بعضهم : الإنجيل كل كتاب مكتوب وافر السطور .

وقيل : نجل عمل وصنع ، قال :[ ص: 8 ]وأنجل في ذاك الصنيع كما نجلأي اعمل واصنع .

وقيل : التوراة والإنجيل من اللغة السريانية .

وقيل : الإنجيل بالسريانية إنكليون ، حكاه الثعلبي .

قال الجوهري : الإنجيل كتاب عيسى - عليه السلام - يذكر ويؤنث ، فمن أنث أراد الصحيفة ، ومن ذكر أراد الكتاب .

قال غيره : وقد يسمى القرآن إنجيلا أيضا ، كما روي في قصة مناجاة موسى - عليه السلام - أنه قال : ( يا رب أرى في الألواح أقواما أناجيلهم في صدورهم فاجعلهم أمتي ) ، فقال الله تعالى له : ( تلك أمة أحمد ) - صلى الله عليه وسلم - وإنما أراد بالأناجيل القرآن .

وقرأ الحسن : ( والأنجيل ) بفتح الهمزة ، والباقون بالكسر مثل الإكليل ، لغتان .

ويحتمل - إن سمع - أن يكون مما عربته العرب من الأسماء الأعجمية ، ولا مثال له في كلامها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومن قيامه تعالى بعباده ورحمته بهم أن نزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب، الذي هو أجل الكتب وأعظمها المشتمل على الحق في إخباره وأوامره ونواهيه، فما أخبر به صدق، وما حكم به فهو العدل، وأنزله بالحق ليقوم الخلق بعبادة ربهم ويتعلموا كتابه { مصدقا لما بين يديه } من الكتب السابقة، فهو المزكي لها، فما شهد له فهو المقبول، وما رده فهو المردود، وهو المطابق لها في جميع المطالب التي اتفق عليها المرسلون، وهي شاهدة له بالصدق، فأهل الكتاب لا يمكنهم التصديق بكتبهم إن لم يؤمنوا به، فإن كفرهم به ينقض إيمانهم بكتبهم، ثم قال تعالى { وأنزل التوراة } أي: على موسى { والإنجيل } على عيسى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( نزل عليك الكتاب ) أي القرآن ( بالحق ) بالصدق ( مصدقا لما بين يديه ) لما قبله من الكتب في التوحيد والنبوات والأخبار وبعض الشرائع ( وأنزل التوراة والإنجيل من قبل ) وإنما قال : وأنزل التوراة والإنجيل لأن التوراة والإنجيل أنزلا جملة واحدة ، وقال في القرآن " نزل " لأنه نزل مفصلا والتنزيل للتكثير ، والتوراة قال البصريون : أصلها وورية على وزن فوعلة مثل : دوحلة وحوقلة ، فحولت الواو الأولى تاء وجعلت الياء المفتوحة ألفا فصارت توراة ، ثم كتبت بالياء على أصل الكلمة ، وقال الكوفيون : أصلها تفعلة مثل توصية وتوفية فقلبت الياء ألفا على لغة طيئ فإنهم يقولون للجارية جاراة ، وللتوصية توصاة ، وأصلها من قولهم : ورى الزند إذا خرجت ناره ، وأوريته أنا ، قال الله تعالى : " أفرأيتم النار التي تورون " ( الواقعة - 71 ) فسمي التوراة لأنها نور وضياء ، قال الله تعالى : " وضياء وذكرا للمتقين " ( الأنبياء - 48 ) وقيل هي من التوراة وهي كتمان [ السر ] والتعريض بغيره ، وكان أكثر التوراة معاريض من غير تصريح والإنجيل : إفعيل من النجل وهو الخروج ومنه سمي الولد نجلا لخروجه ، فسمي الإنجيل به لأن الله تعالى أخرج به دارسا من الحق عافيا ، ويقال : هو من النجل وهو سعة العين ، سمي به لأنه أنزل سعة لهم ونورا ، وقيل : التوراة بالعبرانية تور ، وتور معناه الشريعة ، والإنجيل بالسريانية أنقليون ومعناه الإكليل

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«نزَّل عليك» يا محمد «الكتاب» القرآن ملتبسا «بالحق» بالصدق في أخباره «مصدقا لما بين يديه» قبله من الكتب «وأنزل التوراة والإنجيل من قبل» أي قبل تنزيله «هدّى» حال بمعني هادين من الضلالة «للناس» ممن تبعهما وعبر فيهما بأنزل وفي القرآن ينزل المقتضي للتكرير لأنهما أنزلا دفعة واحدة بخلافة «وأنزل الفرقان» بمعني الكتب الفارقة بين الحق والباطل وذكره بعد ذكر الثلاثة ليعم ما عداها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

نَزَّل عليك القرآن بالحق الذي لا ريب فيه، مصدِّقًا لما قبله من كتب ورسل، وأنزل التوراة على موسى علبه السلام، والإنجيل على عيسى عليه السلام من قبل نزول القرآن؛ لإرشاد المتقين إلى الإيمان، وصلاح دينهم ودنياهم، وأنزل ما يفرق بين الحق والباطل.

والذين كفروا بآيات الله المنزلة، لهم عذاب عظيم.

والله عزيز لا يُغَالَب، ذو انتقام بمن جحد حججه وأدلته، وتفرُّده بالألوهية.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقال أبو أمامة : فالتمستها فوجدت فى البقرة { الله لا إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم } وفى آل عمران { الله لا إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم } وفى طه { وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَيِّ القيوم } وبعد أن بين - سبحانه - أنه هو وحده المستحق للعبودية ، أتبع ذلك ببيان بعض مظاهر فضله ورحمته فقال : { نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } والكتاب - كما يقول الراغب - فى الأصل مصدر ، ثم سمى المكتوب فيه كتاباً .

والكتاب فى الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب فيه .

والكتب ضم أديم إلى أديم بالخياطة ، وفى التعارف ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط .والمراد بالكتاب المنزل : القرآن الكريم .

وفى التعبير عنه باسم الجنس إيذان بتفوقه على بقية أفراد الكتب المنزلة ، فكأنه هو الحقيق بأن يطلق عليه اسم الكتاب دون ما عداه كما يلوح به التصريح باسمى التوراة والإِنجيل .وعبر بنزل - بصيغة التضعيف - للإِشارة إلى أن نزول القرآن على النبى صلى الله عليه وسلم كان منجما ولم يكن دفعة واحدة ومن المعروف أن القرآن قد نزل على النبى صلى الله عليه وسلم على حسب الوقائع والحوادث وغيرها فى مدة تزيد على عشرين سنة .وقد ذكر العلماء حكما كثيرة لنزول القرآن منجما منها : تثبيت فؤاد النبى صلى الله عليه وسلم وتقوية قلبه ، ومنها : التدرج فى تربية قويمة سليمة ، ومنها : مسايرة الحوادث فى تجددها وتفرقها .

ومنها تيسير حفظه وتسهيل فهمه ، ومنها : تثبيت قلوب المؤمنين وتسليحهم بعزيمة الصبر واليقين ومنها : الإِجابة على أسئلة السائلين ، وبيان حكم الله - تعالى - فيما يحصل من قضايا ، ولفت أنظار المخطئين إلى ما وقعوا فيه من أخطاء ، وكشف حال الكافرين والمنافقين .

منها : الإِرشاد إلى مصدر القرآن وأنه من عند الله - تعالى -{ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً } فأنت تقرأ ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم من قرآن فى مكة .

وما نزل عليه فى المدينة ، فترى الجميع محكم السرد .

دقيق السبك ، رصين الأسلوب ، بليغ التراكيب ، فصيح الألفاظ .

.

بينما ترى كلام الأدباء والبلغاء يختلف فى جودته من وقت إلى وقت " ومن موضوع إلى موضوع " .وقد بين - سبحانه - أن هذا القرآن قد نزل مقترنا بأمرين متصلا بهما :أما أولهما فهو قوله : { بالحق } .وأما ثانيهما فهو قوله : { مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } أى : أن الله - عز وجل - الذى لا إله إلا هو ، والذى هو الحى القيوم ، هو الذى نزل عليك يا محمد هذا القرآن تنزيلا ملتبسا بالحق ، ومصاحبا له ، ومقترنا به ، ومشتملا عليه ، فكل ما فيه من أوامر ، ونواه ، وقصص ، وأحكام ، وعقائد ، وآداب ، وشرائع وأخبار .

.

حق لا يحوم حوله باطل ، وصدق لا يتطرق إليه كذب .وهو الذى جعل هذا الكتاب المنزل عليك موافقا ومؤيداً لما اشتملت عليه الكتب السابقة من الدعوة إلى وحدانية الله ، وإلى مكارم الأخلاق ، وإلى الوصايا والشرائع التى تسعد الناس فى كل زمان ومكان .

وهذا يدل على أن الشرائع الإِلهية واحدة فى جوهرها وأصولها .

قال - تعالى - : { شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ } وقوله { بالحق } متعلق بمحذوف فيكون فى محل نصب على الحال من الكتاب .

وقوله { مُصَدِّقاً } حال مؤكدة من الكتاب .

أى نزله فى حال تصديقه الكتب .وفائدة تقييد التنزيل بهذه الحال حث أهل الكتاب على الإِيمان بالمنزل ، وتنبيههم على وجوبه؛ فإن الإِيمان بالمصدق يوجب الإِيمان بما يصدقه حتما .قال الجمل : وقوله { مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ، فيه نوع مجاز؛ لأن ما بين يديه هو ما أمامه .

فسمى ما مضى بين يديه لغاية ظهوره واشتهاره .

واللام فى { لِّمَا } لتقوية العامل .

نحو قوله - تعالى - : { فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } وهذه العبارة أحسن من تعبير بعضهم بالزائدة " .ثم أخبر - سبحانه - عن بعض الكتب الأخرى التى أنزلها فقال : { وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الفرقان } .والتوراة : اسم عبرانى للكتاب الذى أنزله الله - تعالى - على موسى - عليه السلام - ليكون شريعة له ولقومه .قال القرطبى ما ملخصه : والتوراة معناها الضياء والنور مشتقة من وَرَى الزند ووَرِى لغتان إذا خرجت نارة .

.

وقيل مأخوذة من لتورية ، وهى التعريض بالشئ والكتمان لغيره ، فكان أكثر التوراة معاريض وتلويحات من غير تصريح وإيضاح .والجمهور على القول الأول لقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ } يعنى التوراة .والإِنجيل : كلمة يونانية معناها البشارة وهى اسم للكتاب الذى أنزله الله على عيسى .قالوا : والإِنجيل إفعيل من النجل وهو الأصل : يقال : رحم الله ناجليه أى والديه .

وقال قوم : الإِنجيل مأخوذ من نجلت الشئ إذا استخرجته وأظهرته ، ويقال للماء الذى يخرج من البئر : نجل وقيل : هو من النجل الذى هو سعة فى العين .

ومنه طعنة نجلاء أى واسعة .

وسمى الإِنجيل بذلك لأنه سعة ونور وضياء أخرجه الله - تعالى - لبنى إسرائيل على يد عيسى عليه السلام .وهذا الكلام الذى نقلناه عن القرطبى والفخر الرازى هو قول لبعض العلماء الذين يرون أن لفظى التوراة والإِنجيل يدخلهما الاشتقاق والتصريف .وهناك فريق آخر من العلماء يرى أن هذين اللفظين لا يدخلهما الاشتقاق والتصريف لأنهم اسمان أعجميان لهذين الكتابين الشريفين .قال الفخر الرازى بعد أن أورد كلاما طويلا يدل على عدم ارتضائه للمذهب الذى يرى أصحابه أن هذين اللفظين يدخلهما الاشتقاق والتصريف : " فالتوراة والإِنجيل اسمان أعجميان :أحدهما بالعبرية ، والآخر بالسريانية ، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بتطبيقهما على أوزان لغة العرب ، فظهر أن الأولى بالعاقل أن لا يلتفت إلى هذه المباحث " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فاعلم أن الكتاب هاهنا هو القرآن، وقد ذكرنا في أول سورة البقرة اشتقاقه، وإنما خص القرآن بالتنزيل، والتوراة والإنجيل بالإنزال، لأن التنزيل للتكثير، والله تعالى نزل القرآن نجما نجما، فكان معنى التكثير حاصلاً فيه، وأما التوراة والإنجيل فإنه تعالى أنزلهما دفعة واحدة، فلهذا خصهما بالإنزال، ولقائل أن يقول: هذا يشكل بقوله تعالى: ﴿ الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب  ﴾ وبقوله: ﴿ وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ  ﴾ .

واعلم أنه تعالى وصف القرآن المنزّل بوصفين: الوصف الأول: قوله: ﴿ بالحق ﴾ قال أبو مسلم: إنه يحتمل وجوهاً أحدها: أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم السالفة.

وثانيها: أن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال، ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل.

وثالثها: أنه حق بمعنى أنه قول فصل، وليس بالهزل.

ورابعها: قال الأصم: المعنى أنه تعالى أنزله بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية، وشكر النعمة، وإظهار الخضوع، وما يجب لبعضهم على بعض من العدل والإنصاف في المعاملات.

وخامسها: أنزله بالحق لا بالمعاني الفاسدة المتناقضة، كما قال: ﴿ أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ وقال: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً  ﴾ .

والوصف الثاني: لهذا الكتاب قوله: ﴿ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ والمعنى أنه مصدق لكتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولما أخبروا به عن الله عزّ وجلّ، ثم في الآية وجهان الأول: أنه تعالى دلّ بذلك على صحة القرآن، لأنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقاً لسائر الكتب، لأنه كان أُمياً لم يختلط بأحد من العلماء، ولا تتلمذ لأحد، ولا قرأ على أحد شيئاً، والمفتري إذا كان هكذا امتنع أن يسلم عن الكذب والتحريف، فلما لم يكن كذلك ثبت أنه إنما عرف هذه القصص بوحي الله تعالى الثاني: قال أبو مسلم: المراد منه أنه تعالى لم يبعث نبياً قط إلا بالدعاء إلى توحيده، والإيمان به، وتنزيهه عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان، وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان، فالقرآن مصدق لتلك الكتب في كل ذلك، بقي في الآية سؤالان: السؤال الأول: كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه.

والجواب: أن تلك الأخبار لغاية ظهورها سماها بهذا الاسم.

السؤال الثاني: كيف يكون مصدقاً لما تقدمه من الكتب، مع أن القرآن ناسخ لأكثر تلك الأحكام؟.

والجواب: إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول، ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثه، وأنها تصير منسوخة عند نزول القرآن، كانت موافقة للقرآن، فكان القرآن مصدقاً لها، وأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها، لأن دلائل المباحث الإلهية لا تختلف في ذلك، فهو مصدق لها في الأخبار الواردة في التوراة والإنجيل.

ثم قال الله تعالى: ﴿ وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: التوراة والإنجيل اسمان أعجميان، والاشتغال باشتقاقهما غير مفيد، وقرأ الحسن ﴿ والإنجيل ﴾ بفتح الهمزة، وهو دليل على العجمية، لأن أفعيل بفتح الهمزة معدوم في أوزان العرب، واعلم أن هذا القول هو الحق الذي لا محيد عنه، ومع ذلك فننقل كلام الأدباء فيه.

أما لفظ ﴿ التوراة ﴾ ففيه أبحاث ثلاثة: البحث الأول: في اشتقاقه، قال الفرّاء التوراةَ معناها الضياء والنور، من قول العرب ورى الزند يرى إذا قدح وظهرت النار، قال الله تعالى: ﴿ فالموريات قَدْحاً  ﴾ ويقولون: وريت بك زنادي، ومعناه: ظهر بك الخير لي، فالتوراة سميت بهذا الاسم لظهور الحق بها، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى وهارون الفرقان وَضِيَاء  ﴾ .

البحث الثاني: لهم في وزنه ثلاثة أقوال: القول الأول: قال الفرّاء: أصل التوراة تورية تفعلة بفتح التاء، وسكون الواو، وفتح الراء والياء، إلا أنه صارت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها.

القول الثاني: قال الفرّاء: ويجوز أن تكون تفعلة على وزن توفية وتوصية، فيكون أصلها تورية، إلا أن الراء نقلت من الكسر إلى الفتح على لغة طيئ، فإنهم يقولون في جارية: جاراة، وفي ناصية: ناصاة، قال الشاعر: فما الدنيا بباقاة لحي *** وما حي على الدنيا بباق والقول الثالث: وهو قول الخليل والبصريين: إن أصلها: وورية، فوعلة، ثم قلبت الواو الأولى تاء، وهذا القلب كثير في كلامهم، نحو: تجاه، وتراث، وتخمة، وتكلان، ثم قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت توراة وكتبت بالياء على أصل الكلمة، ثم طعنوا في قول الفرّاء، أما الأول: فقالوا: هذا البناء نادر، وأما فوعلة فكثير، نحو: صومعة، وحوصلة، ودوسرة والحمل على الأكثر أولى، وأما الثاني: فلأنه لا يتم إلا بحمل اللفظ على لغة طيئ، والقرآن ما نزل بها ألبتة.

البحث الثالث: في التوراة قراءتان: الإمالة والتفخيم، فمن فخم فلأن الراء حرف يمنع الإمالة لما فيه من التكرير، والله أعلم.

وأما الإنجيل ففيه أقوال الأول: قال الزجاج: إنه افعيل من النجل، وهو الأصل، يقال: لعن الله ناجليه، أي والديه، فسمي ذلك الكتاب بهذا الاسم، لأن الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين والثاني: قال قوم: الإنجيل مأخوذ من قول العرب: نجلت الشيء إذا استخرجته وأظهرته ويقال للماء الذي يخرج من البئر: نجل، ويقال: قد استنجل الوادي، إذا خرج الماء من النز فسمي الإنجيل إنجيلاً لأنه تعالى أظهر الحق بواسطته والثالث: قال أبو عمرو الشيباني: التناجل التنازع، فسمي ذلك الكتاب بالإنجيل لأن القوم تنازعوا فيه والرابع: أنه من النجل الذي هو سعة العين، ومنه طعنة نجلاء، سمي بذلك لأنه سعة ونور وضياء أخرجه لهم.

وأقول: أمر هؤلاء الأدباء عجيب كأنهم أوجبوا في كل لفظ أن يكون مأخوذاً من شيء آخر، ولو كان كذلك لزم إما التسلسل وإما الدور، ولما كانا باطلين وجب الاعتراف بأنه لابد من ألفاظ موضوعة وضعاً أولا: حتى يجعل سائر الألفاظ مشتقة منها، وإذا كان الأمر كذلك فلم لا يجوز في هذا اللفظ الذي جعلوه مشتقاً من ذلك الآخر أن يكون الأصل هو هذا، والفرع هو ذاك الآخر ومن الذي أخبرهم بأن هذا فرع وذاك أصل، وربما كان هذا الذي يجعلونه فرعاً ومشتقاً في غاية الشهرة، وذاك الذي يجعلونه أصلاً في غاية الخفاء، وأيضاً فلو كانت التوراة إنما سميت توراة لظهورها، والإنجيل إنما سمي إنجيلاً لكونه أصلاً وجب في كل ما ظهر أن يسمى بالتوراة فوجب تسمية كل الحوادث بالتوراة، ووجب في كل ما كان أصلاً لشيء آخر أن يسمى بالإنجيل، والطين أصل الكوز، فوجب أن يكون الطين إنجيلاً والذهب أصل الخاتم والغزل أصل الثوب فوجب تسمية هذه الأشياء بالإنجيل، ومعلوم أنه ليس كذلك، ثم أنهم عند إيراد هذه الإلزامات عليهم لابد وأن يتمسكوا بالوضع، ويقولوا: العرب خصصوا هذين اللفظين بهذين الشيئين على سبيل الوضع، وإذا كان لا يتم المقصود في آخر الأمر إلا بالرجوع إلى وضع اللغة، فلم لا نتمسك به في أول الأمر ونريح أنفسنا من الخوض في هذه الكلمات، وأيضاً فالتوراة والإنجيل اسمان أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسُّريانية، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بتطبيقها على أوزان لغة العرب، فظهر أن الأولى بالعاقل أن لا يلتفت إلى هذه المباحث، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ م ﴾ حقها أن يوقف عليها كما وقف على ألف ولام، وأن يبدأ ما بعدها كما تقول: واحد اثنان: وهي قراءة عاصم.

وأما فتحها فهي حركة الهمزة ألقيت عليها حين أسقطت للتخفيف.

فإن قلت: كيف جاز إلقاء حركتها عليها وهي همزة وصل لا تثبت في درج الكلام فلا تثبت حركتها لأنّ ثبات حركتها كثباتها؟

قلت: هذا ليس بدرج، لأنّ (م) في حكم الوقف والسكون والهمزة في حكم الثابت.

وإنما حذفت تخفيفاً وألقيت حركتها على الساكن قبلها ليدل عليها.

ونظيره قولهم: واحد اثنان، بإلقاء حركة الهمزة على الدال.

فإن قلت: هلا زعمت أنها حركة لالتقاء الساكنين؟

قلت: لأنّ التقاء الساكنين لا يبالى به في باب الوقف، وذلك قولك: هذا إبراهيم وداود وإسحاق.

ولو كان التقاء الساكنين في حال الوقف يوجب التحريك لحرك الميمين في ألف لام ميم، لالتقاء الساكنين.

ولما انتظر ساكن آخر.

فإن قلت: إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين في ميم، لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين، فإذا جاء ساكن ثالث لم يمكن إلا التحريك فحركوا.

قلت: الدليل على أن الحركة ليست لملاقاة الساكن أنه كان يمكنهم أن يقولوا: واحد اثنان، بسكون الدال مع طرح الهمزة، فيجمعوا بين ساكنين، كما قالوا: أصيم، ومديق.

فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير وليست لالتقاء الساكنين.

فإن قلت: فما وجه قراءة عمرو بن عبيد بالكسر؟

قلت: هذه القراءة على توهم التحريك لالتقاء الساكنين وما هي بمقولة.

و ﴿ التوراة والإنجيل ﴾ اسمان أعجميان.

وتكلف اشتقاقهما من الورى والنجل ووزنهما بتفعلة وأفعيل، إنما يصح بعد كونهما عربيين.

وقرأ الحسن: ﴿ الأنجيل ﴾ ، بفتح الهمزة، وهو دليل على العجمة، لأن أفعيل بفتح الهمزة عديم في أوزان العرب.

فإن قلت: لم قيل ﴿ نَزَّلَ الكتاب ﴾ ﴿ وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل ﴾ ؟

قلت: لأن القرآن نزل منجماً، ونزل الكتابان جملة.

وقرأ الأعمش: ﴿ نزَل عليك الكتابُ ﴾ بالتخفيف ورفع الكتاب ﴿ هُدًى لّلنَّاسِ ﴾ أي لقوم موسى وعيسى.

ومن قال نحن متعبدون بشرائع من قبلنا فسره على العموم.

فإن قلت: ما المراد بالفرقان؟

قلت: جنس الكتب السماوية، لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل أو الكتب التي ذكرها، كأنه قال بعد ذكر الكتب الثلاثة وأنزل ما يفرق به بين الحق والباطل من كتبه، أو من هذه الكتب، أو أراد الكتاب الرابع وهو الزبور، كما قال: ﴿ وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً ﴾ [النساء: 163] وهو ظاهر.

أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له ومدح من كونه فارقاً بين الحق والباطل بعد ما ذكره باسم الجنس، تعظيماً لشأنه وإظهاراً لفضله ﴿ بآيات الله ﴾ من كتبه المنزلة وغيرها ﴿ ذُو انتقام ﴾ له انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ القُرْآنَ نُجُومًا.

بِالحَقِّ بِالعَدْلِ، أوْ بِالصِّدْقِ في أخْبارِهِ، أوْ بِالحُجَجِ المُحَقَّقَةِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ.

﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ مِنَ الكُتُبِ.

﴿ وَأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ جُمْلَةً عَلى مُوسى وعِيسى.

واشْتِقاقُهُما مِنَ الوَرى والنَّجْلِ، ووَزْنُهُما بِتَفْعِلَةٍ وافْعِيلٍ تَعَسُّفٌ لِأنَّهُما أعْجَمِيّانِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قُرِئَ «الأنْجِيلُ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ العَرَبِيَّةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ ذَكْوانَ والكِسائِيُّ التَّوْراةَ بِالإمالَةِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، ونافِعٌ وحَمْزَةُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ إلّا قالُونَ فَإنَّهُ قَرَأ بِالفَتْحِ كَقِراءَةِ الباقِينَ.

﴿ مِن قَبْلُ ﴾ مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ القُرْآنِ.

﴿ هُدًى لِلنّاسِ ﴾ عَلى العُمُومِ إنْ قُلْنا إنّا مُتَعَبِّدُونَ بِشَرْعِ مَن قَبْلَنا، وإلّا فالمُرادُ بِهِ قَوْمُهُما.

﴿ وَأنْزَلَ الفُرْقانَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ جِنْسَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، فَإنَّها فارِقَةٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.

ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ لِيَعُمَّ ما عَداها، كَأنَّهُ قالَ: وأنْزَلَ سائِرَ ما يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، أوِ الزَّبُورِ أوِ القُرْآنِ.

وكَرَّرَ ذِكْرَهُ بِما هو نَعْتٌ لَهُ مَدْحًا وتَعْظِيمًا، وإظْهارًا لِفَضْلِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُشارِكُهُما في كَوْنِهِ وحْيًا مُنَزَّلًا ويَتَمَيَّزُ بِأنَّهُ مُعْجِزٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، أوِ المُعْجِزاتُ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ﴾ مِن كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ وغَيْرِها.

﴿ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.

﴿ واللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ غالِبٌ لا يَمْنَعُ مِنَ التَّعْذِيبِ.

﴿ ذُو انْتِقامٍ ﴾ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ مُنْتَقِمٌ، والنِّقْمَةُ عُقُوبَةُ المُجْرِمِ والفِعْلُ مِنهُ نَقَمَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وهو وعِيدٌ جِيءَ بِهِ بَعْدَ تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والإشارَةِ إلى ما هو العُمْدَةُ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ، وزَجْرًا عَنِ الإعْراضِ عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)

{نَزَّلَ} أي هو نزل {عَلَيْكَ الكتاب} القرآن {بالحق} حال أي نزله حقاً ثابتاً {مُصَدِّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} لما قبله {وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل} هما اسمان

أعجميان وتكلف اشتقاقهما من الورى والنجل ووزنهما بتفعلة وافعيل إنما يصح بعد كونهما عربيين وإنما قيل نزل الكتاب وأنزل التوراة والإنجيل لأن القرآن نزل منجماً ونزل الكتابان جملة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ أيِ القُرْآنَ الجامِعَ لِلْأُصُولِ والفُرُوعِ ولِما كانَ وما يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِاسْمِ الجِنْسِ إيذانٌ بِتَفَوُّقِهِ عَلى بَقِيَّةِ الأفْرادِ في الِانْطِواءِ عَلى كَمالاتِ الجِنْسِ كَأنَّهُ هو الحَقِيقُ بِأنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اِسْمُ الكِتابِ دُونَ ما عَداهُ كَما يُلَوِّحُ إلَيْهِ التَّصْرِيحُ بِاسْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وفي الإتْيانِ بِالظَّرْفِ وتَقْدِيمِهِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ واخْتِيارِ ضَمِيرِ الخِطابِ وإيثارِ (عَلى) إلى ما لا يَخْفى مِن تَعْظِيمِهِ  والتَّنْوِيهِ بِرِفْعَةِ شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ أوْ هي الخَبَرُ، وما قَبْلُ كُلُّهُ اِعْتِراضٌ أوْ حالٌ، و ﴿ الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ صِفَةٌ أوْ بَدَلٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ نَزَلَ بِالتَّخْفِيفِ ورَفَعَ الكِتابَ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ بِتَقْدِيرِ (مِن عِنْدِهِ)، ﴿ بِالحَقِّ ﴾ أيْ بِالصِّدْقِ في أخْبارِهِ أوْ بِالعَدْلِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الرّاغِبُ أوْ بِما يُحَقِّقُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الحُجَجِ القَطْعِيَّةِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ أوْ مُحِقًّا، وفي «اَلْبَحْرِ» يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ بِسَبَبِ إثْباتِ الحَقِّ ﴿ مُصَدِّقًا ﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ إثْرَ حالٍ أوْ بَدَلٍ مِن مَوْضِعِ الحالِ الأوَّلِ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في المَجْرُورِ وعَلى كُلِّ حالٍ فَهي حالٌ مُؤَكَّدَةٌ ﴿ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أيِ الكُتُبِ السّالِفَةِ والظَّرْفِ مَفْعُولُ (مُصَدِّقًا) واللّامُ لِتَقْوِيَةِ العَمَلِ، وكَيْفِيَّةُ تَصْدِيقِهِ لِما تَقَدَّمَ تَقَدَّمَتْ.

﴿ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ  ﴾ ذَكَرَهُما تَعْيِينًا (لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) وتَبْيِينًا لِرِفْعَةِ مَحَلِّهِ بِذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلُ وتَمْهِيدٌ لِما بَعْدُ ولَمْ يُذْكَرِ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ فِيهِما لِأنَّ الكَلامَ في الكِتابَيْنِ لا فِيمَن نَزَلا عَلَيْهِ، والتَّعْبِيرُ بِ (أنْزَلَ) فِيهِما لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُما إلّا نُزُولٌ واحِدٌ وهَذا بِخِلافِ القُرْآنِ فَإنَّ لَهُ نُزُولَيْنِ، نُزُولًا مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى بَيْتِ العِزَّةِ مِن سَماءِ الدُّنْيا جُمْلَةً واحِدَةً، ونُزُولًا مِن ذَلِكَ إلَيْهِ  مُنَجَّمًا في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً عَلى المَشْهُورِ، ولِهَذا يُقالُ فِيهِ: نَزَّلَ وأنْزَلَ، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ نَزَّلَ يَقْتَضِي التَّدْرِيجَ وأنْزَلَ يَقْتَضِي الإنْزالَ الدَّفْعِيَ إذْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ ﴿ لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ﴾ حَيْثُ قَرَنَ نُزِّلَ بِكَوْنِهِ جُمْلَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ ﴾ وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِهَذا المَقامِ أنَّ التَّدْرِيجَ لَيْسَ هو التَّكْثِيرُ بَلِ الفِعْلُ شَيْئًا فَشَيْئًا كَما في تَسَلْسُلٍ، والألْفاظُ لا بُدَّ فِيها مِن ذَلِكَ، فَصِيغَةُ (نَزَّلَ) تَدُلُّ عَلَيْهِ، والإنْزالُ مُطْلَقٌ لَكِنَّهُ إذا قامَتِ القَرِينَةُ يُرادُ بِالتَّدْرِيجِ التَّنْجِيمُ، وبِالإنْزالِ الَّذِي قَدْ قُوبِلَ بِهِ خِلافُهُ، أوِ المُطْلَقُ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ.

واخْتُلِفَ في اِشْتِقاقِ «اَلتَّوْراةِ» و«اَلْإنْجِيلِ» فَقِيلَ: اِشْتِقاقُ الأوَّلِ مِن ورى الزِّنادُ إذا قَدَحَ فَظَهَرَ مِنهُ النّارُ لِأنَّها ضِياءٌ ونُورٌ بِالنِّسْبَةِ لِما عَدا القُرْآنِ تَجْلُو ظُلْمَةَ الضَّلالِ، وقِيلَ مِن ورى في كَلامٍ إذا عَرَّضَ لِأنَّ فِيها رُمُوزًا كَثِيرَةً وتَلْوِيحاتٍ جَلِيلَةً، ووَزْنُها عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ فَوْعَلَةٌ كَصَوْمَعَةٍ، وأصْلُهُ (ووْرِيةٌ) بِواوَيْنِ فَأُبْدِلَتِ الأُولى تاءً وتَحَرَّكَتِ الياءُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فَقُلِبَتْ ألِفًا فَصارَتْ تَوْراةً وكُتِبَتْ بِالياءِ تَنْبِيهًا عَلى الأصْلِ ولِذَلِكَ أُمِيلَتْ، وقالَ الفَرّاءُ: وزْنُها تَفْعِلَةٌ بِكَسْرِ العَيْنِ فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ فُتْحَةً وقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا وفُعِلَ ذَلِكَ تَخْفِيفًا كَما قالُوا في تَوْصِيَةٍ تَوْصاةٌ، واعْتَرَضَهُ البَصْرِيُّونَ بِأنَّ هَذا البِناءَ قَلِيلٌ وبِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ زِيادَةُ التّاءِ أوَّلًا وهي لا تُزادُ كَذَلِكَ إلّا في مَواضِعَ لَيْسَ هَذا مِنها، وذَهَبَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ إلى أنَّ وزْنَها تَفْعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ فَقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا، وقِيلَ: اِشْتِقاقُ الثّانِي مِنَ النَّجْلِ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وهو الماءُ الَّذِي يَنِزُّ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ النَّجِيلُ لِما يَنْبُتُ فِيهِ، ويُطْلَقُ عَلى الوالِدِ والوَلَدِ وهو أعْرَفُ فَهو ضِدٌّ كَما قالَهُ الزَّجّاجُ وهو مِن نَجَلَ بِمَعْنى ظَهَرَ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ مُسْتَخْرَجٌ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وظاهِرٌ مِنهُ أوْ مِنَ التَّوْراةِ، وقِيلَ: مِنَ النَّجَلِ وهو التَّوْسِعَةُ، ومِنهُ عَيْنٌ نَجْلاءُ لِسِعَتِها لِأنَّ فِيهِ تَوْسِعَةً ما لَمْ تَكُنْ في التَّوْراةِ إذْ حَلَّلَ فِيهِ بَعْضَ ما حَرَّمَ فِيها، وقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنَ التَّناجُلِ وهو التَّنازُعُ يُقالُ تَناجَلَ النّاسُ إذا تَنازَعُوا وسُمِّيَ بِهِ لِكَثْرَةِ التَّنازُعِ فِيهِ كَذا قِيلَ ولا يَخْفى أنَّ أمْرَ الِاشْتِقاقِ والوَزْنِ عَلى تَقْدِيرِ عَرَبِيَّةِ اللَّفْظَيْنِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُما أعْجَمِيّانِ أوَّلُهُما عِبْرانِيٌّ والآخَرُ سُرْيانِيٌّ وهو الظّاهِرُ فَلا مَعْنى لَهُ عَلى الحَقِيقَةِ لِأنَّ الِاشْتِقاقَ مِن ألْفاظٍ أُخَرَ أعْجَمِيَّةٍ مِمّا لا مَجالَ لِإثْباتِهِ، ومِن ألْفاظٍ عَرَبِيَّةٍ كَما سُمِعَتِ اِسْتِنْتاجٌ لِلضَّبِّ مِنَ الحُوتِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُ بَعْدَ التَّعْرِيبِ أجْرَوْهُ مَجْرى أبْنِيَتِهِمْ في الزِّيادَةِ والأصالَةِ وفَرَضُوا لَهُ أصْلًا لِيَتَعَرَّفَ ذَلِكَ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما قَبْلُ، والِاسْتِدْلالُ عَلى عَرَبِيَّتِهِما بِدُخُولِ اللّامِ لِأنَّ دُخُولَها في الأعْلامِ العَجَمِيَّةِ مَحَلُّ نَظَرٍ لِأنَّهم ألْزَمُوا بَعْضَ الأعْلامِ الأعْجَمِيَّةِ الألِفَ واللّامَ عَلامَةً لِلتَّعْرِيفِ كَما في الإسْكَنْدَرِيَّةِ فَإنَّأبا زَكَرِيّا التَّبْرِيزِيَّ قالَ: إنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ بِدُونِها مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى أعْجَمِيَّتِهِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ أعْجَمِيَّةَ «اَلْإنْجِيلِ» ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وإفْعِيلٌ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ العَرَبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ يعني أنزل عليك جبريل بالقرآن بِالْحَقِّ أي بالعدل ويقال لبيان الحق مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يعني موافقاً للكتب المتقدمة في التوحيد، وفي بعض الشرائع وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ يعني أنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى من قبل هذا الكتاب.

وروي عن الفراء أنه قال: اشتقاق التوراة من وري الزند وهو ما يظهر من النور والضياء، فسمي التوراة بها، لأنه ظهر بها النور والضياء لبني إسرائيل، ومن تابعهم، وإنما سمي الإنجيل، لأنه أظهر الدين بعد ما درس، وقد سمي القرآن إنجيلاً أيضاً لما روي في قصة مناجاة موسى-  - أنه قال: يا رب أرى في الألواح أقواماً أناجيلُهم في صدورهم، فاجعلهم أمتي قال الله تعالى: هم أمة محمد  .

وإنما أراد بالأناجيل القرآن.

قرأ حمزة والكسائي، وابن عامر التوراة بكسر الراء، والباقون بالفتح ثم قال تعالى: هُدىً لِلنَّاسِ معناه: وأنزل التَّورَاة على موسى، والإنجيل على عيسى عليهما السلام، بياناً لبني إسرائيل من الضلالة وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ على محمد  بعد التوراة والإنجيل.

وقال الكلبي الفرقان هو الحلال والحرام، يعني بيان الحلال والحرام.

ويقال: المخرج من الشبهات إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أي جحدوا بمحمد  ، وبالقرآن، وما أوتي من آيات نبوته لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ في الآخرة.

قال الكلبي: نزلت هذه الآية في وفد نجران، قدموا على رسول الله  ، وجادلوه بالباطل.

ويقال: في شأن اليهود.

ويقال: في شأن مشركي العرب.

وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ أي منيع بالنقمة ينتقم ممن عصاه إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ لا يذهب ولا يغيب عليه شيء فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ معناه أنه لا يخفى عليه قول الكفار وعملهم، فيجازيهم يوم القيامة، وهم وفد نجران، وسائر المشركين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

كان المراد أنهما هُدىً في ذاتهما، مَدْعُوٌّ إليه فرعَوْنُ وغَيْرُه، فالناسُ عامٌّ في كل من شاء حينئذ أن يستبصر، والْفُرْقانَ: القرآن لأنه فَرَقَ بيْنَ الحقِّ والباطلِ، ثم توعَّد سبحانه الكفَّارَ عموماً بالعذابِ الشديدِ، والإشارةُ بهذا الوعيد إلى نصارى نجران، وعَزِيزٌ:

معناه: غالبٌ، والنقمة والاِنتقام: معاقبةُ المذْنِبِ بمبالغةٍ في ذلك.

قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ: هذه الآية خَبَرٌ عن علْمِ اللَّه تعالى بالأشياء، على التفصيل، وهذه صفةٌ لَمْ تكُنْ لعيسى، ولا لأحدٍ من المخلوقين، ثم أخبر سبحانه عن تَصْويره للبَشَرِ في أرحامِ الأمَّهاتِ، وهذا أمر لا ينكرُهُ عاقلٌ، ولا ينكر أنَّ عيسى وسائر البَشَر لا يقْدِرُونَ عليه، ولا ينكر أنَّ عيسى من المصوَّرِينَ كغيره من سائرِ البَشَر، فهذه الآية تعظيمٌ للَّه جلَّتْ قُدْرته في ضِمْنِها الرَّدُّ على نصارى نَجْران، وفي قوله: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ: وعيد، وشرح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كيفيَّة التصْويرِ في الحديثِ الَّذي رواه ابنُ مَسْعُودٍ وغيره «أنَّ النُّطْفَةَ، إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ، مَكَثَتْ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهَا مَلَكاً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَذَكَرْ/ أَمْ أنثى؟

أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ...

» الحديث بطوله على اختلاف ألفاظه «١» ، وفي مسندِ ابن «سِنْجَر» حديثٌ «أنَّ اللَّهَ سُبْحَانه يَخْلُقُ عِظَامَ الجَنِينِ وَغَضَارِيفَهُ مِنْ مَنِيِّ الرَّجُلِ، وَلَحْمَهُ وَشَحْمَهُ وَسَائِرَ ذَلِكَ مِنْ مَنِيِّ المَرْأَةِ» ، وَصَوَّرَ: بناءُ مبالغةٍ من صَارَ يَصُورُ، إِذا أمال وثنى إلى حالٍ مَّا، فلما كان التصويرُ إمالةً إلى حال، وإِثباتاً فيها، جاء بناؤه على المُبَالغة، والكتابُ في هذه الآية: القرآن، بإِجماع، والمُحْكَمَاتُ:

المفصَّلات المبيَّنات الثابتَاتُ الأحكامِ، والمُتَشَابِهَاتُ: هي التي تحتاجُ إِلى نظر وتأويلٍ، ويظهر فيها ببَادِي النَّظَرِ: إِما تَعَارُضٌ مع أخرى، وإما مع العَقْل إِلى غير ذلك من أنواع التشابه، فهذا الشَّبَه الذي من أجله تُوصَفُ بمتشابهات، إِنما هو بينها وبيْنَ المعانِي الفاسدة الَّتي يظنُّها أهْلُ الزيغِ، ومَنْ لم يُنْعِمِ النظَرَ، وهذا نحوُ الحديث الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«الحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ» «٢» ، أي: يكون الشيء حراما في نفسه،

فَيُشْبِهُ عند من لَمْ يُنْعِمِ النظر شيئاً حلالاً وكذلك الآية: يكونُ لها في نفسها معنًى صحيحٌ، فيشبه عنْد مَنْ لم ينعمِ النظر، أو عند الزائغِ معنًى آخر فاسداً، فربَّما أراد الاِعتراضَ به على كتاب اللَّه، هذا عندي معنَى الإِحكام والتشابُهِ في هذه الآية.

قال ع «١» : وأحسنُ ما قيل في هذه الآية قولُ محمَّدِ بنِ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيرِ»

أن المُحْكَمَاتِ هي الَّتِي فيهن حُجَّةُ الربِّ، وعصمةُ العبادِ، ودفْعُ الخصومِ والباطل، ليس لها تصريفٌ ولا تحريفٌ عمَّا وضعْنَ عليه، والمُتَشَابِهَاتُ: لها تصريفٌ وتحريفٌ، وتأويلٌ ابتلى اللَّه فيهنَّ العباد «٣» ، قال ابن الحاجِبِ في «منتهَى الوُصُولِ» : مسألةٌ في القرآن محكمٌ ومتشابهٌ، قال تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ، فالمُحُكَمُ:

المتَّضِح المعنى، قال الرهوني: يعني نَصًّا كان أو ظَاهِراً، والمُتَشَابَهُ: مقابله إمَّا للاشتراك مثل: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] ، أو للإجمالِ مثلُ: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ [البقرة: ٢٣٧] وما ظاهره التّشبيه مثل: مِنْ رُوحِي [ص: ٧٢] ، وأَيْدِينا [يس: ٧١] ، وبِيَدَيَّ [ص: ٧٥] وبِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] ، ويَسْتَهْزِئُ [البقرة: ١٥] ، ومَكَرَ اللَّهُ [آل عمران: ٥٤] ونحوه، والظاهرُ: الوقْفُ على: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لأن الخطاب بما لا يُفْهَمُ بعيدٌ.

انتهى.

قال الرهونيُّ: وسمِّي ما ذكر «مُتَشَابِهاً» لاشتباهه على السامِعِ، قال الرهونيُّ:

والحقُّ الوقْفُ على: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ.

وهو المرويُّ عن جماعة منهم: ابنُ عبَّاسٍ، وابنُ عمر، وابنْ مسعودٍ، ومالكٌ، وغيرهم، وفي مُصْحَفِ أُبِيٍّ: «وما يعلم تأويلَهُ إلاَّ اللَّه ويقول الراسخونَ [في العلْمِ] «٤» آمنا بِه» «٥» .

اهـ.

وقوله تعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، أي: معظم الكتاب، وعُمْدة ما فيه: إذ المُحْكَم في آياتِ اللَّه كثيرٌ قد فُصِّلَ، ولم يفرَّطْ في شيء منه، قال يَحْيَى بْنُ يعمر «٦» : كما يقال

لمكَّة أمُّ القرى.

قال ع «١» : وكما يقالُ: أمُّ الرَّأْس لمجتمع الشؤونِ، فجميع المحكَمِ هو أم الكتابِ، ومعنى الآية الإِنْحَاءُ على أهل الزيْغِ، والمذمَّةُ لهم، والإِشارة بذلك أولاً إلى نصارى نَجْرَانَ، وإلى اليهودِ الذين كانوا معاصِرِينَ لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، فإِنهم كانوا يعترضُون معانِيَ القُرآن، ثم يعم بعد ذلك كلِّ زائغ، فذكر تعالى أنه نزّل الكتاب/ على نبيّه محمد صلّى الله عليه وسلّم إِفضالاً منه، ونعمةً وأنَّ مُحْكَمَه وبَيِّنَهُ الَّذي لا اعتراض فيه هو معظمه، والغالِبُ فيه وأنَّ متشابهه الذي يحتملُ التَّأْوِيلَ، ويحتاجُ إِلى التفهُّم هو أقلُّه، ثم إِن أهل الزيغ يتركُونَ المحكَمَ الذي فيه غُنْيَتهم، ويتبعونَ المتشَابِه ابتغاء الفِتْنَةِ، وأنْ يفسدوا ذاتَ البَيْن، ويردوا النَّاس إِلى زيغهم.

م: قال أبو البقاءِ: وَأُخَرُ: معطوف على آياتٌ، ومُتَشابِهاتٌ: نعت ل أُخَرُ.

وقوله تعالى: الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ: يعمُّ كل طائفةٍ من كافرٍ وزنديق وجاهل صاحب بدعة، والزيغ: الميل، وابْتِغاءَ: نصبٌ على المفعولِ من أجله، ومعناه: طلبُ الفِتْنَة، قال الربيع: الفِتْنَة هنا الشرْكُ، وقال مجاهدٌ: الفتْنَةُ: الشبهاتُ، واللَّبْسُ على المؤمنين، ثم قال: وابتغاء تأويلِهِ، والتأويل هو مَرَدُّ الكلامِ، وَمَرْجِعُهُ، والشيء الذي يقفُ علَيْه من المعانِي، وهو من: آلَ يَئولُ، إذا رجع، فالمعنى: وطَلَبَ تأويلِهِ على مَنَازِعِهِمُ الفاسدَةِ، هذا في ما له تأويلٌ حسنٌ، وإن كان ممَّا لا يتأوَّل، بل يوقَفُ فيه، كالكلامِ في معنَى الرُّوح ونحوه، فنَفْسُ طلب تأويله هو اتباع ما تشابه، ثم قال تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، أي: وما يعلم تأويله على الكَمَال إلا اللَّه سبحانه.

واختلف في قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، فرأَتْ فرقةٌ أنَّ رفْعَ الراسخين هو بالعطْفِ على اسْمِ اللَّهِ (عَزَّ وجلَّ) وأنه مع علمهم بالمتشابه يقولونَ: آمَنَّا بِهِ، وقالتْ طائفةٌ أخرى: والراسخُونَ: رفْع بالابتداء، وهو مقطوعٌ من الكلامِ الأول، وخبره «يَقُولُونَ» ، والمنفَردُ بعلْم المتشابه هو اللَّه وحده.

قال ع «١» : وهذه المسألة إذا تأمّلت، قَرُبَ الخلافُ فيها من الاِتفاقِ، وذلك أنَّ اللَّه تعالى قسَّم آي الكتابِ قسْمَيْن محكمًا ومتشابهًا، فالمُحْكَم هو المتَّضِحُ المعنى لكلِّ من يفهم كلامَ العَرَب، لا يحتَاجُ فيه إِلى نظر، ولا يتعلَّق به شيء يلبِّس، ويستوي في علمه الراسخُ وغيره، والمتشابه على نوعَيْن، منه: ما لا يُعْلَمُ البتَّةَ كأمر الرُّوح، وآمادِ المغيَّبات التي قد أعْلَمَ اللَّه بوقوعها إلى سائر ذلك، ومنه: ما يُحْمَلُ على وجوه في اللغة، ومَنَاحٍ في كلامِ العربِ، فَيُتَأوَّلُ، ويُعْلَم تأويله، ولا يسمَّى أحدٌ راسِخاً إلاَّ أنْ يعلم من هذا النوع كثيراً بحَسَب ما قُدِّر له، فمَنْ قال: إن الراسخين لا يعلمون تأويله، فمراده النوْعُ الثاني الَّذي ذكرناه، ومَنْ قال: إن الراسخين لا يعلَمُونَ تأويله، فمراده النوع الأول كأمر الرُّوح، ووقْتِ الساعةِ، لكنَّ تخصيصه المتشابه بهذا النوعِ غيرُ صحيحٍ، بل هو نوعانِ كما ذكرنا، والضمير في تَأْوِيلِهِ عائدٌ على جميع متشابه القرآن، وهما نوعانِ كما ذكرنا، والرُّسُوخُ: الثبوتُ في الشيءِ، وسئل النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ، فَقَالَ: «هُوَ مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ، واستقام قَلْبُهُ» «٢» ، قُلْتُ: ومن «جامعِ العَتَبِيَّةِ» ، وسُئِل مالكٌ عن تفسيرِ الراسخين في العلم، فقال: العالمون العالمون بما علموا، المتَّبِعُونَ له، قال ابنُ رُشْدٍ: قولُ مالِكٍ هذا هو معنى ما رُوِيَ من أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سُئِلَ: مَنِ الراسِخُ في العِلْمِ؟

فقالَ: «مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وصَدَقَ لِسَانُهُ، / واستقام بِهِ قَلْبُهُ، وعَفَّ بَطْنُهُ، فَذَلِكَ الرَّاسِخُ فِي العِلْمِ» قال ابنُ رُشْدٍ: ويشهد لصحَّة هذا قولُ اللَّهِ (عز وجل) : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] لأنه كَلاَمٌ يدُلُّ عَلى أنَّ مَنْ لَمْ يَخْشَ اللَّه، فَلَيْسَ بعالمٍ.

انتهى.

قلت: وقد جاء في فضْلِ العلْمِ آثارٌ كثيرةٌ، فمن أحسنها: ما رواه أبو عُمَرَ بْنُ عبدِ البَرِّ بسنده، عن معاذِ بنِ جَبلٍ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تَعَلَّمُوا العِلْمَ فَإِنَّ تَعْلِيمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، والبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لاَ يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لأَهْلِهِ قُرْبَةٌ لأَنَّهُ مَعَالِمُ الحَلاَلِ وَالْحَرَامِ، وَمَنَارُ سُبُلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وهو الأنيسُ فِي الوَحْشَةِ، والصَّاحِبُ فِي الغُرْبَةِ، وَالمُحْدِّثُ فِي الخَلْوَةِ، والدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالسِّلاَحُ عَلَى الأَعْدَاءِ، وَالزِّيْنُ عِنْدَ الأَخِلاَّءِ، وَيَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَاماً فَيَجْعَلُهُمْ فِي الخَيْرِ قَادَةً وَأَئِمَّةً تُقْتَصُّ آثَارُهُمْ، ويقتدى بِفِعَالِهِمْ، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلّتهم،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ آَلِ عِمْرانَ.

ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وأنَّ صَدْرًا مِن أوَّلِها نَزَلَ في وفْدِ نَجْرانَ، قَدِمُوا النَّبِيَّ  في سِتِّينَ راكِبًا، فِيهِمُ العاقِبُ، والسَّيِّدُ، فَخاصَمُوهُ في عِيسى، فَقالُوا: إنْ لَمْ يَكُنْ ولَدَ اللَّهِ، فَمَن أبَوْهُ؟

فَنَزَلَتْ فِيهِمْ صَدْرُ (آَلِ عِمْرانَ) إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آَيَةً مِنها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي: القُرْآَنَ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ يَعْنِي: العَدْلَ.

﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ مِنَ الكُتُبِ.

وقِيلَ: إنَّما قالَ في القُرْآَنِ: "نَزَلَ" بِالتَّشْدِيدِ، وفي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ: أنْزَلَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أُنْزِلَ في مَرَّةٍ واحِدَةٍ، وأُنْزِلَ القُرْآَنُ في مَرّاتٍ كَثِيرَةٍ.

فَأمّا التَّوْراةُ، فَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ الفَرّاءُ أنَّهُ يَجْلَعُها مِن: ورى الزَّنْدُ يُرى: إذا خَرَجَتْ نارُهُ، وأوْرَيْتُهُ، يُرِيدُ أنَّها ضِياءٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى: ورى يُرِي، ويُقالُ: ورَيْتُ بِكَ زِنادِي.

والإنْجِيلَ، مِن نَجَلْتُ الشَّيْءَ: إذا أخْرَجْتُهُ، ووَلَدُ الرَّجُلِ: نَجْلُهُ، كَأنَّهُ هو اسْتَخْرَجَهُ، يُقالُ: قَبَّحَ اللَّهُ ناجِلَيْهِ، أيْ: والِدَيْهِ، وقِيلَ لِلْماءِ يَقْطُرُ مِنَ البِئْرِ: نَجْلٌ، يُقالُ: قَدِ اسْتَنْجَلَ الوادِي: [إذا ظَهَرَ نُزُوزُهُ ] .

وإنْجِيلُ: إفْعِيلٌ مِن ذَلِكَ، كَأنَّ اللَّهَ أظْهَرَ بِهِ عافِيًا مِنَ الحَقِّ دارِسًا.

قالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: والإنْجِيلُ: أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، قالَ: وقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ عَرَبِيًّا، فاشْتِقاقُهُ مِنَ النَّجْلِ، وهو ظُهُورُ الماءِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، واتِّساعُهُ، ونَجَلْتُ الشَّيْءَ: إذا اسْتَخْرَجْتُهُ وأظْهَرْتُهُ، فالإنْجِيلُ مُسْتَخْرَجٌ بِهِ عُلُومٌ وحِكَمٌ وقِيلَ: هو إفْعِيلٌ مِنَ النَّجْلِ وهو الأصْلُ: فالإنْجِيلُ أصْلٌ لِعُلُومٍ وحِكَمٍ وفي الفُرْقانِ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ قَتادَةُ، والجُمْهُورُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سُمِّيَ القُرْآَنُ فُرْقانًا، لِأنَّهُ فَرَقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والمُؤْمِنِ والكافِرِ، والثّانِي: أنَّهُ الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أمْرِ عِيسى حِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وقالَ السُّدِّيُّ: في الآَيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: وأنْزَلَ التَّوْراةَ، والإنْجِيلَ، والفَرْقانَ، فِيهِ هُدًى لِلنّاسِ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ وفْدَ نَجْرانَ النَّصارى، كَفَرُوا بِالقُرْآَنِ، وبِمُحَمَّدٍ.

والِانْتِقامُ: المُبالَغَةُ في العُقُوبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ فِيما عَلِمْتُ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ اسْمَ هَذِهِ السُورَةِ في التَوْراةِ طَيِّبَةُ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الم ﴾ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ ﴿ مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ العُلَماءِ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومِن حَيْثُ جاءَ في هَذِهِ السُورَةِ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ جُمْلَةً قائِمَةً بِنَفْسِها فَتُتَصَوَّرُ تِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها فِي: "الم" في هَذِهِ السُورَةِ، وذَهَبَ الجُرْجانِيُّ في النَظْمِ إلى أنَّ أحْسَنَ الأقْوالِ هُنا أنْ يَكُونَ "الم" إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابُكَ أو نَحْوُ هَذا، ويَدُلُّ قَوْلُهُ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ عَلى ما تَرَكَ ذِكْرَهُ مِمّا هو خَبَرٌ عَنِ الحُرُوفِ، قالَ: وذَلِكَ في نَظْمِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ  ﴾ وتَرْكُ الجَوابِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللهِ  ﴾ تَقْدِيرُهُ: كَمَن قَسا قَلْبُهُ.

ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ∗∗∗ عَلَيْكُمْ، ولَكِنْ خامِرِي أُمَّ عامِرِ التَقْدِيرُ: ولَكِنِ اتْرُكُونِي لِلَّتِي يُقالُ لَها: "خامِرِي أُمَّ عامِرٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَحْسُنُ في هَذا القَوْلِ أنْ يَكُونَ "نَزَّلَ" خَبَرَ قَوْلِهِ "اللهُ" حَتّى يَرْتَبِطَ الكَلامُ إلى هَذا المَعْنى.

وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي الجُرْجانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ مِثْلَهُ لَيْسَتْ صَحِيحَةَ الشَبَهِ بِالمَعْنى الَّذِي نَحا إلَيْهِ، وما قالَهُ في الآيَةِ مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الأبْرَعَ في نَظْمِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ "الم" لا تَضُمُّ ما بَعْدَها إلى نَفْسِها في المَعْنى، وأنْ يَكُونَ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً جَزْمًا جُمْلَةً رادَّةً عَلى نَصارى نَجْرانَ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ فَحاجُّوهُ في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وقالُوا: إنَّهُ اللهُ، وذَلِكَ أنَّ ابْنَ إسْحاقَ والرَبِيعَ وغَيْرَهُما مِمَّنْ ذَكَرَ السِيَرَ، رَوَوْا «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللهِ  : نَصارى سِتُّونَ راكِبًا، فِيهِمْ مِن أشْرافِهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، في الأرْبَعَةَ عَشَرَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، إلَيْهِ يَرْجِعُ أمْرُهُمُ: العاقِبُ أمِيرُ القَوْمِ وذُو رَأْيِهِمْ واسْمُهُ عَبْدُ المَسِيحِ، والسَيِّدُ ثِمالُهم وصاحِبُ مُجْتَمَعِهِمْ واسْمُهُ الأيْهَمُ، وأبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ أُسْقُفُهم وعالِمُهُمْ؛ فَدَخَلُوا عَلى رَسُولِ اللهِ  المَسْجِدَ إثْرَ صَلاةِ العَصْرِ، عَلَيْهِمُ الحَبِراتُ جِبَبٌ وأرْدِيَةٌ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ: ما رَأيْنا وفْدًا مِثْلَهم جَمالًا وجَلالَةً، وحانَتْ صَلاتُهم فَقامُوا فَصَلُّوا في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ  إلى المَشْرِقِ، فَقالَ النَبِيُّ  : "دَعُوهُمْ"؛ ثُمَّ أقامُوا بِالمَدِينَةِ أيّامًا يُناظِرُونَ رَسُولَ اللهِ  في عِيسى ويَزْعُمُونَ أنَّهُ اللهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْوالٍ بَشِعَةٍ مُضْطَرِبَةٍ، ورَسُولُ اللهِ  يَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِالبَراهِينِ الساطِعَةِ وهم لا يُبْصِرُونَ، ونَزَلَ فِيهِمْ صَدْرُ هَذِهِ السُوَرِ إلى نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً، إلى أنْ آلَ أمْرُهم إلى أنْ دَعاهم رَسُولُ اللهِ  إلى الِابْتِهالِ،» وسَيَأْتِي تَفْسِيرُ ذَلِكَ.

وَقَرَأ السَبْعَةُ "ألَمَ اللهُ" بِفَتْحِ المِيمِ والألِفِ ساقِطَةً، ورُوِيَ عن عاصِمٍ أنَّهُ سَكَّنَ المِيمَ ثُمَّ قَطَعَ الألِفَ، رَوى الأُولى الَّتِي هي كالجَماعَةِ حَفْصٌ، ورَوى الثانِيَةَ أبُو بَكْرٍ، وذَكَرَها الفَرّاءُ عن عاصِمٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرُؤاسِيُّ وأبُو حَيْوَةَ " ألَمِ" بِكَسْرِ المِيمِ لِلِالتِقاءِ وذَلِكَ رَدِيءٌ لِأنَّ الياءَ تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، والصَوابُ الفَتْحُ قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُرُوفُ التَهَجِّي مَبْنِيَّةٌ عَلى الوَقْفِ فالمِيمُ ساكِنَةٌ واللامُ ساكِنَةٌ، فَحُرِّكَتِ المِيمُ بِالفَتْحِ كَما حُرِّكَتِ النُونُ في قَوْلِكَ: مِنَ اللهِ ومِنَ المُسْلِمِينَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَن قالَ بِأنَّ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ أُلْقِيَتْ عَلى المِيمِ فَذَلِكَ ضَعِيفٌ لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ الألِفَ المَوْصُولَةَ في التَعْرِيفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ، فَما يَسْقُطُ فَلا تُلْقى حَرَكَتُهُ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: "الحَيُّ القَيُّومُ" في آيَةِ الكُرْسِيِّ، والآيَةُ هُنالِكَ إخْبارٌ لِجَمِيعِ الناسِ، وكُرِّرَتْ هُنا إخْبارًا لِحُجَجِ هَؤُلاءِ النَصارى، ولِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ أنْ هَذِهِ الصِفاتِ لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاؤُها لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهم إذْ يَقُولُونَ إنَّهُ صُلِبَ، فَذَلِكَ مَوْتٌ في مُعْتَقَدِهِمْ لا مَحالَةَ، إذْ مِنَ البَيِّنِ أنَّهُ لَيْسَ بِقَيُّومٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "القَيُّومُ" وزْنُهُ فَيْعُولُ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ "القَيّامُ" وزْنُهُ- فَيْعالُ- ورُوِيَ عن عَلْقَمَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ "القَيِّمُ" وزْنُهُ فَيْعِلُ، وهَذا كُلُّهُ مِن: قامَ بِالأمْرِ يَقُومُ بِهِ إذا اضْطَلَعَ بِحِفْظِهِ وبِجَمِيعِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في وُجُودِهِ، فاللهُ تَعالى القَيّامُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِما يَنْبَغِي لَهُ أو فِيهِ أو عَلَيْهِ.

وتَنْزِيلُ اللهِ الكِتابَ هو بِواسِطَةِ المَلَكِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"الكِتابَ" في هَذا المَوْضِعِ القُرْآنُ بِاتِّفاقٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "نَزَّلَ عَلَيْكَ" بِتَشْدِيدِ الزايِ "الكِتابَ" بِنَصْبِ الباءِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ "نَزَلَ عَلَيْكَ الكِتابُ" بِتَخْفِيفِ الزايِ ورَفْعِ الباءِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُنْحازَةٌ.

وقَوْلُهُ "بِالحَقِّ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى ضِمْنَ الحَقائِقِ مِن خَيْرِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ ومَواعِظِهِ، فالباءُ عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ: جاءَنِي كِتابٌ بِخَبَرِ كَذا وكَذا، أيْ ذَلِكَ الخَبَرُ مُقْتَصٌّ فِيهِ، والثانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ نَزَّلَ الكِتابَ بِاسْتِحْقاقِ أنْ يَنْزِلَ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ الشامِلَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ واجِبٌ عَلى اللهِ تَعالى أنْ يَفْعَلَهُ، بَلْ لَهُ بِالحَقِّ أنْ يَفْعَلَهُ، فالباءُ في هَذا المَعْنى عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ  ﴾ .

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: مَعْنى قَوْلِهِ "بِالحَقِّ": أيْ مِمّا اخْتَلَفَ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ واضْطَرَبَ فِيهِ هَؤُلاءِ النَصارى الوافِدُونَ، وهَذا داخِلٌ في المَعْنى الأوَّلِ.

و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وهي راتِبَةٌ غَيْرُ مُنْتَقِلَةٍ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُصَدِّقٍ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن كِتابِ اللهِ، فَهو كَقَوْلِ ابْنِ دارَةَ: أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِي ∗∗∗ ∗∗∗ وهَلْ بِدارَةَ يا لَلنّاسِ مِن عارِ؟

و"ما بَيْنَ يَدَيْهِ" التَوْراةُ والإنْجِيلُ وسائِرُ كُتُبِ اللهِ الَّتِي تُلُقِّيَتْ مِن شَرْعِنا كالزَبُورِ والصُحُفِ؛ وما بَيْنَ اليَدِ في هَذِهِ الحَوادِثِ هو المُتَقَدِّمُ في الزَمَنِ.

و"التَوْراةَ والإنْجِيلَ" اسْمانِ أصْلُهُما عِبْرانِيٌّ، لَكِنَّ النُحاةَ وأهْلَ اللِسانِ حَمَلُوها عَلى الِاشْتِقاقِ العَرَبِيِّ، فَقالُوا في التَوْراةِ: إنَّها مِن ورِيَ الزَنْدُ يَرِي إذا قُدِحَ وظَهَرَتْ نارُهُ، يُقالُ: أورَيْتُهُ فَوَرِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ" وقَوْلُهُ: ﴿ أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ  ﴾ .

قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَأمّا قَوْلُهُمْ: ورِيَتْ بِكَ زِنادِي عَلى وزْنِ فَعِلَتْ، فَزَعَمَ أبُو عُثْمانَ أنَّهُ اسْتُعْمِلَ في هَذا الكَلامِ فَقَطْ ولَمْ يُجاوَزْ بِهِ غَيْرُهُ.

وتَوْراةٌ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وسائِرِ البَصْرِيِّينَ فَوْعَلَةٌ، كَحَوْقَلَةٍ، أصْلُها ووْرَيَةٌ قُلِبَتِ الواوُ الأُولى تاءً، كَما قُلِبَتْ في "تَوْلَجَ" وأصْلُهُ "وَوْلَجَ" مِن: ولَجَتْ.

وحَكى الزَجّاجُ عن بَعْضِ الكُوفِيِّينَ: أنَّ تَوْراةً أصْلُها تَفْعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، مِن: ورِيَتْ بِكَ زِنادِي، قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مِن: أورَيْتَ، قالَ: فَهي تَوْرِيَةٌ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ تَفْعِلَةً بِكَسْرِ العَيْنِ مِثْلَ تَوْصِيَةٍ "ثُمَّ رُدَّتْ إلى تَفْعَلَةٍ بِفَتْحِ العَيْنِ.

قالَ الزَجّاجُ وكَأنَّهُ يُجِيزُ في تَوْصِيَةٍ" تَوْصِأةً وذَلِكَ غَيْرُ مَسْمُوعٍ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فالياءُ لَمّا انْفَتَحَ ما قَبْلَها وتَحَرَّكَتْ هي انْقَلَبَتْ ألِفًا فَقِيلَ: تَوْراةٌ، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قَوْلَ البَصْرِيِّينَ وضَعَّفَهُ غَيْرُهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ "التَوْراةَ" مَفْتُوحَةَ الراءِ، وكانَ حَمْزَةُ ونافِعٌ يَلْفِظانِ بِالراءِ بَيْنَ اللَفْظَيْنِ بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وكَذَلِكَ فَعَلا في قَوْلِهِ: "مَعَ الأبْرارِ" و"مِنَ الأشْرارِ" و"مِن قَرارٍ" إذا كانَ الحَرْفُ مَخْفُوضًا.

ورَوى المُسَيِّبِيُّ عن نافِعٍ فَتْحَ الراءِ مِنَ التَوْراةِ، ورَوى ورْشٌ عنهُ كَسْرَها، وكانَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ يَكْسِرانِ الراءَ مِنَ التَوْراةِ ويُمِيلانِ "مِنَ الأبْرارِ" وغَيْرَها أشَدَّ مِن إمالَةِ حَمْزَةَ ونافِعٍ.

وقالُوا في الإنْجِيلِ: إنَّهُ إفْعِيلٌ مِنَ النَجْلِ، وهو الماءُ الَّذِي يَنِزُّ مِنَ الأرْضِ؛ قالَ الخَلِيلُ: اسْتَنْجَلَتِ الأرْضُ وبِها نِجالٌ إذا خَرَجَ مِنها الماءُ.

والنَجْلُ أيْضًا الوَلَدُ والنَسْلُ قالَهُ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ، ونَجَلَهُ أبُوهُ أيْ ولَدَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: أنْجَبَ أيّامَ والِداهُ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ إذْ نَجَلاهُ فَنِعْمَ ما نَجَلا قالَ ابْنُ سِيدَهْ عن أبِي عَلِيٍّ: مَعْنى قَوْلِهِ: "أيّامَ والِداهُ بِهِ" كَما تَقُولُ: أنا بِاللهِ وبِكَ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: مَعْنى البَيْتِ: أنْجَبَ والِداهُ بِهِ أيّامَ إذْ نَجَلاهُ، فَهو كَقَوْلِكَ: حِينَئِذٍ ويَوْمَئِذٍ لَكِنَّهُ حالٌ بِالفاعِلِ بَيْنَ المُضافِ الَّذِي هو "أيّامَ" وبَيْنَ المُضافِ إلَيْهِ الَّذِي هو "إذْ".

ويُرْوى هَذا البَيْتُ: "أنْجَبَ أيّامَ والِدَيْهِ".

والنَجْلُ: الرَمْيُ بِالشَيْءِ وذَلِكَ أيْضًا مِن مَعْنى الظُهُورِ وفِراقِ شَيْءٍ شَيْئًا، وحَكى أبُو القاسِمِ الزَجّاجِيُّ في نَوادِرِهِ: أنَّ الوالِدَ يُقالُ لَهُ: نَجْلٌ، وأنَّ اللَفْظَةَ مِنَ الأضْدادِ، وأمّا بَيْتُ زُهَيْرٍ فالرِوايَةُ الصَحِيحَةُ فِيهِ: .......................

∗∗∗ وكُلُّ فَحْلٍ لَهُ نَجْلُ أيْ ولَدٌ كَرِيمٌ ونَسْلٌ.

ورَوى الأصْمَعِيُّ فِيما حُكِيَ "عنهُ" "وَكُلُّ فَرْعٍ لَهُ نَجْلُ"، وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى تَسْمِيَةِ الوالِدِ نَجْلًا.

وقالَ الزَجّاجُ: الإنْجِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَجْلِ وهو الأصْلُ، فَهَذا يَنْحُو إلى ما حَكى أبُو القاسِمِ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: فالتَوْراةُ مِن ورى الزِنادُ إذا ظَهَرَتْ نارُهُ والإنْجِيلُ مِن نَجَلَ إذا ظَهَرَ ولَدُهُ، أو مِن ظُهُورِ الماءِ مِنَ الأرْضِ، فَهو مُسْتَخْرَجٌ إمّا مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ وإمّا مِنَ التَوْراةِ.

و"الفُرْقانَ" مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَحُرُوفُها مُخْتَلِفَةٌ، والمَعْنى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، إذْ كُلُّها مَعْناهُ: ظُهُورُ الحَقِّ، وبَيانُ الشَرْعِ وفَصْلُهُ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأباطِيلِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "الأنْجِيلَ" - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ - وذَلِكَ لا يَتَّجِهُ في كَلامِ العَرَبِ، ولَكِنْ تَحْمِيهِ مَكانَةُ الحَسَنِ مِنَ الفَصاحَةِ، وأنَّهُ لا يَقْرَأُ إلّا بِما رَوى، وأراهُ نَحا بِهِ نَحْوَ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنِي مِن قَبْلِ القُرْآنِ.

وقَوْلُهُ: "هُدىً لِلنّاسِ" مَعْناهُ دُعاءٌ، والناسُ: بَنُو إسْرائِيلَ في هَذا المَوْضِعِ، لِأنَّهُمُ المَدْعُوُّونَ بِهِما لا غَيْرُ، وإنْ أرادَ أنَّهُما هُدىً في ذاتِهِما مَدْعُوٌّ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ وغَيْرُهُ، مَنصُوبٌ لِمَنِ اهْتَدى بِهِ، فالناسُ عامٌّ في كُلِّ مَن شاءَ حِينَئِذٍ أنْ يَسْتَبْصِرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ هُنا "لِلنّاسِ"، وقالَ في القُرْآنِ: "هُدىً لِلْمُتَّقِينَ" وذَلِكَ عِنْدِي لِأنَّ هَذا خَبَرٌ مُجَرَّدٌ، وقَوْلُهُ: "هُدىً لِلْمُتَّقِينَ" خَبَرٌ مُقْتَرِنٌ بِهِ الِاسْتِدْعاءُ والصَرْفُ إلى الإيمانِ، فَحَسُنَتِ الصِفَةُ، لِيَقَعَ مِنَ السامِعِ النَشاطُ والبِدارُ، وذَكَرَ الهُدى الَّذِي هو إيجادُ الهِدايَةِ في القَلْبِ، وهُنا إنَّما ذَكَرَ الهُدى الَّذِي هو الدُعاءُ، والهُدى الَّذِي هو في نَفْسِهِ مُعَدٌّ يَهْتَدِي بِهِ الناسُ، فَسُمِّيَ هُدىً لِذَلِكَ، وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: التَقْدِيرُ هُنا: هُدىً لِلنّاسِ المُتَّقِينَ، ويَرُدُّ هَذا العامَّ إلى ذَلِكَ الخاصِّ، وفي هَذا نَظَرٌ.

والفُرْقانُ: القُرْآنُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، الَّذِي جادَلَ فِيهِ الوَفْدُ، وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وغَيْرُهُما: فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أحْكامِ الشَرائِعِ، وفي الحَلالِ والحَرامِ وَنَحْوِهِ، والفُرْقانُ يَعُمُّ هَذا كُلَّهُ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الفُرْقانُ هُنا: كُلُّ أمْرٍ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فِيما قَدُمَ وحَدُثَ، فَيَدْخُلُ في هَذا التَأْوِيلِ طُوفانُ نُوحٍ، وفَرْقُ البَحْرِ لِغَرَقِ فِرْعَوْنَ، ويَوْمُ بَدْرٍ، وسائِرُ أفْعالِ اللهِ تَعالى المُفَرِّقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَكَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الكِتابَ العَزِيزَ، ثُمَّ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، ثُمَّ كُلَّ أفْعالِهِ ومَخْلُوقاتِهِ الَّتِي فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَما فَعَلَتْ هَذِهِ الكُتُبُ ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى الكُفّارَ عُمُومًا بِالعَذابِ الشَدِيدِ، وذَلِكَ يَعُمُّ عَذابَ الدُنْيا بِالسَيْفِ والغَلَبَةِ، وعَذابَ الآخِرَةِ بِالنارِ، والإشارَةُ بِهَذا الوَعِيدِ إلى نَصارى نَجْرانَ، وقالَ النَقّاشُ: إلى اليَهُودِ، كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وكَعْبِ بْنِ أسَدٍ، وابْنَيْ أخْطَبَ وغَيْرِهِمْ.

و"عَزِيزٌ"، مَعْناهُ: غالِبٌ، وقَدْ ذَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ والنِقْمَةُ والِانْتِقامُ: مُعاقَبَةُ المُذْنِبِ بِمُبالَغَةٍ في ذَلِكَ..

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ابتُدِئ الكلام بمسند إليه خَبرُه فِعْلِيُّ: لإفادة تقوية الخبر اهتماماً به.

وجيء بالاسم العلَم: لتربية المهابة عند سماعه، ثم أردف بجملة لا إله إلاّ هوالله لاا إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم * نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل * مِن } ، جملةً معترضة أو حاليةً، ردّاً على المشركين، وعلى النصارى خاصة.

وأتبع بالوصفين ﴿ الحيّ القيوم ﴾ لنفي اللبس عن مسمَّى هذا الاسم، والإيماء إلى وجه انفراده بالإلاهية، وأنّ غيره لا يستأهلها؛ لأنّه غير حيّ أوْ غير قَيُّوم، فالأصنام لا حياة لها، وعيسى في اعتقاد النصارى قد أميت، فما هو الآن بقيوُّم ولا هو في حال حياته بقيّوم على تدبير العالم، وكيف وقد أوذِيَ في الله، وكُذّب، واختفّى من أعدائه.

وقد مضى القول في معنى ﴿ الحيّ القيّوم ﴾ في تفسير آية الكرسي.

وقوله: ﴿ نزل عليك الكتاب ﴾ خبر عن اسم الجلالة.

والخبر هنا مستعمل في الامتنان، أو هو تعريض ونكايةَ بأهل الكتاب: الذين أنكروا ذلك.

وجيء بالمسند فعلاً لإفادة تقوية الخبر، أو للدلالة مع ذلك على الاختصاص: أي الله لا غيره نزّل عليك الكتاب إبطالاً لقول المشركين: إنّ القرآن من كلام الشيطان، أو من طرائق الكهانة، أو يُعلِّمه بَشَرٌ.

والتضعيف في ﴿ نَزّل ﴾ للتعدية فهو يساوي الهمز في أنزل، وإنّما التضعيف يؤذن بقوة الفعل في كيفيته أو كمّيته، في الفعل المتعدّي بغير التضعيف، من أجل أنّهم قد أنوا ببعض الأفعال المتعدّية، للدلالة على ذلك، كقولهم: فَسَر وفسَّر، وفَرَق وفرّق، وكَسَر وكسّر، كما أتوا بأفعال قاصرة بصيغة المضاعفة، دون تعدية للدلالة على قوة الفعل، كما قالوا: مَاتَ ومَوّت وصَاح وصَيّح.

فأما إذا صار التضعيف للتعدية فلا أوقن بأنّه يدلّ على تقوية الفعل، إلاّ أن يقال: إنّ العدول عن التعدية بالهمز، إلى التعدية بالتضعيف، لقصد ما عُهد في التضعيف من تَقوية معنى الفعل، فيكون قوله: ﴿ نزل عليك الكتاب ﴾ أهمّ من قوله: ﴿ وأنزل التوراة ﴾ للدلالة على عظم شأن نزول القرآن.

وقد بيّنت ذلك مستوفى في المقدّمة الأولى من هذا التفسير، ووقع في «الكشاف»، هنا وفي مواضع متعدّدة، أن قال: إن نزّل يدل على التنجيم وإنّ أنزل يدل على أنّ الكتابين أنزلا جملةً واحدة وهذا لا علاقة له بمعنى التقوية المُدّعَى للفعل المضاعف، إلاّ أن يعني أنّ نزّل مستعمل في لازم التكثير، وهو التوزيع ورّده أبو حيان بقوله تعالى: ﴿ وقال الذين كفروا لَوْلاَ نُزِّل عليه القرآن جُملة واحدة ﴾ [الفرقان: 32] فجمع بين التضعيف وقوله: والكتاب: القرآن.

والباء في قوله: بالحق } للملابسة، ومعنى ملابسته للحق اشتماله عليه في جميع ما يشتمل عليه من المعاني قال تعالى: ﴿ وبالحق أنزلناه وبالحق نَزل ﴾ [الإسراء: 105].

ومعنى ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ أنّه مصدق للكتب السابقة له، وجعل السابق بين يديه: لأنّه يجيء قبله، فكأنّه يمشي أمامه.

والتوراة اسم للكتاب المنزّل على موسى عليه السلام، وهو اسم عبراني أصله طوْراً بمعنى الهدي، والظاهر أنّه اسم للألواح التي فيها الكلمات العشر التي نزلت على موسى عليه السلام في جبل الطور؛ لأنّها أصل الشريعة التي جاءت في كتب موسى، فأطق ذلك الاسم على جميع كتب موسى، واليهود يقولون (سِفر طوراً) فلمّا دخل هذا الاسم إلى العربية أدخلوا عليه لام التعريف التي تدخل على الأوصَاففِ والنكرات لتصير أعلاماً بالغَلَبة: مثل العَقَبة، ومن أهل اللغة والتفسير من حاولوا توجيهاً لاشتقاقه اشتقاقاً عربياً، فقالوا: إنّ مشتق من الوَرْي وهو الوقد، بوزن تَفعَلة أو فَوْعَلَة، وربّما أقدمهم على ذلك أمران: أحدهما دخول التعريف عليه، وهو لا يدخل على الأسماء العجمية، وأجيب بأن لا مانع من دخولها على المعرّب كما قالوا: الاسكندرية، وهذا جواب غير صحيح؛ لأنّ الإسكندرية وزن عربي؛ إذ هو نسب إلى إسكندر، فالوجه في الجواب أنّه إنّما ألزم التعريف لأنّه معرّب عن اسم بمعنى الوصف اسممٍ علم فلمّا عربوه ألزموه اللام لذلك.

الثاني أنّها كتبت في المصحف بالياء، وهذا لم يذكروه في توجيه كونه عربياً، وسبب كتابته كذلك الإشارة إلى لغةِ إمالته.

وأما الإنجيل فاسم للوحي الذي أوحي به إلى عيسى عليه السلام فجمعه أصحابه.

وهو اسم معرّب قيل من الرومية وأصله (إثَانْجَيْلِيُوم) أي الخبر الطيّب، فمدلوله مدلول اسم الجنس، ولذلك أدخلوا عليه كلمة التعريف في اللغة الرومية، فلمّا عرّبه العرب أدخلوا عليه حرف التعريف، وذكر القرطبي عن الثعلبي أنّ الإنجيل في السريانية وهي الآرامية (أنكليون) ولعلّ الثعلبي اشتبه عليه الرومية بالسريانية، لأنّ هذه الكلمة ليست سريانية وإنّما لما نطق بها نصارى العراق ظنّها سريانية، أو لعلّ في العبارة تحريفاً وصوابها اليونانية وهو في اليونانية (أووَانَيْلِيُون) أي اللفظ الفصيح.

وقد حاول بعض أهل اللغة والتفسير جعله مشتقاً من النجل وهو الماء الذي يخرج من الأرض، وذلك تعسّف أيضاً.

وهمزة الإنجيل مكسورة في الأشهر ليجري على وزن الأسماء العربية؛ لأنّ إفعيلاً موجود بقلة مثل إبْزِيممٍ، وربّما نطق به بفتح الهمزة، وذلك لا نظير له في العربية.

و ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾ يتعلّق ﴿ بأنْزَلَ ﴾ ، والأحسن أن يكون حالاً أولى من التوراة والإنجيل، و«هُدَى» حال ثانية.

والمُضافُ إليه قبلُ محذوف مَنويُّ مَعْنَى، كما اقتضاه بناء قبل على الضم، والتقدير من قبل هذا الزمان، وهو زمان نزول القرآن.

وتقديم ﴿ مِنْ قبلُ ﴾ على ﴿ هدَى للناس ﴾ للاهتمام به.

وأما ذكر هذا القيد فلكي لا يتوهّم أنّ هُدى التوراةِ والإنجيللِ مستمرّ بعد نزول القرآن.

وفيه إشارة إلى أنّها كالمقدّمات لِنزول القرآن، الذي هو تمام مراد الله من البشر ﴿ إنّ الدينَ عند الله الإسلام ﴾ [آل عمران: 19] فالهدى الذي سبقه غير تام.

و ﴿ للناس ﴾ تعريفه إمّا للعهد: وهم الناس الذي خوطبوا بالكتابين، وإمّا للاستغراق العُرفي: فإنّهما وإن خوطب بهما ناس معروفون، فإنّ ما اشتملا عليه يَهتدي به كلّ من أراد أن يهتدي، وقد تهوّد وتنصّر كثير ممّن لم تشملهم دعوة موسى وعيسى عليهما السلام، ولا يدخل في العموم الناسُ الذين دعاهم محمد صلى الله عليه وسلم لأنّ القرآن أبطل أحكام الكتابين، وأما كون شرع مَنْ قَبْلَنَا شرعاً لنا عند معظم أهل الأصول، فذلك فيما حكاه عنهم القرآن لا ما يوجد في الكتابين، فلا يستقيم اعتبار الاستغراق بهذا الاعتبار بل بما ذكرناه.

والفرقان في الأصل مصدر فرَق كالشُكران والكُفران والبُهتان، ثم أطلق على ما يُفرق به بين الحق والباطل قال تعالى: ﴿ وما أنزلنا على عبدنا يومَ الفرقان ﴾ [الأنفال: 41] وهو يوم بدر.

وسمّي به القرآنُ قال تعالى: ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ﴾ [الفرقان: 1] والمرادبالفرقان هنا القرآن؛ لأنّه يفرق بين الحق والباطل، وفي وصفه بذلك تفضيل لِهديه على هدى التوراة والإنجيل؛ لأنّ التفرقة بين الحق والباطل أعظم أحوال الهدي، لما فيها من البرهان، وإزالة الشبهة.

وإعادةُ قوله: ﴿ وأنزل الفرقان ﴾ بعد قوله: ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق ﴾ للاهتمام، وليُوصَل الكلام به في قوله: ﴿ إن الذين كفروا بآيات اللَّه ﴾ [آل عمران: 4] الآية أي بآياته في القرآن.

﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بأيات الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ والله عَزِيزٌ ذُو انتقام ﴾ .

استئناف بياني مُمَهّد إليه بقوله: ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق ﴾ لأنّ نفس السامع تتطلّع إلى معرفة عاقبة الذين أنكروا هذا التنزيل.

وشَمل قولُه: ﴿ الذين كفروا بآيات الله ﴾ المشركينَ واليهودَ والنصارى في مرتبة واحدة، لأنّ جميعهم اشتركوا في الكفر بالقرآن، وهو المراد بآيات الله هنا لأنّه الكتاب الوحيد الذي يصح أن يوصف بأنّه آيةٌ من آيات الله؛ لأنّه مُعجزة.

وعبّر عنهم بالموصول إيجازاً؛ لأنّ الصلة تجمعهم، والإيماء إلى وجه بناء الخَبَر وهو قوله: ﴿ لهم عذاب شديد ﴾ .

وعطف قوله: ﴿ والله عزيز ذو انتقام ﴾ على قوله: ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله ﴾ لأنّه من تكملة هذا الاستئناف: لمجيئه مجيء التبيين لشدّة عذابهم؛ إذ هو عذابٌ عزيزٍ منتقم كقوله: ﴿ فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ﴾ [القمر: 42].

(والعزيز تقدم عند قوله تعالى في سورة البقرة (209): ﴿ فاعلموا أن اللَّه عزيز حكيم.

﴾ والانتقام: العقاب على الاعتداء بغضب، ولذلك قيل للكاره: ناقم.

وجيء في هذا الوصف بكلمة (ذو) الدالة على المِلك للإشارة إلى أنّه انتقام عن اختيار لإقامة مصالح العباد وليس هو تعالى مندفعاً للانتقام بدافع الطبع أو الحنق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ آلِ عِمْرانَ ﴿ الم ﴾ ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ ﴿ مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ﴾ ﴿ الم ﴾ ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ ذَلِكَ مِن قَبْلُ.

فَإنْ قِيلَ: ﴿ الم ﴾ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى كانَ قَوْلُهُ: ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ نَعْتًا لِلْمُسَمّى بِهِ، وتَفْسِيرُهُ أنَّ الم هو اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو.

وَإنْ قِيلَ: إنَّهُ قَسَمٌ كانَ واقِعًا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ، إثْباتًا لِكَوْنِهِ إلَهًا ونَفْيًا أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ إلَهًا.

وَإنْ قِيلَ بِما سِواهُما مِنَ التَّأْوِيلاتِ كانَ ما بَعْدَهُ مُبْتَدَأً مَوْصُوفًا، وأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ.

وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنَ السُّورَةِ في وفْدِ نَجْرانَ مِنَ النَّصارى لَمّا جاؤُوا يُحاجُّونَ النَّبِيَّ  وكانُوا أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ.

﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالعَدْلِ مِمّا اسْتَحَقَّهُ عَلَيْكَ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ.

والثّانِي: بِالعَدْلِ فِيما اخْتَصَّكَ بِهِ مِن شَرَفِ الرِّسالَةِ.

وَإنْ قِيلَ بِأنَّهُ الصِّدْقُ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالصِّدْقِ فِيما تَضَمَّنَهُ مِن أخْبارِ القُرُونِ الخالِيَةِ والأُمَمِ السّالِفَةِ.

والثّانِي: بِالصِّدْقِ فِيما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ بِالثَّوابِ عَلى طاعَتِهِ، والوَعِيدِ بِالعِقابِ عَلى مَعْصِيَتِهِ.

﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أيْ لِما قَبْلَهُ مِن كِتابٍ ورَسُولٍ، وإنَّما قِيلَ لِما قَبْلَهُ ﴿ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ لِأنَّهُ ظاهِرٌ لَهُ كَظُهُورِ ما بَيْنَ يَدَيْهِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ مُخْبِرًا بِما بَيْنَ يَدَيْهِ إخْبارَ صِدْقٍ دَلَّ عَلى إعْجازِهِ.

والثّانِي: مَعْناهُ أنَّهُ يُخْبِرُ بِصِدْقِ الأنْبِياءِ فِيما أتَوْا بِهِ عَلى خِلافِ مَن يُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ويَكْفُرُ بِبَعْضٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِدَلائِلِهِ وحُجَجِهِ.

والثّانِي: بِآياتِ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ وفْدَ نَجْرانَ حِينَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  لِمُحاجَّتِهِ.

﴿ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ يَعْنِي عَذابَ جَهَنَّمَ.

﴿ واللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في امْتِناعِهِ.

الثّانِي: في قُدْرَتِهِ.

﴿ ذُو انْتِقامٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذُو سَطْوَةٍ.

والثّانِي: ذُو اقْتِضاءٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أبيّ بن كعب أنه قرأ ﴿ الحي القيوم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: ﴿ القيوم ﴾ القائم على كل شيء.

وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي داود وابن الأنباري معاً في المصاحف وابن المنذر والحاكم وصححه عن عمر أنه صلى العشاء الآخرة فاستفتح سورة آل عمران، فقرأ ﴿ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ .

وأخرج ابن أبي داود عن الأعمش قال في قراءة عبدالله ﴿ الحي القيام ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن الأنباري عن علقمة أنه كان يقرأ ﴿ الحي القيام ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن الأنباري عن أبي معمر قال: سمعت علقمة يقرأ ﴿ الحي القيم ﴾ وكان أصحاب عبدالله يقرؤون ﴿ الحي القيام ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: كان عمر يعجبه أن يقرأ سورة آل عمران في الجمعة إذا خطب.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد نجران ستون راكباً، فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب، وعبد المسيح، والأيهم السيد، وهو من النصرانية على دين الملك مع اختلاف من أمرهم.

يقولون هو الله، ويقولون هو ولد الله، ويقولون هو ثالث ثلاثة، كذلك قول النصرانية، فهم يحتجون في قولهم يقولون هو الله بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الاسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيراً، وذلك كله بإذن الله ليجعله آية للناس.

ويحتجون في قولهم بأنه ولد بأنهم يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد شيئاً لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله.

ويحتجون في قولهم إنه ثالث ثلاثة بقول الله: فعلنا: وأمرنا، وخلقنا، وقضينا، فيقولون: لو كان واحداً ما قال إلا فعلت، وأمرت، وقضيت، وخلقت، ولكنه هو وعيسى ومريم.

ففي كل ذلك من قولهم نزل القرآن وذكر الله لنبيه فيه قولهم، فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسلما» قالا: قد أسلمنا قبلك.

قال: «كذبتما منعكما من الإِسلام دعاؤكما لله ولداً، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير» ، قالا: فمن أبوه يا محمد؟

فصمت فلم يجبهما شيئاً، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها، فافتتح السورة بتنزيه نفسه مما قالوه، وتوحيده إياهم بالخلق، والأمر لا شريك له فيه، ورد عليه ما ابتدعوا من الكفر، وجعلوا معه من الأنداد، واحتجاجاً عليهم بقولهم في صاحبهم ليعرفهم بذلك ضلالتهم فقال: ﴿ الم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ أي ليس معه غيره شريك في أمره، الحي الذي لا يموت وقد مات عيسى، في قولهم القائم على سلطانه لا يزول وقد زال عيسى.

وقال ابن إسحق: حدثني محمد بن سهل بن أبي امامة قال: لما قدم أهل نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن عيسى ابن مريم.

نزلت فيهم فاتحة آل عمران إلى رأس الثمانين منها وأخرجه البيهقي في الدلائل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع قال: إن النصارى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخاصموه في عيسى ابن مريم وقالوا له: من أبوه؟

وقالوا على الله الكذب والبهتان.

فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟» قالوا: بلى.

قال: «ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وإن عيسى يأتي عليه الفناء؟» قالوا: بلى.

قال: «ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟» قالوا: بلى.

قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً؟

قالوا: لا.

قال: «أفلستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟

قالوا: بلى.

قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئاً إلا ما علم؟» قالوا: لا.قال: «فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب، ولا يحدث الحدث؟» قالوا: بلى.

قال: «ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غُذّيَ كما تُغذي المرأة الصبي، ثم كان يأكل الطعام، ويشرب الشراب، ويحدث الحدث؟» قالوا: بلى.

قال: «فكيف يكون هذا كما زعمتم؟» فعرفوا ثم أبوا إلا جحوداً.

فأنزل الله: ﴿ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور والطبراني عن ابن مسعود أنه كان يقرؤها ﴿ القيام ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن علقمة أنه قرأ ﴿ الحي القيوم ﴾ .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه ﴾ قال: لما قبله من كتاب أو رسول.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ يقول: من البينات التي أنزلت على نوح وإبراهيم وهود والأنبياء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ نزل عليك الكتاب ﴾ قال: القرآن ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ من الكتب التي قد خلت قبله ﴿ وأنزل التوراة والإنجيل، من قبل هدى للناس ﴾ هما كتابان أنزلهما الله فيهما بيان من الله، وعصمة لمن أخذ به، وصدق به وعمل بما فيه ﴿ وأنزل الفرقان ﴾ هو القرآن فرق به بين الحق والباطل.

فأحل فيه حلاله، وحرم فيه حرامه، وشرع فيه شرائعه، وَحَدَّ فيه حدوده، وفرض فيه فرائضه، وبَيَّنَ فيه بيانه، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير ﴿ وأنزل الفرقان ﴾ أي الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره.

وفي قوله: ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام ﴾ أي أن الله منتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها، ومعرفته بما جاء منه فيها.

وفي قوله: ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ﴾ أي قد علم ما يريدون، وما يكيدون، وما يضاهون بقولهم في عيسى.

إذ جعلوه رباً، وإلهاً، وعندهم من علمه غير ذلك، غرة بالله وكفراً به ﴿ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ قد كان عيسى ممن صور في الأرحام لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه، كما صور غيره من بني آدم فكيف يكون إلهاً وقد كان بذلك المنزل؟

وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: ﴿ يصوركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ قال: ذكوراً وإناثاً.

وأخرج ابن جرير من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح وعن ابن عباس عن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة.

في قوله: ﴿ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ قال: إذا وقعت النطفة في الأرحام طارت في الجسد أربعين يوماً، ثم تكون علقة أربعين يوماً، ثم تكون مضغة أربعين يوماً.

فإذا بلغ أن يخلق، بعث الله ملكاً يصوّرها فيأتي الملك بتراب بين اصبعيه، فيخلط فيه المضغة، ثم يعجنه بها، ثم يصوّره كما يؤمر، ثم يقول أذكر أم أنثى، أشقي أم سعيد، وما رزقه، وما عمره، وما أثره، وما مصائبه؟

فيقول الله...

ويكتب الملك.

فإذا مات ذلك الجسد دفن حيث أخذ ذلك التراب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ قال: من ذكر، وأنثى، وأحمر، وأبيض، وأسود، وتام، وغير تام الخلق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ العزيز الحكيم ﴾ قال: العزيز في نقمته إذا انتقم، الحكيم في أمره.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ .

إنّما قال: ﴿ نَزَّلَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ ؛ لأن التنزيل للتكثير.

والقرآن نزل نجومًا، شيء بعد شيء، والتوراة والإنجيل نزلتا دفعةً واحدةً (١) و ﴿ وَالكِتَابِ ﴾ ؛ يعني: القرآن (٢) وقوله تعالى: ﴿ بِاَلحَقِّ ﴾ .

أي: بالصدق في أخباره، وجميع دلالاته.

وقوله تعالى: ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .

أي: موافقًا لِمَا تقدم الخبرُ به في سائر الكتب.

وفي ذلك دليل على صحة نبوة محمد  .

وقيل (٣) وقوله تعالى: ﴿ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .

مِن مَجَازِ الكلام؛ وذلك أنَّ ما بينَ يَدَيْك، فهو أمَامَك.

فقيل لكل ما تقدم على الشيء: (هو بين يديه)؛ كما جاء في الحديث: "إنَّ بينَ يَدَي الساعة سنين خَدّاعَة" (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ ﴾ .

قال الفراء (٥) (٦) (٧) قال الشاعر: بِحَرْبٍ كَنَاصاةِ الأغَرِّ المُشَهَّرِ (٨) فَمَا الدنيَا بِبَاقَاةٍ لِحَيٍّ ...

وما حَيٌّ على الدنيا بِبَاق (٩) وقال الخليل (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) ولا إشكال في أن الحَمْل على الأكثر الأشْيع أولى، وأيضًا فإن التاء لم تكثر زائدةً أوّلًا، والواو إذا كانت أوّلًا فقد استمرّ البدل فيها؛ نحو: (وُجُوه)، و (أُجُوه) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وقد أُبدِلت التاءُ من الواو، إذا (٢١) (٢٢) (٢٣) فإذا كثر (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) فأما باب (تَوْدِيَةٍ) فقليل؛ كما أن (تَفْعَلَة) كذلك، وباب (تَوْصِيَة) فيه اتساع؛ لكن إذا حملها على لُغَةِ طَيِّئٍ، فقد حملها على لغةٍ لم نعلم شيئًا منها في التنزيل.

فإذا لم يكن الوجهان اللّذان ذكرهما الفراءُ بالسّهلين، حَمَلْتَهُ على (فَوْعَلَةٍ) دونها؛ للكثرة؛ ألا ترى أنّ نحو: (صَومَعَة) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) ونظير (التوراة) مِمّا قلبت الواوُ فيه تاءً (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) فأما اشتقاقها: فقال الفرّاءُ فيما حكاه ابنُ الأنباري: التوراة (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) ﴿ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا  ﴾ ويقولونَ: (وَرِيتْ (٤٢) (٤٣) وزعم أبو عثمان (٤٤) ومعنى (وَرِيَت بك زِنَادِي)؛ أي: ظَهَر بك الخيرُ لي.

فالتوراة سُمِّيت [بذلك] (٤٥) ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً  ﴾ .

وقال المُؤَرّج (٤٦) (٤٧) وفي (التوراة) قراءتان: الإمالة، والتفخيم (٤٨) فَمَنْ فَخَّم؛ فلأن الراءَ (٤٩) (٥٠) (٥١) ومَنْ أمالَهَا؛ فَلأنّ الألف لَمّا كانت رابعةً، لم تخلُ مِنْ أن تشبه ألِفَ التأنيث، أو الألف المنقلبةَ عن الواو، وعن (٥٢) وألِفُ (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) ﴿ رَمَى ﴾ (٦٠) ﴿ سَجى ﴾ (٦١) وقوله تعالى: ﴿ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ .

قال الزجَّاجُ (٦٢) (٦٣) (٦٤) قال ابن الأنباري (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) إذْ نَجَلاهُ فَنِعْمَ مَا نَجَلا (٦٩) أي: كان أصلًا له إذ وَلَدَاهُ.

وقال قومٌ (٧٠) (٧١) ويقال: (قد استَنْجَلَ الوادي): إذا أخرج الماء من النزِّ.

فسمّي الإنجيلُ إنجيلًا؛ لأن الله تعالى أظهره للناس بعد طموس الحق ودُرُوسِهِ.

قال: وفي (الإنجيل) قولٌ ثالث: وهو أن يكون سُمّيَ إنجيلًا؛ لأن الناس اختلفوا فيه، وتنازعوا.

قال أبو عمرو الشيباني (٧٢) (٧٣) وقال جماعة من أهل التحقيق: التوراة والإنجيل والزَّبُور، أسماء عُرِّبت مِنَ السريانية، وليس يُطّردُ فيها قياس الأسماء العربيّة؛ ألا تراهم يقَولون لها بالسريانية: (تُورَيْ)، (انْكِليُون) (٧٤) (٧٥) (١) وقد ذهب كثير من المفسرين، إلى ما ذهب إليه المؤلفُ، من تخصيص القرآن، هنا بلفظ التنزيل، الدال على التكثير؛ نظرًا لنزوله منجمًا، وأن التوراة والإنجيل خُصَّا بالإنزال؛ لأنهما نزلا دفعة واحدة ومن هؤلاء المفسرين: الثعلبي، والبغوي، والزمخشري، وبيان الحق النيسابوري، وابن الجوزي، والقرطبي، والنسفي، وأبو جعفر بن الزبير الغرناطي، وابن جماعة، والبيضاوي، والمهايمي، وأبو السعود.

انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 4 أ، "تفسير البغوي" 2/ 6، "الكشاف" للزمخشري: 1/ 238،412، "وضح البرهان" لبيان الحق: 1/ 233، "زاد المسير" 1/ 349، "تفسير القرطبي" 4/ 5، "تفسير النسفي" 1/ 141، "ملاك التأويل" لابن الزبير: 1/ 141، "كشف المعاني" لابن جماعة: 123، "تفسير اليضاوي" 1/ 62، "تفسير المهايمي" 1/ 102، "تفسير أبي السعود" 2/ 4.

ولكن رُدَّ هذا القول بالآتي: إن التضعيف الدال على الكثرة، شرطه أن يكون في الأفعال المتعدية قبل التضعيف غالبًا؛ نحو: (فتَّحت الباب)، وفعل (نَزَل) لم== يكن متعديًا قبل التضعيف.

وقولهم: (غالبًا): لأن التضعيف جاء دالًا على الكثرة في اللازم؛ نحو: (موَّت المالُ): إذا كثر.

إن التضعيف الدال على الكثرة، لا يجعل اللازم متعديًا كما في (مَوَّت المال).

ولما كان (نزل) لازما، وصار بالتضعيف متعديًا، دلَّ على أن تضعيفه للنقل لا للتكثير.

إنه لو كان (نَزَّل) للتكثير، لاحتاج قولُهُ تعالى: ﴿ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً  ﴾ إلى تأويل، إنه ورد فعل (نَزَّل) المضعَّف، في آيات كثيرة، ولا يمكن أن يدل على التكثير، إلا بتأويل بعيد جدًا، ومن ذلك قوله تعالى ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ  ﴾ وقوله: ﴿ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا  ﴾ .

كما أن (أنزل) قد ورد خاصًّا بالقرآن، فقال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ  ﴾ فلو كان أحدهما يدل على التنجيم، والآخر على النزول دفعة واحدة، لكان في ذلك تناقض في الإخبار، وهو محال.

انظر: "الحجة" للفارسي: 2/ 158 - 162، "البحر المحيط" 1/ 103، "الدر المصون" 3/ 198، 3/ 21.

ويرى ابن عاشور أن التضعيف في ﴿ نَزَّلَ ﴾ كالهمز فيه، إلا أن التضعيفَ يؤذن بقوة الفعل في كيفيته وكمِّيَتِه، وأن ﴿ نَزَّلَ ﴾ أهم من (أنزل)؛ حيث يدل على عِظَم شأن نزول القرآن.

ويرى بأنه لا دلالة على أن التوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة، بل نزلا مفرقَيْن؛ كحال كل ما نزل على الرسل في مدة الرسالة.

انظر تفسير "التحرير والتنوير" 3/ 147، 148.

(٢) ذهب سعيد بن جبير إلى أن الكتاب هنا: خواتيم سورة البقرة.

انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 587.

أما جمهور المفسرين، فقد ذهبوا إلى أن المراد به القرآن، كما فَسَّره المؤلف.

يقول أبو حيان (الكتاب هنا: القرآن، باتفاق المفسرين).

"البحر المحيط" 2/ 377.

وانظر: "تفسير الطبري" 3/ 166، 167 "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 587، "تفسير البغوي" 2/ 6، "تفسير ابن جزي" 73، "زاد المسير" 1/ 349، "تفسير ابن كثير" 1/ 369، "الدر المنثور" 2/ 5.

(٣) هو معنى قول: مجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع، ومقاتل، والطبري، والثعلبي، والبغوي.

انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 262، "تفسير الطبري" 3/ 166، 167، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 587، "تفسير البغوي" 2/ 6، "تفسير الثعلبي" 3/ 4 أ.

(٤) الحديث، أخرجه: البزار (انظر كشف الأستار عن زوائد البزار: رقم الحديث: (3373)، وأحمد في "المسند" 3/ 220.

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 284، من رواية عمرو بن عوف، عن النبي  ، ومن رواية ابن إسحاق، عن عبد الله بن دينار، عن أنس، عن النبي  .

قال الهيثمي: (وقد صرح ابن إسحاق بالسماع من عبد الله بن دينار، وبقية رجاله ثقات).

وأورده المتقي الهندي في "كنز العمال" 14/ 229 رقم (38511) وعزاه للطبراني في "المعجم الكبير" والحاكم في "الكنى" وابن عساكر، عن عوف بن مالك الأشجعي.

وورد الحديث بلفظ آخر من رواية أنس بن مالك: "إن أمام الدجال سنين خدَّاعة ..

".

أخرجه أحمد في "المسند" 3/ 220 (انظر: "الفتح الرباني" للبنا: 24/ 35).

وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 284: (رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في "الأوسط" وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس، وابن لهيعة، وهو لين).

وورد من رواية أبي هريرة بلفظ: "إنها ستأتي على الناس سنون خداعة".

رواه أحمد في "المسند" 2/ 291.

وانظر: "المسند" بشرح شاكر: 15/ 37 رقم (8799)، وقال الشيخ أحمد شاكر: (إسناده حسن، ومتنه صحيح).

(٥) قوله: في "الزاهر" لابن الأنباري: 1/ 168، وأورد الأزهريُ طرفا منه، وعزاه لكتاب (المصادر) للفراء.

انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3880.

(٦) في (ج): (ظبي).

(طيئ) هي القبيلة العربية المشهورة، التي تنسب إلى طيئ بن أدَد ابن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، وهي من القبائل القحطانية، كانت مساكنهم في اليمن، ثم خرجوا منها، ونزلوا بنجد والحجاز، ثم انتشروا في الجزيرة العربية.

انظر: "جمهرة أنساب العرب" 398، 399، 476، و"صبح الأعشى": 1/ 320، و"معجم قبائل العرب": 2/ 689 - 691، 5/ 345.

(٧) الناصية، أو الناصاة: قصاص الشعر في مقدم الرأس.

انظر: (نصا) في "اللسان" 7/ 4447، "القاموس المحيط" (1339).

قال الأزهري (والناصية عند العرب: منبت الشعر في مقدم الرأس ...

وسمي الشعرُ ناصيةً؛ لنباته في ذلك الموضع).

"تهذيب اللغة" 4/ 3581.

(٨) عجز بيت، وصدره: لقد آذَنَتْ أهلَ اليَمَامَةِ طيِّئٌ وهو لحُرَيْث بن عَنَاب الطائي.

وقد ورد منسوبًا له، في كتاب "المعاني الكبير" لابن قتيبة: 2/ 1048، "اللسان" 7/ 4447 (نصا).

وورد غير منسوب، في "تهذيب اللغة" 4/ 3581، "الدر المصون" 3/ 18.

وردت كلمة (الحِصان) بدلًا من (الأغر) في كل المصادر السابقة، ما عدا "الدر المصون".

المُشَهَّر: المشهور.

انظر: (شهر) في "تهذيب اللغة" 4/ 1945، "اللسان" 4/ 2352.

(٩) في (د): (باقي).

أورده الزمخشري في "ربيع الأبرار" 1/ 38، ونسبه لخالد بن الطَّيِّفان الدارمي، وكذا نسبه الجاحظ له في: كتاب "الحيوان" 5/ 105، وسماه خالد بن علقمة بن الطيفان.

إلا أن الزمخشري في "ربيع الأبرار" في: 1/ 13 نسبه لنهشل بن حري النهشلي، وروايته فيه: وما الدنيا بباقية لحي ...

وما حي على الحَدَثان باقي وهو في الموضعين في "ربيع الأبرار" (بباقية لحي).

وورد البيت غير منسوب، في "الزاهر" لابن الأنباري: 1/ 168، ورسالة الصاهل والشاحج، للمعري: 407، "الإنصاف في مسائل الخلاف" للأنباري: ص 69، "الدر المصون" 2/ 637، 3/ 19.

والشاهد فيه: قوله: (بباقاة)، وأراد: بباقية.

(١٠) انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 333.

(١١) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 4 ب.

والبصريون، هم: أصحاب المدرسة النحوية بالبصرة، الذين نشأ النحو على أيديهم وتطور.

وقد وضعوا قواعدهم على الأعم الأغلب مما نقل عن العرب، ومن قواعدهم المنهجية في النحو: التشدد في السماع، فلا يأخذون إلا من ثقات العربية، ممن سلمت لغاتهم من التأثر بلغة أو بلهجة أجنبية، ولا يعتمدون الشاهد النحوي مقياسًا، إلا إذا جرى على ألسنة العرب، وكثر استعمالهم له، وغير ذلك من القواعد، وهم أسبق من أصحاب المدرسة الكوفية، وأكثر تشددًا منهم.

وهناك البغداديون، الذين ينتخبون من المدرستين.

ومن علماء المذهب البصري: أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، وسيبويه، وقطرب، والأخفش الأوسط، والمازني، والمبرد، وغيرهم.

انظر: "طبقات النحويين" للزبيدي: 21 - 211، والمدراس النحوية، لشوقي ضيف: 11 وما بعدها، "معجم المصطلحات النحوية والصرفية" د.

محمود اللبدي: 21، 87، "موسوعة النحو والصرف" د.

أميل يعقوب: 362، 616.

(١٢) تَوْلَج: كِناس الوحش، وهو الموضع الذي يستتر فيه.

انظر: (ولج) في "أساس البلاغة" للزمخشري: 2/ 526، "القاموس المحيط" ص 209.

وانظر: (كنس) في "الصحاح" 3/ 971.

(١٣) في (د): (لحركتها).

(١٤) في (ج): (توراية).

(١٥) من قوله: (لأن ..) إلى (..

ولا إشكال): ساقط من: (د).

ومن قوله: (لأن ..) إلى (..

وعومرة قد كثر): نقله بتصرف في بعض عباراته عن "الحجة" للفارسي: 3/ 1315.

(١٦) انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 333، "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج: 3/ 879، "الممتع في التصريف" لابن عصفور: 1/ 383، 384.

(١٧) في (ج): (وأوجه).

(١٨) الوشاح: شيء ينسج من أديم عريضًا، يرصع بالجوهر، وتشده المرأة بين عاتقيها.

يقال: (وِشاح، وإشاح، ووُشاح، وُأشاح).

الجمع: وُشُح، وأوْشِحة.

انظر: "الصحاح" للجوهري: 1/ 415 (وشح).

(١٩) (امرأة أناة، ووناة): فيها فتور.

و (نساءق أنَوات).

و (قد وَني في الأمر): ضعف وفتر.

انظر: "أساس البلاغة" 1/ 23 (أنى)، 2/ 529 (ونى).

(٢٠) في (د): (واق).

وقوله: (نحو أواق): ساقط من: ب.

انظر: "لسان العرب" 8/ 4903 (وقي).

(٢١) في (أ): (فإذا).

وفي (ب)، (ج): (وإذا) والمثبت من مصدر المؤلف؛ لأنه لا يستقيم الكلام إلا به.

ومن قوله: (إذا ..) إلى (..

من الواو) ساقط من: (د).

(٢٢) في (أ): (تَراث) بفتح التاء.

والصواب ما أثبت وهو ضمها.

انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: 527، "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب: 863 (ورث).

(٢٣) في (أ): (تُخْمَة) بسكون الخاء.

والصواب بفتحها.

انظر: "مجمل اللغة" لابن فارس: ص 920، "المصباح المنير" للفيومي: ص 250 (وخم).

(٢٤) في (ج): (أكثر).

(٢٥) في (أ)، (ب): وهذه.

والمثبت من: (ج) (د).

وهو الصواب؛ حيث لا تستقيم العبارة إلا به، كما أنه هكذا في مصدر المؤلف، وهو "الحجة" للفارسي: 3/ 14.

(٢٦) في (د): (الكثير).

(٢٧) في (د): (تجعلها).

(٢٨) في (ب): (تردية).

والتودية: واحدة التوادي، وهي: الخشبات التي نشد على خِلْفِ الناقة إذا صُرَّت.

انظر: "غريب الحديث" للحربي: 1/ 263، "الصحاح" 6/ 21،25 (ودى)، "اللسان" 8/ 8804 (ودى).

(٢٩) الصومعة: منار الراهب، وبيت للنصارى.

انظر: (صمع) في "اللسان" 4/ 2498، "القاموس" ص 738.

(٣٠) الحوجلة: هي ما كان من القوارير الصغار واسعة الرأس وقيل: هي القارورة الغليظة الأسفل.

وقيل: هي القارورة فقط.

انظر: (حجل) في "تهذيب اللغة" 1/ 752، "اللسان" 2/ 789.

(٣١) الدَوْسَر: الجمل الضخم، ذو الهامة والمناكب.

ولا أنثى: دَوْسَرٌ، ودَوْسَرةٌ.

و (كتيبة دوسر، ودوسرة): مجتمعة.

وقيل: الدوسر: النوق العظيمة.

وقيل: الدوسر: القديم.

انظر: (دسر) في "تهذيب اللغة" 2/ 1183، "اللسان" 3/ 1372، "القاموس" ص 391.

(٣٢) في (ب): (عوصرة).

والعَوْمَرة: الاختلاط.

يقال: (تركت الناس في عومرة)؛ أي: في صياح وجلبة.

"تهذيب اللغة" 3/ 2567، "اللسان" 5/ 3103.

(٣٣) في (ب): (الياء في ثاء).

(٣٤) من قوله: (قولهم ..) إلى (..

فكأن الطهر أخرجه): نقله بتصرف في بعض عباراته عن "الحجة" للفارسي: 3/ 12.

(٣٥) "تهذيب اللغة" 2/ 1328 (رأى).

(٣٦) في (د): (فيعلة).

(٣٧) انظر مبحث إبدال التاء من الواو، وأصل كلمة (التوراة) في "المقتضب" للمبرد 1/ 63، "نزهة القلوب" للسجستاني 154، "مجالس العلماء" للزجاجي 95، وكتاب "التكملة" للفارسي 571، "سر صناعة الإعراب" لابن جني 1/ 145، "المنصف" له 1/ 226، "المشكل" لمكي: 1/ 149، "شرح المفصل" لابن يعيش: 9/ 142، 10/ 36، "نزهة الطرف في علم الصرف" لابن هشام: 160.

(٣٨) من قوله: (التوراة ..) إلى (قول العرب): نقله عن "الزاهر" لابن الأنباري: 1/ 168.

(٣٩) من قوله: (وري الزند ..) إلى: (..

لم يجاوز به غيره): نقله عن "الحجة" للفارسي: 3/ 10 مع بعض التصرف.

(٤٠) يقال: (وَرِيَ الزَنْدُ يَرِي)، و (وَرَى يَرِي)، و (وَرِيَ يَوْرَى).

انظر: (وري) في: "كتاب العين" للخليل بن أحمد: 8/ 304، "تهذيب اللغة" 4/ 3880، "الصحاح" 6/ 2522.

والزَنْدُ: العود الذي تُقدَح به النارُ، وهو يكون في الأعلى، والزندة: السفلى.

انظر: "الصحاح" 2/ 481 (زند).

(٤١) في (أ): (يثب).

(ب): (يتب).

وفي (ج): ينب.

وفي (د) كما في النسخ السابقة، ولكن بدون إعجام، ولا وجه لجميعها.

والمثبت هو ما استصوبته؛ فقد جاء في "اللسان" (كبا الزَنْدُ): إذا لم يخرج ناره.

انظر 6/ 3814 (كبا).

وفي "مفردات ألفاظ القرآن" (ويقال: (فلانٌ واري الزند): إذا كان مُنْجِحا.

و (كابي الزند): إذا كان مُخفِقًا) 558 (وري).

(٤٢) في (ج): (وَريْتُ).

ووردت الكلمةُ كما أثبَتُّ، في "مجالس العلماء" للزجاجي: 82.

وجاء في "كتاب العين" للخليل: 8/ 304: (وتقول للرجل الكريم: (إنه لواري الزِّناد، وورَّيْتُ بك زِنادي)؛ أي: رأيت منك ما أحب، مِنَ النُّصْح والنجابة والسماحة).

(٤٣) في (ج): (شربت).

ومعنى (شَرِيَت)؛ أي: لجَّت، مِن: (شَرِيَ يَشرَى شرًى)،== و (استشرى فلان في غيِّه): إذا تَمَادَى ولَجَّ فيه.

و (شَرِيَ البَرْقُ): إذا تتابع لَمَعانُه.

و (شَرِيَتْ عينُه): إذا لجت وتابعت الهملان.

و (شَرِيَت)؛ بمعنى: أصابها الشَّرِي، وهو: مرض جلدي له لذع شديد.

انظر: "الأضداد" لابن الأنباري: 228، 229، ومادة (شري) في "الصحاح" 6/ 2391، "اللسان" 4/ 2253.

(٤٤) في (ج): (ابن عثمان).

وهو: بكر بن بقية، وقيل: بكر بن محمد بن عديِّ بن حبيب.

أبو عثمان المازني.

من أهل البصرة، أستاذ المبرد، روى عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد.

قال عنه المبرد: (لم يكن بعد سيبويه أعلم بالنحو من أبي عثمان).

قيل إنه توفي: (248 هـ)، وقيل: (249 هـ).

انظر: "أخبار النحويين البصريين" 85، و"معجم الأدباء" 7/ 107، و"الأعلام" 2/ 69.

(٤٥) زيادة يقتضيها السياق.

(٤٦) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 4 ب.

(٤٧) في (د): (التوراة).

(٤٨) الإمالة: أن تُمِيل الفتحةَ نحو الكسرةِ، وتُمِيل الألفَ نحو الياء، مِن غير قلْبٍ خالص، ولا إشباع مبالغ.

وهي كبرى وصغرى؛ فالكبرى: أن يُصرف الفتح إلى الكسر كثيرًا.

وُيعبَّر عنهابـ (الكسر) مجازًا، أو (البطح) أو (الإضجاع)، وعند سيبويه: (الإجناح).

والصغرى: أن يُصرف الفتح إلى الكسر قليلاً، ويسمى (بين اللفظين)؛ أي: بين الفتح وبين الإمالة الكبرى، أو يعبر عنها بـ (التقليل) و (التلطيف)، أو (بين بين).

والتفخيم، أو الفتح هو النطق بالألف مركبة على== فتحة خالصة غير مُمالة.

وهو شديد ومتوسط؛ فالشديد: فتح القاريء لِفِيهِ بلفظ الحرف الذي يأتي بعده ألف، وهو مكروهٌ.

والمتوسط: ما بين الشديد، والإمالة المتوسطة، وهو المستعمل عند أصحاب الفتح من القراء.

انظر: "الرعاية" لمكي: 129، "جمال القراء" للسخاوي: 2/ 500، "التمهيد" لابن الجزري: 57.

ووردت الإمالة في قراءة ﴿ التَّوْرَاةَ ﴾ عن: أبي عمرو، والكسائي، وابن ذكوان، وخلف.

ووردت الإمالة بين اللفظين، والإمالة المحضة، عن: حمزة.

ووردت الإمالة بين اللفظين عن نافع.

أما التفخيم: فورد عن: ابن كثير، وعاصم، وابن عامر.

انظر: "السبعة" لابن مجاهد: 201، "الكشف" لمكي: 1/ 183، "التبصرة" لمكي:455، "التيسير" للداني: 86، "الإقناع" لابن الباذش: 1/ 282 - 284، "النشر" لابن الجزري: 2/ 61.

(٤٩) من قوله: (فلأن الراء ..) إلى (..

كذلك يميلون الراء): نقله بتصرف يسير عن "الحجة" للفارسي: 3/ 15.

(٥٠) حروف الاستعلاء: الخاء، والصاد، والضاء، والطاء، والظاء، والغين، والقاف.

انظر: "الرعاية" لمكي: 123، "التمهيد" لابن الجزري: 9.

(٥١) في (أ): (مكان مكان).

(٥٢) في (د): (أو من).

(٥٣) في (د): (والألف).

(٥٤) في (د): (قال).

(٥٥) في (أ): (قوضى).

(ب): (قوضي).

(د) قوصي.

والمثبت من: (ج)؛ لموافقته للمصدر المنقول عنه، وهو "الحجة" للفارسي: 3/ 15؛ ولأن ما لم أثْبِتْهُ لم أقف عليه في معاجم اللغة التي بين يدي.

(٥٦) في (ب): (جوخي).

(د): (حوحي).

(٥٧) في (ج): (وهما مدينتان).

وجوْخى: قرية من أعمال واسط بالعراق.

انظر: "معجم ما استعجم" للبكري: 403، "القاموس المحيط" 250 (جاخ).

(٥٨) ما بين المعقوفين زيادة ليستقيم بها الكلام، وهي موجودة في "الحجة" 3/ 15.

(٥٩) قال الفارسي: (وإذا أمالوا مع المستعلي، كانت الإمالة مع الراء أجود؛ لأن الإمالة على الراء أغلب منها على المستعلي، ألا ترى أنه قد حكي الإمالة في نحو: (عمران)، ونحو: (فِراش)، و (جِراب).

ولو كان مكان الراء المستعلي، لم تكن فيه إمالة؟

..).

"الحجة" 3/ 16، وانظر: "كتاب سيبويه" 4/ 141، 142.

(٦٠) من قوله تعالى: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾ سورة الأنفال: 17.

وقد أمالها: أبو بكر، وحمزة، والكسائي.

انظر: "الكشف" لمكي: 1/ 177، 184.

(٦١) الضحى: 2.

وقد أمالها الكسائي.

انظر: "الكشف" 1/ 189، "التيسير" للداني 49.

(٦٢) في "معاني القرآن" له: 1/ 375.

(٦٣) في (د): (وهي).

(٦٤) (كان): ساقطة من: (ج).

(٦٥) في "الزاهر" 1/ 168.

نقله عنه، مع التصرف في بعض عباراته.

(٦٦) في (د): (القوم).

(٦٧) في (ج): (الذي).

(٦٨) في (ج): (ويقولون).

(٦٩) عجز بيت، وصدره: أنجب أيامَ والداه به وهو في: ديوانه: 171، وقد ورد منسوبًا له، في "مجالس ثعلب" 1/ 77، "الزاهر" 1/ 169، "البارع" لأبي علي القالي: 625، "تهذيب اللغة" 4/ 3522 (نجل)، "المحتسب" لابن جني: 1/ 153، "الإفصاح" للفارقي: 332، "اللسان" 7/ 4355 (نجل)، "أوضح المسالك" لابن هشام: ص153، "همع الهوامع" للسيوطي: 4/ 297.

ويروى البيت: (أنجب أيامُ والديه به)، و (أزمان) بدلًا من: (أيام).

والبيت من قصيدة يمدح بها سلامة ذا فائش الحميري.

ومعنى البيت: ولدا ولدا نجيبا.

فيكون سياق البيت كالتالي: أنجب والداه به -أيام إذ نجلاه- فنعم ما نجلا.

(٧٠) ممن قال ذلك: ابن دريد في "جمهرة اللغة" 1/ 492 (نجل).

وانظر: "المعرب" للجواليقي: 123.

(٧١) النَزُّ، والنِزُّ: ما تَحَلَّبَ من الأرض من الماء.

و (نَزَّت الأرض): صارت ذا نَزً.

انظر: (نزز) في "تهذيب اللغة" 4/ 3550، "مجمل اللغة" 843، "القاموس" 527.

(٧٢) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3522 (نجل).

(٧٣) انظر: اشتقاقات ومعاني الإنجيل في "نزهة القلوب" للسجستاني: 123، "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي: 3/ 161، "عمدة الحفاظ" للسمين الحلبي: 562، إضافة إلى بقية معاجم اللغة في مادة (نجل).

(٧٤) في (ج): (ان كليون).

قيل إنه معرب من الرومية وليس من السريانية أي الآرامية، وأصله: (إثانْجَليُوم)؛ أي: الخبر الطيب.

فمدلوله مدلول اسم الجنس؛ ولذ أدخلوا عليه كلمة التعريف في الرومية.

وعربه العرب فأدخلوا عليه لام التعريف.

ويرى ابن عاشور أن من ذهب إلى كونه منقول من السريانية، قد تكون العبارة اشتبهت عليه، وأن الصواب (اليونانية)؛ لأن فيها (أووَانَيْليُون) (أي: اللفظ الفصيح.

انظر: "التحرير والتنوير" لابن عاشور: 3/ 149.

(٧٥) وممن ذهب إلى أن (الإنجيل) و (التوراة) اسمان أعجميان: الزمخشري، والجواليقي، والنسفي، وابن جزي، والبيضاوي، وأبو السعود، والسمين الحلبي، والطاهر بن عاشور.

قال الزمخشري: (وتكلف اشتقاقهما من (الوَرْي) و (النَّجْل)، ووزنهما بـ (تفعلة)، و (إفعيل)، إنما يصح بعد كونهما عربيين).

"الكشاف" 1/ 410.

وانظر: "المعرب" للجواليقي: 123، "تفسير النسفي" 1/ 141، "تفسير ابن جزي" 73، "تفسير البيضاوي" 1/ 62، "تفسير أبي السعود" 2/ 4، "عمدة الحفاظ" للسمين: 562، "التحرير والتنوير" 3/ 149.

وقد استدل بعضهم بقراءة الحسن: (والأَنجيل) بفتح الهمزة، على أنه أعجمي؛ لأنه ليس == في أبنية العرب (أفعيل).

انظر: "الزاهر" 1/ 169، "البحر المحيط" 2/ 378، "اللسان" 7/ 4356 (نجل).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

نزل صدرها إلى نيف وثمانين آية لما قدم نصارى نجران المدينة المنوّرة يناظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام ﴿ الم ﴾ تقدّم الكلام على حروف الهجاء وقرأ الجمهور بفتح الميم هنا في الوصل لالتقاء الساكنين نحو من الناس، وقال الزمخشري: هي حركة الهمزة نقلت إلى الميم وهذا ضعيف لأنها ألف وصل تسقط في الدرج ﴿ الحي القيوم ﴾ ردّ على النصارى في قولهم إنّ عيسى هو الله لأنهم زعموا أنه صلب، فليس بحيّ وليس بقيوم ﴿ الكتاب ﴾ هنا هو القرآن ﴿ بالحق ﴾ أي تضمن الحق من الأخبار والأحكام وغيرها أو بالاستحقاق ﴿ مُصَدِّقاً ﴾ قد تقدّم في مصدّقاً لما معكم ﴿ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ الكتب المتقدّمة ﴿ التوراة والإنجيل ﴾ أعجميان فلا يصح ما ذكره النحاة في اشتقاقهما ووزنهما ﴿ وَأَنزَلَ الفرقان ﴾ يعني القرآن؛ وإنما كرر ذكره ليصفه بأنه الفارق بين الحق والباطل، ويحتمل أن يكون ذكره أولاً على وجه الإثبات لإنزاله لقوله: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ، ثم ذكره ثانياً: على وجه الامتنان بالهدى به، كما قال في التوراة والإنجيل ﴿ هُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ ، فكأنه قال: وأنزل الفرقان هدى للناس ثم حذف ذلك لدلالة الهدى الأول عليه، فلما اختلف قصدُ الكلام في الموضعين لم يكن ذلك تكراراً، وقيل: الفرقان هنا؛ كل ما فرق بين الحق والباطل من كتاب وغيره، وقيل: هو الزبور، وهذا بعيد ﴿ لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ خبر عن إحاطة علم الله بجميع الأشياء على التفصيل، وهذه صفة لم تكن لعيسى، ولا لغيره، ففي ذلك ردّ على النصارى ﴿ هُوَ الذي يُصَوِّرُكُمْ ﴾ برهان على إثبات علم الله المذكور قبل، وفيه ردّ على النصارى؛ لأن عيسى لا يقدر على التصوير، بل كان مصوّراً كسائر بني آدم ﴿ كَيْفَ يَشَآءُ ﴾ من طول، وقصر، وحسن، وقبح، ولون؛ وغير ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ آلم الله ﴾ مقطوعة الألف والميم ساكنة: يزيد والمفضل والأعشى والبرجمي الباقون موصولاً بفتح الميم.

﴿ التوراة ﴾ ممالة حيث كان: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف والنجاري عن ورش، والخزاز عن هبيرة، وابن ذكوان غير ابن مجاهد ﴿ كدأب ﴾ حيث كان بغير همزة: أبو عمرو وغيره شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش والخزاز عن هبيرة وحمزة عن الوقف.

الوقوف: ﴿ آلم ﴾ ج كوفي مختلف فإن غير الأعشى والبرجمي ويزيد والمفضل يصلون.

﴿ إلا هو ﴾ ج ﴿ القيوم ﴾ ط ﴿ والإنجيل ﴾ ط ﴿ الفرقان ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه، ﴿ في السماء ﴾ ط ﴿ كيف يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه، ﴿ متشابهات ﴾ ط لاستئناف تفصيل ﴿ وابتغاء / تأويله ﴾ ج لأن الواو تصلح استئنافاً والحال أليق ﴿ إلا الله ﴾ م عند أهل السنة لأنه لو وصل فهم أن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه كما يعلم الله، ومن لم يحترز عن هذا وجعل المتشابه غير صفة الله ذاتاً وفعلاً من الأحكام التي يدخلها القياس والتأويل وجعل المحكمات الأصول النصوص المجمع عليها فعطف قوله ﴿ والراسخون ﴾ على اسم الله وجعل ﴿ يقولون ﴾ حالاً لهم ساغ له أن لا يقف على ﴿ إلا الله ﴾ .

﴿ آمنا به ﴾ (لا) لأن قوله ﴿ كل من عند ربنا ﴾ من مقولهم فإن التسليم من تمام الإيمان.

﴿ من عند ربنا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مقولهم ﴿ الألباب ﴾ ه، ﴿ رحمة ﴾ ج للابتداء بأن ولاحتمال لام التعليل أو فاء التعقيب للتسبب ﴿ الوهاب ﴾ ه، ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه، ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ (لا) لتعلق كاف التشبيه ﴿ فرعون ﴾ (لا) للعطف، ﴿ من قبلهم ﴾ ط، ﴿ بآياتنا ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ بذنوبهم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه.

التفسير: أما قراءة عاصم فلها وجهان: الأول نية الوقف ثم إظهار الهمزة لأجل الابتداء.

الثاني أن يكون ذلك على لغة من يقطع ألف الوصل.

وأما من فتح الميم ففيه قولان: أحدهما قول الفراء واختيار كثير من البصريين وصاحب الكشاف أن أسماء الحروفموقوفة الأواخر تقول: ألف، لام، ميم كما تقول: واحد، اثنان، ثلاثة، وعلى هذا وجب الابتداء بقوله ﴿ الله ﴾ فإذا ابتدأنا به تثبت الهمزة متحركة إلا أنهم أسقطوا الهمزة للتخفيف وألقيت حركتها على الميم لتدل حركتها على أنها في حكم المبقاة بسبب كون هذه اللفظة مبتدأ بها، فكأن الهمزة ساقطة بصورتها باقية بمعناها.

وثانيهما قول سيبويه وهو أنه لما وصل ﴿ الله ﴾ بـ ﴿ آلم ﴾ التقى ساكنان بل سواكن ضرورة سقوط الهمزة في الدرج، فوجب تحريك الأول أعني الوسطاني منها وهو الميم وكان الأصل هو الكسر إلا أنهم فتحوا الميم محافظة على التفخيم.

فالفتحة على هذا القول ليست هي المنقولة من همزة الوصل فلا يردعليه ما يرد على القول الأول من أن الهمزة حيث لا وجود لها في الوصل أصلاً فكيف تنقل حركتها.

قال الواحدي: نقل المفسرون أنه "قدم على رسول الله  وفد نجران ستون راكباً فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم، أحدهم أميرهم واسمه عبد المسيح والثاني مشيرهم ووزيرهم، وكانوا يقولون له السيد واسمه الأيهم، والثالث حبرهم وأسقفهم وصاحب مدراسهم يقال له أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل.

وكان ملوك الروم شرفوه وموّلوه فأكرموه لما بلغهم عنه عن علمه واجتهاده في دينهم، فلما قدموا من نجران ركب أبو حارثة بغلته وكان إلى جنبه أخوه كرز بن علقمة فبينما بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت فقال كرز أخوه: تعس الأبعد يريد رسول الله  .

فقال أبو حارثة: بل تعست / أمك.

فقال: ولم يا أخي؟

فقال: إنه والله النبي  الذي ننتظره.

فقال له أخوه كرز: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟

قال: لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالاً كثيرة وأكرمونا.

فلو آمنا بمحمد لأخذوا منا كل هذه الأشياء.

فوقع ذلك في قلب أخيه كرز وكان يضمره إلى أن أسلم، وكان يحدث بذلك، ثم تكلم أولئك الثلاثة - الأمير والسيد والحبر - مع رسول الله  على اختلاف من أديانهم.

فتارة يقولون عيسى هو الله، وتارة ابن الله، وتارة ثالث ثلاثة، ويحتجون لقولهم هو الله بأنه كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير، ويحتجون في قولهم إنه ولد الله بأنه لم يكن له أب يعلم، ويحتجون على ثالث ثلاثة بقول الله  : فعلنا وفعلنا ولو كان واحداً لقال فعلت.

وقد حان وقت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد رسول الله  فقال رسول الله  : دعوهم.

فصلوا إلى المشرق، فقال لهم رسول الله  : أسلموا فقالوا: قد أسلمنا قبلك.

فقال  : كذبتم.

كيف يصح إسلامكم وأنتم تثبتون لله ولداً، وتعبدون الصليب وتأكلون الخنزير؟

قالوا: فمن أبوه؟

فسكت رسول الله  فأنزل الله  في ذلك أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها آية المباهلة.

ثم أخذ رسول الله  يناظر معهم فقال: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه؟

قالوا: بلى.

قال: ألستم تعلمون أنه حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟

قالوا: بلى.

قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟

فهل يملك عيسى شيئا من ذلك؟

قالوا: لا.

قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل يعلم عيسى شيئاً من ذلك إلا ما علم؟

قالوا: لا.

قال: فإن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء، فهل تعلمون ذلك؟

قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث، وتعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة وغذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟

قالوا: بلى.

فقال  : فكيف يكون هو كما زعمتم؟

فعرفوا ثم أبوا إلا حجوداً ثم قالوا: يا محمد، ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟

قال: بلى، قالوا: فحسبنا.

ففي ذلك نزل ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ الآية" .

وتمام القصة سيجيء في آية المباهلة إن شاء الله  .

واعلم أن مطلع هذه السورة له نظم عجيب ونسق أنيق.

وذلك أن أولئك النصارى كأنه قيل لهم: إما أن تنازعوه في شأن الإله أو في أمر النبوة.

أما الأول فالحق فيه معه لأنه  حيّ قيوم كما مر في تفسير آية الكرسي، وأن عيسى ليس كذلك لأنه ولد وكان يأكل ويشرب / ويحدث.

والنصارى زعموا أنه قتل وما قدر على دفع القتل عن نفسه.

وهذه الكلمة أعني قوله ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ جامعة لجيمع وجوه الدلائل على بطلان قول النصارى بالتثليث.

وأما الثاني فقوله ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق ﴾ كالدعوى.

وقوله ﴿ وأنزل التوراة والإنجيل من قبل ﴾ كالدليل عليها.

وتقريره أنكم وافقتمونا على أن التوراة والإنجيل كتابان إلهيان لأنه  قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قولهما وبين أقوال الكاذبين.

ثم إن المعجز قائم في كون القرآن نازلاً من عند الله كما قام في الكتابين.

وإذا كان الطريق مشتركاً فالواجب تصديق الكل كالمسلمين.

أما قبول البعض ورد البعض فجهل وتقليد، وإذا لم يبق بعد ذلك عذر لمن ينازعه في دينه فلا جرم ختم بالتهديد والوعيد فقال ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد ﴾ وإنما خص القرآن بالتنزيل والكتابين بالإنزال لأنه نزل منجماً، فكان معنى التكثير حاصلاً فيه، وأنهما نزلا جملة.

وأما قوله ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب  ﴾ فالمراد هناك نزوله مطلقاً من غير اعتبار التنجيم.

قال أبو مسلم: قوله ﴿ بالحق ﴾ أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم، و أن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل، وأنه قول فصل وليس بالهزل.

وقال الأصم: أي بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية، ولبعضهم على بعض من سلوك سبيل العدالة والإنصاف في المعاملات.

وقيل: مصوناً من المعاني الفاسدة المتناقضة كقوله ﴿ ولم يجعل له عوجاً قيماً  ﴾ ﴿ لوجدوا فيه اختلافا كثيراً  ﴾ وفي قوله ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ إنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقاً لسائر الكتب المتقدمة، لأن من هو على مثل حاله من كونه أمياً لم يخالط أهل الدرس والقراءة إن كان مفترياً استحال أن يسلم من التحريف والجزاف.

وفيه أنه  لم يبعث نبياً قط إلا بالدعاء إلى توحيده وتنزيهه عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان.

فإن قيل: كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه؟

فالجواب أن هذا اللفظ صار مطلقاً في معنى التقدم، أو لغاية ظهور تلك الأخبار جعلها كالحاضر عنده.

فإن قلت: كيف يكون مصدقاً لما تقدمه من الكتب مع أنه ناسخ لأحكامها أكثرها؟

قلنا: إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثته ثم تصير منسوخة عند نزول القرآن، كانت موافقة للقرآن، وكان القرآن مصدقاً لها.

فأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها لأن المباحث الإلهية والقصص والمواعظ لا تختلف.

والتوراة والإنجيل اسمان أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسريانية.

فالاشتغال باشتقاقهما لا يفيد إلا أن بعض الأدباء قد تكلف ذلك فقال الفراء: التوراة معناها الضياء والنور من ورى الزند يرى إذا قدح وظهرت / النار.

قال: وأصلها تورية بفتح التاء والراء ولهذا قلبت الياء ألفاً.

أو تورية بكسر الراء "تفعلة" مثل "توفية" إلا أن الراء فتحت على لغة طي فإنهم يقولون في بادية "باداة".

وزعم الخليل والبصريون أن أصلها "وورية" "فوعلة" كصومعة فقلبت الواو الأولى تاء كتجاه وتراث.

وأما الإنجيل فالزجاج: إفعيل من النجل الأصل أي هو الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين.

وقيل: من نجلت الشيء استخرجته أي إنه  أظهر الحق بسببه.

أبو عمرو الشيباني: التناجل التنازع سمي بذلك لأن القوم تنازعوا فيه.

ومعنى قوله ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل أن ينزل القرآن.

و ﴿ هدى للناس ﴾ إما أن يكون عائداً إلى الكتابين فقط فيكون قد وصف القرآن بأنه حق، ووصف التوراة والإنجيل بأنهما هدى.

وإنما لم يوصف القرآن بأنه هدى مع أنه قال في أول البقرة ﴿ هدى للمتقين  ﴾ لأن المناظرة ههنا مع النصارى وهم لا يهتدون بالقرآن، فذكر أنه حق في نفسه سواء قبلوه أو لم يقبلوه، وأما الكتابان فهم قائلون بصحتهما فخصهما بالهداية لذلك، وإما أن يكون راجعاً إلى الكتب الثلاثة وهو قول الأكثرين.

﴿ وأنزل الفرقان ﴾ قيل: أي جنس الكتب السماوية لأنها كلها تفرق بين الحق والباطل.

وقيل: أي الكتب التي ذكرها كأنه وصفها بوصف آخر فيكون كما قال: الى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم وقيل: أي الكتاب الرابع وهو الزبور، وزيف بأن الزبور ليس فيه شيء من الشرائع والأحكام وإنما هو مواعظ، ويحتمل أن يجاب بأن غاية المواعظ هي التزام الأحكام المعلومة فيؤل إلى ذلك.

وقيل: كرر ذكر القرآن بما هو مدح له ونعت بعد ذكره باسم الجنس تفخيماً لشأنه وإظهاراً لفضله.

وفي التفسير الكبير: إنه  لما ذكر الكتب الثلاثة بيّن أنه أنزل معها ما هو الفرقان الحق وهو المعجز الباهر الذي يدل على صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين كلام المخلوقين.

ثم إنه  بعد ذكر الإلهيات والنبوات زجراً لمعرضين عن هذه الدلائل وهم أولئك النصارى أو كل من أعرض عن دلائله فإن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ فقال ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله ﴾ من كتبه المنزلة وغيرها من دلائله ﴿ لهم عذاب شديد والله عزيز ﴾ لا يغالب إذ لا حد لقدرته ﴿ ذو انتقام ﴾ عقاب شديد لا يقدر على مثله منتقم.

فالتنكير للتعظيم.

وانتقمت منه إذا كافأته عقوبة بما صنع.

فالعزيز إشارة إلى القدرة التامة على العقاب، وذو انتقام إشارة إلى كونه فاعلاً للعقاب.

فالأول صفة الذات، والثاني صفة الفعل.

قوله  ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ لما ذكر أنه حيّ قيوم والقيوم هو القائم بإصلاح مصالح الخلق، وكونه كذلك يتوقف على مجموع أمرين: أن يكون عالماً بكميات / حاجاتهم وكيفياتها وكلياتها وجزئياتها، ثم أن يكون قادراً على ترتيبها.

والأول لا يتم إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات أشار إلى ذلك بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ والثاني لا يتأتى إلا إذا كان قادراً على جميع الممكنات فأشار إليه بقوله ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ ثم فيه لطيفة أخرى وهي أنه لما ادعى كمال عمله بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ والطريق إلى إثبات كونه  عالماً لا يجوز أن يكون هو السمع، لأن معرفة صحة السمع موقوفة على العلم بكونه  عالماً بجميع المعلومات، بل الطريق إلى ذلك ليس إلا الدليل العقلي فلا جرم قال ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ﴾ ظلمات ﴿ ٱلأَرْحَامِ ﴾ بهذه البنية العجيبة والتركيب الغريب من أعضاء مختلفة في الشكل والطبع والصفة، بعضها عظام، وبعضها أوردة، وبعضها شرايين، وبعضها عضلات.

ثم إنه ضم بعضها إلى بعض على التركيب الأحسن والتأليف الأكمل، وذلك يدل على كمال علمه لأن التركيب المحكم المتقن لا يصدر إلا عن العالم بتفاصيله.

ثم إنه  لما كان قيوماً بمصالح الخلق ومصالحهم قسمان: جسمانية وأشرفها تعديل المزاج وأشار إليها بقوله ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ وروحانية وأشرفها إلى العلم فلا جرم أشار إلى ذلك بقوله ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب ﴾ .

ويحتمل أن تنزل هذه الآيات على سبب نزولها.

وذلك أن النصارى ادعوا إلهية عيسى وعولوا في ذلك على نوعين من الشبهة: أحدهما يتعلق بالعلم وهو أن عيسى  كان يخبر عن الغيوب وذلك قوله  : ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم  ﴾ والثاني يتعلق بالقدرة كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وليس للنصارى شبهة غير هاتين.

فأزال شبهتهم الأولى بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ فمن المعلوم بالضرورة من أحوال عيسى أنه ما كان عالماً بجميع المعلومات.

فعدم إحاطته بجميع الأشياء فيه دلالة قاطعة على أنه ليس بإله، ولكن إحاطته ببعض المغيبات لا تدل على كونه إلهاً لاحتمال أنه علم ذلك بالوحي أو الإلهام.

وأزال شبهتهم الثانية بقوله ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ وذلك أن الإله هو الذي يقدر على أن يصور في الأرحام من قطرة صغيرة من النطفة هذا التركيب العجيب والتأليف الغريب، ومعلوم أن عيسى لم يكن قادراً على الإحياء والإماتة بهذا الوجه.

كيف ولو قدر على ذلك لأمات أولئك الذين أخذوه على زعم النصارى وقتلوه.

فإماتة بعض الأشخاص أو إحياؤه لا يدل على الإلهية لجواز كونه بإظهار الله  المعجزة على يده، والعجز على إماتة البعض أو إحيائه يدل على عدم الإلهية قطعاً، وأما الإحياء والإماتة لجميع الحيوانات فيدل على الإلهية قطعاً.

ثم إنّهم عدلوا عن المقدمات المشاهدية إلى مقدمات إلزامية وهو أنكم أيها المسلمون توافقوننا على أنه ما كان له أب من البشر فيكون ابناً لله.

والجواب عنه بقوله / أيضاً ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ لأن هذا التصوير لما كان منه صفة فإن شاء صوره من نطفة الأب، وإن شاء صوره ابتداء من غير أب.

وأيضاً قالوا للرسول  : ألست تقول إن عيسى كلمة الله وروحه؟

وهذا يدل على أنه ابن لله.

فأجاب الله  عنه بأن هذا إلزام لفظي، محتمل للحقيقة والمجاز.

وإذا ورد اللفظ بحيث يخالف الدليل العقلي كان من باب المتشابهات فوجب رده إلى التأويل، أو تفويضه إلى علم الله وذلك قوله ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب ﴾ الآية.

فظهر أنه ليس في المسألة حجة ولا شبهة إلا وقد اشتملت هذه الآيات على دفعها والجواب عنها، فإن قيل: ما الفائدة في قوله ﴿ في الأرض ولا في السماء ﴾ مع أنه لو أطلق كان أبلغ؟

قلت: الغرض تفهيم العباد كمال علمه وذلك عند ذكر السموات والأرض أقوى لعظمتهما في الحس، والحس متى أعان العقل على المطلوب كان الفهم أتم والإدراك أكمل، وهذه فائدة ضرب الأمثلة في العلوم.

قال الواحدي: التصوير جعل الشيء على صورة، والصورة هيئة حاصلة للشيء عند إيقاع التأليف بين أجزائه، وأصله من صاره إذا أماله.

وذلك أن الصورة مائلة إلى شكل أبويه.

والأرحام جمع الرحم، والتركيب يدل على الرقة والعطف كما سلف.

وقيل: سمي رحماً لاشتراك الرحم فيما بوجب الرحمة والعطف.

وقرىء ﴿ تصوركم ﴾ أي صوركم لنفسه ولتعبده.

و"كيف" في موضع الحال أي على أي حال أراد طويلاً أو قصيراً، أسود أو أبيض، حسناً أو قبيحاً إلى غير ذلك من الأحوال المختلفة.

ثم إنه  لما أجاب عن شبههم أعاد كلمة التوحيد رداً على النصارى القائلين بالتثليث فقال ﴿ لا إله إلا هو العزيز الحكيم ﴾ فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إلى كمال العلم.

وفيه رد على من زعم إلهية عيسى فإن العلم ببعض الغيوب وإحياء بعض الأشخاص لا يكفي في كونه إلهاً.

ولنذكر ههنا مسائل: الأولى: القرآن دل على أنه بكليته محكم وذلك قوله: ﴿ الر كتاب أحكمت آياته  ﴾ ﴿ الر تلك آيات الكتاب الحكيم  ﴾ والمراد كون كله كلاماً ملحقاً فصيح الألفاظ صحيح المعاني، وأنه بحيث لا يتمكن أحد من الإتيان بمثله لوثاقة مبانية وبلاغة معانيه.

ودل على أنه بتمامه متشابه ﴿ كتاباً متشابهاً مثاني  ﴾ والمراد أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن والإعجاز والبراءة من التناقض والتناقض.

ثم إن هذه الآية ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ﴾ دلت على أن بعض القرآن محكم وبعضه متشابه.

فيعني ههنا بالمحكم ما هو المشترك بين النص والظاهر، وبالمتشابه القدر المشترك بين المجمل والمؤول كما تقرر في المقدمة التاسعة من مقدّمات هذا الكتاب.

والإحكام في اللغة المنع وكذا سائر تراكيبه.

/ فالحاكم يمنع الظالم من الظلم، وحكمة اللجام تمنع الفرس من الاضطراب، وفي حديث النخعي "حكم اليتيم كما تحكم ولدك" أي امنعه من الفساد.

وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي وأما التشابه فهو كون الشيئين بحيث يعجز الذهن عن التمييز بينهما.

ثم يقال لكل ما لا يهتدي الإنسان إليه متشابه إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، ونظيره المشكل لأنه أشكل أي دخل في شكل غيره، ثم إن كل أحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، ولقول خصمه متشابهة.

فالمعتزلي يقول: ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر  ﴾ محكم ﴿ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله  ﴾ متشابه.

والسني يقلب الأمر في ذلك.

وكذا المعتزلي يقول: ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ محكم وقوله ﴿ وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ متشابه.

والسني بالعكس.

فلا بد من قانون يرجع إليه فنقول: صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل.

وهو إما لفظي أو عقلي.

والدليل اللفظي لا يكون قاطعاً ألبتة لتوقفه على نقل اللغات، وعلى وجوه التصريف والإعراب، وعلى عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم التخصيص وعدم الإضمار وعدم المعارض النقلي والعقلي، وكل ذلك مظنون، والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنوناً فلا يجوز التعويل عليه في المسائل الأصولية، فإذن لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بالدلالة القطعية العقلية، على أن معناه الراجح محال عقلاً فإذا قامت هذه الدلالة وعرف المكلف أنه ليس مراد الله  من هذه اللفظ ما أشعر به الظاهر، فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا، لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز، وترجيح تأويل على تأويل، وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلائل اللفظية وهي ظنية كما بينا ولا سيما المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر، فإذن الخوض في تعيين التأويل غير جائز والله أعلم.

المسألة الثانية في حكاية أقوال الناس في المحكم والمتشابه.

عن ابن عباس أن المحكمات هي الآيات الثلاث في سورة الأنعام ﴿ قل تعالوا  ﴾ إلى آخرها، وعلى هذا فالمحكم عنده ما لا يتغير باختلاف الشرائع، لأن هذه الآية كذلك.

والمتشابهاتهي التي اشتبهت على اليهود كأوائل السور، أوّلوها على حساب الجمل ليستخرجوا بقاء هذه الأمة فاختلط الأمر عليهم واشتبه.

وعنه أن المحكم هو الناسخ والمتشابه هو المنسوخ.

وقال الأصم: المحكم هو الذي يكون دلائله واضحة لائحة كإنشاء الخلق في قوله: ﴿ فخلقنا النطفة علقة ﴾ \[المؤمنون: 14\] والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل كآيات / البعث، فإن التأمل يجعلها محكمة، فإن من قدر على الإنشاء قدر على الإعادة.

فإن عنى الأصم بوضوح الدلائل رجحانها، وبالخفاء خلاف ذلك، فهذا هو الذي ذكرنا من أن المحكم عبارة عن النص والظاهر، والمتشابه المجمل والمؤول.

وإن عنى بالواضح ما تعلم صحته بضرورة العقل، وبالخفي ما تعرف صحته بدليل العقل، فكل القرآن متشابه.

فإن إنشاء الخلق أيضاً يفتقر إلى دليل عقلي، فإن الدهري ينسب ذلك إلى الطبيعة، والمنجم إلى تأثير الكواكب.

ولعل الأصم يسمي ما هو الأبعد عن الغلط لقلة مقدماته وضبطها محكماً، والذي هو غير ذلك متشابهاً.

وقيل: كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي أو دليل خفي فهو المحكم، وكل ما لا سبيل إلى معرفته كالعلم بوقت القيامة وبمقادير الثواب والعقاب في حق كل مكلف فذاك متشابه.

المسألة الثالثة في أنه لم جعل بعض القرآن محكماً وبعضه متشابهاً.

من الملحدة من طعن فيه وقال: كيف يليق بالحكيم أن يجعل كتابه المرجوع إليه في دينه، الموضوع إلى يوم القيامة بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب، فمثبت الرؤية يتمسك بقوله ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ ونافيها يتشبث بقوله ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ ومثبت الجهة ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ والنافي ﴿ ليس كمثله شيء  ﴾ فكل منهم يسمي الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والمخالفة متشابهة، وربما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى وجوه ضعيفة وتراجيح خفية، وهذا لا يليق بالحكمة مع أنه لو جعل كله ظاهراً جلياً خالصاً عن المتشابه نفياً كان أقرب إلى حصول الغرض.

والجواب أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق، وزيادة المشقة توجب مزيدالثواب.

وأيضاً لو كان كله محكماً كان مطابقاً لمذهب واحد فقط فكان ينفر أرباب سائر المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه والانتفاع به، وإذا كان مشتملاً على القسمين فحينئذٍ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يؤيد مقالته فيجتهد في فهم معانيه، وبعد الفحص والاستكشاف، صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات، ويتخلص المبطل عن باطلة ويصل إلى الحق.

وأيضاً إذا كان فيه محكم ومتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بالدلائل العقلية، فيتخلص من ظلمة التقليد إلى ضياء البينة والاستدلال والطمأنينة، وافتقر أيضاً إلى تحصيل علوم أخر كالصرف والنحو والمعاني والبيان وأصول الفقه وأصول الكلام إلى غير ذلك، ولما في المشابهة من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه.

وههنا سبب أقوى وهو أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام، وطباع العامة تنبو في / الأغلب عن إدراك الحقائق، فمن سمع منهم في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما توهموه وتخيلوه مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح.

فالأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر من باب المتشابهات، والثاني وهو الذي يكشف لهم آخر الحال من قبيل المحكمات.

قوله ﴿ هن أم الكتاب ﴾ الأم في اللغة الأصل الذي يتكون منه الشيء.

فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات، فلا جرم صارت المحكمات أصولاً للمتشابهات.

وإنما لم يقل أمهات الكتاب ليطابق المبتدأ لأن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد هو الأصل لمجموع المتشابهات، وهذا كقوله ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ \[المؤمنون: 50\] على معنى أن مجموعها آية واحدة.

﴿ وأخر ﴾ أي ومنه آيات آخر ﴿ متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ أي ميل عن الحق ﴿ فيتبعون ما تشابه منه ﴾ لا يتمسكون إلا بالمتشابه.

قال الربيع: هم وفد نجران "حاجوا رسول الله  في المسيح فقالوا: أليس هو كلمة الله وروحاً منه؟

قال  : بلى.

قالوا: حسبنا" .

وقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم مدة بقاء هذه الأمة من الحروف المقطعة في أوائل السور.

وقال قتادة والزجاج: هم منكرو البعث لأنه قال في آخره ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ وما ذاك إلا وقت القيامة فإنه  أخفاها عن الخلائق حتى الملائكة والأنبياء.

والتحقيق أنه عام لكل مبطل متشبث بأهداب المتشابهات، لأن اللفظ عام وخصوص السبب لا يمنع عن عموم اللفظ.

ويدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه.

ومن جملته ما وعد الله به الرسول من النصرة والكفار من النقمة فكانوا يقولون ائتنا بعذاب الله، ومتى الساعة، ولو ما تأتينا بالملائكة، فموهوا الأمر على الضعفة.

قال أهل السنة: ويدخل في هذا الباب استدلال المشبهة بقوله ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ فإنه لما ثبت بصريح العقل امتناع كون الإله في مكان وإلا لزم انقسامه، وكل منقسم مركب، وكل مركب ممكن.

فمن تمسك به كان متمسكاً بالمتشابهات.

ومن جملة ذلك استدلال المعتزلة بالظواهر الدالة على تفويض الفعل بالكلية إلى العبد فإنه لما ثبت بالبرهان العقلي أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي وأنه من الله  وإلا تسلسل، فيكون حصول الفعل مع تلك الداعية وعدمه عند عدمها واجباً فيبطل التفويض ويثبت أن الكل بقضاء الله وقدره.

وإذا لاحت الدلائل العقلية يجوز للعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابه؟

بناء على ما اشتهر بين الجمهور من أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة، وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة.

/ والإنصاف أن الآيات ثلاثة أقسام: أحدها ما يتأكد ظواهرها بالدلائل العقلية فذاك هو المحكم حقاً.

وثانيها التي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله غير ظاهره.

وثالثها الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه فهو المتشابه بمعنى أن الأمر اشتبه فيه ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر.

لكن ههنا عقدة أخرى وهي أن الدليل العقلي مختلف فيه أيضاً بحسب ما رتبه كل فريق وتخيله صادقاً في ظنه مادة وصورة.

فكل فريق يدعي بمقتضى فكره أن الدليل العقلي قد قام على ما يوافق مذهبه وتأكد به الظاهر الذي تعلق به، فلا خلاص من البين إلا بتأييد سماوي ونور إلهي ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور  ﴾ ثم إنه  بين أن للزائغين غرضين: أحدهما ﴿ ابتغاء الفتنة ﴾ وهي في اللغة الاستهتار بالشيء والغلو فيه، يقال: فلان مفتون بطلب الدنيا، والرجل مفتون بابنه وبشعره.

فكان التمسك بذلك المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه فيصير مفتوناً به عاشقاً لا ينقطع عنه تخيله البتة.

وقيل: الفتنة في الدين هو الضلال عنه أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم.

وعن الأصم: إنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين صار بعضهم مخالفاً للبعض في الدين، وذلك يفضي إلى التقاتل والهرج والمرج فذاك هو الفتنة.

الغرض الثاني ﴿ ابتغاء تأويله ﴾ أي طلب المعنى الذي يرجع إليه اللفظ بحسب ما يشتهونه من غير أن يكون قد وجد له في كتاب الله بيان.

قال القاضي أبو بكر: هؤلاء الزائغون قد ابتغوا المتشابه من وجهين أحدهما أن يحملوه على غير الحق وهو المراد من قوله ﴿ ابتغاء الفتنة ﴾ والثاني أن يحكموا بحكم في الموضع الذي لا دليل فيه وهو قوله ﴿ وابتغاء تأويله ﴾ ثم قال عز من قائل ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ والعلماء اختلفوا في هذا الموضع.

منهم من يقف ههنا، فعلى هذا لا يعلم المتشابه إلا الله وهو قول ابن عباس وعائشة والحسن ومالك بن أنس والكسائي والفراء، ومن المعتزلة قول أبي علي الجبائي.

ومنهم من لم يجعل الواو في ﴿ والراسخون ﴾ للابتداء وإنما يجعله للعطف حتى يكون العلم بالمتشابه حاصلاً عند الله وعند الراسخين، لأن وصفهم بالرسوخ في العلم - وهو الثبوت والتعمق وبعد الغور فيه - يناسب ذلك.

وهذا قول مجاهد والربيع بن أنس وأكثر المتكلمين، وقد يروى عن ابن عباس أيضاً.

والمختار هو الأول لوجوه منها: ما ذهب إليه كثير من العلماء أن "أما" فيه معنى التفصيل البتة، وهذا إنما يستقيم لو قدر و"أما الراسخون في العلم فيقولون".

ومنها أن اللفظ إذا كان له معنى راجح ثم دل دليل أقوى منه على أن ذلك الظاهر غير مراد، علم أن مراد الله بعض مجازات تلك الحقيقة وفي المجازات كثرة.

وترجيح البعض على البعض لا يكون إلا بالتراجيح اللغوية الظنية، ومثل ذلك لا يصح / الاستدلال به في المسائل القطعية مثاله ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ فإنه دل الدليل على أن الإله يمتنع أن يكون في المكان، فعرفنا أنه ليس مراداً لله من هذه الآية ما أشعر به ظاهرها إلا أن في مجازات هذا اللفظ كثرة لا يتعين أحدها إلا بدليل لغوي ظني، والقول بالظن في ذات الله وصفاته غير جائز بإجماع المسلمين، ولهذا قال مالك بن أنس: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.

ومنها ما قيل إن هذه الآية ذم لطالب تأويل المتشابه حيث قال ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه ﴾ وتخصيص بعض المتشابهات بذلك كطلب وقت الساعة ونحوه ترجيح من غير مرجح، فالذم يتوجه على الكل وهو المطلوب.

ومنها أنه  مدح الراسخين في العلم بأنهم ﴿ يقولون آمنا به ﴾ وقال  في أول البقرة: ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم  ﴾ فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح، ولا في قولهم ﴿ كل من عند ربنا ﴾ لأن كل من عرف شيئاً على التفصيل فإنه لا بد أن يؤمن به إنما الراسخون في العلم هم الذين علموا بالدلائل القطعية أن الله  عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها، وعلموا أن القرآن كلام الله  ، وأنه لا يتكلم بالباطل والعبث، فإذا سمعوا آية ودلت الدلائل القاطعة على أنه لا يجوز أن يكون ظاهرها مراداً لله  عرفوا أن مراد الله  منه شيء غير ذلك الظاهر، ثم فوضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه وقطعوا بأن ذلك المعنى أي شيء كان فهو الحق والصواب.

فهؤلاء هم الراسخون في العلم بالله بحيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر ولا عدم علمهم بالمراد عن الإيمان بالله والجزم بصحة القرآن، ولم يصر كون ظاهره مردوداً شبهة لهم في الطعن في كلام الله  .

ثم إن جعل قوله ﴿ والراسخون ﴾ عطفاً على اسم ﴿ الله ﴾ فقوله ﴿ يقولون آمنا به ﴾ كلام مستأنف موضح لحال الراسخين بمعنى هم يقولون آمنا بالمتشابه كل من عند ربنا أي كل واحد من المحكم والمتشابه من عنده.

وفي زيادة ﴿ عند ﴾ مزيد توضيح وتأكيد وتفخيم لشأن القرآن، ويحتمل أن يعود الضمير في ﴿ آمنا به ﴾ إلى الكتاب أي يقولون، آمنا بالكتاب كل من محكمه ومتشابهه من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه ولا يختلف كتابه، ويحتمل أن يكون قوله ﴿ يقولون ﴾ حالاً إلا أن فيه إشكالاً وهو أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره وههنا قد تقدم ذكر الله وذكر الراسخين، والحال لا يمكن إلا من الراسخين فيلزم ترك الظاهر.

﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ ما يتعظ إلا ذوو العقول الكاملة الذين يستعملون أذهانهم في فهم القرآن فيعلمون ما الذي يطابق ظاهره دلائل العقل فيكون محكماً، وما الذي هو بالعكس فيكون متشابهاً، ثم يعتقدون أن الكل كلام من لا يجوز في / كلامه التناقض، فيحكمون بأن ذلك المتشابه لا بد أن يكون له معنى صحيح عند الله وإن دق عن فهومنا.

وقيل: هو مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمل حتى علموا من التأويل ما علموا.

ثم إنه  حكى عن الراسخين نوعين من الدعاء: الأول قولهم ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ﴾ أي بعد وقت هدايتنا، والثاني قولهم ﴿ وهب لنا من لدنك رحمة ﴾ سألوا ربهم أوّلاً أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الأباطيل والعقائد الفاسدة، ثم أن ينور قلوبهم بأنوار المعرفة ويزين جوارحهم وأعضاءهم بزينة الطاعة والعبودية والخدمة.

ونكَّر رحمة ليشمل جميع أنواعها.

فأوّلها أن يحصل في القلب نور الإيمان والتوحيد والمعرفة، وثانيها أن يحصل في الجوارح والأعضاء نور الطاعة والعبودية والخدمة، وثالثها أن يحصل له في الدنيا سهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفاية، ورابعها أن يحصل عند الموت سهولة سكرات الموت، وخامسها سهولة السؤال والظلمة والوحشة في القبر، وسادسها في القيامة سهولة العقاب والخطاب وغفران السيئات وتبديلها بالحسنات، وسابعها في الجنة ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وثامنها في الحضرة رفع الأستار ورؤية الملك الجبار.

وفي قولهم ﴿ من لدنك ﴾ تنبيه على أن هذا المقصود لا يحصل إلا من عنده ويؤكده قوله ﴿ إنك أنت الوهاب ﴾ فالمطالب وإن كانت عظيمة فإنها تكون حقيرة بالنسبة إلى غاية كرمك ونهاية وجودك وموهبتك.

ولنعد إلى ما يتعلق بالدعاء الأول قال أهل السنة: القلب صالح لأن يميل إلى الإيمان، وصالح لأن يميل إلى الكفر، وكل منهما يتوقف على داعية ينشئها الله تعالى فيه، إذ لو حدثت بنفسها لزم سد باب إثبات الصانع.

فإن كانت داعية الكفر فهو الخذلان والإزاغة والصد والختم والطبع والرين وغيرها مما ورد في القرآن، وإن كانت داعية الإيمان فهو التوفيق والرشاد والهداية والتثبيت والعصمة ونحوها.

وكان رسول الله  يقول: " "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن" يعني الداعيتين.

ومما يؤكد ذلك أن الله  مدح هؤلاء الراسخين بأنهم لا يتبعون المتشابهات بل يؤمنون بها على سبيل الإجمال ويتركون الخوض فيها فيبعد منهم في مثل هذا الوقت أن يتكلموا بالمتشابه، فتكون هذه الآية من أقوى المحكمات وهو ظاهر في أن الإزاغة والهداية كلتيهما من الله  .

أما المعتزلة فقد قالوا: لما دلت الدلائل على أن الإزاغة لا يجوز أن تصدر من الله  لأن ذلك ظلم وقبيح، وجب صرف الآية إلى التأويل فقال الجبائي واختاره القاضي: المراد أن لا يمنع قلوبهم الألطاف التي معها يستمر قلبهم على صفة الإيمان، وزيف بأن اللطف إن / صح في حقهم وجب عندكم على الله أن يفعل ذلك وجوباً لو تركه لبطلت إلهيته ولصار جاهلاً أو محتاجاً.

وقال الأصم: لا تبلنا ببلوى يزيغ عندها قلوبنا.

والمعنى لا تكلفنا من العبادات ما لا نأمن معه الزيغ.

وقد يقول القائل: لا تحملني على إيذائك أي لا تفعل ما أصير عنده مؤذياً لك.

وزيف بأن التشديد في التكليف قبيح إن علم الله  أن له أثراً في حمل المكلف على القبيح وإلا فوجوده كعدمه فلا فائدة في صرف الدعاء إليه.

وقال الكعبى: لا تسمنا باسم الزائغ كما يقال: فلان يكفر فلاناً أي يقول إنه كافر.

وزيف بأن التسمية دائرة مع الفعل، وفعل الزيغ باختيار العبد عندكم فالتسمية أيضاً بسببه، وقال الجبائي أيضاً: لا تزغ قلوبنا عن جنتك وثوابك وهو كالأول إلا أن يحمل على شيء اخر وهو أنه تعالى إذا علم أنه مؤمن في الحال، وعلم أنه لو بقي إلى السنة الثانية لكفر أماته في هذه السنة.

ويرد عليه أنه لو كان علمه بأنه يكفر في السنة الثانية يوجب عليه أن يميته لكان علمه بأنه لا يؤمن قط ويبقى على الكفر طول عمره يوجب أن لا يخلقه.

وعن الأصم أيضاً: لا تزغ قلوبنا عن كمال العقل بالجنون بعد إذ هديتنا بنور العقل.

ولا يخفى تعسفه وعدم مناسبته لقوله ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ .

وقال أبو مسلم: احرسنا من الشيطان ومن شرور أنفسنا حتى لا نزيغ.

ثم إنهم لما طلبوا أن يصونهم عن الزيغ وأن يخصهم بالهداية والرحمة فكأنهم قالوا ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقضية، ولكن الغرض ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه أي في وقوعه.

فاللام للوقت، أو جامع الناس لجزاء يوم فحذف المضاف ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ قيل: هو كلام الله  كأنه يصدقهم فيما قالوه، ولو كان من تمام قول المؤمنين لقيل: إنك لا تخلف.

إلا أن يحمل على الالتفات ومعناه أن الإلهية تنافي خلف الميعاد كقولك: إن الجواد لا يخيب سائله.

ولا سيما وعد الحشر والجزاء لينتصف للمظلومين من الظالمين.

والميعاد المواعدة والوقت والموضع قاله في الصحاح.

واعلم أنه لا يلزم من أنه  لا يخلف الوعد القطع بوعيد الفساق كما زعم المعتزلة، لأن كل ما ورد في وعيد الفساق فهو عندنا مشروط بشرط عدم العفو، كما أنه بالاتفاق مشروط بشرط عدم التوبة بدليل منفصل.

قال الواحدي: ولم لا يجوز أن يحمل هذا على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء، لأن خلف الوعيد كرم عند العرب.

قال بعضهم: إذا وعد السراء أنجز وعده *** وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه وناظر أبو عمرو بن العلاء عمرو بن عبيد فقال: ما تقول في أصحاب الكبائر؟

فقال: إن الله وعد وعداً وأوعد إيعاداً.

فهو منجز إيعاده كما هو منجز وعده.

فقال أبو عمرو إنك أعجم لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب، لأن العرب تعدّ الرجوع عن الوعد لؤماً وعن الايعاد كرماً وأنشد: وإني وإن أوعدته أو وعدته *** لمكذب إيعادي ومنجز موعدي وذلك أن الوعد حق عليه، والوعيد حق له، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم، ومن أسقط حق غيره فذلك هو اللؤم فهذا هو الفرق بين الوعد والوعيد.

على أنا لا نسلم أن الوعيد ثابت جزماً من غير شرط بل هو مشروط بعدم العفو فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام الله  .

ثم إنه  لما حكى عن المؤمنين دعاءهم وتضرعهم حكى كيفية حال الكافرين وشدة عذابهم فقال: ﴿ إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً ﴾ وقيل: المراد وفد نجران وذلك أنا روينا في قصتهم أن أبا حارثة بن عقلمة قال لأخيه: إني أعلم أنه رسول الله  حقاً، ولكن إن أظهرت ذلك أخذ ملوك الروم مني ما أعطوني من المال.

فالله  بيَّن أن أموالهم وأولادهم لا تدفع عنهم عذاب الله في الدنيا والآخرة، لكن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ.

واعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عنه كل ما كان منتفعاً به ويجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة.

أما الأول فإليه أشار بقوله: ﴿ لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ﴾ لأنهما أقرب الأمور التي يفزع إليها المرء عند الخطوب.

وإذا لم يفد أقرب الطرق إلى دفع المضار في ذلك اليوم فما عداه بالتعذر أولى ومثله ﴿ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم  ﴾ ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير  ﴾ .

وأما الثاني فإليه أشار بقوله: ﴿ وأولئك هم وقود النار ﴾ فإنه لا عذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس: و"من" في قوله ﴿ من الله ﴾ للبدل مثله في قوله ﴿ و إن الظن لا يغني من الحق شيئا  ﴾ أي بدله والمضاف محذوف تقديره لن تغني عنهم بدل رحمة الله أو طاعته شيئاً.

أو في الحديث " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " أي لا ينفعه جده وحظه في الدنيا بدل طاعتك وعبادتك وما عندك وأنشد أبو علي: فليت لنا من ماء زمزم شربة *** مبردة باتت على طهيان وطهيان من بلاد الأزد.

قلت: يجوز أن يقال "من" للابتداء تقديره من عذاب الله، والجار والمجرور مقدم حالاً من شيء أو "من" زائدة لتأكيد النفي التقدير: لن تغني عنهم عذاب الله شيئاً من الغناء أي لن تدفع.

وقال أبو عبيدة "من" بمعنى "عند" والمعنى: لن تغني عند الله شيئاً.

قوله  : ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ يقال: دأب فلانٍ في عمله أي جدّ وتعب دأبا دؤباً فهو دئيب.

وأدأبته أنا، والدائبان الليل والنهار، والدأب العادة والشان، وكل ما عليه الإنسان من صنيع وحالة، وقد يحرّك وأصله من دأبت إطلاقاً لاسم الخاص على العام أي جد هؤلاء الكفار واجتهادهم أو شأنهم أو صنيعهم في تكذيب محمد وكفرهم بدينه كدأب آل فرعون مع موسى  .

ثم إنا أهلكنا أولئك بذنوبهم فكذلك نهلك هؤلاء.

فقوله: ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ تفسير لدأبهم على أنه جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ما فعلوا وما فعل بهم؟

فقيل: كذبوا بآياتنا بالمعجزات الدالة على صدق رسلنا.

﴿ فأخذهم الله بذنوبهم ﴾ أي صاروا عند نزول العذاب كالمأخوذ المأسور الذي لا يقدر على وجه الخلاص البتة.

وقيل: المعنى كدأب الله في آل فرعون أي يجعلهم الله وقود النار كعادته وصنيعه في آل فرعون والمصدر يضاف تارة إلى الفاعل وتارة إلى المفعول.

وقال القفال: يحتمل أن تكون الآية جامعة للعادة المضافة إلى الله  وللعادة المضافة إلى الكفار كأنه قيل: إن عادة هؤلاء الكفار ومذهبهم في إيذاء محمد كعادة من قبلهم في إيذاء الرسل، وعادتنا أيضاً في إهلاك هؤلاء كعادتنا في إهلاك أولئك الكفرة.

وقيل: الدؤب والدأب اللبث والدوام والتقدير: دؤبهم في النار كدؤب آل فرعون.

وقيل: مشقتهم وتعبهم في النار كمشقة آل فرعون بالعذاب ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب  ﴾ .

وقيل: المشبه هو أن أموالهم وأولادهم لا تنفعهم في إزالة العذاب والمعنى: إنكم قد عرفتم ما حل بآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين بالرسل من العذاب المعجل الذي عنده لم ينفعهم مال ولا ولد، فكذلك حالكم أيها الكفار المكذبون بمحمد فينزل بكم مثل ما نزل بهم ولا تغني عنكم الأموال والأولاد.

ويحتمل أن يكون وجه التشبيه أنه كما نزل بمن تقدم العذاب المعجل بالاستئصال وهو قوله ﴿ فأخذهم الله بذنوبهم ﴾ ثم صاروا إلى دوام العذاب وهو قوله ﴿ والله شديد العقاب ﴾ فسينزل بمن كذب بمحمد أمران: أحدهما المحن المعجلة من القتل والسبي والإذلال وسلب الأموال وإليه الإشارة بقوله فيما بعد ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون ﴾ والثاني المصير إلى العذاب الدائم وذلك قوله ﴿ وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ﴾ .

/ التأويل: ﴿ آلم ﴾ الألف إظهار الوحدة مطلقاً ذاتاً وصفة.

فإن الألف واحد في ذاته وصفاته في وضع الحساب، ومتفرد بالأولية والانقطاع عن غيره في وضع الحروف، ويشير باستقامته وعدم تغيره في جميع الأحوال إلى عدم تغيره عن الوجود الوحداني أزلاً وأبداً.

فإن الألف مصدر جميع الحروف، فإن من استقامته يخرج كل حرف معوج.

ثم في اللام والميم المتصل كل حرف منهما بالآخر إثبات أن كل موجود سوى الوحدة موصوفة بالإثنينية وذلك قسمان: قسم لم يكن فكان ثم يزول، وقسم ما كان فكان ولا يزول.

وهذان قسمان محدثان وموجدهما الواحد القديم الذي لا زال كان ولا يزال يكون وإليه الإشارة بالألف.

وأما اللام فإشارة إلى القسم الذي لم يكن فكان ولا يكون باقياً وهو عالم الصورة والملك والأجساد.

فوقوعه في المرتبة الثانية، من الألف إشارة إلى أنه مسبوق بالوجود والألف سابق عليه، والانكسار فيه يشير إلى تغيره وزواله.

والميم إشارة إلى القسم الذي لم يكن فكان ولا يزال يبقى وهو عالم المعنى والملكوت والأرواح.

وذلك أن الميم أول حرف من اسمه المبدىء وآخر حرف من اسمه القيوم، فيشير إلى أنه كما أبدأه المبدىء حين لم يكن يقيمه القيوم حين كان لا يزال.

وبوجه آخر الألف إشارة إلى وجود حقيقي قائم بذاته، واللام يشير إلى إثبات ونفي.

فالإثبات في لام التمليك ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ والنفي في "لا" النافية أي لا وجود لشيء بالحقيقة سواه، والميم يشير أيضاً إلى إثبات ونفي.

فالإثبات ميم اسمه القيوم والنفي "ما" النافية أي ما في الوجود حقيقة إلا هو.

ودليل الوجهين في ﴿ آلم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ فـ ﴿ الله ﴾ إثبات ذات القديم، ﴿ لا إله إلا هو ﴾ نفى الشرك عن وجوده وإثبات وحدته في وجوده و ﴿ الحي القيوم ﴾ إثبات جميع صفات كماله ونفي جميع سمات النقص عن ذاته.

وقد أودع مجموع معاني هذه الآية في قوله ﴿ آلم ﴾ فمعنى قوله ﴿ الله ﴾ أودع في أول حرف من حروفه وهو الألف، ومعنى قوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ أودع في أول حرف من حروفه وهو اللام.

ومعنى قوله ﴿ الحي القيوم ﴾ أودع في آخر حرف من حروفه وهو الميم.

وإنما أودع في آخر حروفه ههنا ليكون السر مودعاً في الآية من أول حرفها إلى آخر حرفها مكتوماً فيما بينهما.

والحروف الثلاثة من قوله ﴿ آلم ﴾ يكون الألف من أولها دالاً على المعنى الذي هو في الكلمة الأولى وهي ﴿ الله ﴾ واللام من أوسطها دالاً على المعنى الذي في الكلمة الثانية وهي ﴿ لا إله إلا هو ﴾ والميم من آخرها دالاً على المعنى الذي هو مودع في الثالثة وهو ﴿ الحي القيوم ﴾ فيكون الاسم الأعظم مودعاً في ﴿ آلم ﴾ كما روي عن سعيد بن جبير وغيره، وهو سر القرآن وصفوته كما روي عن أبي بكر وعلي  .

ثم إنه  بعد أن أظهر أسرار ألوهيته المودعة في ﴿ آلم ﴾ بقوله ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ أظهر ألطاف ربوبيته المكنونة في أستار العزة مع حبيبه محمد  / فقال ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق ﴾ أي نزل حقائق القرآن وأنواره على قلبك بالحقيقة متجلية لسرك، مخيفة عن زورك، فصرت مشاهداً لسر الله المودع في ﴿ آلم ﴾ وهو الذي بين يدي ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ فصرت مصدقاً له تصديق تحقيق لا تصديق تقليد فأفهم إذ لم تتعلم، ولا تعلم أنك لا تفهم لأنه منطق الطير وأنت بعد بيضة لا من الطيارين ولا من السيارين.

﴿ وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس ﴾ فلا تظنن يا محمد أن إنزال الكتب على الأنبياء كان كتنزيل القرآن بالحقيقة على قلبك كما قال: ﴿ ولكن جعلناه نوراً  ﴾ حتى صرت مكاشفاً عند تجلي أنواره بأسراره، وحقائق بيني وبينك لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما إنزال الكتب على الأنبياء كان بالصورة مكتوبة في صحائف وألواح يقرؤها كل قاريء، ويستوي في هداها الأنبياء والأمم قاطبة ﴿ هدى للناس ﴾ وكنت مخصوصاً بالهداية عند تجلي أنوار القرآن بالتنزيل على قلبك كما قال: ﴿ ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا  ﴾ ﴿ وأنزل الفرقان ﴾ الذي يفرق بين تنزيله على قلبك وبين إنزال الكتب على صورة الأنبياء، ويفرق بين تعليمك القرآن وبين تعليمهم الكتب.

فإن كانوا يتدارسون الكتب فأنت تتخلق بالقرآن، فشتان بين نبي يجيء وهو بذاته نور ومعه كتاب ﴿ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين  ﴾ وبين نبى يجىء ومعه نور من الكتاب ﴿ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس  ﴾ وشتان بين نبي تشرف بكتابة الموعظة له في الألواح ﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة  ﴾ وبين نبي تشرف أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم ﴿ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله ﴾ يسترون بحجب الغفلات وتتبع الشهوات قلوبهم فتعمى عن مشاهدة هذه الآيات البينات ﴿ لهم عذاب شديد ﴾ من هذا العمى والحرمان وهم في خسران من الركون إلى هذا النقصان ﴿ والله عزيز ذو انتقام ﴾ يعز أهل الغرام بنيل المرام وينتقم من أهل السلوة بحجاب العزة.

ثم أخبر  عن كمال علمه بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ﴾ وكيف يخفى وإنه ﴿ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز ﴾ عن نقص الأحكام ﴿ الحكيم ﴾ فيما يجري من الأزل إلى الأبد وجفت به الأقلام.

وفي الآية إشارة إلى أنه إذا سقطت من صلب ولاية رجل من رجال الحق نطفة إرادة في رحم قلب مريد صادق يستسلم لتصرفات ولاية الشيخ وهو بمثابة ملك الأرحام، ويضبط المريد أحواله الظاهرة والباطنة على وفق أمر الشيخ ويختار الخلوة والعزلة لئلا يصدر منه حركة عنيفة أو يجد رائحة غريبة يلزم منه سقوط النطفة وفسادها، ويقعد بأمر الشيخ وتدبيره فالله  بتصرف ولاية الشيخ / المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها يحوّلها من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام إلى أن يرجع إلى حظائر القدس ورياض الأنس التي منها صدر إلى عالم الإنس، فيتكون الجنين في رحم القلب وهو طفل خليفة الله في أرضه فيستحق الآن أن ينفخ فيه الروح المخصوص بأنبيائه وأوليائه ﴿ يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده  ﴾ ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه  ﴾ فإذا نفخ فيه الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون.

الآيات المحكمات تنزيلها شرب الخواص والعوام لبسط الشرع والاهتداء، والمتشابهات تأويلها شرب الخواص وخواص الخواص لإخفاء الأسرار عن الأغيار والابتلاء ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ ألبست قلوبهم غطاء الريب وحرموا أنوار الغيب وهم أهل الأهواء والبدع ﴿ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ﴾ ليضلوا بأهوائهم ﴿ وابتغاء تأويله ﴾ ليضلوا الناس بآرائهم ﴿ والراسخون في العلم يقولون آمنا به ﴾ بما شاهدوا من أنوار الحق في تحقيق التأويل ﴿ كل من عند ربنا ﴾ بتوفيقه وإعلامه وتعريفه ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين خرجوا في متابعة النبي  من ظلمات قشور وجودهم النفساني إلى نور لباب وجودهم الروحاني، وهم الراسخون في قشور العلوم الكسبية الواصلون إلى حقائق لباب العلوم اللدنية من لدن حكيم خبير.

وفي الآية إشارة إلى أن علوم الراسخين كلها بتعليم الله  إياهم في الميثاق إذ تجلى بصفة الربوبية للذرّات، وأشهدهم على أنفسهم بشواهد الربوبية ألست بربكم؟

فبشهود تلك الشواهد ركز في جبلة الذرّات علم التوحيد فقالوا: بلى.

ويندرج في علم التوحيد كل العلوم كما قال: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ فلما ردّت الذرّات إلى الأصلاب واحتجبت بصفات البشرية، ثم نقلت إلى الأرحام وتنقلت بقدم الأربعينات من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام من مقامات البعد عن الحضرة إلى أن وضع الحمل، وردت النفس العالمة بعلم التوحيد الناطقة به إلى أسفل سافلين القالب محتجبة بحجب البشرية ناسية تلك العلوم والتنطق بها.

ثم أبواه يذكرانه تلك العلوم بالرموز والقرائن حتى يتذكر بعض تلك العلوم من وراء حجب البشرية وأستار الأطوار، وينطق بلسان الأبوين لا بلسانه الذي أجاب به الرب وقال بلى، فإن ذلك اللسان كان لب هذا اللسان وهذا قشر ذلك.

وكذلك جميع وجود ظاهر الإنسان وباطنه قشور لباب ذلك الوجود المستمع المجيب في الميثاق.

فسمعه قشر ذلك السمع الذي استمع خطاب الحق، وبصره قشر ذلك البصر الذي أبصر جمال الحق، وقلبه قشر ذلك القلب الذي فقه خطاب الحق، وعلومه قشر تلك العلوم التي تعلمت من الحق.

فالنبي  إنما بعث ليذكره حقيقة تلك العلوم التي كان أبواه يذكرانه قشرها كما قال ﴿ فذكر إنما أنت مذكر  ﴾ فالتذكير عام ولكن التذكر خاص فلهذا قال ﴿ وما يذكر إلا أولوا / الألباب ﴾ إنما يتذكر أولوا الألباب ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا ﴾ عن صراطك بغلبات ظلمات طبائعنا وطباعنا ﴿ بعد إذ هديتنا ﴾ إلى حضرة جلالك ونور جمالك حتى سمعنا بلب سمعنا لب التنزيل، وشاهدنا بلب أبصارنا لب التأويل، وتذكرنا بلب عقولنا علومنا ﴿ وهب لنا من لدنك رحمة ﴾ تجذبنا من لدنا إلى لدنك وتغنينا عنا بك ﴿ إنك أنت الوهاب ﴾ .

وفيه إشارة إلى أن وظيفة الطالب أن لا يسكن في مقام ولا يقف مع حال بل يكون إلى الأبد طلاباً كما كان الله من الأزل إلى الأبد وهاباً.

وكما أنه لا نهاية لمواهبه فلا غاية لمطالب طالبه، وأن بعد هذه الدار داراً هي دار القرار يوفى فيها جزاء الأبرار والفجار.

فحصول الأرب بقدر رعاية الأدب في الطلب.

ومقاساة التعب والنصب، وإن التقوى خير زاد للمعاد ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ ﴿ إن الذين كفروا ﴾ ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات صفات نفسانيتهم ﴿ لن تغنى عنهم ﴾ طاغوت ﴿ أموالهم وأولادهم من ﴾ أنوار الله التي حجبوا عنها ﴿ وأولئك هم وقود النار ﴾ نار الفرقة والقطيعة ﴿ نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة  ﴾ لا نار الجحيم التي لا تحرق إلا قشور الجلود ولا تخلص إلى لب القلوب.

وإن عذاب حرقة لجلود بالنسبة إلى عذاب حرقة القلوب وحرقة القطيعة عن الله كنسيم الحياة إلى سموم الممات.

في فؤاد المحب نار هوى *** أحر نار الجحيم أبردها وكذلك دأب جميع الكفار الذين ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات صفات النفس فعموا وصموا عن مشاهدة أنوارنا ومحافظة أسرارنا، فأخذهم الله فعاقبهم بحجاب ذنبوبهم وحرقة قلوبهم ﴿ والله شديد العقاب ﴾ أليم نار فراقه عظيم عذاب بعده وإشراقه.

بالنار خوّفني قومي فقلت لهم *** النار ترحم من في قلبه نار <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ الۤمۤ * ٱللَّهُ ﴾ .

قال بعضهم: تفسيره ما وصل به من قوله: ﴿ الۤـمۤ  ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ  ﴾ : هو تفسير ﴿ الۤـمۤ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ : تفسير ﴿ الۤـمۤ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤصۤ  كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ  ﴾ ، وجميع ما وصل به الحروف المقطعة فهو تفسيرها، ولله أن يسمي نفسه بما شاء: سمى نفسه مجيداً؛ كقوله: ﴿ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ  ﴾ ، وسمىّ القرآن مجيداً؛ كقوله: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ  ﴾ .

وقال بعضهم: الحروف المقطعة هي مفتاح السورة.

وقال آخرون: إن كل حرف منها اسم من أسماء الله  .

ومنهم من يقول بأنها من المتشابه التي لا يوقف عليها.

ومنهم من يقول: هو على التشبيب؛ إذ من عادة العرب ذلك، وقد مضى الكلام فيه في قوله: ﴿ الۤـمۤ  ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ  ﴾ بما يكفي.

وقوله: ﴿ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ ﴾ : هو الحيُّ بذاته، وكل حيٍّ سواه حيُّ بحياة هي غيره، فإذا كان هو حيّاً بذاته لم يوصف بالتغاير والزوال، ولما كان كل حيٍّ سواه حيّاً بغيره احتمل التغاير والزوال؛ وكأن الحياة عبارة يوصف بها مَنْ عَظُمَ شَأْنُهُ، وشَرُفَ أمره عند الخلق.

ألا ترى أن الله -  - وصف الأرض بالحياة عند نباتِها؛ لما يعظم قدرها ويشرف منزلتها عند الخلق عند النبات؟!

وكذلك سمى المؤمن حيّاً؛ لعلوّ قدره عند الناس، والكافر ميتاً؛ لدون منزلته عند الناس؛ فكذلك الله -  - سمى [نفسه] حيّاً؛ لعظمته وجلاله وكبريائه؛ وعلى هذا يخرج قوله في الشهداء؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ  ﴾ ، أي: مكرمون معظمون مشرفون عند ربّهم.

وقوله: ﴿ ٱلْقَيُّومُ ﴾ ، قال بعضهم: هو القائم على كل نفس بما كسبت.

وقال آخرون: القيوم: الحافظ.

وفي حرف ابن مسعود -  -: "هو الحيّ القيام" وكله يرجع إلى واحد: القائم.

والقيوم، والقيام، يقال: فلان قائم على أمر فلان، أي: يحفظه حتى لا يغيب عنه من أمره شيء.

وروي عن ابن عباس -  - أنه قال: "إنَّ اسمَ اللهَ الأَعْظَمَ هَوَ: الحيُّ القَيُّومُ" وقوله: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ .

ظاهر.

﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ قيل فيه بوجوه: يحتمل بالحق، أي: دعاء الخلق إلى الحق، ويحتمل بالحق، أي: هو الحق نفسه حجة مجعولة، وآية معجزة، أيس العرب عن أن يعارضوه أو يأتوا بمثله، وتحقق عند كُلٍّ أنهُ من عند الله، إلا من أعرض عنه، وكابر وعاند.

وقيل: بالحق، أي: بالصِّدق والعدل.

وقيل: بالحق الذي لله عليهم، وما يكون لبعضهم [على بعض].

ثم قال: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .

أي: موافقاً لما قبله من الكتب السماوية، وهي غير مختلفة ولا متفارتة، وفيه دلالة نبوة [سيدنا] محمد  ؛ لأنه أخبر أنه موافق لتلك الكتب غير مخالف لها، ولو كان على خلاف ذلك لتكلفوا إظهار موضع الخلاف؛ فإذا لم يفعلوا ذلك دل أنهم عرفوا أنه من الله، وأن محمداً رسوله، لكنهم كابروا وعاندوا.

وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ﴾ .

من بعد.

وقال بعضهم: ﴿ هُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ .

أي: بياناً لهم، وحجَّة لمن اهتدى، وحجة على من عمي؛ إذ لا يحتمل أن يكون له هدى، وعليه حجة فيه الهلاك؛ إنما يكون حجة له وهدى إذا اهتدى، وعليه إن ترك الاهتداء؛ فبان أنه يخالف ما يقوله المعتزلة.

وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ﴾ : قد ذكرنا فيما تقدم أنه سمّي فرقاناً؛ لوجهين: أحدهما: لما فرق آياته وفرق إنزاله.

والثاني: لما يفرِّق بين الحق والباطل، وبين الحرام والحلال، وبين ما يتقى ويؤتى؛ فعلى هذا كل كتاب مبيّن فيه الحلال والحرام، وبُيِّن ما يتقى ويؤتى.

والإنجيل فيه سمي إنجيلاً؛ لما يجلي، وهو الإظهار في اللُّغة.

وَقِيل: سمّى التوراة تَوْراة من أوريت الزند؛ وهو كذلك.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ...

﴾ : قيل: بحجج الله.

وقيل: كفروا بآيات الله، أي: بالله؛ لأنهم إذا كفروا بآياته كفروا به، وكذلك الكفر بدينه كفر به، والبراءة من دينه براءة منه، والبراءة من رسول الله براءة منه.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: ذو انتقام لأوليائه من أعدائِه.

وقيل: ذو انتقام: ذو انتصار على الأعداء.

وقيل: ذو بطش شديد.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

هو وعيد؛ كأنه - والله أعلم - قال: لا يخفى عليه ما في السماوات، و[وما في] الأرض من الأمور المستورة الخفية على الخلق؛ فكيف يخفى عليه أعمالكم وأفعالكم، التي هي ظاهرة عندكم؟!

ويحتمل: إذا لم يخف عليه ما بطن، وخفي في الأصلاب والضمائر والأرحام؛ فكيف يخفى عليه أفعالكم وأقوالكم، وهي ظاهرة؟!.

ألا ترى أنه قال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ ﴾ ؛ إذ علم ما في الأرحام وصوَّرها على ما شاء وكيف شاء.

وهم ﴿ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ﴾ فيه دليل نقض قول من يقول بالقائف؛ لأنه جعل علم التصور في الأرحام لنفسه، لم يجعل لغيره، كيف عرف بالقائف تصوير الأوَّل، حتى قال الله: إنه على صورته وعلى تصويره، وإنه من مائة، ثم اختلف في خلق الأشياء: قال بعضهم بخلق الفروع من الأصول، وهن أسباب للفروع.

وقال آخرون: يكون بأسباب وبغير أسباب، فإن كان بعض الأشياء يكون بأسباب؛ من نحو الإنسان من النطفة، إلا أن النطفة تتلف؛ فتكون علقة، ثم مضغة؛ فدل أنه يخلق الخلق كيف شاء من شيء ولا من شيء، بسبب وبغير سبب، وهو القادر على ذلك، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ اختلف فيه: فقيل: المحكمات: هن النَّاسخات المعمولات بهن، والمتشبهات: هن المنسوخات غير معمول بهن، وهو قول ابن عباس [  ].

وقال آخرون: المحكمات: هن ثلاثة آيات في [آخر] سورة الأنعام: قوله: ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ ...

تَتَّقُونَ  ﴾ ، وما ذكر في سورة "بني إسرائيل" من قوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ إلى آخر هذه الآيات، سميت محكمة؛ لأن فيها توحيداً وإيماناً بالله وغيره من المتشابه.

ثم قيل بعد هذا بوجوه: قيل: المحكمات: هي التي يعرفها كل أحد إذا نظر فيها، وتأمَّل فيها.

والمتشابه: هو المبهم الذي يعرف عند البحث فيه والطلب.

وقيل: المحكمات: ما يوقف ويفهم مراده.

والمتشابه: هو الذي لا يوقف [عليه] ألبتة، بعد ما قضى حوائج الخلق من البيان في المحكم منه، ولكن يلزم الإيمان به، وهو من الله محنة على عباده، ولله أن يمتحن خلقه بما شاء من أنواع المحن؛ لأنها دار محنة.

وغيرها لا يفهم مرادها.

ويحتمل أن يكون المحكمات: هن ما ظهر لكل أحد من أهل الإسلام؛ حتى لم يختلفوا فيها.

والمتشابه: هو الذي اشبته على الناس؛ لاختلاف الألسن فاختلفوا فيها، ولما يؤدي ظاهره إلى غير ما يؤدي باطنه؛ فتعلق بعضهم بالظاهر فقالوا به، وتعلق آخرون بالباطن؛ لما رأوا ظاهره جوراً وظلماً أو تشبيهاً، على اتفاقهم على نفي الجور والظلم عنه، ويجوز لمن يوقف على المتشابه بمعرفة المحكم.

وقال آخرون: المحكم: هو الواضح المبين، فلو كان على ما قالوا لم يكن لاختلاف الناس فيه، وادعاء كل أنَّ الذي هو عليه هو المحكم؛ لأنه لو كان ظاهراً مبيّناً لتمسّكوا بهن ولم يقع بينهم اختلاف.

وفيه دليل ونقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون بالأصلح في الدين: أنه لا يفعل إلا ذلك، ثم لم يبين لهم المحكم من غير المحكم، ولو بين كان أصلح لهم في الدين؛ فدل أن الله - عز وجل - قد يجوز أن يفعل بهم ما ليس بأصلح لهم في الدين؛ امتحاناً وابتلاءً منه لهم، والله أعلم.

لكن لا يخرج من الحكمة، ثم ما قالوه في الأمر حق؛ لأنه لا يأمر إلا أن يفعل بهم ما لهم فيه الأصلح، وقد يفعل ما هو حكمة في حق المحنة وإن كان غير ذلك أصلح لهم في الدّين، بمعنى: أقرب وأدعى إليه، والله الموفق.

وَقال قوم: المحكم: ما في العقل بيانه.

والمتشابه: ما لا يدرك في العقل؛ وإنما يعرف بمعونة السمع.

وقال قوم: لا متشابه فيما فيه أحكام من أمر ونهي وحلال وحرام؛ وإنما ذلك فيما ليس بالناس حاجة إلى العلم به، نحو: الإنباء عن منتهى الملك، وعن عدد الملوك، وعن الإحاطة بحقيقة الموعود، ونحو ذلك.

ولا قوة إلا بالله.

لكن يمكن أن يكون سمي متشابهاً؛ بما تشابه على أولئك القوم حقيقة ما راموا من الوجه الذي طلبوا.

وقد بيَّنا الحق في أمر المتشابه، وما يجب في ذلك من القول، وبالله العصمة والنجاة.

وقوله: ﴿ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل أم الكتاب، أي: أصل الكتاب.

ويحتمل أم الكتاب، أي: المتقدم على غيرها؛ وعلى هذا يُخَرِّجُ: ﴿ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ  ﴾ ، أعني: مكة؛ لأنها هي المتقدمة على غيرها من القرى، ويحتمل هي أصل القرى؛ كما سمى "فاتحة الكتاب": "أم القرآن"؛ لأنها أصل؛ أو لأنها هي المتقدمة على غيرها من السور، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، أي: مقصود الكتاب، يعني: المحكمات، والمتشابهات مما فيه شبه من غيره؛ فيتشابه؛ فهو متشابه؛ كقولهم: ﴿ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا  ﴾ ؛ وكذلك المشكل سمي مشكلاً؛ لما يدخل فيه شكل من غيره فسمي مشكلاً؛ فكذلك المتشابه يدخل فيه شبه غيره؛ فصار متشابهاً، والله أعلم.

وقوله [عز وجل]: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ .

قيل: ميل عن الحق.

وقيل: الزيغ: هو الريب والشك.

﴿ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ ﴾ ولو كان ثم اتباع لعذروا؛ إذ الاتباع للشيء اتباع ما فيه من المراد؛ وعلى هذا يقولون في قوله: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ  ﴾ : أي يتبعونه حق اتباعه، وكذلك قوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ .

والمتشابه قد أنزل إلينا من ربنا؛ فيحمد متبعه في الحقيقة؛ فثبت أنه لم يكن ثم اتباع في الحقيقة، وأنه لو كان لعذروا، ولكنه كان - والله أعلم - اتباع الآراء في التأويل بالآراء الفاسدة؛ ألا ترى أنهم طلبوا بالتأويل منتهى ملك هذه الأمَّة؟!

وفي الوقوف عليه وقوف على علم الساعة وسبب القيامة، وذلك علم ما لم يُطْلِع اللهُ الرسلَ على ذلك، فضلاً أن يطلع عليه غيرهم.

قال الشيخ - رحمه الله -: ويحتمل أن يكون اتباعهم نظرهم فيما تقصر أفهامهم عن الإدراك في الوقوف عليه، ولو كان نظرهم في المحكم من ذلك، لكان لهم في ذلك بلاغ وكفاية فيما إليهم به حاجة، ولا قوة إلا بالله.

قال الشيخ - رحمه الله -: في قوله: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ : أي: ميل عن الحق، وذلك همتهم، أو كان ذلك اعتقادهم، فإن كان المراد من ذلك في الكفرة فهو الأوّل، وإن كان في أصحاب الهوى من الذين يدينون دين الإسلام - فهو الثاني؛ وكذلك نجد كل ذي مذهب في الدِّين - ممَّن اعتقد حقيقة الأمر في قوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ  ﴾ الآية، وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ...

 ﴾ الآية - يتعلق بظاهر الآية؛ يدعي أنها محكمة بما عنده أنه الحق، بعد أن أجهد نفسه في طلب الحق، ويسوي غير ذلك عليه، فإن كان على ذلك فحقه التسليم لما عليه توارث الأمة ظاهراً؛ على ما روي عن نبي الله  أنه أخبر عن تفرق الأمة، ثم أشار إلى التمسُّك بما عليه هو وأصحابه [-  م -] فعلى ذلك أمر المتوارث؛ فيجب جعله محكماً وبياناً [لما] اختلف عليه، ولا قوة إلا بالله.

ويكوت المتبدع في ابتغاء تأويله؛ يريد التلبيس على من لزم تلك الجملة، وكذلك لأهل جمل في الدِّين مرفوع عليه، كذا التنازع وترك الاشتغال بتأويل ما اعترضه، لكان متبع المحكم عند الأمة مطيعاً المتشابه، ولا قوة إلا بالله.

وإن كان هو الأوَّل فقد ذكر أن ذلك في استخراج منتهى ملك هذه الأمة، وأن نهايته الساعة، والعلم به لم يطلع عليه الرسل فضلاً عمن دونهم، أو كان ذلك في أشياء تقصر عقول الضعفاء عن الإحاطة بذلك؛ يريدون بذلك التلبيس على العوام وأهل الغباوة؛ فأخبر - عز وجل - بما ذكر أنه لا يعلمه إلا الله كان ذلك فيما يعلمه غيره أو لا، فإن كان أطلعه فبالله علم، لا أن في العقول بلوغ ذلك، ومعنى الاتباع ما قد بين.

وقوله: ﴿ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾ ، أي: من القرآن يقول ما اشتبه حسابهم.

﴿ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ ﴾ .

وقيل: الفتنة: الكفر، ويحتمل "الفتنة": المحنة، أي: يمتحنون أهل الإسلام.

وقوله: ﴿ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ .

منتهى ما كتب الله - عز وجل - لهذه الأمَّة من المدّة [لهم والوقت]، وأصل التأويل: هو المنتهى.

قال الله -  -: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ .

أي: وما يعلم منتهى تلك الأمة إلاّ الله.

ثم المتشابه: إن كان ما يوقف فيه فهو، وإن كان مما يعرفه أهل المعرفة، ويعلمه بالواضح - فهو هو، وأصل هذا: أن كل ذي مذهب في الإسلام يدعي على خصمه بما ذهب إليه من الحجاج بالآيات - الوقوع في المتشابه، ولنفسه - الوقوع في الواضح، وعنده أن ما ذهب إليه هو الحق؛ فلا فرق بين أن يدعي عليه ذهابه إلى غير الحق، أو تعديه إلى المتشابه وترك الواضح، فسبيل مثله الفحص والبحث عما ذهب إليه إن جاء بشيء يضطر العقل إلى قبوله سلم له ما جاء به، وإلا فخصمه منه في دعوى مثله: بالوقوع له في المتشابه بمحل دعواه.

وقوله: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ : قال قوم: موضع الوقف على قوله: ﴿ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ ﴾ ، ثم ابتدأ فقال: ﴿ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾ : "يقولون"، بمعنى: قالوا، "آمنا به": بما عرفنا، وذلك جائز في اللغة؛ "يقول" بمعنى: "قال".

وقال آخرون: موضع الوقف على قوله: ﴿ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ ، ثم استأنف الكلام فقال: ﴿ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾ : المحكم والمتشابه وغيره.

قيل: الراسخون: هم المتدارسون.

وقيل: المتثابتون؛ رسخ، بمعنى: ثبت.

وقيل: الراسخون: [الناتجون.

يقال: رسخ في العلم: نتج فيه].

فإن قيل: ما الحكمة في إنزال المتشابه؟.

قيل: إذا كان مما يعلم فهو يحتمل وجهين: يحتمل: ليعلم فضل العلم على غير العالم.

ويحتمل: أن جعل عليهم طلب المراد فيه، والفحص عما أودع فيه.

وإن كان مما لا يعلم يحتمل المحنة؛ امتحنهم في ذلك بالوقف فيه؛ إذ الدار دار محنة، ولله أن يمتحن عباده بجميع أنواع المحن, وقوله: ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .

أي: ما يتعظ إلا أولو الحجج والعقل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

﴿ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ  ﴾ نزَّل عليك -أيها النبي- القرآن بالصدق في الأخبار والعدل في الأحكام، موافقًا لما سبقه من الكتب الإلهية، فلا تعارض بينها، وأنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى  مِن قبل تنزيل القرآن عليك، وهذه الكتب الإلهية كلها هداية وإرشاد للناس إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأنزل الفرقان الذي يعرف به الحق من الباطل والهدى من الضلال.

والذين كفروا بآيات الله التي أنزلها عليك لهم عذاب شديد.

والله عزيز لا يُغالبه شيء ذو انتقام ممن كذَّب رسله وخالف أمره.

<div class="verse-tafsir" id="91.2o5L8"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ  مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ  ﴾ المتبادر من كلمة "أنزل" أن التوراة نزلت على موسى مرة واحدة وإن كانت مرتبة في الأسفار المنسوبة إليه فإنها مع ترتيبها مكررة والقرآن لا يعرف هذه الأسفار ولم ينص عليها.

وكذلك الإنجيل نزل مرة واحدة وليس هو هذه الكتب التي يسمونها الأناجيل، لأنه لو أرادها لما أفْرَدَ الإنجيل دائمًا مع أنها كانت متعددة عند النصارى حينئذ.

وحاول بعض المفسرين بيان اشتقاق التوراة والإنجيل من أصل عربي وماهما بعربيين، ومعنى التوراة، وهي عبرية، الشريعة، ومعنى الإنجيل، وهي يونانية، البشارة، وإنما المسيح مبشر بالنبي الخاتم الذي يكمل الشريعة للبشر.

وأما كونها هدى للناس فهو ظاهر.

﴿ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ  ﴾ إن الفرقان هو العقل الذي به تكون التفرقة بين الحق والباطل، وإنزاله من قبيل إنزال الحديد لأن كل ما كان عن الحضرة العلية الإلهية يسمى إعطاؤه إنزالًا.

إن المفسرين قالوا -كما أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر- إنها نزلت وما بعدها إلى نحو ثمانين آية في نصارى نجران إذ وفدوا على رسول الله  وكانوا ستين راكبًا فذكروا عقائدهم واحتجوا على التثليث وألوهية المسيح بكونه خلق على غير السنة التي عرفت في توالد البشر وبما جرى على يديه من الآيات وبالقرآن نفسه فأنزل الله هذه الآيات.

بدأ بذكر توحيد الله لينفي عقيدتهم من أول الأمر، ثم وصفه بما يؤكد هذا النفي كقوله الحي القيّوم أي الذي قامت به السماوات والأرض وهي قد وجدت قبل عيسى فكيف تقوم به قبل وجوده.

ثم قال إنه نزل الكتاب وأنزل التوراة لبيان أن الله تعالى قد أنزل الوحي وشرع الشريعة قبل وجود عيسى كما أنزل عليه وأنزل على من بعده فلم يكن هو المنزل للكتب على الأنبياء وإنما كان نبيًا مثلهم وقوله ﴿ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ  ﴾ لبيان أنه هو الذي وهب العقل للبشر ليفرقوا به بين الحق والباطل، وعيسى لم يكن واهبًا للعقول وفيه تعريض بأن السائلين تجاوزوا حدود العقل.

ثم قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ  ﴾ ، وهذا رد لاستدلالهم ببعض آيات القرآن على تمييز عيسى على غيره من البشر إذ ورد فيه أنه روح الله وكلمته، فهو يقول: إن هذه الآيات من المتشابهات التي اشتبه عليكم معناها حتى حاولتم جعلها ناقضة للآيات المحكمة في توحيد الله وتنزيهه.

المتشابه إنما يكون بين شيئين فأكثر، وهو لا يفيد عدم فهم المعنى مطلقًا كما قال المفسر (الجلال) ووصف التشابه في هذه الآية هو للآيات باعتبار معانيها أي إنك إذا تأملت هذه الآيات تجد معاني متشابهة في فهمها من اللفظ لا يجد الذهن مرجحًا لبعضها على بعض.

وقالوا أيضًا إن المتشابه ما كان إثبات المعنى فيه للفظ الدال عليه ونفيه عنه متساويان فقد تشابه فيه النفي والإثبات، أو ما دل فيه اللفظ على شيء والعقل على خلافه فتشابهت الدلالة ولا يمكن الترجيح كالاستواء على العرش وكون عيسى روح الله وكلمته فهذا هو المتشابه الذي يقابله المحكم الذي لا ينفي العقل شيئًا من ظاهر معناه.

أما كون المحكمات هن أم الكتاب فمعناه أنهن أصله وعماده أو معظمه وهذا ظاهر لكنه لا ينطبق إلا على بعض الأقوال.

إن معنى ذلك أنها هي الأصل الذي دعا الناس إليه، ويمكنهم أن يفهموها ويهتدوا بها، وعنها يتفرع غيرها وإليها يرجع، فإن اشتبه علينا شيء نرده إليها، وليس المراد بالرد أن نؤوله بل أن نؤمن بأنه من عند الله وأنه لا ينافي الأصل المحكم الذي هو أم الكتاب وأساس الدين الذي أمرنا أن نأخذ به على ظاهره الذي لا يحتمل غيره إلا احتمالًا مرجوحًا.

مثال هذه المتشابهات قوله تعالى ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  ﴾ وقوله ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ  ﴾ وقوله ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ  ﴾ .

وهذا رأي جمهور المفسرين، وذهب جمهور عظيم منهم إلى أنه لا متشابه في القرآن إلا أخبار الغيب كصفة الآخرة وأحوالها من نعيم وعذاب.

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ  ﴾ معنى اتباعه ابتغاء الفتنة أنهم يتبعونه بالإنكار والتنفير استعانة بما في أنفس الناس من إنكار ما لم يصل إليه علمهم ولا يناله حسهم كالإحياء بعد الموت وشؤون تلك الحياة الأخرى.

وابتغاء الفتنة بالنسبة إلى الوجه الأول في معنى المتشابه هو أن يتبع أهل الزيغ من المشركين والمجسمة مثل قوله تعالى ﴿ وَرُوحٍ مِنْهُ  ﴾ فيأخذونه على ظاهره من غير نظر إلى الأصل المحكم ليفتنوا الناس بدعوتهم إلى أهوائهم ويختلبوهم بشبهتهم فيقولون: إن الله روح والمسيح روح منه فهو من جنسه وجنسه لا يتبعض فهو هو: فالتأويل هنا بمعنى الإرجاع أي أنهم يرجعونه إلى أهوائهم وتقاليدهم لا إلى الأصل المحكم الذي بني عليه الاعتقاد، وأما ابتغاء تأويله فهو أنهم يطبقونه على أحوال الناس في الدنيا فيحولون خبر الإحياء بعد الموت وأخبار الحساب والجنة والنار عن معانيها ويصرفونها إلى معان من أحوال الناس في الدنيا ليخرجوا الناس عن الدين بالمرة، والقرآن مملوء بالرد عليهم كقوله ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ .

﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا  ﴾ قال بعض السلف إن قوله والراسخون في العلم كلام مستأنف وبعضهم إنه معطوف على لفظ الجلالة.

واستدل الذين قالوا بالوقف عند لفظ الجلالة وبكون ما بعده استئنافًا بأدلة: (منها) أن الله تعالى ذم الذين يتبعون تأويله (ومنها) قوله: ﴿ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا  ﴾ فإن ظاهر الآية التسليم المحض لله تعالى ومن عرف الشيء وفهمه لا يعبر عنه بما يدل على التسليم المحض، وهذا رأي كثير من الصحابة  كأبي بن كعب وعائشة وذهب ابن عباس وجمهور من الصحابة إلى القول الثاني وكان ابن عباس يقول: أنا من الراسخين في العلم أنا أعلم تأويله.

وقالوا في استدلال أولئك إن الله تعالى إنما ذم الذين يبتغون التأويل بذهابهم فيه إلى ما يخالف المحكمات يبتغون بذلك الفتنة، والراسخون في العلم ليسوا كذلك فإنهم أهل اليقين الثابت الذي لا زلزال فيه ولا اضطراب فهؤلاء يفيض الله تعالى عليهم فهم المتشابه بما يتفق مع المحكم.

وأما دلالة قولهم ﴿ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا  ﴾ على التسليم المحض فهو لا ينافي العلم فإنهم سلموا بالمتشابه في ظاهره أو بالنسبة إلى غيرهم لعلمهم باتفاقه مع المحكم فهم لرسوخهم في العلم ووقوفهم على حق اليقين لا يضطربون ولا يتزعزعون بل يؤمنون بهذا وبذاك على حد سواء لأن كلًا منهما من عند الله ربنا، ولا غرو فالجاهل في اضطراب دائم والراسخ في ثبات لازم، ومن اطلع على ينبوع الحقيقة لا تشتبه عليه المجاري فهو يعرف الحق بذاته ويرجع كل قول إليه قائلًا: آمنا به كل من عند ربنا.

بينَّا أن المتشابه ما استأثر الله بعلمه من أحوال الآخرة أو ما خالف ظاهر لفظه المراد منه، وورود المتشابه بالمعنى الأول في القرآن ضروري، لأن من أركان الدين ومقاصد الوحي الإخبار بأحوال الآخرة، فيجب الإيمان بما جاء به الرسول من ذلك على أنه من الغيب، كما نؤمن بالملائكة والجن، ونقول أنه لا يعلم تأويل ذلك، أي حقيقة ما تؤول غليه هذه الألفاظ، إلا الله، والراسخون في العلم وغيرهم في هذا سواء، وإنما يعرف الراسخون ما يقع تحت حكم الحس والعقل فيقفون عند حدهم لا يتطاولون إلى معرفة حقيقة ما يخبر به الرسل عن عالم الغيب لأنهم يعلمون أنه لا مجال لحسهم ولا لعقلهم فيه وإنما سبيله التسليم، فيقولون آمنا به كل من عند ربنا.

فعلى هذا يكون الوقف على لفظ الجلالة لازمًا، وإنما خص الراسخين بما ذكر لأنهم هم الذين يفرقون بين المرتبتين: ما يجول فيه علمهم وما لا يجول فيه، ومن المحال أن يخلو الكتاب من هذا النوع فيكون كله محكمًا بالمعنى الذي يقابل المتشابه، ومن الشواهد على أن التأويل هنا بمعنى ما يؤول إليه الشيء وينطلق عليه لا بمعنى ما يفسر به قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ  ﴾ .

فتبين مما قررناه أنه لا يقال على هذا لماذا كان القرآن منه محكم ومنه متشابه لأن المتشابه بهذا المعنى من مقاصد الدين فلا يلتمس له سبب لأنه جاء على أصله.

وأما التفسير الثاني للمتشابه وهو كونه ليس قاصرًا على أحوال الآخرة بل يتناول غيرها من صفات الله التي لا يجوز في العقل أخذها على ظاهرها وصفات الأنبياء التي من هذا القبيل نحو قوله تعالى: ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ  ﴾ فإن هذا مما يمنع الدليل العقلي والدليل السمعي من حمله على ظاهره، فهذا هو الذي يأتي الخلاف في علم الراسخين بتأويله كما تقدم، فالذين قالوا بالنفي جعلوا حكمة تخصيص الراسخين بالتسليم والتفويض هي تمييزهم بين الأمرين وإعطاء كل حكمة كما تقدم آنفًا، وأما القائلون بالإثبات الذين يردون ما تشابه ظاهره من صفات الله وأنبيائه إلى أم الكتاب الذي هو المحكم ويأخذون من مجموع المحكم ما يمكنهم من فهم المتشابه فهؤلاء يقولون إنه ما خص الراسخين بهذا العلم إلا لبيان منع غيرهم من الخوض فيه.

فهذا خاص بالراسخين لا يجوز تقليدهم فيه وليس لغيرهم التهجم عليه.

وهذا خاص بما لا يتعلق بعالم الغيب.

وههنا يأتي السؤال: لم كان في القرآن متشابه لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم؟

ولم لم يكن كله محكمًا يستوي في فهمه جميع الناس وهو قد نزل هاديًا والتشابه يحول دون الهداية بما يوقع اللبس في العقائد ويفتح باب الفتنة لأهل التأويل؟

أجوبة العلماء ثلاثة: أن الله أنزل المتشابه ليمتحن قلوبنا في التصديق به، فإنه لو كان كل ما ورد في الكتاب معقولًا واضحًا لا شبهة فيه عند أحد من الأذكياء ولا من البلداء لما كان في الإيمان شيء من معنى الخضوع لأمر الله تعالى والتسليم لرسله.

جعل الله المتشابه في القرآن حافزًا لعقل المؤمن إلى النظر كيلا يضعف فيموت، فإن السهل الجلي جدًا لا عمل للعقل فيه.

والدين أعز شيء على الإنسان فإذا لم يجد فيع مجالًا للبحث يموت فيه، وإذا مات فيه لا يكون حيًا بغيره، فالعقل شيء واحد إذا قوي في شيء قوي في كل شيء، وإذا ضعف، ضعف في كل شيء، ولذلك قال: ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ  ﴾ ولم يقل والراسخون في الدين لأن العلم أعم وأشمل، فمن رحمته أن جعل في الدين مجالًا لبحث العقل بما أودع فيه من المتشابه، فهو يبحث أولًا في تمييز المتشابه من غيره، وذلك يستلزم البحث في الأدلة الكونية والبراهين العقلية وطرق الخطاب ووجوه الدلالة ليصل إلى فهمه ويهتدي إلى تأويله، وهذا الوجه لا يأتي إلا على قول من عطف (والراسخون) على لفظ الجلالة وليكن كذلك.

أن الأنبياء بعثوا إلى جميع الأصناف من عامة الناس وخاصتهم سواء كانت بعثتهم لأقوامهم خاصة كالأنبياء السالفين عليهم السلام أو لجميع البشر كنبينا  ، فإذا كانت الدعوة إلى الدين موجهة إلى العالم والجاهل والذكي والبليد والمرأة والخادم وكان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة تكشف عن حقيقته وتشرح كنهه بحيث يفهمه كل مخاطب عاميًا كان أو خاصيًا ألا يكون في ذلك من المعاني العالية والحكم الدقيقة ما يفهمه الخاصة ولو بطريق الكناية والتعريض ويؤمر العامة بتفويض الأمر فيه إلى الله تعالى والوقوف عند حكم المحكم فيكون لكل نصيبه على قدر استعداده، مثال ذلك إطلاق لفظ كلمة الله وروح من الله على عيسى فالخاصة يفهمون من هذا ما لا تفهمه العامة ولذلك فتن النصارى بمثل هذا التعبير إذ لم يقفوا عند المحكم وهو التنزيه واستحالة أن يكون لله جنس أو أم أو ولد والمحكم عندنا في هذا قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ  ﴾ وسيأتي في هذه السورة.

ومن المتشابه ما يحتمل معاني متعددة وينطبق على حالات مختلفة لو أخذ منها أي معنى وحمل على أية حالة لصح، ويوجد هذا النوع في كلام جميع الأنبياء وهو على حد قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ  ﴾ ومنه إبهام القرآن لمواقيت الصلاة لحكمة، وقد بيّن النبي  ذلك في بلاد العرب المعتدلة بالأوقات الخمسة للصلوات الخمس، وما كانت العرب تعلم أن في الدنيا بلادًا لا يمكن تحديد المواقيت فيها كالبلاد التي تشرق فيها الشمس نحو ساعتين لا يزيد نهار أهلها على ذلك.

أشار القرآن إلى مواقيت الصلاة بقوله: ﴿ فَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ  وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ  ﴾ وسبب هذا الإبهام أن القرآن دين عام لا خاص ببلاد العرب ونحوها فوجب أن يسهل الاهتداء به حيثما بلغ، ومثل هذا الإجمال والإبهام في مواقيت الصلاة يجعل لعقول الراسخين في العلم وسيلة للمراوحة فيه واستخراج الأحكام منه في كل مكان بحسبه، فأينما ظهرت الحقيقة وجدت لها حكمًا في القرآن، وهذا النوع من المتشابه من أجلّ نعم الله تعالى، ولا سبيل إلا الاعتراض على اشتمال الكتاب عليه.

﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ  ﴾ أي وما يعقل ذلك ويفقه حكمته إلا أرباب القلوب النيرة والعقول الكبيرة، وإنما وصف الراسخون بذلك لأنهم لم يكونوا راسخين إلا بالتعقل والتدبر لجميع الآيات المحكمة التي هي الأصول والقواعد، حتى إذا عرض المتشابه بعد ذلك يتسنى لهم أن يتذكروا القواعد المحكمة وينظروا ما يناسب المتشابه منها فيردونه إليه.

﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ  ﴾ : فالرحمة في هذا المقام هي الثبات والاستقامة.

﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ  ﴾ : إن مناسبة هذا الدعاء للإيمان بالمتشابه ظاهرة على القول بأن المتشابه هو الإخبار عن الآخرة، أي أنهم كما يؤمنون بالمتشابه يؤمنون بمضمونه والمراد منه ما يؤول إليه.

وأما على القول بأنه لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم فوجهه أنهم يذكرون يوم الجمع ليستشعروا أنفسهم الخوف من تسرب الزيغ الذي يبسلهم في ذلك اليوم، فهذا الخوف هو مبعث الحذر والتوقي من الزيغ.

أعاذنا الله منه بمنه وكرمه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله