الآية ٥٧ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٥٧ من سورة آل عمران

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٥٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 97 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٧ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٧ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

"وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم" أي في الدنيا والآخرة في الدنيا بالنصر والظفر وفي الآخرة بالجنات العاليات "والله لا يحب الظالمين".

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وأما قوله: " وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات "، فإنه يعني تعالى ذكره: وأما الذين آمنوا بك يا عيسى - يقول: صدّقوك - فأقروا بنبوتك وبما جئتهم به من الحقّ من عندي، ودانوا بالإسلام الذي بعثتك به، وعملوا بما فرضتُ من فرائضي على لسانك، وشرعتُ من شرائعي، وسننتُ من سنني.

كما: 7156 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " وعملوا الصالحات "، يقول: أدوا فرائضي.

* * * =" فيوفيهم أجورَهم "، يقول: فيعطيهم جزاءَ أعمالهم الصالحة كاملا لا يُبخسون منه شيئًا ولا يُنقصونه.

* * * وأما قوله: " والله لا يحب الظالمين "، فإنه يعني: والله لا يحبُّ من ظلم غيرَه حقًا له، أو وضع شيئًا في غير موضعه.

فنفى جل ثناؤه عن نفسه بذلك أن يظلم عبادَه، فيجازي المسيءَ ممن كفر جزاءَ المحسنين ممن آمن به، أو يجازي المحسنَ ممن آمن به واتبعَ أمره وانتهى عما نهاه عنه فأطاعه، جزاءَ المسيئين ممن كفر به وكذّب رسله وخالف أمره ونهيه.

فقال: إني لا أحبّ الظالمين، فكيف أظلم خلقي؟

* * * وهذا القول من الله تعالى ذكره، وإن كان خرج مخرج الخبر، فإنه وعيدٌ منه للكافرين به وبرسله، (15) ووعد منه للمؤمنين به وبرسله، (16) لأنه أعلم الفريقين جميعًا أنه لا يبخسُ هذا المؤمن حقه، ولا يظلمُ كرامته فيضعها فيمن كفر به وخالف أمره ونهيه، فيكون لها بوضعها في غير أهلها ظالمًا.

----------------------- الهوامش : (15) في المطبوعة: "كأنه وعيد منه" ، وهو خطأ بين ، لم يحسن قراءة المخطوطة لسوء خط الناسخ.

(16) في المخطوطة: "ووعيد منه للمؤمنين" ، وهو خطأ بين ، والصواب ما في المطبوعة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

لا يوجد تفسير لهذه الأية

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وأما الذين آمنوا } بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وغير ذلك مما أمر الله بالإيمان به { وعملوا الصالحات } القلبية والقولية والبدنية التي جاءت بشرعها المرسلون، وقصدوا بها رضا رب العالمين { فيوفيهم أجورهم } دل ذلك على أنه يحصل لهم في الدنيا ثواب لأعمالهم من الإكرام والإعزاز والنصر والحياة الطيبة، وإنما توفية الأجور يوم القيامة، يجدون ما قدموه من الخيرات محضرا موفرا، فيعطي منهم كل عامل أجر عمله ويزيدهم من فضله وكرمه { والله لا يحب الظالمين } بل يبغضهم ويحل عليهم سخطه وعذابه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ) قرأ الحسن وحفص بالياء ، والباقون بالنون أي نوفي أجور أعمالهم ( والله لا يحب الظالمين ) أي لا يرحم الكافرين ولا يثني عليهم بالجميل

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(وأما الذين أمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم) بالياء والنون (أجورهم والله لا يحب الظالمين) أي يعاقبهم، روي أن الله تعالى أرسل إليه سحابة فرفعته فتعلقت به أمه وبكت فقال لها إن القيامة تجمعنا وكان ذلك ليلة القدر ببيت المقدس وله ثلاث وثلاثون سنة وعاشت أمه بعده ست سنين وروى الشيخان حديث "" أنه ينزل قرب الساعة ويحكم بشريعة نبينا ويقتل الدجال والخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية "" وفي حديث مسلم أنه يمكث سبع سنين وفي حديث عن أبي دواد الطيالسي أربعين سنة ويتوفى ويصلى عليه فيحتمل أن المراد مجموع لبثه في الأرض قبل الرفع وبعده.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأما الذين آمنوا بالله ورسله وعملوا الأعمال الصالحة، فيعطيهم الله ثواب أعمالهم كاملا غير منقوص.

والله لا يحب الظالمين بالشرك والكفر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

{ وَأَمَّا الذين آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ } .أى فسيعطيهم - سبحانه - بفضله وإحسانه بسبب إيمانهم وعملهم الصالح ، أجورهم كاملة غير منقوصة ، من ثواب جزيل ، وجنات تجرى من تحتها الأنهار وأزواج مطهرة ، ورضوان من الله أكبر من كل ذلك .ففى هذه الجملة الكريمة بشارة عظمى للمؤمنين الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا على طريقه .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : { والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } .أي أنه - سبحانه - عادل في أحكامه ، ويكره الظلم والظالمين الذين لا يضعون الأمور فى مواضعها .ومن أفحش أنواع الظلم ما يقوله أهل الكتاب على عيسى - عليه السلام - فقد زعم بعضهم انه ابن الله ، وزعم فريق آخر أنه ثالث ثلاثة وافترى عليه اليهود وعلى أمه مريم البتول المفتريات التى برأهما الله - تعالى - منها .أما الذين آمنوا فقد قالوا فى عيسى وأمه قولا كريما ، ولذلك كافأهم الله - تعالى - بما يستحقون من ثواب .وبذلك تكون الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا من فضائل عيسى - عليه السلام - وبينت للناس جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين حتى يثوبوا إلى رشدهم ويسلكوا الطريق القويم .وبعد أن حكى الله - تعالى - فى الآيات السابقة ولادة عيسى - عليه السلام - وما أجراه على يديه من معجزات ، وما أكرمه به من مكرمات ، وكيف كان موقف بنى إسرائيل منه ، وكيف أبطل الله مكرهم وخيب سعيهم ، إذ رفعه إليه وطهره من أقوالهم الباطلة وأفعالهم الأثيمة وتوعد أعداءه بالعذاب الشديد ووعد اتباعه بالثواب الجزيل .

.

.

بعد أن حكى القرآن كل ذلك ختم حديثه عن عيسى - عليه السلام - ببيان حقيقة تكوينه ، وبإزالة وجه الغرابة فى ولادته ، وبتلقين النبى صلى الله عليه وسلم الرد الصحيح على كل مجادل فى شأن عيسى - عليه السلام - استمع إلى القرآن وهو يصور كل ذلك بأسلوبه المعجز فيقول : { ذلك نَتْلُوهُ عَلَيْكَ .

.

.

} .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حفص عن عاصم ﴿ فَيُوَفّيهِمْ ﴾ بالياء، يعني فيوفيهم الله، والباقون بالنون حملاً على ما تقدم من قوله: ﴿ فاحكم فَأُعَذّبُهُمْ ﴾ وهو الأولى لأنه نسق الكلام.

المسألة الثانية: ذكر الذين آمنوا، ثم وصفهم بأنهم عملوا الصالحات، وذلك يدل على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان، وقد تقدم ذكر هذه الدلالة مراراً.

المسألة الثالثة: احتج من قال بأن العمل علة للجزاء بقوله: ﴿ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾ فشبههم في عبادتهم لأجل طلب الثواب بالمستأجر، والكلام فيه أيضاً قد تقدم والله أعلم.

المسألة الرابعة: المعتزلة احتجوا بقوله: ﴿ والله لاَ يُحِبُّ الظالمين ﴾ على أنه تعالى لا يريد الكفر والمعاصي، قالوا: لأن مريد الشيء لابد وأن يكون محباً له، إذا كان ذلك الشيء من الأفعال وإنما تخالف المحبة الإرادة إذا علقتا بالأشخاص، فقد يقال: أحب زيداً، ولا يقال: أريده، وأما إذا علقتا بالأفعال: فمعناهما واحد إذا استعملتا على حقيقة اللغة، فصار قوله: ﴿ والله لاَ يُحِبُّ الظالمين ﴾ بمنزلة قوله (لا يريد ظلم الظالمين) هكذا قرره القاضي، وعند أصحابنا أن المحبة عبارة عن إرادة إيصال الخير إليه فهو تعالى وإن أراد كفر الكافر إلا أنه لا يريد إيصال الثواب إليه، وهذه المسألة قد ذكرناها مراراً وأطواراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِذْ قَالَ الله ﴾ ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله ﴿ إِنّي مُتَوَفّيكَ ﴾ أي مستوفي أجلك.

معناه: إني عاصمك من أن يقتلك الكفار؛ ومؤخرك إلى أجل كتبته لك.

ومميتك حتف أنفك لا قتيلاً بأيدهم ﴿ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ ﴾ إلى سمائي ومقرّ ملائكتي ﴿ وَمُطَهّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ ﴾ من سوء جوارهم وخبث صحبتهم.

وقيل متوفيك: قابضك من الأرض، من توفيت مالي على فلان إذا استوفيته: وقيل: مميتك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعك الآن: وقيل: متوفي نفسك بالنوم من قوله: ﴿ والتى لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ﴾ [الزمر: 42] ورافعك وأنت نائم حتى لا يلحقك خوف، وتستيقظ وأنت في السماء آمن مقرب ﴿ فَوْقَ الذين كَفَرُواْ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف، ومتبعوه هم المسلمون لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى ﴿ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ﴾ تفسير الحكم قوله: ﴿ فَأُعَذّبُهُمْ...

فنوفيهم أُجُورَهُمْ ﴾ وقرئ ﴿ فيوفيهم ﴾ بالياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ " وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَنُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم " تَفْسِيرٌ لِلْحُكْمِ وتَفْصِيلٌ لَهُ.

وقَرَأ حَفْصٌ فَيُوَفِّيهِمْ بِالياءِ.

﴿ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ﴾ تَقْرِيرٌ لِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)

{فَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَأُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدنيا والآخرة وَمَا لَهُمْ مّن ناصرين وَأَمَّا الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ والله لاَ يُحِبُّ الظالمين}

وتفسيرا لحكم هاتين الآيتان فيوفيهم حفص

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ بَيانٌ لِحالِ القِسْمِ الثّانِي، وبَدَأ بِقِسْمِ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ لِأنَّ ذِكْرَ ما قَبْلَهُ مِن حُكْمِ اللَّهِ تَعالى بَيْنَهم أوَّلُ ما يَتَبادَرُ مِنهُ في بادِئِ النَّظَرِ التَّهْدِيدُ فَناسَبَ البُداءَةَ بِهِمْ، ولِأنَّهم أقْرَبُ في الذِّكْرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ولِكَوْنِ الكَلامِ مَعَ اليَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهَمُّوا بِقَتْلِهِ ﴿ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾ أيْ فَيُوَفِّرُ عَلَيْهِمْ ويُتَمِّمُ جَزاءَ أعْمالِهِمِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ ويُعْطِيهِمْ ثَوابَ ذَلِكَ وافِيًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ تَوْفِيَةَ الأُجُورِ هي قِسْمُ المَنازِلِ في الجَنَّةِ، والظّاهِرُ أنَّها أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وعَلَّقَ التَّوْفِيَةَ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ولَمْ يُعَلَّقِ العَذابَ بِسِوى الكُفْرِ تَنْبِيهًا عَلى دَرَجَةِ الكَمالِ في الإيمانِ ودُعاءً إلَيْها وإيذانًا بِعِظَمٍ قُبْحِ الكُفْرِ، وقَرَأ حَفْصٌ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (فَيُوَفِّيهِمْ) بِياءِ الغَيْبَةِ، وزادَ رُوَيْسٌ ضَمَّ الهاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، ولَعَلَّ وجْهَ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ عَلى القِراءَةِ الأُولى الإيذانُ بِأنَّ تَوْفِيَةَ الأجْرِ مِمّا لا يَقْتَضِي لَها نَصْبُ نَفْسٍ لِأنَّها مِن آثارِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ ولا كَذَلِكَ العَذابُ، والمَوْصُولُ في الآيَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدُ الفاءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما ذُكِرَ، ومَوْضِعُ المَحْذُوفِ بَعْدَ الصِّلَةِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ قَبْلَ المَوْصُولِ لِأنَّ أمّا لا يَلِيها الفِعْلُ.

﴿ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ  ﴾ أيْ لا يُرِيدُ تَعْظِيمَهم ولا يَرْحَمُهم ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، أوِ المُرادُ يُبْغِضُهم عَلى ما هو الشّائِعُ في مِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلُ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ ففي الآية تقديم وتأخير، ومعناه إني رافعك من الدنيا إلى السماء، ومتوفّيك بعد أن تنزل من السماء على عهد الدجال ويقال: إنه ينزل ويتزوج امرأة من العرب بعد ما يقتل الدجال، وتلد له ابنة، فتموت ابنته، ثم يموت هو بعد ما يعيش سنين، لأنه قد سأل ربه أن يجعله من هذه الأمة، فاستجاب الله دعاه.

وروي عن أبي هريرة أنه جاء إلى الكتاب، وقال للمعلم: قل للصبيان حتى يسكتوا، فلما سكتوا قال لهم: أيها الصبيان من عاش منكم إلى وقت نزول عيسى-  - فليقرئه مني السلام، وإني كنت أرجو أن لا أخرج من الدنيا حتى أراه هذا كناية عن قرب الساعة.

ثم قال: وَمُطَهِّرُكَ أي منجيك مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ على دينك فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالحجة والغلبة إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ.

وروي عن عبد الله بن عباس أنه قال: الذين اتبعوه هم أمة محمد  ، لأنهم هم الذين صدّقوه.

ثم قال ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ يعني الذين اتبعوك، والذين كفروا كلهم مرجعهم إلي.

فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يعني بين المؤمنين والكفار فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من الدين، ثم أخبر عن حال الفريقين في الآخرة فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ في الدنيا بالقتل والجزية، وفي الآخرة بالنار وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ يعني مانع يمنعهم من عذاب الله وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قال مقاتل هم أمة محمد  «فَيوفيهم أجورهم» .

قرأ عاصم في رواية حفص، فيوفيهم بالياء، يعني يوفيهم أجورهم، وأما الباقون بالنون، يعني أن الله قال فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وهذا لفظ الملوك، إنهم يتكلمون بلفظ الجماعة، ويقولون: نحن نفعل كذا وكذا، ونكتب إلى فلان، ونأمر بكذا، فالله تعالى خاطب العرب بما يفهمون فيما بينهم كما قال في سائر المواضع إِنَّا أُرْسِلْنا [القمر: 19] إِنَّا أَنْزَلْنا [النساء: 105] وكذلك هاهنا قال: «فنوفيهم أجورهم» أي نعطيهم ثواب عملهم وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ أي لا يرضى دين الكافرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ [القلم: ٤٤] قال ابن عبَّاس: كُلَّما أحْدَثُوا خطيئةً، أحدثنا لهم نعمة.

اهـ.

وقوله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ...

الاية: اختلف في هذا التِّوفِّي.

فقال الرَّبيع: هي وفاةُ نَوْمٍ «١» ، وقال الحَسَن وغيره: هو توفِّي قَبْضٍ وتَحْصِيلٍ، أي:

قابضك منَ الأرْضِ، ومحصِّلك في السماءِ «٢» وقال ابنُ عبَّاس: هي وفاةُ مَوْتٍ «٣» ، ونحوه لمالك في «العَتَبِيَّة» ، وقال وهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: توفَّاه اللَّه بالمَوْتِ ثلاثَ ساعاتٍ، ورفعه فيها، ثُمَّ أحياه بعد ذلك «٤» ، وقال الفَرَّاء: هي وفاةُ مَوْتٍ «٥» ، ولكنَّ المعنى: إني متوفِّيك في آخر أمْرِكَ عنْد نزولِكَ وقَتْلِك الدَّجَّال، ففي الكلامِ تقديمٌ وتأخير.

قال ع «٦» : وأجمعتِ الأمة على ما تضمَّنه الحديثُ المتواتر «٧» منْ أنَّ عيسى- عليه

السلام- في السَّمَاءِ حَيٌّ، وأنه يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمَانِ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيُفِيضُ العَدْلَ، وَيُظْهِرُ هَذِهِ المِلَّةَ مِلَّةَ محمّد صلّى الله عليه وسلّم ويحجّ البَيْتَ، ويَعْتَمِرُ، ويبقى في الأَرْضِ أَرْبَعاً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُمَيتُهُ اللَّهُ تعالى «١» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِالنُّونِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ: فَيُوَفِّيهِمْ بِالياءِ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ﴾ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ ﴿ وَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم واللهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَكَرَ اللهُ  ﴾ وقالَ غَيْرُهُ مِنَ النُحاةِ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، وهَذا هو الأصْوَبُ.

وهَذا القَوْلُ هو بِواسِطَةِ المَلَكِ لِأنَّ عِيسى لَيْسَ بِمُكَلَّمٍ.

و"عِيسى" اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّفٌ فَلِذَلِكَ لا يَنْصَرِفُ، وهو بِالسُرْيانِيَّةِ- إيسُوعُ- عَدَّلَتْهُ العَرَبُ إلى "عِيسى".

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا التَوَفِّي؛ فَقالَ الرَبِيعُ: هي وفاةُ نَوْمٍ، رَفَعَهُ اللهُ في مَنامِهِ، وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ ومَطَرٌ الوَرّاقُ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: المَعْنى: أنِّي قابِضُكَ مِنَ الأرْضِ ومُحَصِّلُكَ في السَماءِ فَهو تَوَفِّي قَبْضٍ وتَحْصِيلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي وفاةُ مَوْتٍ، مَعْناهُ: أنِّي مُمِيتُكَ، هَذا لَفْظُ ابْنِ عَبّاسٍ ولَمْ يُفَسِّرْ.

فَقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: تَوَفّاهُ اللهُ بِالمَوْتِ ثَلاثَ ساعاتٍ ورَفَعَهُ فِيها، ثُمَّ أحْياهُ اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَهُ في السَماءِ وفي بَعْضِ الكُتُبِ: سَبْعَ ساعاتٍ.

وقالَ الفَرّاءُ: هي وفاةُ مَوْتٍ ولَكِنَّ المَعْنى: إنِّي مُتَوَفِّيكَ في آخِرِ أمْرِكَ عِنْدَ نُزُولِكَ وقَتْلِكَ الدَجّالَ، فَفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وقالَ مالِكٌ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ: ماتَ عِيسى وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً.

ووَقَعَ في كِتابِ مَكِّيٍّ عن قَوْمٍ: إنَّ مَعْنى "مُتَوَفِّيكَ" مُتَقَبِّلٌ عَمَلَكَ، وهَذا ضَعِيفٌ مِن جِهَةِ اللَفْظِ.

وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ الحَدِيثُ المُتَواتِرُ مِن أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في السَماءِ حَيٌّ، وأنَّهُ يَنْزِلُ في آخِرِ الزَمانِ فَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ ويَكْسِرُ الصَلِيبَ ويَقْتُلُ الدَجّالَ ويُفِيضُ العَدْلَ ويُظْهِرُ هَذِهِ المِلَّةَ، مِلَّةَ مُحَمَّدٍ، ويَحُجُّ البَيْتَ ويَعْتَمِرُ، ويَبْقى في الأرْضِ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُمِيتُهُ اللهُ تَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي وفاةُ مَوْتٍ لا بُدَّ أنْ يَتِمَّ، إمّا عَلى قَوْلِ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وإمّا عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرافِعُكَ إلَيَّ ﴾ عِبارَةٌ عن نَقْلِهِ إلى عُلُوٍّ مِن سُفْلٍ، وقَوْلُهُ: "إلَيَّ" إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِما كانَتْ سَماءَهُ والجِهَةَ المُكَرَّمَةَ المُعَظَّمَةَ المَرْجُوَّةَ، وإلّا فَمَعْلُومٌ أنَّ اللهَ تَعالى غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ في جِهَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمُطَهِّرُكَ ﴾ حَقِيقَةُ التَطْهِيرِ إنَّما هي مِن دَنَسٍ ونَحْوِهِ، واسْتُعْمِلَ ذَلِكَ في السَبِّ والدَعاوى والآثامِ وخِلْطَةِ الشِرارِ ومُعاشَرَتِهِمْ، تَشْبِيهًا لِذَلِكَ كُلِّهِ بِالأدْناسِ، فَطَهَّرَ اللهُ العَظِيمُ عِيسى مِن دَعاوى الكَفَرَةِ ومُعاشَرَتِهِمُ القَبِيحَةِ لَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاعِلُ ﴾ اسْمُ فاعِلٍ لِلِاسْتِقْبالِ، وحُذِفَ تَنْوِينُهُ تَخْفِيفًا، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ، لِأنَّهُ بِمَعْنى مُصَيِّرٌ، فَأحَدُهُما "الَّذِينَ"، والآخَرُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ هُمُ النَصارى، والَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ اليَهُودُ، والآيَةُ مُخْبِرَةٌ عن إذْلالِ اليَهُودِ وعُقُوبَتِهِمْ بِأنَّ النَصارى فَوْقَهم في جَمِيعِ أقْطارِ الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

فَخَصَّصَ ابْنُ زَيْدٍ المُتَّبِعِينَ والكافِرِينَ وجَعَلَهُ حُكْمًا دُنْيَوِيًّا لا فَضِيلَةَ فِيهِ لِلْمُتَّبِعِينَ الكُفّارِ مِنهم بَلْ كَوْنُهم فَوْقَ اليَهُودِ عُقُوبَةٌ لِلْيَهُودِ فَقَطْ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِعُمُومِ اللَفْظِ في المُتَّبِعِينَ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  لِأنَّها مُتَّبِعَةٌ لِعِيسى، نَصَّ عَلى ذَلِكَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، وكَذَلِكَ قالُوا بِعُمُومِ اللَفْظِ في الكافِرِينَ.

فَمُقْتَضى الآيَةِ إعْلامُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ أهْلَ الإيمانِ بِهِ كَما يَجِبُ هم فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ وبِالعِزَّةِ والغَلَبَةِ، ويَظْهَرُ مِن قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ وغَيْرِهِ أنَّ المُرادَ المُتَّبِعُونَ لَهُ في وقْتِ اسْتِنْصارِهِ وهُمُ الحَوارِيُّونَ، جَعَلَهُمُ اللهُ فَوْقَ الكافِرِينَ لِأنَّهُ شَرَّفَهم وأبْقى لَهم في الصالِحِينَ ذِكْرًا، فَهم فَوْقَهم بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، وما ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِن أماراتِ رِضْوانِ اللهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ الخِطابُ لِعِيسى، والمُرادُ الإخْبارُ بِالقِيامَةِ والحَشْرِ، فَلِذَلِكَ جاءَ اللَفْظُ عامًّا مِن حَيْثُ الأمْرُ في نَفْسِهِ لا يَخُصُّ عِيسى وحْدَهُ فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ: ثُمَّ إلَيَّ - أيْ إلى حُكْمِي وعَدْلِي - يَرْجِعُ الناسُ، فَخاطَبَهُ كَما تُخاطَبُ الجَماعَةُ إذْ هو أحَدُها، وإذْ هي مُرادَةٌ في المَعْنى، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "فَأحْكُمُ"..

إلى آخِرِ الآيَةِ، وعْدٌ لِعِيسى والمُؤْمِنِينَ ووَعِيدٌ لِلْكافِرِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، إخْبارٌ بِما يُجْعَلُ عَلَيْهِ حالُهم مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ، ولَيْسَ بِإخْبارٍ عَمّا يُفْعَلُ بَعْدَ يَوْمِ القِيامَةِ، لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الدُنْيا وهي قَبْلُ.

وإنَّما المَعْنى: فَأمّا الكافِرُونَ فالصُنْعُ بِهِمْ أنَّهم يُعَذَّبُونَ عَذابًا شَدِيدًا في الدُنْيا بِالأسْرِ والقَتْلِ والجِزْيَةِ والذُلِّ، ومَن لَمْ يَنَلْهُ مِنهم فَهو تَحْتَ خَوْفِهِ إذْ يَعْلَمُ أنَّ شَرْعَ الإسْلامِ طالِبٌ لَهُ بِذَلِكَ، وقَدْ أبْرَزَ الوُجُودُ هَذا.

وفي الآخِرَةِ مَعْناهُ: بِعَذابِ النارِ، ثُمَّ ذَكَرَ قِسْمَ الإيمانِ وقَرَنَ بِهِ الأعْمالَ الصالِحاتِ تَنْبِيهًا عَلى دَرَجَةِ الكَمالِ ودُعاءً إلَيْها.

وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ "فَيُوَفِّيهِمْ" بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ الباقُونَ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "فَنُوَفِّيهِمْ" بِالنُونِ، وهي نُونُ العَظَمَةِ.

وتَوْفِيَةُ الأُجُورِ هي قَسْمُ المَنازِلِ في الجَنَّةِ فَذَلِكَ هو بِحَسَبِ الأعْمالِ، وأمّا نَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ فَبِرَحْمَةِ اللهِ وبِفَضْلِهِ.

وتَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ واللهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ ﴾ في قَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنْ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف؛ و(إذ) ظرف غير متعلق بشيء، أو متعلق بمحذوف، أي اذكُر إذ قال الله: كما تقدم في قوله: ﴿ وإذْ قال ربك للملائكة إنّي جاعل في الأرض ﴾ [البقرة: 30] وهذا حكاية لأمرِ رفع المسيح وإخفائه عن أنظار أعدائه.

وقدّم الله في خطابه إعلامه بذلك استئناساً له، إذ لم يتم ما يرغبه من هداية قومه.

مع العلم بأنه يحب لقاء الله، وتبشيراً له بأنّ الله مظهر دينَه؛ لأنّ غاية هم الرسول هو الهدى، وإبلاغ الشريعة، فلذلك قال له: ﴿ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا ﴾ والنداء فيه للاستئناس، وفي الحديث أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقبض نبيء حتى يُخَيَّر ".

وقوله: ﴿ إني متوفيك ﴾ ظاهر معناه: إنّي مميتك، هذا هو معنى هذا الفعل في مواقع استعماله لأنّ أصل فعل توفَّى الشيءَ أنه قَبَضه تاماً واستوفاه.

فيقال: توفاه اللَّهِ أي قدّر موته، ويقال: توفاه ملك الموت أي أنفذ إرادة الله بموته، ويطلق التوفّي على النوم مجازاً بعلاقة المشابهة في نحو قوله تعالى: ﴿ وهو الذي يَتَوَفَّاكم بالليل ﴾ [الأنعام: 60] وقوله ﴿ الله يتوفَّى الأنفسَ حينَ موتها والتي لم تَمُتْ في منامها فيُمْسِك التي قضى عليها الموتَ ويرسل الأخرى إلى أجل مسمّى ﴾ [الزمر: 42].

أي وأما التي لم تمت الموت المعروف فيميتها في منامها موتاً شبيهاً بالموت التام كقوله: ﴿ هو الذي يتوفاكم بالليل ثم قال حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا فالكل إماتة في التحقيق، وإنما فَصَل بينهما العرف والاستعمال، ولذلك فرّع بالبيان بقوله: فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمّى، فالكلام منتظم غاية الانتظام، وقد اشتبه نظمه على بعض الأفهام.

وأصرح من هذه الآية آية المائدة: فلمَا توفيتَني كنت أنتَ الرقيب عليهم لأنه دل على أنه قد توفّى الوفاة المعروفة التي تحول بين المرء وبين علم ما يقع في الأرض، وحملُها على النوم بالنسبة لِعيسى لا معنى له؛ لأنهُ إذا أراد رفعَه لم يلزم أن ينام؛ ولأنّ النوم حينئذ وسيلة للرفع فلا ينبغي الاهتمام بذكره وترك ذكر المقصد، فالقول بأنها بمعنى الرفع عن هذا العالم إيجاد معنى جديد للوفاة في اللغة بدون حجة، ولذلك قال ابن عباس، ووهب بن منبه: إنها وفاة موت وهو ظاهر قول مالك في جامع العتبية قال مالك: مات عيسى وهو ابن إحدى وثلاثين سنة قال ابن رشد في البيان والتحصيل ﴾ : «يحتمل أنّ قوله: مات وهو ابن ثلاث وثلاثين على الحقيقة لا على المجاز».

وقال الربيع: هي وفاة نوم رفعه الله في منامه، وقال الحسن وجماعة: معناه إنّي قابضك من الأرض، ومخلصك في السماء، وقيل: متوفيك متقبل عملك.

والذي دعاهم إلى تأويل معنى الوفاة ما ورد في الأحاديث الصحيحة: أنّ عيسى ينزل في آخر مدّة الدنيا، فأفهم أنّ له حياة خاصة أخصّ من حياة أرواح بقية الأنبياء، التي هي حياة أخصّ من حياة بقية الأرواح؛ فإنّ حياة الأرواح متفاوتة كما دلّ عليه حديث " أرواح الشهداء في حواصل طيور خضْرٍ " ورووا أنّ تأويل المعنى في هذه الآية أولى من تأويل الحديث في معنى حياته وفي نزوله، فمنهم من تأوّل معنى الوفاة فجعله حيا بحياته الأولى، ومنهم من أبقى الوفاة على ظاهرها، وجعل حياته بحياة ثانية، فقال وهب بن منبه: توفاه الله ثلاثَ ساعات ورفعه فيها، ثم أحياه عنده في السماء.

وقال بعضهم: توفّي سبع ساعات.

وسكت ابن عباس ومالكٌ عن تعيين كيفية ذلك، ولقد وُفِّقا وسُدِّدا.

ويجوز أن تكون حياته كحياة سائر الأنبياء، وأن يكون نزوله إن حمل على ظاهره بعثاً له قبل إبان البعث على وجه الخصوصية، وقد جاء التعبير عن نزوله بلفظ «يبعث الله عيسى فيقتل الدجال» رواه مسلم عن عبد الله بن عمر، ولا يموت بعد ذلك بل يخلص من هنالك إلى الآخرة.

وقد قيل في تأويله: إنّ عطف ﴿ ورافعك إلي ﴾ على التقديم والتأخير؛ إذ الواو لا تفيد ترتيب الزمان أي إنّي رافعك إليّ ثم متوفيك بعد ذلك، وليس في الكلام دلالة على أنه يموت في آخر الدهر سوى أنّ في حديث أبي هريرة في كتاب أبي داود: " ويمكث (أي عيسى) أربعين سنة ثم يُتوفى فيصلّي عليه المسلمون " والوجه أن يحمل قوله تعالى: ﴿ إني متوفيك ﴾ على حقيقته، وهو الظاهر، وأن تؤوّل الأخبار التي يفيد ظاهرها أنه حيّ على معنى حياة كرامة عند الله، كحياة الشهداء وأقوى، وأنه إذا حمل نزوله على ظاهره دون تأويل، أنّ ذلك يقوم مقام البعض، وأنّ قوله في حديث أبي هريرة ثم يتوفّى فيصلي عليه المسلمون مدرج من أبي هريرة لأنّه لم يروه غيره ممن رووا حديث نزول عيسى، وهم جَمْع من الصحابة، والروايات مختلفة وغير صريحة.

ولم يتعرض القرآن في عدّ مزاياه إلى أنه ينزل في آخر الزمان.

والتطهير في قوله: ﴿ ومطهرك ﴾ مجازي بمعنى العصمة والتنزيه؛ لأنّ طهارة عيسى هي هي، ولكن لو سُلط عليه أعداؤُه لكان ذلك إهانة له.

وحذف متعلق «كفروا» لظهوره أي الذين كفروا بك وهم اليهود، لأنّ اليهود ما كفروا بالله بل كفروا برسالة عيسى، ولأنّ عيسى لم يبعث لغيرهم فتطهيرُه لا يظنّ أنّه تطهيرٌ من المشركين بقرينة السياق.

والفوقية في قوله: ﴿ فوق الذين كفروا ﴾ بمعنى الظهور والانتصار، وهي فوقية دنيوية بدليل قوله: ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ .

والمراد بالذين اتبعوه: الحواريون ومن اتبعه بعد ذلك، إلى أن نُسخت شريعته بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم وجملة ﴿ ثم إليّ مرجعكم ﴾ عطف على جملة ﴿ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا ﴾ إذ مضمون كلتا الجملتين من شأن جزاءِ اللَّهِ متّبِعي عيسى والكافرين به.

وثم للتراخي الرتبي؛ لأنّ الجزاء الحاصل عند مرجع الناس إلى الله يوم القيامة، مع ما يقارنه من الحكم بين الفريقين فيما اختلفوا فيه، أعظمُ درجةً وأهم من جعل متبعي عيسى فوق الذين كفروا في الدنيا.

والظاهر أنّ هذه الجملة مما خاطب الله به عيسى، وأنّ ضمير مرجعكم، وما معه من ضمائر المخاطبين، عائد إلى عيسى والذين اتبعوه والذين كفروا به.

ويجوز أن يكون خطاباً للنبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فتكون ثم للانتقال من غرض إلى غرض، زيادة على التراخي الرتبي والتراخي الزمني.

والمَرْجععِ مصدر ميمي معناه الرجوع.

وحقيقة الرجوع غير مستقيمة هنا فتعيّن أنّه رجوع مجازي، فيجوز أن يكون المرادُ به البعثَ للحساب بعد الموت، وإطلاقه على هذا المعنى كثير في القرآن بلفظه وبمرادفه نحو المصير، ويجوز أن يكون مراداً به انتهاء إمهال الله إياهم في أجللٍ أراده فينفذ فيهم مراده في الدنيا.

ويجوز الجمع بين المعنيين باستعمال اللفظ في مجازيه، وهو المناسب لجمع العذابين في قوله: ﴿ فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة ﴾ وعلى الوجهين يجري تفسير حكم الله بينهم فيما هم فيه يختلفون.

وقوله: ﴿ فإما الذين كفروا فأعذبهم ﴾ إلى قوله ﴿ فنوفيهم أجورهم ﴾ تفصيل لما أجمل في قوله ﴿ فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ﴾ .

وقوله ﴿ فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والأخرة ﴾ المقصود من هذا الوعيدِ هو عذاب الآخرة لأنه وقع في حَيز تفصيل الضمائر من قوله: ﴿ فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ﴾ وإنما يكون ذلك في الآخرة، فذُكِر عذاب الدنيا هنا إدماج.

فإن كان هذا مما خاطب الله به عيسى فهو مستعمل في صريح معناه، وإن كان كلاماً من الله في القرآن خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمونَ، صح أن يكون مراداً منه أيضاً التعريض بالمشركين في ظلمهم محمداً صلى الله عليه وسلم عن مكابرة منهم وحسد.

وتقدم تفسير إسناد المحبة إلى الله عند قوله: قل إن كنتم تحبون الله في هذه السورة.

وجملة ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ تذييل لجملة ﴿ أعذّبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة ﴾ أي ولا يجدون ناصرين ينصرونهم علينا في تعذيبهم الذي قدّره الله تعالى.

واعلم أنّ قوله فأعذّبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة قضية جزئية لا تقتضي استمرار العذابين: فأما عذاب الدنيا فهو يجري على نظام أحوال الدنيا: من شدة وضعف وعدم استمرار، فمعنى انتفاء الناصرين لهم منه انتفاءُ الناصرين في المدة التي قدّرها الله لتعذيبهم في الدنيا، وهذا متفاوت، وقد وَجَد اليهود ناصرين في بعض الأزمان مثل قصة استير في الماضي وقضية فلسطين في هذا العصر.

وأما عذاب الآخرة: فهو مطلق هنا، ومقيد في آيات كثيرة بالتأييد، كما قال: ﴿ وما هم بخارجين من النار ﴾ [البقرة: 167].

وجملة ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ تذييل للتفصيل كله فهي تذييل ثاننٍ لجملة ﴿ فأعذبهم عذاباً شديداً ﴾ بصريح معناها، أي أعذّبهم لأنهم ظالمون والله لا يحبّ الظالمين وتذييلٌ لجملة ﴿ وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ إلى آخرها، بكناية معناها؛ لأنّ انتفاء محبة الله الظالمين يستلزم أنه يحبّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلذلك يعطيهم ثوابهم وافياً.

ومعنى كونهم ظالمين أنهم ظلَموا أنفسهم بكفرهم وظلَمَ النصارى الله بأن نقصوه بإثبات ولد له وظلموا عيسى بأن نسبوه ابناً للَّه تعالى، وظلمه اليهود بتكذيبهم إياه وأذاهم.

وعذاب الدنيا هو زوال الملك وضرب الذلة والمسكنة والجزية، والتشريد في الأقطار، وكونهم يعيشون تبعاً للناس، وعذاب الآخرة هو جهنم.

ومعنى ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ أنهم لا يجدون ناصراً يدفع عنهم ذلك وإن حاوله لم يظفَر به وأسند ﴿ فنوفيهم ﴾ إلى نون العظمة تنبيهاً على عظمة مفعول هذا الفاعل؛ إذ العظيم يعطى عظيماً.

والتقدير ﴿ فيوفيهم أجورهم في الدنيا والآخرة ﴾ بدليل مقابله في ضدّهم من قوله: ﴿ فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة ﴾ وتوفية الأجور في الدنيا تظهر في أمور كثيرة: منها رضا اللَّهِ عنهم، وبَركاته معهم، والحياة الطيبة، وحسن الذكر.

وجملة ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ تذييل، وفيها اكتفاء: أي ويحبّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

وقرأ الجمهور: فنوفيهم بالنون وقرأه حفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب، فيوفيهم بياء الغائب على الالتفات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ إنِّي قابِضُكَ بِرَفْعِكَ إلى السَّماءِ مِن غَيْرِ وفاةٍ بِمَوْتٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: مُتَوَفِّيكَ وفاةَ نَوْمٍ لِلرَّفْعِ إلى السَّماءِ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ.

والثّالِثُ: مُتَوَفِّيكَ وفاةً بِمَوْتٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ بِمَعْنى: رافِعُكَ ومُتَوَفِّيكَ بَعْدَهُ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَرافِعُكَ إلَيَّ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: رافِعُكَ إلى السَّماءِ.

والثّانِي: مَعْناهُ رافِعُكَ إلى كَرامَتِي.

﴿ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ تَطْهِيرَهُ مِنهم هو مَنعُهم مِن قَتْلِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ إخْراجُهُ مِن بَيْنِهِمْ.

﴿ وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: فَوْقَهم بِالبُرْهانِ والحُجَّةِ.

والثّانِي: بِالعِزِّ والغَلَبَةِ.

وَفي المَعْنِيِّ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ فَوْقَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وكَذَبُوا عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّ النَّصارى فَوْقَ اليَهُودِ، لِأنَّ النَّصارى أعَزُّ واليَهُودَ أذَلُّ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَكُونُ مَمْلَكَةً إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِخِلافِ الرُّومِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ إني متوفيك ﴾ يقول: إني مميتك.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: ﴿ متوفيك ﴾ من الأرض.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن الحسن في قوله: ﴿ إني متوفيك ﴾ يعني وفاة المنام رفعه الله في منامه، قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود: «إن عيسى لم يمت وأنه راجع إليكم قبل يوم القيامة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ إني متوفيك ورافعك إليّ ﴾ قال: هذا من المقدم والمؤخر: أي رافعك إليّ ومتوفيك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مطر الوراق في الآية قال: ﴿ متوفيك ﴾ من الدنيا وليس بوفاة موت.

وأخرج ابن جرير بسند صحيح عن كعب قال: لما رأى عيسى قلة من اتبعه وكثرة من كذبه، شكا ذلك إلى الله.

فأوحى الله إليه ﴿ إني متوفيك ورافعك إليَّ ﴾ وإني سأبعثك على الأعور الدجال فتقتله، ثم تعيش بعد ذلك أربعاً وعشرين سنة، ثم أميتك ميتة الحي.

قال كعب: وذلك تصديق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «كيف تهلك أمة أنا في أوّلها وعيسى في آخرها؟» .

وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن الحسن قال: لم يكن نبي كانت العجائب في زمانه أكثر من عيسى إلى أن رفعه الله، وكان من سبب رفعه أن ملكاً جباراً يقال له داود بن نوذا، وكان ملك بني إسرائيل هو الذي بعث في طلبه ليقتله، وكان الله أنزل عليه الإنجيل وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ورفع وهو ابن أربع وثلاثين سنة من ميلاده.

فأوحى الله إليه ﴿ إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا ﴾ يعني ومخلصك من اليهود فلا يصلون إلى قتلك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن الحسن في الآية قال: رفعه الله إليه فهو عنده في السماء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب قال: توفى الله عيسى ابن مريم ثلاث ساعات من النهار رفعه إليه.

وأخرج ابن عساكر عن وهب قال: أماته الله ثلاثة أيام بعثه ورفعه.

وأخرج الحاكم عن وهب أن الله توفى عيسى سبع ساعات ثم أحياه، وإن مريم حملت به ولها ثلاث عشرة سنة، وأنه رفع ابن ثلاث وثلاثين، وأن أمه بقيت بعد رفعه ست سنين.

وأخرج ابن اسحق بن بشر وابن عساكر من طريق جوهر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿ إني متوفيك ورافعك ﴾ يعني رافعك ثم متوفيك في آخر الزمان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جرير في الآية قال: رفعه إياه توفيته.

وأخرج الحاكم عن الحريث بن مخشبي أن علياً قتل صبيحة إحدى وعشرين من رمضان، فسمعت الحسن بن علي وهو يقول: قتل ليلة أنزل القرآن، وليلة أُسْرِيَ بعيسى، وليلة قُبِضَ موسى.

وأخرج ابن سعد وأحمد في الزهد والحاكم عن سعيد بن المسيب قال: رُفع عيسى ابن ثلاث وثلاثينَ سنة، ومات لها معاذ.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ ومطهرك من الذين كفروا ﴾ قال: طهره من اليهود، والنصارى، والمجوس، ومن كفار قومه.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير ﴿ ومطهرك من الذين كفروا ﴾ قال: إذ هموا منك بما هموا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ﴾ قال: أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسنته، فلا يزالون ظاهرين على ناوأهم إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في الآية قال: ناصر من اتبعك على الإسلام على الذين كفروا إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن النعمان بن بشير «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين لا يبالون من خالفهم حتى يأتي أمر الله» قال النعمان: فمن قال إني أقول على رسول الله ما لم يقل فإن تصديق ذلك في كتاب الله تعالى.

قال الله تعالى ﴿ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة...

﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ وجاعل الذين اتبعوك ﴾ قال: هم المسلمون ونحن منهم، ونحن فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن أبي سفيان قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنها لن تبرح عصابة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على الناس حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.

ثم قرأ بهذه الآية ﴿ يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ﴾ » .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: النصارى فوق اليهود إلى يوم القيامة، فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهو فوق يهود في شرق ولا غرب في البلد كلها مستذلون.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن في الآية قال: عيسى مرفوع عند الله ثم ينزل قبل يوم القيامة، فمن صدق عيسى ومحمداً صلى الله عليه وسلم وكان على دينهما لم يزالوا ظاهرين على من فارقهم إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ يقول: أدوا فرائضي ﴿ فيوفيهم أجورهم ﴾ يقول: فيعطيهم جزاء أعمالهم الصالحة كاملاً لا يبخسون منه شيئاَ ولا ينقصونه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾ التَوْفِيَةُ: التكميلُ (١) وقوله: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ .

أي (٢)  وهي من صفاته تعالى الاختيارية المتعلقة بمشيئته.

ومنهج السلف الكرام: وجوب اثبات ما أثبته الله لنفسه من صفات، وفق ما يليق به تعالى، دون تأويل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ويُنفى عنه ما نفاه عن نفسه منها.

وقد وردت صفة المحبة في آيات كثيرة منها ما ورد بالإيجاب، كقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ \[195من سورة البقرة\] ومنها ما ورد بالسلب، كالآية السابقة في الأصل، والتي هي موضوع هذا التعليق.

والمؤلف هنا أثبت لازم الصفة، وثمرتها وفق مذهب الأشاعرة، وإثبات الَّازم غير إثبات الصفة، فالله تعالى لا يحب الظالمين على الحقيقة، ومن نتيجةِ ولازِمِ وعدم محبتهم: أن يعذبهم، ولا يرحمهم، ولا يثني عليهم.

والأشاعرة والمعتزلة ينفون هذه الصفة بدعوى إيهامها النقص في الخلق؛ لأنها عندهم: مَيْلُ المخلوق إلى ما يناسبه أو يستلذه، ويرجعها الأشاعرة إلى صفة الإرادة، فيقولون بأن محبَّة اللهِ للعبد: هي إرادة إكرامه ومثوبته.

والمعتزلة بما أنهم لا يثبتون إرادة قائمة، به فإنهم يفسرون المحبة بأنها نفس الثواب الواجب عندهم على الله.

وكلا المذهبين خالف الحقَّ وجانب الصواب والعدل.

والصراط السوي، هو: مذهب السلف الكرام الذي أثبت هذه الصفة وغيرها من الصفات الواردة في الكتاب والسنة لله، على الحقيقة ويثبت معها نتائجها ولوازمها.

انظر: "مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 2/ 354، "شرح العقيدة الواسطية" 44 - 46، "المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات" 1/ 396 - 399.]].

(١) في (ج): (التمليك).

(٢) من قوله: (أي ..) إلى (..

ولا يثني عليهم): نقله بتصرف يسير عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 421.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَكَرُواْ ﴾ الضمير لكفار بني إسرائيل ومكرهم أنهم وكلوا بعيسى من يقتله غيلة ﴿ وَمَكَرَ الله ﴾ أي رفع عيسى إلى السماء، وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل عوضاً منه، وعبر عن فعل الله بالمكر مشاكلة لقوله مكروا ﴿ والله خَيْرُ الماكرين ﴾ أي أقواهم وهو فاعل ذلك بحق، والماكر من البشر فاعل بالباطل ﴿ إِذْ قَالَ الله ﴾ العامل فيه فعل مضمر، أو يمكر ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ﴾ قيل: وفاة موت، ثم أحياه الله في السماء، وقيل: رفع حياً، ووفاة الموت بعد أن ينزل إلى الأرض فيقتل الدجال، وقيل: يعني وفاة نوم؛ وقيل: المعنى قابضك من الأرض إلى السماء ﴿ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ أي إلى السماء ﴿ وَمُطَهِّرُكَ ﴾ أي من سوء جوارهم ﴿ الذين اتبعوك ﴾ هم المسلمون، وعلوهم على الكفرة بالحجة وبالسيف في غالب الأمر وقيل: الذين اتبعوك النصارى، والذين كفروا اليهود، فالآية مخبرة عن عزة النصارى على اليهود وإذلالهم لهم ﴿ ذلك نَتْلُوهُ ﴾ إشارة إلى ما تقدم من الأخبار ﴿ مِنَ الآيات ﴾ المتلوّات أو المعجزات ﴿ والذكر ﴾ القرآن ﴿ الحكيم ﴾ الناطق بالحكمة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ويعلمه ﴾ بياء الغيبة: أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل ويعقوب.

الباقون بالنون.

﴿ أني أخلق ﴾ بكسر الهمزة بفتح الياء: نافع ﴿ أني أخلق ﴾ بالفتح فيهما: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد ﴿ كهيئة ﴾ بتشديد الياء: يزيد وحمزة في الوقف.

وكان ابن مقسم يقول: بلغني أن خلفاً يقول: إن حمزة كان يترك الهمزة ويحرك الياء بحركتها.

الباقون بالياء والهمزة.

﴿ الطائر ﴾ يزيد.

الباقون ﴿ الطير ﴾ ﴿ فتكون ﴾ بتاء التأنيث.

المفضل.

الباقون: بياء الغيبة ﴿ طائر ﴾ أبو جعفر ونافع ويعقوب وكذلك في المائدة.

الباقون ﴿ طيراً ﴾ ﴿ أنصاري إلى ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

وقرأ قتيبة وأبو عمرو وطريق أبي الزعراء بالإمالة ﴿ فيوفيهم ﴾ بياء الغيبة: حفص ورويس، وزاد رويس ضم الهاء.

الباقون بالنون.

الوقوف: ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الراكعين ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ يكفل مريم ﴾ ص لعطف / المتفقتين.

﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج قد قي لتذكير الضمير وتأنيث الكلمة في اسمه، ولكن المراد من الكلمة الولد فلم يكن تأنيثاً حقيقياً.

فالوجه أن لا يوقف إلى ﴿ الصالحين ﴾ لأن ﴿ وجيهاً ﴾ حال وما بعده معطوف عليه على تقدير وكائناً من المقربين ومكلماً وكائناً من الصالحين المقربين.

﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ (ط) ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ والإنجيل ﴾ ج لأن ﴿ ورسولاً ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ ومن الصالحين ﴾ أو منصوباً بمحذوف أي ويجعله رسولاً، والوقف أجوز لتباعد العطف.

﴿ من ربكم ﴾ ج لمن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ بالكسر ﴿ بإذن الله ﴾ ج والثاني كذلك للتفصيل بين المعجزات.

﴿ في بيوتكم ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ج للعطف ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنصار الله ﴾ ج لأن ﴿ آمناً ﴾ في نظم الاستئناف مع إمكان الحال أي وقد آمنا بالله، كذلك لانقطاع النظم مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ ومكر الله ﴾ ط ﴿ الماكرين ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار.

﴿ والآخرة ﴾ ز للابتداء بالنفي مع أن النفي تمام المقصود.

﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أجورهم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ آدم ﴾ ط لأن الجملة لا يتصف بها المعرّف.

﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ الممترين ﴾ ه.

التفسير: القصة الثالثة قصة مريم.

والعامل في "إذ" ههنا هو ما ذكر في قوله: ﴿ إذ قالت امرأة عمران  ﴾ لمكان العطف.

والمراد بالملائكة ههنا جبريل كما يجيء، في سورة مريم ﴿ فأرسلنا إليها روحنا  ﴾ .

واعلم أن مريم ما كانت من الأنبياء لقوله  : ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم  ﴾ فإرسال جبريل إليها إما أن يكون كرامة لها عند من يجوّز كرامات الأولياء، وإما أن يكون إرهاصاً لعيسى وهو جائز عندنا وعند الكعبي من المعتزلة، أو معجزة لزكريا وهو قول جمهور المعتزلة.

ومن الناس من قال: إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإلهام كما في حق أم موسى ﴿ وأوحينا إلى أم موسى  ﴾ .

ثم إنه  مدحها بالاصطفاء ثم بالتطهير ثم بالاصطفاء ولا يجوز أن يكون الاصفطاآن بمعنى واحد للتكرار والصرف، فحمل المفسرون الاصطفاء الأول على ما اتفق لها من الأمور في أول عمرها منها قبول تحريرها مع كونها أنثى، ومنها قال الحسن: ما غذتها أمها طرفة عين بل ألقتها إلى زكريا وكان رزقها من عند الله، ومنها تفريغها للعبادة، ومنها إسماعها كلام الملائكة شفاهاً ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها إلى غير ذلك من أنواع اللطف والهداية والعصمة في حقها.

وأما التطهير فتطهيرها عن الكفر والمعصية كما قال في حق أزواج النبي  وأهل بيته ﴿ ويطهركم تطهيراً  ﴾ .

وعن مسيس الرجال وعن الحيض والنفاس قالوا: كانت لا تحيض وعن الأفعال / الذميمة والأقوال القبيحة.

وأما الاصطفاء الثاني فهو ما اتفق لها في آخر عمرها من ولادة عيسى بغير أب وشهادته ببراءتها عما قذفها اليهود.

قيل: المراد اصطفاؤها على نساء عالمي زمانها لما روي أنه  قال: " كمل من نساء العالمين أربع: مريم وآسية امرأة فرعون وخديجة وفاطمة " ثم لما بيّن اختصاصها بمزيد المواهب والعطايا أوجب عليها مزيد الطاعة شكراً لتلك النعم.

فقوله: ﴿ اقنتي ﴾ أمر بالعبادة على العموم ﴿ واسجدي ﴾ أمر بالصلاة تسمية للشيء بمعظم أركانه كما في قوله ﴿ وأدبار السجود  ﴾ وفي الخبر " إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين" ولا ريب أن السجود أشرف الأركان لقوله  " "أقرب ما يكون العبد من الله  وهو ساجد " ثم قال: ﴿ واركعي مع الراكعين ﴾ فالأول أمر بالصلاة مطلقاً، والثاني أمر بالصلاة في الجماعة.

وإنما عبر عن الصلاة ههنا بالركوع إما لتغيير العبارة وقد يسمى الشيء بأحد أركانه، وإما تسمية للشيء بمعظم أركانه بناء على ما قيل إن الركوع أفضل من السجود، لأن الراكع حامل نفسه في الركوع فالمشقة فيه أكثر، وللتمييز عن صلاة اليهود.

وقيل: اركعي مع الراكعين أمر بالخضوع والخشوع بالقلب، ويحتمل أن يراد بقوله: ﴿ اقنتي ﴾ الأمر بالصلاة لأن القنوت أحد أجزائها، وأن يراد بقوله: ﴿ واسجدي واركعي ﴾ استعمال كل منهما في وقته اللائق به، والواو تفيد التشريك لا الترتيب، أو المراد انظمي نفسك في جملة المصلين وكوني في عدادهم لا في عداد غيرهم.

وإنما لم يقل مع الراكعات إما للتغليب وإما لأن الاقتداء بالرجل حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء.

روي أن مريم بعد ذلك قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسال الدم والقيح منهما.

اللهم لا تؤاخذنا باسم الرجولية ونحن أقل في خدمتك من إحدى النساء ﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من أنباء حنة وزكريا ويحيى ومريم من أخبار الغيب ﴿ نوحيه إليك ﴾ قد ورد الكتاب بالإيحاء على معان مختلفة يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو غيرها.

وبهذا التفسير يعد الإلهام وحياً كقوله: ﴿ وأوحى ربك إلى النحل  ﴾ وقال: ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم  ﴾ وقال: ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً  ﴾ فلما كان الله  ألقى هذه / الأنباء إلى النبي بواسطة جبريل بحيث تخفى على غيره سماه وحياً ﴿ وما كنت لديهم ﴾ نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم، وترك نفي استماع الأنباء حفظتها وهو موهوم لأنه كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي فلم يبق إلا المشاهدة الممتنعة في حقه  فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي، ومثله في القرآن غير عزيز ﴿ وما كنت بجانب الغربي  ﴾ ﴿ وما كنت بجانب الطور  ﴾ ﴿ إذ يلقون أقلامهم ﴾ ينظرون أو ليعلموا أو يقولوا ﴿ أيهم يكفل مريم ﴾ حذف متعلق الاستفهام لدلالة الإلقاء عليه.

وظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون الأقلام في شيء على وجه يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب، وليس فيها دلالة على كيفية ذلك الإلقاء إلا إنه روي في الخبر أنهم كانوا يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على خلاف جري الماء فاليد له.

ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا فصار أولى بكفالتها.

وقيل: عرف برسوب الأقلام وارتفاعها كما مر.

وعن الربيع أنهم ألقوا عصيهم في الماء الجاري فجرت عصا زكريا على ضد جرية الماء فغلبهم.

وقال أبو مسلم: المراد بإلقاء الأقلام ما كانت تفعله الأمم من المساهمة عند التنازع، فيطرحون سهاماً يكتبون عليها أسماءهم.

فمن خرج له السهم سلم له الأمر.

قال  : ﴿ فساهم فكان من المدحضين  ﴾ وهو شبيه بالقداح التي يتقاسم بها العرب لحم الجزور.

وإنما سميت تلك السهام أقلاماً لأنها تقلم وتبرى.

قال القاضي: وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحاً نظراً إلى أصل الاشتقاق إلا أن العرف الظاهر يوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به فوجب حمل اللفظ عليه.

﴿ وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾ يتنازعون على التكفل.

قيل: هم خزنة البيت.

وقيل: بل العلماء والأحبار وكتاب الوحي.

ولا شبهة في أنهم كانوا من الخواص وأهل الفضل في الدين والرغبة في طريق الخير.

ثم المراد بهذا الاختصام يحتمل أن يكون ما كان قبل الاقتراع وأن يكون اختصاماً آخر حصل بعد الاقتراع.

وبالجملة فالمقصود شدة رغبتهم في التكفل بشأنها والقيام بإصلاح مهامها، إما لأن عمران كان رئيساً لهم فأرادوا قضاء حقوقه، وإما لأجل الدين حيث كانت محررة لخدمة بيت العبادة وإما لأنهم وجدوا في الكتب الإلهية أن لها ولابنها شأناً.

القصة الرابعة حكاية ولادة عيسى وذكر طرف من معجزاته ﴿ إذ قالت الملائكة ﴾ يعني جبريل كما مر.

ومتعلق "إذ" هو متعلق ﴿ وإذ قالت ﴾ لأن هذا بدل من ذاك، ويجوز أن يكون بدلاً من قوله: ﴿ إذ يختصمون ﴾ .

قال في الكشاف: هذا على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع كما تقول: لقيته سنة كذا يعني وإنما لقيته في ساعة منها.

فيكون الزمان الواسع / زماناً لكل منهما، فيكون الثاني بدل الكل من الأول.

ويجوز أن يتعلق بـ ﴿ يختصمون ﴾ ولا يحتاج إلى زمان واسع بناء على ما روي عن الحسن أنها كانت عاقلة في حال الصغر، وأن ذلك كان من كراماتها، فجاز أن ترد عليها البشرى في حالة الصغر ولا يفتقر إلى أن يؤخر إلى حين العقل.

واعلم أن حدوث الشخص من غير نطفة الأب أمر ممكن في نفسه، وكيف لا وقد يشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد كتولد الفأر عن المدر، والحيات عن الشعر العفن، والعقارب عن الباذروج غايته الاستبعاد عرفاً وعادة وهذا لا يوجب عند الحكماء ظناً قوياً فضلاً عن العلم.

ثم إن الصادق أخبر عن وجود ذلك الممكن فيجب القطع بصحته.

ومما يزيده في العقل بياناً أن التخيلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث.

كتصور حضور المنافي للغضب، وكتصور السقوط لحصول السقوط للماشي على جذع ممدود فوق فضاء بخلاف ما لو كان على قرار من الأرض.

وقد جعلت الفلاسفة هذا كأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات.

فما المانع أن يقال إنها لما تخيلت صورة جبريل كفى ذلك في علوق الولد في رحمها، فإن مني الرجل ليس إلا لأجل العقد، فإذا حصل الانعقاد لمني المرأة بوجه آخر أمكن علوق الولد.

قوله: ﴿ بكلمة منه ﴾ لفظة "من" ههنا ليست للتبعيض كما توهمت النصارى والحلولية لأنه  غير متبعض بوجه من الوجوه، ولكنها لابتداء الغاية أي بكلمة حاصلة من الله.

وذلك أن عيسى لما خلق من غير واسطة أب صار تأثير كلمة "كن" في حقه أظهر وأكمل فكان كأنه نفس الكلمة، كما أن من غلب عليه الجود والكرم والإقبال يقال إنه محض الجود ونفس الكرم وصريح الإقبال.

وللمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق.

وأصله "مشيحا" بالعبرانية ومعناه المبارك ﴿ وجعلني مباركاً أينما كنت  ﴾ وكذلك عيسى معرب "إيشوع".

أما احتمال اشتقاق عيسى من العيس البياض الذي تعلوه حمرة فبعيد، وأما احتمال المسيح من المسح فقريب وعليه الأكثرون.

عن ابن عباس: سمي بذلك لأنه ما كان يمسح ذا عاهة إلا يبرأ.

وقال أحمد بن يحيى: لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها.

وعلى هذا فيجوز أن يقال له مسيح بالتشديد كشريب.

وقيل: لأنه مسح من الأوزار والآثام.

وقيل: لأنه لم يكن في قدمه خمص وكان ممسوح القدمين.

وقيل: لأنه ممسوح بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء ولا يمسح به غيرهم.

قالوا: ويجوز أن يكون هذا الدهن جعله الله علامة للملائكة يعرفون بها الأنبياء حين يولدون.

وقيل: لأن جبريل مسحه بجناحيه وقت ولادته صيانة له عن مس الشيطان.

وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن.

وأماالمسيح الدجال فسمي بذلك لأنه مسح إحدى عينيه، أو لأنه يمسح الأرض أي يقطعها في المدة القليلة.

قالوا: ومثله الدجال دجل في الأرض أي قطعها.

وقيل: الدجال من دجل الرجل إذا موّه ولبّس.

/ وتقديم المسيح - وهو اللقب - على الاسم - وهو عيسى - للتشريف والتنبيه على علو درجته.

وإنما نسب إلى مريم والخطاب لمريم تنبيهاً على أنه لا أب له حتى ينسب إليه كما في سائر الأبناء فلا ينسب إلا إلى أمه.

وذلك من جملة ما اصطفيت به.

وإنما ذكر ضمير الكلمة في اسمه لأنه المسمى بها مذكر.

وإنما قيل: ﴿ اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ والاسم من المجموع عيسى والمسيح لقب والابن صفة، لأن المراد التعريف والتمييز والذي يتميز به عن غيره هو مجموع الثلاثة.

﴿ وجيهاً ﴾ ذا الجاه والشرف والقدر.

وقيل: الكريم لأن أشرف أعضاء الإنسان هو الوجه ﴿ في الدنيا ﴾ بالنبوة والمعجزات الباهرة وبالبراءة عن العيوب ﴿ والآخرة ﴾ بشفاعة الأمة المحقين وعلو الدرجة في الجنة.

ونصبه على الحال من النكرة الموصوفة وهي كلمة.

وكذا انتصاب ما بعده كما مر في الوقوف أي يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات.

وكونه من المقربين هو رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة.

والمهد قيل: حجر أمه.

وقيل: الآلة المعروفة لإضجاع الصبي.

وكيف كان فالمراد أنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد ﴿ وكهلاً ﴾ عطف على الظرف أي يكلم الناس في الصغر وفي الكهولة.

والكهل في اللغة الذي اجتمع قوته وكمل شبابه من قولهم: "اكتهل النبات" أي قوي.

روي أن عمره بلغ ثلاثاً وثلاثين ثم رفع إلى السماء.

ولا ريب أن أكمل أحوال الإنسان ما بين الثلاثين والأربعين، فيكون عيسى قد بلغ سن الكهولة.

وعن الحسين بن الفضل: المراد أن يكون كهلاً بعد نزوله من السماء وأنه حينئذٍ يكلم الناس ويقتل الدجال.

فإن قيل: إن تكلمه في المهد من المعجزات، ولكن تكلمه في حالة الكهولة ليس من المعجزات، فما الفائدة في ذكره؟

فالجواب من وجوه.

قال أبو مسلم: معناه أنه يتكلم حال كونه في المهد وحال كونه كهلاً على حد واحد وصفة واحدة، ولا شك أنه غاية في الإعجاز، وقيل: المراد الرد على نصارى نجران وبيان كونه متقلباً في الأحوال من الصبا إلى الكهولة؛ فإن التغير على الإله محال.

وقيل: المراد أنه يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة.

وقال الأصم: المراد أنه يبلغ حال الكهولة.

ويخرج من قول الحسين بن الفضل جواب آخر.

وههنا بحث للنصارى قالوا: إن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ولا شك أن مثل هذه الواقعة يكون بمحضر جمع عظيم وتتوفر الدواعي على نقلها فيبلغ حد التواتر.

فلو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى لأنهم أفرطوا في محبته حتى ادّعوا إلهيته، لكنهم أطبقوا على إنكاره فعلمنا أنها لم توجد أصلاً.

والجواب أن إطباق النصارى على إنكاره ممنوع.

ولو سلم فإن كلام عيسى في المهد إنما كان للدلالة على براءة مريم مما / نسب إليها من السوء وكان الحاضرون حينئذٍ جمعاً قليلاً ولا يبعد في مثلهم التواطؤ على الإخفاء.

وبتقدير أن يذكروا ذلك فإن غيرهم كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت.

فهم أيضاً قد سكتوا لهذه العلة.

فلهذه الأسباب بقي الأمر مكتوماً إلى أن نطق القرآن بذلك.

ثم ختم أوصاف عيسى بقوله: ﴿ ومن الصالحين ﴾ كما ختم بذلك أوصاف يحيى.

وفيه أن الدخول في زمرة الصالحين والانتظام في سلكهم هو المقصد الأسني والأمر الأقصى.

﴿ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ﴾ لم تقل ذلك استبعاداً وتشككاً وإنما أرادت تعيين الجهة كما مر في قصة زكريا فأجيبت بقوله: ﴿ كذلك الله يخلق ما يشاء ﴾ وقد سبق نظيره إلا أنه عبر عن الفعل ههنا بالخلق لأن القدرة ههنا أتم وهو تخليق المولود بغير أب ولهذا أكده بقوله: ﴿ إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ﴾ وقد تقدم تفسيره في السورة التي تذكر فيها البقرة ﴿ ويعلمه ﴾ بالياء عطف على ﴿ يبشرك ﴾ أو على ﴿ وجيهاً ﴾ أو على ﴿ يخلق ﴾ لأن قوله: ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ وهو عام يتضمن قوله: "يخلقه"، ويحتمل أن يكون كلاماً مبتدأ.

وكذا من قرأ بالنون لأن المذكورات في قوة ﴿ إنا نبشرك ﴾ ونحن نخلقه.

ثم الذي علمه أمور أربعة: أولها الكتاب وكان المراد به الخط.

وثانيها الحكمة وهو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به.

وثالثها التوراة لأن البحث عن أسرار الكتب الإلهية لا يمكن إلا بعد الاطلاع على العلوم الخمسة.

ورابعها الإنجيل وفيه العلوم التي خصه الله تعالى بها وشرفه بإنزالها عليه.

وهذه هي الغاية القصوى والرتبة العليا في العلم والفهم والإحاطة بالحقائق والاطلاع على الدقائق.

ثم قال: ﴿ ورسولاً ﴾ عطفاً على ﴿ وجيهاً ﴾ وما بعده.

﴿ إلى بني إسرائيل ﴾ أي إلى كلهم لأنه جمع مضاف.

وفيه رد على اليهود القائلين بأنه مبعوث إلى قوم مخصوصين منهم ﴿ أني قد جئتكم ﴾ يتعلق بمحذوف يدل عليه لفظ الرسول أي ناطقاً بأني قد جئتكم.

وإنما وجب هذا الإضمار للعدول عن الغيبة إلى التكلم.

وأما قوله: ﴿ ومصدقاً لما بين يديّ ﴾ فمعطوف على قوله: ﴿ بآية ﴾ أي مع آية والتقدير: جئتكم مصاحباً لآية من ربكم ومصدقاً لمن بين يديّ، وجئتكم ﴿ لأحل لكم ﴾ وفي الكشاف تقديره: ويعلمه الكتاب والحكمة ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم ومصدقاً لما بين يدي.

أو الرسول والمصدق فيهما معنى النطق فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم، وناطقاً بأني أصدقما بين يديّ.

وعن الزجاج: إن التقدير ويكلم الناس رسولاً بأني قد جئتكم بآية من ربكم.

والمراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه عدد أنواعاً من الآيات، ثم أبدل على الآية قوله: ﴿ أني أخلق ﴾ فيمن قرأ بفتح ﴿ أني ﴾ ويحتمل أن يكون "أن" مع ما بعده مرفوعاً أي هي أني أخلق.

ومن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ فللاستئناف أو للبيان كقوله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم  ﴾ ثم فسر المثل بقوله: ﴿ خلقه من تراب  ﴾ وهذا أحسن ليوافق قراءة الفتح.

والمعنى أقدّر لكم شيئاً مثل صورة الطير من هيئات الشيء أصلحته.

﴿ فأنفخ فيه ﴾ أي في ذلك الطير المصور أو الشيء المماثل لهيئة الطير ﴿ فيكون طيراً ﴾ وهو اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع.

يروى أنه خلق أنواعاً من الطير.

وقيل: لم يخلق غير الخفاش وعليه قراءة من قرأ ﴿ طائراً ﴾ وذلك أنه لما ادعى النبوة وأظهر المعجزات أخذوا يتفننون عليه وطالبوه بخلق خفاش، فأخذ طيناً وصوّره ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض.

قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن عيونهم سقط ميتاً بإذن الله.

وبتكوينه وتخليقه قال بعض المتكلمين: دلت الآية على أن الروح جسم رقيق كالريح ولذلك وصفها بالنفخ.

وههنا بحث وهو أنه هل يجوز أن يقال إنه  أودع في نفس عيسى خاصية بحيث إنه متى نفخ في شيء كان نفخه موجباً لصيرورة ذلك الشيء حياً، وذلك أنه تولد من نفخ جبريل في مريم روح محض، فكانت نفخة عيسى سبباً لحصول الأرواح في الأجساد؟

أو يقال: ليس الأمر كذلك بل الله  كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخ عيسى  فيه على سبيل إظهار المعجزات؟

وهذا هو الحق لقوله  ﴿ الذي خلق الموت والحياة  ﴾ ولقوله حكاية عن إبراهيم في المناظرة ﴿ ربي الذي يحيي ويميت  ﴾ فلو حصل لغيره هذه الصفة بطل ذلك الاستدلال ﴿ وأبرىء الأكمه والأبرص ﴾ ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي يولد أعمى.

وقيل: هو الممسوح العين.

ويقال: لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير.

وقيل: الأكمه من عمي بعد أن كان بصيراً، رواه الخليل.

وعن مجاهد أنه الذي لا يبصر بالليل.

وأما البرص فإنه بياض يظهر في ظاهر البدن، وقد لا يعم البدن.

وسببه سوء مزاج العضو إلى البرودة وغلبة البلغم على الدم الذي يغذوه، فتضعف القوة المغيرة عن تمام التشبيه.

وقد يغلب البرد والرطوبة حتى يصير لحمه كلحم الأصداف فيحيل الدم الصائر إليه إلى مزاجه ولونه.

وإن كان ذلك الدم جيداً في جوهره نقياً من البلغم حاراً هو داء عياء عسر البرء لا يكاد يبرأ - وخاصة المزمن - منه.

والآخذ في الازدياد والذي يرجى برؤه من البرص ما إذا دلك احمرّ بالدلك ويكون معه خشونة ما.

والشعر الذي ينبت عليه لا يكون شديد البياض، وإذا أخذ جلدة بالإبهام والسبابة وأشيل عن اللحم وغرزت فيه الإبرة خرج منه دم أو رطوبة مورّدة، ولا شك إن إبراءه مثل هذه المرض من قبيل الإعجاز.

يروى: ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتا عيسى وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده ﴿ وأحيي الموتى ﴾ أحيا عاذراً وكان صديقاً له، ودعا / سام بن نوح من قبره وهم ينظرون فخرج حياً، ومر على ابن ميت لعجوز فدعا الله عيسى فنزل عن سريره حياً ورجع إلى أهله وبقي وولد له.

قال الكلبي: كان عيسى  يحيي الموتى بـ "يا حي يا قيوم" وكرر قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ رفعاً لوهم من توهم فيه الألوهية ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ﴾ قيل: إنه كان من أول أمره يخبر بالغيوب.

روى السدي أنه كان يلعب مع الصبيان ثم كان  يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم.

كان  يخبرهم بأن أمك خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء.

فقالوا لصبيانهم: لا تلعبوا مع الساحر وجمعوهم في بيت.

فجاء عيسى  يطلبهم فقالوا: ليسوا في البيت.

فقال  : فمن في هذا البيت؟

فقالوا: خنازير.

فقال عيسى  : كذلك يكونون فإذا هم خنازير.

وقيل: إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر من وقت نزول المائدة.

وذلك أن القوم نهوا عن الادّخار فكانوا يخونون ويدخرون وكان عيسى يخبرهم بذلك.

والادخار افتعال من اذتخر قلبت كل من التاء والذال "دالاً" ثم أدغم.

واعلم أن الإخبار عما غاب معجز دال على أن ذلك الخبر صار معلوماً بالوحي ما لم يستعن فيه بآلة ولا تقديم مسألة بخلاف ما يقوله المنجمون والكهان فإن ذلك استعانة من أحوال الكواكب أو الجن، ولهذا يتفق لهم الغلط كثيراً.

ثم إنه لما قرر المعجزات الباهرة وبين بها كونه رسولاً من عند الله ذكر أنه لماذا أرسل فقال: ﴿ ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ﴾ وذلك أنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقاً لمن تقدمه من الأنيباء لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجز، فكل من حصل على يده المعجز وجب الاعتراف بنبوته.

ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى  تقرير أحكام التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات المعاندين الجاهلين.

ثم ذكر غرضاً آخر في بعثته فقال: ﴿ ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ﴾ وهذا لا يناقض تصديقه لما في التوراة إذ المعنى بالتصديق هو اعتقاد أن كل ما فيه حكمة وصواب، وإذا لم يكن التأبيد مذكوراً فالناسخ والمنسوخ كلاهما حق في وقته، وإذا كانت البشارة بعيسى موجودة في التوراة فمجيء عيسى يكون تصديقاً لما في التوراة.

وعن وهب بن منبه أن عيسى ما غير شيئاً من أحكام التوراة وأنه ما وضع الأحد بل كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس.

ثم فسر الإحلال بأمرين: أحدهما أن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى فجاء عيسى ورفعها وأعاد الأمر إلى ما كان.

والثاني أن الله  كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم كما قال: ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم  ﴾ واستمر ذلك التحريم فجاء عيسى ورفع تلك / التشديدات عنهم.

كانوا قد حرم عليهم الشحوم والثروب ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى من السمك والطير ما لا صيصية له.

﴿ وجئتكم بآية من ربكم ﴾ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ لأن جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه.

وقوله: ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ اعتراض وإنما جعل القول آية من ربه لأن الله  جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل.

ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: ﴿ إني قد جئتكم بآية من ربكم ﴾ أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من المعجزات ومن ولادتي بغير أب.

﴿ فاتقوا الله ﴾ لما جئتكم به من الآيات ﴿ وأطيعون ﴾ فإن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله.

ثم ختم كلامه بقوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ إظهاراً للخضوع واعترافاً بالعبودية ورداً لما يدعيه عليه الجهلة من النصارى الضالين المنحرفين عن الصراط المستقيم.

القصة الخامسة ذكر عاقبة أمر عيسى ثم شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات فهم بماذا عاملوه فقال: ﴿ فلما أحس ﴾ أي علم ﴿ عيسى منهم الكفر ﴾ علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس، أو أنهم تكلموا بكلمة الكفر فأحس ذلك بأذنه.

قال السدي: لما بعثه الله  رسولاً إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم، وكان أمر عيسى في قومه كأمر محمد  بمكة، وكان مستضعفاً فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فاتفق أنه نزل على رجل في قرية فأحسن ذلك الرجل ضيافته.

وكان في تلك المدينة رجل جبار فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً فسأله عيسى عن السبب فقال: إن من عادة هذا الملك أنه جعل على كل رجل منا يوماً نطعمه ونسقيه مع جنوده وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر عليّ.

فلما سمعت مريم ذلك قالت: يا ولدي ادع الله ليكفي ذلك.

فقال  : يا أمي إني إن فعلت ذلك كان فيه شر.

فقالت: قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه.

فقال عيسى  : إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ثم أعلمني.

فلما فعل دعا الله  فتحول ما في القدور طبيخاً، وما في الخوابي خمراً.

فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذه الخمر؟

فتوقف الرجل في الجواب وتعلل، فلم يزل يطالبه حتى أخبره بالواقعة فقال: إن من دعا الله حتى جعل الماء خمراً إذا دعاه حتى يحيي ولدي أجابه - وكان ابنه قد مات في تلك الأيام - فدعا عيسى  وطلب منه ذلك فقال له عيسى: لا تفعل فإنه إن عاش كان شراً عليه - فقال: ما أبالي ما كان فدعا الله فعاش الغلام لكلام عيسى  ، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح واقتتلوا وصار أمر عيسى  مشهوراً وقصد اليهود قتله  وأظهروا الطعن فيه.

/ وقيل: إن اليهود كانوا عارفين أنه هو المسيح المبشر به في التوراة أنه ينسخ دينهم فكانوا طاعنين فيه من أول الأمر طالبين قتله ﴿ قال من أنصاري إلى الله ﴾ قيل: إنه لما دعا  بني إسرائيل إلى الدين وتمردوا  فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بطائفة صيادي السمك - منهم شمعون ويعقوب من جملة الحواريين الاثني عشر - فقال عيسى  : إنكم تصيدون السمك فهل لكم أن تسيروا بحيث تصيدون الناس لحياة الأبد؟

فطلبوا منه المعجزة وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى  بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق، واستعانوا بأهل سفينة أخرى وملؤا السفينتين فعند ذلك آمنوا بعيسى.

وقيل: إن اليهود لما طلبوه في آخر أمره للقتل وكان هو في الهرب منهم قال لأولئك الاثني عشر من الحواريين: أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟

فأجابه إلى ذلك بعضهم.

ومما يذكره النصارى في إنجيلهم أن اليهود لما أخذوا عيسى، سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بأذنه فقال له عيسى: حسبك ثم أدنى  أذن العبد فردها إلى موضعها فصارت كما كانت.

والحاصل أن المراد بطلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه  .

وقيل: إنه دعاهم إلى القتال مع القوم كما قال في موضع آخر ﴿ فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوّهم فأصبحوا ظاهرين  ﴾ ومعنى ﴿ إلى الله ﴾ قيل: من يضيف نصرته إياي إلى نصر الله عز وجل إياي؟

وقيل: من أنصاري إلى أن أظهر دين الله.

فالجار على القولين من صلة ﴿ أنصاري ﴾ مضمناً معنى الإضافة.

وقيل: من أنصاري حال ذهابي إلى الله؟

أو حال التجائي إليه؟

وقيل: من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إلى رحمته؟

وفي الحديث أنه  كان يقول إذا ضحى: "اللهم منك وإليك" أي تقرباً إليك.

فالجار على هذين القولين يتعلق بالمحذوف.

وقيل: "إلى" بمعنى اللام.

وقيل: بمعنى "في" أي في سبيل الله.

وهذا قول الحسن.

﴿ قال الحواريون نحن أنصار الله ﴾ أعوان دينه ورسوله.

وحواري الرجل صفيه وخالصته ومنه يقال للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونقاء بشرتهن.

والحور نقاء بياض العين، وحوّرت الثياب بيضتها، والحواريّ واحد ونظيره الحوالي وهو الكثير الحيلة.

عن سعيد بن جبير: سموا بذلك لبياض ثيابهم.

وعن مقاتل بن سليمان لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب.

وقيل: لنقاء قلوبهم وطهارة أخلاقهم ومنه قولهم "فلان نقيّ الجيب طاهر الذيل" للكريم و"دنس الثياب" للئيم.

وعن الضحاك: الذي يغسل الثياب / يسمى بلغة النبط هواري فعرّب.

وأما أن الحواريين من هم فقيل: هم الذين يصطادون السمك فاتبعوا عيسى وآمنوا كما حكينا.

وقيل: إن أمه دفعته إلى صبّاغ فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه فغاب الصبّاغ يوماً لبعض مهماته فقال: ههنا ثياب مختلفة وقد علمت على كل واحد علامة معينة فاصبغها بتلك الألوان.

فطبخ عيسى  حباً واحداً وجعل الجميع فيه.

وقال: كوني بإذن الله كما أريد.

فرجع الصباغ وسأله فأخبره بما فعل فقال: قد أفسدت عليّ الثياب قال: قم فانظر.

فكان يخرج ثوباً أحمر وثوباً أخضر وثوباً أصفر كما يريد.

فتعجب الحاضرون منه وآمنوا فهم الحواريون.

وقيل: كانوا اثني عشر اتبعوا عيسى وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا: عطشنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا: من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئتنا سقيتنا وقد آمنا بك؟

فقال: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه.

قال: فصاروا يغسلون الثياب فسموا حواريين.

وقيل: إن واحداً من الملوك صنع طعاماً وجمع الناس عليه، وكان عيسى  على قصعة.

فكانت القصعة لا تنقص.

فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك فقال: تعرفونه؟

قالوا: نعم.

فذهبوا إليه بعيسى فقال: من أنت؟

قال: عيسى ابن مريم.

قال: فإني أترك ملكي فأتبعك.

فتبعه ذلك الملك مع أقاربه فأولئك هو الحواريون.

قال القفال: يجوز أن يكون بعضهم من الملوك وبعضهم من الصيادين وبعضهم من القصارين، وسموا جميعاً بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى والمخلصين في محبته وطاعته.

﴿ آمنا بالله ﴾ يجري مجرى السبب لقولهم: ﴿ نحن أنصار الله ﴾ فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لما تريده منا في نصرتك والذب عنك، مستسلمون لأمر الله  فيه.

أو هو إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين كل الأنبياء عليهم السلام، وإنما طلبوا شهادته لأن الرسل يشهدون للأمم يوم القيامة.

ثم تضرعوا إلى الله  بقولهم: ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين.

فقال ابن عباس: أي مع محمد  وأمته لأنهم مخصوصون بأداء الشهادة ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس  ﴾ وعنه أيضاً اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ وقيل: اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق فقرنت ذكرهم بذكرك في قولك: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم  ﴾ وقيل: اجعلنا ممن هو مستغرق في شهود جلالك بحيث لا نبالي بما يصل إلينا من المشاق والآلام فيسهل علينا الوفاء بما التزمنا من / نصرة رسولك، أو اكتب ذكرنا في زمرة من شهد حضرتك من الملائكة المقربين كقوله: ﴿ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين  ﴾ ﴿ ومكروا ﴾ يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر ﴿ ومكر الله ﴾ المكر في اللغة السعي في خفية ومداجاة.

قال الزجاج: يقال مكر الليل وأمكر إذا أظلم.

وقيل: أصله من إجماع الأمر وإحكامه، ومنه امرأة ممكورة مجتمعة الخلق.

فلما كان المكرر رأياً محكماً قوياً مصوناً عن جهات النقض والفتور لا جرم سمي مكراً.

أما مكرهم بعيسى  فهو أنهم هموا بقتله، وأما مكر الله بهم فهو أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال السوء إليه، روي أن ملك اليهود أراد قتل عيسى  وكان جبريل لا يفارقه ساعة، فأمره جبريل أن يدخل بيتاً فيه روزنة.

فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل من تلك الروزنة وكان قد ألقى شبهه على غيره ممن وكل به ليقتله غيلة فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق: فرقة قالت: كان الله فينا فذهب.

وأخرى قالت: كان ابن الله.

وأخرى قالت: كان عبد الله ورسوله.

وقيل: إن الحواريين كانوا اثني عشر، وكانوا مجتمعين في بيت، فنافق واحد منهم ودل اليهود عليه فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى  .

وذكر محمد بن إسحق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى فشمسوهم ولقوا منهم الجهد.

فسمع بذلك ملك الروم.

وكان ملك اليهود من رعيته فقيل: إنه قتل رجلاً من بني إسرائيل ممن يحب أمرك، وكان يخبرهم أنه رسول الله وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وفعل ما فعل فقال: لو علمت ذلك ما خليت بينه وبينهم.

ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى  فأخبروه، فتابعهم على دنيهم وأنزل المصلوب فغيبه وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم.

وكان اسم هذا الملك "طباريس"، وهو صار نصرانياً إلا أنه ما أظهر ذلك.

ثم إنه جاء بعده ملك آخر يقال له "ملطيس" وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة، فقتل وسبى ولم يترك في حاشية بيت المقدس حجراً على حجر، فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز، فهذا كله مما جازاهم الله  على تكذيب المسيح والهم بقتله.

وقيل: إنهم مكروا في إخفاء أمره وإبطال دينه، ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل أعداءه وهم اليهود ﴿ والله خير الماكرين ﴾ أقواهم مكراً وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.

واعلم أن المكر إن كان عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر فهو في حق الله  محال، فاللفظ إذن من المتشابهات فيجب أن يؤول بأن جزاء المكر يسمى مكراً كقوله: / ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ أو بأنه  عاملهم معاملة من يمكر وهو عذابهم على سبيل الاستدراج.

وإن كان المكر عبارة عن التدبير المحكم الكامل لم يكن اللفظ متشابهاً لأنه غير ممتنع في حق الله إلا أنه قد اختص في العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى الغير.

﴿ إذ قال الله ﴾ ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله أو مفعول اذكر ﴿ يا عيسى إني متوفيك ﴾ أي متمم عمرك وعاصمك من أن يقتلك الكفار الآن بل أرفعك إلى سمائي وأصونك من أن يتمكنوا من قتلك.

وقيل: متوفيك أي مميتك كيلا يصل أعداؤك من اليهود إلى قتلك ثم رافعك إليّ.

وهذا القول مروي عن ابن عباس ومحمد بن إسحق.

ثم قال وهب: توفي ثلاث ساعات ثم رفع وأحيي.

وقال محمد بن إسحق.

توفي سبع ساعات ثم أحياه الله ورفعه.

وقال الربيع بن أنس: إنه نومه ورفعه إلى السماء نائماً حتى لا يلحقه خوف ورعب.

أخذه من قوله ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها  ﴾ .

وقيل: التوفي أخذ الشيء وافياً أي آخذك بروحك وبجسدك جميعاً فرافعك إلي دفعاً لوهم من يتوهم أنه أخذ بروحه دون جسده.

وقيل: متوفيك قابضك من الأرض من توفيت مالي على فلان أي استوفيته.

وقيل: أجعلك كالمتوفى لأنه إذا رفع إلى السماء انقطع خبره وأثره عن الأرض فيكون من باب إطلاق الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته.

وقيل: المضاف محذوف أي متوفى عملك ورافع طاعتك فكأنه بشره بقبول طاعته وأن ما وصل إليه من المتاعب في تمشية دينه وإظهار شريعته فهو لا يضيع أجره، فهذا كقوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه  ﴾ وقيل: في نسق الكلام تقديم وتأخير.

فإن الواو لا تقتضي الترتيب.

والمعنى إني رافعك إلي ومتوفيك بعد إنزالك إلى الدنيا.

ويؤيده ما ورد في الخبر أنه سينزل ويقتل الدجال، ثم إنه  يتوفاه بعد ذلك.

أما قوله ﴿ ورافعك إليّ ﴾ فالمشبهة تمسكوا بمثله في إثبات المكان لله  وأنه في السماء، لكن الدلائل القاطعة دلت على أنه متعال عن الحيز والجهة فوجب حمل هذا الظاهر على التأويل بأن المراد إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي ومثله قول إبراهيم: ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وإنما ذهب من العراق إلى الشام، وقد سمي الحجاج زوّار الله، والمجاورون جيران الله.

والمراد التفخيم والتعظيم، أو المراد إلى مكان لا يملك الحكم عليه هناك غير الله فإن في الأرض ملوكاً مجازية.

ولئن سلم أنه  يمكن أن يكون في مكان فليس رفع عيسى  إلى ذلك المكان سبباً لبشارته ما لم يتيقن الثواب والكرامة والروح والراحة، فلا بد من صرف اللفظ عن ظاهره وهو أن يقال: المراد رفعه إلى محل كرامته، وإذا لم يكن بد من الإضمار فلم يبق في الآية دلالة على إثبات المكان له تعالى.

ثم إنه كما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه، عبر لذلك عن معنى التخليص بلفظ التطهير / فقال: ﴿ ومطهرك من الذين كفروا ﴾ أي من خبث جوارهم وسوء عشرتهم ﴿ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ﴾ وليس هذا فوقية المكان بالاتفاق.

فالمراد إما الفوقية بالحجة والدليل، وإما الفوقية بالقهر والاستيلاء.

وفيه إخبار عن ذل اليهود ومسكنتهم إلى يوم القيامة.

ولعمري إنه كذلك فلا يرى ملك يهودي في الدنيا ولا بلد لهم مستقل بخلاف النصارى.

على أنا نقول: المراد بمتبعي المسيح هم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله ثم آمنوا بمحمد  بعده فصدقوه في قوله: ﴿ ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد  ﴾ أو المتبعون هم المسلمون الذين اتبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى.

واعلم أن نص القرآن دل على أنه  حين رفعه ألقى شبهه على غيره قال: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم  ﴾ فأورد بعض الملحدة عليه إشكالات: الأول أنه يوجب ارتفاع الأمان عن المحسوسات فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانياً فحينئذٍ أجوز أن هذا الذي رأيته ثانياً ليس ولدي بل هو إنسان آخر ألقى شبهه عليه، وكذا الصحابة الذين رأوا محمداً يأمرهم وينهاهم احتمل أن يكون محمد إنساناً آخر ألقى شبهه عليه وأنه يفضي إلى سقوط الشرائع وكذا إلى إبطال التواتر، لأن مدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس وأنتم جوزتم وقوع الغلط في المبصرات، ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات.

الثاني أن جبريل كان معه حيث سار.

ثم إن طرف جناح واحد منه يكفي لأهل الأرض.

فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود؟

وأنه  كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء والقاء الفلج والزمانة عليهم حتى لا يتعرضوا له؟

الثالث أنه  كان قادراً على تخليصه من الأعداء بأن يرفعه إلى السماء، فما الفائدة في إلقاء شبهه على الغير؟

وهل فيه إلا إيقاع مسكين في القتل من غير فائدة مع أن ذلك يوجب تلبيس الأمر عليهم حتى اعتقدوا أن المصلوب هو عيسى وأنه لم يكن عيسى، والتمويه والتخليط لا يليق بحكمة الله تعالى؟

الرابع أن النصارى على كثرتهم في المشارق والمغارب وإفراطهم في محبة عيسى أخبروا أنهم شاهدوه مصلوباً، فإنكار ذلك إنكار المتواتر، والطعن في المتواتر يوجب الطعن في نبوة جميع الأنبياء.

الخامس ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حياً زماناً طويلاً.

فلو كان هو غير عيسى لأظهر الجزع وعرف نفسه، ولو فعل ذلك اشتهر وتواتر.

والجواب عن الأول أن كل من أثبت القادر المختار سلم أنه  قادر على خلق مثل زيد.

وهذا التجويز لا يوجب الشك في وجود زيد فكذا فيما ذكرتم.

وعن الثاني والثالث أن ذلك يفضي إلى / بلوغ الإعجاز حد الإلجاء، وأنه ينافي التكليف.

والتلبيس المذكور قد أزاله تلامذة عيسى الحاضرون منه العالمون بالواقعة.

وعن الرابع أنه تواتر منقطع الأول لأنهم كانوا قليلين في ذلك الوقت فلا يفيد العلم.

إذ شرط التواتر استواء الطرفين والوسط.

وعن الخامس ما روي أن الذي ألقي عليه الشبه كان من خواص أصحابه، فلهذا صبر.

على أنا نقول: قد ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد  في كل ما أخبر عنه، فهذه الاحتمالات تمتنع أن تصير معارضة للنص القاطع والله ولي الهداية.

قال: ﴿ ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ﴾ وفيه بشارة لعيسى بأنه سيحكم بين المؤمنين وبين الجاحدين.

وتفسيره قوله: ﴿ فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بالقتل والسبي والذلة وأنواع المصائب والرزايا التي لا ثواب عليها ﴿ والآخرة ﴾ بدخول النار خالدين فيها ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ﴿ وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ﴾ الواضعين الشيء في غير موضعه، التكذيب في مقام التصديق، والعمل السيء مكان العمل الصالح، وذلك أن المحبة عبارة عن إيصال الخير إليه.

وهو وإن أراد كفر الكافر إلا أنه لم يوصل الثواب إليه، وقالت المعتزلة: المحبة والإرادة واحدة، فالمعنى أنه لا يريد ظلم الظالمين.

﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من نبأ عيسى  وغيره وهو مبتدأ خبره ﴿ نتلوه عليك ﴾ والتلاوة والقصص كلاهما يؤل إلى معنى واحد وهو ذكر الشيء بعضه على إثر بعض.

جعل تلاوة الملك لما كانت بأمره كتلاوته.

﴿ من الآيات ﴾ خبر بعد خبر أو خبر بعد مبتدأ محذوف والمراد بها آيات القرآن، ويحتمل أن يراد أنه من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارىء من كتاب أو من يوحى إليه، وظاهر أنك لا تكتب ولا تقرأ فبقي أن يكون من الوحي.

ويجوز أن يكون ذلك بمعنى "الذي" و ﴿ نتلوه ﴾ صلته و ﴿ من الآيات ﴾ الخبر.

ويجوز أن ينتصب ذلك بمضمر يفسره ﴿ نتلوه ﴾ .

والذكر الحكيم القرآن.

وصف بصفة من هو سببه، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه، أو هو بمعنى الحاكم كالعليم بمعنى أن الأحكام تستفاد منه، أو بمعنى المحكم أحكمت آياته أي عن تطرق وجوه الخلل إليه.

وقيل: الذكر الحكيم اللوح المحفوظ الذي منه نقلت جميع كتب الله المنزلة على الأنبياء، أخبر أنه  أنزل هذه القصص مما كتب هناك.

قال المفسرون: "إن وفد نجران قالوا لرسول الله  : مالك تشتم صاحبنا؟

قال  : وما أقول؟

قالوا: تقول إنه عبد.

قال: أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.

فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟

فإن كنت صادقاً فأرنا مثله فأنزل الله عز وجل ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ " أي حاله الغريبة كحاله.

ووجه الشبه أن كلاً منهما وجد وجوداً خارجا عن العادة المستمرة، بل الوجود من غير أب وأم أغرب، فشبه الغريب بالأغرب.

لأن المشبه به ينبغي / أن يكون أقوى حالاً من المشبه في وجه الشبه.

ثم فسر كيفية خلق آدم بقوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي قدّره جسداً من طين.

قيل: اشتقاق آدم من الأدمة، وقال ابن عباس: سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها طيبها وخبيثها، فلذلك كان في ولده الأسود والأحمر والطيب والخبيث.

وقيل: إنه اسم أعجمي كآزر ووزنه "فاعل" لا "أفعل".

والضمير عائد إلى آدم الموجود كقولك: "هذا الكون أصله من الطين" ﴿ ثم قال له ﴾ أي لذلك المقدّر ﴿ كن فيكون ﴾ وهذا كقوله: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] وإنما لم يقل "فكان" إما لأنه حكاية حال ماضية، وإما تصوير لتلك الحالة العجيبة كقوله: فأصر بها بلا دهش فخرت *** أو المراد اعلم يا محمد أن ما قال له ربك "كن" فإنه يكون لا محالة.

وقيل: معنى "ثم" تراخي الخبر عن الخبر لا تراخي المخبر عن المخبر كقول القائل "أعطيت زيداً ألفاً اليوم ثم أنا أعطيته أمس ألفين" أي ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي صيره بشراً سوياً.

ثم إنه يخبركم أنه إنما خلقه بأن قال له "كن".

وقيل: إن معنى الخلق يرجع إلى علمه  بكيفية وقوعه وإرادته لإيقاعه على الوجه المخصوص.

والمراد بـ "كن" إدخاله في الوجود.

قالت الحكماء: إنما خلق آدم من التراب لوجوه: ليكون متواضعاً وليكون ستاراً وليكون أشد التصاقاً بالأرض فيصلح للخلافة فيها، ولما فيه من إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام السفلية وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو أرق الأجرام وأعطاهم كمال القوة والقدرة، وخلق السموات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الفضاء، وخلق آدم من التراب الذي هو أكثف الأجرام فآتاه النور والهداية، وكل ذلك برهان باهر ودليل ظاهر على أنه  هو المدبر بغير احتياج والخالق بلا مزاج.

وعلاج خلق البشر من التراب لإطفاء نيران الشهوة والحرص والغضب، وخلقه من الماء ﴿ خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً  ﴾ ليكون صافياً تتجلى فيه صور الأشياء.

ثم مزج بين التراب والماء لامتزاج اللطيف بالكثيف فصار طيناً ﴿ إني خالق بشراً من طين  ﴾ ثم إنه سل من ألطف أجزاء الطين ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 13\] ثم جعله طيناً لازباً ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب  ﴾ ثم سنه وغير رائحته ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإٍ مسنون  ﴾ .

عن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى  ؟

قالوا: / لأنه لا أب له.

قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له.

قالوا: كان يحيي الموتى.

قال: فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر وأحيا حزقيل ثمانية آلاف.

فقالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص.

قال: فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً.

﴿ الحق من ربك ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق يعني الذي أنبأتك من شأن عيسى لا الذي اعتقد النصارى فيه أنه إله، ولا الذي يزعم اليهود من رميها بيوسف النجار، أو ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ من ربك ﴾ خبره كما يقال: الحق من الله والباطل من الشيطان.

﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ الشاكين.

قال ابن الأنباري: أصله من مريت الناقة والشاة حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه شراً.

وفي هذا النهي ترغيب له في زيادة الثبات والطمأنينة ولطف للأمة وقد مر نظائره في سورة البقرة.

التأويل: الاصطفاء ثلاثة أنواع: اصطفاء على غير الجنس ﴿ إن الله اصطفى آدم  ﴾ ولم يكن له جنس حين خلقه وأسجد له ملائكته، واصطفاء على الجنس وعلى غير الجنس كاصطفاء محمد  على الكائنات كقوله: "لولاك لما خلقت الأفلاك" .

وقال  : " "آدم فمن دونه تحت لوائي " ، واصطفاء على الجنس كقوله: ﴿ يا موسى إني اصطفيتك على الناس  ﴾ ولمريم ﴿ إن الله اصطفاك ﴾ لاصطفائك إياه ﴿ وطهرك ﴾ عن الالتفات لغيره ﴿ واصطفاك على نساء العالمين ﴾ لنيل درجة الكمال وإن لم يكن ذلك من شأن النساء.

﴿ إن الله يبشرك بكلمة منه ﴾ كل صنف من أصناف الخلق حرف من حروف كلمة معرفة الله  .

والعالم بما فيه كلمة المعرفة كقوله: "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" والإنسان وإن كان صنفاً من أصناف العالم وهو حرف من حروف كلمة المعرفة لكنه خلق نسخة العالم بما فيه فهو أيضاً كلمة المعرفة كالعالم، لكنه خص من العالم بما فيه بكرامة معرفة نفسه ومعرفة ربه ومعرفة العالم بما فيه، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكى بتزكيه الشريعة المربى بتربية أرباب الطريقة.

وإنما خص عيسى علية السلام بهذا الاسم - أعنى الكلمة - من بين سائر الأنبياء والأولياء لأنه خلق مستعداً لهذا الكمال في بدء أمره.

قد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه كما قال  " "من عرف نفسه فقد عرف ربه " وكان من اختصاصه بالكلمة أنه قال في المهد: ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب  ﴾ روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران: كنت إذا خلوت أنا وجنيني حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع.

وسمي المسيح لأنه حين مسح الله  ظهر آدم فاستخرج منه ذرّات ذرّياته لم يردّه إلى مقامه كما جاء في الخبر " "إن الله  أذن للذرّات بالرجوع إلى ظهر آدم وحفظ ذرة عيسى وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم " فكان قد بقي عليه اسم المسيح أي الممسوح.

﴿ وكهلاً ﴾ أي حالة النبوة / لأن بلوغ الأنبياء عند كهولتهم ﴿ ومن الصالحين ﴾ يعني صلاحية قبول الفيض بلا واسطة كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام.

﴿ ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ﴾ الروح الإنساني الذي هو خليفة الله في أرضه قابل لجميع أنوار الصفات خلافة عنه حتى القدرة على الخلق والإحياء والإبراء والإنباء وغير ذلك من الآيات التي هي من نتاج القدرة، لكنه لتعلقه بالجسد الكائن من العناصر ولاحتجابه بظلمات شهوات الأبوين امتنع عن قبول أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وقوة استعداد الروحية والجسمية من تلك الظلمات فيظهر على النبي  آيات المعجزات وعلى الولي أمارات الكرامات.

ولما كان روح عيسى  وذرّة طينته المستخرجة من ظهر آدم محتبسة عند الله حتى ألقاها إلى مريم من غير شائبة ظلمات شهوة الأبوين ولهذا سمي روح الله، كان قابل أنوار الصفات في بدوّ أمره يكلم الناس في المهد ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل غير من تعلم، ويحيي ويبرىء إلى غير ذلك من الآيات ﴿ فلما أحس عيسى منهم الكفر ﴾ فيه إشارة إلى أن عيسى الروح، لما أحس من النفس وصفاتها الكفر ﴿ قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون ﴾ وهم القلب وصفاته ﴿ نحن أنصار الله آمنا بالله ﴾ أي بوحدانيته والتبري عن غيره ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لأحكامه، راضون بقضائه، صابرون على بلائه ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت ﴾ من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق ﴿ واتبعنا الرسول ﴾ الوارد من نفحات ألطافك ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ المشاهدين لأنوار جلالك ﴿ ومكروا ﴾ أي النفس وصفاتها والشياطين وأتباعها في هلاك عيسى الروح ﴿ ومكر الله ﴾ بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها ﴿ والله خير الماكرين ﴾ في قهر النفس الأمارة بالسوء وقمع صفاتها وقلع شهواتها ﴿ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ﴾ عن الصفات النفسانية والسمات الحيوانية ﴿ ورافعك إليّ ﴾ بجذبات العناية كما أسرى بعبده إلى قاب قوسين أو أدنى.

ومن خواص الجذبة الربوبية خمود الصفات البشرية ﴿ ثم إليّ مرجعكم ﴾ باللطف أو القهر بالاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح.

﴿ فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله، ﴿ والآخرة ﴾ بالقطيعة والبعد عن الله ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله  .

ثم قال له كن فيكون.

هذه السنة في تكوين الأرواح والملكوت لا الأجساد والملك، ولكنه أجراها في تكوين آدم من تراب بلا أب وأم، وخلق حوّاء منه بلا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب خرقاً للعادة ودلالة على اختياره ورغماً بأنف من قال بالإيجاب في الإيجاد ﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ نهي الكينونة قاله في الأزل فما كان من الممترين ولا يكون إلى الأبد./ <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ﴾ .

مكروا بنبيّ الله عيسى -  - حيث كذبوه وهمّوا بقتله، ﴿ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: يجزيهم جزاء مكرهم؛ وإلا حرف المكر مذمومٌ عند الخلق؛ فلا يجوز أن يسمَّي الله به إلا في موضع الجزاء؛ على ما ذكره - عز وجل - في موضع الجزاء؛ كقوله: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ...

 ﴾ والاعتداء منهي [عنه] غير جائز؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ  ﴾ ؛ فكان قوله: ﴿ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ...

﴾ هو جزاء الاعتداء؛ فيجوز؛ فعلى ذلك المكر والخداع والاستهزاء: لا يجوز أن يسمَّى به، فيقال: يا ماكر، ويا خادع، ويا مستهزئ؛ لأنها حروف مذمومَّة عند الناس؛ فيَشْتُمُ بعضهم بعضاً بذلك؛ لذلك لا يجوز أن يسمَّى الله -  - به إلا في موضع الجزاء.

وبالله العصّمة.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ ﴾ : أي: خير الجازينَ أهل الجور بالعدل، وأهل الخير بالفضل.

وقيل: ﴿ وَمَكَرُواْ ﴾ ؛ حيث كذبوه وهمَّوا بقتله، ﴿ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ﴾ ؛ حيث رفع الله عيسى -  - وألقى شبهه على رجل منهم حتى قتلوه؛ فذلك خير لعيسى -  - من مكرهم.

وقيل: ﴿ وَمَكَرُواْ ﴾ ، أي: قالوا، ﴿ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ﴾ : قال الله.

وقولهم الشرك، وقال لهم: قولوا التوحيد.

﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ ﴾ ، أي: خير القائلين.

قال الشيخ - رحمه الله -: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ ﴾ ؛ بما بالحق يمكر، ويأخذ من استحق الأخذ، وهم لا، والله أعلم.

والمكر: هو الأخذ بالغفلة، والله يأخذهم بالحق من حيث لا يعلمون؛ فسمي مكراً لذلك؛ كما يقال: امتحنه الله وهو الاستظهار، ولكن لا يراد به هذا في [حق] الله.

وقوله: ﴿ إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ﴾ : اختلف فيه: قيل: هو على التقديم والتأخير: ورافعك إليَّ، ثم متوفيك بعد نزولك من السماء، ولكن هو التقديم والتأخير، ولم يكن في الذكر فهو سواء؛ لأنا قد ذكرنا أنْ ليس في تقديم الذكر، ولا في تأخيره ما يوجب الحكم كذلك؛ لأنه كَمْ مِنْ مُقَدَّمٍ في الذكر هو مؤخَّر في الحكم، وكم من مؤخر في الذكر هو مقدم في الحكم، فإذا كان كذلك: لم يكن في تقديم ذكر الشيء، ولا في تأخيره - ما يدل على إيجاب الحكم كذلك؛ كقوله: ﴿ ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا  ﴾ : فإنما هو قبض الأرواح؛ فيحتمل الأول كذلك، ويحتمل توفي الجسم، أي: متوفيك من الدُّنيا، أي: قابضك، وليس بوفاة موت.

وعن ابن عباس -  -: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ﴾ ، أي: مميتك وهو ما ذكرنا؛ ليعلم أنه ليس بمعبود.

وقوله: ﴿ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ : هو على تعظيم عيسى -  - ليس على ما قالت المشبهة بإثباتها المكان له؛ لأنه لو كان في قوله: ﴿ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ يوجب ذلك، يجب أن يكون أهل الشام أقرب إليه؛ لأن إبراهيم -  - قال: ﴿ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ  ﴾ ، والكفرة إليه قريب منه؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ ؛ دل هذا أن ما قالوا خيال فاسد -  الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً - ولكن على التعظيم التبجيل، أعني: المضاف إليه.

والأصل في هذا: أن الخاص إذا أضيف إلى الله فإنما يراد به تعظيم ذلك الخاص؛ نحو ما قال: "بيت الله"؛ على تعظيم البيت، ﴿ نَاقَةَ ٱللَّهِ  ﴾ ؛ فهو على تعظيم الناقة، ونحوه مما يكثر [وقوعه].

وإذا أضيف الجماعة إليه، فهو على إرادة تعظيم الربّ - جل ثناؤه - نحو: ﴿ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ ، ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ونحوه؛ كله على إرادة تعظيم الربِّ، جل ثناؤه.

وقوله: ﴿ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : قيل فيه بوجوه: قيل: مطهرك من أذى الكفرة، من بيت أظهر المخالفين لك.

وقيل: ومطهرك من الكفر والفواحش، ويحتمل: مطهرك ممَّا قالوا فيك.

وقوله: ﴿ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

يحتمل: يجعله فوق الذين كفروا بالقهر والغلبة والقتل، ويحتمل: بالحجَّة، ويحتمل: في المنزلة والدرجة في الآخرة.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمُطَهِّرُكَ ﴾ بقتل الكفرة من وجه الأرض؛ على ما ذكر في بعض القصَّة: أنه ينزل من السماء، فلا يبقى على وجه الأرض كافر إلا وهو يقتله مع الذين ابتعوه؛ فذلك تَطْهِيرُهُ وَجَعْلُ الذين اتبعوه فوق الذين كفروا.

وقوله: ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ .

ذكر هذا - والله أعلم - وإن كان المرجع للكل إليه في [كل] حال؛ لأنهم يُقِرُّونَ ويعترفون في ذلك اليوم أن المرجع إليه، وكانوا ينكرون ذلك في الدُّنيا؛ وهو كقوله: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ  ﴾ الملك كان في ذلك اليوم وفي غير ذلك اليوم، ولكن معناه: لا ينازعه أحد يومئذ في ملكه، ويقرون له بالملك، وفي الدُّنيا أنكروا ملكه؛ وهو كقوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً  ﴾ كلهم بارزون لله في كل وقت؛ لكنهم أنكروا بروزهم في الدنيا له؛ فيقرون يومئذ بالبروز له؛ فكذلك الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ .

يحتمل: أحكم بينكم مَنِ المحقُّ منكم، ومَنِ المبطلُ.

ويحتمل: أحكم بينكم: أي: أجزيكم على قدر أعمالكم.

ويحتمل: أحكم بينكم أي، أجزي كلا بعمله على ما يستوجبون.

وقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ الآية: وقوله: ﴿ فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ ، قيل: القتل، والجزية، وفي الآخرة: العذاب.

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ فقوله: ﴿ مُتَوَفِّيكَ ﴾ : يحتمل تَوَفِّي الموت بما يقبض روحه كفعله بجميع البشر؛ تكذيباً لمن ظن أنه الله، أو ابنه، لا يحتمل أن يموت، وقد ألزمهم هذا أيضاً بوجهين ظاهرين - وإن كان فيما عليه خلقته وجوهره.

ثم تقلبه من حال إلى حال في نفسه، ومكان إلى مكان في حق القرار والحاجة - كفاية لمن يعقل الحقائق، وبُلْغَة لمن تأمَّل الأشياء عبرا.

أحدهما: بقوله: ﴿ مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ  ﴾ حتى ينطق به لسان كل منهم، ومعلوم إحالة ابن بشر إلهاً أو ولداً لإله؛ إذ هو يكون أصغر منهما وذلك آية حدثه، وكذلك قوله في المهد: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ  ﴾ إلى آخر ما ذكر، مع ما لو احتمل ذلك لكان آدم -  - الذي هو الأصل، هو المقدم، وهو الذي لا يعرف له وَالِدَانِ أحق أو هو؛ إذ هو بجوهره فهو ولده لا غير، أو ذلك وصف الأولاد، والله أعلم.

والثاني: ﴿ يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ  ﴾ : فأخبر عن حاجته وغلبة الجوع عليه، وفقر نفسه إلى ما يقيمها من الأغذية.

ثم في ذلك حاجة إلى الخلاء، واختيار الأمكنة القذرة لقضاء حاجته، وبالله التوفيق.

والثالث: على قبضه بنفسه من بين أظهر أعدائه، ورفعه إلى ما به شرفه، وتطهيره مما كان يحسُّ منهم من الكفر وأنواع الفساد، وختمه من بين البشر على جه آية يكون له عليهم من أول أحوال ظهوره إلى آخر أحوال مقامه فيهم؛ ليكون أوضح لمتبعيه في الآيات، وعلى مخالفيه في قطع العذر.

ولا قوة إلا بالله.

وفي الدعاء إلى المباهلة دلالة ظهور التعنت والعناد، وفي تخلفهم عن ذلك دليل علمهم بتعنتهم وخوفهم مما قد وُعِدوا بالنزول عليهم، ثم لزموا مع ذلك ما كانوا عليه من السفه والعناد؛ ليعلم أن الحيل عمن اعتاد المعاندة منقطعة، ومعلوم أن الدعاء إلى المباهلة لا يكون في أول أحوال الدعوة؛ وإنما يكون بعد توفير الحجة وقطع الشبهة؛ ففي ذلك بيان أنه انت ثَمَّ محاجَّاتٌ، وحتى بلغ الأمر هذا، وعلى ذلك أمر القتال أنه لم يوضع في أول أحوال الإرسال، وفي الحال التي للقول وللحق وجه القبول من طريق النصف والعقل؛ وإنما كان [عند ظهور] معاندتهم، وكثرة سفههم، حتى همّوا بالقتل، وأكثروا الأذى، وأكرهوا أقواماً على الكفر، وأخرجوا [رسول] ربّ العزة من بين أظهرهم بما راموا قتله، وطردوا أصحابه من بلادهم حتى تحصّنوا بالغيران، فأذن الله [تعالى] عند ذلك بالقتال، وفتح الفتوح؛ ليكون آيته في كل وجوه الآيات ظاهرة وججته بينة، وفي ذلك جواز محاجة الكفرة في التوحيد والرِّسالة، لكن على ما قال الله -  -: ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  ﴾ ، و ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً  ﴾ نهي عن التعمق والخوض فيما تقصر عنه الأفهام، وإن كان معلوماً أن لله حججاً ظاهرة وغامضة، ولا قوة إلا بالله.

وفي ذلك تعليم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: أنه يكون ذلك باللطف والرفق يرى المقصود [به]؛ ليقرر به عنده الحجة، ويزيل عنه الشبهة من الوجه الذي يحتمله عقله، ويبلغه فهمه، فإن رآه يتعامى في ذلك يوعده ويخوفه بالذي في ذاك من الوعيد.

فإن رأيته يكابر عرفت شؤم طبعه وسوء عنصره، يوعده بما جاء به التعليم من الضرب والحبس، فإن نفع ذلك، وإلا بكف شره عن غيره وتطهير الأرض منه؛ فإنه النهاية في القمع، والغاية فيما يحق من معاملة السفهاء، والله أعلم.

لكنه على منازل لا يحتمل انتهاء كل أنواع المآثم إلى هذه الغاية؛ بل فيها ما كان أعظمها دون هذا بكثير - والله أعلم - لذلك يلزم تعرف مقادير الآثام أولاً؛ ليعرف بها ما يحتمل كل إثم من العقوبة فيه والزجر به، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : لأنه لا يحب الظلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأما الذين آمنوا بك وبالحق الذي جئتهم به، وعملوا الصالحات من صلاة وزكاة وصيام وصلة وغيرها؛ فإن الله يعطيهم ثواب أعمالهم تامة لا يُنقِصُ منها شيئا، وهذا الحديث عن أتباع المسيح قبل بعثة النبي محمد  الذي بشَّر به المسيحُ نفسُه، والله لا يحب الظالمين، ومن أعظم الظلم الشرك بالله تعالى وتكذيب رسله.

<div class="verse-tafsir" id="91.ea9pE"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

انتقل من البشارة بعيسى إلى ذكر خبره مع قومه، وطوى ما بينهما من خبر ولادته ونشأته وبعثته مؤيدًا بتلك الآيات، وهذا من إيجاز القرآن الذي انفرد به، فقد انطوى تحت قوله: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمْ الْكُفْرَ  ﴾ جميع ما دلت عليه البشارة، وعلم أنه ولد وبعث ودعا وأيد دعوته كما سبقت البشارة فأحس وشعر من قومه وهم بنو إسرائيل الكفر والعناد والمقاومة والقصد بالإيذاء، وفي هذا من العبرة والتسلية للنبي  ما فيه، وإن أكبر ما فيه الإعلام بأن الآيات الكونية وإن كثرت وعظمت وليست ملزمة بالإيمان ولا مفضية إليه حتمًا، وإنما يكون الإيمان باستعداد المدعو إليه وحسن بيان الداعي، ولذلك كان من أمر عيسى  أنه لما أحس من قومه الكفر ﴿ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ  ﴾ أي توجه إلى البحث عن أهل الاستعداد الذين ينصرونه في دعوته تاركين لأجلها كل ما يشغل عنها منخلعين عما كانوا فيه متحيزين ومنزوين إلى الله منصرفين إلى تأييد رسوله ونصره على خاذليه والكافرين بما جاء به ﴿ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ  ﴾ أي أنصار دينه، وهذا القول يفيد الانخلاع والانفصال من التقاليد السابقة والأخذ بالتعليم الجديد وبذل منتهى الاستطاعة في تأييده، فإن نصر الله لا يكون إلا بذلك.

والحواريون أنصار المسيح، والنصر لا يستلزم القتال، فالعمل بالدين والدعوة إليه نصر له، ولا نتكلم في عددهم لأن القرآن لم يعينه.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن الجار في "إلى الله" متعلق بلفظ "أنصاري" وإن لم يعرف أن مادة نصر تعدى بإلى، ذلك بأن مجموع الكلام هنا قد أشرب الكلمة معنى اللجأ والانضمام لأن النصر يحصل بذلك.

﴿ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ  ﴾ : ذكر الاتباع بعد الإيمان لأن العلم الصحيح يستلزم العمل والعلم الذي لا أثر له في العمل يشبه أن يكون مجملًا وناقصًا لا يقينًا وإيمانًا، وكثيرًا ما يظن الإنسان أنه عالم بشيء حتى إذا حاول العمل به لم يحسنه فتبين له أنه مخطئًا في دعوى العلم.

إن العلم بالشيء يظل مجملًا مبهمًا في النفس حتى يعمل به صاحبه فيكون بالعمل تفصيليًا، فذكر الحواريين الاتباع بعد الإيمان يفيد أن إيمانهم كان في مرتبة اليقين التفصيلي الحاكم على النفس المصرف لها في العمل ﴿ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ  ﴾ للرسول بالتبليغ للدعوة، وعلى قومه بما كان منهم من الكفر والجحود، فحذف معمول الشاهدين ليعم المشهود له والمشهود عليهم، أو يقال: الشاهدين على هذه الحالة أي حالة الرسول مع قومه وهو الذي اختاره.

ومن المعروف في الفقه أن الشاهدين بمنزلة الحاكم، لأن الفصل بين الخصمين يكون بشهادتهما، ولا تصح الشهادة إلا من العارف بالمشهود به معرفة صحيحة، وقد كان الحواريون كذلك كما علم من إقرارهم بالإيمان والاتباع.

﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ  ﴾ أي ومكر أولئك الذين أحس عيسى منهم الكفر به فحاولوا قتله وأبطل الله مكرهم فلم ينجحوا فيه وعبّر عن ذلك بالمكر على طريق المشاكلة كذا قال الجمهور وهو حق.

﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ  ﴾ ، أي إن كان في الخير مكر فمكره  موجه إلى الخير ومكرهم هو الموجه إلى الشر.

﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ : يقول بعض المفسرين: "إني متوفيك" أي منومك، وبعضهم: إني قابضك من الأرض بروحك وجسدك "ورافعك إلي" بيان لهذا التوفي، وبعضهم: إني أنجيك من هؤلاء المعتدين فلا يتمكنون من قتلك وأميتك حتف أنفك ثم أرفعك إلي.

وهذا قول الجمهور وللعلماء ههنا طريقتان: إحداهما: وهي المشهورة، أنه رفع حيًا بجسمه وروحه، وأنه سينزل في آخر الزمان فيحكم بين الناس بشريعتنا ثم يتوفاه الله تعالى، ولهم في حياته الثانية على الأرض كلام طويل معروف، وأجاب هؤلاء عما يرد عليهم من مخالفة القرآن في تقديم الرفع على التوفي بأن الواو لا تفيد ترتيبًا.

والطريقة الثانية أن الآية على ظاهرها وأن التوفي على معناه الظاهر المتبادر وهو الإماتة العادية، وأن الرفع يكون بعده وهو رفع الروح، ولا بدع في إطلاق الخطاب على شخص وإرادة روحه فإن الروح هي حقيقة الإنسان والجسد كالثوب المستعار فإنه يزيد وينقص ويتغير والإنسان إنسان لأن روحه هي هي: ولصاحب هذه الطريقة في حديث الرفع والنزول في آخر الزمان تخريجان أحدهما: أنه حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي لأنه من أمور الغيب، والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالقطعي، لأن المطلوب فيها هو اليقين وليس في الباب حديث متواتر.

وثانيهما: تأويل نزوله وحكمه في الأرض بغلبة روحه وسر رسالته على الناس وهو ما غلب في تعليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم والأخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها والتمسك بقشورها دون لبابها وهو حكمتها وما شرعت لأجله، فالمسيح  لم يأت لليهود بشريعة جديدة ولكنه جاءهم بما يزحزحهم عن الجمود على ظواهر ألفاظ شريعة موسى  ويوقفهم على فقهها والمراد منها ويأمرهم بمراعاته وبما يجذبهم إلى عالم الأرواح بتحري كمال الآداب.

فإذا سأل سائل عن المسيح الدجال وقتل عيسى له؟

فالجواب أن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها وحكمها، وإن القرآن أعظم هاد إلى هذه الحكم والأسرار وسنة الرسول  مبينة لذلك فلا حاجة للبشر إلى إصلاح وراء الرجوع إلى ذلك.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر