الآية ٦ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٦ من سورة آل عمران

هُوَ ٱلَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى ٱلْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 150 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ) أي : يخلقكم كما يشاء في الأرحام من ذكر وأنثى ، [ و ] حسن وقبيح ، وشقي وسعيد ( لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) أي : هو الذي خلق ، وهو المستحق للإلهية وحده لا شريك له ، وله العزة التي لا ترام ، والحكمة والأحكام .

وهذه الآية فيها تعريض بل تصريح بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق ، كما خلق الله سائر البشر ، لأن الله [ تعالى ] صوره في الرحم وخلقه كما يشاء ، فكيف يكون إلها كما زعمته النصارى - عليهم لعائن الله - وقد تقلب في الأحشاء ، وتنقل من حال إلى حال ، كما قال تعالى : ( يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون ) [ الزمر : 6 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: الله الذي يصوّركم فيجعلكم صورًا أشباحًا في أرحام أمهاتكم كيف شاء وأحب، فيجعل هذا ذكرًا وهذا أنثى، وهذا أسود وهذا أحمر.

يُعرّف عباده بذلك أنّ جميع من اشتملت عليه أرحامُ النساء، ممنّ صوره وخلقه كيف شاء (49) = وأنّ عيسى ابن مريم ممن صوّره في &; 6-167 &; رحم أمه وخلقه فيها كيف شاء وأحبّ، وأنه لو كان إلهًا لم يكن ممن اشتملت عليه رحم أمه، لأن خلاق ما في الأرحام لا تكون الأرحامُ عليه مشتملة، وإنما تشتمل على المخلوقين، كما:- 6567 - حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء "، أي: (50) قد كان عيسى ممن صُوّر في الأرحام، لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه، كما صُوّر غيره من بني آدم، فكيفَ يكون إلهًا وقد كان بذلك المنـزل؟

(51) 6568 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع: " هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء "، أي: أنه صوّر عيسى في الرحم كيف شاء.

* * * قال آخرون في ذلك ما:- 6569 - حدثنا به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس = وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء "، قال: إذا وقعت النطفة في الأرحام طارت في الجسد أربعين يومًا، ثم تكون عَلقةً أربعين يومًا، ثم تكون مُضْغة أربعين يومًا، فإذا بلغ أن يُخلق، بعث الله ملكًا يصوِّرها.

فيأتي الملك بتراب بين إصبعيه، فيخلطه في المضْغة، ثم يعجنه بها، ثم يصوّرها كما يؤمر، فيقول: أذكر أو أنثى؟

أشقي أو سعيد، وما رزقه؟

وما عمره؟

وما أثره؟وما مصائبه؟

فيقول الله، ويكتب الملك.

فإذا مات ذلك الجسدُ، دُفن حيث أخذ ذلك التراب.

(52) 6570 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء "، قادرٌ والله ربُّنا أن يصوّر عبادَه في الأرحام كيف يشاء، من ذكر أو أنثى، أو أسود أو أحمر، تامّ خلقُه وغير تامّ.

* * * القول في تأويل قوله : لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) قال أبو جعفر: وهذا القول تنـزيه من الله تعالى ذكره نفسَه أن يكون له في ربوبيته ندّ أو مِثل، أو أن تَجوز الألوهة لغيره = وتكذيبٌ منه للذين قالوا في عيسى ما قالوا، من وفد نجران الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسائر من كان على مثل الذي كانوا عليه من قولهم في عيسى، ولجميع من ادّعى مع الله معبودًا، أو أقرّ بربوبية غيره.

(53) ثم أخبر جل ثناؤه خلقه بصفته، وعيدًا منه لمن عبد غيره، أو أشرك في عبادته أحدًا سواه، فقال: " هو العزيز " الذي لا ينصر من أرادَ الانتقام منه أحدٌ، ولا ينجيه منه وَأْلٌ ولا لَجَأٌ، (54) وذلك لعزته التي يذلُّ لها كل مخلوق، ويخضع لها كل موجود.

(55) ثم أعلمهم أنه " الحكيم " &; 6-169 &; في تدبيره وإعذاره إلى خلقه، ومتابعة حججه عليهم، ليهلك من هلك منهم عن بيّنة، ويحيا من حيَّ عن بينة، (56) كما:- 6571 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: ثم قال - يعني الرب عز وجل -: إنـزاهًا لنفسه، وتوحيدًا لها مما جعلوا معه: " لا إله إلا هو العزيز الحكيم "، قال: العزيز في انتصاره ممن كفر به إذا شاء، (57) والحكيم في عُذْره وحجته إلى عباده.

(58) 6572 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " لا إله إلا هو العزيز الحكيم "، يقول: عزيز في نقمته، حكيمٌ في أمره.

__________________________ الهوامش : (49) في المطبوعة: "ممن صوره" بإسقاط الفاء من أولها.

والصواب من المخطوطة.

(50) "أي" ساقطة من المخطوطة والمطبوعة ، وأثبتها من سيرة ابن هشام ، وقد مضى نهج ابن إسحاق على ذلك في الآثار السالفة.

(51) الأثر: 6567 - هو من بقية الآثار التي آخرها رقم: 6566 عن ابن إسحاق.

(52) الأثر: 6569- قد مضى الكلام في هذا الإسناد في رقم: 168.

وحديث خلق الآدمي في بطن أمه بغير هذا اللفظ ، وبغير هذا الإسناد في مسلم 16: 189-195 ، وفي البخاري في كتاب"بدء الخلق" في باب ذكر الملائكة.

وفي كتاب"الحيض" باب: مخلقة وغير مخلقة.

(53) قوله: "ولجميع من ادعى..." معطوف على قوله: "وتكذيب للذين قالوا..".

(54) "وأل" (بفتح الواو وسكون الهمزة ، على وزن سمع): هو الموئل ، وهو الملجأ الذي يفر إليه الخائف.

و"لجأ" (بفتح اللام والجيم): هو الملجأ ، وهو المعقل الذي يحتمى به.

(55) انظر فهارس اللغة (عزز) فيما سلف.

(56) انظر فهارس اللغة (حكم) فيما سلف.

(57) في المطبوعة والمخطوطة: "في نصرته" وهو خطأ في المعنى ، فإن"النصرة" ، اسم من"النصر" وهو لا مكان له هنا.

وأما "الانتصار" فهو: الانتقام.

وانتصر منه: انتقم.

(58) في ابن هشام: "في حجته وعذره إلى عباده" ، وهي أجود لمكان"إلى" من الكلام.

أعذر إليه إعذارًا وعذرًا: بلغ الغاية في إرشاده حتى لم يبق موضع للاعتذار.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : هو الذي يصوركم أخبر تعالى عن تصويره للبشر في أرحام الأمهات ، وأصل الرحم من الرحمة ؛ لأنها مما يتراحم به .

واشتقاق الصورة من صاره إلى كذا إذا أماله ، فالصورة مائلة إلى شبه وهيئة .

وهذه الآية تعظيم لله تعالى ، وفي ضمنها الرد على نصارى نجران ، وأن عيسى من المصورين ، وذلك مما لا ينكره عاقل .

وأشار تعالى إلى شرح التصوير في سورة ( الحج ) و ( المؤمنون ) .

وكذلك شرحه النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن مسعود ، على ما يأتي هناك بيانه إن شاء الله تعالى .

وفيها الرد على الطبائعيين أيضا إذ يجعلونها فاعلة مستبدة ، وقد مضى الرد عليهم في آية التوحيد .

وفي مسند ابن سنجر - واسمه محمد بن سنجر - [ ص: 9 ] حديث : ( إن الله تعالى يخلق عظام الجنين وغضاريفه من مني الرجل وشحمه ولحمه من مني المرأة ) .

وفي هذا أدل دليل على أن الولد يكون من ماء الرجل والمرأة ، وهو صريح في قوله تعالى : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى .

وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان وفيه أن اليهودي قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان ، قال : ( ينفعك إن حدثتك ) ؟

قال : أسمع بأذني ، قال : جئتك أسألك عن الولد .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله تعالى ، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله .

.

.

) الحديث .

وسيأتي بيانه آخر ( الشورى ) إن شاء الله تعالى .الثانية : قوله تعالى : كيف يشاء يعني من حسن وقبح وسواد وبياض وطول وقصر وسلامة وعاهة ، إلى غير ذلك من الشقاء والسعادة .

وذكر عن إبراهيم بن أدهم أن القراء اجتمعوا إليه ليسمعوا ما عنده من الأحاديث ، فقال لهم : إني مشغول عنكم بأربعة أشياء ، فلا أتفرغ لرواية الحديث .

فقيل له : وما ذاك الشغل ؟

قال : أحدها إني أتفكر في يوم الميثاق حيث قال : ( هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي ) فلا أدري من أي الفريقين كنت في ذلك الوقت ، والثاني حيث صورت في الرحم فقال الملك الذي هو موكل على الأرحام : ( يا رب شقي هو أم سعيد ) فلا أدري كيف كان الجواب في ذلك الوقت ، والثالث حين يقبض ملك الموت روحي فيقول : ( يا رب مع الكفر أم مع الإيمان ) فلا أدري كيف يخرج الجواب ، والرابع حيث يقول : وامتازوا اليوم أيها المجرمون فلا أدري في أي الفريقين أكون .ثم قال تعالى : لا إله إلا هو أي لا خالق ولا مصور سواه ، وذلك دليل على وحدانيته ، فكيف يكون عيسى إلها مصورا وهو مصور .

العزيز الذي لا يغالب .

الحكيم ذو الحكمة أو المحكم ، وهذا أخص بما ذكر من التصوير .[ ص: 10 ]

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } من كامل الخلق وناقصه، وحسن وقبيح، وذكر وأنثى { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } تضمنت هذه الآيات تقرير إلهية الله وتعينها، وإبطال إلهية ما سواه، وفي ضمن ذلك رد على النصارى الذين يزعمون إلهية عيسى ابن مريم عليه السلام، وتضمنت إثبات حياته الكاملة وقيوميته التامة، المتضمنتين جميع الصفات المقدسة كما تقدم، وإثبات الشرائع الكبار، وأنها رحمة وهداية للناس، وتقسيم الناس إلى مهتد وغيره، وعقوبة من لم يهتد بها، وتقرير سعة علم الباري ونفوذ مشيئته وحكمته.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ) ذكرا أو أنثى ، أبيض أو أسود ، حسنا أو قبيحا ، تاما أو ناقصا ، ( لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) وهذا في الرد على وفد نجران من النصارى ، حيث قالوا : عيسى ولد الله ، فكأنه يقول : كيف يكون لله ولد وقد صوره الله تعالى في الرحم أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحيم بن أحمد بن محمد الأنصاري ، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، أنا علي بن الجعد ، أنا أبو خيثمة زهير بن معاوية ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، قال : سمعت عبد الله بن مسعود يقول : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه الملك " أو قال : " يبعث إليه الملك بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد " قال : " وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها " .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني ، أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ، أنا أبو أحمد بن عيسى الجلودي ، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أنا مسلم بن الحجاج ، أنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي الطفيل ، عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول : يا رب أشقي أو سعيد؟

فيكتب ذلك فيقول : يا رب أذكر أم أنثى؟

فيكتبان ، ويكتب عمله وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء» من ذكورة وأنوثة وبياض وسواد وغير ذلك «لا إله إلا هو العزيز» في ملكه «الحكيم» في صنعه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هو وحده الذي يخلقكم في أرحام أمهاتكم كما يشاء، من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد، لا معبود بحق سواه، العزيز الذي لا يُغالَب، الحكيم في أمره وتدبيره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - ما يشهد بشمول قدرته وعلمه فقال : { هُوَ الذي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم } .وقوله { يُصَوِّرُكُمْ } من التصوير وهو جعل الشئ على صورة لم يكن عليها .

وهو مأخوذ من مادة صار إلى كذا بمعنى تحول إليه .

أو من صاره إلى كذا بمعنى أماله وحوله .والله - تعالى - القادر على كل شئ قد حكى لنا أطوار خلق الإِنسان فى آيات متعددة منها قوله - تعالى - { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } والأرحام : جمع رحم ، وهو مستودع النطفة فى بطن المرأة ، ومكان تربية الجنين ونموه وتكوينه بالطريقة التى يشاؤها الله ، حتى يبرزه إلى الوجود بشرا سويا .والمعنى : الله الذى لا إله إلا هو والذى هو الحى القيوم ، هو الذى يصوركم فى أرحام أمهاتكم كيف يشاء ، بأن جعل بعضكم طويلا وبعضكم قصيراً ، وهذا أبيض وذاك أسود ، وهذا ذكر وتلك أنثى ، فهو وحده القادر على تصوير خلقه بتلك الصور المختلفة المتفاوتة ، ومن كان شأنه كذلك .

فهو المستحق للعبادة والخضوع ، لا إله إلا هو { العزيز } الذى يقهر كل شئ بقوته وقدرته { الحكيم } فى كل شئونه وتصرفاته .وهذه الآية الكريمة فى مقام التعليل للتى قبلها ، لأن قبلها بينت أن الله لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء ، إذ هو العليم بما يسره الإِنسان من كفر أو إيمان أو غيرهما .

وهذه الآية تفيد أنه - سبحانه - يعلم أحوال الإِنسان لا بعد استوائه بشراً سوياً ، بل يعلم أحواله وهو نطفة فى الأرحام ، بل إنه - سبحانه - ليعلم أحواله قبل أن يكون شيئاً مذكوراً ، فهو - كما يقول القرطبى - العالم بما كان وما يكون ومالا يكون .ومن كان ذلك شأنه فمن الواجب على الذين أوجدهم - سبحانه - فى بطون أمهاتهم ، ورباهم ورعاهم وخلقهم خلقا من بعد خلق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً .وقوله - تعالى - { كَيْفَ يَشَآءُ } إخبار منه - سبحانه - بأن هذا التكوين والتصوير فى الأرحام تبع لمشيئته وقدرته وليس خاضعا لقانون الأسباب والمسببات ، إذ هو الفعال لما يريد .

فمن شاء هدايته هداه ، ومن شاء إضلاله أضله .و { كَيْفَ } فى موضع نصب على أنه حال ، وناصبه الفعل الذى بعده وهو { يَشَآءُ } ومفعول المشيئة محذوف والتقدير : هو الذى يصوركم فى الأرحام كيف يشاء تصويركم ، من ذكر وأنثى ، وجميل ودميم ، وغير ذلك من مظاهر التفاوت والاختلاف فى الصور والأشكال والعقول والميول .وقوله - تعالى - { لاَ إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم } تأكيد لما قبله ، من انفراده بالألوهية ، وحقيقة المعبودية ، بعد أن أقام الأدلة الساطعة على ذلك من كونه حيا قيوما ، منزلا للكتب الهادية للناس إلى الحق عالما بكل شئ ، مصوراً لخلقه وهم فى أرحام أمهاتهم كيف يشاء .

وكل ذى عقل سليم يتدبر هذه الآيات الكريمة ، يقبل على الإِيمان بالحق بقوة وإخلاص ، ويسارع إلى العمل الصالح بقلب منيب ونية صادقة .هذا ، وقد ذكر كثير من المفسرين أن سورة آل عمران من مطلعها إلى بضع وثمانين آية منها قد نزل فى وفد نصارى نجران الذين قدموا على الرسول صلى الله عليه وسلم فى السنة التاسعة من الهجرة ، ليناقشوه فى شأن عيسى - عليه السلام - وقد رد عليهم صلى الله عليه وسلم بما يبطل أقوالهم التى تخالف الحق ، وأرشدهم إلى الطريق المستقيم وهو طريق الإِسلام الذى ارتضاه الله لعباده دينا .

وسنذكر قصة هذا الوفد عند تفسيرنا لآية المباهلة وهى قوله - تعالى - فى هذه السورة { فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الله عَلَى الكاذبين } .وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة الواضحة على أنه هو المستحق للعبادة ، عقب ذلك ببيان أن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه ، وبيان موقف الناس منهما فقال - تعالى - : { هُوَ الذي أَنزَلَ .

.

.

} .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا الكلام يحتمل وجهين: الاحتمال الأول: أنه تعالى لما ذكر أنه قيوم، والقيوم هو القائم بإصلاح مصالح الخلق ومهماتهم، وكونه كذلك لا يتم إلا بمجموع أمرين أحدهما: أن يكون عالماً بحاجاتهم على جميع وجوه الكمية والكيفية والثاني: أن يكون بحيث متى علم جهات حاجاتهم قدر على دفعها، والأول: لا يتم إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات، والثاني: لا يتم إلا إذا كان قادراً على جميع الممكنات، فقوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيء فِي الأرض وَلاَ فِي السماء ﴾ إشارة إلى كمال علمه المتعلق بجميع المعلومات، فحينئذ يكون عالماً لا محالة مقادير الحاجات ومراتب الضرورات، لا يشغله سؤال عن سؤال، ولا يشتبه الأمر عليه بسبب كثرة أسئلة السائلين ثم قوله: ﴿ هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء ﴾ إشارة إلى كونه تعالى قادراً على جميع الممكنات، وحينئذ يكون قادراً على تحصيل مصالح جميع الخلق ومنافعهم، وعند حصول هذين الأمرين يظهر كونه قائماً بالقسط قيوماً بجميع الممكنات والكائنات، ثم فيه لطيفة أخرى، وهي أن قوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيء فِي الأرض وَلاَ فِي السماء ﴾ كما ذكرناه إشارة إلى كمال علمه سبحانه، والطريق إلى إثبات كونه تعالى عالماً لا يجوز أن يكون هو السمع، لأن معرفة صحة السمع موقوفة على العلم بكونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، بل الطريق إليه ليس إلا الدليل العقلي، وذلك هو أن نقول: إن أفعال الله تعالى محكمة متقنة، والفعل المحكم المتقن يدل على كون فاعله عالماً، فلما كان دليل كونه تعالى عالماً هو ما ذكرنا، فحين ادعى كونه عالماً بكل المعلومات بقوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيء فِي الأرض وَلاَ فِي السماء ﴾ أتبعه بالدليل العقلي الدال على ذلك، وهو أنه هو الذي صور في ظلمات الأرحام هذه البنية العجيبة، والتركيب الغريب، وركبه من أعضاء مختلفة في الشكل والطبع والصفة، فبعضها عظام، وبعضها غضاريف، وبعضها شرايين، وبعضها أوردة، وبعضها عضلات، ثم إنه ضم بعضها إلى بعض على التركيب الأحسن، والتأليف الأكمل، وذلك يدل على كمال قدرته حيث قدر أن يخلق من قطرة من النطفة هذه الأعضاء المختلفة في الطبائع والشكل واللون، ويدل على كونه عالماً من حيث إن الفعل المحكم لا يصدر إلا عن العالم، فكان قوله: ﴿ هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء ﴾ دالاً على كونه قادراً على كل الممكنات، ودالاً على صحة ما تقدم من قوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيء فِي الأرض وَلاَ فِي السماء ﴾ وإذا ثبت أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، وقادر على كل الممكنات، ثبت أنه قيوم المحدثات والممكنات، فظهر أن هذا كالتقرير لما ذكره تعالى أولاً من أنه هو الحي القيوم، ومن تأمل في هذه اللطائف علم أنه لا يعقل كلام أكثر فائدة، ولا أحسن ترتيباً، ولا أكثر تأثيراً في القلوب من هذه الكلمات.

والاحتمال الثاني: أن تنزل هذه الآيات على سبب نزولها، وذلك لأن النصارى ادعوا إلهية عيسى عليه السلام، وعولوا في ذلك على نوعين من الشبه، أحد النوعين شبه مستخرجة من مقدمات مشاهدة، والنوع الثاني: شبه مستخرجة من مقدمات إلزامية.

أما النوع الأول من الشبه: فاعتمادهم في ذلك على أمرين أحدهما: يتعلق بالعلم والثاني: يتعلق بالقدرة.

أما ما يتعلق بالعلم فهو أن عيسى عليه السلام كان يخبر عن الغيوب، وكان يقول لهذا: أنت أكلت في دارك كذا، ويقول لذاك: إنك صنعت في دارك كذا، فهذا النوع من شبه النصارى يتعلق بالعلم.

وأما الأمر الثاني من شبههم، فهو متعلق بالقدرة، وهو أن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وهذا النوع من شبه النصارى يتعلق بالقدرة، وليس للنصارى شبه في المسألة سوى هذين النوعين، ثم إنه تعالى لما استدل على بطلان قولهم في إلهية عيسى وفي التثليث بقوله: ﴿ الحى القيوم  ﴾ يعني الإله يجب أن يكون حياً قيوماً، وعيسى ما كان حياً قيوماً، لزم القطع إنه ما كان إلها، فأتبعه بهذه الآية ليقرر فيها ما يكون جواباً عن هاتين الشبهتين: أما الشبهة الأولى: وهي المتعلقة بالعلم، وهي قولهم: إنه أخبر عن الغيوب فوجب أن يكون إلها، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيء فِي الأرض وَلاَ فِي السماء ﴾ وتقرير الجواب أنه لا يلزم من كونه عالماً ببعض المغيبات أن يكون إلها لاحتمال أنه إنما علم ذلك بوحي من الله إليه، وتعليم الله تعالى له ذلك، لكن عدم إحاطته ببعض المغيبات يدل دلالة قاطعة على أنه ليس بإله لأن الإله هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فإن الإله هو الذي يكون خالقاً، والخالق لابد وأن يكون عالماً بمخلوقه، ومن المعلوم بالضرورة أن عيسى عليه السلام ما كان عالماً بجميع المعلومات والمغيبات، فكيف والنصارى يقولون: إنه أظهر الجزع من الموت فلو كان عالماً بالغيب كله، لعلم أن القوم يريدون أخذه وقتله، وأنه يتأذى بذلك ويتألم، فكان يفر منهم قبل وصولهم إليه، فلما لم يعلم هذا الغيب ظهر أنه ما كان عالماً بجميع المعلومات والمغيبات والإله هو الذي لا يخفى عليه شيء من المعلومات، فوجب القطع بأن عيسى عليه السلام ما كان إلها فثبت أن الاستدلال بمعرفة بعض الغيب لا يدل على حصول الإلهية، وأما الجهل ببعض الغيب يدل قطعاً على عدم الإلهية، فهذا هو الجواب عن النوع الأول من الشبه المتعلقة بالعلم.

أما النوع الثاني: من الشبه، وهو الشبهة المتعلقة بالقدرة فأجاب الله تعالى عنها بقوله: ﴿ هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء ﴾ والمعنى أن حصول الإحياء والإماتة على وفق قوله في بعض الصور لا يدل على كونه إلها، لاحتمال أن الله تعالى أكرمه بذلك الإحياء إظهاراً لمعجزته وإكراماً له.

أما العجز عن الإحياء والإماتة في بعض الصور يدل على عدم الإلهية، وذلك لأن الإله هو الذي يكون قادراً على أن يصور في الأرحام من قطرة صغيرة من النطفة هذا التركيب العجيب، والتأليف الغريب ومعلوم أن عيسى عليه السلام ما كان قادراً على الإحياء والإماتة على هذا الوجه وكيف، ولو قدر على ذلك لأمات أولئك الذين أخذوه على زعم النصارى وقتلوه، فثبت أن حصول الإحياء والإماتة على وفق قوله في بعض الصور لا يدل على كونه إلها، أما عدم حصولهما على وفق مراده في سائر الصور يدل على أنه ما كان إلها، فظهر بما ذكر أن هذه الشبهة الثانية أيضاً ساقطة.

وأما النوع الثاني من الشبه: فهي الشبه المبنية على مقدمات إلزامية، وحاصلها يرجع إلى نوعين.

النوع الأول: أن النصارى يقولون: أيها المسلمون أنتم توافقوننا على أنه ما كان له أب من البشر، فوجب أن يكون ابناً له فأجاب الله تعالى عنه أيضاً بقوله: ﴿ هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء ﴾ لأن هذا التصوير لما كان منه فإن شاء صوره من نطفة الأب وإن شاء صوره ابتداء من غير الأب.

والنوع الثاني: أن النصارى قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم ألست تقول: إن عيسى روح الله وكلمته، فهذا يدل على أنه ابن الله، فأجاب الله تعالى عنه بأن هذا إلزام لفظي، واللفظ محتمل للحقيقة والمجاز، فإذا ورد اللفظ بحيث يكون ظاهره مخالفاً للدليل العقلي كان من باب المتشابهات، فوجب رده إلى التأويل، وذلك هو المراد بقوله: ﴿ هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ ءايات محكمات هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ متشابهات  ﴾ فظهر بما ذكرنا أن قوله: ﴿ الحى القيوم ﴾ إشارة إلى ما يدل على أن المسيح ليس بإله ولا ابن له، وأما قوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيء فِي الأرض وَلاَ فِي السماء ﴾ فهو جواب عن الشبهة المتعلقة بالعلم، وقوله: ﴿ هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء ﴾ جواب عن تمسكهم بقدرته على الإحياء والإماتة، وعن تمسكهم بأنه ما كان له أب من البشر، فوجب أن يكون ابناً لله، وأما قوله: ﴿ هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب  ﴾ فهو جواب عن تمسكهم بما ورد في القرآن أن عيسى روح الله وكلمته، ومن أحاط علماً بما ذكرناه ولخصناه علم أن هذا الكلام على اختصاره أكثر تحصيلاً من كل ما ذكره المتكلمون في هذا الباب، وأنه ليس في المسألة حجة ولا شبهة ولا سؤال ولا جواب إلا وقد اشتملت هذه الآية عليه، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأما كلام من قبلنا من المفسرين في تفسير هذه الآيات فلم نذكره لأنه لا حاجة إليه فمن أراد ذلك طالع الكتب، ثم أنه تعالى لما أجاب عن شبههم أعاد كلمة التوحيد زجراً للنصارى عن قولهم بالتثليث، فقال: ﴿ لا إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم ﴾ فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة والحكيم إشارة إلى كمال العلم، وهو تقرير لما تقدم من أن علم المسيح ببعض الغيوب، وقدرته على الإحياء والإماتة في بعض الصور لا يكفي في كونه إلها فإن الإله لابد وأن يكون كامل القدرة وهو العزيز، وكامل العلم وهو الحكيم، وبقي في الآية أبحاث لطيفة، أما قوله: ﴿ لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيء فِي الأرض وَلاَ فِي السماء ﴾ فالمراد أنه لا يخفى عليه شيء.

فإن قيل: ما الفائدة في قوله: ﴿ فِي الأرض وَلاَ فِي السماء ﴾ مع أنه لو أطلق كان أبلغ.

قلنا: الغرض بذلك إفهام العباد كمال علمه، وفهمهم هذا المعنى عند ذكر السموات والأرض أقوى، وذلك لأن الحس يرى عظمة السموات والأرض، فيعين العقل على معرفة عظمة علم الله عزّ وجلّ والحس متى أعان العقل على المطلوب كان الفهم أتم والإدراك أكمل، ولذلك فإن المعاني الدقيقة إذا أُريد إيضاحها ذكر لها مثال، فإن المثال يعين على الفهم.

أما قوله: ﴿ هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ ﴾ قال الواحدي: التصوير جعل الشيء على صورة، والصورة هيئة حاصلة للشيء عند إيقاع التأليف بين أجزائه وأصله من صاره يصوره إذا أماله، فهي صورة لأنها مائلة إلى شكل أبويه وتمام الكلام فيه ذكرناه في قوله تعالى: ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ  ﴾ وأما الأرحام فهي جمع رحم وأصلها من الرحمة، وذلك لأن الاشتراك في الرحم يوجب الرحمة والعطف، فلهذا سمي ذلك العضو رحماً، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيْء ﴾ في العالم فعبر عنه بالسماء والأرض، فهو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن، وهو مجازيهم عليه ﴿ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾ من الصور المختلفة المتفاوتة.

وقرأ طاوس: ﴿ تصوّركم ﴾ ، أي صوّركم لنفسه ولتعبده، كقولك: أثلت مالاً، إذا جعلته أثلة، أي أصلاً.

وتأثلته، إذا أثلته لنفسك.

وعن سعيد بن جبير: هذا حجاج على من زعم أنّ عيسى كان رباً، كأنه نبه بكونه مصوراً في الرحم، على أنه عبد كغيره، وكان يخفى عليه ما لا يخفى على الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ﴾ أيُّ شَيْءٍ كائِنٍ في العالِمِ كُلِّيًّا كانَ أوْ جُزْئِيًّا، إيمانًا أوْ كُفْرًا.

فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّماءِ والأرْضِ إذِ الحِسُّ لا يَتَجاوَزُهُما، وإنَّما قَدَّمَ الأرْضَ تَرَقِّيًا مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، ولِأنَّ المَقْصُودَ بِالذِّكْرِ ما اقْتُرِفَ فِيها.

وهو كالدَّلِيلِ عَلى كَوْنِهِ حَيًّا وقَوْلُهُ: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ ﴾ أيْ مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ، كالدَّلِيلِ عَلى القَيُّومِيَّةِ، والِاسْتِدْلالُ عَلى أنَّهُ عالِمٌ بِإتْقانِ فِعْلِهِ في خَلْقِ الجَنِينِ وتَصْوِيرِهِ.

وقُرِئَ «تَصَوَّرَكُمْ» أيْ صَوَّرَكم لِنَفْسِهِ وعِبادَتِهِ.

﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ إذْ لا يَعْلَمُ غَيْرُهُ جُمْلَةَ ما يَعْلَمُهُ ولا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ ما يَفْعَلُهُ.

﴿ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وتَناهِي حِكْمَتِهِ.

قِيلَ: هَذا حِجاجٌ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ عِيسى كانَ رَبًّا، فَإنَّ وفْدَ نَجْرانَ لَمّا حاجُّوا فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ  نَزَلَتِ السُّورَةُ، مِن أوَّلِها إلى نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً تَقْرِيرًا لِما احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ وأجابَ عَنْ شُبَهِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{هُوَ الذي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاءُ} من الصور

آل عمران (٦ _ ٧)

المختلفة {لا إله إِلاَّ هُوَ العزيز} في سلطانه {الحكيم} في تدبيره روي أنه لما قدم وفد بني نجران وهم ستون راكباً أميرهم العاقب وعمدتهم السيد وأسقفهم وحبرهم أبو حارثة خاصموا في أن عيسى إن لم يكن ولداً لله فمن أبوه فقال عليه السلام ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه قالوا بلى قال ألم تعلموا أن الله تعالى حي لا يموت وعيسى يموت وأن ربنا قيم على العباد يحفظهم ويرزقهم وعيسى لا يقدر على ذلك وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وعيسى لا يعلم إلا ما علم وإنه صور عيسى في الرحم كيف شاء فحملته أمه ووضعته وأرضعته وكان يأكل ويحدث وربنا منزه عن ذلك كله فانقطعوا فنزل فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى الصَّحِيحِ ناطِقَةٌ بِبَعْضِ أحْكامِ قَيُّومِيَّتِهِ تَعالى مُشِيرَةٌ إلى تَقْرِيرِ عِلْمِهِ مَعَ زِيادَةِ بَيانٍ لِتَعَلُّقِهِ بِالأشْياءِ قَبْلَ وُجُودِها، والتَّصْوِيرُ جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى صُورَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها، والصُّورَةُ هَيْئَةٌ يَكُونُ عَلَيْها الشَّيْءُ بِالتَّأْلِيفِ، والأرْحامُ جَمْعُ رَحِمٍ وهي مَعْلُومَةٌ وكَأنَّها أُخِذَتْ مِنَ الرَّحْمَةِ لِأنَّها مِمّا يَتَراحَمُ بِها ويَتَعاطَفُ، وكَلِمَةُ (فِي) مُتَعَلِّقَةٌ بِ (يُصَوِّرُ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْ يُصَوِّرُكم وأنْتُمْ في الأرْحامِ مُضَغٌ، و(كَيْفَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ يَشاءُ وهو حالٌ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يَشاءُ تَصْوِيرَكُمْ، وقِيلَ: (كَيْفَ) ظَرْفٌ لِ (يَشاءُ) والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: يُصَوِّرُكم عَلى مَشِيئَتِهِ أيْ مُرِيدًا إنْ كانَ الحالُ مِنَ الفاعِلِ أوْ يُصَوِّرُكم مُتَقَلِّبِينَ عَلى مَشِيئَتِهِ تابِعِينَ لَها في قَبُولِ الأحْوالِ المُتَغايِرَةِ مِن كَوْنِكم نُطَفًا ثُمَّ عَلَقًا ثُمَّ مُضَغًا ثُمَّ وثُمَّ، وفي الِاتِّصافِ بِالصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ مِنَ الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ والحُسْنِ والقُبْحِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى بُطْلانِ زَعْمِ مَن زَعَمَ رُبُوبِيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ تَقَلُّبِهِ في الأطْوارِ ودَوْرِهِ في فَلَكِ هَذِهِ الأدْوارِ حَسْبَما شاءَهُ المَلِكُ القَهّارُ ورَكاكَةِ عُقُولِهِمْ ما لا يَخْفى، وقَرَأ طاوُسٌ (تَصَوَّرَكُمْ) عَلى صِيغَةِ الماضِي مِنَ التَّفَعُّلِ أيِ اِتَّخَذَ صُوَرَكم لِنَفْسِهِ وعِبادَتِهِ فَهو مِن بابِ تَوَسَّدَ التُّرابَ أيِ اِتَّخَذَهُ وسادَةً فَما قِيلَ: كَأنَّهُ مِن تَصَوَّرْتُ الشَّيْءَ بِمَعْنى تَوَهَّمْتُ صُورَتَهُ فالتَّصْدِيقُ أنَّهُ تَوَهُّمٌ مَحْضٌ.

﴿ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ  ﴾ كَرَّرَ الجُمْلَةَ الدّالَّةَ عَلى نَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى وانْحِصارِها فِيهِ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها ومُبالَغَةً في الرَّدِّ عَلى مَنِ اِدَّعى إلَهِيَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وناسَبَ مَجِيئُها بَعْدَ الوَصْفَيْنِ السّابِقَيْنِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ إذْ مَن هَذانَ الوَصْفانِ لَهُ هو المُتَّصِفُ بِالأُلُوهِيَّةِ لا غَيْرُهُ ثُمَّ أتى بِوَصْفِ العِزَّةِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ النَّظِيرِ أوِ التَّناهِي في القُدْرَةِ والحِكْمَةِ لِأنَّ خَلْقَهم عَلى ما ذَكَرَ مِنَ النَّمَطِ البَدِيعِ أثَرٌ مِن آثارِ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم أخبر عن صنعه، ليعتبروا بذلك فقال تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ أي يخلقكم كيف يشاء قصيراً أو طويلاً، حسناً أو ذميماً، ذكراً أو أنثى.

ويقال: شقيّاً أو سعيداً.

وهذا كما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ سعد في بطن أمه ثم قال سمعت رسول الله  يقول: «الوَلَدُ يَكُونُ في بَطْنِ أُمِّهِ، يكونُ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ يَصِيرُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ يَصِيرُ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ يُنْفَخُ فيهِ الرُّوحُ، ثُمَّ يُكْتَبُ شَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ» .

وذكر عن إبراهيم بن أدهم أن القراء اجتمعوا إليه، ليسألوا ما عنده من الحديث.

فقال لهم: إني مشغول بأربعة أشياء، فلا أتفرغ لرواية الحديث فقيل له: وما ذاك الشغل؟

فقال أحدها: إني أتفكر في يوم الميثاق.

حيث قال: هؤلاء في الجنة، ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي، فلا أدري من أي الفريقين كنت في ذلك الوقت.

والثاني حيث صوّرني في رحم أمي فقال الملك الموكل على الأرحام: يا رب شقي أم سعيد؟

فلا أدري كيف كان الجواب في ذلك الوقت.

والثالث حيث يقبض روحي ملك الموت فيقول: يا رب أمع الكفار أم مع المؤمنين؟

فلا أدري كيف يخرج الجواب.

والرابع حيث يقول: وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس: 59] ، فلا أدري من أي الفريقين أكون.

ثم قال تعالى: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني لا خالق ولا مصور إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ يعني المنيع بالنقمة لمن جحده الْحَكِيمُ يحكم تصوير الخلق على ما يشاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

كان المراد أنهما هُدىً في ذاتهما، مَدْعُوٌّ إليه فرعَوْنُ وغَيْرُه، فالناسُ عامٌّ في كل من شاء حينئذ أن يستبصر، والْفُرْقانَ: القرآن لأنه فَرَقَ بيْنَ الحقِّ والباطلِ، ثم توعَّد سبحانه الكفَّارَ عموماً بالعذابِ الشديدِ، والإشارةُ بهذا الوعيد إلى نصارى نجران، وعَزِيزٌ:

معناه: غالبٌ، والنقمة والاِنتقام: معاقبةُ المذْنِبِ بمبالغةٍ في ذلك.

قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ: هذه الآية خَبَرٌ عن علْمِ اللَّه تعالى بالأشياء، على التفصيل، وهذه صفةٌ لَمْ تكُنْ لعيسى، ولا لأحدٍ من المخلوقين، ثم أخبر سبحانه عن تَصْويره للبَشَرِ في أرحامِ الأمَّهاتِ، وهذا أمر لا ينكرُهُ عاقلٌ، ولا ينكر أنَّ عيسى وسائر البَشَر لا يقْدِرُونَ عليه، ولا ينكر أنَّ عيسى من المصوَّرِينَ كغيره من سائرِ البَشَر، فهذه الآية تعظيمٌ للَّه جلَّتْ قُدْرته في ضِمْنِها الرَّدُّ على نصارى نَجْران، وفي قوله: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ: وعيد، وشرح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كيفيَّة التصْويرِ في الحديثِ الَّذي رواه ابنُ مَسْعُودٍ وغيره «أنَّ النُّطْفَةَ، إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ، مَكَثَتْ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهَا مَلَكاً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَذَكَرْ/ أَمْ أنثى؟

أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ...

» الحديث بطوله على اختلاف ألفاظه «١» ، وفي مسندِ ابن «سِنْجَر» حديثٌ «أنَّ اللَّهَ سُبْحَانه يَخْلُقُ عِظَامَ الجَنِينِ وَغَضَارِيفَهُ مِنْ مَنِيِّ الرَّجُلِ، وَلَحْمَهُ وَشَحْمَهُ وَسَائِرَ ذَلِكَ مِنْ مَنِيِّ المَرْأَةِ» ، وَصَوَّرَ: بناءُ مبالغةٍ من صَارَ يَصُورُ، إِذا أمال وثنى إلى حالٍ مَّا، فلما كان التصويرُ إمالةً إلى حال، وإِثباتاً فيها، جاء بناؤه على المُبَالغة، والكتابُ في هذه الآية: القرآن، بإِجماع، والمُحْكَمَاتُ:

المفصَّلات المبيَّنات الثابتَاتُ الأحكامِ، والمُتَشَابِهَاتُ: هي التي تحتاجُ إِلى نظر وتأويلٍ، ويظهر فيها ببَادِي النَّظَرِ: إِما تَعَارُضٌ مع أخرى، وإما مع العَقْل إِلى غير ذلك من أنواع التشابه، فهذا الشَّبَه الذي من أجله تُوصَفُ بمتشابهات، إِنما هو بينها وبيْنَ المعانِي الفاسدة الَّتي يظنُّها أهْلُ الزيغِ، ومَنْ لم يُنْعِمِ النظَرَ، وهذا نحوُ الحديث الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«الحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ» «٢» ، أي: يكون الشيء حراما في نفسه،

فَيُشْبِهُ عند من لَمْ يُنْعِمِ النظر شيئاً حلالاً وكذلك الآية: يكونُ لها في نفسها معنًى صحيحٌ، فيشبه عنْد مَنْ لم ينعمِ النظر، أو عند الزائغِ معنًى آخر فاسداً، فربَّما أراد الاِعتراضَ به على كتاب اللَّه، هذا عندي معنَى الإِحكام والتشابُهِ في هذه الآية.

قال ع «١» : وأحسنُ ما قيل في هذه الآية قولُ محمَّدِ بنِ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيرِ»

أن المُحْكَمَاتِ هي الَّتِي فيهن حُجَّةُ الربِّ، وعصمةُ العبادِ، ودفْعُ الخصومِ والباطل، ليس لها تصريفٌ ولا تحريفٌ عمَّا وضعْنَ عليه، والمُتَشَابِهَاتُ: لها تصريفٌ وتحريفٌ، وتأويلٌ ابتلى اللَّه فيهنَّ العباد «٣» ، قال ابن الحاجِبِ في «منتهَى الوُصُولِ» : مسألةٌ في القرآن محكمٌ ومتشابهٌ، قال تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ، فالمُحُكَمُ:

المتَّضِح المعنى، قال الرهوني: يعني نَصًّا كان أو ظَاهِراً، والمُتَشَابَهُ: مقابله إمَّا للاشتراك مثل: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] ، أو للإجمالِ مثلُ: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ [البقرة: ٢٣٧] وما ظاهره التّشبيه مثل: مِنْ رُوحِي [ص: ٧٢] ، وأَيْدِينا [يس: ٧١] ، وبِيَدَيَّ [ص: ٧٥] وبِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] ، ويَسْتَهْزِئُ [البقرة: ١٥] ، ومَكَرَ اللَّهُ [آل عمران: ٥٤] ونحوه، والظاهرُ: الوقْفُ على: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لأن الخطاب بما لا يُفْهَمُ بعيدٌ.

انتهى.

قال الرهونيُّ: وسمِّي ما ذكر «مُتَشَابِهاً» لاشتباهه على السامِعِ، قال الرهونيُّ:

والحقُّ الوقْفُ على: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ.

وهو المرويُّ عن جماعة منهم: ابنُ عبَّاسٍ، وابنُ عمر، وابنْ مسعودٍ، ومالكٌ، وغيرهم، وفي مُصْحَفِ أُبِيٍّ: «وما يعلم تأويلَهُ إلاَّ اللَّه ويقول الراسخونَ [في العلْمِ] «٤» آمنا بِه» «٥» .

اهـ.

وقوله تعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، أي: معظم الكتاب، وعُمْدة ما فيه: إذ المُحْكَم في آياتِ اللَّه كثيرٌ قد فُصِّلَ، ولم يفرَّطْ في شيء منه، قال يَحْيَى بْنُ يعمر «٦» : كما يقال

لمكَّة أمُّ القرى.

قال ع «١» : وكما يقالُ: أمُّ الرَّأْس لمجتمع الشؤونِ، فجميع المحكَمِ هو أم الكتابِ، ومعنى الآية الإِنْحَاءُ على أهل الزيْغِ، والمذمَّةُ لهم، والإِشارة بذلك أولاً إلى نصارى نَجْرَانَ، وإلى اليهودِ الذين كانوا معاصِرِينَ لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، فإِنهم كانوا يعترضُون معانِيَ القُرآن، ثم يعم بعد ذلك كلِّ زائغ، فذكر تعالى أنه نزّل الكتاب/ على نبيّه محمد صلّى الله عليه وسلّم إِفضالاً منه، ونعمةً وأنَّ مُحْكَمَه وبَيِّنَهُ الَّذي لا اعتراض فيه هو معظمه، والغالِبُ فيه وأنَّ متشابهه الذي يحتملُ التَّأْوِيلَ، ويحتاجُ إِلى التفهُّم هو أقلُّه، ثم إِن أهل الزيغ يتركُونَ المحكَمَ الذي فيه غُنْيَتهم، ويتبعونَ المتشَابِه ابتغاء الفِتْنَةِ، وأنْ يفسدوا ذاتَ البَيْن، ويردوا النَّاس إِلى زيغهم.

م: قال أبو البقاءِ: وَأُخَرُ: معطوف على آياتٌ، ومُتَشابِهاتٌ: نعت ل أُخَرُ.

وقوله تعالى: الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ: يعمُّ كل طائفةٍ من كافرٍ وزنديق وجاهل صاحب بدعة، والزيغ: الميل، وابْتِغاءَ: نصبٌ على المفعولِ من أجله، ومعناه: طلبُ الفِتْنَة، قال الربيع: الفِتْنَة هنا الشرْكُ، وقال مجاهدٌ: الفتْنَةُ: الشبهاتُ، واللَّبْسُ على المؤمنين، ثم قال: وابتغاء تأويلِهِ، والتأويل هو مَرَدُّ الكلامِ، وَمَرْجِعُهُ، والشيء الذي يقفُ علَيْه من المعانِي، وهو من: آلَ يَئولُ، إذا رجع، فالمعنى: وطَلَبَ تأويلِهِ على مَنَازِعِهِمُ الفاسدَةِ، هذا في ما له تأويلٌ حسنٌ، وإن كان ممَّا لا يتأوَّل، بل يوقَفُ فيه، كالكلامِ في معنَى الرُّوح ونحوه، فنَفْسُ طلب تأويله هو اتباع ما تشابه، ثم قال تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، أي: وما يعلم تأويله على الكَمَال إلا اللَّه سبحانه.

واختلف في قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، فرأَتْ فرقةٌ أنَّ رفْعَ الراسخين هو بالعطْفِ على اسْمِ اللَّهِ (عَزَّ وجلَّ) وأنه مع علمهم بالمتشابه يقولونَ: آمَنَّا بِهِ، وقالتْ طائفةٌ أخرى: والراسخُونَ: رفْع بالابتداء، وهو مقطوعٌ من الكلامِ الأول، وخبره «يَقُولُونَ» ، والمنفَردُ بعلْم المتشابه هو اللَّه وحده.

قال ع «١» : وهذه المسألة إذا تأمّلت، قَرُبَ الخلافُ فيها من الاِتفاقِ، وذلك أنَّ اللَّه تعالى قسَّم آي الكتابِ قسْمَيْن محكمًا ومتشابهًا، فالمُحْكَم هو المتَّضِحُ المعنى لكلِّ من يفهم كلامَ العَرَب، لا يحتَاجُ فيه إِلى نظر، ولا يتعلَّق به شيء يلبِّس، ويستوي في علمه الراسخُ وغيره، والمتشابه على نوعَيْن، منه: ما لا يُعْلَمُ البتَّةَ كأمر الرُّوح، وآمادِ المغيَّبات التي قد أعْلَمَ اللَّه بوقوعها إلى سائر ذلك، ومنه: ما يُحْمَلُ على وجوه في اللغة، ومَنَاحٍ في كلامِ العربِ، فَيُتَأوَّلُ، ويُعْلَم تأويله، ولا يسمَّى أحدٌ راسِخاً إلاَّ أنْ يعلم من هذا النوع كثيراً بحَسَب ما قُدِّر له، فمَنْ قال: إن الراسخين لا يعلمون تأويله، فمراده النوْعُ الثاني الَّذي ذكرناه، ومَنْ قال: إن الراسخين لا يعلَمُونَ تأويله، فمراده النوع الأول كأمر الرُّوح، ووقْتِ الساعةِ، لكنَّ تخصيصه المتشابه بهذا النوعِ غيرُ صحيحٍ، بل هو نوعانِ كما ذكرنا، والضمير في تَأْوِيلِهِ عائدٌ على جميع متشابه القرآن، وهما نوعانِ كما ذكرنا، والرُّسُوخُ: الثبوتُ في الشيءِ، وسئل النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ، فَقَالَ: «هُوَ مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ، واستقام قَلْبُهُ» «٢» ، قُلْتُ: ومن «جامعِ العَتَبِيَّةِ» ، وسُئِل مالكٌ عن تفسيرِ الراسخين في العلم، فقال: العالمون العالمون بما علموا، المتَّبِعُونَ له، قال ابنُ رُشْدٍ: قولُ مالِكٍ هذا هو معنى ما رُوِيَ من أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سُئِلَ: مَنِ الراسِخُ في العِلْمِ؟

فقالَ: «مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وصَدَقَ لِسَانُهُ، / واستقام بِهِ قَلْبُهُ، وعَفَّ بَطْنُهُ، فَذَلِكَ الرَّاسِخُ فِي العِلْمِ» قال ابنُ رُشْدٍ: ويشهد لصحَّة هذا قولُ اللَّهِ (عز وجل) : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] لأنه كَلاَمٌ يدُلُّ عَلى أنَّ مَنْ لَمْ يَخْشَ اللَّه، فَلَيْسَ بعالمٍ.

انتهى.

قلت: وقد جاء في فضْلِ العلْمِ آثارٌ كثيرةٌ، فمن أحسنها: ما رواه أبو عُمَرَ بْنُ عبدِ البَرِّ بسنده، عن معاذِ بنِ جَبلٍ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تَعَلَّمُوا العِلْمَ فَإِنَّ تَعْلِيمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، والبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لاَ يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لأَهْلِهِ قُرْبَةٌ لأَنَّهُ مَعَالِمُ الحَلاَلِ وَالْحَرَامِ، وَمَنَارُ سُبُلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وهو الأنيسُ فِي الوَحْشَةِ، والصَّاحِبُ فِي الغُرْبَةِ، وَالمُحْدِّثُ فِي الخَلْوَةِ، والدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالسِّلاَحُ عَلَى الأَعْدَاءِ، وَالزِّيْنُ عِنْدَ الأَخِلاَّءِ، وَيَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَاماً فَيَجْعَلُهُمْ فِي الخَيْرِ قَادَةً وَأَئِمَّةً تُقْتَصُّ آثَارُهُمْ، ويقتدى بِفِعَالِهِمْ، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلّتهم،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هَذا تَعْرِيضٌ بِنَصارى أهْلِ نَجْرانَ فِيما كانُوا يَنْطَوُونَ عَلَيْهِ مِن كَيْدِ النَّبِيِّ  وذِكْرُ التَّصْوِيرِ في الأرْحامِ تَنْبِيهٌ عَلى أمْرِ عِيسى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَماءِ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابَ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ عن عِلْمِ اللهِ تَعالى بِالأشْياءِ عَلى التَفْصِيلِ، وهَذِهِ صِفَةٌ لَمْ تَكُنْ لِعِيسى وَلا لِأحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ، ثُمَّ أخْبَرَ عن تَصْوِيرِهِ البَشَرَ في أرْحامِ الأُمَّهاتِ، وهَذا أمْرٌ لا يُنْكِرُهُ عاقِلٌ، ولا يُنْكِرُ أنَّ عِيسى وسائِرَ البَشَرِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، ولا يُنْكِرُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ المُصَوَّرِينَ في الأرْحامِ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى في ضِمْنِها الرَدُّ عَلى نَصارى نَجْرانَ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ وعِيدٌ ما لَهُمْ؛ فَسَّرَ بِنَحْوِ هَذا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ والرَبِيعُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ ﴾ رَدٌّ عَلى أهْلِ الطَبِيعَةِ، إذْ يَجْعَلُونَها فاعِلَةً مُسْتَبِدَّةً، وشَرَحَ النَبِيُّ  كَيْفِيَّةَ التَصْوِيرِ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: « "إنَّ النُطْفَةَ إذا وقَعَتْ في الرَحِمِ مَكَثَتْ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إلَيْها مَلَكًا فَيَقُولُ: يا رَبُّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟

أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ؟".» الحَدِيثُ بِطُولِهِ عَلى اخْتِلافِ ألْفاظِهِ.

وفي مُسْنَدِ ابْنِ سَنْجَرٍ حَدِيثُ: « "إنَّ اللهَ يَخْلُقُ عِظامَ الجَنِينِ وغَضارِيفَهُ مِن مَنِيِّ الرَجُلِ، ولَحْمَهُ وشَحْمَهُ وسائِرَ ذَلِكَ مِن مَنِيِّ المَرْأةِ".» و"صَوَّرَ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن: صارَ يَصُورُ إذا أمالَ وثَنى إلى حالٍ ما، فَلَمّا كانَ التَصْوِيرُ إمالَةً إلى حالٍ وإثْباتًا فِيها، جاءَ بِناؤُهُ عَلى المُبالَغَةِ.

والرَحِمُ: مَوْضِعُ نَشْأةِ الجَنِينِ.

و"كَيْفَ يَشاءُ" يَعْنِي مِن طُولٍ وقِصَرٍ ولَوْنٍ وسَلامَةٍ وعاهَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ.

و"العَزِيزُ": الغالِبُ، و"الحَكِيمُ": ذُو الحِكْمَةِ أوِ المُحَكِّمُ في مَخْلُوقاتِهِ، وهَذا أخَصُّ بِما ذَكَرَ مِنَ التَصْوِيرِ.

و"الكِتابَ" في هَذِهِ الآيَةِ: القُرْآنُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، والمُحْكَماتُ: المُفَصَّلاتُ المُبَيَّناتُ الثابِتاتُ الأحْكامِ، والمُتَشابِهاتُ: هي الَّتِي فِيها نَظَرٌ وتَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، ويَظْهَرُ فِيها بِبادِئِ النَظَرِ إمّا تَعارُضٌ مَعَ أُخْرى أو مَعَ العَقْلِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ التَشابُهِ، فَهَذا الشَبَهُ الَّذِي مِن أجْلِهِ تُوصَفُ بِمُتَشابِهاتٍ إنَّما هو بَيْنَها وبَيْنَ المَعانِي الفاسِدَةِ الَّتِي يَظُنُّها أهْلُ الزَيْغِ ومَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ، وهَذا نَحْوَ الحَدِيثِ الصَحِيحِ، عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "الحَلالُ بَيِّنٌ والحَرامُ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَشابِهاتٌ"» أيْ يَكُونُ الشَيْءُ حَرامًا في نَفْسِهِ فَيُشْبِهُ عِنْدَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ شَيْئًا حَلالًا، وكَذَلِكَ الآيَةُ يَكُونُ لَها في نَفْسِها مَعْنىً صَحِيحٌ فَتُشْبِهُ عِنْدَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ أو عِنْدَ الزائِغِ مَعْنىً آخَرَ فاسِدًا، فَرُبَّما أرادَ الِاعْتِراضَ بِهِ عَلى كِتابِ اللهِ، هَذا عِنْدِي مَعْنى الإحْكامِ والتَشابُهِ في هَذِهِ الآيَةِ، ألا تَرى «أنَّ نَصارى نَجْرانَ قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: ألَيْسَ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللهِ ورُوحٌ مِنهُ؟

قالَ نَعَمْ، قالُوا: فَحَسْبُنا إذًا،» فَهَذا التَشابُهُ.

واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ المُرادِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُحْكَماتُ: هي قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ  ﴾ إلى ثَلاثِ آياتٍ، وقَوْلُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿ وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ  ﴾ ، وهَذا عِنْدِي مِثالٌ أعْطاهُ في المُحْكَماتِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المُحْكَماتُ: ناسِخُهُ وحَلالُهُ وحَرامُهُ وما يُؤْمَنُ بِهِ ويُعْمَلُ بِهِ؛ والمُتَشابِهاتُ: مَنسُوخُهُ ومُقَدَّمُهُ ومُؤَخَّرُهُ وأمْثالُهُ وأقْسامُهُ وما يُؤْمَنُ بِهِ ولا يُعْمَلُ بِهِ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: المُحْكَماتُ الناسِخاتُ، والمُتَشابِهاتُ: المَنسُوخاتُ.

وهَذا عِنْدِي عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ أيْ يُوجَدُ الإحْكامُ في هَذا والتَشابُهُ في هَذا، لا أنَّهُ وقْفٌ عَلى هَذا النَوْعِ مِنَ الآياتِ.

وقالَ بِهَذا القَوْلِ قَتادَةُ والرَبِيعُ والضَحّاكُ.

وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: المُحْكَماتُ: ما فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ، وما سِوى ذَلِكَ فَهو مُتَشابِهٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ وَما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ  ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ  ﴾ .

وهَذِهِ الأقْوالُ وما ضارَعَها؛ يُضْعِفُها أنَّ أهْلَ الزَيْغِ لا تَعَلُّقَ لَهم بِنَوْعٍ مِمّا ذُكِرَ دُونَ سِواهُ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: المُحْكَماتُ: هي الَّتِي فِيهِنَّ حُجَّةُ الرَبِّ وعِصْمَةُ العِبادِ ودَفْعُ الخُصُومِ والباطِلِ، لَيْسَ لَها تَصْرِيفٌ ولا تَحْرِيفٌ عَمّا وُضِعْنَ عَلَيْهِ، والمُتَشابِهاتُ: لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وتَحْرِيفٌ وتَأْوِيلٌ ابْتَلى اللهُ فِيهِنَّ العِبادَ، وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُحْكَمُ: ما أُحْكِمَ فِيهِ قِصَصُ الأنْبِياءِ والأُمَمِ، وبُيِّنَ لِمُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ، والمُتَشابِهُ: هو ما اشْتَبَهَتِ الألْفاظُ بِهِ مِن قِصَصِهِمْ عِنْدَ التَكْرِيرِ في السُوَرِ بَعْضُهُ بِاتِّفاقِ الألْفاظِ واخْتِلافِ المَعانِي، وبَعْضُهُ بِعَكْسِ ذَلِكَ نَحْوِ قَوْلِهِ: "حَيَّةٌ تَسْعى" و"ثُعْبانٌ مُبِينٌ" ونَحْوِ: "اسْلُكْ يَدَكَ" و"أدْخِلْ يَدَكَ".

وقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ؛ مِنهم جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رِئابٍ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ الشَعْبِيِّ وسُفْيانَ الثَوْرِيِّ وغَيْرِهِما: المُحْكَماتُ مِن آيِ القُرْآنِ: ما عَرَفَ العُلَماءُ تَأْوِيلَهُ وفَهِمُوا مَعْناهُ وتَفْسِيرَهُ، والمُتَشابِهُ: ما لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ إلى عِلْمِهِ سَبِيلٌ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ دُونَ خَلْقِهِ.

قالَ بَعْضُهُمْ: وذَلِكَ مِثْلُ وقْتِ قِيامِ الساعَةِ وخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ والدَجّالِ ونُزُولِ عِيسى، ونَحْوِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الحَقِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أمّا الغُيُوبُ الَّتِي تَأْتِي فَهي مِنَ المُحْكَماتِ، لِأنَّ ما يَعْلَمُ البَشَرُ مِنها مَحْدُودٌ، وما لا يَعْلَمُونَهُ وهو تَحْدِيدُ الوَقْتِ مَحْدُودٌ أيْضًا.

وأمّا أوائِلُ السُوَرِ فَمِنَ المُتَشابِهِ لِأنَّها مُعَرَّضَةٌ لِلتَّأْوِيلِ، ولِذَلِكَ اتَّبَعَتْهُ اليَهُودُ وأرادُوا أنْ يَفْهَمُوا مِنهُ مُدَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ.

وفِي بَعْضِ هَذِهِ العِباراتِ الَّتِي ذَكَرْنا لِلْعُلَماءِ اعْتِراضاتٌ، وذَلِكَ أنَّ التَشابُهَ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ مُقَيَّدٌ بِأنَّهُ مِمّا لِأهْلِ الزَيْغِ بِهِ تَعَلُّقٌ، وفي بَعْضِ عِباراتِ المُفَسِّرِينَ تَشابُهٌ لا يَقْتَضِي لِأهْلِ الزَيْغِ تَعَلُّقًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ ﴾ فَمَعْناهُ الإعْلامُ بِأنَّها مُعْظَمُ الكِتابِ وعُمْدَةُ ما فِيهِ، إذِ المُحْكَمُ في آياتِ اللهِ كَثِيرٌ قَدْ فُصِّلَ ولَمْ يُفَرَّطْ في شَيْءٍ مِنهُ.

قالَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: هَذا كَما يُقالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ القُرى، ولِمُرْوٍ: أُمُّ خُراسانَ، وكَما يُقالُ: أُمُّ الرَأْسِ لِمُجْتَمَعِ الشُؤُونِ إذْ هو أخْطَرُ مَكانٍ.

قالَ المَهْدَوِيُّ والنَقّاشُ: كُلُّ آيَةٍ مُحْكَمَةٍ في كِتابِ اللهِ يُقالُ لَها أُمُّ الكِتابِ؛ وهَذا مَرْدُودٌ بَلْ جَمِيعُ المُحْكَمِ هو أُمُّ الكِتابِ، وقالَ النَقّاشُ: وهَذا كَما تَقُولُ: كُلُّكم عَلَيَّ أسَدٌ ضارٍ، وهَذا المِثالُ غَيْرُ مُحْكَمٍ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "أُمُّ الكِتابِ" مَعْناهُ: جِماعُ الكِتابِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي فاخِتَةَ أنَّهُ قالَ: "هُنَّ أُمُّ الكِتابِ" يُرادُ بِهِ فَواتِحُ السُوَرِ إذْ مِنها يُسْتَخْرَجُ القُرْآنُ ﴿ الم  ﴾ ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ  ﴾ مِنهُ اسْتُخْرِجَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ، ﴿ الم  ﴾ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ  ﴾ مِنهُ اسْتُخْرِجَتْ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ.

وهَذا قَوْلٌ مُتَداعٍ لِلسُّقُوطِ، مُضْطَرِبٌ لَمْ يَنْظُرْ قائِلُهُ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها ومَقْصِدَها، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ الإنْحاءُ عَلى أهْلِ الزَيْغِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ أوَّلًا إلى نَصارى نَجْرانَ، وإلى اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا مُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَإنَّهم كانُوا يَعْتَرِضُونَ مَعانِيَ القُرْآنِ، ثُمَّ تَعُمُّ بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّ زائِغٍ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ نَزَّلَ الكِتابَ عَلى مُحَمَّدٍ إفْضالًا مِنهُ ونِعْمَةً، وأنَّ مُحْكَمَهُ وبَيِّنَهُ الَّذِي لا اعْتِراضَ فِيهِ هو مُعْظَمُهُ والغالِبُ عَلَيْهِ، وأنَّ مُتَشابِهَهُ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَأْوِيلَ ويَحْتاجُ إلى التَفَهُّمِ، هو أقَلُّهُ.

ثُمَّ إنَّ أهْلَ الزَيْغِ يَتْرُكُونَ المُحْكَمَ الَّذِي فِيهِ غُنْيَتُهُمْ، ويَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ، ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وأنْ يُفْسِدُوا ذاتَ البَيْنِ ويَرُدُّوا الناسَ إلى زَيْغِهِمْ، فَهَكَذا تَتَوَجَّهُ المَذَمَّةُ عَلَيْهِمْ.

"وَأُخَرُ" جَمْعُ أُخْرى لا يَنْصَرِفُ لِأنَّهُ صِفَةٌ، وعُدِلَ عَنِ الألِفِ واللامِ في أنَّهُ يُثَنّى ويُجْمَعُ، وصِفاتُ التَفْضِيلِ كُلُّها إذا عَرِيَتْ عَنِ الألِفِ واللامِ لَمْ تُثَنَّ ولَمْ تُجْمَعْ، كَأفْضَلِ وما جَرى مَجْراهُ، ولا يُفاضَلُ بِهَذِهِ الصِفاتِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إلّا وهي مُنَكَّرَةٌ، ومَتى دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ زالَ مَعْنى التَفْضِيلِ بَيْنَ أمْرَيْنِ، ولَيْسَ عَدْلُ "أُخَرُ" عَنِ الألِفِ واللامِ مُؤَثِّرًا في التَعْرِيفِ كَما هو عَدْلُ "سَحَرْ" بَلْ أُخَرُ نَكِرَةٌ، وأمّا سَحَرٌ فَعَدَلَ بِأنَّهُ زالَتِ الألِفُ واللامُ، وبَقِيَ مَعْرِفَةً في قَوْلِهِ "جِئْتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَحَرْ".

وخَلَطَ المَهْدَوِيُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ وأفْسَدَ كَلامَ سِيبَوَيْهِ فَتَأمَّلْهُ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلِهِ إلا اللهُ والراسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ يَعُمُّ كُلَّ طائِفَةٍ مِن كافِرٍ وزِنْدِيقٍ وجاهِلٍ صاحِبِ بِدْعَةٍ.

والزَيْغُ: المَيْلُ، ومِنهُ زاغَتِ الشَمْسُ، وزاغَتِ الأبْصارُ.

والإشارَةُ بِالآيَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَتْ إلى نَصارى نَجْرانَ لِتَعَرُّضِهِمْ لِلْقُرْآنِ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ الرَبِيعُ، وإلى اليَهُودِ، ثُمَّ تَنْسَحِبُ عَلى كُلِّ ذِي بِدْعَةٍ أو كُفْرٍ، وبِالمَيْلِ عَنِ الهُدى فَسَّرَ الزَيْغَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم.

و ﴿ ما تَشابَهَ مِنهُ ﴾ هو المَوْصُوفُ آنِفًا بِـ "مُتَشابِهاتٌ".

وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ : إنْ لَمْ يَكُونُوا الحَرُورِيَّةَ وأنْواعَ الخَوارِجِ فَلا أدْرِي مَن هم.

وقالَتْ عائِشَةُ: "إذا رَأيْتُمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في القُرْآنِ فَهُمُ الَّذِي عَنى اللهُ فاحْذَرُوهُمْ" وقالَ الطَبَرِيُّ: الأشْبَهُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في الَّذِينَ جادَلُوا رَسُولَ اللهِ  في مُدَّتِهِ ومُدَّةِ أُمَّتِهِ بِسَبَبِ حُرُوفِ أوائِلِ السُوَرِ، وهَؤُلاءِ هُمُ اليَهُودُ.

و"ابْتِغاءَ" نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، ومَعْناهُ طَلَبُ الفِتْنَةِ.

وقالَ الرَبِيعُ: الفِتْنَةُ هُنا: الشِرْكُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الفِتْنَةُ الشُبُهاتُ واللَبْسُ عَلى المُؤْمِنِينَ.

ثُمَّ قالَ: و"ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ" والتَأْوِيلُ هو مَرَدُّ الكَلامِ ومَرْجِعُهُ، والشَيْءُ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي، وهو مِن آلَ يَؤُولُ، إذا رَجَعَ، فالمَعْنى: وطَلَبَ تَأْوِيلَهُ عَلى مَنازِعِهِمُ الفاسِدَةِ.

هَذا فِيما لَهُ تَأْوِيلٌ حَسَنٌ، وإنْ كانَ مِمّا لا يُتَأوَّلُ، بَلْ يُوقَفُ فِيهِ كالكَلامِ في مَعْنى الرُوحِ ونَحْوِهِ، فَنَفْسُ طَلَبِ تَأْوِيلِهِ هو اتِّباعُ ما تَشابَهَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ابْتَغَوْا مَعْرِفَةَ مُدَّةِ مُحَمَّدٍ  وأُمَّتِهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللهُ ﴾ فَهَذا عَلى الكَمالِ والتَوْفِيَةِ فِيما لا يُتَأوَّلُ ولا سَبِيلَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ كَأمْرِ الرُوحِ، وتَعَرُّفِ وقْتِ قِيامِ الساعَةِ وسائِرِ الأحْداثِ الَّتِي أنْذَرَ بِها الشَرْعُ، وفِيما يُمْكِنُ أنْ يَتَأوَّلَهُ العُلَماءُ ويَصِحَّ التَطَرُّقُ إلَيْهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ عَلى الكَمالِ إلّا اللهُ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والراسِخُونَ في العِلْمِ ﴾ فَرَأتْ فِرْقَةٌ أنَّ رَفْعَ "والراسِخُونَ" هو بِالعَطْفِ عَلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهم داخِلُونَ في عِلْمِ المُتَشابِهِ في كِتابِ اللهِ، وأنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ "يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ"...

الآيَةُ، قالَ بِهَذا القَوْلِ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ: أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: والراسِخُونَ في العِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ ويَقُولُونَ آمَنّا بِهِ، وقالَهُ الرَبِيعُ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُمْ، و"يَقُولُونَ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ نُصِبَ عَلى الحالِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: "والراسِخُونَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وهو مَقْطُوعٌ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، وخَبَرُهُ "يَقُولُونَ".

والمُنْفَرِدُ بِعِلْمِ المُتَشابِهِ هو اللهُ وحْدَهُ بِحَسَبِ اللَفْظِ في الآيَةِ، وفِعْلُ الراسِخِينَ قَوْلُهُمْ: "آمَنّا بِهِ" قالَتْهُ عائِشَةُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا.

وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: إنَّ الراسِخِينَ لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ ولَكِنَّهم يَقُولُونَ: "آمَنّا بِهِ".

وقالَ أبُو نَهِيكٍ الأسَدِيُّ: إنَّكم تَصِلُونَ هَذِهِ الآيَةَ وإنَّها مَقْطُوعَةٌ، وما انْتَهى عِلْمُ الراسِخِينَ إلّا إلى قَوْلِهِمْ: ﴿ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا ﴾ وقالَ مِثْلَ هَذا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وحَكى نَحْوَهُ الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أشْهَبَ عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ المَسْألَةُ إذا تُؤُمِّلَتْ قَرُبَ الخِلافُ فِيها مِنَ الِاتِّفاقِ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى قَسَمَ آيَ الكِتابِ قِسْمَيْنِ: مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا، فالمُحْكَمُ هو المُتَّضِحُ المَعْنى لِكُلِّ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ، لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى نَظَرٍ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ يُلْبِسُ، ويَسْتَوِي في عِلْمِهِ الراسِخُ وغَيْرُهُ، والمُتَشابِهُ يَتَنَوَّعُ، فَمِنهُ ما لا يُعْلَمُ البَتَّةَ، كَأمْرِ الرُوحِ، وآمادِ المُغَيَّباتِ الَّتِي قَدْ أعْلَمَ اللهُ بِوُقُوعِها، إلى سائِرِ ذَلِكَ، ومِنهُ ما يُحْمَلُ عَلى وُجُوهٍ في اللُغَةِ ومَناحٍ في كَلامِ العَرَبِ، فَيُتَأوَّلُ ويُعْلَمُ تَأْوِيلُهُ المُسْتَقِيمُ، ويُزالُ ما فِيهِ مِمّا عَسى أنْ يُتَعَلَّقَ بِهِ مِن تَأْوِيلٍ غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ كَقَوْلِهِ في عِيسى: "وَرُوحٌ مِنهُ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولا يُسَمّى أحَدٌ راسِخًا إلّا بِأنْ يَعْلَمَ مِن هَذا النَوْعِ كَثِيرًا بِحَسَبِ ما قُدِّرَ لَهُ، وإلّا فَمَن لا يَعْلَمُ سِوى المُحْكَمِ فَلَيْسَ يُسَمّى راسِخًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى جَمِيعِ مُتَشابِهِ القُرْآنِ، وهو نَوْعانِ كَما ذَكَرْنا، فَقَوْلُهُ: "إلّا اللهُ" مُقْتَضٍ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ يَعْلَمُهُ عَلى الكَمالِ والِاسْتِيفاءِ، يَعْلَمُ نَوْعَيْهِ جَمِيعًا.

فَإنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: "والراسِخُونَ" عَطْفًا عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، فالمَعْنى إدْخالُهم في عِلْمِ التَأْوِيلِ لا عَلى الكَمالِ، بَلْ عِلْمُهم إنَّما هو في النَوْعِ الثانِي مِنَ المُتَشابِهِ، وبَدِيهَةُ العَقْلِ تَقْضِي بِهَذا، والكَلامُ مُسْتَقِيمٌ عَلى فَصاحَةِ العَرَبِ كَما تَقُولُ: ما قامَ لِنُصْرَتِي إلّا فُلانٌ وفُلانٌ، وأحَدُهُما قَدْ نَصَرَكَ بِأنْ حارَبَ مَعَكَ، والآخَرُ إنَّما أعانَكَ بِكَلامٍ فَقَطْ، إلى كَثِيرٍ مِنَ المُثُلِ، فالمَعْنى "وَما يَعْلَمُ" تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ إلّا اللهُ والراسِخُونَ كُلٌّ بِقَدْرِهِ وما يَصْلُحُ لَهُ، والراسِخُونَ بِحالِ قَوْلٍ في جَمِيعِهِ "آمَنّا بِهِ"، وإذا تَحَصَّلَ لَهم في الَّذِي لا يُعْلَمُ ولا يُتَصَوَّرُ عَلَيْهِ تَمْيِيزُهُ مِن غَيْرِهِ، فَذَلِكَ قَدْرٌ مِنَ العِلْمِ بِتَأْوِيلِهِ، وإنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: "والراسِخُونَ" رَفْعًا بِالِابْتِداءِ مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ، فَتَسْمِيَتُهم راسِخِينَ يَقْتَضِي بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أكْثَرَ مِنَ المُحْكَمِ الَّذِي يَسْتَوِي في عِلْمِهِ جَمِيعُ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ، وفي أيِّ شَيْءٍ هو رُسُوخُهُمْ، إذا لَمْ يَعْلَمُوا إلّا ما يَعْلَمُ الجَمِيعُ؟

وما الرُسُوخُ إلّا المَعْرِفَةُ بِتَصارِيفِ الكَلامِ، ومَوارِدِ الأحْكامِ، ومَواقِعِ المَواعِظِ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِقَرِيحَةٍ مُعَدَّةٍ، فالمَعْنى: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ عَلى الِاسْتِيفاءِ إلّا اللهُ، والقَوْمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مِنهُ ما يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ يَقُولُونَ في جَمِيعِهِ: "آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا" وهَذا القَدْرُ هو الَّذِي تَعاطى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهو تُرْجُمانُ القُرْآنِ، ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلِمَ وقْتَ الساعَةِ وأمْرَ الرُوحِ وما شاكَلَهُ.

فَإعْرابُ "الراسِخُونَ" يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِهِما، والمَعْنى فِيهِما يَتَقارَبُ بِهَذا النَظَرِ الَّذِي سَطَّرْناهُ.

فَأمّا مَن يَقُولُ: إنَّ المُتَشابِهَ إنَّما هو ما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى عِلْمِهِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ إخْراجُ الراسِخِينَ مِن عِلْمِ تَأْوِيلِهِ، لَكِنَّ تَخْصِيصَهُ المُتَشابِهاتِ بِهَذا النَوْعِ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلِ الصَحِيحُ في ذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ: المُحْكَمُ ما لا يَحْتَمِلُ إلّا تَأْوِيلًا واحِدًا والمُتَشابِهُ ما احْتَمَلَ مِنَ التَأْوِيلِ أوجُهًا.

وهَذا هو مُتَّبَعُ أهْلِ الزَيْغِ، وعَلى ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ النَظَرُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ.

ومَن قالَ مِنَ العُلَماءِ الحُذّاقِ بِأنَّ الراسِخِينَ لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ فَإنَّما أرادُوا هَذا النَوْعَ، وخافُوا أنْ يَظُنَّ أحَدٌ أنَّ اللهَ وصَفَ الراسِخِينَ بِعِلْمِ التَأْوِيلِ عَلى الكَمالِ، وكَذَلِكَ ذَهَبَ الزَجّاجُ إلى أنَّ الإشارَةَ بِما تَشابَهَ مِنهُ إنَّما هي إلى وقْتِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَهُ وفَسَّرَ باقِي الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، فَهَذا أيْضًا تَخْصِيصٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.

وأمّا مَن يَقُولُ: إنَّ المُتَشابِهَ هو المَنسُوخُ فَيَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ إدْخالُ الراسِخِينَ في عِلْمِ التَأْوِيلِ، ولَكِنَّ تَخْصِيصَهُ المُتَشابِهاتِ بِهَذا النَوْعِ غَيْرُ صَحِيحٍ.

ورَجَّحَ ابْنُ فُورَكٍ أنَّ الراسِخِينَ يَعْلَمُونَ التَأْوِيلَ، وأطْنَبَ في ذَلِكَ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ: "إلّا اللهُ ويَقُولُ الراسِخُونَ في العِلْمِ آمَنّا بِهِ".

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ إنْ تَأْوِيلُهُ إلّا عِنْدَ اللهِ، والراسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ".

والرُسُوخُ: الثُبُوتُ في الشَيْءِ، وأصْلُهُ في الأجْرامِ أنْ يَرْسَخَ الجَبَلُ أوِ الشَجَرُ في الأرْضِ.

وسُئِلَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَنِ الراسِخِينَ في العِلْمِ فَقالَ: "هُوَ مَن بَرَّتْ يَمِينُهُ وصَدَقَ لِسانُهُ واسْتَقامَ قَلْبُهُ".

وقَوْلُهُ: ﴿ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا ﴾ فِيهِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى كِتابِ اللهِ، مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، والتَقْدِيرُ: كُلُّهُ مِن عِنْدِ رَبِّنا، وحُذِفَ الضَمِيرُ لِدَلالَةِ لَفْظِ "كُلٌّ" عَلَيْهِ، إذْ هي لَفْظَةٌ تَقْتَضِي الإضافَةَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ ﴾ أيْ ما يَقُولُ هَذا ويُؤْمِنُ بِهِ ويَقِفُ حَيْثُ وقَفَ ويَدَعُ اتِّباعَ المُتَشابِهِ إلّا ذُو لُبٍّ، وهو العَقْلُ، وأولو: جَمْعُ ذُو.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ثان يبيّن شيئاً من معنى القيّومية، فهو كبدل البعض من الكل، وخصّ من بين شؤون القيّومية تصويرُ البشر لأنّه من أعجب مظاهر القدرة؛ ولأنّ فيه تعريضاً بالرد على النصارى في اعتقادهم إلاهية عيسى من أجل أنّ الله صوّره بكيفية غير معتادة فبيّن لهم أنّ الكيفيات العارضة للموجودات كلّها مِن صنع الله وتصويره: سواء المعتاد، وغيرُ المعتاد.

وكيفهُوَ الذي يُصَوِّرُكُمْ فِي الارحام كَيْفَ يَشَآءُ} هنا ليس فيها معنى الاستفهام، بل هي دالة على مجّد معنى الكيفية؛ أي الحالة، فهي هنا مستعملة في أصلها الموضوعة له في اللغة؛ إذ لا ريب في أنّ (كيف) مشتملة على حروف مادة الكيفية، والتكيّف، وهو الحالة والهيئة، وإن كان الأكثر في الاستعمال أن تكون اسم استفهام، وليست (كيف) فعلاً؛ لأنّها لا دلالةَ فيها على الزمان، ولا حرفاً لاشتمالها على مادة اشتقاق.

وقد تجيء (كيف) اسم شرط إذا اتّصلت بها ما الزائدة وفي كلّ ذلك لا تفارقها الدلالة على الحالة، ولا يفارقها إيلاء الجملة الفعلية إياها إلاّ ما شذّ من قولهم: كيف أنت.

فإذا كانت استفهاماً فالجملة بعدها هي المستفهم عنه فتكون معمولة للفعل الذي بعدها، ملتزماً تقديمُها عليه؛ لأنّ للاستفهام الصدارة، وإذا جرّدت عن الاستفهام كان موقعها من الإعراب على حسب ما يطلبه الكلام الواقعة هي فيه من العوامل كسائر الأسماء.

وأمّا الجملة التي بعدها حينئذ فالأظهر أن تعتبر مضافاً إليها اسم كيف ويعتبر كيف من الأسماء الملازمة للإضافة.

وجرى في كلام بعض أهل العربية أنّ فتحة (كيف) فتحة بناء.

والأظهر عندي أنّ فتحة كيف فتحة نصب لزِمَتْها لأنّها دائماً متّصلة بالفعل فهي معمولة له على الحالية أو نحوِها، فلملازمة ذلك الفتح إياها أشبهت فتحة البناء.

فكيف في قوله هنا ﴿ كيف يشاء ﴾ يعرب مفعولاً مطلقاً «ليصوِّرُكُم»، إذ التقدير: حال تصوير يشاؤها كما قاله ابن هشام في قوله تعالى: ﴿ كيف فعل ربك ﴾ [الفجر: 6].

وجوّز صاحب «المغني» أن تكون شرطية، والجواب محذوف لدلالة قوله: ﴿ يصوركم ﴾ عليه وهو بعيد؛ لأنّها لا تأتي في الشرط إلاّ مقترنة بمَا.

وأما قول الناس: كيف شاء فعل فلحن.

وكذلك جزم الفعل بعدها قد عُدّ لحناً عند جمهور أئمّة العربية.

وذلّ تعريف الجزأين على قصر صفة التصوير عليه تعالى وهو قصر حقيقي لأنّه كذلك في الواقع؛ إذ هو مكّون أسباب ذلك التصوير وهذا إيماء إلى كشف شبة النصارى إذ توهّموا أن تخلّق عيسى بدون ماء أب دليل على أنّه غير بشر وأنّه إله وجهلوا أنّ التصوير في الأرحام وإن اختلفت كيفياته لا يخرج عن كونه خلقاً لما كان معدوماً فكيف يكون ذلك المخلوق المصوّر في الرحم إلهاً.

﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم ﴾ .

تذييل لتقرير الأحكام المتقدّمة.

وتقدم معنى العزيز الحكيم في قوله تعالى: ﴿ فاعلموا أن اللَّه عزيز حكيم ﴾ وفي افتتاح السورة بهذه الآيات براعة استهلال لنزولها في مجادلة نصارى نجران، ولذلك تكرّر في هذا الطالع قصْر الإلهية على الله تعالى في قوله: ﴿ الله لا لا إله إلا هو ﴾ وقوله: ﴿ هو الذي صوركم ﴾ وقوله: لا إله إلا هو.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَأْوِيلِهِ عَلى سَبْعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المُحْكَمَ النّاسِخُ، والمُتَشابِهَ المَنسُوخُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّ المُحْكَمَ ما أحْكَمَ اللَّهُ بَيانَ حَلالِهِ وحَرامِهِ فَلَمْ تَشْتَبِهْ مَعانِيهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّ المُحْكَمَ ما لَمْ يَحْتَمِلْ مِنَ التَّأْوِيلِ إلّا وجْهًا واحِدًا، والمُتَشابِهَ ما احْتَمَلَ أوْجُهًا، قالَهُ الشّافِعِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ.

والرّابِعُ: أنَّ المُحْكَمَ الَّذِي لَمْ تَتَكَرَّرْ ألْفاظُهُ، والمُتَشابِهَ الَّذِي تَكَرَّرَتْ ألْفاظُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّ المُحْكَمَ الفَرائِضُ والوَعْدُ والوَعِيدُ، والمُتَشابِهَ القَصَصُ والأمْثالُ.

والسّادِسُ: أنَّ المُحْكَمَ ما عَرَفَ العُلَماءُ تَأْوِيلَهُ وفَهِمُوا مَعْناهُ وتَفْسِيرَهُ، والمُتَشابِهَ ما لَمْ يَكُنْ إلى عِلْمِهِ سَبِيلٌ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، كَقِيامِ السّاعَةِ، وطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجِ عِيسى ونَحْوِهِ، وهَذا قَوْلُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.

والسّابِعُ: أنَّ المُحْكَمَ ما قامَ بِنَفْسِهِ ولَمْ يَحْتَجْ إلى اسْتِدْلالٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثامِنًا: أنَّ المُحْكَمَ ما كانَتْ مَعانِي أحْكامِهِ مَعْقُولَةً، والمُتَشابِهُ ما كانَتْ مَعانِي أحْكامِهِ غَيْرَ مَعْقُولَةٍ، كَأعْدادِ الصَّلَواتِ، واخْتِصاصِ الصِّيامِ بِشَهْرِ رَمَضانَ دُونَ شَعْبانَ.

وَإنَّما جَعَلَهُ مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا اسْتِدْعاءً لِلنَّظَرِ مِن غَيْرِ اتِّكالٍ عَلى الخَبَرِ، وقَدْ رَوى مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (القُرْآنُ عَلى ثَلاثَةِ أجْزاءٍ: حَلالٍ فاتَّبِعْهُ، وحَرامٍ فاجْتَنِبْهُ، ومُتَشابِهٍ يُشْكِلُ عَلَيْكَ فَكِلْهُ إلى عالِمِهِ» .

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أصْلُ الكِتابِ.

والثّانِي: مَعْلُومُ الكِتابِ.

وَفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ الآيَ الَّتِي فِيها الفَرائِضُ والحُدُودُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ فَواتِحَ السُّوَرِ الَّتِي يُسْتَخْرَجُ مِنها القُرْآنُ، وهو قَوْلُ أبِي فاخِتَةَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يُرِيدَ بِهِ أنَّهُ مَعْقُولُ المَعانِي لِأنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَنْهُ ما شارَكَهُ في مَعْناهُ، فَيَصِيرُ الأصْلُ لِفُرُوعِهِ كالأُمِّ لِحُدُوثِها عَنْهُ، فَلِذَلِكَ سَمّاهُ أُمَّ الكِتابِ.

﴿ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَيْلٌ عَنِ الحَقِّ.

والثّانِي: شَكٌّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الأجَلُ الَّذِي أرادَتِ اليَهُودُ أنْ تَعْرِفَهُ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ مِن حِسابِ الجُمَّلِ في انْقِضاءِ مُدَّةِ النَّبِيِّ  .

والثّانِي: أنَّهُ مَعْرِفَةُ عَواقِبِ القُرْآنِ في العِلْمِ بِوُرُودِ النَّسْخِ قَبْلَ وقْتِهِ.

والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ في وفْدِ نَجْرانَ لَمّا حاجُّوا النَّبِيَّ  في المَسِيحِ، فَقالُوا: ألَيْسَ كَلِمَةَ اللَّهِ ورُوحَهُ؟

قالَ: (بَلى) فَقالُوا: حَسْبُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الشِّرْكُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: اللَّبْسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: الشُّبُهاتُ الَّتِي حاجَّ بِها وفْدَ نَجْرانَ.

والرّابِعُ: إفْسادُ ذاتِ البَيْنِ.

﴿ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ في التَّأْوِيلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّفْسِيرُ.

والثّانِي: أنَّهُ العاقِبَةُ المُنْتَظَرَةُ.

﴿ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَأْوِيلُ جَمِيعِ المُتَشابِهِ، لِأنَّ فِيهِ ما يَعْلَمُهُ النّاسُ، وفِيهِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ القِيامَةِ لِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ  ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: تَأْوِيلُهُ وقْتُ حُلُولِهِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

﴿ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي الثّابِتِينَ فِيهِ، العامِلِينَ بِهِ.

والثّانِي: يَعْنِي المُسْتَنْبِطِينَ لِلْعِلْمِ والعامِلِينَ، وفِيهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم داخِلُونَ في الِاسْتِثْناءِ، وتَقْدِيرُهُ: أنَّ الَّذِي يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ جَمِيعًا.

رَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ.

الثّانِي: أنَّهم خارِجُونَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ ﴾ ﴿ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَ رَبِّنا.

والثّانِي: ما فَصَلَهُ مِنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، فَنَزَلَ مِن عِنْدِ رَبِّنا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أبيّ بن كعب أنه قرأ ﴿ الحي القيوم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: ﴿ القيوم ﴾ القائم على كل شيء.

وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي داود وابن الأنباري معاً في المصاحف وابن المنذر والحاكم وصححه عن عمر أنه صلى العشاء الآخرة فاستفتح سورة آل عمران، فقرأ ﴿ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ .

وأخرج ابن أبي داود عن الأعمش قال في قراءة عبدالله ﴿ الحي القيام ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن الأنباري عن علقمة أنه كان يقرأ ﴿ الحي القيام ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن الأنباري عن أبي معمر قال: سمعت علقمة يقرأ ﴿ الحي القيم ﴾ وكان أصحاب عبدالله يقرؤون ﴿ الحي القيام ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: كان عمر يعجبه أن يقرأ سورة آل عمران في الجمعة إذا خطب.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد نجران ستون راكباً، فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب، وعبد المسيح، والأيهم السيد، وهو من النصرانية على دين الملك مع اختلاف من أمرهم.

يقولون هو الله، ويقولون هو ولد الله، ويقولون هو ثالث ثلاثة، كذلك قول النصرانية، فهم يحتجون في قولهم يقولون هو الله بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الاسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيراً، وذلك كله بإذن الله ليجعله آية للناس.

ويحتجون في قولهم بأنه ولد بأنهم يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد شيئاً لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله.

ويحتجون في قولهم إنه ثالث ثلاثة بقول الله: فعلنا: وأمرنا، وخلقنا، وقضينا، فيقولون: لو كان واحداً ما قال إلا فعلت، وأمرت، وقضيت، وخلقت، ولكنه هو وعيسى ومريم.

ففي كل ذلك من قولهم نزل القرآن وذكر الله لنبيه فيه قولهم، فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسلما» قالا: قد أسلمنا قبلك.

قال: «كذبتما منعكما من الإِسلام دعاؤكما لله ولداً، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير» ، قالا: فمن أبوه يا محمد؟

فصمت فلم يجبهما شيئاً، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها، فافتتح السورة بتنزيه نفسه مما قالوه، وتوحيده إياهم بالخلق، والأمر لا شريك له فيه، ورد عليه ما ابتدعوا من الكفر، وجعلوا معه من الأنداد، واحتجاجاً عليهم بقولهم في صاحبهم ليعرفهم بذلك ضلالتهم فقال: ﴿ الم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ أي ليس معه غيره شريك في أمره، الحي الذي لا يموت وقد مات عيسى، في قولهم القائم على سلطانه لا يزول وقد زال عيسى.

وقال ابن إسحق: حدثني محمد بن سهل بن أبي امامة قال: لما قدم أهل نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن عيسى ابن مريم.

نزلت فيهم فاتحة آل عمران إلى رأس الثمانين منها وأخرجه البيهقي في الدلائل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع قال: إن النصارى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخاصموه في عيسى ابن مريم وقالوا له: من أبوه؟

وقالوا على الله الكذب والبهتان.

فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟» قالوا: بلى.

قال: «ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وإن عيسى يأتي عليه الفناء؟» قالوا: بلى.

قال: «ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟» قالوا: بلى.

قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً؟

قالوا: لا.

قال: «أفلستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟

قالوا: بلى.

قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئاً إلا ما علم؟» قالوا: لا.قال: «فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب، ولا يحدث الحدث؟» قالوا: بلى.

قال: «ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غُذّيَ كما تُغذي المرأة الصبي، ثم كان يأكل الطعام، ويشرب الشراب، ويحدث الحدث؟» قالوا: بلى.

قال: «فكيف يكون هذا كما زعمتم؟» فعرفوا ثم أبوا إلا جحوداً.

فأنزل الله: ﴿ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور والطبراني عن ابن مسعود أنه كان يقرؤها ﴿ القيام ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن علقمة أنه قرأ ﴿ الحي القيوم ﴾ .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه ﴾ قال: لما قبله من كتاب أو رسول.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ يقول: من البينات التي أنزلت على نوح وإبراهيم وهود والأنبياء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ نزل عليك الكتاب ﴾ قال: القرآن ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ من الكتب التي قد خلت قبله ﴿ وأنزل التوراة والإنجيل، من قبل هدى للناس ﴾ هما كتابان أنزلهما الله فيهما بيان من الله، وعصمة لمن أخذ به، وصدق به وعمل بما فيه ﴿ وأنزل الفرقان ﴾ هو القرآن فرق به بين الحق والباطل.

فأحل فيه حلاله، وحرم فيه حرامه، وشرع فيه شرائعه، وَحَدَّ فيه حدوده، وفرض فيه فرائضه، وبَيَّنَ فيه بيانه، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير ﴿ وأنزل الفرقان ﴾ أي الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره.

وفي قوله: ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام ﴾ أي أن الله منتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها، ومعرفته بما جاء منه فيها.

وفي قوله: ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ﴾ أي قد علم ما يريدون، وما يكيدون، وما يضاهون بقولهم في عيسى.

إذ جعلوه رباً، وإلهاً، وعندهم من علمه غير ذلك، غرة بالله وكفراً به ﴿ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ قد كان عيسى ممن صور في الأرحام لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه، كما صور غيره من بني آدم فكيف يكون إلهاً وقد كان بذلك المنزل؟

وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: ﴿ يصوركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ قال: ذكوراً وإناثاً.

وأخرج ابن جرير من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح وعن ابن عباس عن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة.

في قوله: ﴿ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ قال: إذا وقعت النطفة في الأرحام طارت في الجسد أربعين يوماً، ثم تكون علقة أربعين يوماً، ثم تكون مضغة أربعين يوماً.

فإذا بلغ أن يخلق، بعث الله ملكاً يصوّرها فيأتي الملك بتراب بين اصبعيه، فيخلط فيه المضغة، ثم يعجنه بها، ثم يصوّره كما يؤمر، ثم يقول أذكر أم أنثى، أشقي أم سعيد، وما رزقه، وما عمره، وما أثره، وما مصائبه؟

فيقول الله...

ويكتب الملك.

فإذا مات ذلك الجسد دفن حيث أخذ ذلك التراب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ قال: من ذكر، وأنثى، وأحمر، وأبيض، وأسود، وتام، وغير تام الخلق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ العزيز الحكيم ﴾ قال: العزيز في نقمته إذا انتقم، الحكيم في أمره.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ ﴾ (١) (٢) وأصلها مِن: (صارَه، يَصُوره): إذا أماله (٣) وقوله تعالى: ﴿ فِي الْأَرْحَامِ ﴾ .

جَمْعُ رَحِم.

وأصلها مِنَ: الرَّحْمَة (٤) وقوله تعالى: ﴿ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾ .

أي: ذكرًا (و) (٥) ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ ﴾ في مُلْكه، ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ في خَلْقِه.

(١) لم يتعرض المؤلف لتفسير آية: 5.

(٢) في (أ): (تلون).

(ج) يلون.

والمثبت من: (ب)، (د).

(٣) يقال: (صارَهُ يَصُورُه، ويَصِيرُه) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1958 (صار)، "غريب الحديث" لأبي عبيد بن سلّام: 2/ 309، "اللسان" 4/ 2524.

(٤) انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب (تحقيق عدنان داودي): 347.

وورد في الحديث: (قال الله: أنا الله، وأنا الرحمن، خَلَقْت الرَّحِمَ، وشَقَقْت لها اسمًا من اسمي، فَمَن وَصَلَها وصَلْتُه، ومَنْ قَطَعَها بَتَتُّه).

أخرجه الترمذي في "السنن" رقم (1907) كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في قطيعة الرحم، وقال الترمذي: (حديث صحيح)، والحاكم في "المستدرك" 4/ 157.

وصححه، ووافقه الذهبي، وأحمد في "المسند" 1/ 194.

وعند البزار: (أنا الرحمن الرحيم، وإني شققت الرَّحِمَ من اسمي ..).

انظر: "كشف الأستار عن زوائد البزار": 2/ 379، تحقيق الأعظمي، وقال عنه الهيثمي: (وإسناده حسن).

"مجمع الزوائد" 8/ 151.

(٥) في (ج): (أو).

وكذا كُتِبت (أو) بدلا من (و) في (ج) فيما بعدها.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

نزل صدرها إلى نيف وثمانين آية لما قدم نصارى نجران المدينة المنوّرة يناظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام ﴿ الم ﴾ تقدّم الكلام على حروف الهجاء وقرأ الجمهور بفتح الميم هنا في الوصل لالتقاء الساكنين نحو من الناس، وقال الزمخشري: هي حركة الهمزة نقلت إلى الميم وهذا ضعيف لأنها ألف وصل تسقط في الدرج ﴿ الحي القيوم ﴾ ردّ على النصارى في قولهم إنّ عيسى هو الله لأنهم زعموا أنه صلب، فليس بحيّ وليس بقيوم ﴿ الكتاب ﴾ هنا هو القرآن ﴿ بالحق ﴾ أي تضمن الحق من الأخبار والأحكام وغيرها أو بالاستحقاق ﴿ مُصَدِّقاً ﴾ قد تقدّم في مصدّقاً لما معكم ﴿ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ الكتب المتقدّمة ﴿ التوراة والإنجيل ﴾ أعجميان فلا يصح ما ذكره النحاة في اشتقاقهما ووزنهما ﴿ وَأَنزَلَ الفرقان ﴾ يعني القرآن؛ وإنما كرر ذكره ليصفه بأنه الفارق بين الحق والباطل، ويحتمل أن يكون ذكره أولاً على وجه الإثبات لإنزاله لقوله: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ، ثم ذكره ثانياً: على وجه الامتنان بالهدى به، كما قال في التوراة والإنجيل ﴿ هُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ ، فكأنه قال: وأنزل الفرقان هدى للناس ثم حذف ذلك لدلالة الهدى الأول عليه، فلما اختلف قصدُ الكلام في الموضعين لم يكن ذلك تكراراً، وقيل: الفرقان هنا؛ كل ما فرق بين الحق والباطل من كتاب وغيره، وقيل: هو الزبور، وهذا بعيد ﴿ لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ خبر عن إحاطة علم الله بجميع الأشياء على التفصيل، وهذه صفة لم تكن لعيسى، ولا لغيره، ففي ذلك ردّ على النصارى ﴿ هُوَ الذي يُصَوِّرُكُمْ ﴾ برهان على إثبات علم الله المذكور قبل، وفيه ردّ على النصارى؛ لأن عيسى لا يقدر على التصوير، بل كان مصوّراً كسائر بني آدم ﴿ كَيْفَ يَشَآءُ ﴾ من طول، وقصر، وحسن، وقبح، ولون؛ وغير ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ آلم الله ﴾ مقطوعة الألف والميم ساكنة: يزيد والمفضل والأعشى والبرجمي الباقون موصولاً بفتح الميم.

﴿ التوراة ﴾ ممالة حيث كان: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف والنجاري عن ورش، والخزاز عن هبيرة، وابن ذكوان غير ابن مجاهد ﴿ كدأب ﴾ حيث كان بغير همزة: أبو عمرو وغيره شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش والخزاز عن هبيرة وحمزة عن الوقف.

الوقوف: ﴿ آلم ﴾ ج كوفي مختلف فإن غير الأعشى والبرجمي ويزيد والمفضل يصلون.

﴿ إلا هو ﴾ ج ﴿ القيوم ﴾ ط ﴿ والإنجيل ﴾ ط ﴿ الفرقان ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه، ﴿ في السماء ﴾ ط ﴿ كيف يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه، ﴿ متشابهات ﴾ ط لاستئناف تفصيل ﴿ وابتغاء / تأويله ﴾ ج لأن الواو تصلح استئنافاً والحال أليق ﴿ إلا الله ﴾ م عند أهل السنة لأنه لو وصل فهم أن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه كما يعلم الله، ومن لم يحترز عن هذا وجعل المتشابه غير صفة الله ذاتاً وفعلاً من الأحكام التي يدخلها القياس والتأويل وجعل المحكمات الأصول النصوص المجمع عليها فعطف قوله ﴿ والراسخون ﴾ على اسم الله وجعل ﴿ يقولون ﴾ حالاً لهم ساغ له أن لا يقف على ﴿ إلا الله ﴾ .

﴿ آمنا به ﴾ (لا) لأن قوله ﴿ كل من عند ربنا ﴾ من مقولهم فإن التسليم من تمام الإيمان.

﴿ من عند ربنا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مقولهم ﴿ الألباب ﴾ ه، ﴿ رحمة ﴾ ج للابتداء بأن ولاحتمال لام التعليل أو فاء التعقيب للتسبب ﴿ الوهاب ﴾ ه، ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه، ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ (لا) لتعلق كاف التشبيه ﴿ فرعون ﴾ (لا) للعطف، ﴿ من قبلهم ﴾ ط، ﴿ بآياتنا ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ بذنوبهم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه.

التفسير: أما قراءة عاصم فلها وجهان: الأول نية الوقف ثم إظهار الهمزة لأجل الابتداء.

الثاني أن يكون ذلك على لغة من يقطع ألف الوصل.

وأما من فتح الميم ففيه قولان: أحدهما قول الفراء واختيار كثير من البصريين وصاحب الكشاف أن أسماء الحروفموقوفة الأواخر تقول: ألف، لام، ميم كما تقول: واحد، اثنان، ثلاثة، وعلى هذا وجب الابتداء بقوله ﴿ الله ﴾ فإذا ابتدأنا به تثبت الهمزة متحركة إلا أنهم أسقطوا الهمزة للتخفيف وألقيت حركتها على الميم لتدل حركتها على أنها في حكم المبقاة بسبب كون هذه اللفظة مبتدأ بها، فكأن الهمزة ساقطة بصورتها باقية بمعناها.

وثانيهما قول سيبويه وهو أنه لما وصل ﴿ الله ﴾ بـ ﴿ آلم ﴾ التقى ساكنان بل سواكن ضرورة سقوط الهمزة في الدرج، فوجب تحريك الأول أعني الوسطاني منها وهو الميم وكان الأصل هو الكسر إلا أنهم فتحوا الميم محافظة على التفخيم.

فالفتحة على هذا القول ليست هي المنقولة من همزة الوصل فلا يردعليه ما يرد على القول الأول من أن الهمزة حيث لا وجود لها في الوصل أصلاً فكيف تنقل حركتها.

قال الواحدي: نقل المفسرون أنه "قدم على رسول الله  وفد نجران ستون راكباً فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم، أحدهم أميرهم واسمه عبد المسيح والثاني مشيرهم ووزيرهم، وكانوا يقولون له السيد واسمه الأيهم، والثالث حبرهم وأسقفهم وصاحب مدراسهم يقال له أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل.

وكان ملوك الروم شرفوه وموّلوه فأكرموه لما بلغهم عنه عن علمه واجتهاده في دينهم، فلما قدموا من نجران ركب أبو حارثة بغلته وكان إلى جنبه أخوه كرز بن علقمة فبينما بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت فقال كرز أخوه: تعس الأبعد يريد رسول الله  .

فقال أبو حارثة: بل تعست / أمك.

فقال: ولم يا أخي؟

فقال: إنه والله النبي  الذي ننتظره.

فقال له أخوه كرز: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟

قال: لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالاً كثيرة وأكرمونا.

فلو آمنا بمحمد لأخذوا منا كل هذه الأشياء.

فوقع ذلك في قلب أخيه كرز وكان يضمره إلى أن أسلم، وكان يحدث بذلك، ثم تكلم أولئك الثلاثة - الأمير والسيد والحبر - مع رسول الله  على اختلاف من أديانهم.

فتارة يقولون عيسى هو الله، وتارة ابن الله، وتارة ثالث ثلاثة، ويحتجون لقولهم هو الله بأنه كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير، ويحتجون في قولهم إنه ولد الله بأنه لم يكن له أب يعلم، ويحتجون على ثالث ثلاثة بقول الله  : فعلنا وفعلنا ولو كان واحداً لقال فعلت.

وقد حان وقت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد رسول الله  فقال رسول الله  : دعوهم.

فصلوا إلى المشرق، فقال لهم رسول الله  : أسلموا فقالوا: قد أسلمنا قبلك.

فقال  : كذبتم.

كيف يصح إسلامكم وأنتم تثبتون لله ولداً، وتعبدون الصليب وتأكلون الخنزير؟

قالوا: فمن أبوه؟

فسكت رسول الله  فأنزل الله  في ذلك أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها آية المباهلة.

ثم أخذ رسول الله  يناظر معهم فقال: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه؟

قالوا: بلى.

قال: ألستم تعلمون أنه حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟

قالوا: بلى.

قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟

فهل يملك عيسى شيئا من ذلك؟

قالوا: لا.

قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل يعلم عيسى شيئاً من ذلك إلا ما علم؟

قالوا: لا.

قال: فإن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء، فهل تعلمون ذلك؟

قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث، وتعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة وغذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟

قالوا: بلى.

فقال  : فكيف يكون هو كما زعمتم؟

فعرفوا ثم أبوا إلا حجوداً ثم قالوا: يا محمد، ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟

قال: بلى، قالوا: فحسبنا.

ففي ذلك نزل ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ الآية" .

وتمام القصة سيجيء في آية المباهلة إن شاء الله  .

واعلم أن مطلع هذه السورة له نظم عجيب ونسق أنيق.

وذلك أن أولئك النصارى كأنه قيل لهم: إما أن تنازعوه في شأن الإله أو في أمر النبوة.

أما الأول فالحق فيه معه لأنه  حيّ قيوم كما مر في تفسير آية الكرسي، وأن عيسى ليس كذلك لأنه ولد وكان يأكل ويشرب / ويحدث.

والنصارى زعموا أنه قتل وما قدر على دفع القتل عن نفسه.

وهذه الكلمة أعني قوله ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ جامعة لجيمع وجوه الدلائل على بطلان قول النصارى بالتثليث.

وأما الثاني فقوله ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق ﴾ كالدعوى.

وقوله ﴿ وأنزل التوراة والإنجيل من قبل ﴾ كالدليل عليها.

وتقريره أنكم وافقتمونا على أن التوراة والإنجيل كتابان إلهيان لأنه  قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قولهما وبين أقوال الكاذبين.

ثم إن المعجز قائم في كون القرآن نازلاً من عند الله كما قام في الكتابين.

وإذا كان الطريق مشتركاً فالواجب تصديق الكل كالمسلمين.

أما قبول البعض ورد البعض فجهل وتقليد، وإذا لم يبق بعد ذلك عذر لمن ينازعه في دينه فلا جرم ختم بالتهديد والوعيد فقال ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد ﴾ وإنما خص القرآن بالتنزيل والكتابين بالإنزال لأنه نزل منجماً، فكان معنى التكثير حاصلاً فيه، وأنهما نزلا جملة.

وأما قوله ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب  ﴾ فالمراد هناك نزوله مطلقاً من غير اعتبار التنجيم.

قال أبو مسلم: قوله ﴿ بالحق ﴾ أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم، و أن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل، وأنه قول فصل وليس بالهزل.

وقال الأصم: أي بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية، ولبعضهم على بعض من سلوك سبيل العدالة والإنصاف في المعاملات.

وقيل: مصوناً من المعاني الفاسدة المتناقضة كقوله ﴿ ولم يجعل له عوجاً قيماً  ﴾ ﴿ لوجدوا فيه اختلافا كثيراً  ﴾ وفي قوله ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ إنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقاً لسائر الكتب المتقدمة، لأن من هو على مثل حاله من كونه أمياً لم يخالط أهل الدرس والقراءة إن كان مفترياً استحال أن يسلم من التحريف والجزاف.

وفيه أنه  لم يبعث نبياً قط إلا بالدعاء إلى توحيده وتنزيهه عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان.

فإن قيل: كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه؟

فالجواب أن هذا اللفظ صار مطلقاً في معنى التقدم، أو لغاية ظهور تلك الأخبار جعلها كالحاضر عنده.

فإن قلت: كيف يكون مصدقاً لما تقدمه من الكتب مع أنه ناسخ لأحكامها أكثرها؟

قلنا: إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثته ثم تصير منسوخة عند نزول القرآن، كانت موافقة للقرآن، وكان القرآن مصدقاً لها.

فأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها لأن المباحث الإلهية والقصص والمواعظ لا تختلف.

والتوراة والإنجيل اسمان أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسريانية.

فالاشتغال باشتقاقهما لا يفيد إلا أن بعض الأدباء قد تكلف ذلك فقال الفراء: التوراة معناها الضياء والنور من ورى الزند يرى إذا قدح وظهرت / النار.

قال: وأصلها تورية بفتح التاء والراء ولهذا قلبت الياء ألفاً.

أو تورية بكسر الراء "تفعلة" مثل "توفية" إلا أن الراء فتحت على لغة طي فإنهم يقولون في بادية "باداة".

وزعم الخليل والبصريون أن أصلها "وورية" "فوعلة" كصومعة فقلبت الواو الأولى تاء كتجاه وتراث.

وأما الإنجيل فالزجاج: إفعيل من النجل الأصل أي هو الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين.

وقيل: من نجلت الشيء استخرجته أي إنه  أظهر الحق بسببه.

أبو عمرو الشيباني: التناجل التنازع سمي بذلك لأن القوم تنازعوا فيه.

ومعنى قوله ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل أن ينزل القرآن.

و ﴿ هدى للناس ﴾ إما أن يكون عائداً إلى الكتابين فقط فيكون قد وصف القرآن بأنه حق، ووصف التوراة والإنجيل بأنهما هدى.

وإنما لم يوصف القرآن بأنه هدى مع أنه قال في أول البقرة ﴿ هدى للمتقين  ﴾ لأن المناظرة ههنا مع النصارى وهم لا يهتدون بالقرآن، فذكر أنه حق في نفسه سواء قبلوه أو لم يقبلوه، وأما الكتابان فهم قائلون بصحتهما فخصهما بالهداية لذلك، وإما أن يكون راجعاً إلى الكتب الثلاثة وهو قول الأكثرين.

﴿ وأنزل الفرقان ﴾ قيل: أي جنس الكتب السماوية لأنها كلها تفرق بين الحق والباطل.

وقيل: أي الكتب التي ذكرها كأنه وصفها بوصف آخر فيكون كما قال: الى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم وقيل: أي الكتاب الرابع وهو الزبور، وزيف بأن الزبور ليس فيه شيء من الشرائع والأحكام وإنما هو مواعظ، ويحتمل أن يجاب بأن غاية المواعظ هي التزام الأحكام المعلومة فيؤل إلى ذلك.

وقيل: كرر ذكر القرآن بما هو مدح له ونعت بعد ذكره باسم الجنس تفخيماً لشأنه وإظهاراً لفضله.

وفي التفسير الكبير: إنه  لما ذكر الكتب الثلاثة بيّن أنه أنزل معها ما هو الفرقان الحق وهو المعجز الباهر الذي يدل على صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين كلام المخلوقين.

ثم إنه  بعد ذكر الإلهيات والنبوات زجراً لمعرضين عن هذه الدلائل وهم أولئك النصارى أو كل من أعرض عن دلائله فإن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ فقال ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله ﴾ من كتبه المنزلة وغيرها من دلائله ﴿ لهم عذاب شديد والله عزيز ﴾ لا يغالب إذ لا حد لقدرته ﴿ ذو انتقام ﴾ عقاب شديد لا يقدر على مثله منتقم.

فالتنكير للتعظيم.

وانتقمت منه إذا كافأته عقوبة بما صنع.

فالعزيز إشارة إلى القدرة التامة على العقاب، وذو انتقام إشارة إلى كونه فاعلاً للعقاب.

فالأول صفة الذات، والثاني صفة الفعل.

قوله  ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ لما ذكر أنه حيّ قيوم والقيوم هو القائم بإصلاح مصالح الخلق، وكونه كذلك يتوقف على مجموع أمرين: أن يكون عالماً بكميات / حاجاتهم وكيفياتها وكلياتها وجزئياتها، ثم أن يكون قادراً على ترتيبها.

والأول لا يتم إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات أشار إلى ذلك بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ والثاني لا يتأتى إلا إذا كان قادراً على جميع الممكنات فأشار إليه بقوله ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ ثم فيه لطيفة أخرى وهي أنه لما ادعى كمال عمله بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ والطريق إلى إثبات كونه  عالماً لا يجوز أن يكون هو السمع، لأن معرفة صحة السمع موقوفة على العلم بكونه  عالماً بجميع المعلومات، بل الطريق إلى ذلك ليس إلا الدليل العقلي فلا جرم قال ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ﴾ ظلمات ﴿ ٱلأَرْحَامِ ﴾ بهذه البنية العجيبة والتركيب الغريب من أعضاء مختلفة في الشكل والطبع والصفة، بعضها عظام، وبعضها أوردة، وبعضها شرايين، وبعضها عضلات.

ثم إنه ضم بعضها إلى بعض على التركيب الأحسن والتأليف الأكمل، وذلك يدل على كمال علمه لأن التركيب المحكم المتقن لا يصدر إلا عن العالم بتفاصيله.

ثم إنه  لما كان قيوماً بمصالح الخلق ومصالحهم قسمان: جسمانية وأشرفها تعديل المزاج وأشار إليها بقوله ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ وروحانية وأشرفها إلى العلم فلا جرم أشار إلى ذلك بقوله ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب ﴾ .

ويحتمل أن تنزل هذه الآيات على سبب نزولها.

وذلك أن النصارى ادعوا إلهية عيسى وعولوا في ذلك على نوعين من الشبهة: أحدهما يتعلق بالعلم وهو أن عيسى  كان يخبر عن الغيوب وذلك قوله  : ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم  ﴾ والثاني يتعلق بالقدرة كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وليس للنصارى شبهة غير هاتين.

فأزال شبهتهم الأولى بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ فمن المعلوم بالضرورة من أحوال عيسى أنه ما كان عالماً بجميع المعلومات.

فعدم إحاطته بجميع الأشياء فيه دلالة قاطعة على أنه ليس بإله، ولكن إحاطته ببعض المغيبات لا تدل على كونه إلهاً لاحتمال أنه علم ذلك بالوحي أو الإلهام.

وأزال شبهتهم الثانية بقوله ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ وذلك أن الإله هو الذي يقدر على أن يصور في الأرحام من قطرة صغيرة من النطفة هذا التركيب العجيب والتأليف الغريب، ومعلوم أن عيسى لم يكن قادراً على الإحياء والإماتة بهذا الوجه.

كيف ولو قدر على ذلك لأمات أولئك الذين أخذوه على زعم النصارى وقتلوه.

فإماتة بعض الأشخاص أو إحياؤه لا يدل على الإلهية لجواز كونه بإظهار الله  المعجزة على يده، والعجز على إماتة البعض أو إحيائه يدل على عدم الإلهية قطعاً، وأما الإحياء والإماتة لجميع الحيوانات فيدل على الإلهية قطعاً.

ثم إنّهم عدلوا عن المقدمات المشاهدية إلى مقدمات إلزامية وهو أنكم أيها المسلمون توافقوننا على أنه ما كان له أب من البشر فيكون ابناً لله.

والجواب عنه بقوله / أيضاً ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ لأن هذا التصوير لما كان منه صفة فإن شاء صوره من نطفة الأب، وإن شاء صوره ابتداء من غير أب.

وأيضاً قالوا للرسول  : ألست تقول إن عيسى كلمة الله وروحه؟

وهذا يدل على أنه ابن لله.

فأجاب الله  عنه بأن هذا إلزام لفظي، محتمل للحقيقة والمجاز.

وإذا ورد اللفظ بحيث يخالف الدليل العقلي كان من باب المتشابهات فوجب رده إلى التأويل، أو تفويضه إلى علم الله وذلك قوله ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب ﴾ الآية.

فظهر أنه ليس في المسألة حجة ولا شبهة إلا وقد اشتملت هذه الآيات على دفعها والجواب عنها، فإن قيل: ما الفائدة في قوله ﴿ في الأرض ولا في السماء ﴾ مع أنه لو أطلق كان أبلغ؟

قلت: الغرض تفهيم العباد كمال علمه وذلك عند ذكر السموات والأرض أقوى لعظمتهما في الحس، والحس متى أعان العقل على المطلوب كان الفهم أتم والإدراك أكمل، وهذه فائدة ضرب الأمثلة في العلوم.

قال الواحدي: التصوير جعل الشيء على صورة، والصورة هيئة حاصلة للشيء عند إيقاع التأليف بين أجزائه، وأصله من صاره إذا أماله.

وذلك أن الصورة مائلة إلى شكل أبويه.

والأرحام جمع الرحم، والتركيب يدل على الرقة والعطف كما سلف.

وقيل: سمي رحماً لاشتراك الرحم فيما بوجب الرحمة والعطف.

وقرىء ﴿ تصوركم ﴾ أي صوركم لنفسه ولتعبده.

و"كيف" في موضع الحال أي على أي حال أراد طويلاً أو قصيراً، أسود أو أبيض، حسناً أو قبيحاً إلى غير ذلك من الأحوال المختلفة.

ثم إنه  لما أجاب عن شبههم أعاد كلمة التوحيد رداً على النصارى القائلين بالتثليث فقال ﴿ لا إله إلا هو العزيز الحكيم ﴾ فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إلى كمال العلم.

وفيه رد على من زعم إلهية عيسى فإن العلم ببعض الغيوب وإحياء بعض الأشخاص لا يكفي في كونه إلهاً.

ولنذكر ههنا مسائل: الأولى: القرآن دل على أنه بكليته محكم وذلك قوله: ﴿ الر كتاب أحكمت آياته  ﴾ ﴿ الر تلك آيات الكتاب الحكيم  ﴾ والمراد كون كله كلاماً ملحقاً فصيح الألفاظ صحيح المعاني، وأنه بحيث لا يتمكن أحد من الإتيان بمثله لوثاقة مبانية وبلاغة معانيه.

ودل على أنه بتمامه متشابه ﴿ كتاباً متشابهاً مثاني  ﴾ والمراد أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن والإعجاز والبراءة من التناقض والتناقض.

ثم إن هذه الآية ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ﴾ دلت على أن بعض القرآن محكم وبعضه متشابه.

فيعني ههنا بالمحكم ما هو المشترك بين النص والظاهر، وبالمتشابه القدر المشترك بين المجمل والمؤول كما تقرر في المقدمة التاسعة من مقدّمات هذا الكتاب.

والإحكام في اللغة المنع وكذا سائر تراكيبه.

/ فالحاكم يمنع الظالم من الظلم، وحكمة اللجام تمنع الفرس من الاضطراب، وفي حديث النخعي "حكم اليتيم كما تحكم ولدك" أي امنعه من الفساد.

وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي وأما التشابه فهو كون الشيئين بحيث يعجز الذهن عن التمييز بينهما.

ثم يقال لكل ما لا يهتدي الإنسان إليه متشابه إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، ونظيره المشكل لأنه أشكل أي دخل في شكل غيره، ثم إن كل أحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، ولقول خصمه متشابهة.

فالمعتزلي يقول: ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر  ﴾ محكم ﴿ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله  ﴾ متشابه.

والسني يقلب الأمر في ذلك.

وكذا المعتزلي يقول: ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ محكم وقوله ﴿ وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ متشابه.

والسني بالعكس.

فلا بد من قانون يرجع إليه فنقول: صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل.

وهو إما لفظي أو عقلي.

والدليل اللفظي لا يكون قاطعاً ألبتة لتوقفه على نقل اللغات، وعلى وجوه التصريف والإعراب، وعلى عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم التخصيص وعدم الإضمار وعدم المعارض النقلي والعقلي، وكل ذلك مظنون، والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنوناً فلا يجوز التعويل عليه في المسائل الأصولية، فإذن لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بالدلالة القطعية العقلية، على أن معناه الراجح محال عقلاً فإذا قامت هذه الدلالة وعرف المكلف أنه ليس مراد الله  من هذه اللفظ ما أشعر به الظاهر، فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا، لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز، وترجيح تأويل على تأويل، وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلائل اللفظية وهي ظنية كما بينا ولا سيما المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر، فإذن الخوض في تعيين التأويل غير جائز والله أعلم.

المسألة الثانية في حكاية أقوال الناس في المحكم والمتشابه.

عن ابن عباس أن المحكمات هي الآيات الثلاث في سورة الأنعام ﴿ قل تعالوا  ﴾ إلى آخرها، وعلى هذا فالمحكم عنده ما لا يتغير باختلاف الشرائع، لأن هذه الآية كذلك.

والمتشابهاتهي التي اشتبهت على اليهود كأوائل السور، أوّلوها على حساب الجمل ليستخرجوا بقاء هذه الأمة فاختلط الأمر عليهم واشتبه.

وعنه أن المحكم هو الناسخ والمتشابه هو المنسوخ.

وقال الأصم: المحكم هو الذي يكون دلائله واضحة لائحة كإنشاء الخلق في قوله: ﴿ فخلقنا النطفة علقة ﴾ \[المؤمنون: 14\] والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل كآيات / البعث، فإن التأمل يجعلها محكمة، فإن من قدر على الإنشاء قدر على الإعادة.

فإن عنى الأصم بوضوح الدلائل رجحانها، وبالخفاء خلاف ذلك، فهذا هو الذي ذكرنا من أن المحكم عبارة عن النص والظاهر، والمتشابه المجمل والمؤول.

وإن عنى بالواضح ما تعلم صحته بضرورة العقل، وبالخفي ما تعرف صحته بدليل العقل، فكل القرآن متشابه.

فإن إنشاء الخلق أيضاً يفتقر إلى دليل عقلي، فإن الدهري ينسب ذلك إلى الطبيعة، والمنجم إلى تأثير الكواكب.

ولعل الأصم يسمي ما هو الأبعد عن الغلط لقلة مقدماته وضبطها محكماً، والذي هو غير ذلك متشابهاً.

وقيل: كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي أو دليل خفي فهو المحكم، وكل ما لا سبيل إلى معرفته كالعلم بوقت القيامة وبمقادير الثواب والعقاب في حق كل مكلف فذاك متشابه.

المسألة الثالثة في أنه لم جعل بعض القرآن محكماً وبعضه متشابهاً.

من الملحدة من طعن فيه وقال: كيف يليق بالحكيم أن يجعل كتابه المرجوع إليه في دينه، الموضوع إلى يوم القيامة بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب، فمثبت الرؤية يتمسك بقوله ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ ونافيها يتشبث بقوله ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ ومثبت الجهة ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ والنافي ﴿ ليس كمثله شيء  ﴾ فكل منهم يسمي الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والمخالفة متشابهة، وربما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى وجوه ضعيفة وتراجيح خفية، وهذا لا يليق بالحكمة مع أنه لو جعل كله ظاهراً جلياً خالصاً عن المتشابه نفياً كان أقرب إلى حصول الغرض.

والجواب أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق، وزيادة المشقة توجب مزيدالثواب.

وأيضاً لو كان كله محكماً كان مطابقاً لمذهب واحد فقط فكان ينفر أرباب سائر المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه والانتفاع به، وإذا كان مشتملاً على القسمين فحينئذٍ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يؤيد مقالته فيجتهد في فهم معانيه، وبعد الفحص والاستكشاف، صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات، ويتخلص المبطل عن باطلة ويصل إلى الحق.

وأيضاً إذا كان فيه محكم ومتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بالدلائل العقلية، فيتخلص من ظلمة التقليد إلى ضياء البينة والاستدلال والطمأنينة، وافتقر أيضاً إلى تحصيل علوم أخر كالصرف والنحو والمعاني والبيان وأصول الفقه وأصول الكلام إلى غير ذلك، ولما في المشابهة من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه.

وههنا سبب أقوى وهو أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام، وطباع العامة تنبو في / الأغلب عن إدراك الحقائق، فمن سمع منهم في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما توهموه وتخيلوه مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح.

فالأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر من باب المتشابهات، والثاني وهو الذي يكشف لهم آخر الحال من قبيل المحكمات.

قوله ﴿ هن أم الكتاب ﴾ الأم في اللغة الأصل الذي يتكون منه الشيء.

فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات، فلا جرم صارت المحكمات أصولاً للمتشابهات.

وإنما لم يقل أمهات الكتاب ليطابق المبتدأ لأن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد هو الأصل لمجموع المتشابهات، وهذا كقوله ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ \[المؤمنون: 50\] على معنى أن مجموعها آية واحدة.

﴿ وأخر ﴾ أي ومنه آيات آخر ﴿ متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ أي ميل عن الحق ﴿ فيتبعون ما تشابه منه ﴾ لا يتمسكون إلا بالمتشابه.

قال الربيع: هم وفد نجران "حاجوا رسول الله  في المسيح فقالوا: أليس هو كلمة الله وروحاً منه؟

قال  : بلى.

قالوا: حسبنا" .

وقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم مدة بقاء هذه الأمة من الحروف المقطعة في أوائل السور.

وقال قتادة والزجاج: هم منكرو البعث لأنه قال في آخره ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ وما ذاك إلا وقت القيامة فإنه  أخفاها عن الخلائق حتى الملائكة والأنبياء.

والتحقيق أنه عام لكل مبطل متشبث بأهداب المتشابهات، لأن اللفظ عام وخصوص السبب لا يمنع عن عموم اللفظ.

ويدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه.

ومن جملته ما وعد الله به الرسول من النصرة والكفار من النقمة فكانوا يقولون ائتنا بعذاب الله، ومتى الساعة، ولو ما تأتينا بالملائكة، فموهوا الأمر على الضعفة.

قال أهل السنة: ويدخل في هذا الباب استدلال المشبهة بقوله ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ فإنه لما ثبت بصريح العقل امتناع كون الإله في مكان وإلا لزم انقسامه، وكل منقسم مركب، وكل مركب ممكن.

فمن تمسك به كان متمسكاً بالمتشابهات.

ومن جملة ذلك استدلال المعتزلة بالظواهر الدالة على تفويض الفعل بالكلية إلى العبد فإنه لما ثبت بالبرهان العقلي أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي وأنه من الله  وإلا تسلسل، فيكون حصول الفعل مع تلك الداعية وعدمه عند عدمها واجباً فيبطل التفويض ويثبت أن الكل بقضاء الله وقدره.

وإذا لاحت الدلائل العقلية يجوز للعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابه؟

بناء على ما اشتهر بين الجمهور من أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة، وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة.

/ والإنصاف أن الآيات ثلاثة أقسام: أحدها ما يتأكد ظواهرها بالدلائل العقلية فذاك هو المحكم حقاً.

وثانيها التي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله غير ظاهره.

وثالثها الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه فهو المتشابه بمعنى أن الأمر اشتبه فيه ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر.

لكن ههنا عقدة أخرى وهي أن الدليل العقلي مختلف فيه أيضاً بحسب ما رتبه كل فريق وتخيله صادقاً في ظنه مادة وصورة.

فكل فريق يدعي بمقتضى فكره أن الدليل العقلي قد قام على ما يوافق مذهبه وتأكد به الظاهر الذي تعلق به، فلا خلاص من البين إلا بتأييد سماوي ونور إلهي ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور  ﴾ ثم إنه  بين أن للزائغين غرضين: أحدهما ﴿ ابتغاء الفتنة ﴾ وهي في اللغة الاستهتار بالشيء والغلو فيه، يقال: فلان مفتون بطلب الدنيا، والرجل مفتون بابنه وبشعره.

فكان التمسك بذلك المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه فيصير مفتوناً به عاشقاً لا ينقطع عنه تخيله البتة.

وقيل: الفتنة في الدين هو الضلال عنه أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم.

وعن الأصم: إنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين صار بعضهم مخالفاً للبعض في الدين، وذلك يفضي إلى التقاتل والهرج والمرج فذاك هو الفتنة.

الغرض الثاني ﴿ ابتغاء تأويله ﴾ أي طلب المعنى الذي يرجع إليه اللفظ بحسب ما يشتهونه من غير أن يكون قد وجد له في كتاب الله بيان.

قال القاضي أبو بكر: هؤلاء الزائغون قد ابتغوا المتشابه من وجهين أحدهما أن يحملوه على غير الحق وهو المراد من قوله ﴿ ابتغاء الفتنة ﴾ والثاني أن يحكموا بحكم في الموضع الذي لا دليل فيه وهو قوله ﴿ وابتغاء تأويله ﴾ ثم قال عز من قائل ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ والعلماء اختلفوا في هذا الموضع.

منهم من يقف ههنا، فعلى هذا لا يعلم المتشابه إلا الله وهو قول ابن عباس وعائشة والحسن ومالك بن أنس والكسائي والفراء، ومن المعتزلة قول أبي علي الجبائي.

ومنهم من لم يجعل الواو في ﴿ والراسخون ﴾ للابتداء وإنما يجعله للعطف حتى يكون العلم بالمتشابه حاصلاً عند الله وعند الراسخين، لأن وصفهم بالرسوخ في العلم - وهو الثبوت والتعمق وبعد الغور فيه - يناسب ذلك.

وهذا قول مجاهد والربيع بن أنس وأكثر المتكلمين، وقد يروى عن ابن عباس أيضاً.

والمختار هو الأول لوجوه منها: ما ذهب إليه كثير من العلماء أن "أما" فيه معنى التفصيل البتة، وهذا إنما يستقيم لو قدر و"أما الراسخون في العلم فيقولون".

ومنها أن اللفظ إذا كان له معنى راجح ثم دل دليل أقوى منه على أن ذلك الظاهر غير مراد، علم أن مراد الله بعض مجازات تلك الحقيقة وفي المجازات كثرة.

وترجيح البعض على البعض لا يكون إلا بالتراجيح اللغوية الظنية، ومثل ذلك لا يصح / الاستدلال به في المسائل القطعية مثاله ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ فإنه دل الدليل على أن الإله يمتنع أن يكون في المكان، فعرفنا أنه ليس مراداً لله من هذه الآية ما أشعر به ظاهرها إلا أن في مجازات هذا اللفظ كثرة لا يتعين أحدها إلا بدليل لغوي ظني، والقول بالظن في ذات الله وصفاته غير جائز بإجماع المسلمين، ولهذا قال مالك بن أنس: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.

ومنها ما قيل إن هذه الآية ذم لطالب تأويل المتشابه حيث قال ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه ﴾ وتخصيص بعض المتشابهات بذلك كطلب وقت الساعة ونحوه ترجيح من غير مرجح، فالذم يتوجه على الكل وهو المطلوب.

ومنها أنه  مدح الراسخين في العلم بأنهم ﴿ يقولون آمنا به ﴾ وقال  في أول البقرة: ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم  ﴾ فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح، ولا في قولهم ﴿ كل من عند ربنا ﴾ لأن كل من عرف شيئاً على التفصيل فإنه لا بد أن يؤمن به إنما الراسخون في العلم هم الذين علموا بالدلائل القطعية أن الله  عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها، وعلموا أن القرآن كلام الله  ، وأنه لا يتكلم بالباطل والعبث، فإذا سمعوا آية ودلت الدلائل القاطعة على أنه لا يجوز أن يكون ظاهرها مراداً لله  عرفوا أن مراد الله  منه شيء غير ذلك الظاهر، ثم فوضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه وقطعوا بأن ذلك المعنى أي شيء كان فهو الحق والصواب.

فهؤلاء هم الراسخون في العلم بالله بحيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر ولا عدم علمهم بالمراد عن الإيمان بالله والجزم بصحة القرآن، ولم يصر كون ظاهره مردوداً شبهة لهم في الطعن في كلام الله  .

ثم إن جعل قوله ﴿ والراسخون ﴾ عطفاً على اسم ﴿ الله ﴾ فقوله ﴿ يقولون آمنا به ﴾ كلام مستأنف موضح لحال الراسخين بمعنى هم يقولون آمنا بالمتشابه كل من عند ربنا أي كل واحد من المحكم والمتشابه من عنده.

وفي زيادة ﴿ عند ﴾ مزيد توضيح وتأكيد وتفخيم لشأن القرآن، ويحتمل أن يعود الضمير في ﴿ آمنا به ﴾ إلى الكتاب أي يقولون، آمنا بالكتاب كل من محكمه ومتشابهه من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه ولا يختلف كتابه، ويحتمل أن يكون قوله ﴿ يقولون ﴾ حالاً إلا أن فيه إشكالاً وهو أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره وههنا قد تقدم ذكر الله وذكر الراسخين، والحال لا يمكن إلا من الراسخين فيلزم ترك الظاهر.

﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ ما يتعظ إلا ذوو العقول الكاملة الذين يستعملون أذهانهم في فهم القرآن فيعلمون ما الذي يطابق ظاهره دلائل العقل فيكون محكماً، وما الذي هو بالعكس فيكون متشابهاً، ثم يعتقدون أن الكل كلام من لا يجوز في / كلامه التناقض، فيحكمون بأن ذلك المتشابه لا بد أن يكون له معنى صحيح عند الله وإن دق عن فهومنا.

وقيل: هو مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمل حتى علموا من التأويل ما علموا.

ثم إنه  حكى عن الراسخين نوعين من الدعاء: الأول قولهم ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ﴾ أي بعد وقت هدايتنا، والثاني قولهم ﴿ وهب لنا من لدنك رحمة ﴾ سألوا ربهم أوّلاً أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الأباطيل والعقائد الفاسدة، ثم أن ينور قلوبهم بأنوار المعرفة ويزين جوارحهم وأعضاءهم بزينة الطاعة والعبودية والخدمة.

ونكَّر رحمة ليشمل جميع أنواعها.

فأوّلها أن يحصل في القلب نور الإيمان والتوحيد والمعرفة، وثانيها أن يحصل في الجوارح والأعضاء نور الطاعة والعبودية والخدمة، وثالثها أن يحصل له في الدنيا سهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفاية، ورابعها أن يحصل عند الموت سهولة سكرات الموت، وخامسها سهولة السؤال والظلمة والوحشة في القبر، وسادسها في القيامة سهولة العقاب والخطاب وغفران السيئات وتبديلها بالحسنات، وسابعها في الجنة ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وثامنها في الحضرة رفع الأستار ورؤية الملك الجبار.

وفي قولهم ﴿ من لدنك ﴾ تنبيه على أن هذا المقصود لا يحصل إلا من عنده ويؤكده قوله ﴿ إنك أنت الوهاب ﴾ فالمطالب وإن كانت عظيمة فإنها تكون حقيرة بالنسبة إلى غاية كرمك ونهاية وجودك وموهبتك.

ولنعد إلى ما يتعلق بالدعاء الأول قال أهل السنة: القلب صالح لأن يميل إلى الإيمان، وصالح لأن يميل إلى الكفر، وكل منهما يتوقف على داعية ينشئها الله تعالى فيه، إذ لو حدثت بنفسها لزم سد باب إثبات الصانع.

فإن كانت داعية الكفر فهو الخذلان والإزاغة والصد والختم والطبع والرين وغيرها مما ورد في القرآن، وإن كانت داعية الإيمان فهو التوفيق والرشاد والهداية والتثبيت والعصمة ونحوها.

وكان رسول الله  يقول: " "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن" يعني الداعيتين.

ومما يؤكد ذلك أن الله  مدح هؤلاء الراسخين بأنهم لا يتبعون المتشابهات بل يؤمنون بها على سبيل الإجمال ويتركون الخوض فيها فيبعد منهم في مثل هذا الوقت أن يتكلموا بالمتشابه، فتكون هذه الآية من أقوى المحكمات وهو ظاهر في أن الإزاغة والهداية كلتيهما من الله  .

أما المعتزلة فقد قالوا: لما دلت الدلائل على أن الإزاغة لا يجوز أن تصدر من الله  لأن ذلك ظلم وقبيح، وجب صرف الآية إلى التأويل فقال الجبائي واختاره القاضي: المراد أن لا يمنع قلوبهم الألطاف التي معها يستمر قلبهم على صفة الإيمان، وزيف بأن اللطف إن / صح في حقهم وجب عندكم على الله أن يفعل ذلك وجوباً لو تركه لبطلت إلهيته ولصار جاهلاً أو محتاجاً.

وقال الأصم: لا تبلنا ببلوى يزيغ عندها قلوبنا.

والمعنى لا تكلفنا من العبادات ما لا نأمن معه الزيغ.

وقد يقول القائل: لا تحملني على إيذائك أي لا تفعل ما أصير عنده مؤذياً لك.

وزيف بأن التشديد في التكليف قبيح إن علم الله  أن له أثراً في حمل المكلف على القبيح وإلا فوجوده كعدمه فلا فائدة في صرف الدعاء إليه.

وقال الكعبى: لا تسمنا باسم الزائغ كما يقال: فلان يكفر فلاناً أي يقول إنه كافر.

وزيف بأن التسمية دائرة مع الفعل، وفعل الزيغ باختيار العبد عندكم فالتسمية أيضاً بسببه، وقال الجبائي أيضاً: لا تزغ قلوبنا عن جنتك وثوابك وهو كالأول إلا أن يحمل على شيء اخر وهو أنه تعالى إذا علم أنه مؤمن في الحال، وعلم أنه لو بقي إلى السنة الثانية لكفر أماته في هذه السنة.

ويرد عليه أنه لو كان علمه بأنه يكفر في السنة الثانية يوجب عليه أن يميته لكان علمه بأنه لا يؤمن قط ويبقى على الكفر طول عمره يوجب أن لا يخلقه.

وعن الأصم أيضاً: لا تزغ قلوبنا عن كمال العقل بالجنون بعد إذ هديتنا بنور العقل.

ولا يخفى تعسفه وعدم مناسبته لقوله ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ .

وقال أبو مسلم: احرسنا من الشيطان ومن شرور أنفسنا حتى لا نزيغ.

ثم إنهم لما طلبوا أن يصونهم عن الزيغ وأن يخصهم بالهداية والرحمة فكأنهم قالوا ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقضية، ولكن الغرض ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه أي في وقوعه.

فاللام للوقت، أو جامع الناس لجزاء يوم فحذف المضاف ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ قيل: هو كلام الله  كأنه يصدقهم فيما قالوه، ولو كان من تمام قول المؤمنين لقيل: إنك لا تخلف.

إلا أن يحمل على الالتفات ومعناه أن الإلهية تنافي خلف الميعاد كقولك: إن الجواد لا يخيب سائله.

ولا سيما وعد الحشر والجزاء لينتصف للمظلومين من الظالمين.

والميعاد المواعدة والوقت والموضع قاله في الصحاح.

واعلم أنه لا يلزم من أنه  لا يخلف الوعد القطع بوعيد الفساق كما زعم المعتزلة، لأن كل ما ورد في وعيد الفساق فهو عندنا مشروط بشرط عدم العفو، كما أنه بالاتفاق مشروط بشرط عدم التوبة بدليل منفصل.

قال الواحدي: ولم لا يجوز أن يحمل هذا على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء، لأن خلف الوعيد كرم عند العرب.

قال بعضهم: إذا وعد السراء أنجز وعده *** وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه وناظر أبو عمرو بن العلاء عمرو بن عبيد فقال: ما تقول في أصحاب الكبائر؟

فقال: إن الله وعد وعداً وأوعد إيعاداً.

فهو منجز إيعاده كما هو منجز وعده.

فقال أبو عمرو إنك أعجم لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب، لأن العرب تعدّ الرجوع عن الوعد لؤماً وعن الايعاد كرماً وأنشد: وإني وإن أوعدته أو وعدته *** لمكذب إيعادي ومنجز موعدي وذلك أن الوعد حق عليه، والوعيد حق له، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم، ومن أسقط حق غيره فذلك هو اللؤم فهذا هو الفرق بين الوعد والوعيد.

على أنا لا نسلم أن الوعيد ثابت جزماً من غير شرط بل هو مشروط بعدم العفو فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام الله  .

ثم إنه  لما حكى عن المؤمنين دعاءهم وتضرعهم حكى كيفية حال الكافرين وشدة عذابهم فقال: ﴿ إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً ﴾ وقيل: المراد وفد نجران وذلك أنا روينا في قصتهم أن أبا حارثة بن عقلمة قال لأخيه: إني أعلم أنه رسول الله  حقاً، ولكن إن أظهرت ذلك أخذ ملوك الروم مني ما أعطوني من المال.

فالله  بيَّن أن أموالهم وأولادهم لا تدفع عنهم عذاب الله في الدنيا والآخرة، لكن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ.

واعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عنه كل ما كان منتفعاً به ويجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة.

أما الأول فإليه أشار بقوله: ﴿ لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ﴾ لأنهما أقرب الأمور التي يفزع إليها المرء عند الخطوب.

وإذا لم يفد أقرب الطرق إلى دفع المضار في ذلك اليوم فما عداه بالتعذر أولى ومثله ﴿ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم  ﴾ ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير  ﴾ .

وأما الثاني فإليه أشار بقوله: ﴿ وأولئك هم وقود النار ﴾ فإنه لا عذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس: و"من" في قوله ﴿ من الله ﴾ للبدل مثله في قوله ﴿ و إن الظن لا يغني من الحق شيئا  ﴾ أي بدله والمضاف محذوف تقديره لن تغني عنهم بدل رحمة الله أو طاعته شيئاً.

أو في الحديث " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " أي لا ينفعه جده وحظه في الدنيا بدل طاعتك وعبادتك وما عندك وأنشد أبو علي: فليت لنا من ماء زمزم شربة *** مبردة باتت على طهيان وطهيان من بلاد الأزد.

قلت: يجوز أن يقال "من" للابتداء تقديره من عذاب الله، والجار والمجرور مقدم حالاً من شيء أو "من" زائدة لتأكيد النفي التقدير: لن تغني عنهم عذاب الله شيئاً من الغناء أي لن تدفع.

وقال أبو عبيدة "من" بمعنى "عند" والمعنى: لن تغني عند الله شيئاً.

قوله  : ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ يقال: دأب فلانٍ في عمله أي جدّ وتعب دأبا دؤباً فهو دئيب.

وأدأبته أنا، والدائبان الليل والنهار، والدأب العادة والشان، وكل ما عليه الإنسان من صنيع وحالة، وقد يحرّك وأصله من دأبت إطلاقاً لاسم الخاص على العام أي جد هؤلاء الكفار واجتهادهم أو شأنهم أو صنيعهم في تكذيب محمد وكفرهم بدينه كدأب آل فرعون مع موسى  .

ثم إنا أهلكنا أولئك بذنوبهم فكذلك نهلك هؤلاء.

فقوله: ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ تفسير لدأبهم على أنه جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ما فعلوا وما فعل بهم؟

فقيل: كذبوا بآياتنا بالمعجزات الدالة على صدق رسلنا.

﴿ فأخذهم الله بذنوبهم ﴾ أي صاروا عند نزول العذاب كالمأخوذ المأسور الذي لا يقدر على وجه الخلاص البتة.

وقيل: المعنى كدأب الله في آل فرعون أي يجعلهم الله وقود النار كعادته وصنيعه في آل فرعون والمصدر يضاف تارة إلى الفاعل وتارة إلى المفعول.

وقال القفال: يحتمل أن تكون الآية جامعة للعادة المضافة إلى الله  وللعادة المضافة إلى الكفار كأنه قيل: إن عادة هؤلاء الكفار ومذهبهم في إيذاء محمد كعادة من قبلهم في إيذاء الرسل، وعادتنا أيضاً في إهلاك هؤلاء كعادتنا في إهلاك أولئك الكفرة.

وقيل: الدؤب والدأب اللبث والدوام والتقدير: دؤبهم في النار كدؤب آل فرعون.

وقيل: مشقتهم وتعبهم في النار كمشقة آل فرعون بالعذاب ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب  ﴾ .

وقيل: المشبه هو أن أموالهم وأولادهم لا تنفعهم في إزالة العذاب والمعنى: إنكم قد عرفتم ما حل بآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين بالرسل من العذاب المعجل الذي عنده لم ينفعهم مال ولا ولد، فكذلك حالكم أيها الكفار المكذبون بمحمد فينزل بكم مثل ما نزل بهم ولا تغني عنكم الأموال والأولاد.

ويحتمل أن يكون وجه التشبيه أنه كما نزل بمن تقدم العذاب المعجل بالاستئصال وهو قوله ﴿ فأخذهم الله بذنوبهم ﴾ ثم صاروا إلى دوام العذاب وهو قوله ﴿ والله شديد العقاب ﴾ فسينزل بمن كذب بمحمد أمران: أحدهما المحن المعجلة من القتل والسبي والإذلال وسلب الأموال وإليه الإشارة بقوله فيما بعد ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون ﴾ والثاني المصير إلى العذاب الدائم وذلك قوله ﴿ وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ﴾ .

/ التأويل: ﴿ آلم ﴾ الألف إظهار الوحدة مطلقاً ذاتاً وصفة.

فإن الألف واحد في ذاته وصفاته في وضع الحساب، ومتفرد بالأولية والانقطاع عن غيره في وضع الحروف، ويشير باستقامته وعدم تغيره في جميع الأحوال إلى عدم تغيره عن الوجود الوحداني أزلاً وأبداً.

فإن الألف مصدر جميع الحروف، فإن من استقامته يخرج كل حرف معوج.

ثم في اللام والميم المتصل كل حرف منهما بالآخر إثبات أن كل موجود سوى الوحدة موصوفة بالإثنينية وذلك قسمان: قسم لم يكن فكان ثم يزول، وقسم ما كان فكان ولا يزول.

وهذان قسمان محدثان وموجدهما الواحد القديم الذي لا زال كان ولا يزال يكون وإليه الإشارة بالألف.

وأما اللام فإشارة إلى القسم الذي لم يكن فكان ولا يكون باقياً وهو عالم الصورة والملك والأجساد.

فوقوعه في المرتبة الثانية، من الألف إشارة إلى أنه مسبوق بالوجود والألف سابق عليه، والانكسار فيه يشير إلى تغيره وزواله.

والميم إشارة إلى القسم الذي لم يكن فكان ولا يزال يبقى وهو عالم المعنى والملكوت والأرواح.

وذلك أن الميم أول حرف من اسمه المبدىء وآخر حرف من اسمه القيوم، فيشير إلى أنه كما أبدأه المبدىء حين لم يكن يقيمه القيوم حين كان لا يزال.

وبوجه آخر الألف إشارة إلى وجود حقيقي قائم بذاته، واللام يشير إلى إثبات ونفي.

فالإثبات في لام التمليك ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ والنفي في "لا" النافية أي لا وجود لشيء بالحقيقة سواه، والميم يشير أيضاً إلى إثبات ونفي.

فالإثبات ميم اسمه القيوم والنفي "ما" النافية أي ما في الوجود حقيقة إلا هو.

ودليل الوجهين في ﴿ آلم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ فـ ﴿ الله ﴾ إثبات ذات القديم، ﴿ لا إله إلا هو ﴾ نفى الشرك عن وجوده وإثبات وحدته في وجوده و ﴿ الحي القيوم ﴾ إثبات جميع صفات كماله ونفي جميع سمات النقص عن ذاته.

وقد أودع مجموع معاني هذه الآية في قوله ﴿ آلم ﴾ فمعنى قوله ﴿ الله ﴾ أودع في أول حرف من حروفه وهو الألف، ومعنى قوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ أودع في أول حرف من حروفه وهو اللام.

ومعنى قوله ﴿ الحي القيوم ﴾ أودع في آخر حرف من حروفه وهو الميم.

وإنما أودع في آخر حروفه ههنا ليكون السر مودعاً في الآية من أول حرفها إلى آخر حرفها مكتوماً فيما بينهما.

والحروف الثلاثة من قوله ﴿ آلم ﴾ يكون الألف من أولها دالاً على المعنى الذي هو في الكلمة الأولى وهي ﴿ الله ﴾ واللام من أوسطها دالاً على المعنى الذي في الكلمة الثانية وهي ﴿ لا إله إلا هو ﴾ والميم من آخرها دالاً على المعنى الذي هو مودع في الثالثة وهو ﴿ الحي القيوم ﴾ فيكون الاسم الأعظم مودعاً في ﴿ آلم ﴾ كما روي عن سعيد بن جبير وغيره، وهو سر القرآن وصفوته كما روي عن أبي بكر وعلي  .

ثم إنه  بعد أن أظهر أسرار ألوهيته المودعة في ﴿ آلم ﴾ بقوله ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ أظهر ألطاف ربوبيته المكنونة في أستار العزة مع حبيبه محمد  / فقال ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق ﴾ أي نزل حقائق القرآن وأنواره على قلبك بالحقيقة متجلية لسرك، مخيفة عن زورك، فصرت مشاهداً لسر الله المودع في ﴿ آلم ﴾ وهو الذي بين يدي ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ فصرت مصدقاً له تصديق تحقيق لا تصديق تقليد فأفهم إذ لم تتعلم، ولا تعلم أنك لا تفهم لأنه منطق الطير وأنت بعد بيضة لا من الطيارين ولا من السيارين.

﴿ وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس ﴾ فلا تظنن يا محمد أن إنزال الكتب على الأنبياء كان كتنزيل القرآن بالحقيقة على قلبك كما قال: ﴿ ولكن جعلناه نوراً  ﴾ حتى صرت مكاشفاً عند تجلي أنواره بأسراره، وحقائق بيني وبينك لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما إنزال الكتب على الأنبياء كان بالصورة مكتوبة في صحائف وألواح يقرؤها كل قاريء، ويستوي في هداها الأنبياء والأمم قاطبة ﴿ هدى للناس ﴾ وكنت مخصوصاً بالهداية عند تجلي أنوار القرآن بالتنزيل على قلبك كما قال: ﴿ ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا  ﴾ ﴿ وأنزل الفرقان ﴾ الذي يفرق بين تنزيله على قلبك وبين إنزال الكتب على صورة الأنبياء، ويفرق بين تعليمك القرآن وبين تعليمهم الكتب.

فإن كانوا يتدارسون الكتب فأنت تتخلق بالقرآن، فشتان بين نبي يجيء وهو بذاته نور ومعه كتاب ﴿ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين  ﴾ وبين نبى يجىء ومعه نور من الكتاب ﴿ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس  ﴾ وشتان بين نبي تشرف بكتابة الموعظة له في الألواح ﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة  ﴾ وبين نبي تشرف أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم ﴿ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله ﴾ يسترون بحجب الغفلات وتتبع الشهوات قلوبهم فتعمى عن مشاهدة هذه الآيات البينات ﴿ لهم عذاب شديد ﴾ من هذا العمى والحرمان وهم في خسران من الركون إلى هذا النقصان ﴿ والله عزيز ذو انتقام ﴾ يعز أهل الغرام بنيل المرام وينتقم من أهل السلوة بحجاب العزة.

ثم أخبر  عن كمال علمه بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ﴾ وكيف يخفى وإنه ﴿ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز ﴾ عن نقص الأحكام ﴿ الحكيم ﴾ فيما يجري من الأزل إلى الأبد وجفت به الأقلام.

وفي الآية إشارة إلى أنه إذا سقطت من صلب ولاية رجل من رجال الحق نطفة إرادة في رحم قلب مريد صادق يستسلم لتصرفات ولاية الشيخ وهو بمثابة ملك الأرحام، ويضبط المريد أحواله الظاهرة والباطنة على وفق أمر الشيخ ويختار الخلوة والعزلة لئلا يصدر منه حركة عنيفة أو يجد رائحة غريبة يلزم منه سقوط النطفة وفسادها، ويقعد بأمر الشيخ وتدبيره فالله  بتصرف ولاية الشيخ / المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها يحوّلها من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام إلى أن يرجع إلى حظائر القدس ورياض الأنس التي منها صدر إلى عالم الإنس، فيتكون الجنين في رحم القلب وهو طفل خليفة الله في أرضه فيستحق الآن أن ينفخ فيه الروح المخصوص بأنبيائه وأوليائه ﴿ يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده  ﴾ ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه  ﴾ فإذا نفخ فيه الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون.

الآيات المحكمات تنزيلها شرب الخواص والعوام لبسط الشرع والاهتداء، والمتشابهات تأويلها شرب الخواص وخواص الخواص لإخفاء الأسرار عن الأغيار والابتلاء ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ ألبست قلوبهم غطاء الريب وحرموا أنوار الغيب وهم أهل الأهواء والبدع ﴿ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ﴾ ليضلوا بأهوائهم ﴿ وابتغاء تأويله ﴾ ليضلوا الناس بآرائهم ﴿ والراسخون في العلم يقولون آمنا به ﴾ بما شاهدوا من أنوار الحق في تحقيق التأويل ﴿ كل من عند ربنا ﴾ بتوفيقه وإعلامه وتعريفه ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين خرجوا في متابعة النبي  من ظلمات قشور وجودهم النفساني إلى نور لباب وجودهم الروحاني، وهم الراسخون في قشور العلوم الكسبية الواصلون إلى حقائق لباب العلوم اللدنية من لدن حكيم خبير.

وفي الآية إشارة إلى أن علوم الراسخين كلها بتعليم الله  إياهم في الميثاق إذ تجلى بصفة الربوبية للذرّات، وأشهدهم على أنفسهم بشواهد الربوبية ألست بربكم؟

فبشهود تلك الشواهد ركز في جبلة الذرّات علم التوحيد فقالوا: بلى.

ويندرج في علم التوحيد كل العلوم كما قال: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ فلما ردّت الذرّات إلى الأصلاب واحتجبت بصفات البشرية، ثم نقلت إلى الأرحام وتنقلت بقدم الأربعينات من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام من مقامات البعد عن الحضرة إلى أن وضع الحمل، وردت النفس العالمة بعلم التوحيد الناطقة به إلى أسفل سافلين القالب محتجبة بحجب البشرية ناسية تلك العلوم والتنطق بها.

ثم أبواه يذكرانه تلك العلوم بالرموز والقرائن حتى يتذكر بعض تلك العلوم من وراء حجب البشرية وأستار الأطوار، وينطق بلسان الأبوين لا بلسانه الذي أجاب به الرب وقال بلى، فإن ذلك اللسان كان لب هذا اللسان وهذا قشر ذلك.

وكذلك جميع وجود ظاهر الإنسان وباطنه قشور لباب ذلك الوجود المستمع المجيب في الميثاق.

فسمعه قشر ذلك السمع الذي استمع خطاب الحق، وبصره قشر ذلك البصر الذي أبصر جمال الحق، وقلبه قشر ذلك القلب الذي فقه خطاب الحق، وعلومه قشر تلك العلوم التي تعلمت من الحق.

فالنبي  إنما بعث ليذكره حقيقة تلك العلوم التي كان أبواه يذكرانه قشرها كما قال ﴿ فذكر إنما أنت مذكر  ﴾ فالتذكير عام ولكن التذكر خاص فلهذا قال ﴿ وما يذكر إلا أولوا / الألباب ﴾ إنما يتذكر أولوا الألباب ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا ﴾ عن صراطك بغلبات ظلمات طبائعنا وطباعنا ﴿ بعد إذ هديتنا ﴾ إلى حضرة جلالك ونور جمالك حتى سمعنا بلب سمعنا لب التنزيل، وشاهدنا بلب أبصارنا لب التأويل، وتذكرنا بلب عقولنا علومنا ﴿ وهب لنا من لدنك رحمة ﴾ تجذبنا من لدنا إلى لدنك وتغنينا عنا بك ﴿ إنك أنت الوهاب ﴾ .

وفيه إشارة إلى أن وظيفة الطالب أن لا يسكن في مقام ولا يقف مع حال بل يكون إلى الأبد طلاباً كما كان الله من الأزل إلى الأبد وهاباً.

وكما أنه لا نهاية لمواهبه فلا غاية لمطالب طالبه، وأن بعد هذه الدار داراً هي دار القرار يوفى فيها جزاء الأبرار والفجار.

فحصول الأرب بقدر رعاية الأدب في الطلب.

ومقاساة التعب والنصب، وإن التقوى خير زاد للمعاد ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ ﴿ إن الذين كفروا ﴾ ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات صفات نفسانيتهم ﴿ لن تغنى عنهم ﴾ طاغوت ﴿ أموالهم وأولادهم من ﴾ أنوار الله التي حجبوا عنها ﴿ وأولئك هم وقود النار ﴾ نار الفرقة والقطيعة ﴿ نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة  ﴾ لا نار الجحيم التي لا تحرق إلا قشور الجلود ولا تخلص إلى لب القلوب.

وإن عذاب حرقة لجلود بالنسبة إلى عذاب حرقة القلوب وحرقة القطيعة عن الله كنسيم الحياة إلى سموم الممات.

في فؤاد المحب نار هوى *** أحر نار الجحيم أبردها وكذلك دأب جميع الكفار الذين ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات صفات النفس فعموا وصموا عن مشاهدة أنوارنا ومحافظة أسرارنا، فأخذهم الله فعاقبهم بحجاب ذنبوبهم وحرقة قلوبهم ﴿ والله شديد العقاب ﴾ أليم نار فراقه عظيم عذاب بعده وإشراقه.

بالنار خوّفني قومي فقلت لهم *** النار ترحم من في قلبه نار <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ الۤمۤ * ٱللَّهُ ﴾ .

قال بعضهم: تفسيره ما وصل به من قوله: ﴿ الۤـمۤ  ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ  ﴾ : هو تفسير ﴿ الۤـمۤ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ : تفسير ﴿ الۤـمۤ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤصۤ  كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ  ﴾ ، وجميع ما وصل به الحروف المقطعة فهو تفسيرها، ولله أن يسمي نفسه بما شاء: سمى نفسه مجيداً؛ كقوله: ﴿ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ  ﴾ ، وسمىّ القرآن مجيداً؛ كقوله: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ  ﴾ .

وقال بعضهم: الحروف المقطعة هي مفتاح السورة.

وقال آخرون: إن كل حرف منها اسم من أسماء الله  .

ومنهم من يقول بأنها من المتشابه التي لا يوقف عليها.

ومنهم من يقول: هو على التشبيب؛ إذ من عادة العرب ذلك، وقد مضى الكلام فيه في قوله: ﴿ الۤـمۤ  ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ  ﴾ بما يكفي.

وقوله: ﴿ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ ﴾ : هو الحيُّ بذاته، وكل حيٍّ سواه حيُّ بحياة هي غيره، فإذا كان هو حيّاً بذاته لم يوصف بالتغاير والزوال، ولما كان كل حيٍّ سواه حيّاً بغيره احتمل التغاير والزوال؛ وكأن الحياة عبارة يوصف بها مَنْ عَظُمَ شَأْنُهُ، وشَرُفَ أمره عند الخلق.

ألا ترى أن الله -  - وصف الأرض بالحياة عند نباتِها؛ لما يعظم قدرها ويشرف منزلتها عند الخلق عند النبات؟!

وكذلك سمى المؤمن حيّاً؛ لعلوّ قدره عند الناس، والكافر ميتاً؛ لدون منزلته عند الناس؛ فكذلك الله -  - سمى [نفسه] حيّاً؛ لعظمته وجلاله وكبريائه؛ وعلى هذا يخرج قوله في الشهداء؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ  ﴾ ، أي: مكرمون معظمون مشرفون عند ربّهم.

وقوله: ﴿ ٱلْقَيُّومُ ﴾ ، قال بعضهم: هو القائم على كل نفس بما كسبت.

وقال آخرون: القيوم: الحافظ.

وفي حرف ابن مسعود -  -: "هو الحيّ القيام" وكله يرجع إلى واحد: القائم.

والقيوم، والقيام، يقال: فلان قائم على أمر فلان، أي: يحفظه حتى لا يغيب عنه من أمره شيء.

وروي عن ابن عباس -  - أنه قال: "إنَّ اسمَ اللهَ الأَعْظَمَ هَوَ: الحيُّ القَيُّومُ" وقوله: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ .

ظاهر.

﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ قيل فيه بوجوه: يحتمل بالحق، أي: دعاء الخلق إلى الحق، ويحتمل بالحق، أي: هو الحق نفسه حجة مجعولة، وآية معجزة، أيس العرب عن أن يعارضوه أو يأتوا بمثله، وتحقق عند كُلٍّ أنهُ من عند الله، إلا من أعرض عنه، وكابر وعاند.

وقيل: بالحق، أي: بالصِّدق والعدل.

وقيل: بالحق الذي لله عليهم، وما يكون لبعضهم [على بعض].

ثم قال: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .

أي: موافقاً لما قبله من الكتب السماوية، وهي غير مختلفة ولا متفارتة، وفيه دلالة نبوة [سيدنا] محمد  ؛ لأنه أخبر أنه موافق لتلك الكتب غير مخالف لها، ولو كان على خلاف ذلك لتكلفوا إظهار موضع الخلاف؛ فإذا لم يفعلوا ذلك دل أنهم عرفوا أنه من الله، وأن محمداً رسوله، لكنهم كابروا وعاندوا.

وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ﴾ .

من بعد.

وقال بعضهم: ﴿ هُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ .

أي: بياناً لهم، وحجَّة لمن اهتدى، وحجة على من عمي؛ إذ لا يحتمل أن يكون له هدى، وعليه حجة فيه الهلاك؛ إنما يكون حجة له وهدى إذا اهتدى، وعليه إن ترك الاهتداء؛ فبان أنه يخالف ما يقوله المعتزلة.

وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ﴾ : قد ذكرنا فيما تقدم أنه سمّي فرقاناً؛ لوجهين: أحدهما: لما فرق آياته وفرق إنزاله.

والثاني: لما يفرِّق بين الحق والباطل، وبين الحرام والحلال، وبين ما يتقى ويؤتى؛ فعلى هذا كل كتاب مبيّن فيه الحلال والحرام، وبُيِّن ما يتقى ويؤتى.

والإنجيل فيه سمي إنجيلاً؛ لما يجلي، وهو الإظهار في اللُّغة.

وَقِيل: سمّى التوراة تَوْراة من أوريت الزند؛ وهو كذلك.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ...

﴾ : قيل: بحجج الله.

وقيل: كفروا بآيات الله، أي: بالله؛ لأنهم إذا كفروا بآياته كفروا به، وكذلك الكفر بدينه كفر به، والبراءة من دينه براءة منه، والبراءة من رسول الله براءة منه.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: ذو انتقام لأوليائه من أعدائِه.

وقيل: ذو انتقام: ذو انتصار على الأعداء.

وقيل: ذو بطش شديد.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

هو وعيد؛ كأنه - والله أعلم - قال: لا يخفى عليه ما في السماوات، و[وما في] الأرض من الأمور المستورة الخفية على الخلق؛ فكيف يخفى عليه أعمالكم وأفعالكم، التي هي ظاهرة عندكم؟!

ويحتمل: إذا لم يخف عليه ما بطن، وخفي في الأصلاب والضمائر والأرحام؛ فكيف يخفى عليه أفعالكم وأقوالكم، وهي ظاهرة؟!.

ألا ترى أنه قال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ ﴾ ؛ إذ علم ما في الأرحام وصوَّرها على ما شاء وكيف شاء.

وهم ﴿ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ﴾ فيه دليل نقض قول من يقول بالقائف؛ لأنه جعل علم التصور في الأرحام لنفسه، لم يجعل لغيره، كيف عرف بالقائف تصوير الأوَّل، حتى قال الله: إنه على صورته وعلى تصويره، وإنه من مائة، ثم اختلف في خلق الأشياء: قال بعضهم بخلق الفروع من الأصول، وهن أسباب للفروع.

وقال آخرون: يكون بأسباب وبغير أسباب، فإن كان بعض الأشياء يكون بأسباب؛ من نحو الإنسان من النطفة، إلا أن النطفة تتلف؛ فتكون علقة، ثم مضغة؛ فدل أنه يخلق الخلق كيف شاء من شيء ولا من شيء، بسبب وبغير سبب، وهو القادر على ذلك، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ اختلف فيه: فقيل: المحكمات: هن النَّاسخات المعمولات بهن، والمتشبهات: هن المنسوخات غير معمول بهن، وهو قول ابن عباس [  ].

وقال آخرون: المحكمات: هن ثلاثة آيات في [آخر] سورة الأنعام: قوله: ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ ...

تَتَّقُونَ  ﴾ ، وما ذكر في سورة "بني إسرائيل" من قوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ إلى آخر هذه الآيات، سميت محكمة؛ لأن فيها توحيداً وإيماناً بالله وغيره من المتشابه.

ثم قيل بعد هذا بوجوه: قيل: المحكمات: هي التي يعرفها كل أحد إذا نظر فيها، وتأمَّل فيها.

والمتشابه: هو المبهم الذي يعرف عند البحث فيه والطلب.

وقيل: المحكمات: ما يوقف ويفهم مراده.

والمتشابه: هو الذي لا يوقف [عليه] ألبتة، بعد ما قضى حوائج الخلق من البيان في المحكم منه، ولكن يلزم الإيمان به، وهو من الله محنة على عباده، ولله أن يمتحن خلقه بما شاء من أنواع المحن؛ لأنها دار محنة.

وغيرها لا يفهم مرادها.

ويحتمل أن يكون المحكمات: هن ما ظهر لكل أحد من أهل الإسلام؛ حتى لم يختلفوا فيها.

والمتشابه: هو الذي اشبته على الناس؛ لاختلاف الألسن فاختلفوا فيها، ولما يؤدي ظاهره إلى غير ما يؤدي باطنه؛ فتعلق بعضهم بالظاهر فقالوا به، وتعلق آخرون بالباطن؛ لما رأوا ظاهره جوراً وظلماً أو تشبيهاً، على اتفاقهم على نفي الجور والظلم عنه، ويجوز لمن يوقف على المتشابه بمعرفة المحكم.

وقال آخرون: المحكم: هو الواضح المبين، فلو كان على ما قالوا لم يكن لاختلاف الناس فيه، وادعاء كل أنَّ الذي هو عليه هو المحكم؛ لأنه لو كان ظاهراً مبيّناً لتمسّكوا بهن ولم يقع بينهم اختلاف.

وفيه دليل ونقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون بالأصلح في الدين: أنه لا يفعل إلا ذلك، ثم لم يبين لهم المحكم من غير المحكم، ولو بين كان أصلح لهم في الدين؛ فدل أن الله - عز وجل - قد يجوز أن يفعل بهم ما ليس بأصلح لهم في الدين؛ امتحاناً وابتلاءً منه لهم، والله أعلم.

لكن لا يخرج من الحكمة، ثم ما قالوه في الأمر حق؛ لأنه لا يأمر إلا أن يفعل بهم ما لهم فيه الأصلح، وقد يفعل ما هو حكمة في حق المحنة وإن كان غير ذلك أصلح لهم في الدّين، بمعنى: أقرب وأدعى إليه، والله الموفق.

وَقال قوم: المحكم: ما في العقل بيانه.

والمتشابه: ما لا يدرك في العقل؛ وإنما يعرف بمعونة السمع.

وقال قوم: لا متشابه فيما فيه أحكام من أمر ونهي وحلال وحرام؛ وإنما ذلك فيما ليس بالناس حاجة إلى العلم به، نحو: الإنباء عن منتهى الملك، وعن عدد الملوك، وعن الإحاطة بحقيقة الموعود، ونحو ذلك.

ولا قوة إلا بالله.

لكن يمكن أن يكون سمي متشابهاً؛ بما تشابه على أولئك القوم حقيقة ما راموا من الوجه الذي طلبوا.

وقد بيَّنا الحق في أمر المتشابه، وما يجب في ذلك من القول، وبالله العصمة والنجاة.

وقوله: ﴿ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل أم الكتاب، أي: أصل الكتاب.

ويحتمل أم الكتاب، أي: المتقدم على غيرها؛ وعلى هذا يُخَرِّجُ: ﴿ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ  ﴾ ، أعني: مكة؛ لأنها هي المتقدمة على غيرها من القرى، ويحتمل هي أصل القرى؛ كما سمى "فاتحة الكتاب": "أم القرآن"؛ لأنها أصل؛ أو لأنها هي المتقدمة على غيرها من السور، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، أي: مقصود الكتاب، يعني: المحكمات، والمتشابهات مما فيه شبه من غيره؛ فيتشابه؛ فهو متشابه؛ كقولهم: ﴿ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا  ﴾ ؛ وكذلك المشكل سمي مشكلاً؛ لما يدخل فيه شكل من غيره فسمي مشكلاً؛ فكذلك المتشابه يدخل فيه شبه غيره؛ فصار متشابهاً، والله أعلم.

وقوله [عز وجل]: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ .

قيل: ميل عن الحق.

وقيل: الزيغ: هو الريب والشك.

﴿ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ ﴾ ولو كان ثم اتباع لعذروا؛ إذ الاتباع للشيء اتباع ما فيه من المراد؛ وعلى هذا يقولون في قوله: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ  ﴾ : أي يتبعونه حق اتباعه، وكذلك قوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ .

والمتشابه قد أنزل إلينا من ربنا؛ فيحمد متبعه في الحقيقة؛ فثبت أنه لم يكن ثم اتباع في الحقيقة، وأنه لو كان لعذروا، ولكنه كان - والله أعلم - اتباع الآراء في التأويل بالآراء الفاسدة؛ ألا ترى أنهم طلبوا بالتأويل منتهى ملك هذه الأمَّة؟!

وفي الوقوف عليه وقوف على علم الساعة وسبب القيامة، وذلك علم ما لم يُطْلِع اللهُ الرسلَ على ذلك، فضلاً أن يطلع عليه غيرهم.

قال الشيخ - رحمه الله -: ويحتمل أن يكون اتباعهم نظرهم فيما تقصر أفهامهم عن الإدراك في الوقوف عليه، ولو كان نظرهم في المحكم من ذلك، لكان لهم في ذلك بلاغ وكفاية فيما إليهم به حاجة، ولا قوة إلا بالله.

قال الشيخ - رحمه الله -: في قوله: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ : أي: ميل عن الحق، وذلك همتهم، أو كان ذلك اعتقادهم، فإن كان المراد من ذلك في الكفرة فهو الأوّل، وإن كان في أصحاب الهوى من الذين يدينون دين الإسلام - فهو الثاني؛ وكذلك نجد كل ذي مذهب في الدِّين - ممَّن اعتقد حقيقة الأمر في قوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ  ﴾ الآية، وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ...

 ﴾ الآية - يتعلق بظاهر الآية؛ يدعي أنها محكمة بما عنده أنه الحق، بعد أن أجهد نفسه في طلب الحق، ويسوي غير ذلك عليه، فإن كان على ذلك فحقه التسليم لما عليه توارث الأمة ظاهراً؛ على ما روي عن نبي الله  أنه أخبر عن تفرق الأمة، ثم أشار إلى التمسُّك بما عليه هو وأصحابه [-  م -] فعلى ذلك أمر المتوارث؛ فيجب جعله محكماً وبياناً [لما] اختلف عليه، ولا قوة إلا بالله.

ويكوت المتبدع في ابتغاء تأويله؛ يريد التلبيس على من لزم تلك الجملة، وكذلك لأهل جمل في الدِّين مرفوع عليه، كذا التنازع وترك الاشتغال بتأويل ما اعترضه، لكان متبع المحكم عند الأمة مطيعاً المتشابه، ولا قوة إلا بالله.

وإن كان هو الأوَّل فقد ذكر أن ذلك في استخراج منتهى ملك هذه الأمة، وأن نهايته الساعة، والعلم به لم يطلع عليه الرسل فضلاً عمن دونهم، أو كان ذلك في أشياء تقصر عقول الضعفاء عن الإحاطة بذلك؛ يريدون بذلك التلبيس على العوام وأهل الغباوة؛ فأخبر - عز وجل - بما ذكر أنه لا يعلمه إلا الله كان ذلك فيما يعلمه غيره أو لا، فإن كان أطلعه فبالله علم، لا أن في العقول بلوغ ذلك، ومعنى الاتباع ما قد بين.

وقوله: ﴿ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾ ، أي: من القرآن يقول ما اشتبه حسابهم.

﴿ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ ﴾ .

وقيل: الفتنة: الكفر، ويحتمل "الفتنة": المحنة، أي: يمتحنون أهل الإسلام.

وقوله: ﴿ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ .

منتهى ما كتب الله - عز وجل - لهذه الأمَّة من المدّة [لهم والوقت]، وأصل التأويل: هو المنتهى.

قال الله -  -: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ .

أي: وما يعلم منتهى تلك الأمة إلاّ الله.

ثم المتشابه: إن كان ما يوقف فيه فهو، وإن كان مما يعرفه أهل المعرفة، ويعلمه بالواضح - فهو هو، وأصل هذا: أن كل ذي مذهب في الإسلام يدعي على خصمه بما ذهب إليه من الحجاج بالآيات - الوقوع في المتشابه، ولنفسه - الوقوع في الواضح، وعنده أن ما ذهب إليه هو الحق؛ فلا فرق بين أن يدعي عليه ذهابه إلى غير الحق، أو تعديه إلى المتشابه وترك الواضح، فسبيل مثله الفحص والبحث عما ذهب إليه إن جاء بشيء يضطر العقل إلى قبوله سلم له ما جاء به، وإلا فخصمه منه في دعوى مثله: بالوقوع له في المتشابه بمحل دعواه.

وقوله: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ : قال قوم: موضع الوقف على قوله: ﴿ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ ﴾ ، ثم ابتدأ فقال: ﴿ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾ : "يقولون"، بمعنى: قالوا، "آمنا به": بما عرفنا، وذلك جائز في اللغة؛ "يقول" بمعنى: "قال".

وقال آخرون: موضع الوقف على قوله: ﴿ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ ، ثم استأنف الكلام فقال: ﴿ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾ : المحكم والمتشابه وغيره.

قيل: الراسخون: هم المتدارسون.

وقيل: المتثابتون؛ رسخ، بمعنى: ثبت.

وقيل: الراسخون: [الناتجون.

يقال: رسخ في العلم: نتج فيه].

فإن قيل: ما الحكمة في إنزال المتشابه؟.

قيل: إذا كان مما يعلم فهو يحتمل وجهين: يحتمل: ليعلم فضل العلم على غير العالم.

ويحتمل: أن جعل عليهم طلب المراد فيه، والفحص عما أودع فيه.

وإن كان مما لا يعلم يحتمل المحنة؛ امتحنهم في ذلك بالوقف فيه؛ إذ الدار دار محنة، ولله أن يمتحن عباده بجميع أنواع المحن, وقوله: ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .

أي: ما يتعظ إلا أولو الحجج والعقل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هو الذي يخلقكم صورًا شتى في بطون أمهاتكم كيف يشاء، من ذكرٍ أو أنثى، وحسن أو قبيح، وأبيض أو أسود.

لا معبود بحق غيره، العزيز الذي لا يُغَالَب، الحكيم في خلقه وتدبيره وشرعه.

<div class="verse-tafsir" id="91.O9mpe"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ  مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ  ﴾ المتبادر من كلمة "أنزل" أن التوراة نزلت على موسى مرة واحدة وإن كانت مرتبة في الأسفار المنسوبة إليه فإنها مع ترتيبها مكررة والقرآن لا يعرف هذه الأسفار ولم ينص عليها.

وكذلك الإنجيل نزل مرة واحدة وليس هو هذه الكتب التي يسمونها الأناجيل، لأنه لو أرادها لما أفْرَدَ الإنجيل دائمًا مع أنها كانت متعددة عند النصارى حينئذ.

وحاول بعض المفسرين بيان اشتقاق التوراة والإنجيل من أصل عربي وماهما بعربيين، ومعنى التوراة، وهي عبرية، الشريعة، ومعنى الإنجيل، وهي يونانية، البشارة، وإنما المسيح مبشر بالنبي الخاتم الذي يكمل الشريعة للبشر.

وأما كونها هدى للناس فهو ظاهر.

﴿ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ  ﴾ إن الفرقان هو العقل الذي به تكون التفرقة بين الحق والباطل، وإنزاله من قبيل إنزال الحديد لأن كل ما كان عن الحضرة العلية الإلهية يسمى إعطاؤه إنزالًا.

إن المفسرين قالوا -كما أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر- إنها نزلت وما بعدها إلى نحو ثمانين آية في نصارى نجران إذ وفدوا على رسول الله  وكانوا ستين راكبًا فذكروا عقائدهم واحتجوا على التثليث وألوهية المسيح بكونه خلق على غير السنة التي عرفت في توالد البشر وبما جرى على يديه من الآيات وبالقرآن نفسه فأنزل الله هذه الآيات.

بدأ بذكر توحيد الله لينفي عقيدتهم من أول الأمر، ثم وصفه بما يؤكد هذا النفي كقوله الحي القيّوم أي الذي قامت به السماوات والأرض وهي قد وجدت قبل عيسى فكيف تقوم به قبل وجوده.

ثم قال إنه نزل الكتاب وأنزل التوراة لبيان أن الله تعالى قد أنزل الوحي وشرع الشريعة قبل وجود عيسى كما أنزل عليه وأنزل على من بعده فلم يكن هو المنزل للكتب على الأنبياء وإنما كان نبيًا مثلهم وقوله ﴿ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ  ﴾ لبيان أنه هو الذي وهب العقل للبشر ليفرقوا به بين الحق والباطل، وعيسى لم يكن واهبًا للعقول وفيه تعريض بأن السائلين تجاوزوا حدود العقل.

ثم قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ  ﴾ ، وهذا رد لاستدلالهم ببعض آيات القرآن على تمييز عيسى على غيره من البشر إذ ورد فيه أنه روح الله وكلمته، فهو يقول: إن هذه الآيات من المتشابهات التي اشتبه عليكم معناها حتى حاولتم جعلها ناقضة للآيات المحكمة في توحيد الله وتنزيهه.

المتشابه إنما يكون بين شيئين فأكثر، وهو لا يفيد عدم فهم المعنى مطلقًا كما قال المفسر (الجلال) ووصف التشابه في هذه الآية هو للآيات باعتبار معانيها أي إنك إذا تأملت هذه الآيات تجد معاني متشابهة في فهمها من اللفظ لا يجد الذهن مرجحًا لبعضها على بعض.

وقالوا أيضًا إن المتشابه ما كان إثبات المعنى فيه للفظ الدال عليه ونفيه عنه متساويان فقد تشابه فيه النفي والإثبات، أو ما دل فيه اللفظ على شيء والعقل على خلافه فتشابهت الدلالة ولا يمكن الترجيح كالاستواء على العرش وكون عيسى روح الله وكلمته فهذا هو المتشابه الذي يقابله المحكم الذي لا ينفي العقل شيئًا من ظاهر معناه.

أما كون المحكمات هن أم الكتاب فمعناه أنهن أصله وعماده أو معظمه وهذا ظاهر لكنه لا ينطبق إلا على بعض الأقوال.

إن معنى ذلك أنها هي الأصل الذي دعا الناس إليه، ويمكنهم أن يفهموها ويهتدوا بها، وعنها يتفرع غيرها وإليها يرجع، فإن اشتبه علينا شيء نرده إليها، وليس المراد بالرد أن نؤوله بل أن نؤمن بأنه من عند الله وأنه لا ينافي الأصل المحكم الذي هو أم الكتاب وأساس الدين الذي أمرنا أن نأخذ به على ظاهره الذي لا يحتمل غيره إلا احتمالًا مرجوحًا.

مثال هذه المتشابهات قوله تعالى ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  ﴾ وقوله ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ  ﴾ وقوله ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ  ﴾ .

وهذا رأي جمهور المفسرين، وذهب جمهور عظيم منهم إلى أنه لا متشابه في القرآن إلا أخبار الغيب كصفة الآخرة وأحوالها من نعيم وعذاب.

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ  ﴾ معنى اتباعه ابتغاء الفتنة أنهم يتبعونه بالإنكار والتنفير استعانة بما في أنفس الناس من إنكار ما لم يصل إليه علمهم ولا يناله حسهم كالإحياء بعد الموت وشؤون تلك الحياة الأخرى.

وابتغاء الفتنة بالنسبة إلى الوجه الأول في معنى المتشابه هو أن يتبع أهل الزيغ من المشركين والمجسمة مثل قوله تعالى ﴿ وَرُوحٍ مِنْهُ  ﴾ فيأخذونه على ظاهره من غير نظر إلى الأصل المحكم ليفتنوا الناس بدعوتهم إلى أهوائهم ويختلبوهم بشبهتهم فيقولون: إن الله روح والمسيح روح منه فهو من جنسه وجنسه لا يتبعض فهو هو: فالتأويل هنا بمعنى الإرجاع أي أنهم يرجعونه إلى أهوائهم وتقاليدهم لا إلى الأصل المحكم الذي بني عليه الاعتقاد، وأما ابتغاء تأويله فهو أنهم يطبقونه على أحوال الناس في الدنيا فيحولون خبر الإحياء بعد الموت وأخبار الحساب والجنة والنار عن معانيها ويصرفونها إلى معان من أحوال الناس في الدنيا ليخرجوا الناس عن الدين بالمرة، والقرآن مملوء بالرد عليهم كقوله ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ .

﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا  ﴾ قال بعض السلف إن قوله والراسخون في العلم كلام مستأنف وبعضهم إنه معطوف على لفظ الجلالة.

واستدل الذين قالوا بالوقف عند لفظ الجلالة وبكون ما بعده استئنافًا بأدلة: (منها) أن الله تعالى ذم الذين يتبعون تأويله (ومنها) قوله: ﴿ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا  ﴾ فإن ظاهر الآية التسليم المحض لله تعالى ومن عرف الشيء وفهمه لا يعبر عنه بما يدل على التسليم المحض، وهذا رأي كثير من الصحابة  كأبي بن كعب وعائشة وذهب ابن عباس وجمهور من الصحابة إلى القول الثاني وكان ابن عباس يقول: أنا من الراسخين في العلم أنا أعلم تأويله.

وقالوا في استدلال أولئك إن الله تعالى إنما ذم الذين يبتغون التأويل بذهابهم فيه إلى ما يخالف المحكمات يبتغون بذلك الفتنة، والراسخون في العلم ليسوا كذلك فإنهم أهل اليقين الثابت الذي لا زلزال فيه ولا اضطراب فهؤلاء يفيض الله تعالى عليهم فهم المتشابه بما يتفق مع المحكم.

وأما دلالة قولهم ﴿ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا  ﴾ على التسليم المحض فهو لا ينافي العلم فإنهم سلموا بالمتشابه في ظاهره أو بالنسبة إلى غيرهم لعلمهم باتفاقه مع المحكم فهم لرسوخهم في العلم ووقوفهم على حق اليقين لا يضطربون ولا يتزعزعون بل يؤمنون بهذا وبذاك على حد سواء لأن كلًا منهما من عند الله ربنا، ولا غرو فالجاهل في اضطراب دائم والراسخ في ثبات لازم، ومن اطلع على ينبوع الحقيقة لا تشتبه عليه المجاري فهو يعرف الحق بذاته ويرجع كل قول إليه قائلًا: آمنا به كل من عند ربنا.

بينَّا أن المتشابه ما استأثر الله بعلمه من أحوال الآخرة أو ما خالف ظاهر لفظه المراد منه، وورود المتشابه بالمعنى الأول في القرآن ضروري، لأن من أركان الدين ومقاصد الوحي الإخبار بأحوال الآخرة، فيجب الإيمان بما جاء به الرسول من ذلك على أنه من الغيب، كما نؤمن بالملائكة والجن، ونقول أنه لا يعلم تأويل ذلك، أي حقيقة ما تؤول غليه هذه الألفاظ، إلا الله، والراسخون في العلم وغيرهم في هذا سواء، وإنما يعرف الراسخون ما يقع تحت حكم الحس والعقل فيقفون عند حدهم لا يتطاولون إلى معرفة حقيقة ما يخبر به الرسل عن عالم الغيب لأنهم يعلمون أنه لا مجال لحسهم ولا لعقلهم فيه وإنما سبيله التسليم، فيقولون آمنا به كل من عند ربنا.

فعلى هذا يكون الوقف على لفظ الجلالة لازمًا، وإنما خص الراسخين بما ذكر لأنهم هم الذين يفرقون بين المرتبتين: ما يجول فيه علمهم وما لا يجول فيه، ومن المحال أن يخلو الكتاب من هذا النوع فيكون كله محكمًا بالمعنى الذي يقابل المتشابه، ومن الشواهد على أن التأويل هنا بمعنى ما يؤول إليه الشيء وينطلق عليه لا بمعنى ما يفسر به قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ  ﴾ .

فتبين مما قررناه أنه لا يقال على هذا لماذا كان القرآن منه محكم ومنه متشابه لأن المتشابه بهذا المعنى من مقاصد الدين فلا يلتمس له سبب لأنه جاء على أصله.

وأما التفسير الثاني للمتشابه وهو كونه ليس قاصرًا على أحوال الآخرة بل يتناول غيرها من صفات الله التي لا يجوز في العقل أخذها على ظاهرها وصفات الأنبياء التي من هذا القبيل نحو قوله تعالى: ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ  ﴾ فإن هذا مما يمنع الدليل العقلي والدليل السمعي من حمله على ظاهره، فهذا هو الذي يأتي الخلاف في علم الراسخين بتأويله كما تقدم، فالذين قالوا بالنفي جعلوا حكمة تخصيص الراسخين بالتسليم والتفويض هي تمييزهم بين الأمرين وإعطاء كل حكمة كما تقدم آنفًا، وأما القائلون بالإثبات الذين يردون ما تشابه ظاهره من صفات الله وأنبيائه إلى أم الكتاب الذي هو المحكم ويأخذون من مجموع المحكم ما يمكنهم من فهم المتشابه فهؤلاء يقولون إنه ما خص الراسخين بهذا العلم إلا لبيان منع غيرهم من الخوض فيه.

فهذا خاص بالراسخين لا يجوز تقليدهم فيه وليس لغيرهم التهجم عليه.

وهذا خاص بما لا يتعلق بعالم الغيب.

وههنا يأتي السؤال: لم كان في القرآن متشابه لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم؟

ولم لم يكن كله محكمًا يستوي في فهمه جميع الناس وهو قد نزل هاديًا والتشابه يحول دون الهداية بما يوقع اللبس في العقائد ويفتح باب الفتنة لأهل التأويل؟

أجوبة العلماء ثلاثة: أن الله أنزل المتشابه ليمتحن قلوبنا في التصديق به، فإنه لو كان كل ما ورد في الكتاب معقولًا واضحًا لا شبهة فيه عند أحد من الأذكياء ولا من البلداء لما كان في الإيمان شيء من معنى الخضوع لأمر الله تعالى والتسليم لرسله.

جعل الله المتشابه في القرآن حافزًا لعقل المؤمن إلى النظر كيلا يضعف فيموت، فإن السهل الجلي جدًا لا عمل للعقل فيه.

والدين أعز شيء على الإنسان فإذا لم يجد فيع مجالًا للبحث يموت فيه، وإذا مات فيه لا يكون حيًا بغيره، فالعقل شيء واحد إذا قوي في شيء قوي في كل شيء، وإذا ضعف، ضعف في كل شيء، ولذلك قال: ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ  ﴾ ولم يقل والراسخون في الدين لأن العلم أعم وأشمل، فمن رحمته أن جعل في الدين مجالًا لبحث العقل بما أودع فيه من المتشابه، فهو يبحث أولًا في تمييز المتشابه من غيره، وذلك يستلزم البحث في الأدلة الكونية والبراهين العقلية وطرق الخطاب ووجوه الدلالة ليصل إلى فهمه ويهتدي إلى تأويله، وهذا الوجه لا يأتي إلا على قول من عطف (والراسخون) على لفظ الجلالة وليكن كذلك.

أن الأنبياء بعثوا إلى جميع الأصناف من عامة الناس وخاصتهم سواء كانت بعثتهم لأقوامهم خاصة كالأنبياء السالفين عليهم السلام أو لجميع البشر كنبينا  ، فإذا كانت الدعوة إلى الدين موجهة إلى العالم والجاهل والذكي والبليد والمرأة والخادم وكان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة تكشف عن حقيقته وتشرح كنهه بحيث يفهمه كل مخاطب عاميًا كان أو خاصيًا ألا يكون في ذلك من المعاني العالية والحكم الدقيقة ما يفهمه الخاصة ولو بطريق الكناية والتعريض ويؤمر العامة بتفويض الأمر فيه إلى الله تعالى والوقوف عند حكم المحكم فيكون لكل نصيبه على قدر استعداده، مثال ذلك إطلاق لفظ كلمة الله وروح من الله على عيسى فالخاصة يفهمون من هذا ما لا تفهمه العامة ولذلك فتن النصارى بمثل هذا التعبير إذ لم يقفوا عند المحكم وهو التنزيه واستحالة أن يكون لله جنس أو أم أو ولد والمحكم عندنا في هذا قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ  ﴾ وسيأتي في هذه السورة.

ومن المتشابه ما يحتمل معاني متعددة وينطبق على حالات مختلفة لو أخذ منها أي معنى وحمل على أية حالة لصح، ويوجد هذا النوع في كلام جميع الأنبياء وهو على حد قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ  ﴾ ومنه إبهام القرآن لمواقيت الصلاة لحكمة، وقد بيّن النبي  ذلك في بلاد العرب المعتدلة بالأوقات الخمسة للصلوات الخمس، وما كانت العرب تعلم أن في الدنيا بلادًا لا يمكن تحديد المواقيت فيها كالبلاد التي تشرق فيها الشمس نحو ساعتين لا يزيد نهار أهلها على ذلك.

أشار القرآن إلى مواقيت الصلاة بقوله: ﴿ فَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ  وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ  ﴾ وسبب هذا الإبهام أن القرآن دين عام لا خاص ببلاد العرب ونحوها فوجب أن يسهل الاهتداء به حيثما بلغ، ومثل هذا الإجمال والإبهام في مواقيت الصلاة يجعل لعقول الراسخين في العلم وسيلة للمراوحة فيه واستخراج الأحكام منه في كل مكان بحسبه، فأينما ظهرت الحقيقة وجدت لها حكمًا في القرآن، وهذا النوع من المتشابه من أجلّ نعم الله تعالى، ولا سبيل إلا الاعتراض على اشتمال الكتاب عليه.

﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ  ﴾ أي وما يعقل ذلك ويفقه حكمته إلا أرباب القلوب النيرة والعقول الكبيرة، وإنما وصف الراسخون بذلك لأنهم لم يكونوا راسخين إلا بالتعقل والتدبر لجميع الآيات المحكمة التي هي الأصول والقواعد، حتى إذا عرض المتشابه بعد ذلك يتسنى لهم أن يتذكروا القواعد المحكمة وينظروا ما يناسب المتشابه منها فيردونه إليه.

﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ  ﴾ : فالرحمة في هذا المقام هي الثبات والاستقامة.

﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ  ﴾ : إن مناسبة هذا الدعاء للإيمان بالمتشابه ظاهرة على القول بأن المتشابه هو الإخبار عن الآخرة، أي أنهم كما يؤمنون بالمتشابه يؤمنون بمضمونه والمراد منه ما يؤول إليه.

وأما على القول بأنه لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم فوجهه أنهم يذكرون يوم الجمع ليستشعروا أنفسهم الخوف من تسرب الزيغ الذي يبسلهم في ذلك اليوم، فهذا الخوف هو مبعث الحذر والتوقي من الزيغ.

أعاذنا الله منه بمنه وكرمه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر