الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٦٠ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 100 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٠ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقال هاهنا : ( الحق من ربك فلا تكن من الممترين ) أي : هذا القول هو الحق في عيسى ، الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه ، وماذا بعد الحق إلا الضلال .
القول في تأويل قوله : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: الذي أنبأتك به من خبر عيسى، وأنَّ مثله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له ربه كُنْ = هو الحق من ربك، يقول: هو الخبر الذي هو من عند ربك =" فلا تكن من الممترين "، يعني: فلا تكن من الشاكين في أنّ ذلك كذلك، (29) كما:- 7167 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " الحق من ربك فلا تكن من الممترين "، يعني: فلا تكن في شكّ من عيسى أنه كمثل آدم، عبدُ الله ورسوله، وكلمةُ الله ورُوحه.
7168 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " الحق من ربك فلا تكن من الممترين "، يقول: فلا تكن في شكّ مما قصصنا عليك أنّ عيسى عبدُ الله ورسوله، وكلمةٌ منه ورُوحٌ، وأنّ مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تُراب ثم قال له كن فيكون.
7169 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " الحق من ربك "، ما جاءك من الخبر عن عيسى =" فلا تكن من الممترين "، أي: قد جاءك الحق من ربك فلا تمتَرِ فيه.
(30) 7170 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فلا تكن من الممترين "، قال: والممترون الشاكون.
* * * " والمرية "" والشك "" والريب "، واحد سواءٌ، كهيئة ما تقول: " أعطني"" وناولني"" وهلم "، فهذا مختلف في الكلام وهو واحد.
--------------- الهوامش : (29) انظر تفسير"الامتراء" ، وتفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف 3: 190 ، 191.
(30) الأثر: 7169- سيرة ابن هشام 2: 231 ، 232 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها رقم: 7165 ، فانظر التعليق على هذا الأثر.
وفي سيرة ابن هشام"فلا تمترين فيه" ، وهي أجود.
قال الفراء : الحق من ربك مرفوع بإضمار هو .
أبو عبيدة : هو استئناف كلام وخبره في قوله من ربك .
وقيل هو فاعل ، أي جاءك الحق .فلا تكن من الممترين الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد أمته ; لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن شاكا في أمرعيسى عليه السلام .
أي: هذا الذي أخبرناك به من شأن المسيح عليه السلام هو الحق الذي في أعلى رتب الصدق، لكونه من ربك الذي من جملة تربيته الخاصة لك ولأمتك أن قص عليكم ما قص من أخبار الأنبياء عليهم السلام.
{ فلا تكن من الممترين } أي: الشاكين في شيء مما أخبرك به ربك، وفي هذه الآية وما بعدها دليل على قاعدة شريفة وهو أنَّ ما قامت الأدلة على أنه حق وجزم به العبد من مسائل العقائد وغيرها، فإنه يجب أن يجزم بأن كل ما عارضه فهو باطل، وكل شبهة تورد عليه فهي فاسدة، سواء قدر العبد على حلها أم لا، فلا يوجب له عجزه عن حلها القدح فيما علمه، لأن ما خالف الحق فهو باطل، قال تعالى { فماذا بعد الحق إلا الضلال } وبهذه القاعدة الشرعية تنحل عن الإنسان إشكالات كثيرة يوردها المتكلمون ويرتبها المنطقيون، إن حلها الإنسان فهو تبرع منه، وإلا فوظيفته أن يبين الحق بأدلته ويدعو إليه.
قوله تعالى : ( الحق من ربك ) أي هو الحق وقيل جاءك الحق من ربك ( فلا تكونن من الممترين ) الشاكين ، الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته
«الحق من ربك» خبر مبتدأ محذوف أي أمر عيسى «فلا تكن من الممترين» الشاكين.
الحق الذي لا شك فيه في أمر عيسى هو الذي جاءك -أيها الرسول- من ربك، فدل على يقينك، وعلى ما أنت عليه من ترك الافتراء، ولا تكن من الشاكِّين، وفي هذا تثبيت وطمأنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم بين - سبحانه - أن ما أخبر به عباده فى شأن عيسى وغيره هو الحق الذى لا يحوم حوله باطل فقال - تعالى - { الحق مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن الممترين } .والامتراء هو الشك الذى يدفع الإنسان إلى المجادلة المبنية على الأوهام لا على الحقائق .وهو - كما يقول الرازى - مأخوذ من قول العرب مريت الناقة والشاة إذا أردت حلبها فكأن الشاك يجتذب بشكه مراء كاللبن الذى يجتذب عند الحلب .
يقال : قد مارى فلان فلانا إذا جادله كأنه يستخرج غضبه .والمعنى : هذا الذى أخبرناك عنه يا محمد من شأن عيسى ومن شأن غيره هو الحق الثاتب اليقينى الذى لا مجال للشك فيه ، وما دام الأمر كذلك فاثبت على ما أنت عليه من حق ، ولا تكونن من الشاكين فى أى شىء مما أخبرناك به .وقد أكد - سبحانه - أن ما أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم هو الحق بثلاثة تأكيدات :أولها : بالتعريف فى كلمة { الحق } أى ما أخبرناك به هو الحق الثابت الذى لا يخالطه باطل .ثانيها : بكونه من عنده - سبحانه - وكل شىء من عنده فهو صدق لا ريب فيه .ثالثها : بالنهى عن الامتراء والشك فى ذلك الحق ، لأن من شأن الأمور الثابتة أن يتقبلها العقلاء بإذعان وتسليم وبدون جدل أو امتراء .قال الآلوسى : وقوله { فَلاَ تَكُنْ مِّن الممترين } خطاب له صلى الله عليه وسلم ولا يضر فيه استحالة وقوع الامتراء منه صلى الله عليه وسلم بل ذكروا فى هذا الأسلوب فائدتين :إحداهما : أنه صلى الله عليه وسلم إذا سمع مثل هذا الخطاب تحكرت منه الأريحية فيزداد فى الثبات على اليقين نورا على نور .وثانيتهما : أن السامع يتنبه بهذا الخطاب على أمر عظيم فينزع وينزجر عما يورث الامتراء لأنه صلى الله عليه وسلم مع جلالته التى لا تصل إليها الأمانى - إذا خوطب بمثله فما يظن بغيره؟
ففى ذلك ثبات له صلى الله عليه وسلم ولطف بغيره " .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الفرّاء، والزجاج قوله: ﴿ الحق ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والمعنى: الذي أنبأتك من قصة عيسى عليه السلام، أو ذلك النبأ في أمر عيسى عليه السلام ﴿ الحق ﴾ فحذف لكونه معلوماً، وقال أبو عبيدة هو استئناف بعد انقضاء الكلام، وخبره قوله: ﴿ مِن رَبّكَ ﴾ وهذا كما تقول الحق من الله، والباطل من الشيطان، وقال آخرون: الحق، رفع بإضمار فعل أي جاءك الحق.
وقيل: أيضاً إنه مرفوع بالصفة وفيه تقديم وتأخير، تقديره: من ربك الحق فلا تكن.
المسألة الثانية: الامتراء الشك، قال ابن الأنباري: هو مأخوذ من قول العرب مريت الناقة والشاة إذا حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه مراء كاللبن الذي يجتذب عند الحلب، يقال قد مارى فلان فلاناً إذا جادله، كأنه يستخرج غضبه، ومنه قيل الشكر يمتري المزيد أي يجلبه.
المسألة الثالثة: في الحق تأويلان الأول: قال أبو مسلم المراد أن هذا الذي أنزلت عليك هو الحق من خبر عيسى عليه السلام لا ما قالت النصارى واليهود، فالنصارى قالوا: إن مريم ولدت إلها، واليهود رموا مريم عليها السلام بالإفك ونسبوها إلى يوسف النجار، فالله تعالى بيّن أن هذا الذي أنزل في القرآن هو الحق ثم نهى عن الشك فيه، ومعنى ممتري مفتعل من المرية وهي الشك.
والقول الثاني: أن المراد أن الحق في بين هذه المسألة ما ذكرناه من المثل وهو قصة آدم عليه السلام فإنه لا بيان لهذه المسألة ولا برهان أقوى من التمسك بهذه الواقعة، والله أعلم.
المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَكُنْ مّن الممترين ﴾ خطاب في الظاهر مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا بظاهره يقتضي أنه كان شاكاً في صحة ما أنزل عليه، وذلك غير جائز، واختلف الناس في الجواب عنه، فمنهم من قال: الخطاب وإن كان ظاهره مع النبي عليه الصلاة والسلام إلا أنه في المعنى مع الأمة قال تعالى: ﴿ يا أيها النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء ﴾ والثاني: أنه خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام والمعنى: فدم على يقينك، وعلى ما أنت عليه من ترك الامتراء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى ﴾ إن شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدم.
وقوله: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ﴾ جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم أي خلق آدم من تراب ولم يكن ثمة أب ولا أم، وكذلك حال عيسى.
فإن قلت: كيف شبه به وقد وجد هو من غير أب، ووجد آدم من غير أب وأم؟
قلت: هو مثيله في إحدى الطرفين، فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به، لأنّ المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف، ولأنه شبه به في أنه وجد وجوداً خارجاً عن العادة المستمرة، وهما في ذلك نظيران، ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود بغير أب، فشبه الغريب بالأغرب؛ ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه.
وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لِمَ تعبدون عيسى، قالوا: لأنه لا أب له.
قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له.
قالوا: كان يحيي الموتى.
قال: فحزقيل أولى، لأن عيسى أحيا أربعة نفر، وأحيا حزقيل ثمانية آلاف.
قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص.
قال: فجرجيس أولى، لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً.
﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ﴾ قدّره جسداً من طين ﴿ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن ﴾ أي أنشأه بشراً كقوله ﴿ ثُمَّ أَنشأناه خلقاً آخر ﴾ [المؤمنون: 14] ﴿ فَيَكُونُ ﴾ حكاية حال ماضية.
﴿ الحق من ربك ﴾ ﴿ الحق مِن رَّبّكَ فَلاَ تَكُنْ مّن الممترين ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي هو الحق كقول أهل خيبر: محمد والخميس ونهيه عن الامتراء وجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ممتريا من باب التهييج لزيادة الثبات والطمأنينة، وأن يكون لطفاً لغيره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ﴾ إنَّ شَأْنَهُ الغَرِيبَ كَشَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِلتَّمْثِيلِ مُبَيِّنَةٌ لِما بِهِ الشَّبَهُ، وهو أنَّهُ خُلِقَ بِلا أبٍ كَما خُلِقَ آدَمُ مِنَ التُّرابِ بِلا أبٍ وأُمٍّ، شَبَّهَ حالَهُ بِما هو أغْرَبُ مِنهُ إفْحامًا لِلْخَصْمِ وقَطْعًا لِمَوادِّ الشُّبْهَةِ والمَعْنى خَلَقَ قالَبَهُ مِنَ التُّرابِ.
﴿ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ ﴾ أيْ أنْشَأهُ بَشَرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ أوْ قَدَّرَ تَكْوِينَهُ مِنَ التُّرابِ ثُمَّ كَوَّنَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثُمَّ لِتَراخِي الخَبَرِ لا المُخْبَرِ.
﴿ فَيَكُونُ ﴾ حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ.
﴿ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ خَبَرُ مَحْذُوفٍ أيْ هو الحَقُّ، وقِيلَ الحَقُّ مُبْتَدَأٌ ومِن رَبِّكَ خَبَرُهُ أيِ الحَقُّ المَذْكُورُ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ ﴾ خِطابً لِلنَّبِيِّ عَلى طَرِيقَةِ التَّهْيِيجِ لِزِيادَةِ الثَّباتِ أوْ لِكُلِّ سامِعٍ.
<div class="verse-tafsir"
{الحق من ربك} خبر مبتدأ مخذوف أي هو الحق {فَلاَ تَكُن} أيها السامع {مِنَ الممترين} الشاكين ويحتمل أن يكون الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم ويكون من باب التهييج لزيادة الثبات لأنه عليه السلام معصوم من الامتراء
﴿ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ هو الحَقُّ، وهو راجِعٌ إلى البَيانِ والقَصَصِ المَذْكُورِ سابِقًا، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ الحَقُّ ﴾ مُبْتَدَأً، و ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ خَبَرَهُ، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ المَقْصُودَ الدَّلالَةُ عَلى كَوْنِ عِيسى مَخْلُوقًا كَآدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ هو ”الحَقُّ“ لا ما يَزْعُمُهُ النَّصارى، وتَطْبِيقُ كَوْنِهِما مُبْتَدَأً وخَبَرًا عَلى هَذا المَعْنى لا يَتَأتّى إلّا بِتَكَلُّفِ إرادَةِ أنَّ كُلَّ حَقٍّ أوْ جِنْسِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِن جُمْلَتِهِ هَذا الشَّأْنُ أوْ حِمْلُ اللّامِ عَلى العَهْدِ بِإرادَةِ ”الحَقِّ“ المَذْكُورِ، ولا يَخْفى ما في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ مِنَ اللَّطافَةِ الظّاهِرَةِ.
﴿ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ ﴾ خِطابٌ لَهُ ، ولا يَضُرُّ فِيهِ اِسْتِحالَةُ وُقُوعِ الِامْتِراءِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ بَلْ قَدْ ذَكَرُوا في هَذا الأُسْلُوبِ فائِدَتَيْنِ؛ إحْداهُما: أنَّهُ إذا سَمِعَ مِثْلَ هَذا الخِطابِ تَحَرَّكَتْ مِنهُ الأرْيَحِيَّةُ فَيَزْدادُ في الثَّباتِ عَلى اليَقِينِ نُورًا عَلى نُورٍ وثانِيَتُهُما: أنَّ السّامِعَ يَتَنَبَّهُ بِهَذا الخِطابِ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ فَيَنْزِعُ ويَنْزَجِرُ عَمّا يُورِثُ الِامْتِراءَ لِأنَّهُ مَعَ جَلالَتِهِ الَّتِي لا تَصِلُ إلَيْها الأمانِيُّ إذا خُوطِبَ بِمِثْلِهِ فَما يَظُنُّ بِغَيْرِهِ فَفي ذَلِكَ زِيادَةُ ثَباتٍ لَهُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ ولُطْفٌ بِغَيْرِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِكُلِّ مَن يَقِفُ عَلَيْهِ ويَصْلُحُ لِلْخِطابِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ يعني خبر عيسى، كما أخبرتك وأنبأتك في القرآن فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي من الشاكين.
ويقال: المثل الذي ذكر في عيسى، هُوَ الحق مِن رَّبّكَ، وهذا الخطاب للنبيّ ، والمراد منه جميع من اتبعه، ومعناه فلا تكونوا من الممترين، أي من المشركين، يعني أن مثله كمثل آدم- عليهما السلام- فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ وذلك أن النصارى لما أخبرهم بالمثل في حق عيسى- - قالوا ليس كما تقول، وهذا ليس بمثل، فنزلت هذه الآية فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ يعني خاصمك في أمر عيسى- - مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي من البيان في أمره فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ أي نخرج أبناءنا وأبناءكم وَنخرج نِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ يعني نحن بأنفسنا، ويقال: إخواننا ونجتمع في موضع ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي نلتعن.
وقال مقاتل: يعني نخلص في الدعاء.
ويقال: هي المبالغة في الدعاء والتضرع فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ فواعدهم رسول الله بأن يخرجوا للملاعنة، فجعلوا وقتاً للخروج، وتفرقوا على ذلك، ثم ندموا، فلما كان ذلك اليوم خرج رسول الله ، وأخذ بيد الحسن والحسين، وخرج معه علي بن أبي طالب، وفاطمة، فلما اجتمعوا في الموضع الذي واعدهم، طلب منهم الملاعنة، فقالوا نعوذ بالله، فقال لهم: «إِمَّا أَنْ تُلْعَنُوا، وَإِمَّا أَنْ تُسْلِمُوا، وَإِمَّا أَنْ تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ» ، فقبلوا الجزية، وصالحوه بأن يؤدوا كل سنة ألفي حلة، ألف حلة في المُحَرَّم، وألف حلة في رجب، وأَمَّرَ عليهم أبا عبيدة بن الجراح، ورجعوا، فقال النبيّ : «لَوْ أَنَّهُمُ الْتَعَنُوا لَهَلَكُوا كُلُّهُمْ حَتَّى العَصَافِيرُ فِي سقوف الحيطان» .
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : فقول ابن عباس: هي وفاةُ مَوْتٍ لا بدَّ أنْ يتمِّم إما على قول وهْبِ بن مُنَبِّهٍ، وإما على قول الفَرَّاء.
وقوله تعالى: وَرافِعُكَ إِلَيَّ عبارةٌ عَنْ نَقْلِهِ من سُفْلٍ إلى عُلْو، وإضافه اللَّه سبحانه إضافةُ تشريفٍ، وإلا فمعلومٌ أنه سبحانه غَيْرُ متحيِّزٍ في جهةٍ، وَمُطَهِّرُكَ، أي: مِنْ:
دعاوى الكَفَرَةِ ومعاشَرَتِهِمْ.
وقوله: وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ ...
الآية: قال جمهورُ المفسِّرين بعموم اللفظ/ في المتّبعين، فتدخل في ذلك أمة محمّد صلّى الله عليه وسلّم لأنها مُتَّبِعَةٌ لعيسى قاله قتادة وغيره «٢» وكذلك قالوا بعموم اللفظِ في الكَافِرِينَ، فمقتضَى الآيَةِ إعلامُ عيسى- عليه السلام- أنَّ أهْلَ الإيمانِ به، كما يجب، هم فوق الذين كَفَرُوا بالحُجَّة، والبُرْهَان، والعِزِّ والغَلَبَةِ، ويظْهَرُ منْ عبارة ابن جُرَيْج وغيره أنَّ المراد المتبعون لَهُ في وقْتِ استنصاره، وهم الحواريُّون «٣» .
وقوله تعالى: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ خَطَابٌ لعيسى، والمرادُ: الإخبار بالقيامة، والحَشْرِ، وباقي الآيةِ بيِّن، وتوفيةُ الأجور هي قَسْم المَنَازِلِ في الجَنَّة، فذلك هو بحَسَب الأعمال، وأما نَفْسُ دخولِ الجَنَّةَ، فبرحْمَةِ اللَّه وتفضُّله سبحانه.
وقوله تعالى: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ ...
الآية: «ذَلِكَ» : إشارة إلى ما تقدّم من الأنباء، ونَتْلُوهُ: معناه: نسرده، ومِنَ الْآياتِ: ظاهره آيات القُرآن، ويحتملُ أنْ يريدَ: من المعجزاتِ والمُسْتَغْرَبَاتِ أن تأتيهم بهذه الغُيُوبِ من قبلنا، وبسبب تلاوتنا، والذِّكْرِ: ما ينزلُ من عند اللَّه.
قال ابن عبّاس: الذّكر: القرآن، والْحَكِيمِ: الذي قد كمل في حكمته «٤» .
وقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ ...
الآية: قال ابن عَبَّاس وغيره: سبَبُ نزولها مُحَاجَّة نصارى نَجْرَانَ في أمر عيسى، وقولُهم: يا محمَّد، هل رأَيْتَ بَشَراً قَطُّ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ، أَوْ سَمِعْتَ بِهِ «١» ، ومعنى الآية أنَّ المَثَلَ الذي تتصوَّره النفُوسُ والعقولُ من عيسى هو كَالمُتَصَوَّرِ من آدَمَ إذ الناسُ مُجْمِعُونَ على أنَّ اللَّه تعالى خَلَقَهُ مِنْ ترابٍ من غير فَحْلٍ، وفي هذه الآية صحَّةُ القياس.
وقوله تعالى: ثُمَّ قالَ ترتيبٌ للأخبار لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، المعنى: خَلَقَهُ من تُرَابٍ، ثم كان مِنْ أمره في الأزَلِ أنْ قال له: كُنْ وقْتَ كذا.
وقوله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، أي: هذا هو الحقّ، والْمُمْتَرِينَ: هم الشاكّون، ونهي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في عبارةٍ اقتضت ذَمَّ الممترين وهذا يدلُّ على أنَّ المراد بالامتراء غَيْرُهُ ونُهِيَ عن الامتراء، مع بُعْده عنه على جهة التثْبِيتِ والدَّوام على حاله.
وقوله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ، أي: في عيسى، ويحتملُ في الحقِّ، والعِلْمُ الذي أشير إلَيْه بالمجيء هو ما تضمَّنته هذه الآياتُ المتقدِّمة.
وقوله: فَقُلْ تَعالَوْا: استدعاء للمباهلة «٢» ، وتَعالَوْا: تَفَاعَلُوا من العُلُوِّ، وهي كلمةٌ قُصِدَ بها أولاً تحسينُ الأدَب مع المدعوِّ، ثم اطردت حتى يقولها الإنسان لعدوّه، وللبهيمة، ونَبْتَهِلْ: معناه: نَلْتَعِن، ويقال: عَلَيْهِمْ بهلة اللَّه، والابتهال: الجِدُّ في الدُّعاء بالبهلة، روى محمَّد بنُ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ وغيره: «إن رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم، لما دَعَا نصارى نَجْرَانَ إلى المباهلة، قالوا: دَعْنَا نَنْظُرْ في أمرنا، ثم نأتِكَ بما نَفْعَلُ، فَذَهَبُوا إلَى العَاقِب، وهو ذُو رَأْيِهِمْ، فَقَالُوا: يَا عَبْدَ المَسِيحِ، مَا ترى، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النصارى، وَاللَّهِ، لَقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ محمَّداً النَّبيُّ المُرْسَلُ، ولَقَدْ جَاءَكُمْ بِالفَصْلِ مِنْ خَبَرِ صَاحِبِكُمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا لاَعَنَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا، فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ، وَلاَ نَبَتَ/ صَغِيرُهُمْ، وَأَنَّهُ الاستئصال إنْ فَعَلْتُمْ، فَإنْ أَبَيْتُمْ إلاَّ إلْفَ دِينِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ عيْهِ مِنَ القَوْلِ في صاحبكم، فوادعوا الرّجل،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحَقُّ مَرْفُوعٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ، المَعْنى: الَّذِي أنْبَأْتُكَ بِهِ في قِصَّةِ عِيسى الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴿ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ ﴾ أيِ: الشّاكِّينَ والخِطابُ لِلنَّبِيِّ خِطابٌ لِلْخَلْقِ، لِأنَّهُ لَمْ يَشُكَّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِكْرِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ﴿ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِن المُمْتَرِينَ ﴾ ﴿ فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلى الكاذِبِينَ ﴾ "ذَلِكَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والإشارَةُ بِهِ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ.
و ﴿ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ﴾ خَبَرُ ابْتِداءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الآياتِ ﴾ لِبَيانِ الجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ: ﴿ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ﴾ حالًا، ويَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الآياتِ ﴾ ، وعَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ يَكُونُ قَوْلُهُ "نَتْلُوهُ" صِلَةً لِذَلِكَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ في بَيْتِ ابْنِ مُفَرِّغٍ الحِمْيَرِيِّ: ................
وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ ويَكُونُ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الآياتِ ﴾ .
وقَوْلُ البَصْرِيِّينَ في البَيْتِ: أنَّ "تَحْمِلِينَ" حالٌ، التَقْدِيرُ: وهَذا مَحْمُولًا.
و"نَتْلُوهُ" مَعْناهُ: نَسْرُدُهُ، و ﴿ مِنَ الآياتِ ﴾ ظاهِرُهُ آياتُ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الآياتِ ﴾ مِنَ المُعْجِزاتِ والمُسْتَغْرَباتِ أنْ تَأْتِيَهم بِهَذِهِ الغُيُوبِ مِن قِبَلِنا، وبِسَبَبِ تِلاوَتِنا وأنْتَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ.
ولَسْتَ مِمَّنْ صَحِبَ أهْلَ الكِتابِ.
فالمَعْنى: أنَّها آياتٌ لِنُبُوَّتِكَ.
وهَذا الِاحْتِمالُ إنَّما يَتَمَكَّنُ مَعَ كَوْنِ "نَتْلُوهُ" حالًا.
و"الذِكْرِ" ما يَنْزِلُ مِن عِنْدِ اللهِ، "الحَكِيمِ" يَجُوزُ أنْ يُتَأوَّلَ بِمَعْنى المُحْكَمِ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٌ، ويَصِحُّ أنْ يُتَأوَّلَ بِمَعْنى مُصَرِّحٍ بِالحِكْمَةِ، فَيَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الذِكْرِ": القُرْآنُ، و"الحَكِيمِ": الَّذِي قَدْ كَمُلَ في حِكْمَتِهِ.
وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ، قالُوا: سَبَبُ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ ﴾ ....
الآيَةِ «أنَّ وفْدَ نَصارى نَجْرانَ جادَلُوا النَبِيَّ في أمْرِ عِيسى، وقالُوا: بَلَغَنا أنَّكَ تَشْتُمُ صاحِبَنا وتَقُولُ: هو عَبْدٌ، فَقالَ النَبِيُّ : وما يَضُرُّ ذَلِكَ عِيسى، أجَلْ هو عَبْدُ اللهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ، فَقالُوا: فَهَلْ رَأيْتَ بَشَرًا قَطُّ جاءَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ أو سَمِعْتَ بِهِ؟
وخَرَجُوا مِن عِنْدِ النَبِيِّ فَأنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ مَثَلَ ﴾ عَبَّرَ عنهُ بَعْضُ الناسِ، بِأنَّهُ صِفَةُ عِيسى، وقَرَنُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ ﴾ قالُوا: مَعْناهُ: صِفَةُ الجَنَّةِ.
وهَذا عِنْدِي ضَعْفٌ في فَهْمِ مَعْنى الكَلامِ، وإنَّما المَعْنى: أنَّ المَثَلَ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُفُوسُ والعُقُولُ مِن عِيسى؛ هو كالمُتَصَوَّرِ مِن آدَمَ، إذِ الناسُ كُلُّهم مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَهُ مِن تُرابٍ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، وكَذَلِكَ مَثَلُ الجَنَّةِ عِبارَةٌ عَنِ المُتَصَوَّرِ مِنها، وفي هَذِهِ الآيَةِ صِحَّةُ القِياسِ، أيْ: إذا تُصُوِّرَ أمْرُ آدَمَ؛ قِيسَ عَلَيْهِ جَوازُ أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.
والكافُ في قَوْلِهِ: "كَمَثَلِ" اسْمٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعْنى، وقَوْلُهُ: "عِنْدَ اللهِ" عِبارَةٌ عَنِ الحَقِّ في نَفْسِهِ، أيْ: هَكَذا هو الأمْرُ فِيما غابَ عنكم.
وقَوْلُهُ: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ﴾ تَفْسِيرٌ لِمَثَلِ آدَمَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُتَصَوَّرَ، والمَثَلُ والمِثالُ بِمَعْنىً واحِدٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "خَلَقَهُ" صِلَةً لِآدَمَ ولا حالًا مِنهُ، قالَ الزَجّاجُ: إذِ الماضِي لا يَكُونُ حالًا أنْتَ فِيها، بَلْ هو كَلامٌ مَقْطُوعٌ مِنهُ، مُضَمَّنُهُ تَفْسِيرُ المَثَلِ.
وقوله عزّ وجلّ: "ثُمَّ قالَ" تَرْتِيبٌ لِلْأخْبارِ لِمُحَمَّدٍ ، المَعْنى: خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ كانَ مِن أمْرِهِ في الأزَلِ أنْ قالَ لَهُ: كُنْ وقْتَ كَذا، وعَلى مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في أنَّ القَوْلَ مَجازِيٌّ، مِثْلُ "وَقالَ قَطْنِي" وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ عِبارَةٌ عَنِ التَكْوِينِ، فَـ "ثُمَّ" عَلى بابِها في تَرْتِيبِ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "فَيَكُونُ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: فَهو يَكُونُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "فَيَكُونَ" بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةُ الوَجْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُها آنِفًا في مُخاطَبَةِ مَرْيَمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ قَوْلُهُ: "مِن رَبِّكَ"، أوِ الحَقُّ ذَلِكَ، أو ما قُلْنا لَكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ، تَقْدِيرُهُ هَذا الحَقُّ.
و"المُمْتَرِينَ" هُمُ الشاكُّونَ، والمِرْيَةُ: الشَكُّ.
ونُهِيَ النَبِيُّ في عِبارَةٍ اقْتَضَتْ ذَمَّ المُمْتَرِينَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالِامْتِراءِ غَيْرُهُ، ولَوْ قِيلَ: فَلا تَكُنْ مُمْتَرِيًا لَكانَتْ هَذِهِ الدَلالَةُ أقَلَّ، ولَوْ قِيلَ: فَلا تَمْتَرِ لَكانَتْ أقَلَّ ونَهْيُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ عَنِ الامْتِراءِ مَعَ بُعْدِهِ عنهُ عَلى جِهَةِ التَثْبِيتِ والدَوامِ عَلى حالِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن حاجَّكَ فِيهِ ﴾ مَعْناهُ: جادَلَكَ ونازَعَكَ الحُجَّةَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى عِيسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحَقِّ.
و"العِلْمِ" الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِالمَجِيءِ هو ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ مِن أمْرِ عِيسى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "فَقُلْ تَعالَوْا"...
الآيَةُ، اسْتِدْعاءُ المُباهَلَةِ، و"تَعالَوْا" تَفاعَلُوا مِنَ العُلُوِّ، وهي كَلِمَةٌ قُصِدَ بِها أوَّلًا تَحْسِينُ الأدَبِ مَعَ المَدْعُوِّ ثُمَّ اطَّرَدَتْ حَتّى يَقُولَها الإنْسانُ لِعَدُوِّهِ ولِلْبَهِيمَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
و"نَبْتَهِلْ" مَعْناهُ: نَلْتَعِنْ، ويُقالُ عَلَيْهِمْ بَهْلَةُ اللهِ بِمَعْنى اللَعْنَةِ، والِابْتِهالُ: الجِدُّ في الدُعاءِ بِالبَهْلَةِ.
ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ مُحاجَّةِ نَصارى نَجْرانَ في عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْلِهِمْ: هو اللهُ، وكانُوا يُكْثِرُونَ الجِدالَ، وقَدْ رَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ بْنِ جُزْءٍ السِوائِيُّ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: « "لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَ أهْلِ نَجْرانَ حِجابًا فَلا أراهم ولا يَرَوْنِي"» لِشِدَّةِ ما كانُوا يُمارُونَ، فَلَمّا قَرَأ النَبِيُّ الآيَةَ دَعاهم إلى ذَلِكَ.
فَرَوى الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ «أنَّهم وعَدُوهُ بِالغَدِ أنْ يُلاعِنُوهُ، فانْطَلَقُوا إلى السَيِّدِ والعاقِبِ فَتابَعاهم عَلى أنْ يُلاعِنُوا، فانْطَلَقُوا إلى رَجُلٍ آخَرَ مِنهم عاقِلٍ فَذَكَرُوا لَهُ ما صَنَعُوا فَذَمَّهم وقالَ لَهُمْ: إنْ كانَ نَبِيًّا ثُمَّ دَعا عَلَيْكم هَلَكْتُمْ، وإنْ كانَ مَلِكًا فَظَهَرَ لَمْ يُبْقِ عَلَيْكُمْ، قالُوا: فَكَيْفَ نَصْنَعُ وقَدْ واعَدْناهُ؟
قالَ: إذا غَدَوْتُمْ فَدَعاكم إلى ذَلِكَ فاسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِن ذَلِكَ، فَعَسى أنْ يُعْفِيَكُمْ؛ فَلَمّا كانَ الغَدُ غَدا رَسُولُ اللهِ مُحْتَضِنًا حُسَيْنًا آخِذًا بِيَدِ الحَسَنِ، وفاطِمَةُ تَمْشِي خَلْفَهُ، فَدَعاهم إلى المِيعادِ، فَقالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ، فَأعادَ فَأعادُوا التَعَوُّذَ، فَقالَ النَبِيُّ : فَإنْ أبَيْتُمْ فَأسْلِمُوا، فَإنْ أبَيْتُمْ فَأعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وأنْتُمْ صاغِرُونَ، فَإنْ أبَيْتُمْ فَإنِّي أنْبِذُ إلَيْكم عَلى سَواءٍ، قالُوا: لا طاقَةَ لَنا بِحَرْبِ العَرَبِ، ولَكِنّا نُؤَدِّي الجِزْيَةَ قالَ: فَجَعَلَ عَلَيْهِمْ كُلَّ سَنَةٍ ألْفَيْ حُلَّةٍ "ألْفًا في رَجَبَ وألْفًا في صَفَرَ"، وطَلَبُوا مِنهُ رَجُلًا أمِينًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، فَبَعَثَ مَعَهم أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: "لَقَدْ أتانِي البَشِيرُ بِهَلَكَةِ أهْلِ نَجْرانَ لَوْ تَمُّوا عَلى المُلاعَنَةِ"» ، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا دَعاهم قالُوا: دَعْنا نَنْظُرْ في أمْرِنا ثُمَّ نَأْتِيكَ بِما نَفْعَلُ، فَذَهَبُوا إلى العاقِبِ وهو ذُو رَأْيِهِمْ فَقالُوا: يا عَبْدَ المَسِيحِ ما تَرى؟
فَقالَ: يا مَعْشَرَ النَصارى، واللهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ ولَقَدْ جاءَكم بِالفَصْلِ مِن خَبَرِ صاحِبِكم عِيسى، ولَقَدْ عَلِمْتُمْ ما لاعَنَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ، ولا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، وإنَّهُ الِاسْتِئْصالُ إنْ فَعَلْتُمْ، فَإنْ أبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ في صاحِبِكُمْ؛ فَوادِعُوا الرَجُلَ وانْصَرِفُوا إلى بِلادِكم حَتّى يُرِيَكُمُ الزَمانُ رَأْيَهُ.
فَأتَوُا النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، قَدْ رَأيْنا ألّا نُلاعِنَكَ وأنْ نَبْقى عَلى دِينِنا، وصالَحُوهُ عَلى أمْوالٍ وقالُوا لَهُ: ابْعَثْ مَعَنا رَجُلًا مِن أصْحابِكَ تَرْضاهُ لَنا يَحْكُمُ في أشْياءَ قَدِ اخْتَلَفْنا فِيها مِن أمْوالِنا، فَإنَّكم عِنْدَنا رِضىً.» ورَوى السُدِّيُّ وغَيْرُهُ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ جاءَ هو وعَلِيٌّ وفاطِمَةُ والحَسَنُ والحُسَيْنُ ودَعاهم فَأبَوْا وجَزِعُوا، وقالَ لَهم أحْبارُهُمْ: إنْ فَعَلْتُمُ اضْطَرَمَ الوادِي عَلَيْكم نارًا، فَصالَحُوا النَبِيَّ عَلى ثَمانِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ في العامِ، فَما عَجَزَتْ عنهُ الدَراهِمُ فَفي العُرُوضِ: الحُلَّةُ بِأرْبَعِينَ، وعَلى أنَّ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا وثَلاثِينَ دِرْعًا، وثَلاثَةً وثَلاثِينَ بَعِيرًا وأرْبَعًا وثَلاثِينَ فَرَسًا عارِيَةً كُلَّ سَنَةٍ، ورَسُولُ اللهِ ضامِنٌ لِذَلِكَ حَتّى يُؤَدِّيَها إلَيْهِمْ.
وقالَ رَسُولُ اللهِ : « "لَوْ لاعَنُوا لاسْتُؤْصِلُوا مِن جَدِيدِ الأرْضِ"،» وقالَ أيْضًا: « "لَوْ فَعَلُوا لاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الوادِي نارًا".» ورَوى عِلْباءُ بْنُ أحْمَرَ اليَشْكُرِيُّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أرْسَلَ مُحَمَّدٌ إلى عَلِيٍّ وفاطِمَةَ وابْنَيْهِما الحَسَنِ والحُسَيْنِ ودَعا اليَهُودَ لِيُلاعِنَهُمْ، فَقالَ شابٌّ مِنَ اليَهُودِ: ويْحَكُمْ، ألَيْسَ عَهْدُكم بِالأمْسِ بِإخْوانِكُمُ الَّذِينَ مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ؟
فَلا تُلاعِنُوا، فانْتَهَوْا.» وفي هَذِهِ القِصَّةِ اخْتِلافاتٌ لِلرُّواةِ وعِباراتٌ تَجْرِي كُلُّها في مَعْنى ما ذَكَرْناهُ، لَكِنّا قَصَدْنا الإيجازَ.
وَفِي تَرْكِ النَصارى المُلاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، شاهِدٌ عَظِيمٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ، وما رُوِيَ مِن ذَلِكَ خَيْرٌ مِمّا رَوى الشَعْبِيُّ مِن تَقْسِيمِ ذَلِكَ الرَجُلِ العاقِلِ فِيهِمْ أمْرَ مُحَمَّدٍ بِأنَّهُ إمّا نَبِيٌّ وإمّا مَلِكٌ، لِأنَّ هَذا نَظَرٌ دُنْياوِيٌّ، وما رَوى الرُواةُ مِن أنَّهم تَرَكُوا المُلاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ؛ أحَجُّ لَنا عَلى سائِرِ الكَفَرَةِ، وألْيَقُ بِحالِ مُحَمَّدٍ .
ودُعاءُ النِساءِ والأبْناءِ لِلْمُلاعَنَةِ أهَزُّ لِلنُّفُوسِ وأدْعى لِرَحْمَةِ اللهِ، أو لِغَضَبِهِ عَلى المُبْطِلِينَ.
وظاهِرُ الأمْرِ أنَّ النَبِيَّ جاءَهم بِما يَخُصُّهُ، ولَوْ عَزَمُوا؛ اسْتَدْعى المُؤْمِنِينَ بِأبْنائِهِمْ ونِسائِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ يَكْتَفِي بِنَفْسِهِ وخاصَّتِهِ فَقَطْ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف بياني: بُيّن به مَا نشأ من الأوهام، عند النصارى، عن وصف عيسى بأنه كلمة من الله، فَضلوا بتوهمهم أنه ليس خالص الناسوت.
وهذا شروع في إبطال عقيدة النصارى من تألِيهِ عيسى، وردّ مطاعنهم في الإسلام وهو أقطع دليل بطريق الإلزام؛ لأنهم قالوا بإلاهية عيسى من أجل أنه خلق بكلمةٍ من الله وليس له أب، فقالوا: هو ابن الله، فأراهم الله أنّ آدم أوْلَى بأن يُدّعَى له ذلك، فإذا لم يكن آدم إلاهاً مع أنه خلق بدون أبوين فعيسى أولى بالمخلوقية من آدمَ.
ومحل التمثيل كون كليهما خُلق من دون أب، ويزيد آدمُ بكونه من دون أم أيضاً، فلذلك احتيج إلى ذكر وجه الشبه بقوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ الآية أي خلقه دون أب ولا أم بل بكلمة كن، مع بيان كونه أقوى في المشبه به على ما هو الغالب.
وإنما قال عند الله أي نسبته إلى الله لا يزيد على آدم شيئاً في كونه خلْقاً غيرَ معتاد، لكم لأنهم جعلوا خلقه العجيب موجباً للمسيحَ نسبةَ خاصة عند الله وهي البُنوة.
وقال ابن عطية: أراد بقوله: ﴿ عند الله ﴾ نفس الأمر والواقع.
والضمير في خلقه لآدم لا لعيسى؛ إذ قد علِم الكلُّ أنّ عيسى لم يُخلق من تراب، فمحل التشبيه قوله: ﴿ ثم قال له كن فيكون ﴾ .
وجملة ﴿ خلقه ﴾ وما عطف عليها مُبيِّنة لجملة كمثل آدم.
وثم للتراخي الرتبي فإنّ تكوينه بأمر ﴿ كن ﴾ أرفع رتبة من خلقه من تراب، وهو أسبق في الوجود والتّكوين المشار إليه بكن: هو تكوينه على الصفة المقصودة، ولذلك لم يقل: كَوّنه من تراب ولم يقل: قال له كُن من تراب ثم أحياه، بل قال خلقه ثم قال له كن.
وقول كن تعبير عن تعلق القدرة بتكوينه حياً ذا روح ليعلم السامعون أنّ التكوين ليس بصنع يد، ولا نحتتٍ بآلة، ولكنه بإرادةٍ وتَعَلققِ قدرةٍ وتسخيرِ الكائنات التي لها أثر في تكوين المراد، حتى تلتئم وتندفع إلى إظهار المكوّن وكلّ ذلك عن توجه الإرادة بالتنجيز، فبتلك الكلمة كان آدمُ أيضاً كلمةً من الله ولكنه لم يوصف بذلك لأنّه لم يقع احتياج إلى ذلك لِفوات زمانه.
وإنما قال: ﴿ فيكون ﴾ ولم يقل فكَان لاستحضار صورة تَكَوُّنِه، ولا يحمل المضارع في مثل هذا إلاّ على هذا المعنى، مثل قوله: ﴿ اللَّهُ الذي أرسل الرياح فتثير سَحاباً ﴾ [فاطر: 9] وحمله على غير هذا هنا لا وجه له.
وقوله: ﴿ الحق من ربك ﴾ خبر مبتدأ محذوف: أي هذا الحق.
ومن ربك حال من الحق.
والخطاب في ﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود التعريض بغيره، والمعرَّض بهم هنا هم النصارى الممترُون الذين امتروا في الإلاهية بسبب تحقق أن لاَ أبَ لِعيسى.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن حاجَّكَ فِيهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: في عِيسى.
والثّانِي: في الحَقِّ.
﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ ﴾ والَّذِينَ دَعاهُمُ النَّبِيُّ إلى المُباهَلَةِ هم نَصارى نَجْرانَ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ نَبْتَهِلْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ نَلْتَعِنْ.
والثّانِي: نَدْعُو بِهَلاكِ الكاذِبِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ...
...
...
∗∗∗ نَظَرَ الدَّهْرُ إلَيْهِمْ فابْتَهَلْ أيْ دَعا عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ.
فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أخَذَ النَّبِيُّ بِيَدِ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ثُمَّ دَعا النَّصارى إلى المُباهَلَةِ، فَأحْجَمُوا عَنْها، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنْ باهَلْتُمُوهُ اضْطَرَمَ الوادِي عَلَيْكم نارًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس «أن رهطاً من أهل نجران قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان فيهم السيد والعاقب فقالوا له: ما شأنك تذكر صاحبنا؟
قال: من هو؟
قالوا: عيسى تزعم أنه عبدالله!
قال: أجل إنه عبدالله.
قالوا: فهل رأيت مثل عيسى أو أنبئت به؟
ثم خرجوا من عنده فجاءه جبريل فقال: قل لهم إذا أتوك ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ إلى آخر الآية» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: «ذكر لنا أن سيدي أهل نجران وأسقفيهم السيد والعاقب لقيا نبي الله فسألاه عن عيسى فقالا: كل أدمي له أب فما شأن عيسى لا أب له؟
فأنزل الله فيه هذه الآية ﴿ إن مثل عيسى عند الله...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع به أهل نجران أتاه منهم أربعة نفر من خيارهم، منهم السيد، والعاقب، وماسرجس، ومار بحر، فسألوه ما تقول في عيسى؟
«قال: هو عبدالله، وروحه، وكلمته» ، قالوا هم: لا، ولكنه هو الله نزل من ملكه فدخل في جوف مريم ثم خرج منها، فأرانا قدرته وأمره، فهل رأيت إنساناً قط خلق من غير أب؟
فأنزل الله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ إن مثل عيسى...
﴾ الآية قال: نزلت في العاقب، والسيد، من أهل نجران.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال «بلغنا أن نصارى نجران قدم وفدهم على النبي صلى الله عليه وسلم فيهم السيد، والعاقب، وهما يومئذ سيدا أهل نجران فقالوا: يا محمد فيم تشتم صاحبنا؟
قال: من صاحبكم؟!
قالوا: عيسى ابن مريم تزعم أنه عبد.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل إنه عبدالله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه.
فغضبوا وقالوا: إن كنت صادقاً فأرنا عبداً يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه، لكنه الله.
فسكت حتى أتاه حبريل فقال: يا محمد ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم...
﴾ [ المائدة: 72] الآية.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل إنهم سألوني أن أخبرهم بمثل عيسى.
قال جبريل ﴿ إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾ فلما أصبحوا عادا فقرأ عليهم الآيات» .
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن الأزرق بن قيس قال: «جاء أسقف نجران، والعاقب، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهما الإسلام فقالا: قد كنا مسلمين قبلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبتما مع الإسلام منكما ثلاث: قولكما اتخذ الله ولداً، وسجودكما للصليب، وأكلكما لحم الخنزير، قالا: فمن أبو عيسى؟
فلم يدر ما يقول.
فأنزل الله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ إلى قوله: ﴿ بالمفسدين ﴾ فلما نزلت هذه الآيات دعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملاعنه فقالا: إنه ان كان نبياً فلا ينبغي لنا أن نلاعنه، فأبيا فقالا: ما تعرض سوى هذا؟
فقال: الإسلام، أو الجزية، أو الحرب، فأقروا بالجزية» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ الحق من ربك فلا تكن من الممترين ﴾ يعني فلا تكن في شك من عيسى، إنه كمثل آدم عبدالله ورسوله وكلمته.
وأخرج ابن المنذر عن الشعبي قال: «قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: حدثنا عن عيسى ابن مريم قال: رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم.
قالوا: ينبغي لعيسى أن يكون فوق هذا.
فأنزل الله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم...
﴾ الآية.
قالوا: ما ينبغي لعيسى أن يكون مثل آدم.
فأنزل الله: ﴿ فمن حاجَّك فيه من بعد ما جاءك من العلم...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير عن عبدالله بن الحرث بن جزء الزبيدي «أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليت بيني وبين أهل نجران حجاباً فلا أراهم ولا يروني، من شدة ما كانوا يمارون النبي صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق سلمة بن عبد يشوع عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه ﴿ طس ﴾ سليمان.
بسم الله إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، من محمد رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران.
إن أسلمتم فإني أحمد إليكم الله إله إبراهيم وإسحق ويعقوب.
أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فقد آذنتكم بالحرب، والسلام.
فلما قرأ الأسقف الكتاب فظع به وذعر ذعراً شديداً، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة، فدفع إليه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرأه فقال له الأسقف: ما رأيك...؟
فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوّة، فما يؤمن أن يكون هذا الرجل!
ليس لي في النبوّة رأي، لو كان رأي من أمر الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك.
فبعث الأسقف إلى واحد بعد واحد من أهل نجران، فكلهم قال مثل قول شرحبيل، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة، وعبدالله بن شرحبيل، وجبار بن فيض، فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق الوفد حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى ابن مريم؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى صبح الغد» .
فأنزل الله هذه الآية ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ﴾ إلى قوله: ﴿ فنجعل لعنة الله على الكاذبين ﴾ فأبوا أن يقروا بذلك.
فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميلة له، وفاطمة تمشي خلف ظهره للملاعنة، وله يومئذ عدة نسوة فقال شرحبيل لصاحبيه: إني أرى أمراً مقبلاً ان كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فلاعناه لا يبقي على الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك فقالا له: ما رأيك؟
فقال: رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً.
فقالا له: أنت وذاك.
فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني قد رأيت خيراً من ملاعنتك قال: وما هو؟
قال: «حكمك اليوم إلى الليل، وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز.
فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلاعنهم وصالحهم على الجزية» .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو نعيم في الدلائل عن حذيفة «أن العاقب، والسيد، أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يلاعنهما فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه فوالله لئن كان نبياً فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا فقالوا له: نعطيك ما سألت فابعث معنا رجلاً أميناً فقال: قم يا أبا عبيدة.
فلما وقف قال: هذا أمين هذه الأمة» .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن جابر قال «قدم على النبي صلى الله عليه وسلم العاقب، والسيد، فدعاهما إلى الإِسلام فقالا: أسلمنا يا محمد قال: كذبتما إن شئتما أخبرتكما بما يمنعكما من الإِسلام.
قالا: فهات.
قال: حب الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، قال جابر: فدعاهما إلى الملاعنة، فوعداه إلى الغد، فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ بيد علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيباه، وأقرا له، فقال: والذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي عليهما ناراً.
قال جابر: فيهم نزلت ﴿ تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم...
﴾ الآية.
قال جابر: أنفسنا وأنفسكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي، وأبناءنا الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة» .
وأخرج الحاكم وصححه عن جابر «أن وفد نجران أتوا النبي فقالوا: ما تقول في عيسى؟
فقال: هو روح الله، وكلمته، وعبد الله، ورسوله، قالوا له: هل لك أن نلاعنك أنه ليس كذلك؟
قال: وذاك أحب إليكم؟
قالوا: نعم.
قال: فإذا شئتم.
فجاء وجمع ولده الحسن والحسين، فقال رئيسهم: لا تلاعنوا هذا الرجل فوالله لئن لاعنتموه ليخسفن بأحد الفريقين فجاؤوا فقالوا: يا أبا القاسم إنما أراد أن يلاعنك سفهاؤنا، وإنا نحب أن تعفينا.
قال قد أعفيتكم ثم قال: إن العذاب قد أظل نجران» .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن وفد نجران من النصارى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم.
منهم السيد وهو الكبير، والعاقب وهو الذي يكون بعده، وصاحب رأيهم، فقال رسول الله لهما: أسلما قالا: أسلمنا.
قال: ما أسلمتما.
قالا: بلى.
قد أسلمنا قبلك.
قال: كذبتما يمنعكم من الإسلام ثلاث فيكما.
عبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، وزعمكما أن لله ولداً.
ونزل ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب...
﴾ الآية.
فلما قرأها عليهم قالوا: ما نعرف ما تقول.
ونزل ﴿ فمن حاجَّك فيه من بعد ما جاءك من العلم ﴾ يقول: من جادلك في أمر عيسى من بعد ما جاءك من العلم من القرآن ﴿ فقل تعالوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ثم نبتهل ﴾ يقول: نجتهد في الدعاء أن الذي جاء به محمد هو الحق، وإن الذي يقولون هو الباطل فقال لهم: إن الله قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك.
فخلا بعضهم ببعض وتصادقوا فيما بينهم قال السيد للعاقب: قد والله علمتم أن الرجل نبي مرسل، ولئن لاعنتموه إنه ليستأصلكم، وما لاعن قوم قط نبياً فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم.
فإن أنتم لم تتعوه وأبيتم إلا إلف دينكم فوادعوه وارجعوا إلى بلادكم.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ومعه علي، والحسن، والحسين، وفاطمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أنا دعوت فأمنوا أنتم.
فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية» .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس «أن ثمانية من أساقف العرب من أهل نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم العاقب، والسيد، فأنزل الله: ﴿ قل تعالوا ندع أبناءنا ﴾ إلى قوله: ﴿ ثم نبتهل ﴾ يريد ندع الله باللعنة على الكاذب.
فقالوا: أخرنا ثلاثة أيام، فذهبوا إلى بني قريظة، والنضير، وبني قينقاع، فاستشارهم.
فاشاروا عليهم أن يصالحوه ولا يلاعنوه، وهو النبي الذي نجده في التوراة.
فصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألف حلة في صفر، وألف في رجب ودراهم» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل عن قتادة ﴿ فمن حاجَّك فيه ﴾ في عيسى ﴿ فقل تعالوا ندع أبناءنا....
﴾ الآية «فدعا النبي صلى الله عليه وسلم لذلك وفد نجران، وهم الذين حاجوه في عيسى فنكصوا وأبوا.
وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن كان العذاب لقد نزل على أهل نجران، ولو فعلوا لاستؤصلوا عن وجه الأرض» .
وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم عن الشعبي قال: «كان أهل نجران أعظم قوم من النصارى قولاً في عيسى ابن مريم، فكانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم فيه.
فأنزل الله هذه الآيات في سورة آل عمران ﴿ إن مثل عيسى عند الله ﴾ إلى قوله: ﴿ فنجعل لعنة الله على الكاذبين ﴾ فأمر بملاعنتهم، فواعدوه لغد، فغدا النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الحسن، والحسين، وفاطمة، فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر لو تموا على الملاعنة» .
وأخرج عبد الرزاق والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: «لو باهل أهل نجران رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً» .
وأخرج مسلم والترمذي وابن المنذر والحاكم والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً، وفاطمة، وحسناً، وحسيناً، فقال:اللهم هؤلاء أهلي» .
وأخرج ابن جرير عن غلباء بن أحمر اليشكري قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم...
﴾ الآية.
أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي، وفاطمة، وابنيهما الحسن، والحسين، ودعا اليهود ليلاعنهم فقال شاب من اليهود: ويحكم أليس عهدكم بالأمس إخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير؟
لا تلاعنوا.
فانتهوا» .
وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية ﴿ تعالوا ندع أبناءنا...
﴾ الآية.
قال: فجاء بأبي بكر وولده، وبعمر وولده، وبعثمان وولده، وبعلي وولده.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عباس ﴿ ثم نبتهل ﴾ نجتهد.
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هذا الإخلاص يشير بأصبعه التي تلي الإبهام، وهذا الدعاء فرفع يديه حذو منكبيه، وهذا الابتهال فرفع يديه مداً» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ إن هذا لهو القصص الحق ﴾ يقول: إن هذا الذي قلنا في عيسى هو الحق.
وأخرج عبد بن حميد عن قيس بن سعد قال: كان بين ابن عباس وبين آخر شيء فقرأ هذه الآية ﴿ تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل ﴾ فرفع يديه واستقبل الركن ﴿ فنجعل لعنة الله على الكاذبين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾ ارتفع ﴿ الْحَقُّ ﴾ عند الفراء (١) (٢) (٣) وقال أبو عبيدة (٤) (٥) ﴿ مِنْ رَبِّكَ ﴾ \[و\] (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ الخطاب للنبي ، والمراد: نهي غيره عن الشكِّ، كما قال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ (٩) والامْتِراءُ: الشكُّ (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١) انظر: "معاني القرآن" له: 1/ 220.
(٢) انظر: "معاني القرآن" له: 1/ 422.
(٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).
ومُثْبت من بقية النسخ.
(٤) في "مجاز القرآن" له: 1/ 95.
نقله عنه.
(٥) في (ب)، (ج)، (د): (قوله).
(٦) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج)، (د).
(٧) تعالى: ساقطة من: (ج)، (د).
(٨) وقيل: هو فاعل؛ أي: جاءك الحقُّ.
انظر: "تفسير القرطبي" 4/ 103.
(٩) سورة الطلاق: 1.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ قال الزجاج: (والخطاب للنبي خطاب للخلق؛ لأن النبي لم يشكك في قصَّة عيسى) "معاني القرآن" له: 1/ 422.
(١٠) في (ب): (الشاك).
(١١) في "الزاهر" 1/ 455 نقله عنه بالمعنى.
(١٢) في (ج): (حلبتها).
(١٣) من قوله: (بشكه ..) إلى (يجتذب): ساقط من (د).
(١٤) في (أ): (كاللين).
والمثبت من بقية النسخ.
(١٥) في (ج): (يجتلب).
(١٦) ونصُّ قول ابن الأنباري: (وقولهم: "قد مارى فلان فلانًا"، قال أبو بكر: معناه: قد استخرج ما عنده من الكلام "الحجة" وهو مأخوذ من قولهم: "مَرَيْتُ الناقةَ والشاة، أمْريهما مَرْيًا": إذا مسحت ضروعهما لتَدُرّا).
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى ﴾ الآية حجة على النصارى في قولهم: كيف يكون ابن دون أب، فمثّله الله بآدم الذي خلقه الله دون أم ولا أب، وذلك أغرب مما اسبتعدوه، فهو أقطع لقولهم.
﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ﴾ تفسير لحال آدم فيكون حكاية عن حال ماضية، والأصل لو قال: خلقه من تراب، ثم قال له كن فكان، لكنه وضع المضارع موضع الماضي ليصور في نفوس المخاطبين أن الأمر كأنه حاضر دائم ﴿ الحق ﴾ خبر مبتدأ مضمر ﴿ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ ﴾ أي في عيسى، وكان الذي حاجه فيه وفد نجران من النصارى، وكان لهم سيدان يقال لأحدهما: السيد، والآخر، العاقب ﴿ نَبْتَهِلْ ﴾ نلتعن والبهلة اللعنة أي نقول: لعنة الله على الكاذب منا ومنكم، هذا أصل الابتهال: ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه، وإن لم يكن لعنة، ولما نزلت الآية أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي وفاطمة والحسن والحسين، ودعا نصارى نجران إلى الملاعنة فخافوا ان يهلكهم الله أو يمسخهم الله قردة وخنازير، فأبوا من الملاعنة وأعطوا الجزية.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ويعلمه ﴾ بياء الغيبة: أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل ويعقوب.
الباقون بالنون.
﴿ أني أخلق ﴾ بكسر الهمزة بفتح الياء: نافع ﴿ أني أخلق ﴾ بالفتح فيهما: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد ﴿ كهيئة ﴾ بتشديد الياء: يزيد وحمزة في الوقف.
وكان ابن مقسم يقول: بلغني أن خلفاً يقول: إن حمزة كان يترك الهمزة ويحرك الياء بحركتها.
الباقون بالياء والهمزة.
﴿ الطائر ﴾ يزيد.
الباقون ﴿ الطير ﴾ ﴿ فتكون ﴾ بتاء التأنيث.
المفضل.
الباقون: بياء الغيبة ﴿ طائر ﴾ أبو جعفر ونافع ويعقوب وكذلك في المائدة.
الباقون ﴿ طيراً ﴾ ﴿ أنصاري إلى ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.
وقرأ قتيبة وأبو عمرو وطريق أبي الزعراء بالإمالة ﴿ فيوفيهم ﴾ بياء الغيبة: حفص ورويس، وزاد رويس ضم الهاء.
الباقون بالنون.
الوقوف: ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الراكعين ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ يكفل مريم ﴾ ص لعطف / المتفقتين.
﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج قد قي لتذكير الضمير وتأنيث الكلمة في اسمه، ولكن المراد من الكلمة الولد فلم يكن تأنيثاً حقيقياً.
فالوجه أن لا يوقف إلى ﴿ الصالحين ﴾ لأن ﴿ وجيهاً ﴾ حال وما بعده معطوف عليه على تقدير وكائناً من المقربين ومكلماً وكائناً من الصالحين المقربين.
﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ (ط) ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ والإنجيل ﴾ ج لأن ﴿ ورسولاً ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ ومن الصالحين ﴾ أو منصوباً بمحذوف أي ويجعله رسولاً، والوقف أجوز لتباعد العطف.
﴿ من ربكم ﴾ ج لمن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ بالكسر ﴿ بإذن الله ﴾ ج والثاني كذلك للتفصيل بين المعجزات.
﴿ في بيوتكم ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ج للعطف ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنصار الله ﴾ ج لأن ﴿ آمناً ﴾ في نظم الاستئناف مع إمكان الحال أي وقد آمنا بالله، كذلك لانقطاع النظم مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ ومكر الله ﴾ ط ﴿ الماكرين ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار.
﴿ والآخرة ﴾ ز للابتداء بالنفي مع أن النفي تمام المقصود.
﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أجورهم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ آدم ﴾ ط لأن الجملة لا يتصف بها المعرّف.
﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ الممترين ﴾ ه.
التفسير: القصة الثالثة قصة مريم.
والعامل في "إذ" ههنا هو ما ذكر في قوله: ﴿ إذ قالت امرأة عمران ﴾ لمكان العطف.
والمراد بالملائكة ههنا جبريل كما يجيء، في سورة مريم ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ .
واعلم أن مريم ما كانت من الأنبياء لقوله : ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم ﴾ فإرسال جبريل إليها إما أن يكون كرامة لها عند من يجوّز كرامات الأولياء، وإما أن يكون إرهاصاً لعيسى وهو جائز عندنا وعند الكعبي من المعتزلة، أو معجزة لزكريا وهو قول جمهور المعتزلة.
ومن الناس من قال: إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإلهام كما في حق أم موسى ﴿ وأوحينا إلى أم موسى ﴾ .
ثم إنه مدحها بالاصطفاء ثم بالتطهير ثم بالاصطفاء ولا يجوز أن يكون الاصفطاآن بمعنى واحد للتكرار والصرف، فحمل المفسرون الاصطفاء الأول على ما اتفق لها من الأمور في أول عمرها منها قبول تحريرها مع كونها أنثى، ومنها قال الحسن: ما غذتها أمها طرفة عين بل ألقتها إلى زكريا وكان رزقها من عند الله، ومنها تفريغها للعبادة، ومنها إسماعها كلام الملائكة شفاهاً ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها إلى غير ذلك من أنواع اللطف والهداية والعصمة في حقها.
وأما التطهير فتطهيرها عن الكفر والمعصية كما قال في حق أزواج النبي وأهل بيته ﴿ ويطهركم تطهيراً ﴾ .
وعن مسيس الرجال وعن الحيض والنفاس قالوا: كانت لا تحيض وعن الأفعال / الذميمة والأقوال القبيحة.
وأما الاصطفاء الثاني فهو ما اتفق لها في آخر عمرها من ولادة عيسى بغير أب وشهادته ببراءتها عما قذفها اليهود.
قيل: المراد اصطفاؤها على نساء عالمي زمانها لما روي أنه قال: " كمل من نساء العالمين أربع: مريم وآسية امرأة فرعون وخديجة وفاطمة " ثم لما بيّن اختصاصها بمزيد المواهب والعطايا أوجب عليها مزيد الطاعة شكراً لتلك النعم.
فقوله: ﴿ اقنتي ﴾ أمر بالعبادة على العموم ﴿ واسجدي ﴾ أمر بالصلاة تسمية للشيء بمعظم أركانه كما في قوله ﴿ وأدبار السجود ﴾ وفي الخبر " إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين" ولا ريب أن السجود أشرف الأركان لقوله " "أقرب ما يكون العبد من الله وهو ساجد " ثم قال: ﴿ واركعي مع الراكعين ﴾ فالأول أمر بالصلاة مطلقاً، والثاني أمر بالصلاة في الجماعة.
وإنما عبر عن الصلاة ههنا بالركوع إما لتغيير العبارة وقد يسمى الشيء بأحد أركانه، وإما تسمية للشيء بمعظم أركانه بناء على ما قيل إن الركوع أفضل من السجود، لأن الراكع حامل نفسه في الركوع فالمشقة فيه أكثر، وللتمييز عن صلاة اليهود.
وقيل: اركعي مع الراكعين أمر بالخضوع والخشوع بالقلب، ويحتمل أن يراد بقوله: ﴿ اقنتي ﴾ الأمر بالصلاة لأن القنوت أحد أجزائها، وأن يراد بقوله: ﴿ واسجدي واركعي ﴾ استعمال كل منهما في وقته اللائق به، والواو تفيد التشريك لا الترتيب، أو المراد انظمي نفسك في جملة المصلين وكوني في عدادهم لا في عداد غيرهم.
وإنما لم يقل مع الراكعات إما للتغليب وإما لأن الاقتداء بالرجل حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء.
روي أن مريم بعد ذلك قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسال الدم والقيح منهما.
اللهم لا تؤاخذنا باسم الرجولية ونحن أقل في خدمتك من إحدى النساء ﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من أنباء حنة وزكريا ويحيى ومريم من أخبار الغيب ﴿ نوحيه إليك ﴾ قد ورد الكتاب بالإيحاء على معان مختلفة يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو غيرها.
وبهذا التفسير يعد الإلهام وحياً كقوله: ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ وقال: ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ﴾ وقال: ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً ﴾ فلما كان الله ألقى هذه / الأنباء إلى النبي بواسطة جبريل بحيث تخفى على غيره سماه وحياً ﴿ وما كنت لديهم ﴾ نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم، وترك نفي استماع الأنباء حفظتها وهو موهوم لأنه كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي فلم يبق إلا المشاهدة الممتنعة في حقه فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي، ومثله في القرآن غير عزيز ﴿ وما كنت بجانب الغربي ﴾ ﴿ وما كنت بجانب الطور ﴾ ﴿ إذ يلقون أقلامهم ﴾ ينظرون أو ليعلموا أو يقولوا ﴿ أيهم يكفل مريم ﴾ حذف متعلق الاستفهام لدلالة الإلقاء عليه.
وظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون الأقلام في شيء على وجه يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب، وليس فيها دلالة على كيفية ذلك الإلقاء إلا إنه روي في الخبر أنهم كانوا يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على خلاف جري الماء فاليد له.
ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا فصار أولى بكفالتها.
وقيل: عرف برسوب الأقلام وارتفاعها كما مر.
وعن الربيع أنهم ألقوا عصيهم في الماء الجاري فجرت عصا زكريا على ضد جرية الماء فغلبهم.
وقال أبو مسلم: المراد بإلقاء الأقلام ما كانت تفعله الأمم من المساهمة عند التنازع، فيطرحون سهاماً يكتبون عليها أسماءهم.
فمن خرج له السهم سلم له الأمر.
قال : ﴿ فساهم فكان من المدحضين ﴾ وهو شبيه بالقداح التي يتقاسم بها العرب لحم الجزور.
وإنما سميت تلك السهام أقلاماً لأنها تقلم وتبرى.
قال القاضي: وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحاً نظراً إلى أصل الاشتقاق إلا أن العرف الظاهر يوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به فوجب حمل اللفظ عليه.
﴿ وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾ يتنازعون على التكفل.
قيل: هم خزنة البيت.
وقيل: بل العلماء والأحبار وكتاب الوحي.
ولا شبهة في أنهم كانوا من الخواص وأهل الفضل في الدين والرغبة في طريق الخير.
ثم المراد بهذا الاختصام يحتمل أن يكون ما كان قبل الاقتراع وأن يكون اختصاماً آخر حصل بعد الاقتراع.
وبالجملة فالمقصود شدة رغبتهم في التكفل بشأنها والقيام بإصلاح مهامها، إما لأن عمران كان رئيساً لهم فأرادوا قضاء حقوقه، وإما لأجل الدين حيث كانت محررة لخدمة بيت العبادة وإما لأنهم وجدوا في الكتب الإلهية أن لها ولابنها شأناً.
القصة الرابعة حكاية ولادة عيسى وذكر طرف من معجزاته ﴿ إذ قالت الملائكة ﴾ يعني جبريل كما مر.
ومتعلق "إذ" هو متعلق ﴿ وإذ قالت ﴾ لأن هذا بدل من ذاك، ويجوز أن يكون بدلاً من قوله: ﴿ إذ يختصمون ﴾ .
قال في الكشاف: هذا على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع كما تقول: لقيته سنة كذا يعني وإنما لقيته في ساعة منها.
فيكون الزمان الواسع / زماناً لكل منهما، فيكون الثاني بدل الكل من الأول.
ويجوز أن يتعلق بـ ﴿ يختصمون ﴾ ولا يحتاج إلى زمان واسع بناء على ما روي عن الحسن أنها كانت عاقلة في حال الصغر، وأن ذلك كان من كراماتها، فجاز أن ترد عليها البشرى في حالة الصغر ولا يفتقر إلى أن يؤخر إلى حين العقل.
واعلم أن حدوث الشخص من غير نطفة الأب أمر ممكن في نفسه، وكيف لا وقد يشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد كتولد الفأر عن المدر، والحيات عن الشعر العفن، والعقارب عن الباذروج غايته الاستبعاد عرفاً وعادة وهذا لا يوجب عند الحكماء ظناً قوياً فضلاً عن العلم.
ثم إن الصادق أخبر عن وجود ذلك الممكن فيجب القطع بصحته.
ومما يزيده في العقل بياناً أن التخيلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث.
كتصور حضور المنافي للغضب، وكتصور السقوط لحصول السقوط للماشي على جذع ممدود فوق فضاء بخلاف ما لو كان على قرار من الأرض.
وقد جعلت الفلاسفة هذا كأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات.
فما المانع أن يقال إنها لما تخيلت صورة جبريل كفى ذلك في علوق الولد في رحمها، فإن مني الرجل ليس إلا لأجل العقد، فإذا حصل الانعقاد لمني المرأة بوجه آخر أمكن علوق الولد.
قوله: ﴿ بكلمة منه ﴾ لفظة "من" ههنا ليست للتبعيض كما توهمت النصارى والحلولية لأنه غير متبعض بوجه من الوجوه، ولكنها لابتداء الغاية أي بكلمة حاصلة من الله.
وذلك أن عيسى لما خلق من غير واسطة أب صار تأثير كلمة "كن" في حقه أظهر وأكمل فكان كأنه نفس الكلمة، كما أن من غلب عليه الجود والكرم والإقبال يقال إنه محض الجود ونفس الكرم وصريح الإقبال.
وللمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق.
وأصله "مشيحا" بالعبرانية ومعناه المبارك ﴿ وجعلني مباركاً أينما كنت ﴾ وكذلك عيسى معرب "إيشوع".
أما احتمال اشتقاق عيسى من العيس البياض الذي تعلوه حمرة فبعيد، وأما احتمال المسيح من المسح فقريب وعليه الأكثرون.
عن ابن عباس: سمي بذلك لأنه ما كان يمسح ذا عاهة إلا يبرأ.
وقال أحمد بن يحيى: لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها.
وعلى هذا فيجوز أن يقال له مسيح بالتشديد كشريب.
وقيل: لأنه مسح من الأوزار والآثام.
وقيل: لأنه لم يكن في قدمه خمص وكان ممسوح القدمين.
وقيل: لأنه ممسوح بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء ولا يمسح به غيرهم.
قالوا: ويجوز أن يكون هذا الدهن جعله الله علامة للملائكة يعرفون بها الأنبياء حين يولدون.
وقيل: لأن جبريل مسحه بجناحيه وقت ولادته صيانة له عن مس الشيطان.
وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن.
وأماالمسيح الدجال فسمي بذلك لأنه مسح إحدى عينيه، أو لأنه يمسح الأرض أي يقطعها في المدة القليلة.
قالوا: ومثله الدجال دجل في الأرض أي قطعها.
وقيل: الدجال من دجل الرجل إذا موّه ولبّس.
/ وتقديم المسيح - وهو اللقب - على الاسم - وهو عيسى - للتشريف والتنبيه على علو درجته.
وإنما نسب إلى مريم والخطاب لمريم تنبيهاً على أنه لا أب له حتى ينسب إليه كما في سائر الأبناء فلا ينسب إلا إلى أمه.
وذلك من جملة ما اصطفيت به.
وإنما ذكر ضمير الكلمة في اسمه لأنه المسمى بها مذكر.
وإنما قيل: ﴿ اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ والاسم من المجموع عيسى والمسيح لقب والابن صفة، لأن المراد التعريف والتمييز والذي يتميز به عن غيره هو مجموع الثلاثة.
﴿ وجيهاً ﴾ ذا الجاه والشرف والقدر.
وقيل: الكريم لأن أشرف أعضاء الإنسان هو الوجه ﴿ في الدنيا ﴾ بالنبوة والمعجزات الباهرة وبالبراءة عن العيوب ﴿ والآخرة ﴾ بشفاعة الأمة المحقين وعلو الدرجة في الجنة.
ونصبه على الحال من النكرة الموصوفة وهي كلمة.
وكذا انتصاب ما بعده كما مر في الوقوف أي يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات.
وكونه من المقربين هو رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة.
والمهد قيل: حجر أمه.
وقيل: الآلة المعروفة لإضجاع الصبي.
وكيف كان فالمراد أنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد ﴿ وكهلاً ﴾ عطف على الظرف أي يكلم الناس في الصغر وفي الكهولة.
والكهل في اللغة الذي اجتمع قوته وكمل شبابه من قولهم: "اكتهل النبات" أي قوي.
روي أن عمره بلغ ثلاثاً وثلاثين ثم رفع إلى السماء.
ولا ريب أن أكمل أحوال الإنسان ما بين الثلاثين والأربعين، فيكون عيسى قد بلغ سن الكهولة.
وعن الحسين بن الفضل: المراد أن يكون كهلاً بعد نزوله من السماء وأنه حينئذٍ يكلم الناس ويقتل الدجال.
فإن قيل: إن تكلمه في المهد من المعجزات، ولكن تكلمه في حالة الكهولة ليس من المعجزات، فما الفائدة في ذكره؟
فالجواب من وجوه.
قال أبو مسلم: معناه أنه يتكلم حال كونه في المهد وحال كونه كهلاً على حد واحد وصفة واحدة، ولا شك أنه غاية في الإعجاز، وقيل: المراد الرد على نصارى نجران وبيان كونه متقلباً في الأحوال من الصبا إلى الكهولة؛ فإن التغير على الإله محال.
وقيل: المراد أنه يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة.
وقال الأصم: المراد أنه يبلغ حال الكهولة.
ويخرج من قول الحسين بن الفضل جواب آخر.
وههنا بحث للنصارى قالوا: إن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ولا شك أن مثل هذه الواقعة يكون بمحضر جمع عظيم وتتوفر الدواعي على نقلها فيبلغ حد التواتر.
فلو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى لأنهم أفرطوا في محبته حتى ادّعوا إلهيته، لكنهم أطبقوا على إنكاره فعلمنا أنها لم توجد أصلاً.
والجواب أن إطباق النصارى على إنكاره ممنوع.
ولو سلم فإن كلام عيسى في المهد إنما كان للدلالة على براءة مريم مما / نسب إليها من السوء وكان الحاضرون حينئذٍ جمعاً قليلاً ولا يبعد في مثلهم التواطؤ على الإخفاء.
وبتقدير أن يذكروا ذلك فإن غيرهم كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت.
فهم أيضاً قد سكتوا لهذه العلة.
فلهذه الأسباب بقي الأمر مكتوماً إلى أن نطق القرآن بذلك.
ثم ختم أوصاف عيسى بقوله: ﴿ ومن الصالحين ﴾ كما ختم بذلك أوصاف يحيى.
وفيه أن الدخول في زمرة الصالحين والانتظام في سلكهم هو المقصد الأسني والأمر الأقصى.
﴿ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ﴾ لم تقل ذلك استبعاداً وتشككاً وإنما أرادت تعيين الجهة كما مر في قصة زكريا فأجيبت بقوله: ﴿ كذلك الله يخلق ما يشاء ﴾ وقد سبق نظيره إلا أنه عبر عن الفعل ههنا بالخلق لأن القدرة ههنا أتم وهو تخليق المولود بغير أب ولهذا أكده بقوله: ﴿ إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ﴾ وقد تقدم تفسيره في السورة التي تذكر فيها البقرة ﴿ ويعلمه ﴾ بالياء عطف على ﴿ يبشرك ﴾ أو على ﴿ وجيهاً ﴾ أو على ﴿ يخلق ﴾ لأن قوله: ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ وهو عام يتضمن قوله: "يخلقه"، ويحتمل أن يكون كلاماً مبتدأ.
وكذا من قرأ بالنون لأن المذكورات في قوة ﴿ إنا نبشرك ﴾ ونحن نخلقه.
ثم الذي علمه أمور أربعة: أولها الكتاب وكان المراد به الخط.
وثانيها الحكمة وهو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به.
وثالثها التوراة لأن البحث عن أسرار الكتب الإلهية لا يمكن إلا بعد الاطلاع على العلوم الخمسة.
ورابعها الإنجيل وفيه العلوم التي خصه الله تعالى بها وشرفه بإنزالها عليه.
وهذه هي الغاية القصوى والرتبة العليا في العلم والفهم والإحاطة بالحقائق والاطلاع على الدقائق.
ثم قال: ﴿ ورسولاً ﴾ عطفاً على ﴿ وجيهاً ﴾ وما بعده.
﴿ إلى بني إسرائيل ﴾ أي إلى كلهم لأنه جمع مضاف.
وفيه رد على اليهود القائلين بأنه مبعوث إلى قوم مخصوصين منهم ﴿ أني قد جئتكم ﴾ يتعلق بمحذوف يدل عليه لفظ الرسول أي ناطقاً بأني قد جئتكم.
وإنما وجب هذا الإضمار للعدول عن الغيبة إلى التكلم.
وأما قوله: ﴿ ومصدقاً لما بين يديّ ﴾ فمعطوف على قوله: ﴿ بآية ﴾ أي مع آية والتقدير: جئتكم مصاحباً لآية من ربكم ومصدقاً لمن بين يديّ، وجئتكم ﴿ لأحل لكم ﴾ وفي الكشاف تقديره: ويعلمه الكتاب والحكمة ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم ومصدقاً لما بين يدي.
أو الرسول والمصدق فيهما معنى النطق فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم، وناطقاً بأني أصدقما بين يديّ.
وعن الزجاج: إن التقدير ويكلم الناس رسولاً بأني قد جئتكم بآية من ربكم.
والمراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه عدد أنواعاً من الآيات، ثم أبدل على الآية قوله: ﴿ أني أخلق ﴾ فيمن قرأ بفتح ﴿ أني ﴾ ويحتمل أن يكون "أن" مع ما بعده مرفوعاً أي هي أني أخلق.
ومن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ فللاستئناف أو للبيان كقوله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ ثم فسر المثل بقوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ وهذا أحسن ليوافق قراءة الفتح.
والمعنى أقدّر لكم شيئاً مثل صورة الطير من هيئات الشيء أصلحته.
﴿ فأنفخ فيه ﴾ أي في ذلك الطير المصور أو الشيء المماثل لهيئة الطير ﴿ فيكون طيراً ﴾ وهو اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع.
يروى أنه خلق أنواعاً من الطير.
وقيل: لم يخلق غير الخفاش وعليه قراءة من قرأ ﴿ طائراً ﴾ وذلك أنه لما ادعى النبوة وأظهر المعجزات أخذوا يتفننون عليه وطالبوه بخلق خفاش، فأخذ طيناً وصوّره ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض.
قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن عيونهم سقط ميتاً بإذن الله.
وبتكوينه وتخليقه قال بعض المتكلمين: دلت الآية على أن الروح جسم رقيق كالريح ولذلك وصفها بالنفخ.
وههنا بحث وهو أنه هل يجوز أن يقال إنه أودع في نفس عيسى خاصية بحيث إنه متى نفخ في شيء كان نفخه موجباً لصيرورة ذلك الشيء حياً، وذلك أنه تولد من نفخ جبريل في مريم روح محض، فكانت نفخة عيسى سبباً لحصول الأرواح في الأجساد؟
أو يقال: ليس الأمر كذلك بل الله كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخ عيسى فيه على سبيل إظهار المعجزات؟
وهذا هو الحق لقوله ﴿ الذي خلق الموت والحياة ﴾ ولقوله حكاية عن إبراهيم في المناظرة ﴿ ربي الذي يحيي ويميت ﴾ فلو حصل لغيره هذه الصفة بطل ذلك الاستدلال ﴿ وأبرىء الأكمه والأبرص ﴾ ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي يولد أعمى.
وقيل: هو الممسوح العين.
ويقال: لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير.
وقيل: الأكمه من عمي بعد أن كان بصيراً، رواه الخليل.
وعن مجاهد أنه الذي لا يبصر بالليل.
وأما البرص فإنه بياض يظهر في ظاهر البدن، وقد لا يعم البدن.
وسببه سوء مزاج العضو إلى البرودة وغلبة البلغم على الدم الذي يغذوه، فتضعف القوة المغيرة عن تمام التشبيه.
وقد يغلب البرد والرطوبة حتى يصير لحمه كلحم الأصداف فيحيل الدم الصائر إليه إلى مزاجه ولونه.
وإن كان ذلك الدم جيداً في جوهره نقياً من البلغم حاراً هو داء عياء عسر البرء لا يكاد يبرأ - وخاصة المزمن - منه.
والآخذ في الازدياد والذي يرجى برؤه من البرص ما إذا دلك احمرّ بالدلك ويكون معه خشونة ما.
والشعر الذي ينبت عليه لا يكون شديد البياض، وإذا أخذ جلدة بالإبهام والسبابة وأشيل عن اللحم وغرزت فيه الإبرة خرج منه دم أو رطوبة مورّدة، ولا شك إن إبراءه مثل هذه المرض من قبيل الإعجاز.
يروى: ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتا عيسى وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده ﴿ وأحيي الموتى ﴾ أحيا عاذراً وكان صديقاً له، ودعا / سام بن نوح من قبره وهم ينظرون فخرج حياً، ومر على ابن ميت لعجوز فدعا الله عيسى فنزل عن سريره حياً ورجع إلى أهله وبقي وولد له.
قال الكلبي: كان عيسى يحيي الموتى بـ "يا حي يا قيوم" وكرر قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ رفعاً لوهم من توهم فيه الألوهية ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ﴾ قيل: إنه كان من أول أمره يخبر بالغيوب.
روى السدي أنه كان يلعب مع الصبيان ثم كان يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم.
كان يخبرهم بأن أمك خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء.
فقالوا لصبيانهم: لا تلعبوا مع الساحر وجمعوهم في بيت.
فجاء عيسى يطلبهم فقالوا: ليسوا في البيت.
فقال : فمن في هذا البيت؟
فقالوا: خنازير.
فقال عيسى : كذلك يكونون فإذا هم خنازير.
وقيل: إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر من وقت نزول المائدة.
وذلك أن القوم نهوا عن الادّخار فكانوا يخونون ويدخرون وكان عيسى يخبرهم بذلك.
والادخار افتعال من اذتخر قلبت كل من التاء والذال "دالاً" ثم أدغم.
واعلم أن الإخبار عما غاب معجز دال على أن ذلك الخبر صار معلوماً بالوحي ما لم يستعن فيه بآلة ولا تقديم مسألة بخلاف ما يقوله المنجمون والكهان فإن ذلك استعانة من أحوال الكواكب أو الجن، ولهذا يتفق لهم الغلط كثيراً.
ثم إنه لما قرر المعجزات الباهرة وبين بها كونه رسولاً من عند الله ذكر أنه لماذا أرسل فقال: ﴿ ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ﴾ وذلك أنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقاً لمن تقدمه من الأنيباء لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجز، فكل من حصل على يده المعجز وجب الاعتراف بنبوته.
ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى تقرير أحكام التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات المعاندين الجاهلين.
ثم ذكر غرضاً آخر في بعثته فقال: ﴿ ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ﴾ وهذا لا يناقض تصديقه لما في التوراة إذ المعنى بالتصديق هو اعتقاد أن كل ما فيه حكمة وصواب، وإذا لم يكن التأبيد مذكوراً فالناسخ والمنسوخ كلاهما حق في وقته، وإذا كانت البشارة بعيسى موجودة في التوراة فمجيء عيسى يكون تصديقاً لما في التوراة.
وعن وهب بن منبه أن عيسى ما غير شيئاً من أحكام التوراة وأنه ما وضع الأحد بل كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس.
ثم فسر الإحلال بأمرين: أحدهما أن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى فجاء عيسى ورفعها وأعاد الأمر إلى ما كان.
والثاني أن الله كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم كما قال: ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ﴾ واستمر ذلك التحريم فجاء عيسى ورفع تلك / التشديدات عنهم.
كانوا قد حرم عليهم الشحوم والثروب ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى من السمك والطير ما لا صيصية له.
﴿ وجئتكم بآية من ربكم ﴾ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ لأن جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه.
وقوله: ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ اعتراض وإنما جعل القول آية من ربه لأن الله جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل.
ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: ﴿ إني قد جئتكم بآية من ربكم ﴾ أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من المعجزات ومن ولادتي بغير أب.
﴿ فاتقوا الله ﴾ لما جئتكم به من الآيات ﴿ وأطيعون ﴾ فإن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله.
ثم ختم كلامه بقوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ إظهاراً للخضوع واعترافاً بالعبودية ورداً لما يدعيه عليه الجهلة من النصارى الضالين المنحرفين عن الصراط المستقيم.
القصة الخامسة ذكر عاقبة أمر عيسى ثم شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات فهم بماذا عاملوه فقال: ﴿ فلما أحس ﴾ أي علم ﴿ عيسى منهم الكفر ﴾ علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس، أو أنهم تكلموا بكلمة الكفر فأحس ذلك بأذنه.
قال السدي: لما بعثه الله رسولاً إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم، وكان أمر عيسى في قومه كأمر محمد بمكة، وكان مستضعفاً فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فاتفق أنه نزل على رجل في قرية فأحسن ذلك الرجل ضيافته.
وكان في تلك المدينة رجل جبار فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً فسأله عيسى عن السبب فقال: إن من عادة هذا الملك أنه جعل على كل رجل منا يوماً نطعمه ونسقيه مع جنوده وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر عليّ.
فلما سمعت مريم ذلك قالت: يا ولدي ادع الله ليكفي ذلك.
فقال : يا أمي إني إن فعلت ذلك كان فيه شر.
فقالت: قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه.
فقال عيسى : إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ثم أعلمني.
فلما فعل دعا الله فتحول ما في القدور طبيخاً، وما في الخوابي خمراً.
فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذه الخمر؟
فتوقف الرجل في الجواب وتعلل، فلم يزل يطالبه حتى أخبره بالواقعة فقال: إن من دعا الله حتى جعل الماء خمراً إذا دعاه حتى يحيي ولدي أجابه - وكان ابنه قد مات في تلك الأيام - فدعا عيسى وطلب منه ذلك فقال له عيسى: لا تفعل فإنه إن عاش كان شراً عليه - فقال: ما أبالي ما كان فدعا الله فعاش الغلام لكلام عيسى ، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح واقتتلوا وصار أمر عيسى مشهوراً وقصد اليهود قتله وأظهروا الطعن فيه.
/ وقيل: إن اليهود كانوا عارفين أنه هو المسيح المبشر به في التوراة أنه ينسخ دينهم فكانوا طاعنين فيه من أول الأمر طالبين قتله ﴿ قال من أنصاري إلى الله ﴾ قيل: إنه لما دعا بني إسرائيل إلى الدين وتمردوا فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بطائفة صيادي السمك - منهم شمعون ويعقوب من جملة الحواريين الاثني عشر - فقال عيسى : إنكم تصيدون السمك فهل لكم أن تسيروا بحيث تصيدون الناس لحياة الأبد؟
فطلبوا منه المعجزة وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق، واستعانوا بأهل سفينة أخرى وملؤا السفينتين فعند ذلك آمنوا بعيسى.
وقيل: إن اليهود لما طلبوه في آخر أمره للقتل وكان هو في الهرب منهم قال لأولئك الاثني عشر من الحواريين: أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟
فأجابه إلى ذلك بعضهم.
ومما يذكره النصارى في إنجيلهم أن اليهود لما أخذوا عيسى، سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بأذنه فقال له عيسى: حسبك ثم أدنى أذن العبد فردها إلى موضعها فصارت كما كانت.
والحاصل أن المراد بطلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه .
وقيل: إنه دعاهم إلى القتال مع القوم كما قال في موضع آخر ﴿ فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوّهم فأصبحوا ظاهرين ﴾ ومعنى ﴿ إلى الله ﴾ قيل: من يضيف نصرته إياي إلى نصر الله عز وجل إياي؟
وقيل: من أنصاري إلى أن أظهر دين الله.
فالجار على القولين من صلة ﴿ أنصاري ﴾ مضمناً معنى الإضافة.
وقيل: من أنصاري حال ذهابي إلى الله؟
أو حال التجائي إليه؟
وقيل: من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إلى رحمته؟
وفي الحديث أنه كان يقول إذا ضحى: "اللهم منك وإليك" أي تقرباً إليك.
فالجار على هذين القولين يتعلق بالمحذوف.
وقيل: "إلى" بمعنى اللام.
وقيل: بمعنى "في" أي في سبيل الله.
وهذا قول الحسن.
﴿ قال الحواريون نحن أنصار الله ﴾ أعوان دينه ورسوله.
وحواري الرجل صفيه وخالصته ومنه يقال للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونقاء بشرتهن.
والحور نقاء بياض العين، وحوّرت الثياب بيضتها، والحواريّ واحد ونظيره الحوالي وهو الكثير الحيلة.
عن سعيد بن جبير: سموا بذلك لبياض ثيابهم.
وعن مقاتل بن سليمان لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب.
وقيل: لنقاء قلوبهم وطهارة أخلاقهم ومنه قولهم "فلان نقيّ الجيب طاهر الذيل" للكريم و"دنس الثياب" للئيم.
وعن الضحاك: الذي يغسل الثياب / يسمى بلغة النبط هواري فعرّب.
وأما أن الحواريين من هم فقيل: هم الذين يصطادون السمك فاتبعوا عيسى وآمنوا كما حكينا.
وقيل: إن أمه دفعته إلى صبّاغ فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه فغاب الصبّاغ يوماً لبعض مهماته فقال: ههنا ثياب مختلفة وقد علمت على كل واحد علامة معينة فاصبغها بتلك الألوان.
فطبخ عيسى حباً واحداً وجعل الجميع فيه.
وقال: كوني بإذن الله كما أريد.
فرجع الصباغ وسأله فأخبره بما فعل فقال: قد أفسدت عليّ الثياب قال: قم فانظر.
فكان يخرج ثوباً أحمر وثوباً أخضر وثوباً أصفر كما يريد.
فتعجب الحاضرون منه وآمنوا فهم الحواريون.
وقيل: كانوا اثني عشر اتبعوا عيسى وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا: عطشنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا: من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئتنا سقيتنا وقد آمنا بك؟
فقال: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه.
قال: فصاروا يغسلون الثياب فسموا حواريين.
وقيل: إن واحداً من الملوك صنع طعاماً وجمع الناس عليه، وكان عيسى على قصعة.
فكانت القصعة لا تنقص.
فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك فقال: تعرفونه؟
قالوا: نعم.
فذهبوا إليه بعيسى فقال: من أنت؟
قال: عيسى ابن مريم.
قال: فإني أترك ملكي فأتبعك.
فتبعه ذلك الملك مع أقاربه فأولئك هو الحواريون.
قال القفال: يجوز أن يكون بعضهم من الملوك وبعضهم من الصيادين وبعضهم من القصارين، وسموا جميعاً بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى والمخلصين في محبته وطاعته.
﴿ آمنا بالله ﴾ يجري مجرى السبب لقولهم: ﴿ نحن أنصار الله ﴾ فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لما تريده منا في نصرتك والذب عنك، مستسلمون لأمر الله فيه.
أو هو إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين كل الأنبياء عليهم السلام، وإنما طلبوا شهادته لأن الرسل يشهدون للأمم يوم القيامة.
ثم تضرعوا إلى الله بقولهم: ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين.
فقال ابن عباس: أي مع محمد وأمته لأنهم مخصوصون بأداء الشهادة ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ﴾ وعنه أيضاً اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ وقيل: اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق فقرنت ذكرهم بذكرك في قولك: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ﴾ وقيل: اجعلنا ممن هو مستغرق في شهود جلالك بحيث لا نبالي بما يصل إلينا من المشاق والآلام فيسهل علينا الوفاء بما التزمنا من / نصرة رسولك، أو اكتب ذكرنا في زمرة من شهد حضرتك من الملائكة المقربين كقوله: ﴿ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ﴾ ﴿ ومكروا ﴾ يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر ﴿ ومكر الله ﴾ المكر في اللغة السعي في خفية ومداجاة.
قال الزجاج: يقال مكر الليل وأمكر إذا أظلم.
وقيل: أصله من إجماع الأمر وإحكامه، ومنه امرأة ممكورة مجتمعة الخلق.
فلما كان المكرر رأياً محكماً قوياً مصوناً عن جهات النقض والفتور لا جرم سمي مكراً.
أما مكرهم بعيسى فهو أنهم هموا بقتله، وأما مكر الله بهم فهو أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال السوء إليه، روي أن ملك اليهود أراد قتل عيسى وكان جبريل لا يفارقه ساعة، فأمره جبريل أن يدخل بيتاً فيه روزنة.
فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل من تلك الروزنة وكان قد ألقى شبهه على غيره ممن وكل به ليقتله غيلة فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق: فرقة قالت: كان الله فينا فذهب.
وأخرى قالت: كان ابن الله.
وأخرى قالت: كان عبد الله ورسوله.
وقيل: إن الحواريين كانوا اثني عشر، وكانوا مجتمعين في بيت، فنافق واحد منهم ودل اليهود عليه فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى .
وذكر محمد بن إسحق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى فشمسوهم ولقوا منهم الجهد.
فسمع بذلك ملك الروم.
وكان ملك اليهود من رعيته فقيل: إنه قتل رجلاً من بني إسرائيل ممن يحب أمرك، وكان يخبرهم أنه رسول الله وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وفعل ما فعل فقال: لو علمت ذلك ما خليت بينه وبينهم.
ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى فأخبروه، فتابعهم على دنيهم وأنزل المصلوب فغيبه وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم.
وكان اسم هذا الملك "طباريس"، وهو صار نصرانياً إلا أنه ما أظهر ذلك.
ثم إنه جاء بعده ملك آخر يقال له "ملطيس" وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة، فقتل وسبى ولم يترك في حاشية بيت المقدس حجراً على حجر، فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز، فهذا كله مما جازاهم الله على تكذيب المسيح والهم بقتله.
وقيل: إنهم مكروا في إخفاء أمره وإبطال دينه، ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل أعداءه وهم اليهود ﴿ والله خير الماكرين ﴾ أقواهم مكراً وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.
واعلم أن المكر إن كان عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر فهو في حق الله محال، فاللفظ إذن من المتشابهات فيجب أن يؤول بأن جزاء المكر يسمى مكراً كقوله: / ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ أو بأنه عاملهم معاملة من يمكر وهو عذابهم على سبيل الاستدراج.
وإن كان المكر عبارة عن التدبير المحكم الكامل لم يكن اللفظ متشابهاً لأنه غير ممتنع في حق الله إلا أنه قد اختص في العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى الغير.
﴿ إذ قال الله ﴾ ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله أو مفعول اذكر ﴿ يا عيسى إني متوفيك ﴾ أي متمم عمرك وعاصمك من أن يقتلك الكفار الآن بل أرفعك إلى سمائي وأصونك من أن يتمكنوا من قتلك.
وقيل: متوفيك أي مميتك كيلا يصل أعداؤك من اليهود إلى قتلك ثم رافعك إليّ.
وهذا القول مروي عن ابن عباس ومحمد بن إسحق.
ثم قال وهب: توفي ثلاث ساعات ثم رفع وأحيي.
وقال محمد بن إسحق.
توفي سبع ساعات ثم أحياه الله ورفعه.
وقال الربيع بن أنس: إنه نومه ورفعه إلى السماء نائماً حتى لا يلحقه خوف ورعب.
أخذه من قوله ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ﴾ .
وقيل: التوفي أخذ الشيء وافياً أي آخذك بروحك وبجسدك جميعاً فرافعك إلي دفعاً لوهم من يتوهم أنه أخذ بروحه دون جسده.
وقيل: متوفيك قابضك من الأرض من توفيت مالي على فلان أي استوفيته.
وقيل: أجعلك كالمتوفى لأنه إذا رفع إلى السماء انقطع خبره وأثره عن الأرض فيكون من باب إطلاق الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته.
وقيل: المضاف محذوف أي متوفى عملك ورافع طاعتك فكأنه بشره بقبول طاعته وأن ما وصل إليه من المتاعب في تمشية دينه وإظهار شريعته فهو لا يضيع أجره، فهذا كقوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ وقيل: في نسق الكلام تقديم وتأخير.
فإن الواو لا تقتضي الترتيب.
والمعنى إني رافعك إلي ومتوفيك بعد إنزالك إلى الدنيا.
ويؤيده ما ورد في الخبر أنه سينزل ويقتل الدجال، ثم إنه يتوفاه بعد ذلك.
أما قوله ﴿ ورافعك إليّ ﴾ فالمشبهة تمسكوا بمثله في إثبات المكان لله وأنه في السماء، لكن الدلائل القاطعة دلت على أنه متعال عن الحيز والجهة فوجب حمل هذا الظاهر على التأويل بأن المراد إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي ومثله قول إبراهيم: ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ وإنما ذهب من العراق إلى الشام، وقد سمي الحجاج زوّار الله، والمجاورون جيران الله.
والمراد التفخيم والتعظيم، أو المراد إلى مكان لا يملك الحكم عليه هناك غير الله فإن في الأرض ملوكاً مجازية.
ولئن سلم أنه يمكن أن يكون في مكان فليس رفع عيسى إلى ذلك المكان سبباً لبشارته ما لم يتيقن الثواب والكرامة والروح والراحة، فلا بد من صرف اللفظ عن ظاهره وهو أن يقال: المراد رفعه إلى محل كرامته، وإذا لم يكن بد من الإضمار فلم يبق في الآية دلالة على إثبات المكان له تعالى.
ثم إنه كما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه، عبر لذلك عن معنى التخليص بلفظ التطهير / فقال: ﴿ ومطهرك من الذين كفروا ﴾ أي من خبث جوارهم وسوء عشرتهم ﴿ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ﴾ وليس هذا فوقية المكان بالاتفاق.
فالمراد إما الفوقية بالحجة والدليل، وإما الفوقية بالقهر والاستيلاء.
وفيه إخبار عن ذل اليهود ومسكنتهم إلى يوم القيامة.
ولعمري إنه كذلك فلا يرى ملك يهودي في الدنيا ولا بلد لهم مستقل بخلاف النصارى.
على أنا نقول: المراد بمتبعي المسيح هم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله ثم آمنوا بمحمد بعده فصدقوه في قوله: ﴿ ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ﴾ أو المتبعون هم المسلمون الذين اتبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى.
واعلم أن نص القرآن دل على أنه حين رفعه ألقى شبهه على غيره قال: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ﴾ فأورد بعض الملحدة عليه إشكالات: الأول أنه يوجب ارتفاع الأمان عن المحسوسات فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانياً فحينئذٍ أجوز أن هذا الذي رأيته ثانياً ليس ولدي بل هو إنسان آخر ألقى شبهه عليه، وكذا الصحابة الذين رأوا محمداً يأمرهم وينهاهم احتمل أن يكون محمد إنساناً آخر ألقى شبهه عليه وأنه يفضي إلى سقوط الشرائع وكذا إلى إبطال التواتر، لأن مدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس وأنتم جوزتم وقوع الغلط في المبصرات، ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات.
الثاني أن جبريل كان معه حيث سار.
ثم إن طرف جناح واحد منه يكفي لأهل الأرض.
فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود؟
وأنه كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء والقاء الفلج والزمانة عليهم حتى لا يتعرضوا له؟
الثالث أنه كان قادراً على تخليصه من الأعداء بأن يرفعه إلى السماء، فما الفائدة في إلقاء شبهه على الغير؟
وهل فيه إلا إيقاع مسكين في القتل من غير فائدة مع أن ذلك يوجب تلبيس الأمر عليهم حتى اعتقدوا أن المصلوب هو عيسى وأنه لم يكن عيسى، والتمويه والتخليط لا يليق بحكمة الله تعالى؟
الرابع أن النصارى على كثرتهم في المشارق والمغارب وإفراطهم في محبة عيسى أخبروا أنهم شاهدوه مصلوباً، فإنكار ذلك إنكار المتواتر، والطعن في المتواتر يوجب الطعن في نبوة جميع الأنبياء.
الخامس ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حياً زماناً طويلاً.
فلو كان هو غير عيسى لأظهر الجزع وعرف نفسه، ولو فعل ذلك اشتهر وتواتر.
والجواب عن الأول أن كل من أثبت القادر المختار سلم أنه قادر على خلق مثل زيد.
وهذا التجويز لا يوجب الشك في وجود زيد فكذا فيما ذكرتم.
وعن الثاني والثالث أن ذلك يفضي إلى / بلوغ الإعجاز حد الإلجاء، وأنه ينافي التكليف.
والتلبيس المذكور قد أزاله تلامذة عيسى الحاضرون منه العالمون بالواقعة.
وعن الرابع أنه تواتر منقطع الأول لأنهم كانوا قليلين في ذلك الوقت فلا يفيد العلم.
إذ شرط التواتر استواء الطرفين والوسط.
وعن الخامس ما روي أن الذي ألقي عليه الشبه كان من خواص أصحابه، فلهذا صبر.
على أنا نقول: قد ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد في كل ما أخبر عنه، فهذه الاحتمالات تمتنع أن تصير معارضة للنص القاطع والله ولي الهداية.
قال: ﴿ ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ﴾ وفيه بشارة لعيسى بأنه سيحكم بين المؤمنين وبين الجاحدين.
وتفسيره قوله: ﴿ فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بالقتل والسبي والذلة وأنواع المصائب والرزايا التي لا ثواب عليها ﴿ والآخرة ﴾ بدخول النار خالدين فيها ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ﴿ وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ﴾ الواضعين الشيء في غير موضعه، التكذيب في مقام التصديق، والعمل السيء مكان العمل الصالح، وذلك أن المحبة عبارة عن إيصال الخير إليه.
وهو وإن أراد كفر الكافر إلا أنه لم يوصل الثواب إليه، وقالت المعتزلة: المحبة والإرادة واحدة، فالمعنى أنه لا يريد ظلم الظالمين.
﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من نبأ عيسى وغيره وهو مبتدأ خبره ﴿ نتلوه عليك ﴾ والتلاوة والقصص كلاهما يؤل إلى معنى واحد وهو ذكر الشيء بعضه على إثر بعض.
جعل تلاوة الملك لما كانت بأمره كتلاوته.
﴿ من الآيات ﴾ خبر بعد خبر أو خبر بعد مبتدأ محذوف والمراد بها آيات القرآن، ويحتمل أن يراد أنه من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارىء من كتاب أو من يوحى إليه، وظاهر أنك لا تكتب ولا تقرأ فبقي أن يكون من الوحي.
ويجوز أن يكون ذلك بمعنى "الذي" و ﴿ نتلوه ﴾ صلته و ﴿ من الآيات ﴾ الخبر.
ويجوز أن ينتصب ذلك بمضمر يفسره ﴿ نتلوه ﴾ .
والذكر الحكيم القرآن.
وصف بصفة من هو سببه، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه، أو هو بمعنى الحاكم كالعليم بمعنى أن الأحكام تستفاد منه، أو بمعنى المحكم أحكمت آياته أي عن تطرق وجوه الخلل إليه.
وقيل: الذكر الحكيم اللوح المحفوظ الذي منه نقلت جميع كتب الله المنزلة على الأنبياء، أخبر أنه أنزل هذه القصص مما كتب هناك.
قال المفسرون: "إن وفد نجران قالوا لرسول الله : مالك تشتم صاحبنا؟
قال : وما أقول؟
قالوا: تقول إنه عبد.
قال: أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟
فإن كنت صادقاً فأرنا مثله فأنزل الله عز وجل ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ " أي حاله الغريبة كحاله.
ووجه الشبه أن كلاً منهما وجد وجوداً خارجا عن العادة المستمرة، بل الوجود من غير أب وأم أغرب، فشبه الغريب بالأغرب.
لأن المشبه به ينبغي / أن يكون أقوى حالاً من المشبه في وجه الشبه.
ثم فسر كيفية خلق آدم بقوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي قدّره جسداً من طين.
قيل: اشتقاق آدم من الأدمة، وقال ابن عباس: سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها طيبها وخبيثها، فلذلك كان في ولده الأسود والأحمر والطيب والخبيث.
وقيل: إنه اسم أعجمي كآزر ووزنه "فاعل" لا "أفعل".
والضمير عائد إلى آدم الموجود كقولك: "هذا الكون أصله من الطين" ﴿ ثم قال له ﴾ أي لذلك المقدّر ﴿ كن فيكون ﴾ وهذا كقوله: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] وإنما لم يقل "فكان" إما لأنه حكاية حال ماضية، وإما تصوير لتلك الحالة العجيبة كقوله: فأصر بها بلا دهش فخرت *** أو المراد اعلم يا محمد أن ما قال له ربك "كن" فإنه يكون لا محالة.
وقيل: معنى "ثم" تراخي الخبر عن الخبر لا تراخي المخبر عن المخبر كقول القائل "أعطيت زيداً ألفاً اليوم ثم أنا أعطيته أمس ألفين" أي ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي صيره بشراً سوياً.
ثم إنه يخبركم أنه إنما خلقه بأن قال له "كن".
وقيل: إن معنى الخلق يرجع إلى علمه بكيفية وقوعه وإرادته لإيقاعه على الوجه المخصوص.
والمراد بـ "كن" إدخاله في الوجود.
قالت الحكماء: إنما خلق آدم من التراب لوجوه: ليكون متواضعاً وليكون ستاراً وليكون أشد التصاقاً بالأرض فيصلح للخلافة فيها، ولما فيه من إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام السفلية وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو أرق الأجرام وأعطاهم كمال القوة والقدرة، وخلق السموات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الفضاء، وخلق آدم من التراب الذي هو أكثف الأجرام فآتاه النور والهداية، وكل ذلك برهان باهر ودليل ظاهر على أنه هو المدبر بغير احتياج والخالق بلا مزاج.
وعلاج خلق البشر من التراب لإطفاء نيران الشهوة والحرص والغضب، وخلقه من الماء ﴿ خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً ﴾ ليكون صافياً تتجلى فيه صور الأشياء.
ثم مزج بين التراب والماء لامتزاج اللطيف بالكثيف فصار طيناً ﴿ إني خالق بشراً من طين ﴾ ثم إنه سل من ألطف أجزاء الطين ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 13\] ثم جعله طيناً لازباً ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب ﴾ ثم سنه وغير رائحته ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإٍ مسنون ﴾ .
عن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى ؟
قالوا: / لأنه لا أب له.
قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له.
قالوا: كان يحيي الموتى.
قال: فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر وأحيا حزقيل ثمانية آلاف.
فقالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص.
قال: فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً.
﴿ الحق من ربك ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق يعني الذي أنبأتك من شأن عيسى لا الذي اعتقد النصارى فيه أنه إله، ولا الذي يزعم اليهود من رميها بيوسف النجار، أو ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ من ربك ﴾ خبره كما يقال: الحق من الله والباطل من الشيطان.
﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ الشاكين.
قال ابن الأنباري: أصله من مريت الناقة والشاة حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه شراً.
وفي هذا النهي ترغيب له في زيادة الثبات والطمأنينة ولطف للأمة وقد مر نظائره في سورة البقرة.
التأويل: الاصطفاء ثلاثة أنواع: اصطفاء على غير الجنس ﴿ إن الله اصطفى آدم ﴾ ولم يكن له جنس حين خلقه وأسجد له ملائكته، واصطفاء على الجنس وعلى غير الجنس كاصطفاء محمد على الكائنات كقوله: "لولاك لما خلقت الأفلاك" .
وقال : " "آدم فمن دونه تحت لوائي " ، واصطفاء على الجنس كقوله: ﴿ يا موسى إني اصطفيتك على الناس ﴾ ولمريم ﴿ إن الله اصطفاك ﴾ لاصطفائك إياه ﴿ وطهرك ﴾ عن الالتفات لغيره ﴿ واصطفاك على نساء العالمين ﴾ لنيل درجة الكمال وإن لم يكن ذلك من شأن النساء.
﴿ إن الله يبشرك بكلمة منه ﴾ كل صنف من أصناف الخلق حرف من حروف كلمة معرفة الله .
والعالم بما فيه كلمة المعرفة كقوله: "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" والإنسان وإن كان صنفاً من أصناف العالم وهو حرف من حروف كلمة المعرفة لكنه خلق نسخة العالم بما فيه فهو أيضاً كلمة المعرفة كالعالم، لكنه خص من العالم بما فيه بكرامة معرفة نفسه ومعرفة ربه ومعرفة العالم بما فيه، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكى بتزكيه الشريعة المربى بتربية أرباب الطريقة.
وإنما خص عيسى علية السلام بهذا الاسم - أعنى الكلمة - من بين سائر الأنبياء والأولياء لأنه خلق مستعداً لهذا الكمال في بدء أمره.
قد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه كما قال " "من عرف نفسه فقد عرف ربه " وكان من اختصاصه بالكلمة أنه قال في المهد: ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب ﴾ روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران: كنت إذا خلوت أنا وجنيني حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع.
وسمي المسيح لأنه حين مسح الله ظهر آدم فاستخرج منه ذرّات ذرّياته لم يردّه إلى مقامه كما جاء في الخبر " "إن الله أذن للذرّات بالرجوع إلى ظهر آدم وحفظ ذرة عيسى وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم " فكان قد بقي عليه اسم المسيح أي الممسوح.
﴿ وكهلاً ﴾ أي حالة النبوة / لأن بلوغ الأنبياء عند كهولتهم ﴿ ومن الصالحين ﴾ يعني صلاحية قبول الفيض بلا واسطة كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام.
﴿ ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ﴾ الروح الإنساني الذي هو خليفة الله في أرضه قابل لجميع أنوار الصفات خلافة عنه حتى القدرة على الخلق والإحياء والإبراء والإنباء وغير ذلك من الآيات التي هي من نتاج القدرة، لكنه لتعلقه بالجسد الكائن من العناصر ولاحتجابه بظلمات شهوات الأبوين امتنع عن قبول أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وقوة استعداد الروحية والجسمية من تلك الظلمات فيظهر على النبي آيات المعجزات وعلى الولي أمارات الكرامات.
ولما كان روح عيسى وذرّة طينته المستخرجة من ظهر آدم محتبسة عند الله حتى ألقاها إلى مريم من غير شائبة ظلمات شهوة الأبوين ولهذا سمي روح الله، كان قابل أنوار الصفات في بدوّ أمره يكلم الناس في المهد ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل غير من تعلم، ويحيي ويبرىء إلى غير ذلك من الآيات ﴿ فلما أحس عيسى منهم الكفر ﴾ فيه إشارة إلى أن عيسى الروح، لما أحس من النفس وصفاتها الكفر ﴿ قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون ﴾ وهم القلب وصفاته ﴿ نحن أنصار الله آمنا بالله ﴾ أي بوحدانيته والتبري عن غيره ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لأحكامه، راضون بقضائه، صابرون على بلائه ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت ﴾ من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق ﴿ واتبعنا الرسول ﴾ الوارد من نفحات ألطافك ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ المشاهدين لأنوار جلالك ﴿ ومكروا ﴾ أي النفس وصفاتها والشياطين وأتباعها في هلاك عيسى الروح ﴿ ومكر الله ﴾ بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها ﴿ والله خير الماكرين ﴾ في قهر النفس الأمارة بالسوء وقمع صفاتها وقلع شهواتها ﴿ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ﴾ عن الصفات النفسانية والسمات الحيوانية ﴿ ورافعك إليّ ﴾ بجذبات العناية كما أسرى بعبده إلى قاب قوسين أو أدنى.
ومن خواص الجذبة الربوبية خمود الصفات البشرية ﴿ ثم إليّ مرجعكم ﴾ باللطف أو القهر بالاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح.
﴿ فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله، ﴿ والآخرة ﴾ بالقطيعة والبعد عن الله ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله .
ثم قال له كن فيكون.
هذه السنة في تكوين الأرواح والملكوت لا الأجساد والملك، ولكنه أجراها في تكوين آدم من تراب بلا أب وأم، وخلق حوّاء منه بلا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب خرقاً للعادة ودلالة على اختياره ورغماً بأنف من قال بالإيجاب في الإيجاد ﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ نهي الكينونة قاله في الأزل فما كان من الممترين ولا يكون إلى الأبد./ <div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ﴾ ، قيل: ذلك الذي ذكر في هذه الآية: نتلو عليك يا محمد.
﴿ مِنَ الآيَاتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ .
هو المحكم، وقيل: ﴿ ٱلْحَكِيمِ ﴾ ، أي: من نظر فيه وتفكر يصير حكيماً؛ كما قال: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ﴾ ، أي: يبصر فيه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ﴾ : قيل في القصَّة: إن نصارى من أهل نجران قدموا على رسول الله فقالوا له: إنك تشتم صاحبنا عيسى بن مريم، تزعم أنه عبد، وهو يُحْيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير فيطير، فأرنا فيما خلق الله عبداً مثله يعمل هذا، والنصارى في الحقيقة مشبهة وقدرية: وأمَّا التشبيه: فإنما حملهم على ذلك ظنهم في قول إبراهيم ؛ حيث قال: ﴿ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ ؛ ظنوا إن عيسى لما قال: ﴿ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ ﴾ أنه رب وإله؛ لأن إبراهيم - - أخبر أن ربه ﴿ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ ؛ فسموا عيسى إلهاً بهذا، وهم كانوا يرون عيسى يأكل ويشرب وينام؛ فلولا أنهم عرفوا الله - عز وجل - وإلاّ ما شبهوه به، الله عن ذلك.
وأمّا القدرية: فلما لم يروا الله في أفعال العباد صنعاً؛ إنما رأوا ذلك للخلق خاصة، فلما رأوا ذلك من عيسى - - ظنوا أنه ربٌّ؛ لما لم يروا ذلك من غيره، ولو كانوا عرفوا الله حق المعرفة، لعلموا أن لم يكن من عيسى إلا تصوير ذلك الطير وتمثيله، ويكون مثله من كل أحد؛ وإنما الإحياء كان من الله - عز وجل - أجراه على يدي عيسى - - وأظهره، وإنما كان من عيسى تصويره فقط؛ وكذلك ما كان من إبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من الله - عزو جل - أجراه على يديه آيات لنبوته؛ لأنهم ادعوا له الربوبية من وجهين: لكونه من غير أب، ولآياته.
ثم قوله: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ﴾ - يحتمل وجهين - والله أعلم -: أحدهما: أن الله - عز وجل - صور صورة آدم من طين، ثم جعل فيه الروح، لم يجز أن يقال صار آدم حيّاً من نفسه؛ لوجود صورته، كيف جاز لكم أن تقولوا: إن عيسى لمّا صوَّر ذلك الطير من الطين، صار محيياً له بتصويره إياه دون إحياء الله - - إياه؟!
والله أعلم.
والثاني: أن آدم - - خُلِقَ لا من أب وأم، ثم لم تقولوا: إنه رب أو إله، فكيف قلتم في عيسى: إنه إله؛ وإنه خلق لا من أب؛ إذ عدم الأبوة في آدم لم يوجب أن يكون ربّاً؛ وكيف أوجب عدم الأبوة في عيسى كونه ربّاً وإلها؟!
والله الموفق.
وإنما كان عيسى بقوله: "كن" - كما كان آدم، أيضاً، بـ"كن" - من غير أب.
وقوله: ﴿ كُنْ ﴾ : قد ذكرنا أنه أوجز كلام في لسان العرب يعبر فيؤدي المعنى؛ فيفهم المراد، لا أن كان من الله - عز وجل - كاف، أو نون، أو وقت، أو حرف، أو يوصف كلامه بشيء مما يوصف به كلام الخلق، الله عن ذلك.
وقوله: ﴿ فَيَكُونُ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل "يكون"، بمعنى: كان، والعرب تستعمل ذلك ولا تأبى.
والثاني: أن تكون الكائنات بأسبابها في أوقاتها التي أراد كونها على ما أراد، وأصل ذلك، إذ ذكر الله ووصف بذكر بلا ذكر وقت في الأزل، وإذا ذكر الخلق معه يذكر الوقت، والوقت يكون للخلق يقول: خالق لم يزل، وخالقه في وقت خلقه.
وقوله: ﴿ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ : يحتمل هذا وجوهاً: يحتمل أن يكون الخطاب لكل أحد قال في عيسى ما قالوا، أي: لا تكن من الممترين في عيسى أنه عبد الله خالصاً، وأنه نبيه ورسوله إليكم.
ويحتمل أن يكون الخطاب للنبي والمراد غيره؛ وهكذا عادة ملوك الأرض أنهم إذا أرادوا أن يعرفوا رعيتهم شيئاً، يخاطبون أعقلهم وأفضلهم وأرفعهم منزلة وقدراً عندهم؛ استكباراً منهم مخاطبة كل وضيع وسيفه؛ فكذلك [ولله المثل الأعلى] الله - عز وجل - خاطب نبيّه؛ إعظاماً له وإجلالاً، والله أعلم.
ويحتمل ما ذكرنا فيما تقدم أن العصمة لا تمنع الأمر ولا النهي؛ بل تزيد أمراً ونهياً، وإن كان يعلم أنه لا يكون من الممترين أبداً، والله الموفق.
وقوله: ﴿ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ ﴾ الآية.
دعاهم إلى المباهلة، فالمباهلة في لغة العرب: الملاعنة، دعاهم إلى الدعاء باللعنة على الكاذبين، فامتنعوا عن ذلك؛ خوفاً [منهم لحوق اللعنة؛ فدل امتناعهم عن ذلك أنهم عرفوا كذبهم، لكنهم تعاندوا] وكابروا؛ فلم يقروا بالحق.
وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ ﴾ : يعني: الخبر الحق.
وقوله: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : ظاهر، قد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، يحتمل: خبر الحق في أمر عيسى - - أنه كان عبداً بشراً نبيّاً، ﴿ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ ، أي: لا يحملنك شدة لجاجتهم وكثرتهم في القول فيه بهذا الوصف على الشك في الخبر الّذي جاءك عن الله؛ كقوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ ﴾ إلى آخره [هود: 12]: على الموعظة، لا على أن يكون كذلك، أو على ما سبق ذكره، والله أعلم.
ويحتمل: ﴿ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، أي: كل حق فهو عن الله جائز إضافته إليه، على الوجوه التي تضاف إليه، الباطل من الوجه الذي هو باطل، ﴿ فَلاَ تَكُنْ ﴾ في ذلك ﴿ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ ، والله أعلم.
وجائز أن يقول: جعل الله ذلك الفعل ممن فعله باطلاً، ولا يقال: الباطل من الله، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
الحق الذي لا شك فيه في شأن عيسى هو الذي نزل عليك من ربك، فلا تكن من الشاكين المُتردِّدين، بل عليك الثبات على ما أنت عليه من الحق.
<div class="verse-tafsir" id="91.qNOel"
قلنا إن هذه الآيات سيقت في معرض إثبات نبوة محمد ببيان أن لله تعالى أن يصطفي من عباده من يشاء لرسالته، وأنه مستقل في أفعاله، فلا وجه لإنكار اصطفائه محمدًا، وقد اصطفى قبله آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران.
ثم جاء في السياق ذكر قصة عيسى وأمه وما جاء به وما كان من كفر بعض قومه به ورمي أمه بالزنا، وإيمان بعض، وهناك قسم ثالث لم يكفر بعيسى ولم يؤمن به إيمانًا صحيحًا بل افتتن به افتنانًا لكونه ولد من غير أب، وزعموا أن معنى كونه ولد بكلمة من الله وكونه من روح الله أن الله تعالى حل في أمه وأن كلمة الله تجسدت فيه فصار إلهًا وإنسانًا، فضرب للكافرين والمفتونين مثل خلق آدم من تراب، وهو حجة على الفريقين من اليهود والنصارى، ولا شك أن خلق آدم أعجب من خلق عيسى لأن هذا خلق من حيوان من نوعه وذاك قد خلق من تراب.
وفي الكلام إرشاد إلى أن أمر الخلقة يشبه بعضه بعضًا فكله غريب بالنسبة إلينا إذا تفكرنا في حقيقتها وعللها، ولا شيء منه بغريب عند الموجد المبدع، أما القوانين المعروفة في علم الخليقة فهي قد استخرجت مما نعهده ونشاهده، وليست قوانين عقلية قامت البراهين على استحالة ما عداها كيف وأننا نرى كل يوم ما يخالفها كالحيوانات التي لها أعضاء زائدة والتي تولد من غير جنسها وترون ذكر ذلك في الجرائد ويعبرون عنه بفلتات الطبيعة، وهو إنما خالف ما نعرف لا ما يعلم الله تعالى، وما يدرينا أن لكل هذه الشواذ والفلتات سننًا مطردة محكمة لم تظهر لنا، وكذلك شأن خلق عيسى، فكونه على غير المعهود ليس مزية تقتضي تفضيله عليهم فكيف تقتضي أن يكون إلهًا؟.
وإذا كان عيسى قد خلق من بعض جنسه فآدم قد خلق من غير جنسه فهو أولى بالمزية لو كانت، وبالإنكار إن صح.
على أن ما نعرف من أمر الخلقة ليس لنا منه إلا الظاهر، نصفه ونقول به وإن لم نعقله، وماذا نعقل من الرابطة بين الحس والنطق في الانسان مثلًا؟
بل ماذا نعقل من أمر حبة الحنطة في نبتها واستوائها على سوقها وتناسب أوراقها وغير ذلك؟!
﴿ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ ﴾ .
الروايات متفقة على أن النبي اختار للمباهلة عليًا وفاطمة وولديهما ويحملون كلمة نساءنا على فاطمة وكلمة أنفسنا على علي فقط، ومصادر هذه الروايات الشيعة، ومقصدهم منها معروف، وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا حتى راجت على كثير من أهل السنة، ولكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية فإن كلمة "نساءنا" لا يقولها العربي ويريد بها بنته لا سيما إذا كان له أزواج، ولا يفهم هذا من لغتهم، وأبعد من ذلك أن يراد بأنفسنا علي عليه الرضوان.
ثم إن وفد نجران الذين قالوا إن الآية نزلت فيهم لم تكن معهم نساؤهم وأولادهم.
وكل ما يفهم من الآية أمر النبي أن يدعو المحاجين والمجادلين في عيسى من أهل الكتاب إلى الاجتماع رجالًا ونساء وأطفالًا ويجمع هو المؤمنين رجالًا ونساء وأطفالًا ويبتهلون إلى الله تعالى بأن يلعن الكاذب فيما يقول عن عيسى، وهذا الطلب يدل على قوة يقين صاحبه وثقته بما يقول كما يدل على امتناع من دعوا إلى ذلك من أهل الكتاب سواء كانوا نصارى نجران أو غيرهم على امترائهم في حجاجهم ومماراتهم فيما يقولون وزلزالهم فيما يعتقدون وكونهم على غير بينة ولا يقين.
وأنَّى لمن يؤمن بالله أن يرضى بأن يجتمع مثل هذا الجمع من الناس المحقين والمبطلين في صعيد واحد متوجهين إلى الله تعالى في طلب لعنه وإبعاده من رحمته؟
وأي جراءة على الله واستهزاء بقدرته وعظمته أقوى من هذا.
أما كون النبي والمؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى فحسبنا في بيانه قوله تعالى ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ ﴾ فالعلم في هذه المسائل الاعتقادية لا يراد به إلا اليقين.
وفي قوله: ﴿ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ﴾ إلخ وجهان: أحدهما: أن كل فريق يدعو الآخر فأنتم تدعون أبناءنا ونحن ندعو أبناءكم وهكذا الباقي.
وثانيهما: أن كل فريق يدعو أهله فنحن المسلمين ندعو أبناءنا ونساءنا وأنفسنا وأنتم كذلك ولا إشكال في وجه من وجهي التوزيع في دعوة الأنفس وإنما الإشكال فيه على قول الشيعة ومن شايعهم على القول بالتخصيص.
<div class="verse-tafsir"