الآية ٦١ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٦١ من سورة آل عمران

فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا۟ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ ٦١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 142 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦١ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦١ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى - آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيان : ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ) أي : نحضرهم في حال المباهلة ( ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) أي : نلتعن ( فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) أي : منا أو منكم .

وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران ، أن النصارى حين قدموا فجعلوا يحاجون في عيسى ، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية ، فأنزل الله صدر هذه السورة ردا عليهم ، كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق بن يسار وغيره .

قال ابن إسحاق في سيرته المشهورة وغيره : وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران ، ستون راكبا ، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم يئول إليهم أمرهم ، وهم : العاقب ، واسمه عبد المسيح ، والسيد ، وهو الأيهم ، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل ، وأوس بن الحارث وزيد ، وقيس ، ويزيد ، ونبيه ، وخويلد ، وعمرو ، وخالد ، وعبد الله ، ويحنس .

وأمر هؤلاء يئول إلى ثلاثة منهم ، وهم : العاقب وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم ، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه ، والسيد وكان عالمهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم ، وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم ، وكان رجلا من العرب من بني بكر بن وائل ، ولكنه تنصر ، فعظمته الروم وملوكها وشرفوه ، وبنوا له الكنائس ومولوه وأخدموه ، لما يعلمونه من صلابته في دينهم .

وقد كان يعرف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وشأنه وصفته بما علمه من الكتب المتقدمة جيدا ، ولكن احتمله جهله على الاستمرار في النصرانية لما يرى [ من ] تعظيمه فيها ووجاهته عند أهلها .

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، قال : قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر ، عليهم ثياب الحبرات : جبب وأردية ، في جمال رجال بني الحارث بن كعب .

قال : يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم .

وقد حانت صلاتهم ، فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوهم فصلوا إلى المشرق .

قال : فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة ، والعاقب عبد المسيح ، أو السيد الأيهم ، وهم من النصرانية على دين الملك ، مع اختلاف أمرهم ، يقولون : هو الله ، ويقولون : هو ولد الله ، ويقولون : هو ثالث ثلاثة .

تعالى الله [ عن ذلك علوا كبيرا ] وكذلك قول النصرانية ، فهم يحتجون في قولهم : " هو الله " بأنه كان يحيي الموتى ، ويبرئ الأسقام ، ويخبر بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير ، ثم ينفخ فيه فيكون طيرا وذلك كله بأمر الله ، وليجعله آية للناس .

ويحتجون في قولهم بأنه ابن الله ، يقولون : لم يكن له أب يعلم ، وقد تكلم في المهد بشيء لم يصنعه أحد من بني آدم قبله .

ويحتجون في قولهم بأنه ثالث ثلاثة ، بقول الله تعالى : فعلنا ، وأمرنا ، وخلقنا ، وقضينا ، فيقولون : لو كان واحدا ما قال إلا فعلت وقضيت وأمرت وخلقت ، ولكنه هو وعيسى ومريم وفي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن .

فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أسلما " قالا قد أسلمنا .

قال : " إنكما لم تسلما فأسلما " قالا بلى ، قد أسلمنا قبلك .

قال : " كذبتما ، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدا ، وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير " .

قالا فمن أبوه يا محمد ؟

فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فلم يجبهما ، فأنزل الله في ذلك من قولهم ، واختلاف أمرهم ، صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها .

ثم تكلم ابن إسحاق على التفسير إلى أن قال : فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله ، والفصل من القضاء بينه وبينهم ، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه ، دعاهم إلى ذلك ، فقالوا : يا أبا القاسم ، دعنا ننظر في أمرنا ، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه ، فانصرفوا عنه ، ثم خلوا بالعاقب ، وكان ذا رأيهم ، فقالوا : يا عبد المسيح ، ماذا ترى ؟

فقال : والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا لنبي مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم ، ولا نبت صغيرهم ، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم ، فإن كنتم [ قد ] أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم .

فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا أبا القاسم ، قد رأينا ألا نلاعنك ، ونتركك على دينك ، ونرجع على ديننا ، ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا ، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا ، فإنكم عندنا رضا .

قال محمد بن جعفر : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين " ، فكان عمر بن الخطاب يقول : ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ ، رجاء أن أكون صاحبها ، فرحت إلى الظهر مهجرا ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سلم ، ثم نظر عن يمينه وعن يساره ، فجعلت أتطاول له ليراني ، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح ، فدعاه : " اخرج معهم ، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه " .

قال عمر : فذهب بها أبو عبيدة ، رضي الله عنه .

وقد روى ابن مردويه من طريق محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع بن خديج : أن وفد أهل نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه ، إلا أنه قال في الأشراف : كانوا اثني عشر .

وذكر بقيته بأطول من هذا السياق ، وزيادات أخر .

وقال البخاري : حدثنا عباس بن الحسين ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة قال : جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه ، قال : فقال أحدهما لصاحبه : لا تفعل ، فوالله إن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا .

قالا إنا نعطيك ما سألتنا ، وابعث معنا رجلا أمينا ، ولا تبعث معنا إلا أمينا .

فقال : " لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين " ، فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " قم يا أبا عبيدة بن الجراح " فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا أمين هذه الأمة " .

[ و ] رواه البخاري أيضا ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه من طرق عن أبي إسحاق السبيعي ، عن صلة ، عن حذيفة ، بنحوه .

وقد رواه أحمد ، والنسائي ، وابن ماجه ، من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق ، عن صلة عن ابن مسعود ، بنحوه .

وقال البخاري : حدثنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة ، عن خالد ، عن أبي قلابة ، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي أبو يزيد ، حدثنا فرات ، عن عبد الكريم بن مالك الجزري " عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال أبو جهل : إن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه .

قال : فقال : " لو فعل لأخذته الملائكة عيانا ، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار ، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا " .

وقد رواه الترمذي ، والنسائي ، من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن عبد الكريم ، به .

وقال الترمذي : [ حديث ] حسن صحيح .

وقد روى البيهقي في دلائل النبوة قصة وفد نجران مطولة جدا ، ولنذكره فإن فيه فوائد كثيرة ، وفيه غرابة وفيه مناسبة لهذا المقام ، قال البيهقي : حدثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل ، قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا يونس بن بكير ، عن سلمة بن عبد يسوع ، عن أبيه ، عن جده قال يونس - وكان نصرانيا فأسلم - : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان : " باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران سلم أنتم ، فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب .

أما بعد ، فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد ، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد ، فإن أبيتم فالجزية ، فإن أبيتم آذنتكم بحرب والسلام " .

فلما أتى الأسقف الكتاب فقرأه فظع به ، وذعره ذعرا شديدا ، وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له : شرحبيل بن وداعة - وكان من همدان ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة قبله ، لا الأيهم ولا السيد ولا العاقب - فدفع الأسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شرحبيل ، فقرأه ، فقال الأسقف : يا أبا مريم ، ما رأيك ؟

فقال شرحبيل : قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة ، فما يؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل ، ليس لي في النبوة رأي ، ولو كان أمر من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأيي ، وجهدت لك ، فقال له الأسقف : تنح فاجلس .

فتنحى شرحبيل فجلس ناحية ، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران ، يقال له : عبد الله بن شرحبيل ، وهو من ذي أصبح من حمير ، فأقرأه الكتاب ، وسأله عن الرأي فيه ، فقال له مثل قول شرحبيل ، فقال له الأسقف : فاجلس ، فتنحى فجلس ناحية .

وبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران ، يقال له : جبار بن فيض ، من بني الحارث بن كعب ، أحد بني الحماس ، فأقرأه الكتاب ، وسأله عن الرأي فيه ؟

فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله ، فأمره الأسقف فتنحى فجلس ناحية .

فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعا ، أمر الأسقف بالناقوس فضرب به ، ورفعت النيران والمسوح في الصوامع ، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار ، وإذا كان فزعهم ليلا ضربوا بالناقوس ، ورفعت النيران في الصوامع ، فاجتمعوا حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح أهل الوادي أعلاه وأسفله - وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع ، وفيه ثلاث وسبعون قرية ، وعشرون ومائة ألف مقاتل .

فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسألهم عن الرأي فيه ، فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني ، وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي ، وجبار بن فيض الحارثي ، فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ، ولبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة ، وخواتيم الذهب ، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسلموا عليه ، فلم يرد عليهم وتصدوا لكلامه نهارا طويلا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل وخواتيم الذهب .

فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ، وكانا معرفة لهم ، فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس ، فقالوا : يا عثمان ويا عبد الرحمن ، إن نبيكم كتب إلينا بكتاب ، فأقبلنا مجيبين له ، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا ، وتصدينا لكلامه نهارا طويلا فأعيانا أن يكلمنا ، فما الرأي منكما ، أترون أن نرجع ؟

فقالا لعلي بن أبي طالب - وهو في القوم - : ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ؟

فقال علي لعثمان ولعبد الرحمن : أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ، ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودا إليه .

ففعلوا فسلموا ، فرد سلامهم ، ثم قال : " والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الأولى ، وإن إبليس لمعهم " ثم ساءلهم وساءلوه ، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا : ما تقول في عيسى ، فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى ، يسرنا إن كنت نبيا أن نسمع ما تقول فيه ؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما عندي فيه شيء يومي هذا ، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول لي ربي في عيسى " .

فأصبح الغد وقد أنزل الله ، عز وجل ، هذه الآية : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم [ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون .

الحق من ربك فلا تكن من الممترين .

فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على ] الكاذبين ) فأبوا أن يقروا بذلك ، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر ، أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة ، وله يومئذ عدة نسوة ، فقال شرحبيل لصاحبيه : قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي وإني والله أرى أمرا ثقيلا والله لئن كان هذا الرجل ملكا مبعوثا ، فكنا أول العرب طعن في عينيه ورد عليه أمره ، لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة ، وإنا لأدنى العرب منهم جوارا ، ولئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك .

فقال له صاحباه : يا أبا مريم ، فما الرأي ؟

فقال : أرى أن أحكمه ، فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا .

فقالا له : أنت وذاك .

قال : فلقيشرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك .

فقال : " وما هو ؟

" فقال : حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح ، فمهما حكمت فينا فهو جائز .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لعل وراءك أحدا يثرب عليك ؟

" فقال شرحبيل : سل صاحبي .

فسألهما فقالا ما يرد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل : فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلاعنهم ، حتى إذا كان الغد أتوه فكتب لهم هذا الكتاب : " بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما كتب محمد النبي رسول الله لنجران - إن كان عليهم حكمه - في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق فاضل عليهم ، وترك ذلك كله لهم ، على ألفي حلة ، في كل رجب ألف حلة ، وفي كل صفر ألف حلة " وذكر تمام الشروط وبقية السياق .

والغرض أن وفودهم كان في سنة تسع ، لأن الزهري قال : كان أهل نجران أول من أدى الجزية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وآية الجزية إنما أنزلت بعد الفتح ، وهي قوله تعالى : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر [ ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ] ) [ التوبة : 29 ] .

وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا أحمد بن داود المكي ، حدثنا بشر بن مهران ، أخبرنا محمد بن دينار ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن جابر قال : قدم على النبي صلى الله عليه وسلم العاقب والطيب ، فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة .

قال : فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين ، ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيئا وأقرا بالخراج ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي بعثني بالحق لو قالا لا لأمطر عليهم الوادي نارا " قال جابر : فيهم نزلت ( ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ) قال جابر : ( وأنفسنا وأنفسكم ) رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب ) وأبناءنا ) : الحسن والحسين ( ونساءنا ) فاطمة .

وهكذا رواه الحاكم في مستدركه ، عن علي بن عيسى ، عن أحمد بن محمد الأزهري عن علي بن حجر ، عن علي بن مسهر ، عن داود بن أبي هند ، به بمعناه .

ثم قال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه .

هكذا قال : وقد رواه أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن المغيرة عن الشعبي مرسلا وهذا أصح وقد روي عن ابن عباس والبراء نحو ذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " فمن حاجك فيه "، فمن جادلك، يا محمد، في المسيح عيسى ابن مريم.

(31) * * * والهاء في قوله: " فيه "، عائدة على ذكر عيسى.

وجائز أن تكون عائدة &; 6-474 &; على " الحق " الذي قال تعالى ذكره: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ .

* * * ويعني بقوله: " من بعد ما جاءك من العلم "، من بعد ما جاءك من العلم الذي قد بيَّنته لك في عيسى أنه عبد الله =" فقل تعالوا "، هلموا فلندع = (32) " أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل "، يقول: ثم نلتعن.

* * * يقال في الكلام: " ما لهُ؟

بَهَله الله " أي: لعنه الله =" وما له؟

عليه بُهْلةُ الله "، يريد اللعن، وقال لبيد، وذكر قومًا هلكوا فقال: * نَظَرَ الدَّهْرُ إِلَيْهِمْ فَابْتَهِلْ * (33) يعني: دعا عليهم بالهلاك.

* * * =" فنجعل لعنة الله على الكاذبين " منا ومنكم في أنه عيسى، (34) كما:- 7171 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم "، أي: في عيسى: أنه عبدُ الله ورسوله، من كلمة الله وروحه =" فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم "، إلى قوله: " على الكاذبين ".

7172 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم "، أي: من بعد ما قصصت عليك من خبره، وكيف كان أمره =" فقل تعالوا ندع أبناءَنا وأبناءكم "، الآية.

(35) 7173 - حدثنا عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم "، يقول: من حاجك في عيسى من بعد ما جاءك فيه من العلم.

7174 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين "، قال: منا ومنكم.

7175 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، وحدثني ابن لهيعة، عن سليمان بن زياد الحضرمي، عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ليتَ بيني وبيني أهل نجرانَ حجابًا فلا أراهم ولا يروني!

من شْدّة ما كانوا يمارون النبي صلى الله عليه وسلم.

(36) * * * ------------------------ الهوامش : (31) انظر تفسير"حاج" فيما سلف 3: 120 ، 121 / 5: 429 / 6: 280.

(32) انظر تفسير"تعالوا" فيما يلي ص: 483 ، 485.

(33) ديوانه قصيدة 39 ، البيت: 81 وأساس البلاغة (بهل) ، وأمالي الشريف المرتضي 1: 45 ، من قصيدة مضى بعض أبياتها ، وهي من شعره الذي رثى فيه أربد: وَأَرَى أَرْبَـــدَ قَـــدْ فَـــارَقَـنِي وَمِـــنَ الأَرْزَاءِ رُزْءٌ ذُو جَــــلَلْ مُمْقِـــرٌ مُــرٌّ عَــلَى أَعْدَائِــهِ, وَعَــلَى الأَدْنَيْــنَ حُــلْوٌ كَالْعَسَـلْ فِــي قُــرُومٍ سَــادَةٍ مِـنْ قَوْمِـهِ نَظَــر الدَّهْــرُ إِلَيْهِــمْ فَــابْتَهَلْ وهذا التفسير الذي ذكره الطبري لمعنى بيت لبيد ، جيد.

وجيد أيضًا تفسير الزمخشري في أساس البلاغة قال: "فاجتهد في إهلاكهم".

وكأن أجود تفسير للابتهال أن يقال: هو الاسترسال في الأمر ، والاجتهاد فيه ، ومعنى البيت: فاسترسل في أمرهم ، واجتهد في إهلاكهم فأفناهم.

وأما قوله: "نظر الدهر إليهم" ، فقد قال الجوهري وغيره: "نظر الدهر إلى بني فلان فأهلكهم" ، فقال ابن سيده: "هو على المثل ، وقال: ولست على ثقة منه".

وقال الزمخشري: "ونظر الدهر إليهم: أهلكهم" ، وهو تفسير سيئ ، إذا لم يكن في نسخة الأساس تحريف.

وصواب المعنى أن يقال: "نظر الدهر إليهم" ، نظر إليهم مكبرًا أفعالهم ، فحسدهم على مآثرهم وشرفهم.

كما يقال: "هو سيد منظور" ، أي: ترمقه الأبصار إجلالا.

وإكبارًا.

وإنما فسرته بالحسد ، لأنهم سموا الحسد"العين" ، فيقال: "عان الرجل يعينه عينًا ، فهو معين ومعيون" ، والنظر بالعين لا يزال مستعملا في الناس بمعنى الحسد ، وإنما أغفل شارحو بيت لبيد هذا المعنى.

(34) في المطبوعة: "في آية عيسى" ، وهذا لا معنى له هنا والصواب ما في المخطوطة ، وإنما أراد: الكاذبين منا ومنكم في أنه عيسى عبد الله ورسوله ، لا أنه"الله" تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا ، وقد مضى في الأثر رقم 7164 ، قولهم: "ولكنه الله".

(35) الأثر: 7172- سيرة ابن هشام 2: 232 ، وهو من تتمة الآثار التي آخرها: 7169.

(36) الحديث: 7175- سليمان بن زياد الحضرمي المصري: تابعي ثقة ، وثقه ابن معين وغيره.

وقال أبو حاتم: "شيخ صحيح الحديث".

عبد الله بن الحارث بن جزء بن عبد الله الزبيدي: صحابي نزل مصر ، وهو آخر من مات بها من الصحابة.

و"جزء": بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها همزة.

و"الزبيدي": بضم الزاي ، نسبة إلى القبيلة.

ووقع هنا في الإسناد قول ابن وهب: "وحدثني ابن لهيعة" - ومثل هذا يكون كثيرًا في الأسانيد: يحدث الرجل عن شيوخه بالأحاديث ، فيذكرها بحرف العطف ، عطف حديث على حديث ، وإسناد على إسناد ، فإذا حدث السامع عن الشيخ ، فقد يحذف حرف العطف وقد يذكره.

والأمر قريب.

والحديث رواه ابن عبد الحكم في فتوح مصر ، ص: 301 ، بنحوه ، عن عبد الملك بن مسلمة ، وأبي الأسود النضر بن عبد الجبار - كلاهما عن ابن لهيعة ، بهذا الإسناد.

وذكره السيوطي 2: 38 ، عن ابن جرير وحده.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبينفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : فمن حاجك فيه أي جادلك وخاصمك يا محمد فيه ، أي في عيسى من بعد ما جاءك من العلم بأنه عبد الله ورسوله .فقل تعالوا أي أقبلوا .

وضع لمن له جلالة ورفعة ثم صار في الاستعمال لكل داع إلى الإقبال ، وسيأتي له مزيد بيان في ( الأنعام ) .

( ندع ) في موضع جزم .

( أبناءنا ) دليل على أن أبناء البنات يسمون أبناء ; وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء بالحسن والحسين وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها وهو يقول لهم : ( إن أنا دعوت فأمنوا ) .

ثم نبتهل أي نتضرع في الدعاء ; عن ابن عباس .

أبو عبيدة والكسائي : نلتعن .

وأصل الابتهال الاجتهاد في الدعاء باللعن وغيره .

قال لبيد :في كهول سادة من قومه نظر الدهر إليهم فابتهلأي اجتهد في إهلاكهم .

يقال : بهله الله أي لعنه .

والبهل : اللعن .

والبهل : الماء القليل .

وأبهلته إذا خليته وإرادته .

وبهلته أيضا .

وحكى أبو عبيدة : بهله الله يبهله بهلة أي لعنه .

قال ابن عباس : هم أهل نجران : السيد والعاقب وابن الحارث رؤساؤهم .

فنجعل لعنة الله على الكاذبين[ ص: 99 ] الثانية : هذه الآية من أعلام نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه دعاهم إلى المباهلة فأبوا منها ورضوا بالجزية بعد أن أعلمهم كبيرهم العاقب أنهم إن باهلوه اضطرم عليهم الوادي نارا فإن محمدا نبي مرسل ، ولقد تعلمون أنه جاءكم بالفصل في أمر عيسى ; فتركوا المباهلة وانصرفوا إلى بلادهم على أن يؤدوا في كل عام ألف حلة في صفر وألف حلة في رجب فصالحهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك بدلا من الإسلام .الثالثة : قال كثير من العلماء : إن قوله عليه السلام في الحسن والحسين لما باهل ندع أبناءنا وأبناءكم وقوله في الحسن : إن ابني هذا سيد .

مخصوص بالحسن والحسين أن يسميا ابني النبي - صلى الله عليه وسلم - دون غيرهما ; لقوله عليه السلام : كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي ولهذا قال بعض أصحاب الشافعي فيمن أوصى لولد فلان ولم يكن له ولد لصلبه وله ولد ابن وولد ابنة : إن الوصية لولد الابن دون ولد الابنة ; وهو قول الشافعي .

وسيأتي لهذا مزيد بيان في " الأنعام والزخرف " إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { فمن } جادلك { وحاجك } في عيسى عليه السلام وزعم أنه فوق منزلة العبودية، بل رفعه فوق منزلته { من بعد ما جاءك من العلم } بأنه عبد الله ورسوله وبينت لمن جادلك ما عندك من الأدلة الدالة على أنه عبد أنعم الله عليه، دل على عناد من لم يتبعك في هذا العلم اليقيني، فلم يبق في مجادلته فائدة تستفيدها ولا يستفيدها هو، لأن الحق قد تبين، فجداله فيه جدال معاند مشاق لله ورسوله، قصده اتباع هواه، لا اتباع ما أنزل الله، فهذا ليس فيه حيلة، فأمر الله نبيه أن ينتقل إلى مباهلته وملاعنته، فيدعون الله ويبتهلون إليه أن يجعل لعنته وعقوبته على الكاذب من الفريقين، هو وأحب الناس إليه من الأولاد والأبناء والنساء، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فتولوا وأعرضوا ونكلوا، وعلموا أنهم إن لاعنوه رجعوا إلى أهليهم وأولادهم فلم يجدوا أهلا ولا مالا وعوجلوا بالعقوبة، فرضوا بدينهم مع جزمهم ببطلانه، وهذا غاية الفساد والعناد، فلهذا قال تعالى { فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين } فيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( فمن حاجك فيه ) أي جادلك في عيسى أو في الحق ( من بعد ما جاءك من العلم ) بأن عيسى عبد الله ورسوله ( فقل تعالوا ) وأصله تعاليوا تفاعلوا من العلو فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت ، قال الفراء : بمعنى تعال كأنه يقول : ارتفع قوله ( ندع ) جزم لجواب الأمر وعلامة الجزم سقوط الواو ( أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ) قيل : أبناءنا أراد الحسن والحسين ، ونساءنا فاطمة .

وأنفسنا عنى نفسه وعليا رضي الله عنه والعرب تسمي ابن عم الرجل نفسه ، كما قال الله تعالى : " ولا تلمزوا أنفسكم " ( 11 - الحجرات ) يريد إخوانكم وقيل هو على العموم الجماعة أهل الدين ( ثم نبتهل ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي نتضرع في الدعاء ، وقال الكلبي : نجتهد ونبالغ في الدعاء ، وقال الكسائي وأبو عبيدة : نلتعن والابتهال الالتعان يقال : عليه بهلة الله أي لعنته : ( فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) منا ومنكم في أمر عيسى ، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران ودعاهم إلى المباهلة قالوا : حتى نرجع وننظر في أمرنا ثم نأتيك غدا ، فخلا بعضهم ببعض فقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم : يا عبد المسيح ما ترى؟

قال : والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل ، والله ما لاعن قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ، ولئن فعلتم ذلك لنهلكن فإن أبيتم إلا الإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم محتضنا للحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها وهو يقول لهم : " إذا أنا دعوت فأمنوا " فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض منكم نصراني إلى يوم القيامة ، فقالوا يا أبا القاسم : قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونثبت على ديننا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم " فأبوا فقال : " فإني أنابذكم " فقالوا : ما لنا بحرب العرب طاقة ، ولكنا نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة ، ألفا في صفر وألفا في رجب ، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال : " والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارا ، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر ، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فمن حاجَّك» جادلك من النصارى «فيه من بعد ما جاءك من العلم» بأمره «فقل» لهم «تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم» فنجمعهم «ثم نبتهل» نتضرع في الدعاء «فنجعل لعنة الله على الكاذبين» بأن نقول: اللهم العن الكاذب في شأن عيسى وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم وفد نجران لذلك لما حاجُّوه به فقالوا: حتى ننظر في أمرنا ثم نأتيك فقال ذو رأيهم: لقد عرفتم نبوته وأنه ما بأهل قوم نبيا إلا هلكوا فودعوا الرجل وانصرفوا فأتوا الرسول صلى الله عليه وسلم وقد خرج معه الحسن والحسين وفاطمة وعلي وقال لهم: إذا دعوت فأمِّنوا فأبوا أن يلاعنوا وصالحوه على الجزية رواه أبو نُعَيْم، وعن ابن عباس: قال: لو خرج الذين يباهلون لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا، ورُوي: لو خرجوا لاحترقوا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فمَن جادلك -أيها الرسول- في المسيح عيسى ابن مريم من بعد ما جاءك من العلم في أمر عيسى عليه السلام، فقل لهم: تعالوا نُحْضِر أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم نتجه إلى الله بالدعاء أن يُنزل عقوبته ولعنته على الكاذبين في قولهم، المصرِّين على عنادهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

لقد لقن الله تعالى ، نبيه صلى الله عليه وسلم ، الجواب الذى يقطع لسان المجادلين بالباطل فى شأن عيسى عليه السلام ، فقال تعالى { فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم } .

.

.

إلخ .قال الفخر الرازى : اعمل أنه " سبحانه " بين أول هذه السورة وجوها من الدلائل القاطعة على فساد قول النصارى بالزوجة والولد وأتبعهما بذكر الجواب على جميع شبههم على سبيل الاستقصاء التام وختم الكلام بهذه النكتة القاطعة لفساد كلامهم وهو أنه لما لم يلزم من عدم الأب والأم البشريين لآدم أن يكون ابنا لله فكذلك لا يلزم من عدم الأب البشرى لعيسى أن يكون ابنا لله .

ولما لم يبعد خلق آدم من التراب لم يبعد أيضاً خلق عيسى من الدم الذى كان يجتمع فى رحم أم عيسى .

ومن أنصف وطلب الحق علم أن البيان قد بلغ إلى الغاية القصوى - فعند ذلك - قال سبحانه - { فَمَنْ حَآجَّكَ } بعد هذه الدلائل الواضحة والجوابات اللائحة فاقطع الكلام معهم وعاملهم بما يعامل به المعاند ، وهو أن تدعوهم إلى الملاعنة .والفاء في قوله { فَمَنْ حَآجَّكَ } للتفريع على قوله - تعالى - { الحق مِن رَّبِّكَ } .

.

وقوله { مِن } الراجح فيها أنها شرطية .

وقوله { حَآجَّكَ } من المحاجة وهى تبادل الحجة والمجادلة بين شخص وآخر .والمعنى : فمن جادلك وخاصمك " يا محمد " من أهل الكتاب " فيه " أى فى شأن عيسى - عليه السلام - بأن زعموا أنه إله أو ابن إله أو ثالث ثلاثة أو غير ذلك من الأقاويل الكاذبة في شأنه .وقوله { مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم } أى فمن جادلك فى شأن عيسى من بعد الذى أنزلناه إليك وقصصناه عليك فى أمره ، فلا تبادله المجادلة ، فإنه معاند لا يقعنه الدليل مهما كان واضحا ، ولكن قل له ولأمثاله من الضالين :{ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الله عَلَى الكاذبين } .وقوله { تَعَالَوْاْ } اسم فعل أمر لطلب القدوم .

وهو في الأصل أمر من تعالى يتعالى " كترامى يترامى " إذا قصد العلو .

فكأنهم أرادوا به فى الأصل أمرا بالصعود إلى مكان عال تشريفا للمدعو ، ثم شاع حتى صار لمطلق الأمر بالقدوم أو الحضور .وقوله { ثُمَّ نَبْتَهِلْ } أى نتباهل ونتلاعن .

فالافتعال هنا بمعنى الفاعلة أى بأن نقول : بهلة الله على الكاذب منا ومنكم .

والبهلة بفتح الباء وضمها : اللعنة .

يقال بهله الله يبهله بهلا لعنه الله وأبعده من رحمته ثم شاعت فى كل دعاء مجتهد فيه وإن لم يكن التعانا .والمعنى : فإن جادلك أهل الكتاب فى شأن عيسى من بعد أن أخبرك ربك بما هو الحق من أمره فقل لهم { تَعَالَوْاْ } أى أقبلوا أيها المجادلون إلى أمر يعرف فيه الحق من الباطل ، وهو أن ندعو نحن وأنتم الأبناء والنساء ثم نجتمع جميعا في مكان واحد ، ثم نتضرع إلى الله ونبتهل إليه بأن يجعل لعنته على الكاذبين فى دعواهم المنحرفين عن الحق فى اعتقادهم .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد لقنت النبى صلى الله عليه وسلم الجواب الحاسم الذى يخرس ألسنة المجادلين في عيسى ، ويتحداهم - إن كانوا صادقين - أن يقبلوا هذه المباهلة ، ولكنهم نكصوا على أعقابهم فثبت كذبهم وضلالهم .وهذه الآية الكريمة تسمى بآية المباهلة ، وقد ذكر العلماء أنها نزلت للرد على نصارى نجران الذين جادلوا النبى صلى الله عليه وسلم فى شأن عيسى - عليه السلام - .قال ابن كثير ما ملخصه .

وكان نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا فى وفد نصارى نجران حين قدموا المدينة فجعلوا يحاجون فى عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من النبوة والألوهية فأنزل صدر هذه السورة رداً عليهم .

.

وكانوا ستين راكبا منهم ثلاثة إليهم يؤول أمرهم وهم : العاقب أميرهم واسمه عبد المسيح ، والسيد صاحب رحلهم واسمه الأبهم ، وأبو حارث بن علقمة أسقفهم وحبرهم .

وفى القصة أن النبى صلى الله عليه وسلم لما أتاه الخبر من الله تعالى ، والفصل من القضاء بينه وبينهم ، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم .

دعاهم إلى المباهلة فقالوا : يا أبا القاسم دعنا ننظر فى أمرنا .

.

.

ثم خلوا بالعاقب فقالوا .

يا عبد المسيح ماذا ترى؟

فقال : والله يا معشر النصارى لقد عرفتم ان محمدا لنبى مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيا قط ، فبقى كبيرهم ولا نبت صغيرهم ، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم ..

فأتوا النبى صلى الله عليه وسلم .

فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ، ونرجع على ديننا ، فلم يلاعنهم صلى الله عليه وسلم وأقرهم لعى خراج يؤدونه إليه .وروى الحافظ ابن مردويه عن جابر قال : قدم على النبى صلى الله عليه وسلم العاقب والطيب فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة ، قال : فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده على وفاطمة والحسن والحسين ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج .قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " والذى بعثنى بالحق لو لاعنا لأمطر عليهم الوادى ناراً " .ثم قال : وروى البخارى عن حذيفة قال : " جاء العاقب والسيد صاحب نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه قال : فقال أحدهما لصاحبه : لا تفعل ، فوالله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا ، ثم قالا للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا .

.

فقال : " لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين " .

فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم : " قم يا أبا عبيدة بن الجراح " .

فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا أمين هذه الأمة " " .وقال صاحب الكشاف : إن قلت ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه؛ وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه فما معنى ضم الأبناء والنساء؟قلت : ذلك آكد فى الدلالة على ثقته بحاله ، واستيقانه بصدقه ، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك ، ولم يقتصر على تعريض نفسه له .

وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة .

وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب ، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل .

ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن فى الحروب لتمنعهم من الهرب .

.

.

وفى الآية دليل واضح على صحة نبوة النبى صلى الله عليه وسلم لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك؟

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الله تعالى بيّن في أول هذه السورة وجوهاً من الدلائل القاطعة على فساد قول النصارى بالزوجة والولد، وأتبعها بذكر الجواب عن جميع شبههم على سبيل الاستقصاء التام، وختم الكلام بهذه النكتة القاطعة لفساد كلامهم، وهو أنه لما لم يلزم من عدم الأب والأم البشريين لآدم عليه السلام أن يكون ابناً لله تعالى لم يلزم من عدم الأب البشري لعيسى عليه السلام أن يكون ابناً لله، تعالى الله عن ذلك ولما لم يبعد انخلاق آدم عليه السلام من التراب لم يبعد أيضاً انخلاق عيسى عليه السلام من الدم الذي كان يجتمع في رحم أم عيسى عليه السلام، ومن أنصف وطلب الحق، علم أن البيان قد بلغ إلى الغاية القصوى، فعند ذلك قال تعالى: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ ﴾ بعد هذه الدلائل الواضحة والجوابات اللائحة فاقطع الكلام معهم وعاملهم بما يعامل به المعاند، وهو أن تدعوهم إلى الملاعنة فقال: ﴿ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ﴾ إلى آخر الآية، ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: اتفق أني حين كنت بخوارزم، أخبرت أنه جاء نصراني يدعي التحقيق والتعمق في مذهبهم، فذهبت إليه وشرعنا في الحديث وقال لي: ما الدليل على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، فقلت له كما نقل إلينا ظهور الخوارق على يد موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام، نقل إلينا ظهور الخوارق على يد محمد صلى الله عليه وسلم، فإن رددنا التواتر، أو قبلناه لكن قلنا: إن المعجزة لا تدل على الصدق، فحينئذ بطلت نبوّة سائر الأنبياء عليهم السلام، وإن اعترفنا بصحة التواتر، واعترفنا بدلالة المعجزة على الصدق، ثم إنهما حاصلان في حق محمد وجب الاعتراف قطعاً بنبوّة محمد عليه السلام ضرورة أن عند الاستواء في الدليل لابد من الاستواء في حصول المدلول، فقال النصراني: أنا لا أقول في عيسى عليه السلام إنه كان نبياً بل أقول إنه كان إلها، فقلت له الكلام في النبوّة لابد وأن يكون مسبوقاً بمعرفة الإله وهذا الذي تقوله باطل ويدل عليه أن الإله عبارة عن موجود واجب الوجود لذاته، يجب أن لا يكون جسماً ولا متحيزاً ولا عرضاً وعيسى عبارة عن هذا الشخص البشري الجسماني الذي وجد بعد أن كان معدوماً وقتل بعد أن كان حياً على قولكم وكان طفلاً أولاً، ثم صار مترعرعاً، ثم صار شاباً، وكان يأكل ويشرب ويحدث وينام ويستيقظ، وقد تقرر في بداهة العقول أن المحدث لا يكون قديماً والمحتاج لا يكون غنياً والممكن لا يكون واجباً والمتغير لا يكون دائماً.

والوجه الثاني: في إبطال هذه المقالة أنكم تعترفون بأن اليهود أخذوه وصلبوه وتركوه حياً على الخشبة، وقد مزقوا ضلعه، وأنه كان يحتال في الهرب منهم، وفي الاختفاء عنهم، وحين عاملوه بتلك المعاملات أظهر الجزع الشديد، فإن كان إلها أو كان الإله حالاً فيه أو كان جزءاً من الإله حالاً فيه، فلم لم يدفعهم عن نفسه؟

ولم لم يهلكهم بالكلية؟

وأي حاجة به إلى إظهار الجزع منهم والاحتيال في الفرار منهم!

وبالله أنني لأتعجب جداً!

إن العاقل كيف يليق به أن يقول هذا القول ويعتقد صحته، فتكاد أن تكون بديهة العقل شاهدة بفساده.

والوجه الثالث: وهو أنه: إما أن يقال بأن الإله هو هذا الشخص الجسماني المشاهد، أو يقال حل الإله بكليته فيه، أو حل بعض الإله وجزء منه فيه والأقسام الثلاثة باطلة أما الأول: فلأن إله العالم لو كان هو ذلك الجسم، فحين قتله اليهود كان ذلك قولاً بأن اليهود قتلوا إله العالم، فكيف بقي العالم بعد ذلك من غير إله!

ثم إن أشد الناس ذلاً ودناءة اليهود، فالإله الذي تقتله اليهود إله في غاية العجز!

وأما الثاني: وهو أن الإله بكليته حل في هذا الجسم، فهو أيضاً فاسد، لأن الإله لم يكن جسماً ولا عرضاً امتنع حلوله في الجسم، وإن كان جسماً، فحينئذ يكون حلوله في جسم آخر عبارة عن اختلاط أجزاءه بأجزاء ذلك الجسم، وذلك يوجب وقوع التفرق في أجزاء ذلك الإله، وإن كان عرضاً كان محتاجاً إلى المحل، وكان الإله محتاجاً إلى غيره، وكل ذلك سخف، وأما الثالث: وهو أنه حل فيه بعض من أبعاض الإله، وجزء من أجزائه، فذلك أيضاً محال لأن ذلك الجزء إن كان معتبراً في الإلهية، فعند انفصاله عن الإله، وجب أن لا يبقى الإله إلها، وإن لم يكن معتبر في تحقق الإلهية، لم يكن جزأ من الإله، فثبت فساد هذه الأقسام، فكان قول النصارى باطلاً.

الوجه الرابع: في بطلان قول النصارى ما ثبت بالتواتر أن عيسى عليه السلام كان عظيم الرغبة في العبادة والطاعة لله تعالى، ولو كان إلها لاستحال ذلك، لأن الإله لا يعبد نفسه، فهذه وجوه في غاية الجلاء والظهور، دالة على فساد قولهم، ثم قلت للنصراني: وما الذي دلك على كونه إلها؟

فقال الذي دل عليه ظهور العجائب عليه من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وذلك لا يمكن حصوله إلا بقدرة الإله تعالى، فقلت له هل تسلم إنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول أم لا؟

فإن لم تسلم لزمك من نفي العالم في الأزل نفي الصانع، وإن سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، فأقول: لما جوّزت حلول الإله في بدن عيسى عليه السلام، فكيف عرفت أن الإله ما حل في بدني وبدنك وفي بدن كل حيوان ونبات وجماد؟

فقال: الفرق ظاهر، وذلك لأني إنما حكمت بذلك الحلول، لأنه ظهرت تلك الأفعال العجيبة عليه، والأفعال العجيبة ما ظهرت على يدي ولا على يدك، فعلمنا أن ذلك الحلول مفقود هاهنا، فقلت له: تبين الآن أنك ما عرفت معنى قولي إنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، وذلك لأن ظهور تلك الخوارق دالة على حلول الإله في بدن عيسى: فعدم ظهور تلك الخوارق مني ومنك ليس فيه إلا أنه لم يوجد ذلك الدليل، فإذا ثبت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول لا يلزم من عدم ظهور تلك الخوارق مني ومنك عدم الحلول في حقي وفي حقك، وفي حق الكلب والسنور والفأر ثم قلت: إن مذهباً يؤدي القول به إلى تجويز حلول ذات الله في بدن الكلب والذباب لفي غاية الخسة والركاكة.

الوجه الخامس: أن قلب العصا حية، أبعد في العقل من إعادة الميت حياً، لأن المشاكلة بين بدن الحي وبدن الميت أكثر من المشاكلة بين الخشبة وبين بدن الثعبان، فإذا لم يوجب قلب العصا حية كون موسى إلها ولا ابناً للإله، فبأن لا يدل إحياء الموتى على الإلهية كان ذلك أولى، وعند هذا انقطع النصراني ولم يبق له كلام، والله أعلم.

المسألة الثانية: روي أنه عليه السلام لما أورد الدلائل على نصارى نجران، ثم إنهم أصروا على جهلهم، فقال عليه السلام: «إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم» فقالوا: يا أبا القاسم، بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك فلما رجعوا قالوا للعاقب: وكان ذا رأيهم، يا عبد المسيح ما ترى، فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لكان الاستئصال فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وعليه مرط من شعر أسود، وكان قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي رضي الله عنه خلفها، وهو يقول، إذا دعوت فأمنوا، فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، ثم قالوا: يا أبا القاسم، رأينا أن لا نباهلك وأن نقرك على دينك فقال صلوات الله عليه: «فإذا أبيتم الباهلة فأسلموا، يكن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما على المسلمين، وعليكم ما على المسلمين»، فأبوا، فقال: «فإني أناجزكم القتال»، فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا عن ديننا، على أن نؤدي إليك في كل عام ألفي حلة: ألفا في صفر، وألفا في رجب، وثلاثين درعاً عادية من حديد، فصالحهم على ذلك، وقال: «والذي نفسي بيده، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله، حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا».

وروي أنه عليه السلام لما خرج في المرط الأسود، فجاء الحسن رضي الله عنه فأدخله، ثم جاء الحسين رضي الله عنه فأدخله ثم فاطمة، ثم علي رضي الله عنهما ثم قال: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً  ﴾ واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث.

المسألة الثالثة: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ ﴾ أي في عيسى عليه السلام، وقيل: الهاء تعود إلى الحق، في قوله: ﴿ الحق مِن رَّبّكَ  ﴾ ﴿ مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم  ﴾ بأن عيسى عبد الله ورسوله عليه السلام وليس المراد هاهنا بالعلم نفس العلم لأن العلم الذي في قلبه لا يؤثر في ذلك، بل المراد بالعلم ما ذكره بالدلائل العقلية، والدلائل الواصلة إليه بالوحي والتنزيل، فقل تعالوا: أصله تعاليوا، لأنه تفاعلوا من العلو، فاستثقلت الضمة على الياء، فسكنت، ثم حذفت لاجتماع الساكنين، وأصله العلو والارتفاع، فمعنى تعالى ارتفع، إلا أنه كثر في الاستعمال حتى صار لكل مجيء، وصار بمنزلة هلم.

المسألة الرابعة: هذه الآية دالة على أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا ابني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعد أن يدعو أبناءه، فدعا الحسن والحسين، فوجب أن يكونا ابنيه، ومما يؤكد هذا قوله تعالى في سورة الأنعام ﴿ وَمِن ذُرّيَّتِهِ دَاوُودُ وسليمان  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَزَكَرِيَّا ويحيى وعيسى  ﴾ ومعلوم أن عيسى عليه السلام إنما انتسب إلى إبراهيم عليه السلام بالأم لا بالأب، فثبت أن ابن البنت قد يسمى ابناً، والله أعلم.

المسألة الخامسة: كان في الري رجل يقال له: محمود بن الحسن الحمصي، وكان معلم الاثنى عشرية، وكان يزعم أن علياً رضي الله عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد عليه السلام، قال: والذي يدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ﴾ وليس المراد بقوله: ﴿ وَأَنفُسَنَا ﴾ نفس محمد صلى الله عليه وسلم لأن الإنسان لا يدعو نفسه بل المراد به غيره، وأجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فدلت الآية على أن نفس علي هي نفس محمد، ولا يمكن أن يكون المراد منه، أن هذه النفس هي عين تلك النفس، فالمراد أن هذه النفس مثل تلك النفس، وذلك يقتضي الاستواء في جميع الوجوه، ترك العمل بهذا العموم في حق النبوة، وفي حق الفضل لقيام الدلائل على أن محمداً عليه السلام كان نبياً وما كان علي كذلك، ولانعقاد الإجماع على أن محمداً عليه السلام كان أفضل من علي رضي الله عنه، فيبقى فيما وراءه معمولاً به، ثم الإجماع دل على أن محمداً عليه السلام كان أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء، فهذا وجه الاستدلال بظاهر هذه الآية، ثم قال: ويؤيد الاستدلال بهذه الآية، الحديث المقبول عند الموافق والمخالف، وهو قوله عليه السلام: من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحاً في طاعته، وإبراهيم في خلته، وموسى في هيبته، وعيسى في صفوته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فالحديث دل على أنه اجتمع فيه ما كان متفرقاً فيهم، وذلك يدل على أن علياً رضي الله عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وسلم، وأما سائر الشيعة فقد كانوا قديماً وحديثاً يستدلون بهذه الآية على أن علياً رضي الله عنه مثل نفس محمد عليه السلام إلا فيما خصه الدليل، وكان نفس محمد أفضل من الصحابة رضوان الله عليهم، فوجب أن يكون نفس علي أفضل أيضاً من سائر الصحابة، هذا تقدير كلام الشيعة، والجواب: أنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمداً عليه السلام أفضل من علي، فكذلك انعقد الإجماع بينهم قبل ظهور هذا الإنسان، على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي، وأجمعوا على أن علياً رضي الله عنه ما كان نبياً، فلزم القطع بأن ظاهر الآية كما أنه مخصوص في حق محمد صلى الله عليه وسلم، فكذلك مخصوص في حق سائر الأنبياء عليهم السلام.

المسألة السادسة: قوله: ﴿ ثُمَّ نَبْتَهِلْ ﴾ أي نتباهل، كما يقال اقتتل القوم وتقاتلوا واصطحبوا وتصاحبوا، والابتهال فيه وجهان: أحدهما: أن الابتهال هو الاجتهاد في الدعاء، وإن لم يكن باللعن، ولا يقال: ابتهل في الدعاء إلا إذا كان هناك اجتهاد والثاني: أنه مأخوذ من قولهم عليه بهلة الله، أي لعنته وأصله مأخوذ مما يرجع إلى معنى اللعن، لأن معنى اللعن هو الإبعاد والطرد وبهله الله، أي لعنه وأبعده من رحمته من قولك أبهله إذا أهمله وناقة باهل لا صرار عليها، بل هي مرسلة مخلاة، كالرجل الطريد المنفي، وتحقيق معنى الكلمة: أن البهل إذا كان هو الإرسال والتخلية فكان من بهله الله فقد خلاه الله ووكله إلى نفسه ومن وكله إلى نفسه فهو هالك لا شك فيه فمن باهل إنساناً، فقال: علي بهلة الله إن كان كذا، يقول: وكلني الله إلى نفسي، وفرضني إلى حولي وقوتي، أي من كلاءته وحفظه، كالناقة الباهل التي لا حافظ لها في ضرعها، فكل من شاء حلبها وأخذ لبنها لا قوة لها في الدفع عن نفسها، ويقال أيضاً: رجل باهل، إذا لم يكن معه عصاً، وإنما معناه أنه ليس معه ما يدفع عن نفسه، والقول الأول أولى، لأنه يكون قوله: ﴿ ثُمَّ نَبْتَهِلْ ﴾ أي ثم نجتهد في الدعاء، ونجعل اللعنة على الكاذب وعلى القول الثاني يصير التقدير: ثم نبتهل، أي ثم نلتعن ﴿ فَنَجْعَل لَّعْنَتُ الله عَلَى الكاذبين ﴾ وهي تكرار، بقي في الآية سؤالات أربع.

السؤال الأول: الأولاد إذا كانوا صغاراً لم يجز نزول العذاب بهم وقد ورد في الخبر أنه صلوات الله عليه أدخل في المباهلة الحسن والحسين عليهما السلام فما الفائدة فيه؟.

والجواب: إن عادة الله تعالى جارية بأن عقوبة الاستئصال إذا نزلت بقوم هلكت معهم الأولاد والنساء، فيكون ذلك في حق البالغين عقاباً، وفي حق الصبيان لا يكون عقاباً، بل يكون جارياً مجرى إماتتهم وإيصال الآلام والأسقام إليهم ومعلوم أن شفقة الإنسان على أولاده وأهله شديدة جداً فربما جعل الإنسان نفسه فداءً لهم وجنة لهم، وإذا كان كذلك فهو عليه السلام أحضر صبيانه ونساءه مع نفسه وأمرهم بأن يفعلوا مثل ذلك ليكون ذلك أبلغ في الزجر وأقوى في تخويف الخصم، وأدل على وثوقه صلوات الله عليه وعلى آله بأن الحق معه.

السؤال الثاني: هل دلت هذه الواقعة على صحة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم؟.

الجواب: أنها دلّت على صحة نبوته عليه السلام من وجهين: أحدهما: وهو أنه عليه السلام خوفهم بنزول العذاب عليهم، ولو لم يكن واثقاً بذلك، لكان ذلك منه سعياً في إظهار كذب نفسه لأن بتقدير: أن يرغبوا في مباهلته، ثم لا ينزل العذاب، فحينئذ كان يظهر كذبه فيما أخبر ومعلوم أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان من أعقل الناس، فلا يليق به أن يعمل عملاً يفضي إلى ظهور كذبه فلما أصر على ذلك علمنا أنه إنما أصر عليه لكونه واثقاً بنزول العذاب عليهم وثانيهما: إن القوم لما تركوا مباهلته، فلولا أنهم عرفوا من التوراة والإنجيل ما يدل على نبوته، وإلا لما أحجموا عن مباهلته.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنهم كانوا شاكين، فتركوا مباهلته خوفاً من أن يكون صادقاً فينزل بهم ما ذكر من العذاب؟.

قلنا هذا مدفوع من وجهين: الأول: أن القوم كانوا يبذلونه النفوس والأموال في المنازعة مع الرسول عليه الصلاة والسلام، ولو كانوا شاكين لما فعلوا ذلك الثاني: أنه قد نقل عن أولئك النصارى أنهم قالوا: إنه والله هو النبي المبشر به في التوراة والإنجيل، وإنكم لو باهلتموه لحصل الاستئصال فكان ذلك تصريحاً منهم بأن الامتناع عن المباهلة كان لأجل علمهم بأنه نبي مرسل من عند الله تعالى.

السؤال الثالث: أليس إن بعض الكفار اشتغلوا بالمباهلة مع محمد صلى الله عليه وسلم؟

حيث قالوا: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء  ﴾ ثم إنه لم ينزل العذاب بهم ألبتة، فكذا هاهنا، وأيضاً فبتقدير نزول العذاب، كان ذلك مناقضاً لقوله: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ  ﴾ .

والجواب: الخاص مقدم على العام، فلما أخبر عليه السلام بنزول العذاب في هذه السورة على التعيين وجب أن يعتقد أن الأمر كذلك.

السؤال الرابع: قوله: ﴿ إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق ﴾ هل هو متصل بما قبله أم لا؟.

والجواب: قال أبو مسلم: إنه متصل بما قبله ولا يجوز الوقف على قوله: ﴿ الكاذبين ﴾ وتقدير الآية فنجعل لعنة الله على الكاذبين بأن هذا هو القصص الحق وعلى هذا التقدير كان حق ﴿ إن ﴾ أن تكون مفتوحة، إلا أنها كسرت لدخول اللام في قوله: ﴿ لَهُوَ ﴾ كما في قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ  ﴾ وقال الباقون: الكلام تم عند قوله: ﴿ عَلَى الكاذبين ﴾ وما بعده جملة أخرى مستقلة غير متعلقة بما قبلها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ ﴾ من النصارى ﴿ فِيهِ ﴾ في عيسى ﴿ مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم ﴾ أي من البينات الموجبة للعلم ﴿ تَعَالَوْاْ ﴾ هلموا.

والمراد المجيء بالرأي والعزم، كما تقول تعالَ نفكر في هذه المسألة ﴿ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ ﴾ أي يدع كل مني ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة ﴿ ثُمَّ نَبْتَهِلْ ﴾ ثم نتباهل بأن نقول بهلة الله على الكاذب منا ومنكم.

والبهلة بالفتح، والضم: اللعنة.

وبهله الله لعنه وأبعده من رحمته من قولك (أبهله) إذا أهمله.

وناقة باهل: لاصرار عليها وأصل الابتهال هذا، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعانا.

وروي: «أنهم لما دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر، فلما تخالوا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح، ما ترى؟

فقال والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمداً نبيٌّ مرسل، وقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكنّ فإن أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غداً محتضنا الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي وعليٌّ خلفها وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمّنوا، فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إني لأرى وجوها لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك وأن نقرّك على دينك ونثبت على ديننا قال: فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم فأبوا.

قال: فإني أناجزكم.

فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا ترددنا عن ديننا على أنّ نؤدي إليك كل عام ألفي حلة: ألف في صفر، وألف في رجب، وثلاثين درعاً عادية من حديد.

فصالحهم على ذلك وقال: والذي نفسي بيده، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا» .

وعن عائشة رضي الله عنها: «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وعليه مرط مرجل من شعر أسود.

فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم علي، ثم قال: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت ﴾ [الأحزاب: 33] » .

فإن قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟

قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة.

وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل.

ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب، ويسمون الذادة عنها بأرواحهم حماة الحقائق.

وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها.

وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام.

وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَمَن حاجَّكَ ﴾ مِنَ النَّصارى.

﴿ فِيهِ ﴾ في عِيسى.

﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ﴾ أيْ مِنَ البَيِّناتِ المُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ.

﴿ فَقُلْ تَعالَوْا ﴾ هَلُمُّوا بِالرَّأْيِ والعَزْمِ.

﴿ نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ ﴾ أيْ يَدْعُ كُلٌّ مِنّا ومِنكم نَفْسَهُ وأعِزَّةَ أهْلِهِ وألْصَقَهم بِقَلْبِهِ إلى المُباهَلَةِ ويَحْمِلُ عَلَيْها، وإنَّما قَدَّمَهم عَلى الأنْفُسِ لِأنَّ الرَّجُلَ يُخاطِرُ بِنَفْسِهِ لَهم ويُحارِبُ دُونَهم.

﴿ ثُمَّ نَبْتَهِلْ ﴾ أيْ نَتَباهَلْ بِأنْ نَلْعَنَ الكاذِبَ مِنّا.

والبَهْلَةُ بِالضَّمِّ والفَتْحِ اللَّعْنَةُ وأصْلُهُ التَّرْكُ مِن قَوْلِهِمْ بَهَلْتُ النّاقَةَ إذا تَرَكْتَها بِلا صِرارٍ.

﴿ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ ﴾ عَطْفٌ فِيهِ بَيانٌ.

رُوِيَ «أنَّهم لَمّا دُعُوا إلى المُباهَلَةِ قالُوا حَتّى نَنْظُرَ فَلَمّا تَخالَوْا قالُوا لِلْعاقِبِ وكانَ ذا رَأْيِهِمْ: ما تَرى؟

فَقالَ: واللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ نُبُوَّتَهُ، ولَقَدْ جاءَكم بِالفَصْلِ في أمْرِ صاحِبِكم واللَّهِ ما باهَلَ قَوْمٌ نَبِيًّا إلّا هَلَكُوا، فَإنْ أبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكم فَوادِعُوا الرَّجُلَ وانْصَرِفُوا، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  وقَدْ غَدا مُحْتَضِنًا الحُسَيْنَ آخِذًا بِيَدِ الحَسَنِ وفاطِمَةُ تَمْشِي خَلْفَهُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَلْفَها وهو يَقُولُ: إذا أنا دَعَوْتُ فَأمِّنُوا، فَقالَ أُسْقُفُهم يا مَعْشَرَ النَّصارى إنِّي لَأرى وُجُوهًا لَوْ سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ جَبَلًا مِن مَكانِهِ لَأزالَهُ فَلا تُباهِلُوا فَتَهْلِكُوا، فَأذْعَنُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  وبَذَلُوا لَهُ الجِزْيَةَ ألْفَيْ حُلَّةٍ حَمْراءَ وثَلاثِينَ دِرْعًا مِن حَدِيدٍ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَباهَلُوا لَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ولاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الوادِي نارًا، ولاسْتَأْصَلَ اللَّهُ نَجْرانَ وأهْلَهُ حَتّى الطَّيْرَ عَلى الشَّجَرِ.» وهو دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ وفَضْلِ مَن أتى بِهِمْ مِن أهْلِ بَيْتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَمَنْ حَاجَّكَ} من النصارى {فِيهِ} في عيسى {مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم} من البينات الموجبة للعلم وما بمعنى الذى {فقل تعالوا} هلموا والمراد المجئ بالعزم والرأى كما تقول تعال لنفكر في هذه المسألة

{نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ} أي يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} ثم نتباهل بأن نقول بهلة الله على الكاذب منا ومنكم والبهلة بالفتح والضم اللعنة وبهله الله لعنه وأبعده من رحمته وأصل الابتهال هذا ثم يستعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعاناً وروى أنه عليه السلام لما دعاهم إلى المباهلة قالوا حتى ننظر فقال

آل عمران (٦١ _ ٦٤)

العاقب وكان ذا رأيهم والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أمحمدا نبي مرسل وما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لنهلكن فإن أبيتم إلا إلف دينكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا محتضنا للحسين آخذا بيدالحسن وفاطمة تمشى خلقه وعليّ خلفها وهو يقول إذا أنا دعوت فأمنوا فقال أسقف نجران يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكو ولا يبقى عل وجه الأرض نصراني فقالوا يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك فصالحهم النبي على ألف حلة كل سنة فقال عليه السلام والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولولا عنوا لمسخوا قردة وخنازير وإنما ضم الأبناء والنساء وإن كانت المباهلة مختصة وبمن يكاذبه لأن ذلك آكدا في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده لذلك ولم يقتصر على تعريض نفسه له وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته إن تمت المباهلة وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على قرب مكانهم ومنزلتهم وفيه دليل واضح على صحة نبوة النبى صلى الله عليه وسلم لأنه لم

يرو أحد من موافق أو مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك {فنجعل لعنة الله عَلَى الكاذبين} منا ومنكم في شأن عيسى ونبتهل ونجعل معطوفان على ندع

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَمَن حاجَّكَ ﴾ أيْ جادَلَكَ وخاصَمَكَ مِن وفْدِ نَصارى نَجْرانَ إذْ هُمُ المُتَصَدُّونَ لِذَلِكَ (فِيهِ) أيْ في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ المُحَدِّثُ عَنْهُ وصاحِبُ القِصَّةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْحَقِّ المُتَقَدِّمِ لِقُرْبِهِ وعَدَمِ بُعْدِ المَعْنى ﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ ﴾ أيِ الآياتِ المُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ، وإطْلاقُ العِلْمِ عَلَيْها إمّا حَقِيقَةٌ لِأنَّها كَما قِيلَ: نَوْعٌ مِنهُ، وإمّا مَجازٌ مُرْسَلٌ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ ذِكْرُ المُحاجَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأدِلَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ الأخِيرُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ جاءَكَ ﴾ الرّاجِعِ إلى (ما) المَوْصُولَةِ، و(مِن) مِن ذَلِكَ تَبْعِيضِيَّةٌ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ.

(فَقُلْ) أيْ لِمَن حاجَّكَ ﴿ تَعالَوْا ﴾ أيْ أقْبِلُوا بِالرَّأْيِ والعَزِيمَةِ، وأصْلُهُ طَلَبُ الإقْبالِ إلى مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ في مُجَرَّدِ طَلَبِ المَجِيءِ ﴿ نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ ﴾ أيْ يَدْعُ كُلٌّ مِنّا ومِنكم أبْناءَهُ ونِساءَهُ ونَفْسَهُ لِلْمُباهَلَةِ، وفي تَقْدِيمِ مَن قُدِّمَ عَلى النَّفْسِ في المُباهَلَةِ مَعَ أنَّها مِن مَظانِّ التَّلَفِ والرَّجُلُ يُخاطِرُ لَهم بِنَفْسِهِ إيذانًا بِكَمالِ أمْنِهِ  وكَمالِ يَقِينِهِ في إحاطَةِ حَفْظِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، ولِذَلِكَ -مَعَ رِعايَةِ الأصْلِ في الصِّيغَةِ فَإنَّ غَيْرَ المُتَكَلِّمِ تَبَعٌ لَهُ في الإسْنادِ- قَدَّمَ  جانِبَهُ عَلى جانِبِ المُخاطَبِينَ.

﴿ ثُمَّ نَبْتَهِلْ ﴾ أيْ نَتَباهَلْ، فالِافْتِعالُ هُنا بِمَعْنى المُفاعَلَةِ، وافْتَعَلَ وتَفاعَلَ أخَوانِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ كاشْتَوَرَ وتَشاوَرَ، واجْتَوَرَ وتَجاوَرَ، والأصْلُ في البُهْلَةِ بِالضَّمِّ والفَتْحِ فِيهِ كَما قِيلَ اللَّعْنَةُ، والدُّعاءُ بِها، ثُمَّ شاعَتْ في مُطْلَقِ الدُّعاءِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَبْتَهِلُ إلى اللَّهِ تَعالى في حاجَتِهِ، وقالَ الرّاغِبُ: بَهْلُ الشَّيْءِ والبَعِيرِ إهْمالُهُ وتَخْلِيَتُهُ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ في الِاسْتِرْسالِ في الدُّعاءِ سَواءٌ كانَ لَعْنًا أوْ لا، إلّا أنَّهُ هُنا يُفَسَّرُ بِاللَّعْنِ لِأنَّهُ المُرادُ الواقِعُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ  ﴾ أيْ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (نَبْتَهِلْ) مُفَسِّرٌ لِلْمُرادِ مِنهُ، أيْ نَقُولُ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ، أوِ اللَّهُمَّ اِلْعَنِ الكاذِبِينَ.

أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ: «”أنَّ العاقِبَ والسَّيِّدَ أتَيا رَسُولَ اللَّهِ  فَأرادَ أنْ يُلاعِنَهُما فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: لا تُلاعِنْهُ فَواَللَّهِ لَئِنْ كانَ نَبِيًّا فَلاعَنَنا لا نُفْلِحُ نَحْنُ ولا عَقْبُنا مِن بَعْدِنا، فَقالُوا لَهُ: نُعْطِيكَ ما سَألْتَ فابْعَثْ مَعَنا رَجُلًا أمِينًا، فَقالَ: قُمْ يا أبا عُبَيْدَةَ، فَلَمّا قامَ قالَ هَذا أمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ“».

وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في «اَلدَّلائِلِ» مِن طَرِيقِ عَطاءٍ والضَّحّاكِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: ««أنَّ ثَمانِيَةً مِن أساقِفَةِ أهْلِ نَجْرانَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  مِنهُمُ العاقِبُ والسَّيِّدُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ قُلْ تَعالَوْا ﴾ الآيَةَ، فَقالُوا: أخِّرْنا ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَذَهَبُوا إلى بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فاسْتَشارُوهُمْ، فَأشارُوا عَلَيْهِمْ أنْ يُصالِحُوهُ ولا يُلاعِنُوهُ، وقالُوا: هو النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ في التَّوْراةِ فَصالَحُوا النَّبِيَّ  عَلى ألْفِ حُلَّةٍ في صَفَرَ وألْفٍ في رَجَبَ ودَراهِمَ»،» ورُوِيَ أنَّهم صالَحُوهُ عَلى أنْ يُعْطُوهُ في كُلِّ عامٍ ألْفَيْ حُلَّةٍ وثَلاثًا وثَلاثِينَ دِرْعًا وثَلاثَةً وثَلاثِينَ بَعِيرًا وأرْبَعًا وثَلاثِينَ فَرَسًا.

وأخْرَجَ في «اَلدَّلائِلِ» أيْضًا مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: ««أنَّ وفْدَ نَجْرانَ مِنَ النَّصارى قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  وهم أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ مِنهُمُ السَّيِّدُ وهو الكَبِيرُ والعاقِبُ وهو الَّذِي يَكُونُ بَعْدَهُ وصاحِبُ رَأْيِهِمْ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : أسْلِما، قالا: أسْلَمْنا، قالَ: ما أسْلَمْتُما، قالا: بَلى قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ، قالَ: كَذَبْتُما يَمْنَعُكُما مِنَ الإسْلامِ ثَلاثٌ فِيكُما؛ عِبادَتُكُما الصَّلِيبَ، وأكْلُكُما الخِنْزِيرَ، وزَعْمُكُما أنَّ لِلَّهِ ولَدًا، ونَزَلَ ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى ﴾ الآيَةَ، فَلَمّا قَرَأها عَلَيْهِمْ، قالُوا: ما نَعْرِفُ ما تَقُولُ، ونَزَلَ ﴿ فَمَن حاجَّكَ ﴾ الآيَةَ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ  : إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أمَرَنِي إنْ لَمْ تَقْبَلُوا هَذا أنْ أُباهِلَكُمْ، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ بَلْ نَرْجِعُ فَنَنْظُرُ في أمْرِنا ثُمَّ نَأْتِيكَ، فَخَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ وتَصادَقُوا فِيما بَيْنَهُمْ، قالَ السَّيِّدُ لِلْعاقِبِ: قَدْ واَللَّهِ عَلِمْتُمْ أنَّ الرَّجُلَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولَئِنْ لاعَنْتُمُوهُ أنَّهُ لِاسْتِئْصالِكُمْ، وما لاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ، فَبَقِيَ كَبِيرُهم ولا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، فَإنْ أنْتُمْ لَنْ تَتْبَعُوهُ وأبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكم فَوادِعُوهُ وارْجِعُوا إلى بِلادِكم وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ  خَرَجَ ومَعَهُ عَلِيٌّ والحَسَنُ والحُسَيْنُ وفاطِمَةُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : إنْ أنا دَعَوْتُ فَأمِّنُوا أنْتُمْ، فَأبَوْا أنْ يُلاعِنُوهُ، وصالَحُوهُ عَلى الجِزْيَةِ»».

وعَنِ الشَّعْبِيِّ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «”لَقَدْ أتانِي البَشِيرُ بِهَلَكَةِ أهْلِ نَجْرانَ حَتّى الطَّيْرُ عَلى الشَّجَرِ لَوْ تَمُّوا عَلى المُلاعَنَةِ“،» وعَنْ جابِرٍ: «”واَلَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لَوْ فَعَلا لَأمْطَرَ الوادِي عَلَيْهِما نارًا“،» ورُوِيَ «أنَّ أُسْقُفَ نَجْرانَ «لَما رَأى رَسُولَ اللَّهِ  مُقْبِلًا ومَعَهُ عَلِيٌّ وفاطِمَةُ والحَسَنانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، قالَ: يا مَعْشَرَ النَّصارى: إنِّي لَأرى وُجُوهًا لَوْ سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ جَبَلًا مِن مَكانِهِ لَأزالَهُ فَلا تُباهِلُوا وتَهْلَكُوا»».

هَذا وإنَّما ضَمَّ رَسُولُ اللَّهِ  إلى النَّفْسِ الأبْناءَ والنِّساءَ مَعَ أنَّ القَصْدَ مِنَ المُباهَلَةِ تَبَيُّنُ الصّادِقِ مِنَ الكاذِبِ وهو يَخْتَصُّ بِهِ وبِمَن يُباهِلُهُ لِأنَّ ذَلِكَ أتَمَّ في الدَّلالَةِ عَلى ثِقَتِهِ بِحالِهِ واسْتِيقانِهِ بِصِدْقِهِ، وأكْمَلَ نِكايَةً بِالعَدُوِّ وأوْفَرَ إضْرارًا بِهِ لَوْ تَمَّتِ المُباهَلَةُ.

وفِي هَذِهِ القِصَّةِ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى نُبُوَّتِهِ  وإلّا لَما اِمْتَنَعُوا عَنْ مُباهَلَتِهِ، ودَلالَتُها عَلى فَضْلِ آلِ اللَّهِ ورَسُولِهِ  مِمّا لا يَمْتَرِي فِيها مُؤْمِنٌ، والنَّصْبُ جازِمُ الإيمانِ.

واسْتَدَلَّ بِها الشِّيعَةُ عَلى أوْلَوِيَّةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِالخِلافَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ  بِناءً عَلى رِوايَةِ مَجِيءِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  ، ووَجْهِ أنَّ المُرادَ حِينَئِذٍ بِأبْنائِنا الحَسَنُ والحُسَيْنُ وبِنِسائِنا فاطِمَةُ وبِأنْفُسِنا الأمِيرُ وإذا صارَ نَفْسَ الرَّسُولِ، وظاهِرٌ أنَّ المَعْنى الحَقِيقِيَّ مُسْتَحِيلٌ تَعَيُّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المُساواةَ، ومَن كانَ مُساوِيًا لِلنَّبِيِّ  فَهو أفْضَلُ وأوْلى بِالتَّصَرُّفِ مِن غَيْرِهِ، ولا مَعْنى لِلْخَلِيفَةِ إلّا ذَلِكَ.

وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ، أمّا أوَّلًا: فَبِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ بِأنْفُسِنا الأمِيرُ، بَلِ المُرادُ نَفْسُهُ الشَّرِيفَةُ  ، ويُجْعَلُ الأمِيرُ داخِلًا في الأبْناءِ، وفي العُرْفِ يُعَدُّ الخَتَنُ اِبْنًا مِن غَيْرِ رِيبَةٍ، ويُلْتَزَمُ عُمُومُ المَجازِ إنْ قُلْنا: إنَّ إطْلاقَ الِابْنِ عَلى اِبْنِ البِنْتِ حَقِيقَةٌ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ مُجازٌ لَمْ يُحْتَجْ إلى القَوْلِ بِعُمُومِهِ، وكانَ إطْلاقُهُ عَلى الأمِيرِ وابْنَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى حَدٍّ سَواءٍ في المَجازِيَّةِ، وقَوْلُ الطَّبَرْسِيِّ وغَيْرِهِ مِن عُلَمائِهِمْ إنَّ إرادَةَ نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ  مِن ”أنْفُسَنا“ لا تَجُوزُ لِوُجُودِ (نَدْعُ) والشَّخْصُ لا يَدْعُو نَفْسَهُ هَذَيانًا مِنَ القَوْلِ، إذْ قَدْ شاعَ وذاعَ في القَدِيمِ والحَدِيثِ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلى كَذا، ودَعَوْتُ نَفْسِي إلى كَذا، وطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ، وأمَرْتُ نَفْسِي وشاوَرْتُها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِعْمالاتِ الصَّحِيحَةِ الواقِعَةِ في كَلامِ البُلَغاءِ، فَيَكُونُ حاصِلُ (نَدْعُ أنْفُسَنا) نُحْضِرُ أنْفُسَنا، وأيُّ مَحْذُورٍ في ذَلِكَ عَلى أنّا لَوْ قَرَّرْنا الأمِيرَ مِن قِبَلِ النَّبِيِّ  لَمِصْداقُ أنْفُسِنا فَمَن نُقَرِّرُهُ مِن قِبَلِ الكُفّارِ مَعَ أنَّهم مُشْتَرِكُونَ في صِيغَةِ (نَدْعُ) إذْ لا مَعْنى لِدَعْوَةِ النَّبِيِّ  إيّاهم وأبْناءَهم ونِساءَهم بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ تَعالَوْا ﴾ كَما لا يَخْفى.

وأمّا ثانِيًا: فَبِأنّا لَوْ سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ بِأنْفُسِنا الأمِيرُ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ مِنَ النَّفْسِ ذاتُ الشَّخْصِ إذْ قَدْ جاءَ لَفْظُ النَّفْسِ بِمَعْنى القَرِيبِ والشَّرِيكِ في الدِّينِ والمِلَّةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ ﴾ ، ﴿ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ ، ﴿ لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا ﴾ فَلَعَلَّهُ لَمّا كانَ لِلْأمِيرِ اِتِّصالٌ بِالنَّبِيِّ  في النَّسَبِ والمُصاهَرَةِ واتِّحادٌ في الدِّينِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالنَّفْسِ، وحِينَئِذٍ لا تَلْزَمُ المُساواةُ الَّتِي هي عِمادُ اِسْتِدْلالِهِمْ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مُساواتَهُ في جَمِيعِ الصِّفاتِ يَلْزَمُ الِاشْتِراكُ في النُّبُوَّةِ والخاتَمِيَّةِ والبَعْثَةِ إلى كافَّةِ الخَلْقِ ونَحْوُ ذَلِكَ، وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ لِأنَّ التّابِعَ دُونَ المَتْبُوعِ، ولَوْ كانَ المُرادُ المُساواةَ في البَعْضِ لَمْ يَحْصُلِ الغَرَضُ لِأنَّ المُساواةَ في بَعْضِ صِفاتِ الأفْضَلِ والأوْلى بِالتَّصَرُّفِ لا تَجْعَلُ مَن هي لَهُ أفْضَلُ وأوْلى بِالتَّصَرُّفِ بِالضَّرُورَةِ، وأمّا ثالِثًا: فَبِأنَّ ذَلِكَ لَوْ دَلَّ عَلى خِلافَةِ الأمِيرِ كَما زَعَمُوا لَزِمَ كَوْنُ الأمِيرِ إمامًا في زَمَنِهِ  وهو باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ وإنْ قُيِّدَ بِوَقْتٍ دُونَ وقْتٍ فَمَعَ أنَّ التَّقْيِيدَ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ في اللَّفْظِ لا يَكُونُ مُفِيدًا لِلْمُدَّعى إذْ هو غَيْرُ مُتَنازَعٍ فِيهِ، لِأنَّ أهْلَ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ إمامَتَهُ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، فَلَمْ يَكُنْ هَذا الدَّلِيلُ قائِمًا في مَحَلِّ النِّزاعِ، ولِضَعْفِ الِاسْتِدْلالِ بِهِ في هَذا المَطْلَبِ، بَلْ عَدَمُ صِحَّتِهِ كالِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى أفْضَلِيَّةِ الأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِزَعْمِ ثُبُوتِ مُساواتِهِ لِلْأفْضَلِ مِنهم فِيهِ لَمْ يُقِمْهُ مُحَقِّقُو الشِّيعَةِ عَلى أكْثَرَ مِن دَعْوى كَوْنِ الأمِيرِ والبَتُولِ والحُسَيْنِ أعِزَّةً عَلى رَسُولِ اللَّهِ  كَما صَنَعَ عَبْدُ اللَّهِ المُشْهِدِيُّ في كِتابِهِ «إظْهارُ الحَقِّ» .

وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ واَلتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍّ، قالَ: «”لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ ﴾ الخ، دَعا رَسُولُ اللَّهِ  عَلِيًّا وفاطِمَةَ وحَسَنًا وحُسَيْنًا فَقالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلِي“،» وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن دُعائِهِ  هَؤُلاءِ الأرْبَعَةَ المُتَناسِبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم هو المَشْهُورُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ لَدى المُحْدَثِينَ، وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: ««أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ جاءَ بِأبِي بَكْرٍ ووَلَدِهِ وبِعُمَرَ ووَلَدِهِ وبِعُثْمانَ ووَلَدِهِ وبِعَلِيٍّ ووَلَدِهِ»،» وهَذا خِلافُ ما رَواهُ الجُمْهُورُ.

واسْتَدَلَّ اِبْنُ أبِي عِلّانَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ القِصَّةِ أيْضًا عَلى أنَّ الحَسَنَيْنِ كانا مُكُلَّفَيْنِ في تِلْكَ الحالِ لِأنَّ المُباهَلَةَ لا تَجُوزُ إلّا مَعَ البالِغِينَ، وذَهَبَ الإمامِيَّةُ إلى أنَّها يُشْتَرَطُ فِيها كَمالُ العَقْلِ والتَّمْيِيزُ، وحُصُولُ ذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى البُلُوغِ فَقَدْ يَحْصُلُ كَمالٌ قَبْلَهُ رُبَّما يَزِيدُ عَلى كَمالِ البالِغِينَ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الحَسَنانِ إذْ ذاكَ غَيْرَ بالِغَيْنِ إلّا أنَّهُما في سِنٍّ لا يَمْتَنِعُ مَعَها أنْ يَكُونا كامِلَيِ العَقْلِ، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَخْرُقَ اللَّهُ تَعالى العاداتِ لِأُولَئِكَ السّاداتِ ويَخُصَّهم بِما لا يُشارِكُهم فِيهِ غَيْرُهُمْ، فَلَوْ صَحَّ أنَّ كَمالَ العَقْلِ غَيْرُ مُعْتادٍ في تِلْكَ السِّنِّ لَجازَ ذَلِكَ فِيهِمْ إبانَةً لَهم عَمَّنْ سِواهم ودَلالَةً عَلى مَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى واخْتِصاصِهِمْ بِهِ، وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ لا تُحْصى خَصائِصُهم.

وذَهَبَ النَّواصِبُ إلى أنَّ المُباهَلَةَ جائِزَةٌ لِإظْهارِ الحَقِّ إلى اليَوْمِ إلّا أنَّهُ يُمْنَعُ فِيها أنْ يَحْضُرَ الأوْلادُ والنِّساءُ، وزَعَمُوا -رَفَعَهُمِ اللَّهُ تَعالى لا قَدْرًا وحَطَّهم ولا حَطَّ عَنْهم وِزْرًا- أنَّ ما وقَعَ مِنهُ  كانَ لِمُجَرَّدِ إلْزامِ الخِصْمِ وتَبْكِيتِهِ، وأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى فَضْلِ أُولَئِكَ الكِرامِ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الزَّعْمَ ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ، وأثَرٌ مِن مَسِّ الشَّيْطانِ.

ولَيْسَ يَصِحُّ في الأذْهانِ شَيْءٌ إذا اِحْتاجَ النَّهارُ إلى دَلِيلٍ ومَن ذَهَبَ إلى جَوازِ المُباهَلَةِ اليَوْمَ عَلى طُرُزِ ما صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ  اِسْتَدَلَّ بِما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ اِبْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ آخَرَ شَيْءٌ فَدَعاهُ إلى المُباهَلَةِ، وقَرَأ الآيَةَ ورَفَعَ يَدَيْهِ فاسْتَقْبَلَ الرُّكْنَ وكَأنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى كَيْفِيَّةِ الِابْتِهالِ وأنَّ الأيْدِيَ تُرْفَعُ فِيهِ، وفِيما أخْرَجَهُ الحاكِمُ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ وأنَّها تُرْفَعُ حَذْوَ المَناكِبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ يعني خبر عيسى، كما أخبرتك وأنبأتك في القرآن فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي من الشاكين.

ويقال: المثل الذي ذكر في عيسى، هُوَ الحق مِن رَّبّكَ، وهذا الخطاب للنبيّ  ، والمراد منه جميع من اتبعه، ومعناه فلا تكونوا من الممترين، أي من المشركين، يعني أن مثله كمثل آدم- عليهما السلام- فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ وذلك أن النصارى لما أخبرهم بالمثل في حق عيسى-  - قالوا ليس كما تقول، وهذا ليس بمثل، فنزلت هذه الآية فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ يعني خاصمك في أمر عيسى-  - مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي من البيان في أمره فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ أي نخرج أبناءنا وأبناءكم وَنخرج نِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ يعني نحن بأنفسنا، ويقال: إخواننا ونجتمع في موضع ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي نلتعن.

وقال مقاتل: يعني نخلص في الدعاء.

ويقال: هي المبالغة في الدعاء والتضرع فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ فواعدهم رسول الله  بأن يخرجوا للملاعنة، فجعلوا وقتاً للخروج، وتفرقوا على ذلك، ثم ندموا، فلما كان ذلك اليوم خرج رسول الله  ، وأخذ بيد الحسن والحسين، وخرج معه علي بن أبي طالب، وفاطمة، فلما اجتمعوا في الموضع الذي واعدهم، طلب منهم الملاعنة، فقالوا نعوذ بالله، فقال لهم: «إِمَّا أَنْ تُلْعَنُوا، وَإِمَّا أَنْ تُسْلِمُوا، وَإِمَّا أَنْ تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ» ، فقبلوا الجزية، وصالحوه بأن يؤدوا كل سنة ألفي حلة، ألف حلة في المُحَرَّم، وألف حلة في رجب، وأَمَّرَ عليهم أبا عبيدة بن الجراح، ورجعوا، فقال النبيّ  : «لَوْ أَنَّهُمُ الْتَعَنُوا لَهَلَكُوا كُلُّهُمْ حَتَّى العَصَافِيرُ فِي سقوف الحيطان» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : فقول ابن عباس: هي وفاةُ مَوْتٍ لا بدَّ أنْ يتمِّم إما على قول وهْبِ بن مُنَبِّهٍ، وإما على قول الفَرَّاء.

وقوله تعالى: وَرافِعُكَ إِلَيَّ عبارةٌ عَنْ نَقْلِهِ من سُفْلٍ إلى عُلْو، وإضافه اللَّه سبحانه إضافةُ تشريفٍ، وإلا فمعلومٌ أنه سبحانه غَيْرُ متحيِّزٍ في جهةٍ، وَمُطَهِّرُكَ، أي: مِنْ:

دعاوى الكَفَرَةِ ومعاشَرَتِهِمْ.

وقوله: وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ ...

الآية: قال جمهورُ المفسِّرين بعموم اللفظ/ في المتّبعين، فتدخل في ذلك أمة محمّد صلّى الله عليه وسلّم لأنها مُتَّبِعَةٌ لعيسى قاله قتادة وغيره «٢» وكذلك قالوا بعموم اللفظِ في الكَافِرِينَ، فمقتضَى الآيَةِ إعلامُ عيسى- عليه السلام- أنَّ أهْلَ الإيمانِ به، كما يجب، هم فوق الذين كَفَرُوا بالحُجَّة، والبُرْهَان، والعِزِّ والغَلَبَةِ، ويظْهَرُ منْ عبارة ابن جُرَيْج وغيره أنَّ المراد المتبعون لَهُ في وقْتِ استنصاره، وهم الحواريُّون «٣» .

وقوله تعالى: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ خَطَابٌ لعيسى، والمرادُ: الإخبار بالقيامة، والحَشْرِ، وباقي الآيةِ بيِّن، وتوفيةُ الأجور هي قَسْم المَنَازِلِ في الجَنَّة، فذلك هو بحَسَب الأعمال، وأما نَفْسُ دخولِ الجَنَّةَ، فبرحْمَةِ اللَّه وتفضُّله سبحانه.

وقوله تعالى: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ ...

الآية: «ذَلِكَ» : إشارة إلى ما تقدّم من الأنباء، ونَتْلُوهُ: معناه: نسرده، ومِنَ الْآياتِ: ظاهره آيات القُرآن، ويحتملُ أنْ يريدَ: من المعجزاتِ والمُسْتَغْرَبَاتِ أن تأتيهم بهذه الغُيُوبِ من قبلنا، وبسبب تلاوتنا، والذِّكْرِ: ما ينزلُ من عند اللَّه.

قال ابن عبّاس: الذّكر: القرآن، والْحَكِيمِ: الذي قد كمل في حكمته «٤» .

وقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ ...

الآية: قال ابن عَبَّاس وغيره: سبَبُ نزولها مُحَاجَّة نصارى نَجْرَانَ في أمر عيسى، وقولُهم: يا محمَّد، هل رأَيْتَ بَشَراً قَطُّ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ، أَوْ سَمِعْتَ بِهِ «١» ، ومعنى الآية أنَّ المَثَلَ الذي تتصوَّره النفُوسُ والعقولُ من عيسى هو كَالمُتَصَوَّرِ من آدَمَ إذ الناسُ مُجْمِعُونَ على أنَّ اللَّه تعالى خَلَقَهُ مِنْ ترابٍ من غير فَحْلٍ، وفي هذه الآية صحَّةُ القياس.

وقوله تعالى: ثُمَّ قالَ ترتيبٌ للأخبار لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، المعنى: خَلَقَهُ من تُرَابٍ، ثم كان مِنْ أمره في الأزَلِ أنْ قال له: كُنْ وقْتَ كذا.

وقوله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، أي: هذا هو الحقّ، والْمُمْتَرِينَ: هم الشاكّون، ونهي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في عبارةٍ اقتضت ذَمَّ الممترين وهذا يدلُّ على أنَّ المراد بالامتراء غَيْرُهُ ونُهِيَ عن الامتراء، مع بُعْده عنه على جهة التثْبِيتِ والدَّوام على حاله.

وقوله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ، أي: في عيسى، ويحتملُ في الحقِّ، والعِلْمُ الذي أشير إلَيْه بالمجيء هو ما تضمَّنته هذه الآياتُ المتقدِّمة.

وقوله: فَقُلْ تَعالَوْا: استدعاء للمباهلة «٢» ، وتَعالَوْا: تَفَاعَلُوا من العُلُوِّ، وهي كلمةٌ قُصِدَ بها أولاً تحسينُ الأدَب مع المدعوِّ، ثم اطردت حتى يقولها الإنسان لعدوّه، وللبهيمة، ونَبْتَهِلْ: معناه: نَلْتَعِن، ويقال: عَلَيْهِمْ بهلة اللَّه، والابتهال: الجِدُّ في الدُّعاء بالبهلة، روى محمَّد بنُ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ وغيره: «إن رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم، لما دَعَا نصارى نَجْرَانَ إلى المباهلة، قالوا: دَعْنَا نَنْظُرْ في أمرنا، ثم نأتِكَ بما نَفْعَلُ، فَذَهَبُوا إلَى العَاقِب، وهو ذُو رَأْيِهِمْ، فَقَالُوا: يَا عَبْدَ المَسِيحِ، مَا ترى، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النصارى، وَاللَّهِ، لَقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ محمَّداً النَّبيُّ المُرْسَلُ، ولَقَدْ جَاءَكُمْ بِالفَصْلِ مِنْ خَبَرِ صَاحِبِكُمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا لاَعَنَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا، فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ، وَلاَ نَبَتَ/ صَغِيرُهُمْ، وَأَنَّهُ الاستئصال إنْ فَعَلْتُمْ، فَإنْ أَبَيْتُمْ إلاَّ إلْفَ دِينِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ عيْهِ مِنَ القَوْلِ في صاحبكم، فوادعوا الرّجل،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقُلْ تَعالَوْا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَعالى: تَفاعَلَ، مَن عَلَوْتُ، ويُقالُ لِلِاثْنَيْنِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ: تَعالَيا، ولِلنِّساءِ: تَعالَيْنَ، قالَ الفَرّاءُ: أصْلُها مِنَ العُلُوِّ، ثُمَّ إنَّ العَرَبَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِمْ إيّاها، صارَتْ عِنْدَهم بِمَنزِلَةِ "هَلُمَّ" حَتّى اسْتَجازُوا أنْ يَقُولُوا لِلرَّجُلِ، وهو فَوْقَ شَرَفٍ: تَعالى، أيِ: اهْبِطْ.

وإنَّما أصْلُها: الصُّعُودُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ بِأبْنائِنا: فاطِمَةَ والحَسَنِ، والحُسَيْنِ.

ورَوى مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ ﴿ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ ﴾ دَعا رَسُولُ اللَّهِ  عَلِيًّا وفاطِمَةَ وحَسَنًا وحُسَيْنًا فَقالَ: "اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلِي" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْفُسَنا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أرادَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

والعَرَبُ تُخْبِرُ عَنِ ابْنِ العَمِّ بِأنَّهُ نَفْسُ ابْنِ عَمِّهِ.

والثّانِي: أرادَ الأخَوانِ، قالَهُ ابُنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أرادَ أهْلَ دِينِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والرّابِعُ: أرادَ الأزْواجَ.

والخامِسُ: أرادَ القَرابَةَ القَرِيبَةَ، ذَكَرَهُما عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

فَأمّا الِابْتِهالُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو التَّداعِي بِاللَّعْنِ، يُقالُ: عَلَيْهِ بَهَلَهُ اللَّهُ.

وبَهَلْتَهُ أيْ: لَعَنْتَهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الِابْتِهالِ في اللُّغَةِ: المُبالَغَةُ في الدُّعاءِ، وأصْلُهُ: الِالتِعانُ، يُقالُ: بَهَلَهُ اللَّهُ، أيْ: لَعَنَهُ.

وأمَرَ بِالمُباهَلَةِ بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ.

قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «قَدِمَ وفْدُ نَجْرانَ فِيهِمُ السَّيِّدُ والعاقِبُ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ.

إلى أنْ قالَ: فَدَعاهُما إلى المُلاعَنَةِ، فَواعَداهُ أنْ يُفادِياهُ، فَغَدا رَسُولُ اللَّهِ  فَأخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ.

ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْهِما، فَأبَيا أنْ يُجِيباهُ، فَأقَرّا لَهُ بِالخَراجِ، فَقالَ: والَّذِي يعثني بِالحَقِّ لَوْ فَعَلا لَأمْطَرَ الوادِيَ عَلَيْهِمْ نارًا.» <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِكْرِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ﴿ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِن المُمْتَرِينَ ﴾ ﴿ فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلى الكاذِبِينَ ﴾ "ذَلِكَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والإشارَةُ بِهِ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ.

و ﴿ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ﴾ خَبَرُ ابْتِداءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الآياتِ ﴾ لِبَيانِ الجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ: ﴿ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ﴾ حالًا، ويَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الآياتِ ﴾ ، وعَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ يَكُونُ قَوْلُهُ "نَتْلُوهُ" صِلَةً لِذَلِكَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ في بَيْتِ ابْنِ مُفَرِّغٍ الحِمْيَرِيِّ: ................

وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ ويَكُونُ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الآياتِ ﴾ .

وقَوْلُ البَصْرِيِّينَ في البَيْتِ: أنَّ "تَحْمِلِينَ" حالٌ، التَقْدِيرُ: وهَذا مَحْمُولًا.

و"نَتْلُوهُ" مَعْناهُ: نَسْرُدُهُ، و ﴿ مِنَ الآياتِ ﴾ ظاهِرُهُ آياتُ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الآياتِ ﴾ مِنَ المُعْجِزاتِ والمُسْتَغْرَباتِ أنْ تَأْتِيَهم بِهَذِهِ الغُيُوبِ مِن قِبَلِنا، وبِسَبَبِ تِلاوَتِنا وأنْتَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ.

ولَسْتَ مِمَّنْ صَحِبَ أهْلَ الكِتابِ.

فالمَعْنى: أنَّها آياتٌ لِنُبُوَّتِكَ.

وهَذا الِاحْتِمالُ إنَّما يَتَمَكَّنُ مَعَ كَوْنِ "نَتْلُوهُ" حالًا.

و"الذِكْرِ" ما يَنْزِلُ مِن عِنْدِ اللهِ، "الحَكِيمِ" يَجُوزُ أنْ يُتَأوَّلَ بِمَعْنى المُحْكَمِ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٌ، ويَصِحُّ أنْ يُتَأوَّلَ بِمَعْنى مُصَرِّحٍ بِالحِكْمَةِ، فَيَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الذِكْرِ": القُرْآنُ، و"الحَكِيمِ": الَّذِي قَدْ كَمُلَ في حِكْمَتِهِ.

وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ، قالُوا: سَبَبُ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ ﴾ ....

الآيَةِ «أنَّ وفْدَ نَصارى نَجْرانَ جادَلُوا النَبِيَّ  في أمْرِ عِيسى، وقالُوا: بَلَغَنا أنَّكَ تَشْتُمُ صاحِبَنا وتَقُولُ: هو عَبْدٌ، فَقالَ النَبِيُّ  : وما يَضُرُّ ذَلِكَ عِيسى، أجَلْ هو عَبْدُ اللهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ، فَقالُوا: فَهَلْ رَأيْتَ بَشَرًا قَطُّ جاءَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ أو سَمِعْتَ بِهِ؟

وخَرَجُوا مِن عِنْدِ النَبِيِّ فَأنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ مَثَلَ ﴾ عَبَّرَ عنهُ بَعْضُ الناسِ، بِأنَّهُ صِفَةُ عِيسى، وقَرَنُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ  ﴾ قالُوا: مَعْناهُ: صِفَةُ الجَنَّةِ.

وهَذا عِنْدِي ضَعْفٌ في فَهْمِ مَعْنى الكَلامِ، وإنَّما المَعْنى: أنَّ المَثَلَ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُفُوسُ والعُقُولُ مِن عِيسى؛ هو كالمُتَصَوَّرِ مِن آدَمَ، إذِ الناسُ كُلُّهم مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَهُ مِن تُرابٍ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، وكَذَلِكَ مَثَلُ الجَنَّةِ عِبارَةٌ عَنِ المُتَصَوَّرِ مِنها، وفي هَذِهِ الآيَةِ صِحَّةُ القِياسِ، أيْ: إذا تُصُوِّرَ أمْرُ آدَمَ؛ قِيسَ عَلَيْهِ جَوازُ أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.

والكافُ في قَوْلِهِ: "كَمَثَلِ" اسْمٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعْنى، وقَوْلُهُ: "عِنْدَ اللهِ" عِبارَةٌ عَنِ الحَقِّ في نَفْسِهِ، أيْ: هَكَذا هو الأمْرُ فِيما غابَ عنكم.

وقَوْلُهُ: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ﴾ تَفْسِيرٌ لِمَثَلِ آدَمَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُتَصَوَّرَ، والمَثَلُ والمِثالُ بِمَعْنىً واحِدٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "خَلَقَهُ" صِلَةً لِآدَمَ ولا حالًا مِنهُ، قالَ الزَجّاجُ: إذِ الماضِي لا يَكُونُ حالًا أنْتَ فِيها، بَلْ هو كَلامٌ مَقْطُوعٌ مِنهُ، مُضَمَّنُهُ تَفْسِيرُ المَثَلِ.

وقوله عزّ وجلّ: "ثُمَّ قالَ" تَرْتِيبٌ لِلْأخْبارِ لِمُحَمَّدٍ  ، المَعْنى: خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ كانَ مِن أمْرِهِ في الأزَلِ أنْ قالَ لَهُ: كُنْ وقْتَ كَذا، وعَلى مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في أنَّ القَوْلَ مَجازِيٌّ، مِثْلُ "وَقالَ قَطْنِي" وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ عِبارَةٌ عَنِ التَكْوِينِ، فَـ "ثُمَّ" عَلى بابِها في تَرْتِيبِ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "فَيَكُونُ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: فَهو يَكُونُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "فَيَكُونَ" بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةُ الوَجْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُها آنِفًا في مُخاطَبَةِ مَرْيَمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ قَوْلُهُ: "مِن رَبِّكَ"، أوِ الحَقُّ ذَلِكَ، أو ما قُلْنا لَكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ، تَقْدِيرُهُ هَذا الحَقُّ.

و"المُمْتَرِينَ" هُمُ الشاكُّونَ، والمِرْيَةُ: الشَكُّ.

ونُهِيَ النَبِيُّ  في عِبارَةٍ اقْتَضَتْ ذَمَّ المُمْتَرِينَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالِامْتِراءِ غَيْرُهُ، ولَوْ قِيلَ: فَلا تَكُنْ مُمْتَرِيًا لَكانَتْ هَذِهِ الدَلالَةُ أقَلَّ، ولَوْ قِيلَ: فَلا تَمْتَرِ لَكانَتْ أقَلَّ ونَهْيُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ عَنِ الامْتِراءِ مَعَ بُعْدِهِ عنهُ عَلى جِهَةِ التَثْبِيتِ والدَوامِ عَلى حالِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن حاجَّكَ فِيهِ ﴾ مَعْناهُ: جادَلَكَ ونازَعَكَ الحُجَّةَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى عِيسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحَقِّ.

و"العِلْمِ" الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِالمَجِيءِ هو ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ مِن أمْرِ عِيسى.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "فَقُلْ تَعالَوْا"...

الآيَةُ، اسْتِدْعاءُ المُباهَلَةِ، و"تَعالَوْا" تَفاعَلُوا مِنَ العُلُوِّ، وهي كَلِمَةٌ قُصِدَ بِها أوَّلًا تَحْسِينُ الأدَبِ مَعَ المَدْعُوِّ ثُمَّ اطَّرَدَتْ حَتّى يَقُولَها الإنْسانُ لِعَدُوِّهِ ولِلْبَهِيمَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ.

و"نَبْتَهِلْ" مَعْناهُ: نَلْتَعِنْ، ويُقالُ عَلَيْهِمْ بَهْلَةُ اللهِ بِمَعْنى اللَعْنَةِ، والِابْتِهالُ: الجِدُّ في الدُعاءِ بِالبَهْلَةِ.

ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ مُحاجَّةِ نَصارى نَجْرانَ في عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْلِهِمْ: هو اللهُ، وكانُوا يُكْثِرُونَ الجِدالَ، وقَدْ رَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ بْنِ جُزْءٍ السِوائِيُّ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: « "لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَ أهْلِ نَجْرانَ حِجابًا فَلا أراهم ولا يَرَوْنِي"» لِشِدَّةِ ما كانُوا يُمارُونَ، فَلَمّا قَرَأ النَبِيُّ  الآيَةَ دَعاهم إلى ذَلِكَ.

فَرَوى الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ «أنَّهم وعَدُوهُ بِالغَدِ أنْ يُلاعِنُوهُ، فانْطَلَقُوا إلى السَيِّدِ والعاقِبِ فَتابَعاهم عَلى أنْ يُلاعِنُوا، فانْطَلَقُوا إلى رَجُلٍ آخَرَ مِنهم عاقِلٍ فَذَكَرُوا لَهُ ما صَنَعُوا فَذَمَّهم وقالَ لَهُمْ: إنْ كانَ نَبِيًّا ثُمَّ دَعا عَلَيْكم هَلَكْتُمْ، وإنْ كانَ مَلِكًا فَظَهَرَ لَمْ يُبْقِ عَلَيْكُمْ، قالُوا: فَكَيْفَ نَصْنَعُ وقَدْ واعَدْناهُ؟

قالَ: إذا غَدَوْتُمْ فَدَعاكم إلى ذَلِكَ فاسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِن ذَلِكَ، فَعَسى أنْ يُعْفِيَكُمْ؛ فَلَمّا كانَ الغَدُ غَدا رَسُولُ اللهِ  مُحْتَضِنًا حُسَيْنًا آخِذًا بِيَدِ الحَسَنِ، وفاطِمَةُ تَمْشِي خَلْفَهُ، فَدَعاهم إلى المِيعادِ، فَقالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ، فَأعادَ فَأعادُوا التَعَوُّذَ، فَقالَ النَبِيُّ  : فَإنْ أبَيْتُمْ فَأسْلِمُوا، فَإنْ أبَيْتُمْ فَأعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وأنْتُمْ صاغِرُونَ، فَإنْ أبَيْتُمْ فَإنِّي أنْبِذُ إلَيْكم عَلى سَواءٍ، قالُوا: لا طاقَةَ لَنا بِحَرْبِ العَرَبِ، ولَكِنّا نُؤَدِّي الجِزْيَةَ قالَ: فَجَعَلَ عَلَيْهِمْ كُلَّ سَنَةٍ ألْفَيْ حُلَّةٍ "ألْفًا في رَجَبَ وألْفًا في صَفَرَ"، وطَلَبُوا مِنهُ رَجُلًا أمِينًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، فَبَعَثَ مَعَهم أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: "لَقَدْ أتانِي البَشِيرُ بِهَلَكَةِ أهْلِ نَجْرانَ لَوْ تَمُّوا عَلى المُلاعَنَةِ"» ، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا دَعاهم قالُوا: دَعْنا نَنْظُرْ في أمْرِنا ثُمَّ نَأْتِيكَ بِما نَفْعَلُ، فَذَهَبُوا إلى العاقِبِ وهو ذُو رَأْيِهِمْ فَقالُوا: يا عَبْدَ المَسِيحِ ما تَرى؟

فَقالَ: يا مَعْشَرَ النَصارى، واللهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ ولَقَدْ جاءَكم بِالفَصْلِ مِن خَبَرِ صاحِبِكم عِيسى، ولَقَدْ عَلِمْتُمْ ما لاعَنَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ، ولا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، وإنَّهُ الِاسْتِئْصالُ إنْ فَعَلْتُمْ، فَإنْ أبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ في صاحِبِكُمْ؛ فَوادِعُوا الرَجُلَ وانْصَرِفُوا إلى بِلادِكم حَتّى يُرِيَكُمُ الزَمانُ رَأْيَهُ.

فَأتَوُا النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، قَدْ رَأيْنا ألّا نُلاعِنَكَ وأنْ نَبْقى عَلى دِينِنا، وصالَحُوهُ عَلى أمْوالٍ وقالُوا لَهُ: ابْعَثْ مَعَنا رَجُلًا مِن أصْحابِكَ تَرْضاهُ لَنا يَحْكُمُ في أشْياءَ قَدِ اخْتَلَفْنا فِيها مِن أمْوالِنا، فَإنَّكم عِنْدَنا رِضىً.» ورَوى السُدِّيُّ وغَيْرُهُ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ جاءَ هو وعَلِيٌّ وفاطِمَةُ والحَسَنُ والحُسَيْنُ ودَعاهم فَأبَوْا وجَزِعُوا، وقالَ لَهم أحْبارُهُمْ: إنْ فَعَلْتُمُ اضْطَرَمَ الوادِي عَلَيْكم نارًا، فَصالَحُوا النَبِيَّ  عَلى ثَمانِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ في العامِ، فَما عَجَزَتْ عنهُ الدَراهِمُ فَفي العُرُوضِ: الحُلَّةُ بِأرْبَعِينَ، وعَلى أنَّ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا وثَلاثِينَ دِرْعًا، وثَلاثَةً وثَلاثِينَ بَعِيرًا وأرْبَعًا وثَلاثِينَ فَرَسًا عارِيَةً كُلَّ سَنَةٍ، ورَسُولُ اللهِ  ضامِنٌ لِذَلِكَ حَتّى يُؤَدِّيَها إلَيْهِمْ.

وقالَ رَسُولُ اللهِ  : « "لَوْ لاعَنُوا لاسْتُؤْصِلُوا مِن جَدِيدِ الأرْضِ"،» وقالَ أيْضًا: « "لَوْ فَعَلُوا لاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الوادِي نارًا".» ورَوى عِلْباءُ بْنُ أحْمَرَ اليَشْكُرِيُّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أرْسَلَ مُحَمَّدٌ  إلى عَلِيٍّ وفاطِمَةَ وابْنَيْهِما الحَسَنِ والحُسَيْنِ ودَعا اليَهُودَ لِيُلاعِنَهُمْ، فَقالَ شابٌّ مِنَ اليَهُودِ: ويْحَكُمْ، ألَيْسَ عَهْدُكم بِالأمْسِ بِإخْوانِكُمُ الَّذِينَ مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ؟

فَلا تُلاعِنُوا، فانْتَهَوْا.» وفي هَذِهِ القِصَّةِ اخْتِلافاتٌ لِلرُّواةِ وعِباراتٌ تَجْرِي كُلُّها في مَعْنى ما ذَكَرْناهُ، لَكِنّا قَصَدْنا الإيجازَ.

وَفِي تَرْكِ النَصارى المُلاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، شاهِدٌ عَظِيمٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ  ، وما رُوِيَ مِن ذَلِكَ خَيْرٌ مِمّا رَوى الشَعْبِيُّ مِن تَقْسِيمِ ذَلِكَ الرَجُلِ العاقِلِ فِيهِمْ أمْرَ مُحَمَّدٍ بِأنَّهُ إمّا نَبِيٌّ وإمّا مَلِكٌ، لِأنَّ هَذا نَظَرٌ دُنْياوِيٌّ، وما رَوى الرُواةُ مِن أنَّهم تَرَكُوا المُلاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ؛ أحَجُّ لَنا عَلى سائِرِ الكَفَرَةِ، وألْيَقُ بِحالِ مُحَمَّدٍ  .

ودُعاءُ النِساءِ والأبْناءِ لِلْمُلاعَنَةِ أهَزُّ لِلنُّفُوسِ وأدْعى لِرَحْمَةِ اللهِ، أو لِغَضَبِهِ عَلى المُبْطِلِينَ.

وظاهِرُ الأمْرِ أنَّ النَبِيَّ  جاءَهم بِما يَخُصُّهُ، ولَوْ عَزَمُوا؛ اسْتَدْعى المُؤْمِنِينَ بِأبْنائِهِمْ ونِسائِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ يَكْتَفِي بِنَفْسِهِ وخاصَّتِهِ فَقَطْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على قوله: ﴿ الحق من ربك فلا تكن من الممترين ﴾ لما فيه من إيماء إلى أنّ وفد نجران ممترون في هذا الذي بَيّن الله لهم في هذه الآيات: أي فإن استمرّوا على محاجتهم إياك مكابرةً في هذا الحق أو في شأن عيسى فادعهم إلى المباهلة والملاعنة.

ذلك أنّ تصْميمَهم على معتقدهم بعد هذا البيان مكابرة محْضة بعد ما جاءك من العلم وبينتَ لهم، فلم يبق أوضحُ مما حاجَجْتهم به فعلمت أنهم إنما يحاجونك عن مكابرة، وقلة يقين، فادعهم إلى المباهلة بالملاعنة الموصوفة هنا.

و ﴿ تعالوا ﴾ اسم فعل لطلب القدوم، وهو في الأصل أمر من تعالى يتعالى إذا قَصد العلوّ، فكأنّهم أرادوا به في الأصل أمراً بالصعود إلى مكان عاللٍ تشريفاً للمدعُو، ثم شاع حتى صار لمطلق الأمر بالقدوم أو الحضور، وأجريت عليه أحوال اسم الفعل فهو مبني على فتح آخره وأما قول أبي فراس الحمداني: أيَا جَارَتَا مَا أنْصَفَ الدهرُ بيننا *** تَعَالِي أقَاسِمْككِ الهُمُومَ تَعَالِي فقد لحَّنوه فيه.

ومعنى ﴿ تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ﴾ ائتوا وادعوا أبناءكم ونحن ندعو أبناءنا إلى آخره، والمقصود هو قوله: ﴿ ثم نبتهل ﴾ إلى آخره.

و (ثم) هنا للتراخي الرتبي.

والابتهال مشتق من البَهْل وهو الدعاء باللعن ويطلق على الاجتهاد في الدعاء مطلقاً لأنّ الداعي باللعن يجتهد في دعائه والمراد في الآية المعنى الأول.

ومعنى ﴿ فنجعل لعنت الله ﴾ فنَدْعُ بإيقاع اللعنة على الكاذبين.

وهذا الدعاء إلى المباهلة إلجاءٌ لهم إلى أن يعترفوا بالحق أو يَكفُوا.

روى المفسرون وأهل السيرة أنّ وفد نجران لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملاعنة قال لهم العاقب: نلاعنه فوالله لئن كان نبيئاً فلاعننا لا نفلح أبداً ولا عقبنا من بعدنا فلم يجيبوا إلى المباهلة وعدلوا إلى المصالحة كما سيأتي.

وهذه المباهلة لعلّها من طرق التناصف عند النصارى فدعاهم إليها النبي صلى الله عليه وسلم لإقامة الحجة عليهم.

وإنما جمع في الملاعنة الأبناء والنساء: لأنه لمّا ظهرت مكابرتهم في الحق وحبّ الدنيا، عُلم أنّ من هذه صفته يكون أهله ونساؤه أحبّ إليه من الحق كما قال شعيب «أرَهْطِيَ أعَزُّ علَيكم من الله» وأنه يخشى سوء العيش، وفقدان الأهل، ولا يخشى عذاب الآخرة.

والظاهر أنّ المراد بضمير المتكلم المشارَك أنه عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، والذين يحضرهم لذلك وأبناء أهل الوفد ونساؤهم اللاّئي كُنَّ معهم.

والنساء: الأزواج لا محالة، وهو إطلاق معروف عند العرب إذا أضيف لفظ النساء إلى واحد أو جماعة دون ما إذا وَرَد غير مضاف، قال تعالى: ﴿ يا نساء النبسي لستُنّ كأحدٍ من النساء ﴾ [الأحزاب: 32] وقال: ﴿ ونساء المؤمنين ﴾ وقال النابغة: حِذارَا على أنْ لاَ تُنَالَ مَقَادَتِي *** ولاَ نِسْوَتِي حَتى يَمُتْن حَرائرا والأنفس أنفس المتكلمين وأنفس المخاطبين أي وإيانا وإياكم، وأما الأبناء فيحتمل أنّ المراد شبانهم، ويحتمل أنه يشمل الصبيان، والمقصود أن تعود عليهم آثار الملاعنة.

والابتهال افتعال من البهل، وهو اللعن، يقال: بهله الله بمعنى لعنه واللعنة بَهلة وبُهلة بالضم والفتح ثم استعمل الابتهال مجازاً مشهوراً في مطلق الدعاء قال الأعشى: لا تقعدنَّ وقد أكَّلّتَها حطباً *** تعوذ من شرّها يوماً وتبتهل وهو المراد هنا بدليل أنّه فرّع عليه قوله: ﴿ فنجعل لعنت الله على الكاذبين ﴾ .

وهذه دعوة إنصاف لا يدعو لها إلاّ واثق بأنه على الحق.

وهذه المباهلة لم تقع لأنّ نصارى نجران لم يستجيبوا إليها.

وقد روى أبو نعيم في الدلائل أنّ النبي هيأ علياً وفاطمةً وحَسَناً وحُسَيناً ليصحبهم معه للمباهلة.

ولم يذكروا فيه إحضار نسائه ولا إحضار بعض المسلمين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن حاجَّكَ فِيهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: في عِيسى.

والثّانِي: في الحَقِّ.

﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ ﴾ والَّذِينَ دَعاهُمُ النَّبِيُّ  إلى المُباهَلَةِ هم نَصارى نَجْرانَ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ نَبْتَهِلْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ نَلْتَعِنْ.

والثّانِي: نَدْعُو بِهَلاكِ الكاذِبِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ...

...

...

∗∗∗ نَظَرَ الدَّهْرُ إلَيْهِمْ فابْتَهَلْ أيْ دَعا عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ.

فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أخَذَ النَّبِيُّ  بِيَدِ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ثُمَّ دَعا النَّصارى إلى المُباهَلَةِ، فَأحْجَمُوا عَنْها، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنْ باهَلْتُمُوهُ اضْطَرَمَ الوادِي عَلَيْكم نارًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس «أن رهطاً من أهل نجران قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان فيهم السيد والعاقب فقالوا له: ما شأنك تذكر صاحبنا؟

قال: من هو؟

قالوا: عيسى تزعم أنه عبدالله!

قال: أجل إنه عبدالله.

قالوا: فهل رأيت مثل عيسى أو أنبئت به؟

ثم خرجوا من عنده فجاءه جبريل فقال: قل لهم إذا أتوك ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ إلى آخر الآية» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: «ذكر لنا أن سيدي أهل نجران وأسقفيهم السيد والعاقب لقيا نبي الله فسألاه عن عيسى فقالا: كل أدمي له أب فما شأن عيسى لا أب له؟

فأنزل الله فيه هذه الآية ﴿ إن مثل عيسى عند الله...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع به أهل نجران أتاه منهم أربعة نفر من خيارهم، منهم السيد، والعاقب، وماسرجس، ومار بحر، فسألوه ما تقول في عيسى؟

«قال: هو عبدالله، وروحه، وكلمته» ، قالوا هم: لا، ولكنه هو الله نزل من ملكه فدخل في جوف مريم ثم خرج منها، فأرانا قدرته وأمره، فهل رأيت إنساناً قط خلق من غير أب؟

فأنزل الله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ إن مثل عيسى...

﴾ الآية قال: نزلت في العاقب، والسيد، من أهل نجران.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال «بلغنا أن نصارى نجران قدم وفدهم على النبي صلى الله عليه وسلم فيهم السيد، والعاقب، وهما يومئذ سيدا أهل نجران فقالوا: يا محمد فيم تشتم صاحبنا؟

قال: من صاحبكم؟!

قالوا: عيسى ابن مريم تزعم أنه عبد.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل إنه عبدالله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه.

فغضبوا وقالوا: إن كنت صادقاً فأرنا عبداً يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه، لكنه الله.

فسكت حتى أتاه حبريل فقال: يا محمد ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم...

﴾ [ المائدة: 72] الآية.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل إنهم سألوني أن أخبرهم بمثل عيسى.

قال جبريل ﴿ إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾ فلما أصبحوا عادا فقرأ عليهم الآيات» .

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن الأزرق بن قيس قال: «جاء أسقف نجران، والعاقب، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهما الإسلام فقالا: قد كنا مسلمين قبلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبتما مع الإسلام منكما ثلاث: قولكما اتخذ الله ولداً، وسجودكما للصليب، وأكلكما لحم الخنزير، قالا: فمن أبو عيسى؟

فلم يدر ما يقول.

فأنزل الله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ إلى قوله: ﴿ بالمفسدين ﴾ فلما نزلت هذه الآيات دعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملاعنه فقالا: إنه ان كان نبياً فلا ينبغي لنا أن نلاعنه، فأبيا فقالا: ما تعرض سوى هذا؟

فقال: الإسلام، أو الجزية، أو الحرب، فأقروا بالجزية» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ الحق من ربك فلا تكن من الممترين ﴾ يعني فلا تكن في شك من عيسى، إنه كمثل آدم عبدالله ورسوله وكلمته.

وأخرج ابن المنذر عن الشعبي قال: «قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: حدثنا عن عيسى ابن مريم قال: رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم.

قالوا: ينبغي لعيسى أن يكون فوق هذا.

فأنزل الله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم...

﴾ الآية.

قالوا: ما ينبغي لعيسى أن يكون مثل آدم.

فأنزل الله: ﴿ فمن حاجَّك فيه من بعد ما جاءك من العلم...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير عن عبدالله بن الحرث بن جزء الزبيدي «أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليت بيني وبين أهل نجران حجاباً فلا أراهم ولا يروني، من شدة ما كانوا يمارون النبي صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق سلمة بن عبد يشوع عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه ﴿ طس ﴾ سليمان.

بسم الله إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، من محمد رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران.

إن أسلمتم فإني أحمد إليكم الله إله إبراهيم وإسحق ويعقوب.

أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فقد آذنتكم بالحرب، والسلام.

فلما قرأ الأسقف الكتاب فظع به وذعر ذعراً شديداً، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة، فدفع إليه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرأه فقال له الأسقف: ما رأيك...؟

فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوّة، فما يؤمن أن يكون هذا الرجل!

ليس لي في النبوّة رأي، لو كان رأي من أمر الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك.

فبعث الأسقف إلى واحد بعد واحد من أهل نجران، فكلهم قال مثل قول شرحبيل، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة، وعبدالله بن شرحبيل، وجبار بن فيض، فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق الوفد حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى ابن مريم؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى صبح الغد» .

فأنزل الله هذه الآية ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ﴾ إلى قوله: ﴿ فنجعل لعنة الله على الكاذبين ﴾ فأبوا أن يقروا بذلك.

فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميلة له، وفاطمة تمشي خلف ظهره للملاعنة، وله يومئذ عدة نسوة فقال شرحبيل لصاحبيه: إني أرى أمراً مقبلاً ان كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فلاعناه لا يبقي على الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك فقالا له: ما رأيك؟

فقال: رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً.

فقالا له: أنت وذاك.

فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني قد رأيت خيراً من ملاعنتك قال: وما هو؟

قال: «حكمك اليوم إلى الليل، وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز.

فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلاعنهم وصالحهم على الجزية» .

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو نعيم في الدلائل عن حذيفة «أن العاقب، والسيد، أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يلاعنهما فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه فوالله لئن كان نبياً فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا فقالوا له: نعطيك ما سألت فابعث معنا رجلاً أميناً فقال: قم يا أبا عبيدة.

فلما وقف قال: هذا أمين هذه الأمة» .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن جابر قال «قدم على النبي صلى الله عليه وسلم العاقب، والسيد، فدعاهما إلى الإِسلام فقالا: أسلمنا يا محمد قال: كذبتما إن شئتما أخبرتكما بما يمنعكما من الإِسلام.

قالا: فهات.

قال: حب الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، قال جابر: فدعاهما إلى الملاعنة، فوعداه إلى الغد، فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ بيد علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيباه، وأقرا له، فقال: والذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي عليهما ناراً.

قال جابر: فيهم نزلت ﴿ تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم...

﴾ الآية.

قال جابر: أنفسنا وأنفسكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي، وأبناءنا الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة» .

وأخرج الحاكم وصححه عن جابر «أن وفد نجران أتوا النبي فقالوا: ما تقول في عيسى؟

فقال: هو روح الله، وكلمته، وعبد الله، ورسوله، قالوا له: هل لك أن نلاعنك أنه ليس كذلك؟

قال: وذاك أحب إليكم؟

قالوا: نعم.

قال: فإذا شئتم.

فجاء وجمع ولده الحسن والحسين، فقال رئيسهم: لا تلاعنوا هذا الرجل فوالله لئن لاعنتموه ليخسفن بأحد الفريقين فجاؤوا فقالوا: يا أبا القاسم إنما أراد أن يلاعنك سفهاؤنا، وإنا نحب أن تعفينا.

قال قد أعفيتكم ثم قال: إن العذاب قد أظل نجران» .

وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن وفد نجران من النصارى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم.

منهم السيد وهو الكبير، والعاقب وهو الذي يكون بعده، وصاحب رأيهم، فقال رسول الله لهما: أسلما قالا: أسلمنا.

قال: ما أسلمتما.

قالا: بلى.

قد أسلمنا قبلك.

قال: كذبتما يمنعكم من الإسلام ثلاث فيكما.

عبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، وزعمكما أن لله ولداً.

ونزل ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب...

﴾ الآية.

فلما قرأها عليهم قالوا: ما نعرف ما تقول.

ونزل ﴿ فمن حاجَّك فيه من بعد ما جاءك من العلم ﴾ يقول: من جادلك في أمر عيسى من بعد ما جاءك من العلم من القرآن ﴿ فقل تعالوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ثم نبتهل ﴾ يقول: نجتهد في الدعاء أن الذي جاء به محمد هو الحق، وإن الذي يقولون هو الباطل فقال لهم: إن الله قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك.

فخلا بعضهم ببعض وتصادقوا فيما بينهم قال السيد للعاقب: قد والله علمتم أن الرجل نبي مرسل، ولئن لاعنتموه إنه ليستأصلكم، وما لاعن قوم قط نبياً فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم.

فإن أنتم لم تتعوه وأبيتم إلا إلف دينكم فوادعوه وارجعوا إلى بلادكم.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ومعه علي، والحسن، والحسين، وفاطمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أنا دعوت فأمنوا أنتم.

فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية» .

وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس «أن ثمانية من أساقف العرب من أهل نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم العاقب، والسيد، فأنزل الله: ﴿ قل تعالوا ندع أبناءنا ﴾ إلى قوله: ﴿ ثم نبتهل ﴾ يريد ندع الله باللعنة على الكاذب.

فقالوا: أخرنا ثلاثة أيام، فذهبوا إلى بني قريظة، والنضير، وبني قينقاع، فاستشارهم.

فاشاروا عليهم أن يصالحوه ولا يلاعنوه، وهو النبي الذي نجده في التوراة.

فصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألف حلة في صفر، وألف في رجب ودراهم» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل عن قتادة ﴿ فمن حاجَّك فيه ﴾ في عيسى ﴿ فقل تعالوا ندع أبناءنا....

﴾ الآية «فدعا النبي صلى الله عليه وسلم لذلك وفد نجران، وهم الذين حاجوه في عيسى فنكصوا وأبوا.

وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن كان العذاب لقد نزل على أهل نجران، ولو فعلوا لاستؤصلوا عن وجه الأرض» .

وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم عن الشعبي قال: «كان أهل نجران أعظم قوم من النصارى قولاً في عيسى ابن مريم، فكانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم فيه.

فأنزل الله هذه الآيات في سورة آل عمران ﴿ إن مثل عيسى عند الله ﴾ إلى قوله: ﴿ فنجعل لعنة الله على الكاذبين ﴾ فأمر بملاعنتهم، فواعدوه لغد، فغدا النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الحسن، والحسين، وفاطمة، فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر لو تموا على الملاعنة» .

وأخرج عبد الرزاق والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: «لو باهل أهل نجران رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً» .

وأخرج مسلم والترمذي وابن المنذر والحاكم والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً، وفاطمة، وحسناً، وحسيناً، فقال:اللهم هؤلاء أهلي» .

وأخرج ابن جرير عن غلباء بن أحمر اليشكري قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم...

﴾ الآية.

أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي، وفاطمة، وابنيهما الحسن، والحسين، ودعا اليهود ليلاعنهم فقال شاب من اليهود: ويحكم أليس عهدكم بالأمس إخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير؟

لا تلاعنوا.

فانتهوا» .

وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية ﴿ تعالوا ندع أبناءنا...

﴾ الآية.

قال: فجاء بأبي بكر وولده، وبعمر وولده، وبعثمان وولده، وبعلي وولده.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عباس ﴿ ثم نبتهل ﴾ نجتهد.

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هذا الإخلاص يشير بأصبعه التي تلي الإبهام، وهذا الدعاء فرفع يديه حذو منكبيه، وهذا الابتهال فرفع يديه مداً» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ إن هذا لهو القصص الحق ﴾ يقول: إن هذا الذي قلنا في عيسى هو الحق.

وأخرج عبد بن حميد عن قيس بن سعد قال: كان بين ابن عباس وبين آخر شيء فقرأ هذه الآية ﴿ تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل ﴾ فرفع يديه واستقبل الركن ﴿ فنجعل لعنة الله على الكاذبين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ ﴾ أي: في عيسى  .

وقيل (١) ﴿ الْحَقُّ ﴾ ، في قوله: ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾ .

﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ .

أنَّ عيسى عبد الله ورسوله.

﴿ فَقُل تَعَالَواْ ﴾ .

أصله: (تعالَيُوا)؛ لأنه (تَفاعَلُوا)؛ من: (العُلُوِّ)، فاستُثْقِلت الضمة على الياء، فسُكِّنت، ثم حُذِفَت لاجتماع الساكِنَيْن.

وأصله: العُلُوُّ والارتفاع.

فمعنى (تعالَ): ارتفع.

إلاَّ أنه أكثر (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ﴾ .

فقال المفسرون (٤) ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى  ﴾ ، الآية؛ أمر (٥)  ، أن يحتجَّ عليهم من طريق الإعجاز وهو: المباهلة.

ومعنى المباهلة: الدعاء على الظالم من الفريقين (٦)  وفد نجران إلى المباهلة، وخرج رسول الله  محتضنًا الحسينَ (٧) (٨) (٩) (١٠)  : "والذي نفسي بيده، إنَّ العذاب قد تدلَّى على أهل نجران، ولو تلاعنوا، لمُسِخوا قِرَدَةً وخنازيرَ، ولا ضطَرَبَ عليهم الوادي نارًا، ولاستأصل الله نجرانَ وأهلَهُ، حتى الطيرَ على الشجر، ولَمَا حالَ الحولُ على النصارى حتى هلكوا" (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ﴾ .

قال أهل المعاني: يعني بـ (الأنفس): بني العم.

والعرب لا تستنكر أن تخبر عن ابن العم بأنه نفسُ ابن عمِّهِ، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ نَبْتَهِلْ ﴾ الابتهال في اللغة يكون على معنيين: أحدهما: التضرع إلى الله.

والثاني: الالتعان، والدعاء بـ (البَهْلَةِ)، وهي: اللَّعْنَةُ.

يقال: (عليه بَهْلَةُ اللهِ)؛ وبَهلتهُ؛ أي: لعنته (١٩) قال لَبِيد: في قُرومٍ سادةٍ مِن قومِهم ...

نَظَرَ الدهرُ إليهم فابْتَهَلْ (٢٠) أي: دعا عليهم بالهلاك، وكلا (٢١) قال (٢٢) (٢٣) ﴿ نَبْتَهِلْ ﴾ أي: نجتهد في الدعاء.

وقال في رواية عطاء (٢٤) (٢٥) (١) لم أقف على القائل، وقد حكى المفسرون القولين دون بيان الذاهب إلى القول الثاني.

وقد ذهب الطبري إلى الأول، وأجاز الثاني.

انظر: "تفسيره" 3/ 298، "تفسير البغوي" 1/ 48، "زاد المسير" 1/ 399.

(٢) في (ب)، (د): (كثر).

(٣) انظر: "الزاهر" 3/ 277، "مفردات ألفاظ القرآن" 584 (علا).

(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 423.

(٥) (أمر): ساقطة من (د).

(٦) انظر: "تأويل مشكل القرآن" 556، "الزاهر" 1/ 219، "مقاييس اللغة" 1/ 311 (بهل).

وقد ذكر ابن فارس أن (بهل) أصل لثلاثة معانٍ: الابتهال، والتضرع، والدعاء، ثم قال: (والمباهلة يرجع إلى هذه، فإن المتباهِلَيْن يدعو كل واحد منهما على صاحبه، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ  ﴾ .

(٧) هو: أبو عبد الله، الحسين بن علي بن أبي طالب  ما، حفيد رسول الله  ابن بنته فاطمة  ا، اختلف في سنة ولادته ما بين سنة (4 هـ - 6 هـ)، وكان رحمه الله دَيِّنا فاضِلا كثيرَ الصيام والصلاة والحج، وقُتِل  بكربلاء من الكوفة سنة (61 هـ)، إثر خروجه على بني أمية  .

انظر: "الاستيعاب" 1/ 442، "الإصابة" 1/ 332.

(٨) هو: أبو محمد، الحسن بن علي بن أبي طالب  ما، حفيد رسول الله  ، ابن بنته فاطمة  ا وُلِد سنة (3 هـ)، كان حليمًا ورعًا فاضلًا، ترك المُلْك والدنيا حرصًا على دماء المسلمين، ورغبة فيما عند الله، اختلف في سنة وفاته ما بين (49 هـ - 51 هـ)، ودفن بالبقيع.

 .

انظر: "الاستيعاب" 1/ 436، "الإصابة" 1/ 328.

(٩) هي: الزهراء، بنت رسول الله  ، وزوج علي بن أبي طالب  ابن عم رسول الله  ، وأم الحسن والحسين  ما.

انظر: "الاستيعاب" 4/ 447، "الإصابة" 4/ 377.

(١٠) الأُسقُفُّ بتشديد الفاء، وتخفيفها: لقب ديني لأحبار النصارى، فوق القسِّيس، == ودون المطران.

ويقال: سُقْفٌ.

والجمع: أساقفة، وأساقف.

انظر (سقف) في "القاموس المحيط" ص 820، "المصباح المنير" 106، "المعجم الوسيط" ص 438.

وقد سَمَّى ابنُ إسحاق هذا الأسقُفَّ، وهو: أبو حارثة بن عَلْقَمة، أحد بني بكر بن وائل، ووصفه بأنه أسقفُّهم وحَبْرُهم وإمامُهم، وصاحبُ مِدْرَاسِهم.

وذكر في موضع آخر أن الذي قال ذلك هو العاقب، واسمه عبد المسيح، ووصفه بأنه أميرُهم، وذو رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه.

وفي "دلائل النبوة" لأبي نُعيم: أن الذي نصحهم، هو: السَّيِّد، واسمه: الأيهم، وهو صاحب رحلهم ومجتمعهم والذي يقوم بأمورهم.

انظر: "السيرة" لابن هشام: 2/ 215، "دلائل النبوة" 355.

(١١) وردت قصة المباهلة في كتب السنة، والتفسير بالمأثور، بروايات وألفاظ مختلفة تتفق في مضمونها مع ما ذكره المؤلف، ولكن لم أجد الرواية بهذا اللفظ الذي ساقه المؤلف إلا عند البغوي في "تفسيره" 2/ 48، وذكرها الزمخشري في "الكشاف" 1/ 434.

وتتفق بعض ألفاظ رواية المؤلف مع بعض الروايات الواردة في كتب السنة، وتقرب من بعضها، كما أن بعض ألفاظها بالمعنى.

انظر: "روايات المباهلة" في "صحيح البخاري" (4380) كتاب: المغازي، باب: (قصة أهل نجران).

"صحيح مسلم" (2404) كتاب: فضائل الصحابة، باب (من فضائل علي)، "سنن الترمذي" (2999)، كتاب: التفسير، باب: من سورة آل عمران، وقال عنه: (حسن صحيح).

"مسند أحمد" 1/ 248، "مستدرك الحاكم" 2/ 594 وصححه، ووافقه الذهبي.

"مصنَّف ابن أبي شيبة" 6/ 381 رقم الحديث (32175)، "سيرة ابن هشام" 2/ 215، "تفسير الطبري" 3/ 299 - 301، "تفسير == ابن أبي حاتم" 2/ 667 - 668، "دلائل النبوة" لأبي نعيم: 353 - 354، "أسباب النزول" للواحدي: 107 - 108.

وأوردها السيوطي في "الدر" 2/ 67 - 70، ونسب إخراج بعض رواياتها للبيهقي في الدلائل، وابن مردويه، وعبد بن حميد، وسعيد ابن منصور.

وأوردها ابن كثير في "تفسيره" 1/ 395 من لفظ ابن إسحاق في "سيرة ابن هشام" ومن رواية البيهقي في الدلائل، ومن غيرها من كتب السنة.

(١٢) سورة الحجرات: 11 وبعدها: ﴿ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ .

(١٣) في (ج)، (د): (من المؤمين).

(١٤) في (ج): (وأجرى).

(١٥) في (ب): (من).

(١٦) في (ب): (من).

(١٧) وقد ذكر ابن خالويه أن من معاني (النفس): الأخ.

ثم استدل له بقوله تعالى في آية 29 من النساء: ﴿ وَلَا تَقتُلُوا أَنفُسَكُم ﴾ ، وقال: (أي: إخوانكم).

وقد نقل صاحب "اللسان" قوله ابن خالويه، واستدل له بقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾ آية: 61 سورة النور.

انظر ليس في كلام العرب، لابن خالويه: 196، "لسان العرب" 6/ 234 (نفس).

وكذا فسرها ابن قتيبة، فقال: (أي: إخواننا وإخوانكم).

"تفسير غريب القرآن" 106.

(١٨) في (ج): (إذا) بدون واو.

(١٩) ما ذكره المؤلف من معاني الابتهال، ترجع إلى (البَهْل)، وهو: اللعن.

والبَهْلَهُ بفتح الباء وبضمها تعني: اللغنة.

و (باهَلَ القَومُ بعضهم بعضا)، و (تباهلوا، وابتهلوا)؛ أي: تلاعنوا، وذلك أن جتمعوا ويقولوا: لعنة الله على الظالم مِنَّا؛ وذلك إذا ما اختلفوا في شيء.

ومن معاني (بَهَلَ): التخلية.

ويقولون: (بَهَلْتُه)؛ إذا خلَّيته وإرادَته، و (أبهل الراعي إبِلَهُ): إذا تركها ترعى، أو تركها من الحلب.

و (الباهل من الإبل): التي لا صِرَارَ على ضَرْعِها.

و (أبْهَلَ الوالي رعيَّتَه): إذا أهملها.

والمعنيان من وادٍ واحد؛ لأن اللعن في حقيقته: إهمال وإبعاد، فـ (بهَلَه اللهُ): لعنه وأبعده من رحمته.

وهذا هو أصل الابتهال، ثم استعمل في كل دعاء يُجتهد فيه، وُيستَرسَل، وُيتضرع، وإن لم يكن التعانا.

و (البَهْلُ) كذلك: الشيء الحقير اليسير، ومنه المال القليل، والماء القليل.

و (التَّبَهُّلُ): العناء في الطلب.

انظر: "مجاز القرآن" 1/ 96، وغريب القرآن، لليزيدي: 42، "الزاهر" 1/ 219، "الصحاح" 4/ 1642 - 1643 (بهل)، "مقاييس اللغة" 1/ 310 - 311 (بهل)، "الفائق" للزمخشري: 1/ 140، "الكشاف" 1/ 434، "اللسان" 1/ 375 (بهل).

(٢٠) البيت، في ديوانه: 197، وقد ورد منسوبًا له، في "تفسير الطبري" 3/ 298، "الزاهر" 1/ 219، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 415، "النكت والعيون" للماوردي: 1/ 398، "أساس البلاغة" 1/ 71 (بهل)، "تفسير القرطبي" 4/ 104.

وقد وردت روايته في بعض المصادر السابقة: (في كهول سادة)، وورد في كل المصادر السابقة: (..

من قومه) بدلًا من: (..

من قومهم).

و (قُروم) مفردها: (قَرْم)، وهو: السيِّد المقدَّم في الرأي والمعرفة وتجارب الأمور.

ويقال كذلك للسيد الرئيس: (مُقرَم).

انظر: "أساس البلاغة" 2/ 248 == (قرم)، "النهاية في غريب الحديث" 4/ 49، 50 (قرم).

وقد فسر الزمخشري في "أساس البلاغة" (ابتهل) الواردة في البيت، فقال: فاجتهد في إهلاكهم.

وفسرها د.

إحسان عباس محقق الديوان: (سبح، أوقف متضرعًا؛ أي أنه وقف معجبًا وهو ينظر إليهم، أو استشعر ذلة حاله بالنسبة إليهم ..).

(٢١) في (ب): (وكان)، وفي (ج)، (د): (وكلي).

(٢٢) (قال): ساقطة من: (ج).

(٢٣) أخرج هذه الرواية: أبو نعيم في "دلائل النبوة" 354، وهي في "تفسير البغوي" 2/ 48 من قول الكلبي دون أن يرفعها لابن عباس، وأوردها السيوطي في "الدر" 2/ 69 ونسب إخراجها لأبي نعيم.

وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 668 عن ابن عباس من رواية ابن جربج عنه: ( ﴿ ثُمَّ نَبْتَهِلْ ﴾ : نجتهد).

(٢٤) أوردها السيوطي في "الدر" 2/ 69 من طريق الكلبي عن ابن عباس، وعزاها لأبي نعيم في الدلائل، ولم أجدها فيه، وقال البغوي في "تفسيره" 2/ 48 (قال إبن عباس  ما: أي: يتضرع في الدعاء).

(٢٥) في (د): (ندعوا).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى ﴾ الآية حجة على النصارى في قولهم: كيف يكون ابن دون أب، فمثّله الله بآدم الذي خلقه الله دون أم ولا أب، وذلك أغرب مما اسبتعدوه، فهو أقطع لقولهم.

﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ﴾ تفسير لحال آدم فيكون حكاية عن حال ماضية، والأصل لو قال: خلقه من تراب، ثم قال له كن فكان، لكنه وضع المضارع موضع الماضي ليصور في نفوس المخاطبين أن الأمر كأنه حاضر دائم ﴿ الحق ﴾ خبر مبتدأ مضمر ﴿ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ ﴾ أي في عيسى، وكان الذي حاجه فيه وفد نجران من النصارى، وكان لهم سيدان يقال لأحدهما: السيد، والآخر، العاقب ﴿ نَبْتَهِلْ ﴾ نلتعن والبهلة اللعنة أي نقول: لعنة الله على الكاذب منا ومنكم، هذا أصل الابتهال: ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه، وإن لم يكن لعنة، ولما نزلت الآية أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي وفاطمة والحسن والحسين، ودعا نصارى نجران إلى الملاعنة فخافوا ان يهلكهم الله أو يمسخهم الله قردة وخنازير، فأبوا من الملاعنة وأعطوا الجزية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ها أنتم ﴾ بالمد وغير الهمزة حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

وروى ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ ها أنتم ﴾ على وزن "هعنتم" الباقون بالمد والهمز.

الوقوف: ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ القصص الحق ﴾ ج ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط لتناهي جملة وافية إلى ابتداء شرط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ ليس لكم به علم ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ مسلماً ﴾ ط ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ والذين آمنوا ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ لو يضلونكم ﴾ ط ﴿ يشعرون ﴾ ه ﴿ تشهدون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه.

التفسير: "روي أنه  لما أورد الدلائل على نصارى نجران، ثم إنهم أصروا على جهلهم قال  : إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم.

فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك.

فلما رجعوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - يا عبد المسيح ما ترى؟

قال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الفصل من أمر صاحبكم.

والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لكان الاستئصال، فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا / الرجل وانصرفوا إلى بلادكم.

فأتوا رسول الله  وقد خرج وعليه  مرط من شعر أسود.

وكان  قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه  وعلي  خلفها وهو يقول: إذا دعوت فأمنوا.

فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إنى لأرى وجوهاً لو دعت الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.

ثم قالوا: يا أبا القاسم، رأينا أن لا نباهلك وأن نقرك على دينك.

فقال  : فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين فأبوا.

فقال  : فإني أناجزكم أي أحاربكم.

فقالوا: ما لنا بحرب العرب المسلمين طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا على ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة، ألفاً في صفر وألفاً في رجب وثلاثين درعاً عادية من حديد فصالحهم على ذلك.

قال  : والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حاول الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا" .

وروي عن عائشة أنه  لما خرج في المرط الأسود جاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة ثم علي  ثم قال  ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً  ﴾ وهذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث.

﴿ فمن حاجك ﴾ من النصارى ﴿ فيه ﴾ في عيسى وقيل في الحق ﴿ من بعد ما جاءك من العلم ﴾ من البينات الموجبة للعلم بأن عيسى عبد الله ورسوله وذلك بطريق الوحي والتنزيل ﴿ فقل تعالوا ﴾ هلموا والمراد المجيء بالرأي والعزم كما تقول: تعال نفكر في هذه المسألة.

وهو في الأصل "تفاعلوا" من العلو.

وذلك أن بيوتهم كانت على أعالي الجبل، فكانوا ينادون تعال يا فلان أي ارتفع، إلا أنه كثر حتى استعمل في كل مجيء فصار بمنزلة "هلم".

﴿ ندع أبناءنا وأبناءكم ﴾ أي يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ويأتي هو بنفسه وبمن هو كنفسه إلى المباهلة.

وإنما يعلم إتيانه بنفسه من قرينة ذكر النفس ومن إحضار من هم أعز من النفس، ويعلم إتيان من هو بمنزلة النفس من قرينة أن الإنسان لا يدعو نفسه.

﴿ ثم نبتهل ﴾ ثم نتباهل وقد يجيء "افتعل" بمعنى "تفاعل" نحو: اختصم بمعنى تخاصم.

والتباهل أن يقول كل واحد منهما: بهلة الله على الكاذب منا أي لعنته.

ويقال: بهله الله أي لعنه وأبعده من رحمته ومنه قولهم: "أبهله" إذا أهمله.

وناقة بأهل لا صرار عليها بل هي مرسلة مخلاة.

فكل من شاء حلبها وأخذ لبنها لا قوة بها على الدفع عن نفسها.

فكأن المباهل يقول: إن كان كذا فوكلني الله إلى نفسي وفوّضني إلى حولي وقوتي وخلاني من كلائه وحفظه.

هذا / أصل الابتهال، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعاناً وهو المراد في الآية لئلا يلزم التكرار أي ثم نجتهد في الدعاء فنجعل اللعنة على الكاذب بأن نسأل الله أن يلعنه.

وفي الآية دلالة على أن الحسن والحسين وهما ابنا البنت يصح أن يقال إنهما ابنا رسول الله  وعد أن يدعو أبناءه ثم جاء بهما.

وقد تمسك الشيعة قديماً وحديثاً بها في أن علياً أفضل من سائر الصحابة لأنها دلت على أن نفس علي مثل نفس محمد إلا فيما خصه الدليل.

وكان في الري رجل يقال له محمود بن الحسن الحمصي، وكان متكلم الاثني عشرية يزعم أن علياً أفضل من سائر الأنبياء سوى محمد.

قال: وذلك أنه ليس المراد بقوله: ﴿ وأنفسنا ﴾ نفس محمد لأن الإنسان لا يدعو نفسه فالمراد غيره.

وأجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب فإذاً نفس علي هي نفس محمد.

لكن الإجماع دل على أن محمداً أفضل من سائر الأنبياء، فكذا علي  قال: ويؤكده ما يرويه المخالف والموافق أنه  قال: " من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحاً في طاعته، وإبراهيم في خلته، وموسى في قربته، وعيسى في صفوته فلينظر إلى علي بن أبي طالب  " فدل الحديث على أنه اجتمع فيه  ما كان متفرقا فيهم، وأجيب بأنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمداً أفضل من سائر الأنبياء فكذا انعقد الإجماع بينهم قبل ظهور هذا الإنسان على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي، وأجمعوا على أن علياً  ما كان نبياً، فعلم أن ظاهر الآية كما أنه مخصوص في حق محمد  فكذا في حق سائر الأنبياء، وأما فضل أصحاب الكساء فلا شك في دلالة الآية على ذلك، ولهذا ضمهم إلى نفسه بل قدمهم في الذكر.

وفيها أيضاً دلالة على صحة نبوة محمد  فإنه لو لم يكن واثقاً بصدقه لم يتجرأ على تعريض أعزته وخويصته وأفلاذ كبده في معرض الابتهال ومظنة الاستئصال، ولولا أن القوم عرفوا من التوراة والإنجيل ما يدل على نبوته  لما أحجموا عن مباهلته، وأما قول المشركين ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء  ﴾ فليس من قبيل المباهلة، فإن النبي  لم يعرض نفسه لذلك ولم يكن ذلك القول في معرض الاحتجاج والادعاء ولا بإذن من الله  لرسوله.

﴿ إن هذا ﴾ الذي تلي عليك من نبأ عيسى ﴿ لهو القصص الحق وما من إله إلا الله ﴾ وهو في إفادة معنى الاستغراق لزيادة "من" بمنزلة لا إله إلا الله مبنياً على الفتح، وفيه رد على النصارى في تثليثهم ﴿ وإن الله لهو العزيز الحكيم ﴾ فيه جواب عن شبهة النصارى أن عيسى يقدر على الإحياء ويخبر عن الغيوب، فإن هذا القدر من القدرة والعلم لا يكفي في الإلهية، بل يجب أن يكون الإله غالباً لا يدفع ولا يمنع وهم يقولون إنه قد قتل ولم يقدر على الدفع.

ويلزم أن يكون عالماً / بكل المعلومات وبعواقب الأمور وعيسى لم يكن كذلك ﴿ فإن تولوا ﴾ عما وصفت من التوحيد وأن إله الخلق يجب أن يكون قادراً على المقدورات عالماً بجميع المعلومات، فاعلم أن إعراضهم ليس إلا على سبيل العناد، فاقطع كلامك معهم وفوِّض أمرهم إلى الله فإنه عليم بحال المفسدين في الدين، وبنياتهم وأغراضهم الفاسدة فيجازيهم بأعمالهم الخبيثة.

ثم إنه  لما أورد على نصارى نجران من الدلائل ما انقطعوا معه، ثم دعاهم إلى المباهلة فانخذلوا ورضوا بالصغار وقبلوا الجزية، أمره الله  بنمط آخر من الكلام مبني على الإنصاف يشهد به كل طبع مستقيم وعقل سليم فقال: ﴿ قل يا أهل الكتاب ﴾ يعني نصارى نجران، لأن الآية من تمام قصتهم، ولأنه كلام منصف فخوطب بما يطيب به قلوبهم كما لو قيل لحامل القرآن: يا حافظ كتاب الله.

وقيل: المراد يهود المدينة، وقيل اليهود والنصارى جميعاً لأن ظاهر اللفظ يتناولهما، ولما روي أن اليهود قالوا للنبي  : ما تريد إلا أن نتخذك رباً كما اتخذت النصارى عيسى، وقالت النصارى: يا محمد ما نريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير.

فأنزل الله  هذه الآية.

والمراد من قوله: ﴿ تعالوا ﴾ تعيين ما دعوا إليه والتوجه إلى النظر فيه وإن لم يكن انتقالاً من مكان إلى مكان.

والمعنى هلموا إلى كلمة سواء فيها إنصاف من بعضنا لبعض، لا ميل فيه لأحد على صاحبه.

والسواء هو العدل والإنصاف لأن حقيقة الإنصاف إعطاء النصف وفيه التسوية بين نفسه وبين صاحبه.

أو المراد إلى كلمة سواء مستوية بيننا وبينكم لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل.

وتفسير الكلمة بقوله: ﴿ أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ﴾ فمحل ﴿ أن لا نعبد ﴾ خفض على البدل من ﴿ كلمة ﴾ أو رفع على الخبر أي هي أن لا نعبد.

وهو خبر في معنى الأمر أي اعبدوا.

وإنما ذكر أموراً ثلاثة لأن النصارى جمعوا بين الثلاثة.

فعبدوا غير الله وهو المسيح، وأشركوا به غيره لأنهم أثبتوا أقانيم ثلاثة أباً وابناً وروح القدس، ثم قالوا: إن أقنوم الكلمة تدرعت بناسوت المسيح وأقنوم روح القدس تدرعت بناسوت مريم، ولولا كون هذين الأقنومين ذاتين مستقلتين لما جاز عليهما مفارقة ذات الأب والتدرع بناسوت عيسى ومريم.

وحيث أثبتوا ثلاثة ذوات مستقلة فقد أشركوا.

ثم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً لأنهم أطاعوهم في التحليل والتحريم من تلقاء أنفسهم من غير شريعة وبيان، ولأنهم يسجدون لهم ويطيعونهم في المعاصي وهوى النفس ورؤية الأمور من الوسائط ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه  ﴾ ولأن من مذهبهم أن الكامل في الرياضة يظهر فيه أثر اللاهوت ويحل فيه فيقدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص.

فهم وإن لم يطلقوا عليهم اسم الرب إلا أنهم أثبتوا / في حقهم معنى الربوبية، فثبت أن النصارى جمعوا بين الأمور الثلاثة، وبطلانها كالأمر المتفق عليه بين العقلاء.

فإن قيل: المسيح ما كان المعبود إلا الله فوجب أن يبقى الأمر بعد ظهور المسيح عليه، والقول بالاشتراك أيضاً ضائع.

وإذا لم يكن الحكم إلا لله وجب أن لا يرجع في التحليل والتحريم والانقياد والائتمار إلا إليه.

"عن عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله.

قال  : أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟

قال: نعم.

قال  : هو ذاك" .

وعن الفضيل: لا أبالي أطعت مخلوقاً في معصية الخالق أو صليت لغير القبلة.

﴿ فإن تولوا ﴾ عن التوحيد ﴿ فقولوا ﴾ أيها المسلمون لأهل الكتاب ﴿ اشهدوا بأنا مسلمون ﴾ دونكم كما يقول الغالب لمغلوبه في جدال أو صراع: لزمتك الحجة فاعترف بأني أنا الغالب.

أو يكون من باب التعريض ومعناه فاعترفوا بأنكم كافرون حيث أعرضتم عن الحق بعد ما تبين.

ثم إن اليهود كانوا يقولون: إن إبراهيم على ديننا وكذا النصارى، فأبطل الله  ذلك بأن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده.

فبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يعقل أن يكون يهودياً أو نصرانياً؟

لا يقال هذا أيضاً لازم عليكم لأنكم تدعون أن إبراهيم كان على دين الإسلام، والإسلام إنما أنزل بعده بزمان أطول مما بينه وبين إنزال التوراة والإنجيل.

لأنا نقول: القرآن أخبر بأن إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً وإنما كان حنيفاً مسلماً، وليس في الكتابين أنه كان يهودياً أو نصرانياً فظهر الفرق.

وأيضاً المسيح ما كان موجوداً في زمان إبراهيم حتى يعبد، وعبادة المسيح هي النصرانية عندكم.

وأيضاً لا نسخ في دين اليهود والنسخ جائز في ملة إبراهيم ﴿ ها أنتم هؤلاء ﴾ "ها" حرف التنبيه و ﴿ أنتم ﴾ مبتدأ و ﴿ هؤلاء ﴾ خبره و ﴿ حاججتم ﴾ جملة مستأنفة مبينة للأولى يعني أنتم هؤلاء الحمقى، وبيان حماقتكم أنكم حاججتم فيما لكم به علم مما نطق به التوراة والإنجيل من نعت محمد  .

أو ليس المراد وصفهم بالعلم حقيقة وإنما أراد: هب أنكم تحاجون فيما تدعون علمه، فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به ألبتة ولا ذكر له في كتابكم؟

وعن الأخفش: ﴿ ها أنتم ﴾ أصله أأنتم على الاستفهام.

فقلبت الهزة هاء، ومعنى الاستفهام التعجب من جهالتهم.

ثم حقق ذلك بقوله: ﴿ والله يعلم ﴾ كيف كان حال هذه الشرائع في الموافقة والمخالفة ﴿ وأنتم لا تعلمون ﴾ ثم بين ذلك مفصلاً فقال: ﴿ ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين ﴾ كما لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، أو عرض بالمشركين عن اليهود والنصارى لإشراكهم بالله عزيراً والمسيح.

فإن قيل: قولكم "إبراهيم على دين الإسلام" إن أردتم به الموافقة في الأصول فليس هذا مختصاً بدين الإسلام، وإن أردتم به الموافقة في الفروع لزم أن لا يكون محمد صاحب شريعة بل كان / مقرراً لشرع من قبله.

قلنا: نختار الأول والاختصاص ثابت.

فإن اليهود والنصارى مخالفون للأصول في زماننا لقولهم بالتثليث وإشراك عزير والمسيح بالله إلى غير ذلك من قبائح أفعالهم، أو الثاني ولا يلزم ما ذكرتم لجواز أنه  نسخ تلك الفروع بشرع موسى، ثم في زمان محمد نسخ شرع موسى بتلك الشريعة التي كانت ثابتة في زمان إبراهيم، فيكون محمد صاحب الشريعة مع موافقة شرعه شرع إبراهيم في معظم الفروع.

روى الواحدي "عن أصحاب رسول الله  قالوا: لما هاجر جعفر بن أبي طالب وأصحابه إلى الحبشة واستقرت بهم الدار وهاجر رسول الله  إلى المدينة وكان من أمر بدر ما كان، اجتمعت قريش من دار الندوة وقالوا: إن لنا في الذين عند النجاشي من أصحاب محمد  ثأراً بمن قتل منكم ببدر.

فأجمعوا مالاً وأهدوه إلى النجاشي لعله يدفع إليكم من عنده من قومكم، ولينتدب لذلك رجلان من ذوي آرائكم.

فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط مع هدايا الأدم وغيره، فركبا البحر وأتيا الحبشة.

فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما عليه وقالا له: إن قومنا لك ناصحون شاكرون وإصلاحك محبون، وإنهم بعثونا إليك لنحذرك هؤلاء القوم الذين قدروا عليك لأنهم قوم رجل كذاب خرج فينا يزعم أنه رسول الله ولم يتابعه أحد منا إلا السفهاء.

وإنا كنا ضيقنا عليهم الأمر وألجأناهم إلى شعب بأرضنا لا يدخل أحد منا عليهم ولا يخرج منهم أحد، قد قتلهم الجوع والعطش.

فلما اشتد عليهم الأمر بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك، وقد جئتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكهم.

قالوا: وآية ذلك أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي يحييك بها الناس رغبة عن دينك وسنتك.

قال: فدعاهم النجاشي.

فلما حضروا صاح جعفر بالباب يستأذن عليك حزب الله.

فقال النجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه ففعل جعفر.

فقال النجاشي: نعم فليدخلوا بأمان الله وذمته.

فنظر عمرو بن العاص إلى صاحبه فقال: ألا تسمع كيف يرطنون بحزب الله وما أجابهم به النجاشي فساءهما ذلك.

ثم دخلوا عليه ولم يسجدوا له فقال عمرو بن العاص: ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك؟

فقال لهم النجاشي: ما يمنعكم أن تسجدوا لي وتحيوني بالتحية التي يحيي بها من أتاني من الآفاق؟

قالوا: نسجد لله الذي خلقك وملكك، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان، فبعث الله فينا نبياً صادقاً وأمرنا بالتحية التي رضيها الله لنا وهي السلام تحية أهل الجنة.

فعرف النجاشي أن ذلك حق وأنه في التوراة والإنجيل.

قال: أيكم الهاتف يستأذن عليك حزب الله؟

قال جعفر: أنا.

قال: فتكلم.

قال: إنك ملك من ملوك أهل الأرض ومنأهل الكتاب، ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم، وأنا أحب أن أجيب عن أصحابي.

/ فمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما ولينصت الآخر فتسمع محاورتنا.

فقال عمرو لجعفر: تكلم.

فقال جعفر للنجاشي: سل هذا الرجل أعبيد نحن أم أحرار؟

فإن كنا عبيداً أبقنا من أربابنا فأرددنا إليهم.

فقال النجاشي: أعبيد هم أم أحرار؟

فقال: بل أحرار كرام.

فقال النجاشي: نجوا من العبودية.

قال جعفر: سلهما هل أهرقنا دماً بغير حق فيقتص منا؟

فقال عمرو: لا ولا قطرة.

قال جعفر: سلهما هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤها؟

قال النجاشي: يا عمرو إن كان قنطاراً فعليّ قضاؤه.

فقال عمرو: لا ولا قيراط.

قال النجاشي: فما تطلبون منهم؟

قال عمرو: كنا وهم على دين واحد وأمر واحد على دين آبائنا، فتركوا ذلك الدين واتبعوا غيره ولزمناه نحن، فبعثنا إليك قومهم لتدفعهم إلينا.

فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الذي اتبعوه أصدقني.

قال جعفر: أما الدين الذي كنا عليه فتركناه فهو دين الشيطان وأمره.

كنا نكفر بالله عزّ وجلّ ونعبد الحجارة.

وأما الدين الذي تحولنا إليه فدين الإسلام، جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقاً له.

فقال النجاشي: يا جعفر تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك.

ثم أمر النجاشي فضرب الناقوس فاجتمع إليه كل قسيس وراهب.

فلما اجمعوا عنده قال النجاشي: أنشدكم بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبياً مرسلاً؟

فقالوا: اللهم نعم، قد بشرنا به عيسى وقال: من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي.

فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل وما يأمركم به وما ينهاكم عنه؟

قال: يقرأ علينا كتاب الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بحسن الجوار وصلة الرحم وبر اليتيم، ويأمرنا أن نعبد الله وحده لا شريك له.

فقال: اقرأ علي شيئاً مما يقرأ عليكم.

فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم ففاضت أعين النجاشي وأصحابه من الدموع وقالوا: يا جعفر زدنا من هذا الحديث الطيب.

فقرأ عليهم سورة الكهف.

فأراد عمرو أن يغضب النجاشي فقال: إنهم يشتمون عيسى وأمه.

فقال النجاشي: ما تقولون في عيسى وأمه؟

فقرأ عليهم جعفر سورة مريم.

فلما أتى ذكر مريم وعيسى رفع النجاشي نفثة من سواكه قدر ما يقذى العين وقال: والله ما زاد المسيح على ما يقولون هذا.

ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال: اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي يقول آمنون من سبكم أو أذاكم.

قال: أبشروا ولا تخافوا فلا دهورة أي لا خوف اليوم على حزب إبراهيم.

قال عمرو: يا نجاشي ومن حزب إبراهيم؟

قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاؤا من عنده ومن اتبعهم.

فأنكر ذلك المشركون وادعوا أنهم في دين إبراهيم.

ثم رد النجاشي على عمرو وأصحابه المال الذي حملوه وقال: إنما هديتكم إليّ رشوة فاقبضوها فإن الله ملكني ولم يأخذ مني رشوة.

قال جعفر: وانصرفنا فكنا في خير دار وأكرم جوار، وأنزل الله عزّ وجلّ ذلك اليوم في خصومتهم في إبراهيم على رسول الله  هو بالمدينة قوله: ﴿ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ﴾ " على ملته وسنته في زمانه ﴿ وهذا النبي ﴾ يعني محمداً  ﴿ والذين آمنوا ﴾ في آخر الزمان ﴿ والله ولي المؤمنين ﴾ بالنصرة والتأييد والتوفيق والتسديد.

ومعنى ﴿ أولى الناس ﴾ أخصهم به وأقربهم منه من الولي القرب.

وقرىء ﴿ وهذا النبي ﴾ بالنصب عطفاً على الهاء في ﴿ اتبعوه ﴾ وبالجر عطفاً على ﴿ إبراهيم ﴾ عن رسول الله  : " إن لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليل ربي إبراهيم ثم قرأ إن أولى الناس الآية " ثم بين أنهم لا يقتصرون على هذا القدر بل يجتهدون في إضلال المؤمنين بإلقاء الشبهات وإبداء المكايد كما أرادوا بحذيفة وعمار ومعاذ بن جبل وقد ذكرناه في سورة البقرة.

﴿ وما يضلون إلا أنفسهم ﴾ لأن وبال الإضلال يعود عليهم فيضاعف لهم العذاب بالضلال والإضلال، أو وما يقدرون على إضلال المؤمنين وإنما يضلون أمثالهم من أشياعهم ﴿ وما يشعرون ﴾ أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين.

ثم وبخهم على قبائح أفعالهم بطريق الاستفهام فقال: ﴿ لم تكفرون بآيات الله ﴾ قيل: أي بالتوراة والإنجيل لما فيهما من البشارة بنبوة محمد  ، أو أن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً، أو أن الدين عند الله الإسلام، ومعنى الكفر بالتوراة والإنجيل إما الكفر بما يدلان عليه فيكون قد أطلق اسم الدليل على المدلول، أو الكفر بنفس التوراة والإنجيل لأنهم كانوا يحرّفونهما وينكرون وجود تلك الآيات الدالة على نبوة محمد  .

ومعنى ﴿ وأنتم تشهدون ﴾ أنهم عند حضور المسلمين وعند حضور عوامهم كانوا ينكرون اشتمال التوراة والإنجيل على نعت محمد  ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض شهدوا بصحتها، وعلى هذا فيكون في الآية إخبار عن الغيب فيكون معجزاً.

وقيل: آيات الله في القرآن وشهادتهم أنهم يعرفون في قلوبهم أنه حق.

وقيل: آيات الله جملة المعجزات التي ظهرت على يد النبي  .

فمعنى تشهدون أنكم تعترفون بدلالة المعجزة على صدق المدعي.

ثم لما وبخهم على الغواية أردفه التوبيخ بالإغواء.

وهو إما بإلقاء الشبهات في الدين وهو معنى لبسهم الحق بالباطل، وإما بإخفاء الدلائل وهو كتمانهم الحق.

عن الحسن وابن زيد: حرفوا التوراة فخلطوا المنزل بالمحرف.

وعن ابن عباس: أظهروا الإسلام في أول النهار ثم رجعوا عنه في آخره تشكيكاً للناس.

قيل: إن في الكتابين ما يدل على نبوة محمد  والبشارة به وفيهما ما يوهم خلاف ذلك فيكون كالمحكم والمتشابه في القرآن.

فلبسوا على الضعفاء أحد الأمرين بالآخر كما يفعل كثير من المشبهة.

وهذا قول القاضي.

وقيل: كانوا يقولون: إن محمداً  معترف بأن شرع موسى حق، ثم إن التوراة دلت على أنه لا ينسخ، / وكل ذلك إلقاء الشبهات.

وأما كتمان الحق فهو أن الآيات الدالة في التوراة على نبوة محمد  كان الاستدلال بها مفتقراً إلى التدبر والتأمل، والقوم كانوا يجتهدون في إخفاء تلك الألفاظ التي بمجموعها يتم الاستدلال كما يفعل المبتدعة في زماننا ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ أنكم إنما تفعلون ذلك عناداً وحسداً، أو تعلمون أنكم من أهل المعرفة، أو تعلمون حقيتها، أو أن عقاب من يفعل هذه الأفعال عظيم والله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ﴾ ، قيل: ذلك الذي ذكر في هذه الآية: نتلو عليك يا محمد.

﴿ مِنَ الآيَاتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ .

هو المحكم، وقيل: ﴿ ٱلْحَكِيمِ ﴾ ، أي: من نظر فيه وتفكر يصير حكيماً؛ كما قال: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ ، أي: يبصر فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ﴾ : قيل في القصَّة: إن نصارى من أهل نجران قدموا على رسول الله  فقالوا له: إنك تشتم صاحبنا عيسى بن مريم، تزعم أنه عبد، وهو يُحْيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير فيطير، فأرنا فيما خلق الله عبداً مثله يعمل هذا، والنصارى في الحقيقة مشبهة وقدرية: وأمَّا التشبيه: فإنما حملهم على ذلك ظنهم في قول إبراهيم  ؛ حيث قال: ﴿ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ  ﴾ ؛ ظنوا إن عيسى لما قال: ﴿ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ  ﴾ أنه رب وإله؛ لأن إبراهيم -  - أخبر أن ربه ﴿ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ  ﴾ ؛ فسموا عيسى إلهاً بهذا، وهم كانوا يرون عيسى يأكل ويشرب وينام؛ فلولا أنهم عرفوا الله - عز وجل - وإلاّ ما شبهوه به،  الله عن ذلك.

وأمّا القدرية: فلما لم يروا الله في أفعال العباد صنعاً؛ إنما رأوا ذلك للخلق خاصة، فلما رأوا ذلك من عيسى -  - ظنوا أنه ربٌّ؛ لما لم يروا ذلك من غيره، ولو كانوا عرفوا الله حق المعرفة، لعلموا أن لم يكن من عيسى إلا تصوير ذلك الطير وتمثيله، ويكون مثله من كل أحد؛ وإنما الإحياء كان من الله - عز وجل - أجراه على يدي عيسى -  - وأظهره، وإنما كان من عيسى تصويره فقط؛ وكذلك ما كان من إبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من الله - عزو جل - أجراه على يديه آيات لنبوته؛ لأنهم ادعوا له الربوبية من وجهين: لكونه من غير أب، ولآياته.

ثم قوله: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ﴾ - يحتمل وجهين - والله أعلم -: أحدهما: أن الله - عز وجل - صور صورة آدم من طين، ثم جعل فيه الروح، لم يجز أن يقال صار آدم حيّاً من نفسه؛ لوجود صورته، كيف جاز لكم أن تقولوا: إن عيسى لمّا صوَّر ذلك الطير من الطين، صار محيياً له بتصويره إياه دون إحياء الله -  - إياه؟!

والله أعلم.

والثاني: أن آدم -  - خُلِقَ لا من أب وأم، ثم لم تقولوا: إنه رب أو إله، فكيف قلتم في عيسى: إنه إله؛ وإنه خلق لا من أب؛ إذ عدم الأبوة في آدم لم يوجب أن يكون ربّاً؛ وكيف أوجب عدم الأبوة في عيسى كونه ربّاً وإلها؟!

والله الموفق.

وإنما كان عيسى بقوله: "كن" - كما كان آدم، أيضاً، بـ"كن" - من غير أب.

وقوله: ﴿ كُنْ ﴾ : قد ذكرنا أنه أوجز كلام في لسان العرب يعبر فيؤدي المعنى؛ فيفهم المراد، لا أن كان من الله - عز وجل - كاف، أو نون، أو وقت، أو حرف، أو يوصف كلامه بشيء مما يوصف به كلام الخلق،  الله عن ذلك.

وقوله: ﴿ فَيَكُونُ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل "يكون"، بمعنى: كان، والعرب تستعمل ذلك ولا تأبى.

والثاني: أن تكون الكائنات بأسبابها في أوقاتها التي أراد كونها على ما أراد، وأصل ذلك، إذ ذكر الله ووصف بذكر بلا ذكر وقت في الأزل، وإذا ذكر الخلق معه يذكر الوقت، والوقت يكون للخلق يقول: خالق لم يزل، وخالقه في وقت خلقه.

وقوله: ﴿ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ : يحتمل هذا وجوهاً: يحتمل أن يكون الخطاب لكل أحد قال في عيسى ما قالوا، أي: لا تكن من الممترين في عيسى أنه عبد الله خالصاً، وأنه نبيه ورسوله إليكم.

ويحتمل أن يكون الخطاب للنبي  والمراد غيره؛ وهكذا عادة ملوك الأرض أنهم إذا أرادوا أن يعرفوا رعيتهم شيئاً، يخاطبون أعقلهم وأفضلهم وأرفعهم منزلة وقدراً عندهم؛ استكباراً منهم مخاطبة كل وضيع وسيفه؛ فكذلك [ولله المثل الأعلى] الله - عز وجل - خاطب نبيّه؛ إعظاماً له وإجلالاً، والله أعلم.

ويحتمل ما ذكرنا فيما تقدم أن العصمة لا تمنع الأمر ولا النهي؛ بل تزيد أمراً ونهياً، وإن كان يعلم أنه لا يكون من الممترين أبداً، والله الموفق.

وقوله: ﴿ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ ﴾ الآية.

دعاهم  إلى المباهلة، فالمباهلة في لغة العرب: الملاعنة، دعاهم إلى الدعاء باللعنة على الكاذبين، فامتنعوا عن ذلك؛ خوفاً [منهم لحوق اللعنة؛ فدل امتناعهم عن ذلك أنهم عرفوا كذبهم، لكنهم تعاندوا] وكابروا؛ فلم يقروا بالحق.

وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ ﴾ : يعني: الخبر الحق.

وقوله: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : ظاهر، قد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، يحتمل: خبر الحق في أمر عيسى -  - أنه كان عبداً بشراً نبيّاً، ﴿ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ ، أي: لا يحملنك شدة لجاجتهم وكثرتهم في القول فيه بهذا الوصف على الشك في الخبر الّذي جاءك عن الله؛ كقوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ ﴾ إلى آخره [هود: 12]: على الموعظة، لا على أن يكون كذلك، أو على ما سبق ذكره، والله أعلم.

ويحتمل: ﴿ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، أي: كل حق فهو عن الله جائز إضافته إليه، على الوجوه التي تضاف إليه، الباطل من الوجه الذي هو باطل، ﴿ فَلاَ تَكُنْ ﴾ في ذلك ﴿ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ ، والله أعلم.

وجائز أن يقول: جعل الله ذلك الفعل ممن فعله باطلاً، ولا يقال: الباطل من الله، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فمن جادلك -أيها الرسول- من نصارى نجران في أمر عيسى زاعمًا أنه ليس عبدًا لله من بعد ما جاءك من العلم الصحيح في شأنه؛ فقل لهم: تعالوا نُنَادِ للحضور أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ونجتمع كلنا، ثم نتضرع إلى الله بالدعاء أن ينزل لعنته على الكاذبين منا ومنكم.

من فوائد الآيات من كمال قدرته تعالى أنه يعاقب من يمكر بدينه وبأوليائه، فيمكر بهم كما يمكرون.

بيان المعتقد الصحيح الواجب في شأن عيسى  ، وبيان موافقته للعقل فهو ليس بدعًا في الخلقة، فآدم المخلوق من غير أب ولا أم أشد غرابة والجميع يؤمن ببشريته.

مشروعية المُباهلة بين المتنازعين على الصفة التي وردت بها الآية الكريمة.

<div class="verse-tafsir" id="91.dqrAb"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قلنا إن هذه الآيات سيقت في معرض إثبات نبوة محمد  ببيان أن لله تعالى أن يصطفي من عباده من يشاء لرسالته، وأنه مستقل في أفعاله، فلا وجه لإنكار اصطفائه محمدًا، وقد اصطفى قبله آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران.

ثم جاء في السياق ذكر قصة عيسى وأمه وما جاء به وما كان من كفر بعض قومه به ورمي أمه بالزنا، وإيمان بعض، وهناك قسم ثالث لم يكفر بعيسى ولم يؤمن به إيمانًا صحيحًا بل افتتن به افتنانًا لكونه ولد من غير أب، وزعموا أن معنى كونه ولد بكلمة من الله وكونه من روح الله أن الله تعالى حل في أمه وأن كلمة الله تجسدت فيه فصار إلهًا وإنسانًا، فضرب للكافرين والمفتونين مثل خلق آدم من تراب، وهو حجة على الفريقين من اليهود والنصارى، ولا شك أن خلق آدم أعجب من خلق عيسى لأن هذا خلق من حيوان من نوعه وذاك قد خلق من تراب.

وفي الكلام إرشاد إلى أن أمر الخلقة يشبه بعضه بعضًا فكله غريب بالنسبة إلينا إذا تفكرنا في حقيقتها وعللها، ولا شيء منه بغريب عند الموجد المبدع، أما القوانين المعروفة في علم الخليقة فهي قد استخرجت مما نعهده ونشاهده، وليست قوانين عقلية قامت البراهين على استحالة ما عداها كيف وأننا نرى كل يوم ما يخالفها كالحيوانات التي لها أعضاء زائدة والتي تولد من غير جنسها وترون ذكر ذلك في الجرائد ويعبرون عنه بفلتات الطبيعة، وهو إنما خالف ما نعرف لا ما يعلم الله تعالى، وما يدرينا أن لكل هذه الشواذ والفلتات سننًا مطردة محكمة لم تظهر لنا، وكذلك شأن خلق عيسى، فكونه على غير المعهود ليس مزية تقتضي تفضيله عليهم فكيف تقتضي أن يكون إلهًا؟.

وإذا كان عيسى قد خلق من بعض جنسه فآدم قد خلق من غير جنسه فهو أولى بالمزية لو كانت، وبالإنكار إن صح.

على أن ما نعرف من أمر الخلقة ليس لنا منه إلا الظاهر، نصفه ونقول به وإن لم نعقله، وماذا نعقل من الرابطة بين الحس والنطق في الانسان مثلًا؟

بل ماذا نعقل من أمر حبة الحنطة في نبتها واستوائها على سوقها وتناسب أوراقها وغير ذلك؟!

﴿ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ  ﴾ .

الروايات متفقة على أن النبي  اختار للمباهلة عليًا وفاطمة وولديهما ويحملون كلمة نساءنا على فاطمة وكلمة أنفسنا على علي فقط، ومصادر هذه الروايات الشيعة، ومقصدهم منها معروف، وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا حتى راجت على كثير من أهل السنة، ولكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية فإن كلمة "نساءنا" لا يقولها العربي ويريد بها بنته لا سيما إذا كان له أزواج، ولا يفهم هذا من لغتهم، وأبعد من ذلك أن يراد بأنفسنا علي عليه الرضوان.

ثم إن وفد نجران الذين قالوا إن الآية نزلت فيهم لم تكن معهم نساؤهم وأولادهم.

وكل ما يفهم من الآية أمر النبي  أن يدعو المحاجين والمجادلين في عيسى من أهل الكتاب إلى الاجتماع رجالًا ونساء وأطفالًا ويجمع هو المؤمنين رجالًا ونساء وأطفالًا ويبتهلون إلى الله تعالى بأن يلعن الكاذب فيما يقول عن عيسى، وهذا الطلب يدل على قوة يقين صاحبه وثقته بما يقول كما يدل على امتناع من دعوا إلى ذلك من أهل الكتاب سواء كانوا نصارى نجران أو غيرهم على امترائهم في حجاجهم ومماراتهم فيما يقولون وزلزالهم فيما يعتقدون وكونهم على غير بينة ولا يقين.

وأنَّى لمن يؤمن بالله أن يرضى بأن يجتمع مثل هذا الجمع من الناس المحقين والمبطلين في صعيد واحد متوجهين إلى الله تعالى في طلب لعنه وإبعاده من رحمته؟

وأي جراءة على الله واستهزاء بقدرته وعظمته أقوى من هذا.

أما كون النبي  والمؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى  فحسبنا في بيانه قوله تعالى ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ  ﴾ فالعلم في هذه المسائل الاعتقادية لا يراد به إلا اليقين.

وفي قوله: ﴿ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ  ﴾ إلخ وجهان: أحدهما: أن كل فريق يدعو الآخر فأنتم تدعون أبناءنا ونحن ندعو أبناءكم وهكذا الباقي.

وثانيهما: أن كل فريق يدعو أهله فنحن المسلمين ندعو أبناءنا ونساءنا وأنفسنا وأنتم كذلك ولا إشكال في وجه من وجهي التوزيع في دعوة الأنفس وإنما الإشكال فيه على قول الشيعة ومن شايعهم على القول بالتخصيص.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله