الآية ٦٢ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٦٢ من سورة آل عمران

إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٦٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 71 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٢ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٢ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال الله تعالى : ( إن هذا لهو القصص الحق ) أي : هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا معدل عنه ولا محيد ( وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن هذا الذي أنبأتك به، يا محمد، من أمر عيسى فقصصته عليك من أنبائه، وأنه عبدي ورسولي وكلمتي ألقيتها إلى مريم وروح منّي، لهو القصَص والنبأ الحق، فاعلم ذلك.

واعلم أنه ليس للخلق معبودٌ يستوجبُ عليهم العبادةَ بملكه إياهم إلا معبودك الذي تعبُدُه، وهو الله العزيز الحكيم.

* * * ويعني بقوله: الْعَزِيزُ ، العزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، وادعى معه إلهًا غيرَه، أو عبد ربًّا سواه (1) = الْحَكِيمُ في تدبيره، لا يدخل ما دبره وَهَنٌ، ولا يلحقه خللٌ.

(2) -------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"العزيز" فيما سلف 3: 88 / 6: 165 ، 168 ، 271.

(2) انظر تفسير"الحكيم" فيما سلف قريبًا: 467 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيمقوله تعالى : إن هذا لهو القصص الحق الإشارة في قوله إن هذا إلى القرآن وما فيه من الأقاصيص ، سميت قصصا لأن المعاني تتتابع فيها ; فهو من قولهم : فلان يقص أثر فلان ، أي يتبعه .وما من إله إلا الله " من " زائدة للتوكيد ، والمعنى وما إله إلا الله العزيز أي الذي لا يغلب .

الحكيم ذو الحكمة .

وقد تقدم مثله والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إنَّ هذا } الذي قصه الله على عباده هو { القصص الحق } وكل قصص يقص عليهم مما يخالفه ويناقضه فهو باطل { وما من إله إلا الله } فهو المألوه المعبود حقا الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ولا يستحق غيره مثقال ذرة من العبادة { وإن الله لهو العزيز } الذي قهر كل شيء وخضع له كل شيء { الحكيم } الذي يضع الأشياء مواضعها، وله الحكمة التامة في ابتلاء المؤمنين بالكافرين، يقاتلونهم ويجادلونهم ويجاهدونهم بالقول والفعل

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قال الله تعالى : ( إن هذا لهو القصص الحق ) النبأ الحق ( وما من إله إلا الله ) و " من " صلة تقديره وما إله إلا الله ( وإن الله لهو العزيز الحكيم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن هذا» المذكور «لهو القصص» الخبر «الحق» الذي لاشك فيه «وما من» زائدة «إله إلا الله وإن الله لهو العزيز» في ملكه «الحكيم» في صنعه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن هذا الذي أنبأتك به من أمر عيسى لهو النبأ الحق الذي لا شك فيه، وما من معبود يستحق العبادة إلا الله وحده، وإن الله لهو العزيز في ملكه، الحكيم في تدبيره وفعله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أحد - سبحانه - صدق ما أخبر به عن عيسى وغيره فقال : { إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز الحكيم } .أى إن الذى قصصناه عليك وأخبرناك به يا محمد من شأن عيسى ومن كل شأن من الشئون لهو القصص الثابت الذى لا مجال فيه لإنكار منكر ، ولا لتشكيك متشكك .وقد أكد - سبحانه - صدق هذا القصص بحرف إن وباللام فى قوله { لَهُوَ } وبضمير الفصل " هو " وبالقصر الذى تضمنه تعريف الطرفين وذلك ليكون الرد حاسما على كل منكر ما أخبر الله به فى شأن عيسى - عليه السلام - وفى كل ما قصه على نبيه صلى الله عليه وسلم .وقوله { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله } نفى قاطع لأن يكون هناك إله سوى الله - تعالى - وإثبات بأن الألوهية الحقة إنما هي لله رب العالمين .وقد أكد - سبحانه - نفى الألوهية عن غيره بكلمة { مِنْ } المفيدة لاستغراق النفى استغراقا مستمرا ثابتا مؤكدا .وقوله { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله } " ما " النافية ، و " إله " فى قوله { مِنْ إله } مبتدأ و { مِنْ } مزيدة فيه ، و { إِلاَّ الله } خبره والتقدير : وما إله إلا الله ، وزيدت من للاستغراق والعموم .وقوله { وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز الحكيم } تذييل قصد به تأكيد قصر الألوهية على الله - تعالى - وحده ، أى وإن الله - تعالى - لهو المنفرد بالألوهية وحده؛ لأنه هو الغالب الذى يقهر ولا يقهر ، الحكيم في كل ما يخلقه ويدبره .وفى هذا التذييل أيضاً رد على أولئك الضالين الذين يزعمون أن المسيح إله ويعتقدون مع ذلك أنه صلب ولم يستطع أن يدافع عن نفسه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ إِنَّ هَذَا ﴾ إشارة إلى ما تقدم ذكره من الدلائل، ومن الدعاء إلى المباهلة ﴿ لَهُوَ القصص الحق ﴾ والقصص هو مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى الدين، ويرشد إلى الحق ويأمر بطلب النجاة فبين تعالى إن الذي أنزله على نبيه هو القصص الحق ليكون على ثقة من أمره، والخطاب وإن كان معه فالمراد به الكل.

المسألة الثانية: ﴿ هُوَ ﴾ في قوله: ﴿ لَهُوَ القصص الحق ﴾ فيه قولان أحدهما: أن يكون فصلاً وعماداً، ويكون خبر ﴿ إِن ﴾ هو قوله: ﴿ القصص الحق ﴾ .

فإن قيل: فكيف جاز دخول اللام على الفصل؟.

قلنا: إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجود، لأنه أقرب إلى المبتدأ منه، وأصلها أن تدخل على المبتدأ.

والقول الثاني: إنه مبتدأ، والقصص خبره، والجملة خبر ﴿ إِن ﴾ .

المسألة الثالثة: قرئ ﴿ لَهُوَ ﴾ بتحريك الهاء على الأصل، وبالسكون لأن اللام ينزل من ﴿ هُوَ ﴾ منزلة بعضه فخفف كما خفف عضد.

المسألة الرابعة: يقال: قص فلان الحديث يقصه قصاً وقصصاً، وأصله اتباع الأثر، يقال: خرج فلان قصصاً، وفي أثر فلان، وقصاً، وذلك إذا اقتص أثره، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصّيهِ  ﴾ وقيل للقاص إنه قاص لاتباعه خبراً بعد خبر، وسوقه الكلام سوقاً، فمعنى القصص الخبر المشتمل على المعاني المتتابعة.

ثم قال: ﴿ وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله ﴾ وهذا يفيد تأكيد النفي، لأنك لو قلت عندي من الناس أحد، أفاد أن عندك بعض الناس، فإذا قلت ما عندي من الناس من أحد، أفاد أنه ليس عندك بعضهم، وإذا لم يكن عندك بعضهم، فبأن لا يكون عندك كلهم أولى فثبت أن قوله: ﴿ وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله ﴾ مبالغة في أنه لا إله إلا الله الواحد الحق سبحانه وتعالى.

ثم قال: ﴿ وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز الحكيم ﴾ وفيه إشارة إلى الجواب عن شبهات النصارى، وذلك لأن اعتمادهم على أمرين أحدهما: أنه قدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فكأنه تعالى قال: هذا القدر من القدرة لا يكفي في الإلهية، بل لابد وأن يكون عزيزاً غالباً لا يدفع ولا يمنع، وأنتم قد اعترفتم بأن عيسى ما كان كذلك، وكيف وأنتم تقولون إن اليهود قتلوه؟

والثاني: أنهم قالوا: إنه كان يخبر عن الغيوب وغيرها، فيكون إلها، فكأنه تعالى قال: هذا القدر من العلم لا يكفي في الإلهية، بل لابد وأن يكون حكيماً، أي عالماً بجميع المعلومات وبجميع عواقب الأمور، فذكر ﴿ العزيز الحكيم ﴾ هاهنا إشارة إلى الجواب عن هاتين الشبهتين ونظير هذه الآية ما ذكره تعالى في أول السورة من قوله: ﴿ هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء لا إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم  ﴾ .

ثم قال: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ الله عَلِيمٌ بالمفسدين ﴾ والمعنى: فإن تولوا عما وصفت من أن الله هو الواحد، وأنه يجب أن يكون عزيزاً غالباً قادراً على جميع المقدورات، حكيماً عالماً بالعواقب والنهايات مع أن عيسى عليه السلام ما كان عزيزاً غالباً، وما كان حكيماً عالماً بالعواقب والنهايات.

فاعلم أن توليهم وإعراضهم ليس إلا على سبيل العناد فاقطع كلامك عنهم وفوض أمرهم إلى الله، فإن الله عليم بفساد المفسدين، مطلع على ما في قلوبهم من الأغراض الفاسدة، قادر على مجازاتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّ هَذَا ﴾ الذي قص عليك من نبأ عيسى ﴿ لَهُوَ القصص الحق ﴾ قرئ بتحريك الهاء على الأصل وبالسكون، لأن اللام تنزل من ﴿ هُوَ ﴾ منزلة بعضه، فخفف كما خفف عضد.

وهو إما فصل بين اسم إن وخبرها، وإما مبتدأ والقصص الحق خبره.

والجملة خبر إن.

فإن قلت: لم جاز دخول اللام على الفصل؟

قلت: إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجوز، لأنه أقرب إلى المبتدأ منه، وأصلها أن تدخل على المبتدأ.

و (من) في قوله: ﴿ وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله ﴾ بمنزلة البناء على الفتح في (اَ إله إِلاَّ الله) في إفادة معنى الاستغراق، والمراد الردّ على النصارى في تثليثهم ﴿ فَإِنَّ الله عَلِيمٌ بالمفسدين ﴾ وعيد لهم بالعذاب المذكور في قوله: ﴿ زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ﴾ [النحل: 88] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ هَذا ﴾ أيْ ما قُصَّ مِن نَبَأِ عِيسى ومَرْيَمَ.

﴿ لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ ﴾ بِجُمْلَتِها خَبَرُ إنَّ، أوْ هو فَصْلٌ يُفِيدُ أنَّ ما ذَكَرَهُ في شَأْنِ عِيسى ومَرْيَمَ حَقٌّ دُونَ ما ذَكَرُوهُ، وما بَعْدَهُ خَبَرٌ واللّامُ دَخَلَتْ فِيهِ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ، وأصْلُها أنْ تَدْخُلَ عَلى المُبْتَدَأِ ﴿ وَما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ ﴾ صَرَّحَ فِيهِ بِ مِنِ المَزِيدَةِ لِلِاسْتِغْراقِ تَأْكِيدًا لِلرَّدِّ عَلى النَّصارى في تَثْلِيثِهِمْ ﴿ وَإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ لا أحَدَ سِواهُ يُساوِيهِ في القُدْرَةِ التّامَّةِ والحِكْمَةِ البالِغَةِ لِيُشارِكَهُ في الأُلُوهِيَّةِ.

﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ ﴾ وعِيدٌ لَهم ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ التَّوَلِّيَ عَنِ الحُجَجِ والإعْراضَ عَنِ التَّوْحِيدِ، إفْسادٌ لِلدِّينِ والِاعْتِقادِ المُؤَدِّي إلى فَسادِ النَّفْسِ بَلْ وإلى فَسادِ العالَمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ هَذَا} الذي قص عليك من نبأ عيسى {لَهُوَ القصص الحق} هو فصل بين اسم إن وخبرها أو مبتدا والقصص الحق خبره والجملة خبر إن وجاز دخول اللام على الفصل لأنه إذا جاز دخولها على الخبر كان دخول على الفصل أجوز لأنه أقرب إلى المبتدأ منه واصلها أن تدخل على المبتدا ومن في {وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله} بمنزلة البناء على الفتح لا إله إلا الله في إفادة معنى الاستغراق والمراد الرد على النصارى في تثليثهم {وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز} في الانتقام {الحكيم} في تدبير الأحكام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ هَذا ﴾ أيِ المَذْكُورَ في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ ﴿ لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ ﴾ جُمْلَةٌ اِسْمِيَّةٌ خَبَرُ (إنَّ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرَ فَصْلٍ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، و(اَلْقَصَصُ) هو الخَبَرُ، وضَمِيرُ الفَصْلِ يُفِيدُ القَصْرَ الإضافِيَّ كَما يُفِيدُهُ تَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ و(اَلْحَقُّ) صِفَةُ القِصَصِ وهو المَقْصُودُ بِالإفادَةِ، أيْ إنَّ هَذا هو الحَقُّ لا ما يَدَّعِيهِ النَّصارى مِن كَوْنِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَهًا وابْنَ اللَّهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُهُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَصْرِ والتَّأْكِيدِ لَوْ لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ ما يُفِيدُ ذَلِكَ، وإنْ كانَ كَما هُنا فَهو لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ هو المَشْهُورُ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ ولَعَلَّهُ الأوْجُهُ، واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، والأصْلُ فِيها أنْ تَدْخُلَ عَلى المُبْتَدَأِ إلّا أنَّهم يُزَحْلِقُونَها إلى الخَبَرِ لِئَلّا يَتَوالى حَرْفا تَأْكِيدٍ، وإذا جازَ دُخُولُها عَلى الخَبَرِ كانَ دُخُولُها عَلى الفَصْلِ أجْوَزَ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى المُبْتَدَأِ، فافْهَمْ.

و(اَلْقَصَصُ) عَلى ما في «اَلْبَحْرِ» مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: قَصَّ فُلانٌ الحَدِيثَ يَقُصُّهُ قَصًّا وقَصَصًا؛ وأصْلُهُ تَتَبُّعُ الأثَرِ، يُقالُ: خَرَجَ فُلانٌ يَقُصُّ أثَرَ فُلانٍ، أيْ يَتَتَبِّعُهُ لِيَعْرِفَ أيْنَ ذَهَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ ﴾ أيْ تَتَبَّعِي أثَرَهُ، وكَذَلِكَ القاصُّ في الكَلامِ لِأنَّهُ يَتَتَبَّعُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ يَتَتَبَّعُ المَعانِيَ لِيُورِدَها، وهو هُنا فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيِ المَقْصُوصُ الحَقُّ، وقُرِئَ (لَهْوَ) بِسُكُونِ الهاءِ.

﴿ وما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ ﴾ رَدٌّ عَلى النَّصارى في تَثْلِيثِهِمْ، وكَذا فِيهِ رَدٌّ عَلى سائِرِ الثَّنَوِيَّةِ، و(مِن) زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَما هو شَأْنُ الصِّلاتِ، وقَدْ فَهِمَ أهْلُ اللِّسانِ كَما قالَ الشِّهابُ أنَّها لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ المَفْهُومِ مِنَ النَّكِرَةِ المَنفِيَّةِ لِاخْتِصاصِها بِذَلِكَ في الأكْثَرِ، وقَدْ تَوَقَّفَ مُحِبُّ الدِّينِ في وجْهِ إفادَةِ الكَلِماتِ المَزِيدَةِ لِلتَّأْكِيدِ بِأيْ طَرِيقٍ هي فَإنَّها لَيْسَتْ وضْعِيَّةً، وأجابَ بِأنَّها ذَوْقِيَّةٌ يَعْرِفُها أهْلُ اللِّسانِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا حَوالَةٌ عَلى مَجْهُولٍ فَلا تُفِيدُ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّها وضْعِيَّةٌ لَكِنَّهُ مِن بابِ الوَضْعِ النَّوْعِيِّ، فَتَدَبَّرْ.

﴿ وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ ﴾ أيِ الغالِبُ غَلَبَةً تامَّةً، أوِ القادِرً قُدْرَةً كَذَلِكَ، أوِ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ ﴿ الحَكِيمُ  ﴾ أيِ المُتْقَنُ فِيما صَنَعَ، أوِ المُحِيطُ بِالمَعْلُوماتِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَقْصُودُ مِنها أيْضًا قَصْرُ الإلَهِيَّةِ عَلَيْهِ تَعالى رَدًّا عَلى النَّصارى، أيْ قَصْرُ إفْرادٍ، فالفَصْلُ والتَّعْرِيفُ هُنا كالفَصْلِ والتَّعْرِيفِ هُناكَ فَما قِيلَ: إنَّهُما لَيْسا لِلْحَصْرِ، إذِ الغالِبُ عَلى الأغْيارِ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا فَيَلْغُو القَصْرُ فِيهِ إلّا أنْ يُجْعَلَ قَصْرَ قَلْبٍ، والمَقامُ لا يُلائِمُهُ مِمّا لا عِصامَ لَهُ كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال الله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ يعني ما أُخْبِرُوا من أمر عيسى-  - هو الخبر الحق يعني أنه كان عبد الله ورسوله.

ويقال: هذا القرآن هو الحق وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ لا شريك له وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ العزيز في ملكه، الحكيم في أمره حكم بخلق عيسى في بطن أمه من غير أب.

فَإِنْ تَوَلَّوْا يقول: أَبَوْا، ولم يسْلموا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ يجازيهم بذلك، وهذه كلمة تهديد قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ يعني كلمة عدل بيننا وبينكم..

ويقال في قراءة عبد الله بن مسعود: إلى كلمة عدل بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ، يعني لا إله إِلاَّ الله، وهي كلمة الإخلاص ويقال إلى كلمة تسوي بيننا وبينكم، فتصير دماؤكم كدمائنا، وأموالكم كأموالنا أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ يعني ألا نُوَحِّد إِلا الله وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً من خلقه وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ لأنهم اتخذوا عيسى رباً مِن دُونِ الله.

ويقال: لا يطيع بعضنا بعضاً في المعصية.

كما قال: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [سورة التوبة: 31] أي أطاعوهم في المعصية.

ويقال: لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا.

كما قالت النصارى: إن الله ثالثُ ثلاثة فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني أبوا عن التوحيد فَقُولُوا لهم يا معشر المسلمين اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أي مخلصون لله بالعبادة والتوحيد يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وذلك أن اليهود والنصارى كانوا اجتمعوا في بيت مدرسة اليهود، وكل فريق يقول كان إبراهيم منا، وكان على ديننا فنزل يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ أي لِمَ تخاصمون في دين إبراهيم وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ يعني من بعد إبراهيم-  - ولكن اليهودية والنصرانية إنما سميت بهذا الاسم بعد نزول التوراة والإنجيل.

وقال الكلبي: نزلت في شأن النفر الذين كانوا بالحبشة من أصحاب النبيّ  ، فهم جعفر الطيار وغيره.

كما قال الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً أي أطاعوهم في المعصية، وكانت بينهم، وبين أحبار الحبشة مناظرة في ذلك الوقت، فنزلت هذه الآية.

وقال الزجاج: هذه الآية أبين الحجج على اليهود والنصارى، بأن التوراة والإنجيل أنزلا من بعده، وليس فيهما اسم لواحد من الأديان، واسم الإسلام في كل كتاب، وهو قوله: لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ، أَفَلا تَعْقِلُونَ يقول: أليس لكم ذهن الإنسانية أن تنظروا فيما تقولون ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ يقول أنتم يا هؤلاء خاصمتم فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ في صفة محمد  - فتجدونه في كتبكم- فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ يقول: ما ليس في كتابكم، وهو أمر إبراهيم-  - اللَّهُ يَعْلَمُ أن إبراهيم كان على دين الإسلام وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وانصرفوا إلى بِلاَدِكُمْ حتى يُرِيَكُمْ زمن رَأْيه، فأتوا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالُوا: يَا أَبَا القَاسِمِ، قَدْ رَأَيْنَا أَلاَّ نُلاَعِنَكَ، وَأَنْ نبقى على دِينِنَا، وَصَالَحُوهُ على أَمْوَالٍ، وَقَالُوا لَهُ: ابعث مَعَنَا رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِكَ تَرْضَاهُ لَنَا، يَحْكُم بَيْنَنَا فِي أَشْيَاء قَدِ اختلفنا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِنَا فَإنَّكُمْ عِنْدَنَا رِضًى» «١» .

قال ع «٢» : وفي ترك النصارَى الملاعَنَةَ لعلمهم بنبوّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم شاهد عظيم على صحّة نبوّته صلّى الله عليه وسلّم عندهم، ودعاءُ النِّساء والأبناء أهَزُّ للنفوسِ، وأدعى لرحمة اللَّه للمُحِقِّين، أو لغضبه على المُبْطِلِينَ.

وقوله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ...

الآية: هذا خبرٌ من اللَّه تعالى، جزمٌ مؤكَّد، فَصَل به بين المختَصِمَيْن، والإشارةُ بهذا هي إلى ما تقدَّم في أمر عيسى- عليه السلام-، والقصص معناه الإخبار.

وقال ص: إِنَّ هذا لَهُوَ: هذا، إشارةً إلى القرآن.

اهـ.

واختلف المفسِّرون من المُرَاد بأهْلِ الكِتَابِ هنا.

فروى قتادة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنهم يهودُ المدينَة «٣» .

وقال ابنُ زَيْدٍ وغيره: المرادُ نصارى نجران «٤» .

قال ع «٥» : والذي يظهر لي أنَّ الآية نزلَتْ في وَفْد نَجْرَان، لكن لفظُ الآية يعمُّهم، وسواهم من النصارى واليهود، وقد كتب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بهذه الآية إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرُّومِ، وكذا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: دَخَلَتْ "مِن" هاهُنا تَوْكِيدًا ودَلِيلًا عَلى نَفْيِ جَمِيعِ ما ادَّعى المُشْرِكُونَ مِنَ الآَلِهَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلا اللهُ وإنَّ اللهُ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنْ اللهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ إلا اللهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللهَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ ﴾ هَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى جَزْمٌ مُؤَكَّدٌ فَصَلَ بِهِ بَيْنَ المُخْتَصِمِينَ، والإشارَةُ بِـ "هَذا" هي إلى ما تَقَدَّمَ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم.

و"القَصَصُ" مَعْناهُ: الأخْبارُ، تَقُولُ: قَصَّ يَقُصُّ قَصًّا وقَصَصًا، إذا تَتَبَّعَ الأمْرَ يُخْبِرُ بِهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، قالَ قَوْمٌ: هو مَأْخُوذٌ مِن قَصَّ الأثَرَ.

وقَوْلُهُ "لَهُوَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً، و"مِن" في قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ" مُؤَكِّدَةٌ بَعْدَ النَفْيِ، وهي الَّتِي يَتِمُّ الكَلامُ دُونَها لَكِنَّها تُعْطِي مَعْنى التَأْكِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ ﴾ وعِيدٌ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ؛ مَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا ﴾ فَقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ  : دَعا يَهُودَ المَدِينَةِ إلى الكَلِمَةِ السَواءِ، وهُمُ الَّذِينَ حاجُّوا في إبْراهِيمَ، وقالَهُ الرَبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: نَزَلَتِ الآيَةُ في وفْدِ نَجْرانَ، وقالَهُ السُدِّيُّ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا أبى أهْلُ نَجْرانَ ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ المُلاعَنَةِ، دُعُوا إلى أيْسَرَ مِن ذَلِكَ، وهي الكَلِمَةُ السَواءُ.

والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في وفْدِ نَجْرانَ، لَكِنَّ لَفْظَ أهْلِ الكِتابِ يَعُمُّهم وسِواهم مِنَ النَصارى واليَهُودِ، فَدَعا النَبِيُّ  بَعْدَ ذَلِكَ يَهُودَ المَدِينَةِ بِالآيَةِ، وكَذَلِكَ كَتَبَ بِها إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُومِ، وكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُدْعى بِها أهْلُ الكِتابِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إلى كَلِمَةٍ" بِفَتْحِ الكافِ وكَسْرِ اللامِ، ورَوى أبُو السَمّالِ: "كَلْمَةٍ" - بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللامِ - ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "كِلْمَةٍ" - بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللامِ - وذَلِكَ عَلى إلْقاءِ حَرَكَةِ اللامِ عَلى الكافِ، كَما قالُوا في كَبِدٍ، كِبْدْ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ الباءِ.

والكَلِمَةُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الألْفاظِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ المَعانِيَ المَدْعُوَّ إلَيْها، وهي ما فَسَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "ألّا نَعْبُدَ"....

الآيَةِ، وهَذا كَما تُسَمِّي العَرَبُ القَصِيدَةَ كَلِمَةً، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الكَلِمَةَ هي ما فُسِّرَ بَعْدُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الكَلِمَةُ السَواءُ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، والقَوْلانِ مُجْتَمِعانِ، لِأنَّ كُلَّ ما فُسِّرَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مَعْنى: لا إلَهَ إلّا اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "سَواءٍ" نَعْتٌ لِلْكَلِمَةِ.

قالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: إلى كَلِمَةِ عَدْلٍ، فَهَذا مَعْنى السَواءِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "إلى كَلِمَةِ عَدْلٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ" كَما فَسَّرَ قَتادَةُ والرَبِيعُ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: إلى كَلِمَةِ قَصْدٍ.

وهَذا قَرِيبٌ في المَعْنى مِنَ الأوَّلِ، والسَواءُ والعَدْلُ والقَصْدُ مَصادِرُ وُصِفَ بِها في هَذِهِ التَقْدِيراتِ كُلِّها.

والَّذِي أقُولُهُ في لَفْظَةِ "سَواءٍ" أنَّها يَنْبَغِي أنْ تُفَسَّرَ بِتَفْسِيرٍ خاصٍّ بِها في هَذا المَوْضِعِ، وهو أنَّهُ دَعاهم إلى مَعانٍ، جَمِيعُ الناسِ فِيها مُسْتَوُونَ، صَغِيرُهم وكَبِيرُهم.

وقَدْ كانَتْ سِيرَةُ المَدْعُوِّينَ أنْ يَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا أرْبابًا فَلَمْ يَكُونُوا عَلى اسْتِواءِ حالٍ، فَدَعاهم بِهَذِهِ الآيَةِ إلى ما تَأْلَفُهُ النُفُوسُ "مِن حَقٍّ" لا يَتَفاضَلُ الناسُ فِيهِ، فَـ "سَواءٍ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ لِآخَرٍ: هَذا شَرِيكِي في مالٍ سَواءٍ بَيْنِي وبَيْنَهُ.

والفَرْقُ بَيْنَ هَذا التَفْسِيرِ وبَيْنَ تَفْسِيرِ اللَفْظَةِ بِعَدْلٍ، أنَّكَ لَوْ دَعَوْتَ أسِيرًا عِنْدَكَ إلى أنْ يُسْلِمَ أو تَضْرِبَ عُنُقَهُ، لَكُنْتَ قَدْ دَعَوْتَهُ إلى السَواءِ الَّذِي هو العَدْلُ، وعَلى هَذا الحَدِّ جاءَتْ لَفْظَةُ "سَواءٍ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ  ﴾ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ، ولَوْ دَعَوْتَ أسِيرَكَ إلى أنْ يُؤْمِنَ فَيَكُونَ حُرًّا مُقاسِمًا لَكَ في عَيْشِكَ، لَكُنْتَ قَدْ دَعَوْتَهُ إلى السَواءِ الَّذِي هو اسْتِواءُ الحالِ عَلى ما فَسَّرْتُهُ.

واللَفْظَةُ عَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ فِيها مَعْنى العَدْلِ، ولَكِنِّي لَمْ أرَ لِمُتَقَدِّمٍ أنْ يَكُونَ في اللَفْظَةِ مَعْنىً قَصَدَ اسْتِواءَ الحالِ، وهو عِنْدِي حَسَنٌ، لِأنَّ النُفُوسَ تَأْلَفُهُ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ بِرَحْمَتِهِ.

وقَوْلُهُ: "ألّا نَعْبُدَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِمَعْنى: إلى ألّا نَعْبُدَ، فَذَلِكَ عَلى البَدَلِ مِن "كَلِمَةٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنى: هي ألّا نَعْبُدَ، وما ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الجائِزاتِ الَّتِي يَلْزَمُ عنها رَفْعُ "نَعْبُدُ" إكْثارٌ مِنهم فاخْتَصَرْتُهُ.

واتِّخاذُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أرْبابًا هو عَلى مَراتِبَ، أعْلاها اعْتِقادُهم فِيهِمُ الأُلُوهِيَّةَ، وعِبادَتُهم لَهم عَلى ذَلِكَ، كَعُزَيْرٍ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وبِهَذا فَسَّرَ عِكْرِمَةُ، وأدْنى ذَلِكَ طاعَتُهم لِأساقِفَتِهِمْ ورُؤَسائِهِمْ في كُلِّ ما أمَرُوا بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي والتِزامُهم طاعَتَهم شَرْعًا، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ جُرَيْجٍ.

فَجاءَتِ الآيَةُ بِالدُعاءِ إلى تَرْكِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وأنْ يَكُونَ المُمْتَثَلُ ما قالَهُ اللهُ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ ﴾ أمْرٌ بِالإعْلانِ بِمُخالَفَتِهِمْ ومُواجَهَتِهِمْ بِذَلِكَ، وإشْهادِهِمْ عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ والتَهْدِيدِ، أيْ سَتَرَوْنَ أنْتُمْ أيُّها المُتَوَلُّونَ عاقِبَةَ تَوَلِّيكم كَيْفَ تَكُونُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ إن هذا لهو القصص الحق ﴾ وما عطف عليها بالواو اعتراض لبيان ما اقتضاه قوله: ﴿ الكاذبين ﴾ [آل عمران: 61] لأنهم نفوا أن يكون عيسى عبد الله، وزعموا أنه غلب فإثبات أنه عبد هو الحق.

واسم الإشارة راجع إلى ما ذكر من نفي الإلهية عن عيسى.

والضمير في قوله لَهو القصصُ ضمير فصل، ودخلت عليه لام الابتداء لزيادة التقوية التي أفادَها ضمير الفصل؛ لأنّ اللام وَحدها مفيدة تقوية الخبر وَضمير الفصل يفيد القصر أي هذا القصص لا ما تَقُصُّه كتُب النصارى وعَقائِدهم.

والقصَص بفتح القاف والصاد اسم لما يُقَص، يقال: قَصّ الخبر قَصّاً إذا أخبر به، والقَصُّ أخص من الإخبار؛ فإنّ القص إخبار بخبرٍ فيه طولٌ وتفصيل وتسمى الحادثة التي من شأنها أن يُخبر بها قِصة بكسر القاف أي مقصوصة أي مما يقُصها القُصّاص، ويقال للذي ينتصب لتحديث الناس بأخبار الماضين قَصّاص بفتح القاف.

فالقصصُ اسم لما يُقص: قال تعالى: {نحن نقص عليك أحسن القصص وقيل: هو اسم مصدر وليس هو مصدراً، ومن جرى على لسانه من أهل اللغة أنه مصدر فذلك تسامح من تسامح الأقدمين، فالقصّ بالإدغام مصدر، والقصص بالفَكّ اسم للمصدر واسم للخبر المقصوص.

وقوله: وما من إله إلا الله} تأكيد لحقيَّة هذا القصص.

ودخلت من الزائدة بعد حرف نفي تنصيصاً على قصد النفي الجنس لتدل الجملة على التوحيد، ونفي الشريك بالصراحة، ودلالةِ المطابقة، وأن ليس المراد نفي الوحدة عن غير الله، فيوهم أنه قد يكون إلاَ هَان أو أكثر في شقّ آخر، وإن كان هذا يؤول إلى نفي الشريك لكن بدلالة الالتزام.

وقوله: ﴿ وإن الله لهو العزيز الحكيم ﴾ فيه ما في قوله: ﴿ إن هذا لهو القصص الحق ﴾ فأفاد تقوية الخَبر عَن الله تعالى بالعزّة والحكم، والمقصود إبطال إلهية المسيح على حسب اعتقاد المخاطبين من النصارى، فإنهم زعموا أنه قتله اليهود وذلك ذِلّة وعجز لا يلتئمان مع الإلهية فكيف يكون إله وهو غير عزيز وهو محكوم عليه، وهو أيضاً إبطال لإلهيته على اعتقادنا؛ لأنه كان محتَاجَاً لإنقاذه من أيدي الظالمين.

وجملة ﴿ فإن تولوا الله عليم بالمفسدين ﴾ عطف على قوله: ﴿ فقل تعالوا ﴾ [آل عمران: 61] وهذا تسجيل عليهم إذ نكصوا عن المباهلة، وقد علم بذلك أنهم قصدوا المكابرة ولم يتطلبوا الحق، رُوي أنهم لما أبوا المباهلة قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم " فإن أبيتم فأسلموا " فأبوا فقال: " فإن أبيتم فأعطوا الجزية عن يد " فأبوا فقال لهم: " فإني أنبذ إليكم على سواء " أي أترك لكم العهد الذي بيننا فقالوا: «ما لنا طاقة بحرب العرب، ولكنا نصالحك على ألاّ تغزونا ولا تخيفنا ولا تردّنا عن ديننا على أن نؤدّي إليك كلّ عام ألفي حُلة حمراء ألْفاً في صفر وألْفَاً في رجب وثلاثين درعاً عادية من حديد» وطلبوا منه أن يبعث معهم رجُلاً أميناً يحكم بينهم فقال: لأبعثنّ معكم أميناً حَقَّ أميننٍ فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، ولم أقف على ما دعاهم إلى طلب أمين ولا على مقدار المدة التي مكث فيها أبو عبيدة بينهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن حاجَّكَ فِيهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: في عِيسى.

والثّانِي: في الحَقِّ.

﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ ﴾ والَّذِينَ دَعاهُمُ النَّبِيُّ  إلى المُباهَلَةِ هم نَصارى نَجْرانَ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ نَبْتَهِلْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ نَلْتَعِنْ.

والثّانِي: نَدْعُو بِهَلاكِ الكاذِبِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ...

...

...

∗∗∗ نَظَرَ الدَّهْرُ إلَيْهِمْ فابْتَهَلْ أيْ دَعا عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ.

فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أخَذَ النَّبِيُّ  بِيَدِ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ثُمَّ دَعا النَّصارى إلى المُباهَلَةِ، فَأحْجَمُوا عَنْها، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنْ باهَلْتُمُوهُ اضْطَرَمَ الوادِي عَلَيْكم نارًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس «أن رهطاً من أهل نجران قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان فيهم السيد والعاقب فقالوا له: ما شأنك تذكر صاحبنا؟

قال: من هو؟

قالوا: عيسى تزعم أنه عبدالله!

قال: أجل إنه عبدالله.

قالوا: فهل رأيت مثل عيسى أو أنبئت به؟

ثم خرجوا من عنده فجاءه جبريل فقال: قل لهم إذا أتوك ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ إلى آخر الآية» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: «ذكر لنا أن سيدي أهل نجران وأسقفيهم السيد والعاقب لقيا نبي الله فسألاه عن عيسى فقالا: كل أدمي له أب فما شأن عيسى لا أب له؟

فأنزل الله فيه هذه الآية ﴿ إن مثل عيسى عند الله...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع به أهل نجران أتاه منهم أربعة نفر من خيارهم، منهم السيد، والعاقب، وماسرجس، ومار بحر، فسألوه ما تقول في عيسى؟

«قال: هو عبدالله، وروحه، وكلمته» ، قالوا هم: لا، ولكنه هو الله نزل من ملكه فدخل في جوف مريم ثم خرج منها، فأرانا قدرته وأمره، فهل رأيت إنساناً قط خلق من غير أب؟

فأنزل الله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ إن مثل عيسى...

﴾ الآية قال: نزلت في العاقب، والسيد، من أهل نجران.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال «بلغنا أن نصارى نجران قدم وفدهم على النبي صلى الله عليه وسلم فيهم السيد، والعاقب، وهما يومئذ سيدا أهل نجران فقالوا: يا محمد فيم تشتم صاحبنا؟

قال: من صاحبكم؟!

قالوا: عيسى ابن مريم تزعم أنه عبد.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل إنه عبدالله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه.

فغضبوا وقالوا: إن كنت صادقاً فأرنا عبداً يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه، لكنه الله.

فسكت حتى أتاه حبريل فقال: يا محمد ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم...

﴾ [ المائدة: 72] الآية.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل إنهم سألوني أن أخبرهم بمثل عيسى.

قال جبريل ﴿ إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾ فلما أصبحوا عادا فقرأ عليهم الآيات» .

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن الأزرق بن قيس قال: «جاء أسقف نجران، والعاقب، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهما الإسلام فقالا: قد كنا مسلمين قبلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبتما مع الإسلام منكما ثلاث: قولكما اتخذ الله ولداً، وسجودكما للصليب، وأكلكما لحم الخنزير، قالا: فمن أبو عيسى؟

فلم يدر ما يقول.

فأنزل الله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ إلى قوله: ﴿ بالمفسدين ﴾ فلما نزلت هذه الآيات دعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملاعنه فقالا: إنه ان كان نبياً فلا ينبغي لنا أن نلاعنه، فأبيا فقالا: ما تعرض سوى هذا؟

فقال: الإسلام، أو الجزية، أو الحرب، فأقروا بالجزية» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ الحق من ربك فلا تكن من الممترين ﴾ يعني فلا تكن في شك من عيسى، إنه كمثل آدم عبدالله ورسوله وكلمته.

وأخرج ابن المنذر عن الشعبي قال: «قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: حدثنا عن عيسى ابن مريم قال: رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم.

قالوا: ينبغي لعيسى أن يكون فوق هذا.

فأنزل الله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم...

﴾ الآية.

قالوا: ما ينبغي لعيسى أن يكون مثل آدم.

فأنزل الله: ﴿ فمن حاجَّك فيه من بعد ما جاءك من العلم...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير عن عبدالله بن الحرث بن جزء الزبيدي «أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليت بيني وبين أهل نجران حجاباً فلا أراهم ولا يروني، من شدة ما كانوا يمارون النبي صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق سلمة بن عبد يشوع عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه ﴿ طس ﴾ سليمان.

بسم الله إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، من محمد رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران.

إن أسلمتم فإني أحمد إليكم الله إله إبراهيم وإسحق ويعقوب.

أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فقد آذنتكم بالحرب، والسلام.

فلما قرأ الأسقف الكتاب فظع به وذعر ذعراً شديداً، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة، فدفع إليه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرأه فقال له الأسقف: ما رأيك...؟

فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوّة، فما يؤمن أن يكون هذا الرجل!

ليس لي في النبوّة رأي، لو كان رأي من أمر الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك.

فبعث الأسقف إلى واحد بعد واحد من أهل نجران، فكلهم قال مثل قول شرحبيل، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة، وعبدالله بن شرحبيل، وجبار بن فيض، فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق الوفد حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى ابن مريم؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى صبح الغد» .

فأنزل الله هذه الآية ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ﴾ إلى قوله: ﴿ فنجعل لعنة الله على الكاذبين ﴾ فأبوا أن يقروا بذلك.

فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميلة له، وفاطمة تمشي خلف ظهره للملاعنة، وله يومئذ عدة نسوة فقال شرحبيل لصاحبيه: إني أرى أمراً مقبلاً ان كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فلاعناه لا يبقي على الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك فقالا له: ما رأيك؟

فقال: رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً.

فقالا له: أنت وذاك.

فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني قد رأيت خيراً من ملاعنتك قال: وما هو؟

قال: «حكمك اليوم إلى الليل، وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز.

فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلاعنهم وصالحهم على الجزية» .

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو نعيم في الدلائل عن حذيفة «أن العاقب، والسيد، أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يلاعنهما فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه فوالله لئن كان نبياً فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا فقالوا له: نعطيك ما سألت فابعث معنا رجلاً أميناً فقال: قم يا أبا عبيدة.

فلما وقف قال: هذا أمين هذه الأمة» .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن جابر قال «قدم على النبي صلى الله عليه وسلم العاقب، والسيد، فدعاهما إلى الإِسلام فقالا: أسلمنا يا محمد قال: كذبتما إن شئتما أخبرتكما بما يمنعكما من الإِسلام.

قالا: فهات.

قال: حب الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، قال جابر: فدعاهما إلى الملاعنة، فوعداه إلى الغد، فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ بيد علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيباه، وأقرا له، فقال: والذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي عليهما ناراً.

قال جابر: فيهم نزلت ﴿ تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم...

﴾ الآية.

قال جابر: أنفسنا وأنفسكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي، وأبناءنا الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة» .

وأخرج الحاكم وصححه عن جابر «أن وفد نجران أتوا النبي فقالوا: ما تقول في عيسى؟

فقال: هو روح الله، وكلمته، وعبد الله، ورسوله، قالوا له: هل لك أن نلاعنك أنه ليس كذلك؟

قال: وذاك أحب إليكم؟

قالوا: نعم.

قال: فإذا شئتم.

فجاء وجمع ولده الحسن والحسين، فقال رئيسهم: لا تلاعنوا هذا الرجل فوالله لئن لاعنتموه ليخسفن بأحد الفريقين فجاؤوا فقالوا: يا أبا القاسم إنما أراد أن يلاعنك سفهاؤنا، وإنا نحب أن تعفينا.

قال قد أعفيتكم ثم قال: إن العذاب قد أظل نجران» .

وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن وفد نجران من النصارى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم.

منهم السيد وهو الكبير، والعاقب وهو الذي يكون بعده، وصاحب رأيهم، فقال رسول الله لهما: أسلما قالا: أسلمنا.

قال: ما أسلمتما.

قالا: بلى.

قد أسلمنا قبلك.

قال: كذبتما يمنعكم من الإسلام ثلاث فيكما.

عبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، وزعمكما أن لله ولداً.

ونزل ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب...

﴾ الآية.

فلما قرأها عليهم قالوا: ما نعرف ما تقول.

ونزل ﴿ فمن حاجَّك فيه من بعد ما جاءك من العلم ﴾ يقول: من جادلك في أمر عيسى من بعد ما جاءك من العلم من القرآن ﴿ فقل تعالوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ثم نبتهل ﴾ يقول: نجتهد في الدعاء أن الذي جاء به محمد هو الحق، وإن الذي يقولون هو الباطل فقال لهم: إن الله قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك.

فخلا بعضهم ببعض وتصادقوا فيما بينهم قال السيد للعاقب: قد والله علمتم أن الرجل نبي مرسل، ولئن لاعنتموه إنه ليستأصلكم، وما لاعن قوم قط نبياً فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم.

فإن أنتم لم تتعوه وأبيتم إلا إلف دينكم فوادعوه وارجعوا إلى بلادكم.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ومعه علي، والحسن، والحسين، وفاطمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أنا دعوت فأمنوا أنتم.

فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية» .

وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس «أن ثمانية من أساقف العرب من أهل نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم العاقب، والسيد، فأنزل الله: ﴿ قل تعالوا ندع أبناءنا ﴾ إلى قوله: ﴿ ثم نبتهل ﴾ يريد ندع الله باللعنة على الكاذب.

فقالوا: أخرنا ثلاثة أيام، فذهبوا إلى بني قريظة، والنضير، وبني قينقاع، فاستشارهم.

فاشاروا عليهم أن يصالحوه ولا يلاعنوه، وهو النبي الذي نجده في التوراة.

فصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألف حلة في صفر، وألف في رجب ودراهم» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل عن قتادة ﴿ فمن حاجَّك فيه ﴾ في عيسى ﴿ فقل تعالوا ندع أبناءنا....

﴾ الآية «فدعا النبي صلى الله عليه وسلم لذلك وفد نجران، وهم الذين حاجوه في عيسى فنكصوا وأبوا.

وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن كان العذاب لقد نزل على أهل نجران، ولو فعلوا لاستؤصلوا عن وجه الأرض» .

وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم عن الشعبي قال: «كان أهل نجران أعظم قوم من النصارى قولاً في عيسى ابن مريم، فكانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم فيه.

فأنزل الله هذه الآيات في سورة آل عمران ﴿ إن مثل عيسى عند الله ﴾ إلى قوله: ﴿ فنجعل لعنة الله على الكاذبين ﴾ فأمر بملاعنتهم، فواعدوه لغد، فغدا النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الحسن، والحسين، وفاطمة، فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر لو تموا على الملاعنة» .

وأخرج عبد الرزاق والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: «لو باهل أهل نجران رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً» .

وأخرج مسلم والترمذي وابن المنذر والحاكم والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً، وفاطمة، وحسناً، وحسيناً، فقال:اللهم هؤلاء أهلي» .

وأخرج ابن جرير عن غلباء بن أحمر اليشكري قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم...

﴾ الآية.

أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي، وفاطمة، وابنيهما الحسن، والحسين، ودعا اليهود ليلاعنهم فقال شاب من اليهود: ويحكم أليس عهدكم بالأمس إخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير؟

لا تلاعنوا.

فانتهوا» .

وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية ﴿ تعالوا ندع أبناءنا...

﴾ الآية.

قال: فجاء بأبي بكر وولده، وبعمر وولده، وبعثمان وولده، وبعلي وولده.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عباس ﴿ ثم نبتهل ﴾ نجتهد.

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هذا الإخلاص يشير بأصبعه التي تلي الإبهام، وهذا الدعاء فرفع يديه حذو منكبيه، وهذا الابتهال فرفع يديه مداً» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ إن هذا لهو القصص الحق ﴾ يقول: إن هذا الذي قلنا في عيسى هو الحق.

وأخرج عبد بن حميد عن قيس بن سعد قال: كان بين ابن عباس وبين آخر شيء فقرأ هذه الآية ﴿ تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل ﴾ فرفع يديه واستقبل الركن ﴿ فنجعل لعنة الله على الكاذبين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ﴾ الآية.

أي (١) فـ ﴿ هُوَ ﴾ (٢) (٣) ﴿ الْقَصَصُ ﴾ خَبَرَ ﴿ إِنَّ ﴾ .

ويصلح أن يكون ﴿ هُوَ ﴾ ابتداءً، وخَبرُه: ﴿ الْقَصَصُ ﴾ .

وهما جميعًا خبرُ إنَّ (٤) والقَصَصُ: مصدر قولهم: (قَصَّ فلانٌ الحديثَ، يقصُّه قَصًّا، وقَصَصًا) (٥) (٦) (٧) ﴿ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ  ﴾ .

وقيل للقاصِّ يقصُّ (٨) (٩) فمعنى (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ ﴾ .

(مِن) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ .

معناه ههنا (١٧) (١٨) (١) من قوله: (أي ..) إلى (..

وهما جميعا خبر إنَّ): نقله بتصرف عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 424.

(٢) في (ب)، (ج): (وهو).

وفي (د): (هو) بدون واو.

(٣) أي: ضمير زائد لا محل له من الإعراب، وضمير الفصل ويسمِّيه الكوفيُّون: == (العماد)، ويُسمَّى كذلك (الدعامة) هو: أحد ضمائر الرفع المنفصلة، يأتي لإزالة اللبس في الكلام، فيفصل بين ما أصله مبتدأ وخبر؛ ليُعلم أن ما بعده خبر عمَّا قبله، وليس نعتا له، وهو يفيد الكلام ضربًا من التوكيد، ويغلب على الاسم الواقع بعده أن يكون معرفة.

انظر: "النحو الوافي" 1/ 242 - 250، "معجم الشوارد النحوية" 355، "معجم المصطلحات النحوية" 173.

(٤) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 339، "التبيان" للعكبري: (194)، "الفريد في إعراب القرآن" 1/ 583.

(٥) قال في "اللسان" 6/ 3650 (قصص): (والقِصَّهُ: الخبر، وهو (القَصَصُ).

و (قصَّ عليَّ خبره، يقصُّهُ قَصَّا، وقصَصًا): أورده.

و (القَصَص): الخبر المقصوص بالفتح وضع موضع المصدر، حتى صار أغلب عليه.

و (القِصَصُ) بكسر القاف: جمع (القِصَّة) التي تكتب).

(٦) من قوله: (وأصله) إلى (سوقا): نقله بتصرف عن "تهذيب اللغة" 3/ 2977 (قصَّ).

(٧) في (د): (وقصصا).

(٨) في (د): (يقص).

والمثبت من: (ج).

وفي (تهذيب الغة): (يقُصُّ القَصَصَ).

(٩) ما بين المعقوفين: زيادة لازمة لتمام المعنى، من: (ج)، (د)، "تهذيب اللغة".

(١٠) في (ب): (لمعنى).

(١١) في (ب): (شايع).

(١٢) من قوله: (من ..) إلى (..

كما زعموا): نقله باختصار وتصرف من "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 424.

(١٣) في (ب): توكيد.

(١٤) في (د):إله.

(١٥) (فدلت على استغراق النفي لابتداء الغاية): ساقط من (د).

(١٦) فـ (من) هنا جارَّةٌ، صلةٌ (أي: زائدة) تفيد استغراق نفي الجنس، أو توكيد العموم، انظر: كتاب "حروف المعاني" للزجاجي: 56، "الجنى الداني" 316317.

(١٧) في (ب): هنا.

(١٨) في (ج): القصة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى ﴾ الآية حجة على النصارى في قولهم: كيف يكون ابن دون أب، فمثّله الله بآدم الذي خلقه الله دون أم ولا أب، وذلك أغرب مما اسبتعدوه، فهو أقطع لقولهم.

﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ﴾ تفسير لحال آدم فيكون حكاية عن حال ماضية، والأصل لو قال: خلقه من تراب، ثم قال له كن فكان، لكنه وضع المضارع موضع الماضي ليصور في نفوس المخاطبين أن الأمر كأنه حاضر دائم ﴿ الحق ﴾ خبر مبتدأ مضمر ﴿ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ ﴾ أي في عيسى، وكان الذي حاجه فيه وفد نجران من النصارى، وكان لهم سيدان يقال لأحدهما: السيد، والآخر، العاقب ﴿ نَبْتَهِلْ ﴾ نلتعن والبهلة اللعنة أي نقول: لعنة الله على الكاذب منا ومنكم، هذا أصل الابتهال: ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه، وإن لم يكن لعنة، ولما نزلت الآية أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي وفاطمة والحسن والحسين، ودعا نصارى نجران إلى الملاعنة فخافوا ان يهلكهم الله أو يمسخهم الله قردة وخنازير، فأبوا من الملاعنة وأعطوا الجزية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ها أنتم ﴾ بالمد وغير الهمزة حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

وروى ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ ها أنتم ﴾ على وزن "هعنتم" الباقون بالمد والهمز.

الوقوف: ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ القصص الحق ﴾ ج ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط لتناهي جملة وافية إلى ابتداء شرط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ ليس لكم به علم ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ مسلماً ﴾ ط ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ والذين آمنوا ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ لو يضلونكم ﴾ ط ﴿ يشعرون ﴾ ه ﴿ تشهدون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه.

التفسير: "روي أنه  لما أورد الدلائل على نصارى نجران، ثم إنهم أصروا على جهلهم قال  : إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم.

فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك.

فلما رجعوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - يا عبد المسيح ما ترى؟

قال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الفصل من أمر صاحبكم.

والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لكان الاستئصال، فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا / الرجل وانصرفوا إلى بلادكم.

فأتوا رسول الله  وقد خرج وعليه  مرط من شعر أسود.

وكان  قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه  وعلي  خلفها وهو يقول: إذا دعوت فأمنوا.

فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إنى لأرى وجوهاً لو دعت الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.

ثم قالوا: يا أبا القاسم، رأينا أن لا نباهلك وأن نقرك على دينك.

فقال  : فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين فأبوا.

فقال  : فإني أناجزكم أي أحاربكم.

فقالوا: ما لنا بحرب العرب المسلمين طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا على ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة، ألفاً في صفر وألفاً في رجب وثلاثين درعاً عادية من حديد فصالحهم على ذلك.

قال  : والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حاول الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا" .

وروي عن عائشة أنه  لما خرج في المرط الأسود جاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة ثم علي  ثم قال  ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً  ﴾ وهذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث.

﴿ فمن حاجك ﴾ من النصارى ﴿ فيه ﴾ في عيسى وقيل في الحق ﴿ من بعد ما جاءك من العلم ﴾ من البينات الموجبة للعلم بأن عيسى عبد الله ورسوله وذلك بطريق الوحي والتنزيل ﴿ فقل تعالوا ﴾ هلموا والمراد المجيء بالرأي والعزم كما تقول: تعال نفكر في هذه المسألة.

وهو في الأصل "تفاعلوا" من العلو.

وذلك أن بيوتهم كانت على أعالي الجبل، فكانوا ينادون تعال يا فلان أي ارتفع، إلا أنه كثر حتى استعمل في كل مجيء فصار بمنزلة "هلم".

﴿ ندع أبناءنا وأبناءكم ﴾ أي يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ويأتي هو بنفسه وبمن هو كنفسه إلى المباهلة.

وإنما يعلم إتيانه بنفسه من قرينة ذكر النفس ومن إحضار من هم أعز من النفس، ويعلم إتيان من هو بمنزلة النفس من قرينة أن الإنسان لا يدعو نفسه.

﴿ ثم نبتهل ﴾ ثم نتباهل وقد يجيء "افتعل" بمعنى "تفاعل" نحو: اختصم بمعنى تخاصم.

والتباهل أن يقول كل واحد منهما: بهلة الله على الكاذب منا أي لعنته.

ويقال: بهله الله أي لعنه وأبعده من رحمته ومنه قولهم: "أبهله" إذا أهمله.

وناقة بأهل لا صرار عليها بل هي مرسلة مخلاة.

فكل من شاء حلبها وأخذ لبنها لا قوة بها على الدفع عن نفسها.

فكأن المباهل يقول: إن كان كذا فوكلني الله إلى نفسي وفوّضني إلى حولي وقوتي وخلاني من كلائه وحفظه.

هذا / أصل الابتهال، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعاناً وهو المراد في الآية لئلا يلزم التكرار أي ثم نجتهد في الدعاء فنجعل اللعنة على الكاذب بأن نسأل الله أن يلعنه.

وفي الآية دلالة على أن الحسن والحسين وهما ابنا البنت يصح أن يقال إنهما ابنا رسول الله  وعد أن يدعو أبناءه ثم جاء بهما.

وقد تمسك الشيعة قديماً وحديثاً بها في أن علياً أفضل من سائر الصحابة لأنها دلت على أن نفس علي مثل نفس محمد إلا فيما خصه الدليل.

وكان في الري رجل يقال له محمود بن الحسن الحمصي، وكان متكلم الاثني عشرية يزعم أن علياً أفضل من سائر الأنبياء سوى محمد.

قال: وذلك أنه ليس المراد بقوله: ﴿ وأنفسنا ﴾ نفس محمد لأن الإنسان لا يدعو نفسه فالمراد غيره.

وأجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب فإذاً نفس علي هي نفس محمد.

لكن الإجماع دل على أن محمداً أفضل من سائر الأنبياء، فكذا علي  قال: ويؤكده ما يرويه المخالف والموافق أنه  قال: " من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحاً في طاعته، وإبراهيم في خلته، وموسى في قربته، وعيسى في صفوته فلينظر إلى علي بن أبي طالب  " فدل الحديث على أنه اجتمع فيه  ما كان متفرقا فيهم، وأجيب بأنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمداً أفضل من سائر الأنبياء فكذا انعقد الإجماع بينهم قبل ظهور هذا الإنسان على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي، وأجمعوا على أن علياً  ما كان نبياً، فعلم أن ظاهر الآية كما أنه مخصوص في حق محمد  فكذا في حق سائر الأنبياء، وأما فضل أصحاب الكساء فلا شك في دلالة الآية على ذلك، ولهذا ضمهم إلى نفسه بل قدمهم في الذكر.

وفيها أيضاً دلالة على صحة نبوة محمد  فإنه لو لم يكن واثقاً بصدقه لم يتجرأ على تعريض أعزته وخويصته وأفلاذ كبده في معرض الابتهال ومظنة الاستئصال، ولولا أن القوم عرفوا من التوراة والإنجيل ما يدل على نبوته  لما أحجموا عن مباهلته، وأما قول المشركين ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء  ﴾ فليس من قبيل المباهلة، فإن النبي  لم يعرض نفسه لذلك ولم يكن ذلك القول في معرض الاحتجاج والادعاء ولا بإذن من الله  لرسوله.

﴿ إن هذا ﴾ الذي تلي عليك من نبأ عيسى ﴿ لهو القصص الحق وما من إله إلا الله ﴾ وهو في إفادة معنى الاستغراق لزيادة "من" بمنزلة لا إله إلا الله مبنياً على الفتح، وفيه رد على النصارى في تثليثهم ﴿ وإن الله لهو العزيز الحكيم ﴾ فيه جواب عن شبهة النصارى أن عيسى يقدر على الإحياء ويخبر عن الغيوب، فإن هذا القدر من القدرة والعلم لا يكفي في الإلهية، بل يجب أن يكون الإله غالباً لا يدفع ولا يمنع وهم يقولون إنه قد قتل ولم يقدر على الدفع.

ويلزم أن يكون عالماً / بكل المعلومات وبعواقب الأمور وعيسى لم يكن كذلك ﴿ فإن تولوا ﴾ عما وصفت من التوحيد وأن إله الخلق يجب أن يكون قادراً على المقدورات عالماً بجميع المعلومات، فاعلم أن إعراضهم ليس إلا على سبيل العناد، فاقطع كلامك معهم وفوِّض أمرهم إلى الله فإنه عليم بحال المفسدين في الدين، وبنياتهم وأغراضهم الفاسدة فيجازيهم بأعمالهم الخبيثة.

ثم إنه  لما أورد على نصارى نجران من الدلائل ما انقطعوا معه، ثم دعاهم إلى المباهلة فانخذلوا ورضوا بالصغار وقبلوا الجزية، أمره الله  بنمط آخر من الكلام مبني على الإنصاف يشهد به كل طبع مستقيم وعقل سليم فقال: ﴿ قل يا أهل الكتاب ﴾ يعني نصارى نجران، لأن الآية من تمام قصتهم، ولأنه كلام منصف فخوطب بما يطيب به قلوبهم كما لو قيل لحامل القرآن: يا حافظ كتاب الله.

وقيل: المراد يهود المدينة، وقيل اليهود والنصارى جميعاً لأن ظاهر اللفظ يتناولهما، ولما روي أن اليهود قالوا للنبي  : ما تريد إلا أن نتخذك رباً كما اتخذت النصارى عيسى، وقالت النصارى: يا محمد ما نريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير.

فأنزل الله  هذه الآية.

والمراد من قوله: ﴿ تعالوا ﴾ تعيين ما دعوا إليه والتوجه إلى النظر فيه وإن لم يكن انتقالاً من مكان إلى مكان.

والمعنى هلموا إلى كلمة سواء فيها إنصاف من بعضنا لبعض، لا ميل فيه لأحد على صاحبه.

والسواء هو العدل والإنصاف لأن حقيقة الإنصاف إعطاء النصف وفيه التسوية بين نفسه وبين صاحبه.

أو المراد إلى كلمة سواء مستوية بيننا وبينكم لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل.

وتفسير الكلمة بقوله: ﴿ أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ﴾ فمحل ﴿ أن لا نعبد ﴾ خفض على البدل من ﴿ كلمة ﴾ أو رفع على الخبر أي هي أن لا نعبد.

وهو خبر في معنى الأمر أي اعبدوا.

وإنما ذكر أموراً ثلاثة لأن النصارى جمعوا بين الثلاثة.

فعبدوا غير الله وهو المسيح، وأشركوا به غيره لأنهم أثبتوا أقانيم ثلاثة أباً وابناً وروح القدس، ثم قالوا: إن أقنوم الكلمة تدرعت بناسوت المسيح وأقنوم روح القدس تدرعت بناسوت مريم، ولولا كون هذين الأقنومين ذاتين مستقلتين لما جاز عليهما مفارقة ذات الأب والتدرع بناسوت عيسى ومريم.

وحيث أثبتوا ثلاثة ذوات مستقلة فقد أشركوا.

ثم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً لأنهم أطاعوهم في التحليل والتحريم من تلقاء أنفسهم من غير شريعة وبيان، ولأنهم يسجدون لهم ويطيعونهم في المعاصي وهوى النفس ورؤية الأمور من الوسائط ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه  ﴾ ولأن من مذهبهم أن الكامل في الرياضة يظهر فيه أثر اللاهوت ويحل فيه فيقدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص.

فهم وإن لم يطلقوا عليهم اسم الرب إلا أنهم أثبتوا / في حقهم معنى الربوبية، فثبت أن النصارى جمعوا بين الأمور الثلاثة، وبطلانها كالأمر المتفق عليه بين العقلاء.

فإن قيل: المسيح ما كان المعبود إلا الله فوجب أن يبقى الأمر بعد ظهور المسيح عليه، والقول بالاشتراك أيضاً ضائع.

وإذا لم يكن الحكم إلا لله وجب أن لا يرجع في التحليل والتحريم والانقياد والائتمار إلا إليه.

"عن عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله.

قال  : أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟

قال: نعم.

قال  : هو ذاك" .

وعن الفضيل: لا أبالي أطعت مخلوقاً في معصية الخالق أو صليت لغير القبلة.

﴿ فإن تولوا ﴾ عن التوحيد ﴿ فقولوا ﴾ أيها المسلمون لأهل الكتاب ﴿ اشهدوا بأنا مسلمون ﴾ دونكم كما يقول الغالب لمغلوبه في جدال أو صراع: لزمتك الحجة فاعترف بأني أنا الغالب.

أو يكون من باب التعريض ومعناه فاعترفوا بأنكم كافرون حيث أعرضتم عن الحق بعد ما تبين.

ثم إن اليهود كانوا يقولون: إن إبراهيم على ديننا وكذا النصارى، فأبطل الله  ذلك بأن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده.

فبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يعقل أن يكون يهودياً أو نصرانياً؟

لا يقال هذا أيضاً لازم عليكم لأنكم تدعون أن إبراهيم كان على دين الإسلام، والإسلام إنما أنزل بعده بزمان أطول مما بينه وبين إنزال التوراة والإنجيل.

لأنا نقول: القرآن أخبر بأن إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً وإنما كان حنيفاً مسلماً، وليس في الكتابين أنه كان يهودياً أو نصرانياً فظهر الفرق.

وأيضاً المسيح ما كان موجوداً في زمان إبراهيم حتى يعبد، وعبادة المسيح هي النصرانية عندكم.

وأيضاً لا نسخ في دين اليهود والنسخ جائز في ملة إبراهيم ﴿ ها أنتم هؤلاء ﴾ "ها" حرف التنبيه و ﴿ أنتم ﴾ مبتدأ و ﴿ هؤلاء ﴾ خبره و ﴿ حاججتم ﴾ جملة مستأنفة مبينة للأولى يعني أنتم هؤلاء الحمقى، وبيان حماقتكم أنكم حاججتم فيما لكم به علم مما نطق به التوراة والإنجيل من نعت محمد  .

أو ليس المراد وصفهم بالعلم حقيقة وإنما أراد: هب أنكم تحاجون فيما تدعون علمه، فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به ألبتة ولا ذكر له في كتابكم؟

وعن الأخفش: ﴿ ها أنتم ﴾ أصله أأنتم على الاستفهام.

فقلبت الهزة هاء، ومعنى الاستفهام التعجب من جهالتهم.

ثم حقق ذلك بقوله: ﴿ والله يعلم ﴾ كيف كان حال هذه الشرائع في الموافقة والمخالفة ﴿ وأنتم لا تعلمون ﴾ ثم بين ذلك مفصلاً فقال: ﴿ ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين ﴾ كما لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، أو عرض بالمشركين عن اليهود والنصارى لإشراكهم بالله عزيراً والمسيح.

فإن قيل: قولكم "إبراهيم على دين الإسلام" إن أردتم به الموافقة في الأصول فليس هذا مختصاً بدين الإسلام، وإن أردتم به الموافقة في الفروع لزم أن لا يكون محمد صاحب شريعة بل كان / مقرراً لشرع من قبله.

قلنا: نختار الأول والاختصاص ثابت.

فإن اليهود والنصارى مخالفون للأصول في زماننا لقولهم بالتثليث وإشراك عزير والمسيح بالله إلى غير ذلك من قبائح أفعالهم، أو الثاني ولا يلزم ما ذكرتم لجواز أنه  نسخ تلك الفروع بشرع موسى، ثم في زمان محمد نسخ شرع موسى بتلك الشريعة التي كانت ثابتة في زمان إبراهيم، فيكون محمد صاحب الشريعة مع موافقة شرعه شرع إبراهيم في معظم الفروع.

روى الواحدي "عن أصحاب رسول الله  قالوا: لما هاجر جعفر بن أبي طالب وأصحابه إلى الحبشة واستقرت بهم الدار وهاجر رسول الله  إلى المدينة وكان من أمر بدر ما كان، اجتمعت قريش من دار الندوة وقالوا: إن لنا في الذين عند النجاشي من أصحاب محمد  ثأراً بمن قتل منكم ببدر.

فأجمعوا مالاً وأهدوه إلى النجاشي لعله يدفع إليكم من عنده من قومكم، ولينتدب لذلك رجلان من ذوي آرائكم.

فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط مع هدايا الأدم وغيره، فركبا البحر وأتيا الحبشة.

فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما عليه وقالا له: إن قومنا لك ناصحون شاكرون وإصلاحك محبون، وإنهم بعثونا إليك لنحذرك هؤلاء القوم الذين قدروا عليك لأنهم قوم رجل كذاب خرج فينا يزعم أنه رسول الله ولم يتابعه أحد منا إلا السفهاء.

وإنا كنا ضيقنا عليهم الأمر وألجأناهم إلى شعب بأرضنا لا يدخل أحد منا عليهم ولا يخرج منهم أحد، قد قتلهم الجوع والعطش.

فلما اشتد عليهم الأمر بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك، وقد جئتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكهم.

قالوا: وآية ذلك أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي يحييك بها الناس رغبة عن دينك وسنتك.

قال: فدعاهم النجاشي.

فلما حضروا صاح جعفر بالباب يستأذن عليك حزب الله.

فقال النجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه ففعل جعفر.

فقال النجاشي: نعم فليدخلوا بأمان الله وذمته.

فنظر عمرو بن العاص إلى صاحبه فقال: ألا تسمع كيف يرطنون بحزب الله وما أجابهم به النجاشي فساءهما ذلك.

ثم دخلوا عليه ولم يسجدوا له فقال عمرو بن العاص: ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك؟

فقال لهم النجاشي: ما يمنعكم أن تسجدوا لي وتحيوني بالتحية التي يحيي بها من أتاني من الآفاق؟

قالوا: نسجد لله الذي خلقك وملكك، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان، فبعث الله فينا نبياً صادقاً وأمرنا بالتحية التي رضيها الله لنا وهي السلام تحية أهل الجنة.

فعرف النجاشي أن ذلك حق وأنه في التوراة والإنجيل.

قال: أيكم الهاتف يستأذن عليك حزب الله؟

قال جعفر: أنا.

قال: فتكلم.

قال: إنك ملك من ملوك أهل الأرض ومنأهل الكتاب، ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم، وأنا أحب أن أجيب عن أصحابي.

/ فمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما ولينصت الآخر فتسمع محاورتنا.

فقال عمرو لجعفر: تكلم.

فقال جعفر للنجاشي: سل هذا الرجل أعبيد نحن أم أحرار؟

فإن كنا عبيداً أبقنا من أربابنا فأرددنا إليهم.

فقال النجاشي: أعبيد هم أم أحرار؟

فقال: بل أحرار كرام.

فقال النجاشي: نجوا من العبودية.

قال جعفر: سلهما هل أهرقنا دماً بغير حق فيقتص منا؟

فقال عمرو: لا ولا قطرة.

قال جعفر: سلهما هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤها؟

قال النجاشي: يا عمرو إن كان قنطاراً فعليّ قضاؤه.

فقال عمرو: لا ولا قيراط.

قال النجاشي: فما تطلبون منهم؟

قال عمرو: كنا وهم على دين واحد وأمر واحد على دين آبائنا، فتركوا ذلك الدين واتبعوا غيره ولزمناه نحن، فبعثنا إليك قومهم لتدفعهم إلينا.

فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الذي اتبعوه أصدقني.

قال جعفر: أما الدين الذي كنا عليه فتركناه فهو دين الشيطان وأمره.

كنا نكفر بالله عزّ وجلّ ونعبد الحجارة.

وأما الدين الذي تحولنا إليه فدين الإسلام، جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقاً له.

فقال النجاشي: يا جعفر تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك.

ثم أمر النجاشي فضرب الناقوس فاجتمع إليه كل قسيس وراهب.

فلما اجمعوا عنده قال النجاشي: أنشدكم بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبياً مرسلاً؟

فقالوا: اللهم نعم، قد بشرنا به عيسى وقال: من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي.

فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل وما يأمركم به وما ينهاكم عنه؟

قال: يقرأ علينا كتاب الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بحسن الجوار وصلة الرحم وبر اليتيم، ويأمرنا أن نعبد الله وحده لا شريك له.

فقال: اقرأ علي شيئاً مما يقرأ عليكم.

فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم ففاضت أعين النجاشي وأصحابه من الدموع وقالوا: يا جعفر زدنا من هذا الحديث الطيب.

فقرأ عليهم سورة الكهف.

فأراد عمرو أن يغضب النجاشي فقال: إنهم يشتمون عيسى وأمه.

فقال النجاشي: ما تقولون في عيسى وأمه؟

فقرأ عليهم جعفر سورة مريم.

فلما أتى ذكر مريم وعيسى رفع النجاشي نفثة من سواكه قدر ما يقذى العين وقال: والله ما زاد المسيح على ما يقولون هذا.

ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال: اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي يقول آمنون من سبكم أو أذاكم.

قال: أبشروا ولا تخافوا فلا دهورة أي لا خوف اليوم على حزب إبراهيم.

قال عمرو: يا نجاشي ومن حزب إبراهيم؟

قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاؤا من عنده ومن اتبعهم.

فأنكر ذلك المشركون وادعوا أنهم في دين إبراهيم.

ثم رد النجاشي على عمرو وأصحابه المال الذي حملوه وقال: إنما هديتكم إليّ رشوة فاقبضوها فإن الله ملكني ولم يأخذ مني رشوة.

قال جعفر: وانصرفنا فكنا في خير دار وأكرم جوار، وأنزل الله عزّ وجلّ ذلك اليوم في خصومتهم في إبراهيم على رسول الله  هو بالمدينة قوله: ﴿ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ﴾ " على ملته وسنته في زمانه ﴿ وهذا النبي ﴾ يعني محمداً  ﴿ والذين آمنوا ﴾ في آخر الزمان ﴿ والله ولي المؤمنين ﴾ بالنصرة والتأييد والتوفيق والتسديد.

ومعنى ﴿ أولى الناس ﴾ أخصهم به وأقربهم منه من الولي القرب.

وقرىء ﴿ وهذا النبي ﴾ بالنصب عطفاً على الهاء في ﴿ اتبعوه ﴾ وبالجر عطفاً على ﴿ إبراهيم ﴾ عن رسول الله  : " إن لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليل ربي إبراهيم ثم قرأ إن أولى الناس الآية " ثم بين أنهم لا يقتصرون على هذا القدر بل يجتهدون في إضلال المؤمنين بإلقاء الشبهات وإبداء المكايد كما أرادوا بحذيفة وعمار ومعاذ بن جبل وقد ذكرناه في سورة البقرة.

﴿ وما يضلون إلا أنفسهم ﴾ لأن وبال الإضلال يعود عليهم فيضاعف لهم العذاب بالضلال والإضلال، أو وما يقدرون على إضلال المؤمنين وإنما يضلون أمثالهم من أشياعهم ﴿ وما يشعرون ﴾ أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين.

ثم وبخهم على قبائح أفعالهم بطريق الاستفهام فقال: ﴿ لم تكفرون بآيات الله ﴾ قيل: أي بالتوراة والإنجيل لما فيهما من البشارة بنبوة محمد  ، أو أن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً، أو أن الدين عند الله الإسلام، ومعنى الكفر بالتوراة والإنجيل إما الكفر بما يدلان عليه فيكون قد أطلق اسم الدليل على المدلول، أو الكفر بنفس التوراة والإنجيل لأنهم كانوا يحرّفونهما وينكرون وجود تلك الآيات الدالة على نبوة محمد  .

ومعنى ﴿ وأنتم تشهدون ﴾ أنهم عند حضور المسلمين وعند حضور عوامهم كانوا ينكرون اشتمال التوراة والإنجيل على نعت محمد  ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض شهدوا بصحتها، وعلى هذا فيكون في الآية إخبار عن الغيب فيكون معجزاً.

وقيل: آيات الله في القرآن وشهادتهم أنهم يعرفون في قلوبهم أنه حق.

وقيل: آيات الله جملة المعجزات التي ظهرت على يد النبي  .

فمعنى تشهدون أنكم تعترفون بدلالة المعجزة على صدق المدعي.

ثم لما وبخهم على الغواية أردفه التوبيخ بالإغواء.

وهو إما بإلقاء الشبهات في الدين وهو معنى لبسهم الحق بالباطل، وإما بإخفاء الدلائل وهو كتمانهم الحق.

عن الحسن وابن زيد: حرفوا التوراة فخلطوا المنزل بالمحرف.

وعن ابن عباس: أظهروا الإسلام في أول النهار ثم رجعوا عنه في آخره تشكيكاً للناس.

قيل: إن في الكتابين ما يدل على نبوة محمد  والبشارة به وفيهما ما يوهم خلاف ذلك فيكون كالمحكم والمتشابه في القرآن.

فلبسوا على الضعفاء أحد الأمرين بالآخر كما يفعل كثير من المشبهة.

وهذا قول القاضي.

وقيل: كانوا يقولون: إن محمداً  معترف بأن شرع موسى حق، ثم إن التوراة دلت على أنه لا ينسخ، / وكل ذلك إلقاء الشبهات.

وأما كتمان الحق فهو أن الآيات الدالة في التوراة على نبوة محمد  كان الاستدلال بها مفتقراً إلى التدبر والتأمل، والقوم كانوا يجتهدون في إخفاء تلك الألفاظ التي بمجموعها يتم الاستدلال كما يفعل المبتدعة في زماننا ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ أنكم إنما تفعلون ذلك عناداً وحسداً، أو تعلمون أنكم من أهل المعرفة، أو تعلمون حقيتها، أو أن عقاب من يفعل هذه الأفعال عظيم والله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ﴾ ، قيل: ذلك الذي ذكر في هذه الآية: نتلو عليك يا محمد.

﴿ مِنَ الآيَاتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ .

هو المحكم، وقيل: ﴿ ٱلْحَكِيمِ ﴾ ، أي: من نظر فيه وتفكر يصير حكيماً؛ كما قال: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ ، أي: يبصر فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ﴾ : قيل في القصَّة: إن نصارى من أهل نجران قدموا على رسول الله  فقالوا له: إنك تشتم صاحبنا عيسى بن مريم، تزعم أنه عبد، وهو يُحْيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير فيطير، فأرنا فيما خلق الله عبداً مثله يعمل هذا، والنصارى في الحقيقة مشبهة وقدرية: وأمَّا التشبيه: فإنما حملهم على ذلك ظنهم في قول إبراهيم  ؛ حيث قال: ﴿ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ  ﴾ ؛ ظنوا إن عيسى لما قال: ﴿ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ  ﴾ أنه رب وإله؛ لأن إبراهيم -  - أخبر أن ربه ﴿ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ  ﴾ ؛ فسموا عيسى إلهاً بهذا، وهم كانوا يرون عيسى يأكل ويشرب وينام؛ فلولا أنهم عرفوا الله - عز وجل - وإلاّ ما شبهوه به،  الله عن ذلك.

وأمّا القدرية: فلما لم يروا الله في أفعال العباد صنعاً؛ إنما رأوا ذلك للخلق خاصة، فلما رأوا ذلك من عيسى -  - ظنوا أنه ربٌّ؛ لما لم يروا ذلك من غيره، ولو كانوا عرفوا الله حق المعرفة، لعلموا أن لم يكن من عيسى إلا تصوير ذلك الطير وتمثيله، ويكون مثله من كل أحد؛ وإنما الإحياء كان من الله - عز وجل - أجراه على يدي عيسى -  - وأظهره، وإنما كان من عيسى تصويره فقط؛ وكذلك ما كان من إبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من الله - عزو جل - أجراه على يديه آيات لنبوته؛ لأنهم ادعوا له الربوبية من وجهين: لكونه من غير أب، ولآياته.

ثم قوله: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ﴾ - يحتمل وجهين - والله أعلم -: أحدهما: أن الله - عز وجل - صور صورة آدم من طين، ثم جعل فيه الروح، لم يجز أن يقال صار آدم حيّاً من نفسه؛ لوجود صورته، كيف جاز لكم أن تقولوا: إن عيسى لمّا صوَّر ذلك الطير من الطين، صار محيياً له بتصويره إياه دون إحياء الله -  - إياه؟!

والله أعلم.

والثاني: أن آدم -  - خُلِقَ لا من أب وأم، ثم لم تقولوا: إنه رب أو إله، فكيف قلتم في عيسى: إنه إله؛ وإنه خلق لا من أب؛ إذ عدم الأبوة في آدم لم يوجب أن يكون ربّاً؛ وكيف أوجب عدم الأبوة في عيسى كونه ربّاً وإلها؟!

والله الموفق.

وإنما كان عيسى بقوله: "كن" - كما كان آدم، أيضاً، بـ"كن" - من غير أب.

وقوله: ﴿ كُنْ ﴾ : قد ذكرنا أنه أوجز كلام في لسان العرب يعبر فيؤدي المعنى؛ فيفهم المراد، لا أن كان من الله - عز وجل - كاف، أو نون، أو وقت، أو حرف، أو يوصف كلامه بشيء مما يوصف به كلام الخلق،  الله عن ذلك.

وقوله: ﴿ فَيَكُونُ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل "يكون"، بمعنى: كان، والعرب تستعمل ذلك ولا تأبى.

والثاني: أن تكون الكائنات بأسبابها في أوقاتها التي أراد كونها على ما أراد، وأصل ذلك، إذ ذكر الله ووصف بذكر بلا ذكر وقت في الأزل، وإذا ذكر الخلق معه يذكر الوقت، والوقت يكون للخلق يقول: خالق لم يزل، وخالقه في وقت خلقه.

وقوله: ﴿ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ : يحتمل هذا وجوهاً: يحتمل أن يكون الخطاب لكل أحد قال في عيسى ما قالوا، أي: لا تكن من الممترين في عيسى أنه عبد الله خالصاً، وأنه نبيه ورسوله إليكم.

ويحتمل أن يكون الخطاب للنبي  والمراد غيره؛ وهكذا عادة ملوك الأرض أنهم إذا أرادوا أن يعرفوا رعيتهم شيئاً، يخاطبون أعقلهم وأفضلهم وأرفعهم منزلة وقدراً عندهم؛ استكباراً منهم مخاطبة كل وضيع وسيفه؛ فكذلك [ولله المثل الأعلى] الله - عز وجل - خاطب نبيّه؛ إعظاماً له وإجلالاً، والله أعلم.

ويحتمل ما ذكرنا فيما تقدم أن العصمة لا تمنع الأمر ولا النهي؛ بل تزيد أمراً ونهياً، وإن كان يعلم أنه لا يكون من الممترين أبداً، والله الموفق.

وقوله: ﴿ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ ﴾ الآية.

دعاهم  إلى المباهلة، فالمباهلة في لغة العرب: الملاعنة، دعاهم إلى الدعاء باللعنة على الكاذبين، فامتنعوا عن ذلك؛ خوفاً [منهم لحوق اللعنة؛ فدل امتناعهم عن ذلك أنهم عرفوا كذبهم، لكنهم تعاندوا] وكابروا؛ فلم يقروا بالحق.

وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ ﴾ : يعني: الخبر الحق.

وقوله: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : ظاهر، قد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، يحتمل: خبر الحق في أمر عيسى -  - أنه كان عبداً بشراً نبيّاً، ﴿ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ ، أي: لا يحملنك شدة لجاجتهم وكثرتهم في القول فيه بهذا الوصف على الشك في الخبر الّذي جاءك عن الله؛ كقوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ ﴾ إلى آخره [هود: 12]: على الموعظة، لا على أن يكون كذلك، أو على ما سبق ذكره، والله أعلم.

ويحتمل: ﴿ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، أي: كل حق فهو عن الله جائز إضافته إليه، على الوجوه التي تضاف إليه، الباطل من الوجه الذي هو باطل، ﴿ فَلاَ تَكُنْ ﴾ في ذلك ﴿ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ ، والله أعلم.

وجائز أن يقول: جعل الله ذلك الفعل ممن فعله باطلاً، ولا يقال: الباطل من الله، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن هذا الذي ذكرنا لك من شأن عيسى  هو الخبر الحق الذي لا كذب فيه ولا شك، وما من معبود بحق إلا الله وحده، وإن الله لهو العزيز في ملكه، الحكيم في تدبيره وأمره وخلقه.

<div class="verse-tafsir" id="91.oDw3X"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قلنا إن هذه الآيات سيقت في معرض إثبات نبوة محمد  ببيان أن لله تعالى أن يصطفي من عباده من يشاء لرسالته، وأنه مستقل في أفعاله، فلا وجه لإنكار اصطفائه محمدًا، وقد اصطفى قبله آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران.

ثم جاء في السياق ذكر قصة عيسى وأمه وما جاء به وما كان من كفر بعض قومه به ورمي أمه بالزنا، وإيمان بعض، وهناك قسم ثالث لم يكفر بعيسى ولم يؤمن به إيمانًا صحيحًا بل افتتن به افتنانًا لكونه ولد من غير أب، وزعموا أن معنى كونه ولد بكلمة من الله وكونه من روح الله أن الله تعالى حل في أمه وأن كلمة الله تجسدت فيه فصار إلهًا وإنسانًا، فضرب للكافرين والمفتونين مثل خلق آدم من تراب، وهو حجة على الفريقين من اليهود والنصارى، ولا شك أن خلق آدم أعجب من خلق عيسى لأن هذا خلق من حيوان من نوعه وذاك قد خلق من تراب.

وفي الكلام إرشاد إلى أن أمر الخلقة يشبه بعضه بعضًا فكله غريب بالنسبة إلينا إذا تفكرنا في حقيقتها وعللها، ولا شيء منه بغريب عند الموجد المبدع، أما القوانين المعروفة في علم الخليقة فهي قد استخرجت مما نعهده ونشاهده، وليست قوانين عقلية قامت البراهين على استحالة ما عداها كيف وأننا نرى كل يوم ما يخالفها كالحيوانات التي لها أعضاء زائدة والتي تولد من غير جنسها وترون ذكر ذلك في الجرائد ويعبرون عنه بفلتات الطبيعة، وهو إنما خالف ما نعرف لا ما يعلم الله تعالى، وما يدرينا أن لكل هذه الشواذ والفلتات سننًا مطردة محكمة لم تظهر لنا، وكذلك شأن خلق عيسى، فكونه على غير المعهود ليس مزية تقتضي تفضيله عليهم فكيف تقتضي أن يكون إلهًا؟.

وإذا كان عيسى قد خلق من بعض جنسه فآدم قد خلق من غير جنسه فهو أولى بالمزية لو كانت، وبالإنكار إن صح.

على أن ما نعرف من أمر الخلقة ليس لنا منه إلا الظاهر، نصفه ونقول به وإن لم نعقله، وماذا نعقل من الرابطة بين الحس والنطق في الانسان مثلًا؟

بل ماذا نعقل من أمر حبة الحنطة في نبتها واستوائها على سوقها وتناسب أوراقها وغير ذلك؟!

﴿ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ  ﴾ .

الروايات متفقة على أن النبي  اختار للمباهلة عليًا وفاطمة وولديهما ويحملون كلمة نساءنا على فاطمة وكلمة أنفسنا على علي فقط، ومصادر هذه الروايات الشيعة، ومقصدهم منها معروف، وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا حتى راجت على كثير من أهل السنة، ولكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية فإن كلمة "نساءنا" لا يقولها العربي ويريد بها بنته لا سيما إذا كان له أزواج، ولا يفهم هذا من لغتهم، وأبعد من ذلك أن يراد بأنفسنا علي عليه الرضوان.

ثم إن وفد نجران الذين قالوا إن الآية نزلت فيهم لم تكن معهم نساؤهم وأولادهم.

وكل ما يفهم من الآية أمر النبي  أن يدعو المحاجين والمجادلين في عيسى من أهل الكتاب إلى الاجتماع رجالًا ونساء وأطفالًا ويجمع هو المؤمنين رجالًا ونساء وأطفالًا ويبتهلون إلى الله تعالى بأن يلعن الكاذب فيما يقول عن عيسى، وهذا الطلب يدل على قوة يقين صاحبه وثقته بما يقول كما يدل على امتناع من دعوا إلى ذلك من أهل الكتاب سواء كانوا نصارى نجران أو غيرهم على امترائهم في حجاجهم ومماراتهم فيما يقولون وزلزالهم فيما يعتقدون وكونهم على غير بينة ولا يقين.

وأنَّى لمن يؤمن بالله أن يرضى بأن يجتمع مثل هذا الجمع من الناس المحقين والمبطلين في صعيد واحد متوجهين إلى الله تعالى في طلب لعنه وإبعاده من رحمته؟

وأي جراءة على الله واستهزاء بقدرته وعظمته أقوى من هذا.

أما كون النبي  والمؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى  فحسبنا في بيانه قوله تعالى ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ  ﴾ فالعلم في هذه المسائل الاعتقادية لا يراد به إلا اليقين.

وفي قوله: ﴿ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ  ﴾ إلخ وجهان: أحدهما: أن كل فريق يدعو الآخر فأنتم تدعون أبناءنا ونحن ندعو أبناءكم وهكذا الباقي.

وثانيهما: أن كل فريق يدعو أهله فنحن المسلمين ندعو أبناءنا ونساءنا وأنفسنا وأنتم كذلك ولا إشكال في وجه من وجهي التوزيع في دعوة الأنفس وإنما الإشكال فيه على قول الشيعة ومن شايعهم على القول بالتخصيص.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله