الآية ٦٤ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٦٤ من سورة آل عمران

قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًۭٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٦٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٤ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٤ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، ومن جرى مجراهم ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ) والكلمة تطلق على الجملة المفيدة كما قال هاهنا .

ثم وصفها بقوله : ( سواء بيننا وبينكم ) أي : عدل ونصف ، نستوي نحن وأنتم فيها .

ثم فسرها بقوله : ( ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ) لا وثنا ، ولا صنما ، ولا صليبا ولا طاغوتا ، ولا نارا ، ولا شيئا بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له .

وهذه دعوة جميع الرسل ، قال الله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [ الأنبياء : 25 ] .

[ وقال تعالى ] ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) [ النحل : 36 ] .

ثم قال : ( ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) وقال ابن جريج : يعني : يطيع بعضنا بعضا في معصية الله .

وقال عكرمة : يعني : يسجد بعضنا لبعض .

( فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) أي : فإن تولوا عن هذا النصف وهذه الدعوة فأشهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم .

وقد ذكرنا في شرح البخاري ، عند روايته من طريق الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن ابن عباس ، عن أبي سفيان ، في قصته حين دخل على قيصر ، فسألهم عن نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن صفته ونعته وما يدعو إليه ، فأخبره بجميع ذلك على الجلية ، مع أن أبا سفيان كان إذ ذاك مشركا لم يسلم بعد ، وكان ذلك بعد صلح الحديبية وقبل الفتح ، كما هو مصرح به في الحديث ، ولأنه لما قال هل يغدر ؟

قال : فقلت : لا ، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها .

قال : ولم يمكني كلمة أزيد فيها شيئا سوى هذه : والغرض أنه قال : ثم جيء بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه ، فإذا فيه : " بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى .

أما بعد ، فأسلم تسلم ، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ، و ( يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) .

وقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران ، وقال الزهري : هم أول من بذل الجزية .

ولا خلاف أن آية الجزية نزلت بعد الفتح ، فما الجمع بين كتابة هذه الآية قبل الفتح إلى هرقل في جملة الكتاب ، وبين ما ذكره محمد بن إسحاق والزهري ؟

والجواب من وجوه : أحدها : يحتمل أن هذه الآية نزلت مرتين ، مرة قبل الحديبية ، ومرة بعد الفتح .

الثاني : يحتمل أن صدر سورة آل عمران نزل في وفد نجران إلى عند هذه الآية ، وتكون هذه الآية نزلت قبل ذلك ، ويكون قول ابن إسحاق : " إلى بضع وثمانين آية " ليس بمحفوظ ، لدلالة حديث أبي سفيان .

الثالث : يحتمل أن قدوم وفد نجران كان قبل الحديبية ، وأن الذي بذلوه مصالحة عن المباهلة لا على وجه الجزية ، بل يكون من باب المهادنة والمصالحة ، ووافق نزول آية الجزية بعد ذلك على وفق ذلك كما جاء فرض الخمس والأربعة الأخماس وفق ما فعله عبد الله بن جحش في تلك السرية قبل بدر ، ثم نزلت فريضة القسم على وفق ذلك .

الرابع : يحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر بكتب هذا [ الكلام ] في كتابه إلى هرقل لم يكن أنزل بعد ، ثم نزل القرآن موافقة له كما نزل بموافقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحجاب وفي الأسارى ، وفي عدم الصلاة على المنافقين ، وفي قوله : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) [ البقرة : 125 ] وفي قوله : ( عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ) الآية [ التحريم : 5 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " قل "، يا محمد، لأهل الكتاب، وهم أهل التوراة والإنجيل =" تعالوا "، هلموا (24) =" إلى كلمة سواء "، يعني: إلى كلمة عدل بيننا وبينكم، (25) والكلمة العدل، هي أن نوحِّد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه، فلا نشرك به شيئًا.

= وقوله: " ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا "، يقول: ولا يدين بعضُنا لبعض بالطاعة فيما أمر به من معاصي الله، ويعظِّمه بالسجود له كما يسجدُ لربه =" فإن تولوا "، يقول: فإن أعرضوا عما دعوتَهم إليه من الكلمة السواء التي أمرُتك بدعائهم إليها، (26) فلم يجيبوك إليها =" فقولوا "، أيها المؤمنون، للمتولِّين عن ذلك =" اشهدوا بأنا مسلمون ".

* * * واختلف أهل التأويل فيمن نـزلت فيه هذه الآية.

فقال بعضهم: نـزلت في يهود بني إسرائيل الذين كانوا حَوالى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك: 7191 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم دعا يهودَ أهل المدينة إلى الكلمة السواء، وهم الذين حاجوا في إبراهيم.

&; 6-484 &; 7192 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: ذكر لنا أنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم دَعا اليهود إلى كلمة السَّواء.

7193 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا يهودَ أهل المدينة إلى ذلك، فأبوا عليه، فجاهدهم = قال: دعاهم إلى قول الله عز وجل: " قل يا أهل الكتاب تَعالوْا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم "، الآية.

* * * وقال آخرون: بل نـزلت في الوفد من نصارى نجران.

ذكر من قال ذلك: 7194 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم " الآية، إلى قوله: " فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون "، قال: فدعاهم إلى النَّصَف، وقطع عنهم الحجةَ - يعني وفد نجران.

(27) 7195 - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ثم دعاهم رسُول الله صلى الله عليه وسلم.

- يعني الوفدَ من نصارى نجران - فقال: " يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم "، الآية.

7196 - حدثني يونس قال، أخبرني ابن وهب قال، حدثنا ابن زيد قال قال: يعني جل ثناؤه: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ، في عيسى = على ما قد بيناه فيما مضى = (28) قال: فأبوا - يعني الوفدَ من نجران - فقال: ادعهم إلى أيسر من هذا،" قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم "، &; 6-485 &; فقرأ حتى بلغ: " أربابًا من دون الله "، فأبوا أن يقبلوا هذا ولا الآخر.

* * * قال أبو جعفر: وإنما قلنا عنى بقوله: " يا أهل الكتاب "، أهلَ الكتابين، لأنهما جميعًا من أهل الكتاب، ولم يخصص جل ثناؤه بقوله: " يا أهل الكتاب " بعضًا دون بعض.

فليس بأن يكون موجَّهًا ذلك إلى أنه مقصود به أهلُ التوراة، بأولى منه بأن يكون موجهًا إلى أنه مقصود به أهل الإنجيل، ولا أهل الإنجيل بأولى أن يكونوا مقصودين به دُون غيرهم من أهل التوراة.

وإذ لم يكن أحدُ الفريقين بذلك بأولى من الآخر = لأنه لا دلالة على أنه المخصوص بذلك من الآخر، ولا أثر صحيح = فالواجب أن يكون كل كتابيّ معنيًّا به.

لأن إفرادَ العبادة لله وحدَه، وإخلاصَ التوحيد له، واجبٌ على كل مأمور منهيٍّ من خلق الله.

واسم " أهل الكتاب "، يلزم أهل التوراة وأهل الإنجيل، (29) فكان معلومًا بذلك أنه عني به الفريقان جميعًا.

* * * وأما تأويل قوله: " تعالوا "، فإنه: أقبلوا وهلمُّوا.

(30) وإنما " هو تفاعلوا " من " العلوّ" فكأن القائل لصاحبه: " تعالَ إليّ"، قائلٌ" تفاعل " من " العلوّ"، (31) كما يقال: " تَدَانَ مني" من " الدنوّ"، و " تقارَبْ مني"، من " القرب ".

* * * &; 6-486 &; وقوله: " إلى كلمة سواء ".

فإنها الكلمة العدلُ،" والسَّواء " من نعتِ" الكلمة ".

(32) * * * وقد اختلف أهل العربية في وجه إتباع " سواء " في الإعراب " لكلمة "، وهو اسمٌ لا صفة.

فقال بعض نحويي البصرة: جر " سواء " لأنها من صفة " الكلمة " وهي العدل، وأراد مستوية.

قال: ولو أراد " استواء "، كان النصب.

وإن شاء أن يجعلها على " الاستواء " ويجرّ، جاز، ويجعله من صفة " الكلمة "، مثل " الخلق "، لأن " الخلق " هو " المخلوق "." والخلق " قد يكونُ صفةً واسمًا، ويجعل " الاستواء " مثل " المستوى "، قال عز وجل: الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ [سورة الحج: 25]، لأن " السواء " للآخر، وهو اسمٌ ليس بصفة فيجرى على الأول، وذلك إذا أراد به " الاستواء ".

فإن أراد به " مستويًا " جاز أن يُجرَي على الأول.

والرفع في ذا المعنى جيدٌ، لأنها لا تغيَّر عن حالها ولا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث فأشبهت الأسماء التي هي مثل " عدل " و " رضًى " و " جُنُب "، وما أشبه ذلك.

وقالوا: [في قوله]: (33) أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ [سورة الجاثية: 21]، فـ" السواء " للمحيا والممات بهذا، المبتدأ.

وإن شئت أجريته على الأول، وجعلتَه صفة مقدمة، كأنها من سبب الأول &; 6-487 &; فجرت عليه.

وذلك إذا جعلته في معنى " مستوى ".

والرفع وجه الكلام كما فسَّرتُ لك.

* * * وقال بعض نحويي الكوفة: " سواء " مصدرٌ وضع موضع الفعل، (34) يعني موضع " متساوية ": و " متساو "، فمرة يأتي على الفعل، ومرّةً على المصدر.

وقد يقال في" سواء "، بمعنى عدل: " سِوًى وسُوًى "، كما قال جل ثناؤه: مَكَانًا سُوًى و سُوًى [سورة طه: 58]، يراد به: عدل ونصَفٌ بيننا وبينك.

وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ ذلك ( إِلَى كَلَمَةٍ عَدْلٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم " ).

(35) * * * وبمثل الذي قلنا في تأويل قوله: " إلى كلمة سواء بيننا وبينكم "، بأن " السواء " هو العدلٍ، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 7197 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم "، عدل بيننا وبينكم =" ألا نعبد إلا الله "، الآية.

7198 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا "، بمثله.

(36) * * * &; 6-488 &; وقال آخرون: هو قولُ" لا إله إلا الله ".

ذكر من قال ذلك: 7199 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال، قال أبو العالية: " كلمة السواء "، لا إله إلا الله.

* * * وأما قوله: " ألا نعبُدَ إلا الله "، فإنّ" أنْ" في موضع خفض على معنى: تعالوا إلى أنْ لا نعبد إلا الله.

(37) * * * وقد بينا - معنى " العبادة " في كلام العرب فيما مضى، ودللنا على الصحيح من معانيه بما أغنى عن إعادته.

(38) * * * وأما قوله: " ولا يتخذ بعضُنا بعضًا أربابًا "، فإنّ" اتخاذ بعضهم بعضًا "، ما كان بطاعة الأتباع الرؤساءَ فيما أمروهم به من معاصي الله، (39) وتركِهم ما نهوهم عنه من طاعة الله، كما قال جل ثناؤه: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا [سورة التوبة: 31]، كما:- 7200 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: " ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله "، يقول: لا يطع بعضُنا بعضًا في معصية الله.

ويقال إنّ تلك الرُّبوبية: أن يطيعَ الناس سادَتهم وقادتهم في غير عبادة، وإن لم يصلُّوا لهم.

* * * &; 6-489 &; وقال آخرون: " اتخاذ بعضهم بعضًا أربابًا "، سجودُ بعضهم لبعض.

ذكر من قال ذلك: 7201 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله: " ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله "، قال: سجود بعضهم لبعض.

* * * وأما قوله: " فإن تولَّوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون "، فإنه يعني: فإن تولَّى الذين تدعونهم إلى الكلمة السواء عنها وكفروا، فقولوا أنتم، أيها المؤمنون، لهم: اشهدوا علينا بأنا = بما تولَّيتم عنه، من توحيد الله، وإخلاص العبودية له، وأنه الإلهُ الذي لا شريك له =" مسلمون "، يعني: خاضعون لله به، متذلِّلون له بالإقرار بذلك بقلوبنا وألسنتنا.

* * * وقد بينا معنى " الإسلام " فيما مضى، ودللنا عليه بما أغنى عن إعادته.

(40) ----------------------- الهوامش : (24) انظر تفسير"تعالوا" فيما سلف قريبًا: 474 ، وسيأتي ص: 485.

(25) انظر تفسير"سواء" فيما سلف 1: 256 / 2: 495-497.

(26) انظر معنى"تولى" فيما سلف قريبًا ص: 477 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(27) الأثر 7194- سيرة ابن هشام 2: 232 ، ومضى أيضًا برقم: 7181 ، وهو من بقية الآثار التي آخرها رقم: 7181.

(28) يعني الأثر السالف رقم: 7178.

(29) في المطبوعة: "وأهل الكتاب يعم أهل التوراة وأهل الإنجيل" ، غير ما في المخطوطة حين لم يحسن قراءة ما فيه من التصحيف ، وكان في المخطوطة: "وأنتم أهل الكتاب يلزم أهل التوراة وأهل الإنجيل" صحف الكاتب فكتب مكان"واسم" ، "وأنتم" ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(30) قد فسر أبو جعفر"تعالوا" في موضعين سلفا ص: 474 ، ص: 483 ، ولكنه استوفى هنا الكلام في بيانها ، ولا أدري لم يفعل مثل ذلك ، وكان الأولى أن يفسرها أول مرة.

(31) في المطبوعة: "فكأن القائل تعالى إلى ، فإنه تفاعل من العلو" لأنه لم يفهم ما كان في المخطوطة ، فبدله ، ووضع علامة (3) للدلالة على أنه خطأ لا معنى له ، أو سقط في الكلام.

والصواب ما أثبت.

(32) انظر تفسير"سواء" فيما سلف قريبًا ص: 483 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(33) الزيادة التي بين القوسين ، زدتها ليستقيم الكلام ويستبين ، وأخشى أن يكون في هذه الجملة سقط لم أستطع أن أتبينه ، وراجع قول أبي جعفر في هذه الآية من تفسيره ، 25 ، 89 ، 90 (بولاق).

(34) "الفعل" يعني به الصفة المشتقة مثل فاعل ومفعول ، كما هو ظاهر هنا ، وراجع فهرس المصطلحات.

(35) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 220.

(36) الأثر: 7198- في المخطوطة: "و..

ولا نشرك به شيئًا" الآية ، وليس فيها"بمثله" ، زادها الناشر أو ناسخ قبله ، لما رأى الأثر غير تام ، وهو صنيع حسن ، وإن كنت لا أرتضيه ، وظني أنه قد سقط من الناسخ الأول بقية التفسير.

(37) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 220 ، فانظر تمامها هناك.

(38) انظر ما سف 1: 160 ، 161 ، 362 / 3: 120 ، 317.

(39) في المطبوعة: "هو ما كان بطاعة الأتباع..." بزيادة"هو" ، وليست في المخطوطة.

(40) انظر ما سلف 2: 510 ، 511 / 3: 73 ، 74 ، 92 ، 110 / ثم 6: 275 ، 280.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون[ ص: 100 ] فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : قل يا أهل الكتاب الخطاب في قول الحسن وابن زيد والسدي لأهل نجران .

وفي قول قتادة وابن جريج وغيرهما ليهود المدينة ، خوطبوا بذلك لأنهم جعلوا أحبارهم في الطاعة لهم كالأرباب .

وقيل : هو لليهود والنصارى جميعا .

وفي كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل " بسم الله الرحمن الرحيم : من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ، إلى قوله : فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون .

لفظ مسلم .

والسواء العدل والنصفة ; قاله قتادة .

وقال زهير :أروني خطة لا ضيم فيها يسوي بيننا فيها السواءالفراء : ويقال في معنى العدل سوى وسوى ، فإذا فتحت السين مددت وإذا كسرت أو ضممت قصرت ; كقوله تعالى : ( مكانا سوى ) .

قال : وفي قراءة عبد الله " إلى كلمة عدل بيننا وبينكم " وقرأ قعنب ( كلمة ) بإسكان اللام ، ألقى حركة اللام على الكاف ; كما يقال : كبد .

فالمعنى أجيبوا إلى ما دعيتم إليه ، وهو الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميل عن الحق .وقد فسرها بقوله تعالى : ألا نعبد إلا الله فموضع " أن " خفض على البدل من ( كلمة ) ، أو رفع على إضمار مبتدأ ، التقدير هي أن لا نعبد إلا الله .

أو تكون مفسرة لا موضع لها ، ويجوز مع ذلك في ( نعبد ) وما عطف عليه الرفع والجزم : فالجزم على أن تكون " أن " مفسرة بمعنى أي ; كما قال عز وجل : أن امشوا وتكون " لا " جازمة .

هذا مذهب سيبويه .

ويجوز على هذا أن ترفع ( نعبد ) وما بعده يكون خبرا .

ويجوز الرفع بمعنى أنه لا نعبد ; ومثله ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا .

وقال الكسائي والفراء : ( ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ ) بالجزم على التوهم أنه ليس في أول الكلام ( أن ) .الثانية : قوله تعالى : ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله أي لا نتبعه في تحليل شيء أو تحريمه إلا فيما حلله الله تعالى .

وهو نظير قوله تعالى : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله [ ص: 101 ] معناه أنهم أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله ولم يحله الله .

وهذا يدل على بطلان القول بالاستحسان المجرد الذي لا يستند إلى دليل شرعي ; قال الكيا الطبري : مثل استحسانات أبي حنيفة في التقديرات التي قدرها دون مستندات بينة .

وفيه رد على الروافض الذين يقولون : يجب قبول قول الإمام دون إبانة مستند شرعي ، وإنه يحل ما حرمه الله من غير أن يبين مستندا من الشريعة .

وأرباب جمع رب .

و ( دون ) هنا بمعنى غير .الثالثة قوله تعالى : فإن تولوا أي أعرضوا عما دعوا إليه .

فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون أي متصفون بدين الإسلام منقادون لأحكامه معترفون بما لله علينا في ذلك من المنن والإنعام ، غير متخذين أحدا ربا لا عيسى ولا عزيرا ولا الملائكة ; لأنهم بشر مثلنا محدث كحدوثنا ، ولا نقبل من الرهبان شيئا بتحريمهم علينا ما لم يحرمه الله علينا ، فنكون قد اتخذناهم أربابا .وقال عكرمة : معنى يتخذ يسجد .

وقد تقدم أن السجود كان إلى زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذا لما أراد أن يسجد ; كما مضى في البقرة بيانه .

وروى أنس بن مالك قال : قلنا يا رسول الله ، أينحني بعضنا لبعض ؟

قال ( لا ) قلنا : أيعانق بعضنا بعضا ؟

قال ( لا ولكن تصافحوا ) أخرجه ابن ماجه في سننه .

وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان في سورة ( يوسف ) إن شاء الله ، وفي " الواقعة " مس القرآن أو بعضه على غير طهارة إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: قل لأهل الكتاب من اليهود والنصارى { تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } أي: هلموا نجتمع عليها وهي الكلمة التي اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، ولم يخالفها إلا المعاندون والضالون، ليست مختصة بأحدنا دون الآخر، بل مشتركة بيننا وبينكم، وهذا من العدل في المقال والإنصاف في الجدال، ثم فسرها بقوله { ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا } فنفرد الله بالعبادة ونخصه بالحب والخوف والرجاء ولا نشرك به نبيا ولا ملكا ولا وليا ولا صنما ولا وثنا ولا حيوانا ولا جمادا { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله } بل تكون الطاعة كلها لله ولرسله، فلا نطيع المخلوقين في معصية الخالق، لأن ذلك جعل للمخلوقين في منزلة الربوبية، فإذا دعي أهل الكتاب أو غيرهم إلى ذلك، فإن أجابوا كانوا مثلكم، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، وإن تولوا فهم معاندون متبعون أهواءهم فاشهدوهم أنكم مسلمون، ولعل الفائدة في ذلك أنكم إذا قلتم لهم ذلك وأنتم أهل العلم على الحقيقة، كان ذلك زيادة على إقامة الحجة عليهم كما استشهد تعالى بأهل العلم حجة على المعاندين، وأيضا فإنكم إذا أسلمتم أنتم وآمنتم فلا يعبأ الله بعدم إسلام غيركم لعدم زكائهم ولخبث طويتهم، كما قال تعالى { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا } الآية وأيضا فإن في ورود الشبهات على العقيدة الإيمانية مما يوجب للمؤمن أن يجدد إيمانه ويعلن بإسلامه، إخبارا بيقينه وشكرا لنعمة ربه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ) الآية قال المفسرون : قدم وفد نجران المدينة فالتقوا مع اليهود فاختصموا في إبراهيم عليه السلام ، فزعمت النصارى أنه كان نصرانيا وهم على دينه وأولى الناس به ، وقالت اليهود : بل كان يهوديا وهم على دينه وأولى الناس به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه بل كان إبراهيم حنيفا مسلما وأنا على دينه فاتبعوا دينه دين الإسلام ، فقالت اليهود : يا محمد ما تريد إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى ربا ، وقالت النصارى : يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير ، فأنزل الله تعالى : ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ) والعرب تسمي كل قصة لها شرح كلمة ومنه سميت القصيدة كلمة ( سواء ) عدل بيننا وبينكم مستوية ، أي أمر مستو يقال : دعا فلان إلى السواء ، أي إلى النصفة ، وسواء كل شيء وسطه ومنه قوله تعالى : " فرآه في سواء الجحيم " ( 55 - الصافات ) وإنما قيل للنصف سواء لأن أعدل الأمور وأفضلها أوسطها وسواء نعت لكلمة إلا أنه مصدر ، والمصادر لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث ، فإذا فتحت السين مددت ، وإذا كسرت أو ضممت قصرت كقوله تعالى : " مكانا سوى " ( 58 - طه ) ثم فسر الكلمة فقال : ( ألا نعبد إلا الله ) ومحل أن رفع على إضمار هي ، وقال الزجاج : رفع بالابتداء ، وقيل : محله نصب بنزع حرف الصفة معناه بأن لا نعبد إلا الله وقيل : محله خفض بدلا من الكلمة أي تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله ( ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) كما فعلت اليهود والنصارى ، قال الله تعالى : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " ( 31 - التوبة ) وقال عكرمة : هو سجود بعضهم لبعض ، أي لا تسجدوا لغير الله ، وقيل : معناه لا نطيع أحدا في معصية الله ( فإن تولوا فقولوا اشهدوا ) فقولوا أنتم لهم اشهدوا ( بأنا مسلمون ) مخلصون بالتوحيد .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا أبو اليمان الحكم بن نافع ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش ، وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد فيها أبا سفيان وكفار قريش فأتوه وهو بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ، ودعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية بن خليفة الكلبي إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا هو : " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله ، إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد : فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين ( يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل يا أهل الكتاب» اليهود والنصارى «تعالوا إلى كلمة سواءٍ» مصدر بمعنى مستو أمرها «بيننا وبينكم» هي «أ» ن «لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا أربابا من دون الله» كما اتخذتم الأحبار والرهبان «فإن تولَّوْا» أعرضوا عن التوحيد «فقولوا» أنتم لهم «اشهدوا بأنا مسلمون» موحدون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لأهل الكتاب من اليهود والنصارى: تعالَوْا إلى كلمة عدل وحق نلتزم بها جميعًا: وهي أن نَخُص الله وحده بالعبادة، ولا نتخذ أي شريك معه، من وثن أو صنم أو صليب أو طاغوت أو غير ذلك، ولا يدين بعضنا لبعض بالطاعة من دون الله.

فإن أعرضوا عن هذه الدعوة الطيبة فقولوا لهم - أيها المؤمنون -: اشهدوا علينا بأنا مسلمون منقادون لربنا بالعبودية والإخلاص.

والدعوة إلى كلمة سواء، كما تُوجَّه إلى اليهود والنصارى، توجَّه إلى من جرى مجراهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أنت ترى أن القرآن الكريم قد وجه إلى أهل الكتاب أربع نداءات فى هذه الآيات الكريمة أما النداء الأول فقد طلب منهم فيه أن يثوبوا إلى رشدهم ، وأن يخلصوا لله العبادة فقال { قُلْ ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } .والسواء : العدل والنصفة ، أى قل يا محمد لأهل الكتاب : هلموا وأقبلوا إلى كلمة ذات عدل وإنصاف بيننا وبينكم .أو السواء : مصدر مستوية أى هلموا إلى كلمة لا تختلف فيها الرسل والكتب المنزلة والعقول السليمة ، لأنها كلمة عادلة مستقيمة ليس فيها ميل عن الحق .ثم بين - سبحانه - هذه الكلمة العادلة المستقيمة التى هى محل اتفاق بين الأنبياء فقال : { أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله } أى نترك نحن وأنتم عبادة غير الله ، بأن نفرده وحده بالعبادة والطاعة والإذعان .{ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً } أى ولا نشرك معه أحدا فى العبادة والخضوع ، بأن نقول : فلان إله ، أو فلان ابن إله ، أو أن الله ثالث ثلاثة .{ وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله } أى ولا يطيع بعضنا بعضا فى معصية الله .

قال الآلوسى : ويؤيده ما أخرجه الترمذى وحسنه من حديث عدى بن حاتم أنه لما نزلت هذه الآية قال : ما كنا نعبدهم يا رسول الله .

فقال صلى الله عليه وسلم : " أما كانوا يحلون منكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟

قال : نعم .

فقال صلى الله عليه وسلم هو ذاك " قيل إلى هذا أشار - سبحانه - بقوله : { اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله والمسيح ابن مَرْيَمَ وَمَآ أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلها وَاحِداً لاَّ إله إِلاَّ هُوَ } فالآية الكريمة قد نهت الناس جميعا عن عبادة غير الله ، وعن أن يشرك معه فى الألوهية أحد من بشر أو حجر أو غير ذلك ، وعن أن يتخذ أحد من البشر فى مقام الرب - عز وجل - بأن يتبع فى تحليل شىء أو تحريمه إلا فيما حلله الله أو حرمه .ولقد كانت رسالة الأنبياء جميعا متفقة فى دعوة الناس إلى عبادة الله وحده ، وقد حكى القرآن فى كثير من الآيات هذا المعنى ومن ذلك قوله - تعالى - : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } وقوله - تعالى - : { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون } ثم أرشد الله - تعالى - المؤمنين إلى ما يجب عليهم أن يقولوه إذا مالج الجاحدون فى طغيانهم فقال : { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } .أى فإن أعرض هؤلاء الكفاء عن دعوة الحق ، وانصرفوا عن موافقتكم بسبب ما هم عليه من عناد وجحود فلا تجادلوهم ولا تحاجوهم ، بل قولوا لهم : اشهدوا : بأنا مسملون مذعنون لكلمة الحق ، بخلافكم أنتم فقد رضيتم بما أنتم فيه من باطل .قال صاحب الكشاف وقوله { فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } أى لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم .

وذلك كما يقول الغالب للمغلوب فى جدال وصراع أو غيرهما : اعترف بأنى أنا الغالب وسلم لى بالغلبة .

ويجوز أن يكون من باب التعريض ومعنا : اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره " .هذا وتعتبر هذه الآية الكريمة من أجمع الآيات التى تهدى الناس إلى طريق الحق بأسلوب منطقى رصين ، ولذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يكتبها في بعض رسائله التى أرسلها إلى الملكوك والرؤساء ليدعوهم إلى الإسلام - .فقد جاء فى كتاب النبى صلى الله عليه وسلم إلى هرقل - ملك الروم - " من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى .أما بعد : فإنى أدعوك بدعاية الإسلام .

أسلم تسليم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ، { ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً } إلخ الآية " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أورد على نصارى نجران أنواع الدلائل وانقطعوا، ثم دعاهم إلى المباهلة فخافوا وما شرعوا فيها وقبلوا الصغار بأداء الجزية، وقد كان عليه السلام حريصاً على إيمانهم، فكأنه تعالى قال: يا محمد اترك ذلك المنهج من الكلام واعدل إلى منهج آخر يشهد كل عقل سليم وطبع مستقيم أنه كلام مبني على الإنصاف وترك الجدال، و ﴿ قُلْ ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ أي هلموا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا لبعض، ولا ميل فيه لأحد على صاحبه، وهي ﴿ أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ﴾ هذا هو المراد من الكلام ولنذكر الآن تفسير الألفاظ.

أما قوله تعالى: ﴿ يا أَهْلَ الكتاب ﴾ ففيه ثلاثة أقوال أحدها: المراد نصارى نجران والثاني: المراد يهود المدينة والثالث: أنها نزلت في الفريقين، ويدل عليه وجهان الأول: أن ظاهر اللفظ يتناولهما والثاني: روي في سبب النزول، أن اليهود قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام، ما تريد إلا أن نتخذك رباً كما اتخذت النصارى عيسى!

وقالت النصارى: يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير!

فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعندي أن الأقرب حمله على النصارى، لما بينا أنه لما أورد الدلائل عليهم أولاً، ثم باهلهم ثانياً، فعدل في هذا المقام إلى الكلام المبني على رعاية الإنصاف، وترك المجادلة، وطلب الإفحام والإلزام، ومما يدل عليه، أنه خاطبهم هاهنا بقوله تعالى: ﴿ يا أهلَ الكتاب ﴾ وهذا الاسم من أحسن الأسماء وأكمل الألقاب حيث جعلهم أهلاً لكتاب الله، ونظيره، ما يقال لحافظ القرآن يا حامل كتاب الله، وللمفسر يا مفسر كلام الله، فإن هذا اللقب يدل على أن قائله أراد المبالغة في تعظيم المخاطب وفي تطييب قلبه، وذلك إنما يقال عند عدول الإنسان مع خصمه عن طريقة اللجاج والنزاع إلى طريقة طلب الإنصاف.

أما قوله تعالى: ﴿ تَعَالَوْاْ ﴾ فالمراد تعيين ما دعوا إليه والتوجه إلى النظر فيه وإن لم يكن انتقالاً من مكان إلى مكان لأن أصل اللفظ مأخوذ من التعالي وهو الارتفاع من موضع هابط إلى مكان عال، ثم كثر استعماله حتى صار دالاً على طلب التوجه إلى حيث يدعى إليه.

أما قوله تعالى: ﴿ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا ﴾ فالمعنى هلموا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا لبعض، لا ميل فيه لأحد على صاحبه، والسواء هو العدل والإنصاف، وذلك لأن حقيقة الإنصاف إعطاء النصف، فإن الواجب في العقول ترك الظلم على النفس وعلى الغير، وذلك لا يحصل إلا بإعطاء النصف، فإذا أنصف وترك ظلمه أعطاه النصف فقد سوى بين نفسه وبين غيره وحصل الاعتدال، وإذا ظلم وأخذ أكثر مما أعطى زال الاعتدال فلما كان من لوازم العدل والإنصاف التسوية جعل لفظ التسوية عبارة عن العدل.

ثم قال الزجاج ﴿ سَوَآء ﴾ نعت للكملة يريد: ذات سواء، فعلى هذا قوله: ﴿ كَلِمَةٍ سَوَاء ﴾ أي كلمة عادلة مستقيمة مستوية، فإذا آمنا بها نحن وأنتم كنا على السواء والاستقامة، ثم قال: ﴿ أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ الله ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: محل ﴿ أن ﴾ في قوله أن لا نعبد، فيه وجهان الأول: إنه رفع بإضمار، هي: كأن قائلاً قال: ما تلك الكلمة؟

فقيل هي أن لا نعبد إلا الله والثاني: خفض على البدل من: كلمة.

المسألة الثانية: إنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء أولها: ﴿ أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ الله ﴾ .

وثانيها: أن ﴿ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ﴾ .

وثالثها: أن ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ الله ﴾ وإنما ذكر هذه الثلاثة لأن النصارى جمعوا بين هذه الثلاثة فيعبدون غير الله وهو المسيح، ويشركون به غيره وذلك لأنهم يقولون إنه ثلاثة: أب وابن وروح القدس، فأثبتوا ذوات ثلاثة قديمة سواء، وإنما قلنا: إنهم أثبتوا ذوات ثلاثة قديمة، لأنهم قالوا: إن أقنوم الكلمة تدرعت بناسوت المسيح، وأقنوم روح القدس تدرعت بناسوت مريم، ولولا كون هذين الأقنومين ذاتين مستقلتين وإلا لما جازت عليهما مفارقة ذات الأب والتدرع بناسوت عيسى ومريم، ولما أثبتوا ذوات ثلاثة مستقلة فقد أشركوا، وأما إنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله فيدل عليه وجوه: أحدها: إنهم كانوا يطيعونهم في التحليل والتحريم والثاني: إنهم كانوا يسجدون لأحبارهم والثالث: قال أبو مسلم: من مذهبهم أن من صار كاملاً في الرياضة والمجاهدة يظهر فيه أثر حلول اللاهوت، فيقدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فهم وإن لم يطلقوا عليه لفظ الرب إلا أنهم أثبتوا في حقه معنى الربوبية والرابع: هو أنهم كانوا يطيعون أحبارهم في المعاصي، ولا معنى للربوبية إلا ذلك، ونظيره قوله تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ  ﴾ فثبت أن النصارى جمعوا بين هذه الأمور الثلاثة، وكان القول ببطلان هذه الأمور الثلاثة كالأمر المتفق عليه بين جمهور العقلاء وذلك، لأن قبل المسيح ما كان المعبود إلا الله، فوجب أن يبقى الأمر بعد ظهور المسيح على هذا الوجه، وأيضاً القول بالشركة باطل باتفاق الكل، وأيضاً إذا كان الخالق والمنعم بجميع النعم هو الله، وجب أن لا يرجع في التحليل والتحريم والانقياد والطاعة إلا إليه، دون الأحبار والرهبان، فهذا هو شرح هذه الأمور الثلاثة.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ والمعنى إن أبوا إلا الإصرار، فقولوا إنا مسلمون، يعني أظهروا أنكم على هذا الدين، لا تكونوا في قيد أن تحملوا غيركم عليه.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يااأهل الكتاب ﴾ قيل هم أهل الكتابين.

وقيل: وفد نجران.

وقيل: يهود المدينة ﴿ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ مستوية بيننا وبينكم، لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل.

وتفسير الكلمة قوله: ﴿ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ الله ﴾ يعني تعالوا إليها حتى لا نقول: عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، لأن كل واحد منهما بعضنا بشر مثلنا، ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع الله، كقوله تعالى: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله والمسيح ابن مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها واحدا ﴾ [التوبة: 31] وعن عدي بن حاتم: «ما كنا نعبدهم يا رسول الله، قال: أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟

قال: نعم.

قال: هو ذاك» ، وعن الفضيل: لا أبالي أطعت مخلوقاً في معصية الخالق، أو صليت لغير القبلة.

وقرئ ﴿ كلمة ﴾ بسكون اللام.

وقرأ الحسن ﴿ سواء ﴾ بالنصب بمعنى استوت استواء ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ عن التوحيد ﴿ فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ أي لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم، كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو غيرهما: اعترف بأني أنا الغالب وسلم لي الغلبة.

ويجوز أن يكون من باب التعريض، ومعناه: اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره.

زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم، وجادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فيه فقيل لهم: إن اليهودية إنما حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة متطاولة؟

﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال ﴿ هاأنتم هؤلاءآء ﴾ ها للتنبيه، وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره.

و ﴿ حاججتم ﴾ جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى، يعني أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم ﴿ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ ﴾ مما نطق به التوراة والإنجيل ﴿ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم.

وعن الأخفش: ها أنتم هو آأنتم على الاستفهام.

فقلبت الهمزة هاء.

ومعنى الاستفهام التعجب من حماقتهم.

وقيل: ﴿ هؤلاءآء ﴾ بمعنى اللذين و ﴿ حاججتم ﴾ صلته ﴿ والله يَعْلَمُ ﴾ علم ما حاججتم فيه ﴿ وَأَنتُمْ ﴾ جاهلون به ثم أعلمهم بأنه بريء من دينكم وما كان إلا ﴿ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المشركين ﴾ كما لم يكن منكم.

أو أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به عزيراً والمسيح ﴿ إِنَّ أَوْلَى الناس بإبراهيم ﴾ إن أخصهم به وأقربهم منه من الولي وهو القرب ﴿ لَلَّذِينَ اتبعوه ﴾ في زمانه وبعده ﴿ وهذا النبى ﴾ خصوصاً ﴿ والذين ءامَنُواْ ﴾ من أمته.

وقرئ: ﴿ وهذا النبيَّ ﴾ بالنصب عطفاً على الهاء في اتبعوه، أي اتبعوه واتبعوا هذا النبي.

وبالجر عطفاً على إبراهيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ يَعُمُّ أهْلَ الكِتابَيْنِ.

وقِيلَ يُرِيدُ بِهِ وفْدَ نَجْرانَ، أوْ يَهُودَ المَدِينَةِ.

﴿ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ ﴾ لا يَخْتَلِفُ فِيها الرُّسُلُ والكُتُبُ ويُفَسِّرُها ما بَعْدَها.

﴿ ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ ﴾ أنْ نُوَحِّدَهُ بِالعِبادَةِ ونُخْلِصَ فِيها.

﴿ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ﴾ ولا نَجْعَلَ غَيْرَهُ شَرِيكًا لَهُ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ ولا نَراهُ أهْلًا لِأنْ يُعْبَدَ.

﴿ وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ ولا نَقُولُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، ولا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ولا نُطِيعُ الأحْبارَ فِيما أحْدَثُوا مِنَ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ لِأنَّ كُلًّا مِنهم بَعْضُنا بَشَرٌ مِثْلُنا.

رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ ﴿ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ: ما كُنّا نَعْبُدُهم يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «ألَيْسَ يُحِلُّونَ لَكم ويُحَرِّمُونَ فَتَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِمْ؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: هو ذاكَ».» ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ عَنِ التَّوْحِيدِ.

﴿ فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ ﴾ أيْ لَزِمَتْكُمُ الحُجَّةُ فاعْتَرِفُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ دُونَكُمْ، أوِ اعْتَرِفُوا بِأنَّكم كافِرُونَ بِما نَطَقَتْ بِهِ الكُتُبُ وتَطابَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ.

(تَنْبِيهٌ: انْظُرْ إلى ما راعى في هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ المُبالَغَةِ في الإرْشادِ وحُسْنِ التَّدَرُّجِ في الحِجاجِ بَيْنَ: أوَّلًا، أحْوالِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما تَعاوَرَ عَلَيْهِ مِنَ الأطْوارِ المُنافِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ، ثُمَّ ذِكْرُ ما يَحُلُّ عُقْدَتَهم ويُزِيحُ شُبْهَتَهُمْ، فَلَمّا رَأى عِنادَهم ولُجاجَهم دَعاهم إلى المُباهَلَةِ بِنَوْعٍ مِنَ الإعْجازِ، ثُمَّ لَمّا أعْرَضُوا عَنْها وانْقادُوا بَعْضَ الِانْقِيادِ عادَ عَلَيْهِمْ بِالإرْشادِ وسَلَكَ طَرِيقًا أسْهَلَ وألْزَمَ بِأنْ دَعاهم إلى ما وافَقَ عَلَيْهِ عِيسى والإنْجِيلُ وسائِرُ الأنْبِياءِ والكُتُبِ، ثُمَّ لَمّا لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ أيْضًا عَلَيْهِمْ وعَلِمَ أنَّ الآياتِ والنُّذُرَ لا تُغْنِي عَنْهم أعْرَضَ عَنْ ذَلِكَ وقالَ فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قل يا أهل الكتاب} هم أهل الكتابين أو وفد نجران أو يهود المدينة {تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء} أي مستوية {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل وتفسير الكلمة قوله {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ الله} يعنى تعالوا إليها حتى لا تقول عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله لأن كل واحد منهما بعضنا بشر مثلنا ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع الله وعن عدي بن حاتم ما كنا نعبدهم يا رسول

آل عمران (٦٤ _ ٦٩)

الله قال أليس كانوا

يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم قال نعم قال هو ذاك {فَإِن تَوَلَّوْاْ} عن التوحيد {فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} أي لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم كما يقول الغالب للمغلوب فى جدال أو صراع اعتراف بأنى انا الغالب وسلم إلى الغلبة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ نَزَلَتْ في وفْدِ نَصارى نَجْرانَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ وابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّها نَزَلَتْ في يَهُودِ المَدِينَةِ، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّها نَزَلَتْ في الفَرِيقَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، واسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِعُمُومِهِ ﴿ تَعالَوْا ﴾ أيْ هَلُمُّوا ﴿ إلى كَلِمَةٍ ﴾ أيْ كَلامٍ، كَما قالَ الزَّجّاجُ، وإطْلاقُها عَلى ذَلِكَ في كَلامِهِمْ مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ، وعَلاقَتُهُ تَجُوزُ إطْلاقُها عَلى المُرَكَّبِ النّاقِصِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ بِالِاسْتِقْراءِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ وقُرِئَ (كِلْمَةً) بِكَسْرِ الكافِ وإسْكانِ اللّامِ عَلى التَّخْفِيفِ والنَّقْلِ ﴿ سَواءٍ ﴾ أيْ عَدْلٍ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ والرَّبِيعُ وقَتادَةُ، وقِيلَ: إنَّ سَواءً مَصْدَرٌ بِمَعْنى مُسْتَوِيَةٍ، أيْ لا يَخْتَلِفُ فِيها التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ، أوْ لا اِخْتِلافَ فِيها بِكُلِّ الشَّرائِعِ، وهو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِ (كَلِمَةٍ) وقُرِئَ بِنَصْبِهِ عَلى المَصْدَرِ.

﴿ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِسَواءٍ ﴿ ألا نَعْبُدَ ﴾ أيْ نَحْنُ وأنْتُمْ ﴿ إلا اللَّهَ ﴾ بِأنْ نُوَحِّدَهُ بِالعِبادَةِ ونُخْلِصَ فِيها، وفي مَوْضِعِ (أنْ) وما بَعْدَها وجْهانِ، كَما قالَ أبُو البَقاءِ، الأوَّلُ: الجَرُّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ﴿ كَلِمَةٍ ﴾ ، والثّانِي: الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمَحْذُوفٍ، أيْ هي أنْ لا نَعْبُدُ إلّا اللَّهَ، ولَوْلا عَمَلُ (أنْ) لَجازَ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ عَلى ﴿ سَواءٍ ﴾ ثُمَّ اُسْتُؤْنِفَ فَقِيلَ: ﴿ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ ﴾ ، فالظَّرْفُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و(أنْ) وما بَعْدَها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ ﴿ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ﴾ مِنَ الأشْياءِ عَلى مَعْنى لا نَجْعَلُ غَيْرَهُ شَرِيكًا لَهُ في اِسْتِحْقاقِ العِبادَةِ ولا نَراهُ أهْلًا لِأنْ يُعْبَدَ، وبِهَذا المَعْنى يَكُونُ الكَلامُ تَأْسِيسًا، والظّاهِرُ أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ إلّا أنَّ التَّأْسِيسَ أكْثَرُ فائِدَةً، وقِيلَ: المُرادُ لا نَشْرُكُ بِهِ شَيْئًا مِنَ الشِّرْكِ وهو بَعِيدٌ جِدًّا.

﴿ ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ لا يُطِيعُ بَعْضُنا بَعْضًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ اِبْنُ جُرَيْجٍ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ مِن حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: «”أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ: ما كُنّا نَعْبُدُهم يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ  : أما كانُوا يُحَلِّلُونَ لَكم ويُحَرِّمُونَ فَتَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِمْ؟

قالَ: نَعَمْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هو ذاكَ“،» قِيلَ: وإلى هَذا أشارَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ هَذا الِاتِّخاذَ هو سُجُودُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وقِيلَ: هو مِثْلُ اِعْتِقادِ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ أنَّهُ اِبْنُ اللَّهِ، واعْتِقادُ النَّصارى في المَسِيحِ نَحْوُ ذَلِكَ، وضَمِيرُ نا عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لِلنّاسِ لا لِلْمُمْكِنِ وإنْ أمْكَنَ حَتّى يَشْمَلَ الأصْنامَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يَعْبُدُوها.

وفِي التَّعْبِيرِ بِالبَعْضِ نُكْتَةٌ وهي الإشارَةُ إلى أنَّهم بَعْضٌ مِن جِنْسِنا فَكَيْفَ يَكُونُونَ أرْبابًا؟!

فَإنْ قُلْتَ: إنَّ المُخاطَبِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا البَعْضَ أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ بَلِ اِتَّخَذُوهم آلِهَةً مَعَهُ سُبْحانَهُ، أُجِيبَ: بِأنَّهُ أُرِيدَ مِن دُونِ اللَّهِ وحْدَهُ، أوْ يُقالُ: بِأنَّهُ أتى بِذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الشِّرْكَ لا يُجامِعُ الِاعْتِرافَ بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى عَقْلًا، قالَهُ بَعْضُهُمْ، ولِلنَّصارى -سَوَّدَ اللَّهُ تَعالى حَظَّهُمْ- الحَظُّ الأوْفَرُ مِن هَذِهِ المَنهِيّاتِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُ فِرَقِهِمْ وتَفْصِيلُ كُفْرِهِمْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ.

﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ  ﴾ المُرادُ فَإنْ تَوَلَّوْا عَنْ مُوافَقَتِكم فِيما ذُكِرَ مِمّا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الكُتُبُ والرُّسُلُ بَعْدَ عَرْضِهِ عَلَيْهِمْ، فاعْلَمُوا أنَّهم لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ وإنَّما أبَوْا عِنادًا فَقُولُوا لَهُمْ: أنْصَفُوا واعْتَرِفُوا بِأنّا عَلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو تَعْجِيزٌ لَهم أوْ هو تَعْرِيضٌ بِهِمْ، لِأنَّهم إذا شَهِدُوا بِالإسْلامِ لَهم فَكَأنَّهم قالُوا: إنّا لَسْنا كَذَلِكَ، وإلى هَذا ذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقِيلَ: المُرادُ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا: إنّا لا نَتَحاشى عَنِ الإسْلامِ ولا نُبالِي بِأحَدٍ في هَذا الأمْرِ فاشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ فَإنّا لا نُخْفِي إسْلامَنا كَما أنَّكم تَخافُونَ وتُخْفُونَ كُفْرَكم ولا تَعْتَرِفُونَ بِهِ لِعَدَمِ وُثُوقِكم بِنَصْرِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ إنَّما يَحْسُنُ لَوْ كانَ الكَلامُ في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ لَأنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الَّذِينَ يَخافُونَ فَيُخْفُونَ، وأمّا هَؤُلاءِ فَهم مُعْتَرِفُونَ بِما هم عَلَيْهِ كَيْفَ كانَ فَلا يَحْسُنُ هَذا الكَلامُ فِيهِمْ، و ﴿ تَوَلَّوْا ﴾ هُنا ماضٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ تَتَوَلَّوْا لِفَسادِ المَعْنى لِأنَّ ﴿ فَقُولُوا ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  والمُؤْمِنِينَ، (وتَتَوَلَّوْا) خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وعِنْدَ ذَلِكَ لا يَبْقى في الكَلامِ جَوابٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال الله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ يعني ما أُخْبِرُوا من أمر عيسى-  - هو الخبر الحق يعني أنه كان عبد الله ورسوله.

ويقال: هذا القرآن هو الحق وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ لا شريك له وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ العزيز في ملكه، الحكيم في أمره حكم بخلق عيسى في بطن أمه من غير أب.

فَإِنْ تَوَلَّوْا يقول: أَبَوْا، ولم يسْلموا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ يجازيهم بذلك، وهذه كلمة تهديد قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ يعني كلمة عدل بيننا وبينكم..

ويقال في قراءة عبد الله بن مسعود: إلى كلمة عدل بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ، يعني لا إله إِلاَّ الله، وهي كلمة الإخلاص ويقال إلى كلمة تسوي بيننا وبينكم، فتصير دماؤكم كدمائنا، وأموالكم كأموالنا أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ يعني ألا نُوَحِّد إِلا الله وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً من خلقه وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ لأنهم اتخذوا عيسى رباً مِن دُونِ الله.

ويقال: لا يطيع بعضنا بعضاً في المعصية.

كما قال: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [سورة التوبة: 31] أي أطاعوهم في المعصية.

ويقال: لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا.

كما قالت النصارى: إن الله ثالثُ ثلاثة فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني أبوا عن التوحيد فَقُولُوا لهم يا معشر المسلمين اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أي مخلصون لله بالعبادة والتوحيد يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وذلك أن اليهود والنصارى كانوا اجتمعوا في بيت مدرسة اليهود، وكل فريق يقول كان إبراهيم منا، وكان على ديننا فنزل يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ أي لِمَ تخاصمون في دين إبراهيم وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ يعني من بعد إبراهيم-  - ولكن اليهودية والنصرانية إنما سميت بهذا الاسم بعد نزول التوراة والإنجيل.

وقال الكلبي: نزلت في شأن النفر الذين كانوا بالحبشة من أصحاب النبيّ  ، فهم جعفر الطيار وغيره.

كما قال الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً أي أطاعوهم في المعصية، وكانت بينهم، وبين أحبار الحبشة مناظرة في ذلك الوقت، فنزلت هذه الآية.

وقال الزجاج: هذه الآية أبين الحجج على اليهود والنصارى، بأن التوراة والإنجيل أنزلا من بعده، وليس فيهما اسم لواحد من الأديان، واسم الإسلام في كل كتاب، وهو قوله: لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ، أَفَلا تَعْقِلُونَ يقول: أليس لكم ذهن الإنسانية أن تنظروا فيما تقولون ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ يقول أنتم يا هؤلاء خاصمتم فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ في صفة محمد  - فتجدونه في كتبكم- فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ يقول: ما ليس في كتابكم، وهو أمر إبراهيم-  - اللَّهُ يَعْلَمُ أن إبراهيم كان على دين الإسلام وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وانصرفوا إلى بِلاَدِكُمْ حتى يُرِيَكُمْ زمن رَأْيه، فأتوا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالُوا: يَا أَبَا القَاسِمِ، قَدْ رَأَيْنَا أَلاَّ نُلاَعِنَكَ، وَأَنْ نبقى على دِينِنَا، وَصَالَحُوهُ على أَمْوَالٍ، وَقَالُوا لَهُ: ابعث مَعَنَا رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِكَ تَرْضَاهُ لَنَا، يَحْكُم بَيْنَنَا فِي أَشْيَاء قَدِ اختلفنا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِنَا فَإنَّكُمْ عِنْدَنَا رِضًى» «١» .

قال ع «٢» : وفي ترك النصارَى الملاعَنَةَ لعلمهم بنبوّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم شاهد عظيم على صحّة نبوّته صلّى الله عليه وسلّم عندهم، ودعاءُ النِّساء والأبناء أهَزُّ للنفوسِ، وأدعى لرحمة اللَّه للمُحِقِّين، أو لغضبه على المُبْطِلِينَ.

وقوله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ...

الآية: هذا خبرٌ من اللَّه تعالى، جزمٌ مؤكَّد، فَصَل به بين المختَصِمَيْن، والإشارةُ بهذا هي إلى ما تقدَّم في أمر عيسى- عليه السلام-، والقصص معناه الإخبار.

وقال ص: إِنَّ هذا لَهُوَ: هذا، إشارةً إلى القرآن.

اهـ.

واختلف المفسِّرون من المُرَاد بأهْلِ الكِتَابِ هنا.

فروى قتادة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنهم يهودُ المدينَة «٣» .

وقال ابنُ زَيْدٍ وغيره: المرادُ نصارى نجران «٤» .

قال ع «٥» : والذي يظهر لي أنَّ الآية نزلَتْ في وَفْد نَجْرَان، لكن لفظُ الآية يعمُّهم، وسواهم من النصارى واليهود، وقد كتب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بهذه الآية إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرُّومِ، وكذا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والثّانِي: وفْدُ نَجْرانَ الَّذِينَ حاجُّوا في عِيسى، قالَهُ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أهْلُ الكِتابَيْنِ جَمِيعًا، قالَهُ الحَسَنُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ، فَبَعَثَ بِها النَّبِيُّ  إلى جَعْفَرٍ وأصْحابِهِ بِالحَبَشَةِ، فَقَرَأها جَعْفَرٌ، والنَّجاشِيُّ جالِسٌ، وأشْرافُ الحَبَشَةِ.

فَأمّا "الكَلِمَةُ" فَقالَ المُفَسِّرُونَ هِيَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَذِهِ كَلِماتٌ، فَلِمَ قالَ كَلِمَةٌ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الكَلِمَةَ تُعَبِّرُ عَنِ ألْفاظٍ وكَلِماتٍ.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: ومَعْنى كَلِمَةٍ: كَلامٌ فِيهِ شَرْحُ قِصَّةٍ وإنْ طالَ، تَقُولُ العَرَبُ: قالَ زُهَيْرُ في كَلِمَتِهِ يُرادُ في قَصِيدَتِهِ.

قالَتِ الخَنْساءُ: وقافِيَةٌ مِثْلُ حَدِّ السَّنا نِ تَبْقى ويَذْهَبُ مَن قالَها تُقَدُّ الذُّؤابَةُ مِن يَذْبُلِ ∗∗∗ أبَتْ أنْ تُزايِلَ أوْعالَها نَطَقْتَ ابْنَ عَمْرٍو فَسَهَّلْتَها ∗∗∗ ولَمْ يَنْطِقِ النّاسُ أمْثالَها فَأُوقِعَتِ القافِيَةُ عَلى القَصِيدَةِ كُلِّها، والغالِبُ عَلى القافِيَةِ أنْ تَكُونَ في آَخِرِ كَلِمَةٍ مِنَ البَيْتِ، وإنَّما سُمِّيَتْ قافِيَةً، لَإنَّ الكَلِمَةَ تَتْبَعُ البَيْتَ، وتَقَعُ آَخِرَهُ، فَسُمِّيَتْ قافِيَةً مِن قَوْلِ العَرَبِ: قَفَوْتُ فُلانًا: إذا اتَّبَعْتَهُ، وإلى هَذا الجَوابِ يَذْهَبُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالكَلِمَةِ: كَلِماتٌ، فاكْتَفى بِالكَلِمَةِ مِن كَلِماتٍ، كَما قالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ: بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها ∗∗∗ فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ أرادَ: وأمّا جُلُودُها، فاكْتَفى بِالواحِدِ مِنَ الجَمْعِ، ذَكَرَهُ والَّذِي قَبِلَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالسَّواءِ العَدْلُ، وهو مِنِ اسْتِواءِ الشَّيْءِ، ويُقالُ: لِلْعَدْلِ سَواءٌ وسِواءٌ وسُواءٌ قالَ زُهَيْرُ بْنُ أبِي سَلْمى: أرُونِي خُطَّةَ ضَيْمٍ فِيها ∗∗∗ يُسَوِّي بَيْنَنا فِيها السَّواءُ فَإنْ تَدْعُوا السَّواءَ فَلَيْسَ بَيْنِي ∗∗∗ وبَيْنَكُمُ بَنِي حِصْنٍ بَقاءٌ قالَ: ومَوْضِعُ "أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: (ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ) خَفْضٌ عَلى البَدَلِ مِن "كَلِمَةٍ" المَعْنى: تَعالَوْا إلى أنْ لا نَعْبُدُ إلّا اللَّهَ.

وجائِزٌ أنْ يَكُونَ "أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما الكَلِمَةُ؟

فَأُجِيبُ، فَقِيلَ: هي ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ سُجُودُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّانِي: لا يُطِيعُ بَعْضُنا بَعْضًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: أنْ نَجْعَلَ غَيْرَ اللَّهِ رَبّا، كَما قالَتِ النَّصارى في المَسِيحِ، قالَهُ مُقاتِلٌ والزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلا اللهُ وإنَّ اللهُ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنْ اللهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ إلا اللهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللهَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ ﴾ هَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى جَزْمٌ مُؤَكَّدٌ فَصَلَ بِهِ بَيْنَ المُخْتَصِمِينَ، والإشارَةُ بِـ "هَذا" هي إلى ما تَقَدَّمَ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم.

و"القَصَصُ" مَعْناهُ: الأخْبارُ، تَقُولُ: قَصَّ يَقُصُّ قَصًّا وقَصَصًا، إذا تَتَبَّعَ الأمْرَ يُخْبِرُ بِهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، قالَ قَوْمٌ: هو مَأْخُوذٌ مِن قَصَّ الأثَرَ.

وقَوْلُهُ "لَهُوَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً، و"مِن" في قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ" مُؤَكِّدَةٌ بَعْدَ النَفْيِ، وهي الَّتِي يَتِمُّ الكَلامُ دُونَها لَكِنَّها تُعْطِي مَعْنى التَأْكِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ ﴾ وعِيدٌ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ؛ مَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا ﴾ فَقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ  : دَعا يَهُودَ المَدِينَةِ إلى الكَلِمَةِ السَواءِ، وهُمُ الَّذِينَ حاجُّوا في إبْراهِيمَ، وقالَهُ الرَبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: نَزَلَتِ الآيَةُ في وفْدِ نَجْرانَ، وقالَهُ السُدِّيُّ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا أبى أهْلُ نَجْرانَ ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ المُلاعَنَةِ، دُعُوا إلى أيْسَرَ مِن ذَلِكَ، وهي الكَلِمَةُ السَواءُ.

والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في وفْدِ نَجْرانَ، لَكِنَّ لَفْظَ أهْلِ الكِتابِ يَعُمُّهم وسِواهم مِنَ النَصارى واليَهُودِ، فَدَعا النَبِيُّ  بَعْدَ ذَلِكَ يَهُودَ المَدِينَةِ بِالآيَةِ، وكَذَلِكَ كَتَبَ بِها إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُومِ، وكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُدْعى بِها أهْلُ الكِتابِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إلى كَلِمَةٍ" بِفَتْحِ الكافِ وكَسْرِ اللامِ، ورَوى أبُو السَمّالِ: "كَلْمَةٍ" - بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللامِ - ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "كِلْمَةٍ" - بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللامِ - وذَلِكَ عَلى إلْقاءِ حَرَكَةِ اللامِ عَلى الكافِ، كَما قالُوا في كَبِدٍ، كِبْدْ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ الباءِ.

والكَلِمَةُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الألْفاظِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ المَعانِيَ المَدْعُوَّ إلَيْها، وهي ما فَسَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "ألّا نَعْبُدَ"....

الآيَةِ، وهَذا كَما تُسَمِّي العَرَبُ القَصِيدَةَ كَلِمَةً، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الكَلِمَةَ هي ما فُسِّرَ بَعْدُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الكَلِمَةُ السَواءُ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، والقَوْلانِ مُجْتَمِعانِ، لِأنَّ كُلَّ ما فُسِّرَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مَعْنى: لا إلَهَ إلّا اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "سَواءٍ" نَعْتٌ لِلْكَلِمَةِ.

قالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: إلى كَلِمَةِ عَدْلٍ، فَهَذا مَعْنى السَواءِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "إلى كَلِمَةِ عَدْلٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ" كَما فَسَّرَ قَتادَةُ والرَبِيعُ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: إلى كَلِمَةِ قَصْدٍ.

وهَذا قَرِيبٌ في المَعْنى مِنَ الأوَّلِ، والسَواءُ والعَدْلُ والقَصْدُ مَصادِرُ وُصِفَ بِها في هَذِهِ التَقْدِيراتِ كُلِّها.

والَّذِي أقُولُهُ في لَفْظَةِ "سَواءٍ" أنَّها يَنْبَغِي أنْ تُفَسَّرَ بِتَفْسِيرٍ خاصٍّ بِها في هَذا المَوْضِعِ، وهو أنَّهُ دَعاهم إلى مَعانٍ، جَمِيعُ الناسِ فِيها مُسْتَوُونَ، صَغِيرُهم وكَبِيرُهم.

وقَدْ كانَتْ سِيرَةُ المَدْعُوِّينَ أنْ يَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا أرْبابًا فَلَمْ يَكُونُوا عَلى اسْتِواءِ حالٍ، فَدَعاهم بِهَذِهِ الآيَةِ إلى ما تَأْلَفُهُ النُفُوسُ "مِن حَقٍّ" لا يَتَفاضَلُ الناسُ فِيهِ، فَـ "سَواءٍ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ لِآخَرٍ: هَذا شَرِيكِي في مالٍ سَواءٍ بَيْنِي وبَيْنَهُ.

والفَرْقُ بَيْنَ هَذا التَفْسِيرِ وبَيْنَ تَفْسِيرِ اللَفْظَةِ بِعَدْلٍ، أنَّكَ لَوْ دَعَوْتَ أسِيرًا عِنْدَكَ إلى أنْ يُسْلِمَ أو تَضْرِبَ عُنُقَهُ، لَكُنْتَ قَدْ دَعَوْتَهُ إلى السَواءِ الَّذِي هو العَدْلُ، وعَلى هَذا الحَدِّ جاءَتْ لَفْظَةُ "سَواءٍ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ  ﴾ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ، ولَوْ دَعَوْتَ أسِيرَكَ إلى أنْ يُؤْمِنَ فَيَكُونَ حُرًّا مُقاسِمًا لَكَ في عَيْشِكَ، لَكُنْتَ قَدْ دَعَوْتَهُ إلى السَواءِ الَّذِي هو اسْتِواءُ الحالِ عَلى ما فَسَّرْتُهُ.

واللَفْظَةُ عَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ فِيها مَعْنى العَدْلِ، ولَكِنِّي لَمْ أرَ لِمُتَقَدِّمٍ أنْ يَكُونَ في اللَفْظَةِ مَعْنىً قَصَدَ اسْتِواءَ الحالِ، وهو عِنْدِي حَسَنٌ، لِأنَّ النُفُوسَ تَأْلَفُهُ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ بِرَحْمَتِهِ.

وقَوْلُهُ: "ألّا نَعْبُدَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِمَعْنى: إلى ألّا نَعْبُدَ، فَذَلِكَ عَلى البَدَلِ مِن "كَلِمَةٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنى: هي ألّا نَعْبُدَ، وما ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الجائِزاتِ الَّتِي يَلْزَمُ عنها رَفْعُ "نَعْبُدُ" إكْثارٌ مِنهم فاخْتَصَرْتُهُ.

واتِّخاذُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أرْبابًا هو عَلى مَراتِبَ، أعْلاها اعْتِقادُهم فِيهِمُ الأُلُوهِيَّةَ، وعِبادَتُهم لَهم عَلى ذَلِكَ، كَعُزَيْرٍ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وبِهَذا فَسَّرَ عِكْرِمَةُ، وأدْنى ذَلِكَ طاعَتُهم لِأساقِفَتِهِمْ ورُؤَسائِهِمْ في كُلِّ ما أمَرُوا بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي والتِزامُهم طاعَتَهم شَرْعًا، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ جُرَيْجٍ.

فَجاءَتِ الآيَةُ بِالدُعاءِ إلى تَرْكِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وأنْ يَكُونَ المُمْتَثَلُ ما قالَهُ اللهُ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ ﴾ أمْرٌ بِالإعْلانِ بِمُخالَفَتِهِمْ ومُواجَهَتِهِمْ بِذَلِكَ، وإشْهادِهِمْ عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ والتَهْدِيدِ، أيْ سَتَرَوْنَ أنْتُمْ أيُّها المُتَوَلُّونَ عاقِبَةَ تَوَلِّيكم كَيْفَ تَكُونُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

رجُوع إلى المجادلة، بعد انقطاعها بالدعاء إلى المباهلة، بعَثَ عليه الحرصُ على إيمانهم، وإشارة إلى شيءٍ من زيغ أهل الكتابين عن حقيقة إسلاممِ الوجه لله كما تقدم بيانه.

وقد جيء في هذه المجادلة بحجة لا يجدون عنها موئلاً وهو دعوتهم إلى تخصيص الله بالعبادة ونبذ عقيدة إشراك غيره في الإلهية.

فجملة ﴿ قل يا أهل الكتاب ﴾ بمنزلة التأكيد لجملة ﴿ فقل تعالوا ندع أبناءنا ﴾ [آل عمران: 61] لأنّ مدلول الأولى احتجاج عليهم بضعف ثقتهم بأحقّية اعتقادهم.

ومدلول هذه احتجاج عليهم بصحة عقيدة الإسلام، ولذلك لم تعطف هذه الجملة.

والمراد بأهل الكتاب هنا النصارى: لأنهم هم الذين اتخذوا المخلوق ربّاً وعبدوه مع الله.

وتعالوا هنا مستعملة في طلب الاجتماع على كلمة سواء وهو تمثيل: جعلت الكلمة المجتمع عليها بشبه المكان المراد الاجتماع عنده.

وتقدم الكلام على (تعالوا) قريباً.

والكلمة هنا أطلقت على الكلام الوجيز كما في قوله تعالى: ﴿ كلا إنها كلمة هو قائلها ﴾ [المؤمنون: 100].

وسواء هنا اسم مصدر الاستواء، قيل بمعنى العدل، وقيل بمعنى قصدٍ لا شطط فيها، وهذان يكونان من قولهم: مكان سَواء وسِوَى وسَوى بمعنى متوسّط قال تعالى: ﴿ فرءاه في سواء الجحيم ﴾ [الصافات: 55].

وقال ابن عطية: بمعنى ما يستوي فيه جميع الناس، فإنّ اتخاذ بعضهم بعضاً أرباباً، لا يكون على استواء حال وهو قول حسن.

وعلى كل معنى فالسواء غير مؤنث، وصف به ﴿ كلمة ﴾ ، وهو لفظ مؤنث، لأنّ الوصف بالمصدر واسم المصدر لا مطابقة فيه.

و ﴿ ألا نعبد ﴾ بدل من ﴿ كلمة ﴾ ، وقال جماعة: هو بدل من سَواء، وردّه ابن هشام، في النوع الثاني من الجهة السادسة من جهات قواعد الإعراب من مغني اللبيب، واعترضه الدمامييني وغيره.

والحق أنه مردود من جهة مراعاة الاصطلاح لا من جهة المعنى؛ لأنّ سَواء وصف لِكلمة وألاّ نعبد لو جعل بدلاً من سواء ءال إلى كونه في قوة الوصف لكلمة ولا يحسن وصف كلمة به.

وضمير بيننا عائد على معلوم من المقام: وهو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون، ولذلك جاء بعده: ﴿ فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ﴾ .

ويستفاد من قوله: ﴿ ألا نعبد إلا الله ﴾ إلى آخره، التعريضُ بالذين عبدوا المسيح كُلِّهم.

وقوله: ﴿ فإن تولوا ﴾ جيء في هذا الشرط بحرف إنْ لأنّ التولِّي بعد نهوض هذه الحجة وما قبلها من الأدلة غريب الوقوع، فالمقام مشتمل على ما هو صالح لاقتلاع حصول هذا الشرط، فصار فعل الشرط من شأنه أن يكون نادر الوقوع مفروضاً، وذلك من مواقع (إن) الشرطية فإن كان ذلك منهم فقد صاروا بحيث يُؤيَس من إسلامهم فأعرِضوا عنهم، وأمسكوا أنتم بإسلامكم، وأشهدوهم أنكم على إسلامكم.

ومعنى هذا الإشهاد التسْجيل عليهم لئلاّ يُظهروا إعراض المسلمين عن الاسترسال في محاجتهم في صورة العجز والتسليم بأحقية ما عليه أهل الكتاب فهذا معنى الإشهاد عليهم بأنا مسلمون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ ﴾ الآيَةَ، وفي المَقْصُودِ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم نَصارى نَجْرانَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهم يَهُودُ المَدِينَةِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

﴿ وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: هو طاعَةُ الِاتِّباعِ لِرُؤَسائِهِمْ في أوامِرِهِمْ بِمَعاصِي اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: سُجُودُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما ﴿ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا...

﴾ [ البقرة: 136] الآية.

وفي الثانية ﴿ تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «حدثني أبو سفيان أن هرقل دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه، فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم.

من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى.

أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام.

أسلم تسلم.

أسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الاريسيين ﴿ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ﴾ إلى قوله: ﴿ اشهدوا بأنا مسلمون ﴾ » .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكفار ﴿ تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: ﴿ تعالوا إلى كلمة...

﴾ الآية.

قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل المدينة إلى ذلك فأبوا عليه.

فجاهدهم حتى أتوا بالجزية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: «ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل المدينة إلى الكلمة السواء، وهم الذين حاجوا في إبراهيم وزعموا أنه مات يهودياً، وأكذبهم الله ونفاهم منه فقال: ﴿ يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم...

﴾ [ آل عمران: 65] الآية» .

وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: «ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا اليهود إلى الكلمة السواء» .

وأخرج عن محمد بن جعفر بن الزبير في قوله: ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا...

﴾ الآية قال: فدعاهم إلى النصف وقطع عنهم الحجة.

يعني وفد نجران.

وأخرج عن السدي قال: «ثم دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني الوفد من نصارى نجران فقال: ﴿ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ تعالوا إلى كلمة سواء ﴾ قال: عدل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع.

مثله.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ سواء بيننا وبينكم ﴾ قال: عدل.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: تلاقينا تعاصينا سواء ** ولكن حم عن حال بحال وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: كلمة السواء لا إله إلا الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ تعالوا إلى كلمة سواء ﴾ قال: لا إله إلا الله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ﴾ قال: لا يطيع بعضنا بعضاً في معصية الله ويقال: إن تلك الربوبية أن يطيع الناس سادتهم وقادتهم في غير عبادة وإن لم يصلوا لهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً ﴾ قال: سجود بعضهم لبعض.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا ﴾ الآية (١) (٢) (٣) (٤) (٥) وليهود المدينة؛ عند قتادة (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ إِلَى كَلِمَةٍ ﴾ .

معنى (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ .

[يريد بـ (السواء): العدل، وكذلك في قراءة عبد الله (إلى كلمة عدل بيننا وبينكم)] (١٤) قال ابن قتيبة (١٥) ﴿ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ ؛ أي: نَصَفٍ.

يقال: (دعا إلى السواء)؛ أي: إلى النَّصَفَةِ؛ وإنَّما قيل و (النَّصَفَة): (سواءٌ)؛ لأنَّ أعدل الأمور أوساطها (١٦) وقال الزجاج (١٧) ﴿ سَوَاءٍ ﴾ : نعتٌ للكلمة، يريد: ذات سواء.

وذكرنا الكلام في معنى ﴿ سَوَاءٌ ﴾ في ابتداء سورة البقرة.

والمعنى: إلى كلمة عادلة مستقيمة مستوية، إذا أتيناها نحن وأنتم كنَّا على السواء والاستقامة.

ثمَّ قال: ﴿ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ .

موضع (١٨) ﴿ أَنْ ﴾ : خَفْضٌ على البدل من ﴿ كَلِمَةٍ ﴾ المعنى: تعالوا إلى أن لا نعبد إلاَّ الله.

وهذا تفسير للكلمة (١٩) قال الزجاج (٢٠) ﴿ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ﴾ .

أي: لا نعبد معه غيره.

يقال: أشرك معه فلانًا: أي: جعله شريكه، وأشرك باللهِ غيره؛ أي: عبده معه عبادة الله؛ فمعنى الباء، معنى (مع) (٢٢) (٢٣) ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ .

قال عطاء عن ابن عباس (٢٤) قال الزَّجاج (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقال بعضهم (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ [[[سورة التوبة: 31] ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

انظر في تفسيرها "تفسير الطبري" 10/ 114.]].

وفي الخبر: (من أطاع مخلوقًا في معصية الله، فكأنما سجد سجدة لغير الله) (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾ .

أي: إنْ أعرضوا عن الإجابة (٣٣) ﴿ اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ .

أي: مقرون بالتوحيد مستسلمون لما أتتنا به الأنبياءُ.

(١) الآية: ساقطة من (د).

(٢) قوله في "النكت والعيون" 1/ 399، "تفسير القرطبي" 4/ 105.

(٣) قوله: في "تفسير الطبري" 3/ 302، "النكت والعيون" 1/ 399، "المحرر الوجيز" 3/ 154، "زاد المسير" 1/ 400، "القرطبي" 4/ 105، "الدر المنثور" 2/ 71.

(٤) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 302، "النكت والعيون" 1/ 399، "المحرر الوجيز" 3/ 154، "تفسير القرطبي" 4/ 105.

(٥) قوله في "سيرة ابن هشام" 2/ 215 من رواية ابن إسحاق عنه، "تفسير الطبري" 3/ 302، "المحرر الوجيز" 3/ 154، "الدر المنثور" 2/ 71.

(٦) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 302، "النكت والعيون" 1/ 399، "المحرر الوجيز" 3/ 154، "زاد المسير" 1/ 400، "تفسير القرطبي" 4/ 105، "الدر المنثور" 2/ 71 وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد.

(٧) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 302، "النكت والعيون" 1/ 399، "المحرر الوجيز" 3/ 154، "زاد المسير" 1/ 400، "الدر المنثور" 2/ 71.

(٨) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 302، "ابن أبي حاتم" 2/ 669، "النكت والعيون" 1/ 399، "المحرر الوجيز" 3/ 154، "زاد المسير" 1/ 400، " الدر المنثور" 2/ 71.

(٩) ومنهم: عمر بن عبد العزيز، كما في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 669، ونُسِب القولُ به إلى الحسن، كما في "زاد المسير" 1/ 400، وكذلك جعلها الطبري عامَّةً لأهل الكتابين.

انظر: "تفسيره" 3/ 302 - 303، وإليه ذهب المؤلف الواحدي في تفسيره (الوجيز) (مطبوع بهامش تفسير مراح لبيد): 1/ 102.

(١٠) رجح الطبري هذا الرأي، مستدلًّا بعدم مخصص من أثر صحيح لأحد الفريقين دون الآخر، وليس أحدهما أولى بأن يُقصَد دون الآخر، وقال: (فالواجب أن يكون كل كتابي معنيًا به لأن إفراد العبادة لله وحده وإخلاص التوحيد له، واجب على كل مأمور منهي من خلق الله، واسم أهل الكتاب يلزم أهل التوراة والإِنجيل، فكان معلومًا بذلك أنه عني به الفريقان جميعًا).

"تفسيره" 3/ 302 - 303.

وإليه ذهب ابن كثير في "تفسيره" 1/ 398، والشوكاني في "فتح القدير" 1/ 525.

واستظهر ابن عطية أن الآية نزلت في وفد نجران إلا أن لفظ (أهل الكتاب) == يعمهم، ويعم سواهم من النصارى واليهود.

انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 154.

(١١) من قوله: (معنى) إلى (الكلمة): نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 424.

(١٢) في (ج)، (د): تقول.

(١٣) وهو من باب إطلاق الجزء، ويراد به الكُلُّ، وسُمِّيت القصيدةُ بذلك؛ لأنها بمجموعها وارتباط بعضها ببعض، صارت في قوة الكلمة الواحدة.

وقد تطلق الكلمة وهي واحد (الكَلِم)، ويراد بها الكلام، وذلك على سبيل المجاز.

يقول ابن مالك: كلامنا لفظٌ مفيدٌ كاستقم ...

اسمٌ وفعلٌ ثم حرف الكَلِم واحدُه كَلِمَةٌ والقَوْلُ عَم ...

وكِلْمَةٌ بها كلام قد يُؤم فالكلمة قد يُؤَمُّ بها الكلام؛ أي: قد تطلق على الكلام، وهو اللفظ المفيد المتركب من كلمتين أو أكثر.

انظر: "شرح ابن عقيل" 1/ 16، "النحو الوافي" 1/ 17.

ومن ذلك قول النبي  : "أصدق كلمة قالها الشاعر؛ كلمة لَبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل".

أخرجه: البخاري في "صحيحه" (3841)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: أيام الجاهلية، وأخرجه ابن ماجه في سننه: (3757)، كتاب: الأدب، باب: الشعر.

(١٤) ما بين المعقوفين زيادة من (د).

وانظر قراءة عبد الله بن مسعود وهي قراءة تفسيرية في "معاني القرآن" للفراء: 1/ 220، "تفسير الطبري" 3/ 303، "المحرر الوجيز" 3/ 155، "البحر المحيط" 2/ 483.

(١٥) في "تفسير غريب القرآن" له: 106، نقله عنه بتصرف واختصار.

(١٦) وعبارة ابن قتيبة أوضح، وهي: (وسواء كل شيء): وسطه.

ومنه يقال للنَّصَفَة: (سَواء)؛ لأنها عَدْلٌ.

وأعدل الأمور: أوساطها.

والنَّصَفَة، والنَّصَفُ: العدل.

والمصدر: الإنصاف.

انظر: "القاموس" (856) (نصف).

(١٧) في "معاني القرآن" له: 1/ 425، نقله عنه بالمعنى.

(١٨) من قوله: (موضع ..) إلى (..

فقيل.

هي أن لا نعبد إلا الله): نقله بنصه مع تصرف يسير عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 425.

(١٩) قوله: (وهذا تفسير للكلمة): من قول المؤلف وليس من قول الزجاج.

(٢٠) في المصدر السابق.

(٢١) وهناك توجيهات إعرابية أخرى لها، انظرها في "الدر المصون" 3/ 233 - 234.

(٢٢) انظر في إتيان الباء بمعنى (مع) "رصف المباني" 222، "مغني اللبيب" 140، "تناوب حروف الجر" 94.

(٢٣) في (د): (ذكرناه).

(٢٤) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.

(٢٥) في "معاني القرآن" له: 1/ 426.

نقله عنه بنصه.

(٢٦) أن: ساقطة من (د).

(٢٧) في (ج): تتخذوه.

(٢٨) ومنهم ابن جريج، كما في "تفسير الطبري" 3/ 304 وإليه ذهب الطبري، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 670، "النكت والعيون" 1/ 399، "زاد المسير" 1/ 402، "الدر المنثور" 2/ 71، وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.

(٢٩) في (د): (بما).

(٣٠) في (ج): (في معصية الله).

(٣١) اتخذوا: غير مقروءة في (أ)، ومثبتة من: بقية النسخ.

(٣٢) لم أقف على مصادر هذا الخبر.

(٣٣) في (أ): (عن الآية).

وفي (ب): (عن الحق)، والمثبت من: (ج)، (د): "التفسير الوسيط" للمؤلف.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ ياأهل الكتاب ﴾ خطاب لنصارى نجران، وقيل: اليهود ﴿ سَوَآءٍ ﴾ أي عدل ونصف ﴿ أَلاَّ نَعْبُدَ ﴾ بدل من كلمة أو رفع على تقدير هي، ودعاهم صلى الله عليه وسلم إلى توحيد الله وترك ما عبدوه من دونه كالمسيح والأحبار والرهبان ﴿ لِمَ تُحَآجُّونَ في إبراهيم ﴾ قالت اليهود: كان إبراهيم يهودياً وقال النصارى: كان نصرانياً، فنزلت الآية ردّاً عليهم لأن ملة اليهود والنصارى إنما وقعت بعد موت إبراهيم بمدة طويلة ﴿ هاأنتم ﴾ ها تنبيه، وقيل: بدل من همزة الاستفهام، وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره وحاججتم استئناف؛ أو هؤلاء منصوب على التخصيص وحاججتم الخبر ﴿ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ ﴾ فيما نطقت به التوراة والإنجيل ﴿ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ ما تقدم على ذلك من حال إبراهيم ﴿ مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً ﴾ ردّ على اليهود والنصارى ﴿ وَمَا كَانَ مِنَ المشركين ﴾ نفي للإشراك الذي هو عبادة الأوثان، ودخل في ذلك الإشراك الذي يتضمن دين اليهود والنصارى ﴿ وهذا النبي ﴾ عطف على الذين اتبعوه: أي محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ أَوْلَى الناس بإبراهيم ﴾ لأنه على دينه ﴿ والذين آمَنُواْ ﴾ أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ها أنتم ﴾ بالمد وغير الهمزة حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

وروى ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ ها أنتم ﴾ على وزن "هعنتم" الباقون بالمد والهمز.

الوقوف: ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ القصص الحق ﴾ ج ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط لتناهي جملة وافية إلى ابتداء شرط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ ليس لكم به علم ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ مسلماً ﴾ ط ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ والذين آمنوا ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ لو يضلونكم ﴾ ط ﴿ يشعرون ﴾ ه ﴿ تشهدون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه.

التفسير: "روي أنه  لما أورد الدلائل على نصارى نجران، ثم إنهم أصروا على جهلهم قال  : إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم.

فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك.

فلما رجعوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - يا عبد المسيح ما ترى؟

قال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الفصل من أمر صاحبكم.

والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لكان الاستئصال، فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا / الرجل وانصرفوا إلى بلادكم.

فأتوا رسول الله  وقد خرج وعليه  مرط من شعر أسود.

وكان  قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه  وعلي  خلفها وهو يقول: إذا دعوت فأمنوا.

فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إنى لأرى وجوهاً لو دعت الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.

ثم قالوا: يا أبا القاسم، رأينا أن لا نباهلك وأن نقرك على دينك.

فقال  : فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين فأبوا.

فقال  : فإني أناجزكم أي أحاربكم.

فقالوا: ما لنا بحرب العرب المسلمين طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا على ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة، ألفاً في صفر وألفاً في رجب وثلاثين درعاً عادية من حديد فصالحهم على ذلك.

قال  : والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حاول الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا" .

وروي عن عائشة أنه  لما خرج في المرط الأسود جاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة ثم علي  ثم قال  ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً  ﴾ وهذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث.

﴿ فمن حاجك ﴾ من النصارى ﴿ فيه ﴾ في عيسى وقيل في الحق ﴿ من بعد ما جاءك من العلم ﴾ من البينات الموجبة للعلم بأن عيسى عبد الله ورسوله وذلك بطريق الوحي والتنزيل ﴿ فقل تعالوا ﴾ هلموا والمراد المجيء بالرأي والعزم كما تقول: تعال نفكر في هذه المسألة.

وهو في الأصل "تفاعلوا" من العلو.

وذلك أن بيوتهم كانت على أعالي الجبل، فكانوا ينادون تعال يا فلان أي ارتفع، إلا أنه كثر حتى استعمل في كل مجيء فصار بمنزلة "هلم".

﴿ ندع أبناءنا وأبناءكم ﴾ أي يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ويأتي هو بنفسه وبمن هو كنفسه إلى المباهلة.

وإنما يعلم إتيانه بنفسه من قرينة ذكر النفس ومن إحضار من هم أعز من النفس، ويعلم إتيان من هو بمنزلة النفس من قرينة أن الإنسان لا يدعو نفسه.

﴿ ثم نبتهل ﴾ ثم نتباهل وقد يجيء "افتعل" بمعنى "تفاعل" نحو: اختصم بمعنى تخاصم.

والتباهل أن يقول كل واحد منهما: بهلة الله على الكاذب منا أي لعنته.

ويقال: بهله الله أي لعنه وأبعده من رحمته ومنه قولهم: "أبهله" إذا أهمله.

وناقة بأهل لا صرار عليها بل هي مرسلة مخلاة.

فكل من شاء حلبها وأخذ لبنها لا قوة بها على الدفع عن نفسها.

فكأن المباهل يقول: إن كان كذا فوكلني الله إلى نفسي وفوّضني إلى حولي وقوتي وخلاني من كلائه وحفظه.

هذا / أصل الابتهال، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعاناً وهو المراد في الآية لئلا يلزم التكرار أي ثم نجتهد في الدعاء فنجعل اللعنة على الكاذب بأن نسأل الله أن يلعنه.

وفي الآية دلالة على أن الحسن والحسين وهما ابنا البنت يصح أن يقال إنهما ابنا رسول الله  وعد أن يدعو أبناءه ثم جاء بهما.

وقد تمسك الشيعة قديماً وحديثاً بها في أن علياً أفضل من سائر الصحابة لأنها دلت على أن نفس علي مثل نفس محمد إلا فيما خصه الدليل.

وكان في الري رجل يقال له محمود بن الحسن الحمصي، وكان متكلم الاثني عشرية يزعم أن علياً أفضل من سائر الأنبياء سوى محمد.

قال: وذلك أنه ليس المراد بقوله: ﴿ وأنفسنا ﴾ نفس محمد لأن الإنسان لا يدعو نفسه فالمراد غيره.

وأجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب فإذاً نفس علي هي نفس محمد.

لكن الإجماع دل على أن محمداً أفضل من سائر الأنبياء، فكذا علي  قال: ويؤكده ما يرويه المخالف والموافق أنه  قال: " من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحاً في طاعته، وإبراهيم في خلته، وموسى في قربته، وعيسى في صفوته فلينظر إلى علي بن أبي طالب  " فدل الحديث على أنه اجتمع فيه  ما كان متفرقا فيهم، وأجيب بأنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمداً أفضل من سائر الأنبياء فكذا انعقد الإجماع بينهم قبل ظهور هذا الإنسان على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي، وأجمعوا على أن علياً  ما كان نبياً، فعلم أن ظاهر الآية كما أنه مخصوص في حق محمد  فكذا في حق سائر الأنبياء، وأما فضل أصحاب الكساء فلا شك في دلالة الآية على ذلك، ولهذا ضمهم إلى نفسه بل قدمهم في الذكر.

وفيها أيضاً دلالة على صحة نبوة محمد  فإنه لو لم يكن واثقاً بصدقه لم يتجرأ على تعريض أعزته وخويصته وأفلاذ كبده في معرض الابتهال ومظنة الاستئصال، ولولا أن القوم عرفوا من التوراة والإنجيل ما يدل على نبوته  لما أحجموا عن مباهلته، وأما قول المشركين ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء  ﴾ فليس من قبيل المباهلة، فإن النبي  لم يعرض نفسه لذلك ولم يكن ذلك القول في معرض الاحتجاج والادعاء ولا بإذن من الله  لرسوله.

﴿ إن هذا ﴾ الذي تلي عليك من نبأ عيسى ﴿ لهو القصص الحق وما من إله إلا الله ﴾ وهو في إفادة معنى الاستغراق لزيادة "من" بمنزلة لا إله إلا الله مبنياً على الفتح، وفيه رد على النصارى في تثليثهم ﴿ وإن الله لهو العزيز الحكيم ﴾ فيه جواب عن شبهة النصارى أن عيسى يقدر على الإحياء ويخبر عن الغيوب، فإن هذا القدر من القدرة والعلم لا يكفي في الإلهية، بل يجب أن يكون الإله غالباً لا يدفع ولا يمنع وهم يقولون إنه قد قتل ولم يقدر على الدفع.

ويلزم أن يكون عالماً / بكل المعلومات وبعواقب الأمور وعيسى لم يكن كذلك ﴿ فإن تولوا ﴾ عما وصفت من التوحيد وأن إله الخلق يجب أن يكون قادراً على المقدورات عالماً بجميع المعلومات، فاعلم أن إعراضهم ليس إلا على سبيل العناد، فاقطع كلامك معهم وفوِّض أمرهم إلى الله فإنه عليم بحال المفسدين في الدين، وبنياتهم وأغراضهم الفاسدة فيجازيهم بأعمالهم الخبيثة.

ثم إنه  لما أورد على نصارى نجران من الدلائل ما انقطعوا معه، ثم دعاهم إلى المباهلة فانخذلوا ورضوا بالصغار وقبلوا الجزية، أمره الله  بنمط آخر من الكلام مبني على الإنصاف يشهد به كل طبع مستقيم وعقل سليم فقال: ﴿ قل يا أهل الكتاب ﴾ يعني نصارى نجران، لأن الآية من تمام قصتهم، ولأنه كلام منصف فخوطب بما يطيب به قلوبهم كما لو قيل لحامل القرآن: يا حافظ كتاب الله.

وقيل: المراد يهود المدينة، وقيل اليهود والنصارى جميعاً لأن ظاهر اللفظ يتناولهما، ولما روي أن اليهود قالوا للنبي  : ما تريد إلا أن نتخذك رباً كما اتخذت النصارى عيسى، وقالت النصارى: يا محمد ما نريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير.

فأنزل الله  هذه الآية.

والمراد من قوله: ﴿ تعالوا ﴾ تعيين ما دعوا إليه والتوجه إلى النظر فيه وإن لم يكن انتقالاً من مكان إلى مكان.

والمعنى هلموا إلى كلمة سواء فيها إنصاف من بعضنا لبعض، لا ميل فيه لأحد على صاحبه.

والسواء هو العدل والإنصاف لأن حقيقة الإنصاف إعطاء النصف وفيه التسوية بين نفسه وبين صاحبه.

أو المراد إلى كلمة سواء مستوية بيننا وبينكم لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل.

وتفسير الكلمة بقوله: ﴿ أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ﴾ فمحل ﴿ أن لا نعبد ﴾ خفض على البدل من ﴿ كلمة ﴾ أو رفع على الخبر أي هي أن لا نعبد.

وهو خبر في معنى الأمر أي اعبدوا.

وإنما ذكر أموراً ثلاثة لأن النصارى جمعوا بين الثلاثة.

فعبدوا غير الله وهو المسيح، وأشركوا به غيره لأنهم أثبتوا أقانيم ثلاثة أباً وابناً وروح القدس، ثم قالوا: إن أقنوم الكلمة تدرعت بناسوت المسيح وأقنوم روح القدس تدرعت بناسوت مريم، ولولا كون هذين الأقنومين ذاتين مستقلتين لما جاز عليهما مفارقة ذات الأب والتدرع بناسوت عيسى ومريم.

وحيث أثبتوا ثلاثة ذوات مستقلة فقد أشركوا.

ثم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً لأنهم أطاعوهم في التحليل والتحريم من تلقاء أنفسهم من غير شريعة وبيان، ولأنهم يسجدون لهم ويطيعونهم في المعاصي وهوى النفس ورؤية الأمور من الوسائط ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه  ﴾ ولأن من مذهبهم أن الكامل في الرياضة يظهر فيه أثر اللاهوت ويحل فيه فيقدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص.

فهم وإن لم يطلقوا عليهم اسم الرب إلا أنهم أثبتوا / في حقهم معنى الربوبية، فثبت أن النصارى جمعوا بين الأمور الثلاثة، وبطلانها كالأمر المتفق عليه بين العقلاء.

فإن قيل: المسيح ما كان المعبود إلا الله فوجب أن يبقى الأمر بعد ظهور المسيح عليه، والقول بالاشتراك أيضاً ضائع.

وإذا لم يكن الحكم إلا لله وجب أن لا يرجع في التحليل والتحريم والانقياد والائتمار إلا إليه.

"عن عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله.

قال  : أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟

قال: نعم.

قال  : هو ذاك" .

وعن الفضيل: لا أبالي أطعت مخلوقاً في معصية الخالق أو صليت لغير القبلة.

﴿ فإن تولوا ﴾ عن التوحيد ﴿ فقولوا ﴾ أيها المسلمون لأهل الكتاب ﴿ اشهدوا بأنا مسلمون ﴾ دونكم كما يقول الغالب لمغلوبه في جدال أو صراع: لزمتك الحجة فاعترف بأني أنا الغالب.

أو يكون من باب التعريض ومعناه فاعترفوا بأنكم كافرون حيث أعرضتم عن الحق بعد ما تبين.

ثم إن اليهود كانوا يقولون: إن إبراهيم على ديننا وكذا النصارى، فأبطل الله  ذلك بأن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده.

فبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يعقل أن يكون يهودياً أو نصرانياً؟

لا يقال هذا أيضاً لازم عليكم لأنكم تدعون أن إبراهيم كان على دين الإسلام، والإسلام إنما أنزل بعده بزمان أطول مما بينه وبين إنزال التوراة والإنجيل.

لأنا نقول: القرآن أخبر بأن إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً وإنما كان حنيفاً مسلماً، وليس في الكتابين أنه كان يهودياً أو نصرانياً فظهر الفرق.

وأيضاً المسيح ما كان موجوداً في زمان إبراهيم حتى يعبد، وعبادة المسيح هي النصرانية عندكم.

وأيضاً لا نسخ في دين اليهود والنسخ جائز في ملة إبراهيم ﴿ ها أنتم هؤلاء ﴾ "ها" حرف التنبيه و ﴿ أنتم ﴾ مبتدأ و ﴿ هؤلاء ﴾ خبره و ﴿ حاججتم ﴾ جملة مستأنفة مبينة للأولى يعني أنتم هؤلاء الحمقى، وبيان حماقتكم أنكم حاججتم فيما لكم به علم مما نطق به التوراة والإنجيل من نعت محمد  .

أو ليس المراد وصفهم بالعلم حقيقة وإنما أراد: هب أنكم تحاجون فيما تدعون علمه، فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به ألبتة ولا ذكر له في كتابكم؟

وعن الأخفش: ﴿ ها أنتم ﴾ أصله أأنتم على الاستفهام.

فقلبت الهزة هاء، ومعنى الاستفهام التعجب من جهالتهم.

ثم حقق ذلك بقوله: ﴿ والله يعلم ﴾ كيف كان حال هذه الشرائع في الموافقة والمخالفة ﴿ وأنتم لا تعلمون ﴾ ثم بين ذلك مفصلاً فقال: ﴿ ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين ﴾ كما لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، أو عرض بالمشركين عن اليهود والنصارى لإشراكهم بالله عزيراً والمسيح.

فإن قيل: قولكم "إبراهيم على دين الإسلام" إن أردتم به الموافقة في الأصول فليس هذا مختصاً بدين الإسلام، وإن أردتم به الموافقة في الفروع لزم أن لا يكون محمد صاحب شريعة بل كان / مقرراً لشرع من قبله.

قلنا: نختار الأول والاختصاص ثابت.

فإن اليهود والنصارى مخالفون للأصول في زماننا لقولهم بالتثليث وإشراك عزير والمسيح بالله إلى غير ذلك من قبائح أفعالهم، أو الثاني ولا يلزم ما ذكرتم لجواز أنه  نسخ تلك الفروع بشرع موسى، ثم في زمان محمد نسخ شرع موسى بتلك الشريعة التي كانت ثابتة في زمان إبراهيم، فيكون محمد صاحب الشريعة مع موافقة شرعه شرع إبراهيم في معظم الفروع.

روى الواحدي "عن أصحاب رسول الله  قالوا: لما هاجر جعفر بن أبي طالب وأصحابه إلى الحبشة واستقرت بهم الدار وهاجر رسول الله  إلى المدينة وكان من أمر بدر ما كان، اجتمعت قريش من دار الندوة وقالوا: إن لنا في الذين عند النجاشي من أصحاب محمد  ثأراً بمن قتل منكم ببدر.

فأجمعوا مالاً وأهدوه إلى النجاشي لعله يدفع إليكم من عنده من قومكم، ولينتدب لذلك رجلان من ذوي آرائكم.

فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط مع هدايا الأدم وغيره، فركبا البحر وأتيا الحبشة.

فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما عليه وقالا له: إن قومنا لك ناصحون شاكرون وإصلاحك محبون، وإنهم بعثونا إليك لنحذرك هؤلاء القوم الذين قدروا عليك لأنهم قوم رجل كذاب خرج فينا يزعم أنه رسول الله ولم يتابعه أحد منا إلا السفهاء.

وإنا كنا ضيقنا عليهم الأمر وألجأناهم إلى شعب بأرضنا لا يدخل أحد منا عليهم ولا يخرج منهم أحد، قد قتلهم الجوع والعطش.

فلما اشتد عليهم الأمر بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك، وقد جئتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكهم.

قالوا: وآية ذلك أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي يحييك بها الناس رغبة عن دينك وسنتك.

قال: فدعاهم النجاشي.

فلما حضروا صاح جعفر بالباب يستأذن عليك حزب الله.

فقال النجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه ففعل جعفر.

فقال النجاشي: نعم فليدخلوا بأمان الله وذمته.

فنظر عمرو بن العاص إلى صاحبه فقال: ألا تسمع كيف يرطنون بحزب الله وما أجابهم به النجاشي فساءهما ذلك.

ثم دخلوا عليه ولم يسجدوا له فقال عمرو بن العاص: ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك؟

فقال لهم النجاشي: ما يمنعكم أن تسجدوا لي وتحيوني بالتحية التي يحيي بها من أتاني من الآفاق؟

قالوا: نسجد لله الذي خلقك وملكك، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان، فبعث الله فينا نبياً صادقاً وأمرنا بالتحية التي رضيها الله لنا وهي السلام تحية أهل الجنة.

فعرف النجاشي أن ذلك حق وأنه في التوراة والإنجيل.

قال: أيكم الهاتف يستأذن عليك حزب الله؟

قال جعفر: أنا.

قال: فتكلم.

قال: إنك ملك من ملوك أهل الأرض ومنأهل الكتاب، ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم، وأنا أحب أن أجيب عن أصحابي.

/ فمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما ولينصت الآخر فتسمع محاورتنا.

فقال عمرو لجعفر: تكلم.

فقال جعفر للنجاشي: سل هذا الرجل أعبيد نحن أم أحرار؟

فإن كنا عبيداً أبقنا من أربابنا فأرددنا إليهم.

فقال النجاشي: أعبيد هم أم أحرار؟

فقال: بل أحرار كرام.

فقال النجاشي: نجوا من العبودية.

قال جعفر: سلهما هل أهرقنا دماً بغير حق فيقتص منا؟

فقال عمرو: لا ولا قطرة.

قال جعفر: سلهما هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤها؟

قال النجاشي: يا عمرو إن كان قنطاراً فعليّ قضاؤه.

فقال عمرو: لا ولا قيراط.

قال النجاشي: فما تطلبون منهم؟

قال عمرو: كنا وهم على دين واحد وأمر واحد على دين آبائنا، فتركوا ذلك الدين واتبعوا غيره ولزمناه نحن، فبعثنا إليك قومهم لتدفعهم إلينا.

فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الذي اتبعوه أصدقني.

قال جعفر: أما الدين الذي كنا عليه فتركناه فهو دين الشيطان وأمره.

كنا نكفر بالله عزّ وجلّ ونعبد الحجارة.

وأما الدين الذي تحولنا إليه فدين الإسلام، جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقاً له.

فقال النجاشي: يا جعفر تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك.

ثم أمر النجاشي فضرب الناقوس فاجتمع إليه كل قسيس وراهب.

فلما اجمعوا عنده قال النجاشي: أنشدكم بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبياً مرسلاً؟

فقالوا: اللهم نعم، قد بشرنا به عيسى وقال: من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي.

فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل وما يأمركم به وما ينهاكم عنه؟

قال: يقرأ علينا كتاب الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بحسن الجوار وصلة الرحم وبر اليتيم، ويأمرنا أن نعبد الله وحده لا شريك له.

فقال: اقرأ علي شيئاً مما يقرأ عليكم.

فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم ففاضت أعين النجاشي وأصحابه من الدموع وقالوا: يا جعفر زدنا من هذا الحديث الطيب.

فقرأ عليهم سورة الكهف.

فأراد عمرو أن يغضب النجاشي فقال: إنهم يشتمون عيسى وأمه.

فقال النجاشي: ما تقولون في عيسى وأمه؟

فقرأ عليهم جعفر سورة مريم.

فلما أتى ذكر مريم وعيسى رفع النجاشي نفثة من سواكه قدر ما يقذى العين وقال: والله ما زاد المسيح على ما يقولون هذا.

ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال: اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي يقول آمنون من سبكم أو أذاكم.

قال: أبشروا ولا تخافوا فلا دهورة أي لا خوف اليوم على حزب إبراهيم.

قال عمرو: يا نجاشي ومن حزب إبراهيم؟

قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاؤا من عنده ومن اتبعهم.

فأنكر ذلك المشركون وادعوا أنهم في دين إبراهيم.

ثم رد النجاشي على عمرو وأصحابه المال الذي حملوه وقال: إنما هديتكم إليّ رشوة فاقبضوها فإن الله ملكني ولم يأخذ مني رشوة.

قال جعفر: وانصرفنا فكنا في خير دار وأكرم جوار، وأنزل الله عزّ وجلّ ذلك اليوم في خصومتهم في إبراهيم على رسول الله  هو بالمدينة قوله: ﴿ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ﴾ " على ملته وسنته في زمانه ﴿ وهذا النبي ﴾ يعني محمداً  ﴿ والذين آمنوا ﴾ في آخر الزمان ﴿ والله ولي المؤمنين ﴾ بالنصرة والتأييد والتوفيق والتسديد.

ومعنى ﴿ أولى الناس ﴾ أخصهم به وأقربهم منه من الولي القرب.

وقرىء ﴿ وهذا النبي ﴾ بالنصب عطفاً على الهاء في ﴿ اتبعوه ﴾ وبالجر عطفاً على ﴿ إبراهيم ﴾ عن رسول الله  : " إن لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليل ربي إبراهيم ثم قرأ إن أولى الناس الآية " ثم بين أنهم لا يقتصرون على هذا القدر بل يجتهدون في إضلال المؤمنين بإلقاء الشبهات وإبداء المكايد كما أرادوا بحذيفة وعمار ومعاذ بن جبل وقد ذكرناه في سورة البقرة.

﴿ وما يضلون إلا أنفسهم ﴾ لأن وبال الإضلال يعود عليهم فيضاعف لهم العذاب بالضلال والإضلال، أو وما يقدرون على إضلال المؤمنين وإنما يضلون أمثالهم من أشياعهم ﴿ وما يشعرون ﴾ أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين.

ثم وبخهم على قبائح أفعالهم بطريق الاستفهام فقال: ﴿ لم تكفرون بآيات الله ﴾ قيل: أي بالتوراة والإنجيل لما فيهما من البشارة بنبوة محمد  ، أو أن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً، أو أن الدين عند الله الإسلام، ومعنى الكفر بالتوراة والإنجيل إما الكفر بما يدلان عليه فيكون قد أطلق اسم الدليل على المدلول، أو الكفر بنفس التوراة والإنجيل لأنهم كانوا يحرّفونهما وينكرون وجود تلك الآيات الدالة على نبوة محمد  .

ومعنى ﴿ وأنتم تشهدون ﴾ أنهم عند حضور المسلمين وعند حضور عوامهم كانوا ينكرون اشتمال التوراة والإنجيل على نعت محمد  ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض شهدوا بصحتها، وعلى هذا فيكون في الآية إخبار عن الغيب فيكون معجزاً.

وقيل: آيات الله في القرآن وشهادتهم أنهم يعرفون في قلوبهم أنه حق.

وقيل: آيات الله جملة المعجزات التي ظهرت على يد النبي  .

فمعنى تشهدون أنكم تعترفون بدلالة المعجزة على صدق المدعي.

ثم لما وبخهم على الغواية أردفه التوبيخ بالإغواء.

وهو إما بإلقاء الشبهات في الدين وهو معنى لبسهم الحق بالباطل، وإما بإخفاء الدلائل وهو كتمانهم الحق.

عن الحسن وابن زيد: حرفوا التوراة فخلطوا المنزل بالمحرف.

وعن ابن عباس: أظهروا الإسلام في أول النهار ثم رجعوا عنه في آخره تشكيكاً للناس.

قيل: إن في الكتابين ما يدل على نبوة محمد  والبشارة به وفيهما ما يوهم خلاف ذلك فيكون كالمحكم والمتشابه في القرآن.

فلبسوا على الضعفاء أحد الأمرين بالآخر كما يفعل كثير من المشبهة.

وهذا قول القاضي.

وقيل: كانوا يقولون: إن محمداً  معترف بأن شرع موسى حق، ثم إن التوراة دلت على أنه لا ينسخ، / وكل ذلك إلقاء الشبهات.

وأما كتمان الحق فهو أن الآيات الدالة في التوراة على نبوة محمد  كان الاستدلال بها مفتقراً إلى التدبر والتأمل، والقوم كانوا يجتهدون في إخفاء تلك الألفاظ التي بمجموعها يتم الاستدلال كما يفعل المبتدعة في زماننا ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ أنكم إنما تفعلون ذلك عناداً وحسداً، أو تعلمون أنكم من أهل المعرفة، أو تعلمون حقيتها، أو أن عقاب من يفعل هذه الأفعال عظيم والله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ : يعني: كلمة الإخلاص والتوحيد، ﴿ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ ، أي: عدل، أي: تلك الكلمة عدم بيننا وبينكم لأنهم كانوا يقرون أن خالق السماوات والأرض: الله، بقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ ، وكذلك يقرون أن خالقهم الله، بقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ ، لكن منهم من يعبد دون الله أوثاناً، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، ومنهم من يجعل له شركاء وأنداداً يشركهم في عبادته، فدعاهم رسول الله  إلى ألا يجعلوا عبادتهم لغير الذي أنعم عليهم؛ إذ العبادة لا تكون إلا لله الذي أقروا جميعاً أنه خالق السماوات والأرض، وأنه ربهم، وألا يصرفوا عبادتهم إلى غير الذي أنعم عليهم؛ إذ العبادة هي لشكر وجزاء ما أنعم عليهم.

﴿ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ لأن العبادة لواحد أهون وأخف من العبادة لعدد، وأن صرف العبادة إلى من أنعم عليكم أولى من صرفها إلى الذي لم ينعم عليكم؛ إذ ذاك جور وظلم في العقل أن ينعم أحد على آخر، فيشكر غيره.

قال الشيخ - رحمه الله -: العدل في اللغة: وضع الشيء [في] موضعه، وفي إخلاص العبادة لله والتوحيد - ذلكَ وهذا معنى سواء.

وجائز أن تكون كلمة يستوي فيها أنها عدل ما شهد لنا بهذا كل أنواع الحجج.

وقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ : يحتمل: تولوا عن طاعة الله وتوحيده، وصرف العبادة إليه - ﴿ فَقُولُواْ ﴾ .

كذا.

ويحتمل: فإن تولوا عن المباهلة والملاعنة - فقولوا ﴿ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ .

أي: مخلصون العبادة له، صادقون الشكر على ما أنعم علينا، والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله -: فإن تولوا عن قبول ما دعوتهم إليه من الاجتماع على الكلمة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول-: تعالوا يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، نجتمع على كلمة عدلٍ نستوي فيها جميعًا: أن نُفرد الله بالعبادة فلا نعبد معه أحدًا سواه مهما كانت منزلته، وعلت مكانته، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا يُعبدون ويُطاعون من دون الله، فإن انصرفوا عن هذا الذي تدعوهم إليه من الحق والعدل فقولوا لهم - أيها المؤمنون -: اشهدوا بأنا مستسلمون لله منقادون له تعالى بالطاعة.

<div class="verse-tafsir" id="91.4jZky"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام من أول السورة في إثبات نبوة النبي  والرد على المنكرين وقد ظهر بالدعوة إلى المباهلة انقطاع حجاج المكابرين ودل نكولهم عنها على أنهم ليسوا على يقين من اعتقادهم ألوهية المسيح، وفاقد اليقين يتزلزل عندما يدعى إلى شيء يخاف عاقبته، فلما نكلوا دعاهم إلى أمر آخر هو أصل الدين وروحه الذي اتفقت عليه دعوة الأنبياء وهو سواء بين الفريقين أي عدل ووسط لا يرجح فيه طرف على آخر، وقد فسره بقوله: ﴿ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ  ﴾ .

المعنى أننا نحن وإياكم على اعتقاد أن العالم من صنع إله واحد، والتصرف فيه لإله واحد هو خالقه ومدبره، وهو الذي يعرفنا على ألسنة أنبيائه ما يرضيه من العمل وما لا يرضيه، فتعالوا بنا نتفق على إقامة هذه الأصول المتفق عليها ورفض الشبهات التي تعرض لها حتى إذا سلمنا أن فيما جاءكم من نبأ المسيح شيئًا فيه لفظ ابن الله خرجناه جميعًا على وجه لا ينقض الأصل الثابت العام الذي اتفق عليه الأنبياء، فإن سلمنا أن المسيح قال إنه ابن الله قلنا هل فسر هذا القول بأنه إله يعبد؟

وهل دعا إلى عبادته وعبادة أمه؟

أم كان يدعو إلى عبادة الله وحده؟

لا شك أنكم متفقون معنا على أنه كان يدعو إلى عبادة الله وحده والإخلاص له بالتصريح الذي لا يقبل التأويل.

كان اليهود موحدين ولكن كان عندهم شيء هو منبع شقائهم في كل حين وهو اتباع رؤساء الدين فيما يقررونه وجعله بمنزلة الأحكام المنزلة من الله تعالى، وجرى النصارى على ذلك، وزادوا مسألة غفران الخطايا وهي مسألة تفاقم أمرها في بعض الأزمان حتى ابتلعت بها الكنائس أكثر أملاك الناس، ومن الغلو فيها ولدت مسألة "البروتستانت" إذ قاموا فقالوا هلم بنا نترك هؤلاء الأرباب من دون الله ونأخذ الدين من كتابه لا نشرك معه في ذلك قول أحد.

قال تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ  ﴾ : الآية حجة على أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ بقول أحد ما لم يسنده إلى المعصوم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد