الآية ٦٧ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٦٧ من سورة آل عمران

مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّۭا وَلَا نَصْرَانِيًّۭا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًۭا مُّسْلِمًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٦٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 69 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٧ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٧ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما ) أي : متحنفا عن الشرك قصدا إلى الإيمان ( وما كان من المشركين ) [ البقرة : 135 ] وهذه الآية كالتي تقدمت في سورة البقرة : ( وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا [ قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ] ) [ البقرة : 135 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) قال أبو جعفر: وهذا تكذيبٌ من الله عز وجل دعوَى الذين جادلوا في إبراهيم وملته من اليهود والنصارى، وادَّعوا أنه كان على ملتهم = وتبرئة لهم منه، وأنهم لدينه مخالفون = وقضاءٌ منه عز وجل لأهل الإسلام ولأمة محمد صلى الله عليه وسلم أنهم هم أهل دينه، وعلى منهاجه وشرائعه، دون سائر أهل الملل والأديان غيرهم.

يقول الله عز وجل: = ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا كان من المشركين، (48) الذين يعبدون الأصنامَ والأوثانَ أو مخلوقًا دون خالقه الذي هو إله الخلق وبارئهم =" ولكن كان حنيفًا "، يعني: متبعًا أمرَ الله وطاعته، مستقيمًا على محجَّة الهدى التي أمر بلزومها =" مسلمًا "، يعني: خاشعًا لله بقلبه، متذللا له بجوارحه، مذعنًا لما فَرَض عليه وألزمه من أحكامه.

(49) * * * وقد بينا اختلاف أهل التأويل في معنى " الحنيف " فيما مضى، ودللنا على القول الذي هو أولى بالصحة من أقوالهم، بما أغنى عن إعادته.

(50) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك من التأويل قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 7211 - حدثني إسحاق بن شاهين الواسطي قال، حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، قال: قالت اليهود: إبراهيم على ديننا.

وقالت النصارى: هو على ديننا.

فأنـزل الله عز وجل: " ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا " الآية، فأكذبهم الله، وأدحض حجتهم - يعني: اليهودَ الذين ادّعوا أن إبراهيم ماتَ يهوديًّا.

(51) 7212 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.

&; 6-495 &; 7213 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله - لا أراه إلا يحدثه عن أبيه -: أنّ زيد بن عمرو بن نفيل خرَج إلى الشام يسأل عن الدِّين، ويتبعه، فلقي عالمًا من اليهود، فسأله عن دينه، وقال: إني لعلِّي أنْ أدين دينكم، فأخبرني عن دينكم.

فقال له اليهودي: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله.

قال زيد: ما أفرّ إلا من غضب الله، ولا أحمل من غَضب الله شيئًا أبدًا وأنا أستطيع.

فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟

(52) قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا!

(53) قال: وما الحنيف؟

قال: دين إبراهيم، لم يك يهوديًّا ولا نصرانيًّا، وكان لا يعبد إلا الله.

فخرج من عنده فلقي عالمًا من النصارى، فسأله عن دينه فقال: إني لعلِّي أن أدين دينكم، فأخبرني عن دينكم.

قال: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله.

قال: لا أحتمل من لعنة الله شيئًا، ولا من غضب الله شيئًا أبدًا، وأنا أستطيع، (54) فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟

فقال له نحوًا مما قاله اليهودي: لا أعلمه إلا أن يكون حنيفًا.

(55) فخرج من عنده، وقد رَضِي الذي أخبراه والذي اتفقا عليه من شأن إبراهيم، فلم يزل رافعًا يديه إلى الله وقال: (56) اللهم إني أشهِدك أني على دين إبراهيم.

(57) &; 6-496 &; أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان قال، حدثنا محمد بن جرير الطبري: -----------------

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركيننزهه تعالى من دعاويهم الكاذبة ، وبين أنه كان على الحنيفية الإسلامية ولم يكن مشركا .

والحنيف : الذي يوحد ويحج ويضحي ويختتن ويستقبل القبلة .

وقد مضى في " البقرة " اشتقاقه .

والمسلم في اللغة : المتذلل لأمر الله تعالى المنطاع له .

وقد تقدم في " البقرة " معنى الإسلام مستوفى والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيات من 65الى 68 :ـ لما ادعى اليهود أن إبراهيم كان يهوديا، والنصارى أنه نصراني، وجادلوا على ذلك، رد تعالى محاجتهم ومجادلتهم من ثلاثة أوجه، أحدها: أن جدالهم في إبراهيم جدال في أمر ليس لهم به علم، فلا يمكن لهم ولا يسمح لهم أن يحتجوا ويجادلوا في أمر هم أجانب عنه وهم جادلوا في أحكام التوراة والإنجيل سواء أخطأوا أم أصابوا فليس معهم المحاجة في شأن إبراهيم، الوجه الثاني: أن اليهود ينتسبون إلى أحكام التوراة، والنصارى ينتسبون إلى أحكام الإنجيل، والتوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعد إبراهيم، فكيف ينسبون إبراهيم إليهم وهو قبلهم متقدم عليهم، فهل هذا يعقل؟!

فلهذا قال { أفلا تعقلون } أي: فلو عقلتم ما تقولون لم تقولوا ذلك، الوجه الثالث: أن الله تعالى برأ خليله من اليهود والنصارى والمشركين، وجعله حنيفا مسلما، وجعل أولى الناس به من آمن به من أمته، وهذا النبي وهو محمد صلى الله على وسلم ومن آمن معه، فهم الذين اتبعوه وهم أولى به من غيرهم، والله تعالى وليهم وناصرهم ومؤيدهم، وأما من نبذ ملته وراء ظهره كاليهود والنصارى والمشركين، فليسوا من إبراهيم وليس منهم، ولا ينفعهم مجرد الانتساب الخالي من الصواب.

وقد اشتملت هذه الآيات على النهي عن المحاجة والمجادلة بغير علم، وأن من تكلم بذلك فهو متكلم في أمر لا يمكن منه ولا يسمح له فيه، وفيها أيضا حث على علم التاريخ، وأنه طريق لرد كثير من الأقوال الباطلة والدعاوى التي تخالف ما علم من التاريخ

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم برأ الله تعالى إبراهيم مما قالوا : فقال: ( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ) والحنيف : المائل عن الأديان كلها إلى الدين المستقيم ، وقيل : الحنيف : الذي يوحد ويحج ويضحي ويختن ويستقبل الكعبة .

وهو أسهل الأديان وأحبها إلى الله عز وجل

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا» مائلا عن الأديان كلها إلى الدين القيِّم «مسلما» موحدا «وما كان من المشركين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً، فلم تكن اليهودية ولا النصرانية إلا من بعده، ولكن كان متبعًا لأمر الله وطاعته، مستسلمًا لربه، وما كان من المشركين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم صرح - سبحانه - ببراءة إبراهيم من كل دين يخالف دين الإسلام فقال - تعالى - : { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } .وقوله { حَنِيفاً } من الحنف وهو ميل عن الضلال إلى الاستقامة ، بعكس الجنف فهو ميل عن الاستقامة إلى الضلال ويقال : تحنف الرجل أى تحرى طريق الاستقامة .أى : ما كان إبراهيم - عليه السلام - فى يوم من الأيام يهوديا كما قال اليهود ، ولا نصرانيا كما قال النصارى ولكنه كان حنيفا أى مائلا عن العقائد الزائفة متحريا طريق الاستقامة وكان " مسلما " أى مستسلما لله - تعالى - منقادا له مخلصا له العبادة { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } الذين يشركون مع الله آلهة أخرى بأن يقولوا إن الله ثالث ثلاثة ، أو يقولوا عزير ابن الله أو المسيح ابن الله أو غير ذلك من الأقوال الباطلة والأفعال الفاسدة .ففى هذه الآية الكريمة تنويه بشأن إبراهيم ، وتعريض بأولئك الكافرين من أهل الكتاب الذين ادعوا أن إبراهيم كان يهودياً او نصرانياً بأنهم هم المشركون بخلاف إبراهيم فقد كان مبرأ من ذلك .أخرج الإمام مسلم والترمذى وأبو داود عن أنس رضى الله عنه قال : " جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : يا خير البرية .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ذاك إبراهيم عليه السلام " " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿ ها أَنتُمْ ﴾ بالمد والهمزة وقرأ نافع وأبو عمرو بغير همز ولا مد، إلا بقدر خروج الألف الساكنة وقرأ ابن كثير بالهمز والقصر على وزن ﴿ صنعتم ﴾ وقرأ ابن عامر بالمد دون الهمز، فمن حقق فعلى الأصل، لأنهما حرفان ﴿ ها ﴾ و ﴿ أَنتُمْ ﴾ ومن لم يمد ولم يهمز فللتخفيف من غير إخلال.

المسألة الثانية: اختلفوا في أصل ﴿ ها أَنتُمْ ﴾ فقيل ﴿ ها ﴾ تنبيه والأصل ﴿ أَنتُمْ ﴾ وقيل أصله ﴿ أَءَنتُمْ ﴾ فقلبت الهمزة الأولى هاء كقولهم هرقت الماء وأرقت و ﴿ هَؤُلاء ﴾ مبني على الكسر وأصله أولاء دخلت عليه ها التنبيه، وفيه لغتان: القصر والمد، فإن قيل: أين خبر أنتم في قوله ها أنتم؟

قلنا في ثلاثة أوجه: الأول: قال صاحب الكشاف ﴿ ها ﴾ للتنبيه و ﴿ أَنتُمْ ﴾ مبتدأ و ﴿ هَؤُلاء ﴾ خبره و ﴿ حاججتم ﴾ جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى بمعنى: أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم وإن جادلتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم؟

والثاني: أن يكون ﴿ أَنتُمْ ﴾ مبتدأ، وخبر ﴿ هَؤُلاء ﴾ بمعنى أولاء على معنى الذي وما بعده صلة له الثالث: أن يكون ﴿ أَنتُمْ ﴾ مبتدأ ﴿ وَهَؤُلاء ﴾ عطف بيان ﴿ وحاججتم ﴾ خبره وتقديره: أنتم يا هؤلاء حاججتم.

المسألة الثالثة: المراد من قوله: ﴿ حاججتم فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ ﴾ هو أنهم زعموا أن شريعة التوراة والإنجيل مخالفة لشريعة القرآن فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به وهو ادعاؤكم أن شريعة إبراهيم كانت مخالفة لشريعة محمد عليه السلام؟.

ثم يحتمل في قوله: ﴿ هأَنتُمْ هؤلاء حاججتم فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ ﴾ أنه لم يصفهم في العلم حقيقة وإنما أراد إنكم تستجيزون محاجته فيما تدعون علمه، فكيف تحاجونه فيما لا علم لكم به ألبتة؟.

ثم حقق ذلك بقوله: ﴿ والله يَعْلَمُ ﴾ كيف كانت حال هذه الشرائع في المخالفة والموافقة ﴿ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ كيفية تلك الأحوال.

ثم بيّن تعالى ذلك مفصلاً فقال: ﴿ مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً ﴾ فكذبهم فيما ادعوه من موافقة لهما.

ثم قال: ﴿ وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا ﴾ وقد سبق تفسير الحنيف في سورة البقرة.

ثم قال: ﴿ وَمَا كَانَ مِنَ المشركين ﴾ وهو تعريض بكون النصارى مشركين في قولهم بإلهية المسيح وبكون اليهود مشركين في قولهم بالتشبيه.

فإن قيل: قولكم إبراهيم على دين الإسلام أتريدون به الموافقة في الأصول أو في الفروع؟

فإن كان الأول لم يكن مختصاً بدين الإسلام بل نقطع بأن إبراهيم أيضاً على دين اليهود، أعني ذلك الدين الذي جاء به موسى، فكان أيضاً على دين النصارى، أعني تلك النصرانية التي جاء بها عيسى فإن أديان الأنبياء لا يجوز أن تكون مختلفة في الأصول، وإن أردتم به الموافقة في الفروع، فلزم أن لا يكون محمد عليه السلام صاحب الشرع ألبتة، بل كان كالمقرر لدين غيره، وأيضاً من المعلوم بالضرورة أن التعبد بالقرآن ما كان موجوداً في زمان إبراهيم عليه السلام فتلاوة القرآن مشروعة في صلاتنا وغير مشروعة في صلاتهم.

قلنا: جاز أن يكون المراد به الموافقة في الأصول والغرض منه بيان إنه ما كان موافقاً في أصول الدين لمذهب هؤلاء الذين هم اليهود والنصارى في زماننا هذا، وجاز أيضاً أن يقال المراد به الفروع وذلك لأن الله نسخ تلك الفروع بشرع موسى، ثم في زمن محمد صلى الله عليه وسلم نسخ شرع موسى عليه السلام الشريعة التي كانت ثابتة في زمن إبراهيم عليه السلام وعلى هذا التقدير يكون محمد عليه السلام صاحب الشريعة ثم لما كان غالب شرع محمد عليه السلام موافقاً لشرع إبراهيم عليه السلام، فلو وقعت المخالفة في القليل لم يقدح ذلك في حصول الموافقة.

ثم ذكر تعالى: ﴿ إِنَّ أَوْلَى الناس بإبراهيم ﴾ فريقان أحدهما: من اتبعه ممن تقدم والآخر: النبي وسائر المؤمنين.

ثم قال: ﴿ والله وَلِىُّ المؤمنين ﴾ بالنصرة والمعونة والتوفيق والإعظام والإكرام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يااأهل الكتاب ﴾ قيل هم أهل الكتابين.

وقيل: وفد نجران.

وقيل: يهود المدينة ﴿ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ مستوية بيننا وبينكم، لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل.

وتفسير الكلمة قوله: ﴿ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ الله ﴾ يعني تعالوا إليها حتى لا نقول: عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، لأن كل واحد منهما بعضنا بشر مثلنا، ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع الله، كقوله تعالى: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله والمسيح ابن مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها واحدا ﴾ [التوبة: 31] وعن عدي بن حاتم: «ما كنا نعبدهم يا رسول الله، قال: أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟

قال: نعم.

قال: هو ذاك» ، وعن الفضيل: لا أبالي أطعت مخلوقاً في معصية الخالق، أو صليت لغير القبلة.

وقرئ ﴿ كلمة ﴾ بسكون اللام.

وقرأ الحسن ﴿ سواء ﴾ بالنصب بمعنى استوت استواء ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ عن التوحيد ﴿ فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ أي لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم، كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو غيرهما: اعترف بأني أنا الغالب وسلم لي الغلبة.

ويجوز أن يكون من باب التعريض، ومعناه: اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره.

زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم، وجادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فيه فقيل لهم: إن اليهودية إنما حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة متطاولة؟

﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال ﴿ هاأنتم هؤلاءآء ﴾ ها للتنبيه، وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره.

و ﴿ حاججتم ﴾ جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى، يعني أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم ﴿ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ ﴾ مما نطق به التوراة والإنجيل ﴿ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم.

وعن الأخفش: ها أنتم هو آأنتم على الاستفهام.

فقلبت الهمزة هاء.

ومعنى الاستفهام التعجب من حماقتهم.

وقيل: ﴿ هؤلاءآء ﴾ بمعنى اللذين و ﴿ حاججتم ﴾ صلته ﴿ والله يَعْلَمُ ﴾ علم ما حاججتم فيه ﴿ وَأَنتُمْ ﴾ جاهلون به ثم أعلمهم بأنه بريء من دينكم وما كان إلا ﴿ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المشركين ﴾ كما لم يكن منكم.

أو أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به عزيراً والمسيح ﴿ إِنَّ أَوْلَى الناس بإبراهيم ﴾ إن أخصهم به وأقربهم منه من الولي وهو القرب ﴿ لَلَّذِينَ اتبعوه ﴾ في زمانه وبعده ﴿ وهذا النبى ﴾ خصوصاً ﴿ والذين ءامَنُواْ ﴾ من أمته.

وقرئ: ﴿ وهذا النبيَّ ﴾ بالنصب عطفاً على الهاء في اتبعوه، أي اتبعوه واتبعوا هذا النبي.

وبالجر عطفاً على إبراهيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ﴾ تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضى ما قَرَّرَهُ مِنَ البُرْهانِ.

﴿ وَلَكِنْ كانَ حَنِيفًا ﴾ مائِلًا عَنِ العَقائِدِ الزّائِغَةِ.

﴿ مُسْلِمًا ﴾ مُنْقادًا لِلَّهِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ كانَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ وإلّا لاشْتَرَكَ الإلْزامُ.

﴿ وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ لِإشْراكِهِمْ بِهِ عُزَيْرًا والمَسِيحَ ورَدٌّ لِادِّعاءِ المُشْرِكِينَ أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ ﴾ إنَّ أخَصَّهم بِهِ وأقْرَبَهم مِنهُ، مِنَ الوَلِيِّ وهو القُرْبُ، ﴿ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ﴾ مِن أُمَّتِهِ.

وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا لِمُوافَقَتِهِمْ لَهُ في أكْثَرِ ما شُرِعَ لَهم عَلى الأصالَةِ.

وقُرِئَ والنَّبِيَّ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الهاءِ في اتَّبَعُوهُ، وبِالجَرِّ عَطْفًا عَلى إبْراهِيمَ.

﴿ واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ ﴾ يَنْصُرُهم ويُجازِيهِمُ الحُسْنى لِإيمانِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم أعلمهم بأنه برئ من دينهم فقال {مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المشركين}

كأنه أراد بالمشركين اليهود والنصارى لا شراكهم به عزيراً والمسيح أو ما كان من المشركين كما لم يكن منهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ﴾ كَما قالَتِ اليَهُودُ ﴿ ولا نَصْرانِيًّا ﴾ كَما قالَتِ النَّصارى ﴿ ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا ﴾ أيْ مائِلًا عَنِ العَقائِدِ الزّائِغَةِ ﴿ مُسْلِمًا ﴾ أيْ مُنْقادًا لِطاعَةِ الحَقِّ، أوْ مُوَحِّدًا، لِأنَّ الإسْلامَ يَرِدُ بِمَعْنى التَّوْحِيدِ أيْضًا؛ قِيلَ: ويَنْصُرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ  ﴾ أيْ عَبَدَةِ الأصْنامِ كالعَرَبِ الَّذِي كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى دِينِهِ، أوْ سائِرِ المُشْرِكِينَ لِيَعُمَّ أيْضًا عَبَدَةَ النّارِ كالمَجُوسِ، وعَبَدَةَ الكَواكِبِ كالصّابِئَةِ، وقِيلَ: أرادَ بِهِمُ اليَهُودَ والنَّصارى لِقَوْلِ اليَهُودِ: عُزَيْرٌ اِبْنُ اللَّهِ، وقَوْلِ النَّصارى: المَسِيحُ اِبْنُ اللَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وأصِلُ الكَلامِ وما كانَ مِنكُمْ، إلّا أنَّهُ وضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمِرِ لِلتَّعْرِيضِ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَها، وتَفْسِيرُ الإسْلامِ بِما ذُكِرَ هو ما اِخْتارَهُ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ وادَّعَوْا أنَّهُ لا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ هُنا بِالدِّينِ المُحَمَّدِيِّ لِأنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ بَعْدَهُ بِكَثِيرٍ فَكَيْفَ يَكُونُ مُسْلِمًا؟

فَيَكُونُ كادِّعائِهِمْ تَهَوُّدَهُ وتَنَصُّرَهُ المَرْدُودِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ ﴾ فَيَرِدُ عَلَيْهِ ما ورَدَ عَلَيْهِمْ، ويَشْتَرِكُ الإلْزامُ بَيْنَهُما، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِذَلِكَ، وأجابَ عَنِ اِشْتِراكِ الإلْزامِ بِأنَّ القُرْآنَ أخْبَرَ بِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ مُسْلِمًا ولَيْسَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا فَظَهَرَ الفَرْقُ.

قالَ العَلّامَةُ النَّيْسابُورِيُّ: فَإنْ قِيلَ: قَوْلُكُمْ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى دِينِ الإسْلامِ إنْ أرَدْتُمْ بِهِ المُوافَقَةَ في الأُصُولِ فَلَيْسَ هَذا مُخْتَصًّا بِدِينِ الإسْلامِ، وإنْ أرَدْتُمْ في الفُرُوعِ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ نَبِيُّنا  صاحِبَ شَرِيعَةٍ بَلْ مُقَرِّرًا لِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ، قِيلَ: يُخْتارُ الأوَّلُ، والِاخْتِصاصُ ثابِتٌ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى مُخالِفُونَ لِلْأُصُولِ في زَمانِنا لِقَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ وإشْراكِ عُزَيْرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، أوِ الثّانِي، ولا يَلْزَمُ ما ذُكِرَ لِجَوازِ أنَّهُ تَعالى نَسَخَ تِلْكَ الفُرُوعَ بِشَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ نَسَخَ نَبِيُّنا  شَرْعَ مُوسى بِشَرِيعَتِهِ الَّتِي هي مُوافِقَةٌ لِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صاحِبَ شَرِيعَةٍ مَعَ مُوافَقَةِ شَرْعِهِ شَرْعَ إبْراهِيمَ في مُعْظَمِ الفُرُوعِ، اِنْتَهى.

ولا يَخْفى ما في الجَوابِ عَلى الِاخْتِيارِ الثّانِي مِن مَزِيدِ البُعْدِ بَلْ عَدَمِ الصِّحَّةِ، لِأنَّ نَسْخَ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ بِشَرِيعَةِ مُوسى، ثُمَّ نَسْخَ شَرِيعَةِ مُوسى بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُوافِقَةِ لِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ لا يَجْعَلُ نَبِيُّنا صاحِبَ شَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ، بَلْ يُقالُ لَهُ أيْضًا: إنَّهُ مُقَرِّرٌ لِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ وهو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأيْضًا مُوافَقَةُ جَمِيعِ فُرُوعِ شَرِيعَتِنا لِجَمِيعِ فُرُوعِ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ مِمّا لا يُمْكِنُ بِوَجْهٍ أصْلًا إذْ مِن جُمْلَةِ فُرُوعِ شَرِيعَتِنا فَرْضِيَّةُ قِراءَةِ القُرْآنِ في الصَّلاةِ، ولَمْ يَنْزِلْ عَلى غَيْرِ نَبِيِّنا  بِالبَدِيهَةِ، ونَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.

ومُوافَقَةُ المُعْظَمِ في حَيِّزِ المَنعِ ودُونَ إثْباتِها الشَّمُّ الرّاسِياتُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ لَيْسَ بِالدَّلِيلِ عَلى المُوافَقَةِ في الفُرُوعِ إذِ المِلَّةُ فِيهِ عِبارَةٌ عَنِ التَّوْحِيدِ أوْ عَنْهُ وعَنِ الأخْلاقِ كالهُدى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ .

واعْتَرَضَ الشِّهابُ عَلى الجَوابِ عَلى الِاخْتِيارِ الأوَّلِ بِالبُعْدِ كاعْتِراضِهِ عَلى الجَوابِ عَلى الِاخْتِيارِ الثّانِي بِمُجَرَّدِهِ أيْضًا، وذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ عُدُولِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ عَمّا يَقْتَضِيهِ كَلامُ هَذا العَلّامَةِ مِن أنَّ المُرادَ بِكَوْنِ إبْراهِيمَ مُسْلِمًا أنَّهُ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ إلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُنْقادٌ بِحَمْلِ الإسْلامِ عَلى المَعْنى اللُّغَوِيِّ، وادَّعى أنَّهُ سالِمٌ مِنَ القَدْحِ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ أخْذَ الإسْلامِ لُغَوِيًّا لا يُناسِبُ بَحْثَ الأدْيانِ والكَلامَ فِيهِ، فَلا يَخْلُو هَذا الوَجْهُ عَنْ بُعْدٍ، ولَعَلَّهُ لا يُقَصِّرُ عَمّا اِدَّعاهُ مِن بُعْدِ الجَوابِ الأوَّلِ كَما لا يَخْفى عَلى صاحِبِ الذَّوْقِ السَّلِيمِ.

هَذا وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، ولَعَلَّهُ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ وهو أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمّا تَنازَعُوا فَقالَتِ اليَهُودُ إبْراهِيمُ مِنّا، وقالَتِ النَّصارى إنَّهُ مِنّا أرادَتْ كُلُّ طائِفَةٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذْ ذاكَ عَلى ما هو عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الحالِ وهو حالٌ مُخالِفٌ لِما عَلَيْهِ نَبِيُّهم في نَفْسِ الأمْرِ مُوافِقٌ لَهُ زَعْمًا عَلى مَعْنى مُوافَقَةِ الأُصُولِ لِلْأُصُولِ، أوِ المُوافَقَةُ فِيما يُعَدُّ في العُرْفِ مُوافَقَةً ولَوْ لَمْ تَكُنْ في المُعْظَمِ ولَيْسَتْ هَذِهِ الدَّعْوى مِنَ البُطْلانِ بِحَيْثُ لا تَخْفى عَلى أحَدٍ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ ﴾ أيْ، ولَيْسا مُشْتَمِلَيْنِ عَلى ذَلِكَ، وهو مِنَ الحَرِيِّ بِالذِّكْرِ لَوْ كانَ، ثُمَّ أشارَ سُبْحانَهُ إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الحَماقَةِ عَلى وجْهٍ أتَمَّ، ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِما أشارَ أوَّلًا فَقالَ: ﴿ ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ﴾ أيْ مِنَ الطّائِفَةِ اليَهُودِيَّةِ المُخالِفَةِ لِما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفْسِ الأمْرِ ﴿ ولا نَصْرانِيًّا ﴾ أيْ مِنَ الطّائِفَةِ النَّصْرانِيَّةِ المُخالِفَةِ لِما جاءَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَلِكَ ﴿ ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ﴾ أيْ عَلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ دِينٌ مَرْضِيٌّ سِواهُ، وهو دِينُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ أُولَئِكَ اليَهُودَ والنَّصارى لَيْسُوا مِنَ الدِّينِ في شَيْءٍ لِمُخالَفَتِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ لِما عَلَيْهِ النَّبِيّانِ بَلِ الأنْبِياءُ، ثُمَّ أشارَ إلى سَبَبِ ذَلِكَ بِما عَرَّضَ بِهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المُسْلِمُ -كَما قالَ الجَصّاصُ وأشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ مِرارًا- المُؤْمِنَ ولَوْ مِن غَيْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ خِلافًا لِلسُّيُوطِيِّ في زَعْمِهِ أنَّ الإسْلامَ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الأُمَّةِ هَذا ما عِنْدِي في هَذا المَقامِ، فَتَدَبَّرْ، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اِتِّساعٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا يقول: لم يكن إبراهيم-  - على دين اليهودية ولا النصرانية وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً أي مخلصاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يعني ما كان أي لم يكن على دينهم.

وقال الزجاج: الحنف في اللغة إقبال صدر القدمين إقبالاً لا رجوع فيها أبداً، فمعنى الحنيفية في الإسلام، الإقبال والميل إليه، والإقامة على ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ينبغي أنْ يدعى بها أهل الكِتَابِ إلى يوم القيامة، «والكلمةُ» هنا عند الجمهور: عبارةٌ عن الألفاظ التي تتضمَّن المعانِيَ المدعوَّ إليها «١» ، وهي ما فسر بعد ذلك، وهذا كما تسمِّي العربُ القصيدةَ «كَلِمَةً» ، وقوله: سَواءٍ نعتٌ للكلمةِ، قال قتادةُ وغيره: معناه: إلى كلمةٍ عَدْلٍ «٢» ، وفي مُصْحَف ابنِ مَسْعود: «إلى كلمةٍ عَدْلٍ» «٣» كما فسر قتادة، قال ع «٤» : والذي أقوله في لفظة سَواءٍ: إنها ينبغي أنْ تفسَّر بتفسير خاصٍّ بها في هذا الموضِعِ، وهو أنه دعاهم إلى معانٍ، جميعُ الناسِ فيها مُسْتَوُونَ.

وقوله: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ هو في موضعِ خفضٍ على البَدَلِ مِنْ كَلِمَةٍ، أو في موضعِ رفعٍ بمعنى هِيَ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّه، واتخاذُ بعضهم بعضاً أرباباً هو على مراتبَ، أشدُّها: اعتقادهم الألوهيَّة، وعبادتهم لهم كَعُزَيْرٍ، وعيسى، ومريمَ، وأدنى ذلك: طاعتهم لأساقفتهم في كلِّ ما أَمَرُوا بِهِ مِنَ الكُفْر والمعاصِي، والتزامهم طاعتهم شرعاً.

م: فَإِنْ تَوَلَّوْا: أبو البقاءِ: تَوَلَّوْا: فعلٌ ماضٍ، ولا يجوزُ أنْ يكون التقديرُ:

«تَتَوَلَّوا» لفساد المعنى لأنَّ قوله: فَقُولُوا اشْهَدُوا خطابٌ للمؤمنين، وتَوَلَّوْا للمشركينَ.

اهـ.

وقوله: فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ: أمر بالإعلان بمخالفتهم، ومواجهتهم بذلك وإشهادهم على معنى التوبيخ والتهديد.

يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)

وقوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ ...

الآية: قال ابن عبّاس

وغيره: اجتمعت نصارى نَجْرَانَ، وأحبارُ يَهُودَ عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبارُ: ما كان إبراهيمُ إلاَّ يهوديًّا، وقالتِ النصارى: ما كان إبراهيمُ إلاَّ نصرانيًّا/، فأنزل اللَّه الآية «١» .

ومعنى قوله تعالى: فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، أي: على زعمكم، وفسَّر الطبريُّ «٢» هذا الموضع بأنه فيما لهم به علْمٌ من جهة كتبهم، وأنبيائِهِمْ ممَّا أيقنوه، وثَبَتَتْ عندهم صحَّته، قال ع «٣» : وذهب عنه (رحمه الله) أنَّ ما كان هكذا، فلا يحتاجُ معهم فيه إلى محاجَّة لأنهم يجدونه عند محمَّد صلّى الله عليه وسلّم كما كان هناك على حقيقته.

قُلْتُ: وما قاله الطبريُّ أَبْيَنُ، وهو ظاهر الآية، ومن المعلومِ أن أكثر احتجاجاتهم إنَّما كانَتْ تعسُّفاً، وجَحْداً للحَقِّ.

وقوله تعالى: مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا ...

الآية: أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية عن حقيقة أمر إبراهيم- عليه السلام-، ونفى عنه اليهوديَّةَ والنصرانيَّةَ، والإشراكَ، ثم أخبر تعالى إخباراً مؤكَّداً أن أَوْلَى النَّاسِ بإبراهيم هم القومُ الَّذين اتبعوه، فيدخلُ في ذلك كُلُّ من اتبع الحنيفيةَ في الفترات وهذَا النَّبِيُّ: يعني: محمدا صلّى الله عليه وسلّم لأنه بعث بالحنيفيّة السّمحة، والَّذِينَ آمَنُوا: يعني: بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، وسائرِ الأنبياء على ما يجبُ ثم أخبر سبحانه أنه وليُّ المؤمنين وعداً منْهُ لهم بالنَّصْر في الدنيا والنعيم في الآخرة روى عبد الله بن مسعود، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاَةٌ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَإنَّ وَلِيِّي مِنْهُمْ أَبِي وَخَلِيلُ رَبِّي إبْرَاهِيمُ» ، ثِمَّ قَرَأَ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ ...

الآية «٤» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ رُؤَساءَ اليَهُودِ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : لَقَدْ عَلِمْتَ أنّا أوْلى بِدِينِ إبْراهِيمَ مِنكَ، وأنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا، وما بِكَ إلّا الحَسَدُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

ومَعْناها: أحَقُّ النّاسِ بِدِينِ إبْراهِيمَ، الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلى دِينِهِ، وهَذا النَّبِيُّ  عَلى دِينِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ عَمْرَو بْنَ العاصِ أرادَ أنْ يُغْضِبَ النَّجاشِيَّ عَلى أصْحابِ النَّبِيِّ  ، فَقالَ لِلنَّجاشِيِّ: إنَّهم لَيَشْتُمُونَ عِيسى.

فَقالَ النَّجاشِيُّ: ما يَقُولُ صاحِبُكم في عِيسى؟

فَقالُوا: يَقُولُ: إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ.

فَأخَذَ النَّجاشِيُّ مِن سِواكِهِ قَدْرَ ما يَقْذِي العَيْنَ، فَقالَ: واللَّهِ ما زادَ عَلى ما يَقُولُ صاحِبُكم ما يَزِنُ هَذا القَذى، ثُمَّ قالَ: أبْشِرُوا، فَلا دَهْوَرَةَ اليَوْمَ عَلى حِزْبِ إبْراهِيمَ.

قالَ عَمْرُو بْنُ العاصِ: ومَن حِزْبُ إبْراهِيمَ؟

قالَ هَؤُلاءِ الرَّهْطُ وصاحِبُهم.

فَأنْزَلَ اللَّهُ يَوْمَ خُصُومَتِهِمْ عَلى النَّبِيِّ  هَذِهِ الآَيَةَ، هَذا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ إنَّ أولى الناسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، عن حَقِيقَةِ أمْرِ إبْراهِيمَ، فَنَفى عنهُ اليَهُودِيَّةَ والنَصْرانِيَّةَ والإشْراكَ الَّذِي هو عِبادَةُ الأوثانِ، ودَخَلَ في ذَلِكَ الإشْراكُ الَّذِي تَتَضَمَّنُهُ اليَهُودِيَّةُ والنَصْرانِيَّةُ.

وجاءَ تَرْتِيبُ النَفْيِ عَلى غايَةِ الفَصاحَةِ: نَفى نَفْسَ المِلَلِ وقَرَّرَ الحالَةَ الحَسَنَةَ، ثُمَّ نَفى نَفْيًا بَيَّنَ بِهِ أنَّ تِلْكَ المِلَلَ فِيها هَذا الفَسادُ الَّذِي هو الشِرْكُ، وهَذا كَما تَقُولُ: ما أخَذْتُ لَكَ مالًا بَلْ حَفِظْتُهُ، وما كُنْتُ سارِقًا، فَنَفَيْتَ أقْبَحَ ما يَكُونُ في الأخْذِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى إخْبارًا مُؤَكَّدًا أنَّ أولى الناسِ بِإبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَلامُ، هُمُ القَوْمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلى مِلَّتِهِ الحَنِيفِيَّةِ؛ وهُنا يَدْخُلُ كُلُّ مَنِ اتَّبَعَ الحَنِيفِيَّةَ في الفَتَراتِ، وهَذا النَبِيُّ مُحَمَّدٌ  لِأنَّهُ بُعِثَ بِالحَنِيفِيَّةِ السَمْحَةِ، و"النَبِيُّ" في الإعْرابِ نَعْتٌ، أو عَطْفُ بَيانٍ، أو بَدَلٌ، وفي كَوْنِهِ بَدَلًا نَظَرٌ.

"والَّذِينَ آمَنُوا" يَعْنِي بِمُحَمَّدٍ  وسائِرِ الأنْبِياءِ عَلى ما يَجِبُ دُونَ المُحَرِّفِينَ المُبَدِّلِينَ.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ اللهَ تَعالى "وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ" وعْدًا مِنهُ لَهم بِالنَصْرِ في الدُنْيا والنَعِيمِ في الآخِرَةِ.

والحَنِيفُ مَأْخُوذٌ مِنَ الحَنَفِ، وهو الِاسْتِقامَةُ، وقِيلَ: هو المَيْلُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمائِلِ الرِجْلِ: أحْنَفٌ، فالحَنِيفُ مِنَ الاسْتِقامَةِ مَعْناهُ المُسْتَقِيمُ، ومِنَ المَيْلِ مَعْناهُ: المائِلُ عن مُعْوَجِّ الأدْيانِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ.

واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ عن لَفْظَةِ الحَنِيفِ حَتّى قالَ بَعْضُهُمُ: الحَنِيفُ: الحاجُّ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ الحَنَفِ بِإجْراءٍ مِنهُ كالحَجِّ وغَيْرِهِ.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عن أبِيهِ، أنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إلى الشامِ يَسْألُ عَنِ الدِينِ ويَتْبَعُهُ، فَلَقِيَ عالِمًا مِنَ اليَهُودِ، فَسَألَهُ عن دِينِهِ، وقالَ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أكُونَ عَلى دِينِكُمْ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: إنَّكَ لَنْ تَكُونَ عَلى دِينِنا حَتّى تَأْخُذَ نَصِيبَكَ مِن غَضَبِ اللهِ، قالَ زَيْدٌ: ما أفِرُّ إلّا مِن غَضَبِ اللهِ، ولا أحْمِلُ مِن غَضَبِ اللهِ شَيْئًا أبَدًا وأنا أسْتَطِيعُ، فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلى دِينٍ لَيْسَ فِيهِ هَذا؟

قالَ: ما أعْلَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ حَنِيفًا، قالَ وما الحَنِيفُ؟

قالَ: دِينُ إبْراهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا، وكانَ لا يَعْبُدُ إلّا اللهَ.

فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ فَلَقِيَ عالِمًا مِنَ النَصارى فَقاوَلَهُ بِمِثْلِ مُقاوَلَةِ اليَهُودِيِّ، إلّا أنَّ النَصْرانِيَّ قالَ: بِنَصِيبِكَ مِن لَعْنَةِ اللهِ، فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ وقَدِ اتَّفَقا لَهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، فَلَمْ يَزَلْ رافِعًا يَدَيْهِ إلى اللهِ، وقالَ: اللهُمَّ إنِّي أُشْهِدُكَ أنِّي عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ورَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاةٌ مِنَ النَبِيِّينَ وإنَّ ولِيِّي مِنهم أبِي وخَلِيلُ رَبِّي إبْراهِيمُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ إنَّ أولى الناسِ بِإبْراهِيمَ ﴾ الآيَةَ".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

نتيجة للاستدلال إذ قد تحَصحَص من الحجّة الماضية أنّ اليهودية والنصرانية غير الحنيفية، وأنّ موسى وعيسى، عليهما السلام، لم يخبرا بأنهما على الحنيفية، فأنتج أنّ إبراهيم لم يكن على حال اليهودية أو النصرانية؛ إذ لم يؤْثَر ذلك عن موسى ولا عيسى، عليهما السلام، فهذا سنده خلوّ كتبهم عن ادّعاء ذلك.

وكيف تكون اليهودية أو النصرانية من الحنيفية مع خلوّها عن فريضة الحج، وقد جاء الإسلام بذكر فرضه لمن تمكن منه، ومما يؤيد هذا ما ذكره ابن عطية في تفسير قوله تعالى في هذه السورة: ﴿ لا نفرّق بينَ أحد منهم ونحن له مسلمون ﴾ [البقرة: 136] عن عكرمة قال: «لما نزلت الآية قال أهل الملل: «قد أسلمنا قبلك، ونحن المسلمون» فقال الله له: فحُجهم يا محمد وأنزل الله: ﴿ وللَّه على الناس حجّ البيت ﴾ [آل عمران: 97] الآية فحجّ المسلمون وقَعد الكفار».

ثمّ تمم الله ذلك بقوله: وما كان من المشركين، فأبطلت دعاوى الفرق الثلاث.

والحنيف تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قل بل ملّة إبراهيم حنيفاً ﴾ في سورة [البقرة: 135].

وقولُه: ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين } أفاد الاستدراكُ بعد نفي الضدّ حصرَا لحال إبراهيم فيما يوافق أصول الإسلام، ولذلك بُيِّن حنيفاً بقوله: ﴿ مسلماً ﴾ لأنهم يعرفون معنى الحنيفية ولا يؤمنون بالإسلام، فأعلمهم أنّ الإسلام هو الحنيفية، وقال: ﴿ وما كان من المشركين ﴾ فنفى عن إبراهيم موافقة اليهودية،.

وموافقة النصرانية، وموافقة المشركين، وإنه كان مسلماً، فثبتت موافقته الإسلام، وقد تقدم في سورة البقرة [135] في مواضع أنّ إبراهيم سأل أن يكون مسلماً، وأنّ الله أمره أن يكون مسلماً، وأنه كان حنيفاً، وأنّ الإسلام الذي جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي كان جاء به إبراهيم ﴿ وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ﴾ وكلّ ذلك لا يُبقي شكاً في أنّ الإسلام هو إسلام إبراهيم.

وَقد بينتُ آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ﴾ [آل عمران: 20] الأصولَ الداخلة تحت معنى ﴿ أسلمتُ وجهي لله ﴾ فلنفرضها في معنى قول إبراهيم: ﴿ إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ﴾ [الأنعام: 79] فقد جاء إبراهيم بالتوحيد، وأعلنه إعلاناً لم يَترك للشرك مسلكاً إلى نفوس الغافلين، وأقام هيكلاً وهو الكعبة، أول بيت وضع للناس، وفرض حَجّه على الناس: ارتباطاً بمغزاه، وأعلَن تمام العبودية لله تعالى بقوله: ﴿ ولا أخاف مَا تشركون به إلاّ أن يشاء ربّي شيئاً ﴾ [الأنعام: 80] وأخلص القول والعمل لله تعالى فقال: ﴿ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم يُنزِّل به عليكم سلطاناً ﴾ [الأنعام: 81] وتَطَلّب الهُدى بقوله: ﴿ ربنا واجعلنا مسلمَيْننِ لك ﴾ [البقرة: 128] ﴿ وأرنا مناسكنا وتُب علينا ﴾ [البقرة: 128] وكسر الأصنام بيده ﴿ فجعلهم جذاذاً ﴾ [الأنبياء: 58]، وأظهر الانقطاع لله بقوله: ﴿ الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين ﴾ [الشعراء: 78 81]، وتصَدّى للاحتجاج على الوحدانية وصفات الله ﴿ قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ﴾ [البقرة: 258] ﴿ وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه ﴾ [الأنعام: 83] ﴿ وحاجهُ قومه ﴾ [الأنعام: 80].

وعطف قوله: ﴿ وما كان من المشركين ﴾ ليَيْأس مُشْرِكو العرب من أن يكونوا على ملّة إبراهيم، وحتى لا يتوهم متوهم أنّ القصر المستفاد من قوله: (ولكن حنيفاً مسلماً) قصرٌ إضافي بالنسبة لليهودية والنصرانية، حيث كان العرب يزعمون أنهم على ملّلا إبراهيم لكنهم مشركون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ ﴾ وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى اجْتَمَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَتَنازَعُوا في أمْرِهِ فَقالَتِ اليَهُودُ: ما كانَ إلّا يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: ما كانَ إلّا نَصْرانِيًّا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَكْذِيبًا لِلْفَرِيقَيْنِ بِما بَيَّنَهُ مِن نُزُولِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن بَعْدِهِ.

» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ ﴾ يَعْنِي ما وجَدُوهُ في كُتُبِهِمْ.

﴿ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ ﴾ يَعْنِي مِن شَأْنِ إبْراهِيمَ.

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي شَأْنَ إبْراهِيمَ.

﴿ وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ فالتَمِسُوهُ مِن عِلَلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: قالت اليهود: إبراهيم على ديننا.

وقال النصارى: هو على ديننا.

فأنزل الله: ﴿ ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً...

﴾ الآية.

فأكذبهم وأدحض حجتهم.

وأخرج عن الربيع.

مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: قال كعب وأصحابه ونفر من النصارى: إن إبراهيم منا، وموسى منا، والأنبياء منا.

فقال الله: ﴿ ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن سالم بن عبدالله لا أراه إلا يحدثه عن أبيه: أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالماً من اليهود فسأله عن دينه وقال: إني لعلّي أن أدين دينكم فأخبرني عن دينكم؟

فقال له اليهودي: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً، فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟

قال: ما أعلمه الا أن تكون حنيفاً.

قال: وما الحنيف؟

قال: دين إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، وكان لا يعبد إلا الله.

فخرج من عنده فلقي عالماً من النصارى فسأله عن دينه؟

فقال: إنّي لعلّي أن أدين دينكم فأخبرني عن دينكم؟

قال: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله قال: لا أحتمل من لعنة الله شيئاً، ولا من غضب الله شيئاً أبداً فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟

فقال له نحو ما قاله اليهودي: لا أعلمه إلا أن تكون حنيفاً.

فخرج من عندهم وقد رضي بالذي أخبراه، والذي اتفقا عليه من شأن إبراهيم.

فلم يزل رافعاً يديه ألى الله وقال: اللهم إني أشهدك اني على دين إبراهيم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا ﴾ الآية.

نزَّهه وبرأه من الدِّينَينِ، ووصفه بدين الإسلام.

واليهودية والنصرانية صفتا ذَمِّ، ما تعبَّد (١) (٢) (٣) ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ  ﴾ .

فاليهودية (٤) فإن قيل: الله تعالى أخبر (٥) (٦) (٧)  (٨)  كانوا مسلمين في الابتداء قبل استكمال الشريعة (٩) (١) في (ج): (لم يتعبد).

(٢) (لم يكن يهوديا): ساقطة من (ب).

(٣) ما بين المعقوفين: مطموس في (أ)، ومثبت من بقية النسخ.

(٤) في (ج): (واليهودية).

(٥) في (ب): (أخبر الله تعالى).

(٦) في (ج): (عن).

(٧) في (ج): (أنه كان).

(٨) يعني المؤلف بقوله هذا: أن إبراهيم  كان مسلما، وإن لم توافق فروع شريعته جميع فروع شريعتنا، حيث لا يمكن ذلك بوجه أصلا، فَمِنْ فروع شريعتنا: وجوب تلاوة القرآن في صلاتنا، ولم يكن ذلك من فروع شريعته؛ لأن معروف بديهة أن القرآن نزل على النبي محمد  ، ولم ينزل على نبي غيره.

(٩) انظر بيان ذلك في "روح المعاني" 3/ 196.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ ياأهل الكتاب ﴾ خطاب لنصارى نجران، وقيل: اليهود ﴿ سَوَآءٍ ﴾ أي عدل ونصف ﴿ أَلاَّ نَعْبُدَ ﴾ بدل من كلمة أو رفع على تقدير هي، ودعاهم صلى الله عليه وسلم إلى توحيد الله وترك ما عبدوه من دونه كالمسيح والأحبار والرهبان ﴿ لِمَ تُحَآجُّونَ في إبراهيم ﴾ قالت اليهود: كان إبراهيم يهودياً وقال النصارى: كان نصرانياً، فنزلت الآية ردّاً عليهم لأن ملة اليهود والنصارى إنما وقعت بعد موت إبراهيم بمدة طويلة ﴿ هاأنتم ﴾ ها تنبيه، وقيل: بدل من همزة الاستفهام، وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره وحاججتم استئناف؛ أو هؤلاء منصوب على التخصيص وحاججتم الخبر ﴿ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ ﴾ فيما نطقت به التوراة والإنجيل ﴿ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ ما تقدم على ذلك من حال إبراهيم ﴿ مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً ﴾ ردّ على اليهود والنصارى ﴿ وَمَا كَانَ مِنَ المشركين ﴾ نفي للإشراك الذي هو عبادة الأوثان، ودخل في ذلك الإشراك الذي يتضمن دين اليهود والنصارى ﴿ وهذا النبي ﴾ عطف على الذين اتبعوه: أي محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ أَوْلَى الناس بإبراهيم ﴾ لأنه على دينه ﴿ والذين آمَنُواْ ﴾ أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ها أنتم ﴾ بالمد وغير الهمزة حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

وروى ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ ها أنتم ﴾ على وزن "هعنتم" الباقون بالمد والهمز.

الوقوف: ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ القصص الحق ﴾ ج ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط لتناهي جملة وافية إلى ابتداء شرط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ ليس لكم به علم ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ مسلماً ﴾ ط ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ والذين آمنوا ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ لو يضلونكم ﴾ ط ﴿ يشعرون ﴾ ه ﴿ تشهدون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه.

التفسير: "روي أنه  لما أورد الدلائل على نصارى نجران، ثم إنهم أصروا على جهلهم قال  : إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم.

فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك.

فلما رجعوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - يا عبد المسيح ما ترى؟

قال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الفصل من أمر صاحبكم.

والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لكان الاستئصال، فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا / الرجل وانصرفوا إلى بلادكم.

فأتوا رسول الله  وقد خرج وعليه  مرط من شعر أسود.

وكان  قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه  وعلي  خلفها وهو يقول: إذا دعوت فأمنوا.

فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إنى لأرى وجوهاً لو دعت الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.

ثم قالوا: يا أبا القاسم، رأينا أن لا نباهلك وأن نقرك على دينك.

فقال  : فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين فأبوا.

فقال  : فإني أناجزكم أي أحاربكم.

فقالوا: ما لنا بحرب العرب المسلمين طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا على ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة، ألفاً في صفر وألفاً في رجب وثلاثين درعاً عادية من حديد فصالحهم على ذلك.

قال  : والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حاول الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا" .

وروي عن عائشة أنه  لما خرج في المرط الأسود جاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة ثم علي  ثم قال  ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً  ﴾ وهذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث.

﴿ فمن حاجك ﴾ من النصارى ﴿ فيه ﴾ في عيسى وقيل في الحق ﴿ من بعد ما جاءك من العلم ﴾ من البينات الموجبة للعلم بأن عيسى عبد الله ورسوله وذلك بطريق الوحي والتنزيل ﴿ فقل تعالوا ﴾ هلموا والمراد المجيء بالرأي والعزم كما تقول: تعال نفكر في هذه المسألة.

وهو في الأصل "تفاعلوا" من العلو.

وذلك أن بيوتهم كانت على أعالي الجبل، فكانوا ينادون تعال يا فلان أي ارتفع، إلا أنه كثر حتى استعمل في كل مجيء فصار بمنزلة "هلم".

﴿ ندع أبناءنا وأبناءكم ﴾ أي يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ويأتي هو بنفسه وبمن هو كنفسه إلى المباهلة.

وإنما يعلم إتيانه بنفسه من قرينة ذكر النفس ومن إحضار من هم أعز من النفس، ويعلم إتيان من هو بمنزلة النفس من قرينة أن الإنسان لا يدعو نفسه.

﴿ ثم نبتهل ﴾ ثم نتباهل وقد يجيء "افتعل" بمعنى "تفاعل" نحو: اختصم بمعنى تخاصم.

والتباهل أن يقول كل واحد منهما: بهلة الله على الكاذب منا أي لعنته.

ويقال: بهله الله أي لعنه وأبعده من رحمته ومنه قولهم: "أبهله" إذا أهمله.

وناقة بأهل لا صرار عليها بل هي مرسلة مخلاة.

فكل من شاء حلبها وأخذ لبنها لا قوة بها على الدفع عن نفسها.

فكأن المباهل يقول: إن كان كذا فوكلني الله إلى نفسي وفوّضني إلى حولي وقوتي وخلاني من كلائه وحفظه.

هذا / أصل الابتهال، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعاناً وهو المراد في الآية لئلا يلزم التكرار أي ثم نجتهد في الدعاء فنجعل اللعنة على الكاذب بأن نسأل الله أن يلعنه.

وفي الآية دلالة على أن الحسن والحسين وهما ابنا البنت يصح أن يقال إنهما ابنا رسول الله  وعد أن يدعو أبناءه ثم جاء بهما.

وقد تمسك الشيعة قديماً وحديثاً بها في أن علياً أفضل من سائر الصحابة لأنها دلت على أن نفس علي مثل نفس محمد إلا فيما خصه الدليل.

وكان في الري رجل يقال له محمود بن الحسن الحمصي، وكان متكلم الاثني عشرية يزعم أن علياً أفضل من سائر الأنبياء سوى محمد.

قال: وذلك أنه ليس المراد بقوله: ﴿ وأنفسنا ﴾ نفس محمد لأن الإنسان لا يدعو نفسه فالمراد غيره.

وأجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب فإذاً نفس علي هي نفس محمد.

لكن الإجماع دل على أن محمداً أفضل من سائر الأنبياء، فكذا علي  قال: ويؤكده ما يرويه المخالف والموافق أنه  قال: " من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحاً في طاعته، وإبراهيم في خلته، وموسى في قربته، وعيسى في صفوته فلينظر إلى علي بن أبي طالب  " فدل الحديث على أنه اجتمع فيه  ما كان متفرقا فيهم، وأجيب بأنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمداً أفضل من سائر الأنبياء فكذا انعقد الإجماع بينهم قبل ظهور هذا الإنسان على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي، وأجمعوا على أن علياً  ما كان نبياً، فعلم أن ظاهر الآية كما أنه مخصوص في حق محمد  فكذا في حق سائر الأنبياء، وأما فضل أصحاب الكساء فلا شك في دلالة الآية على ذلك، ولهذا ضمهم إلى نفسه بل قدمهم في الذكر.

وفيها أيضاً دلالة على صحة نبوة محمد  فإنه لو لم يكن واثقاً بصدقه لم يتجرأ على تعريض أعزته وخويصته وأفلاذ كبده في معرض الابتهال ومظنة الاستئصال، ولولا أن القوم عرفوا من التوراة والإنجيل ما يدل على نبوته  لما أحجموا عن مباهلته، وأما قول المشركين ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء  ﴾ فليس من قبيل المباهلة، فإن النبي  لم يعرض نفسه لذلك ولم يكن ذلك القول في معرض الاحتجاج والادعاء ولا بإذن من الله  لرسوله.

﴿ إن هذا ﴾ الذي تلي عليك من نبأ عيسى ﴿ لهو القصص الحق وما من إله إلا الله ﴾ وهو في إفادة معنى الاستغراق لزيادة "من" بمنزلة لا إله إلا الله مبنياً على الفتح، وفيه رد على النصارى في تثليثهم ﴿ وإن الله لهو العزيز الحكيم ﴾ فيه جواب عن شبهة النصارى أن عيسى يقدر على الإحياء ويخبر عن الغيوب، فإن هذا القدر من القدرة والعلم لا يكفي في الإلهية، بل يجب أن يكون الإله غالباً لا يدفع ولا يمنع وهم يقولون إنه قد قتل ولم يقدر على الدفع.

ويلزم أن يكون عالماً / بكل المعلومات وبعواقب الأمور وعيسى لم يكن كذلك ﴿ فإن تولوا ﴾ عما وصفت من التوحيد وأن إله الخلق يجب أن يكون قادراً على المقدورات عالماً بجميع المعلومات، فاعلم أن إعراضهم ليس إلا على سبيل العناد، فاقطع كلامك معهم وفوِّض أمرهم إلى الله فإنه عليم بحال المفسدين في الدين، وبنياتهم وأغراضهم الفاسدة فيجازيهم بأعمالهم الخبيثة.

ثم إنه  لما أورد على نصارى نجران من الدلائل ما انقطعوا معه، ثم دعاهم إلى المباهلة فانخذلوا ورضوا بالصغار وقبلوا الجزية، أمره الله  بنمط آخر من الكلام مبني على الإنصاف يشهد به كل طبع مستقيم وعقل سليم فقال: ﴿ قل يا أهل الكتاب ﴾ يعني نصارى نجران، لأن الآية من تمام قصتهم، ولأنه كلام منصف فخوطب بما يطيب به قلوبهم كما لو قيل لحامل القرآن: يا حافظ كتاب الله.

وقيل: المراد يهود المدينة، وقيل اليهود والنصارى جميعاً لأن ظاهر اللفظ يتناولهما، ولما روي أن اليهود قالوا للنبي  : ما تريد إلا أن نتخذك رباً كما اتخذت النصارى عيسى، وقالت النصارى: يا محمد ما نريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير.

فأنزل الله  هذه الآية.

والمراد من قوله: ﴿ تعالوا ﴾ تعيين ما دعوا إليه والتوجه إلى النظر فيه وإن لم يكن انتقالاً من مكان إلى مكان.

والمعنى هلموا إلى كلمة سواء فيها إنصاف من بعضنا لبعض، لا ميل فيه لأحد على صاحبه.

والسواء هو العدل والإنصاف لأن حقيقة الإنصاف إعطاء النصف وفيه التسوية بين نفسه وبين صاحبه.

أو المراد إلى كلمة سواء مستوية بيننا وبينكم لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل.

وتفسير الكلمة بقوله: ﴿ أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ﴾ فمحل ﴿ أن لا نعبد ﴾ خفض على البدل من ﴿ كلمة ﴾ أو رفع على الخبر أي هي أن لا نعبد.

وهو خبر في معنى الأمر أي اعبدوا.

وإنما ذكر أموراً ثلاثة لأن النصارى جمعوا بين الثلاثة.

فعبدوا غير الله وهو المسيح، وأشركوا به غيره لأنهم أثبتوا أقانيم ثلاثة أباً وابناً وروح القدس، ثم قالوا: إن أقنوم الكلمة تدرعت بناسوت المسيح وأقنوم روح القدس تدرعت بناسوت مريم، ولولا كون هذين الأقنومين ذاتين مستقلتين لما جاز عليهما مفارقة ذات الأب والتدرع بناسوت عيسى ومريم.

وحيث أثبتوا ثلاثة ذوات مستقلة فقد أشركوا.

ثم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً لأنهم أطاعوهم في التحليل والتحريم من تلقاء أنفسهم من غير شريعة وبيان، ولأنهم يسجدون لهم ويطيعونهم في المعاصي وهوى النفس ورؤية الأمور من الوسائط ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه  ﴾ ولأن من مذهبهم أن الكامل في الرياضة يظهر فيه أثر اللاهوت ويحل فيه فيقدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص.

فهم وإن لم يطلقوا عليهم اسم الرب إلا أنهم أثبتوا / في حقهم معنى الربوبية، فثبت أن النصارى جمعوا بين الأمور الثلاثة، وبطلانها كالأمر المتفق عليه بين العقلاء.

فإن قيل: المسيح ما كان المعبود إلا الله فوجب أن يبقى الأمر بعد ظهور المسيح عليه، والقول بالاشتراك أيضاً ضائع.

وإذا لم يكن الحكم إلا لله وجب أن لا يرجع في التحليل والتحريم والانقياد والائتمار إلا إليه.

"عن عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله.

قال  : أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟

قال: نعم.

قال  : هو ذاك" .

وعن الفضيل: لا أبالي أطعت مخلوقاً في معصية الخالق أو صليت لغير القبلة.

﴿ فإن تولوا ﴾ عن التوحيد ﴿ فقولوا ﴾ أيها المسلمون لأهل الكتاب ﴿ اشهدوا بأنا مسلمون ﴾ دونكم كما يقول الغالب لمغلوبه في جدال أو صراع: لزمتك الحجة فاعترف بأني أنا الغالب.

أو يكون من باب التعريض ومعناه فاعترفوا بأنكم كافرون حيث أعرضتم عن الحق بعد ما تبين.

ثم إن اليهود كانوا يقولون: إن إبراهيم على ديننا وكذا النصارى، فأبطل الله  ذلك بأن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده.

فبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يعقل أن يكون يهودياً أو نصرانياً؟

لا يقال هذا أيضاً لازم عليكم لأنكم تدعون أن إبراهيم كان على دين الإسلام، والإسلام إنما أنزل بعده بزمان أطول مما بينه وبين إنزال التوراة والإنجيل.

لأنا نقول: القرآن أخبر بأن إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً وإنما كان حنيفاً مسلماً، وليس في الكتابين أنه كان يهودياً أو نصرانياً فظهر الفرق.

وأيضاً المسيح ما كان موجوداً في زمان إبراهيم حتى يعبد، وعبادة المسيح هي النصرانية عندكم.

وأيضاً لا نسخ في دين اليهود والنسخ جائز في ملة إبراهيم ﴿ ها أنتم هؤلاء ﴾ "ها" حرف التنبيه و ﴿ أنتم ﴾ مبتدأ و ﴿ هؤلاء ﴾ خبره و ﴿ حاججتم ﴾ جملة مستأنفة مبينة للأولى يعني أنتم هؤلاء الحمقى، وبيان حماقتكم أنكم حاججتم فيما لكم به علم مما نطق به التوراة والإنجيل من نعت محمد  .

أو ليس المراد وصفهم بالعلم حقيقة وإنما أراد: هب أنكم تحاجون فيما تدعون علمه، فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به ألبتة ولا ذكر له في كتابكم؟

وعن الأخفش: ﴿ ها أنتم ﴾ أصله أأنتم على الاستفهام.

فقلبت الهزة هاء، ومعنى الاستفهام التعجب من جهالتهم.

ثم حقق ذلك بقوله: ﴿ والله يعلم ﴾ كيف كان حال هذه الشرائع في الموافقة والمخالفة ﴿ وأنتم لا تعلمون ﴾ ثم بين ذلك مفصلاً فقال: ﴿ ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين ﴾ كما لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، أو عرض بالمشركين عن اليهود والنصارى لإشراكهم بالله عزيراً والمسيح.

فإن قيل: قولكم "إبراهيم على دين الإسلام" إن أردتم به الموافقة في الأصول فليس هذا مختصاً بدين الإسلام، وإن أردتم به الموافقة في الفروع لزم أن لا يكون محمد صاحب شريعة بل كان / مقرراً لشرع من قبله.

قلنا: نختار الأول والاختصاص ثابت.

فإن اليهود والنصارى مخالفون للأصول في زماننا لقولهم بالتثليث وإشراك عزير والمسيح بالله إلى غير ذلك من قبائح أفعالهم، أو الثاني ولا يلزم ما ذكرتم لجواز أنه  نسخ تلك الفروع بشرع موسى، ثم في زمان محمد نسخ شرع موسى بتلك الشريعة التي كانت ثابتة في زمان إبراهيم، فيكون محمد صاحب الشريعة مع موافقة شرعه شرع إبراهيم في معظم الفروع.

روى الواحدي "عن أصحاب رسول الله  قالوا: لما هاجر جعفر بن أبي طالب وأصحابه إلى الحبشة واستقرت بهم الدار وهاجر رسول الله  إلى المدينة وكان من أمر بدر ما كان، اجتمعت قريش من دار الندوة وقالوا: إن لنا في الذين عند النجاشي من أصحاب محمد  ثأراً بمن قتل منكم ببدر.

فأجمعوا مالاً وأهدوه إلى النجاشي لعله يدفع إليكم من عنده من قومكم، ولينتدب لذلك رجلان من ذوي آرائكم.

فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط مع هدايا الأدم وغيره، فركبا البحر وأتيا الحبشة.

فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما عليه وقالا له: إن قومنا لك ناصحون شاكرون وإصلاحك محبون، وإنهم بعثونا إليك لنحذرك هؤلاء القوم الذين قدروا عليك لأنهم قوم رجل كذاب خرج فينا يزعم أنه رسول الله ولم يتابعه أحد منا إلا السفهاء.

وإنا كنا ضيقنا عليهم الأمر وألجأناهم إلى شعب بأرضنا لا يدخل أحد منا عليهم ولا يخرج منهم أحد، قد قتلهم الجوع والعطش.

فلما اشتد عليهم الأمر بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك، وقد جئتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكهم.

قالوا: وآية ذلك أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي يحييك بها الناس رغبة عن دينك وسنتك.

قال: فدعاهم النجاشي.

فلما حضروا صاح جعفر بالباب يستأذن عليك حزب الله.

فقال النجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه ففعل جعفر.

فقال النجاشي: نعم فليدخلوا بأمان الله وذمته.

فنظر عمرو بن العاص إلى صاحبه فقال: ألا تسمع كيف يرطنون بحزب الله وما أجابهم به النجاشي فساءهما ذلك.

ثم دخلوا عليه ولم يسجدوا له فقال عمرو بن العاص: ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك؟

فقال لهم النجاشي: ما يمنعكم أن تسجدوا لي وتحيوني بالتحية التي يحيي بها من أتاني من الآفاق؟

قالوا: نسجد لله الذي خلقك وملكك، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان، فبعث الله فينا نبياً صادقاً وأمرنا بالتحية التي رضيها الله لنا وهي السلام تحية أهل الجنة.

فعرف النجاشي أن ذلك حق وأنه في التوراة والإنجيل.

قال: أيكم الهاتف يستأذن عليك حزب الله؟

قال جعفر: أنا.

قال: فتكلم.

قال: إنك ملك من ملوك أهل الأرض ومنأهل الكتاب، ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم، وأنا أحب أن أجيب عن أصحابي.

/ فمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما ولينصت الآخر فتسمع محاورتنا.

فقال عمرو لجعفر: تكلم.

فقال جعفر للنجاشي: سل هذا الرجل أعبيد نحن أم أحرار؟

فإن كنا عبيداً أبقنا من أربابنا فأرددنا إليهم.

فقال النجاشي: أعبيد هم أم أحرار؟

فقال: بل أحرار كرام.

فقال النجاشي: نجوا من العبودية.

قال جعفر: سلهما هل أهرقنا دماً بغير حق فيقتص منا؟

فقال عمرو: لا ولا قطرة.

قال جعفر: سلهما هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤها؟

قال النجاشي: يا عمرو إن كان قنطاراً فعليّ قضاؤه.

فقال عمرو: لا ولا قيراط.

قال النجاشي: فما تطلبون منهم؟

قال عمرو: كنا وهم على دين واحد وأمر واحد على دين آبائنا، فتركوا ذلك الدين واتبعوا غيره ولزمناه نحن، فبعثنا إليك قومهم لتدفعهم إلينا.

فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الذي اتبعوه أصدقني.

قال جعفر: أما الدين الذي كنا عليه فتركناه فهو دين الشيطان وأمره.

كنا نكفر بالله عزّ وجلّ ونعبد الحجارة.

وأما الدين الذي تحولنا إليه فدين الإسلام، جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقاً له.

فقال النجاشي: يا جعفر تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك.

ثم أمر النجاشي فضرب الناقوس فاجتمع إليه كل قسيس وراهب.

فلما اجمعوا عنده قال النجاشي: أنشدكم بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبياً مرسلاً؟

فقالوا: اللهم نعم، قد بشرنا به عيسى وقال: من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي.

فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل وما يأمركم به وما ينهاكم عنه؟

قال: يقرأ علينا كتاب الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بحسن الجوار وصلة الرحم وبر اليتيم، ويأمرنا أن نعبد الله وحده لا شريك له.

فقال: اقرأ علي شيئاً مما يقرأ عليكم.

فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم ففاضت أعين النجاشي وأصحابه من الدموع وقالوا: يا جعفر زدنا من هذا الحديث الطيب.

فقرأ عليهم سورة الكهف.

فأراد عمرو أن يغضب النجاشي فقال: إنهم يشتمون عيسى وأمه.

فقال النجاشي: ما تقولون في عيسى وأمه؟

فقرأ عليهم جعفر سورة مريم.

فلما أتى ذكر مريم وعيسى رفع النجاشي نفثة من سواكه قدر ما يقذى العين وقال: والله ما زاد المسيح على ما يقولون هذا.

ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال: اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي يقول آمنون من سبكم أو أذاكم.

قال: أبشروا ولا تخافوا فلا دهورة أي لا خوف اليوم على حزب إبراهيم.

قال عمرو: يا نجاشي ومن حزب إبراهيم؟

قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاؤا من عنده ومن اتبعهم.

فأنكر ذلك المشركون وادعوا أنهم في دين إبراهيم.

ثم رد النجاشي على عمرو وأصحابه المال الذي حملوه وقال: إنما هديتكم إليّ رشوة فاقبضوها فإن الله ملكني ولم يأخذ مني رشوة.

قال جعفر: وانصرفنا فكنا في خير دار وأكرم جوار، وأنزل الله عزّ وجلّ ذلك اليوم في خصومتهم في إبراهيم على رسول الله  هو بالمدينة قوله: ﴿ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ﴾ " على ملته وسنته في زمانه ﴿ وهذا النبي ﴾ يعني محمداً  ﴿ والذين آمنوا ﴾ في آخر الزمان ﴿ والله ولي المؤمنين ﴾ بالنصرة والتأييد والتوفيق والتسديد.

ومعنى ﴿ أولى الناس ﴾ أخصهم به وأقربهم منه من الولي القرب.

وقرىء ﴿ وهذا النبي ﴾ بالنصب عطفاً على الهاء في ﴿ اتبعوه ﴾ وبالجر عطفاً على ﴿ إبراهيم ﴾ عن رسول الله  : " إن لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليل ربي إبراهيم ثم قرأ إن أولى الناس الآية " ثم بين أنهم لا يقتصرون على هذا القدر بل يجتهدون في إضلال المؤمنين بإلقاء الشبهات وإبداء المكايد كما أرادوا بحذيفة وعمار ومعاذ بن جبل وقد ذكرناه في سورة البقرة.

﴿ وما يضلون إلا أنفسهم ﴾ لأن وبال الإضلال يعود عليهم فيضاعف لهم العذاب بالضلال والإضلال، أو وما يقدرون على إضلال المؤمنين وإنما يضلون أمثالهم من أشياعهم ﴿ وما يشعرون ﴾ أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين.

ثم وبخهم على قبائح أفعالهم بطريق الاستفهام فقال: ﴿ لم تكفرون بآيات الله ﴾ قيل: أي بالتوراة والإنجيل لما فيهما من البشارة بنبوة محمد  ، أو أن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً، أو أن الدين عند الله الإسلام، ومعنى الكفر بالتوراة والإنجيل إما الكفر بما يدلان عليه فيكون قد أطلق اسم الدليل على المدلول، أو الكفر بنفس التوراة والإنجيل لأنهم كانوا يحرّفونهما وينكرون وجود تلك الآيات الدالة على نبوة محمد  .

ومعنى ﴿ وأنتم تشهدون ﴾ أنهم عند حضور المسلمين وعند حضور عوامهم كانوا ينكرون اشتمال التوراة والإنجيل على نعت محمد  ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض شهدوا بصحتها، وعلى هذا فيكون في الآية إخبار عن الغيب فيكون معجزاً.

وقيل: آيات الله في القرآن وشهادتهم أنهم يعرفون في قلوبهم أنه حق.

وقيل: آيات الله جملة المعجزات التي ظهرت على يد النبي  .

فمعنى تشهدون أنكم تعترفون بدلالة المعجزة على صدق المدعي.

ثم لما وبخهم على الغواية أردفه التوبيخ بالإغواء.

وهو إما بإلقاء الشبهات في الدين وهو معنى لبسهم الحق بالباطل، وإما بإخفاء الدلائل وهو كتمانهم الحق.

عن الحسن وابن زيد: حرفوا التوراة فخلطوا المنزل بالمحرف.

وعن ابن عباس: أظهروا الإسلام في أول النهار ثم رجعوا عنه في آخره تشكيكاً للناس.

قيل: إن في الكتابين ما يدل على نبوة محمد  والبشارة به وفيهما ما يوهم خلاف ذلك فيكون كالمحكم والمتشابه في القرآن.

فلبسوا على الضعفاء أحد الأمرين بالآخر كما يفعل كثير من المشبهة.

وهذا قول القاضي.

وقيل: كانوا يقولون: إن محمداً  معترف بأن شرع موسى حق، ثم إن التوراة دلت على أنه لا ينسخ، / وكل ذلك إلقاء الشبهات.

وأما كتمان الحق فهو أن الآيات الدالة في التوراة على نبوة محمد  كان الاستدلال بها مفتقراً إلى التدبر والتأمل، والقوم كانوا يجتهدون في إخفاء تلك الألفاظ التي بمجموعها يتم الاستدلال كما يفعل المبتدعة في زماننا ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ أنكم إنما تفعلون ذلك عناداً وحسداً، أو تعلمون أنكم من أهل المعرفة، أو تعلمون حقيتها، أو أن عقاب من يفعل هذه الأفعال عظيم والله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .

قيل: وذلك أن اليهود قالوا: إن إبراهيم كان على ديننا اليهودية، والنصارى ادعت أنه كان على دينهم ومذهبهم، ليس على دين الإسلام؛ فنزل قوله: ﴿ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .

يعني: في دين إبراهيم.

﴿ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ ﴾ يعني: من بعد إبراهيم، وهو يحتمل وجهين: يحتمل: أن التوراة والإنجيل إنما نزلا من بعده، وأنتم لم تشهدوه - يعنى: إبراهيم - حتى تعلموا أنه كان على دينكم، لم تقولون بالجهل أنه كان على دينكم؟!.

ويحتمل: ﴿ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ ﴾ ، أي: أن التوراة والإنجيل ما نزلا إلا من بعد موته، وكان فيهما أنه كان حنيفاً مسلماً.

﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .

أنه كان حنيفاً مسلماً؟!

ثم أكذبهم الله - عز وجل - فقال: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

قال الشيخ - رحمه الله -: وفي هذه الآية دلالة أنهم علموا أنه كان مسلماً، لكن أدعوا ما ادعوا متعنتين؛ حيث لم يقابلوا بكتابهم بالذي ادعوا من نعته، وبخلاف ما ادعى عليهم رسول الله  نعته.

وفيه دلالة الرسالة؛ إذ في دعواهم أنّ رسول الله  لم يعرف نعته بهم، لما ادعوا هم غير الذي ادّعى؛ فثبت أنه عرف بالله، وذلك علم الغيب، والله الموفق.

وقوله: ﴿ هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ : وهو ما ذكرنا، وفيه دلالة جواز المحاجة في الدين على العلم به، وإنما نهي هؤلاء عن المحاجة فيما لا علم لهم؛ ألا ترى أن الرسل - عليهم السلام - حاجوا قومهم: جاج إبراهيم قومه في الله، وذلك قوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ ، وموسى -  - حاج قومه، وما من نبي إلا وقد حاج قومه في الدين؛ فذلك يبطل قول من يأبى المحاجة في الدين.

قال الشيخ - رحمه الله -: وأيد الحقَّ أنه كذلك - عجزُ البشر عن إيراد مثله، وعجزهم من المقابلة بما ادعوا أنهم عرفوه بالله.

وقوله: ﴿ إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

وهكذا يكون في العقل أن من اتبع آخر وأطاعه؛ فهو أولى به، وإنما الحاجة إلى السمع بمعرفة المتبع له والمطيع أنه ذا أو ذا؛ فأخبر - عز وجل - أن الذين آمنوا والنبي  هم المتبعون له؛ فهو أولى به.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

اختلف فيه؛ قيل: الوليّ: الحافظ.

وقيل: الولي: الناصر.

وقيل: هو أولى بالمؤمنين، وقد ذكرنا هذا فيما تقدّم.

وقد يكون وليهم: بما دفع عنهم سفه أعدائهم في إبراهيم، وأظهر الحق في قولهم.

قال الشيخ - رحمه الله -: في قوله -  -: ﴿ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...

﴾ الآية، وفي قوله: ﴿ لِمَ تُحَآجُّونَ...

﴾ ، وفي قوله: ﴿ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ...

﴾ الآية ونوعِ ذلك من الآيات التي خصّ بالخطاب بها أهل الكتاب - وجوهٌ من المعتبر.

أحدها: أن الذين خوطبوا بهذا الاسم [كانوا] معروفين، وأنه لم يخطر ببال مسلم أنه قصد به غير أهل التوراة والإنجيل، ولا ذكرت تلاوتها في حق المحاجة على غيرهم، ثبت أن المجوس ليسوا بأهل الكتاب، وأن المراد من ذكر أهل الكتاب غيرهم، وأن أخذ الجزية من المجوس ليس ممّا تضمنهم قوله: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ  ﴾ ؛ لكن بدليل آخر، وهو ما روي عن نبي الله  أنه قال: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَاب، غَيْرَ نَاكِحِي نِسائِهِمْ، وَلا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ" ؛ وعلى ذلك أيّد قوله: ﴿ أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا  ﴾ ؛ ليعلم أن الكتاب المعروف وأهله: هؤلاء، إن كانت ثَمَّ كتب وصحف، والله أعلم.

والثاني: أنّ الله خص أهل الكتاب بأنواع الحجج، وجعل المحاجة بينهم وبين رسول الله  ؛ ليوضح أنه - وإن كان مرسلاً إلى جميع البشر - كان له التخصيص في المحاجة؛ وعلى ذلك عامة "سورة الأنعام" في محاجة أهل الشرك، على أن أهل المدينة كانوا أهل كتاب وأهل مكة كانوا أهل شرك، فحاجَّ كلاًّ بالذي هو أحق أن يكلم فيه، وإن كانت الحجة تلزم الفريقين؛ لأن محاجة أهل الشرك أكثرها في التوحيد وأمرِ البعث، وعلى وجوده [فيه]: في أهل الكتاب بعض المشاركة لهم، ومحاجة أهل الكتاب بما في كتبهم، وفيه وجهان: أحدهما: العلم بما قد غاب عنه السبب الذي يوصل إليه بالكسب؛ ليعلم أنه وصل إليه بالوحي؛ فيكون من ذلك الوجه حجة على الفريقين.

والثاني: ظهور سفه أهل الكتاب بوجه يُسْقِطُ عند التأمّل الرِّيبةَ والمحلَّ الذي كان يمنعهم ذلك عن اتباعه، وذلك فيما مدح كتبهم، وشهد لها بالصدق والحق، وإظهار الإيمان وبرسلهم؛ ليعلم أنه ليس بين الرسل والكتب اختلافٌ في الدعاء إلى عبادة الله وتوحيده، وأنً أولئك إنما كذبوا؛ لتسلم لهم الرياسة، ثم - مع ذلك - ظاهروا أهل الشرك المكذبين لكتبهم ورسلهم؛ ليعلم كلُّ ذي عقل شبههم وتمردهم في الباطل؛ إذ ظاهروا أعداءهم في الدين على مَنْ الذي أظهروا موالاته في الدّين ولي له؛ فيكون في ذلك أبلغ الزجر لمتعنتيهم، وأعظم الحجة عليهم فيما آثروا من السفه وتركوا الحق، والله أعلم.

وفي ذلك وجه آخر: أن أهل الشرك قد عرفوا حاجاتهم إلى أهل الكتاب في أمور الدّين، وما عليه أمر السياسة؛ فيصير ما يلزم أولئك من الحجة لازمةً لهم في محاجته بالذي في كتبهم - لزومَ الحجة، مع ما عليهم في ذلك بما [قد] ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ  ﴾ الآية، أبلغ الحجة في محاجة أهل الكتاب؛ إذ تمنوا أن يكون منهم نذير فكان، وقد بلغ المبلغ الذي له ظهر بما خصّوا من الحجج، وشاركوا أولئك في جميع ما به كان افتخارهم عليهم ودعوى الفضل، والله أعلم، مع ما لم يكن له اللسان الذي به ظهر كتبهم، أخبر هو جميع ما في كتبهم بغير لسانهم؛ ليعلموا أنه أدرك ذلك ممن له حقيقة كتبهم، والله أعلم.

وفي ذلك وجه آخر: أنه حاجّهم بوجيهن: أحدهما: بالموجود في كتابهم، والمعروفِ عند أئمتهم من العلم بالكلمة التي دعاهم إليها من التوحيد وعبادة من له الخلق والأمر، وإخبارِ ما في كتبهم من أنواع البشارات به، ومن موافقة الكتب، وعل ذلك أمر إبراهيم -  - وغيرهم؛ ليكون أعظم في الحجة، وأقطع للشغب، والله أعلم.

والثاني: بما قد حرفوا من كتبهم، وبدلوا من أحكامهم، وحرفوا من صفته ونعته ونعت أُمَّته؛ ليعلم كلُّ متأمل أنه لا وجه لتعلم ذلك بهم؛ إذ لا يحتمل أن يكون منهم هتك أستارهم، والاطلاع على أسرارهم بما لا يتهيأ لهم دفع ذلك، ولا المقابلة في ذلك؛ ليعلم كل الخلائق: من انقاد لهم أو لا، أن ذلك لا يدركه إلا بمن له العلم بكل سرّ ونجوى، ولا قوة إلا بالله.

مع ما في ذلك وجهان من المعتبر: أحدهما: أن ذلك الزمان لم يكن زمان حِجاجٍ ونظرٍ في أمر الدين؛ إنما كان ذلك الزمانُ زمانَ تقليدٍ في أمر الدين، وتناهٍ في أمر الدنيا، وتفاخرٍ بكثرة الأموال والمواشي؛ فبعث الله -  - رسولاً نشأ [من] بين أظهرهم، دعاهم إلى ترك التقليد في الدين، واتباع الحجج التي لا يبلغها أهل الحجاج بعقولهم دون أن يكون لهم المعونة من علم الوحي، وما فيه من حكمة الربوبية؛ فيكف والقوم أصحاب التقليد؟!

إمّا ثقة بأئِمتهم الذين ادعوا علم الكتب المنزلة، وإما ثقة وإيماناً بآبائهم فيما نشئوا عليه: أن الحق لا يشذ عنهم، على ما في ذلك من الاختلاف الذي يمنعهم الأمرين جميعاً، لكنهم إذا لم يكونوا أهل نظر في الدّين ومحاجةٍ فيه، لم يعرفوا أن ذلك يمنعهم التقليد؛ فأظهر لهم الحجج، وأنبأهم بالمودع من حجاج أنبيائهم في كتبهم، وألزمهم أن آبائهم من يلزم التقليد، كانوا أحق بذلك بما كان عندهم أن آباءهم كانوا على دينهم بما بيَّن من تغييرهم وتبديلهم، وتركِ الواجب عليهم من حق الاتباع، والله أعلم.

والثاني: أن أظهر فيهم الاختلاف في أئمتهم، على ادعاء كل منهم أن ذلك هو الذي كان عليه الأنبياء والرسل في أهل الكتاب؛ وحاجات غيرهم بما ليس عندهم إلا آراء ليس عندهم فضل على القول، ثم كان معلوماً عند الاختلاف والتفرق؛ فصارت الحاجة قد عمتهم، والعلم بهم في لزوم الأحكام إلى من يدلهم على الحجة ويعرفهم الحق الذي قد تقرر عندهم؛ فبعث الله بفضله من أظهر لهم بما أنطق به لسانه من الحجاج، وأراهم من علمه مما غيروا حِفظ ما كان عليه أوائلهم؛ فكان ذلك أظهر البيان، وأولى ما يعرف من أفضال الله عليهم بالإغاثة، والامتنان عليهم بالفرج مما قد مستهم إليه الحاجة، ودفعتهم إلى العلم به الفاقة، والله الموفق.

وفي الفصل الأول بقي حرف لم نذكره، وهو أنْ دعاهم إلى الزهد في الدنيا بعد الركون إليها، وإلى الأخوة في الدين بعد ظهور التفاخر بينهم بتكثير العشائر، وتقابل القبائل، والسخاء بجميع ما طبعوا عليه بما قدّر عندهم: ما إليه ترجع عواقب أمرهم، وقام بذلك على قهر العادة ومخالفة الطبيعة التي يعلم أن ذلك في مثل ذلك العصر آية سماوية خارجة عن وسع البشر؛ ليكون أقطع لعذرهم، وأسكن لقلوبهم إليه؛ فلله الحمد على ذلك.

وقوله: ﴿ قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ...

﴾ الآية.

قيل فيها بأوجه: أحدها: أنها العدل، وهي كلمة التوحيد، وكانت عدلاً باتفاق الألسن؛ إذ سئلوا عمن خلق السماوات والأرض في الفزع إليه بالإجابة، وشهادة الخلقة على وحدانية من له الخلق والأمر، والله أعلم.

ومن هذا الوجه أمكن أن يحاج جميع الخلق، وإن خص به أهل الكتاب، والله أعلم.

وأخرى: أن يستوي فيه أنها حق وعدل، وهي عبادة الواحد الذي لم يُختلَف في أنه معبود، وأن كل من عبد غيره فعلى أن يكون له العبادة يعبده، فيرجع إلى حقيقته دون أن يكون بيننا وبينه من يعلم أنه لا يستحق العبادة، وهذا المعنى يلزم الجمع، أيضاً.

والثالث: أن يكون إلى كلمة ظهر أنها عدل في كتابهم بما جاءت رسلهم، ونزلت بها كتبهم، ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ما كان إبراهيم -  - على الملة اليهودية، ولا على النصرانية، ولكن كان مائلًا عن الأديان الباطلة، مسلمًا لله موحدًا له تعالى، وما كان من المشركين به كما يزعم مشركو العرب أنهم على ملته.

<div class="verse-tafsir" id="91.rmJ5M"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام من أول السورة في إثبات نبوة النبي  والرد على المنكرين وقد ظهر بالدعوة إلى المباهلة انقطاع حجاج المكابرين ودل نكولهم عنها على أنهم ليسوا على يقين من اعتقادهم ألوهية المسيح، وفاقد اليقين يتزلزل عندما يدعى إلى شيء يخاف عاقبته، فلما نكلوا دعاهم إلى أمر آخر هو أصل الدين وروحه الذي اتفقت عليه دعوة الأنبياء وهو سواء بين الفريقين أي عدل ووسط لا يرجح فيه طرف على آخر، وقد فسره بقوله: ﴿ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ  ﴾ .

المعنى أننا نحن وإياكم على اعتقاد أن العالم من صنع إله واحد، والتصرف فيه لإله واحد هو خالقه ومدبره، وهو الذي يعرفنا على ألسنة أنبيائه ما يرضيه من العمل وما لا يرضيه، فتعالوا بنا نتفق على إقامة هذه الأصول المتفق عليها ورفض الشبهات التي تعرض لها حتى إذا سلمنا أن فيما جاءكم من نبأ المسيح شيئًا فيه لفظ ابن الله خرجناه جميعًا على وجه لا ينقض الأصل الثابت العام الذي اتفق عليه الأنبياء، فإن سلمنا أن المسيح قال إنه ابن الله قلنا هل فسر هذا القول بأنه إله يعبد؟

وهل دعا إلى عبادته وعبادة أمه؟

أم كان يدعو إلى عبادة الله وحده؟

لا شك أنكم متفقون معنا على أنه كان يدعو إلى عبادة الله وحده والإخلاص له بالتصريح الذي لا يقبل التأويل.

كان اليهود موحدين ولكن كان عندهم شيء هو منبع شقائهم في كل حين وهو اتباع رؤساء الدين فيما يقررونه وجعله بمنزلة الأحكام المنزلة من الله تعالى، وجرى النصارى على ذلك، وزادوا مسألة غفران الخطايا وهي مسألة تفاقم أمرها في بعض الأزمان حتى ابتلعت بها الكنائس أكثر أملاك الناس، ومن الغلو فيها ولدت مسألة "البروتستانت" إذ قاموا فقالوا هلم بنا نترك هؤلاء الأرباب من دون الله ونأخذ الدين من كتابه لا نشرك معه في ذلك قول أحد.

قال تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ  ﴾ : الآية حجة على أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ بقول أحد ما لم يسنده إلى المعصوم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل