الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٦٩ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 65 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٩ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عن حسد اليهود للمؤمنين وبغيهم إياهم الإضلال وأخبر أن وبال ذلك إنما يعود على أنفسهم وهم لا يشعرون أنهم ممكور بهم.
القول في تأويل قوله : وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ودّت "، تمنت = (61) " طائفة "، يعني جماعة =" من أهل الكتاب "، وهم أهل التوراة من اليهود، وأهل الإنجيل من النصارى =" لو يضلُّونكم "، يقولون: لو يصدّونكم أيها المؤمنون، عن الإسلام، ويردُّونكم عنه إلى ما هم عليه من الكفر، فيهلكونكم بذلك.
* * * و " الإضلال " في هذا الموضع، الإهلاكُ، (62) من قول الله عز وجل: وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سورة السجدة: 10]، يعني: إذا هلكنا، ومنه قول الأخطل في هجاء جرير: كُـنْتَ القَـذَى فِـي مَـوْجِ أَكْدَرَ مُزْبِدٍ قَــذَفَ الأتِـيُّ بِـهِ فَضَـلّ ضـلالا (63) يعنى: هلك هلاكًا، وقول نابغة بني ذبيان: فَــآبَ مُضِلُّــوهُ بِعَيْــنٍ جَلِيَّــةٍ وَغُــودِرَ بِـالجَوْلانِ حَـزْمٌ ونَـائِلُ (64) يعني مهلكوه.
* * * &; 6-501 &; =" وما يضلون إلا أنفسهم "، وما يهلكون - بما يفعلون من محاولتهم صدّكم عن دينكم - أحدًا غير أنفسهم، يعني بـ" أنفسهم ": أتباعهم وأشياعَهم على ملَّتِهم وأديانهم، وإنما أهلكوا أنفسَهم وأتباعهم بما حاولوا من ذلك لاستيجابهم من الله بفعلهم ذلك سخَطه، واستحقاقهم به غَضَبه ولعنته، لكفرهم بالله، ونقضِهم الميثاقَ الذي أخذ الله عليهم في كتابهم، في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه، والإقرار بنبوّته.
ثم أخبر جلّ ثناءه عنهم أنهم يفعلون ما يفعلون، من محاولة صدّ المؤمنين عن الهدى إلى الضلالة والردى، على جهل منهم بما اللهُ بهمُ محلٌّ من عقوبته، &; 6-502 &; ومدَّخِر لهم من أليم عذابه، فقال تعالى ذكره: " وما يشعرون " أنهم لا يضلون إلا أنفسهم، بمحاولتهم إضلالكم أيها المؤمنون.
* * * ومعنى قوله: " وما يشعرون "، وما يدرون ولا يعلمون.
* * * وقد بينا تأويل ذلك بشواهده في غير هذا الموضع، فأغنى ذلك عن إعادته.
(65) ------------------- الهوامش : (61) انظر تفسير"ود" فيما سلف 2: 470 / 5: 542.
(62) انظر تفسير"ضل" فيما سلف 1: 195 / 2: 495 ، 496.
(63) مضى تخريجه وشرحه في 2: 496.
(64) ديوانه: 83 ، واللسان (ضلل) (جلا) ، من قصيدته الغالية في رثاء أبي حجر النعمان بن الحارث بن أبي شمر الغساني ، وقبل البيت: فَـإِنْ تَـكُ قَــدْ وَدَّعْـتَ غَـيْرَ مُذَمَّمٍ أَوَاسِـيَ مُلْــكٍ ثبَّتَتْــهُ الأَوَائِــلُ فَــلاَ تَبْعَــدَنْ, إِنْ المَنَّيَـة مَوْعِـدٌ, وَكُـلُّ امْـرِئ يَوْمًـا بـه الحَالُ زَائِلُ فمَـا كَـانَ بَيْـنَ الخَيْر, لَوْ جَاءَ سَالِمًا أَبُــو حُجُــرٍ, إِلاَّ لَيَــالٍ قَلاَئِــلُ فَـإِنْ تَحْـيَ لا أَمْلَلْ حَيَاتِي, وَإنْ تَمُتْ فَمَـا فِـي حَيَـاةٍ بَعْـدَ مَـوْتِكَ طائِل فَـآبَ مُضِلُّوهُ.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ورواية الأصمعي وأبي عبيدة: "فآب مصلوه" بالصاد المهملة.
وفسرها الأصمعي فقال: "أراد: قدم أول قادم بخبر موته ، ولم يتبينوه ولم يحققوه ولم يصدقوه ، ثم جاء المصلون ، وهم الذين جاءوا بعد الخبر الأول ، وقد جاءوا على أثره ، وأخبروا بما أخبر به ، بعين جلية: أي بخبر متواتر صادق يؤكد موته ، ويصدق الخبر الأول.
وإنما أخذه من السابق والمصلي (من الخيل)" وقال أبو عبيدة: "مصلوه: يعني أصحاب الصلاة ، وهم الرهبان وأهل الدين منهم".
والذي قاله الأصمعي غريب جدًا ، وأنا أرفضه لبعده وشدة غرابته ، واحتياله الذي لا يغني ، ولو قال: "مصلوه" ، هم مشيعوه الذين سوف يتبعون آثاره عما قليل إلى الغاية التي انتهى إليها ، وهي اللحد - لكان أجود وأعرق في العربية!!
ولكن هكذا تذهب المذاهب أحيانًا بأئمة العلم.
والذي قال أبو عبيدة ، على ضعفه ، أجود مما قاله الأصمعي ، وأنا أختار الرواية التي رواها الطبري ، ولها تفسيران: أحدهما الذي قاله الطبري ، وهو يقتضي أن يكون النعمان مات مقتولا ، ولم أجد خبرًا يؤيد ذلك ، فإنه غير ممكن أن يكون تفسيره"مهلكوه" ، إلا على هذا المعنى ، والآخر: "مضلوه" أي: دافنوه الذي أضلوه في الأرض: أي دفنوه وغيبوه ، وهو المشهور في كلامهم ، كقول المخبل: أَضَلَّـتْ بَنْـو قيْسِ بـن سَـعْدٍ عَمِيدَهَا وفَارِسَـها فـي الدَّهْرِ قَيْسَ بنَ عاصِمِ فمعنى قول النابغة: كذب الناس خبر موت النعمان أول ما جاء ، فلما جاء دافنوه بخبر ما عاينوه ، صدقوا الخبر الأول.
هذا أجود ما يقال في معنى البيت.
و"الجولان" جبل في نواحي دمشق ، من عمل حوران.
وتبين من شعر النابغة أنه كانت به منازل النعمان وقصوره ودوره.
(65) انظر تفسير"شعر" فيما سلف 1: 277 ، 278.
قوله تعالى : ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون[ ص: 104 ] نزلت في معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر حين دعاهم اليهود من بني النضير وقريظة وبني قينقاع إلى دينهم .
وهذه الآية نظير قوله تعالى : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا .
و ( من ) على هذا القول للتبعيض .
وقيل : جميع أهل الكتاب ، فتكون " من " لبيان الجنس .ومعنى لو يضلونكم أي يكسبونكم المعصية بالرجوع عن دين الإسلام والمخالفة له .
وقال ابن جريج : يضلونكم أي يهلكونكم ; ومنه قول الأخطل :كنت القدى في موج أكدر مزبد قذف الأتي به فضل ضلالاأي هلك هلاكا .وما يضلون إلا أنفسهم نفي وإيجاب .
وما يشعرون أي يفطنون أنهم لا يصلون إلى إضلال المؤمنين .
وقيل : وما يشعرون أي لا يعلمون بصحة الإسلام وواجب عليهم أن يعلموا ; لأن البراهين ظاهرة والحجج باهرة ، والله أعلم .
يحذر تعالى عباده المؤمنين عن مكر هذه الطائفة الخبيثة من أهل الكتاب، وأنهم يَوَدُّون أن يضلوكم، كما قال تعالى { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا } ومن المعلوم أن من ود شيئا سعى بجهده على تحصيل مراده، فهذه الطائفة تسعى وتبذل جهدها في رد المؤمنين وإدخال الشبه عليهم بكل طريق يقدرون عليه، ولكن من لطف الله أنه لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فلهذا قال تعالى { وما يضلون إلا أنفسهم } فسعيهم في إضلال المؤمنين زيادة في ضلال أنفسهم وزيادة عذاب لهم، قال تعالى { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون } { وما يشعرون } بذلك أنهم يسعون في ضرر أنفسهم وأنهم لا يضرونكم شيئا.
قوله عز وجل ( ودت طائفة من أهل الكتاب ) نزلت في معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر حين دعاهم اليهود إلى دينهم ، فنزلت ( ودت طائفة ) [ تمنت جماعة من أهل الكتاب ] يعني اليهود ( لو يضلونكم ) عن دينكم ويردونكم إلى الكفر ( وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون )
ونزل لما دعا اليهود معاذا وحذيفة وعمارا إلى دينهم: «ودَّت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم» لأن إثم إضلالهم عليهم والمؤمنون لا يطيعونهم فيه «وما يشعرون» بذلك.
تمنَّت جماعة من اليهود والنصارى لو يضلونكم - أيها المسلمون - عن الإسلام، وما يضلون إلا أنفسهم وأتباعهم، وما يدرون ذلك ولا يعلمونه.
ثم حكى - سبحانه - أن بعض أهل الكتاب لا يكتفون بما هم فيه من ضلال ، بل يحاولون أن يضلوا غيرهم فقال - تعالى - { وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يُضِلُّونَكُمْ } .وقوله - تعالى - { وَدَّت } من الود وهو محبة الشىء وتمنى حصوله ووقوعه .أى تمنت وأحبت جماعة من أهل الكتاب إضلالكم وإهلاككم عن الحق - أيها المؤمنون - وذلك بأن ترجعوا عن دين الإسلام الذى هداكم الله إليه ، إلى دين الكفر الذى يعتنقه أولئك الكافرون من أهل الكتاب .ولم يقف بغى بعض أهل الكتاب وحسدهم عند هذا التمنى ، بل تجاوزوه إلى إلقاء الشبهات حول دين الإسلام ، وإلى محاولة صرف بعض المسلمين عن دينهم .قال القرطبى : نزلت هذه الآية - فى معاذ بن جبل ، وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر ، حين دعاهم اليهود من بنى النضير وقريظة وبنى قينقاع إلى اليهودية .والمراد بالطائفة رؤساء أهل الكتاب وأحبارهم ومن للتبعيض وهى مع مجرورها فى محل رفع نعت لطائفة .و { لَوْ } فى قوله { لَوْ يُضِلُّونَكُمْ } مصدرية أى ودت طائفة من أهل الكتاب إضلالكم .
وقوله { وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } جملة حالية .أى : والحال أنهم ما يضلون أى ما يهلكون إلا أنفسهم بسبب غوايتهم واستيلاء الأهواء على قلوبهم ، وإبثارهم العمى على الهدى ولكنهم لا يشعرون بذلك ولا يفطنون له ، لأنهم قد زين لهم الشيطان سوء عملهم فرأوة حسنا .
اعلم أنه تعالى لما بيّن أن من طريقة أهل الكتاب العدول عن الحق، والإعراض عن قبول الحجة بيّن أنهم لا يقتصرون على هذا القدر، بل يجتهدون في إضلال من آمن بالرسول عليه السلام بإلقاء الشبهات كقولهم: إن محمداً عليه السلام مقر بموسى وعيسى ويدعي لنفسه النبوّة، وأيضاً إن موسى عليه السلام أخبر في التوراة بأن شرعه لا يزول، وأيضاً القول بالنسخ يفضي إلى البداء، والغرض منه تنبيه المؤمنين على أن لا يغتروا بكلام اليهود، ونظير قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء ﴾ .
واعلم أن ﴿ مِنْ ﴾ هاهنا للتبعيض وإنما ذكر بعضهم ولم يعمهم لأن منهم من آمن وأثنى الله عليهم بقوله: ﴿ مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ﴾ ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَة ﴾ وقيل نزلت هذه الآية في معاذ وعمّار بن ياسر وحذيفة دعاهم اليهود إلى دينهم، وإنما قال: ﴿ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ﴾ ولم يقل أن يضلوكم، لأن ﴿ لَوْ ﴾ للتمني فإن قولك لو كان كذا يفيد التمني ونظيره قوله تعالى: ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ ﴾ وهو يحتمل وجوهاً منها إهلاكهم أنفسهم باستحقاق العقاب على قصدهم إضلال الغير وهو كقوله: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ وقوله: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾ ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآء مَا يَزِرُونَ ﴾ ومنها إخراجهم أنفسهم عن معرفة الهدى والحق لأن الذاهب عن الاهتداء يوصف بأنه ضال ومنها أنهم لما اجتهدوا في إضلال المؤمنين ثم إن المؤمنين لم يلتفتوا إليهم فهم قد صاروا خائبين خاسرين، حيث اعتقدوا شيئاً ولاح لهم أن الأمر بخلاف ما تصوروه.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ أي ما يعلمون أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَدَّت طَّائِفَةٌ ﴾ هم اليهود، دعوا حذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهودية ﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ ﴾ وما يعود وبال الإضلال إلا عليهم، لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم.
أو وما يقدرون على إضلال المسلمين.
وإنما يضلون أمثالهم من أشياعهم ﴿ بأيات الله ﴾ بالتوراة والإنجيل.
وكفرهم بها: أنهم لا يؤمنون بما نطقت به من صحة نبوّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرها.
وشهادتهم: اعترافهم بأنها آيات الله.
أو تكفرون بالقرآن ودلائل نبوّة الرسول ﴿ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ نعته في الكتابين.
أو تكفرون بآيات الله جميعاً وأنتم تعلمون أنها حق.
قرئ ﴿ تلبسون ﴾ بالتشديد وقرأ يحيى بن وثاب ﴿ تلبَسُون ﴾ بفتح الباء أي تلبسون الحق مع الباطل.
كقوله: «كلابس ثوبَيْ زور» وقوله: إذَا هُوَ بِالْمَجْدِ ارْتَدَى وَتَأَزَّرَا <div class="verse-tafsir"
﴿ وَدَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ لَمّا دَعَوْا حُذَيْفَةَ وعَمّارًا ومُعاذًا إلى اليَهُودِيَّةِ و"لَوْ" بِمَعْنى أنْ.
﴿ وَما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ وما يَتَخَطّاهُمُ الإضْلالُ ولا يَعُودُ وبالُهُ إلّا عَلَيْهِمْ إذْ يُضاعَفُ بِهِ عَذابُهُمْ، أوْ ما يَضِلُّونَ إلّا أمْثالَهم.
﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ وِزْرَهُ واخْتِصاصَ ضَرَرِهِ بِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{وَدَّت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} هم اليهود دعوا حذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهودية {وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ} وما يعود وبال الإضلال إلا عليهم لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم
آل عمران (٦٩ _ ٧٣)
{وما يشعرون} بذلك
﴿ ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ﴾ المَشْهُورُ أنَّها نَزَلَتْ حِينَ دَعا اليَهُودُ حُذَيْفَةَ وعَمّارًا ومُعاذًا إلى اليَهُودِيَّةِ، فالمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ ما يَشْمَلُ الفَرِيقَيْنِ، والآيَةُ بَيانٌ لِكَوْنِهِمْ دُعاةً إلى الضَّلالَةِ إثْرَ بَيانِ أنَّهم ضالُّونَ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ أنَّهُ قالَ: ”كُلُّ شَيْءٍ في آلِ عِمْرانَ مِن ذِكْرِ أهْلِ الكِتابِ فَهو في النَّصارى“، ولَعَلَّهُ جارٍ مَجْرى الغالِبِ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والطّائِفَةُ رُؤَساؤُهم وأحْبارُهُمْ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ، والطّائِفَةُ جَمِيعُ أهْلِ الكِتابِ وفِيهِ بُعْدٌ، و(لَوْ) بِمَعْنى أنِ المَصْدَرِيَّةَ، والمُنْسَبِكُ مَفْعُولُ وُدَّ وجُوِّزَ إقْرارُها عَلى وضْعِها، ومَفْعُولُ ودَّ مَحْذُوفٌ، وكَذا جَوابُ (لَوْ)، والتَّقْدِيرُ: ودَّتْ إضْلالَكم لَوْ يُضِلُّونَكم لَسُرُّوا بِذَلِكَ، ومَعْنى ﴿ يُضِلُّونَكُمْ ﴾ يَرُدُّونَكم إلى كُفْرِكُمْ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ أوْ يُهْلِكُونَكُمْ، قالَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، أوْ يُوقِعُونَكم في الضَّلالِ ويُلْقُونَ إلَيْكم ما يُشَكِّكُونَكم بِهِ في دِينِكُمْ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ.
﴿ وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ الواوُ لِلْحالِ، والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ الإهْلاكِ مِنَ الإضْلالِ أنَّهم ما يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم لِاسْتِحْقاقِهِمْ بِإيثارِهِمْ إهْلاكَ المُؤْمِنِينَ سَخَطَ اللَّهِ تَعالى وغَضَبَهُ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الإهْلاكِ الإيقاعَ في الضَّلالِ فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ لِأنَّ القَوْمَ ضالُّونَ فَيُؤَدِّي إلى جَعْلِ الضّالِّ ضالًّا، فَيُقالُ: إنَّ المُرادَ مِنَ الإضْلالِ ما يَعُودُ مِن وبالِهِ إمّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ أوِ الِاسْتِعارَةِ، أيْ ما يَتَخَطّاهُمُ الإضْلالُ ولا يَعُودُ وبالُهُ إلّا إلَيْهِمْ لِما أنَّهم يُضاعَفُ بِهِ عَذابُهُمْ، أوِ المُرادُ بِأنْفُسِهِمْ أمْثالُهُمُ المُجانِسُونَ لَهُمْ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: الإخْبارُ بِالغَيْبِ فَهو اِسْتِعارَةٌ أوْ تَشْبِيهٌ بِتَقْدِيرِ أمْثالِ أنْفُسِهِمْ، إذْ لَمْ يَتَهَوَّدْ مُسْلِمٌ، ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى إضْلالِهِمْ أنْفُسَهم إصْرارُهم عَلى الضَّلالِ بِما سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ اِتِّباعِ الهُدى بِإيضاحِ الحُجَجِ، ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ.
﴿ وما يَشْعُرُونَ ﴾ أيْ، وما يَفْطَنُونَ بِكَوْنِ الإضْلالِ مُخْتَصًّا بِهِمْ لِما اِعْتَرى قُلُوبَهم مِنَ الغِشاوَةِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقِيلَ: وما يَشْعُرُونَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْلِمُ المُؤْمِنِينَ بِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ، وفي نَفْيِ الشُّعُورِ عَنْهم مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني أرادت، وتمنت جماعة مِّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يُضِلُّونَكُمْ أي يصرفونكم عن دين الإسلام وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ أي وَبَالُ ذلك يرجع إلى أنفسهم.
ويقال: وما يضلون إلا أنفسهم، أمثالهم كقوله عزّ وجلّ: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [سورة البقرة: 54] أي بعضكم بعضاً وَما يَشْعُرُونَ قال مقاتل: أي وما يشعرون أنهم يضلون أنفسهم.
وقال الكلبي: وما يشعرون أن الله يَدُلُّ نبيَّه- - على ضلالتهم أي يطلعه.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ، قال مَكِّيٌّ: قِيلَ: إن هذه الآية عُنِيَ بها قُرَيْظَةُ، والنَّضِيرُ، وبَنُو قَيْنُقَاع، ونصارى نَجْرَانَ.
ص: قوله تعالى: وَدَّتْ طائِفَةٌ: وَدَّ: بمعنى تمنى، ويستعملُ معها: «أَنْ، ولَوْ» ، ورُبَّمَا جمع بينهما نَحْوُ: «وَدِدتُّ أَنْ لَوْ فَعَلَ» ، ومصدره الوَدَادَةُ، والاسْم منه الوُدُّ، وبمعنى: أَحَبَّ، فيتعدى كتَعَدِّي أَحَبَّ، ومصدره: مَوَدَّة، والاسم منه وُدٌّ، وقد يتداخَلاَنِ في الاسم والمصدر اه.
وقوله تعالى: وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ: إعلامٌ بأن سوء فعلهم عائدٌ عليهم، وأنهم ببعدهم عن الإسلام هم الضالُّون، ثم أَعْلَمَ تعالى أنهم لا يشعُرُونَ بذلك، أي: لا يتفطَّنون، ثم وقفهم تعالى موبِّخاً لهم على لسان نبيِّه، والمعنى: قُلْ لهم، يا محمَّدُ: لأيِّ سببٍ تكفرون بآياتِ اللَّه التي هي آياتُ القرآن، وأنتم تَشْهَدُونَ أنَّ أمره وَصِفَةَ محمّد في
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ: تَرَكْتُما دِينَكُما، واتَّبَعْتُما دِينَ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والطّائِفَةُ: اسْمٌ لِجَماعَةٍ مُجْتَمِعِينَ عَلى ما اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِن دِينٍ، ورَأْيٍ، ومَذْهَبٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
وفي هَذِهِ الطّائِفَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
والضَّلالُ: الحِيرَةُ.
وفِيهِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الِاسْتِنْزالُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٍ.
والثّانِي: الإهْلاكُ، ومِنهُ ﴿ أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ ﴾ .
قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، والدِّمَشْقِيُّ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وما يَشْعُرُونَ أنَّ اللَّهَ يَدُلُّ المُؤْمِنِينَ عَلى حالِهِمْ، والثّانِي: وما يَشْعُرُونَ أنَّهم يُضِلُّونَ أنْفُسَهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَدَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكم وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن طائِفَةٍ أنَّها تَوَدُّ وتَشْتَهِي أنْ تُضِلَّ المُسْلِمِينَ، أيْ تُتْلِفَهم عن دِينِهِمْ وتَجْعَلَهم في ضَلالٍ، ثُمَّ فَسَّرَ الطائِفَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ فَتَحْتَمِلُ "مِن" أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وتَكُونَ الطائِفَةُ الرُؤَساءَ والأحْبارَ الَّذِينَ يَسْكُنُ الناسُ إلى قَوْلِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، وتَكُونَ الطائِفَةُ جَمِيعَ أهْلِ الكِتابِ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: "يُضِلُّونَكُمْ" مَعْناهُ: يُهْلِكُونَكُمْ، واسْتَشْهَدَ بِبَيْتِ جَرِيرٍ.
كُنْتَ القَذى في مَوْجِ أخْضَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالا وقَوْلِ النابِغَةِ: فَآبَ مُصَلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ...
∗∗∗ البَيْتِ.
وَهَذا تَفْسِيرٌ غَيْرُ خاصٍّ بِاللَفْظَةِ، وإنَّما اطَّرَدَ لَهُ هَذا الضَلالُ في الآيَةِ وفي البَيْتَيْنِ اقْتَرَنَ بِهِ هَلاكٌ، وأمّا أنْ تُفَسَّرَ لَفْظَةُ الضَلالِ بِالهَلاكِ فَغَيْرُ قَوِيمٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ سُوءَ فِعْلِهِمْ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، وأنَّهم بِبُعْدِهِمْ عَنِ الإسْلامِ هُمُ الضالُّونَ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ لِذَلِكَ أىْ لا يَتَفَطَّنُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشِعارِ المَأْخُوذِ مِنَ الشَعْرِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولا يَشْعُرُونَ أنَّهم لا يَصِلُونَ إلى إضْلالِكم.
ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى مُوَبِّخًا لَهم عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ، والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: لِأيِّ سَبَبٍ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ الَّتِي هي آيَةُ القُرْآنِ؛ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ أنَّ أمْرَهُ وصِفَةَ مُحَمَّدٍ الَّذِي هو الآتِي بِهِ في كِتابِكُمْ؟
قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ والسُدِّيُّ.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ مِن تَعْجِيزِ العَرَبِ والإعْلامِ بِالغُيُوبِ وتَكَلُّمِ الجَماعاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ و"تَشْهَدُونَ" - عَلى هَذا - يَكُونُ بِمَعْنى تَحْضُرُونَ وتُعايِنُونَ.
والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا قَبْلَ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ يُخْبِرُونَ بِصِفَةِ النَبِيِّ الخارِجِ وحالِهِ، فَلَمّا ظَهَرَ كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا، فَإخْبارُهُمُ المُتَقَدِّمُ لِظُهُورِهِ هو الشَهادَةُ الَّتِي وقَفُوا عَلَيْها.
قالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ عُنِيَ بِها قُرَيْظَةُ والنَضِيرُ وبَنُو قَيْنُقاعَ ونَصارى نَجْرانَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ ﴾ مَعْناهُ: تَخْلِطُونَ، تَقُولُ: لَبَسْتُ الأمْرَ -بِفَتْحِ الباءِ- بِمَعْنى خَلَطْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ﴾ وتَقُولُ: لَبِسْتُ الثَوْبَ، بِكَسْرِ الباءِ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحَقُّ الَّذِي لَبَسُوهُ هو التَوْراةُ المُنَزَّلَةُ، والباطِلُ الَّذِي لَبَسُوهُ بِهِ هو ما كَتَبُوهُ بِأيْدِيهِمْ ونَسَبُوهُ إلى التَوْراةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَقُّ إسْلامُهم بُكْرَةً، والباطِلُ كُفْرُهم عَشِيَّةً؛ والآيَةُ نَزَلَتْ في قَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَيْفِ وعَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ والحارِثِ بْنِ عَوْفٍ:.
تَعالَوْا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ وجْهَ النَهارِ، وَنَكْفُرُ آخِرَهُ، عَسى أنْ نَلْبِسَ عَلى المُسْلِمِينَ أمْرَهم.
وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: "لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ" لِمَ تَخْلِطُونَ اليَهُودِيَّةَ والنَصْرانِيَّةَ بِالإسْلامِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ دِينَ اللهِ الَّذِي لا يُقْبَلُ غَيْرُهُ الإسْلامُ؟
فَكَأنَّ المَعْنى عَلى هَذا: لِمَ تُبْقُونَ عَلى هَذِهِ الأدْيانِ وتُوجِدُونَها فَيَكُونُ في ذَلِكَ لَبْسٌ عَلى الناسِ أجْمَعِينَ؟
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الحَقُّ الَّذِي لَبَسُوهُ قَوْلُهُمْ: مُحَمَّدٌ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، والباطِلُ الَّذِي لَبَسُوهُ بِهِ؛ قَوْلُ أحْبارِهِمْ: لَكِنْ لَيْسَ إلَيْنا، بَلْ مِلَّةُ مُوسى مُؤَبَّدَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يُرِيدُ شَأْنَ مُحَمَّدٍ ، كَذَلِكَ قالَ الرَبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهم.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى العِنادِ ظاهِرٌ؛ قالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ: ولَوْ قِيلَ: "وَتَكْتُمُوا الحَقَّ" لَجازَ عَلى قَوْلِكَ: لِمَ تَجْمَعُونَ ذا وذا؟
عَلى أنَّ "تَكْتُمُوا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَرْفِ في قَوْلِ الكُوفِيِّينَ، وبِإضْمارِ "أنْ" في قَوْلِ أصْحابِنا.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: الظَرْفُ هاهُنا يَقْبُحُ، وكَذَلِكَ إضْمارُ "أنْ" لِأنَّ "تَكْتُمُونَ" مَعْطُوفٌ عَلى مُوجَبٍ مُقَرَّرٍ، ولَيْسَ بِمُسْتَفْهَمٍ عنهُ، وإنَّما اسْتَفْهَمَ عَنِ السَبَبِ في اللَبْسِ، واللَبْسُ مُوجَبٌ، فَلَيْسَتِ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: أتَأْكُلُ السَمَكَ وتَشْرَبُ اللَبَنَ؟
وبِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: أتَقُومُ فَأقُومُ؟
والعَطْفُ عَلى المُوجَبِ المُقَرَّرِ قَبِيحٌ مَتى نُصِبَ، إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ كَما رُوِيَ: ..............
∗∗∗ وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِكَ: أسِرْتَ حَتّى تَدْخُلَ المَدِينَةَ؟
لا يَجُوزُ إلّا النَصْبُ في "تَدْخُلَ" لِأنَّ السَيْرَ مُسْتَفْهَمٌ عنهُ غَيْرُ مُوجَبٍ، وإذا قُلْتَ: أيُّهم سارَ حَتّى يَدْخُلُها؟
رَفَعْتَ، لِأنَّ السَيْرَ مُوجَبٌ والِاسْتِفْهامَ إنَّما وقَعَ عن غَيْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
ئناف مناسبتُه قوله: ﴿ إن أولى الناس بإبراهيم ﴾ [آل عمران: 64 68] إلخ.
والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصة، ولذلك عُبّر عنهم بطائفة من أهل الكتاب لئلاّ يتوهم أنهم أهل الكتاب الذين كانت المحاجة مَعهم في الآيات السابقة.
والمراد بالطائفة جماعة منهم من قريظة، والنضير، وقَينُقاع، دَعَوا عمَّار بن ياسر، ومعاذَ بن جبل، وحذيفةَ بن اليمان، إلى الرجوع إلى الشرك.
وجملة لو يضلونكم مبينة لمضمون جملة ودّت، على طريقة الإجمال والتفصيل.
فلو شرطية مستعملة في التمنّي مجازاً لأنّ التمنّي من لوازم الشرط الامتناعي.
وجواب الشرط محذوف يدل عليه فعل وَدّت تقديره: لو يضلونكم لحصل مودودهم، والتحقيق أنّ التمنّي عارض من عوارض لَوْ الامتناعية في بعض المقامات.
وليس هو معنى أصلياً من معاني لو.
وقد تقدم نظير هذا في قوله تعالى: ﴿ يَودّ أحدهم لو يعمّر ألف سنة ﴾ في سورة [البقرة: 96].
وقوله: ﴿ لو يضلونكم ﴾ أي ودّوا إضلالكم وهو يحتمل أنهم ودّوا أن يجعلوهم على غير هدى في نظر أهل الكتاب: أي يذبذبوهم، ويحتمل أنّ المراد الإضلال في نفس الأمر، وإن كان وُدُّ أهل الكتاب أن يهوّدوهم.
وعلى الوجهين يحتمل قوله تعالى: ﴿ وما يضلون إلا أنفسهم ﴾ أن يكون معناه: إنهم إذا أضلوا الناس فقد صاروا هم أيضاً ضالين؛ لأنّ الإضلال ضلال، وأن يكون معناه: إنهم كانوا من قبل ضالين برضاهم بالبقاء على دين منسوخ وقوله: ﴿ وما يشعرون ﴾ يناسب الاحتمالين لأنّ العلم بالحالتين دقيق.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها مِن كِتابِكُمُ الَّذِي فِيهِ البِشارَةُ بِها، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِمِثْلِها مِن آياتِ الأنْبِياءِ الَّتِي تُقِرُّونَ بِها.
والثّالِثُ: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِما عَلَيْكم فِيهِ الحُجَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: تَحْرِيفُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: الدُّعاءُ إلى إظْهارِ الإسْلامِ في أوَّلِ النَّهارِ والرُّجُوعُ عَنْهُ في آخِرِهِ قَصْدًا لِتَشْكِيكِ النّاسِ فِيهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والثّالِثُ: الإيمانُ بِمُوسى وعِيسى والكُفْرُ بِمُحَمَّدٍ .
﴿ وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ ﴾ يَعْنِي ما وجَدُوهُ عِنْدَهم مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ، والبِشارَةِ بِهِ في كُتُبِهِمْ عِنادًا مِن عُلَمائِهِمْ.
﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي الحَقَّ بِما عَرَفْتُمُوهُ مِن كُتُبِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لا تُصَدِّقُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم.
والثّانِي: لا تَعْتَرِفُوا بِالحَقِّ إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم.
واخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم كافَّةُ اليَهُودِ، قالَ ذَلِكَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهم يَهُودُ خَيْبَرَ قالُوا ذَلِكَ لِيَهُودِ المَدِينَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
واخْتُلِفَ في سَبَبِ نَهْيِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَهم عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِئَلّا يَكُونَ طَرِيقًا لِعَبَدَةِ الأوْثانِ إلى تَصْدِيقِهِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: أنَّهم نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِئَلّا يَعْتَرِفُوا بِهِ فَيَلْزَمَهُمُ العَمَلُ بِدِينِهِ لِإقْرارِهِمْ بِصِحَّتِهِ.
﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا، وتَقْدِيرُهُ: قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ ألّا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أيُّها المُسْلِمُونَ، ثُمَّ حَذَفَ (لا) مِنَ الكَلامِ لِدَلِيلِ الخِطابِ عَلَيْها مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا ﴾ أيْ لا تَضِلُّوا، وهَذا مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ فَلا تَجْحَدُوا أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ.
﴿ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي ولا تُؤْمِنُوا أنْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم لِأنَّهُ لا حُجَّةَ لَهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: إنَّ مَعْناهُ حَتّى يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم، عَلى طَرِيقِ التَّبْعِيدِ، كَما يُقالُ: لا تَلْقاهُ أوْ تَقُومُ السّاعَةُ، وهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ، والفَرّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النُّبُوَّةُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والرَّبِيعِ.
والثّانِي: القُرْآنُ والإسْلامُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.
واخْتَلَفُوا في النُّبُوَّةِ هَلْ تَكُونُ جَزاءً عَلى عَمَلٍ؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها جَزاءٌ عَنِ اسْتِحْقاقٍ.
والثّانِي: أنَّها تَفْضُلُ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سفيان قال: كل شيء في آل عمران من ذكر اهل الكتاب فهو في النصارى.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ يا أهل الكتاب لمَ تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ﴾ قال: تشهدون أن نعت نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم في كتابكم ثم تكفرون به، وتنكرونه، ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل.
النبي الأمي.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع.
مثله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يا أهل الكتاب لمَ تكفرون بآيات الله ﴾ قال: محمد ﴿ وأنتم تشهدون ﴾ قال: تشهدون أنه الحق تجدونه مكتوباً عندكم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ لم تكفرون بآيات الله ﴾ قال: بالحجج ﴿ وأنتم تشهدون ﴾ ان القرآن حق، وأن محمداً رسول الله تجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج ﴿ لمَ تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ﴾ على أن الدين عند الله الإسلام، ليس لله دين غيره.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ لمَ تلبسون الحق بالباطل ﴾ يقول: لمَ تخلطون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره الإسلام ﴿ وتكتمون الحق ﴾ يقول: تكتمون شأن محمد صلى الله عليه وسلم وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة.
مثله.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال عبدالله بن الضيف، وعدي بن زيد، والحرث بن عوف، بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع فيرجعون عن دينهم.
فأنزل الله فيهم ﴿ يا أهل الكتاب لمَ تلبسون الحق بالباطل ﴾ إلى قوله: ﴿ والله واسع عليم ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك قال: قالت اليهود بعضهم لبعض: آمنوا معهم بما يقولون أول النهار وارتدوا آخره لعلهم يرجعون معكم.
فاطلع الله على سرهم، فأنزل الله تعالى ﴿ وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وقالت طائفة من أهل الكتاب ﴾ الآية.
قال: كان أحبار قرى عربية إثنى عشر حبراً فقالوا لبعضهم: أدخلوا في دين محمد أول النهار وقولوا: نشهد أن محمداً حق صادق، فإذا كان آخر النهار فاكفروا، وقولوا: إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم فحدثونا: أن محمداً كاذب، وإنكم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم لعلهم يشكون فيقولون: هؤلاء كانوا معنا أول النهار فما بالهم!
فأخبر الله رسوله بذلك.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عت ابن عباس في قوله: ﴿ وقالت طائفة...
﴾ الآية.
قال: أن طائفة من اليهود قالت: إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم لعلهم يقولون هؤلاء أهل الكتاب، وهم أعلم منا لعلهم ينقلبون عن دينهم.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقالت طائفة...
﴾ الآية.
قال: كانوا يكونون معهم أول النهار ويجالسونهم ويكلمونهم، فإذا أمسوا وحضرت الصلاة كفروا به وتركوه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ﴾ يهود تقوله، صلت مع محمد صلاة الفجر، وكفروا آخر النهار مكراً منهم ليروا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة بعد إذ كانوا اتبعوه.
وأخرج ابن جرير عن قتادة والربيع في قوله: ﴿ وجه النهار ﴾ قالا: أول النهار.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ قال: هذا قول بعضهم لبعض.
وأخرج ابن جرير عن الربيع.
مثله.
وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ قال: لا تؤمنوا إلا لمن تبع اليهودية.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: كانت اليهود تقول أحبارها للذين من دينهم: ائتوا محمداً وأصحابه أول النهار فقولوا نحن على دينكم، فإذا كان بالعشي فأتوهم فقولوا لهم: إنا كفرنا بدينكم ونحن على ديننا الأول، إنا قد سألنا علماءنا فأخبرونا أنكم لستم على شيء.
وقالوا لعل المسلمين يرجعون إلى دينكم فيكفرون بمحمد ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ فأنزل الله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ حسداً من يهود أن تكون النبوّة في غيرهم، وإرادة أن يتابعوا على دينهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك وسعيد بن جبير ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ قالا: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال الله لمحمد ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: قال الله لمحمد ﴿ قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ يا أمة محمد ﴿ أو يحاجوكم عند ربكم ﴾ يقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة حتى أنزل علينا المن والسلوى، فإن الذي أعطاكم أفضل فقولوا ﴿ إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ يقول: لما أنزل الله كتاباً مثل كتابكم، وبعث نبياً كنبيكم حسدتموه على ذلك ﴿ قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن الربيع.
مثله.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ﴿ قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ يقول: هذا الأمر الذي أنتم عليه مثل ما أوتيتم ﴿ أو يحاجُّوكم عند ربكم ﴾ قال: قال بعضهم لبعض: لا تخبروهم بما بينَّ الله لكم في كتابه ﴿ ليحاجُّوكم ﴾ قال: ليخاصموكم به ربكم، فتكون لهم حجة عليكم ﴿ قل إن الفضل بيد الله ﴾ قال: الإسلام ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ قال: القرآن والإسلام.
وأخرج عبد بن حميد وابن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ قال: النبوّة يختص بها من يشاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ قال: رحمته الإسلام.
يختص بها من يشاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ ذو الفضل العظيم ﴾ يعني الوافر.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ .
أي: تَمَنَّت (١) ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُم ﴾ (٢) (٣) ﴿ طَائِفَةٌ ﴾ ؛ الطائفةُ، معناها في اللغة: القطعة من كل شيء.
يقال: (طائفةٌ من الناس)، (وطائفة من الليل) (٤) قال بعض أهل اللغة: الطائفة: الفِرْقَة؛ سُمِّيَت بها لتصرفها في الإقبال والإدبار؛ كأنها تطوف (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ﴾ .
ولم يقل: أنْ يُضِلُّونكم، لأن (لو) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ ﴾ ، وقد مرَّ.
والإضلال (١٤) نزلت هذه الآية في نَفَرٍ من اليهود.
قال ابن عباس (١٥) (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ﴾ (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ أي: وما يعلمون أن هذا يضرهم، وما يضر المؤمنين.
(١) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 500، "مفردات ألفاظ القرآن" 860 (ودد).
(٢) سورة البقرة: 96.
﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ .
(٣) (الآية): ساقطة من: (ج)، (د).
(٤) انظر (مادة: طوف) في "تهذيب اللغة" 3/ 2154، "اللسان" 5/ 2722.
قال الراغب: (والطائفة من الناس: جماعة منهم، ومن الشيء: القطعة منه ..
وقال بعضهم: قد يقع ذلك على واحدٍ فصاعدا).
"مفردات ألفاظ القرآن" 532 (طوف).
وبيَّن ابن فارس (أن كل جماعة يمكن أن تحفَّ بشيء فهي عندهم طائفة.
ولا يكاد هذا يكون إلا في اليسير ثم يتوسعون في ذلك من طريق المجاز، فيقولون: أخذتُ== طائفةً من الثوب؛ أي: قطعة منه.
وهذا على معنى المجاز؛ لأن الطائفة من الناس، كالفرقة والقطعة منهم) "مقاييس اللغة" 3/ 433 (طوف).
(٥) لم أقف على من قال بهذا القول، ولكن معناه صحيح، قال ابن فارس: (الطاء والواو والفاء، أصلٌ واحدٌ صحيح، يدل على دوران الشيء على الشيء وأن يحفَّ به) ثم قال: (فأما الطائفة من الناس، فكأنها جماعة تطيف بالواحد أو بالشيء).
"المقاييس" 3/ 432 (طرف).
(٦) في (ج)، (د): (للإنسان).
(٧) في (ب): (مداراته).
وفي "اللسان" (..
وما بالدَّار دُوريٌّ ولا ديَّار، ولا دَيُّورٌ على إبدال الواو من الياء، أي: ما بها أحدٌ، لا يُستعمل إلا في النفي، وجمع الدَّيَّار، والدَّيُّور لو كُسِّرَ: دواويرُ) 3/ 1450 (دور).
وانظر: "الزاهر" 1/ 366، "الصحاح" 2/ 660 (دور).
ومنه قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴾ .
وانظر: "تفسير أبي السعود" 9/ 41.
(٨) في (ج): (أو).
(٩) في (ج): (المتمني).
(١٠) في (ب): (وإن).
(١١) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج)، (د).
(١٢) (تمنيته): ساقطة من: (ج)، (د).
(١٣) انظر: "رصف المباني" 360، "الجنى الداني" 288.
(١٤) من قوله: (والإضلال ..) إلى (..
عن الطريق): نقله بنصه عن "تهذيب اللغة" 3/ 2128 (ضلل).
وقال الطبري: (والإضلال في هذا الموضع: الإهلاك)، ولم يختلف المعنى؛ لأن الإهلاك من نتائج الإضلال ولوازمه.
وقد بيَّن الطبري نفسه هذا الأمر فقال في نفس الصفحة: (..
لو يصدُّونكم أيها المؤمنون عن الإسلام، ويصدونكم عنه إلى ما هم عليه من الكفر، فيهلونكم بذلك).
"تفسيره" 3/ 304.
ولذا قال ابن عطية عن تفسير الطبري لهذه اللفظة بـ (الهلاك): (وهذا تفسير غير خاص باللفظة، وإنما اطَّرد له؛ لأن هذا الضلال في الآية اقترن به الهلاك، وأما أن تفسر لفظة الضلال بالهلاك فغير قويم).
"المحرر الوجيز" 3/ 163.
(١٥) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.
وقد أورد ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 404، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 488 عن ابن عباس أنَّ المقصود بالطائفة هم اليهود حين دعوا معاذ بن جبل، وعمار بن ياسر إلى دينهم.
(١٦) في (د): (يستزلوا).
(١٧) قيل: إن المقصود بـ ﴿ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ : هم النصارى، وبه قال سفيان بن عيينة، فقد ورد عنه قوله: (كل شيء في آل عمران من ذكر أهل الكتاب، فهو في النصارى).
أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 671، وأورده السيوطي في " الدر" 2/ 239، وزاد في نسبته إلى ابن المنذر.
ودفع هذا القول الشوكاني في "الفتح" 1/ 352، وقال: (ويدفع هذا أن كثيرًا من خطابات أهل الكتاب المذكورة في هذه السورة، لا يصح حملها على النصارى == البتة، ومن ذلك هذه الآيات)، ثم بين أن المقصود بالطائفة هم: اليهود خاصة.
وقيل: هم اليهود كما سبق أن رُوي عن ابن عباس، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 1/ 283.
وذكر هذا القول بعض المفسرين دون عزو إلى قائل، ومنهم: البغوي في "تفسيره" 2/ 50، والواحدي في "أسباب النزول" (110).
وقال أبو حيان: بأن عليه إجماع المفسرين.
انظر: "البحر المحيط" 2/ 488.
وعلى هذين القولين تكون ﴿ مِّن ﴾ في الآية تبعيضية.
وقيل: هم اليهود والنصارى، ولفظ ﴿ أَهْلِ الكِتَابِ ﴾ يعمهم، وتكون حينها ﴿ مِّن ﴾ في الآية لبيان الجنس.
وبه قال أبو سليمان الدمشقي، كما في "زاد المسير" 1/ 404.
وإليه ذهب الطبري في "تفسيره" 3/ 304، والنحاس في "معاني القرآن" 1/ 419.
ونقل ابن عطية عن مكي: أنهم يهود بني قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع، ونصارى نجران.
انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 164.
(١٨) إلى هنا انتهى ما وقفت عليه من نسخة (د).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَدَّت طَّآئِفَةٌ ﴾ هم اليهود، دعوا حذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهودية ﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ ﴾ أي لا يعود وبال الإضلال إلا عليهم ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ أي تعلمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم نبي ﴿ لِمَ تَلْبِسُونَ الحق ﴾ أي تخلطون: والحق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والباطل الكفر به ﴿ آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ ﴾ كان قوم من اليهود لعنهم الله أظهروا الإسلام أول النهار، ثم كفروا آخره ليخدعوا المسلمين فيقولوا: ما رجع هؤلاء إلاّ عن علم، وقال السهيلي: إنّ هذه الطائفة هم عبد الله بن الصيف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف ﴿ أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ ﴾ يحتمل أن يكون من تمام الكلام؛ الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله متصلاً بقوله: إن الهدى هدى الله وأن يكون من كلام أهل الكتاب فيكون متصلاً بقولهم: ولا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم، ويكون إنّ الهدى اعتراضاً بين الكلامين، فعلى الأول يكون المعنى: كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وقلتم ما قلتم، ودبرتم ما دبرتم من الخداع، فموضع أن يؤتى مفعول من أجله، أو منصوب بفعل مضمر تقديره: فلا تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة، وعلى الثاني فيكون المعنى: لا تؤمنوا، أي لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴿ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ واكتموا ذلك على من لم يتبع دينكم لئلا يدعوهم إلى الإسلام، فموضع أن يؤتى مفعول بتؤمنوا المضمن معنى تقروا، ويمكن أن يكون في موضع المفعول من أجله: أي لا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم كراهية أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴿ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ ﴾ عطف على أن يؤتى، وضمير الفاعل للمسلمين، وضمير المفعول لليهود ﴿ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله ﴾ ردّ على اليهود في قولهم: لم يؤت أحداً مثل ما أوتي بنو إسرائيل من النبوة والشرف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ها أنتم ﴾ بالمد وغير الهمزة حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.
وروى ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ ها أنتم ﴾ على وزن "هعنتم" الباقون بالمد والهمز.
الوقوف: ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ القصص الحق ﴾ ج ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط لتناهي جملة وافية إلى ابتداء شرط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ ليس لكم به علم ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ مسلماً ﴾ ط ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ والذين آمنوا ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ لو يضلونكم ﴾ ط ﴿ يشعرون ﴾ ه ﴿ تشهدون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه.
التفسير: "روي أنه لما أورد الدلائل على نصارى نجران، ثم إنهم أصروا على جهلهم قال : إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم.
فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك.
فلما رجعوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - يا عبد المسيح ما ترى؟
قال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الفصل من أمر صاحبكم.
والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لكان الاستئصال، فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا / الرجل وانصرفوا إلى بلادكم.
فأتوا رسول الله وقد خرج وعليه مرط من شعر أسود.
وكان قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها وهو يقول: إذا دعوت فأمنوا.
فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إنى لأرى وجوهاً لو دعت الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.
ثم قالوا: يا أبا القاسم، رأينا أن لا نباهلك وأن نقرك على دينك.
فقال : فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين فأبوا.
فقال : فإني أناجزكم أي أحاربكم.
فقالوا: ما لنا بحرب العرب المسلمين طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا على ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة، ألفاً في صفر وألفاً في رجب وثلاثين درعاً عادية من حديد فصالحهم على ذلك.
قال : والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حاول الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا" .
وروي عن عائشة أنه لما خرج في المرط الأسود جاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة ثم علي ثم قال ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ وهذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث.
﴿ فمن حاجك ﴾ من النصارى ﴿ فيه ﴾ في عيسى وقيل في الحق ﴿ من بعد ما جاءك من العلم ﴾ من البينات الموجبة للعلم بأن عيسى عبد الله ورسوله وذلك بطريق الوحي والتنزيل ﴿ فقل تعالوا ﴾ هلموا والمراد المجيء بالرأي والعزم كما تقول: تعال نفكر في هذه المسألة.
وهو في الأصل "تفاعلوا" من العلو.
وذلك أن بيوتهم كانت على أعالي الجبل، فكانوا ينادون تعال يا فلان أي ارتفع، إلا أنه كثر حتى استعمل في كل مجيء فصار بمنزلة "هلم".
﴿ ندع أبناءنا وأبناءكم ﴾ أي يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ويأتي هو بنفسه وبمن هو كنفسه إلى المباهلة.
وإنما يعلم إتيانه بنفسه من قرينة ذكر النفس ومن إحضار من هم أعز من النفس، ويعلم إتيان من هو بمنزلة النفس من قرينة أن الإنسان لا يدعو نفسه.
﴿ ثم نبتهل ﴾ ثم نتباهل وقد يجيء "افتعل" بمعنى "تفاعل" نحو: اختصم بمعنى تخاصم.
والتباهل أن يقول كل واحد منهما: بهلة الله على الكاذب منا أي لعنته.
ويقال: بهله الله أي لعنه وأبعده من رحمته ومنه قولهم: "أبهله" إذا أهمله.
وناقة بأهل لا صرار عليها بل هي مرسلة مخلاة.
فكل من شاء حلبها وأخذ لبنها لا قوة بها على الدفع عن نفسها.
فكأن المباهل يقول: إن كان كذا فوكلني الله إلى نفسي وفوّضني إلى حولي وقوتي وخلاني من كلائه وحفظه.
هذا / أصل الابتهال، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعاناً وهو المراد في الآية لئلا يلزم التكرار أي ثم نجتهد في الدعاء فنجعل اللعنة على الكاذب بأن نسأل الله أن يلعنه.
وفي الآية دلالة على أن الحسن والحسين وهما ابنا البنت يصح أن يقال إنهما ابنا رسول الله وعد أن يدعو أبناءه ثم جاء بهما.
وقد تمسك الشيعة قديماً وحديثاً بها في أن علياً أفضل من سائر الصحابة لأنها دلت على أن نفس علي مثل نفس محمد إلا فيما خصه الدليل.
وكان في الري رجل يقال له محمود بن الحسن الحمصي، وكان متكلم الاثني عشرية يزعم أن علياً أفضل من سائر الأنبياء سوى محمد.
قال: وذلك أنه ليس المراد بقوله: ﴿ وأنفسنا ﴾ نفس محمد لأن الإنسان لا يدعو نفسه فالمراد غيره.
وأجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب فإذاً نفس علي هي نفس محمد.
لكن الإجماع دل على أن محمداً أفضل من سائر الأنبياء، فكذا علي قال: ويؤكده ما يرويه المخالف والموافق أنه قال: " من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحاً في طاعته، وإبراهيم في خلته، وموسى في قربته، وعيسى في صفوته فلينظر إلى علي بن أبي طالب " فدل الحديث على أنه اجتمع فيه ما كان متفرقا فيهم، وأجيب بأنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمداً أفضل من سائر الأنبياء فكذا انعقد الإجماع بينهم قبل ظهور هذا الإنسان على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي، وأجمعوا على أن علياً ما كان نبياً، فعلم أن ظاهر الآية كما أنه مخصوص في حق محمد فكذا في حق سائر الأنبياء، وأما فضل أصحاب الكساء فلا شك في دلالة الآية على ذلك، ولهذا ضمهم إلى نفسه بل قدمهم في الذكر.
وفيها أيضاً دلالة على صحة نبوة محمد فإنه لو لم يكن واثقاً بصدقه لم يتجرأ على تعريض أعزته وخويصته وأفلاذ كبده في معرض الابتهال ومظنة الاستئصال، ولولا أن القوم عرفوا من التوراة والإنجيل ما يدل على نبوته لما أحجموا عن مباهلته، وأما قول المشركين ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ﴾ فليس من قبيل المباهلة، فإن النبي لم يعرض نفسه لذلك ولم يكن ذلك القول في معرض الاحتجاج والادعاء ولا بإذن من الله لرسوله.
﴿ إن هذا ﴾ الذي تلي عليك من نبأ عيسى ﴿ لهو القصص الحق وما من إله إلا الله ﴾ وهو في إفادة معنى الاستغراق لزيادة "من" بمنزلة لا إله إلا الله مبنياً على الفتح، وفيه رد على النصارى في تثليثهم ﴿ وإن الله لهو العزيز الحكيم ﴾ فيه جواب عن شبهة النصارى أن عيسى يقدر على الإحياء ويخبر عن الغيوب، فإن هذا القدر من القدرة والعلم لا يكفي في الإلهية، بل يجب أن يكون الإله غالباً لا يدفع ولا يمنع وهم يقولون إنه قد قتل ولم يقدر على الدفع.
ويلزم أن يكون عالماً / بكل المعلومات وبعواقب الأمور وعيسى لم يكن كذلك ﴿ فإن تولوا ﴾ عما وصفت من التوحيد وأن إله الخلق يجب أن يكون قادراً على المقدورات عالماً بجميع المعلومات، فاعلم أن إعراضهم ليس إلا على سبيل العناد، فاقطع كلامك معهم وفوِّض أمرهم إلى الله فإنه عليم بحال المفسدين في الدين، وبنياتهم وأغراضهم الفاسدة فيجازيهم بأعمالهم الخبيثة.
ثم إنه لما أورد على نصارى نجران من الدلائل ما انقطعوا معه، ثم دعاهم إلى المباهلة فانخذلوا ورضوا بالصغار وقبلوا الجزية، أمره الله بنمط آخر من الكلام مبني على الإنصاف يشهد به كل طبع مستقيم وعقل سليم فقال: ﴿ قل يا أهل الكتاب ﴾ يعني نصارى نجران، لأن الآية من تمام قصتهم، ولأنه كلام منصف فخوطب بما يطيب به قلوبهم كما لو قيل لحامل القرآن: يا حافظ كتاب الله.
وقيل: المراد يهود المدينة، وقيل اليهود والنصارى جميعاً لأن ظاهر اللفظ يتناولهما، ولما روي أن اليهود قالوا للنبي : ما تريد إلا أن نتخذك رباً كما اتخذت النصارى عيسى، وقالت النصارى: يا محمد ما نريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير.
فأنزل الله هذه الآية.
والمراد من قوله: ﴿ تعالوا ﴾ تعيين ما دعوا إليه والتوجه إلى النظر فيه وإن لم يكن انتقالاً من مكان إلى مكان.
والمعنى هلموا إلى كلمة سواء فيها إنصاف من بعضنا لبعض، لا ميل فيه لأحد على صاحبه.
والسواء هو العدل والإنصاف لأن حقيقة الإنصاف إعطاء النصف وفيه التسوية بين نفسه وبين صاحبه.
أو المراد إلى كلمة سواء مستوية بيننا وبينكم لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل.
وتفسير الكلمة بقوله: ﴿ أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ﴾ فمحل ﴿ أن لا نعبد ﴾ خفض على البدل من ﴿ كلمة ﴾ أو رفع على الخبر أي هي أن لا نعبد.
وهو خبر في معنى الأمر أي اعبدوا.
وإنما ذكر أموراً ثلاثة لأن النصارى جمعوا بين الثلاثة.
فعبدوا غير الله وهو المسيح، وأشركوا به غيره لأنهم أثبتوا أقانيم ثلاثة أباً وابناً وروح القدس، ثم قالوا: إن أقنوم الكلمة تدرعت بناسوت المسيح وأقنوم روح القدس تدرعت بناسوت مريم، ولولا كون هذين الأقنومين ذاتين مستقلتين لما جاز عليهما مفارقة ذات الأب والتدرع بناسوت عيسى ومريم.
وحيث أثبتوا ثلاثة ذوات مستقلة فقد أشركوا.
ثم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً لأنهم أطاعوهم في التحليل والتحريم من تلقاء أنفسهم من غير شريعة وبيان، ولأنهم يسجدون لهم ويطيعونهم في المعاصي وهوى النفس ورؤية الأمور من الوسائط ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ ولأن من مذهبهم أن الكامل في الرياضة يظهر فيه أثر اللاهوت ويحل فيه فيقدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص.
فهم وإن لم يطلقوا عليهم اسم الرب إلا أنهم أثبتوا / في حقهم معنى الربوبية، فثبت أن النصارى جمعوا بين الأمور الثلاثة، وبطلانها كالأمر المتفق عليه بين العقلاء.
فإن قيل: المسيح ما كان المعبود إلا الله فوجب أن يبقى الأمر بعد ظهور المسيح عليه، والقول بالاشتراك أيضاً ضائع.
وإذا لم يكن الحكم إلا لله وجب أن لا يرجع في التحليل والتحريم والانقياد والائتمار إلا إليه.
"عن عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله.
قال : أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟
قال: نعم.
قال : هو ذاك" .
وعن الفضيل: لا أبالي أطعت مخلوقاً في معصية الخالق أو صليت لغير القبلة.
﴿ فإن تولوا ﴾ عن التوحيد ﴿ فقولوا ﴾ أيها المسلمون لأهل الكتاب ﴿ اشهدوا بأنا مسلمون ﴾ دونكم كما يقول الغالب لمغلوبه في جدال أو صراع: لزمتك الحجة فاعترف بأني أنا الغالب.
أو يكون من باب التعريض ومعناه فاعترفوا بأنكم كافرون حيث أعرضتم عن الحق بعد ما تبين.
ثم إن اليهود كانوا يقولون: إن إبراهيم على ديننا وكذا النصارى، فأبطل الله ذلك بأن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده.
فبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يعقل أن يكون يهودياً أو نصرانياً؟
لا يقال هذا أيضاً لازم عليكم لأنكم تدعون أن إبراهيم كان على دين الإسلام، والإسلام إنما أنزل بعده بزمان أطول مما بينه وبين إنزال التوراة والإنجيل.
لأنا نقول: القرآن أخبر بأن إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً وإنما كان حنيفاً مسلماً، وليس في الكتابين أنه كان يهودياً أو نصرانياً فظهر الفرق.
وأيضاً المسيح ما كان موجوداً في زمان إبراهيم حتى يعبد، وعبادة المسيح هي النصرانية عندكم.
وأيضاً لا نسخ في دين اليهود والنسخ جائز في ملة إبراهيم ﴿ ها أنتم هؤلاء ﴾ "ها" حرف التنبيه و ﴿ أنتم ﴾ مبتدأ و ﴿ هؤلاء ﴾ خبره و ﴿ حاججتم ﴾ جملة مستأنفة مبينة للأولى يعني أنتم هؤلاء الحمقى، وبيان حماقتكم أنكم حاججتم فيما لكم به علم مما نطق به التوراة والإنجيل من نعت محمد .
أو ليس المراد وصفهم بالعلم حقيقة وإنما أراد: هب أنكم تحاجون فيما تدعون علمه، فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به ألبتة ولا ذكر له في كتابكم؟
وعن الأخفش: ﴿ ها أنتم ﴾ أصله أأنتم على الاستفهام.
فقلبت الهزة هاء، ومعنى الاستفهام التعجب من جهالتهم.
ثم حقق ذلك بقوله: ﴿ والله يعلم ﴾ كيف كان حال هذه الشرائع في الموافقة والمخالفة ﴿ وأنتم لا تعلمون ﴾ ثم بين ذلك مفصلاً فقال: ﴿ ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين ﴾ كما لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، أو عرض بالمشركين عن اليهود والنصارى لإشراكهم بالله عزيراً والمسيح.
فإن قيل: قولكم "إبراهيم على دين الإسلام" إن أردتم به الموافقة في الأصول فليس هذا مختصاً بدين الإسلام، وإن أردتم به الموافقة في الفروع لزم أن لا يكون محمد صاحب شريعة بل كان / مقرراً لشرع من قبله.
قلنا: نختار الأول والاختصاص ثابت.
فإن اليهود والنصارى مخالفون للأصول في زماننا لقولهم بالتثليث وإشراك عزير والمسيح بالله إلى غير ذلك من قبائح أفعالهم، أو الثاني ولا يلزم ما ذكرتم لجواز أنه نسخ تلك الفروع بشرع موسى، ثم في زمان محمد نسخ شرع موسى بتلك الشريعة التي كانت ثابتة في زمان إبراهيم، فيكون محمد صاحب الشريعة مع موافقة شرعه شرع إبراهيم في معظم الفروع.
روى الواحدي "عن أصحاب رسول الله قالوا: لما هاجر جعفر بن أبي طالب وأصحابه إلى الحبشة واستقرت بهم الدار وهاجر رسول الله إلى المدينة وكان من أمر بدر ما كان، اجتمعت قريش من دار الندوة وقالوا: إن لنا في الذين عند النجاشي من أصحاب محمد ثأراً بمن قتل منكم ببدر.
فأجمعوا مالاً وأهدوه إلى النجاشي لعله يدفع إليكم من عنده من قومكم، ولينتدب لذلك رجلان من ذوي آرائكم.
فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط مع هدايا الأدم وغيره، فركبا البحر وأتيا الحبشة.
فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما عليه وقالا له: إن قومنا لك ناصحون شاكرون وإصلاحك محبون، وإنهم بعثونا إليك لنحذرك هؤلاء القوم الذين قدروا عليك لأنهم قوم رجل كذاب خرج فينا يزعم أنه رسول الله ولم يتابعه أحد منا إلا السفهاء.
وإنا كنا ضيقنا عليهم الأمر وألجأناهم إلى شعب بأرضنا لا يدخل أحد منا عليهم ولا يخرج منهم أحد، قد قتلهم الجوع والعطش.
فلما اشتد عليهم الأمر بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك، وقد جئتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكهم.
قالوا: وآية ذلك أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي يحييك بها الناس رغبة عن دينك وسنتك.
قال: فدعاهم النجاشي.
فلما حضروا صاح جعفر بالباب يستأذن عليك حزب الله.
فقال النجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه ففعل جعفر.
فقال النجاشي: نعم فليدخلوا بأمان الله وذمته.
فنظر عمرو بن العاص إلى صاحبه فقال: ألا تسمع كيف يرطنون بحزب الله وما أجابهم به النجاشي فساءهما ذلك.
ثم دخلوا عليه ولم يسجدوا له فقال عمرو بن العاص: ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك؟
فقال لهم النجاشي: ما يمنعكم أن تسجدوا لي وتحيوني بالتحية التي يحيي بها من أتاني من الآفاق؟
قالوا: نسجد لله الذي خلقك وملكك، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان، فبعث الله فينا نبياً صادقاً وأمرنا بالتحية التي رضيها الله لنا وهي السلام تحية أهل الجنة.
فعرف النجاشي أن ذلك حق وأنه في التوراة والإنجيل.
قال: أيكم الهاتف يستأذن عليك حزب الله؟
قال جعفر: أنا.
قال: فتكلم.
قال: إنك ملك من ملوك أهل الأرض ومنأهل الكتاب، ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم، وأنا أحب أن أجيب عن أصحابي.
/ فمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما ولينصت الآخر فتسمع محاورتنا.
فقال عمرو لجعفر: تكلم.
فقال جعفر للنجاشي: سل هذا الرجل أعبيد نحن أم أحرار؟
فإن كنا عبيداً أبقنا من أربابنا فأرددنا إليهم.
فقال النجاشي: أعبيد هم أم أحرار؟
فقال: بل أحرار كرام.
فقال النجاشي: نجوا من العبودية.
قال جعفر: سلهما هل أهرقنا دماً بغير حق فيقتص منا؟
فقال عمرو: لا ولا قطرة.
قال جعفر: سلهما هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤها؟
قال النجاشي: يا عمرو إن كان قنطاراً فعليّ قضاؤه.
فقال عمرو: لا ولا قيراط.
قال النجاشي: فما تطلبون منهم؟
قال عمرو: كنا وهم على دين واحد وأمر واحد على دين آبائنا، فتركوا ذلك الدين واتبعوا غيره ولزمناه نحن، فبعثنا إليك قومهم لتدفعهم إلينا.
فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الذي اتبعوه أصدقني.
قال جعفر: أما الدين الذي كنا عليه فتركناه فهو دين الشيطان وأمره.
كنا نكفر بالله عزّ وجلّ ونعبد الحجارة.
وأما الدين الذي تحولنا إليه فدين الإسلام، جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقاً له.
فقال النجاشي: يا جعفر تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك.
ثم أمر النجاشي فضرب الناقوس فاجتمع إليه كل قسيس وراهب.
فلما اجمعوا عنده قال النجاشي: أنشدكم بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبياً مرسلاً؟
فقالوا: اللهم نعم، قد بشرنا به عيسى وقال: من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي.
فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل وما يأمركم به وما ينهاكم عنه؟
قال: يقرأ علينا كتاب الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بحسن الجوار وصلة الرحم وبر اليتيم، ويأمرنا أن نعبد الله وحده لا شريك له.
فقال: اقرأ علي شيئاً مما يقرأ عليكم.
فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم ففاضت أعين النجاشي وأصحابه من الدموع وقالوا: يا جعفر زدنا من هذا الحديث الطيب.
فقرأ عليهم سورة الكهف.
فأراد عمرو أن يغضب النجاشي فقال: إنهم يشتمون عيسى وأمه.
فقال النجاشي: ما تقولون في عيسى وأمه؟
فقرأ عليهم جعفر سورة مريم.
فلما أتى ذكر مريم وعيسى رفع النجاشي نفثة من سواكه قدر ما يقذى العين وقال: والله ما زاد المسيح على ما يقولون هذا.
ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال: اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي يقول آمنون من سبكم أو أذاكم.
قال: أبشروا ولا تخافوا فلا دهورة أي لا خوف اليوم على حزب إبراهيم.
قال عمرو: يا نجاشي ومن حزب إبراهيم؟
قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاؤا من عنده ومن اتبعهم.
فأنكر ذلك المشركون وادعوا أنهم في دين إبراهيم.
ثم رد النجاشي على عمرو وأصحابه المال الذي حملوه وقال: إنما هديتكم إليّ رشوة فاقبضوها فإن الله ملكني ولم يأخذ مني رشوة.
قال جعفر: وانصرفنا فكنا في خير دار وأكرم جوار، وأنزل الله عزّ وجلّ ذلك اليوم في خصومتهم في إبراهيم على رسول الله هو بالمدينة قوله: ﴿ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ﴾ " على ملته وسنته في زمانه ﴿ وهذا النبي ﴾ يعني محمداً ﴿ والذين آمنوا ﴾ في آخر الزمان ﴿ والله ولي المؤمنين ﴾ بالنصرة والتأييد والتوفيق والتسديد.
ومعنى ﴿ أولى الناس ﴾ أخصهم به وأقربهم منه من الولي القرب.
وقرىء ﴿ وهذا النبي ﴾ بالنصب عطفاً على الهاء في ﴿ اتبعوه ﴾ وبالجر عطفاً على ﴿ إبراهيم ﴾ عن رسول الله : " إن لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليل ربي إبراهيم ثم قرأ إن أولى الناس الآية " ثم بين أنهم لا يقتصرون على هذا القدر بل يجتهدون في إضلال المؤمنين بإلقاء الشبهات وإبداء المكايد كما أرادوا بحذيفة وعمار ومعاذ بن جبل وقد ذكرناه في سورة البقرة.
﴿ وما يضلون إلا أنفسهم ﴾ لأن وبال الإضلال يعود عليهم فيضاعف لهم العذاب بالضلال والإضلال، أو وما يقدرون على إضلال المؤمنين وإنما يضلون أمثالهم من أشياعهم ﴿ وما يشعرون ﴾ أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين.
ثم وبخهم على قبائح أفعالهم بطريق الاستفهام فقال: ﴿ لم تكفرون بآيات الله ﴾ قيل: أي بالتوراة والإنجيل لما فيهما من البشارة بنبوة محمد ، أو أن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً، أو أن الدين عند الله الإسلام، ومعنى الكفر بالتوراة والإنجيل إما الكفر بما يدلان عليه فيكون قد أطلق اسم الدليل على المدلول، أو الكفر بنفس التوراة والإنجيل لأنهم كانوا يحرّفونهما وينكرون وجود تلك الآيات الدالة على نبوة محمد .
ومعنى ﴿ وأنتم تشهدون ﴾ أنهم عند حضور المسلمين وعند حضور عوامهم كانوا ينكرون اشتمال التوراة والإنجيل على نعت محمد ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض شهدوا بصحتها، وعلى هذا فيكون في الآية إخبار عن الغيب فيكون معجزاً.
وقيل: آيات الله في القرآن وشهادتهم أنهم يعرفون في قلوبهم أنه حق.
وقيل: آيات الله جملة المعجزات التي ظهرت على يد النبي .
فمعنى تشهدون أنكم تعترفون بدلالة المعجزة على صدق المدعي.
ثم لما وبخهم على الغواية أردفه التوبيخ بالإغواء.
وهو إما بإلقاء الشبهات في الدين وهو معنى لبسهم الحق بالباطل، وإما بإخفاء الدلائل وهو كتمانهم الحق.
عن الحسن وابن زيد: حرفوا التوراة فخلطوا المنزل بالمحرف.
وعن ابن عباس: أظهروا الإسلام في أول النهار ثم رجعوا عنه في آخره تشكيكاً للناس.
قيل: إن في الكتابين ما يدل على نبوة محمد والبشارة به وفيهما ما يوهم خلاف ذلك فيكون كالمحكم والمتشابه في القرآن.
فلبسوا على الضعفاء أحد الأمرين بالآخر كما يفعل كثير من المشبهة.
وهذا قول القاضي.
وقيل: كانوا يقولون: إن محمداً معترف بأن شرع موسى حق، ثم إن التوراة دلت على أنه لا ينسخ، / وكل ذلك إلقاء الشبهات.
وأما كتمان الحق فهو أن الآيات الدالة في التوراة على نبوة محمد كان الاستدلال بها مفتقراً إلى التدبر والتأمل، والقوم كانوا يجتهدون في إخفاء تلك الألفاظ التي بمجموعها يتم الاستدلال كما يفعل المبتدعة في زماننا ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ أنكم إنما تفعلون ذلك عناداً وحسداً، أو تعلمون أنكم من أهل المعرفة، أو تعلمون حقيتها، أو أن عقاب من يفعل هذه الأفعال عظيم والله حسبي.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ﴾ : ذكر في القصّة أن المشركين أخذوا عماراً وحذيفة، فقالوا لهم: ديننا أفضل من دينكم، وأفضل من الأديان كلها؛ فنزل هذا.
والأشبه أن يكون مثل هذا من رؤساء أهل الكتاب، وعلماؤهم هم الذين يتولون مثل هذا العمل، وأمّا الجهّال منهم والرذلة، فإنهم لا يفعلون هذا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ ﴾ : الإضلال: قيل فيه بوجوه: قيل: الإضلال هو الإخمال؛ أرادوا أن يَخْمُلَ ذكرهُم، ولا يُذْكَرون بعدهم أبداً، كما ذكر أولئك.
وقيل: الإضلال: الإهلاك.
وقيل: الإضلال: هو التحير، وكل ضال طريقاً فهو متحير تائه، ﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ ﴾ أي: ما يهلكون إلا أنفسهم وما يُخْمِلون إلاّ ذكر أنفسهم.
﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ .
أي: وما يشعرون أنهم يهلكون أنفسهم، أو يحيرون، وما يشعرون ماذا عليهم فيما ودّوا من أليم العقاب، والله أعلم.
ويقال: نزلت في عبد الله بن مسعود، .
وقوله: ﴿ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ .
قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ : يحتمل وجوهاً: يحتمل: وأنتم تشهدون تلك الآيات، وتعاينونها، وتعلمون أنها آيات، لكن تكابرون وتعاندون، ولا تؤمنون بها.
ويحتمل: ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ ، أي: وأنتم تعلمون ما في التوراة والإنجيل: من بعث محمد وصفته - أنه رسول الله أفضل [المخلوقات]، وأنه حق، ولكن لا تتبعونه.
وقيل: ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ ، أي: تعلمون أنها آيات؛ والآيات تحتمل: القرآن، وتحتمل: رسول الله محمداً.
وتحتمل غيرها من الآيات التي جاء بها.
وقال بعضهم: لم تكفرون بدين الله، وأنتم تعلمون بدلالة الخلقة، وشهادة كتبكم أن دين الله وتوحيده حق؟!.
وقوله: ﴿ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ : في الآية دلالة جواز هتك الستر، وإفشاء المكنون والمكتوم من الأمر؛ إذا كان في ذلك تحذير لغيرهم عن مثله، وترغيب لهم في المحمود من الفعل.
ثم فيه دلالة إثبات رسالة رسول الله ؛ لأنه يخبرهم عما كانوا يكتمون ويُسِرُّون فيما بينهم، وذلك من إطلاع الله إياه على ذلك.
﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ : ذلك؛ ألا ترى أنهم لم يتعرضوا له بشيء من ذلك، فيقولوا: متى كتمنا الحق، ومتى لبسنا الحق بالباطل؟!
فدل أنهم علموا أنه حق، وأنه رسول الله، وأن ذلك إنما عُلم بإله - عز وجل - وذلك قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ، ثم عِلْمُ ذلك يكون بأن كان ذلك في كتابهم، أو علموا بالآيات المعجزة.
ويحتمل قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ - ما جزاء من لَبَسَ الحق بالباطل وكتمه، والله أعلم.
ويحتمل: وأنتم تعلمون أنكم تلبسون الحق بالباطل.
<div class="verse-tafsir"
يتمنى أحبارٌ من أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن يضلوكم - أيها المؤمنون - عن الحق الذي هداكم الله له، وما يضلون إلا أنفسهم؛ لأن سعيهم في إضلال المؤمنين يزيد في ضلالهم هم، وما يعلمون عاقبة أفعالهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.DaxNP"
﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ ﴾ معناه إنهم بتوجههم إلى الإضلال واشتغالهم به ينصرفون عن النظر في طرق الهداية وما أوتيه النبي من الآيات البينات على كونه نبيًا هاديًا، فهم يعبثون بعقولهم ويفسدون فطرتهم باختيارهم.
ولا وجه لمن قال: إن معنى إضلال أنفسهم هو كون عاقبته شرًا عليهم ووبالًا في الآخرة لأنهم يعذبون عليه.
فإن الكلام في المحاجة وبيان اعوجاج طريقة المضلين، وأما العقاب في الآخرة على الإضلال فهو مبين في مواضع من الكتاب وليس هذا محله وهو لا يفيد هنا في الاحتجاج لأنه إنذار لغير مؤمن بالنذير، ولكل مقام مقال.
﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ : هذا النوع الذي تحكيه الآية من صد اليهود عن الإسلام مبني على قاعدة طبيعية في البشر وهي أن من علامة الحق أن لا يرجع عنه من يعرفه، وقد فقه هذا "هرقل" صاحب الروم فكان مما سأل عنه أبا سفيان من شؤون النبي عندما دعاه إلى الإسلام هل يرجع عنه من دخل في دينه؟
فقال أبو سفيان: لا.
وقد أرادت هذه الطائفة أن تغش الناس من هذه الناحية ليقولوا لولا أن ظهر لهؤلاء بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه، واطلعوا على باطنه وخوافيه، إذ لا يعقل أن يترك الانسان الحق بعد معرفته، ويرغب عنه بعد الرغبة فيه بغير سبب.
فإن قيل إن بعض الناس قد ارتدوا عن الإسلام بعد الدخول فيه رغبة لا حيلة ومكيدة كما كاد هؤلاء فماذا تقول في هؤلاء؟
والجواب عن هذا يرجع إلى قاعدة أخرى وهي أن بعض الناس قد يدخل في الشيء رغبة فيه لاعتقاده أن فيه منفعة له لا لاعتقاده أنه حق في نفسه فإذا بدا له في ذلك ما لم يكن يحتسب وخاب ظنه في المنفعة فإنه يترك ذلك الشيء.
ويظهر لي أن النبي ما أمر بقتل المرتد إلا لتخويف أولئك الذين كانوا يدبرون المكايد لإرجاع الناس عن الإسلام بالتشكيك فيه لأن مثل هذه المكايد إذا لم يكن لها أثر في نفوس الأقوياء من الصحابة الذين عرفوا الحق ووصلوا فيه إلى عين اليقين فإنها قد تخدع الضعفاء الذين يدخلون في الإسلام لتفضيله على الوثنية في الجملة قبل أن تطمئن قلوبهم بالإيمان كالذين كانوا يعرفون بالمؤلفة قلوبهم.
وبهذا يتفق الحديث الآمر بذلك مع الآيات النافية للإكراه في الدين والمنكرة فيما رأى، وقد أفتيت بذلك كما ظهر لي.
والله أعلم.
﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ هذا من قول الكائدين من أهل الكتاب.
وآمن له صدقه وسلم له ما يقول قال تعالى: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ﴾ وقال حكاية عن إخوة يوسف: ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا ﴾ .
الإيمان يتعدى باللام إذا أريد بالتصديق الثقة والركون كقوله: ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي فيكون تصديقًا خاصًا تضمن معنى زائدًا، وذلك أن اليهود حصروا الثقة بأنفسهم لزعمهم أن النبوة لا تكون إلا فيهم، بل غلوا في التعصب والغرور حتى حقروا جميع الناس، فجعلوا كل ما يكون من أنفسهم حسنًا وما يكون من غيرهم قبيحًا، وهذا من الانتكاس الذي يحول بين أهله وبين كل خير، وإننا نرى من الناس اليوم من يحاول تغرير قومه بحملهم على أن يكونوا كذلك يحقرون كل ما لم يأت منهم وإن كان حسنًا، فنعوذ بالله من الخذلان، وعسى أن يعتبر هؤلاء بما رد الله به على أهل الكتاب إذ قال لنبيه: ﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ﴾ لا هدى شعب معين هو لازم من لوازم ذاته فهو سبحانه يبين هداه على لسان من شاء من عباده لا تتقيد مشيئته بأحد ولا بشعب.
<div class="verse-tafsir"