الآية ٧ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٧ من سورة آل عمران

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌۭ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌۭ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌۭ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ ٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 415 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

خبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب ، أي : بينات واضحات الدلالة ، لا التباس فيها على أحد من الناس ، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم ، فمن رد ما اشتبه عليه إلى الواضح منه ، وحكم محكمه على متشابهه عنده ، فقد اهتدى .

ومن عكس انعكس ، ولهذا قال تعالى : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ) أي : أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ( وأخر متشابهات ) أي : تحتمل دلالتها موافقة المحكم ، وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب ، لا من حيث المراد .

وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه ، فروي عن السلف عبارات كثيرة ، فقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس [ أنه قال ] المحكمات ناسخه ، وحلاله وحرامه ، وحدوده وفرائضه ، وما يؤمر به ويعمل به .

وكذا روي عن عكرمة ، ومجاهد ، وقتادة ، والضحاك ، ومقاتل بن حيان ، والربيع بن أنس ، والسدي أنهم قالوا : المحكم الذي يعمل به .

وعن ابن عباس أيضا أنه قال : المحكمات [ في ] قوله تعالى : ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ) [ الأنعام : 151 ] والآيتان بعدها ، وقوله تعالى : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) [ الإسراء : 23 ] إلى ثلاث آيات بعدها .

رواه ابن أبي حاتم ، وحكاه عن سعيد بن جبير [ ثم ] قال : حدثنا أبي ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن إسحاق بن سويد أن يحيى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا في هذه الآية : ( هن أم الكتاب ) فقال أبو فاختة : فواتح السور .

وقال يحيى بن يعمر : الفرائض ، والأمر والنهي ، والحلال والحرام .

وقال ابن لهيعة ، عن عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير : ( هن أم الكتاب ) يقول : أصل الكتاب ، وإنما سماهن أم الكتاب ، لأنهن مكتوبات في جميع الكتب .

وقال مقاتل بن حيان : لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهن .

وقيل في المتشابهات : إنهن المنسوخة ، والمقدم منه والمؤخر ، والأمثال فيه والأقسام ، وما يؤمن به ولا يعمل به .

رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس .

وقيل : هي الحروف المقطعة في أوائل السور ، قاله مقاتل بن حيان .

وعن مجاهد : المتشابهات يصدق بعضهن بعضا .

وهذا إنما هو في تفسير قوله : ( كتابا متشابها مثاني ) [ الزمر : 23 ] هناك ذكروا : أن المتشابه هو الكلام الذي يكون في سياق واحد ، والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين كصفة الجنة وصفة النار ، وذكر حال الأبرار ثم حال الفجار ، ونحو ذلك ، فأما هاهنا فالمتشابه هو الذي يقابل المحكم .

وأحسن ما قيل فيه الذي قدمناه ، وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار ، رحمه الله ، حيث قال : ( منه آيات محكمات هن أم الكتاب ) فيهن حجة الرب ، وعصمة العباد ، ودفع الخصوم والباطل ، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه .

قال : والمتشابهات في الصدق ، لهن تصريف وتحريف وتأويل ، ابتلى الله فيهن العباد ، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل ، ولا يحرفن عن الحق .

ولهذا قال تعالى : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) أي : ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل ( فيتبعون ما تشابه منه ) أي : إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة ، وينزلوه عليها ، لاحتمال لفظه لما يصرفونه ، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه ، لأنه دامغ لهم وحجة عليهم ، ولهذا قال : ( ابتغاء الفتنة ) أي : الإضلال لأتباعهم ، إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن ، وهذا حجة عليهم لا لهم ، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى هو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم ، وتركوا الاحتجاج بقوله [ تعالى ] ( إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ) [ الزخرف : 59 ] وبقوله : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) [ آل عمران : 59 ] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله ، وعبد ورسول من رسل الله .

وقوله : ( وابتغاء تأويله ) أي : تحريفه على ما يريدون ، وقال مقاتل والسدي : يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة ، عن عائشة قالت : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات [ فأما الذين في قلوبهم زيغ ] ) إلى قوله : ( أولو الألباب ) فقال : " فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم .

هكذا وقع هذا الحديث في مسند الإمام أحمد ، رحمه الله ، من رواية ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، ليس بينهما أحد .

وهكذا رواه ابن ماجه من طريق إسماعيل ابن علية وعبد الوهاب الثقفي ، كلاهما عن أيوب ، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة ، عنها .

ورواه محمد بن يحيى العبدي في مسنده عن عبد الوهاب الثقفي ، عن أيوب ، به .

وكذا رواه عبد الرزاق ، عن معمر عن أيوب .

وكذا رواه غير واحد عن أيوب .

وقد رواه ابن حبان في صحيحه ، من حديث أيوب ، به .

وتابع أيوب أبو عامر الخزاز وغيره عن ابن أبي مليكة ، فرواه الترمذي عن بندار ، عن أبي داود الطيالسي ، عن أبي عامر الخزاز ، فذكره .

وهكذا رواه سعيد بن منصور في سننه ، عن حماد بن يحيى الأبح ، عن عبد الله بن أبي مليكة ، عن عائشة .

ورواه ابن جرير ، من حديث روح بن القاسم ونافع بن عمر الجمحي ، كلاهما عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، به .

وقال نافع في روايته عن ابن أبي مليكة : حدثتني عائشة ، فذكره .

وقد روى هذا الحديث البخاري ، رحمه الله ، عند تفسير هذه الآية ، ومسلم في كتاب القدر من صحيحه ، وأبو داود في السنة من سننه ، ثلاثتهم ، عن القعنبي ، عن يزيد بن إبراهيم التستري ، عن ابن أبي مليكة ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات [ هن أم الكتاب وأخر متشابهات ] ) إلى قوله : ( وما يذكر إلا أولو الألباب ) قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " لفظ البخاري .

وكذا رواه الترمذي أيضا ، عن بندار ، عن أبي داود الطيالسي ، عن يزيد بن إبراهيم التستري ، به .

وقال : حسن صحيح .

وذكر أن يزيد بن إبراهيم التستري تفرد بذكر القاسم في هذا الإسناد ، وقد رواه غير واحد عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، ولم يذكروا القاسم .

كذا قال .

ورواه ابن المنذر في تفسيره من طريقين عن النعمان بن محمد بن الفضل السدوسي - ولقبه عارم - حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، به .

وقد رواه ابن أبي حاتم فقال : حدثنا أبي ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري وحماد بن سلمة ، عن ابن أبي مليكة ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله ، فاحذروهم " .

وقال ابن جرير : حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد بن مسلم ، عن حماد بن سلمة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : نزع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية : ( فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد حذركم الله ، فإذا رأيتموهم فاعرفوهم " .

ورواه ابن مردويه من طريق أخرى ، عن القاسم ، عن عائشة به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو كامل ، حدثنا حماد ، عن أبي غالب قال : سمعت أبا أمامة يحدث ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ) قال : " هم الخوارج " ، وفي قوله : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) .

[ آل عمران : 106 ] قال : " هم الخوارج " .

وقد رواه ابن مردويه من غير وجه ، عن أبي غالب ، عن أبي أمامة مرفوعا ، فذكره .

وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفا من كلام الصحابي ، ومعناه صحيح ، فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج ، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حنين ، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة ، ففاجئوه بهذه المقالة ، فقال قائلهم - وهو ذو الخويصرة - بقر الله خاصرته - اعدل فإنك لم تعدل ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل ، أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني " .

فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب - وفي رواية : خالد بن الوليد - [ ولا بعد في الجمع ] - رسول الله في قتله ، فقال : " دعه فإنه يخرج من ضئضئ هذا - أي : من جنسه - قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، وقراءته مع قراءتهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم .

ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب ، وقتلهم بالنهروان ، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة ، ثم نبعت القدرية ، ثم المعتزلة ، ثم الجهمية ، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق في قوله : " وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة " قالوا : [ من ] هم يا رسول الله ؟

قال : " من كان على ما أنا عليه وأصحابي " أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة .

وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو موسى ، حدثنا عمرو بن عاصم ، حدثنا المعتمر ، عن أبيه ، عن قتادة ، عن الحسن عن جندب بن عبد الله أنه بلغه ، عن حذيفة - أو سمعه منه - يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر : " إن في أمتي قوما يقرءون القرآن ينثرونه نثر الدقل ، يتأولونه على غير تأويله " .

[ لم ] يخرجوه .

[ وقوله ] ( وما يعلم تأويله إلا الله ) اختلف القراء في الوقف هاهنا ، فقيل : على الجلالة ، كما تقدم عن ابن عباس أنه قال : التفسير على أربعة أنحاء : فتفسير لا يعذر أحد في فهمه ، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها ، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم ، وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل .

ويروى هذا القول عن عائشة ، وعروة ، وأبي الشعثاء ، وأبي نهيك ، وغيرهم .

وقد قال الحافظ أبو القاسم في المعجم الكبير : حدثنا هاشم بن مرثد حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش ، حدثني أبي ، حدثني ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال : أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا ، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله ، ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به [ كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ] ) الآية ، وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يبالون عليه " غريب جدا .

وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، أخبرنا أحمد بن عمرو ، أخبرنا هشام بن عمار ، أخبرنا ابن أبي حاتم عن أبيه ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن ابن العاص ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا ، فما عرفتم منه فاعملوا به ، وما تشابه منه فآمنوا به " .

وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه قال : كان ابن عباس يقرأ : " وما يعلم تأويله إلا الله ، ويقول الراسخون : آمنا به " وكذا رواه ابن جرير ، عن عمر بن عبد العزيز ، ومالك بن أنس : أنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله .

وحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود : " إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به " .

وكذا عن أبي بن كعب .

واختار ابن جرير هذا القول .

ومنهم من يقف على قوله : ( والراسخون في العلم ) وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول ، وقالوا : الخطاب بما لا يفهم بعيد .

وقد روى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس أنه قال : أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله .

وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به .

وكذا قال الربيع بن أنس .

وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير : ( وما يعلم تأويله ) الذي أراد ما أراد ( إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ) ثم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد ، فاتسق بقولهم الكتاب ، وصدق بعضه بعضا ، فنفذت الحجة ، وظهر به العذر ، وزاح به الباطل ، ودفع به الكفر .

وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس فقال : " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " .

ومن العلماء من فصل في هذا المقام ، فقال : التأويل يطلق ويراد به في القرآن معنيان ، أحدهما : التأويل بمعنى حقيقة الشيء ، وما يئول أمره إليه ، ومنه قوله تعالى : ( ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ) [ يوسف : 100 ] وقوله ( هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله ) [ الأعراف : 53 ] أي : حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد ، فإن أريد بالتأويل هذا ، فالوقف على الجلالة ، لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله عز وجل ، ويكون قوله : ( والراسخون في العلم ) مبتدأ و ( يقولون آمنا به ) خبره .

وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر وهو التفسير والتعبير والبيان عن الشيء كقوله تعالى : ( نبئنا بتأويله ) [ يوسف : 36 ] أي : بتفسيره ، فإن أريد به هذا المعنى ، فالوقف على : ( والراسخون في العلم ) لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار ، وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه ، وعلى هذا فيكون قوله : ( يقولون آمنا به ) حالا منهم ، وساغ هذا ، وهو أن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه ، كقوله : ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ) إلى قوله : ( [ والذين جاءوا من بعدهم ] يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا [ الذين سبقونا بالإيمان ] ) الآية [ الحشر : 8 - 10 ] ، وكقوله تعالى : ( وجاء ربك والملك صفا صفا ) [ الفجر : 22 ] أي : وجاءت الملائكة صفوفا صفوفا .

وقوله إخبارا عنهم أنهم ( يقولون آمنا به ) أي : بالمتشابه ( كل من عند ربنا ) أي : الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق ، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له ، لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد لقوله : ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) [ النساء : 82 ] ولهذا قال تعالى : ( وما يذكر إلا أولو الألباب ) أي : إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة .

وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف الحمصي ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا فياض الرقي ، حدثنا عبد الله بن يزيد - وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أنسا ، وأبا أمامة ، وأبا الدرداء ، رضي الله عنهم ، قال : حدثنا أبو الدرداء ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم ، فقال : " من برت يمينه ، وصدق لسانه ، واستقام قلبه ، ومن أعف بطنه وفرجه ، فذلك من الراسخين في العلم " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده قال : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما يتدارءون فقال : " إنما هلك من كان قبلكم بهذا ، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، وإنما أنزل كتاب الله ليصدق بعضه بعضا ، فلا تكذبوا بعضه ببعض ، فما علمتم منه فقولوا ، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه " .

و [ قد ] تقدم رواية ابن مردويه لهذا الحديث ، من طريق هشام بن عمار ، عن ابن أبي حازم عن أبيه ، عن عمرو بن شعيب ، به .

وقد قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده ، حدثنا زهير بن حرب ، حدثنا أنس بن عياض ، عن أبي حازم ، عن أبي سلمة قال : لا أعلمه إلا عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نزل القرآن على سبعة أحرف ، والمراء في القرآن كفر - ثلاثا - ما عرفتم منه فاعملوا به ، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه " .

وهذا إسناد صحيح ، ولكن فيه علة بسبب قول الراوي : " لا أعلمه إلا عن أبي هريرة " .

وقال ابن المنذر في تفسيره : أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، أخبرنا ابن وهب قال : أخبرني نافع بن يزيد قال : يقال : الراسخون في العلم المتواضعون لله ، المتذللون لله في مرضاته ، لا يتعاطون من فوقهم ، ولا يحقرون من دونهم .

[ ولهذا قال تعالى : ( وما يذكر إلا أولو الألباب ) أي : إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة أو الفهوم المستقيمة ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

هو الذي أنزل عليك الكتاب القول في تأويل قوله تعالى : { هو الذي أنزل عليك الكتاب } يعني بقوله جل ثناؤه : { هو الذي أنزل عليك الكتاب } أن الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء , { هو الذي أنزل عليك الكتاب } يعني بالكتاب : القرآن .

وقد أتينا على البيان فيما مضى عن السبب الذي من أجله سمي القرآن كتابا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات وأما قوله : { منه آيات محكمات } فإنه يعني من الكتاب آيات , يعني بالآيات آيات القرآن .

وأما المحكمات : فإنهن اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل , وأثبتت حججهن وأدلتهن على ما جعلن أدلة عليه من حلال وحرام , ووعد ووعيد , وثواب وعقاب , وأمر وزجر , وخبر ومثل , وعظة وعبر , وما أشبه ذلك .

ثم وصف جل ثناؤه هؤلاء الآيات المحكمات بأنهن هن أم الكتاب , يعني بذلك أنهن أصل الكتاب الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود , وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم , وما كلفوا من الفرائض في عاجلهم وآجلهم .

وإنما سماهن أم الكتاب , لأنهن معظم الكتاب , وموضع مفزع أهله عند الحاجة إليه , وكذلك تفعل العرب , تسمي الجامع معظم الشيء أما له , فتسمي راية القوم التي تجمعه في العساكر أمهم , والمدبر معظم أمر القرية والبلدة أمها .

وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته .

ووحد أم الكتاب , ولم يجمع فيقول : هن أمهات الكتاب , وقد قال هن لأنه أراد جميع الآيات المحكمات أم الكتاب , لا أن كل آية منهن أم الكتاب , ولو كان معنى ذلك أن كل آية منهن أم الكتاب , لكان لا شك قد قيل : هن أمهات الكتاب .

ونظير قول الله عز وجل : { هن أم الكتاب } على التأويل الذي قلنا في توحيد الأم وهي خبر ل " هن " قوله تعالى ذكره : { وجعلنا ابن مريم وأمه آية } 23 50 ولم يقل آيتين , لأن معناه : وجعلنا جميعهما آية , إذ كان المعنى واحدا فيما حملا فيه للخلق عبرة .

ولو كان مراده الخبر عن كل واحد منهما على انفراده , بأنه جعل للخلق عبرة , لقيل : وجعلنا ابن مريم وأمه آيتين ; لأنه قد كان في كل واحد منهما لهم عبرة .

وذلك أن مريم ولدت من غير رجل , ونطق ابنها فتكلم في المهد صبيا , فكان في كل واحد منهما للناس آية .

وقد قال بعض نحويي البصرة : إنما قيل : { هن أم الكتاب } ولم يقل : " هن أمهات الكتاب " على وجه الحكاية , كما يقول الرجل : ما لي أنصار , فتقول : أنا أنصارك , أو ما لي نظير , فتقول : نحن نظيرك .

قال : وهو شبيه " دعني من تمرتان " , وأنشد لرجل من فقعس : تعرضت لي بمكان حل تعرض المهرة في الطول تعرضا لم تأل عن قتلا لي حل أي يحل به , على الحكاية , لأنه كان منصوبا قبل ذلك , كما يقول : نودي : الصلاة الصلاة , يحكي قول القائل : الصلاة الصلاة !

وقال : قال بعضهم : إنما هي أن قتلا لي , ولكنه جعله " عن " لأن أن في لغته تجعل موضعها " عن " والنصب على الأمر , كأنك قلت : ضربا لزيد .

وهذا قول لا معنى له , لأن كل هذه الشواهد التي استشهد بها , لا شك أنهن حكايات حالتهن بما حكى عن قول غيره وألفاظه التي نطق بهن , وأن معلوما أن الله جل ثناؤه لم يحك عن أحد قوله : أم الكتاب , فيجوز أن يقال : أخرج ذلك مخرج الحكاية عمن قال ذلك كذلك .

وأما قوله { وأخر } فإنها جمع أخرى .

ثم اختلف أهل العربية في العلة التي من أجلها لم يصرف " أخر " , فقال بعضهم : لم يصرف أخر من أجل أنها نعت واحدتها أخرى , كما لم تصرف جمع وكتع , لأنهن نعوت .

وقال آخرون : إنما لم تصرف الأخر لزيادة الياء التي في واحدتها , وأن جمعها مبني على واحدها في ترك الصرف , قالوا : وإنما ترك صرف أخرى , كما ترك صرف حمراء وبيضاء في النكرة والمعرفة لزيادة المدة فيها والهمزة بالواو , ثم افترق جمع حمراء وأخرى , فبني جمع أخرى على واحدته , فقيل : فعل أخر , فترك صرفها كما ترك صرف أخرى , وبني جمع حمراء وبيضاء على خلاف واحدته , فصرف , فقيل حمر وبيض .

فلاختلاف حالتيهما في الجمع اختلف إعرابهما عندهم في الصرف , ولاتفاق حالتيهما في الواحدة اتفقت حالتاهما فيها .

وأما قوله : { متشابهات } فإن معناه : متشابهات في التلاوة , مختلفات في المعنى , كما قال جل ثناؤه : { وأتوا به متشابها } 2 25 يعني في المنظر : مختلفا في المطعم , وكما قال مخبرا عمن أخبر عنه من بني إسرائيل أنه قال : { إن البقر تشابه علينا } 2 70 يعنون بذلك : تشابه علينا في الصفة , وإن اختلفت أنواعه .

فتأويل الكلام إذا : إن الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء , هو الذي أنزل عليك يا محمد القرآن , منه آيات محكمات بالبيان , هن أصل الكتاب الذي عليه عمادك وعماد أمتك في الدين , وإليه مفزعك ومفزعهم فيما افترضت عليك وعليهم من شرائع الإسلام , وآيات أخر هن متشابهات في التلاوة , مختلفات في المعاني .

وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : { منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } وما المحكم من آي الكتاب , وما المتشابه منه ؟

فقال بعضهم : المحكمات من آي القرآن : المعمول بهن , وهن الناسخات , أو المثبتات الأحكام ; والمتشابهات من آيه : المتروك العمل بهن , المنسوخات .

ذكر من قال ذلك : 5163 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا العوام , عمن حدثه , عن ابن عباس في قوله : { منه آيات محكمات } قال : هي الثلاث الآيات التي ههنا : { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } 6 151 إلى ثلاث آيات , والتي في بني إسرائيل : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } 17 23 إلى آخر الآيات .

5164 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثنا معاوية بن صالح , عن على بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله : { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب } المحكمات : ناسخه , وحلاله , وحرامه , وحدوده , وفرائضه , وما يؤمن به , ويعمل به .

قال : { وأخر متشابهات } والمتشابهات : منسوخه , ومقدمه , ومؤخره , وأمثاله , وأقسامه , وما يؤمن به , ولا يعمل به .

5165 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس في قوله : { هو الذي أنزل عليك الكتاب } إلى : { وأخر متشابهات } فالمحكمات التي هي أم الكتاب : الناسخ الذي يدان به ويعمل به ; والمتشابهات : هن المنسوخات التي لا يدان بهن .

5166 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي في خبر ذكره , عن أبي مالك , وعن أبي صالح , عن ابن عباس , وعن مرة الهمداني , عن ابن مسعود , وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب } إلى قوله : { كل من عند ربنا } أما الآيات المحكمات : فهن الناسخات التي يعمل بهن ; وأما المتشابهات : فهن المنسوخات .

5167 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب } والمحكمات : الناسخ الذي يعمل به ما أحل الله فيه حلاله وحرم فيه حرامه ; وأما المتشابهات : فالمنسوخ الذي لا يعمل به ويؤمن 5168 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { آيات محكمات } قال : المحكم : ما يعمل به .

5169 - حدثنا المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع : { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } قال : المحكمات : الناسخ الذي يعمل به , والمتشابهات : المنسوخ الذي لا يعمل به , ويؤمن به .

5170 - حدثني المثنى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك في قوله : { آيات محكمات هن أم الكتاب } قال : الناسخات , { وأخر متشابهات } قال : ما نسخ وترك يتلى .

* - حدثني ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سلمة بن نبيط , عن الضحاك بن مزاحم , قال : المحكم ما لم ينسخ , وما تشابه منه : ما نسخ .

* - حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : أخبرنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { آيات محكمات هن أم الكتاب } قال : الناسخ , { وأخر متشابهات } قال : المنسوخ .

5171 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع : { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } قال : المحكمات : الذي يعمل به .

* - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ يحدث , قال : أخبرنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { منه آيات محكمات } يعني : الناسخ الذي يعمل به , { وأخر متشابهات } يعني المنسوح , يؤمن به ولا يعمل به .

* - حدثني أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا سلمة , عن الضحاك : { منه آيات محكمات } قال : ما لم ينسخ , { وأخر متشابهات } قال : ما قد نسخ .

وقال آخرون : المحكمات من آي الكتاب : ما أحكم الله فيه بيان حلاله وحرامه ; والمتشابه منها : ما أشبه بعضه بعضا في المعاني وإن اختلفت ألفاظه .

ذكر من قال ذلك : 5172 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { منه آيات محكمات } ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك , فهو متشابه يصدق بعضه بعضا , وهو مثل قوله : { وما يضل به إلا الفاسقين } 2 26 ومثل قوله : { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } 6 125 ومثل قوله : { والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم } 47 17 * - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد .

مثله .

وقال آخرون : المحكمات من آي الكتاب : ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد ; والمتشابه منه : ما احتمل من التأويل أوجها .

ذكر من قال ذلك : 5173 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن محمد بن إسحاق , قال : ثني محمد بن جعفر بن الزبير : { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات } فيهن حجة الرب , وعصمة العباد , ودفع الخصوم والباطل , ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه .

وأخر متشابهة في الصدق , لهن تصريف وتحريف وتأويل , ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام , لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق .

وقال آخرون : معنى المحكم : ما أحكم الله فيه من آي القرآن وقصص الأمم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم , ففصله ببيان ذلك لمحمد وأمته .

والمتشابه : هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور فقصة باتفاق الألفاظ واختلافه المعاني , وقصة باختلاف الألفاظ واتفاق المعانى .

ذكر من قال ذلك : 5174 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد وقرأ : { الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } 11 1 قال .

وذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربع وعشرين آية منها , وحديث نوح في أربع وعشرين آية منها .

ثم قال : { تلك من أنباء الغيب } 11 49 ثم ذكر : { وإلى عاد } فقرأ حتى بلغ : { واستغفروا ربكم } 11 90 ثم مضى ثم ذكر صالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا , وفرغ من ذلك .

وهذا يقين , ذلك يقين أحكمت آياته ثم فصلت .

قال : والمتشابه ذكر موسى في أمكنة كثيرة , وهو متشابه , وهو كله معنى واحد ومتشابه : { اسلك فيها } 23 27 { احمل فيها } 11 40 { اسلك يدك } 28 32 { أدخل يدك } 27 12 { حية تسعى } 20 20 { ثعبان مبين } 7 107 قال .

ثم ذكر هودا في عشر آيات منها , وصالحا في ثماني آيات منها وإبراهيم في ثماني آيات أخرى , ولوطا في ثماني آيات منها , وشعيبا في ثلاث عشرة آية , وموسى في أربع آيات , كل هذا يقضي بين الأنبياء وبين قومهم في هذه السورة , فانتهى ذلك إلى مائة آية من سورة هود , ثم قال : { ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد } 11 100 وقال في المتشابه من القرآن : من يرد الله به البلاء والضلالة , يقول : ما شأن هذا لا يكون هكذا , وما شأن هذا لا يكون هكذا ؟

وقال آخرون : بل المحكم من آي القرآن : ما عرف العلماء تأويله , وفهموا معناه وتفسيره ; والمتشابه : ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه دون خلقه , وذلك نحو الخبر عن وقت مخرج عيسى ابن مريم , ووقت طلوع الشمس من مغربها , وقيام الساعة , وفناء الدنيا , وما أشبه ذلك , فإن ذلك لا يعلمه أحد .

وقالوا : إنما سمى الله من آي الكتاب المتشابه الحروف المقطعة التي في أوائل بعض سور القرآن من نحو الم , والمص , والمر , والر , وما أشبه ذلك , لأنهن متشابهات في الألفاظ , وموافقات حروف حساب الجمل .

وكان قوم من اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم طمعوا أن يدركوا من قبلها معرفة مدة الإسلام وأهله , ويعلموا نهاية أكل محمد وأمته , فأكذب الله أحدوثتهم بذلك , وأعلمهم أن ما ابتغوا علمه من ذلك من قبل هذه الحروف المتشابهة لا يدركونه ولا من قبل غيرها , وأن ذلك لا يعلمه إلا الله .

وهذا قول ذكر عن جابر بن عبد الله بن رئاب أن هذه الآية نزلت فيه , وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه وعن غيره ممن قال نحو مقالته في تأويل ذلك في تفسير قوله : { الم ذلك الكتاب لا ريب فيه } 2 1 : 2 وهذا القول الذي ذكرناه عن جابر بن عبد الله أشبه بتأويل الآية , وذلك أن جميع ما أنزل الله عز وجل من آي القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فإنما أنزله عليه بيانا له ولأمته وهدى للعالمين , وغير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليه , ولا أن يكون فيه ما بهم إليه الحاجة , ثم لا يكون لهم إلى علم تأويله سبيل .

فإذا كان ذلك كذلك , فكل ما فيه لخلقه إليه الحاجة , وإن كان في بعضه ما بهم عن بعض معانيه الغنى , وإن اضطرته الحاجة إليه في معان كثيرة , وذلك كقول الله عز وجل : { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا } 6 158 فأعلم النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن تلك الآية التي أخبر الله جل ثناؤه عباده أنها إذا جاءت لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ذلك , هي طلوع الشمس من مغربها .

فالذي كانت بالعباد إليه الحاجة من علم ذلك هو العلم منهم بوقت نفع التوبة بصفته بغير تحديده بعد بالسنين والشهور والأيام , فقد بين الله ذلك لهم بدلالة الكتاب , وأوضحه لهم على لسان رسول صلى الله عليه وسلم مفسرا .

والذي لا حاجة لهم إلى علمه منه هو العلم بمقدار المدة التي بين وقت نزول هذه الآية ووقت حدوث تلك الآية , فإن ذلك مما لا حاجة بهم إلى علمه في دين ولا دنيا , وذلك هو العلم الذي استأثر الله جل ثناؤه به دون خلقه , فحجبه عنهم , وذلك وما أشبهه هو المعنى الذي طلبت اليهود معرفته في مدة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته من قبل قوله : الم , والمص , والر , والمر , ونحو ذلك من الحروف المقطعة المتشابهات , التي أخبر الله جل ثناؤه أنهم لا يدركون تأويل ذلك من قبله , وأنه لا يعلم تأويله إلا الله .

فإذا كان المتشابه هو ما وصفنا , فكل ما عداه فمحكم , لأنه لن يخلو من أن يكون محكما بأنه بمعنى واحد لا تأويل له غير تأويل واحد , وقد استغني بسماعه عن بيان يبينه , أو يكون محكما , وإن كان ذا وجوه وتأويلات وتصرف في معان كثيرة , فالدلالة على المعنى المراد منه إما من بيان الله تعالى ذكره عنه أو بيان رسوله صلى الله عليه وسلم لأمته , ولن يذهب علم ذلك عن علماء الأمة لما قد بينا .

القول في تأويل قوله تعالى : { هن أم الكتاب } قد أتينا على البيان عن تأويل ذلك بالدلالة الشاهدة على صحة ما قلنا فيه , ونحن ذاكرو اختلاف أهل التأويل فيه .

وذلك أنهم اختلفوا في تأويله , فقال بعضهم : معنى قوله : { هن أم الكتاب } هن اللائي فيهن الفرائض والحدود والأحكام , نحو قيلنا الذي قلنا فيه .

ذكر من قال ذلك : 5175 - حدثنا عمران بن موسى القزاز , قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد , قال : ثنا إسحاق بن سويد , عن يحيى بن يعمر أنه قال في هذه الآية : { محكمات هن أم الكتاب } قال يحيى : هن اللاتي فيهن الفرائض والحدود وعماد الدين , وضرب لذلك مثلا فقال : أم القرى مكة , وأم خراسان مرو , وأم المسافرين الذين يجعلون إليه أمرهم , ويعنى بهم في سفرهم , قال : فذاك أمهم .

5176 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { هن أم الكتاب } قال : هن جماع الكتاب .

وقال آخرون : بل معني بذلك فواتح السور التي منها يستخرج القرآن .

ذكر من قال ذلك : 5177 - حدثنا عمران بن موسى , قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد , قال : ثنا إسحاق بن سويد , عن أبي فاختة أنه قال في هذه الآية : { منه آيات محكمات هن أم الكتاب } قال : أم الكتاب : فواتح السور , منها يستخرج القرآن ; { الم ذلك الكتاب } 2 1 : 2 منها استخرجت البقرة , و { الم الله لا إله إلا هو } منها استخرجت آل عمران .فأما الذين في قلوبهم زيغ القول في تأويل قوله تعالى : { فأما الذين في قلوبهم زيغ } يعني بذلك جل ثناؤه : فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق , وانحراف عنه .

يقال منه : زاغ فلان عن الحق , فهو يزيغ عنه زيغا وزيغانا وزيوغة وزيوغا , وأزاغه الله : إذا أماله , فهو يزيغه , ومنه قوله جل ثناؤه : { ربنا لا تزغ قلوبنا } لا تملها عن الحق { بعد إذ هديتنا } 3 8 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 5178 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال : ثني ابن إسحاق , عن محمد بن جعفر بن الزبير : { فأما الذين في قلوبهم زيغ } أي ميل عن الهدى .

5179 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : { في قلوبهم زيغ } قال : شك .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

5180 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : { فأما الذين في قلوبهم زيغ } قال : من أهل الشك .

5181 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك , وعن أبي صالح , عن ابن عباس , وعن مرة الهمداني , عن ابن مسعود , وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : { فأما الذين في قلوبهم زيغ } أما الزيغ : فالشك .

5182 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , قال : { زيغ } شك .

قال ابن جريج { الذين في قلوبهم زيغ } المنافقون .فيتبعون ما تشابه منه القول في تأويل قوله تعالى : { فيتبعون ما تشابه منه } يعني بقوله جل ثناؤه : { فيتبعون ما تشابه منه } ما تشابهت ألفاظه وتصرفت معانيه بوجوه التأويلات , ليحققوا بادعائهم الأباطيل من التأويلات في ذلك ما هم عليه من الضلالة والزيغ عن محجة الحق تلبيسا منهم بذلك على من ضعفت معرفته بوجوه تأويل ذلك وتصاريف معانيه .

كما : 5183 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { فيتبعون ما تشابه منه } فيحملون المحكم على المتشابه , والمتشابه على المحكم , ويلبسون , فلبس الله عليهم .

5184 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن محمد بن جعفر بن الزبير : { فيتبعون ما تشابه منه } أي ما تحرف منه وتصرف , ليصدقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا , ليكون لهم حجة على ما قالوا وشبهة .

5185 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد في قوله : { فيتبعون ما تشابه منه } قال : الباب الذي ضلوا منه وهلكوا فيه ابتغاء تأويله .

وقال آخرون في ذلك بما : 5186 - حدثني به موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي في قوله : { فيتبعون ما تشابه منه } يتبعون المنسوخ والناسخ , فيقولون : ما بال هذه الآية عمل بها كذا وكذا مجاز هذه الآية , فتركت الأولى وعمل بهذه الأخرى ؟

هلا كان العمل بهذه الآية قبل أن تجيء الأولى التي نسخت .

وما باله يعد العذاب من عمل عملا يعد به النار وفي مكان آخر من عمله فإنه لم يوجب النار .

واختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية , فقال بعضهم : عني به الوفد من نصارى نجران الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فحاجوه بما حاجوه به , وخاصموه بأن قالوا : ألست تزعم أن عيسى روح الله وكلمته ؟

وتأولوا في ذلك ما يقولون فيه من الكفر .

ذكر من قال ذلك : 5187 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , قال : عمدوا - يعني الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى نجران - فخاصموا النبي صلى الله عليه وسلم , قالوا : ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه ؟

قال : " بلى " , قالوا : فحسبنا !

فأنزل الله عز وجل : { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة } ثم إن الله جل ثناؤه أنزل : { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم } .

..

الآية .

3 59 وقال آخرون : بل أنزلت هذه الآية في أبي ياسر بن أخطب , وأخيه حيي بن أخطب , والنفر الذين ناظروا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدر مدة أكله وأكل أمته , وأرادوا علم ذلك من قبل قوله : الم , والمص والمر , والر فقال الله جل ثناؤه فيهم : { فأما الذين في قلوبهم زيغ } يعني هؤلاء اليهود الذين قلوبهم مائلة عن الهدى والحق , { فيتبعون ما تشابه منه } يعني معاني هذه الحروف المقطعة المحتملة التصريف في الوجوه المختلفة التأويلات ابتغاء الفتنة .

وقد ذكرنا الرواية بذلك فيما مضى قبل في أول السورة التي تذكر فيها البقرة .

وقال آخرون : بل عنى الله عز وجل بذلك كل مبتدع في دينه بدعة مخالفة لما ابتعث به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بتأويل يتأوله من بعض آي القرآن المحتملة التأويلات , وإن كان الله قد أحكم بيان ذلك , أما في كتابه وإما على لسان رسوله .

ذكر من قال ذلك : 5188 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة } .

وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية : { فأما الذين في قلوبهم زيغ } قال : إن لم يكونوا الحرورية والسبئية فلا أدري من هم .

ولعمري لقد كان في أهل بدر والحديبية الذين شهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان من المهاجرين والأنصار , خبر لمن استخبر , وعبرة لمن استعبر , لمن كان يعقل أو يبصر .

إن الخوارج خرجوا وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ كثير بالمدينة والشام والعراق وأزواجه يومئذ أحياء , والله إن خرج منهم ذكر ولا أنثى حروريا قط , ولا رضوا الذي هم عليه ولا مالئوهم فيه , بل كانوا يحدثون بعيب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه ونعته الذي نعتهم به , وكانوا يبغضونهم بقلوبهم ويعادونهم بألسنتهم وتشتد والله عليهم أيديهم إذا لقوهم .

ولعمري لو كان أمر الخوارج هدى لاجتمع , ولكنه كان ضلالا فتفرق , وكذلك الأمر إذا كان من عند غير الله وجدت فيه اختلافا كثيرا , فقد ألاصوا هذا الأمر منذ زمان طويل , فهل أفلحوا فيه يوما أو أنجحوا ؟

يا سبحان الله كيف لا يعتبر آخر هؤلاء القوم بأولهم ؟

لو كانوا على هدى قد أظهره الله وأفلجه ونصره , ولكنهم كانوا على باطل أكذبه الله وأدحضه , فهم كما رأيتهم كلما خرج لهم قرن أدحض الله حجتهم , وأكذب أحدوثتهم , وأهرق دماءهم ; وإن كتموا كان قرحا في قلوبهم وغما عليهم , وإن أظهروه أهرق الله دماءهم , ذاكم والله دين سوء فاجتنبوه .

والله إن اليهود لبدعة , وإن النصرانية لبدعة , وإن الحرورية لبدعة , وإن السبئية لبدعة , ما نزل بهن كتاب ولا سنهن نبي .

* - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } طلب القوم التأويل فأخطئوا التأويل , وأصابوا الفتنة , فاتبعوا ما تشابه منه فهلكوا من ذلك .

لعمري لقد كان في أصحاب بدر والحديبية الذين شهدوا بيعة الرضوان .

وذكر نحو حديث عبد الرزاق , عن معمر , عنه .

5189 - حدثني محمد بن خالد بن خداش ويعقوب بن إبراهيم , قالا : ثنا إسماعيل بن علية , عن أيوب , عن عبد الله بن أبي مليكة , عن عائشة قالت : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : { هو الذي أنزل عليك الكتاب } إلى قوله : { وما يذكر إلا أولوا الألباب } فقال : " فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم " .

* - حدثنا ابن عبد الأعلى , قال : ثنا المعتمر بن سليمان , قال : سمعت أيوب , عن عبد الله بن أبي مليكة , عن عائشة أنها قالت : قرأ نبي الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : { هو الذي أنزل عليك الكتاب } إلى : { وما يذكر إلا أولوا الألباب } .

قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه " أو قال : ويتجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم قال مطر , عن أيوب أنه قال : " فلا تجالسوهم , فهم الذين عنى الله فاحذروهم " .

* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا أيوب , عن ابن أبي مليكة , عن عائشة , عن النبي صلى الله عليه وسلم , بنحو معناه .

* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن أيوب , عن ابن أبي مليكة , عن عائشة , عن النبي صلى الله عليه وسلم , نحوه .

5190 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرنا الحارث , عن أيوب , عن ابن أبي مليكة عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : قرأ رسول الله هذه الآية : { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } .

..

الآية كلها , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه والذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله أولئك الذين قال الله : فلا تجالسوهم " .

5191 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو أسامة , عن يزيد بن إبراهيم , عن ابن أبي مليكة , قال : سمعت القاسم بن محمد يحدث عن عائشة , قالت : تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية : { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب } ثم قرأ إلى آخر الآيات , فقال : " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه , فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " .

5192 - حدثنا علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , عن حماد بن سلمة , عن عبد الرحمن بن القاسم , عن أبيه , عن عائشة , قالت : نزع رسول الله صلى الله عليه وسلم : { يتبعون ما تشابه منه } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد حذركم الله , فإذا رأيتموهم فاعرفوهم " .

5193 - حدثنا علي , قال : ثنا الوليد , عن نافع , عن عمر , عن عائشة , قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيتموهم فاحذروهم !

" , ثم نزع : { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه } " ولا يعلمون بمحكمه " .

* - حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب , قال : أخبرنا عمي , قال : أخبرني شبيب بن سعيد , عن روح بن القاسم , عن ابن أبي مليكة , عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية : { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم } فقال : " فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم " .

* - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا خالد بن نزار , عن نافع , عن ابن أبي مليكة , عن عائشة في هذه الآية : { هو الذي أنزل عليك الكتاب } .

..

الآية .

يتبعها : يتلوها , ثم يقول : " فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فاحذروهم فهم الذين عنى الله " .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا يزيد بن هارون , عن حماد بن سلمة , عن ابن أبي مليكة , عن القاسم , عن عائشة , عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية : { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب } إلى آخر الآية , قال : " هم الذين سماهم الله , فإذا رأيتموهم فاحذروهم " .

قال أبو جعفر : والذي يدل عليه ظاهر هذه الآية أنها نزلت في الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمتشابه ما أنزل إليه من كتاب الله إما في أمر عيسى , وإما في مدة أكله وأكل أمته , وهو بأن تكون في الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمتشابهه في مدته ومدة أمته أشبه , لأن قوله : { وما يعلم تأويله إلا الله } دال على أن ذلك إخبار عن المدة التي أرادوا علمها من قبل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله .

فأما أمر عيسى وأسبابه , فقد أعلم الله ذلك نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته وبينه لهم , فمعلوم أنه لم يعن إلا ما كان خفيا عن الآحاد .ابتغاء الفتنة القول في تأويل قوله تعالى : { ابتغاء الفتنة } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , فقال بعضهم : معنى ذلك : ابتغاء الشرك .

ذكر من قال ذلك : 5194 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { ابتغاء الفتنة } قال : إرادة الشرك .

5195 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { ابتغاء الفتنة } يعني الشرك .

وقال آخرون : معنى ذلك ابتغاء الشبهات .

ذكر من قال ذلك : 5196 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ابتغاء الفتنة } قال : الشبهات بها أهلكوا .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { ابتغاء الفتنة } الشبهات , قال : هلكوا به .

* - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد : { ابتغاء الفتنة } قال : الشبهات , قال : والشبهات ما أهلكوا به .

5197 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن محمد بن جعفر بن الزبير : { ابتغاء الفتنة } أي اللبس .

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : معناه : إرادة الشبهات واللبس .

فمعنى الكلام إذا : فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق وحيف عنه , فيتبعون من آي الكتاب ما تشابهت ألفاظه , واحتمل صرفه في وجوه التأويلات , باحتماله المعاني المختلفة إرادة اللبس على نفسه وعلى غيره , احتجاجا به على باطله الذي مال إليه قلبه دون الحق الذي أبانه الله فأوضحه بالمحكمات من آي كتابه .

وهذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنها نزلت فيه من أهل الشرك , فإنه معني بها كل مبتدع في دين الله بدعة , فمال قلبه إليها , تأويلا منه لبعض متشابه آي القرآن , ثم حاج به وجادل به أهل الحق , وعدل عن الواضح من أدلة آيه المحكمات إرادة منه بذلك اللبس على أهل الحق من المؤمنين , وطلبا لعلم تأويل ما تشابه عليه من ذلك كائنا من كان , وأي أصناف البدعة كان من أهل النصرانية كان أو اليهودية أو المجوسية , أو كان سبئيا , أو حروريا , أو قدريا , أو جهميا , كالذي قال صلى الله عليه وسلم : " فإذا رأيتم الذين يجادلون به فهم الذين عنى الله فاحذروهم " .

وكما : 5198 - حدثني يونس , قال : أخبرنا سفيان , عن معمر , عن ابن طاوس , عن أبيه , عن ابن عباس : وذكر عنده الخوارج , وما يلقون عند الفرار , فقال : يؤمنون بمحكمه , ويهلكون عند متشابهه .

وقرأ ابن عباس : { وما يعلم تأويله إلا الله } .

..

الآية .

وإنما قلنا : القول الذي ذكرنا أنه أولى التأويلين بقوله : { ابتغاء الفتنة } لأن الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا أهل شرك , وإنما أرادوا بطلب تأويل ما طلبوا تأويله اللبس على المسلمين والاحتجاج به عليهم ليصدوهم عما هم عليه من الحق , فلا معنى لأن يقال : فعلوا ذلك إرادة الشرك , وهم قد كانوا مشركين .وابتغاء تأويله القول في تأويل قوله تعالى : { وابتغاء تأويله } اختلف أهل التأويل في معنى التأويل الذي عنى الله جل ثناؤه بقوله : { وابتغاء تأويله } فقال بعضهم معنى ذلك : الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من انقضاء مدة أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر أمته من قبل الحروف المقطعة من حساب الجمل " الم " , و " المص " , و " الر " , و " المر " وما أشبه ذلك من الآجال .

ذكر من قال ذلك : 5199 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : أما قوله : { وما يعلم تأويله إلا الله } يعني تأويله يوم القيامة إلا الله .

وقال آخرون : بل معنى ذلك .

عواقب القرآن .

وقالوا : إنما أرادوا أن يعلموا متى يجيء ناسخ الأحكام التي كان الله جل ثناؤه شرعها لأهل الإسلام قبل مجيئه , فنسخ ما قد كان شرعه قبل ذلك .

ذكر من قال ذلك : 5200 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وابتغاء تأويله } أرادوا أن يعلموا تأويل القرآن , وهو عواقبه , قال الله : { وما يعلم تأويله إلا الله } , وتأويله عواقبه , متى يأتي الناسخ منه فينسخ المنسوخ .

وقال آخرون : معنى ذلك : وابتغاء تأويل ما تشابه من آي القرآن يتأولونه - إذ كان ذا وجوه وتصاريف في التأويلات - على ما في قلوبهم من الزيغ , وما ركبوه من الضلالة .

ذكر من قال ذلك : 5201 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن محمد بن جعفر بن الزبير : { وابتغاء تأويله } وذلك على ما ركبوا من الضلالة في قولهم , خلقنا وقضينا .

والقول الذي قاله ابن عباس من أن ابتغاء التأويل الذي طلبه القوم من المتشابه هو معرفة انقضاء المدة , ووقت قيام الساعة , والذي ذكرنا عن السدي من أنهم طلبوا وأرادوا معرفة وقت هو جاء قبل مجيئه أولى بالصواب , وإن كان السدي قد أغفل معنى ذلك من وجه صرفه إلى حصره على أن معناه : إن القوم طلبوا معرفة وقت مجيء الناسخ لما قد أحكم قبل ذلك .

وإنما قلنا : إن طلب القوم معرفة الوقت الذي هو جاء قبل مجيئه المحجوب علمه عنهم وعن غيرهم بمتشابه آي القرآن , أولى بتأويل قوله : { وابتغاء تأويله } لما قد دللنا عليه قبل من إخبار الله جل ثناؤه أن ذلك التأويل لا يعلمه إلا الله , ولا شك أن معنى قوله : " قضينا " و " فعلنا " , قد علم تأويله كثير من جهلة أهل الشرك , فضلا عن أهل الإيمان وأهل الرسوخ في العلم منهم .وما يعلم تأويله إلا الله القول في تأويل قوله تعالى : { وما يعلم تأويله إلا الله } يعني جل ثناؤه بذلك : وما يعلم وقت قيام الساعة وانقضاء مدة أكل محمد وأمته وما هو كائن , إلا الله , دون من سواه من البشر الذين أملوا إدراك علم ذلك من قبل الحساب والتنجيم والكهانة .

وأما الراسخون في العلم , فيقولون : آمنا به كل من عند ربنا , لا يعلمون ذلك , ولكن فضل علمهم في ذلك على غيرهم العلم بأن الله هو العالم بذلك دون من سواه من خلقه .

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , وهل الراسخون معطوف على اسم الله , بمعنى إيجاب العلم لهم بتأويل المتشابه , أو هم مستأنف ذكرهم بمعنى الخبر عنهم أنهم يقولون آمنا بالمتشابه , وصدقنا أن علم ذلك لا يعلمه إلا الله ؟

فقال بعضهم : معنى ذلك : وما يعلم تأويل ذلك إلا الله وحده منفردا بعلمه .

وأما الراسخون في العلم فإنهم ابتدئ الخبر عنهم بأنهم يقولون : آمنا بالمتشابه والمحكم , وأن جميع ذلك من عند الله .

ذكر من قال ذلك : 5202 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا خالد بن نزار , عن نافع , عن ابن أبي مليكة , عن عائشة , قوله : { والراسخون في العلم يقولون آمنا به } قالت : كان من رسوخهم في العلم أن آمنوا بمحكمه ومتشابهه , ولم يعلموا تأويله .

5203 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن ابن طاوس , عن أبيه , قال : كان ابن عباس يقول : { وما يعلم تأويله إلا الله } يقول الراسخون : آمنا به .

5204 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني ابن أبي الزناد , قال : قال هشام بن عروة : كان أبي يقول في هذه الآية : { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم } أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله , ولكنهم يقولون : { آمنا به كل من عند ربنا } 5205 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا عبيد الله , عن أبي نهيك الأسدي قوله : { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم } فيقول : إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا } فانتهى علمهم إلى قولهم الذي قالوا .

5206 - حدثنا المثنى , قال : ثنا ابن دكين , قال : ثنا عمرو بن عثمان بن عبد الله بن موهب , قال : سمعت عمر بن عبد العزيز يقول : { الراسخون في العلم } انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا : { آمنا به كل من عند ربنا } 5207 - حدثني يونس , قال : أخبرنا أشهب , عن مالك في قوله : { وما يعلم تأويله إلا الله } قال : ثم ابتدأ فقال : { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا } وليس يعلمون تأويله .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم , وهم مع علمهم بذلك ورسوخهم في العلم { يقولون آمنا به كل من عند ربنا } ذكر من قال ذلك : 5208 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , عن ابن عباس أنه قال : أنا ممن يعلم تأويله .

5209 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد .

{ والراسخون في العلم } يعلمون تأويله ويقولون آمنا به .

حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { والراسخون في العلم } يعلمون تأويله ويقولون آمنا به .

5210 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع : { والراسخون في العلم } يعلمون تأويله ويقولون آمنا به .

5211 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن محمد بن جعفر بن الزبير : { وما يعلم تأويله } الذي أراد ما أراد إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به .

( فكيف يختلف وهو قول واحد من رب واحد ؟

) ثم ردوا تأويل المتشابهة على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد , فاتسق بقولهم الكتاب , وصدق بعضه بعضا , فنفذت به الحجة , وظهر به العذر , وزاح به الباطل , ودمغ به الكفر .

فمن قال القول الأول في ذلك , وقال : إن الراسخين لا يعلمون تأويل ذلك , وإنما أخبر الله عنهم بإيمانهم وتصديقهم بأنه من عند الله , فإنه يرفع " الراسخين في العلم " بالابتداء في قول البصريين , ويجعل خبره " يقولون آمنا به " .

وأما في قول بعض الكوفيين فبالعائد من ذكرهم في " يقولون " , وفي قول بعضهم بجملة الخبر عنهم , وهي ويقولون " .

ومن قال القول الثاني , وزعم أن الراسخين يعلمون تأويله عطف بالراسخين على اسم الله فرفعهم بالعطف عليه .

والصواب عندنا في ذلك , أنهم مرفوعون بجملة خبرهم بعدهم وهو " يقولون " , لما قد بينا قبل من أنهم لا يعلمون تأويل المتشابه الذي ذكره الله عز وجل في هذه الآية , وهو فيما بلغني مع ذلك في قراءة أبي : " ويقول الراسخون في العلم " كما ذكرناه عن ابن عباس أنه كان يقرؤه ; وفي قراءة عبد الله : إن تأويله إلا عند الله " والراسخون في العلم يقولون " .

وأما معنى التأويل في كلام العرب : فإنه التفسير والمرجع والمصير , وقد أنشد بعض الرواة بيت الأعشى : على أنها كانت تأول حبها تأول ربعي السقاب فأصحبا وأصله من آل الشيء إلى كذا , إذا صار إليه ورجع يئول أولا وأولته أنا : صيرته إليه .

وقد قيل : إن قوله : { وأحسن تأويلا } 4 59 أي جزاء , وذلك أن الجزاء هو الذي آل إليه أمر القوم وصار إليه .

ويعني بقوله : وتأول حبها " : تفسير حبها ومرجعه , وإنما يريد بذلك أن حبها كان صغيرا في قلبه , فآل من الصغر إلى العظم , فلم يزل ينبت حتى أصحب فصار قديما كالسقب الصغير الذي لم يزل يشب حتى أصحب فصار كبيرا مثل أمه .

وقد ينشد هذا البيت : على أنها كانت توابع حبها توالى ربعي السقاب فأصحباوالراسخون في العلم يقولون آمنا به القول في تأويل قوله تعالى : { والراسخون في العلم يقولون آمنا به } يعني بالراسخين في العلم : العلماء الذين قد أتقنوا علمهم ووعوه فحفظوه حفظا لا يدخلهم في معرفتهم وعلمهم بما علموه شك ولا لبس , وأصل ذلك من رسوخ الشيء في الشيء , وهو ثبوته وولوجه فيه , يقال منه : رسخ الإيمان في قلب فلان فهو يرسخ رسخا ورسوخا .

وقد روي في نعتهم خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم , وهو ما : 5212 - حدثنا موسى بن سهل الرملي , قال : ثنا محمد بن عبد الله , قال : ثنا فياض بن محمد الرقي , قال : ثنا عبد الله بن يزيد بن آدم , عن أبي الدرداء وأبي أمامة , قالا : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الراسخ في العلم ؟

قال : " من برت يمينه , وصدق لسانه , واستقام له قلبا , وعف بطنه , فذلك الراسخ في العلم " .

5213 - حدثني المثنى وأحمد بن الحسن الترمذي , قالا : ثنا نعيم بن حماد , قال : ثنا فياض الرقي , قال : ثنا عبد الله بن يزيد الأودي - قال : وكان أدرك أصحاب رسول الله - قال : حدثنا أنس بن مالك وأبو أمامة وأبو الدرداء : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم , فقال : " من برت يمينه , وصدق لسانه , واستقام به قلبه , وعف بطنه وفرجه ; فذلك الراسخ في العلم " .

وقد قال جماعة من أهل التأويل : إنما سمى الله عز وجل هؤلاء القوم الراسخين في العلم بقولهم : { آمنا به كل من عند ربنا } .

ذكر من قال ذلك : 5214 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن جابر , عن مجاهد , عن ابن عباس , قال : { الراسخون في العلم يقولون آمنا به } قال : الراسخون الذين يقولون آمنا به كل من عند ربنا .

5215 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { والراسخون في العلم } هم المؤمنون , فإنهم { يقولون آمنا به } بناسخه ومنسوخه { كل من عند ربنا } 5216 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , قال : قال ابن جريج : قال ابن عباس : قال عبد الله بن سلام : { الراسخون في العلم } وعلمهم قولهم .

قال ابن جريج : { الراسخون في العلم يقولون آمنا به } وهم الذين يقولون : { ربنا لا تزغ قلوبنا } ويقولون : { ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه } .

..

الآية .

وأما تأويل قوله : { يقولون آمنا به } فإنه يعني : أن الراسخين في العلم يقولون صدقنا بما تشابه من آي الكتاب , وأنه حق , وإن لم نعلم تأويله .

وقد : 5217 - حدثني أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا سلمة بن نبيط , عن الضحاك : { والراسخون في العلم يقولون آمنا به } قال : المحكم والمتشابه .كل من عند ربنا القول في تأويل قوله تعالى : { كل من عند ربنا } يعني بقوله جل ثناؤه : { كل من عند ربنا } كل المحكم من الكتاب والمتشابه منه من عند ربنا , وهو تنزيله ووحيه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم كما : 5218 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن جابر , عن مجاهد , عن ابن عباس في قوله : { كل من عند ربنا } قال : يعني ما نسخ منه , وما لم ينسخ .

5219 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم } قالوا : { كل من عند ربنا } آمنوا بمتشابهه , وعملوا بمحكمه .

5220 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { كل من عند ربنا } يقولون : المحكم والمتشابه من عند ربنا .

5221 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا } يؤمن بالمحكم ويدين به , ويؤمن بالمتشابه ولا يدين به , وهو من عند الله كله .

5222 - حدثنا يحيى بن أبي طالب , قال : ثنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { والراسخون في العلم } يعملون به , يقولون : نعمل بالمحكم ونؤمن به , ونؤمن بالمتشابه ولا نعمل به , وكل من عند ربنا .

واختلف أهل العربية في حكم " كل " إذا أضمر فيها .

فقال بعض نحويي البصريين : إذا جاز حذف المراد الذي كان معها الذي " الكل " إليه مضاف في هذا الموضع لأنها اسم , كما قال : { إنا كل فيها } 40 48 بمعنى : إنا كلنا فيها , قال : ولا يكون " كل " مضمرا فيها وهي صفة , لا يقال : مررت بالقوم كل , وإنما يكون فيها مضمر إذا جعلتها اسما لو كان إنا كلا فيها على الصفة , لم يجز , لأن الإضمار فيها ضعيف لا يتمكن في كل مكان .

وكان بعض نحويي الكوفيين يرى الإضمار فيها وهي صفة أو اسم سواء , لأنه غير جائز أن يحذف ما بعدها عنده إلا وهي كافية بنفسها عما كانت تضاف إليه من المضمر , وغير جائز أن تكون كافية منه في حال , ولا تكون كافية في أخرى , وقال : سبيل الكل والبعض في الدلالة على ما بعدهما بأنفسهما وكفايتهما منه , بمعنى واحد في كل حال , صفة كانت أو اسما , وهذا القول الثاني أولى بالقياس , لأنها إذا كانت كافية بنفسها مما حذف منها في حال لدلالتها عليه , فالحكم فيها أنها كلما وجدت دالة على ما بعدها , فهي كافية منه .وما يذكر إلا أولو الألباب القول في تأويل قوله تعالى : { وما يذكر إلا أولوا الألباب } يعني بذلك جل ثناؤه : وما يتذكر ويتعظ وينزجر عن أن يقول في متشابه آي كتاب الله ما لا علم له به إلا أولو العقول والنهى .

وقد : 5223 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن محمد بن جعفر بن الزبير : { وما يذكر إلا أولوا الألباب } يقول : وما يتذكر في مثل هذا , يعني في رد تأويل المتشابه إلى ما قد عرف من تأويل المحكم حتى يتسقا على معنى واحد , إلا أولو الألباب .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيمفيه تسع مسائل :الأولى : خرج مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم .

وعن أبي غالب قال : كنت أمشي مع أبي أمامة وهو على حمار له ، حتى إذا انتهى إلى درج مسجد دمشق فإذا رءوس منصوبة ، فقال : ما هذه الرءوس ؟

قيل : هذه رءوس خوارج يجاء بهم من العراق فقال أبو أمامة : ( كلاب النار ، كلاب النار ، كلاب النار ، شر قتلى تحت ظل السماء ، طوبى لمن قتلهم وقتلوه - يقولها ثلاثا - ثم بكى ) فقلت : ما يبكيك يا أبا أمامة ؟

قال : رحمة لهم ( إنهم كانوا من أهل الإسلام فخرجوا منه ، ثم قرأ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات .

.

.

" إلى آخر الآيات .

ثم قرأ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات .

فقلت : يا أبا أمامة هم هؤلاء ؟

قال نعم .

قلت : أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟

فقال : إني إذا لجريء إني إذا لجريء بل سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس ولا ست ولا سبع ، ووضع أصبعيه في أذنيه ، قال : وإلا فصمتا - قالها ثلاثا - ) ثم قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرهم في النار ، ولتزيدن عليهم هذه الأمة واحدة واحدة في الجنة وسائرهم في النار .[ ص: 11 ] الثانية : اختلف العلماء في المحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة ; فقال جابر بن عبد الله - وهو مقتضى قول الشعبي وسفيان الثوري وغيرهما - : ( المحكمات من آي القرآن ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره ، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه .

قال بعضهم : وذلك مثل وقت قيام الساعة ، وخروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى ، ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور )قلت : هذا أحسن ما قيل في المتشابه .

وقد قدمنا في أوائل سورة البقرة عن الربيع بن خثيم ( إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء .

.

.

) الحديث .

وقال أبو عثمان : المحكم فاتحة الكتاب التي لا تجزئ الصلاة إلا بها .

وقال محمد بن الفضل : سورة الإخلاص ؛ لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط .

وقد قيل : القرآن كله محكم ؛ لقوله تعالى : كتاب أحكمت آياته .

وقيل : كله متشابه ; لقوله : كتابا متشابها .قلت : وليس هذا من معنى الآية في شيء ، فإن قوله تعالى : كتاب أحكمت آياته أي في النظم والرصف وأنه حق من عند الله ، ومعنى كتابا متشابها أي يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا .

وليس المراد بقوله : آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات هذا المعنى ، وإنما المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه من قوله : إن البقر تشابه علينا أي التبس علينا ، أي يحتمل أنواعا كثيرة من البقر .

والمراد بالمحكم ما في مقابلة هذا ، وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجها واحدا .

وقيل : إن المتشابه ما يحتمل وجوها ، ثم إذا ردت الوجوه إلى وجه واحد وأبطل الباقي صار المتشابه محكما .

فالمحكم أبدا أصل ترد إليه الفروع ، والمتشابه هو الفرع .

وقال ابن عباس : ( المحكمات هو قوله في سورة الأنعام قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم إلى ثلاث آيات ، وقوله في بني إسرائيل : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا قال ابن عطية : وهذا عندي مثال أعطاه في المحكمات .

وقال ابن عباس أيضا : ( المحكمات ناسخه وحرامه وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به ، والمتشابهات المنسوخات ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به ) وقال ابن مسعود وغيره : ( المحكمات الناسخات ، والمتشابهات المنسوخات ) وقاله قتادة والربيع [ ص: 12 ] والضحاك .

وقال محمد بن جعفر بن الزبير : المحكمات هي التي فيها حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه .

والمتشابهات لهن تصريف وتحريف وتأويل ، ابتلى الله فيهن العباد ، وقاله مجاهد وابن إسحاق .

قال ابن عطية : وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية .

قال النحاس : أحسن ما قيل في المحكمات والمتشابهات : أن المحكمات ما كان قائما بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره نحو لم يكن له كفوا أحد وإني لغفار لمن تاب .

والمتشابهات نحو إن الله يغفر الذنوب جميعا يرجع فيه إلى قوله جل وعلا : وإني لغفار لمن تاب وإلى قوله عز وجل : إن الله لا يغفر أن يشرك به .قلت : ما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية ، وهو الجاري على وضع اللسان ؛ وذلك أن المحكم اسم مفعول من أحكم ، والإحكام الإتقان ، ولا شك في أن ما كان واضح المعنى - لا إشكال فيه ولا تردد - إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها ، ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال ، والله أعلم .

وقال ابن خويزمنداد : للمتشابه وجوه ، والذي يتعلق به الحكم ما اختلف فيه العلماء : أي الآيتين نسخت الأخرى كقول علي وابن عباس في الحامل المتوفى عنها زوجها ( تعتد أقصى الأجلين ) فكان عمر وزيد بن ثابت وابن مسعود وغيرهم يقولون ( وضع الحمل ) ويقولون : ( سورة النساء القصرى نسخت أربعة أشهر وعشرا ) وكان علي وابن عباس يقولان لم تنسخ .

وكاختلافهم في الوصية للوارث هل نسخت أم لم تنسخ .

وكتعارض الآيتين أيهما أولى أن تقدم إذا لم يعرف النسخ ولم توجد شرائطه ، كقوله تعالى : وأحل لكم ما وراء ذلكم يقتضي الجمع بين الأقارب من ملك اليمين ، وقوله تعالى : وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف يمنع ذلك .

ومنه أيضا تعارض الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وتعارض الأقيسة ، فذلك المتشابه .

وليس من المتشابه أن تقرأ الآية بقراءتين ويكون الاسم محتملا أو مجملا يحتاج إلى تفسير ؛ لأن الواجب منه قدر ما يتناول الاسم أو جميعه .

والقراءتان كالآيتين يجب العمل بموجبهما جميعا كما قرئ : وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم بالفتح والكسر ، على ما يأتي بيانه " في المائدة " إن شاء الله تعالى .[ ص: 13 ] الثالثة : روى البخاري عن سعيد بن جبير قال : قال رجل لابن عباس : إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي ، قال : ما هو ؟

قال : فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون وقال : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون وقال : ولا يكتمون الله حديثا وقال : والله ربنا ما كنا مشركين فقد كتموا في هذه الآية ، وفي النازعات أم السماء بناها إلى قوله دحاها فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض ، ثم قال : أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين .

.

.

إلى : طائعين فذكر في هذا خلق الأرض قبل خلق السماء .

وقال : وكان الله غفورا رحيما وكان الله عزيزا حكيما .

وكان الله سميعا بصيرا فكأنه كان ثم مضى .

فقال ابن عباس : ( فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى ، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون ، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون .

وأما قوله : ما كنا مشركين ولا يكتمون الله حديثا فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم ، وقال المشركون : تعالوا نقول : لم نكن مشركين ; فختم الله على أفواههم فتنطق جوارحهم بأعمالهم ، فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا ، وعنده يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين .

وخلق الله الأرض في يومين ، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات في يومين ، ثم دحا الأرض أي بسطها فأخرج منها الماء والمرعى ، وخلق فيها الجبال والأشجار والآكام وما بينها في يومين آخرين ; فذلك قوله : والأرض بعد ذلك دحاها .

فخلقت الأرض وما فيها في أربعة أيام ، وخلقت السماء في يومين .

وقوله : وكان الله غفورا رحيما يعني نفسه ذلك ، أي لم يزل ولا يزال كذلك ; فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد .

ويحك فلا يختلف عليك القرآن ؛ فإن كلا من عند الله )[ ص: 14 ] الرابعة : قوله تعالى : وأخر متشابهات لم تصرف ( أخر ) لأنها عدلت عن الألف واللام ; لأن أصلها أن تكون صفة بالألف واللام كالكبر والصغر ، فلما عدلت عن مجرى الألف واللام منعت الصرف .

أبو عبيد : لم يصرفوها لأن واحدها لا ينصرف في معرفة ولا نكرة .

وأنكر ذلك المبرد وقال : يجب على هذا ألا ينصرف غضاب وعطاش .

الكسائي : لم تنصرف لأنها صفة ، وأنكره المبرد أيضا وقال : إن لبدا وحطما صفتان وهما منصرفان .

سيبويه : لا يجوز أن تكون أخر معدولة عن الألف واللام ; لأنها لو كانت معدولة عن الألف واللام لكان معرفة ، ألا ترى أن سحر معرفة في جميع الأقاويل لما كانت معدولة عن السحر ، وأمس في قول من قال : ذهب أمس معدولا عن الأمس ; فلو كان أخر معدولا أيضا عن الألف واللام لكان معرفة ، وقد وصفه الله تعالى بالنكرة .الخامسة : قوله تعالى : فأما الذين في قلوبهم زيغ الذين رفع بالابتداء ، والخبر فيتبعون ما تشابه منه ، والزيغ الميل ، ومنه زاغت الشمس ، وزاغت الأبصار .

ويقال : زاغ يزيغ زيغا إذا ترك القصد ، ومنه قوله تعالى : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم .

وهذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة ، وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران .

وقال قتادة في تفسير قوله تعالى : فأما الذين في قلوبهم زيغ : إن لم يكونوا الحرورية وأنواع الخوارج فلا أدري من هم .قلت : قد مر هذا التفسير عن أبي أمامة مرفوعا ، وحسبك .السادسة قوله تعالى : فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله قال شيخنا أبو العباس رحمة الله عليه : متبعو المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام ، كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن ، أو طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه ، كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع ، تعالى الله عن ذلك ، أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها ، أو كما فعل صبيغ حين أكثر على عمر فيه السؤال .

فهذه أربعة أقسام : ( الأول ) لا شك في كفرهم ، وأن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة .

( الثاني ) الصحيح : القول بتكفيرهم ، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور ، ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد .

[ ص: 15 ] ( الثالث ) اختلفوا في جواز ذلك بناءا على الخلاف في جواز تأويلها .

وقد عرف أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها ، فيقولون أمروها كما جاءت .

وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها وحملها على ما يصح حمله في اللسان عليها من غير قطع بتعيين مجمل منها .( الرابع ) الحكم فيه الأدب البليغ ، كما فعله عمر بصبيغ .

وقال أبو بكر الأنباري : وقد كان الأئمة من السلف يعاقبون من يسأل عن تفسير الحروف المشكلات في القرآن ؛ لأن السائل إن كان يبغي بسؤاله تخليد البدعة وإثارة الفتنة فهو حقيق بالنكير وأعظم التعزير ، وإن لم يكن ذلك مقصده فقد استحق العتب بما اجترم من الذنب ، إذ أوجد للمنافقين الملحدين في ذلك الوقت سبيلا إلى أن يقصدوا ضعفة المسلمين بالتشكيك والتضليل في تحريف القرآن عن مناهج التنزيل وحقائق التأويل .

فمن ذلك ما حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي أنبأنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار أن صبيغ بن عسل قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء ، فبلغ ذلك عمر - رضي الله عنه - فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعد له عراجين من عراجين النخل .

فلما حضر قال له عمر : من أنت ؟

قال : أنا عبد الله صبيغ .

فقال عمر - رضي الله عنه - : وأنا عبد الله عمر ، ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه ، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه ، فقال : حسبك يا أمير المؤمنين فقد والله ذهب ما كنت أجد في رأسي .

وقد اختلفت الروايات في أدبه ، وسيأتي ذكرها في ( الذاريات ) .

ثم إن الله تعالى ألهمه التوبة وقذفها في قلبه فتاب وحسنت توبته .ومعنى ابتغاء الفتنة طلب الشبهات واللبس على المؤمنين حتى يفسدوا ذات بينهم ، ويردوا الناس إلى زيغهم .وقال أبو إسحاق الزجاج : معنى وابتغاء تأويله أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم ، فأعلم الله جل وعز أن تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلا الله .

قال : والدليل على ذلك قوله تعالى : هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله أي يوم يرون ما يوعدون من البعث والنشور والعذاب يقول الذين نسوه من قبل أي تركوه - قد جاءت رسل ربنا بالحق أي قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرسل .

قال : فالوقف على قوله تعالى : وما يعلم تأويله إلا الله أي لا يعلم أحد متى البعث إلا الله .السابعة : وما يعلم تأويله إلا الله يقال : إن جماعة من اليهود منهم حيي بن أخطب دخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا : بلغنا أنه نزل عليك الم فإن كنت صادقا [ ص: 16 ] في مقالتك فإن ملك أمتك يكون إحدى وسبعين سنة ; لأن الألف في حساب الجمل واحد ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فنزل وما يعلم تأويله إلا الله .

والتأويل يكون بمعنى التفسير ، كقولك : تأويل هذه الكلمة على كذا .

ويكون بمعنى ما يئول الأمر إليه .

واشتقاقه من آل الأمر إلى كذا يئول إليه ، أي صار .

وأولته تأويلا أي صيرته .

وقد حده بعض الفقهاء فقالوا : هو إبداء احتمال في اللفظ مقصود بدليل خارج عنه .

فالتفسير بيان اللفظ ، كقوله لا ريب فيه أي لا شك .

وأصله من الفسر وهو البيان ، يقال : فسرت الشيء ( مخففا ) أفسره ( بالكسر ) فسرا .

والتأويل بيان المعنى ، كقوله لا شك فيه عند المؤمنين أو لأنه حق في نفسه فلا يقبل ذاته الشك وإنما الشك وصف الشاك .

وكقول ابن عباس في الجد أبا لأنه تأول قول الله عز وجل : يابني آدم .الثامنة قوله تعالى : والراسخون في العلم اختلف العلماء في والراسخون في العلم هل هو ابتداء كلام مقطوع مما قبله ، أو هو معطوف على ما قبله فتكون الواو للجمع .

فالذي عليه الأكثر أنه مقطوع مما قبله ، وأن الكلام تم عند قوله إلا الله هذا قول ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وغيرهم ، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم .

قال أبو نهيك الأسدي : إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة .

وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم آمنا به كل من عند ربنا .

وقال مثل هذا عمر بن عبد العزيز ، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس .

و ( يقولون ) على هذا خبر ( الراسخون ) .

قال الخطابي : وقد جعل الله تعالى آيات كتابه الذي أمرنا بالإيمان به والتصديق بما فيه قسمين : محكما ومتشابها ، فقال عز من قائل : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات .

.

.

إلى قوله : كل من عند ربنا فاعلم أن المتشابه من الكتاب قد استأثر الله بعلمه ، فلا يعلم تأويله أحد غيره ، ثم أثنى الله عز وجل على الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به .

ولولا صحة الإيمان منهم لم يستحقوا الثناء عليه .

ومذهب أكثر العلماء أن الوقف التام في هذه الآية إنما هو عند قوله تعالى : وما يعلم تأويله إلا الله وأن ما بعده استئناف كلام آخر ، وهو قوله والراسخون في العلم يقولون آمنا به .

وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة .

وإنما روي عن مجاهد أنه نسق الراسخون على ما قبله وزعم أنهم يعلمونه .

واحتج له بعض أهل اللغة فقال : معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين آمنا ، وزعم أن موضع يقولون نصب على الحال .

وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه ; لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معا ، ولا تذكر حالا إلا مع ظهور الفعل ، فإذا لم يظهر فعل فلا [ ص: 17 ] يكون حال .

ولو جاز ذلك لجاز أن يقال : عبد الله راكبا ، بمعنى أقبل عبد الله راكبا ; وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله : عبد الله يتكلم يصلح بين الناس ، فكان ( يصلح ) حالا ، كقول الشاعر - أنشدنيه أبو عمر قال أنشدنا أبو العباس ثعلب - :أرسلت فيها قطما لكالكا يقصر يمشي ويطول باركاأي يقصر ماشيا ، فكان قول عامة العلماء مع مساعدة مذاهب النحويين له أولى من قول مجاهد وحده .

وأيضا فإنه لا يجوز أن ينفي الله سبحانه شيئا عن الخلق ويثبته لنفسه ثم يكون له في ذلك شريك .

ألا ترى قوله عز وجل : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وقوله : لا يجليها لوقتها إلا هو وقوله : كل شيء هالك إلا وجهه فكان هذا كله مما استأثر الله سبحانه بعلمه لا يشركه فيه غيره .

وكذلك قوله تبارك وتعالى : وما يعلم تأويله إلا الله .

ولو كانت الواو في قوله : والراسخون للنسق لم يكن لقوله : كل من عند ربنا فائدة ، والله أعلم .قلت : ما حكاه الخطابي من أنه لم يقل بقول مجاهد غيره فقد روي عن ابن عباس أن الراسخين معطوف على اسم الله عز وجل ، وأنهم داخلون في علم المتشابه ، وأنهم مع علمهم به يقولون آمنا به .

وقال الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم : و يقولون على هذا التأويل نصب على الحال من الراسخين ، كما قال :الريح تبكي شجوها والبرق يلمع في الغمامهوهذا البيت يحتمل المعنيين ; فيجوز أن يكون ( والبرق ) مبتدأ ، والخبر ( يلمع ) على التأويل الأول ، فيكون مقطوعا مما قبله ، ويجوز أن يكون معطوفا على الريح ، و ( يلمع ) في موضع الحال على التأويل الثاني أي لامعا .

واحتج قائلو هذه المقالة أيضا بأن الله سبحانه مدحهم بالرسوخ في العلم ، فكيف يمدحهم وهم جهال وقد قال ابن عباس : ( أنا ممن يعلم تأويله ) وقرأ مجاهد هذه الآية وقال : أنا ممن يعلم تأويله ، حكاه عنه إمام الحرمين أبو المعالي .قلت : وقد رد بعض العلماء هذا القول إلى القول الأول فقال : وتقدير تمام الكلام ( عند الله ) أن معناه وما يعلم تأويله إلا الله يعني تأويل المتشابهات ، والراسخون في العلم يعلمون [ ص: 18 ] بعضه قائلين آمنا به كل من عند ربنا بما نصب من الدلائل في المحكم ومكن من رده إليه .

فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا آمنا بالجميع كل من عند ربنا ، وما لم يحط به علمنا من الخفايا مما في شرعه الصالح فعلمه عند ربنا .

فإن قال قائل : قد أشكل على الراسخين بعض تفسيره حتى قال ابن عباس : ( لا أدري ما الأواه ولا ما غسلين ) قيل له : هذا لا يلزم ; لأن ابن عباس قد علم بعد ذلك ففسر ما وقف عليه .

وجواب أقطع من هذا وهو أنه سبحانه لم يقل : وكل راسخ فيجب هذا ، فإذا لم يعلمه أحد علمه الآخر .

ورجح ابن فورك أن الراسخين يعلمون التأويل وأطنب في ذلك .

وفي قوله عليه السلام لابن عباس : اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ما يبين لك ذلك ، أي علمه معاني كتابك .والوقف على هذا يكون عند قوله والراسخون في العلم .

قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر : وهو الصحيح ; فإن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب .

وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع .لكن المتشابه يتنوع ، فمنه ما لا يعلم البتة كأمر الروح والساعة مما استأثر الله بغيبه ، وهذا لا يتعاطى علمه أحد لا ابن عباس ولا غيره .

فمن قال من العلماء الحذاق بأن الراسخين لا يعلمون علم المتشابه فإنما أراد هذا النوع ، وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة ومناح في كلام العرب فيتأول ويعلم تأويله المستقيم ، ويزال ما فيه مما عسى أن يتعلق من تأويل غير مستقيم ، كقوله في عيسى : وروح منه إلى غير ذلك فلا يسمى أحد راسخا إلا أن يعلم من هذا النوع كثيرا بحسب ما قدر له .وأما من يقول : إن المتشابه هو المنسوخ فيستقيم على قوله إدخال الراسخين في علم التأويل ، لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح .والرسوخ : الثبوت في الشيء ، وكل ثابت راسخ .

وأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل والشجر في الأرض ، قال الشاعر :لقد رسخت في الصدر مني مودة لليلى أبت آياتها أن تغيراورسخ الإيمان في قلب فلان يرسخ رسوخا .

وحكى بعضهم : رسخ الغدير : نضب ماؤه ، حكاه ابن فارس فهو من الأضداد .

ورسخ ورضخ ورصن ورسب كله ثبت فيه .

وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الراسخين في العلم فقال : هو من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه .

فإن [ ص: 19 ] قيل : كيف كان في القرآن متشابه والله يقول : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم فكيف لم يجعله كله واضحا ؟

قيل له : الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن يظهر فضل العلماء ; لأنه لو كان كله واضحا لم يظهر فضل بعضهم على بعض .

وهكذا يفعل من يصنف تصنيفا يجعل بعضه واضحا وبعضه مشكلا ، ويترك للجثوة موضعا ; لأن ما هان وجوده قل بهاؤه ، والله أعلم .التاسعة : قوله تعالى : كل من عند ربنا فيه ضمير عائد على كتاب الله تعالى محكمه ومتشابهه ; والتقدير : كله من عند ربنا .

وحذف الضمير لدلالة ( كل ) عليه ; إذ هي لفظة تقتضي الإضافة .

ثم قال : وما يذكر إلا أولو الألباب أي ما يقول هذا ويؤمن ويقف حيث وقف ويدع اتباع المتشابه إلا ذو لب ، وهو العقل .

ولب كل شيء خالصه ; فلذلك قيل للعقل لب .

و أولو جمع ذو .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

القرآن العظيم كله محكم كما قال تعالى { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } فهو مشتمل على غاية الإتقان والإحكام والعدل والإحسان { ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } وكله متشابه في الحسن والبلاغة وتصديق بعضه لبعضه ومطابقته لفظا ومعنى، وأما الإحكام والتشابه المذكور في هذه الآية فإن القرآن كما ذكره الله { منه آيات محكمات } أي: واضحات الدلالة، ليس فيها شبهة ولا إشكال { هن أم الكتاب } أي: أصله الذي يرجع إليه كل متشابه، وهي معظمه وأكثره، { و } منه آيات { أخر متشابهات } أي: يلتبس معناها على كثير من الأذهان: لكون دلالتها مجملة، أو يتبادر إلى بعض الأفهام غير المراد منها، فالحاصل أن منها آيات بينة واضحة لكل أحد، وهي الأكثر التي يرجع إليها، ومنه آيات تشكل على بعض الناس، فالواجب في هذا أن يرد المتشابه إلى المحكم والخفي إلى الجلي، فبهذه الطريق يصدق بعضه بعضا ولا يحصل فيه مناقضة ولا معارضة، ولكن الناس انقسموا إلى فرقتين { فأما الذين في قلوبهم زيغ } أي: ميل عن الاستقامة بأن فسدت مقاصدهم، وصار قصدهم الغي والضلال وانحرفت قلوبهم عن طريق الهدى والرشاد { فيتبعون ما تشابه منه } أي: يتركون المحكم الواضح ويذهبون إلى المتشابه، ويعكسون الأمر فيحملون المحكم على المتشابه { ابتغاء الفتنة } لمن يدعونهم لقولهم، فإن المتشابه تحصل به الفتنة بسبب الاشتباه الواقع فيه، وإلا فالمحكم الصريح ليس محلا للفتنة، لوضوح الحق فيه لمن قصده اتباعه، وقوله { وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله } للمفسرين في الوقوف على { الله } من قوله { وما يعلم تأويله إلا الله } قولان، جمهورهم يقفون عندها، وبعضهم يعطف عليها { والراسخون في العلم } وذلك كله محتمل، فإن التأويل إن أريد به علم حقيقة الشيء وكنهه كان الصواب الوقوف على { إلا الله } لأن المتشابه الذي استأثر الله بعلم كنهه وحقيقته، نحو حقائق صفات الله وكيفيتها، وحقائق أوصاف ما يكون في اليوم الآخر ونحو ذلك، فهذه لا يعلمها إلا الله، ولا يجوز التعرض للوقوف عليها، لأنه تعرض لما لا يمكن معرفته، كما سئل الإمام مالك رحمه الله عن قوله { الرحمن على العرش [استوى ] } فقال السائل: كيف استوى؟

فقال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فهكذا يقال في سائر الصفات لمن سأل عن كيفيتها أن يقال كما قال الإمام مالك، تلك الصفة معلومة، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة، وقد أخبرنا الله بها ولم يخبرنا بكيفيتها، فيجب علينا الوقوف على ما حد لنا، فأهل الزيغ يتبعون هذه الأمور المشتبهات تعرضا لما لا يعني، وتكلفا لما لا سبيل لهم إلى علمه، لأنه لا يعلمها إلا الله، وأما الراسخون في العلم فيؤمنون بها ويكلون المعنى إلى الله فيسلمون ويسلمون، وإن أريد بالتأويل التفسير والكشف والإيضاح، كان الصواب عطف { الراسخون } على { الله } فيكون الله قد أخبر أن تفسير المتشابه ورده إلى المحكم وإزالة ما فيه من الشبهة لا يعلمها إلا هو تعالى والراسخون في العلم يعلمون أيضا، فيؤمنون بها ويردونها للمحكم ويقولون { كل } من المحكم والمتشابه { من عند ربنا } وما كان من عنده فليس فيه تعارض ولا تناقض بل هو متفق يصدق بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض وفيه تنبيه على الأصل الكبير، وهو أنهم إذا علموا أن جميعه من عند الله، وأشكل عليهم مجمل المتشابه، علموا يقينا أنه مردود إلى المحكم، وإن لم يفهموا وجه ذلك.

ولما رغب تعالى في التسليم والإيمان بأحكامه وزجر عن اتباع المتشابه قال { وما يذكر } أي: يتعظ بمواعظ الله ويقبل نصحه وتعليمه إلا { أولوا الألباب } أي: أهل العقول الرزينة لب العالم وخلاصة بني آدم يصل التذكير إلى عقولهم، فيتذكرون ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه، وأما من عداهم فهم القشور الذي لا حاصل له ولا نتيجة تحته، لا ينفعهم الزجر والتذكير لخلوهم من العقول النافعة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ) مبينات مفصلات ، سميت محكمات من الإحكام ، كأنه أحكمها فمنع الخلق من التصرف فيها لظهورها ووضوح معناها ( هن أم الكتاب ) أي أصله الذي يعمل عليه في الأحكام وإنما قال : ( هن أم الكتاب ) ولم يقل أمهات الكتاب لأن الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة ، وكلام الله واحد وقيل : معناه كل آية منهن أم الكتاب كما قال : " وجعلنا ابن مريم وأمه آية " ( 50 - المؤمنون ) أي كل واحد منهما آية ( وأخر ) جمع أخرى ولم يصرفه لأنه معدول عن الآخر ، مثل : عمر وزفر ( متشابهات ) فإن قيل كيف فرق هاهنا بين المحكم والمتشابه وقد جعل كل القرآن محكما في مواضع أخر؟

.

فقال : " الر كتاب أحكمت آياته " ( 1 - هود ) وجعله كله متشابها [ في موضع آخر ] فقال : " الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها " ( 23 - الزمر .

قيل : حيث جعل الكل محكما ، أراد أن الكل حق ليس فيه عبث ولا هزل ، وحيث جعل الكل متشابها أراد أن بعضه يشبه بعضا في الحق والصدق وفي الحسن وجعل هاهنا بعضه محكما وبعضه متشابها واختلف العلماء فيهما فقال ابن عباس رضي الله عنهما : المحكمات هن الآيات الثلاث في سورة الأنعام " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " ( 151 ) ونظيرها في بني إسرائيل " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه " ( 23 - الإسراء ) الآيات وعنه أنه قال : المتشابهات حروف التهجي في أوائل السور .

وقال مجاهد وعكرمة : المحكم ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك متشابه يشبه بعضه بعضا في الحق ويصدق بعضه بعضا ، كقوله تعالى : " وما يضل به إلا الفاسقين " ( 26 - البقرة ) " ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون " ( 100 - يونس .

وقال قتادة والضحاك والسدي : المحكم الناسخ الذي يعمل به ، والمتشابه المنسوخ الذي يؤمن به ولا يعمل به وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : محكمات القرآن ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به ، والمتشابهات منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به ، وقيل : المحكمات ما أوقف الله الخلق على معناه والمتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه لا سبيل لأحد إلى علمه ، نحو الخبر عن أشراط الساعة من خروج الدجال ، ونزول عيسى عليه السلام ، وطلوع الشمس من مغربها ، وقيام الساعة وفناء الدنيا .

وقال محمد بن جعفر بن الزبير : المحكم ما لا يحتمل من التأويل غير وجه واحد والمتشابه ما احتمل أوجها وقيل : المحكم ما يعرف معناه وتكون حججها واضحة ودلائلها لائحة لا تشتبه ، والمتشابه هو الذي يدرك علمه بالنظر ، ولا يعرف العوام تفصيل الحق فيه من الباطل وقال بعضهم : المحكم ما يستقل بنفسه في المعنى والمتشابه ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية [ باذان ] المتشابه حروف التهجي في أوائل السور ، وذلك أن رهطا من اليهود منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما ، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له حيي : بلغنا أنه أنزل عليك ( الم ) فننشدك الله أنزلت عليك؟

قال : " نعم " قال : فإن كان ذلك حقا فإني أعلم مدة ملك أمتك ، هي إحدى وسبعون سنة فهل أنزل غيرها؟

قال : " نعم ( المص ) " قال : فهذه أكثر هي إحدى وستون ومائة سنة ، قال : فهل غيرها؟

قال : " نعم ( الر ) " .

قال : هذه أكثر هي مائتان وإحدى وسبعون سنة ولقد خلطت علينا فلا ندري أبكثيره نأخذ أم بقليله ونحن ممن لا يؤمن بهذا فأنزل الله تعالى : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) .

( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) أي ميل عن الحق وقيل شك ( فيتبعون ما تشابه منه ) واختلفوا في المعني بهذه الآية .

قال الربيع : هم وفد نجران خاصموا النبي صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام ، وقالوا له : ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟

قال : " بلى " قالوا : حسبنا ، فأنزل الله هذه الآية .

وقال الكلبي : هم اليهود طلبوا علم أجل هذه الأمة واستخراجها بحساب الجمل وقال ابن جريج : هم المنافقون وقال الحسن : هم الخوارج ، وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) قال : إن لم يكونوا الحرورية والسبئية فلا أدري من هم ، وقيل : هم جميع المبتدعة .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عبد الله بن مسلمة ، أنا يزيد بن إبراهيم التستري ، عن ابن أبي مليكة ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة رضي الله عنهما قالت : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) - إلى قوله ( أولو الألباب ) قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " .

قوله تعالى : ( ابتغاء الفتنة ) طلب الشرك قاله الربيع والسدي ، وقال مجاهد : ابتغاء الشبهات واللبس ليضلوا بها جهالهم ( وابتغاء تأويله ) تفسيره وعلمه ، دليله قوله تعالى " سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا " ( 78 - الكهف ) وقيل : ابتغاؤه عاقبته ، وهو طلب أجل هذه الأمة من حساب الجمل ، دليله قوله تعالى " ذلك خير وأحسن تأويلا " ( 35 - الإسراء ) أي عاقبة .

قوله تعالى : ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ) اختلف العلماء في نظم هذه الآية فقال قوم : الواو في قوله والراسخون واو العطف يعني أن تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون في العلم وهم مع علمهم ( يقولون آمنا به ) وهذا قول مجاهد والربيع ، وعلى هذا يكون قوله " يقولون " حالا معناه : والراسخون في العلم قائلين آمنا به ، هذا كقوله تعالى : " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى " ( 7 - الحشر ) ثم قال : " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم " ( 8 - الحشر ) إلى أن قال : " والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم " ( 9 - الحشر ) ثم قال " والذين جاءوا من بعدهم " ( 10 - الحشر ) وهذا عطف على ما سبق ، ثم قال : " يقولون ربنا اغفر لنا " ( 10 - الحشر ) يعني هم مع استحقاقهم الفيء يقولون ربنا اغفر لنا ، أي قائلين على الحال .

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول في هذه الآية : أنا من الراسخين في العلم ، وروي عن مجاهد : أنا ممن يعلم تأويله وذهب الأكثرون إلى أن الواو في قوله " والراسخون " واو الاستئناف ، وتم الكلام عند قوله : ( وما يعلم تأويله إلا الله ) وهو قول أبي بن كعب وعائشة وعروة بن الزبير رضي الله عنهم ورواية طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وبه قال الحسن وأكثر التابعين واختاره الكسائي والفراء والأخفش ، وقالوا : لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله ويجوز أن يكون للقرآن تأويل استأثر الله بعلمه لم يطلع عليه أحدا من خلقه كما استأثر بعلم الساعة ، ووقت طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدجال ، ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام ونحوها ، والخلق متعبدون في المتشابه بالإيمان به وفي المحكم بالإيمان به والعمل ، ومما يصدق ذلك قراءة عبد الله إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ، وفي حرف أبي : ويقول الراسخون في العلم آمنا به وقال عمر بن عبد العزيز : في هذه الآية انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا آمنا به كل من عند ربنا وهذا قول أقيس في العربية وأشبه بظاهر الآية .

قوله تعالى ( والراسخون في العلم ) أي الداخلون في العلم هم الذين أتقنوا علمهم بحيث لا يدخل في معرفتهم شك ، وأصله من رسوخ الشيء في الشيء وهو ثبوته يقال : رسخ الإيمان في قلب فلان يرسخ رسخا ورسوخا وقيل : الراسخون في العلم علماء مؤمني أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وأصحابه دليله قوله تعالى " لكن الراسخون في العلم منهم " ( 162 - النساء ) يعني ( المدارسين ) علم التوراة وسئل مالك بن أنس رضي الله عنه عن الراسخين في العلم قال : العالم العامل بما علم المتبع له وقيل : الراسخ في العلم من وجد في علمه أربعة أشياء : التقوى بينه وبين الله ، والتواضع بينه وبين الخلق ، والزهد بينه وبين الدنيا ، والمجاهدة بينه وبين نفسه وقال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد والسدي : بقولهم آمنا به سماهم الله تعالى راسخين في العلم ، فرسوخهم في العلم قولهم : آمنا به ، أي بالمتشابه ( كل من عند ربنا ) المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ وما علمنا وما لم نعلم ( وما يذكر ) وما يتعظ بما في القرآن ( إلا أولو الألباب ) ذوو العقول

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات) واضحات الدلالة (هن أم الكتاب) أصله المعتمد عليه في الأحكام (و أخر متشابهات) لا تفهم معانيها كأوائل السور وجعله كله محكما في قوله "" أحكمت آياته "" بمعنى أنه ليس فيه عيب، ومتشابهًا في قوله (كتابا متشابهًا) بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والصدق (فأما الذين في قلوبهم زيغ) ميل عن الحق (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء) طلب (الفتنة) لجهالهم بوقوعهم في الشبهات واللبس (وابتغاء تأويله) تفسيره (وما يعلم تأويله) تفسيره (إلا الله) وحده (والراسخون) الثابتون المتمكنون (في العلم) مبتدأ خبره (يقولون آمنا به) أي بالمتشابه أنه من عند الله ولا نعلم معناه (كل) من المحكم والمتشابه (من عند ربنا وما يذكر) بادغام التاء في الأصل في الذال أي يتعظ (إلا أولوا الألباب) أصحاب العقول ويقولون أيضا إذا رأوا من يتبعه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هو وحده الذي أنزل عليك القرآن: منه آيات واضحات الدلالة، هن أصل الكتاب الذي يُرجع إليه عند الاشتباه، ويُرَدُّ ما خالفه إليه، ومنه آيات أخر متشابهات تحتمل بعض المعاني، لا يتعيَّن المراد منها إلا بضمها إلى المحكم، فأصحاب القلوب المريضة الزائغة، لسوء قصدهم يتبعون هذه الآيات المتشابهات وحدها؛ ليثيروا الشبهات عند الناس، كي يضلوهم، ولتأويلهم لها على مذاهبهم الباطلة.

ولا يعلم حقيقة معاني هذه الآيات إلا الله.

والمتمكنون في العلم يقولون: آمنا بهذا القرآن، كله قد جاءنا من عند ربنا على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ويردُّون متشابهه إلى محكمه، وإنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها الصحيح أولو العقول السليمة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله - تعالى - : { مُّحْكَمَاتٌ } من الإِحكام - بكسر الهمزة - وهذه المادة تستعمل فى اللغة لمعان متعددة ، ترجع إلى شئ واحد هو المنع يقال : أحكم الأمر أى أتقنه ومنعه عن الفساد ويقال : أحكمه عن الشئ أى أرجعه عنه ومنعه منه .

ويقال حكم نفسه وحكم الناس ، أى منع نفسه ومنع الناس عما لا يليق .

ويقال أحكم الفرس أى جعل له حكمة تمنعه من الجموح والاضطراب .وقوله : { هُنَّ أُمُّ الكتاب } أى أصله الذى فيه عماد الدين وفرائضه وحدوده وما يحتاج إليه الناس فى دنياهم وآخرتهم .

وأم كل شئ : أصله وعماده .قال ابن جرير : والعرب تسمى الأمر الجامع لمعظم الشئ أماً له .

فيسمون راية القوم التى تجمعهم فى العساكر أمهم .

ويسمون المدبر لمعظم أمر البلدة والقرية أمها " .وقوله { مُتَشَابِهَاتٌ } من التشابه بمعنى أن يكون أحد الشيئين مشابهاً للآخر ومماثلا ومشاكلا له مشاكلة تؤدى إلى الالتباء غالباً .

قال : أمور مشتبة ومشبهة - كمعظمة - : أى مشكلة .

ويقال : شبه عليه الأمر تشبيها : لبس عليه .ولقد جاء فى القرآن ما يدل على أنه كله محكم كما فى قوله - تعالى - { كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ } وجاء فيه ما يدل على أنه كله متشابه كما فى قوله - تعالى - { الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كِتَاباً مُّتَشَابِهاً } وجاء فيه ما يدل على أن بعضه متشابه كما فى الآية التى نحن بصدد تفسيرها .

ولا تعارض بين هذه الإِطلاقات الثلاثة ، لأن معنى إحكامه كله : أنه متقن متين لا يتطرق إليه خلل أو اضطراب .

ومعنى كونه كله متشابها أنه يشبه بعضه بعضا فى بلاغته وفصاحته وإعجازه وهدايته ، ومعنى أن بعضه محكم وبعضه متشابه ، فسنبينه بعد سرد بعض الأقوال التى قالها العلماء فى تحديد معنى كل منهما .فمنهم من يرى أن المحكم هو الواضح الدلالة الذى لا يحتمل النسخ ، والمتشابه هو الخفى الذى لا يدرك معناه وهو ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة والروح .ومنهم من يرى أن المحكم هو الواضح الدلالة الذى لا يحتمل النسخ ، والمتشابه هو الخفى الذى لا يدرك معناه وهو ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة والروح .ومنهم من يرى أن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان .

والمتشابه هو الذى لا يستقل بنفسه ، بل يحتاج إلى بيان ، فتارة يبين بكذا ، وتارة يبين بكذا ، لحصول الاختلاف فى تأويله .ومنهم من يرى أن المحكم هو الذى لا يحتمل فى تأويله إلا وجها واحداً والمتشابه هو الذى يحتمل أوجها .

ومنهم من يرى أن المحكم ما كانت دلالته راجحة وهو النص والظاهر .

أما المتشابه فهو ما كانت دلالته غير راجحة ، وهو المجمل والمؤول والمشكل .هذه بعض الأقوال فى تحديد معنى المحكم والمتشابه .

وقد اختار كثير من المحققين هذا القول الأخير ، ومعنى الآية الكريمة - بعد هذا التهميد الموجز :الله - عز وجل - الذى لا إله إلا هو الحى القيوم ، والذى أنزل الكتب السماوية لهداية الناس ، والذى صورهم فى الأرحام كيف يشاء ، وهو الذى أنزل عليك - يا محمد - هذا الكتاب الكريم المعجز العظيم الشأن ، لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ، وقد اقتضت حكمة الله - تعالى - أن يجعل هذا الكتاب { مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ } أى واضحات الدلالة ، محكمات التراكيب ، جليات المعانى ، متقنات النظم والتعبير حاويات لكل ما يسعد الناس فى معاشهم ومعادهم ، بينات لا التباس فيها ولا اشتابه .وقوله { هُنَّ أُمُّ الكتاب } أى هذه الآيات المحكمات الواضحات الدلالة المانعات من الوقوع فى الالتباس لانكشاف معانيها لكل ذى عقل سليم ، هن أصل الكتاب الذى يعول عليه فى معرفة الأحكام ، ويرجع إليه فى التمييز بين الحلال والحرام ، ويرد إليه ما تشابه من آياته ، وما استشكل من معانيها .والجار والمجرور { مِنْهُ } خبر مقدم ، و { آيَاتٌ } مبتدأ مؤخر ، و { مُّحْكَمَاتٌ } صفة لآيات .

وقوله { هُنَّ أُمُّ الكتاب } صفة ثانية للآيات .قال الجمل : وأخبر بلفظ الواحد وهو { أُمُّ } عن الجمع وهو { هُنَّ } لأن الآيات كلها فى تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة ، وكلام الله واحد .

أو أن كل واحدة منهن أم الكتاب كما قال - تعالى - : { وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً } أى كل واحد منهما .

أو لأنه مفرد واقع موقع الجمع " .وقوله { وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } أى ومنه آيات أخر متشابهات وذلك كالآيات التى تتحدث عن صفات الله - تعالى - مثل : الاستواء ، واليد والغضب ، ونحو ذلك من الآيات التى تحدثت عن صفاته - سبحانه - وكالآيات التى تتحدث عن وقت الساعة ، وعن الروح وعن حقيقة الجن والملائكة وكالحروف المقطعة فى أوائل السور .قال الشيخ الزرقانى ما ملخصه : ومنشأ التشابه إجمالا هو خفاء مراد الشارع من كلامه .

أما تفصيلا فنذكر أن منه ما يرجع خفاؤه إلى اللفظ من جهة غرابته كلفظ الأب فى قوله تعالى : { وَفَاكِهَةً وَأَبّاً } أو من جهة اشتراكه بين معان عدة كما فى قوله - تعالى - { فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً باليمين } أى فأقبل إبراهيم على الأصنام يضربها بيمينه ، أو بقوة ، أو بسبب اليمين التى حلفها .

ومن هذا النوع فواتح السور المبدوءة بحروف التهجى لأن التشابه والخفاء فى المراد منها جاء من ناحية ألفاظها .ومنه ما يرجع خفاؤه إلى المعنى ، ومثاله كل ما جاء فى القرآن وصفا لله - تعالى - أو لأهوال القيامة ، أو لنعيم الجنة .

.

فإن العقل البشرى لا يمكن أن يحيط بحقائق صفات الخالق ، ولا بأهوال يوم القيامة ، ولا بنعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار .ثم قال - رحمه الله - ويمكننا أن ننوع المتشابهات ثلاثة أنواع :النوع الأول : مالا يستطيع البشر جميعا أن يصلوا إليه كالعلم بذات الله وحقائق صفاته ، وكالعلم بوقت القيامة ونحوه مما استأثر الله بعلمه .النوع الثانى : ما يستطيع كل إنسان أن يعرفه عن طريق البحث والدرس ، كالمتشابهات التى نشأ التشابه فيها من جهة الإِجمال والبسط والترتيب .

والأمثلة على ذلك كثيرة ، فمثال التشابه بسبب الإِجمال قوله - تعالى :{ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء } فإن خفاء المراد فيه جاء من ناحية إيجازه .

والأصل : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى } لو تزوجتموهن فانكحوا من غيرهن { مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء } .النوع الثالث : ما يعلمه خواص العلماء دون عامتهم ولذلك أمثلة كثيرة من المعانى العالية التى تفيض على قلوب أهل الصفاء والاجتهاد عند تدبرهم لكتاب الله " .ثم بين - سبحانه - موقف الذي فى قلوبهم مرض وانحراف عن الحق من متشابه القرآن فقال : { فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابتغاء الفتنة وابتغاء تَأْوِيلِهِ } فالجملة الكريمة تفصيل لإِجمال اقتضاه الكلام السابق .والزيغ - كما يقول القرطبى - الميل ، ومنه زاغت الشمس ، وزاغت الأبصار ، ويقال : زاغ يزيغ زيغاً إذا ترك القصد ، ومنه قوله - تعالى - : { فَلَمَّا زاغوا أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ } وهذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة ، وإن كانت الإِشارة بها فى ذلك الوقت إلى نصارى نجران .والابتغاء : الاجتهاد فى الطلب .

يقال : بغيت الشئ وابتغيته ، إذا طلبته بجد ونشاط .

والفتنة : من الفتن : وأصل الفتن إدخال الذهب للنار لتظهر جودته من رداءته .

والمراد بها هنا الإِضلال وإثارة الشكوك حول الحق .والتأويل : يطلق بمعنى التفسير والتوضيح والبيان .

ويطلق بمعنى حقيقة الشئ وما يؤول إليه أمره ، مأخوذ من الأول وهو الرجوع إلى الأصل .يقال : آل الأمر إلى كذا يؤول أولاً أى رجع .

وأولته إليه : رجعته .المعنى : لقد اقتضت حكمتنا - يا محمد - أن ننزل عليك القرآن مشتملا على آيات محكمات هن أم الكتاب ، وعلى أخر متشابهات .

فأما الفاسقون الذين فى قلوبهم انحراف عن طلب الحق ، وميل عن المنهج القويم ، وانصراف عن القصد السوى فيتبعون ما تشابه منه ، أى : يتعلقون بذلك وحده .

ويعكفون على الخوض فيه .

ولا تتجه عقولهم إلى المحكم ليردوا المتشابه إليه ، وإنما يلازمون الأخذ بالمتشابه كما يلازم التابع متبوعه ، لأنه يوافق اعوجاج نفوسهم وسوء نياتهم .

وتحكم أهوائهم وشهواتهم .وقد بين - سبحانه - أن اتباع هؤلاء الزائغين للمتشابه إنما يقصدون من ورائه أمرين :أولهما : { ابتغاء الفتنة } أى طلبا لفتنة المؤمنين فى دينهم .

وتشكيكهم فى عقيدتهم ، وإثارة الريب فى قلوبهم بأوهام يلقونها حول المتشابه الذى جاء به القرآن ، بأن يقولوا - كما حكى القرآن عنهم -{ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } وبأن يقولوا : كيف يكون نعيم الجنة ، وما حقيقة الروح ولماذا يعذبنا الله على أعمالنا مع أنه هو الخالق لكل شئ ، إلى غير ذلك من الشبهات الزائفة التى يثيرها الذين فى قلوبهم زيغ طلبا لتشكيك المؤمنين فى دينهم .وثانيهما : { وابتغاء تَأْوِيلِهِ } أى : ويتعلقون بالمتشابه ويتبعونه طلبا لتأويل آيات القرآن تأويلا باطلا ، وتفسيرها تفسيرا فاسداً بعيداً عن الحق زاعمين أن تفسيرهم هذا هو الحق بعينه ، لأنه يتفق مع أهوائهم وشهواتهم وميولهم الأثيمة .وفى جعل قلوبهم مقراً للزيغ مبالغة فى عدولهم عن سنن الرشاد وإصرارهم على الشر والفساد .وفى تعليل الاتباع - كما يقول الآلوسى - " بابتغاء تأويله دون نفس تأويله وتجريد التأويل عن الوصف بالصحة أو الحقيقة .

إيذان بأنهم ليسوا من أهل التأويل - فى عير ولا نفير ولا قبيل ولا دبير - وأن ما يبتغونه ليس بتأويل أصلا لا أنه تأويل غير صحيح قد يعذر صاحبه " .وقد ذم النبى صلى الله عليه وسلم هؤلاء الذين يتبعون ما تشابه من القرآن طلبا للفتنة والتأويل الباطل ، وحذر منهم فى أحاديث كثيرة .

ومن ذلك ما رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : { هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ } .

.

إلخ الآيات قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " .وقد استجاب الصحابة - رضى الله عنهم - لوصايا الرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا يتباعدون عن الذين فى قلوبهم زيغ .

ويزجرونهم ويشفون عن أباطيلهم .قال القرطبى : " حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضى : قال : أنبأنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن يزيد بن حازم ، عن سليمان بن يسار أن صَبِيغ بن عِسل قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء : فبلغ ذلك عمر - رضى الله عنه - فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعد له عراجين من عراجين النخل .

فلما حضر قال له عمر : من أنت؟

قال : أنا عبد الله صبيغ .

فقال عمر - وانا عبد الله عمر : ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه ، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه فقال حسبك يا أمير المؤمنين!!

فقد والله ذهب ما كنت أجد فى رأسى " .ثم بين - سبحانه - أن تأويل المتشابه مرده إلى الله - تعالى - وأن الراسخين فى العلم يعلمون منه ما يوفقهم الله لمعرفته فقال ، { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب } .وقوله - تعالى - { والراسخون فِي العلم } من الرسوخ وهو الثبات والتمكن وأصله فى الأجرام ، أن يرسخ الجبل والشجر فى الأرض ، واستعمل فى المعانى ومنه رسخ الإِيمان فى القلب .

أى ثبت واستقر وتمكن .والألباب ، جمع لب وهو - كما يقول الراغب - العقل الخالص من الشوائب وسمى بذلك لكونه خالص ما فى الإِنسان من معانيه ، كاللباب واللب من الشئ وقيل هو ما زكا من العقل ، فكل لب عقل وليس كل عقل لبا ، ولهذا علق الله - تعالى - الأحكام التى لا يدركها إلا العقول الزكية بأولى الألباب " .قال الآلوسى : " وقوله { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم } فى موضع الحال من ضمير يتبعون باعتبار العلة الأخيرة .

أى يتبعون المتشابه لابتغاء تأويله - تأويلا فاسداً - والحال أن التأويل المطابق للواقع - كما يشعر به التعبير بالعلم والإِضافة إلى الله - تعالى - مخصوص به - سبحانه - وبمن وفقه - عز شأنه - من عباده الراسخين فى العلم .

أى الذين ثبتوا وتمكنوا فيه ولم يتزلزلوا فى مزال الأقدام ، ومداحض الأفهام ، دونهم حيث إنهم بمعزل عن تلك الرتبة ، هذا ما يقتضيه الظاهر فى تفسير الراسخين " .وقوله .

{ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا } جملة موضحة لحال الراسخين فى العلم ، ومبينة لما هم عليهم من قوة الإِيمان ، وصدق اليقين .أى يقول الراسخون فى العلم عندما يقرءون ما تشابه من آيات القرآن آمنا به وصدقنا وأذعنا فنحن لا نشك فى أن كلا من الآيات المتشابهة والآيات المحكمة من عند الله وحده فهو الذى أنزلها على نبيه صلى الله عليه وسلم بمقتضى حكمته ومشيئته .وقوله { وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب } ، معطوف على جملة { يَقُولُونَ } وقد ختم به - سبحانه - هذه الآية على سبيل المدح لهؤلاء الراسخين فى العلم .أى : وما يدرك هذه الحقائق الدينية ويعتبر بها ويتذكر ما اشتمل عليه القرآن من أحكام وآداب وهدايات وتشريعات إلا أصحاب العقول السليمة ، والألباب المستنيرة التى لا تتأثر بالأهواء والشهوات ، ولا تركن إلى البدع الزائفة والأفكار الفاسدة .قال ابن كثير : " وقوله - تعالى - { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله } اختلف القراء فى الوقف هنا فقيل الوقف على لفظ الجلالة ، فقد ورد عن ابن عباس أنه قال : " التفسير على أربعة انحاء فتفسير لا يعذر أحد فى فهمه ، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها ، وتفسير يعلمه الراسخون فى العلم ، وتفسير لا يعلمه إلا الله " .

وعن أبى مالك الأشعرى أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا أخاف على أمتى إلا ثلاث خلال : أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا ، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغى تأويله { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ } الآية وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يسألون عنه " .وحكى ابن جرير أن قراءة عبد الله بن مسعود ، إن تأويله إلا عند الله ، والراسخون فى العلم يقولون آمنا به .

واختار هذا القول ابن جرير - وهو مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم خصوصا أهل السنة .ومنهم من يقف على قوله { والراسخون فِي العلم } وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول ، وقالوا الخطاب بما لا يفهم بعيد .

وقد روى عن ابن عباس أنه قال .

أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله ، وروى عن مجاهد أنه قال والراسخون فى العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به .وفى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس فقال : " اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل " .والذى نراه أنه إذا فسر المتشابه بما استأثر الله - تعالى - بعلمه كقيام الساعة وحقيقة الروح ، كان الوقف على لفظ الجلالة وكانت الواو فى قوله { والراسخون } للاستئناف ، والراسخون مبتدأ وجملة " يقولون " خبر عنه .أى والراسخون فى العلم يقولون آمنا به ويفوضون علمه إليه - سبحانه - ولا يقتحمون أسواره ، كأهل الزيغ والضلال الذين أولوه تأويلا فاسدا .

.

وإذا فسر المتشابه بما لا يتبين معناه إلا بعد نظر دقيق بحيث يتناول المجمل ونحوه كان الوقف على لفظ العلم ، وكانت الواو فى قوله { والراسخون } للعطف .أى : لا يعلم تأويل المتشابه تأويلا حقا سليما إلا الله والراسخون فى العلم أما أولئك الذين فى قلوبهم زيغ فهم أبعد ما يكونون عن ذلك .ويجوز الوقف على هذا الرأى أيضاً على لفظ الجلالة؛ لأنه لا يعلم تأويل هذا المتشابه علما كاملا إلا الله .

أولا يعلم كنهه وحقيقته أحد سواه .وإذا فسر المتشابه بما قام الدليل القاطع على أن ظاهره غير مراد .

مع عدم قيام الدليل على تعيينه ، كمتشابه الصفات أو ما يسمى بآيات الصفات مثل قوله - تعالى - { الرحمن عَلَى العرش استوى } جاز الوقف والعطف عند من يؤولون هذه الصفات تأويلا يليق بذاته - تعالى - وهم جمهور علماء الخلف ووجب الوقف على لفظ الجلالة عند من يفوض معاني هذه المتشابهات إلى الله - تعالى - مع تنزيهه عن ظواهرها المستحيلة وهم جمهور علماء السلف وهذه المسألة من المسائل التي أفاض القول فيها الباحثون في علم الكلام .هذا وقد ذكر العلماء حكما متعددة لاشتمال القرآن على المحكم والمتشابه ، منها : الابتلاء والاختبار ، لأن الراسخون في العلم سيؤمنون به وإن لم يعرفوا تأويله ، ويخضعون لسلطان الربوبية ، ويقرون بالعجز والقصور ، وفي ذلك غاية التربية ونهاية المصلحة .

وأما الذين في قلوبهم زيغ فيؤولونه تأويلا باطلا لإضلال الناس وتشكيكهم في دينهم .ومنها : رحمة الله بهذا الإنسان الضعيف الذي لا يطيق معرفة كل شيء .

فقد أخفى - سبحانه - على الناس معرفة وقت قيام الساعة لكيلا يتكاسلوا ويقعدوا عن الاستعداد لها ، ولكيلا يفتك بهم الخوف فيما لو أدركوا بالتحديد قرب قيامها .ومنها - كما يقول الفخر الرازي : " أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق ، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب ، ومنها : أن القرآن إذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل ، وحينئذ يتخلص من ظلمة التقليد ، ويصل إلى ضياء الاستدلال والبينة ، أما لو كان كله محكما لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية ، فحينئذ يبقى في الجهل والتقليد .

ومنها أن اشتماله على المحكم والمتشابه يحمل الإنسان على تعلم علوم كثيرة كعلم اللغة والنحو وأصول الفقه وغير ذلك من أنواع العلوم ، ومنها : أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام ، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق ، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ولا مشار إليه ، ظن أن هذا عدم ونفى فوقع في العطيل ، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه ، وبذلك يكون مخلوطا بما يدل على الحق الصريح .

فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر يكون من المتشابهات ، والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو المحكمات " .ومنها - كما يقول الجمل نقلا عن الخازن : " فإن قيل القرآن نزل لإرشاد الناس فهلا كان كله محكما؟

فالجواب أنه نزل بألفاظ العرب وعلى أسلوبهم .

وكلامهم على ضربين : الموجز الذي لا يخفى على سامع هذا هو الضرب الأول ، والثاني المجاز والكنايات والإرشادات والتلويحات وهذا هو المستحسن عندهم ، فأنزل القرآن على ضربين ليتحقق عجزهم فكأنه قال : عارضوه بأي الضربين شئتم ، ولو نزل كله محكما لقالوا : هلا نزل بالضرب المستحسن عندنا " .قال بعض العلماء : والذي يستخلص من مصادر الشريعة ومواردها ، أن الآيات المتشابهة لا يمكن أن يكون موضوعها حكما تكليفيا من الأحكام التي كلف عامة المسلمين أن يقوموا بها ، وأنه لا يمكن أن تكون آية من آيات الأحكام التكليفية قد انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى دون أن يبينها ، ولا تشابه فيها بعد أن بينتها السنة النبوية ، لأن الله - تعالى - يقول : { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } ولا شك من أول بيان ما نزل إليهم بيان الأحكام التكليفية .لذلك نقول جازمين : إنه ليس في آيات الأحكام آية متشابهة ، وإن اشتبه فهمها على بعض العقول ، لأنه لم يطلع على موضوعها ، فليس ذلك لأنها متشابهة في ذاتها ، بل لاشتباه عند من لا يعلم ، واشتباه من لا يعلم لا يجعل آية في القرآن متشابهة " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا في اتصال قوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيء فِي الأرض وَلاَ فِي السماء ﴾ بما قبله احتمالين أحدهما: أن ذلك كالتقرير لكونه قيوماً والثاني: أن ذلك الجواب عن شبه النصارى، فأما على الاحتمال الأول فنقول: إنه تعالى أراد أن يبين أنه قيوم وقائم بمصالح الخلق ومصالح الخلق قسمان: جسمانية وروحانية، أما الجسمانية فأشرفها تعديل البنية، وتسوية المزاج على أحسن الصور وأكمل الأشكال، وهو المراد بقوله: ﴿ هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام  ﴾ وأما الروحانية فأشرفها العلم الذي تصير الروح معه كالمرآة المجلوة التي تجلت صور جميع الموجودات فيها وهو المراد بقوله: ﴿ هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب ﴾ وأما على الاحتمال الثاني فقد ذكرنا أن من جملة شبه النصارى تمسكهم بما جاء في القرآن من قوله تعالى في صفة عيسى عليه السلام: إنه روح الله وكلمته، فبيّن الله تعالى بهذه الآية أن القرآن مشتمل على محكم وعلى متشابه، والتمسك بالمتشابهات غير جائز فهذا ما يتعلق بكيفية النظم، هو في غاية الحسن والاستقامة.

المسألة الثانية: إعلم أن القرآن دل على أنه بكليته محكم، ودل على أنه بكليته متشابه، ودل على أن بعضه محكم، وبعضه متشابه.

أما ما دل على أنه بكليته محكم، فهو قوله: ﴿ الر تِلْكَ ءايات الكتاب الحكيم  ﴾ ﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءاياته  ﴾ فذكر في هاتين الآيتين أن جميعه محكم، والمراد من المحكم بهذا المعنى كونه كلاماً حقاً فصيح الألفاظ صحيح المعاني وكل قول وكلام يوجد كان القرآن أفضل منه في فصاحة اللفظ وقوة المعنى ولا يتمكن أحد من إتيان كلام يساوي القرآن في هذين الوصفين، والعرب تقول في البناء الوثيق والعقد الوثيق الذي لا يمكن حله: محكم، فهذا معنى وصف جميعه بأنه محكم.

وأما ما دل على أنه بكليته متشابه، فهو قوله تعالى: ﴿ كتابا متشابها مَّثَانِيَ  ﴾ والمعنى أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن ويصدق بعضه بعضاً، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً  ﴾ أي لكان بعضه وارداً على نقيض الآخر، ولتفاوت نسق الكلام في الفصاحة والركاكة.

وأما ما دل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه، فهو هذه الآية التي نحن في تفسيرها، ولا بد لنا من تفسير المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة، ثم من تفسيرهما في عرف الشريعة: أما المحكم فالعرب تقول: حاكمت وحكمت وأحكمت بمعنى رددت، ومنعت، والحاكم يمنع الظالم عن الظلم وحكمة اللجام التي هي تمنع الفرس عن الاضطراب، وفي حديث النخعي: احكم اليتيم كما تحكم ولدك أي امنعه عن الفساد، وقال جرير: أحكموا سفهاءكم، أي امنعوهم، وبناء محكم أي وثيق يمنع من تعرض له، وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي، وأما المتشابه فهو أن يكون أحد الشيئين مشابهاً للآخر بحيث يعجز الذهن عن التمييز، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا  ﴾ وقال في وصف ثمار الجنة ﴿ وَأُتُواْ بِهِ متشابها  ﴾ أي متفق المنظر مختلف الطعوم، وقال الله تعالى: ﴿ تشابهت قُلُوبُهُمْ  ﴾ ومنه يقال: اشتبه علي الأمران إذا لم يفرق بينهما، ويقال لأصحاب المخاريق: أصحاب الشبه، وقال عليه السلام: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات» وفي رواية أخرى «مشتبهات».

ثم لما كان من شأن المتشابهين عجز الإنسان عن التمييز بينهما سمي كل ما لا يهتدي الإنسان إليه بالمتشابه، إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، ونظيره المشكل سمي بذلك، لأنه أشكل، أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشابهه، ثم يقال لكل ما غمض وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة مشكل، ويحتمل أن يقال: إنه الذي لا يعرف أن الحق ثبوته أو عدمه، وكان الحكم بثبوته مساوياً للحكم بعدمه في العقل والذهن، ومشابهاً له، وغير متميز أحدهما عن الآخر بمزيد رجحان، فلا جرم سمي غير المعلوم بأنه متشابه، فهذا تحقيق القول في المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة، فنقول: الناس قد أكثروا من الوجوه في تفسير المحكم والمتشابه، ونحن نذكر الوجه الملخص الذي عليه أكثر المحققين، ثم نذكر عقيبه أقوال الناس فيه فنقول: اللفظ الذي جعل موضوعاً لمعنى، فإما أن يكون محتملاً لغير ذلك المعنى، وإما أن لا يكون فإذا كان اللفظ موضوعاً لمعنى ولا يكون محتملاً لغيره فهذا هو النص، وأما إن كان محتملاً لغيره فلا يخلو إما أن يكون احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون احتماله لهما على السواء، فإن كان احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر سمي ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهراً، وبالنسبة إلى المرجوح مؤولاً، وأما إن كان احتماله لهما على السوية كان اللفظ بالنسبة إليهما معاً مشتركاً، وبالنسبة إلى كل واحد منهما على التعيين مجملاً، فقد خرج من التقسيم الذي ذكرناه أن اللفظ إما أن يكون نصاً، أو ظاهراً، أو مؤولاً، أو مشتركاً، أو مجملاً، أما النص والظاهر فيشتركان في حصول الترجيح، إلا أن النص راجح مانع من الغير، والظاهر راجح غير مانع من الغير، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمحكم.

وأما المجمل والمؤول فهما مشتركان في أن دلالة اللفظ عليه غير راجحة، وإن لم يكن راجحاً لكنه غير مرجوح، والمؤول مع أنه غير راجح فهو مرجوح لا بحسب الدليل المنفرد، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمتشابه، لأن عدم الفهم حاصل في القسمين جميعاً وقد بينا أن ذلك يسمى متشابهاً إما لأن الذي لا يعلم يكون النفي فيه مشابهاً للإثبات في الذهن، وإما لأجل أن الذي يحصل فيه التشابه يصير غير معلوم، فأطلق لفظ المتشابه على ما لا يعلم إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، فهذا هو الكلام المحصل في المحكم والمتشابه، ثم اعلم أن اللفظ إذا كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية، فهاهنا يتوقف الذهن، مثل: القرء، بالنسبة إلى الحيض والطهر، إنما المشكل بأن يكون اللفظ بأصل وضعه راجحاً في أحد المعنيين، ومرجوحاً في الآخر، ثم كان الراجح باطلاً، والمرجوح حقاً، ومثاله من القرآن قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القول  ﴾ فظاهر هذا الكلام أنهم يؤمرون بأن يفسقوا، ومحكمه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء  ﴾ رداً على الكفار فيما حكى عنهم ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَابَاءنَا والله أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿ نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ  ﴾ وظاهر النسيان ما يكون ضداً للعلم، ومرجوحه الترك والآية المحكمة فيه قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ لاَ يَضِلُّ رَبّى وَلاَ يَنسَى  ﴾ .

واعلم أن هذا موضع عظيم فنقول: إن كل واحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، وأن الآيات الموافقة لقول خصمه متشابهة، فالمعتزلي يقول قوله: ﴿ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ  ﴾ محكم، وقوله: ﴿ وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء الله رَبُّ العالمين  ﴾ متشابه والسني يقلب الأمر في ذلك فلابد هاهنا من قانون يرجع إليه في هذا الباب فنقول: اللفظ إذا كان محتملاً لمعنيين وكان بالنسبة إلى أحدهما راجحاً، وبالنسبة إلى الآخر مرجوحاً، فإن حملناه على الراجح ولم نحمله على المرجوح، فهذا هو المحكم وأما إن حملناه على المرجوح ولم نحمله على الراجح، فهذا هو المتشابه فنقول: صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لابد فيه من دليل منفصل، وذلك الدليل المنفصل إما أن يكون لفظياً وإما أن يكون عقلياً.

أما القسم الأول: فنقول: هذا إنما يتم إذا حصل بين ذينك الدليلين اللفظيين تعارض وإذا وقع التعارض بينهما فليس ترك ظاهر أحدهما رعاية لظاهر الآخر أولى من العكس، اللّهم إلا أن يقال: إن أحدهما قاطع في دلالته والآخر غير قاطع فحينئذ يحصل الرجحان، أو يقال: كل واحد منهما وإن كان راجحاً إلا أن أحدهما يكون أرجح، وحينئذ يحصل الرجحان إلا أنا نقول: أما الأول فباطل، لأن الدلائل اللفظية لا تكون قاطعة ألبتة، لأن كل دليل لفظي فإنه موقوف على نقل اللغات، ونقل وجوه النحو والتصريف، وموقوف على عدم الاشتراك وعدم المجاز، وعدم التخصيص، وعدم الإضمار، وعدم المعارض النقلي والعقلي، وكان ذلك مظنون، والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنوناً، فثبت أن شيئاً من الدلائل اللفظية لا يكون قاطعاً.

وأما الثاني وهو أن يقال: أحد الدليلين أقوى من الدليل الثاني وإن كان أصل الاحتمال قائماً فيهما معاً، فهذا صحيح، ولكن على هذا التقدير يصير صرف الدليل اللفظي عن ظاهره إلى المعنى المرجوح ظنياً، ومثل هذا لا يجوز التعويل عليه في المسائل الأصولية، بل يجوز التعويل عليه في المسائل الفقهيه فثبت بما ذكرناه أن صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح في المسائل القطعية لا يجوز إلا عند قيام الدليل القطعي العقلي على أن ما أشعر به ظاهر اللفظ محال، وقد علمنا في الجملة أن استعمال اللفظ في معناه المرجوح جائز عند تعذر حمله على ظاهره، فعنذ هذا يتعين التأويل، فظهر أنه لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بواسطة إقامة الدلالة العقلية القاطعة على أن معناه الراجح محال عقلاً ثم إذا أقامت هذه الدلالة وعرف المكلف أنه ليس مراد الله تعالى من هذا اللفظ ما أشعر به ظاهره، فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز وترجيح تأويل على تأويل، وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلائل اللفظية والدلائل اللفظية على ما بينا ظنية لا سيما الدلائل المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر يكون في غاية الضعف، وكل هذا لا يفيد إلا الظن الضعيف والتعويل على مثل هذه الدلائل في المسائل القطعية محال فلهذا التحقيق المتين مذهباً أن بعد إقامة الدلائل القطعية على أن حمل اللفظ على الظاهر محال لا يجوز الخوض في تعيين التأويل، فهذا منتهى ما حصلناه في هذا الباب، والله ولي الهداية والرشاد.

المسألة الثالثة: في حكاية أقوال الناس في المحكم والمتشابه فالأول: ما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: المحكمات هي الثلاث آيات التي في سورة الأنعام ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ  ﴾ إلى آخر الآيات الثلاث، والمتشابهات هي التي تشابهت على اليهود، وهي أسماء حروف الهجاء المذكور في أوائل السور، وذلك أنهم أولوها على حساب الجمل فطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة فاختلط الأمر عليهم واشتبه، وأقول: التكاليف الواردة من الله تعالى تنقسم إلى قسمين منها ما لا يجوز أن يتغير بشرع وشرع، وذلك كالأمر بطاعة الله تعالى، والاحتراز عن الظلم والكذب والجهل وقتل النفس بغير حق، ومنها ما يختلف بشرع وشرع كأعداد الصلوات ومقادير الزكوات وشرائط البيع والنكاح وغير ذلك، فالقسم الأول هو المسمى بالمحكم عند ابن عباس، لأن الآيات الثلاث في سورة الأنعام مشتملة على هذا القسم.

وأما المتشابه فهو الذي سميناه بالمجمل، وهو ما يكون دلالة اللفظ بالنسبة إليه وإلى غيره على السوية، فإن دلالة هذه الألفاظ على جميع الوجوه التي تفسر هذه الألفاظ بها على السوية لا بدليل منفصل على ما لخصناه في أول سورة البقرة.

القول الثاني: وهو أيضاً مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المحكم هو الناسخ، والمتشابه هو المنسوخ.

والقول الثالث: قال الأصم: المحكم هو الذي يكون دليله واضحاً لائحاً، مثل ما أخبر الله تعالى به من إنشاء الخلق في قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً  ﴾ وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيء حَىّ  ﴾ وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ  ﴾ والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل نحو الحكم بأنه تعالى يبعثهم بعد أن صاروا تراباً ولو تأملوا لصار المتشابه عندهم محكماً لأن من قدر على الإنشاء أو لا قدر على الإعادة ثانياً.

واعلم أن كلام الأصم غير ملخص، فإنه إن عنى بقوله: المحكم ما يكون دلائله واضحة أن المحكم هو الذي يكون دلالة لفظه على معناه متعينة راجحة، والمتشابه ما لا يكون كذلك، وهو إما المجمل المتساوي، أو المؤول المرجوح، فهذا هو الذي ذكرناه أولاً، وإن عنى به أن المحكم هو الذي يعرف صحة معناه من غير دليل، فيصير المحكم على قوله ما يعلم صحته بضرورة العقل، والمتشابه ما يعلم صحته بدليل العقل، وعلى هذا يصير جملة القرآن متشابهاً، لأن قوله: ﴿ فَخَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً ﴾ أمر يحتاج في معرفة صحته إلى الدلائل العقلية، وإن أهل الطبيعة يقولون: السبب في ذلك الطبائع والفصول، أو تأثيرات الكواكب، وتركيبات العناصر وامتزاجاتها، فكما أن إثبات الحشر والنشر مفتقر إلى الدليل، فكذلك إسناد هذه الحوادث إلى الله تعالى مفتقر إلى الدليل، ولعلّ الأصم يقول: هذه الأشياء وإن كانت كلها مفتقرة إلى الدليل، إلا أنها تنقسم إلى ما يكون الدليل فيه ظاهراً بحيث تكون مقدماته قليلة مرتبة مبينة يؤمن الغلط معها إلا نادراً، ومنها ما يكون الدليل فيه خفياً كثير المقدمات غير مرتبة فالقسم الأول: هو المحكم والثاني: هو المتشابه.

القول الرابع: أن كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي، أو بدليل خفي، فذاك هو المحكم، وكل ما لا سبيل إلى معرفته فذاك هو المتشابه، وذلك كالعلم بوقت قيام الساعة، والعلم بمقادير الثواب والعقاب في حق المكلفين، ونظيره قوله تعالى: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها  ﴾ [النازعات: 42].

المسألة الرابعة: في الفوائد التي لأجلها جعل بعض القرآن محكماً وبعضه متشابهاً.

اعلم أن من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات، وقال: إنكم تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة، ثم إنا نراه بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب على مذهبه، فالجبري يتمسك بآيات الجبر، كقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءَاذَانِهِمْ وَقْراً  ﴾ والقدري يقول: بل هذا مذهب الكفار، بدليل أنه تعالى حكى ذلك عن الكفار في معرض الذم لهم في قوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ  ﴾ وفي موضع آخر ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ  ﴾ وأيضاً مثبت الرؤية يتمسك بقوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ  إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  ﴾ والنافي يتمسك بقوله: ﴿ لاَ تُدْرِكُهُ الأبصار  ﴾ ومثبت الجهة يتمسك بقوله: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ  ﴾ وبقوله: ﴿ الرحمن عَلَى العرش استوى  ﴾ والنافي يتمسك بقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء  ﴾ ثم إن كل واحد يسمي الآيات الموافقة لمذهبه: محكمة، والآيات المخالفة لمذهبه: متشابهة وربما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى ترجيحات خفية، ووجوه ضعيفة، فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجوع إليه في كل الدين إلى قيام الساعة هكذا، أليس أنه لو جعله ظاهراً جلياً نقياً عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى حصول الغرض.

واعلم أن العلماء ذكروا في فوائد المتشابهات وجوهاً: الوجه الأول: أنه متى كانت المتشابهات موجودة، كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب، قال الله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين  ﴾ .

الوجه الثاني: لو كان القرآن محكماً بالكلية لما كان مطابقاً إلا لمذهب واحد، وكان تصريحه مبطلاً لكل ما سوى ذلك المذهب، وذلك مما ينفر أرباب المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه، فالانتفاع به إنما حصل لما كان مشتملاً على المحكم وعلى المتشابه، فحينئذ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يقوي مذهبه، ويؤثر مقالته، فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب المذاهب، ويجتهد في التأمل فيه كل صاحب مذهب، فإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات، فبهذا الطريق يتخلص المبطل عن باطله ويصل إلى الحق.

الوجه الثالث: أن القرآن إذا كان مشتملاً على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل، وحينئذ يتخلص عن ظلمة التقليد، ويصل إلى ضياء الاستدلال والبينة، أما لو كان كله محكماً لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية فحينئذ كان يبقى في الجهل والتقليد.

الوجه الرابع: لما كان القرآن مشتملاً على المحكم والمتشابه، افتقروا إلى تعلم طرق التأويلات وترجيح بعضها على بعض، وافتقر تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو وعلم أصول الفقه، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان يحتاج الإنسان إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة، فكان إيراد هذه المتشابهات لأجل هذه الفوائد الكثيرة.

الوجه الخامس: وهو السبب الأقوى في هذا الباب أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام بالكلية، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ولا مشار إليه، ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه، ويكون ذلك مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح، فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر يكون من باب المتشابهات، والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو المحكمات، فهذا ما حضرنا في هذا الباب والله أعلم بمراده.

وإذا عرفت هذه المباحث فلنرجع إلى التفسير.

أما قوله تعالى: ﴿ هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب ﴾ فالمراد به هو القرآن ﴿ مِنْهُ آيات محكمات ﴾ وهي التي يكون مدلولاتها متأكدة إما بالدلائل العقلية القاطعة وذلك في المسائل القطعية، أو يكون مدلولاتها خالية عن معارضات أقوى منها.

ثم قال: ﴿ هُنَّ أُمُّ الكتاب ﴾ وفيه سؤالان: السؤال الأول: ما معنى كون المحكم أماً للمتشابه؟.

الجواب: الأم في حقيقة اللغة الأصل الذي منه يكون الشيء، فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات، لا جرم صارت المحكمات كالأم للمتشابهات وقيل: أن ما جرى في الإنجيل من ذكر الأب، وهو أنه قال: إن الباري القديم المكون للأشياء الذي به قامت الخلائق وبه ثبتت إلى أن يبعثها، فعبّر عن هذا المعنى بلفظ الأب من جهة أن الأب هو الذي حصل منه تكوين الإبن، ثم وقع في الترجمة ما أوهم الأبوة الواقعة من جهة الولادة، فكان قوله: ﴿ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ  ﴾ محكماً لأن معناه متأكد بالدلائل العقلية القطعية، وكان قوله: عيسى روح الله وكلمته من المتشابهات التي يجب ردها إلى ذلك المحكم.

السؤال الثاني: لم قال: ﴿ أُمُّ الكتاب ﴾ ولم يقل: أمهات الكتاب؟.

الجواب: أن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد، ومجموع المتشابهات في تقدير شيء آخر وأحدهما أم الآخر، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً  ﴾ ولم يقل آيتين، وإنما قال ذلك على معنى أن مجموعهما آية واحدة، فكذلك هاهنا.

ثم قال: ﴿ وَأُخَرُ متشابهات ﴾ وقد عرفت حقيقة المتشابهات، قال الخليل وسيبويه: أن ﴿ أُخر ﴾ فارقت أخواتها في حكم واحد، وذلك لأن أُخر جمع أخرى وأخرى تأنيث آخر وأُخر على وزن أفعل وما كان على وزن أفعل فإنه يستعمل مع من أو بالألف واللام، فيقال: زيد أفضل من عمرو، وزيد الأفضل فالألف واللام معقبتان لمن في باب أفعل، فكان القياس أن يقال: زيد آخر من عمرو، أو يقال: زيد الآخر إلا أنهم حذفوا منه لفظ من لأن لفظه اقتضى معنى من فاسقطوها اكتفاء بدلالة اللفظ عليه والألف واللام معاقبتان لمن، فسقط الألف واللام أيضاً فلما جاز استعماله بغير الألف واللام صار أُخر فأخر جمعه، فصارت هذه اللفظة معدولة عن حكم نظائرها في سقوط الألف واللام عن جمعها ووحدانها.

ثم قال: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ إعلم أنه تعالى لما بيّن أن الكتاب ينقسم إلى قسمين منه محكم ومنه متشابه، بيّن أن أهل الزيغ لا يتمسكون إلا بالمتشابه، والزيغ الميل عن الحق، يقال: زاغ زيغاً: أي مال ميلاً واختلفوا في هؤلاء الذين أُريدوا بقوله: ﴿ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ فقال الربيع: هم وفد نجران لما حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسيح فقالوا: أليس هو كلمة الله وروح منه قال: بلى.

فقالوا: حسبنا.

فأنزل الله هذه الآية، ثم أنزل: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ  ﴾ وقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم مدة بقاء هذه الأمة واستخراجه من الحروف المقطعة في أوائل السور وقال قتادة والزجاج: هم الكفار الذين ينكرون البعث، لأنه قال في آخر الآية ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله ﴾ وما ذاك إلا وقت القيامة لأنه تعالى أخفاه عن كل الخلق حتى عن الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

وقال المحققون: إن هذا يعم جميع المبطلين، وكل من احتج لباطله بالمتشابه، لأن اللفظ عام، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ ويدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه ومن جملته ما وعد الله به الرسول من النصرة وما أوعد الكفار من النقمة ويقولون ﴿ ائتنا بِعَذَابِ الله  ﴾ ﴿ ومتى تَأْتِينَا الساعة  ﴾ ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة  ﴾ فموهوا الأمر على الضعفة، ويدخل في هذا الباب استدلال المشبهة بقوله تعالى: ﴿ الرحمن عَلَى العرش استوى  ﴾ فإنه لما ثبت بصريح العقل أن كل ما كان مختصاً بالحيز فإما أن يكون في الصغر كالجزء الذي لا يتجزأ وهو باطل بالاتفاق وإما أن يكون أكبر فيكون منقسماً مركباً وكل مركب فإنه ممكن ومحدث، فبهذا الدليل الظاهر يمتنع أن يكون الإله في مكان، فيكون قوله: ﴿ الرحمن عَلَى العرش استوى ﴾ متشابهاً، فمن تمسك به كان متمسكاً بالمتشابهات ومن جملة ذلك استدلال المعتزلة بالظواهر الدالة على تفويض الفعل بالكلية إلى العبد، فإنه لما ثبت بالبرهان العقلي أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي، وثبت أن حصول ذلك الداعي من الله تعالى، وثبت متى كان الأمر كذلك كان حصول الفعل عند تلك الداعية واجباً، وعدمه عند عدم هذه الداعية واجباً، فحينئذ يبطل ذلك التفويض، وثبت أن الكل بقضاء الله تعالى وقدره ومشيئته، فيصير استدلال المعتزلة بتلك الظواهر وإن كثرت استدلالاً بالمتشابهات، فبيّن الله تعالى في كل هؤلاء الذين يعرضون عن الدلائل القاطعة ويقتصرون على الظواهر الموهمة أنهم يتمسكون بالمتشابهات لأجل أن في قلوبهم زيغاً عن الحق وطلباً لتقرير الباطل.

واعلم أنك لا ترى طائفة في الدنيا إلا وتسمي الآيات المطابقة لمذهبهم محكمة، والآيات المطابقة لمذهب خصمهم متشابهة ثم هو الأمر في ذلك ألا ترى إلى الجبائي فإنه يقوله: المجبرة الذين يضيفون الظلم والكذب، وتكليف ما لا يطاق إلى الله تعالى هم المتمسكون بالمتشابهات.

وقال أبو مسلم الأصفهاني: الزائغ الطالب للفتنة هو من يتعلق بآيات الضلال، ولا يتأوله على المحكم الذي بيّنه الله تعالى بقوله: ﴿ وَأَضَلَّهُمُ السامرى  ﴾ ﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى  ﴾ ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين  ﴾ وفسروا أيضاً قوله: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا  ﴾ على أنه تعالى أهلكهم وأراد فسقهم، وأن الله تعالى يطلب العلل على خلقه ليهلكهم مع أنه تعالى قال: ﴿ يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر  ﴾ ﴿ وَيُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ  ﴾ وتأولوا قوله تعالى: ﴿ زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم فَهُمْ يَعْمَهُونَ  ﴾ على أنه تعالى زين لهم النعمة ونقضوا بذلك ما في القرآن كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ  ﴾ ﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظالمون  ﴾ وقال: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم فاستحبوا العمى عَلَى الهدى  ﴾ وقال: ﴿ فَمَنُ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ  ﴾ وقال: ﴿ ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ  ﴾ فكيف يزين النعمة؟

فهذا ما قاله أبو مسلم، وليت شعري لم حكم على الآيات الموافقة لمذهبه بأنها محكمات، وعلى الآيات المخالفة لمذهبه بأنها متشابهات؟

ولم أوجب في تلك الآيات المطابقة لمذهبه إجرائها على الظاهر، وفي الآيات المخالفة لمذهبه صرفها عن الظاهر؟

ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالرجوع إلى الدلائل العقلية الباهرة، فإذا دلّ على بطلان مذهب المعتزلة الأدلة العقلية، فإن مذهبهم لا يتم إلا إذا قلنا بأنه صدر عن أحد الفعلين دون الثاني من غير مرجح، وذلك تصريح بنفي الصانع، ولا يتم إلا إذا قلنا بأن صدور الفعل المحكم المتقن عن العبد لا يدل على علم فاعله به، فحينئذ يكون قد تخصص ذلك العدد بالوقوع دون الأزيد والأنقص لا لمخصص، وذلك نفي للصانع، ولزم منه أيضاً أن لا يدل صدور الفعل المحكم على كون الفاعل عالماً وحينئذ ينسد باب الاستدلال بأحكام أفعال الله تعالى على كون فاعلها عالماً، ولو أن أهل السموات والأرض اجتمعوا على هذه الدلائل لم يقدروا على دفعها، فإذا لاحت هذه الدلائل العقلية الباهرة فكيف يجوز لعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابه، فظهر بما ذكرناه أن القانون المستمر عند جمهور الناس أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة.

وأما المحقق المنصف، فإنه يحمل الأمر في الآيات على أقسام ثلاثة أحدها: ما يتأكد ظاهرها بالدلائل العقلية، فذاك هو المحكم حقاً.

وثانيها: الذي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها، فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله تعالى غير ظاهره.

وثالثها: الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه، فيكون من حقه التوقف فيه، ويكون ذلك متشابهاً بمعنى أن الأمر اشتبه فيه، ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر، إلا أن الظن الراجح حاصل في إجرائها على ظواهرها فهذا ما عندي في هذا الباب والله أعلم بمراده.

واعلم أنه تعالى لما بيّن أن الزائغين يتبعون المتشابه، بيّن أن لهم فيه غرضين، فالأول: هو قوله تعالى: ﴿ ابتغاء الفتنة ﴾ والثاني: هو قوله: ﴿ وابتغاء تَأْوِيلِهِ ﴾ .

فأما الأول: فاعلم أن الفتنة في اللغة الاستهتار بالشيء والغلو فيه، يقال: فلان مفتون بطلب الدنيا، أي قد غلا في طلبها وتجاوز القدر، وذكر المفسرون في تفسير هذه الفتنة وجوهاً: أولها: قال الأصم: إنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين، صار بعضهم مخالفاً للبعض في الدين، وذلك يفضي إلى التقاتل والهرج والمرج فذاك هو الفتنة.

وثانيها: أن التمسك بذلك المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه فيصير مفتوناً بذلك الباطل عاكفاً عليه لا ينقلع عنه بحيلة ألبتة.

وثالثها: أن الفتنة في الدين هو الضلال عنه ومعلوم أنه لا فتنة ولا فساد أعظم من الفتنة في الدين والفساد فيه.

وأما الغرض الثاني لهم: وهو قوله تعالى: ﴿ وابتغاء تَأْوِيلِهِ ﴾ فاعلم أن التأويل هو التفسير وأصله في اللغة المرجع والمصير، من قولك آل الأمر إلى كذا إذا صار إليه، وأولته تأويلاً إذا صيرته إليه، هذا معنى التأويل في اللغة، ثم يسمى التفسير تأويلاً، قال تعالى: ﴿ سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً  ﴾ وذلك أنه إخبار عما يرجع إليه اللفظ من المعنى، واعلم أن المراد منه أنهم يطلبون التأويل الذي ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان، مثل طلبهم أن الساعة متى تقوم؟

وأن مقادير الثواب والعقاب لكل مطيع وعاص كم تكون؟

قال القاضي: هؤلاء الزائغون قد ابتغوا المتشابه من وجهين: أحدهما: أن يحملوه على غير الحق: وهو المراد من قوله: ﴿ ابتغاء الفتنة ﴾ والثاني: أن يحكموا بحكم في الموضع الذي لا دليل فيه، وهو المراد من قوله: ﴿ وابتغاء تَأْوِيلِهِ ﴾ ثم بيّن تعالى ما يكون زيادة في ذم طريقة هؤلاء الزائغين فقال: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله ﴾ واختلف الناس في هذا الموضع، فمنهم من قال: تم الكلام هاهنا، ثم الواو في قوله: ﴿ والراسخون فِي العلم ﴾ واو الابتداء، وعلى هذا القول: لا يعلم المتشابه إلا الله، وهذا قول ابن عباس وعائشة ومالك بن أنس والكسائي والفرّاء، ومن المعتزلة قول أبي علي الجبائي وهو المختار عندنا.

والقول الثاني: أن الكلام إنما يتم عند قوله: ﴿ والرسخون فِي العلم ﴾ وعلى هذا القول يكون العلم بالمتشابه حاصلاً عند الله تعالى وعند الراسخين في العلم وهذا القول أيضاً مروي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس وأكثر المتكلمين والذي يدل على صحة القول الأول وجوه: الحجة الأولى: أن اللفظ إذا كان له معنى راجح، ثم دل دليل أقوى منه على أن ذلك الظاهر غير مراد، علمنا أن مراد الله تعالى بعض مجازات تلك الحقيقة، وفي المجازات كثرة، وترجيح البعض على البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية، والترجيحات اللغوية لا تفيد إلا الظن الضعيف، فإذا كانت المسألة قطعية يقينية، كان القول فيها بالدلائل الظنية الضعيفة غير جائز، مثاله قال الله تعالى: ﴿ لا يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا  ﴾ ثم قال الدليل القاطع على أن مثل هذا التكليف قد وجد على ما بينا في البراهين الخمسة في تفسير هذه الآية فعلمنا أن مراد الله تعالى ليس ما يدل عليه ظاهر هذه الآية، فلابد من صرف اللفظ إلى بعض المجازات، وفي المجازات كثرة وترجيح بعضها على بعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية، وأنها لا تفيد إلا الظن الضعيف، وهذه المسألة ليست من المسائل الظنية، فوجب أن يكون القول فيها بالدلائل الظنية باطلاً، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿ الرحمن عَلَى العرش استوى  ﴾ دلّ الدليل على أنه يمتنع أن يكون الإله في المكان، فعرفنا أنه ليس مراد الله تعالى من هذه الآية ما أشعر به ظاهرها، إلا أن في مجازات هذه اللفظة كثرة فصرف اللفظ إلى البعض دون البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية الظنية، والقول بالظن في ذات الله تعالى وصفاته غير جائز بإجماع المسلمين، وهذه حجة قاطعة في المسألة والقلب الخالي عن التعصب يميل إليه، والفطرة الأصلية تشهد بصحته، وبالله التوفيق.

الحجة الثانية: وهو أن ما قبل هذه الآية يدل على أن طلب تأويل المتشابه مذموم، حيث قال: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ ابتغاء الفتنة وابتغاء تَأْوِيلِهِ ﴾ ولو كان طلب تأويل المتشابه جائزاً لما ذم الله تعالى ذلك.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد منه طلب وقت قيام الساعة، كما في قوله: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي  ﴾ وأيضاً طلب مقادير الثواب والعقاب، وطلب ظهور الفتح والنصرة كما قالوا: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة  ﴾ .

قلنا: إنه تعالى لما قسم الكتاب إلى قسمين محكم ومتشابه، ودلّ العقل على صحة هذه القسمة من حيث إن حمل اللفظ على معناه الراجح هو المحكم، وحمله على معناه الذي ليس براجح هو المتشابه، ثم أنه تعالى ذم طريقة من طلب تأويل المتشابه كان تخصيص ذلك ببعض المتشابهات دون البعض تركاً للظاهر، وأنه لا يجوز.

الحجة الثالثة: أن الله مدح الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به، وقال في أول سورة البقرة ﴿ فَأَمَّا الذين ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق ﴾ فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح، لأن كل من عرف شيئاً على سبيل التفصيل فإنه لابد وأن يؤمن به، إنما الراسخون في العلم هم الذين علموا بالدلائل القطعية أن الله تعالى عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها، وعلموا أن القرآن كلام الله تعالى، وعلموا أنه لا يتكلم بالباطل والعبث، فإذا سمعوا آية ودلّت الدلائل القطعية على أنه لا يجوز أن يكون ظاهرها مراد الله تعالى، بل مراده منه غير ذلك الظاهر، ثم فوضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه، وقطعوا بأن ذلك المعنى أي شيء كان فهو الحق والصواب، فهؤلاء هم الراسخون في العلم بالله حيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر، ولا عدم علمهم بالمراد على التعيين عن الإيمان بالله والجزم بصحة القرآن.

الحجة الرابعة: لو كان قوله: ﴿ والراسخون فِي العلم ﴾ معطوفاً على قوله: ﴿ إِلاَّ الله ﴾ لصار قوله: ﴿ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ ﴾ ابتداء، وأنه بعيد عن ذوق الفصاحة، بل كان الأولى أن يقال: وهم يقولون آمنا به، أو يقال: ويقولون آمنا به.

فإن قيل: في تصحيحه وجهان الأول: أن قوله: ﴿ يَقُولُونَ ﴾ كلام مبتدأ، والتقدير: هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به والثاني: أن يكون ﴿ يَقُولُونَ ﴾ حالا من الراسخين.

قلنا: أما الأول فمدفوع، لأن تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه إلى الاضمار أولى من تفسيره بما يحتاج معه إلى الاضمار والثاني: أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره، وهاهنا قد تقدم ذكر الله تعالى وذكر الراسخين في العلم فوجب أن يجعل قوله: ﴿ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ ﴾ حالا من الراسخين لا من الله تعالى، فيكون ذلك تركاً للظاهر، فثبت أن ذلك المذهب لا يتم إلا بالعدول عن الظاهر ومذهبنا لا يحتاج إليه، فكان هذا القول أولى.

الحجة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا ﴾ يعني أنهم آمنوا بما عرفوه على التفصيل، وبما لم يعرفوا تفصيله وتأويله، فلو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل لم يبق لهذا الكلام فائدة.

الحجة السادسة: نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير لا يسع أحداً جهله، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى.

وسئل مالك بن أنس رحمه الله عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عند بدعة، وقد ذكرنا بعض هذه المسألة في أول سورة البقرة، فإذا ضم ما ذكرناه هاهنا إلى ما ذكرنا هناك تم الكلام في هذه المسألة، وبالله التوفيق.

ثم قال تعالى: ﴿ والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الرسوخ في اللغة الثبوت في الشيء.

واعلم أن الراسخ في العلم هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية، وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية، فإذا رأى شيئاً متشابهاً، ودل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى، علم حينئذ قطعاً أن مراد الله شيء آخر سوى ما دلّ عليه ظاهره، وأن ذلك المراد حق، ولا يصير كون ظاهره مردوداً شبهة في الطعن في صحة القرآن.

ثم حكي عنهم أيضاً أنهم يقولون ﴿ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا ﴾ والمعنى: أن كل واحد من المحكم والمتشابه من عند ربنا، وفيه سؤالان: السؤال الأول: لو قال: كل من ربنا كان صحيحاً، فما الفائدة في لفظ ﴿ عِندَ ﴾ ؟.

الجواب؛ الإيمان بالمتشابه يحتاج فيه إلى مزيد التأكيد، فذكر كلمة ﴿ عِندَ ﴾ لمزيد التأكيد.

السؤال الثاني: لم جاز حذف المضاف إليه من ﴿ كُلٌّ ﴾ ؟.

الجواب: لأن دلالة المضاف عليه قوية، فبعد الحذف الأمن من اللبس حاصل.

ثم قال: ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب ﴾ وهذا ثناء من الله تعالى على الذين قالوا آمنا به، ومعناه: ما يتعظ بما في القرآن إلا ذوو العقول الكاملة، فصار هذا اللفظ كالدلالة على أنهم يستعملون عقولهم في فهم القرآن، فيعلمون الذي يطابق ظاهره دلائل العقول فيكون محكماً، وأما الذي يخالف ظاهره دلائل العقول فيكون متشابهاً، ثم يعلمون أن الكل كلام من لا يجوز في كلامه التناقض والباطل، فيعلمون أن ذلك المتشابه لابد وأن يكون له معنى صحيح عند الله تعالى، وهذه الآية دالة على علو شأن المتكلمين الذين يبحثون عن الدلائل العقلية، ويتوسلون بها إلى معرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ولا يفسرون القرآن إلا بما يطابق دلائل العقول، وتوافق اللغة والإعراب.

واعلم أن الشيء كلما كان أشرف كان ضده أخس، فكذلك مفسر القرآن متى كان موصوفاً بهذه الصفة كانت درجته هذه الدرجة العظمى التي عظم الله الثناء عليه، ومتى تكلم في القرآن من غير أن يكون متبحراً في علم الأصول، وفي علم اللغة والنحو كان في غاية البعد عن الله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ محكمات ﴾ أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه ﴿ متشابهات ﴾ مشتبهات محتملات ﴿ هُنَّ أُمُّ الكتاب ﴾ أي أصل الكتاب تحمل المتشابهات عليها وتردّ إليها، ومثال ذلك ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الابصار ﴾ [الأنعام: 103] ، ﴿ إلى رَبّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [القيامة: 23] ، ﴿ لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء ﴾ [الأعراف: 27] .

﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾ [الإسراء: 16] .

فإن قلت: فهلا كان القرآن كله محكماً؟

قلت: لو كان كله محكماً لتعلق الناس به لسهولة مأخذه، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمّل من النظر والاستدلال، ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به، ولما في المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه، ولما في تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه وردّه إلى المحكم من الفوائد الجليلة والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله، ولأنّ المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في كلام الله ولا اختلاف، إذا رأى فيه ما يتناقض في ظاهره، وأهمه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحد، ففكر وراجع نفسه وغيره ففتح الله عليه وتبين مطابقة المتشابه المحكم، ازداد طمأنينة إلى معتقده وقوّة في إيقانه ﴿ الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ هم أهل البدع ﴿ فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ ﴾ فيتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع مما لا يطابق المحكم ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق ﴿ ابتغاء الفتنة ﴾ طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم ﴿ وابتغاء تَأْوِيلِهِ ﴾ وطلب أن يأوّلوه التأويل الذي يشتهونه ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والرسخون فِي العلم ﴾ أي لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله وعباده الذين رسخوا في العلم، أي ثبتوا فيه وتمكنوا وعضوا فيه بضرس قاطع.

ومنهم من يقف على قوله (إلا الله)، ويبتدئ (والراسخون في العلم يقولون) ويفسرون المتشابه بما استأثر الله بعلمه، وبمعرفة الحكمة فيه من آياته، كعدد الزبانية ونحوه: والأوّل هو الوجه.

ويقولون: كلام مستأنف موضح لحال الراسخين بمعنى هؤلاء العالمون بالتأويل ﴿ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ ﴾ أي بالمتشابه ﴿ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا ﴾ أي كل واحد منه ومن المحكم من عنده، أو بالكتاب كل من متشابهه ومحكمه من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه ولا يختلف كتابه ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الالباب ﴾ مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمّل ويجوز أن يكون ﴿ يَقُولُونَ ﴾ حالا من الراسخين.

وقرأ عبد الله: ﴿ إن تأويله إلا عند الله ﴾ .

وقرأ أبيّ: ﴿ ويقول الراسخون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ ﴾ أُحْكِمَتْ عِبارَتُها بِأنْ حُفِظَتْ مِنَ الإجْمالِ والِاحْتِمالِ.

﴿ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ ﴾ أصْلُهُ يُرَدُّ إلَيْها غَيْرُها والقِياسُ أُمَّهاتٌ فَأُفْرِدَ عَلى تَأْوِيلِ كُلِّ واحِدَةٍ، أوْ عَلى أنَّ الكُلَّ بِمَنزِلَةِ آيَةٍ واحِدَةٍ.

﴿ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ﴾ مُحْتَمِلاتٌ لا يَتَّضِحُ مَقْصُودُها.

لِإجْمالٍ أوْ مُخالَفَةِ ظاهِرٍ.

إلّا بِالفَحْصِ والنَّظَرِ لِيَظْهَرَ فِيها فَضْلُ العُلَماءِ، ويَزْدادُ حِرْصُهم عَلى أنْ يَجْتَهِدُوا في تَدَبُّرِها وتَحْصِيلِ العُلُومِ المُتَوَقِّفِ عَلَيْها اسْتِنْباطُ المُرادِ بِها، فَيَنالُوا بِها.

وبِإتْعابِ القَرائِحِ في اسْتِخْراجِ مَعانِيها، والتَّوْفِيقِ بَيْنَها وبَيْنَ المُحْكَماتِ.

مَعالِي الدَّرَجاتِ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ﴾ فَمَعْناهُ أنَّها حُفِظَتْ مِن فَسادِ المَعْنى ورَكاكَةِ اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ: كِتابًا مُتَشابِهًا فَمَعْناهُ أنَّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في صِحَّةِ المَعْنى وجَزالَةِ اللَّفْظِ، وأُخَرُ جَمْعُ أُخْرى وإنَّما لَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّهُ وصْفٌ مَعْدُولٌ عَنِ الآخَرِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ مَعْرِفَتُهُ، لِأنَّ مَعْناهُ أنَّ القِياسَ أنْ يُعَرَّفَ ولَمْ يُعَرَّفْ لا أنَّهُ في مَعْنى المُعَرَّفِ أوْ عَنْ أُخَرَ مِن ﴿ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ عُدُولٌ عَنِ الحَقِّ كالمُبْتَدِعَةِ.

﴿ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ﴾ فَيَتَعَلَّقُونَ بِظاهِرِهِ أوْ بِتَأْوِيلٍ باطِلٍ ﴿ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ ﴾ طَلَبَ أنْ يَفْتِنُوا النّاسَ عَنْ دِينِهِمْ بِالتَّشْكِيكِ والتَّلْبِيسِ ومُناقَضَةِ المُحْكَمِ بِالمُتَشابِهِ.

﴿ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ وطَلَبُ أنْ يُؤَوِّلُوهُ عَلى ما يَشْتَهُونَهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الدّاعِي إلى الِاتِّباعِ مَجْمُوعُ الطِّلْبَتَيْنِ، أوْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما عَلى التَّعاقُبِ.

والأوَّلُ يُناسِبُ المُعانِدَ والثّانِي يُلائِمُ الجاهِلَ.

﴿ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ﴾ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ.

﴿ إلا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ ﴾ أيِ الَّذِينَ ثَبَتُوا وتَمَكَّنُوا فِيهِ، ومَن وقَفَ عَلى إلّا اللَّهُ فَسَّرَ المُتَشابِهَ بِما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ: كَمُدَّةِ بَقاءِ الدُّنْيا، ووَقْتِ قِيامِ السّاعَةِ، وخَواصُّ الأعْدادِ كَعَدَدِ الزَّبانِيَةِ، أوْ بِما دَلَّ القاطِعُ عَلى أنَّ ظاهِرَهُ غَيْرُ مُرادٍ ولَمْ يَدُلَّ عَلى ما هو المُرادُ.

﴿ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُوَضِّحٌ لِحالِ الرّاسِخِينَ، أوْ حالٍ مِنهم أوْ خَبَرٍ إنْ جَعَلْتَهُ مُبْتَدَأً.

﴿ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا ﴾ أيْ كُلٌّ مِنَ المُتَشابِهِ والمُحْكَمِ مِن عِنْدِهِ، ﴿ وَما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ ﴾ مَدْحٌ لِلرّاسِخِينَ بِجَوْدَةِ الذِّهْنِ وحُسْنِ النَّظَرِ، وإشارَةٌ إلى ما اسْتَعَدُّوا بِهِ لِلِاهْتِداءِ إلى تَأْوِيلِهِ، وهو تَجَرُّدُ العَقْلِ عَنْ غَواشِي الحِسِّ، واتِّصالُ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن حَيْثُ إنَّها في تَصْوِيرِ الرُّوحِ بِالعِلْمِ وتَرْبِيَتِهِ، وما قَبْلَها في تَصْوِيرِ الجَسَدِ وتَسْوِيَتِهِ، أوْ أنَّها جَوابٌ عَنْ تَشَبُّثِ النَّصارى بِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ ﴾ كَما أنَّهُ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِ لا أبَ لَهُ غَيْرُ اللَّهِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ هو أباهُ بِأنَّهُ تَعالى مُصَوِّرُ الأجِنَّةِ كَيْفَ يَشاءُ فَيُصَوِّرُ مِن نُطْفَةِ أبٍ ومِن غَيْرِها، وبِأنَّهُ صَوَّرَهُ في الرَّحِمِ والمُصَوِّرُ لا يَكُونُ أبَ المُصَوَّرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب} القرآن {مِنْهُ} من الكتاب {آيات محكمات} أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه {هُنَّ أُمُّ الكتاب} أصل الكتاب تحمل المتشابهات عليها وترد إليها {وَأُخَّرُ} وآيات أخر {متشابهات} مشتبهات محتملات مثال ذلك {الرحمن على العرش استوى} فالاستواء يكون بمعنى الجلوس وبمعنى القدرة والاستيلاء ولا يجوز الأول على الله تعالى بدليل المحكم وهو قوله {ليس كمثله شيء} أو المحكم ما أمر الله به في كل كتاب أنزله نحو قوله {قُلْ تَعَالَوْاْ أتل ما حرم ربكم عليكم} الآيات {وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه} الآيات والمتشابه ما وراءه أو مالا يحتمل إلا وجهاً واحداً وما احتمل أوجهاً أو ما يعلم تأويله وما لا يعلم تأويله أو الناسخ الذي يعمل به والمنسوخ الذي لا يعمل به وإنما لم يكن كل القرآن محكماً لما في المتشابه من الابتلاء به والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه ولما في تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجليلة والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله تعالى {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} ميل عن الحق وهم أهل البدع {فَيَتَّبِعُونَ ما تشابه} فيتعلقون بالمشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع مما لا يطابق المحكم ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق {مِنْهُ ابتغاء الفتنة} طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم {وابتغاء تَأْوِيلِهِ} وطلب أن يؤولوه التأويل الذي يشتهونه {وَمَا يَعْلَمُ تأويله إلا الله} أى لا يهتدى أى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله {والراسخون فِي العلم} والذين رسخوا أي ثبتوا فيه وتمكنوا وعضوا فيه بضرس قاطع مستأنف عند الجمهور والوقف عندهم على قوله إلا الله وفسروا المتشابه بما استأثر الله بعلمه وهو مبتدأ عندهم والخبر {يقولون آمنا به} وهو ثناء منه

آل عمران (٧ _ ١١)

تعالى عليهم بالإيمان على

التسليم واعتقاد الحقية بلا تكييف وفائدة إنزال المتشابه الإيمان به واعتقاد حقية ما أراد الله به ومعرفة قصور إفهام البشر عن الوقوف على مالم يجعل لهم إليه سبيلاً ويعضده قراءة أبي ويقول الراسخون وعبد الله إن تأويله إلا عند الله ومنهم من لا يقف عليه ويقول بأن الراسخين في العلم يعلمون المتشابه ويقولون كلام مستأنف موضح لحال الراسخين بمعنى هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به أي بالمتشابه أو بالكتاب {كُلٌّ} من متشابهه ومحكمه {مِّنْ عِندِ رَبّنَا} من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه {وَمَا يَذَّكَّرُ} وما يتعظ وأصله يتذكر {إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب} أصحاب العقول وهو مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمل وقيل يقولون حال من الراسخين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ اِسْتِئْنافٌ لِإبْطالِ شُبَهِ الوَفْدِ وإخْوانِهِمُ النّاشِئَةِ عَمّا نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ في نَعْتِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ إثْرَ بَيانِ اِخْتِصاصِ الرُّبُوبِيَّةِ ومَناطِها بِهِ سُبْحانَهُ، قِيلَ: إنَّ الوَفْدَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ تَعالى ورُوحٌ مِنهُ؟

قالَ: بَلى قالُوا: فَحَسْبُنا ذَلِكَ (فَنَعى سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ زَيْغَهُمْ) وفِتْنَتَهم وبَيَّنَ أنَّ الكِتابَ مُؤَسَّسٌ عَلى أُصُولٍ رَصِينَةٍ وفُرُوعٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَيْها ناطِقَةٍ بِالحَقِّ قاضِيَةٍ بِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ، كَذا قِيلَ ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ مُناسَبَةِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا الأثَرَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ أثَرٌ في ”الصِّحاحِ“ ولا سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في غَيْرِها، وقُصارى ما وُجِدَ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الآتِي الوَفْدُ، وفِيهِ أنَّ الأثَرَ بِعَيْنِهِ أخْرَجَهُ في «اَلدُّرِّ المَنثُورِ» عَنْ أبِي حاتِمٍ وابْنِ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ وعَنْ بَعْضِهِمْ: «أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وذَلِكَ حِينَ مَرَّ أبُو ياسِرِ بْنُ أخْطَبَ (فَجاءَ رَجُلٌ مِن يَهُودَ لِرَسُولِ) اللَّهِ  وهو يَتْلُو فاتِحَةَ سُورَةِ البَقَرَةِ [1-2] ﴿ الم ﴾ ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ فَأتى أخاهُ حَيِيَّ بْنَ أخْطَبَ في رِجالٍ مِن يَهُودَ فَقالَ: أتَعْلَمُونَ واَللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَتْلُو فِيما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ الم ﴾ ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ فَقالَ: أنْتَ سَمِعْتَهُ؟

قالَ: نَعَمْ فَمَشى حَتّى وافى أُولَئِكَ النَّفَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: ألَمْ يَذْكُرْ أنَّكَ تَتْلُو فِيما أُنْزِلَ عَلَيْكَ ﴿ الم ﴾ ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ ؟

فَقالَ: بَلى فَقالَ: لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى قَبْلَكَ أنْبِياءَ ما نَعْلَمُهُ بَيَّنَ لِنَبِيٍّ مِنهم ما مُدَّةُ مُلْكِهِ وما أجَلُ أُمَّتِهِ غَيْرَكُ، الألِفُ واحِدَةٌ واللّامُ ثَلاثُونَ والمِيمُ أرْبَعُونَ فَهَذِهِ إحْدى وسَبْعُونَ سَنَةً هَلْ مَعَ هَذا غَيْرُهُ؟

قالَ: نَعَمْ (المص) قالَ: هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ، الألِفُ واحِدَةٌ واللّامُ ثَلاثُونَ والمِيمُ أرْبَعُونَ والصّادُ تِسْعُونَ فَهَذِهِ مِائَةٌ وإحْدى وسِتُّونَ سَنَةً هَلْ مَعَ هَذا غَيْرُهُ؟

قالَ: نَعَمْ (الر) قالَ: هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ هَلْ مَعَ هَذا غَيْرُهُ؟

قالَ: بَلى (المر) قالَ: هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ، ثُمَّ قالَ: لَقَدْ لَبَسَ عَلَيْنا أمْرُكَ حَتّى ما نَدْرِي أقَلِيلًا أعْطَيْتَ أمْ كَثِيرًا، ثُمَّ قالَ: قُومُوا ثُمَّ قالَ أبُو ياسِرٍ لِأخِيهِ ومَن مَعَهُ: وما يُدْرِيكم لَعَلَّهُ لَقَدْ جَمَعَ هَذا كُلَّهُ لِمُحَمَّدٍ؟

فَقالُوا: لَقَدْ تَشابَهَ عَلَيْنا أمْرُهُ»».

وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ البُخارِيُّ في «اَلتّارِيخِ» وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إلّا أنَّ فِيهِ فَيَزْعُمُونَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ فِيهِمْ وهو مُؤْذِنٌ بِعَدَمِ الجَزْمِ بِذَلِكَ ومَعَ هَذا يُبْعِدُهُ ما تَقَدَّمَ مِن رِوايَةِ «إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ في شَأْنِ أُولَئِكَ الوَفْدِ مِن مَصْدَرِ آلِ عِمْرانَ إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آيَةً» وعَلى تَقْدِيرِ الإغْماضِ عَنْ هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وجْهُ اِتِّصالِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ في المُتَشابِهِ خَفاءً كَما أنَّ تَصْوِيرَ ما في الأرْحامِ كَذَلِكَ أوْ أنَّ في هَذِهِ تَصْوِيرَ الرُّوحِ بِالعِلْمِ وتَكْمِيلَهُ بِهِ وفِيما قَبْلَها تَصْوِيرُ الجَسَدِ وتَسْوِيَتُهُ فَلَمّا أنَّ في كُلٍّ مِنهُما تَصْوِيرًا وتَكْمِيلًا في الجُمْلَةِ ناسَبَ ذِكْرَهُ مَعَهُ، ولَمّا أنَّ بَيْنَ التَّصْوِيرِ الحَقِيقِيِّ الجُسْمانِيِّ واَلَّذِي لَيْسَ هو كَذَلِكَ مِنَ الرُّوحانِيِّ مِنَ التَّفاوُتِ والتَّبايُنِ تُرِكَ العَطْفُ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنهُ آياتٌ ﴾ الظَّرْفُ فِيهِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و(آياتٌ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ أوْ بِالعَكْسِ، ورُجِّحَ الأوَّلُ: بِأنَّهُ الأوْفَقُ بِقَواعِدِ الصِّناعَةِ، والثّانِي: بِأنَّهُ أدْخَلُ في جَزالَةِ المَعْنى إذِ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ اِنْقِسامُ الكِتابِ إلى القِسْمَيْنِ المَعْهُودَيْنِ لا كَوْنُهُما مِنَ الكِتابِ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الكِتابِ أيْ هو الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ كائِنًا عَلى هَذِهِ الحالَةِ أيْ مُنْقَسِمًا إلى مُحْكَمٍ وغَيْرِهِ، أوِ الظَّرْفُ وحْدَهُ حالٌ و(آياتٌ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ ﴿ مُحْكَماتٌ ﴾ صِفَةُ (آياتٌ) أيْ واضِحَةُ المَعْنى ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ مَحْكَمَةُ العِبارَةِ مَحْفُوظَةٌ مِنَ الِاحْتِمالِ والِاشْتِباهِ ﴿ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ ﴾ أيْ أصْلُهُ والعُمْدَةُ فِيهِ يُرَدُّ إلَيْها غَيْرُها، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ جامِعٍ يَكُونُ مَرْجِعًا أما والجُمْلَةُ إمّا صِفَةٌ لِما قَبْلَها أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ وإنَّما أفْرَدَ الأُمَّ مَعَ أنَّ الآياتِ مُتَعَدِّدَةٌ لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ أصْلِيَّةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها أوْ بَيانُ أنَّ الكُلَّ بِمَنزِلَةِ آيَةٍ واحِدَةٍ ”وأُخَرُ“ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى (آياتٌ) أيْ وآياتٌ أُخَرُ وهي كَما قالَ الرَّضِيُّ: جَمْعُ أُخْرى الَّتِي هي مُؤَنَّثُ آخَرَ ومَعْناهُ في الأصْلِ أشَدُّ تَأخُّرًا فَمَعْنى جاءَنِي زَيْدٌ ورَجُلٌ آخَرُ جاءَنِي زَيْدٌ ورَجُلٌ أشَدُّ تَأخُّرًا مِنهُ في مَعْنًى مِنَ المَعانِي، ثُمَّ نُقِلَ إلى مَعْنى غَيْرِهِ فَمَعْنى رَجُلٌ آخَرُ رَجُلٌ غَيْرُ زَيْدٍ ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيما هو مِن جِنْسِ المَذْكُورِ أوَّلًا، فَلا يُقالُ: جاءَنِي زَيْدٌ وحِمارٌ آخَرُ ولا اِمْرَأةٌ أُخْرى، ولَمّا خَرَجَ عَنْ مَعْنى التَّفْضِيلِ اُسْتُعْمِلَ مِن دُونِ لَوازِمِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، أعْنِي مِن والإضافَةَ واللّامَ وطُوبِقَ بِالمُجَرَّدِ عَنِ اللّامِ والإضافَةِ ما هو لَهُ نَحْوَ: رَجُلانِ آخَرانِ ورِجالٌ آخَرُونَ واِمْرَأةٌ أُخْرى واِمْرَأتانِ أُخْرَيانِ ونِسْوَةٌ أُخَرُ.

وذَهَبَ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِأنَّهُ وصْفٌ مَعْدُولٌ عَنِ الآخَرِ، قالُوا: لِأنَّ الأصْلَ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ أنْ لا يُجْمَعَ إلّا مَقْرُونًا بِالألِفِ واللّامِ كالكِبَرِ والصِّغَرِ فَعُدِلَ عَنْ أصْلِهِ وأُعْطِيَ مِنَ الجَمْعِيَّةِ مُجَرَّدًا ما لا يُعْطى غَيْرُهُ إلّا مَقْرُونًا، وقِيلَ: الدَّلِيلُ عَلى عَدْلِ (أُخَرَ) أنَّهُ لَوْ كانَ مَعَ مِنَ المُقَدَّرَةِ كَما في (اَللَّهُ أكْبَرُ) لَلَزِمَ أنْ يُقالَ بِنِسْوَةٍ آخَرَ عَلى وزْنِ أفْعَلَ لِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ ما دامَ بِمِن ظاهِرَةٍ أوْ مُقَدَّرَةٍ لا يَجُوزُ مُطابَقَتُهُ لِمَن هو لَهُ بَلْ يَجِبُ إفْرادُهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ الإضافَةِ لِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ لا يُحْذَفُ إلّا مَعَ بِناءِ المُضافِ، أوْ مَعَ سادٍّ مَسَدَّ المُضافِ إلَيْهِ، أوْ مَعَ دَلالَةِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ تابِعُ المُضافِ أخْذًا مِنَ اِسْتِقْراءِ كَلامِهِمْ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ اللّامَ، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْرِفَةً كَسُحَرَ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ في المَعْدُولِ عَنْ شَيْءٍ أنْ يَكُونَ بِمَعْناهُ مِن كُلِّ وجْهٍ وإنَّما يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قَدْ أُخْرِجَ عَمّا يَسْتَحِقُّهُ وما هو القِياسُ فِيهِ إلى صِيغَةٍ أُخْرى، نَعَمْ قَدْ تُقْصَدُ إرادَةُ تَعْرِيفِهِ بَعْدَ النَّقْلِ إمّا بِألِفٍ ولامٍ يُضْمَنُ مَعْناها فَيُبْنى، أوْ إمّا بِعِلْمِيَّةٍ كَما في سُحَرَ فَيُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ، ولَمّا لَمْ يُقْصَدُ في (أُخَرُ) إرادَةُ الألِفِ واللّامِ أُعْرِبَ، ولا يَصِحُّ إرادَةُ العَلَمِيَّةِ لِأنَّها تُضادُّ الوَصْفِيَّةَ المَقْصُودَةَ مِنهُ.

وقالَ اِبْنُ جِنِّيٍّ: إنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ آخَرَ مَن، وزَعَمَ اِبْنُ مالِكٍ أنَّهُ التَّحْقِيقُ، وظاهِرُ كَلامِ أبِي حَيّانَ اِخْتِيارُهُ واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.

ووَصَفَ (أُخَرُ) بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مُتَشابِهاتٌ ﴾ وهي في الحَقِيقَةِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ مُحْتَمِلاتٌ لِمَعانٍ مُتَشابِهاتٍ لا يَمْتازُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ في اِسْتِحْقاقِ الإرادَةِ ولا يَتَّضِحُ الأمْرُ إلّا بِالنَّظَرِ الدَّقِيقِ، وعَدَمُ الِاتِّضاحِ قَدْ يَكُونُ لِلِاشْتِراكِ أوْ لِلْإجْمالِ، أوْ لِأنَّ ظاهِرَهُ التَّشْبِيهُ فالمُتَشابِهُ في الحَقِيقَةِ وصْفٌ لِتِلْكَ المَعانِي وصَفَ بِهِ الآياتِ عَلى طَرِيقَةِ وصْفِ الدّالِّ بِما هو وصْفٌ لِلْمَدْلُولِ فَسَقَطَ ما قِيلَ: إنَّ واحِدَ مُتَشابِهاتٍ مُتَشابِهَةٌ، وواحِدَ (أُخَرَ) أُخْرى، والواحِدُ هُنا لا يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ بِهَذا الواحِدِ فَلا يُقالُ: أُخْرى مُتَشابِهَةٌ إلّا أنْ يَكُونَ بَعْضُ الواحِدَةِ يُشْبِهُ بَعْضًا ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ وإنَّما المَعْنى أنَّ كُلَّ آيَةٍ تُشْبِهُ آيَةً أُخْرى، فَكَيْفَ صَحَّ وصْفُ الجَمْعِ بِهَذا الجَمْعِ ولَمْ يَصِحَّ وصْفُ مُفْرَدِهِ بِمُفْرَدِهِ؟!

ولا حاجَةَ إلى ما تُكُلِّفَ في الجَوابِ عَنْهُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ صِحَّةِ وصْفِ المُثَنّى والمَجْمُوعِ صِحَّةُ بَسْطِ مُفْرَداتِ الأوْصافِ عَلى أفْرادِ المَوْصُوفاتِ كَما أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الإسْنادِ إلَيْهِما صِحَّةُ إسْنادِهِ إلى كُلِّ واحِدٍ كَما في ﴿ فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ ﴾ إذِ الرَّجُلُ لا يَقْتَتِلُ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ مِن شَأْنِ الأُمُورِ المُتَشابِهَةِ أنْ يَعْجِزَ العَقْلُ عَنِ التَّمْيِيزِ بِها سُمِّيَ كُلُّ ما لا يَهْتَدِي العَقْلُ إلَيْهِ مُتَشابِهًا وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِسَبَبِ التَّشابُهِ كَما أنَّ المُشْكِلَ في الأصْلِ ما دَخَلَ في أشْكالِهِ وأمْثالِهِ ولَمْ يُعْلَمْ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ غامِضٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ غُمُوضُهُ مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المُتَشابِهُ مَجازًا أوْ كِنايَةً عَمّا لا يَتَّضِحُ مَعْناهُ مَثَلًا فَيَكُونُ السُّؤالُ مُغالَطَةً غَيْرَ وارِدَةٍ رَأْسًا وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في تَفْسِيرِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ هو مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ وعَلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ.

وتَقْسِيمُ الكِتابِ إلَيْهِما مِن تَقْسِيمِ الكُلِّ إلى أجْزائِهِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابِ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ ولامُهُ لِتَعْرِيفِ العَهْدِ، وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُرادَ بِالكِتابِ الثّانِي المُضافُ إلَيْهِ أُمُّ الأوَّلِ الواقِعِ مُقَسَّمًا كَما يُشْعِرُ بِهِ حَدِيثُ إعادَةُ الشَّيْءِ مَعْرِفَةٌ ويَكُونُ وضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ اِعْتِناءً بِشَأْنِ المُظْهَرِ وتَفْخِيمًا لَهُ والإضافَةُ عَلى مَعْنى في كَما في واحِدِ العَشَرَةِ فَلا يَلْزَمُ كَوْنُ الشَّيْءِ أصْلًا لِنَفْسِهِ لِأنَّ المَعْنى عَلى أنَّ الآياتِ المُحْكَماتِ الَّتِي هي جُزْءٌ مِمّا بَيْنُ الدَّفَّتَيْنِ أصْلٌ فِيما بَيْنُ الدَّفَّتَيْنِ يَرْجِعُ إلَيْهِ المُتَشابِهِ مِنهُ، واعْتِبارُ ظَرْفِيَّةِ الكُلِّ لِلْجُزْءِ يَدْفَعُ تَوَهُّمَ لُزُومِ ظَرْفِيَّةِ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ وهَذا أوْلى مِنَ القَوْلِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ بَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ بِأنْ يُقالَ التَّقْدِيرُ أمُّ بَعْضِ الكِتابِ، فَإنَّهُ وإنْ بَقِيَ فِيهِ الكِتابُ عَلى حالِهِ إلّا أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ فَإنَّهُ كالقُرْآنِ يُطْلَقُ عَلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ المَجْمُوعِ وبَيْنَ كُلِّ بَعْضٍ مِنهُ لَهُ بِهِ نَوْعُ اِخْتِصاصٍ كَما بُيِّنَ في الأُصُولِ، ويُرادُ مِن هَذا الجِنْسِ ما هو في ضِمْنِ الآياتِ المُتَشابِهاتِ فاللّامُ حِينَئِذٍ لِلْجِنْسِ والإضافَةُ عَلى مَعْنى اللّامِ ولا يُعارِضُهُ حَدِيثُ الإعادَةِ إذْ هو أصْلٌ كَثِيرًا ما يُعْدَلُ عَنْهُ ولا يُتَوَهَّمُ مِنهُ كَوْنُ الشَّيْءِ أُمًّا لِنَفْسِهِ أصْلًا ولا أنَّ المَقامَ مَقامُ الإضْمارِ لِيُحْتاجَ إلى الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ، وبَعْضُ فُضَلاءِ العَصْرِ العاصِرِينَ حُمَيّا العِلْمِ مِن كَرَمِ أذْهانِهِمِ الكَرِيمَةِ أحْسَنَ عَصْرٍ جَوَّزَ كَوْنَ الإضافِيَّةِ لامِيَّةً، و(اَلْكِتابِ) المُضافُ إلَيْهِ هو الكِتابُ الأوَّلُ بِعَيْنِهِ ولَيْسَ في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ وما يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ مِن كَوْنِ الشَّيْءِ أُمًّا لِنَفْسِهِ وأصْلًا لَها لا يَضُرُّ لِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ فَإنَّ أُمُومَتَهُ لِغَيْرِهِ مِنَ المُتَشابِهِ بِاعْتِبارِ رَدِّهِ إلَيْهِ وإرْجاعِهِ لَهُ وأُمُومَتِهِ لِنَفْسِهِ بِاعْتِبارِ عَدَمِ اِحْتِياجِهِ لِظُهُورِ مَعْناهُ إلى شَيْءٍ سِوى نَفْسِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الأُمَّ إنْ كانَتْ في كِلا الِاعْتِبارَيْنِ حَقِيقَةً لَزِمَ اِسْتِعْمالُ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ وإنْ كانَتْ في كِلَيْهِما مَجازًا لَزِمَ الجَمْعُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مَجازِيَّيْنِ، وإنْ كانَتْ حَقِيقَةً في الأصْلِ بِاعْتِبارِ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ غَيْرُهُ كَما يُفْهَمُ مِن بَعْضِ عِباراتِهِمْ مَجازًا في الأصْلِ بِمَعْنى المُسْتَغْنِي عَنْ غَيْرِهِ لَزِمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ ولا مَخْلَصَ عَنْ ذَلِكَ إلّا بِارْتِكابِ عُمُومِ المَجازِ، هَذا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْسِيمُ إلى القِسْمَيْنِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ مِن تَقْسِيمِ الكُلِّيِّ إلى جُزْئِيّاتِهِ فَ (ألْ) في الكِتابِ لِلْجِنْسِ أوَّلًا وآخِرًا إلّا أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابِ في الأوَّلِ الماهِيَّةُ مِن حَيْثُ هي كَما هو الأمْرُ المَعْرُوفُ في مِثْلِ هَذا التَّقْسِيمِ، وفي الثّانِي الماهِيَّةُ بِاعْتِبارِ تَحَقُّقِها في ضِمْنِ بَعْضِ الأفْرادِ وهو المُتَشابِهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الثّانِي أيْضًا مَجْمُوعُ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ والكَلامُ فِيهِ حِينَئِذٍ عَلى نَحْوِ ما سَبَقَ، قِيلَ: وقُصارى ما يَلْزَمُ مِن هَذا التَّقْسِيمِ بَعْدَ تَحَمُّلِ القَوْلِ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ صِدْقُ الكِتابِ عَلى الأبْعاضِ وهو مِمّا لا يَتَحاشى مِنهُ بَلْ هو غَرَضُ مَن فَسَّرَ الكِتابَ بِالقَدْرِ المُشْتَرَكِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ فِيهِ غَيْرَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالعِنايَةِ، فَتَدَبَّرْ.

وذَهَبَ ساداتُنا الحَنَفِيَّةُ إلى أنَّ المُحْكَمَ الواضِحَ الدَّلالَةِ الظّاهِرَ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ، والمُتَشابِهَ الخَفِيَّ الَّذِي لا يُدْرَكُ مَعْناهُ عَقْلًا ولا نَقْلًا وهو ما اِسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ كَقِيامِ السّاعَةِ والحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ؛ وقِيلَ: المُحْكَمُ الفَرائِضِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، والمُتَشابِهُ القِصَصِ والأمْثالِ، أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ اِبْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ المُحْكَماتُ ناسِخُهُ وحَلالُهُ وحَرامُهُ وحُدُودُهُ وفَرائِضُهُ، والمُتَشابِهاتُ ما يُؤْمَنُ بِهِ ولا يُعْمَلُ بِهِ، وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ المُحْكَماتُ ما فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ وما سِوى ذَلِكَ مُتَشابِهٌ، وأخْرَجَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ المُحْكَماتُ ما لَمْ يُنْسَخْ والمُتَشابِهاتُ ما قَدْ نُسِخَ، وقالَ الماوَرْدِيُّ: المُحْكَمُ ما كانَ مَعْقُولُ المَعْنى، والمُتَشابِهُ بِخِلافِهِ كَأعْدادِ الصَّلَواتِ واخْتِصاصِ الصِّيامِ بِرَمَضانَ دُونَ شَعْبانَ، وقِيلَ: المُحْكَمُ ما لَمْ يَتَكَرَّرْ ألْفاظُهُ، والمُتَشابِهُ ما يُقابِلُهُ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا الخِلافُ في المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ هُنا وإلّا فَقَدَ يُطْلَقُ المُحْكَمُ بِمَعْنى المُتْقَنِ النَّظْمِ، والمُتَشابِهُ عَلى ما يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في البَلاغَةِ، وهُما بِهَذا المَعْنى يُطْلَقانِ عَلى جَمِيعِ القُرْآنِ، وعَلى ذَلِكَ خَرَجَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ ﴾ .

﴿ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ أيْ عُدُولٌ عَنِ الحَقِّ ومَيْلٌ عَنْهُ إلى الأهْواءِ، وقالَ الرّاغِبُ: ((اَلزَّيْغُ المَيْلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ)) وزاغَ وزالَ ومالَ مُتَقارِبَةٌ لَكِنْ زاغَ لا يُقالُ إلّا فِيما كانَ عَنْ حَقٍّ إلى باطِلٍ ومَصْدَرُهُ زَيْغٌ وزَيْغُوغَةٌ وزَيَغانٌ وزُيُوغٌ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ نَصارى نَجْرانَ أوِ اليَهُودُ وإلَيْهِ ذَهَبَ اِبْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: مُنْكِرُو البَعْثِ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ، وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَلى أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُمُ الخَوارِجُ، وظاهِرُ اللَّفْظِ العُمُومُ لِسائِرِ مَن زاغَ عَنِ الحَقِّ فَلْيُحْمَلْ ما ذُكِرَ عَلى بَيانِ بَعْضِ ما صَدَّقَ عَلَيْهِ العامُّ دُونَ التَّخْصِيصِ، وفي جَعْلِ قُلُوبِهِمْ مَقَرًّا لِلزَّيْغِ مُبالَغَةٌ في عُدُولِهِمْ عَنْ سُنَنِ الرَّشادِ وإصْرارِهِمْ عَلى الشَّرِّ والفَسادِ.

وزَيْغٌ مُبْتَدَأٌ أوْ فاعِلٌ ﴿ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ﴾ أيْ يَتَعَلَّقُونَ بِذَلِكَ وحْدَهُ بِأنْ لا يَنْظُرُوا إلى ما يُطابِقُهُ مِنَ المُحْكَمِ ويَرُدُّوهُ إلَيْهِ وهو إمّا بِأخْذِ ظاهِرِهِ غَيْرِ المُرادِ لَهُ تَعالى أوْ أخْذِ أحَدِ بُطُونِهِ الباطِلَةِ، وحِينَئِذٍ يَضْرِبُونَ القُرْآنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ويُظْهِرُونَ التَّناقُضَ بَيْنَ مَعانِيهِ إلْحادًا مِنهم وكُفْرًا ويَحْمِلُونَ لَفْظَهُ عَلى أحَدِ مُحْتَمِلاتِهِ الَّتِي تُوافِقُ أغْراضَهُمُ الفاسِدَةَ في ذَلِكَ وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ أيْ طَلَبَ أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ عَنْ دِينِهِمْ بِالتَّشْكِيكِ والتَّلْبِيسِ ومُناقَضَةِ المُحْكَمِ بِالمُتَشابِهِ كَما نُقِلَ عَنِ الواقِدِيِّ، وطَلَبَ أنْ يُؤَوِّلُوهُ حَسْبَما يَشْتَهُونَ، فالإضافَةُ في ﴿ تَأْوِيلِهِ ﴾ لِلْعَهْدِ أيْ بِتَأْوِيلٍ مَخْصُوصٍ وهو ما لَمْ يُوافِقِ المُحْكَمَ بَلْ ما كانَ مُوافِقًا لِلتَّشَهِّي.

والتَّأْوِيلُ التَّفْسِيرُ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقالَ الرّاغِبُ: ((إنَّهُ مِنَ الأوَّلِ وهو الرُّجُوعُ إلى الأصْلِ ومِنهُ المَوْئِلُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ وذَلِكَ هو رَدُّ الشَّيْءِ إلى الغايَةِ المُرادَةِ مِنهُ عِلْمًا كانَ أوْ فِعْلًا، ومِنَ الأوَّلِ ما ذُكِرَ هُنا، ومِنَ الثّانِي قَوْلُهُ: ولِلنَّوى قَبْلَ يَوْمِ البَيْنِ تَأْوِيلُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ﴾ أيْ بَيانُهُ الَّذِي هو غايَتُهُ المَقْصُودَةُ مِنهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾ قِيلَ: أحْسَنُ تَرْجَمَةً ومَعْنًى، وقِيلَ: أحْسَنُ ثَوابًا في الآخِرَةِ)) اِنْتَهى.

وجُوِّزَ في هاتَيْنِ الطَّلِبَتَيْنِ أنْ تَكُونا عَلى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ بِأنْ يَكُونَ ﴿ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ ﴾ طَلِبَةَ بَعْضٍ، وابْتِغاءَ التَّأْوِيلِ حَسَبَ التَّشَهِّي طَلِبَةَ آخَرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاتِّباعُ لِمَجْمُوعِ الطَّلِبَتَيْنِ وهو الخَلِيقُ بِالمُعانِدِ لِأنَّهُ لِقُوَّةِ عِنادِهِ ومَزِيدِ فَسادِهِ يَتَشَبَّثُ بِهِما مَعًا وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما عَلى التَّعاقُبِ وهو المُناسِبُ بِحالِ الجاهِلِ لِأنَّهُ مُتَحَيِّرٌ تارَةً يَتْبِعُ ظاهِرَهُ وتارَةً يُؤَوِّلُهُ بِما يَشْتَهِيهِ لِكَوْنِهِ في قَبْضَةِ هَواهُ يَتْبَعُهُ كُلَّما دَعاهُ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الفِتْنَةَ عَلى المالِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ سَمّاهُ فِتْنَةً في مَواضِعَ مِن كَلامِهِ ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ مُدَّعًى ودَلِيلًا، وفي تَعْلِيلِ الِاتِّباعِ بِابْتِغاءِ تَأْوِيلِهِ دُونَ نَفْسِ (تَأْوِيلِهِ) وتَجْرِيدِ التَّأْوِيلِ عَنِ الوَصْفِ بِالصِّحَّةِ والحَقِّيَّةِ إيذانٌ بِأنَّهم لَيْسُوا مِنَ التَّأْوِيلِ في عِيرٍ ولا نَفِيرٍ ولا قُبَيْلٍ ولا دُبَيْرٍ، وأنَّ ما يَتَّبِعُونَهُ لَيْسَ بِتَأْوِيلٍ أصْلًا لا أنَّهُ تَأْوِيلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ قَدْ يُعْذَرُ صاحِبُهُ.

﴿ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَتَّبِعُونَ) بِاعْتِبارِ العِلَّةِ الأخِيرَةِ أيْ يَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ لِابْتِغاءِ تَأْوِيلِهِ، والحالُ أنَّ التَّأْوِيلَ المُطابِقَ لِلْواقِعِ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّعْبِيرُ بِالعِلْمِ والإضافَةِ إلى اللَّهِ تَعالى مَخْصُوصٌ بِهِ سُبْحانَهُ وبِمَن وفَّقَهُ عَزَّ شَأْنُهُ مِن عِبادِهِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ أيِ الَّذِينَ ثَبَتُوا وتَمَكَّنُوا فِيهِ ولَمْ يَتَزَلْزَلُوا في مَزالِّ الأقْدامِ ومَداحِضِ الأفْهامِ دُونَهم حَيْثُ إنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنْ تِلْكَ الرُّتْبَةِ هَذا ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ في تَفْسِيرِ الرّاسِخِينَ، وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الأزْدِيِّ قالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بْنِ مالِكٍ يَقُولُ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ  عَنِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ فَقالَ: مَن صَدَقَ حَدِيثُهُ وبَرَّ في يَمِينِهِ وعَفَّ بَطْنُهُ وفَرْجُهُ فَذَلِكَ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ» ولَعَلَّ ذَلِكَ بَيانُ عَلامَتِهِمْ وما يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالعِلْمِ العِلْمُ الشَّرْعِيُّ المُقْتَبَسُ مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ فَإنَّ أهْلَهُ هُمُ المَمْدُوحُونَ.

﴿ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُوَضِّحٌ لِحالِ الرّاسِخِينَ ولِهَذا فُصِّلَ، والنُّحاةُ يُقَدِّرُونَ لَهُ مُبْتَدَأً دائِمًا أيْ هم يَقُولُونَ وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ ولَمْ يُعْرَفْ وجْهُ اِلْتِزامِهِمْ لِذَلِكَ فَلْيُنْظَرْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الرّاسِخِينَ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ راجِعٌ إلى المُتَشابِهِ وعَدَمُ التَّعْرِيضِ لِإيمانِهِمْ بِالمُحْكِمِ لِظُهُورِهِ وإنْ رَجَعَ إلى الكِتابِ فَلَهُ وجْهٌ أيْضًا لِأنَّ مَآلَهُ كُلٌّ مِن أجْزاءِ الكِتابِ أوْ جُزْئِيّاتِهِ وذَلِكَ لا يَخْلُو عَنِ الأمْرَيْنِ، ثُمَّ هَذا القَوْلُ وإنْ لَمْ يَخُصَّ الرّاسِخِينَ لَكِنَّ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ مُقْتَضى الإيمانِ بِهِ أنْ لا يُسْلَكَ فِيهِ طَرِيقٌ لا يَلِيقُ مِن تَأْوِيلِهِ عَلى ما مَرَّ فَكَأنَّ غَيْرَهم لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.

﴿ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا ﴾ مِن تَمامِ مَقُولِهِمْ مُؤِكِّدٌ لِما قَبْلَهُ ومُقَرِّرٌ لَهُ، أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُ ومِنَ المُحْكَمِ أوْ كُلُّ واحِدٍ مِن مُتَشابِهِهِ ومُحْكَمِهِ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِهِ تَعالى لا مُخالَفَةَ بَيْنِهِما، وفي التَّعْبِيرِ بِالرَّبِّ إشارَةٌ إلى سِرِّ إنْزالِ المُتَشابِهِ، والحِكْمَةُ فِيهِ لِما أنَّهُ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى التَّرْبِيَةِ والنَّظَرِ في المَصْلَحَةِ والإيصالِ إلى مَعارِجِ الكَمالِ أوَّلًا فَأوَّلًا، وقَدْ قالُوا: إنَّما أُنْزِلَ المُتَشابِهُ لِذَلِكَ لِيَظْهَرَ فَضْلُ العُلَماءِ ويَزْدادَ حِرْصُهم عَلى الِاجْتِهادِ في تَدَبُّرِهِ وتَحْصِيلِ العُلُومِ الَّتِي نِيطَ بِها اِسْتِنْباطُ ما أُرِيدَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ الحَقِيقِيَّةِ فَيَنالُوا بِذَلِكَ وبِإتْعابِ القَرائِحِ واسْتِخْراجِ المَقاصِدِ الرّائِقَةِ والمَعانِي اللّائِقَةِ المَدارِجِ العالِيَةِ ويَعْرُجُوا بِالتَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُحْكَمِ إلى رَفْرَفِ الإيقانِ وعَرْشِ الِاطْمِئْنانِ ويَفُوزُوا بِالمَشاهِدِ السّامِيَةِ وحِينَئِذٍ يَنْكَشِفُ لَهُمُ الحِجابُ ويَطِيبُ لَهُمُ المَقامُ في رِياضِ الصَّوابِ، وذَلِكَ مِنَ التَّرْبِيَةِ والإرْشادِ أقْصى غايَةٍ ونِهايَةٍ في رِعايَةِ المَصْلَحَةِ لَيْسَ وراءَها نِهايَةٌ.

﴿ وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ  ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ يَقُولُونَ ﴾ سِيقَ مِن جِهَتِهِ تَعالى مَدْحًا لِلرّاسِخِينَ بِجَوْدَةِ الذِّهْنِ وحُسْنِ النَّظَرِ لِما أنَّهم قَدْ تَجَرَّدَتْ عُقُولُهم عَمّا يَغْشاها مِنَ الرُّكُونِ إلى الأهْواءِ الزّائِغَةِ المُكَدِّرَةِ لَها واسْتَعَدُّوا إلى الِاهْتِداءِ إلى مَعالِمِ الحَقِّ والعُرُوجِ إلى مَعارِجِ الصِّدْقِ، ولِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عَلى (اَلرّاسِخُونَ) وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ وسائِرُ مَن فَسَّرَ المُتَشابِهَ بِما لَمْ يَتَّضِحْ مَعْناهُ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عَلى ﴿ إلا اللَّهُ ﴾ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الحَنَفِيَّةُ القائِلُونَ بِأنَّ المُتَشابِهَ ما اِسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ، فالرّاسِخُونَ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ﴿ يَقُولُونَ ﴾ خَبَرٌ عَنْهُ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِوُجُوهٍ: أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّهُ لَوْ أُرِيدُ بَيانُ حَظِّ الرّاسِخِينَ مُقابِلًا لِبَيانِ حَظِّ الزّائِغِينَ لَكانَ المُناسِبُ أنْ يُقالَ وأمّا الرّاسِخُونَ فَيَقُولُونَ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّهُ لا فائِدَةَ حِينَئِذٍ في قَيْدِ الرُّسُوخِ بَلْ هَذا حُكْمُ العالَمِينَ كُلِّهِمْ، وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّهُ لا يَنْحَصِرُ حِينَئِذٍ الكِتابُ في المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ عَلى ما هو مُقْتَضى ظاهِرِ العِبارَةِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ (ومِنهُ مُتَشابِهاتٌ) لِأنَّ ما لا يَكُونُ مُتَّضِحَ المَعْنى ويَهْتَدِي العُلَماءُ إلى تَأْوِيلِهِ ورَدِّهِ إلى المُحْكَمِ لا يَكُونُ مُحْكَمًا ولا مُتَشابِهًا بِالمَعْنى المَذْكُورِ وهو كَثِيرٌ جِدًّا، وأمّا رابِعًا: فَلِأنَّ المُحْكَمَ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ أُمَّ الكِتابِ بِمَعْنى رُجُوعِ المُتَشابِهِ إلَيْهِ إذْ لا رُجُوعَ إلَيْهِ فِيما اِسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ كَعَدَدِ الزَّبانِيَةِ مَثَلًا، وأمّا خامِسًا: فَلِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «أنَّهُ  دَعا لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: ”اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ وعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ“» ولَوْ كانَ التَّأْوِيلُ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى لَما كانَ لِلدُّعاءِ مَعْنًى، وأمّا سادِسًا: فَلِأنَّ اِبْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يَقُولُ: أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، وأمّا سابِعًا: فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدَحَ الرّاسِخِينَ بِالتَّذَكُّرِ في هَذا المَقامِ وهو يُشْعِرُ بِأنَّ لَهُمُ الحَظَّ الأوْفَرَ مِن مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وأمّا ثامِنًا: فَلِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يُخاطِبَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ بِما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ إلى مَعْرِفَتِهِ.

والقَوْلُ بِأنَّ أمّا لِلتَّفْصِيلِ فَلا بُدَّ في مُقابَلَةِ الحُكْمِ عَلى الزّائِغِينَ مِن حُكْمٍ عَلى الرّاسِخِينَ لِيَتَحَقَّقَ التَّفْصِيلُ، غايَةُ الأمْرِ أنَّهُ حُذِفَتْ أمّا والفاءُ، وبِأنَّ الآيَةَ مِن قَبِيلِ الجَمْعِ والتَّقْسِيمِ والتَّفْرِيقِ، فالجَمْعُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ والتَّقْسِيمُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ﴾ والتَّفْرِيقُ في قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ الخ فَلا بُدَّ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ مِن حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِالمُحْكَمِ وهو أنَّ الرّاسِخِينَ يَتْبَعُونَهُ ويُرْجِعُونَ المُتَشابِهَ إلَيْهِ عَلى ما هو مَضْمُونُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ ﴾ الخ مُجابٌ عَنْهُ بِأنَّ كَوْنَ أمّا لِلتَّفْصِيلِ أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ ولَوْ سُلِّمَ فَلَيْسَ ذِكْرُ المُقابِلِ في اللَّفْظِ بِلازِمٍ.

ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ بِأنَّ الآيَةَ مِن قَبِيلِ الجَمْعِ والتَّقْسِيمِ والتَّفْرِيقِ فَذِكْرُ المُقابِلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ أوِ الحالِ، أعْنِي: (يَقُولُونَ) الخ كافٍ في ذَلِكَ، ورُجِّحَ الثّانِي بِأنَّهُ مَذْهَبُ الأكْثَرِينَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  والتّابِعِينَ وأتْباعِهِمْ خُصُوصًا أهْلَ السُّنَّةِ، وهو أصَحُّ الرِّواياتِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولَمْ يَذْهَبْ إلى القَوْلِ الأوَّلِ إلّا شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الأكْثَرِينَ كَما نَصَّ عَلَيْهِ اِبْنُ السَّمْعانِيِّ وغَيْرُهُ ويَدُ اللَّهِ تَعالى مَعَ الجَماعَةِ.

ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ: الأوَّلُ: ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في «تَفْسِيرِهِ» والحاكِمُ في «مُسْتَدْرَكِهِ» عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ ويَقُولُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ آمَنّا بِهِ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الواوَ لِلِاسْتِئْنافِ لِأنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ وإنْ لَمْ تَثْبُتْ بِها القِراءَةُ فَأقَلُّ دَرَجاتِها أنْ تَكُونَ خَبَرًا بِإسْنادٍ صَحِيحٍ إلى تُرْجُمانِ القُرْآنِ فَيُقَدَّمُ كَلامُهُ عَلى مَن دُونِهِ، وحَكى الفَرّاءُ أنَّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أيْضًا ويَقُولُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي داوُدَ في «اَلْمَصاحِفِ» مِن طَرِيقِ الأعْمَشِ قالَ في قِراءَةِ اِبْنِ مَسْعُودٍ وإنْ تَأْوِيلُهُ إلّا عِنْدَ اللَّهِ ﴿ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ ﴾ .

الثّانِي: ما أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في «اَلْكَبِيرِ» عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: «لا أخافُ عَلى أُمَّتِي إلّا ثَلاثَ خِلالٍ أنْ يَكْثُرَ لَهُمُ المالُ فَيَتَحاسَدُوا فَيَقْتَتِلُوا، وأنْ يُفْتَحَ لَهُمُ الكِتابُ فَيَأْخُذُهُ المُؤْمِنُ يَبْتَغِي تَأْوِيلَهُ وما يَبْتَغِي تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى ”».

الحَدِيثُ الثّالِثُ: ما أخْرَجَ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: «“ إنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ لِيُكَذِّبَ بَعْضُهُ بَعْضًا فَما عَرَفْتُمْ مِنهُ فاعْمَلُوا بِهِ وما تَشابَهَ فَآمِنُوا بِهِ ”».

الرّابِعُ: ما أخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: «“ الكِتابُ الأوَّلُ يَنْزِلُ مِن بابٍ واحِدٍ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ ونُزِّلَ القُرْآنُ مِن سَبْعَةِ أبْوابٍ عَلى سَبْعَةٍ: زاجِرٍ وآمِرٍ وحَلّالٍ وحَرامٍ ومُحْكَمٍ ومُتَشابِهٍ وأمْثالٍ، فَأحِلُّوا حَلالَهُ وحَرِّمُوا حَرامَهُ وافْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ وانْتَهُوا عَمّا نُهِيتُمْ عَنْهُ واعْتَبِرُوا بِأمْثالِهِ واعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ وآمِنُوا بِمُتَشابِهِهِ، وقُولُوا: آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا ”،» وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «اَلشُّعَبِ» نَحْوَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.

الخامِسُ: ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «“ أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى أرْبَعَةِ أحْرُفٍ حَلالٍ وحَرامٍ لا يُعْذَرُ أحَدٌ بِجَهالَتِهِ، وتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُهُ العُلَماءُ، ومُتَشابِهٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ومَنِ اِدَّعى عِلْمَهُ سِوى اللَّهِ تَعالى فَهو كاذِبٌ ”».

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ المُتَشابِهَ مِمّا لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.

وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنْ كُلًّا مِنَ الوَقْفِ والوَصْلِ جائِزٌ ولِكُلٍّ مِنهُما وجْهٌ وجِيهٌ وبَيَّنَ ذَلِكَ الرّاغِبُ بِأنَّ القُرْآنَ عِنْدَ اِعْتِبارِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ثَلاثَةُ أضْرُبٍ: مُحْكَمٌ عَلى الإطْلاقِ، ومُتَشابِهٌ عَلى الإطْلاقِ، ومُحْكَمٌ مِن وجْهٍ مُتَشابِهٌ مِن وجْهٍ، فالمُتَشابِهُ في الجُمْلَةِ ثَلاثَةُ أضْرُبٍ: مُتَشابِهٌ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ فَقَطْ، ومِن جِهَةِ المَعْنى، ومِن جِهَتِهِما مَعًا، فالأوَّلُ ضَرْبانِ: أحَدُهُما يَرْجِعُ إلى الألْفاظِ المُفْرَدَةِ، أمّا مِن جِهَةِ الغَرابَةِ نَحْوَ الأبِ ويَزُفُّونَ، أوِ الِاشْتِراكِ كاليَدِ والعَيْنِ، وثانِيهِما يَرْجِعُ إلى جُمْلَةِ الكَلامِ المُرَكَّبِ وذَلِكَ ثَلاثَةُ أضْرُبٍ: ضَرْبٌ لِاخْتِصارِ الكَلامِ نَحْوَ ﴿ وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ ﴾ ، وضَرْبٌ لِبَسْطِهِ نَحْوَ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ كانَ أظْهَرَ لِلسّامِعِ، وضَرْبٌ لِنَظْمِ الكَلامِ نَحْوَ ﴿ أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ ﴿ قَيِّمًا ﴾ إذْ تَقْدِيرُهُ أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، والمُتَشابِهُ مِن جِهَةِ المَعْنى أوْصافُ اللَّهِ تَعالى وأوْصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ لا تَتَصَوَّرُ لَنا إذْ لا يَحْصُلُ في نُفُوسِنا صُورَةُ ما لَمْ نُحِسَّهُ أوْ لَيْسَ مِن جِنْسِهِ، والمُتَشابِهُ مِن جِهَتِهِما خَمْسَةُ أضْرُبٍ: الأوَّلُ: مِن جِهَةِ الكَمِّيَّةِ كالعُمُومِ والخُصُوصِ نَحْوَ ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ .

والثّانِي: مِن جِهَةِ الكَيْفِيَّةِ كالوُجُوبِ والنَّدْبِ في نَحْوِ ﴿ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ .

والثّالِثُ: مِن جِهَةِ الزَّمانِ كالنّاسِخِ والمَنسُوخِ نَحْوَ ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ .

والرّابِعُ: مِن جِهَةِ المَكانِ والأُمُورِ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ نَحْوَ ﴿ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ﴾ و ﴿ إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ ﴾ ، فَإنَّ مَن لا يَعْرِفُ عادَتَهم في الجاهِلِيَّةِ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ هَذِهِ.

والخامِسُ: مِن جِهَةِ الشُّرُوطِ الَّتِي يَصِحُّ بِها الفِعْلُ ويَفْسُدُ كَشَرْطِ الصَّلاةِ والنِّكاحِ.

ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ إذا تُصُوِّرَتْ عُلِمَ أنَّ كُلَّ ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ المُتَشابِهِ لا يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ التَّقاسِيمِ؛ ثُمَّ جَمِيعُ المُتَشابِهِ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: ضَرْبٌ لا سَبِيلَ لِلْوُقُوفِ عَلَيْهِ كَوَقْتِ السّاعَةِ وخُرُوجِ الدّابَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقِسْمٌ لِلْإنْسانِ سَبِيلٌ إلى مَعْرِفَتِهِ كالألْفاظِ الغَرِيبَةِ والأحْكامِ الغَلِقَةِ، وضَرْبٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ بَعْضُ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ ويَخْفى عَلى مَن دُونَهُمْ، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ  لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «“ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ وعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» وإذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ لَكَ جَوازُ الأمْرَيْنِ الوَقْفِ عَلى ﴿ إلا اللَّهُ ﴾ والوَقْفِ عَلى ﴿ الرّاسِخُونَ ﴾ .

وقالَ بَعْضُ أئِمَّةِ التَّحْقِيقِ: الحَقُّ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالمُتَشابِهِ ما لا سَبِيلَ إلَيْهِ لِلْمَخْلُوقِ فالحَقُّ الوَقْفُ عَلى ﴿ إلا اللَّهُ ﴾ وإنْ أُرِيدَ ما لا يَتَّضِحُ بِحَيْثُ يَتَناوَلُ المُجْمَلَ ونَحْوَهُ فالحَقُّ العَطْفُ ويَجُوزُ الوَقْفُ أيْضًا، لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ جَمِيعَهُ أوْ لا يَعْلَمُهُ بِالكُنْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وأمّا إذا فُسِّرَ بِما دَلَّ القاطِعُ أيِ النَّصُّ النَّقْلِيُّ أوِ الدَّلِيلُ الجازِمُ العَقْلِيُّ عَلى أنَّ ظاهِرَهُ غَيْرُ مُرادٍ ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى ما هو المُرادُ فَفِيهِ مَذْهَبانِ: فَمِنهم مَن يُجَوِّزُ الخَوْضَ فِيهِ وتَأْوِيلَهُ بِما يَرْجِعُ إلى الجادَّةِ في مَثَلِهِ فَيَجُوزُ عِنْدَهُ الوَقْفُ وعَدَمُهُ، ومِنهم مَن يَمْنَعُ الخَوْضَ فِيهِ فَيَمْتَنِعُ تَأْوِيلُهُ ويَجِبُ الوَقْفُ عِنْدَهُ.

والذّاهِبُونَ إلى الوَقْفِ مِنَ السّادَةِ الحَنَفِيَّةِ أجابُوا عَمّا ذَكَرَهُ غَيْرُهم في تَرْجِيحِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنَ الوُجُوهِ: فَعَنِ الأوَّلِ: بِأنَّهُ أُرِيدَ بَيانُ حَظِّ الرّاسِخِينَ مُقابِلًا لِبَيانِ حَظِّ الزّائِغِينَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ وأمّا الرّاسِخُونَ مُبالِغَةً في الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الرّاسِخِينَ حَيْثُ لَمْ يَسْلُكْ بِهِمْ سَبِيلَ المُعادَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ لِهَؤُلاءِ الزّائِغِينَ وصِينُوا عَنْ أنْ يُذْكَرُوا مَعَهم كَما يُذْكَرُ المُتَقابِلانِ في الأغْلَبِ في مِثْلِ هَذِهِ المَقاماتِ، وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ ﴾ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ والطّاغُوتُ أوْلِياءُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ولا الَّذِينَ آمَنُوا ولِيُّهُمُ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ تَعالى ورِعايَةً لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ.

وعَنِ الثّانِي: بِأنَّ فائِدَةَ قَيْدِ الرُّسُوخِ المُبالَغَةُ في قَصْرِ عِلْمِ تَأْوِيلِ المُتَشابِهِ عَلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ إذا لَمْ يَعْلَمُوهُ هم كَما يُشْعِرُ بِهِ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ فَغَيْرُهم أوْلى بِعَدَمِ العِلْمِ فَلَمْ يَبْقَ عالِمٌ بِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى.

وعَنِ الثّالِثِ: بِأنَّهُ يَلْتَزِمُ القَوْلَ بَعْدَ الحَصْرِ، وفي «اَلْإتْقانِ» أنَّ بَعْضًا قالَ: إنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى الحَصْرِ في الشَّيْئَيْنِ إذْ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِن طُرُقِهِ ولَوْلا ذَلِكَ لَأشْكَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ﴾ لِأنَّ المُحْكَمَ لا تَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلى البَيانِ، والمُتَشابِهَ لا يُرْجى بَيانُهُ فَما هَذا الَّذِي يُبَيِّنُهُ النَّبِيُّ  ؟

وعَنِ الرّابِعِ: بِالتِزامِ أنَّ إضافَةَ أمٍّ إلى (اَلْكِتابِ) عَلى مَعْنى فِي، والمُحْكَمُ أمٌّ في (اَلْكِتابِ) ولَكِنْ لا لِلْمُتَشابِهِ الَّذِي اِسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ بَلْ هو أمٌّ وأصْلٌ في فَهْمِ العِباداتِ الشَّرْعِيَّةِ كَوُجُوبِ مَعْرِفَتِهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ وامْتِثالِ أوامِرِهِ واجْتِنابِ نَواهِيهِ، وعَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ بِأنَّ الإضافَةَ لامِيَّةٌ يَلْتَزِمُ الأُمُومَةَ لِلْكِتابِ بِاعْتِبارِ بَعْضِهِ وهو الواسِطَةُ بَيْنَ القِسْمَيْنِ لِأنَّ مُتَّضِحَ الدَّلالَةِ كَثِيرًا ما يُرْجَعُ إلَيْهِ في خَفِيِّها مِمّا لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ الِاسْتِئْثارِ.

وعَنِ الخامِسِ: بِأنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي دَعا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ  لِابْنِ عَبّاسٍ لا يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلى تَأْوِيلِ ما اُخْتُصَّ عِلْمُهُ بِهِ تَعالى بَلْ يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى تَفْسِيرِ ما يَخْفى تَفْسِيرُهُ مِنَ القِسْمِ المُتَرَدِّدِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما الرّاغِبُ كَما ذَكَرَهُ.

وعَنِ السّادِسِ: بِأنَّ الرِّوايَةَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ» مُعارَضَةً بِما هو أصَحُّ مِنها بِدَرَجاتٍ فَتَسْقُطُ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ اِعْتِبارِها يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: مُرادُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ أيِ المُتَشابِهَ في الجُمْلَةِ حَسْبَما دَعا لِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ  ، وهَذا وإنْ قِيلَ: إنَّهُ مُتَشابِهٌ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ واسِطَةٌ بَيْنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ بِالمَعْنى المُرادِ.

وعَنِ السّابِعِ: بِأنَّ مَدْحَ الرّاسِخِينَ بِالتَّذَكُّرِ لَيْسَ لِأنَّ لَهم حَظًّا في مَعْرِفَتِهِ بَلْ لِأنَّهُمُ اِتَّعَظُوا فَخالَفُوا هَواهم ووَقَفُوا عِنْدَ ما حَدَّ لَهم مَوْلاهم ولَمْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَ الزّائِغِينَ ولَمْ يَخُوضُوا مَعَ الخائِضِينَ، ويُمْكِنْ عَلى بُعْدٍ أنْ يُرادَ بِالتَّذَكُّرِ الِانْتِفاعُ مَجازًا أيْ إنَّ الرّاسِخِينَ هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ حَيْثُ يُؤْمِنُونَ بِهِ لِخُلُوصِ عُقُولِهِمْ عَنْ غِشاوَةِ الهَوى كَما أنَّهم آمَنُوا بِالغَيْبِ وهَذا بِخِلافِ الزّائِغِينَ حَيْثُ صارَ المُتَشابِهُ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ ووَبالًا لَهم إذْ ضَلُّوا فِيهِ كَثِيرًا وأضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ مِن قَبْلُ فِيما ضَرَبَهُ مِنَ المَثَلِ: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ ﴾ .

وعَنِ الثّامِنِ: بِأنَّهُ لا بُعْدَ في أنْ يُخاطِبَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ بِما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ إلى مَعْرِفَتِهِ ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِابْتِلاءِ كَما اِبْتَلى سُبْحانَهُ عِبادَهُ بِتَكالِيفَ كَثِيرَةٍ وعِباداتٍ وفِيرَةٍ لَمْ يَعْرِفْ أحَدٌ حَقِيقَةَ السِّرِّ فِيها، والسِّرُّ في هَذا الِابْتِلاءِ قَصُّ جَناحِ العَقْلِ وكَسْرُ سُورَةِ الفِكْرِ وإذْهابُ عُجْبِ طاوُسِ النَّفْسِ لِيَتَوَجَّهَ القَلْبُ بِشَراشِرِهِ تُجاهَ كَعْبَةِ العُبُودِيَّةِ ويَخْضَعُ تَحْتَ سُرادِقاتِ الرُّبُوبِيَّةِ ويَعْتَرِفُ بِالقُصُورِ ويُقِرُّ بِالعَجْزِ عَنِ الوُصُولِ إلى ما في هاتِيكَ القُصُورِ وفي ذَلِكَ غايَةُ التَّرْبِيَةِ ونِهايَةُ المَصْلَحَةِ هَذا إذا أُرِيدَ بِما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ إلى مَعْرِفَتِهِ ما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ مِنهم إلى مَعْرِفَتِهِ مِن طَرِيقِ الفِكْرِ، وأمّا إذا أُرِيدَ ما لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَتْ عَلى الإجْمالِ أوِ التَّفْصِيلِ بِالوَحْيِ أوْ بِالإلْهامِ لِنَبِيٍّ أوْ لِوَلِيٍّ فَوُجُودُ مِثْلِ هَذا المُخاطَبِ بِهِ في القُرْآنِ في حَيِّزِ المَنعِ، ولَعَلَّ القائِلَ بِكَوْنِ المُتَشابِهُ مِمّا اِسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ لا يَمْنَعُ تَعْلِيمَهُ لِلنَّبِيِّ  بِواسِطَةِ الوَحْيِ مَثَلًا ولا إلْقاءَهُ في رُوعِ الوَلِيِّ الكامِلِ مُفَصَّلًا لَكِنْ لا يَصِلُ إلى دَرَجَةِ الإحاطَةِ كَعِلْمِ اللَّهِ تَعالى وإنْ لَمْ يَكُنْ مُفَصَّلًا فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَكُونَ مُجْمَلًا، ومَنعُ هَذا وذاكَ مِمّا لا يَكادُ يَقُولُ بِهِ مَن يَعْرِفُ رُتْبَةَ النَّبِيِّ  ورُتْبَةَ أوْلِياءِ أُمَّتِهِ الكامِلِينَ وإنَّما المَنعُ مِنَ الإحاطَةِ ومِن مَعْرِفَتِهِ عَلى سَبِيلِ النَّظَرِ والفِكْرِ وهو الطَّرِيقُ المُعْتادُ والسَّبِيلُ المَسْلُوكُ في مَعْرِفَةِ المُشْكِلاتِ واسْتِحْصالِ النَّظَرِيّاتِ ولِتَبادُرِ هَذا المَعْنى مَن يَعْلَمُ إذا أُسْنِدَ إلى الرّاسِخِينَ مَنَعَ إسْنادَهُ إلَيْهِمْ، ومَتى أُرِيدُ مِنهُ العِلْمُ لا مِن طَرِيقِ الفِكْرِ صَحَّ الإسْنادُ وجازَ العَطْفُ ولَكِنْ دُونَ تَوَهُّمِ هَذِهِ الإرادَةِ مِن ظاهِرِ الكَلامِ خَرْطَ القَتادِ، فَلِهَذا شاعَ القَوْلُ بِعَدَمِ العَطْفِ وكانَ القَوْلُ بِهِ أسَلْمَ.

ويُؤَيِّدُ ما قُلْنا ما ذَكَرَهُ الإمامُ الشَّعْرانِيُّ قالَ: أخْبَرَنِي شَيْخُنا عَلِيٌّ الخَوّاصُ قُدِّسَ سِرُّهُ إنَّ اللَّهَ تَعالى أطْلَعُهُ عَلى مَعانِي سُورَةِ الفاتِحَةِ فَخَرَّجَ مِنها مِائَتَيْ ألْفِ عَلَمٍ وأرْبَعِينَ ألْفَ عَلَمٍ وتِسْعَمِائَةٍ وتِسْعِينَ عَلَمًا، وكانَ يَقُولُ: لا يُسَمّى عالِمًا أيْ عِنْدِ أهْلِ اللَّهِ تَعالى إلّا مَن عَرَفَ كُلَّ لَفْظٍ جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، وقالَ في «اَلْكَشْفِ» في نَحْوِ (ق)، (ص)، (حم)، (طس): لَعَلَّ إدْراكَ ما تَحْتَهُ عِنْدَ أهْلِهِ كَإدْراكِنا لِلْأوَّلِيّاتِ ولا يُسْتَبْعَدُ، فَفَيْضُ البارِي عَمَّ نَوالُهُ غَيْرُ مَحْصُورٍ؛ واسْتِعْدادُ الإنْسانِ الكامِلِ عَنِ القَبُولِ غَيْرُ مَحْسُورٍ، ومَن لَمْ يُصَدِّقْ إجْمالًا بِأنَّ وراءَ مُدْرَكاتِ الفِكْرَةِ ومَبادِيها طَوْرًا أوْ أطْوارًا حَظُّ العَقْلِ مِنها حَظُّ الحِسِّ مِنَ المَعْقُولاتِ فَهو غَيْرُ مُتَخَلِّصٍ عَنْ مَضِيقِ التَّعْطِيلِ أوِ التَّشْبِيهِ وإنْ لَمْ يَتَدارَكْ حالَهُ بَقِيَ بَعْدَ كَشْفِ الغِطاءِ في هَذا التِّيهِ، ولِتَتَحَقَّقَ مِن هَذا أنَّ المَراتِبَ مُخْتَلِفَةٌ وأنَّ الإحاطَةَ عَلى الحَقائِقِ الإلَهِيَّةِ كَما هي مُسْتَحِيلَةٌ إلّا لِلْبارِي جَلَّ ذِكْرُهُ وأنَّهُ لا بُدَّ لِلْعارِفِ وإنْ وصَلَ إلى أعْلى المَراتِبِ أنْ يَبْقى لَهُ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ غَيْبًا وهو مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي يَقُولُ الرّاسِخُونَ فِيهِ: ﴿ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا ﴾ فَهَذا ما يَجِبُ أنْ يَعْتَقِدَ كَيْ لا يُلْحِدَ.

ثُمَّ اِعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ جَعَلَ الصِّفاتِ النَّقْلِيَّةَ مِنَ الِاسْتِواءِ واليَدِ والقَدَمِ والنُّزُولِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا والضَّحِكِ والتَّعَجُّبِ وأمْثالِها مِنَ المُتَشابِهِ، ومَذْهَبُ السَّلَفِ والأشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أعْيانِهِمْ كَما أبانَتْ عَنْ حالِهِ ”الإبانَةُ“ أنَّها صِفاتٌ ثابِتَةٌ وراءَ العَقْلِ ما كُلِّفْنا إلّا اِعْتِقادَ ثُبُوتِها مَعَ اِعْتِقادِ عَدَمِ التَّجْسِيمِ والتَّشْبِيهِ لِئَلّا يُضادَّ النَّقْلُ العَقْلَ، وذَهَبَ الخَلَفُ إلى تَأْوِيلِها وتَعْيِينِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِنها فَيَقُولُونَ: الِاسْتِواءُ مَثَلًا بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ والغَلَبَةِ، وذَلِكَ أثَرٌ مِن آثارِ بَعْضِ الصِّفاتِ الثَّمانِيَةِ الَّتِي لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى عِنْدَهم وراءَها صِفَةٌ حَتّى اِدَّعى السُّكُوتِيُّ ولَيْتَهُ سَكَتَ أنَّ ما وراءَ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ إذْ لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِهِ مُحالٌ وكُلُّ ما لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِهِ مُحالٌ لا يَكُونُ واجِبًا، واَللَّهُ تَعالى لا يَتَّصِفُ إلّا بِواجِبٍ، وذَكَرَ الشَّعْرانِيُّ في «اَلدُّرَرِ المَنثُورَةِ» أنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ أسْلَمُ وأحْكَمُ إذِ المُؤَوِّلُ اِنْتَقَلَ عَنْ شَرْحِ الِاسْتِواءِ الجُسْمانِيِّ عَلى العَرْشِ المَكانِيِّ بِالتَّنْزِيهِ عَنْهُ إلى التَّشْبِيهِ السُّلْطانِيِّ الحادِثِ وهو الِاسْتِيلاءُ عَلى المَكانِ فَهو اِنْتِقالٌ عَنِ التَّشْبِيهِ بِمُحْدَثٍ ما إلى التَّشْبِيهِ بِمُحْدَثٍ آخَرَ فَما بَلَغَ عَقْلُهُ في التَّنْزِيهِ مَبْلَغَ الشَّرْعِ فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ألّا تَرى أنَّهُ اِسْتَشْهَدَ في التَّنْزِيهِ العَقْلِيِّ في الِاسْتِواءِ بِقَوْلِ شاعِرٍ: قَدِ اِسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ حَرْبٍ ودَمٍ مُهْراقُ وأيْنَ اِسْتِواءُ بِشْرٍ عَلى العِراقِ مِنَ اِسْتِواءِ الرَّحْمَنِ عَلى العَرْشِ، ونِهايَةُ الأمْرِ يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ اِسْتِيلاءٌ يَلِيقُ بِشَأْنِ الرَّحْمَنِ جَلَّ شَأْنُهُ فَلْيَقُلْ مَن أوَّلَ الأمْرَ قَبْلَ تَحَمُّلِ مُؤْنَةِ هَذا التَّأْوِيلِ اِسْتِواءٌ يَلِيقُ بِشَأْنِ مَن عَزَّ شَأْنُهُ وتَعالى عَنْ إدْراكِ العُقُولِ سُلْطانُهُ، وهَذا ألْيَقُ بِالأدَبِ وأوْفَقُ بِكَمالِ العُبُودِيَّةِ وعَلَيْهِ دَرَجَ صَدْرُ الأُمَّةِ وساداتُها وإيّاها اِخْتارَ أئِمَّةُ الفُقَهاءِ وقاداتُها وإلَيْها دَعا أئِمَّةُ الحَدِيثِ في القَدِيمِ والحَدِيثِ حَتّى قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ اللَّكائِيُّ: اِتَّفَقَ الفُقَهاءُ كُلُّهم مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ عَلى الإيمانِ بِالصِّفاتِ مِن غَيْرِ تَفْسِيرٍ ولا تَشْبِيهٍ، ووُرِدَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ صُبَيْغٌ قَدِمَ المَدِينَةَ فَجَعَلَ يَسْألُ عَنْ مُتَشابِهِ القُرْآنِ فَأرْسَلَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَدْ أعَدَّ لَهُ عَراجِينَ النَّخْلِ فَقالَ: مَن أنْتَ؟

فَقالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ صُبَيْغٌ فَأخَذَ عُمَرُ عُرْجُونًا مِن تِلْكَ العَراجِينِ فَضَرَبَهُ حَتّى أدْمى رَأْسَهُ، وفي رِوايَةٍ فَضَرَبَهُ بِالجَرِيدِ حَتّى تَرَكَ ظَهْرَهُ دُبُرَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتّى بَرِئَ ثُمَّ عادَ إلَيْهِ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتّى بَرِئَ فَدَعا بِهِ لِيَعُودَ، فَقالَ: إنْ كُنْتَ تُرِيدُ قِتْلَتِي فاقْتُلْنِي قَتْلًا جَمِيلًا، فَأذِنَ لَهُ إلى أرْضِهِ وكَتَبَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنْ لا يُجالِسَهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ.

لا يُقالُ إنْ تُرِكَتْ أمْثالُ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ عَلى ظَواهِرِها دَلَّتْ عَلى التَّجْسِيمِ، وإنْ لَمْ تُرَدْ ظَواهِرُها فَقَدْ أُوِّلَتْ لِأنَّ التَّأْوِيلَ عَلى ما قالُوا: إخْراجُ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ، لِأنّا نَقُولُ: نَخْتارُ الشِّقَّ الثّانِي ولا نُسَلِّمُ أنَّ التَّأْوِيلَ إخْراجُ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ مُطْلَقًا بَلْ إخْراجُهُ إلى مَعْنًى مُعَيَّنٍ مَعْلُومٍ كَما يُقالُ الِاسْتِواءُ مَثَلًا بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ عَلى أنَّ لِلتَّأْوِيلِ مَعْنَيَيْنِ مَشْهُورَيْنِ لا يُصَدَّقُ شَيْءٌ مِنهُما عَلى نَفْيِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ لِلْمُرادِ، أحَدُهُما: تَرْجَمَةُ الشَّيْءِ وتَفْسِيرُهُ المُوَضِّحُ لَهُ، وثانِيهِما: بَيانُ حَقِيقَتِهِ وإبْرازُها إمّا بِالعِلْمِ أوْ بِالعَقْلِ، فَإنَّ مَن قالَ: بَعْدَ التَّنْزِيهِ لا أدْرِي مِن هَذِهِ المُتَشابِهاتِ سِوى أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ بِها نَفْسَهُ وأرادَ مِنها مَعْنًى لائِقًا بِجَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ، ولا أعْرِفُ ذَلِكَ المَعْنى لَمْ يُقَلْ في حَقِّهِ أنَّهُ تَرْجَمَ وأوْضَحَ ولا بَيَّنَ الحَقِيقَةَ وأبْرَزَ المُرادَ حَتّى يُقالَ إنَّهُ أوَّلَ، ومَن أمْعَنَ النَّظَرَ في مَأْخَذِ التَّأْوِيلِ لَمْ يَشُكَّ في صِحَّةِ ما قُلْنا.

نَعَمْ ذَهَبَتْ شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ السَّلَفِ إلى إبْقاءِ نَحْوِ المَذْكُوراتِ عَلى ظَواهِرِها إلّا أنَّهم يَنْفُونَ لَوازِمَها المُنْقَدِحَةَ لِلذِّهْنِ المُوجِبَةَ لِنِسْبَةِ النَّقْصِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ ويَقُولُونَ: إنَّما هي لَوازِمُ لا يَصِحُّ اِنْفِكاكُها عَنْ مَلْزُوماتِها في صِفاتِنا الحادِثَةِ، وأمّا في صِفاتِ مَن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَلَيْسَتْ بِلَوازِمَ في الحَقِيقَةِ لِيَكُونَ القَوْلُ بِانْفِكاكِها سَفْسَطَةً، وأيْنَ التُّرابُ مِن رَبِّ الأرْبابِ، وكَأنَّهم إنَّما قالُوا ذَلِكَ ظَنًّا مِنهم أنَّ قَوْلَ الآخَرِينَ مِنَ السَّلَفِ تَأْوِيلٌ، والرّاسِخُونَ في العِلْمِ لا يَذْهَبُونَ إلَيْهِ، أوْ أنَّهم وجَدُوا بَعْضَ الآثارِ يُشْعِرُ بِذَلِكَ مِثْلَ ما حَكى مُقاتِلٌ والكَلْبِيٌّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في ”اسْتَوى“ أنَّهُ بِمَعْنى اِسْتَقَرَّ، وما أخْرَجَهُ أبُو القاسِمِ مِن طَرِيقِ قُرَّةَ بْنِ خالِدٍ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى ﴾ أنَّها قالَتِ: الكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ والِاسْتِواءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ والإقْرارُ بِهِ مِنَ الإيمانِ والجُحُودِ بِهِ كُفْرٌ.

وقَرِيبٌ مِن هَذا القَوْلِ ما يُصَرِّحُ بِهِ كَلامُ كَثِيرٍ مِن ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ فَإنَّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ تُجْرى عَلى ظَواهِرِها مَعَ القَوْلِ بِالتَّنْزِيهِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ حَيْثُ إنَّ وُجُودَ الحَقِّ تَعالى شَأْنُهُ لا تُقَيِّدُهُ الأكْوانُ وإنْ تَجَلّى فِيما شاءَ مِنها إذْ لَهُ كَمالُ الإطْلاقِ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ، ولا يَخْفى أنَّ إجْراءَ المُتَشابِهاتِ عَلى ظاهِرِها مَعَ التَّنْزِيهِ اللّائِقِ بِجَلالِ ذاتِهِ سُبْحانَهُ طَوْرٌ مِمّا وراءَ طَوْرِ العَقْلِ وبَحْرٌ لا يَسْبَحُ فِيهِ إلّا مَن فازَ بِقُرْبِ النَّوافِلِ.

وذَكَرَ بَعْضُ أئِمَّةِ التَّدْقِيقِ أنَّ العَقْلَ سَبِيلُهُ في العِلْمِ بِالصِّفاتِ الثَّمانِيَةِ المَشْهُورَةِ كَعِلْمِهِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي يَدَّعِي الخَلَفُ رُجُوعَها إلَيْها إذا أحَدَّ النَّظَرَ، فَقَدْ قامَ البُرْهانُ وشاهِدُ العِيانِ عَلى عَدَمِ المُماثَلَةِ ذاتًا وصِفاتٍ أيْضًا لَكِنَّ صِفاتَهُ المُتَعالِيَةَ وأسْماءَهُ الحُسْنى قِسْمانِ، قَسَمٌ يُناسِبُ ما عِنْدَنا مِنَ الصِّفاتِ نَوْعَ مُناسَبَةٍ وإنْ كانَتْ بَعِيدَةً، ولا يُقالُ: فَلا بُدَّ فِيهِ في أفْهامِنا مَعاشِرَ النّاقِصِينَ مِن أنْ يُسَمّى بِتِلْكَ الأسْماءِ المُشْتَهِرَةِ عِنْدَنا فَيُسَمّى عَلَمًا مَثَلًا لا دَواةً ولا قَلَمًا وقِسْمٌ لَيْسَ كَذَلِكَ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ  : «”أوِ اِسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ“،» فَقَدْ يَذْكُرُ لَهُ أسْماءً مُشَوِّقَةً لِأنَّ مِنهُ ما لِلْإنْسانِ الكامِلِ مِنهُ نَصِيبٌ بِطْرِيقِ التَّخَلُّقِ والتَّحَقُّقِ فَيَذْكُرُ تارَةً اليَدَ والنُّزُولَ والقَدَمَ ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ المُخَيَّلاتِ مَعَ العِلْمِ البُرْهانِيِّ والشُّهُودِ الوِجْدانِيِّ بِتَنَزُّهِهِ تَعالى عَنْ كُلِّ كَمالٍ يَتَصَوَّرُهُ الإنْسانُ ويُحِيطُ بِهِ فَضْلًا عَنِ النُّقْصانِ، فَيَعْلَمُ أنَّهُ أشارَ إلى ذَلِكَ القَسَمِ الَّذِي عَلِمَ بِالإجْمالِ، ويَتَوَجَّهُ إذْ ذاكَ بِكُلِّيَّتِهِ شَطْرَ كَعْبَةِ الجَلالِ والجَمالِ فَيُفاضُ عَلَيْهِ مِن يَنْبُوعِ الكَمالِ ما يَسْتَأْنِسُ عِنْدَهُ ويَنْكَشِفُ لَهُ جَلِيَّةُ الحالِ، وإذْ لَيْسَ لَهُ مُناسِبَةٌ بِما عِنْدَنا لا تُوجَدُ عِبارَةٌ يُتَرْجِمُ عَنْها إلّا عَلى سَبِيلِ الخَيالِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بُقُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”مَن عَرَفَ اللَّهَ تَعالى كَلَّ لِسانُهُ“،» وأُخْرى بَيَّنَ مَقْصِدَ الكُلِّ ومَن أحَبَّهُ سُبْحانَهُ ما يُصانُ عَنْ تُهْمَةِ إدْراكِ الأغْيارِ مِن نَحْوِ تِلْكَ الفَواتِحِ، ولَعَلَّ إدْراكَها عِنْدَ أهْلِها كَإدْراكِ الأوَّلِيّاتِ إلّا أنَّهُ لا إحاطَةَ بَلْ لا بُدَّ مِن بَقاءِ شَيْءٍ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وعَلى هَذا أيْضًا الألْيَقُ أنْ يُوقَفَ لِأنَّهُ شِعارُ مَن لَنا فِيهِمُ الأُسْوَةُ الحَسَنَةُ مَعَ ظُهُورِ وجْهِهِ لَكِنْ لا تُجْعَلُ الآيَةُ حُجَّةً عَلى مَن تَأوَّلَ نَحْوَ ﴿ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ مَثَلًا إذْ لا يُسَلَّمُ أنَّهُ داخِلٌ في ذَلِكَ المُتَشابِهِ والحَمْلُ عَلى المَجازِ الشّائِعِ في كَلامِ العَرَبِ والكِنايَةِ البالِغَةِ في الشُّهْرَةِ مَبْلَغَ الحَقِيقَةِ أظْهَرُ مِنَ الحَمْلِ عَلى مَعْنى مَجْهُولٍ، نَعَمْ لَوْ قِيلَ: إنَّ تَصْوِيرَ العَظَمَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ دالٌّ عَلى أنَّ العَقْلَ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِإدْراكِها وأنَّها أجَلُّ مِن أنْ تُحِيطَ بِها العُقُولُ، فالكُنْهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ ويَجِبُ الإيمانُ بِهِ كانَ حَسَنًا، وجَمْعًا بَيْنَ ما عَلَيْهِ السَّلَفُ ومَشى عَلَيْهِ الخَلَفُ وهو الَّذِي يَجِبُ أنْ يَعْتَقِدَ كَيْلا يَلْزَمَ اِزْدِراءٌ بِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ كَما فَعَلَ اِبْنُ القَيِّمِ، حَتّى قالَ: لامُ الأشْعَرِيَّةِ كَنُونِ اليَهُودِيَّةِ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ، وعَلى هَذا يَجِبُ أنْ يُفَسَّرَ المُتَشابِهُ في الآيَةِ بِما يَعُمُّ القِسْمَيْنِ، والمُحْكَمُ (أُمٌّ) يُرْجَعُ إلَيْهِ في تَمْيِيزِ القِسْمَيْنِ أحَدُهُما: فَرْعُهُ الإيمانِيُّ، والثّانِي: فَرْعُهُ الإيقانِيُّ، وابْنُ دَقِيقِ العِيدِ تَوَسَّطَ في مَسْألَةِ التَّأْوِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ ما قالَهُ هَذا المُدَقَّقَ أخِيرًا مِنَ المُتَشابِهِ، فَقالَ: إذا كانَ التَّأْوِيلُ قَرِيبًا مِن لِسانِ العَرَبِ لَمْ يُنْكَرْ أوْ بَعِيدًا تَوَقَّفْنا عَنْهُ وآمَنّا بِمَعْناهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ مَعَ التَّنْزِيهِ وما كانَ مَعْناهُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ ظاهِرًا مَعْهُودًا مِن تَخاطُبِ العَرَبِ قُلْنا بِهِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ ﴾ فَنَحْمِلُهُ عَلى حَقِّ اللَّهِ تَعالى وما يَجِبُ لَهُ فَلْيُفْهَمْ هَذا المَقامُ فَكَمْ زَلَّتْ فِيهِ أقْوامٌ بَعْدَ أقْوامٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ يعني أنزل عليك جبريل بالقرآن مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ يعني من القرآن آيات واضحات ويقال مبينات بالحلال والحرام.

ويقال: ناسخات لم تنسخ قط هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ يعني أصل كل كتاب، وهي ثلاث آيات من سورة الأنعام وهو قوله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام: 151] وروي عن ابن عباس أنه سمع رجلاً يقول: فاتحة الكتاب أم الكتاب؟

فقال له ابن عباس: بل أم الكتاب قوله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام: 151] إلى آخر ثلاث آيات الآية.

ثم قال تعالى وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ قال الضحاك أي منسوخات وقال الكلبي يعني ما اشتبه على اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه ألم، والمص ويقال المحكم ما كان واضحاً لا يحتمل التأويل، والمتشابه الذي يكون اللفظ يشبه اللفظ، والمعنى مختلف.

ويقال: المحكم الذي هو حقيقة اللغة، والمتشابه ما كان مجاوزاً.

ويقال: المحكمات التي فيها دلالة نبوة محمد  ، والمتشابه الذي اشتبهت الدلالة فيه، فإن قيل: إذا أنزل القرآن للبيان، فكيف لم يجعل كله، واضحاً؟

قيل: الحكمة في ذلك، والله أعلم أن يظهر فضل العلماء، لأنه لو كان الكل واضحاً، لم يظهر فضل العلماء بعضهم على بعض.

وهكذا يفعل كل من يصنف تصنيفاً يجعل بعضه واضحاً، وبعضه مشكلاً، ويترك للحيرة موضعاً، لأن ما هان وجوده، قل بهاؤه.

ثم قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ يعني مَيْل عن الحق وهم اليهود فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ قال الضحاك: يعني ما نسخ منه ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أي طلب الشرك واستبقاؤه ما هم عليه وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ أي طلب ثناء هذه الأمة.

ويقال: طلب وقت قيام الساعة وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ يعني منتهى ملك هذه الأمة، وذلك أن جماعة من اليهود دخلوا على رسول الله  ، وفيهم حيي بن أخطب وغيره، فقالوا: بلغنا أنه نزل عليك ألم، فإن كنت صادقاً في مقالتك، فإن ملك أمتك يكون إحدى وسبعين سنة، لأن الألف في حساب الجمل واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فنزل وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، يعني: منتهى ملك هذه الأمة، ثم قال تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ قال الكلبي ومقاتل: استأنف الكلام يعني لما قال وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، فقد تم الكلام ثم استأنف فقال: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أي البالغون العلم في كتبهم التوراة والإنجيل يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ يعني القرآن كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وهو عبد الله بن سلام وأصحابه.

وقال بعضهم: هو معطوف عليه.

يقول: وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يعني يعلمون تأويله.

ويقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا.

وروى ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أنه كان يقرأ، وما يعلم تأويله إلا الله، ويقول الراسخون في العلم: آمنا به، وهذا يوافق قول الكلبي ومقاتل.

وقال عامر الشعبي: لو كان ابن عباس بين أظهرنا ما سألته عن آية من التفسير، لأني أحلُّ حلاله، وأحرّم حرامه، وأو من بمتشابهه، وأكل ما لم أعلم منه إلى عالمه.

ثم قال تعالى: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ يعني ما يتعظ بما أنزل من القرآن إلا ذوو العقول من الناس.

ثم قال عبد الله بن سلام وأصحابه، حين سمعوا قول اليهود وتكذيبهم: رَبَّنا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنا يعني لا تُحَوّل قلوبنا عن الهدى بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا يعني بعد ما أكرمتنا بالإسلام، وهديتنا لدينك وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً يني ثَبِّتْنا على الهدى إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ أي المعطي المثبت للمؤمنين رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ بعد الموت لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ أي في يوم لا شك فيه عند المؤمنين أنه كائنٌ لا محالة.

إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعادَ في البعث ويقال معناه إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعادَ في إجابة الدعاء يعني يوم يجمع الناس في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

كان المراد أنهما هُدىً في ذاتهما، مَدْعُوٌّ إليه فرعَوْنُ وغَيْرُه، فالناسُ عامٌّ في كل من شاء حينئذ أن يستبصر، والْفُرْقانَ: القرآن لأنه فَرَقَ بيْنَ الحقِّ والباطلِ، ثم توعَّد سبحانه الكفَّارَ عموماً بالعذابِ الشديدِ، والإشارةُ بهذا الوعيد إلى نصارى نجران، وعَزِيزٌ:

معناه: غالبٌ، والنقمة والاِنتقام: معاقبةُ المذْنِبِ بمبالغةٍ في ذلك.

قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ: هذه الآية خَبَرٌ عن علْمِ اللَّه تعالى بالأشياء، على التفصيل، وهذه صفةٌ لَمْ تكُنْ لعيسى، ولا لأحدٍ من المخلوقين، ثم أخبر سبحانه عن تَصْويره للبَشَرِ في أرحامِ الأمَّهاتِ، وهذا أمر لا ينكرُهُ عاقلٌ، ولا ينكر أنَّ عيسى وسائر البَشَر لا يقْدِرُونَ عليه، ولا ينكر أنَّ عيسى من المصوَّرِينَ كغيره من سائرِ البَشَر، فهذه الآية تعظيمٌ للَّه جلَّتْ قُدْرته في ضِمْنِها الرَّدُّ على نصارى نَجْران، وفي قوله: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ: وعيد، وشرح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كيفيَّة التصْويرِ في الحديثِ الَّذي رواه ابنُ مَسْعُودٍ وغيره «أنَّ النُّطْفَةَ، إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ، مَكَثَتْ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهَا مَلَكاً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَذَكَرْ/ أَمْ أنثى؟

أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ...

» الحديث بطوله على اختلاف ألفاظه «١» ، وفي مسندِ ابن «سِنْجَر» حديثٌ «أنَّ اللَّهَ سُبْحَانه يَخْلُقُ عِظَامَ الجَنِينِ وَغَضَارِيفَهُ مِنْ مَنِيِّ الرَّجُلِ، وَلَحْمَهُ وَشَحْمَهُ وَسَائِرَ ذَلِكَ مِنْ مَنِيِّ المَرْأَةِ» ، وَصَوَّرَ: بناءُ مبالغةٍ من صَارَ يَصُورُ، إِذا أمال وثنى إلى حالٍ مَّا، فلما كان التصويرُ إمالةً إلى حال، وإِثباتاً فيها، جاء بناؤه على المُبَالغة، والكتابُ في هذه الآية: القرآن، بإِجماع، والمُحْكَمَاتُ:

المفصَّلات المبيَّنات الثابتَاتُ الأحكامِ، والمُتَشَابِهَاتُ: هي التي تحتاجُ إِلى نظر وتأويلٍ، ويظهر فيها ببَادِي النَّظَرِ: إِما تَعَارُضٌ مع أخرى، وإما مع العَقْل إِلى غير ذلك من أنواع التشابه، فهذا الشَّبَه الذي من أجله تُوصَفُ بمتشابهات، إِنما هو بينها وبيْنَ المعانِي الفاسدة الَّتي يظنُّها أهْلُ الزيغِ، ومَنْ لم يُنْعِمِ النظَرَ، وهذا نحوُ الحديث الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«الحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ» «٢» ، أي: يكون الشيء حراما في نفسه،

فَيُشْبِهُ عند من لَمْ يُنْعِمِ النظر شيئاً حلالاً وكذلك الآية: يكونُ لها في نفسها معنًى صحيحٌ، فيشبه عنْد مَنْ لم ينعمِ النظر، أو عند الزائغِ معنًى آخر فاسداً، فربَّما أراد الاِعتراضَ به على كتاب اللَّه، هذا عندي معنَى الإِحكام والتشابُهِ في هذه الآية.

قال ع «١» : وأحسنُ ما قيل في هذه الآية قولُ محمَّدِ بنِ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيرِ»

أن المُحْكَمَاتِ هي الَّتِي فيهن حُجَّةُ الربِّ، وعصمةُ العبادِ، ودفْعُ الخصومِ والباطل، ليس لها تصريفٌ ولا تحريفٌ عمَّا وضعْنَ عليه، والمُتَشَابِهَاتُ: لها تصريفٌ وتحريفٌ، وتأويلٌ ابتلى اللَّه فيهنَّ العباد «٣» ، قال ابن الحاجِبِ في «منتهَى الوُصُولِ» : مسألةٌ في القرآن محكمٌ ومتشابهٌ، قال تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ، فالمُحُكَمُ:

المتَّضِح المعنى، قال الرهوني: يعني نَصًّا كان أو ظَاهِراً، والمُتَشَابَهُ: مقابله إمَّا للاشتراك مثل: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] ، أو للإجمالِ مثلُ: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ [البقرة: ٢٣٧] وما ظاهره التّشبيه مثل: مِنْ رُوحِي [ص: ٧٢] ، وأَيْدِينا [يس: ٧١] ، وبِيَدَيَّ [ص: ٧٥] وبِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] ، ويَسْتَهْزِئُ [البقرة: ١٥] ، ومَكَرَ اللَّهُ [آل عمران: ٥٤] ونحوه، والظاهرُ: الوقْفُ على: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لأن الخطاب بما لا يُفْهَمُ بعيدٌ.

انتهى.

قال الرهونيُّ: وسمِّي ما ذكر «مُتَشَابِهاً» لاشتباهه على السامِعِ، قال الرهونيُّ:

والحقُّ الوقْفُ على: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ.

وهو المرويُّ عن جماعة منهم: ابنُ عبَّاسٍ، وابنُ عمر، وابنْ مسعودٍ، ومالكٌ، وغيرهم، وفي مُصْحَفِ أُبِيٍّ: «وما يعلم تأويلَهُ إلاَّ اللَّه ويقول الراسخونَ [في العلْمِ] «٤» آمنا بِه» «٥» .

اهـ.

وقوله تعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، أي: معظم الكتاب، وعُمْدة ما فيه: إذ المُحْكَم في آياتِ اللَّه كثيرٌ قد فُصِّلَ، ولم يفرَّطْ في شيء منه، قال يَحْيَى بْنُ يعمر «٦» : كما يقال

لمكَّة أمُّ القرى.

قال ع «١» : وكما يقالُ: أمُّ الرَّأْس لمجتمع الشؤونِ، فجميع المحكَمِ هو أم الكتابِ، ومعنى الآية الإِنْحَاءُ على أهل الزيْغِ، والمذمَّةُ لهم، والإِشارة بذلك أولاً إلى نصارى نَجْرَانَ، وإلى اليهودِ الذين كانوا معاصِرِينَ لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، فإِنهم كانوا يعترضُون معانِيَ القُرآن، ثم يعم بعد ذلك كلِّ زائغ، فذكر تعالى أنه نزّل الكتاب/ على نبيّه محمد صلّى الله عليه وسلّم إِفضالاً منه، ونعمةً وأنَّ مُحْكَمَه وبَيِّنَهُ الَّذي لا اعتراض فيه هو معظمه، والغالِبُ فيه وأنَّ متشابهه الذي يحتملُ التَّأْوِيلَ، ويحتاجُ إِلى التفهُّم هو أقلُّه، ثم إِن أهل الزيغ يتركُونَ المحكَمَ الذي فيه غُنْيَتهم، ويتبعونَ المتشَابِه ابتغاء الفِتْنَةِ، وأنْ يفسدوا ذاتَ البَيْن، ويردوا النَّاس إِلى زيغهم.

م: قال أبو البقاءِ: وَأُخَرُ: معطوف على آياتٌ، ومُتَشابِهاتٌ: نعت ل أُخَرُ.

وقوله تعالى: الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ: يعمُّ كل طائفةٍ من كافرٍ وزنديق وجاهل صاحب بدعة، والزيغ: الميل، وابْتِغاءَ: نصبٌ على المفعولِ من أجله، ومعناه: طلبُ الفِتْنَة، قال الربيع: الفِتْنَة هنا الشرْكُ، وقال مجاهدٌ: الفتْنَةُ: الشبهاتُ، واللَّبْسُ على المؤمنين، ثم قال: وابتغاء تأويلِهِ، والتأويل هو مَرَدُّ الكلامِ، وَمَرْجِعُهُ، والشيء الذي يقفُ علَيْه من المعانِي، وهو من: آلَ يَئولُ، إذا رجع، فالمعنى: وطَلَبَ تأويلِهِ على مَنَازِعِهِمُ الفاسدَةِ، هذا في ما له تأويلٌ حسنٌ، وإن كان ممَّا لا يتأوَّل، بل يوقَفُ فيه، كالكلامِ في معنَى الرُّوح ونحوه، فنَفْسُ طلب تأويله هو اتباع ما تشابه، ثم قال تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، أي: وما يعلم تأويله على الكَمَال إلا اللَّه سبحانه.

واختلف في قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، فرأَتْ فرقةٌ أنَّ رفْعَ الراسخين هو بالعطْفِ على اسْمِ اللَّهِ (عَزَّ وجلَّ) وأنه مع علمهم بالمتشابه يقولونَ: آمَنَّا بِهِ، وقالتْ طائفةٌ أخرى: والراسخُونَ: رفْع بالابتداء، وهو مقطوعٌ من الكلامِ الأول، وخبره «يَقُولُونَ» ، والمنفَردُ بعلْم المتشابه هو اللَّه وحده.

قال ع «١» : وهذه المسألة إذا تأمّلت، قَرُبَ الخلافُ فيها من الاِتفاقِ، وذلك أنَّ اللَّه تعالى قسَّم آي الكتابِ قسْمَيْن محكمًا ومتشابهًا، فالمُحْكَم هو المتَّضِحُ المعنى لكلِّ من يفهم كلامَ العَرَب، لا يحتَاجُ فيه إِلى نظر، ولا يتعلَّق به شيء يلبِّس، ويستوي في علمه الراسخُ وغيره، والمتشابه على نوعَيْن، منه: ما لا يُعْلَمُ البتَّةَ كأمر الرُّوح، وآمادِ المغيَّبات التي قد أعْلَمَ اللَّه بوقوعها إلى سائر ذلك، ومنه: ما يُحْمَلُ على وجوه في اللغة، ومَنَاحٍ في كلامِ العربِ، فَيُتَأوَّلُ، ويُعْلَم تأويله، ولا يسمَّى أحدٌ راسِخاً إلاَّ أنْ يعلم من هذا النوع كثيراً بحَسَب ما قُدِّر له، فمَنْ قال: إن الراسخين لا يعلمون تأويله، فمراده النوْعُ الثاني الَّذي ذكرناه، ومَنْ قال: إن الراسخين لا يعلَمُونَ تأويله، فمراده النوع الأول كأمر الرُّوح، ووقْتِ الساعةِ، لكنَّ تخصيصه المتشابه بهذا النوعِ غيرُ صحيحٍ، بل هو نوعانِ كما ذكرنا، والضمير في تَأْوِيلِهِ عائدٌ على جميع متشابه القرآن، وهما نوعانِ كما ذكرنا، والرُّسُوخُ: الثبوتُ في الشيءِ، وسئل النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ، فَقَالَ: «هُوَ مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ، واستقام قَلْبُهُ» «٢» ، قُلْتُ: ومن «جامعِ العَتَبِيَّةِ» ، وسُئِل مالكٌ عن تفسيرِ الراسخين في العلم، فقال: العالمون العالمون بما علموا، المتَّبِعُونَ له، قال ابنُ رُشْدٍ: قولُ مالِكٍ هذا هو معنى ما رُوِيَ من أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سُئِلَ: مَنِ الراسِخُ في العِلْمِ؟

فقالَ: «مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وصَدَقَ لِسَانُهُ، / واستقام بِهِ قَلْبُهُ، وعَفَّ بَطْنُهُ، فَذَلِكَ الرَّاسِخُ فِي العِلْمِ» قال ابنُ رُشْدٍ: ويشهد لصحَّة هذا قولُ اللَّهِ (عز وجل) : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] لأنه كَلاَمٌ يدُلُّ عَلى أنَّ مَنْ لَمْ يَخْشَ اللَّه، فَلَيْسَ بعالمٍ.

انتهى.

قلت: وقد جاء في فضْلِ العلْمِ آثارٌ كثيرةٌ، فمن أحسنها: ما رواه أبو عُمَرَ بْنُ عبدِ البَرِّ بسنده، عن معاذِ بنِ جَبلٍ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تَعَلَّمُوا العِلْمَ فَإِنَّ تَعْلِيمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، والبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لاَ يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لأَهْلِهِ قُرْبَةٌ لأَنَّهُ مَعَالِمُ الحَلاَلِ وَالْحَرَامِ، وَمَنَارُ سُبُلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وهو الأنيسُ فِي الوَحْشَةِ، والصَّاحِبُ فِي الغُرْبَةِ، وَالمُحْدِّثُ فِي الخَلْوَةِ، والدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالسِّلاَحُ عَلَى الأَعْدَاءِ، وَالزِّيْنُ عِنْدَ الأَخِلاَّءِ، وَيَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَاماً فَيَجْعَلُهُمْ فِي الخَيْرِ قَادَةً وَأَئِمَّةً تُقْتَصُّ آثَارُهُمْ، ويقتدى بِفِعَالِهِمْ، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلّتهم،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ ﴾ المُحْكَمُ: المُتْقَنُ المُبِينُ، وفي المُرادِ بِهِ هاهُنا ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ النّاسِخُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ الحَلالُ والحَرامُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما عَلِمَ العُلَماءُ تَأْوِيلَهُ، رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي لَمْ يُنْسَخْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أنَّهُ ما لَمْ تَتَكَرَّرْ ألْفاظُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والسّادِسُ: أنَّهُ ما اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى بَيانٍ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى عَنِ الإمامِ أحْمَدَ.

وقالَ الشّافِعِيُّ، وابْنُ الأنْبارِيِّ: هو ما لَمْ يَحْتَمِلْ مِنَ التَّأْوِيلِ إلّا وجْهًا واحِدًا، والسّابِعُ: أنَّهُ جَمِيعُ القُرْآَنِ غَيْرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ.

والثّامِنُ: أنَّهُ الأمْرُ والنَّهْيُ، والوَعْدُ والوَعِيدُ، والحَلالُ والحَرامُ، ذَكُرَ هَذا والَّذِي قَبْلَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

وأُمُّ الكِتابِ أصْلُهُ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: هُنَّ أصْلُ الكِتابِ اللَّواتِي يَعْمَلُ عَلَيْهِنَّ في الأحْكامِ، ومَجْمَعُ الحَلالِ والحَرامِ.

وفي المُتَشابِهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ المَنسُوخُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ ما لَمْ يَكُنْ لِلْعُلَماءِ إلى مَعْرِفَتِهِ سَبِيلٌ، كَقِيامِ السّاعَةِ، رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الحُرُوفُ المُقَطَّعَةُ كَقَوْلِهِ "ألَمْ" ونَحْوُ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ ما اشْتَبَهَتْ مَعانِيهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: أنَّهُ ما تَكَرَّرَتْ ألْفاظُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والسّادِسُ: أنَّهُ ما احْتَمَلَ مِنَ التَّأْوِيلِ وُجُوهًا.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُحْكَمُ ما لا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلاتِ، ولا يَخْفى عَلى مُمَيَّزٍ، والمُتَشابِهُ: الَّذِي تَعْتَوِرُهُ تَأْوِيلاتٌ.

والسّابِعُ: أنَّهُ القَصَصُ، والأمْثالُ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ إنْزالِ المُتَشابِهِ، والمُرادُ بِالقُرْآَنِ البَيانُ والهُدى؟

فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لَمّا كانَ كَلامُ العَرَبِ عَلى ضَرْبَيْنِ.

أحَدُهُما: المُوجَزُ الَّذِي لا يَخْفى عَلى سامِعِهِ، ولا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ظاهِرِهِ.

والثّانِي: المَجازُ، والكِناياتُ، والإشاراتُ، والتَّلْوِيحاتُ، وهَذا الضَّرْبُ الثّانِي: هو المُسْتَحْلى عِنْدَ العَرَبِ، والبَدِيعُ في كَلامِهِمْ، أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى القُرْآَنَ عَلى هَذَيْنَ الضَّرْبَيْنِ، لِيَتَحَقَّقَ عَجْزُهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: عارِضُوهُ بِأيِّ الضَّرْبَيْنِ شِئْتُمْ، ولَوْ نَزَلَ كُلَّهُ مُحُكَمًا واضِحًا، لَقالُوا: هَلّا نَزَلَ بِالضَّرْبِ المُسْتَحْسَنِ عِنْدَنا.

ومَتى وقَعَ في الكَلامِ إشارَةٌ أوْ كِنايَةٌ، أوْ تَعْرِيضٌ أوْ تَشْبِيهٌ، كانَ أفْصَحُ وأغْرَبُ.

قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: وما ذَرَفَتْ عَيْناكَ إلّا لِتَضْرِبِي بِسَهْمَيْكِ في أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ فَجَعَلَ النَّظَرَ بِمَنزِلَةِ السَّهْمِ عَلى جِهَةِ التَّشْبِيهِ، فَحَلا هَذا عِنْدَ كُلِّ سامِعٍ ومُنْشِدٍ، وزادَ في بَلاغَتِهِ.

وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ أيْضًا: رَمَتْنِي بِسَهْمٍ أصابَ الفُؤادَ ∗∗∗ غَداةَ الرَّحِيلِ فَلَمْ أنْتَصِرْ وَقالَ أيْضًا: فَقُلْتُ لَهُ لَمّا تَمَطّى بِصُلْبِهِ ∗∗∗ وأرْدَفَ أعْجازًا وناءَ بِكَلْكَلِ فَجَعَلَ لِلَّيْلِ صُلْبًا وصَدْرًا عَلى جِهَةِ التَّشْبِيهِ، نَحْسُنُ بِذَلِكَ شِعْرُهُ.

وقالَ غَيْرُهُ: مِن كُمَيْتٍ أجادَها طابِخاها ∗∗∗ لَمْ تَمُتْ كُلُّ مَوْتِها في القُدُورِ أرادَ بِالطّابِخِينَ: اللَّيْلُ والنَّهارُ عَلى جِهَةِ التَّشْبِيهِ.

وقالَ آَخَرُ: تَبْكِي هاشِمًا في كُلِّ فَجْرٍ ∗∗∗ كَما تَبْكِي عَلى الفَنَنِ الحَمامُ قالَهُ آَخَرُ: عَجِبْتُ لَها أنّى يَكُونُ غِناؤُها ∗∗∗ فَصِيحًا ولَمْ تَفْتَحْ بِمَنطِقِها فَما فَجَعَلَ لَها غِناءً وفَمًا عَلى جِهَةِ الِاسْتِعارَةِ.

والجَوابُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَهُ مُخْتَبِرًا بِهِ عِبادَهُ، لِيَقِفَ المُؤْمِنُ عِنْدَهُ، ويَرُدَّهُ إلى عالَمِهِ، فَيَعْظُمَ بِذَلِكَ ثَوابُهُ، ويَرْتابَ بِهِ المُنافِقُ، فَيُداخِلُهُ الزَّيْغُ، فَيَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ العُقُوبَةَ، كَما ابْتَلاهم بِنَهْرِ طالُوتَ.

والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ أنْ يَشْغَلَ أهْلَ العِلْمِ بِرَدِّهِمُ المُتَشابِهَ إلى المُحْكَمِ، فَيَطُولُ بِذَلِكَ فِكْرُهم، ويَتَّصِلُ بِالبَحْثِ عَنْهُ اهْتِمامُهم، فَيُثابُونَ عَلى تَعَبِهِمْ، كَما يُثابُونَ عَلى سائِرِ عِباداتِهِمْ، ولَوْ جَعَلَ القُرْآَنَ كُلَّهُ مُحْكَمًا لاسْتَوى فِيهِ العالِمُ والجاهِلُ، ولَمْ يَفْضُلِ العالِمُ عَلى غَيْرِهِ، ولَماتَتِ الخَواطِرُ، وإنَّما تَقَعُ الفِكْرَةُ والحِيلَةُ مَعَ الحاجَةِ إلى الفَهْمِ.

وقَدْ قالَ الحُكَماءُ: عَيْبُ الغِنى: أنَّهُ يُورِثُ البَلادَةَ، وفَضْلُ الفَقْرِ: أنَّهُ يَبْعَثُ عَلى الحِيلَةِ، لِأنَّهُ إذا احْتاجَ احْتالَ.

والرّابِعُ: أنَّ أهْلَ كُلِّ صِناعَةٍ يَجْعَلُونَ في عُلُومِهِمْ مَعانِيَ غامِضَةً، ومَسائِلَ دَقِيقَةً لِيُحَرِّجُوا بِها مَن يَعْلَمُونَ، ويُمَرِّنُوهم عَلى انْتِزاعِ الجَوابِ، لِأنَّهم إذا قَدَرُوا عَلى الغامِضِ، كانُوا عَلى الواضِحِ أقْدَرَ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ حَسَنًا عِنْدَ العُلَماءِ، جازِ أنَّ يَكُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ المُتَشابِهِ عَلى هَذا النَّحْوِ، وهَذِهِ الأجْوِبَةُ مَعْنى ما ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ في الزَّيْغِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّكُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ المَيْلُ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كالقَوْلَيْنِ.

وقِيلَ: هو المَيْلُ عَنِ الهُدى.

وفي هَؤُلاءِ القَوْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الخَوارِجُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: وفْدُ نَجْرانَ مِنَ النَّصارى، قالَهُ الرَّبِيعُ.

والرّابِعُ: اليَهُودُ، طَلَبُوا مَعْرِفَةَ بَقاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِن حِسابِ الجُمَلِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُحِيلُونَ المُحْكَمَ عَلى المُتَشابِهِ، والمُتَشابِهُ عَلى المُحْكَمِ، ويَلْبَسُونَ.

و قالَ السُّدِّيُّ: يَقُولُونَ: ما بالُ هَذِهِ الآَيَةِ عَمِلَ بِها كَذا وكَذا، ثُمَّ نُسِخَتْ؟!

وفي المُرادِ بِالفِتْنَةِ هاهُنا، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الكُفْرُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: الشُّبُهاتُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: إفْسادُ ذاتِ البَيْنِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وفي التَّأْوِيلِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ التَّفْسِيرُ.

والثّانِي: العاقِبَةُ المُنْتَظَرَةُ.

والرّاسِخُ: الثّابِتُ، يُقالُ: رَسَخَ يَرْسُخُ رُسُوخًا.

وهَلْ يَعْلَمُ الرّاسِخُونَ تَأْوِيلَهُ أمْ لا؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم لا يَعْلَمُونَهُ، وأنَّهم مُسْتَأْنِفُونَ، وقَدْ رَوى طاوُوسٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ (وَيَقُولُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ آَمَنّا بِهِ) وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ، وقَتادَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وثَعْلَبٌ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، والجُمْهُورُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (إنْ تَأْوِيلُهُ، إلّا عِنْدَ اللَّهِ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ) وُقِيَ قِراءَةِ أُبَيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ (وَيَقُولُ الرّاسِخُونَ) وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ أشْياءَ، اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ .

و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا  ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى المُجْمَلَ، لِيُؤْمِنَ بِهِ المُؤْمِنُ، فَيَسْعَدُ، ويَكْفُرُ بِهِ الكافِرُ، فَيَشْقى.

والثّانِي: أنَّهم يَعْلَمُونَ، فَهم داخِلُونَ في الِاسْتِثْناءِ.

وقَدْ رَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والرَّبِيعِ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الَّذِي رَوى هَذا القَوْلَ عَنْ مُجاهِدٍ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، ولا تَصِحُّ رِوايَتُهُ التَّفْسِيرَ عَنْ مُجاهِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَماءِ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابَ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ عن عِلْمِ اللهِ تَعالى بِالأشْياءِ عَلى التَفْصِيلِ، وهَذِهِ صِفَةٌ لَمْ تَكُنْ لِعِيسى وَلا لِأحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ، ثُمَّ أخْبَرَ عن تَصْوِيرِهِ البَشَرَ في أرْحامِ الأُمَّهاتِ، وهَذا أمْرٌ لا يُنْكِرُهُ عاقِلٌ، ولا يُنْكِرُ أنَّ عِيسى وسائِرَ البَشَرِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، ولا يُنْكِرُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ المُصَوَّرِينَ في الأرْحامِ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى في ضِمْنِها الرَدُّ عَلى نَصارى نَجْرانَ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ وعِيدٌ ما لَهُمْ؛ فَسَّرَ بِنَحْوِ هَذا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ والرَبِيعُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ ﴾ رَدٌّ عَلى أهْلِ الطَبِيعَةِ، إذْ يَجْعَلُونَها فاعِلَةً مُسْتَبِدَّةً، وشَرَحَ النَبِيُّ  كَيْفِيَّةَ التَصْوِيرِ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: « "إنَّ النُطْفَةَ إذا وقَعَتْ في الرَحِمِ مَكَثَتْ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إلَيْها مَلَكًا فَيَقُولُ: يا رَبُّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟

أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ؟".» الحَدِيثُ بِطُولِهِ عَلى اخْتِلافِ ألْفاظِهِ.

وفي مُسْنَدِ ابْنِ سَنْجَرٍ حَدِيثُ: « "إنَّ اللهَ يَخْلُقُ عِظامَ الجَنِينِ وغَضارِيفَهُ مِن مَنِيِّ الرَجُلِ، ولَحْمَهُ وشَحْمَهُ وسائِرَ ذَلِكَ مِن مَنِيِّ المَرْأةِ".» و"صَوَّرَ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن: صارَ يَصُورُ إذا أمالَ وثَنى إلى حالٍ ما، فَلَمّا كانَ التَصْوِيرُ إمالَةً إلى حالٍ وإثْباتًا فِيها، جاءَ بِناؤُهُ عَلى المُبالَغَةِ.

والرَحِمُ: مَوْضِعُ نَشْأةِ الجَنِينِ.

و"كَيْفَ يَشاءُ" يَعْنِي مِن طُولٍ وقِصَرٍ ولَوْنٍ وسَلامَةٍ وعاهَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ.

و"العَزِيزُ": الغالِبُ، و"الحَكِيمُ": ذُو الحِكْمَةِ أوِ المُحَكِّمُ في مَخْلُوقاتِهِ، وهَذا أخَصُّ بِما ذَكَرَ مِنَ التَصْوِيرِ.

و"الكِتابَ" في هَذِهِ الآيَةِ: القُرْآنُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، والمُحْكَماتُ: المُفَصَّلاتُ المُبَيَّناتُ الثابِتاتُ الأحْكامِ، والمُتَشابِهاتُ: هي الَّتِي فِيها نَظَرٌ وتَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، ويَظْهَرُ فِيها بِبادِئِ النَظَرِ إمّا تَعارُضٌ مَعَ أُخْرى أو مَعَ العَقْلِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ التَشابُهِ، فَهَذا الشَبَهُ الَّذِي مِن أجْلِهِ تُوصَفُ بِمُتَشابِهاتٍ إنَّما هو بَيْنَها وبَيْنَ المَعانِي الفاسِدَةِ الَّتِي يَظُنُّها أهْلُ الزَيْغِ ومَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ، وهَذا نَحْوَ الحَدِيثِ الصَحِيحِ، عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "الحَلالُ بَيِّنٌ والحَرامُ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَشابِهاتٌ"» أيْ يَكُونُ الشَيْءُ حَرامًا في نَفْسِهِ فَيُشْبِهُ عِنْدَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ شَيْئًا حَلالًا، وكَذَلِكَ الآيَةُ يَكُونُ لَها في نَفْسِها مَعْنىً صَحِيحٌ فَتُشْبِهُ عِنْدَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ أو عِنْدَ الزائِغِ مَعْنىً آخَرَ فاسِدًا، فَرُبَّما أرادَ الِاعْتِراضَ بِهِ عَلى كِتابِ اللهِ، هَذا عِنْدِي مَعْنى الإحْكامِ والتَشابُهِ في هَذِهِ الآيَةِ، ألا تَرى «أنَّ نَصارى نَجْرانَ قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: ألَيْسَ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللهِ ورُوحٌ مِنهُ؟

قالَ نَعَمْ، قالُوا: فَحَسْبُنا إذًا،» فَهَذا التَشابُهُ.

واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ المُرادِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُحْكَماتُ: هي قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ  ﴾ إلى ثَلاثِ آياتٍ، وقَوْلُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿ وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ  ﴾ ، وهَذا عِنْدِي مِثالٌ أعْطاهُ في المُحْكَماتِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المُحْكَماتُ: ناسِخُهُ وحَلالُهُ وحَرامُهُ وما يُؤْمَنُ بِهِ ويُعْمَلُ بِهِ؛ والمُتَشابِهاتُ: مَنسُوخُهُ ومُقَدَّمُهُ ومُؤَخَّرُهُ وأمْثالُهُ وأقْسامُهُ وما يُؤْمَنُ بِهِ ولا يُعْمَلُ بِهِ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: المُحْكَماتُ الناسِخاتُ، والمُتَشابِهاتُ: المَنسُوخاتُ.

وهَذا عِنْدِي عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ أيْ يُوجَدُ الإحْكامُ في هَذا والتَشابُهُ في هَذا، لا أنَّهُ وقْفٌ عَلى هَذا النَوْعِ مِنَ الآياتِ.

وقالَ بِهَذا القَوْلِ قَتادَةُ والرَبِيعُ والضَحّاكُ.

وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: المُحْكَماتُ: ما فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ، وما سِوى ذَلِكَ فَهو مُتَشابِهٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ وَما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ  ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ  ﴾ .

وهَذِهِ الأقْوالُ وما ضارَعَها؛ يُضْعِفُها أنَّ أهْلَ الزَيْغِ لا تَعَلُّقَ لَهم بِنَوْعٍ مِمّا ذُكِرَ دُونَ سِواهُ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: المُحْكَماتُ: هي الَّتِي فِيهِنَّ حُجَّةُ الرَبِّ وعِصْمَةُ العِبادِ ودَفْعُ الخُصُومِ والباطِلِ، لَيْسَ لَها تَصْرِيفٌ ولا تَحْرِيفٌ عَمّا وُضِعْنَ عَلَيْهِ، والمُتَشابِهاتُ: لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وتَحْرِيفٌ وتَأْوِيلٌ ابْتَلى اللهُ فِيهِنَّ العِبادَ، وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُحْكَمُ: ما أُحْكِمَ فِيهِ قِصَصُ الأنْبِياءِ والأُمَمِ، وبُيِّنَ لِمُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ، والمُتَشابِهُ: هو ما اشْتَبَهَتِ الألْفاظُ بِهِ مِن قِصَصِهِمْ عِنْدَ التَكْرِيرِ في السُوَرِ بَعْضُهُ بِاتِّفاقِ الألْفاظِ واخْتِلافِ المَعانِي، وبَعْضُهُ بِعَكْسِ ذَلِكَ نَحْوِ قَوْلِهِ: "حَيَّةٌ تَسْعى" و"ثُعْبانٌ مُبِينٌ" ونَحْوِ: "اسْلُكْ يَدَكَ" و"أدْخِلْ يَدَكَ".

وقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ؛ مِنهم جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رِئابٍ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ الشَعْبِيِّ وسُفْيانَ الثَوْرِيِّ وغَيْرِهِما: المُحْكَماتُ مِن آيِ القُرْآنِ: ما عَرَفَ العُلَماءُ تَأْوِيلَهُ وفَهِمُوا مَعْناهُ وتَفْسِيرَهُ، والمُتَشابِهُ: ما لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ إلى عِلْمِهِ سَبِيلٌ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ دُونَ خَلْقِهِ.

قالَ بَعْضُهُمْ: وذَلِكَ مِثْلُ وقْتِ قِيامِ الساعَةِ وخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ والدَجّالِ ونُزُولِ عِيسى، ونَحْوِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الحَقِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أمّا الغُيُوبُ الَّتِي تَأْتِي فَهي مِنَ المُحْكَماتِ، لِأنَّ ما يَعْلَمُ البَشَرُ مِنها مَحْدُودٌ، وما لا يَعْلَمُونَهُ وهو تَحْدِيدُ الوَقْتِ مَحْدُودٌ أيْضًا.

وأمّا أوائِلُ السُوَرِ فَمِنَ المُتَشابِهِ لِأنَّها مُعَرَّضَةٌ لِلتَّأْوِيلِ، ولِذَلِكَ اتَّبَعَتْهُ اليَهُودُ وأرادُوا أنْ يَفْهَمُوا مِنهُ مُدَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ.

وفِي بَعْضِ هَذِهِ العِباراتِ الَّتِي ذَكَرْنا لِلْعُلَماءِ اعْتِراضاتٌ، وذَلِكَ أنَّ التَشابُهَ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ مُقَيَّدٌ بِأنَّهُ مِمّا لِأهْلِ الزَيْغِ بِهِ تَعَلُّقٌ، وفي بَعْضِ عِباراتِ المُفَسِّرِينَ تَشابُهٌ لا يَقْتَضِي لِأهْلِ الزَيْغِ تَعَلُّقًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ ﴾ فَمَعْناهُ الإعْلامُ بِأنَّها مُعْظَمُ الكِتابِ وعُمْدَةُ ما فِيهِ، إذِ المُحْكَمُ في آياتِ اللهِ كَثِيرٌ قَدْ فُصِّلَ ولَمْ يُفَرَّطْ في شَيْءٍ مِنهُ.

قالَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: هَذا كَما يُقالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ القُرى، ولِمُرْوٍ: أُمُّ خُراسانَ، وكَما يُقالُ: أُمُّ الرَأْسِ لِمُجْتَمَعِ الشُؤُونِ إذْ هو أخْطَرُ مَكانٍ.

قالَ المَهْدَوِيُّ والنَقّاشُ: كُلُّ آيَةٍ مُحْكَمَةٍ في كِتابِ اللهِ يُقالُ لَها أُمُّ الكِتابِ؛ وهَذا مَرْدُودٌ بَلْ جَمِيعُ المُحْكَمِ هو أُمُّ الكِتابِ، وقالَ النَقّاشُ: وهَذا كَما تَقُولُ: كُلُّكم عَلَيَّ أسَدٌ ضارٍ، وهَذا المِثالُ غَيْرُ مُحْكَمٍ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "أُمُّ الكِتابِ" مَعْناهُ: جِماعُ الكِتابِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي فاخِتَةَ أنَّهُ قالَ: "هُنَّ أُمُّ الكِتابِ" يُرادُ بِهِ فَواتِحُ السُوَرِ إذْ مِنها يُسْتَخْرَجُ القُرْآنُ ﴿ الم  ﴾ ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ  ﴾ مِنهُ اسْتُخْرِجَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ، ﴿ الم  ﴾ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ  ﴾ مِنهُ اسْتُخْرِجَتْ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ.

وهَذا قَوْلٌ مُتَداعٍ لِلسُّقُوطِ، مُضْطَرِبٌ لَمْ يَنْظُرْ قائِلُهُ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها ومَقْصِدَها، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ الإنْحاءُ عَلى أهْلِ الزَيْغِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ أوَّلًا إلى نَصارى نَجْرانَ، وإلى اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا مُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَإنَّهم كانُوا يَعْتَرِضُونَ مَعانِيَ القُرْآنِ، ثُمَّ تَعُمُّ بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّ زائِغٍ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ نَزَّلَ الكِتابَ عَلى مُحَمَّدٍ إفْضالًا مِنهُ ونِعْمَةً، وأنَّ مُحْكَمَهُ وبَيِّنَهُ الَّذِي لا اعْتِراضَ فِيهِ هو مُعْظَمُهُ والغالِبُ عَلَيْهِ، وأنَّ مُتَشابِهَهُ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَأْوِيلَ ويَحْتاجُ إلى التَفَهُّمِ، هو أقَلُّهُ.

ثُمَّ إنَّ أهْلَ الزَيْغِ يَتْرُكُونَ المُحْكَمَ الَّذِي فِيهِ غُنْيَتُهُمْ، ويَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ، ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وأنْ يُفْسِدُوا ذاتَ البَيْنِ ويَرُدُّوا الناسَ إلى زَيْغِهِمْ، فَهَكَذا تَتَوَجَّهُ المَذَمَّةُ عَلَيْهِمْ.

"وَأُخَرُ" جَمْعُ أُخْرى لا يَنْصَرِفُ لِأنَّهُ صِفَةٌ، وعُدِلَ عَنِ الألِفِ واللامِ في أنَّهُ يُثَنّى ويُجْمَعُ، وصِفاتُ التَفْضِيلِ كُلُّها إذا عَرِيَتْ عَنِ الألِفِ واللامِ لَمْ تُثَنَّ ولَمْ تُجْمَعْ، كَأفْضَلِ وما جَرى مَجْراهُ، ولا يُفاضَلُ بِهَذِهِ الصِفاتِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إلّا وهي مُنَكَّرَةٌ، ومَتى دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ زالَ مَعْنى التَفْضِيلِ بَيْنَ أمْرَيْنِ، ولَيْسَ عَدْلُ "أُخَرُ" عَنِ الألِفِ واللامِ مُؤَثِّرًا في التَعْرِيفِ كَما هو عَدْلُ "سَحَرْ" بَلْ أُخَرُ نَكِرَةٌ، وأمّا سَحَرٌ فَعَدَلَ بِأنَّهُ زالَتِ الألِفُ واللامُ، وبَقِيَ مَعْرِفَةً في قَوْلِهِ "جِئْتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَحَرْ".

وخَلَطَ المَهْدَوِيُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ وأفْسَدَ كَلامَ سِيبَوَيْهِ فَتَأمَّلْهُ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلِهِ إلا اللهُ والراسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ يَعُمُّ كُلَّ طائِفَةٍ مِن كافِرٍ وزِنْدِيقٍ وجاهِلٍ صاحِبِ بِدْعَةٍ.

والزَيْغُ: المَيْلُ، ومِنهُ زاغَتِ الشَمْسُ، وزاغَتِ الأبْصارُ.

والإشارَةُ بِالآيَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَتْ إلى نَصارى نَجْرانَ لِتَعَرُّضِهِمْ لِلْقُرْآنِ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ الرَبِيعُ، وإلى اليَهُودِ، ثُمَّ تَنْسَحِبُ عَلى كُلِّ ذِي بِدْعَةٍ أو كُفْرٍ، وبِالمَيْلِ عَنِ الهُدى فَسَّرَ الزَيْغَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم.

و ﴿ ما تَشابَهَ مِنهُ ﴾ هو المَوْصُوفُ آنِفًا بِـ "مُتَشابِهاتٌ".

وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ : إنْ لَمْ يَكُونُوا الحَرُورِيَّةَ وأنْواعَ الخَوارِجِ فَلا أدْرِي مَن هم.

وقالَتْ عائِشَةُ: "إذا رَأيْتُمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في القُرْآنِ فَهُمُ الَّذِي عَنى اللهُ فاحْذَرُوهُمْ" وقالَ الطَبَرِيُّ: الأشْبَهُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في الَّذِينَ جادَلُوا رَسُولَ اللهِ  في مُدَّتِهِ ومُدَّةِ أُمَّتِهِ بِسَبَبِ حُرُوفِ أوائِلِ السُوَرِ، وهَؤُلاءِ هُمُ اليَهُودُ.

و"ابْتِغاءَ" نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، ومَعْناهُ طَلَبُ الفِتْنَةِ.

وقالَ الرَبِيعُ: الفِتْنَةُ هُنا: الشِرْكُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الفِتْنَةُ الشُبُهاتُ واللَبْسُ عَلى المُؤْمِنِينَ.

ثُمَّ قالَ: و"ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ" والتَأْوِيلُ هو مَرَدُّ الكَلامِ ومَرْجِعُهُ، والشَيْءُ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي، وهو مِن آلَ يَؤُولُ، إذا رَجَعَ، فالمَعْنى: وطَلَبَ تَأْوِيلَهُ عَلى مَنازِعِهِمُ الفاسِدَةِ.

هَذا فِيما لَهُ تَأْوِيلٌ حَسَنٌ، وإنْ كانَ مِمّا لا يُتَأوَّلُ، بَلْ يُوقَفُ فِيهِ كالكَلامِ في مَعْنى الرُوحِ ونَحْوِهِ، فَنَفْسُ طَلَبِ تَأْوِيلِهِ هو اتِّباعُ ما تَشابَهَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ابْتَغَوْا مَعْرِفَةَ مُدَّةِ مُحَمَّدٍ  وأُمَّتِهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللهُ ﴾ فَهَذا عَلى الكَمالِ والتَوْفِيَةِ فِيما لا يُتَأوَّلُ ولا سَبِيلَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ كَأمْرِ الرُوحِ، وتَعَرُّفِ وقْتِ قِيامِ الساعَةِ وسائِرِ الأحْداثِ الَّتِي أنْذَرَ بِها الشَرْعُ، وفِيما يُمْكِنُ أنْ يَتَأوَّلَهُ العُلَماءُ ويَصِحَّ التَطَرُّقُ إلَيْهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ عَلى الكَمالِ إلّا اللهُ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والراسِخُونَ في العِلْمِ ﴾ فَرَأتْ فِرْقَةٌ أنَّ رَفْعَ "والراسِخُونَ" هو بِالعَطْفِ عَلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهم داخِلُونَ في عِلْمِ المُتَشابِهِ في كِتابِ اللهِ، وأنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ "يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ"...

الآيَةُ، قالَ بِهَذا القَوْلِ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ: أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: والراسِخُونَ في العِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ ويَقُولُونَ آمَنّا بِهِ، وقالَهُ الرَبِيعُ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُمْ، و"يَقُولُونَ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ نُصِبَ عَلى الحالِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: "والراسِخُونَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وهو مَقْطُوعٌ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، وخَبَرُهُ "يَقُولُونَ".

والمُنْفَرِدُ بِعِلْمِ المُتَشابِهِ هو اللهُ وحْدَهُ بِحَسَبِ اللَفْظِ في الآيَةِ، وفِعْلُ الراسِخِينَ قَوْلُهُمْ: "آمَنّا بِهِ" قالَتْهُ عائِشَةُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا.

وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: إنَّ الراسِخِينَ لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ ولَكِنَّهم يَقُولُونَ: "آمَنّا بِهِ".

وقالَ أبُو نَهِيكٍ الأسَدِيُّ: إنَّكم تَصِلُونَ هَذِهِ الآيَةَ وإنَّها مَقْطُوعَةٌ، وما انْتَهى عِلْمُ الراسِخِينَ إلّا إلى قَوْلِهِمْ: ﴿ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا ﴾ وقالَ مِثْلَ هَذا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وحَكى نَحْوَهُ الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أشْهَبَ عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ المَسْألَةُ إذا تُؤُمِّلَتْ قَرُبَ الخِلافُ فِيها مِنَ الِاتِّفاقِ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى قَسَمَ آيَ الكِتابِ قِسْمَيْنِ: مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا، فالمُحْكَمُ هو المُتَّضِحُ المَعْنى لِكُلِّ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ، لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى نَظَرٍ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ يُلْبِسُ، ويَسْتَوِي في عِلْمِهِ الراسِخُ وغَيْرُهُ، والمُتَشابِهُ يَتَنَوَّعُ، فَمِنهُ ما لا يُعْلَمُ البَتَّةَ، كَأمْرِ الرُوحِ، وآمادِ المُغَيَّباتِ الَّتِي قَدْ أعْلَمَ اللهُ بِوُقُوعِها، إلى سائِرِ ذَلِكَ، ومِنهُ ما يُحْمَلُ عَلى وُجُوهٍ في اللُغَةِ ومَناحٍ في كَلامِ العَرَبِ، فَيُتَأوَّلُ ويُعْلَمُ تَأْوِيلُهُ المُسْتَقِيمُ، ويُزالُ ما فِيهِ مِمّا عَسى أنْ يُتَعَلَّقَ بِهِ مِن تَأْوِيلٍ غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ كَقَوْلِهِ في عِيسى: "وَرُوحٌ مِنهُ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولا يُسَمّى أحَدٌ راسِخًا إلّا بِأنْ يَعْلَمَ مِن هَذا النَوْعِ كَثِيرًا بِحَسَبِ ما قُدِّرَ لَهُ، وإلّا فَمَن لا يَعْلَمُ سِوى المُحْكَمِ فَلَيْسَ يُسَمّى راسِخًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى جَمِيعِ مُتَشابِهِ القُرْآنِ، وهو نَوْعانِ كَما ذَكَرْنا، فَقَوْلُهُ: "إلّا اللهُ" مُقْتَضٍ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ يَعْلَمُهُ عَلى الكَمالِ والِاسْتِيفاءِ، يَعْلَمُ نَوْعَيْهِ جَمِيعًا.

فَإنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: "والراسِخُونَ" عَطْفًا عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، فالمَعْنى إدْخالُهم في عِلْمِ التَأْوِيلِ لا عَلى الكَمالِ، بَلْ عِلْمُهم إنَّما هو في النَوْعِ الثانِي مِنَ المُتَشابِهِ، وبَدِيهَةُ العَقْلِ تَقْضِي بِهَذا، والكَلامُ مُسْتَقِيمٌ عَلى فَصاحَةِ العَرَبِ كَما تَقُولُ: ما قامَ لِنُصْرَتِي إلّا فُلانٌ وفُلانٌ، وأحَدُهُما قَدْ نَصَرَكَ بِأنْ حارَبَ مَعَكَ، والآخَرُ إنَّما أعانَكَ بِكَلامٍ فَقَطْ، إلى كَثِيرٍ مِنَ المُثُلِ، فالمَعْنى "وَما يَعْلَمُ" تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ إلّا اللهُ والراسِخُونَ كُلٌّ بِقَدْرِهِ وما يَصْلُحُ لَهُ، والراسِخُونَ بِحالِ قَوْلٍ في جَمِيعِهِ "آمَنّا بِهِ"، وإذا تَحَصَّلَ لَهم في الَّذِي لا يُعْلَمُ ولا يُتَصَوَّرُ عَلَيْهِ تَمْيِيزُهُ مِن غَيْرِهِ، فَذَلِكَ قَدْرٌ مِنَ العِلْمِ بِتَأْوِيلِهِ، وإنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: "والراسِخُونَ" رَفْعًا بِالِابْتِداءِ مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ، فَتَسْمِيَتُهم راسِخِينَ يَقْتَضِي بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أكْثَرَ مِنَ المُحْكَمِ الَّذِي يَسْتَوِي في عِلْمِهِ جَمِيعُ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ، وفي أيِّ شَيْءٍ هو رُسُوخُهُمْ، إذا لَمْ يَعْلَمُوا إلّا ما يَعْلَمُ الجَمِيعُ؟

وما الرُسُوخُ إلّا المَعْرِفَةُ بِتَصارِيفِ الكَلامِ، ومَوارِدِ الأحْكامِ، ومَواقِعِ المَواعِظِ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِقَرِيحَةٍ مُعَدَّةٍ، فالمَعْنى: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ عَلى الِاسْتِيفاءِ إلّا اللهُ، والقَوْمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مِنهُ ما يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ يَقُولُونَ في جَمِيعِهِ: "آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا" وهَذا القَدْرُ هو الَّذِي تَعاطى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهو تُرْجُمانُ القُرْآنِ، ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلِمَ وقْتَ الساعَةِ وأمْرَ الرُوحِ وما شاكَلَهُ.

فَإعْرابُ "الراسِخُونَ" يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِهِما، والمَعْنى فِيهِما يَتَقارَبُ بِهَذا النَظَرِ الَّذِي سَطَّرْناهُ.

فَأمّا مَن يَقُولُ: إنَّ المُتَشابِهَ إنَّما هو ما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى عِلْمِهِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ إخْراجُ الراسِخِينَ مِن عِلْمِ تَأْوِيلِهِ، لَكِنَّ تَخْصِيصَهُ المُتَشابِهاتِ بِهَذا النَوْعِ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلِ الصَحِيحُ في ذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ: المُحْكَمُ ما لا يَحْتَمِلُ إلّا تَأْوِيلًا واحِدًا والمُتَشابِهُ ما احْتَمَلَ مِنَ التَأْوِيلِ أوجُهًا.

وهَذا هو مُتَّبَعُ أهْلِ الزَيْغِ، وعَلى ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ النَظَرُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ.

ومَن قالَ مِنَ العُلَماءِ الحُذّاقِ بِأنَّ الراسِخِينَ لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ فَإنَّما أرادُوا هَذا النَوْعَ، وخافُوا أنْ يَظُنَّ أحَدٌ أنَّ اللهَ وصَفَ الراسِخِينَ بِعِلْمِ التَأْوِيلِ عَلى الكَمالِ، وكَذَلِكَ ذَهَبَ الزَجّاجُ إلى أنَّ الإشارَةَ بِما تَشابَهَ مِنهُ إنَّما هي إلى وقْتِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَهُ وفَسَّرَ باقِي الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، فَهَذا أيْضًا تَخْصِيصٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.

وأمّا مَن يَقُولُ: إنَّ المُتَشابِهَ هو المَنسُوخُ فَيَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ إدْخالُ الراسِخِينَ في عِلْمِ التَأْوِيلِ، ولَكِنَّ تَخْصِيصَهُ المُتَشابِهاتِ بِهَذا النَوْعِ غَيْرُ صَحِيحٍ.

ورَجَّحَ ابْنُ فُورَكٍ أنَّ الراسِخِينَ يَعْلَمُونَ التَأْوِيلَ، وأطْنَبَ في ذَلِكَ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ: "إلّا اللهُ ويَقُولُ الراسِخُونَ في العِلْمِ آمَنّا بِهِ".

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ إنْ تَأْوِيلُهُ إلّا عِنْدَ اللهِ، والراسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ".

والرُسُوخُ: الثُبُوتُ في الشَيْءِ، وأصْلُهُ في الأجْرامِ أنْ يَرْسَخَ الجَبَلُ أوِ الشَجَرُ في الأرْضِ.

وسُئِلَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَنِ الراسِخِينَ في العِلْمِ فَقالَ: "هُوَ مَن بَرَّتْ يَمِينُهُ وصَدَقَ لِسانُهُ واسْتَقامَ قَلْبُهُ".

وقَوْلُهُ: ﴿ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا ﴾ فِيهِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى كِتابِ اللهِ، مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، والتَقْدِيرُ: كُلُّهُ مِن عِنْدِ رَبِّنا، وحُذِفَ الضَمِيرُ لِدَلالَةِ لَفْظِ "كُلٌّ" عَلَيْهِ، إذْ هي لَفْظَةٌ تَقْتَضِي الإضافَةَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ ﴾ أيْ ما يَقُولُ هَذا ويُؤْمِنُ بِهِ ويَقِفُ حَيْثُ وقَفَ ويَدَعُ اتِّباعَ المُتَشابِهِ إلّا ذُو لُبٍّ، وهو العَقْلُ، وأولو: جَمْعُ ذُو.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ثالث بإخبار عن شأن من شؤون الله تعالى، متعلّق بالغرض المسوق له الكلام: وهو تحقيق إنزاله القرآنَ والكتابيننِ من قبله، فهذا الاستئناف مؤكّد لمضمون قوله: ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق ﴾ [آل عمران: 3] هُوَ الذى أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيات محكمات هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ متشابهات } وتمهيد لقوله: ﴿ منه آيات محكمات ﴾ لأنّ الآيات نزلت في مجادلة وفد نجران، وصُدّرت بإبطال عقيدتهم في إلاهية المسيح: تالإشارة إلى أوصاف الإله الحقّة، تَوَجَّه الكلام هنا إلى إزالة شبهتهم في شأن زعمهم اعترافَ نصوص القرآن بإلهية المسيح؛ إذ وُصف فيها بأنّه روح الله؛ وأنّه يُحي الموتى وأنّه كلمة الله، وغير ذلك فنودي عليهم بأن ما تعلّقوا به تعلّق اشتباه وسوء بأويل.

وفي قوله: ﴿ هو الذي أنزل الكتاب ﴾ قصر صفة إنزال القرآن على الله تعالى: لتكون الجملة، مع كونها تأكيداً وتمهيداً، إبطالاً أيضاً لقول المشركين: ﴿ إنّما يعلّمه بَشَر ﴾ [النحل: 103] وقولهم: ﴿ أساطير الأوّلين اكتَتبها فهي تُمْلَى عليه بُكْرَةً وأصيلا ﴾ [الفرقان: 5].

وكقوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغِي لهم وما يستطيعون إنّهم عن السمع لمعزولون ﴾ [الشعراء: 210 212] ذلك أنّهم قالوا: هو قول كاهن، وقول شاعر، واعتقدوا أنّ أقوال الكهّان وأقوال الشعراء من إملاء الأرْئِياء (جمعَ رئي).

ومن بدائع البلاغة أن ذكر في القصر فعل أنزل، الذي هو مختصّ بالله تعالى ولو بدون صيغة القصر، إذ الإنزال يرادف الوحي ولا يكون إلاّ من الله بخلاف ما لو قال هو الذي آتاك الكتاب.

وضمير ﴿ منه ﴾ عائد إلى القرآن.

و«منه» خبر مقدم و ﴿ آيات محكمات ﴾ مبتدأ.

والإحكام في الأصل المنع، قال جرير: أبني حنيفة أحْكِموا سُفَهَاءَكم *** إنّي أخاف عليكُم أنْ أغضبَا واستعمل الإحكام في الإتقان والتوثيق؛ لأنّ ذلك يمنع تطرّق ما يضادّ المقصود، ولذا سمّيت الحِكْمة حكْمَة، وهو حقيقة أو مجاز مشهور.

أطلق المحكم في هذه الآية على واضح الدلالة على سبيل الاستعارة لأنّ في وضوح الدلالة، منعاً لتطرّق الاحتمالات الموجبة للتردّد في المراد.

وأطلق التشابه هنا على خفاء الدلالة على المعنى، على طريقة الاستعارة لأنّ تطرّق الاحتمال في معاني الكلام يفضي إلى عدم تعيّن أحد الاحتمالات، وذلك مثل تشابُه الذوات في عدم تمييز بعضها عن بعض.

وقوله: ﴿ أم الكتاب ﴾ أمّ الشيء أصله وما ينضمّ إليه كثيره وتتفرّع عنه فروعه، ومنه سمّيت خريطة الرأس، الجامعة له: أمّ الرأس وهي الدمَاغ، وسمّيت الراية الأمّ لأنّ الجيْش ينضوي إليها، وسمّيت المدينة العظيمة أمّ القرى، وأصل ذلك أنّ الأمّ حقيقة في الوالدة، وهي أصل للمولود وجامع للأولاد في الحضانة، فباعتبار هذين المعنيين، أطلق اسم الأمّ على ما ذكرنا، على وجه التشبيه البليغ.

ثم شاع ذلك الإطلاق حتى ساوى الحقيقة، وتقدّم ذلك في تسمية الفاتحة أمّ القرآن.

والكتاب: القرآن لا محالة؛ لأنّه المتحدّث عنه بقوله: ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب ﴾ فليس قوله: ﴿ أم الكتاب ﴾ هنا بمثللِ قوله: ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ [الرعد: 39].

وقوله: ﴿ وأُخر متشابهات ﴾ المتشابهات المتماثلات، والتماثل يكون في صفات كثيرة فيبين بما يدل على وجه التماثل، وقد يترك بيانه إذا كان وجه التماثل ظاهراً، كما في قوله تعالى: ﴿ إن البقر تشابه علينا ﴾ [البقرة: 70] ولم يذكر في هذه الآية جهة التشابه.

وقد أشارت الآية: إلى أنّ آيات القرآن صنفان: محكمات وأضدادها، التي سميت متشابهات، ثم بيّن أنّ المحكمات هي أمّ الكتاب، فعلمنا أنّ المتشابهات هي أضداد المحكمات، ثم أعقب ذلك بقوله: ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ﴾ [آل عمران: 7] أي تأويله الذي لا قبل لأمثالهم به فعلمنا أنّ المتشابهات هي التي لم يتّضح المقصود من معانيها، فعلمنا أنّ صفة المحكمات، والمتشابهات، راجعة إلى ألفاظ الآيات.

ووصف المحكمات بأنّها أمُّ الكتاب فاحتمل أن يكون المراد من الأمّ الأصل، أو المرجع، وهما متقاربان: أي هنّ أصل القرآن أو مرجعه، وليس يناسب هذين المعنيين إلاّ دلالةُ القرآن؛ إذ القرآن أنزل للإرشاد والهدي، فالمحكمات هي أصول الاعتقاد والتشريع والآداب والمواعظ، وكانت أصولاً لذلك: باتّضاح دلالتها، بحيث تدل على معاننٍ لا تحتمل غيرها أو تحتمله احتمالاً ضعيفاً غير معتدَ به، وذلك كقوله: ﴿ ليس كمثله شي ﴾ [الشورة: 11] ﴿ لا يُسأل عمّا يفعل ﴾ [الأنبياء: 23] ﴿ يريد اللَّه بكم اليسر ﴾ [البقرة: 185] ﴿ واللَّه لا يحبّ الفساد ﴾ [البقرة: 205] ﴿ وأمّا من خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى فإنّ الجنة هي المأوى ﴾ [النازعات: 40].

وباتّضاح معانيها بحيث تتناولها أفهام معظم المخاطبين بها وتتأهّل لفهمها فهي أصل القرآن المرجوعُ إليه في حمل معاني غيرها عليها للبيان أو التفريع.

والمتشابهات مقابل المحكمات، فهي التي دلّت على معاننٍ تشابهت في أن يكون كلُّ منها هو المرادَ.

ومعنى تشابهها: أنّها تشابهت في صحة القصد إليها، أي لم يكن بعضها أرجح من بعض.

أو يكون معناها صادقاً بصور كثيرة متناقضة أو غير مناسبة لأن تكون مراداً، فلا يتبيّن الغرض منها، فهذا وجه تفسير الآية فيما أرى.

وقد اختلف علماء الإسلام في تعيين المقصود من المحكمات والمتشابهات على أقوال: مرجعها إلى تعيين مقدار الوضوح والخفاء، فعن ابن عباس: أنّ المحكم ما لا تختلف فيه الشرائع كتوحيد الله تعالى، وتحريم الفواحش، وذلك ما تضمنته الآيات الثلاث من أواخر سورة [الأنعام: 151]: ﴿ قل تعالوا أتل ما حرّم ربّكم عليكم ﴾ والآيات من سورة [الإسراء: 23]: ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ﴾ وأن المتشابه المجملات التي لم تبيّن كحروف أوائل السور.

وعن ابن مسعود، وابن عباس أيضاً: أنّ المحكم ما لم ينسخ والمتشابه المنسوخ وهذا بعيد عن أن يكون مراداً هنا لعدم مناسبتِه للوصفين ولا لبقية الآية.

وعن الأصم: المحكم ما اتّضح دليلُه، والمتشابه ما يحتاج إلى التدبّر، وذلك كقوله تعالى: ﴿ والذي نزّل من السماء ما ء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتاً كذلك تخرجون ﴾ [الزخرف: 11] فأولها محكم وآخرها متشابه.

وللجمهور مذهبان: أولهما أنّ المحكم ما اتّضحت دلالته، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه، ونسب هذا القول لمالك، في رواية أشهب، من جامع العتبيَّة، ونسبه الخفاجي إلى الحنفية وإليه مال الشاطبي في الموافقات.

وثانيهما أنّ المحكم الواضح الدلالة، والمتشابه الخفيُها، وإليه مال الفخر: فالنص والظاهر هنا المحكم، لاتّضاح دلالتهما، وإن كان أحدهما أي الظاهر يتطرّقه احتمال ضعيف، والمجمل والمؤوّل هما المتشابه، لاشتراكهما في خفاء الدلالة وإن كان أحدهما: أي المؤول دالاً على معنى مرجوح، يقابله معنى راجح، والمجمل دالاً على معنى مرجوح يقابله مرجوح آخر، ونسبت هذه الطريقة إلى الشافعية.

قال الشاطبي: فالتشابه: حقيقي، وإضافي، فالحقيقي: ما لا سبيل إلى فهم معناه، وهو المراد من الآية، والإضافي: ما اشتبه معناه، لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر.

فإذا تقصّى المجتهد أدلّة الشريعة وجد فيها ما يبيّن معناه، والتشابه بالمعنى الحقيقي قليل جدّاً في الشريعة وبالمعنى الإضافي كثير.

وقد دل هذه الآية على أنّ من القرآن محكماً ومتشابهاً، ودلت آيات أخر على أنّ القرآن كلَّه محكم، قال تعالى: ﴿ كتاب أحكمت آياته ﴾ [هود: 1] وقال: ﴿ تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ [يونس: 1] والمراد أنّه أحكم وأتقنَ في بلاغته، كما دلت آيات على أنّ القرآن كلّه متشابه، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ نزّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً ﴾ [الزمر: 23] والمعنى أنّه تشابه في الحسن والبلاغة والحقيّة، وهو معنَى: «ولو كان من عند غير الله لوَجدوا فيه اختلافاً كثيراً» فلا تعارض بين هذه الآيات: لاختلاف المراد بالإحكام والتشابه في مواضعها، بحسب ما تقتضيه المقامات.

وسبب وقوع المتشابهات في القرآن: هو كونه دعوة، وموعظة، وتعليماً، وتشريعاً باقياً، ومعجزة، وخوطب به قوم لم يسبق لهم عهد بالتعليم والتشريع، فجاء على أسلوب مناسب لِجمع هذه الأمور، بحسب حال المخاطبين الذين لم يعتادوا الأساليب التدريسية، أو الأمالي العلمية، وإنّما كانت هجّيراهم الخطابة والمقاولة، فأسلوب المواعظ والدعوةِ قريب من أسلوب الخطابة، وهو لذلك لا يأتي على أساليب الكتب المؤلَّفة لِلعلم، أو القوانين الموضوعة للتشريع، فأودعت العلوم المقصود منه في تضاعيف الموعظة والدعوة، وكذلك أودع فيه التشريع، فلا تجد أحكام نوع من المعاملات، كالبيع، متّصلاً بعضها ببعض، بل تلفيه موزّعاً على حسب ما اقتضته مقامات الموعظة والدعوة، ليخفّ تلقّيه على السامعين، ويعتادُوا علم ما لم يألفوه في أسلوب قد ألفوه فكانت متفرّقة يضمّ بعضها إلى بعض بالتدبّر.

ثم إنّ إلقاء تلك الأحكام كان في زمان طويل، يزيد على عشرين سنة، ألقِي إليهم فيها من الأحكام بمقدار ما دعت إليه حاجتهم، وتحمّلته مقدرتهم، على أنّ بعض تشريعه أصول لا تتغيّر، وبعضه فروع تختلف باختلاف أحوالهم، فلذلك تجد بعضها عاماً، أو مطلقاً، أو مجملاً، وبعضها خاصاً، أو مقيداً، أو مبيَّناً، فإذا كان بعض المجتهدين يرى تخصيص عموم بعض عموماته بخصوص بعض الخصوصات مثلاً، فلعلّ بعضاً منهم لا يتمسّك إلاّ بعمومه، حينئذ، كالذي يرى الخاص الوارد بعد العام ناسخاً، فيحتاج إلى تعيين التاريخ، ثم إنّ العلوم التي تعرّض لها القرآن هي من العلوم العليا: وهي علوم فيما بعد الطبيعة، وعلوم مراتب النفوس، وعلوم النظام العمراني، والحكمة، وعلوم الحقوق.

وفي ضيق اللغة الموضوعة عن الإيفاء بغايات المرادات في هاته العلوم، وقصور حالة استعداد أفهام عموم المخاطبين لها، مَا أوجب تشابهاً في مدلولات الآيات الدالة عليها.

وإعجازُ القرآن: منه إعجاز نظمي ومنه إعجاز علمي، وهو فنّ جليل من الإعجاز بيّنته في المقدمة العاشرة من مقدّمات هذا التفسير.

فلمّا تعرض القرآن إلى بعض دلائل الأكوان وخصائصها، فيما تعرّض إليه، جاء به محكياً بعبارة تصلح لحكاية حالته على ما هو في نفس الأمر، وربّما كان إدراك كنه حالته في نفس الأمر مجهولاً لأقوام، فيعدّون تلك الآي الدالة عليه من المتشابه فإذا جاء من بَعْدهم علموا أنّ ما عدّه الذين قبلهم متشابهاً ما هو إلاّ محكم.

على أنّ من مقاصد القرآن أمرين آخرين: أحدَهما كونه شريعة دائمة، وذلك يقتضي فتح أبواب عباراته لِمختلِف استنباط المستنبطين، حتى تؤخذ منه أحكام الأولين والآخرين، وثانيهما تعويد حَمَلة هذه الشريعة، وعلماء هذه الأمة، بالتنقيب، والبحث، واستخراج المقاصد من عويصات الأدلة، حتى تكون طبقات علماء الأمة صالحة في كلّ زمان لفهم تشريع الشارع ومقصده من التشريع، فيكونوا قادرين على استنباط الأحكام التشريعية، ولو صيغ لهم التشريع في أسلوب سهل التناول لاعتادوا العكوف على ما بينَ أنظارهم في المطالعة الواحدة.

من أجل هذا كانت صلوحية عباراته لاختلاف منازع المجتهدين، قائمة مقام تلاحق المؤلّفين في تدوين كتب العلوم، تبعاً لاختلاف مراتب العصور.

فإذا علمت هذا علمت أصل السبب في وجود ما يسمّى بالمتشابه في القرآن.

وبقي أن نذكر لك مراتب التشابه وتفاوت أسبابها.

وأنّها فيما انتهى إليه استقراؤنا الآن عشر مراتب: أولاها: معاننٍ قُصِد إيداعها في القرآن، وقُصد إجمالها: إمّا لعدم قابلية البشر لفهمها، ولو في الجملة، إن قلنا بوجود المجمل، الذي استأثر الله بعلمه، على ما سيأتي، ونحن لا نختاره.

وإمّا لعدم قابليتهم لكنه فهمها، فألقيت إليهم على وجه الجملة أو لعدم قابلية بعضهم في عصر، أو جهةٍ، لفهمها بالكنة ومن هذا أحوال القيامة، وبعضُ شؤون الربوبية كالإتيان في ظُلل من الغمام، والرؤية، والكلاممِ، ونحو ذلك.

وثانيتها: معاننٍ قصد إشعار المسلمين بها، وتَعيّن إجمالها، مع إمكان حملها على معاننٍ معلومةٍ لكن بتأويلات: كحُروف أوائل السور، ونحوِ ﴿ الرحمانُ على العرش استوى ﴾ [طه: 5] ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ [البقرة: 29].

ثالثتها: معاننٍ عاليةً ضاقت عن إيفاء كنهها اللغةُ الموضوعةُ لأقصى ما هو متعارَف أهلها، فعبّر عن تلك المعاني بأقصى ما يقرِّب معانيَها إلى الأفهام، وهذا مثل أكثر صفات الله نحو الرحمان، الرؤوف، المتكبّر، نورُ السموات والأرض.

رابعتها: معاننٍ قَصُرت عنها الأفهام في بعض أحوال العصور، وأودعت في القرآن ليكون وجودها معجزة قُرآنيَّة عند أهل العلم في عصور قد يضعف فيها إدراك الإعجاز النظمي، نحو قوله: ﴿ والشمس تجري لمستقر لها ﴾ [يس: 38] ﴿ وأرسلنا الرياح لواقح ﴾ [الحجر: 22] ﴿ يكور الليل على النهار ﴾ [الزمر: 5] ﴿ وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مرّ السحاب ﴾ [النمل: 88] ﴿ تنبت بالدهن ﴾ [المؤمنون: 20] ﴿ زيتونة لا شرقية ولا غربية ﴾ [النور: 35] ﴿ وكان عرشه على الماء ﴾ [هود: 7] ﴿ ثم استوى إلى السماء وهي دخان ﴾ [فصلت: 11] وذكرِ سُدِّ يأجوج ومأجوج.

خامستها: مَجازات وكنايات مستعملة في لغة العرب، إلاّ أنّ ظاهرها أوهم معاني لا يليق الحمل عليها في جانب الله تعالى: لإشعارها بصفات تخالف كمال الإلهية، وتوقّف فريق في محملها تنزيهاً، نحو: ﴿ فإنّك بأعيننا ﴾ [الطور: 48] ﴿ والسماء بنيناها بأيدٍ ﴾ [الذاريات: 47] ﴿ ويبقى وجه ربّك ﴾ [الرحمن: 27].

وسادستها: ألفاظ من لغات العرب لم تُعرف لدى الذين نزل القرآن بينهم: قريش والأنصار مثل: ﴿ وفاكهة وأبّا ﴾ [عبس: 31] ومثل ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ [النحل: 47] ﴿ إنّ إبراهيم لأوّاه حليم ﴾ [التوبة: 114] ﴿ ولا طعامٌ إلاّ مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ [الحاقة: 36].

سابعتها: مصطلحات شرعية لم يكن للعرب علم بخصوصها، فما اشتهر منها بين المسلمين معناه، صار حقيقة عرفية: كالتيمّم، والزكاة، وما لم يشتهر بقي فيه إجمال: كالربا قال عمر: «نزلت آيات الربا فِي آخر ما أنزل فتوفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبيّنها» وقد تقدم في سورة البقرة.

ثامنتها: أساليب عربية خفيت على أقوام فظنّوا الكلام بها متشابهاً، وهذا مثل زيادة الكاف في قوله تعالى: ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ [الشورى: 11] ومثل المشاكلة في قوله: ﴿ يخادعون اللَّه وهو خادعهم ﴾ [النساء: 142] فيعلم السامع أنّ إسناد خادع إلى ضمير الجلالة إسناد بمعنى مجازي اقتضته المشاكلة.

وتاسعتها: آيات جاءت على عادات العرب، ففهمها المخاطبون، وجاء مَن بعدهم فلم يفهموها، فظنّوها من المتشابه، مثل قوله: ﴿ فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أَنْ يَطَّوّفَ بهما ﴾ [البقرة: 158]، في «الموطأ» قال ابن الزبير: «قلت لعائشة وكنت يومئذ حدثاً لم أتفقّه لا أرى بأساً على أحدٍ ألاّ يطوف بالصفا والمروة» فقالت له: «ليس كما قلت إنّما كان الأنصار يهلون لمناةَ الطاغية» إلخ.

ومنه: ﴿ عَلِم اللَّه أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم ﴾ [البقرة: 187] ﴿ ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتّقوا وءامنوا ﴾ [المائدة: 93] الآية فإنّ المراد فيما شربوا من الخمر قبل تحريمها.

عاشرتها: أفهام ضعيفة عَدت كثيراً من المتشابه وما هو منه، وذلك أفهام الباطنية، وأفهام المشبِّهة، كقوله تعالى: ﴿ يوم يكشف عن شاق ﴾ [القلم: 42].

وليس من المتشابه ما صرّح فيه بأنّا لا نصل إلى علمه كقوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ [الإسراء: 85] ولا ما صرّح فيه بجهل وقته كقوله: ﴿ لا تأتيكم إلاّ بغتة ﴾ [الأعراف: 187].

وليس من المتشابه ما دلّ على معنى يعارض الحملَ عليه دليل آخر، منفصل عنه؛ لأنّ ذلك يرجع إلى قاعدة الجمع بين الدليلين المتعارضين، أو ترجيح أحدهما على الآخر، مثل قوله تعالى خطاباً لإبليس: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ﴾ الآية في سورة [الإسراء: 64] مع ما في الآيات المقتضية ﴿ فإنّ الله غني عنكم ولا يرضَى لعباده الكفر ﴾ [الزمر: 7] إنه لا يحبّ الفساد.

وقد علمتم من هذا أنّ مِلاك التشابه هو عدم التواطؤ بين المعاني واللغة: إمّا لضيقها عن المعاني، وإمّا لضيق الأفهام عن استعمال اللغة في المعنى، وإمّا لتناسي بعض اللغة، فيتبيّن لك أنّ الإحكام والتشابه: صفتان للألفاظ، باعتبار فهم المعاني.

وإنّما أخبر عن ضمير آياتتٍ محكمات، وهو ضمير جمع، باسم مفرد ليس دالاً على أجزاءٍ وهو ﴿ أمّ ﴾ ، لأنّ المراد أنّ صنف الآيات المحكمات يتنزّل من الكتاببِ منزلة أمّه أي أصله ومرجِعه الذي يُرجّع إليه في فهم الكتاب ومقاصده.

والمعنى: هنّ كأمِّ للكتاب.

ويعلم منه أنّ كل آية من المحكمات أم للكتاب في ما تتضمّنه من المعنى.

وهذا كقول النابغة يَذْكُر بني أسد: فَهُمْ دِرْعِي التِي استلأمْتُ فيها *** أي مجموعهم كالدِّرع لي، ويعلم منه أنّ كلّ أحد من بني أسد بمنزلة حلقة من حلق الدرع.

ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ واجعلنا للمتقين إماما ﴾ [الفرقان: 74].

والكلام على (أخَر) تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فعدة من أيام أخر ﴾ [البقرة: 184].

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ ابتغآء الفتنة وابتغآء تَأْوِيلِهِ ﴾ .

تفصيل لإجمال اقتضاه الكلام السابق؛ لأنّه لما قسّم الكتاب إلى محكم ومتشابه، وكان ذلك التقسيم باعتبار دلالة الألفاظ على المعاني، تشوّفت النفس إلى معرفة تلقّي الناس للمتشابه.

أمّا المحكم فتلقّي الناس له على طريقة واحدة، فلا حاجة إلى تفصيل فيه، واقتصر في التفصيل على ذكر قسم من أقسامه: وهو حال الذين في قلوبهم زيغ كيف تلقّيهم للمتشابهات؛ لأنّ بيان هذا هو الأهمّ في الغرض المسوق له الكلام، وهو كشف شبهة الذين غرّتهم المتشابهات ولم يهتدوا إلى حقّ تأويلها، ويعرف حال قسيمهم وهم الذين لا زيغ في قلوبهم بطريق المقابلة ثم سيُصرّح بإجمال حال المهتدين في تلقّي ومتَشبهات القرآن.

والقلوب محالُّ الإدراك، وهي العقول، وتقدّم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ ومن يكتمها فإنّه آثم قلبه ﴾ في سورة [البقرة: 283].

والزيغ: الميل والانحراف عن المقصود: ﴿ ما زاغ البصر ﴾ [النجم: 17] ويقال: زاغت الشمس.

فالزيغ أخصّ من الميل؛ لأنّه ميل عن الصواب والمقصودِ.

والاتّباع هنا مجاز عن الملازمة والمعاودة، أي يعكفون على الخوض في المتشابه، يحصونه، شبهت تلك الملازمة بملازمة التابع متبوعَهُ.

وقد ذكر علة الاتّباع، وهو طلب الفتنة، وطَلبُ أن يؤوّلوه، وليس طلبُ تأويله في ذاته بمذمّة، بدليل قوله: ﴿ وما يعلم تأويله إلاّ اللَّهُ والراسخون في العلم ﴾ كما سنبيِّنه وإنّما محلّ الذم أنّهم يطلبون تأويلاً ليسوا أهلاً له فيؤوّلونه بما يُوافق أهواءهم.

وهذا ديدن الملاحِدة وأهللِ الأهواء: الذين يتعمّدون حمل الناس على متابعتهم تكثيراً لسوادهم.

ولما وَصَف أصحَاب هذا المقصد بالزيغ في قلوبهم، علمنا أنّه ذمهم بذلك لهذا المقصد، ولا شك أنّ كل اشتغال بالمتشابه إذا كان مفضياً إلى هذا المقصد يناله شيء من هذا الذم.

فالذين اتّبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله المنافقون، والزنادقة، والمشركون مثال تأويل المشركين: قصةُ العاصي بن وائل من المشركين إذْ جاءه خباب بن الأرت من المسلمين يتقاضاه أجراً، فقال العاصي متهكّما به «وإنِّي لمبعوثٌ بعد الموت أي حَسْب اعتقادكم فسوفَ أقضيك إذا رجعتُ إلى مال وولد» فالعاصي توهّم، أو أراد الإيهام، أنّ البعث بعد الموت رجوع إلى الدنيا، أو أراد أن يوهم دهماء المشركين ذلك ليكون أدْعَى إلى تكذيب الخبر بالبعث، بمشاهدة عدم رجوع أحد من الأموات، ولذلك كانوا يقولون: ﴿ فأتُوا بآبائنا إن كُنتم صادقين ﴾ [الدخان: 36].

ومثال تأويل الزنادقة: ما حكاه محمد بن علي بن رزام الطائي الكوفي قال: كنت بمكة حين كان الجَنَّابي زعيم القرامطة بمكة، وهم يقتلون الحجاج، ويقولون: أليس قد قال لكم محمد المكي «ومن دخله كان آمناً فأيُّ أمْن هنا؟» قال: فقلت له: هذا خرج في صورة الخبر، والمراد به الأمرُ أي ومن دخله فأمِّنُوه، كقوله: ﴿ والمطلقات يتربّصن ﴾ [البقرة: 228].

والذين شابهوهم في ذلك كلّ قوم يجعلون البحث في المتشابه ديدنهم، ويفضون بذلك إلى خلافات وتعصّبات.

وكلّ من يتأوّل المتشابه على هواه، بغير دليل على تأويله مستند إلى دليل واستعمال عربي.

وقد فُهم أنّ المراد: التأويل بحسب الهوى، أو التأويل المُلْقِي في الفتنة، بقرينة قوله تعالى: ﴿ وما يعلم تأويله إلا اللَّه والراسخون في العلم يقولون ءامنّا به ﴾ الآية، كما فهم من قوله: ﴿ فيتّبعون ﴾ أنّهم يهْتَمُّون بذلك، ويستهترون به، وهذا ملاك التفرقة بين حال من يتيع المتشابه للإيقاع في الشك والإلحاد، وبين حال من يفسّر المتشابه ويؤوّله إذا دعاه داع إلى ذلك.

وفي «البخاري» عن سعيد بن جُبير أنّ رجلاً قال لابن عباس: «إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ» قال: ما هو قال: «فلا أنسَابَ بينهم يومئذ ولا يتساءلون» وقال «وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون» وقال: «ولا يكتمون الله حديثاً» وقال: «قالوا والله ربّنا ما كنّا مشركين» قال ابن عباس: «فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى ثم النفخة الثانية أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، فأما قوله: ﴿ والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾ [الأنعام: 23] فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فيقول المشركون: تعالَوا نقلْ: «ما كنا مشركين، فيختم الله على أفواههم فتنطق جوارحهم بأعمالهم فعند ذلك لا يكتمون الله حديثاً».

وأخرج البخاري، عن عائشة: قالت «تلا رسول الله هذه الآية إلى قوله: ﴿ أولوا الألباب ﴾ [البقرة: 269] قالت قال رسول الله:» " فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم ".

ويقصد من قوله تعالى: ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ﴾ التعريض بنصارى نجران، إذ ألزموا المسلمين بأنّ القرآن يشهد لكون الله ثالث ثلاثة بما يقع في القرآن من ضمير المتكلم ومعه غيره من نحو خلقنا وأمرنا وقضينا، وزعموا أنّ ذلك الضمير له وعيسى ومريم ولا شك أنّ هذا إن صح عنهم هو تمويه؛ إذ من المعروف أنّ في ذلك الضمير طريقتين مشهورتين إما إرادة التشريك أو إرادة التعظيم فما أرادوا من استدلالهم هذا إلا التمويه على عامة الناس.

﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب ﴾ .

جملة حال أي وهم لا قِبل لهم بتأويله؛ إذ ليس تأويله لأمثالهم، كما قيل في المثل: «ليس بعشّك فادرجي».

ومن هنا أمسك السلف عن تأويل المتشابهات، غير الراجعة إلى التشريع، فقال أبو بكر رضي الله عنه: «أيُّ أرضضٍ تُقِلّنِي وأيُّ سماء تُظِلُّنِي إن قلتُ في كتاب الله بما لا أعلم».

وجاء في زمن عمر رضي الله عنه رجل إلى المدينة من البصرة، يقال له صَبِيغ بن شريك أو ابن عِسْل التميمي فجعل يسأل الناس عن متشابه القرآن، وعن أشياء فأحضره عمر، وضربه ضرباً موجعاً، وكرّر ذلك أياماً، فقال: «حسبُك يا أمير المؤمنين فقد ذهب ما كنتُ أجد في رأسي» ثم أرجعه إلى البصرة وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن يمنع الناس من مخالطته.

ومن السلف من تأوّل عند عروض الشبهة لبعض الناس، كما فعل ابن عباس فيما ذكرناه آنفا.

قال ابن العربي في «العواصم من القواصم» «من الكائدين للإسلام الباطنية والظاهرية».

قلت: أمَّا الباطنية فقد جعلوا معظم القرآن متشابهاً، وتأوّلوه بحسب أهوائهم، وأمّا الظاهريون فقد أكثروا في متشابهه، واعتقدوا سبب التشابه واقعاً، فالأوّلون دخلوا في قوله: ﴿ وابتغاء تأويله ﴾ ، والأخيرون خرجوا من قوله: ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ﴾ أو وما يعلم تأويله إلا الله، فخالفوا الخلف والسلف.

قال ابن العربي «في العواصم» «وأصل الظاهريين الخوارج الذين قالوا: لا حُكْم إلاّ لله» يعني أنّهم أخذوا بظاهر قوله تعالى: ﴿ إننِ الحُكْمُ إلا لله ﴾ ولم يتأولوه بما هو المراد من الحكم.

والمراد بالراسخين في العلم: الذين تمكّنوا في علم الكتاب، ومعرفة محامله، وقام عندهم من الأدلة ما أرشدهم إلى مراد الله تعالى، بحيث لا تروج عليهم الشبه.

والرسوخ في كلام العرب: الثبات والتمكن في المكان، يقال: رسخت القدم ترسخ رسوخاً إذا ثبتت عند المشي ولم تتزلزل، واستعير الرسوخ لكمال العقل والعلم بحيث لا تضلّله الشبه، ولا تتطرّقه الأخطاء غالباً، وشاعت هذه الاستعارة حتى صارت كالحقيقة.

فالراسخون في العلم: الثابتون فيه العارفون بدقائقه، فهم يحسنون مواقع التأويل، ويعلمونه.

ولذا فقوله: ﴿ والراسخون ﴾ معطوف على اسم الجلالة، وفي هذا العطف تشريف عظيم: كقوله: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ﴾ [آل عمران: 18] وإلى هذا التفسير مَال ابن عباس، ومجاهد، وَالربيع بن سليمان، والقاسم بن محمد، والشافعية، وابن فورك، والشيخ أحمد القرطبي، وابن عطية، وعلى هذا فليس في القرآن آية استأثر الله بعلمها.

ويؤيّد هذا أن الله أثبت للراسخين في العلم فضيلة.

ووصفهم بالرسوخ، فآذن بأنّ لهم مزية في فهم المتشابه: لأنّ المحكم يستوي في علمه جميع من يفهم الكلام، ففي أيِّ شيء رسوخهم، وحكى إمام الحرمين، عن ابن عباس: أنّه قال في هاته الآية: «أنا ممّن يعلم تأويله».

وقيل: الوقف على قوله: ﴿ إلا الله ﴾ وإنّ جملة ﴿ والراسخون في العلم ﴾ مستأنفة، وهذا مروي عن جمهور السلف، وهو قول ابن عمر، وعائشة، وابن مسعود، وأبي، ورواه أشهب عن مالك في جامع العتبية، وقاله عروة بن الزبير، والكسائي، والأخفش والفرّاء، والحنفية، وإليه مال فخر الدين.

ويؤيّد الأول وصفهم بالرسوخ في العلم؛ فإنّه دليل بيّن على أنّ الحُكم الذي أثبت لهذا الفريق، هو حكم من معنى العلم والفهم في المعضِلات، وهو تأويل المتشابه، على أنّ أصل العطف هو عطف المفردات دون عطف الجمل، فيكون الراسخون معطوفاً على اسم الجلالة فيدخلون في أنّهم يعلمون تأويله.

ولو كان الراسخون مبتدأ وجملةُ: «يقولون ءامّنا به» خبراً، لكان حاصل هذا الخبر ممّا يستوي فيه سائر المسلمين الذين لا زيغ في قلوبهم، فلا يكون لتخصيص الراسخين فائدة.

قال ابن عطية: «تسميتهم راسخين تقتضي أنّهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أيّ شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلاّ ما يعلمه الجميع وما الرسوخ إلاّ المعرفةُ بتصاريف الكلام بقريحة معدة» وما ذكرناه وذكره ابن عطية لا يعد وأن يكون ترجيحاً لأحد التفسيرين، وليس إبطالاً لمقابله إذ قد يوصف بالرسوخ من يفرق بين ما يستقيم تأويله، وما لا مطمع في تأويله.

وفي قوله: ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ إشعار بأنّ الراسخين يعلمون تأويل المتشابه.

واحتجّ أصحاب الرأي الثاني، وهو رأي الوقف على اسم الجلالة: بأنّ الظاهر أن يكون جملة (والراسخون) مستأنفة لتكون معادِلاً لجملة: ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ ، والتقدير: وأمّا الراسخون في العلم.

وأجاب التفتازاني بأنّ المعادِل لا يلزم أن يكون مذكوراً، بل قد يحذف لدلالة الكلام عليه.

واحتجّوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿ يقولون آمنا به كل من عند ربنا ﴾ قال الفخر: لو كانوا عالمين بتأويله لم يكن لهذا الكلام فائدة؛ إذ الإيمان بما ظهر معناه أمر غير غريب وسنجيب عن هذا عند الكلام على هذه الجملة.

وذكر الفخر حججاً أخر غير مستقيمة.

ولا يخفى أنّ أهل القول الأول لا يثبتون متشابهاً غير ما خفي المراد منه، وأنّ خفاء المراد متفاوت، وأنّ أهل القول الثاني يثبتون متشابهاً استأثر الله بعلمه، وهو أيضاً متفاوت؛ لأنّ منه ما يقبل تأويلات قريبَة، وهو ممّا ينبغي ألاّ يعدّ من المتشابه في اصطلاحهم، لكنّ صنيعهم في الإمساك عن تأويل آيات كثيرة سَهْللٍ تأويلُها مثل ﴿ فإنّك بأعيننا ﴾ [الطور: 48] دلّ على أنّهم يسدّون باب التأويل في المتشابه، قال الشيخ ابن عطية «إنّ تأويل ما يمكن تأويله لا يَعلم تأويلَه على الاستيفاء إلاّ الله تعالى فمَن قالَ، من العلماء الحذّاق: بأنّ الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه، فإنّما أراد هذا النوع، وخافوا أن يظنّ أحد أنّ الله وصف الراسخين بعلم التأويل على الكمال».

وعلى الاختلاف في محمل العطف في قوله تعالى: ﴿ والراسخون في العلم ﴾ انبنى اختلاف بين علماء الأمة في تأويل ما كان متشابهاً: من آيات القرآن، ومن صحاح الأخبار، عن النبي صلى الله عليه وسلم فكان رأي فريق منهم الإيمانَ بها، على إبهامها وإجمالها، وتفويضَ العلم بكنه المراد منها إلى الله تعالى، وهذه طريقة سلَف علمائنا، قبل ظهور شكوك الملحدين أو المتعلِّمين، وذلك في عصر الصحابة والتابعين وبعض عصر تابعيهم، ويُعبّر عنها بطريقة السلف، ويقولون: طريقة السلف أسْلَمُ، أي أشدُّ سلامة لهم من أن يَتأوّلوا تأويلات لا يدرَى مدى ما تفضِي إليه من أمور لا تليق بجلال الله تعالى ولا تتّسق مع ما شرعه للناس من الشرائع، مع ما رأوا من اقتناع أهل عصرهم بطريقتهم، وانصرافهم عن التعمّق في طلب التأويل.

وكان رأي جمهور من جاء بعد عصر السلف تأويلها بمعاننٍ من طرائق استعمال الكلام العربي البليغ من مجاز، واستعارة، وتمثيل، مع وجود الدّاعي إلى التأويل، وهو تعطّش العلماء الذين اعتادوا التفكر والنظر وفهم الجمع بين أدلّة القرآن والسنة، ويعبّر عن هذه الطريقة بطريقة الخلف، ويقولون: طريقة الخلف أعم، أي أنسب بقواعد العلم وأقوى في تحصيل العلم القاطع لِجدال الملحدين، والمقنع لمن يتطلّبون الحقائق من المتعلّمين، وقد يصفونها بأنّها أحْكَمُ أي أشدّ إحكاماً؛ لأنّها تقنع أصحاب الأغراض كلّهم.

وقد وقع هذان الوصفان في كلام المفسّرين وعلماءِ الأصول، ولم أقف على تعيين أوّللِ من صدَرا عنه، وقد تعرّض الشيخ ابن تيمية في «العقيدة الحموية» إلى ردّ هذين الوصفين ولم ينسبهما إلى قائل.

والموصوف بأسْلَم وبأعلَم الطريقةُ لا أهلُها؛ فإنّ أهل الطريقتين من أئمة العلم، وممّن سلموا في دينهم من الفِتن.

وليس في وصف هذه الطريقة، بأنّها أعْلَمُ أوْ أحْكَمُ، غضاضة من الطريقة الأولى؛ لأنّ العصور الذين درجوا على الطريقة الأولى، فيهم من لا تخفى عليهم محاملها بسبب ذوقهم العربي، وهديهم النبوي، وفيهم من لا يُعير البحثَ عنها جانباً من همّته، مثل سائر العامة.

فلا جرم كان طَيّ البحث عن تفصيلها أسلم للعموم، وكان تفصيلها بعد ذلك أعْلَم لمن جاء بعدهم، بحيث لو لم يؤوِّلوها به لأوسعوا، للمتطلّعين إلى بيانها، مجالاً للشك أو الإلحاد، أو ضيققِ الصدر في الاعتقاد.

واعلم أنّ التأويل منه ما هو واضح بيِّن، فصرف اللفظ المتشابه عن ظاهره إلى ذلك التأويل يُعادِل حملَ اللفظ على أحد معنييه المشهورين لأجل كثرة استعمال اللفظ في المعنى غير الظاهر منه.

فهذا القسم من التأويل حقيق بألاّ يسمّى تأويلاً وليس أحدُ مَحْمَلَيْه بأقوى من الآخر إلاّ أنّ أحدهما أسبقُ في الوضع من الآخر، والمحملان متساويان في الاستعمال وليس سبقُ إطلاق اللفظ على أحد المعنيين بمقتضضٍ ترجيحَ ذلك المعنى، فكم من إطلاق مجازي للفظٍ هو أسبق إلى الأفهام من إطلاقه الحقيقي.

وليس قولهم في علم الأصول بأنّ الحقيقة أرجحُ من المجاز بمقبول على عمومه.

وتسميةُ هذا النوع بالمتشابه ليست مرادة في الآية.

وعدّه من المتشابه جمود.

ومن التأويل ما ظاهر معنى اللفظ فيه أشهر من معنى تأويله ولكنّ القرائن أو الأدلةَ أوجبت صرف اللفظ عن ظاهر معناه فهذا حقيق بأن يعدّ من المتشابه.

ثم إنّ تأويل اللفظ في مِثله قد يتيسّر بمعنى مستقيم يغلب على الظن أنّه المراد إذا جَرى حمل اللفظ على ما هو من مستعملاته في الكلام البليغ مثل الأيدي والأعين في قوله: ﴿ بَنيناها بأيدٍ ﴾ [الذاريات: 47] وقوله: ﴿ فإنَّك بأعيننا ﴾ [الطور: 48] فمَن أخذوا من مثله أنّ لله أعيناً لا يُعرف كنهها، أوْ له يداً ليست كأيدينا، فقد زادوا في قوة الاشتباه.

ومنه ما يعتبر تأويله احتمالاً وتجويزاً بأن يكون الصرف عن الظاهر متعيّناً وأمّا حمله على ما أوّلوه به فعلى وجه الاحتمال والمثاللِ، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ [طه: 5] وقوله: ﴿ هل ينظرون إلاّ أن يأتيَهم الله في ظُلَل من الغمام ﴾ [البقرة: 210] فمثل ذلك مقطوع بوجوب تأويله ولا يَدعي أحد، أن ما أوّلَه به هو المرادُ منه ولكنّه وجه تابع لإمكان التأويل، وهذا النوع أشدّ مواقع التشابه والتأويل.

وقد استبان لك من هذه التأويلات: أنّ نظم الآية جاء على أبلغ ما يعبّر به في مقام يسع طائفتين من علماء الإسلام في مختلف العصور.

وقوله: ﴿ يقولون آمنا به ﴾ حال من (الراسخون) أي يعلمون تأويله في هذه الحالة والمعنى عليه: يحتمل أن يكون المراد من القول الكناية عن الاعتقاد؛ لأنّ شأن المعتقد أن يقول معتَقَده، أي يعلمون تأويله ولا يهجس في نفوسهم شك من جهة وقوع المتشابه حتى يقولوا: لماذا لم يجئ الكلام كلّه واضحاً، ويتطرّقهم من ذلك إلى الرّيبة في كونه من عند الله، فلذلك يقولون: ﴿ كل من عند ربنا ﴾ .

ويحتمل أنّ المراد يقولون لغيرهم: أي من لم يبلغ مرتبة الرسوخ من عامة المسلمين، الذين لا قِبل لهم بإدراك تأويله، ليعلّموهم الوقوف عند حدود الإيمان، وعدمَ التطلّع إلى ما ليس في الإمكان، وهذا يقرب ممّا قاله أهل الأصول: إنّ المجتهد لا يلزمه بيانُ مُدركه للعامي، إذا سأله عن مأخذ الحكم، إذا كان المدرَك خفياً.

وبهذا يحصل الجواب عن احتجاج الفخر بهذه الجملة لترجيح الوقففِ على اسم الجلالة.

وعلى قول المتقدّمين يكون قوله: ﴿ يقولون ﴾ خبراً، وقولهم: ﴿ آمنا به ﴾ آمنّا بكونه من عند الله، وإن لم نفهم معناه.

وقوله: ﴿ كل من عند ربنا ﴾ أي كلٌ من المحكَم والمتشابه.

وهو على الوجهين بيان لمعنى قولهم: ﴿ آمنا به ﴾ ، فلذلك قطعت الجملة.

أي كلّ من المحكم والمتشابه، مُنزل من الله.

وزيدت كلمة (عند) للدلالة على أنّ مِن هنا للابتداء الحقيقي دون المجازي، أي هو منزل من وحي الله تعالى وكلامِه، وليس كقوله: ﴿ ما أصابك مِن حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك ﴾ [النساء: 197].

وجملة ﴿ وما يذَّكَّر إلاّ أولوا الألباب ﴾ تذييل، ليس من كلام الراسخين، مَسوق مَساق الثناء عليهم في اهتدائهم إلى صحيح الفهم.

والألبابُ: العقول.

وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ واتقون يا أولي الألباب ﴾ في سورة [البقرة: 197].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَأْوِيلِهِ عَلى سَبْعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المُحْكَمَ النّاسِخُ، والمُتَشابِهَ المَنسُوخُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّ المُحْكَمَ ما أحْكَمَ اللَّهُ بَيانَ حَلالِهِ وحَرامِهِ فَلَمْ تَشْتَبِهْ مَعانِيهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّ المُحْكَمَ ما لَمْ يَحْتَمِلْ مِنَ التَّأْوِيلِ إلّا وجْهًا واحِدًا، والمُتَشابِهَ ما احْتَمَلَ أوْجُهًا، قالَهُ الشّافِعِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ.

والرّابِعُ: أنَّ المُحْكَمَ الَّذِي لَمْ تَتَكَرَّرْ ألْفاظُهُ، والمُتَشابِهَ الَّذِي تَكَرَّرَتْ ألْفاظُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّ المُحْكَمَ الفَرائِضُ والوَعْدُ والوَعِيدُ، والمُتَشابِهَ القَصَصُ والأمْثالُ.

والسّادِسُ: أنَّ المُحْكَمَ ما عَرَفَ العُلَماءُ تَأْوِيلَهُ وفَهِمُوا مَعْناهُ وتَفْسِيرَهُ، والمُتَشابِهَ ما لَمْ يَكُنْ إلى عِلْمِهِ سَبِيلٌ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، كَقِيامِ السّاعَةِ، وطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجِ عِيسى ونَحْوِهِ، وهَذا قَوْلُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.

والسّابِعُ: أنَّ المُحْكَمَ ما قامَ بِنَفْسِهِ ولَمْ يَحْتَجْ إلى اسْتِدْلالٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثامِنًا: أنَّ المُحْكَمَ ما كانَتْ مَعانِي أحْكامِهِ مَعْقُولَةً، والمُتَشابِهُ ما كانَتْ مَعانِي أحْكامِهِ غَيْرَ مَعْقُولَةٍ، كَأعْدادِ الصَّلَواتِ، واخْتِصاصِ الصِّيامِ بِشَهْرِ رَمَضانَ دُونَ شَعْبانَ.

وَإنَّما جَعَلَهُ مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا اسْتِدْعاءً لِلنَّظَرِ مِن غَيْرِ اتِّكالٍ عَلى الخَبَرِ، وقَدْ رَوى مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (القُرْآنُ عَلى ثَلاثَةِ أجْزاءٍ: حَلالٍ فاتَّبِعْهُ، وحَرامٍ فاجْتَنِبْهُ، ومُتَشابِهٍ يُشْكِلُ عَلَيْكَ فَكِلْهُ إلى عالِمِهِ» .

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أصْلُ الكِتابِ.

والثّانِي: مَعْلُومُ الكِتابِ.

وَفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ الآيَ الَّتِي فِيها الفَرائِضُ والحُدُودُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ فَواتِحَ السُّوَرِ الَّتِي يُسْتَخْرَجُ مِنها القُرْآنُ، وهو قَوْلُ أبِي فاخِتَةَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يُرِيدَ بِهِ أنَّهُ مَعْقُولُ المَعانِي لِأنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَنْهُ ما شارَكَهُ في مَعْناهُ، فَيَصِيرُ الأصْلُ لِفُرُوعِهِ كالأُمِّ لِحُدُوثِها عَنْهُ، فَلِذَلِكَ سَمّاهُ أُمَّ الكِتابِ.

﴿ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَيْلٌ عَنِ الحَقِّ.

والثّانِي: شَكٌّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الأجَلُ الَّذِي أرادَتِ اليَهُودُ أنْ تَعْرِفَهُ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ مِن حِسابِ الجُمَّلِ في انْقِضاءِ مُدَّةِ النَّبِيِّ  .

والثّانِي: أنَّهُ مَعْرِفَةُ عَواقِبِ القُرْآنِ في العِلْمِ بِوُرُودِ النَّسْخِ قَبْلَ وقْتِهِ.

والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ في وفْدِ نَجْرانَ لَمّا حاجُّوا النَّبِيَّ  في المَسِيحِ، فَقالُوا: ألَيْسَ كَلِمَةَ اللَّهِ ورُوحَهُ؟

قالَ: (بَلى) فَقالُوا: حَسْبُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الشِّرْكُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: اللَّبْسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: الشُّبُهاتُ الَّتِي حاجَّ بِها وفْدَ نَجْرانَ.

والرّابِعُ: إفْسادُ ذاتِ البَيْنِ.

﴿ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ في التَّأْوِيلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّفْسِيرُ.

والثّانِي: أنَّهُ العاقِبَةُ المُنْتَظَرَةُ.

﴿ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَأْوِيلُ جَمِيعِ المُتَشابِهِ، لِأنَّ فِيهِ ما يَعْلَمُهُ النّاسُ، وفِيهِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ القِيامَةِ لِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ  ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: تَأْوِيلُهُ وقْتُ حُلُولِهِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

﴿ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي الثّابِتِينَ فِيهِ، العامِلِينَ بِهِ.

والثّانِي: يَعْنِي المُسْتَنْبِطِينَ لِلْعِلْمِ والعامِلِينَ، وفِيهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم داخِلُونَ في الِاسْتِثْناءِ، وتَقْدِيرُهُ: أنَّ الَّذِي يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ جَمِيعًا.

رَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ.

الثّانِي: أنَّهم خارِجُونَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ ﴾ ﴿ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَ رَبِّنا.

والثّانِي: ما فَصَلَهُ مِنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، فَنَزَلَ مِن عِنْدِ رَبِّنا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال: ﴿ المحكمات ﴾ ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده؛ وفرائضه، وما يؤمن به و ﴿ المتشابهات ﴾ منسوخه، ومقدمه، ومؤخره، وأمثاله، وأقسامه، وما يؤمن به ولا يعمل به.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: ﴿ المحكمات ﴾ الناسخ الذي يدان به ويعمل به.

﴿ المتشابهات ﴾ المنسوخات التي لا يدان بهن.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن عبدالله بن قيس: سمعت ابن عباس يقول في قوله: ﴿ منه آيات محكمات ﴾ قال: الثلاث آيات من آخر سورة الأنعام محكمات ﴿ قل تعالوا...

﴾ [ الأنعام: 151- 153] والآيتان بعدها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس في قوله: ﴿ آيات محكمات ﴾ قال: من هاهنا ﴿ قل تعالوا...

﴾ [ الأنعام: 151- 153].

إلى آخر ثلاث آيات.

ومن هاهنا ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه...

﴾ [ الإسراء: 23- 25] إلى ثلاث آيات بعدها.

وأخرج ابن جرير من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة بن مسعود وناس من الصحابة ﴿ المحكمات ﴾ الناسخات التي يعمل بهن ﴿ والمتشابهات ﴾ المنسوخات.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: ﴿ المحكمات ﴾ الحلال والحرام.

وأخرج عبد بن حميد والفريابي عن مجاهد قال: ﴿ المحكمات ﴾ ما فيه الحلال والحرام، وما سوى ذلك منه متشابه يصدق بعضه بعضاً.

مثل قوله: ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾ [ البقرة: 26] ومثل قوله: ﴿ كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ﴾ [ الأنعام: 125] ومثل قوله: ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ﴾ [ محمد: 17] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال: ﴿ المحكمات ﴾ هي الآمرة الزاجرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن الضريس وابن جرير وابن أبي حاتم عن إسحاق بن سويد، أن يحيى بن يعمر، وأبا فاختة.

تراجعا هذه الآية ﴿ هنَّ أم الكتاب ﴾ فقال أبو فاختة: هن فواتح السور، منها يستخرج القرآن ﴿ الم ذلك الكتاب ﴾ منها استخرجت البقرة، و ﴿ الم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ منها استخرجت آل عمران، قال يحيى: هن اللاتي فيهن الفرائض، والأمر والنهي، والحلال والحدود، وعماد الدين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ هنَّ أم الكتاب ﴾ قال: أصل الكتاب، لأنهن مكتوبات في جميع الكتب.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: ﴿ المحكمات ﴾ حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه ﴿ وأخر متشابهات ﴾ في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يصرفن إلى الباطل، ولا يحرفن عن الحق.

وأخرج ابن جرير عن مالك بن دينار قال: سألت الحسن عن قوله: ﴿ أم الكتاب ﴾ قال: الحلال والحرام قلت له ف ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ [ الفاتحة: 1] قال: هذه أم القرآن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: إنما قال: ﴿ هن أم الكتاب ﴾ لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهن ﴿ وأخر متشابهات ﴾ يعني فيما بلغنا ﴿ الم ﴾ و ﴿ المص ﴾ و ﴿ المر ﴾ و ﴿ الر ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: ﴿ المتشابهات ﴾ آيات في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرأوهن.

ومن أجل ذلك يضل من ضل، فكل فرقة يقرؤون آية من القرآن يزعمون أنها لهم، فمنها يتبع الحرورية من المتشابه قول الله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ [ المائدة: 44] ثم يقرؤون معها ﴿ والذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ [ الأنعام: 1] فإذا رأوا الامام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر فمن كفر عدله بربه، ومن عدل بربه فقد أشرك بربه.

فهؤلاء الأئمة مشركون.

وأخرج البخاري في التاريخ وابن جرير من طريق ابن إسحاق عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رباب قال: «مر أبو ياسر بن أخطب، فجاء رجل من يهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة ﴿ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ﴾ .

فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود، فقال أتعلمون؟

والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل عليه ﴿ الم، ذلك الكتاب ﴾ فقال: أنت سمعته قال: نعم.

فمشى حتى وافى أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: الم تقل إنك تتلو فيما أنزل عليك ﴿ الم، ذلك الكتاب ﴾ ؟

فقال: بلى، فقالوا: لقد بعث بذلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مده ملكه، وما أجل أمته غيرك.

الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة.

ثم قال: يا محمد هل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

﴿ المص ﴾ قال: هذه أثقل وأطول!

الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، هذه إحدى وثلاثون ومائة.

هل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

﴿ الر ﴾ قال: هذه أثقل وأطول!

الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان.

هذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة.

هل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

﴿ المر ﴾ قال: هذه أثقل وأطول.

هذه إحدى وسبعون ومائتان.

ثم قال: لقد لبس علينا أمرك حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيراً!.

ثم قال: قوموا عنه.

ثم قال أبو ياسر لأخيه ومن معه: ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد.

إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين!

فقالوا: لقد تشابه علينا أمره، فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ﴾ » .

وأخرج يونس بن بكير في المغازي عن ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وجابر بن رباب، أن أبا ياسر بن أخطب مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ (فاتحة الكتاب، والم، ذلك الكتاب) فذكر القصة.

وأخرجه ابن المنذر في تفسيره من وجه آخر عن ابن جريج معضلاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ يعني أهل الشك.

فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبسون فلبس الله عليهم ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ قال: تأويله يوم القيامة لا يعلمه إلا الله.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود ﴿ زيغ ﴾ قال: شك.

وأخرج عن ابن جريج قال: ﴿ الذين في قلوبهم زيغ ﴾ المنافقون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ فيتبعون ما تشابه منه ﴾ قال: الباب الذي ضلوا منه وهلكوا فيه ﴿ ابتغاء تأويله ﴾ وفي قوله: ﴿ ابتغاء الفتنة ﴾ قال: الشبهات.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والدارمي وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن أبي حبان والبيهقي في الدلائل من طرق عن عائشة قالت «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ إلى قوله: ﴿ أولوا الألباب ﴾ فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم.

ولفظ البخاري: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم.

وفي لفظ لابن جرير: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه سمى الله فاحذروهم.

وفي لفظ لابن جرير: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه والذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فلا تجالسوهم» .

وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ﴾ قال: هم الخوارج.

وفي قوله: ﴿ يوم تبيض وجوه وتسودُّ وجوه ﴾ [ آل عمران: 106] قال: هم الخوارج.

وأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشعري، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذَّكَّرُ إلا أولوا الألباب ﴾ ، وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يبالوا به» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مما أتخوف على أمتي؛ أن يكثر فيهم المال حتى يتنافسوا فيه فيقتتلوا عليه، وإن مما أتخوف على أمتي أن يُفْتَحَ لهم القرآن حتى يقرأه المؤمن والكافر والمنافق فيحل حلاله المؤمن» .

أما قوله تعالى: ﴿ ابتغاء تأويله ﴾ الآية.

أخرج أبو يعلى عن حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في أمتي قوماً يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل، يتأوّلونه على غير تأويله» .

وأخرج ابن سعد وابن الضريس في فضائله وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على قوم يتراجعون في القرآن وهو مغضب فقال: «بهذا صلت الأمم قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضرب الكتاب بعضه ببعض» .

قال: «وإن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً، ولكن نزل أن يصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعلموا به، وما تشابه عليكم فآمنوا به» .

وأخرج أحمد من وجه آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً يتدارأون فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فَكِلُوه إلى عالِمِهِ» .

وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه وأبو نصر السجزي في الابانة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف.

زاجر وآمر، وحلال وحرام، ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نُهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله واعلموا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا ﴿ آمنا به كل من عند ربنا ﴾ » وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود.

موقوفاً.

وأخرج الطبراني عن عمر بن أبي سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود «إن الكتب كان تنزل من السماء، من باب واحد، وأن القرآن نزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف، حلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وضرب أمثال، وآمر وزاجر، فأحل حلاله، وحرم حرامه، واعمل بمحكمه، وقف عند متشابهه، واعتبر أمثاله، فإن كلا من عند الله ﴿ وما يذّكَّر إلا أولوا الألباب ﴾ » .

وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد بسند واهٍ عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: «أيها الناس قد بين الله لكم في محكم كتابه ما أحل لكم وما حرم عليكم.

فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وآمنوا بمتشابهه، واعلموا بمحكمه، واعتبروا بأمثاله» .

وأخرج ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود قال: أنزل القرآن على خمسة أوجه: حرام، وحلال، ومحكم، ومتشابه، وأمثال.

فأحل الحلال، وحرم الحرام، وآمن بالمتشابه، واعمل بالمحكم، واعتبر بالأمثال.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن ابن مسعود قال: إن القرآن أنزل على نبيكم صلى الله عليه وسلم من سبعة أبواب على سبعة أحرف، وأن الكتاب قبلكم كان ينزل من باب واحد على حرف واحد.

وأخرج ابن جرير ونصر المقدسي في الحجة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نزل القرآن على سبعة أحرف.

المراء في القرآن كفر.

ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عَالِمِهِ» .

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعربوا القرآن واتبعوا غرائبه، وغرائبه فرائضه وحدوده.

فإن القرآن نزل على خمسة أوجه: حلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال.

فاعملوا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن القرآن ذو شجون، وفنون، وظهور، وبطون.

لا تنقضي عجائبه، ولا تبلغ غايته.

فمن أوغل فيه برفق نجا، ومن أوغل فيه بعنف غوى.

أخبار وأمثال وحرام وحلال، وناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وظهر وبطن.

فظهره التلاوة، وبطنه التأويل.

فجالسوا به العلماء، وجانبوا به السفهاء، وإياكم وزلة العالم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع أن النصارى قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألست تزعم أن عيسى كلمة الله، وروح منه؟

قال: بلى.

قالوا: فحسبنا...

فأنزل الله: ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في كتاب الأضداد والحاكم وصححه عن طاوس قال: كان ابن عباس يقرؤها ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به ﴾ وأخرج أبو داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءة عبد الله ﴿ وان حقيقة تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبن أبي مليكة قال: قرأت على عائشة هؤلاء الآيات فقالت: كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمحكمه ومتشابهه ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ ولم يعلموا تأويله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي الشعثاء وأبي نهيك قالا: إنكم تصلون هذه الآية وهي مقطوعة ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ﴾ فانتهى عملهم إلى قولهم الذي قالوا.

وأخرج ابن جرير عن عروة قال: ﴿ الراسخون في العلم ﴾ لا يعلمون تأويله، ولكنهم يقولون ﴿ آمنا به كل من عند ربنا ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عمر بن عبد العزيز قال: انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا ﴿ آمنا به كل من عند ربنا ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي قال: كتاب الله ما استبان منه فاعمل به، وما اشتبه عليك فآمن به وَكِلْهُ إلى عالمه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: إن للقرآن مناراً كمنار الطريق، فما عرفتم فتمسكوا به، وما اشتبه عليكم فذروه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ قال: القرآن منار كمنار الطريق ولا يخفى على أحد، فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه أحداً، وما شككتم فيه فكلوه إلى عالمه.

وأخرج ابن أبي جرير من طريق أشهب عن مالك في قوله: ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ قال: ثم ابتدأ فقال: ﴿ والراسخون في العلم يقولون آمنا به ﴾ وليس يعلمون تأويله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أنس وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ﴿ الراسخين في العلم ﴾ فقال: «من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عف بطنه وفرجه.

فذلك من الراسخين في العلم» .

وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن يزيد الأودي.

سمعت أنس بن مالك يقول سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ﴿ الراسخون في العلم ﴾ ؟

قال: «من صدق حديثه، وبر في يمينه، وعف بطنه وفرجه.

فذلك ﴿ الراسخون في العلم ﴾ » .

وأخرج ابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: تفسير القرآن على أربعة وجوه: تفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعذر الناس بجهالته من حلال أو حرام، وتفسير تعرفه العرب بلغتها، وتفسير لا يعلم تأويله إلا الله.

من ادعى علمه فهو كاذب.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أُنْزِلَ القرآن على سبعة أحرف: حلال وحرام لا يعذر أحد بالجهالة به، وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله.

ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: أنا ممن يعلم تأويله.

وأخرج ابن جرير عن الربيع «والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ يقولون آمنا به ﴾ نؤمن بالمحكم وندين به، ونؤمن بالمتشابه ولا ندين به.

وهو من عند الله كله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ كل من عند ربنا ﴾ يعني ما نسخ منه وما لم ينسخ.

وأخرج الدارمي في مسنده ونصر المقدسي في الحجة عن سليمان بن يسار، أن رجلاً يقال له صيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر وقد أَعَدَّ له عراجين النخل فقال: من أنت؟

فقال: أنا عبدالله صبيغ فقال: وأنا عبدالله عمر.

فأخذ عمر عرجوناً من تلك العراجين، فضربه حتى دمى رأسه فقال: يا أمير المؤمنين حسبك...

قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي.

وأخرج الدارمي عن نافع، إن صبيغاً العراقي جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين حتى قدم مصر، فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، فلما أتاه أرسل عمر إلى رطائب من جريد، فضربه بها حتى ترك ظهره دبرة، ثم تركه حتى برئ، ثم عاد له، ثم تركه حتى برئ، فدعا به ليعود له فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلي فاقتلني جميلاً، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برأت.

فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين.

وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن أنس.

أن عمر بن الخطاب جلد صبيغاً الكوفي في مسألة عن حرف من القرآن حتى اطردت الدماء في ظهره.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف ونصر المقدسي في الحجة وابن عساكر عن السائب بن يزيد، أن رجلاً قال لعمر: إني مررت برجل يسأل عن تفسير مشكل القرآن.

فقال عمر: اللهم أمكني منه.

فدخل الرجل يوماً على عمر فسأله، فقام عمر، فحسر عن ذراعيه، وجعل يجلده ثم قال: ألبسوه تباناً واحملوه على قتب، وابلغوا به حيه، ثم ليقم خطيب فليقل أن صبيغاً طلب العلم فاخطأه، فلم يزل وضيعاً في قومه بعد أن كان سيداً فيهم.

وأخرج نصر المقدسي في الحجة وابن عساكر عن أبي عثمان النهدي، إن عمر كتب إلى أهل البصرة، أن لا يجالسوا صبيغاً، قال: فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا.

وأخرج ابن عساكر عن محمد بن سيرين قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالس صبيغاً، وأن يحرم عطاءه ورزقه.

وأخرج نصر في الحجة وابن عساكر عن زرعة قال: رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة كأنه بعير أجرب، يجيء إلى الحلقة ويجلس وهم لا يعرفونه، فتناديهم الحلقة الأخرى: عزمة أمير المؤمنين عمرن فيقومون ويدعونه.

وأخرج نصر في الحجة عن أبي إسحق، أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري.

أما بعد...

فإن الأصبغ تكلف ما يخفى وضيع ما ولي، فإذا جاءك كتابي هذا فلا تبايعوه، وإن مرض فلا تعودوه، وإن مات فلا تشهدوه.

وأخرج الهروي في ذم الكلام عن الإِمام الشافعي رضي الله عنه قال: حكمي في أهل الكلام حكم عمر في صبيغ، أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإِبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم؛ هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على علم الكلام.

وأخرج الدارمي عن عمر بن الخطاب قال: إنه سيأتيكم ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله.

وأخرج نصر المقدسي في الحجة عن ابن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القرآن.

هذا ينزع بآية، وهذا ينزع بآية.

فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان فقال: «ألهذا خلقتم، أو لهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، انظروا ما أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه فانتهوا» .

وأخرج أبو داود والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجدال في القرآن كفر» .

وأخرج نصر المقدسي في الحجة عن ابن عمرو رضي الله عنهما قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وراء حجرته قوم يتجادلون في القرآن.

فخرج محمرة وجنتاه كأنما تقطران دماً فقال: يا قوم لا تجادلوا بالقرآن، فإنما ضَلَّ من كان قبلكم بجدالهم، إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً ولكن نزل ليصدق بعضه بعضاً، فما كان من محكمه فاعملوا به، وما كان من متشابهه فآمنوا به» .

وأخرج نصر في الحجة عن أبي هريرة قال: كنا عند عمر بن الخطاب إذ جاءه رجل يسأله عن القرآن أمخلوق هو أو غير مخلوق؟

فقام عمر فأخذ بمجامع ثوبه حتى قاده إلى علي بن أبي طالب فقال: يا أبا الحسن أما تسمع ما يقول هذا؟

قال: وما يقول؟!

قال: جاءني يسألني عن القرآن أمخلوق هو أو غير مخلوق.

فقال علي: هذه كلمة وسيكون لها ثمرة، لو وَليتُ من الأمر ما وَلِيتَ ضربت عُنقَه.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ...

﴾ الآية قال: طلب القوم التأويل فأخطأوا التأويل وأصابوا الفتنة واتبعوا ما تشابه منه فهلكوا بين ذلك.

وأخرج ابن الأنباري في كتاب الأضداد عن مجاهد قال: الراسخون في العلم يعلمون تأويله، ويقولون آمنا به.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ ﴾ إلى قوله: ﴿ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ اختلف المفسرون في المُحْكَمِ والمُتَشابِه.

واختلفت (فيهما) (١) (٢) (٣) وقال في رواية عطاء: المُحْكَمَات: (هي) (٤) (٥) (٦) ﴿ قُلْ تَعَالَوْا  ﴾ ، إلى آخر الآيات الثلاث (٧) ﴿ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ يريد: (التي) (٨) (٩) وهذا القول، اختيار الفرّاء (١٠) وقال في رواية الوالبي [[يريد المؤلف بـ (الوالبي) والله أعلم: علي بن أبي طلحة، الراوي عن ابن عباس، وهكذا سماه الثعلبي شيخ المؤلف في مقدمة تفسيره "الكشف والبيان" 1/ 5 أ، وساق سنده إليه، فقال: (..

أن معاوية بن صالح حدثه عن علي بن طلحة [هكذا في المخطوط، والصواب: ابن أبي طلحة] الوالبي، عن ابن عباس)، وهو نفس السند الذي روى به ابن أبي طلحة التفسير عن ابن عباس، وهو نفس السند الذي جاءت به هذه الرواية عنه في هذا الموضع في "تفسير الطبري" "تفسير ابن أبي حاتم".

ولم أقف في المصادر التي رجعت إليها، على مَنْ سَمَّاه بـ (الوالبي) سوى الثعلبي والواحدي، والزركشي في "البرهان" 2/ 158.

وهو: علي بن أبي طلحة "سالم" بن المخارق الهاشمي، أبو الحسن.

أرسل عن ابن عباس ولم يره، عالم بالتفسير، رواه عن ابن عباس مرسلًا، والواسطة بينهما مجاهد، أو سعيد بن جبير.

وتُعَدُّ هذه الطريقة إلى ابن عباس في التفسير من أقوى== الطرق إليه.

واعتمد عليها البخاريُّ في صحيحه قال الإمام أحمد: (بمصر صحيفة تفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا، ما كان كثيرًا) مات سنة (143هـ).

انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 191، و"المراسيل" 140، و"تاريخ بغداد" 11/ 428، و"ميزان الاعتدال" 3/ 143، و"تهذيب التهذيب" 7/ 339، و"الإتقان" 2/ 414 - 415.]]: محكمات القرآن: ما فيه من الحلال والحرام، والحُدُود والفرائض، مِمّا يُعمل به.

والمتشابهات: مُقَدَّمُه ومُؤَخَّرُه، وأمثالُهُ وأقسامه، وما يُؤمَنُ به (ولا يُعمل به) (١١) وقال ابن كَيْسَان (١٢) (١٣) (١٤) ﴿ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ﴾ : أي: أُحكِمت في الإبانة، فإذا سمعها السامعُ لَمْ يَحْتَجْ إلى تأويلها؛ لأنها ظاهرة بَيِّنةٌ؛ نحو: ما قَصّ اللهُ تعالى مِنْ أقاصيص الأنبياء، مِمّا اعترف به أهلُ الكِتَاب، وما أخبر اللهُ جلّ وعزَّ به مِنْ إنشاءِ الخَلْقِ، في قوله: ﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً  ﴾ الآية.

ومِنْ خَلْقِهِ مِنَ الماءِ (كلَّ) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقد نَبَّهَ اللهُ تعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا  ﴾ .

وقال محمد بن جعفر بن الزبير (٢٠) (٢١) (٢٢) [و] (٢٣) (٢٤) والعرب تقول (٢٥) (٢٦) (٢٧) قال الأصمعي (٢٨) أَحْكَمَ الجِنْثِيَّ مِنْ عَوْراتِها ...

كُلُّ حِرْباءٍ إذا أُكْرِهَ صَلْ (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) ومِنْهُ حديثُ النَّخَعِيِّ: (حَكّمْ اليتيمَ كما تُحَكِّم وَلَدكَ) (٣٥) (٣٦) وقال جرير: ..

أَحْكِمُوا (٣٧) (٣٨) يقول: امنعوهم (٣٩) قال أبو بكر (٤٠) وقال بعضهم (٤١) ويُسْأَلُ (فيقال) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) وأصل التشابه (٤٩) (٥٠) ﴿ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا  ﴾ ؛ أي: مُتَّفِقَ المَنَاظِرِ، [و] (٥١) (٥٢) ثم يقال لكل ما غَمُضَ ودَقّ: (مُتشابهٌ)، وإنْ لم تقع الحَيْرَةُ فيه، مِنْ جِهَةِ (الشَّبَهِ) (٥٣) (٥٤) (٥٥) واعلَمْ (٥٦) (٥٧) (٥٨) ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ  ﴾ .

ومُتَشابِهٌ مِنْ وَجْهٍ؛ وهو أن يشبه بعضه بعضًا في الحُسْنِ، ويُصدّق بَعْضُه بعضًا (٥٩) ﴿ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ﴾ (٦٠) وقوله تعالى: ﴿ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ .

أي: أصل الكتاب الذي يُعْمَل عليه (٦١) ﴿ هُنَّ ﴾ ؛ لأن (٦٢) وقال أبو العباس (٦٣) وقال الأخفش (٦٤) ﴿ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ بالحكاية؛ على تقدير الجواب؛ كأنه قيل (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) قال أبو بكر (٦٩) (٧٠) ﴿ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً  ﴾ ؛ أي: كلُّ واحدٍ منهما آية (٧١) قال العلماءُ، وأصحابُ المعاني: معنى قوله: ﴿ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ أي: أصلُ الكتاب الذي يُسْتَدَلُّ به على المتشابه وغيره مِنْ أمور الدين.

فإذا وردت الآية المتشابهة رُدَّت إلى المحْكَمَةِ، فكانت المُحْكَمَةُ (٧٢) فـ ﴿ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ معناه: أصل الكتاب الذي ترجع إليه التأويلات، وتضم جميع المعاني، لأن الأم يرجع إليها بنوها فتضمهم.

مثال ما ذكرنا: قوله تعالى: ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ  ﴾ .

هذه آيةٌ (٧٣) (٧٤) (٧٥) وأما الآية المتشابهة: فقوله عزَّ ذِكْرُه: ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ  ﴾ ؛ يقع هذا متنافيًا عند الجاهل؛ إذْ كان قالَ في ذلك الموضع: ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ  ﴾ ، وَجَعَلَ في (٧٦) (٧٧) ووجدنا العربَ تجعل (الخَلْقَ) على مَعْنيَيْن: أحدهما: (الإنشاء)، والآخر: (التقدير).

(٧٨) (٧٩) ﴿ وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا  ﴾ ، أي: ويُقَدِّرُون (٨٠) ومن هذا القَبِيل أيضًا، قولُه: ﴿ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى  ﴾ ؛ هذه مُحْكَمَةٌ لا تَحْتَمِل التأويلات.

ثم قال: ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ  ﴾ ؛ فَأَثْبَتَ في المُتَشَابِهِ (٨١) (٨٢) فقلنا في قوله عز وجل: ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ  ﴾ : تركوا (٨٣) (٨٤) ومن هذا: قولُ اللهِ عز وجل: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ (٨٥) ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ وهذا من المُحْكم، الذي هو أصلٌ يُردُّ إليه المتشابهُ، فقلنا: إنَّ استواءَهُ بمعنى: الاستيلاء (٨٦) وقوله تعالى: ﴿ وَأُخَرُ ﴾ زعم (٨٧) (٨٨) (٨٩) ﴿ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ (٩٠) قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ .

الزَّيْغُ: المَيْلُ.

يعني: مَيْلًا عن الحقِّ؛ (زاغ، يَزِيغ، زَيْغًا، وزَيْغُوغَةً، وزَيَغانًا، وزيوغًا (٩١) قال الفراء (٩٢) (٩٣) (٩٤) وكان ينبغي أن يكونَ -في القياس-: (كَوْنُونَة) بالواو [[ويرى الخليل بن أحمد أن (كيْنُونة): (فَيْعُولة)، هي في الأصل: (كَيْوَنُونَه)؛ التقت منها ياءٌ وواوٌ، والأولى منهما ساكنة، فَصُيِّرَتا ياءً مشدَّدَةً [أي: كيَّنُونة]، مثلما قالوا: (الهيِّن) من (هُنْت)، ثم خففوها فقالوا: (كيْنُونة)؛ كما قالوا: (هَيْنٌ، لَيْنٌ).

قال الفراء: وقد ذهب مذهبًا، إلا أن القول عندي هو الأول).

"تهذيب اللغة" 4/ 3084 (كان).]]، ولكنها لَمَّا قَلَّت في مصادر الواو، وكثرت في مصادر الياء، ألحقوها بالذي هو أكثر مجيئًا منهما؛ إذ كانت الواوُ والياءُ مُتَقارِبَتَينِ في المَخْرَج.

ومثل هذا: أنهم يقولون في ذوات الياء: (سَعَيْتُ به سِعَايةً)، و (رَمَيْتُهُمْ رِمَايَةً)، و (دَرَيْتُ بِهِ (٩٥) (٩٦) واختلفوا في هؤلاء الذي عُنُوا بقوله: ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ : فقال الربِيع (٩٧) (٩٨)  ، في المَسِيح، فقالوا: أليسَ (٩٩) ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ ، الآية.

ثمّ أنزل: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ ﴾ الآية.

وقال الكَلْبِيُّ (١٠٠) (١٠١) (١٠٢) (١٠٣) (١٠٤) وقيل: هم جميع المُبْتَدِعَةِ، وكلُّ من احتَجَّ لِباطِلِهِ بالمتشابه (١٠٥) (١٠٦) وقولُ الزَّجَّاج في هذه الآية، يَدُلُّ على أنّ هؤلاء، هم الكفار الذين يُنْكِرُون البَعْثَ، لأنه قال (١٠٧) وقوله تعالى: ﴿ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ﴾ .

قال عطاءٌ، عن ابن عباس (١٠٨) (١٠٩) (١١٠) (١١١) وقال مجاهد (١١٢) (١١٣) وقال أبو إسحاق (١١٤) (١١٥) (١١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ .

التأويل: التفسير.

وأصلُهُ في اللغة: المرجِعُ والمَصِيرُ؛ مِنْ قولهم: (آل الأمْرُ إلى كذا): إذا (١١٧) (١١٨) قال الأعشى: على أَنَّها كانتْ تَأوُّلُ حُبِّها ...

تأؤُّلَ رِبْعيِّ السِّقابِ فَأَصْحَبَا (١١٩) (١٢٠) هذا معنى (التأويل) في اللغة (١٢١) ثم تُسَمَّى (العاقبةُ): (تأويلا)؛ لأنَّ الأمرَ يصيرُ إليها.

و (التفسير) يُسمَّى: (تأويلًا)، وهو قوله: ﴿ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا  ﴾ ؛ أي: بِعِلْمِهِ وتفسيره؛ لأن التَّأويل: إخبارٌ عَمَّا يَرْجِعُ إليه اللفظُ مِنَ المعنى.

وذكرنا معنى التَّأوِيل [بأبلغ] (١٢٢) ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا  ﴾ (١٢٣) قال ابن عباس في رواية عطاء (١٢٤) ﴿ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ أي: طَلَبِ مُدَّةِ أُكْلِ مُحَمَّد  .

وفي قول الزجاج (١٢٥) (١٢٦) ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ﴾ يريد: ما يَعلَمُ انقضاءَ مُلْكِ أُمَّة (١٢٧)  إلّا الله؛ لأن انقضاءَ مُلك هذه الأُمَّةِ مع قيام الساعَةِ، ولا (١٢٨) (١٢٩) ﴿ إِلَّا اللَّهُ ﴾ ، وكذلك على قول الزجاج؛ لأن وقت البعثِ لا يَعلَمُهُ إلا الله.

ثم ابتدأ، فقال: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} أي: الثابتون فيه.

والرُّسُوخُ في اللغة (١٣٠) (١٣١) (١٣٢) ﴿ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ  ﴾ .

قال ابن عباس (١٣٣) (١٣٤) (١٣٥) ﴿ آمَنَّا بِهِ ﴾ ، سَمَّاهُم اللهُ (راسخينَ في العِلْم).

فَرُسُوخُهم (١٣٦) ﴿ آمَنَّا بِهِ ﴾ أي: بالمُتَشَابِهِ.

﴿ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾ المُحْكَم والمُتشابه؛ الناسخُ والمنسوخ؛ وما عَلِمْناه وما لَمْ نعْلَمْه.

وقال الزجاج (١٣٧) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ .

قال عطاء (١٣٨) ﴿ آمَنَّا بِهِ ﴾ ، معناه: ما يَتَّعِظُ [بما] (١٣٩) وقال الزَّجَّاج (١٤٠)  ، إلّا أوْلُوا الألباب.

والأظهر في تفسير هذه الآية: قولُ عطاء: إنَّ هذا في اليهود، حين طلبوا تفسيرَ الحروف المُقَطَّعَة، والقولُ الذي حكاه الزجَّاج: إن هذه في منكري البعث.

ويقال: هل يجوز أن يكون في القرآن شيءٌ، لا يعلمه إلا الله؟

فيقال: اختلف الصحابة والناسُ في هذا: فذهب الأكثرون: إلى أنَّ تَمَامَ الوَقْفِ على قوله: ﴿ إِلَّا اللَّهُ ﴾ ، وأن جميع المتشابه لا يعلمه إلا الله؛ مثل: وقت قيام الساعة، وطلوع الشمس من المغرب، ونزول عيسى، وخروج الدجَّال.

وقال قومٌ: في القرآن أشياء لا يَعْرِف حقيقَتَها إلا الله؛ كالحروف المُقَطَّعة، وقوله: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  ﴾ ، وقوله: ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ  ﴾ ، وقوله: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ ، وأشباه هذا.

والله تعالى مُخْتَصٌّ (١٤١) وهذا مذهب: عائشة، وابن مسعود، وابن عباس، وأُبَي، وكثير من التابعين، واختيار (١٤٢) (١٤٣) (١٤٤) (١٤٥) (١٤٦) ودليل هذا القول: قراءة عبد الله (١٤٧) (١٤٨) وفي (١٤٩) (١٥٠) (١٥١) ﴿ الرَّاسِخُونَ ﴾ عَطْفًا، لَقَال: ويقولون آمنّا به.

وفي قوله أيضًا: ﴿ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾ ، دليلٌ على أنهم لَمْ يَعْرِفوا البعضَ فآمَنُوا بظاهره، وقالوا: إنه من عند الله.

وقد رُوي عن ابن عباس، أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسيرٌ (١٥٢)  ، قال: "أنزل الله القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام، لا يُعذَر أحدٌ بالجهالة به،== وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره ومن ادَّعَى علمَهُ سوى الله، فهو كاذب".

وقال الطبري: (في إسناده نظر)؛ وذلك أنه من رواية الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وهي أوهى الأسانيد عن ابن عباس.

انظر: "تفسير الطبري" 1/ 34.

وانظر: الحُكْمَ على الكلبي، وأبي صالح، في "تهذيب التهذيب" 3/ 569، "تقريب التهذيب" ص 479 (5901)، "ميزان الاعتدال" 5/ 2 (7574)، "الاتقان" للسيوطي: 4/ 238.]].

وعلى هذا المذهب؛ إنما (١٥٣) (١٥٤) (١٥٥) (١٥٦) فإن (١٥٧) (١٥٨) (١٥٩) ﴿ آمَنَّا بِهِ ﴾ ، فَلِمَ خَصَّ (١٦٠) (١٦١) قلنا: المراد بـ (الراسخين): كلُّ مَنْ يقول: ﴿ آمَنَّا ﴾ وليس المراد بهم الذين يدأبون في التَّعَلُّمِ (١٦٢) ﴿ آمَنَّا ﴾ .

وقال مجاهد (١٦٣) (١٦٤) (١٦٥) (١٦٦) (١٦٧) ﴿ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ﴾ ، على أنه حالٌ صُرِفَت إلى المُضَارَعَةِ؛ أي (١٦٨) (١٦٩) (١٧٠) قال: ومثله من (١٧١) (١٧٢) (١٧٣) واحتج لهذه الطريقة في كتابه (المُشْكل) بما يطول ذِكْرُه (١٧٤) (١) في (ج): (فيها).

(٢) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).

وهذا الأثر عن ابن عباس من رواية عَطِية، في "تفسير الطبري" 3/ 172، "تفسير الثعلبي" 2/ 5/ ب، "الدر المنثور" للسيوطي: 3/ 8.

وسند هذا الأثر عن ابن عباس من طريق عطية قال عنه الشيخ أحمد شاكر: (إسنادٌ مُسَلْسَلٌ بالضعفاء).

انظر: "تفسير الطبري" 1/ 263 هامش (1) (ط.

شاكر)، وقد تكلم على السَّنَدِ بإسهاب.

وانظر كذلك السندَ، في "تفسير الثعلبي" 1/ 4 أ.

وقد أخرج الطبريُ أثرًا آخرَ عن ابن عباس، في نفس المعنى من رواية السُّدِّي الكبير، عن أبي مالك، وأبي صالح، عن ابن عباس.

انظر: "تفسير الطبري" 3/ 172، وانظر تعليق الشيخ أحمد شاكر على سنده، في: 1/ 156 - 160 هامش (2) (ط.

شاكر).

(٣) انظر الأثر عنهما في "تفسير القرآن" لعبد الرزاق الصنعاني (تحقيق د.

مصطفى مسلم): 1/ 115، "تفسير الطبري" 3/ 172، "تفسير الثعلبي" 3/ 5 ب، "تفسير البغوي" 1/ 17، " المحرر الوجيز" 3/ 17 - 18.

(٤) (هي): ساقطة من: (ج).

(٥) في (ب): (آيات).

(٦) في (ج): (أواخر).

(٧) لم أجد هذا الأثر عن ابن عباس من رواية عطاء فيما رجعت إليه من مصادر، وإنما الوارد عنه هو من رواية أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن قيس.

وقد أخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 288، وصححه، ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 592 كما أورده السيوطيُّ في "الدر المنثور" 2/ 6، وعزا إخراجه لسعيد بن منصور، وابن مردوية وورد من نفس الطريق بلفظ آخر: (قال: هي الثلاث الآيات، مِنْ ههنا: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا  ﴾ ، إلى ثلاث آيات، والتي في (بني إسرائيل): ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ  ﴾ إلى آخر الآيات).

أخرجه الطبريُّ في "تفسيره" 3/ 172، وابن أبي حاتم 2/ 592، والثعلبي 3/ 5/ ب، من رواية أبي إسحاق.

وأورده السيوطيُّ في "الدر المنثور" 2/ 6 وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، وابن المنذر.

وانظر: "الإتقان" له: 3/ 5.

وقال ابن عطية فى "المحرر الوجيز" 3/ 17 - 18: (وهذا عندي مِثالٌ أعطاه في المُحكَمَات).

(٨) في (ج): (الذي).

(٩) موقف اليهود من حروف أوائل السور، ورد في أثر طويل رواه محمد بن إسحاق، عن الكَلْبِيُّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله، وروايته له بصيغة التمريض؛ حيث قال: (..

فيما ذُكر لي عن عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله ..).

انظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 170 - 171.

فسنده ضعيف لِمَا فيه مِنْ مجهول.

وأخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 174، وقال عنه الشيخ أحمد شاكر: (ضعيف الإسناد).

وقد أورد شاكر أسانيد هذا الأثر وبَيَّن اضطرابَها، ثم قال: (وعندي أن هذا الاضطراب، إنما هو من ابن إسحاق، أو لَعَلَّه رواهُ بهذه الأسانيد كمَا سَمِعَه، وكلها ضعيف مضطرب).

"تفسير الطبري" 1/ 179 (ط.

شاكر).

وأورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 6 ب، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 370، وقال عنه: (مداره== على محمد بن السائب الكلبي، وهو مِمَّن لا يُحتج بما انفرد به).

وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 8، وأشار إلى ضعفه، والشوكانى في "فتح القدير" 1/ 480 وَرَدَّه هذا وقد استدل الطبري بهذه الرواية على أن هذه الحروف هي من حساب الجُمّل، مع أن الرواية التي أوردها مدارها على الكلبي، الذي ضعفه الطبري نفسُهُ، وعدّه ممن لا يجوز الاحتجاج بنقله.

وقال عنه ابن تيمية: (فهذا نقلٌ باطلٌ)، وبيَّن بطلانَه من ثلاثة وجوه، منها: أنه من رواية الكلبي.

وقال ابن كثير: (وأمّا مَنْ زَعَم أنها دالَةٌ على معرفة المُدَدِ، وأنه يُستخرجُ من ذلك أوقاتُ الحوادث والفِتَنِ والمَلاحِمِ، فقد ادّعَى ما ليس له، وطار في غير مطاره)، ثم قال: (كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحًا أن يُحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها، وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وإنْ حُسِبت مع التكرار فأطم وأعظم).

انظر: "تفسير الطبري" 3/ 175، "تفسير سورة الإخلاص" لابن تيمية: 191.

"تفسير ابن كثير" 1/ 370.

(١٠) في "معاني القرآن" له 1/ 190.

(١١) في (ج): (وما لم يُعمل به) والأثر أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 172، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 593، والبغوي في "تفسيره" 2/ 8.

وأورده السيوطى في "الدر" 2/ 9، وزاد نسبة إخراجه كذلك لابن المنذر، وأورده كذلك في: "الإتقان": 3/ 4.

(١٢) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 6 ب، وأورده بالمعنى النحاسُ في "معاني القرآن" له: 1/ 345.

وابن كسيان، أكثر من واحد، وهو هنا: عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم المعتزلي.

كان من أفصح الناس، وأورعهم، وأفقههم، وله تفسير للقرآن، وكتب كثيرة ذكرها ابن النديم.

قال ابن حجر: (هو من طبقة أبي الهذيل العلاف، وأقدم منه)، توفي سنة (200 هـ)، وقيل: (201 هـ).

وقد نَصّ الثعلبيُّ على اسمه في مقدمة تفسيره "الكشف والبيان" وجعله من مصادره، وعليه اعتمد الواحديُّ.

انظر: "الفهرست" لابن النديم: 120، "لسان الميزان" لابن حجر: 4/ 288، "طبقات المفسرين" للداودي: 1/ 274، "تفسير الثعلبي" (المقدمة) 1/ 10.

(١٣) في (ج): (ولا).

(١٤) في "معاني القرآن وإعرابه" له: 1/ 376.

نقله عنه باختصار وتصرف يسير.

(١٥) في (ج): (كل كل).

(١٦) (حي): ساقطة من: (د).

(١٧) في (ب): (مما).

(١٨) في (ج): (ولو أنكروا).

(١٩) (ولو نظروا وتدبروا): ساقطة من: (ج).

(٢٠) هو: محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام الأسدي المدني.

من أتباع التابعين، كان من فقهاء أهل المدينة، ثقة، مات ما بين (110 هـ و 12 هـ).

انظر: "الجرح والتعديل" 7/ 221، "تهذيب التهذيب" 3/ 530، "تقريب التهذيب" ص 471 (5782).

(٢١) هذا معنى كلام محمد بن جعفر، ذكره: الطبري في "تفسيره" 3/ 173، ولفظه عنده من رواية محمد بن إسحاق: (قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ﴾ : فيهن حُجَّةُ الرَّبِّ، وعصمةُ العباد، ودفعُ الخصوم والباطل؛ ليس لها تصريف ولا تحريف عما وُضِعت عليه.

﴿ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ : في الصدق؛ لَهُنَّ تصريفٌ وتحريف وتأويل، ابتلى اللهُ فيهن العبادَ، كما ابتلاهم في الحلال والحرام؛ لا يُصرَفْنَ إلى الباطل، ولا يُحرفن عن الحق).== وانظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 6 أ، "تفسير البغوي" 2/ 8، "تفسير القرطبي" 4/ 10، "الدر المنثور" 2/ 7.

وقال ابنُ عَطيَّة في "المحرر الوجيز" 3/ 18: (وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية).

(٢٢) ونسبه الماورديُّ، وابنُ الجوزي للشافعي رحمه الله.

انظر: "النكت والعيون" 1/ 369، "زاد المسير" 1/ 381.

(٢٣) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).

(٢٤) لم أقف على مصدر قوله.

(٢٥) من قوله: (والعرب ..) إلى نهاية بيت الشعر: (..

أحكموا سفهاءكم): نقله بتصرف واختصار عن "تهذيب اللغة" للأزهري: 1/ 886.

(٢٦) في (أ): رَدّدت.

والمثبت من: بقية النسخ، ومن "التهذيب".

(٢٧) في (ج): (الظلم).

(٢٨) قوله: في "جمهرة اللغة" لابن دريد: 1/ 143 (أبواب النوادر)، وفي "تهذيب اللغة" كما سبق.

(٢٩) البيت في "ديوان لبيد" 192.

وقد ورد منسوبًا له، في: كتاب "المعاني الكبير" لابن قتيبة: 2/ 1030، "جمهرة اللغة" لابن دريد: 1/ 143، "تهذيب اللغة" 1/ 886 (حكم)، "شرح الأبيات المشكلة الإعراب" للفارسي: 541، "الصحاح" 1/ 109 (حرب)، "مجمل اللغة" لابن فارس: 1/ 199 (جنث)، "اللسان" 1/ 306 == (حرب)، 12/ 141 (حكم).

وورد غير منسوب في "المخصص" لابن سيده: 12/ 240.

وللبيت رواية ثانية: برفع (الجِنْثِيُّ)، ونصب (كلَّ).

ومعنى (إذا أكرِهَ صَلّ): إذا أكره لِيُدْخَلَ في الحِلَقِ، سمعت له صليلًا.

وعلى الرواية الثانية، يكون معنى الإحكام في البيت: إحكام الصنعة، و (الجِنْثِي): الزَّرَّاد (الحداد)؛ أي: أحْكَمَ الزَّرَّادُ مساميرها.

انظر: "كتاب المعاني الكبير" 2/ 1030، "شرح الأبيات المشكلة" 541، "جمهرة اللغة" 3/ 1322.

(٣٠) في "القاموس" (الجُنْثي بالضم: السيف، والزَّرَّاد، وأجود الحديد، ويُكسر).

ص 166 (جنث)، وانظر: "مجمل اللغة" 1/ 199 (جنث).

(٣١) في (ب): (من).

(٣٢) في (ج): (الدروع).

(٣٣) في (ب): (وهو).

(٣٤) انظر: (حرب) في "الصحاح" 1/ 108، "اللسان" 2/ 818.

(٣٥) الأثر في "غريب الحديث" لأبي عبيد: 2/ 240، وقال: (حدثنيه ابنُ مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ..)، "تهذيب اللغة" 1/ 886، "الفائق في غريب الحديث" للزمخشري: 1/ 303، "غريب الحديث" لابن الجوزي: 1/ 231، "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير: 1/ 420.

(٣٦) وقيل: حكمه في ماله ومِلْكِهِ إذا صَلَح، كما تحَكِّم وَلدَكَ في مِلْكه.

ولم يرتض الأزهريُّ هذا المعنى، ورجح المعنى السابق.

انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 886 (حكم)، "الزاهر" لابن الأنباري: 1/ 503، "النهاية في غريب الحديث" 1/ 420، والمراجع السابقة.

(٣٧) في (ج): (حكموا).

(٣٨) البيت في: ديوانه: 47.

وتمامه: أَبنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهاءَكمْ ...

إنِّي أخافُ عليكُمُ أنْ أغْضَبَا وقد ورد منسوبًا له، في "غريب الحديث" لأبي عبيد: 2/ 421، "الكامل" للمبرد: 3/ 26، "الزاهر" 1/ 503، ومادة (حكم) في "تهذيب اللغة" 1/ 886، "الصحاح" 5/ 1902، "مجمل اللغة" 1/ 246، "أساس البلاغة" للزمخشري: 1/ 191، "اللسان" 2/ 953.

وورد غير منسوب، في "غريب الحديث" للخطابي: 2/ 462، "الفائق" للزمخشري: 1/ 303.

وقد وردت روايته في "الكامل" (أبني حنيفة نَهْنِهُو).

(٣٩) في (ج): (امنعوا السفهاء).

(٤٠) هو ابن الأنباري، ولم أقف على مصدر قوله.

(٤١) من قوله: (وقال ..) إلى (..

وعلم الروح): نقله بتصرف يسير عن "تفسير الثعلبي" 3/ 6 أ، كما أن هذا القول موجود في "تفسير الطبري" 3/ 173، مع اختلاف يسير جدًّا، إلا أن سياق المؤلف له أقرب إلى سياق الثعلبي.

(٤٢) في (د): (فيقول).

(٤٣) من قوله: (ماذا ..) إلى (..

يقع العجز والبلادة): نقله عن "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة: 86.

(٤٤) في (د)، "وتأويل المشكل": (والاختصار).

(٤٥) في "تأويل المشكل": (والتوكيد).

(٤٦) في (د): (الكفر).

واللَّقِن، هو: سريع الفهم.

انظر: "القاموس" ص 12321 (لقن).

(٤٧) في (ج): (النكر).

(٤٨) انظر الحكمة في ورود المحكم والمتشابه في القرآن، في "الكشاف" 1/ 412، "تفسير الفخر الرازي" 7/ 185 - 186، "البرهان في علوم القرآن" للزركشي: 2/ 75، "الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة" للرجراجي: 161، "أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات" للكرمي: 50، "نور من القرآن" لعبد الوهاب خلاف: 67، "علوم القرآن" د.

عدنان زرزور: 177، "الناسخ والمنسوخ بين الإثبات والنفي" لعبد المتعال الجبري: 135.

(٤٩) من قوله: (وأصل التشابه ..) إلى (..

وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة، مشكل): نقله بتصرف واختصار يسيرين عن "تأويل مشكل القرآن" 101 - 102.

(٥٠) (الظاهر): ساقطة من: (ج).

(٥١) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).

(٥٢) ممن قال هذا: ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والحسن، والربيع، وغيرهم.== انظر: "تفسير الطبري" 1/ 173، "تفسير القرطبي" 1/ 206،"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: 26، "تفسير المشكل" لمكي: 25، "تذكرة الأريب في تفسير الغريب" لابن الجوزي: 1/ 53، "عمدة الحفاظ" للسمين الحلبي: 259.

(٥٣) في (ج): (الشيء).

(٥٤) في (ج): (ولبس).

(٥٥) قوله: (الشك ..) إلى (ومثل المتشابه): ساقط من: (ج).

(٥٦) من قوله: (واعلم ..) إلى (..

ويصدق بعضه بعضا) نقله عن "تفسير الثعلبي" 3/ 6ب.

(٥٧) (حق): ساقطة من: (ج).

(٥٨) تدور معاني الإحكام العام هنا على المعنى اللغوي للكلمة، أي: بمعنى الاتقان، والتدعيم، ومنع تطرق الخلل إلى ألفاظه وأساليبه ومعانيه؛ فهو محكم الألفاظ، لا يعتريها خلل ولا خطأ؛ ومحكم الأساليب، لا يعتورها رِكَّةٌ ولا تعقيد؛ ومحكم المعاني، فكلها حق ورسوخ، وثبات.

(٥٩) قوله: (في الحسن ويصدق بعضه بعضًا): ساقط من: (ج).

(٦٠) قال ابن العربي: (وأما كونه متشابها) فبمعنى واحد، وهو ما وصفناه من الأحكام الذي يجري في جميع سوره وآياته).

"قانون التأويل" له: 665.

ويقول: "والمعنى الذي صار به القرآن كله محكما، بذلك المعنى، صار كله متشابهًا).

المرجع السابق: 665.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالتشابه هنا: تماثل الكلام، وتناسبه؛ بحيث يصدق بعضه بعضًا.

فالإحكام العام في معنى التشابه العام، بخلاف الإحكام الخاص والتشابه الخاص؛ فإنهما متنافيان).

ذكره ابن الوزير في "إيثار الحق على الخلق" 92.

وانظر في هذا المعنى: "الرسالة التدميرية" لابن تيمية: 65، "القائد إلى تصحيح العقائد"، لعبد الرحمن المعلمي: 161، "ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان" لابن الوزير: 124، "أقاويل الثقات"، للكرمي: 48.

(٦١) والعرب تطلق (الأم) على كلِّ ما جُعِلَ مُقَدَّما لأمْرٍ، وله توابعُ تَتْبَعُه، وكلِّ جامعٍ لأمْرٍ؛ ومِنْ ذلك: رايَةُ الجيش، والجِلْدَة التي تجمع الدِّمَاغ، وتسمى: (أم الرأس)، ومكة المكرمة، وتسمى: (أم القرى)؛ لِتقدمها أمام جميعها، أو لأن الأرض دُحِيت منها، فصارت لجميعها أمَّا ..

وهكذا.

انظر: "تفسير الطبري" 3/ 170، "الصحاح" 5/ 1864 - 1865 (أمم)، "تفسير الثعلبي" 3/ 5 أ.

(٦٢) من قوله: (لأن ..) إلى (..

وكلام الله واحد): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" 3/ 5 ب.

وانظر: "تفسير الطبري" 3/ 170.

(٦٣) لم أقف على مصدر قوله.

(٦٤) في "معاني القرآن" له: 1/ 193.

نقله عنه بالمعنى.

(٦٥) في (ج): (قيل له).

(٦٦) العبارة في "معاني القرآن" للأخفش: (..

كما يقول الرجل: ما لي نصير.

فيقول: نحن نصيرك).

(٦٧) في (ج)، (د): (وعلى هذا قولهم).

(٦٨) في (ب): تمراتان.

(٦٩) لم أقف على مصدر قوله.

وقد أورده السمين الحلبي في "الدر المصون" 3/ 26.

(٧٠) هو قول ابن كيسان.

انظر: "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 348.

(٧١) فعيسى  وأمَّه، مشتركان جميعا في الأمر العجيب الخارق للعادة، فهي قد جاءت به مِنْ غير زوج، وهو مِنْ غير أبٍ.

فلم تكن الآيةُ لها إلّا بِهِ، ولا لَهُ إلّا بها.

انظر: "تفسير الطبري" 3/ 171، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 348، "تفسير الفخر الرازي" 23/ 103.

(٧٢) (فكانت المحكمة): ساقطة من: (د).

(٧٣) في (ب): (الآية).

(٧٤) في (د): (غير ظاهر).

(٧٥) في (د): (الصورة).

(٧٦) (في) ساقطة من: (ج).

(٧٧) في (ج): (ليحكم)، وفي (د): (لنحكم).

(٧٨) انظر: "الأضداد" للأصمعي (ضمن ثلاثة كتب في الأضداد): 55، "تأويل مشكل القرآن " 507، "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج: 35، "الزاهر" 1/ 84، "تهذيب اللغة"1/ 1093، "قاموس القرآن" للدامغاني: 163، 164، "مفردات ألفاظ القرآن".

للراغب: 296 (خلق)، "نزهة الأعين النواظر" لابن الجوزي: 283، "اللسان" 2/ 1243 (خلق).

(٧٩) (الذي معناه): ساقط من: (ج).

(٨٠) في (د): (وتعبدون).

وفي "تهذيب اللغة" 1/ 1093: (وتقدرون).

وانظر: "تفسير الطبري"20/ 137، "تهذيب اللغة" 1/ 1093 (خلق)، "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج: 36، "تفسير القرطبي" 13/ 335، "لسان العرب" 2/ 1243 (خلق)، "تفسير أبي السعود" 7/ 34، "الدر المنثور" 6/ 457، "فتح القدير" 4/ 197.

وقد سبق أن ذكر المؤلف عند تفسير آية: 21 من سورة البقرة: أن الخلق المنسوب لغير الله، إنما هو قياس وتشبيه وافتراء ومحاكاة وتقدير، على قدر قدره غيره، فخلق الله ذاتي، وخلق غيره على سبيل الاستعارة والتقدير.

(٨١) في (د): (المتشابهة).

(٨٢) يعني أن النسيان، إما ترك الشيء عن غفلة وسهو وعدم ذكر، أو ترك الشيء مع التعمد.

انظر: "الأضداد" لابن الأنباري: 399، "الأضداد" لأبي حاتم السجستاني (ضمن ثلاثة كتب في "الأضداد" 156، "قاموس القرآن" للدامغاني: 454، "نزهة الأعين النواظر" 579، "الوجوه والنظائر في القرآن" د.

سليمان القرعاوي: 614، "المصباح المنير" 231 (نسو).

(٨٣) في (ج): (ترك).

(٨٤) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: 198، "تفسير الطبري" 10/ 175، "الأضداد" لابن الأنباري: 399، وتذكرة الأريب "في تفسير الغريب" لابن الجوزي: 1/ 220.

(٨٥) سورة الأعراف: 54، ويونس: 3، والرعد: 2، والفرقان: 59، والسجدة: 4، والحديد: 4.

(٨٦) لقد أبعد المؤلف -رحمه الله- النجعةَ، في حمل الاستواء على الاستيلاء، وجانبه الصواب في ذلك؛ حيث لم يرد عن العرب أنَّ مِنْ معاني (الاستواء): الاستيلاء.

وإنما الوارد عنهم في معاني الاستواء، التالي: الاستقرار، والقَصْدُ، والعُلُوّ، والإقبالُ على الشيء وإليه، والصُّعود.

وقد ذَكَرَ ابنُ القيِّم أن للسلف أربع تفسيرات للاستواء، وهي: الاستقرار، والعلو، والارتفاع، والصعود، وهو ما يتناسب مع المعنى اللغوي.

انظر: "توضيح المقاصد" في "شرح قصيدة الإمام ابن القيم" لأحمد بن عيسى: 1/ 440.

أما (الاستيلاء) فقد أورده الجوهري في "الصحاح" مستدلًا بقول الشاعر: قد استوى بِشْرٌ على العراق ...

من غير سيفٍ ودَمٍ مِهْراقِ وقد نسب الزبيديُ في "تاج العروس" البيتَ للأخطل.

وتبع الجوهريَّ في ذكر هذا المعنى، صاحبُ "لسان العرب" وصاحبُ "القاموس المحيط".

أما بيت الشعر السابق، فقد قال عنه ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" 5/ 146: (ولم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه، وقالوا: إنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة ..).

وقد رَدَّ ابن الأعرابي وهو من أئمة اللغة على مَنْ فَسَّر الاستواء بـ (الاستيلاء) هنا، بقوله: (..

لا يقال: استولى على الشيء، إلا أن يكون له مضادّ، فإذا غلب أحدُهما، قيل: استولى ..).

"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" لللالكائي: 3/ 442.

والله تعالى لا منازع له في مُلْكه.

ورَدَّه كذلك الخليل بن أحمد.

ذكَرَ ذلك الكرميُّ == في "أقاويل الثقات" 124.

فمعنى لفظ (الاستواء) من ناحية اللغة معروفٌ، وليس متشابها، ولا حرج في تفسيره بالألفاظ التي جاءت في اللغة، وليس في ذلك إيهام بالكيف، أو التجسيم ومشابهة الخلق؛ لأننا عندما نفسر هذه الصفة، إنما نذكر المعنى اللغوي، ونُجري هذه المعاني بما يليق بجلال الله تعالى وعظمته، ونقطع الطمع عن إدراك الكيفية، وذلك لعجز وقصور عقولنا عن إدراك ذلك.

ومنهج السلف الصالح إزاء صفة الاستواء، وغيرها من صفات الباري تعالى: أن تمر كما جاءت، من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف، ولا تعطيل؛ فيثبتون له الأسماء والصفات، وينفون عنه مشابهة المخلوقات، إثباتًا منزهًا عن التشبيه، منزهًا عن التعطيل، فمن نفى حقيقة الاستواء فهو مُعطّل، ومَنْ شبهه باستواء المخلوق على المخلوق، فهو مُمَثِّل.

وقد قال الإمام مالك بن أنس، لَمَّا سُئل عن كيفية الاستواء، فقال: (الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)، وقد وَرَدَ مثلُ ذلك عن أم سلمة  ا، وربيعة الرأي.

انظر: "شرح أصول الاعتقاد" 3/ 440 - 443.

وانظر مادة (سوا) في "تهذيب اللغة" 2/ 1794، "الصحاح" 6/ 2385 - 2386، "اللسان" 4/ 2160، "القاموس المحيط" 1297، "قاموس القرآن" للدامغاني: 255، "تاج العروس" للزبيدي: 1/ 179.

وانظر حول موضوع صفة الاستواء: "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة: 394، "الرد على الجهمية" للدارمي: ص 40، "الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد" للبيهقي: ص 116، "الأسماء والصفات" للبيهقي: 2/ 303، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 5/ 146، 365 ،404، 519 - 520 "العقائد السلفية" لأحمد بن حجر: 1/ 124 - 125، 164 - 167، "رسائل في العقيدة" لمحمد بن عثيمين: 70.

(٨٧) من قوله: (زعم ..) إلى (..

إلا صفة منعت الصرف): نقله عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 377.

وانظر: "كتاب سيبويه" 3/ 224، 283.

(٨٨) في "معاني القرآن" (أن تكون صفة بالألف واللام).

(٨٩) في (د): (وهي لا تكون).

(٩٠) يريد المؤلف (والله أعلم) أن (أخَر) مُنِعت مِنَ الصَّرْفِ؛ لأنها جاءت صفة بغير الألف واللام، ولم تلحقها (مِنْ) كأفعل التفضيل (أفعل منك)؛ حيث إن (أُخَر) جمعٌ، ومفرده (أُخْرَى).

و (أخْرَى) مؤنث لِلَفْظٍ مُذَكَّرٍ، هو: (آخِر)؛ الذي أصله (أأخَر) بفتح الهمزة الأولى، وتسكين الثانية، على وزن (أفْعَل) الدال على التفضيل.

وهو مُجَرَّدٌ من (أل) والإضافة.

وحقُّه أنْ يكون مفردًا مذكرًا في جميع استعمالاته.

ولكنْ عَدَلَ العربُ عنه إلى لفظ (أُخَر) بصيغة الجمع، ومنعوه من الصرف؛ للوصفية والعَدْل.

انظر آراء النحويين حول منع (أخر) من الصرف، في "المقتضب" للمبرد: 3/ 246، 376، "إعراب القرآن" للنحاس: 1/ 235، "البيان في غريب إعراب القرآن" للأنباري:1/ 143، "شرح المفصل" لابن يعيش: 6/ 99، "التبيان في إعراب القرآن" للعكبري: 1/ 116، "شذور الذهب" لابن هشام (بشرح محمد محي الدين عبد الحميد): ص 537، "همع الهوامع" للسيوطي: 1/ 80، "النحو الوافي" لعباس حسن: 3/ 408، 4/ 224.

(٩١) انظر: (زيغ) في "تهذيب اللغة" 2/ 1502، "اللسان" 3/ 1890.

(٩٢) قوله في "تهذيب اللغة" 4/ 3083.

وأورده بمعناه ابن جني في "المنصف" 2/ 12.

(٩٣) مصدر (كان يكون كَوْنًا وكيْنُونة).

(٩٤) في "القاموس المحيط": (والهواع بالضم، والهيعوعة، والمِهْوع، والمهواع بكسرها: الصياح في الحرب).

ص 777 (هوع).

وجعلها في "لسان العرب" من مصادر ذوات الياء، فقال: (هاعَ، يَهاع، ويَهِيع، وهَيْعًا، وهَاعًا، وهُيُوعًا، وهَيعَة، وهَيَعانًا، وهَيْعُوعة: جَبُن وفَزع.

وقيل: استخف عند الجزع).

8/ 4721 (هيع).

والهُواع: القيءُ.

يقال: (هاع، يهوع هواعًا.

وهيعوتة): أي: قاء.

انظر: (هوع) في "الصحاح" 3/ 1309، "المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث" لأبي موسى الأصفهاني:3/ 516، "اللسان" 8/ 4721، "المعجم الوسيط" 2/ 1010.

(٩٥) في (د): (بهم).

(٩٦) انظر في هذا الموضوع: "المنصف" لابن جني: 2/ 10، "الممتع في التصريف" لابن عصفور: 2/ 502، 504، "شرح شافية ابن الحاجب" للاستراباذي: 1/ 152.

(٩٧) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 177، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 596، "تفسير البغوي" 2/ 9، "زاد المسير" 1/ 353.

(٩٨) (هم): ساقطة من: (ج).

(٩٩) في (أ)، (ب): (ليس).

والمثبت من: (ج) و (د).

(١٠٠) قول الكلبي، أخرجه الطبري 1/ 92، 93 من رواية محمد بن إسحاق، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله، وأخرجه البخاري في: تاريخه: 1/ 2/ 208، والبغوي 2/ 9، وذكره بمعناه أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 247، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 353، والسيوطي في "الدر" 2/ 78.

(١٠١) في (ج): (طالبوا).

(١٠٢) في (ج): إقامة.

(د) أجل.

وحقيقة (الأُكْل) بضم الهمزة: التنَقّص.

ومعناها هنا: الرزق، والحظ من الدنيا.

يقال للميت: (قد انقطع أكْلُه)، أي: انقضت مدته في الدنيا.

فاليهود أرادوا معرفة == مدة بقاء أمة محمد  ، وأجلها.

انظر: (أكل) في "مجمل اللغة" 1/ 100، "القاموس المحيط" ص 961.

(١٠٣) انظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 170، 171 فقد ذكره عن ابن إسحاق.

وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 595 عن مقاتل بن حيان، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 7 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر في "تفسيره" عن ابن جريج معضلا.

(١٠٤) لم أقف على رواية عطاء عن ابن عباس.

(١٠٥) روت عائشة  ا قائلة: (تلا رسول الله  ، ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ إلى ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ ، قالت: قال رسول الله  : "فإذا رأيت الذين بتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سَمَّى الله فاحذروهم".

أخرجه البخاريُّ (4547).

كتاب: التفسير.

سورة آل عمران باب: ﴿ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ﴾ ، ومسلم رقم (2665).

كتاب: العلم.

باب: النهي عن اتباع متشابه القرآن.

وفي رواية الإمام أحمد: "فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله فاحذروهم".

"المسند" 6/ 48، 256.

وأخرجه أبو داود رقم (47).

كتاب: السنة.

باب: النهي عن الجدال، والترمذي رقم (2993)، (2994).

كتاب: التفسير.

باب: ومن سورة آل عمران، وابن ماجة رقم (47).

في المقدمة، وابن حبان في "صحيحه" 1/ 274، 277 (73)، (76).

وأخرجه: عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 116، والطبري في "تفسيره" 6/ 189 - 195، والطيالسي في "المسند" 3/ 50 (1535)، والآجري في "الشريعة" 26، 27.

(١٠٦) كان قتادة إذا قرأ هذه الآية ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ ، قال: (إنْ لم يكونوا الحَرُورِيَّة والسَّبَئِيَّة، فلا أدري مَن هم!

..).

و (الحرورية) هم: الخوارج، و (السبئية): نسبة إلى عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي غالى في الإمام عليٍّ، وادَّعى فيه الألوهية.

انظر الأثر، في "تفسير عبد الرزاق": 1/ 115، "تفسير الطبري" 3/ 178، "تفسير == البغوي" 2/ 8، "المحرر الوجيز" 3/ 23.

وورد كذلك عن أبي أمامة  : أنهم الخوارج.

يرويه عن رسول الله  وقد رجح ابن كثيرٍ وقفَهُ على أبي أمامة.

انظر الأثر في: "مسند الإمام أحمد" 5/ 262، "مصنف عبد الرزاق" 10/ 152رقم (18663)، و"سنن البيهقي" 8/ 188، و"مسند الحميدي" 2/ 404 رقم (908)، "المعجم الكبير" للطبراني: 8/ 274 وما بعدها، "المعجم الصغير" له: 1/ 42 (33)، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 594، و"الشريعة" للآجرِّي: 36، "تفسير ابن كثير" 1/ 371.

(١٠٧) في "معاني القرآن" له:1/ 378.

(١٠٨) لم أقف على مصدر قوله.

وقد ورد في "تنوير المقباس" المنسوب إلى ابن عباس: 43.

(١٠٩) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 180، "ابن أبي حاتم" 2/ 596، "الثعلبي" 3/ 7 ب، "البغوي" 2/ 10، "المحرر الوجيز" "زاد المسير" 1/ 354.

(١١٠) قوله في: المصادر السابقة، عدا "المحرر الوجيز".

والسُدِّيُّ هنا هو: السُدِّي الكبير (إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، ت: 182 هـ).

وليس هو السُدِّي الصغير (محمد بن مروان، ت: 186 هـ)؛ وذلك أن هذا الأثر ورد من رواية أسباط عن السدي، وأسباط إنما يروي عن السدي الكبير.

انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 596، " الطبقات الكبرى" لابن سعد: 6/ 376، "تهذيب التهذيب" لا بن حجر: 1/ 158في ترجمة أسباط، "معجم المفسرين" لعادل نويهض: 1/ 90، 2/ 635.

(١١١) وهو قول: مقاتل في "تفسيره" 1/ 264، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 101.

(١١٢) قوله في "تفسيره" 1/ 122، والمصادر السابقة.

(١١٣) هكذا وردت في الأصل بالكسر على تقدير: ابتغاء، أو طَلَبِ اللَّبْسِ.

== ونصُّ قول مجاهد كما في "تفسير الطبري" (الشبهات، مِمَّا أهلكوا به)، وفي تفسيره: (الهلكات التي أهلكوا بها).

(١١٤) هو الزجاج في "معاني القرآن" له: 1/ 377.

نقله عنه بتصرف يسير جدًا في بعض الألفاظ.

(١١٥) في (ج) و"معاني القرآن": (ذات).

(١١٦) في "معاني القرآن" للزجاج: (وتجاوز القُدْرة).

وانظر: "اللسان" 6/ 3345 (فتن)، "تفسير الفخر الرازي" 7/ 189.

ويقول النحاس في هذا الموضع: (أي: ابتغاء الاختبار الذي فيه غُلوٌّ، وإفْسادُ ذاتِ البَيْن؛ ومنه: (فلانٌ مَفْتُونٌ بِفُلانة)؛ أي: قد غَلا في حبها).

"إعراب القرآن" له: 1/ 310.

(١١٧) في (ب): (أي).

(١١٨) في (ب): (فتأوله).

(١١٩) البيت، في: "ديوانه": ص 7.

وقد ورد منسوبًا له، في: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة: 1/ 86، "تفسير الطبري" 3/ 184، "تهذيب اللغة" 2/ 1349 (ربع)، "الصحاح" 4/ 1627 (أول)، "الصاحبي" لابن فارس: 315، "اللسان" 3/ 1566 (ربع)، 1/ 172 (أول)، وفي: 4/ 2401 (صحب) أورد الشطر الثاني ولم ينسبه.

وورد == البيت في الديوان كالتالي: (..

تأوَّلُ حبَّها ..).

وورد في "التهذيب" 2/ 1349 (ربع)، "اللسان" 3/ 1566 (صحب)، كالتالي: ولكنها كانت نَوًى أجنبيَّةً ...

توالِيَ رِبْعِيِّ السِّقاب فأصحبا وينشد كما في "تفسير الطبري" 3/ 184: على أنها كانت تَوَابعُ حُبِّها ...

توالي رِبْعِيِّ السِّقاب فأصحبا ومعنى: (ربعي السقاب): ذلك أن الفصيل الذي يُنتَج في أول النتاج، يقال له: (رُبَع)، والجمع: (رِباع).

ورِبْعِيُّ كل شيء: أوله.

والسَّقْب: ولد الناقة، أو ساعة يولد، إذا كان ذكرًا.

والجمع: (سِقاب).

ويقال: (سقبٌ رِبْعِيٌّ)، و (سقاب رِبعية)، وهي: التي ولدت في أول النتاج.

و (أصحب): ذَلَّ وانقاد.

انظر: "كتاب الفرق" لقطرب: 100، "الفرق" لابن فارس: 87، "اللسان" 1/ 172 (أول)، "القاموس" ص 97 (سقب).

وسيأتي تفسير المؤلف للبيت على الرواية التي أوردها.

أما على الرواية الثانية، التي أوردها الأزهريُّ، وصاحب "اللسان" فمعنى (توالي ربعي السقاب) هنا: من (الموالاة).

وهي: تمييز شيء من شيء، وفصله عنه؛ أي: إن نَوَى صاحبته اشتَدَّ عليه، فحن إليها حنين ربعي السقاب، إذا فُصِل عن أمِّهِ ومُيِّز عنها.

وأن هذا الفصيل يستمر على الموالاة ويُصْحب، أما هو فقد دام على حنينه الأول، ولم يصحب إصحاب السقب.

انظر: "تهذيب اللغة" 1349.

(١٢٠) انظر: "تفسير الطبري" 3/ 284؛ حيث قال في تفسيره: (ويعني بقوله: (تأوُّلُ حبِّها): تفسير حبِّها ومرجعه.

وإنما يريد بذلك أنَّ حبَّها كان صغيرًا في قلبه، فآلَ من الصِّغَرِ إلى العِظَم، فلَمْ يزلْ ينبت حتى أصْحَبَ فَصَارَ قديمًا، كالسَّقْبِ الصغير الذي لم يزل يشبُّ حتى أصحبَ فَصَارَ كبيرًا مثلَ أمِّهِ) ويبدو أن المؤلف نقل هذا المعنى عن الطبري، متصرفًا في عبارَتِه هذه (١٢١) انظر: (أول) في "الصحاح" 4/ 1626، 1628، "مجمل اللغة" 1/ 107، "اللسان" 1/ 172، "المصباح المنير" 12، "القاموس المحيط" 963.

(١٢٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).

(١٢٣) وقد تكلم ابنُ القيم عن معاني (التأويل) بإسهاب، وبَيَّن الصحيح منه والباطل.

انظر: "الصواعق المرسلة": 175 وما بعدها.

(١٢٤) لم أقف على مصدر هذه الرواية.

وقد ورد هذا القول في: "تنوير المقباس": 43.

(١٢٥) في "معاني القرآن" له: 1/ 378.

(١٢٦) في (ب): (المراد به الزج الكفار).

(١٢٧) (أمة): ساقطة من: (ج).

(١٢٨) في (ج): (لا) بدون واو.

(١٢٩) لم أقف على مصدر قوله.

(١٣٠) في (ج): (في العلم).

(١٣١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 378، "الصحاح" 421 (رسخ)، "تفسير القرطبي" 4/ 19.

(١٣٢) قول المؤلف أعلاه: (عند أكثر المفسرين)، غير مُسَلَّم؛ لأنني لم أجد من قال بهذا القول إلا مقاتل بن حيان، كما في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 600.

ولو كان قال به أكثر المفسرين، لتناقلته كتب التفسير والحديث، مما أُلِّف قبل المؤلف وبعده.

وقد أورد هذا القولَ الثعلبيُّ وهو شيخ المصنف في "تفسيره" 1/ 280 بصيغة (قيل) ولم يذكر قائله.

وأورده أبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 385 بصيغة (قيل) ولم يذكر القائل، ولكنه استبعده بقوله: (وهذا فيه بعد).

(١٣٣) قوله في "تفسير الطبري" 6/ 208.

"تفسير الثعلبي" 3/ 10 أ، "تفسير البغوي" 1/ 280.

ومن قوله: (قال ابن عباس ..) إلى (..

وما لم نعلمه): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" 3/ 10 أ.

(١٣٤) قوله في المصادر السابقة.

وهو من روايته عن ابن عباس.

(١٣٥) قوله في المصادر السابقة.

(١٣٦) في (د): فرسخهم.

(١٣٧) في "معاني القرآن" له: 1/ 378.

نقله عنه بالنص.

(١٣٨) لم أقف على مصدر قوله.

(١٣٩) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).

(١٤٠) في "معاني القرآن" له: 1/ 379.

نقله عنه بتصرف يسير.

(١٤١) في (أ)، (ب): (يختص).

والمثبت من: (ج)، (د)؛ لمناسبته لسياق العبارة.

(١٤٢) في (أ): (واختار).

والمثبت من: (ب)، (ج)، (د).

وهو الصواب.

(١٤٣) تقدمت ترجمته.

(١٤٤) هو: المُفَضَّل بن محمد بن يعلى الضَبِّي، الكوفي.

تقدم 2/ 119.

(١٤٥) في "الأضداد" لابن الأنباري: أبو عبيدة.

وورد في أكثر المصادر: أبو عبيد.

وهو: أبو عُبَيد، القاسم بن سَلّام الهَرَوي الأزدي الخزاعي.

(١٤٦) هو: أبو العباس، أحمد بن يحيى (ثعلب).

وقد بَيَّن النحاسُ أن نَيِّفًا وعشرين رجلًا من الصحابة والتابعين والقراء وأهل اللغة، ذهبوا إلى الوقف التام على لفظ الجلالة (الله)، وأن ما بعده منقطع منه، ثم ذكر إضافة إلى من ذكرهم المؤلف: الحسن، وأبانهيك، والضحاك، ومالك بن أنس، وسهل بن محمد، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، والطبري، والزجاج، وابن كيسان، وأحمد بن جعفر بن الزبير، والسدي.

انظر: "القطع والائتناف" للنحاس: 212، "تفسير الطبري" 3/ 182 - 184، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 599 - 601، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 351، "تفسير الثعلبي" 3/ 8 ب، "المحرر الوجيز" 3/ 24، "تفسير القرطبي" 4/ 16، "البحر المحيط" 2/ 384، "الدر المنثور" 2/ 10، 11، "معترك الأقران" للسيوطي: 1/ 138، "فتح القدير" للشوكاني: 1/ 476، "فتح البيان" لصديق حسن خان: 2/ 15 - 16.

(١٤٧) يعني: عبد الله بن مسعود  .

(١٤٨) انظر هذه القراءة في "معاني القرآن" للفراء: 1/ 191، "كتاب المصاحف" لأبي بكر بن أبي داود: 59، "تفسير الطبري" 3/ 184، "الأضداد" لابن الأنباري:== 426، "تفسير الثعلبي" 3/ 9 أ، "تفسير البغوي" 2/ 10، "البحر المحيط" 2/ 384، "الدر المنثور" 2/ 10، والإتقان، للسيوطي: 2/ 15.

وقد وردت القراءة في: كتاب المصاحف، لابن أبي داود، كالتالي: (وإنْ حقيقةُ تأويلِهِ إلا عند الله ..).

(١٤٩) من قوله: (وفي ..) إلى (..

آمنا به): ساقط من: (ج).

(١٥٠) في (ب): (ويقولون).

(١٥١) انظر هذه القراءة، في "معاني القرآن" للفراء: 1/ 191، "الأضداد" لابن الأنباري: 426، "القطع والائتناف" للنحاس: 212، "المستدرك" للحاكم: 2/ 289 كتاب: التفسير، سورة آل عمران.

وقال: (صحيح) ووافقه الذهبي، "تفسير الثعلبي" 3/ 9 أ، "الدر المنثور" 2/ 10 وزاد نسبة إخراج الأثر لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.

قال النحاس عن هذه القراءة: (وهي قراءة على التفسير).

(١٥٢) (تفسير): ساقطة من: (ج).

(١٥٣) في (د): (إن ما).

(١٥٤) (ما) ساقطة من: (د).

(١٥٥) : ساقطة من: (ج).

(١٥٦) في (د): (اختبار).

(١٥٧) في (أ)، (ب): (بان).

والمثبت من: (ج)، (ء).

(١٥٨) في (أ)، (ب): (وإلى).

والمثبت من: (ج)، (ء).

(١٥٩) في (د): (فإذا).

(١٦٠) في (أ): خُصَّ بالبناء للمجهول.

وفي (ب)، (ج).، (د) غير مضبوطة بالشكل.

وما أثبتُّه يتناسب مع ما بعده، من نصب (الراسخين).

(١٦١) في (د): (الراسخون).

(١٦٢) في (د): (التعليم).

(١٦٣) قوله في "تفسيره" 1/ 122، "تأويل مشكل القرآن" 100، "تفسير الطبري" 3/ 183، "الأضداد" لابن الأنباري: 424، "تفسير الثعلبي" 3/ 8 ب، "المحرر الوجيز" 3/ 24، "تفسير القرطبي" 4/ 16.

وقد رَدَّ ابن الأنباري رواية هذا القول عن مجاهد؛ زاعمًا بأن الراوي عن مجاهد هو ابن أبي نَجِيح، وهو لم يسمع التفسير عن مجاهد.

ولكن أئمة الجرح والتعديل على توثيق ابن أبي نجيح، وتصحيح تفسيره عن مجاهد، بل عدَّه ابنُ تيمية مِنْ أصح التفاسير.

انظر: "الأضداد" لابن الأنباري: 427، "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم: 5/ 203، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 17/ 409، "سير أعلام النبلاء" للذهبي: 6/ 125، 126، "تهذيب التهذيب" 2/ 444، "تقريب التهذيب" ص 326 (3662).

(١٦٤) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 183، "القطع والائتناف" للنحاس: 215، "تفسير الثعلبي" 3/ 8 ب، "المحرر الوجيز" 3/ 25، "تفسير القرطبي" 4/ 17.

(١٦٥) قوله في المصادر السابقة.

(١٦٦) في (د): (لا يعلمه).

(١٦٧) في "تأويل مشكل القرآن" له: 98.

قال مرعي الكرمي: (ورجح هذا جماعات من المحققين؛ كابن فورك، والغزالي، والقاضي أبي بكر بن الطيب، وقال النووي: إنه الأصح، وابن الحاجب: إنه المختار ..).

"أقاويل الثقات" 53.

وانظر: "مشكل الحديث" لابن فورك: 522 - 525، وشرح صحيح مسلم، للنووي: 16/ 218، "معترك الأقران" للسيوطي: 1/ 138، "والإتقان" له: 3/ 3537.

(١٦٨) في (أ)، (ب): (إلى).

والمثبت من: (ج)، (ء).

(١٦٩) في (ج): (والراسخين).

(١٧٠) في (د): (قايلون).

(١٧١) في (ج): (في).

(١٧٢) من قوله: (تريد ..) إلى (..

بزيارتك): ساقط من: (ج)، (ء).

(١٧٣) أورد الشوكاني، والشنقيطي إشكالًا على من يمنع كون جملة ﴿ يَقُولُونَ ﴾ حالًا، وخلاصته: أن الحال قَيْدٌ لِعامِلِها.

ووصف لصاحبها، فتقييد عِلْمِهم بتأويله، بحال كونهم قائلين: ﴿ آمَنَّا بِهِ ﴾ ، لا وجه له؛ لأن مفهومه: أنهم في حال عدم قولهم ﴿ آمَنَّا بِهِ ﴾ ، لا يعلمون تأويله، وهو باطل؛ حيث إنهم يعلمونه في كل حال.

ويرى الشنقيطي أن جملة ﴿ وَالرَّاسِخُونَ ﴾ في حال كونها معطوفة، فإن ﴿ يَقُولُونَ ﴾ تكون معطوفة كذلك بحرف محذوف.

واستدل على ذلك بأقوال المحققين من أهل العربية، واستشهد عليه بآيات من القرآن؛ كقوله تعالى ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ﴾ فإنها معطوفة على قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ﴾ بالواو.

انظر: "فتح القدير" للشوكاني: 1/ 482، "أضواء البيان" للشنقيطي: 1/ 131.

(١٧٤) انظر: "تأويل مشكل القرآن" 86101.

إن الخلاف الواقع بين العلماء في تبني أحَدِ المذهبَيْنِ المذكورَيْن للسَّلَفِ؛ في الوقف أو العطف على لفظ الجلالة في هذه الآية، مرجعه وسببه: الاشتراك في لفظ التأويل؛ حيث إنَّ له معانٍ عِدَّة.

ولكنَّه إذا أطْلِقَ عند السَّلَفِ، إنَّما يُرادُ به أمران: == الأول: تفسيرُ الكلام وبيان معناه؛ كقوله تعالى: ﴿ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ  ﴾ ؛ أي: بتفسيره.

فيجوز بهذا المعنى عطفُ جُملَةِ ﴿ وَالرَّاسِخُونَ ﴾ على لفظ الجلالة؛ لأن الراسخين يعلمون تفسيره، ويفهمون ما أريد منهم بالخطاب القرآني.

الثاني: حقيقةُ الشيء، وما يؤول أمرُهُ إليه.

ومنه قوله تعالى: ﴿ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ ، و ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ  ﴾ ؛ أي: حقيقة ما أخبرهم الله به مِنْ أمر القيامة والبعث.

فيجوز بهذا الاعتبار الوقف على لفظ الجلالة؛ لأن حقائق الأشياء وكنهها، لا يعلمها إلا الله تعالى.

وهناك معنى ثالث للتأويل عند الأصوليين والفقهاء المتأخرين عن عصر السَّلَف، وهو: صَرْفُ اللفظ عن ظاهره المتبادرِ منه، إلى مُحتَمَلٍ مرجوح، بدليل يدل عليه.

وهذا المعنى ليس مُرادًا في إطلاقات السَّلَف، فهو خارجٌ عن دلالة الآية هنا.

فبسبب الاشتراك في لفظ التأويل، اعتَقَدَ كلُّ مَنْ فَهمَ مِنْهُ معنًى، أنَّ ذلك هو المذكور في القرآن.

ولا شكَّ أنَّ في القرآن أمورًا لا يعلمها إلا الله: كوقت قيام الساعة، وحقيقة الروح وغيرها ...

وهي الأمور المتشابهة في نفسها.

وهناك أمورٌ، العِلْمُ بها نِسْبيٌّ، يعلمها الراسخون في العلم دون غيرهم، وهو المتشابه الإضافي، الذي قد يَشْتَبِه على أناسٍ دون آخرين.

فلا مُنافاة بين الرأيَيْنِ عند التحقق.

انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" 443445 (شبه)، والإكليل في المتشابه والتأويل، لابن تيمية: 89، 2025، والرسالة كلها حول هذا المعنى، وتفسير سورة الإخلاص، لابن تيمية: 174، 179، 183، 188، 193، "الرسالة التدميرية" لابن تيمية:5963، "تفسير ابن كثير" 1/ 372، "بصائر ذوي التمييز" للفيروز آبادي: 3/ 296، "أقاويل الثقات" للكرمي: 5355، "فتح القدير" للشوكاني: 1/ 482، "فتح البيان" لصديق خان: 2/ 1517، و"مباحث في علوم القرآن" لمناع القطان: 218، 219.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مِنْهُ آيات محكمات ﴾ المحكم من القرآن: هو البيِّن المعنى، الثابت الحكم، والمتشابه: هو الذي يحتاج إلى التأويل، أو يكون مستغلق المعنى: كحروف الهجاء، قال ابن عباس: المحكمات: الناسخاتُ والحلال والحرام، والمتشابهات المنسوخات والمقدّم والمؤخر، وهو تمثيل لما قلنا ﴿ هُنَّ أُمُّ الكتاب ﴾ أي عمدة ما فيه ومعظمه ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ نزلت في نصارى نجران فإنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أليس في كتابك أن عيسى كلمة الله وروح منه؟

قال: نعم، قالوا: فحسبنا إذاً، فهذا من المتشابه الذي اتبعوه، وقيل: نزلت في أبي ياسر بن أخطب اليهودي وأخيه حيي ثم يدخل في ذلك كل كافر أو مبتدع، أو جاهل يتبع المتشابه من القرآن ﴿ ابتغاء الفتنة ﴾ أي ليفتنوا به الناس ﴿ وابتغاء تَأْوِيلِهِ ﴾ أي: يبتغون أن يتأوّلوه على ما تقتضي مذاهبهم، أو يبتغون أن يصلوا من معرفة تأويله إلى ما لا يصل إليه مخلوق ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله ﴾ إخبارٌ بانفراد الله بعلم تأويل المتشابه من القرآن، وذم لمن طلب علم ذلك من الناس ﴿ والراسخون فِي العلم ﴾ مبتدأ مقطوع مما قبله، والمعنى أن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه وإنما يقولون: آمنا به على وجه التسليم والانقياد والاعتراف بالعجز عن معرفته، وقيل: إنه معطوف على ما قبله، وأن المعنى أنهم يعلمون تأويله، وكلا القولين مرويٌ عن ابن عباس، والقول الأول قول أبي بكر الصديق وعائشة، وعروة بن الزبير، وهو أرجح، وقال ابن عطية: المتشابه نوعان؛ نوع انفرد الله بعلمه، ونوع يمكن وصول الخلق إليه.

فيكون الراسخون ابتداء بالنظر إلى الأول، وعطفاً بالنظر إلى الثاني ﴿ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾ أي: المحكم والمتشابه من عند الله ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا ﴾ حكاية عن الراسخين، ويحتمل أن يكون منقطعاً على وجه التعليم والأوّل أرجح لاتصال الكلام، وأما قوله: ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب ﴾ : فهو من كلام الله تعالى، لا حكاية قول الراسخين.

أو منقطعاً فهو من كلام الله <div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ آلم الله ﴾ مقطوعة الألف والميم ساكنة: يزيد والمفضل والأعشى والبرجمي الباقون موصولاً بفتح الميم.

﴿ التوراة ﴾ ممالة حيث كان: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف والنجاري عن ورش، والخزاز عن هبيرة، وابن ذكوان غير ابن مجاهد ﴿ كدأب ﴾ حيث كان بغير همزة: أبو عمرو وغيره شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش والخزاز عن هبيرة وحمزة عن الوقف.

الوقوف: ﴿ آلم ﴾ ج كوفي مختلف فإن غير الأعشى والبرجمي ويزيد والمفضل يصلون.

﴿ إلا هو ﴾ ج ﴿ القيوم ﴾ ط ﴿ والإنجيل ﴾ ط ﴿ الفرقان ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه، ﴿ في السماء ﴾ ط ﴿ كيف يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه، ﴿ متشابهات ﴾ ط لاستئناف تفصيل ﴿ وابتغاء / تأويله ﴾ ج لأن الواو تصلح استئنافاً والحال أليق ﴿ إلا الله ﴾ م عند أهل السنة لأنه لو وصل فهم أن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه كما يعلم الله، ومن لم يحترز عن هذا وجعل المتشابه غير صفة الله ذاتاً وفعلاً من الأحكام التي يدخلها القياس والتأويل وجعل المحكمات الأصول النصوص المجمع عليها فعطف قوله ﴿ والراسخون ﴾ على اسم الله وجعل ﴿ يقولون ﴾ حالاً لهم ساغ له أن لا يقف على ﴿ إلا الله ﴾ .

﴿ آمنا به ﴾ (لا) لأن قوله ﴿ كل من عند ربنا ﴾ من مقولهم فإن التسليم من تمام الإيمان.

﴿ من عند ربنا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مقولهم ﴿ الألباب ﴾ ه، ﴿ رحمة ﴾ ج للابتداء بأن ولاحتمال لام التعليل أو فاء التعقيب للتسبب ﴿ الوهاب ﴾ ه، ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه، ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ (لا) لتعلق كاف التشبيه ﴿ فرعون ﴾ (لا) للعطف، ﴿ من قبلهم ﴾ ط، ﴿ بآياتنا ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ بذنوبهم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه.

التفسير: أما قراءة عاصم فلها وجهان: الأول نية الوقف ثم إظهار الهمزة لأجل الابتداء.

الثاني أن يكون ذلك على لغة من يقطع ألف الوصل.

وأما من فتح الميم ففيه قولان: أحدهما قول الفراء واختيار كثير من البصريين وصاحب الكشاف أن أسماء الحروفموقوفة الأواخر تقول: ألف، لام، ميم كما تقول: واحد، اثنان، ثلاثة، وعلى هذا وجب الابتداء بقوله ﴿ الله ﴾ فإذا ابتدأنا به تثبت الهمزة متحركة إلا أنهم أسقطوا الهمزة للتخفيف وألقيت حركتها على الميم لتدل حركتها على أنها في حكم المبقاة بسبب كون هذه اللفظة مبتدأ بها، فكأن الهمزة ساقطة بصورتها باقية بمعناها.

وثانيهما قول سيبويه وهو أنه لما وصل ﴿ الله ﴾ بـ ﴿ آلم ﴾ التقى ساكنان بل سواكن ضرورة سقوط الهمزة في الدرج، فوجب تحريك الأول أعني الوسطاني منها وهو الميم وكان الأصل هو الكسر إلا أنهم فتحوا الميم محافظة على التفخيم.

فالفتحة على هذا القول ليست هي المنقولة من همزة الوصل فلا يردعليه ما يرد على القول الأول من أن الهمزة حيث لا وجود لها في الوصل أصلاً فكيف تنقل حركتها.

قال الواحدي: نقل المفسرون أنه "قدم على رسول الله  وفد نجران ستون راكباً فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم، أحدهم أميرهم واسمه عبد المسيح والثاني مشيرهم ووزيرهم، وكانوا يقولون له السيد واسمه الأيهم، والثالث حبرهم وأسقفهم وصاحب مدراسهم يقال له أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل.

وكان ملوك الروم شرفوه وموّلوه فأكرموه لما بلغهم عنه عن علمه واجتهاده في دينهم، فلما قدموا من نجران ركب أبو حارثة بغلته وكان إلى جنبه أخوه كرز بن علقمة فبينما بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت فقال كرز أخوه: تعس الأبعد يريد رسول الله  .

فقال أبو حارثة: بل تعست / أمك.

فقال: ولم يا أخي؟

فقال: إنه والله النبي  الذي ننتظره.

فقال له أخوه كرز: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟

قال: لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالاً كثيرة وأكرمونا.

فلو آمنا بمحمد لأخذوا منا كل هذه الأشياء.

فوقع ذلك في قلب أخيه كرز وكان يضمره إلى أن أسلم، وكان يحدث بذلك، ثم تكلم أولئك الثلاثة - الأمير والسيد والحبر - مع رسول الله  على اختلاف من أديانهم.

فتارة يقولون عيسى هو الله، وتارة ابن الله، وتارة ثالث ثلاثة، ويحتجون لقولهم هو الله بأنه كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير، ويحتجون في قولهم إنه ولد الله بأنه لم يكن له أب يعلم، ويحتجون على ثالث ثلاثة بقول الله  : فعلنا وفعلنا ولو كان واحداً لقال فعلت.

وقد حان وقت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد رسول الله  فقال رسول الله  : دعوهم.

فصلوا إلى المشرق، فقال لهم رسول الله  : أسلموا فقالوا: قد أسلمنا قبلك.

فقال  : كذبتم.

كيف يصح إسلامكم وأنتم تثبتون لله ولداً، وتعبدون الصليب وتأكلون الخنزير؟

قالوا: فمن أبوه؟

فسكت رسول الله  فأنزل الله  في ذلك أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها آية المباهلة.

ثم أخذ رسول الله  يناظر معهم فقال: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه؟

قالوا: بلى.

قال: ألستم تعلمون أنه حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟

قالوا: بلى.

قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟

فهل يملك عيسى شيئا من ذلك؟

قالوا: لا.

قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل يعلم عيسى شيئاً من ذلك إلا ما علم؟

قالوا: لا.

قال: فإن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء، فهل تعلمون ذلك؟

قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث، وتعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة وغذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟

قالوا: بلى.

فقال  : فكيف يكون هو كما زعمتم؟

فعرفوا ثم أبوا إلا حجوداً ثم قالوا: يا محمد، ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟

قال: بلى، قالوا: فحسبنا.

ففي ذلك نزل ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ الآية" .

وتمام القصة سيجيء في آية المباهلة إن شاء الله  .

واعلم أن مطلع هذه السورة له نظم عجيب ونسق أنيق.

وذلك أن أولئك النصارى كأنه قيل لهم: إما أن تنازعوه في شأن الإله أو في أمر النبوة.

أما الأول فالحق فيه معه لأنه  حيّ قيوم كما مر في تفسير آية الكرسي، وأن عيسى ليس كذلك لأنه ولد وكان يأكل ويشرب / ويحدث.

والنصارى زعموا أنه قتل وما قدر على دفع القتل عن نفسه.

وهذه الكلمة أعني قوله ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ جامعة لجيمع وجوه الدلائل على بطلان قول النصارى بالتثليث.

وأما الثاني فقوله ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق ﴾ كالدعوى.

وقوله ﴿ وأنزل التوراة والإنجيل من قبل ﴾ كالدليل عليها.

وتقريره أنكم وافقتمونا على أن التوراة والإنجيل كتابان إلهيان لأنه  قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قولهما وبين أقوال الكاذبين.

ثم إن المعجز قائم في كون القرآن نازلاً من عند الله كما قام في الكتابين.

وإذا كان الطريق مشتركاً فالواجب تصديق الكل كالمسلمين.

أما قبول البعض ورد البعض فجهل وتقليد، وإذا لم يبق بعد ذلك عذر لمن ينازعه في دينه فلا جرم ختم بالتهديد والوعيد فقال ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد ﴾ وإنما خص القرآن بالتنزيل والكتابين بالإنزال لأنه نزل منجماً، فكان معنى التكثير حاصلاً فيه، وأنهما نزلا جملة.

وأما قوله ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب  ﴾ فالمراد هناك نزوله مطلقاً من غير اعتبار التنجيم.

قال أبو مسلم: قوله ﴿ بالحق ﴾ أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم، و أن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل، وأنه قول فصل وليس بالهزل.

وقال الأصم: أي بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية، ولبعضهم على بعض من سلوك سبيل العدالة والإنصاف في المعاملات.

وقيل: مصوناً من المعاني الفاسدة المتناقضة كقوله ﴿ ولم يجعل له عوجاً قيماً  ﴾ ﴿ لوجدوا فيه اختلافا كثيراً  ﴾ وفي قوله ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ إنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقاً لسائر الكتب المتقدمة، لأن من هو على مثل حاله من كونه أمياً لم يخالط أهل الدرس والقراءة إن كان مفترياً استحال أن يسلم من التحريف والجزاف.

وفيه أنه  لم يبعث نبياً قط إلا بالدعاء إلى توحيده وتنزيهه عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان.

فإن قيل: كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه؟

فالجواب أن هذا اللفظ صار مطلقاً في معنى التقدم، أو لغاية ظهور تلك الأخبار جعلها كالحاضر عنده.

فإن قلت: كيف يكون مصدقاً لما تقدمه من الكتب مع أنه ناسخ لأحكامها أكثرها؟

قلنا: إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثته ثم تصير منسوخة عند نزول القرآن، كانت موافقة للقرآن، وكان القرآن مصدقاً لها.

فأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها لأن المباحث الإلهية والقصص والمواعظ لا تختلف.

والتوراة والإنجيل اسمان أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسريانية.

فالاشتغال باشتقاقهما لا يفيد إلا أن بعض الأدباء قد تكلف ذلك فقال الفراء: التوراة معناها الضياء والنور من ورى الزند يرى إذا قدح وظهرت / النار.

قال: وأصلها تورية بفتح التاء والراء ولهذا قلبت الياء ألفاً.

أو تورية بكسر الراء "تفعلة" مثل "توفية" إلا أن الراء فتحت على لغة طي فإنهم يقولون في بادية "باداة".

وزعم الخليل والبصريون أن أصلها "وورية" "فوعلة" كصومعة فقلبت الواو الأولى تاء كتجاه وتراث.

وأما الإنجيل فالزجاج: إفعيل من النجل الأصل أي هو الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين.

وقيل: من نجلت الشيء استخرجته أي إنه  أظهر الحق بسببه.

أبو عمرو الشيباني: التناجل التنازع سمي بذلك لأن القوم تنازعوا فيه.

ومعنى قوله ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل أن ينزل القرآن.

و ﴿ هدى للناس ﴾ إما أن يكون عائداً إلى الكتابين فقط فيكون قد وصف القرآن بأنه حق، ووصف التوراة والإنجيل بأنهما هدى.

وإنما لم يوصف القرآن بأنه هدى مع أنه قال في أول البقرة ﴿ هدى للمتقين  ﴾ لأن المناظرة ههنا مع النصارى وهم لا يهتدون بالقرآن، فذكر أنه حق في نفسه سواء قبلوه أو لم يقبلوه، وأما الكتابان فهم قائلون بصحتهما فخصهما بالهداية لذلك، وإما أن يكون راجعاً إلى الكتب الثلاثة وهو قول الأكثرين.

﴿ وأنزل الفرقان ﴾ قيل: أي جنس الكتب السماوية لأنها كلها تفرق بين الحق والباطل.

وقيل: أي الكتب التي ذكرها كأنه وصفها بوصف آخر فيكون كما قال: الى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم وقيل: أي الكتاب الرابع وهو الزبور، وزيف بأن الزبور ليس فيه شيء من الشرائع والأحكام وإنما هو مواعظ، ويحتمل أن يجاب بأن غاية المواعظ هي التزام الأحكام المعلومة فيؤل إلى ذلك.

وقيل: كرر ذكر القرآن بما هو مدح له ونعت بعد ذكره باسم الجنس تفخيماً لشأنه وإظهاراً لفضله.

وفي التفسير الكبير: إنه  لما ذكر الكتب الثلاثة بيّن أنه أنزل معها ما هو الفرقان الحق وهو المعجز الباهر الذي يدل على صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين كلام المخلوقين.

ثم إنه  بعد ذكر الإلهيات والنبوات زجراً لمعرضين عن هذه الدلائل وهم أولئك النصارى أو كل من أعرض عن دلائله فإن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ فقال ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله ﴾ من كتبه المنزلة وغيرها من دلائله ﴿ لهم عذاب شديد والله عزيز ﴾ لا يغالب إذ لا حد لقدرته ﴿ ذو انتقام ﴾ عقاب شديد لا يقدر على مثله منتقم.

فالتنكير للتعظيم.

وانتقمت منه إذا كافأته عقوبة بما صنع.

فالعزيز إشارة إلى القدرة التامة على العقاب، وذو انتقام إشارة إلى كونه فاعلاً للعقاب.

فالأول صفة الذات، والثاني صفة الفعل.

قوله  ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ لما ذكر أنه حيّ قيوم والقيوم هو القائم بإصلاح مصالح الخلق، وكونه كذلك يتوقف على مجموع أمرين: أن يكون عالماً بكميات / حاجاتهم وكيفياتها وكلياتها وجزئياتها، ثم أن يكون قادراً على ترتيبها.

والأول لا يتم إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات أشار إلى ذلك بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ والثاني لا يتأتى إلا إذا كان قادراً على جميع الممكنات فأشار إليه بقوله ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ ثم فيه لطيفة أخرى وهي أنه لما ادعى كمال عمله بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ والطريق إلى إثبات كونه  عالماً لا يجوز أن يكون هو السمع، لأن معرفة صحة السمع موقوفة على العلم بكونه  عالماً بجميع المعلومات، بل الطريق إلى ذلك ليس إلا الدليل العقلي فلا جرم قال ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ﴾ ظلمات ﴿ ٱلأَرْحَامِ ﴾ بهذه البنية العجيبة والتركيب الغريب من أعضاء مختلفة في الشكل والطبع والصفة، بعضها عظام، وبعضها أوردة، وبعضها شرايين، وبعضها عضلات.

ثم إنه ضم بعضها إلى بعض على التركيب الأحسن والتأليف الأكمل، وذلك يدل على كمال علمه لأن التركيب المحكم المتقن لا يصدر إلا عن العالم بتفاصيله.

ثم إنه  لما كان قيوماً بمصالح الخلق ومصالحهم قسمان: جسمانية وأشرفها تعديل المزاج وأشار إليها بقوله ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ وروحانية وأشرفها إلى العلم فلا جرم أشار إلى ذلك بقوله ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب ﴾ .

ويحتمل أن تنزل هذه الآيات على سبب نزولها.

وذلك أن النصارى ادعوا إلهية عيسى وعولوا في ذلك على نوعين من الشبهة: أحدهما يتعلق بالعلم وهو أن عيسى  كان يخبر عن الغيوب وذلك قوله  : ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم  ﴾ والثاني يتعلق بالقدرة كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وليس للنصارى شبهة غير هاتين.

فأزال شبهتهم الأولى بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ فمن المعلوم بالضرورة من أحوال عيسى أنه ما كان عالماً بجميع المعلومات.

فعدم إحاطته بجميع الأشياء فيه دلالة قاطعة على أنه ليس بإله، ولكن إحاطته ببعض المغيبات لا تدل على كونه إلهاً لاحتمال أنه علم ذلك بالوحي أو الإلهام.

وأزال شبهتهم الثانية بقوله ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ وذلك أن الإله هو الذي يقدر على أن يصور في الأرحام من قطرة صغيرة من النطفة هذا التركيب العجيب والتأليف الغريب، ومعلوم أن عيسى لم يكن قادراً على الإحياء والإماتة بهذا الوجه.

كيف ولو قدر على ذلك لأمات أولئك الذين أخذوه على زعم النصارى وقتلوه.

فإماتة بعض الأشخاص أو إحياؤه لا يدل على الإلهية لجواز كونه بإظهار الله  المعجزة على يده، والعجز على إماتة البعض أو إحيائه يدل على عدم الإلهية قطعاً، وأما الإحياء والإماتة لجميع الحيوانات فيدل على الإلهية قطعاً.

ثم إنّهم عدلوا عن المقدمات المشاهدية إلى مقدمات إلزامية وهو أنكم أيها المسلمون توافقوننا على أنه ما كان له أب من البشر فيكون ابناً لله.

والجواب عنه بقوله / أيضاً ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ لأن هذا التصوير لما كان منه صفة فإن شاء صوره من نطفة الأب، وإن شاء صوره ابتداء من غير أب.

وأيضاً قالوا للرسول  : ألست تقول إن عيسى كلمة الله وروحه؟

وهذا يدل على أنه ابن لله.

فأجاب الله  عنه بأن هذا إلزام لفظي، محتمل للحقيقة والمجاز.

وإذا ورد اللفظ بحيث يخالف الدليل العقلي كان من باب المتشابهات فوجب رده إلى التأويل، أو تفويضه إلى علم الله وذلك قوله ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب ﴾ الآية.

فظهر أنه ليس في المسألة حجة ولا شبهة إلا وقد اشتملت هذه الآيات على دفعها والجواب عنها، فإن قيل: ما الفائدة في قوله ﴿ في الأرض ولا في السماء ﴾ مع أنه لو أطلق كان أبلغ؟

قلت: الغرض تفهيم العباد كمال علمه وذلك عند ذكر السموات والأرض أقوى لعظمتهما في الحس، والحس متى أعان العقل على المطلوب كان الفهم أتم والإدراك أكمل، وهذه فائدة ضرب الأمثلة في العلوم.

قال الواحدي: التصوير جعل الشيء على صورة، والصورة هيئة حاصلة للشيء عند إيقاع التأليف بين أجزائه، وأصله من صاره إذا أماله.

وذلك أن الصورة مائلة إلى شكل أبويه.

والأرحام جمع الرحم، والتركيب يدل على الرقة والعطف كما سلف.

وقيل: سمي رحماً لاشتراك الرحم فيما بوجب الرحمة والعطف.

وقرىء ﴿ تصوركم ﴾ أي صوركم لنفسه ولتعبده.

و"كيف" في موضع الحال أي على أي حال أراد طويلاً أو قصيراً، أسود أو أبيض، حسناً أو قبيحاً إلى غير ذلك من الأحوال المختلفة.

ثم إنه  لما أجاب عن شبههم أعاد كلمة التوحيد رداً على النصارى القائلين بالتثليث فقال ﴿ لا إله إلا هو العزيز الحكيم ﴾ فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إلى كمال العلم.

وفيه رد على من زعم إلهية عيسى فإن العلم ببعض الغيوب وإحياء بعض الأشخاص لا يكفي في كونه إلهاً.

ولنذكر ههنا مسائل: الأولى: القرآن دل على أنه بكليته محكم وذلك قوله: ﴿ الر كتاب أحكمت آياته  ﴾ ﴿ الر تلك آيات الكتاب الحكيم  ﴾ والمراد كون كله كلاماً ملحقاً فصيح الألفاظ صحيح المعاني، وأنه بحيث لا يتمكن أحد من الإتيان بمثله لوثاقة مبانية وبلاغة معانيه.

ودل على أنه بتمامه متشابه ﴿ كتاباً متشابهاً مثاني  ﴾ والمراد أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن والإعجاز والبراءة من التناقض والتناقض.

ثم إن هذه الآية ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ﴾ دلت على أن بعض القرآن محكم وبعضه متشابه.

فيعني ههنا بالمحكم ما هو المشترك بين النص والظاهر، وبالمتشابه القدر المشترك بين المجمل والمؤول كما تقرر في المقدمة التاسعة من مقدّمات هذا الكتاب.

والإحكام في اللغة المنع وكذا سائر تراكيبه.

/ فالحاكم يمنع الظالم من الظلم، وحكمة اللجام تمنع الفرس من الاضطراب، وفي حديث النخعي "حكم اليتيم كما تحكم ولدك" أي امنعه من الفساد.

وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي وأما التشابه فهو كون الشيئين بحيث يعجز الذهن عن التمييز بينهما.

ثم يقال لكل ما لا يهتدي الإنسان إليه متشابه إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، ونظيره المشكل لأنه أشكل أي دخل في شكل غيره، ثم إن كل أحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، ولقول خصمه متشابهة.

فالمعتزلي يقول: ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر  ﴾ محكم ﴿ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله  ﴾ متشابه.

والسني يقلب الأمر في ذلك.

وكذا المعتزلي يقول: ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ محكم وقوله ﴿ وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ متشابه.

والسني بالعكس.

فلا بد من قانون يرجع إليه فنقول: صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل.

وهو إما لفظي أو عقلي.

والدليل اللفظي لا يكون قاطعاً ألبتة لتوقفه على نقل اللغات، وعلى وجوه التصريف والإعراب، وعلى عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم التخصيص وعدم الإضمار وعدم المعارض النقلي والعقلي، وكل ذلك مظنون، والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنوناً فلا يجوز التعويل عليه في المسائل الأصولية، فإذن لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بالدلالة القطعية العقلية، على أن معناه الراجح محال عقلاً فإذا قامت هذه الدلالة وعرف المكلف أنه ليس مراد الله  من هذه اللفظ ما أشعر به الظاهر، فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا، لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز، وترجيح تأويل على تأويل، وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلائل اللفظية وهي ظنية كما بينا ولا سيما المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر، فإذن الخوض في تعيين التأويل غير جائز والله أعلم.

المسألة الثانية في حكاية أقوال الناس في المحكم والمتشابه.

عن ابن عباس أن المحكمات هي الآيات الثلاث في سورة الأنعام ﴿ قل تعالوا  ﴾ إلى آخرها، وعلى هذا فالمحكم عنده ما لا يتغير باختلاف الشرائع، لأن هذه الآية كذلك.

والمتشابهاتهي التي اشتبهت على اليهود كأوائل السور، أوّلوها على حساب الجمل ليستخرجوا بقاء هذه الأمة فاختلط الأمر عليهم واشتبه.

وعنه أن المحكم هو الناسخ والمتشابه هو المنسوخ.

وقال الأصم: المحكم هو الذي يكون دلائله واضحة لائحة كإنشاء الخلق في قوله: ﴿ فخلقنا النطفة علقة ﴾ \[المؤمنون: 14\] والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل كآيات / البعث، فإن التأمل يجعلها محكمة، فإن من قدر على الإنشاء قدر على الإعادة.

فإن عنى الأصم بوضوح الدلائل رجحانها، وبالخفاء خلاف ذلك، فهذا هو الذي ذكرنا من أن المحكم عبارة عن النص والظاهر، والمتشابه المجمل والمؤول.

وإن عنى بالواضح ما تعلم صحته بضرورة العقل، وبالخفي ما تعرف صحته بدليل العقل، فكل القرآن متشابه.

فإن إنشاء الخلق أيضاً يفتقر إلى دليل عقلي، فإن الدهري ينسب ذلك إلى الطبيعة، والمنجم إلى تأثير الكواكب.

ولعل الأصم يسمي ما هو الأبعد عن الغلط لقلة مقدماته وضبطها محكماً، والذي هو غير ذلك متشابهاً.

وقيل: كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي أو دليل خفي فهو المحكم، وكل ما لا سبيل إلى معرفته كالعلم بوقت القيامة وبمقادير الثواب والعقاب في حق كل مكلف فذاك متشابه.

المسألة الثالثة في أنه لم جعل بعض القرآن محكماً وبعضه متشابهاً.

من الملحدة من طعن فيه وقال: كيف يليق بالحكيم أن يجعل كتابه المرجوع إليه في دينه، الموضوع إلى يوم القيامة بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب، فمثبت الرؤية يتمسك بقوله ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ ونافيها يتشبث بقوله ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ ومثبت الجهة ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ والنافي ﴿ ليس كمثله شيء  ﴾ فكل منهم يسمي الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والمخالفة متشابهة، وربما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى وجوه ضعيفة وتراجيح خفية، وهذا لا يليق بالحكمة مع أنه لو جعل كله ظاهراً جلياً خالصاً عن المتشابه نفياً كان أقرب إلى حصول الغرض.

والجواب أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق، وزيادة المشقة توجب مزيدالثواب.

وأيضاً لو كان كله محكماً كان مطابقاً لمذهب واحد فقط فكان ينفر أرباب سائر المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه والانتفاع به، وإذا كان مشتملاً على القسمين فحينئذٍ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يؤيد مقالته فيجتهد في فهم معانيه، وبعد الفحص والاستكشاف، صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات، ويتخلص المبطل عن باطلة ويصل إلى الحق.

وأيضاً إذا كان فيه محكم ومتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بالدلائل العقلية، فيتخلص من ظلمة التقليد إلى ضياء البينة والاستدلال والطمأنينة، وافتقر أيضاً إلى تحصيل علوم أخر كالصرف والنحو والمعاني والبيان وأصول الفقه وأصول الكلام إلى غير ذلك، ولما في المشابهة من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه.

وههنا سبب أقوى وهو أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام، وطباع العامة تنبو في / الأغلب عن إدراك الحقائق، فمن سمع منهم في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما توهموه وتخيلوه مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح.

فالأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر من باب المتشابهات، والثاني وهو الذي يكشف لهم آخر الحال من قبيل المحكمات.

قوله ﴿ هن أم الكتاب ﴾ الأم في اللغة الأصل الذي يتكون منه الشيء.

فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات، فلا جرم صارت المحكمات أصولاً للمتشابهات.

وإنما لم يقل أمهات الكتاب ليطابق المبتدأ لأن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد هو الأصل لمجموع المتشابهات، وهذا كقوله ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ \[المؤمنون: 50\] على معنى أن مجموعها آية واحدة.

﴿ وأخر ﴾ أي ومنه آيات آخر ﴿ متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ أي ميل عن الحق ﴿ فيتبعون ما تشابه منه ﴾ لا يتمسكون إلا بالمتشابه.

قال الربيع: هم وفد نجران "حاجوا رسول الله  في المسيح فقالوا: أليس هو كلمة الله وروحاً منه؟

قال  : بلى.

قالوا: حسبنا" .

وقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم مدة بقاء هذه الأمة من الحروف المقطعة في أوائل السور.

وقال قتادة والزجاج: هم منكرو البعث لأنه قال في آخره ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ وما ذاك إلا وقت القيامة فإنه  أخفاها عن الخلائق حتى الملائكة والأنبياء.

والتحقيق أنه عام لكل مبطل متشبث بأهداب المتشابهات، لأن اللفظ عام وخصوص السبب لا يمنع عن عموم اللفظ.

ويدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه.

ومن جملته ما وعد الله به الرسول من النصرة والكفار من النقمة فكانوا يقولون ائتنا بعذاب الله، ومتى الساعة، ولو ما تأتينا بالملائكة، فموهوا الأمر على الضعفة.

قال أهل السنة: ويدخل في هذا الباب استدلال المشبهة بقوله ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ فإنه لما ثبت بصريح العقل امتناع كون الإله في مكان وإلا لزم انقسامه، وكل منقسم مركب، وكل مركب ممكن.

فمن تمسك به كان متمسكاً بالمتشابهات.

ومن جملة ذلك استدلال المعتزلة بالظواهر الدالة على تفويض الفعل بالكلية إلى العبد فإنه لما ثبت بالبرهان العقلي أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي وأنه من الله  وإلا تسلسل، فيكون حصول الفعل مع تلك الداعية وعدمه عند عدمها واجباً فيبطل التفويض ويثبت أن الكل بقضاء الله وقدره.

وإذا لاحت الدلائل العقلية يجوز للعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابه؟

بناء على ما اشتهر بين الجمهور من أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة، وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة.

/ والإنصاف أن الآيات ثلاثة أقسام: أحدها ما يتأكد ظواهرها بالدلائل العقلية فذاك هو المحكم حقاً.

وثانيها التي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله غير ظاهره.

وثالثها الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه فهو المتشابه بمعنى أن الأمر اشتبه فيه ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر.

لكن ههنا عقدة أخرى وهي أن الدليل العقلي مختلف فيه أيضاً بحسب ما رتبه كل فريق وتخيله صادقاً في ظنه مادة وصورة.

فكل فريق يدعي بمقتضى فكره أن الدليل العقلي قد قام على ما يوافق مذهبه وتأكد به الظاهر الذي تعلق به، فلا خلاص من البين إلا بتأييد سماوي ونور إلهي ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور  ﴾ ثم إنه  بين أن للزائغين غرضين: أحدهما ﴿ ابتغاء الفتنة ﴾ وهي في اللغة الاستهتار بالشيء والغلو فيه، يقال: فلان مفتون بطلب الدنيا، والرجل مفتون بابنه وبشعره.

فكان التمسك بذلك المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه فيصير مفتوناً به عاشقاً لا ينقطع عنه تخيله البتة.

وقيل: الفتنة في الدين هو الضلال عنه أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم.

وعن الأصم: إنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين صار بعضهم مخالفاً للبعض في الدين، وذلك يفضي إلى التقاتل والهرج والمرج فذاك هو الفتنة.

الغرض الثاني ﴿ ابتغاء تأويله ﴾ أي طلب المعنى الذي يرجع إليه اللفظ بحسب ما يشتهونه من غير أن يكون قد وجد له في كتاب الله بيان.

قال القاضي أبو بكر: هؤلاء الزائغون قد ابتغوا المتشابه من وجهين أحدهما أن يحملوه على غير الحق وهو المراد من قوله ﴿ ابتغاء الفتنة ﴾ والثاني أن يحكموا بحكم في الموضع الذي لا دليل فيه وهو قوله ﴿ وابتغاء تأويله ﴾ ثم قال عز من قائل ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ والعلماء اختلفوا في هذا الموضع.

منهم من يقف ههنا، فعلى هذا لا يعلم المتشابه إلا الله وهو قول ابن عباس وعائشة والحسن ومالك بن أنس والكسائي والفراء، ومن المعتزلة قول أبي علي الجبائي.

ومنهم من لم يجعل الواو في ﴿ والراسخون ﴾ للابتداء وإنما يجعله للعطف حتى يكون العلم بالمتشابه حاصلاً عند الله وعند الراسخين، لأن وصفهم بالرسوخ في العلم - وهو الثبوت والتعمق وبعد الغور فيه - يناسب ذلك.

وهذا قول مجاهد والربيع بن أنس وأكثر المتكلمين، وقد يروى عن ابن عباس أيضاً.

والمختار هو الأول لوجوه منها: ما ذهب إليه كثير من العلماء أن "أما" فيه معنى التفصيل البتة، وهذا إنما يستقيم لو قدر و"أما الراسخون في العلم فيقولون".

ومنها أن اللفظ إذا كان له معنى راجح ثم دل دليل أقوى منه على أن ذلك الظاهر غير مراد، علم أن مراد الله بعض مجازات تلك الحقيقة وفي المجازات كثرة.

وترجيح البعض على البعض لا يكون إلا بالتراجيح اللغوية الظنية، ومثل ذلك لا يصح / الاستدلال به في المسائل القطعية مثاله ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ فإنه دل الدليل على أن الإله يمتنع أن يكون في المكان، فعرفنا أنه ليس مراداً لله من هذه الآية ما أشعر به ظاهرها إلا أن في مجازات هذا اللفظ كثرة لا يتعين أحدها إلا بدليل لغوي ظني، والقول بالظن في ذات الله وصفاته غير جائز بإجماع المسلمين، ولهذا قال مالك بن أنس: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.

ومنها ما قيل إن هذه الآية ذم لطالب تأويل المتشابه حيث قال ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه ﴾ وتخصيص بعض المتشابهات بذلك كطلب وقت الساعة ونحوه ترجيح من غير مرجح، فالذم يتوجه على الكل وهو المطلوب.

ومنها أنه  مدح الراسخين في العلم بأنهم ﴿ يقولون آمنا به ﴾ وقال  في أول البقرة: ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم  ﴾ فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح، ولا في قولهم ﴿ كل من عند ربنا ﴾ لأن كل من عرف شيئاً على التفصيل فإنه لا بد أن يؤمن به إنما الراسخون في العلم هم الذين علموا بالدلائل القطعية أن الله  عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها، وعلموا أن القرآن كلام الله  ، وأنه لا يتكلم بالباطل والعبث، فإذا سمعوا آية ودلت الدلائل القاطعة على أنه لا يجوز أن يكون ظاهرها مراداً لله  عرفوا أن مراد الله  منه شيء غير ذلك الظاهر، ثم فوضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه وقطعوا بأن ذلك المعنى أي شيء كان فهو الحق والصواب.

فهؤلاء هم الراسخون في العلم بالله بحيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر ولا عدم علمهم بالمراد عن الإيمان بالله والجزم بصحة القرآن، ولم يصر كون ظاهره مردوداً شبهة لهم في الطعن في كلام الله  .

ثم إن جعل قوله ﴿ والراسخون ﴾ عطفاً على اسم ﴿ الله ﴾ فقوله ﴿ يقولون آمنا به ﴾ كلام مستأنف موضح لحال الراسخين بمعنى هم يقولون آمنا بالمتشابه كل من عند ربنا أي كل واحد من المحكم والمتشابه من عنده.

وفي زيادة ﴿ عند ﴾ مزيد توضيح وتأكيد وتفخيم لشأن القرآن، ويحتمل أن يعود الضمير في ﴿ آمنا به ﴾ إلى الكتاب أي يقولون، آمنا بالكتاب كل من محكمه ومتشابهه من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه ولا يختلف كتابه، ويحتمل أن يكون قوله ﴿ يقولون ﴾ حالاً إلا أن فيه إشكالاً وهو أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره وههنا قد تقدم ذكر الله وذكر الراسخين، والحال لا يمكن إلا من الراسخين فيلزم ترك الظاهر.

﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ ما يتعظ إلا ذوو العقول الكاملة الذين يستعملون أذهانهم في فهم القرآن فيعلمون ما الذي يطابق ظاهره دلائل العقل فيكون محكماً، وما الذي هو بالعكس فيكون متشابهاً، ثم يعتقدون أن الكل كلام من لا يجوز في / كلامه التناقض، فيحكمون بأن ذلك المتشابه لا بد أن يكون له معنى صحيح عند الله وإن دق عن فهومنا.

وقيل: هو مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمل حتى علموا من التأويل ما علموا.

ثم إنه  حكى عن الراسخين نوعين من الدعاء: الأول قولهم ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ﴾ أي بعد وقت هدايتنا، والثاني قولهم ﴿ وهب لنا من لدنك رحمة ﴾ سألوا ربهم أوّلاً أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الأباطيل والعقائد الفاسدة، ثم أن ينور قلوبهم بأنوار المعرفة ويزين جوارحهم وأعضاءهم بزينة الطاعة والعبودية والخدمة.

ونكَّر رحمة ليشمل جميع أنواعها.

فأوّلها أن يحصل في القلب نور الإيمان والتوحيد والمعرفة، وثانيها أن يحصل في الجوارح والأعضاء نور الطاعة والعبودية والخدمة، وثالثها أن يحصل له في الدنيا سهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفاية، ورابعها أن يحصل عند الموت سهولة سكرات الموت، وخامسها سهولة السؤال والظلمة والوحشة في القبر، وسادسها في القيامة سهولة العقاب والخطاب وغفران السيئات وتبديلها بالحسنات، وسابعها في الجنة ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وثامنها في الحضرة رفع الأستار ورؤية الملك الجبار.

وفي قولهم ﴿ من لدنك ﴾ تنبيه على أن هذا المقصود لا يحصل إلا من عنده ويؤكده قوله ﴿ إنك أنت الوهاب ﴾ فالمطالب وإن كانت عظيمة فإنها تكون حقيرة بالنسبة إلى غاية كرمك ونهاية وجودك وموهبتك.

ولنعد إلى ما يتعلق بالدعاء الأول قال أهل السنة: القلب صالح لأن يميل إلى الإيمان، وصالح لأن يميل إلى الكفر، وكل منهما يتوقف على داعية ينشئها الله تعالى فيه، إذ لو حدثت بنفسها لزم سد باب إثبات الصانع.

فإن كانت داعية الكفر فهو الخذلان والإزاغة والصد والختم والطبع والرين وغيرها مما ورد في القرآن، وإن كانت داعية الإيمان فهو التوفيق والرشاد والهداية والتثبيت والعصمة ونحوها.

وكان رسول الله  يقول: " "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن" يعني الداعيتين.

ومما يؤكد ذلك أن الله  مدح هؤلاء الراسخين بأنهم لا يتبعون المتشابهات بل يؤمنون بها على سبيل الإجمال ويتركون الخوض فيها فيبعد منهم في مثل هذا الوقت أن يتكلموا بالمتشابه، فتكون هذه الآية من أقوى المحكمات وهو ظاهر في أن الإزاغة والهداية كلتيهما من الله  .

أما المعتزلة فقد قالوا: لما دلت الدلائل على أن الإزاغة لا يجوز أن تصدر من الله  لأن ذلك ظلم وقبيح، وجب صرف الآية إلى التأويل فقال الجبائي واختاره القاضي: المراد أن لا يمنع قلوبهم الألطاف التي معها يستمر قلبهم على صفة الإيمان، وزيف بأن اللطف إن / صح في حقهم وجب عندكم على الله أن يفعل ذلك وجوباً لو تركه لبطلت إلهيته ولصار جاهلاً أو محتاجاً.

وقال الأصم: لا تبلنا ببلوى يزيغ عندها قلوبنا.

والمعنى لا تكلفنا من العبادات ما لا نأمن معه الزيغ.

وقد يقول القائل: لا تحملني على إيذائك أي لا تفعل ما أصير عنده مؤذياً لك.

وزيف بأن التشديد في التكليف قبيح إن علم الله  أن له أثراً في حمل المكلف على القبيح وإلا فوجوده كعدمه فلا فائدة في صرف الدعاء إليه.

وقال الكعبى: لا تسمنا باسم الزائغ كما يقال: فلان يكفر فلاناً أي يقول إنه كافر.

وزيف بأن التسمية دائرة مع الفعل، وفعل الزيغ باختيار العبد عندكم فالتسمية أيضاً بسببه، وقال الجبائي أيضاً: لا تزغ قلوبنا عن جنتك وثوابك وهو كالأول إلا أن يحمل على شيء اخر وهو أنه تعالى إذا علم أنه مؤمن في الحال، وعلم أنه لو بقي إلى السنة الثانية لكفر أماته في هذه السنة.

ويرد عليه أنه لو كان علمه بأنه يكفر في السنة الثانية يوجب عليه أن يميته لكان علمه بأنه لا يؤمن قط ويبقى على الكفر طول عمره يوجب أن لا يخلقه.

وعن الأصم أيضاً: لا تزغ قلوبنا عن كمال العقل بالجنون بعد إذ هديتنا بنور العقل.

ولا يخفى تعسفه وعدم مناسبته لقوله ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ .

وقال أبو مسلم: احرسنا من الشيطان ومن شرور أنفسنا حتى لا نزيغ.

ثم إنهم لما طلبوا أن يصونهم عن الزيغ وأن يخصهم بالهداية والرحمة فكأنهم قالوا ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقضية، ولكن الغرض ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه أي في وقوعه.

فاللام للوقت، أو جامع الناس لجزاء يوم فحذف المضاف ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ قيل: هو كلام الله  كأنه يصدقهم فيما قالوه، ولو كان من تمام قول المؤمنين لقيل: إنك لا تخلف.

إلا أن يحمل على الالتفات ومعناه أن الإلهية تنافي خلف الميعاد كقولك: إن الجواد لا يخيب سائله.

ولا سيما وعد الحشر والجزاء لينتصف للمظلومين من الظالمين.

والميعاد المواعدة والوقت والموضع قاله في الصحاح.

واعلم أنه لا يلزم من أنه  لا يخلف الوعد القطع بوعيد الفساق كما زعم المعتزلة، لأن كل ما ورد في وعيد الفساق فهو عندنا مشروط بشرط عدم العفو، كما أنه بالاتفاق مشروط بشرط عدم التوبة بدليل منفصل.

قال الواحدي: ولم لا يجوز أن يحمل هذا على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء، لأن خلف الوعيد كرم عند العرب.

قال بعضهم: إذا وعد السراء أنجز وعده *** وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه وناظر أبو عمرو بن العلاء عمرو بن عبيد فقال: ما تقول في أصحاب الكبائر؟

فقال: إن الله وعد وعداً وأوعد إيعاداً.

فهو منجز إيعاده كما هو منجز وعده.

فقال أبو عمرو إنك أعجم لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب، لأن العرب تعدّ الرجوع عن الوعد لؤماً وعن الايعاد كرماً وأنشد: وإني وإن أوعدته أو وعدته *** لمكذب إيعادي ومنجز موعدي وذلك أن الوعد حق عليه، والوعيد حق له، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم، ومن أسقط حق غيره فذلك هو اللؤم فهذا هو الفرق بين الوعد والوعيد.

على أنا لا نسلم أن الوعيد ثابت جزماً من غير شرط بل هو مشروط بعدم العفو فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام الله  .

ثم إنه  لما حكى عن المؤمنين دعاءهم وتضرعهم حكى كيفية حال الكافرين وشدة عذابهم فقال: ﴿ إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً ﴾ وقيل: المراد وفد نجران وذلك أنا روينا في قصتهم أن أبا حارثة بن عقلمة قال لأخيه: إني أعلم أنه رسول الله  حقاً، ولكن إن أظهرت ذلك أخذ ملوك الروم مني ما أعطوني من المال.

فالله  بيَّن أن أموالهم وأولادهم لا تدفع عنهم عذاب الله في الدنيا والآخرة، لكن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ.

واعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عنه كل ما كان منتفعاً به ويجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة.

أما الأول فإليه أشار بقوله: ﴿ لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ﴾ لأنهما أقرب الأمور التي يفزع إليها المرء عند الخطوب.

وإذا لم يفد أقرب الطرق إلى دفع المضار في ذلك اليوم فما عداه بالتعذر أولى ومثله ﴿ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم  ﴾ ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير  ﴾ .

وأما الثاني فإليه أشار بقوله: ﴿ وأولئك هم وقود النار ﴾ فإنه لا عذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس: و"من" في قوله ﴿ من الله ﴾ للبدل مثله في قوله ﴿ و إن الظن لا يغني من الحق شيئا  ﴾ أي بدله والمضاف محذوف تقديره لن تغني عنهم بدل رحمة الله أو طاعته شيئاً.

أو في الحديث " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " أي لا ينفعه جده وحظه في الدنيا بدل طاعتك وعبادتك وما عندك وأنشد أبو علي: فليت لنا من ماء زمزم شربة *** مبردة باتت على طهيان وطهيان من بلاد الأزد.

قلت: يجوز أن يقال "من" للابتداء تقديره من عذاب الله، والجار والمجرور مقدم حالاً من شيء أو "من" زائدة لتأكيد النفي التقدير: لن تغني عنهم عذاب الله شيئاً من الغناء أي لن تدفع.

وقال أبو عبيدة "من" بمعنى "عند" والمعنى: لن تغني عند الله شيئاً.

قوله  : ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ يقال: دأب فلانٍ في عمله أي جدّ وتعب دأبا دؤباً فهو دئيب.

وأدأبته أنا، والدائبان الليل والنهار، والدأب العادة والشان، وكل ما عليه الإنسان من صنيع وحالة، وقد يحرّك وأصله من دأبت إطلاقاً لاسم الخاص على العام أي جد هؤلاء الكفار واجتهادهم أو شأنهم أو صنيعهم في تكذيب محمد وكفرهم بدينه كدأب آل فرعون مع موسى  .

ثم إنا أهلكنا أولئك بذنوبهم فكذلك نهلك هؤلاء.

فقوله: ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ تفسير لدأبهم على أنه جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ما فعلوا وما فعل بهم؟

فقيل: كذبوا بآياتنا بالمعجزات الدالة على صدق رسلنا.

﴿ فأخذهم الله بذنوبهم ﴾ أي صاروا عند نزول العذاب كالمأخوذ المأسور الذي لا يقدر على وجه الخلاص البتة.

وقيل: المعنى كدأب الله في آل فرعون أي يجعلهم الله وقود النار كعادته وصنيعه في آل فرعون والمصدر يضاف تارة إلى الفاعل وتارة إلى المفعول.

وقال القفال: يحتمل أن تكون الآية جامعة للعادة المضافة إلى الله  وللعادة المضافة إلى الكفار كأنه قيل: إن عادة هؤلاء الكفار ومذهبهم في إيذاء محمد كعادة من قبلهم في إيذاء الرسل، وعادتنا أيضاً في إهلاك هؤلاء كعادتنا في إهلاك أولئك الكفرة.

وقيل: الدؤب والدأب اللبث والدوام والتقدير: دؤبهم في النار كدؤب آل فرعون.

وقيل: مشقتهم وتعبهم في النار كمشقة آل فرعون بالعذاب ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب  ﴾ .

وقيل: المشبه هو أن أموالهم وأولادهم لا تنفعهم في إزالة العذاب والمعنى: إنكم قد عرفتم ما حل بآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين بالرسل من العذاب المعجل الذي عنده لم ينفعهم مال ولا ولد، فكذلك حالكم أيها الكفار المكذبون بمحمد فينزل بكم مثل ما نزل بهم ولا تغني عنكم الأموال والأولاد.

ويحتمل أن يكون وجه التشبيه أنه كما نزل بمن تقدم العذاب المعجل بالاستئصال وهو قوله ﴿ فأخذهم الله بذنوبهم ﴾ ثم صاروا إلى دوام العذاب وهو قوله ﴿ والله شديد العقاب ﴾ فسينزل بمن كذب بمحمد أمران: أحدهما المحن المعجلة من القتل والسبي والإذلال وسلب الأموال وإليه الإشارة بقوله فيما بعد ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون ﴾ والثاني المصير إلى العذاب الدائم وذلك قوله ﴿ وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ﴾ .

/ التأويل: ﴿ آلم ﴾ الألف إظهار الوحدة مطلقاً ذاتاً وصفة.

فإن الألف واحد في ذاته وصفاته في وضع الحساب، ومتفرد بالأولية والانقطاع عن غيره في وضع الحروف، ويشير باستقامته وعدم تغيره في جميع الأحوال إلى عدم تغيره عن الوجود الوحداني أزلاً وأبداً.

فإن الألف مصدر جميع الحروف، فإن من استقامته يخرج كل حرف معوج.

ثم في اللام والميم المتصل كل حرف منهما بالآخر إثبات أن كل موجود سوى الوحدة موصوفة بالإثنينية وذلك قسمان: قسم لم يكن فكان ثم يزول، وقسم ما كان فكان ولا يزول.

وهذان قسمان محدثان وموجدهما الواحد القديم الذي لا زال كان ولا يزال يكون وإليه الإشارة بالألف.

وأما اللام فإشارة إلى القسم الذي لم يكن فكان ولا يكون باقياً وهو عالم الصورة والملك والأجساد.

فوقوعه في المرتبة الثانية، من الألف إشارة إلى أنه مسبوق بالوجود والألف سابق عليه، والانكسار فيه يشير إلى تغيره وزواله.

والميم إشارة إلى القسم الذي لم يكن فكان ولا يزال يبقى وهو عالم المعنى والملكوت والأرواح.

وذلك أن الميم أول حرف من اسمه المبدىء وآخر حرف من اسمه القيوم، فيشير إلى أنه كما أبدأه المبدىء حين لم يكن يقيمه القيوم حين كان لا يزال.

وبوجه آخر الألف إشارة إلى وجود حقيقي قائم بذاته، واللام يشير إلى إثبات ونفي.

فالإثبات في لام التمليك ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ والنفي في "لا" النافية أي لا وجود لشيء بالحقيقة سواه، والميم يشير أيضاً إلى إثبات ونفي.

فالإثبات ميم اسمه القيوم والنفي "ما" النافية أي ما في الوجود حقيقة إلا هو.

ودليل الوجهين في ﴿ آلم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ فـ ﴿ الله ﴾ إثبات ذات القديم، ﴿ لا إله إلا هو ﴾ نفى الشرك عن وجوده وإثبات وحدته في وجوده و ﴿ الحي القيوم ﴾ إثبات جميع صفات كماله ونفي جميع سمات النقص عن ذاته.

وقد أودع مجموع معاني هذه الآية في قوله ﴿ آلم ﴾ فمعنى قوله ﴿ الله ﴾ أودع في أول حرف من حروفه وهو الألف، ومعنى قوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ أودع في أول حرف من حروفه وهو اللام.

ومعنى قوله ﴿ الحي القيوم ﴾ أودع في آخر حرف من حروفه وهو الميم.

وإنما أودع في آخر حروفه ههنا ليكون السر مودعاً في الآية من أول حرفها إلى آخر حرفها مكتوماً فيما بينهما.

والحروف الثلاثة من قوله ﴿ آلم ﴾ يكون الألف من أولها دالاً على المعنى الذي هو في الكلمة الأولى وهي ﴿ الله ﴾ واللام من أوسطها دالاً على المعنى الذي في الكلمة الثانية وهي ﴿ لا إله إلا هو ﴾ والميم من آخرها دالاً على المعنى الذي هو مودع في الثالثة وهو ﴿ الحي القيوم ﴾ فيكون الاسم الأعظم مودعاً في ﴿ آلم ﴾ كما روي عن سعيد بن جبير وغيره، وهو سر القرآن وصفوته كما روي عن أبي بكر وعلي  .

ثم إنه  بعد أن أظهر أسرار ألوهيته المودعة في ﴿ آلم ﴾ بقوله ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ أظهر ألطاف ربوبيته المكنونة في أستار العزة مع حبيبه محمد  / فقال ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق ﴾ أي نزل حقائق القرآن وأنواره على قلبك بالحقيقة متجلية لسرك، مخيفة عن زورك، فصرت مشاهداً لسر الله المودع في ﴿ آلم ﴾ وهو الذي بين يدي ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ فصرت مصدقاً له تصديق تحقيق لا تصديق تقليد فأفهم إذ لم تتعلم، ولا تعلم أنك لا تفهم لأنه منطق الطير وأنت بعد بيضة لا من الطيارين ولا من السيارين.

﴿ وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس ﴾ فلا تظنن يا محمد أن إنزال الكتب على الأنبياء كان كتنزيل القرآن بالحقيقة على قلبك كما قال: ﴿ ولكن جعلناه نوراً  ﴾ حتى صرت مكاشفاً عند تجلي أنواره بأسراره، وحقائق بيني وبينك لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما إنزال الكتب على الأنبياء كان بالصورة مكتوبة في صحائف وألواح يقرؤها كل قاريء، ويستوي في هداها الأنبياء والأمم قاطبة ﴿ هدى للناس ﴾ وكنت مخصوصاً بالهداية عند تجلي أنوار القرآن بالتنزيل على قلبك كما قال: ﴿ ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا  ﴾ ﴿ وأنزل الفرقان ﴾ الذي يفرق بين تنزيله على قلبك وبين إنزال الكتب على صورة الأنبياء، ويفرق بين تعليمك القرآن وبين تعليمهم الكتب.

فإن كانوا يتدارسون الكتب فأنت تتخلق بالقرآن، فشتان بين نبي يجيء وهو بذاته نور ومعه كتاب ﴿ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين  ﴾ وبين نبى يجىء ومعه نور من الكتاب ﴿ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس  ﴾ وشتان بين نبي تشرف بكتابة الموعظة له في الألواح ﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة  ﴾ وبين نبي تشرف أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم ﴿ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله ﴾ يسترون بحجب الغفلات وتتبع الشهوات قلوبهم فتعمى عن مشاهدة هذه الآيات البينات ﴿ لهم عذاب شديد ﴾ من هذا العمى والحرمان وهم في خسران من الركون إلى هذا النقصان ﴿ والله عزيز ذو انتقام ﴾ يعز أهل الغرام بنيل المرام وينتقم من أهل السلوة بحجاب العزة.

ثم أخبر  عن كمال علمه بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ﴾ وكيف يخفى وإنه ﴿ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز ﴾ عن نقص الأحكام ﴿ الحكيم ﴾ فيما يجري من الأزل إلى الأبد وجفت به الأقلام.

وفي الآية إشارة إلى أنه إذا سقطت من صلب ولاية رجل من رجال الحق نطفة إرادة في رحم قلب مريد صادق يستسلم لتصرفات ولاية الشيخ وهو بمثابة ملك الأرحام، ويضبط المريد أحواله الظاهرة والباطنة على وفق أمر الشيخ ويختار الخلوة والعزلة لئلا يصدر منه حركة عنيفة أو يجد رائحة غريبة يلزم منه سقوط النطفة وفسادها، ويقعد بأمر الشيخ وتدبيره فالله  بتصرف ولاية الشيخ / المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها يحوّلها من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام إلى أن يرجع إلى حظائر القدس ورياض الأنس التي منها صدر إلى عالم الإنس، فيتكون الجنين في رحم القلب وهو طفل خليفة الله في أرضه فيستحق الآن أن ينفخ فيه الروح المخصوص بأنبيائه وأوليائه ﴿ يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده  ﴾ ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه  ﴾ فإذا نفخ فيه الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون.

الآيات المحكمات تنزيلها شرب الخواص والعوام لبسط الشرع والاهتداء، والمتشابهات تأويلها شرب الخواص وخواص الخواص لإخفاء الأسرار عن الأغيار والابتلاء ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ ألبست قلوبهم غطاء الريب وحرموا أنوار الغيب وهم أهل الأهواء والبدع ﴿ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ﴾ ليضلوا بأهوائهم ﴿ وابتغاء تأويله ﴾ ليضلوا الناس بآرائهم ﴿ والراسخون في العلم يقولون آمنا به ﴾ بما شاهدوا من أنوار الحق في تحقيق التأويل ﴿ كل من عند ربنا ﴾ بتوفيقه وإعلامه وتعريفه ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين خرجوا في متابعة النبي  من ظلمات قشور وجودهم النفساني إلى نور لباب وجودهم الروحاني، وهم الراسخون في قشور العلوم الكسبية الواصلون إلى حقائق لباب العلوم اللدنية من لدن حكيم خبير.

وفي الآية إشارة إلى أن علوم الراسخين كلها بتعليم الله  إياهم في الميثاق إذ تجلى بصفة الربوبية للذرّات، وأشهدهم على أنفسهم بشواهد الربوبية ألست بربكم؟

فبشهود تلك الشواهد ركز في جبلة الذرّات علم التوحيد فقالوا: بلى.

ويندرج في علم التوحيد كل العلوم كما قال: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ فلما ردّت الذرّات إلى الأصلاب واحتجبت بصفات البشرية، ثم نقلت إلى الأرحام وتنقلت بقدم الأربعينات من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام من مقامات البعد عن الحضرة إلى أن وضع الحمل، وردت النفس العالمة بعلم التوحيد الناطقة به إلى أسفل سافلين القالب محتجبة بحجب البشرية ناسية تلك العلوم والتنطق بها.

ثم أبواه يذكرانه تلك العلوم بالرموز والقرائن حتى يتذكر بعض تلك العلوم من وراء حجب البشرية وأستار الأطوار، وينطق بلسان الأبوين لا بلسانه الذي أجاب به الرب وقال بلى، فإن ذلك اللسان كان لب هذا اللسان وهذا قشر ذلك.

وكذلك جميع وجود ظاهر الإنسان وباطنه قشور لباب ذلك الوجود المستمع المجيب في الميثاق.

فسمعه قشر ذلك السمع الذي استمع خطاب الحق، وبصره قشر ذلك البصر الذي أبصر جمال الحق، وقلبه قشر ذلك القلب الذي فقه خطاب الحق، وعلومه قشر تلك العلوم التي تعلمت من الحق.

فالنبي  إنما بعث ليذكره حقيقة تلك العلوم التي كان أبواه يذكرانه قشرها كما قال ﴿ فذكر إنما أنت مذكر  ﴾ فالتذكير عام ولكن التذكر خاص فلهذا قال ﴿ وما يذكر إلا أولوا / الألباب ﴾ إنما يتذكر أولوا الألباب ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا ﴾ عن صراطك بغلبات ظلمات طبائعنا وطباعنا ﴿ بعد إذ هديتنا ﴾ إلى حضرة جلالك ونور جمالك حتى سمعنا بلب سمعنا لب التنزيل، وشاهدنا بلب أبصارنا لب التأويل، وتذكرنا بلب عقولنا علومنا ﴿ وهب لنا من لدنك رحمة ﴾ تجذبنا من لدنا إلى لدنك وتغنينا عنا بك ﴿ إنك أنت الوهاب ﴾ .

وفيه إشارة إلى أن وظيفة الطالب أن لا يسكن في مقام ولا يقف مع حال بل يكون إلى الأبد طلاباً كما كان الله من الأزل إلى الأبد وهاباً.

وكما أنه لا نهاية لمواهبه فلا غاية لمطالب طالبه، وأن بعد هذه الدار داراً هي دار القرار يوفى فيها جزاء الأبرار والفجار.

فحصول الأرب بقدر رعاية الأدب في الطلب.

ومقاساة التعب والنصب، وإن التقوى خير زاد للمعاد ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ ﴿ إن الذين كفروا ﴾ ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات صفات نفسانيتهم ﴿ لن تغنى عنهم ﴾ طاغوت ﴿ أموالهم وأولادهم من ﴾ أنوار الله التي حجبوا عنها ﴿ وأولئك هم وقود النار ﴾ نار الفرقة والقطيعة ﴿ نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة  ﴾ لا نار الجحيم التي لا تحرق إلا قشور الجلود ولا تخلص إلى لب القلوب.

وإن عذاب حرقة لجلود بالنسبة إلى عذاب حرقة القلوب وحرقة القطيعة عن الله كنسيم الحياة إلى سموم الممات.

في فؤاد المحب نار هوى *** أحر نار الجحيم أبردها وكذلك دأب جميع الكفار الذين ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات صفات النفس فعموا وصموا عن مشاهدة أنوارنا ومحافظة أسرارنا، فأخذهم الله فعاقبهم بحجاب ذنبوبهم وحرقة قلوبهم ﴿ والله شديد العقاب ﴾ أليم نار فراقه عظيم عذاب بعده وإشراقه.

بالنار خوّفني قومي فقلت لهم *** النار ترحم من في قلبه نار <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ الۤمۤ * ٱللَّهُ ﴾ .

قال بعضهم: تفسيره ما وصل به من قوله: ﴿ الۤـمۤ  ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ  ﴾ : هو تفسير ﴿ الۤـمۤ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ : تفسير ﴿ الۤـمۤ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤصۤ  كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ  ﴾ ، وجميع ما وصل به الحروف المقطعة فهو تفسيرها، ولله أن يسمي نفسه بما شاء: سمى نفسه مجيداً؛ كقوله: ﴿ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ  ﴾ ، وسمىّ القرآن مجيداً؛ كقوله: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ  ﴾ .

وقال بعضهم: الحروف المقطعة هي مفتاح السورة.

وقال آخرون: إن كل حرف منها اسم من أسماء الله  .

ومنهم من يقول بأنها من المتشابه التي لا يوقف عليها.

ومنهم من يقول: هو على التشبيب؛ إذ من عادة العرب ذلك، وقد مضى الكلام فيه في قوله: ﴿ الۤـمۤ  ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ  ﴾ بما يكفي.

وقوله: ﴿ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ ﴾ : هو الحيُّ بذاته، وكل حيٍّ سواه حيُّ بحياة هي غيره، فإذا كان هو حيّاً بذاته لم يوصف بالتغاير والزوال، ولما كان كل حيٍّ سواه حيّاً بغيره احتمل التغاير والزوال؛ وكأن الحياة عبارة يوصف بها مَنْ عَظُمَ شَأْنُهُ، وشَرُفَ أمره عند الخلق.

ألا ترى أن الله -  - وصف الأرض بالحياة عند نباتِها؛ لما يعظم قدرها ويشرف منزلتها عند الخلق عند النبات؟!

وكذلك سمى المؤمن حيّاً؛ لعلوّ قدره عند الناس، والكافر ميتاً؛ لدون منزلته عند الناس؛ فكذلك الله -  - سمى [نفسه] حيّاً؛ لعظمته وجلاله وكبريائه؛ وعلى هذا يخرج قوله في الشهداء؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ  ﴾ ، أي: مكرمون معظمون مشرفون عند ربّهم.

وقوله: ﴿ ٱلْقَيُّومُ ﴾ ، قال بعضهم: هو القائم على كل نفس بما كسبت.

وقال آخرون: القيوم: الحافظ.

وفي حرف ابن مسعود -  -: "هو الحيّ القيام" وكله يرجع إلى واحد: القائم.

والقيوم، والقيام، يقال: فلان قائم على أمر فلان، أي: يحفظه حتى لا يغيب عنه من أمره شيء.

وروي عن ابن عباس -  - أنه قال: "إنَّ اسمَ اللهَ الأَعْظَمَ هَوَ: الحيُّ القَيُّومُ" وقوله: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ .

ظاهر.

﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ قيل فيه بوجوه: يحتمل بالحق، أي: دعاء الخلق إلى الحق، ويحتمل بالحق، أي: هو الحق نفسه حجة مجعولة، وآية معجزة، أيس العرب عن أن يعارضوه أو يأتوا بمثله، وتحقق عند كُلٍّ أنهُ من عند الله، إلا من أعرض عنه، وكابر وعاند.

وقيل: بالحق، أي: بالصِّدق والعدل.

وقيل: بالحق الذي لله عليهم، وما يكون لبعضهم [على بعض].

ثم قال: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .

أي: موافقاً لما قبله من الكتب السماوية، وهي غير مختلفة ولا متفارتة، وفيه دلالة نبوة [سيدنا] محمد  ؛ لأنه أخبر أنه موافق لتلك الكتب غير مخالف لها، ولو كان على خلاف ذلك لتكلفوا إظهار موضع الخلاف؛ فإذا لم يفعلوا ذلك دل أنهم عرفوا أنه من الله، وأن محمداً رسوله، لكنهم كابروا وعاندوا.

وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ﴾ .

من بعد.

وقال بعضهم: ﴿ هُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ .

أي: بياناً لهم، وحجَّة لمن اهتدى، وحجة على من عمي؛ إذ لا يحتمل أن يكون له هدى، وعليه حجة فيه الهلاك؛ إنما يكون حجة له وهدى إذا اهتدى، وعليه إن ترك الاهتداء؛ فبان أنه يخالف ما يقوله المعتزلة.

وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ﴾ : قد ذكرنا فيما تقدم أنه سمّي فرقاناً؛ لوجهين: أحدهما: لما فرق آياته وفرق إنزاله.

والثاني: لما يفرِّق بين الحق والباطل، وبين الحرام والحلال، وبين ما يتقى ويؤتى؛ فعلى هذا كل كتاب مبيّن فيه الحلال والحرام، وبُيِّن ما يتقى ويؤتى.

والإنجيل فيه سمي إنجيلاً؛ لما يجلي، وهو الإظهار في اللُّغة.

وَقِيل: سمّى التوراة تَوْراة من أوريت الزند؛ وهو كذلك.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ...

﴾ : قيل: بحجج الله.

وقيل: كفروا بآيات الله، أي: بالله؛ لأنهم إذا كفروا بآياته كفروا به، وكذلك الكفر بدينه كفر به، والبراءة من دينه براءة منه، والبراءة من رسول الله براءة منه.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: ذو انتقام لأوليائه من أعدائِه.

وقيل: ذو انتقام: ذو انتصار على الأعداء.

وقيل: ذو بطش شديد.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

هو وعيد؛ كأنه - والله أعلم - قال: لا يخفى عليه ما في السماوات، و[وما في] الأرض من الأمور المستورة الخفية على الخلق؛ فكيف يخفى عليه أعمالكم وأفعالكم، التي هي ظاهرة عندكم؟!

ويحتمل: إذا لم يخف عليه ما بطن، وخفي في الأصلاب والضمائر والأرحام؛ فكيف يخفى عليه أفعالكم وأقوالكم، وهي ظاهرة؟!.

ألا ترى أنه قال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ ﴾ ؛ إذ علم ما في الأرحام وصوَّرها على ما شاء وكيف شاء.

وهم ﴿ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ﴾ فيه دليل نقض قول من يقول بالقائف؛ لأنه جعل علم التصور في الأرحام لنفسه، لم يجعل لغيره، كيف عرف بالقائف تصوير الأوَّل، حتى قال الله: إنه على صورته وعلى تصويره، وإنه من مائة، ثم اختلف في خلق الأشياء: قال بعضهم بخلق الفروع من الأصول، وهن أسباب للفروع.

وقال آخرون: يكون بأسباب وبغير أسباب، فإن كان بعض الأشياء يكون بأسباب؛ من نحو الإنسان من النطفة، إلا أن النطفة تتلف؛ فتكون علقة، ثم مضغة؛ فدل أنه يخلق الخلق كيف شاء من شيء ولا من شيء، بسبب وبغير سبب، وهو القادر على ذلك، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ اختلف فيه: فقيل: المحكمات: هن النَّاسخات المعمولات بهن، والمتشبهات: هن المنسوخات غير معمول بهن، وهو قول ابن عباس [  ].

وقال آخرون: المحكمات: هن ثلاثة آيات في [آخر] سورة الأنعام: قوله: ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ ...

تَتَّقُونَ  ﴾ ، وما ذكر في سورة "بني إسرائيل" من قوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ إلى آخر هذه الآيات، سميت محكمة؛ لأن فيها توحيداً وإيماناً بالله وغيره من المتشابه.

ثم قيل بعد هذا بوجوه: قيل: المحكمات: هي التي يعرفها كل أحد إذا نظر فيها، وتأمَّل فيها.

والمتشابه: هو المبهم الذي يعرف عند البحث فيه والطلب.

وقيل: المحكمات: ما يوقف ويفهم مراده.

والمتشابه: هو الذي لا يوقف [عليه] ألبتة، بعد ما قضى حوائج الخلق من البيان في المحكم منه، ولكن يلزم الإيمان به، وهو من الله محنة على عباده، ولله أن يمتحن خلقه بما شاء من أنواع المحن؛ لأنها دار محنة.

وغيرها لا يفهم مرادها.

ويحتمل أن يكون المحكمات: هن ما ظهر لكل أحد من أهل الإسلام؛ حتى لم يختلفوا فيها.

والمتشابه: هو الذي اشبته على الناس؛ لاختلاف الألسن فاختلفوا فيها، ولما يؤدي ظاهره إلى غير ما يؤدي باطنه؛ فتعلق بعضهم بالظاهر فقالوا به، وتعلق آخرون بالباطن؛ لما رأوا ظاهره جوراً وظلماً أو تشبيهاً، على اتفاقهم على نفي الجور والظلم عنه، ويجوز لمن يوقف على المتشابه بمعرفة المحكم.

وقال آخرون: المحكم: هو الواضح المبين، فلو كان على ما قالوا لم يكن لاختلاف الناس فيه، وادعاء كل أنَّ الذي هو عليه هو المحكم؛ لأنه لو كان ظاهراً مبيّناً لتمسّكوا بهن ولم يقع بينهم اختلاف.

وفيه دليل ونقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون بالأصلح في الدين: أنه لا يفعل إلا ذلك، ثم لم يبين لهم المحكم من غير المحكم، ولو بين كان أصلح لهم في الدين؛ فدل أن الله - عز وجل - قد يجوز أن يفعل بهم ما ليس بأصلح لهم في الدين؛ امتحاناً وابتلاءً منه لهم، والله أعلم.

لكن لا يخرج من الحكمة، ثم ما قالوه في الأمر حق؛ لأنه لا يأمر إلا أن يفعل بهم ما لهم فيه الأصلح، وقد يفعل ما هو حكمة في حق المحنة وإن كان غير ذلك أصلح لهم في الدّين، بمعنى: أقرب وأدعى إليه، والله الموفق.

وَقال قوم: المحكم: ما في العقل بيانه.

والمتشابه: ما لا يدرك في العقل؛ وإنما يعرف بمعونة السمع.

وقال قوم: لا متشابه فيما فيه أحكام من أمر ونهي وحلال وحرام؛ وإنما ذلك فيما ليس بالناس حاجة إلى العلم به، نحو: الإنباء عن منتهى الملك، وعن عدد الملوك، وعن الإحاطة بحقيقة الموعود، ونحو ذلك.

ولا قوة إلا بالله.

لكن يمكن أن يكون سمي متشابهاً؛ بما تشابه على أولئك القوم حقيقة ما راموا من الوجه الذي طلبوا.

وقد بيَّنا الحق في أمر المتشابه، وما يجب في ذلك من القول، وبالله العصمة والنجاة.

وقوله: ﴿ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل أم الكتاب، أي: أصل الكتاب.

ويحتمل أم الكتاب، أي: المتقدم على غيرها؛ وعلى هذا يُخَرِّجُ: ﴿ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ  ﴾ ، أعني: مكة؛ لأنها هي المتقدمة على غيرها من القرى، ويحتمل هي أصل القرى؛ كما سمى "فاتحة الكتاب": "أم القرآن"؛ لأنها أصل؛ أو لأنها هي المتقدمة على غيرها من السور، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، أي: مقصود الكتاب، يعني: المحكمات، والمتشابهات مما فيه شبه من غيره؛ فيتشابه؛ فهو متشابه؛ كقولهم: ﴿ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا  ﴾ ؛ وكذلك المشكل سمي مشكلاً؛ لما يدخل فيه شكل من غيره فسمي مشكلاً؛ فكذلك المتشابه يدخل فيه شبه غيره؛ فصار متشابهاً، والله أعلم.

وقوله [عز وجل]: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ .

قيل: ميل عن الحق.

وقيل: الزيغ: هو الريب والشك.

﴿ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ ﴾ ولو كان ثم اتباع لعذروا؛ إذ الاتباع للشيء اتباع ما فيه من المراد؛ وعلى هذا يقولون في قوله: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ  ﴾ : أي يتبعونه حق اتباعه، وكذلك قوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ .

والمتشابه قد أنزل إلينا من ربنا؛ فيحمد متبعه في الحقيقة؛ فثبت أنه لم يكن ثم اتباع في الحقيقة، وأنه لو كان لعذروا، ولكنه كان - والله أعلم - اتباع الآراء في التأويل بالآراء الفاسدة؛ ألا ترى أنهم طلبوا بالتأويل منتهى ملك هذه الأمَّة؟!

وفي الوقوف عليه وقوف على علم الساعة وسبب القيامة، وذلك علم ما لم يُطْلِع اللهُ الرسلَ على ذلك، فضلاً أن يطلع عليه غيرهم.

قال الشيخ - رحمه الله -: ويحتمل أن يكون اتباعهم نظرهم فيما تقصر أفهامهم عن الإدراك في الوقوف عليه، ولو كان نظرهم في المحكم من ذلك، لكان لهم في ذلك بلاغ وكفاية فيما إليهم به حاجة، ولا قوة إلا بالله.

قال الشيخ - رحمه الله -: في قوله: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ : أي: ميل عن الحق، وذلك همتهم، أو كان ذلك اعتقادهم، فإن كان المراد من ذلك في الكفرة فهو الأوّل، وإن كان في أصحاب الهوى من الذين يدينون دين الإسلام - فهو الثاني؛ وكذلك نجد كل ذي مذهب في الدِّين - ممَّن اعتقد حقيقة الأمر في قوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ  ﴾ الآية، وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ...

 ﴾ الآية - يتعلق بظاهر الآية؛ يدعي أنها محكمة بما عنده أنه الحق، بعد أن أجهد نفسه في طلب الحق، ويسوي غير ذلك عليه، فإن كان على ذلك فحقه التسليم لما عليه توارث الأمة ظاهراً؛ على ما روي عن نبي الله  أنه أخبر عن تفرق الأمة، ثم أشار إلى التمسُّك بما عليه هو وأصحابه [-  م -] فعلى ذلك أمر المتوارث؛ فيجب جعله محكماً وبياناً [لما] اختلف عليه، ولا قوة إلا بالله.

ويكوت المتبدع في ابتغاء تأويله؛ يريد التلبيس على من لزم تلك الجملة، وكذلك لأهل جمل في الدِّين مرفوع عليه، كذا التنازع وترك الاشتغال بتأويل ما اعترضه، لكان متبع المحكم عند الأمة مطيعاً المتشابه، ولا قوة إلا بالله.

وإن كان هو الأوَّل فقد ذكر أن ذلك في استخراج منتهى ملك هذه الأمة، وأن نهايته الساعة، والعلم به لم يطلع عليه الرسل فضلاً عمن دونهم، أو كان ذلك في أشياء تقصر عقول الضعفاء عن الإحاطة بذلك؛ يريدون بذلك التلبيس على العوام وأهل الغباوة؛ فأخبر - عز وجل - بما ذكر أنه لا يعلمه إلا الله كان ذلك فيما يعلمه غيره أو لا، فإن كان أطلعه فبالله علم، لا أن في العقول بلوغ ذلك، ومعنى الاتباع ما قد بين.

وقوله: ﴿ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾ ، أي: من القرآن يقول ما اشتبه حسابهم.

﴿ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ ﴾ .

وقيل: الفتنة: الكفر، ويحتمل "الفتنة": المحنة، أي: يمتحنون أهل الإسلام.

وقوله: ﴿ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ .

منتهى ما كتب الله - عز وجل - لهذه الأمَّة من المدّة [لهم والوقت]، وأصل التأويل: هو المنتهى.

قال الله -  -: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ .

أي: وما يعلم منتهى تلك الأمة إلاّ الله.

ثم المتشابه: إن كان ما يوقف فيه فهو، وإن كان مما يعرفه أهل المعرفة، ويعلمه بالواضح - فهو هو، وأصل هذا: أن كل ذي مذهب في الإسلام يدعي على خصمه بما ذهب إليه من الحجاج بالآيات - الوقوع في المتشابه، ولنفسه - الوقوع في الواضح، وعنده أن ما ذهب إليه هو الحق؛ فلا فرق بين أن يدعي عليه ذهابه إلى غير الحق، أو تعديه إلى المتشابه وترك الواضح، فسبيل مثله الفحص والبحث عما ذهب إليه إن جاء بشيء يضطر العقل إلى قبوله سلم له ما جاء به، وإلا فخصمه منه في دعوى مثله: بالوقوع له في المتشابه بمحل دعواه.

وقوله: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ : قال قوم: موضع الوقف على قوله: ﴿ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ ﴾ ، ثم ابتدأ فقال: ﴿ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾ : "يقولون"، بمعنى: قالوا، "آمنا به": بما عرفنا، وذلك جائز في اللغة؛ "يقول" بمعنى: "قال".

وقال آخرون: موضع الوقف على قوله: ﴿ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ ، ثم استأنف الكلام فقال: ﴿ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾ : المحكم والمتشابه وغيره.

قيل: الراسخون: هم المتدارسون.

وقيل: المتثابتون؛ رسخ، بمعنى: ثبت.

وقيل: الراسخون: [الناتجون.

يقال: رسخ في العلم: نتج فيه].

فإن قيل: ما الحكمة في إنزال المتشابه؟.

قيل: إذا كان مما يعلم فهو يحتمل وجهين: يحتمل: ليعلم فضل العلم على غير العالم.

ويحتمل: أن جعل عليهم طلب المراد فيه، والفحص عما أودع فيه.

وإن كان مما لا يعلم يحتمل المحنة؛ امتحنهم في ذلك بالوقف فيه؛ إذ الدار دار محنة، ولله أن يمتحن عباده بجميع أنواع المحن, وقوله: ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .

أي: ما يتعظ إلا أولو الحجج والعقل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هو الذي أنزل عليك -أيها النبي- القرآن، منه آيات واضحة الدلالة، لا لبس فيها، هي أصل الكتاب ومعظمه، وهي المرجع عند الاختلاف، ومنه آيات أُخر محتملة لأكثر من معنى، يلتبس معناها على أكثر الناس، فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق فيتركون المُحْكم، ويأخذون بالمتشابه المُحْتمل؛ يبتغون بذلك إثارة الشبهة وإضلال الناس، ويبتغون بذلك تأويلها بأهوائهم على ما يوافق مذاهبهم الفاسدة، ولا يعلم حقيقة معانى هذه الآيات وعاقبتها التي تؤول إليها إلا الله.

والراسخون في العلم المتمكنون منه يقولون: آمنا بالقرآن كله؛ لأنه كله من عند ربنا، ويفسرون المتشابه بما أُحْكِم منه.

وما يتذكر ويتعظ إلا أصحاب العقول السليمة.

<div class="verse-tafsir" id="91.pyNOY"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ  مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ  ﴾ المتبادر من كلمة "أنزل" أن التوراة نزلت على موسى مرة واحدة وإن كانت مرتبة في الأسفار المنسوبة إليه فإنها مع ترتيبها مكررة والقرآن لا يعرف هذه الأسفار ولم ينص عليها.

وكذلك الإنجيل نزل مرة واحدة وليس هو هذه الكتب التي يسمونها الأناجيل، لأنه لو أرادها لما أفْرَدَ الإنجيل دائمًا مع أنها كانت متعددة عند النصارى حينئذ.

وحاول بعض المفسرين بيان اشتقاق التوراة والإنجيل من أصل عربي وماهما بعربيين، ومعنى التوراة، وهي عبرية، الشريعة، ومعنى الإنجيل، وهي يونانية، البشارة، وإنما المسيح مبشر بالنبي الخاتم الذي يكمل الشريعة للبشر.

وأما كونها هدى للناس فهو ظاهر.

﴿ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ  ﴾ إن الفرقان هو العقل الذي به تكون التفرقة بين الحق والباطل، وإنزاله من قبيل إنزال الحديد لأن كل ما كان عن الحضرة العلية الإلهية يسمى إعطاؤه إنزالًا.

إن المفسرين قالوا -كما أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر- إنها نزلت وما بعدها إلى نحو ثمانين آية في نصارى نجران إذ وفدوا على رسول الله  وكانوا ستين راكبًا فذكروا عقائدهم واحتجوا على التثليث وألوهية المسيح بكونه خلق على غير السنة التي عرفت في توالد البشر وبما جرى على يديه من الآيات وبالقرآن نفسه فأنزل الله هذه الآيات.

بدأ بذكر توحيد الله لينفي عقيدتهم من أول الأمر، ثم وصفه بما يؤكد هذا النفي كقوله الحي القيّوم أي الذي قامت به السماوات والأرض وهي قد وجدت قبل عيسى فكيف تقوم به قبل وجوده.

ثم قال إنه نزل الكتاب وأنزل التوراة لبيان أن الله تعالى قد أنزل الوحي وشرع الشريعة قبل وجود عيسى كما أنزل عليه وأنزل على من بعده فلم يكن هو المنزل للكتب على الأنبياء وإنما كان نبيًا مثلهم وقوله ﴿ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ  ﴾ لبيان أنه هو الذي وهب العقل للبشر ليفرقوا به بين الحق والباطل، وعيسى لم يكن واهبًا للعقول وفيه تعريض بأن السائلين تجاوزوا حدود العقل.

ثم قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ  ﴾ ، وهذا رد لاستدلالهم ببعض آيات القرآن على تمييز عيسى على غيره من البشر إذ ورد فيه أنه روح الله وكلمته، فهو يقول: إن هذه الآيات من المتشابهات التي اشتبه عليكم معناها حتى حاولتم جعلها ناقضة للآيات المحكمة في توحيد الله وتنزيهه.

المتشابه إنما يكون بين شيئين فأكثر، وهو لا يفيد عدم فهم المعنى مطلقًا كما قال المفسر (الجلال) ووصف التشابه في هذه الآية هو للآيات باعتبار معانيها أي إنك إذا تأملت هذه الآيات تجد معاني متشابهة في فهمها من اللفظ لا يجد الذهن مرجحًا لبعضها على بعض.

وقالوا أيضًا إن المتشابه ما كان إثبات المعنى فيه للفظ الدال عليه ونفيه عنه متساويان فقد تشابه فيه النفي والإثبات، أو ما دل فيه اللفظ على شيء والعقل على خلافه فتشابهت الدلالة ولا يمكن الترجيح كالاستواء على العرش وكون عيسى روح الله وكلمته فهذا هو المتشابه الذي يقابله المحكم الذي لا ينفي العقل شيئًا من ظاهر معناه.

أما كون المحكمات هن أم الكتاب فمعناه أنهن أصله وعماده أو معظمه وهذا ظاهر لكنه لا ينطبق إلا على بعض الأقوال.

إن معنى ذلك أنها هي الأصل الذي دعا الناس إليه، ويمكنهم أن يفهموها ويهتدوا بها، وعنها يتفرع غيرها وإليها يرجع، فإن اشتبه علينا شيء نرده إليها، وليس المراد بالرد أن نؤوله بل أن نؤمن بأنه من عند الله وأنه لا ينافي الأصل المحكم الذي هو أم الكتاب وأساس الدين الذي أمرنا أن نأخذ به على ظاهره الذي لا يحتمل غيره إلا احتمالًا مرجوحًا.

مثال هذه المتشابهات قوله تعالى ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  ﴾ وقوله ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ  ﴾ وقوله ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ  ﴾ .

وهذا رأي جمهور المفسرين، وذهب جمهور عظيم منهم إلى أنه لا متشابه في القرآن إلا أخبار الغيب كصفة الآخرة وأحوالها من نعيم وعذاب.

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ  ﴾ معنى اتباعه ابتغاء الفتنة أنهم يتبعونه بالإنكار والتنفير استعانة بما في أنفس الناس من إنكار ما لم يصل إليه علمهم ولا يناله حسهم كالإحياء بعد الموت وشؤون تلك الحياة الأخرى.

وابتغاء الفتنة بالنسبة إلى الوجه الأول في معنى المتشابه هو أن يتبع أهل الزيغ من المشركين والمجسمة مثل قوله تعالى ﴿ وَرُوحٍ مِنْهُ  ﴾ فيأخذونه على ظاهره من غير نظر إلى الأصل المحكم ليفتنوا الناس بدعوتهم إلى أهوائهم ويختلبوهم بشبهتهم فيقولون: إن الله روح والمسيح روح منه فهو من جنسه وجنسه لا يتبعض فهو هو: فالتأويل هنا بمعنى الإرجاع أي أنهم يرجعونه إلى أهوائهم وتقاليدهم لا إلى الأصل المحكم الذي بني عليه الاعتقاد، وأما ابتغاء تأويله فهو أنهم يطبقونه على أحوال الناس في الدنيا فيحولون خبر الإحياء بعد الموت وأخبار الحساب والجنة والنار عن معانيها ويصرفونها إلى معان من أحوال الناس في الدنيا ليخرجوا الناس عن الدين بالمرة، والقرآن مملوء بالرد عليهم كقوله ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ .

﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا  ﴾ قال بعض السلف إن قوله والراسخون في العلم كلام مستأنف وبعضهم إنه معطوف على لفظ الجلالة.

واستدل الذين قالوا بالوقف عند لفظ الجلالة وبكون ما بعده استئنافًا بأدلة: (منها) أن الله تعالى ذم الذين يتبعون تأويله (ومنها) قوله: ﴿ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا  ﴾ فإن ظاهر الآية التسليم المحض لله تعالى ومن عرف الشيء وفهمه لا يعبر عنه بما يدل على التسليم المحض، وهذا رأي كثير من الصحابة  كأبي بن كعب وعائشة وذهب ابن عباس وجمهور من الصحابة إلى القول الثاني وكان ابن عباس يقول: أنا من الراسخين في العلم أنا أعلم تأويله.

وقالوا في استدلال أولئك إن الله تعالى إنما ذم الذين يبتغون التأويل بذهابهم فيه إلى ما يخالف المحكمات يبتغون بذلك الفتنة، والراسخون في العلم ليسوا كذلك فإنهم أهل اليقين الثابت الذي لا زلزال فيه ولا اضطراب فهؤلاء يفيض الله تعالى عليهم فهم المتشابه بما يتفق مع المحكم.

وأما دلالة قولهم ﴿ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا  ﴾ على التسليم المحض فهو لا ينافي العلم فإنهم سلموا بالمتشابه في ظاهره أو بالنسبة إلى غيرهم لعلمهم باتفاقه مع المحكم فهم لرسوخهم في العلم ووقوفهم على حق اليقين لا يضطربون ولا يتزعزعون بل يؤمنون بهذا وبذاك على حد سواء لأن كلًا منهما من عند الله ربنا، ولا غرو فالجاهل في اضطراب دائم والراسخ في ثبات لازم، ومن اطلع على ينبوع الحقيقة لا تشتبه عليه المجاري فهو يعرف الحق بذاته ويرجع كل قول إليه قائلًا: آمنا به كل من عند ربنا.

بينَّا أن المتشابه ما استأثر الله بعلمه من أحوال الآخرة أو ما خالف ظاهر لفظه المراد منه، وورود المتشابه بالمعنى الأول في القرآن ضروري، لأن من أركان الدين ومقاصد الوحي الإخبار بأحوال الآخرة، فيجب الإيمان بما جاء به الرسول من ذلك على أنه من الغيب، كما نؤمن بالملائكة والجن، ونقول أنه لا يعلم تأويل ذلك، أي حقيقة ما تؤول غليه هذه الألفاظ، إلا الله، والراسخون في العلم وغيرهم في هذا سواء، وإنما يعرف الراسخون ما يقع تحت حكم الحس والعقل فيقفون عند حدهم لا يتطاولون إلى معرفة حقيقة ما يخبر به الرسل عن عالم الغيب لأنهم يعلمون أنه لا مجال لحسهم ولا لعقلهم فيه وإنما سبيله التسليم، فيقولون آمنا به كل من عند ربنا.

فعلى هذا يكون الوقف على لفظ الجلالة لازمًا، وإنما خص الراسخين بما ذكر لأنهم هم الذين يفرقون بين المرتبتين: ما يجول فيه علمهم وما لا يجول فيه، ومن المحال أن يخلو الكتاب من هذا النوع فيكون كله محكمًا بالمعنى الذي يقابل المتشابه، ومن الشواهد على أن التأويل هنا بمعنى ما يؤول إليه الشيء وينطلق عليه لا بمعنى ما يفسر به قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ  ﴾ .

فتبين مما قررناه أنه لا يقال على هذا لماذا كان القرآن منه محكم ومنه متشابه لأن المتشابه بهذا المعنى من مقاصد الدين فلا يلتمس له سبب لأنه جاء على أصله.

وأما التفسير الثاني للمتشابه وهو كونه ليس قاصرًا على أحوال الآخرة بل يتناول غيرها من صفات الله التي لا يجوز في العقل أخذها على ظاهرها وصفات الأنبياء التي من هذا القبيل نحو قوله تعالى: ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ  ﴾ فإن هذا مما يمنع الدليل العقلي والدليل السمعي من حمله على ظاهره، فهذا هو الذي يأتي الخلاف في علم الراسخين بتأويله كما تقدم، فالذين قالوا بالنفي جعلوا حكمة تخصيص الراسخين بالتسليم والتفويض هي تمييزهم بين الأمرين وإعطاء كل حكمة كما تقدم آنفًا، وأما القائلون بالإثبات الذين يردون ما تشابه ظاهره من صفات الله وأنبيائه إلى أم الكتاب الذي هو المحكم ويأخذون من مجموع المحكم ما يمكنهم من فهم المتشابه فهؤلاء يقولون إنه ما خص الراسخين بهذا العلم إلا لبيان منع غيرهم من الخوض فيه.

فهذا خاص بالراسخين لا يجوز تقليدهم فيه وليس لغيرهم التهجم عليه.

وهذا خاص بما لا يتعلق بعالم الغيب.

وههنا يأتي السؤال: لم كان في القرآن متشابه لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم؟

ولم لم يكن كله محكمًا يستوي في فهمه جميع الناس وهو قد نزل هاديًا والتشابه يحول دون الهداية بما يوقع اللبس في العقائد ويفتح باب الفتنة لأهل التأويل؟

أجوبة العلماء ثلاثة: أن الله أنزل المتشابه ليمتحن قلوبنا في التصديق به، فإنه لو كان كل ما ورد في الكتاب معقولًا واضحًا لا شبهة فيه عند أحد من الأذكياء ولا من البلداء لما كان في الإيمان شيء من معنى الخضوع لأمر الله تعالى والتسليم لرسله.

جعل الله المتشابه في القرآن حافزًا لعقل المؤمن إلى النظر كيلا يضعف فيموت، فإن السهل الجلي جدًا لا عمل للعقل فيه.

والدين أعز شيء على الإنسان فإذا لم يجد فيع مجالًا للبحث يموت فيه، وإذا مات فيه لا يكون حيًا بغيره، فالعقل شيء واحد إذا قوي في شيء قوي في كل شيء، وإذا ضعف، ضعف في كل شيء، ولذلك قال: ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ  ﴾ ولم يقل والراسخون في الدين لأن العلم أعم وأشمل، فمن رحمته أن جعل في الدين مجالًا لبحث العقل بما أودع فيه من المتشابه، فهو يبحث أولًا في تمييز المتشابه من غيره، وذلك يستلزم البحث في الأدلة الكونية والبراهين العقلية وطرق الخطاب ووجوه الدلالة ليصل إلى فهمه ويهتدي إلى تأويله، وهذا الوجه لا يأتي إلا على قول من عطف (والراسخون) على لفظ الجلالة وليكن كذلك.

أن الأنبياء بعثوا إلى جميع الأصناف من عامة الناس وخاصتهم سواء كانت بعثتهم لأقوامهم خاصة كالأنبياء السالفين عليهم السلام أو لجميع البشر كنبينا  ، فإذا كانت الدعوة إلى الدين موجهة إلى العالم والجاهل والذكي والبليد والمرأة والخادم وكان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة تكشف عن حقيقته وتشرح كنهه بحيث يفهمه كل مخاطب عاميًا كان أو خاصيًا ألا يكون في ذلك من المعاني العالية والحكم الدقيقة ما يفهمه الخاصة ولو بطريق الكناية والتعريض ويؤمر العامة بتفويض الأمر فيه إلى الله تعالى والوقوف عند حكم المحكم فيكون لكل نصيبه على قدر استعداده، مثال ذلك إطلاق لفظ كلمة الله وروح من الله على عيسى فالخاصة يفهمون من هذا ما لا تفهمه العامة ولذلك فتن النصارى بمثل هذا التعبير إذ لم يقفوا عند المحكم وهو التنزيه واستحالة أن يكون لله جنس أو أم أو ولد والمحكم عندنا في هذا قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ  ﴾ وسيأتي في هذه السورة.

ومن المتشابه ما يحتمل معاني متعددة وينطبق على حالات مختلفة لو أخذ منها أي معنى وحمل على أية حالة لصح، ويوجد هذا النوع في كلام جميع الأنبياء وهو على حد قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ  ﴾ ومنه إبهام القرآن لمواقيت الصلاة لحكمة، وقد بيّن النبي  ذلك في بلاد العرب المعتدلة بالأوقات الخمسة للصلوات الخمس، وما كانت العرب تعلم أن في الدنيا بلادًا لا يمكن تحديد المواقيت فيها كالبلاد التي تشرق فيها الشمس نحو ساعتين لا يزيد نهار أهلها على ذلك.

أشار القرآن إلى مواقيت الصلاة بقوله: ﴿ فَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ  وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ  ﴾ وسبب هذا الإبهام أن القرآن دين عام لا خاص ببلاد العرب ونحوها فوجب أن يسهل الاهتداء به حيثما بلغ، ومثل هذا الإجمال والإبهام في مواقيت الصلاة يجعل لعقول الراسخين في العلم وسيلة للمراوحة فيه واستخراج الأحكام منه في كل مكان بحسبه، فأينما ظهرت الحقيقة وجدت لها حكمًا في القرآن، وهذا النوع من المتشابه من أجلّ نعم الله تعالى، ولا سبيل إلا الاعتراض على اشتمال الكتاب عليه.

﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ  ﴾ أي وما يعقل ذلك ويفقه حكمته إلا أرباب القلوب النيرة والعقول الكبيرة، وإنما وصف الراسخون بذلك لأنهم لم يكونوا راسخين إلا بالتعقل والتدبر لجميع الآيات المحكمة التي هي الأصول والقواعد، حتى إذا عرض المتشابه بعد ذلك يتسنى لهم أن يتذكروا القواعد المحكمة وينظروا ما يناسب المتشابه منها فيردونه إليه.

﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ  ﴾ : فالرحمة في هذا المقام هي الثبات والاستقامة.

﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ  ﴾ : إن مناسبة هذا الدعاء للإيمان بالمتشابه ظاهرة على القول بأن المتشابه هو الإخبار عن الآخرة، أي أنهم كما يؤمنون بالمتشابه يؤمنون بمضمونه والمراد منه ما يؤول إليه.

وأما على القول بأنه لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم فوجهه أنهم يذكرون يوم الجمع ليستشعروا أنفسهم الخوف من تسرب الزيغ الذي يبسلهم في ذلك اليوم، فهذا الخوف هو مبعث الحذر والتوقي من الزيغ.

أعاذنا الله منه بمنه وكرمه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر