الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٨٣ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 95 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٣ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى منكرا على من أراد دينا سوى دين الله ، الذي أنزل به كتبه وأرسل به رسله ، وهو عبادته وحده لا شريك له ، الذي ( له أسلم من في السماوات والأرض ) أي : استسلم له من فيهما طوعا وكرها ، كما قال تعالى : ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ) [ الرعد : 15 ] وقال تعالى : ( أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون .
ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ) [ النحل : 48 - 50 ] .
فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله ، والكافر مستسلم لله كرها ، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم ، الذي لا يخالف ولا يمانع .
وقد ورد حديث في تفسير هذه الآية ، على معنى آخر فيه غرابة ، فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا أحمد بن النضر العسكري ، حدثنا سعيد بن حفص النفيلي ، حدثنا محمد بن محصن العكاشي ، حدثنا الأوزاعي ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها ) أما من في السماوات فالملائكة ، وأما من في الأرض فمن ولد على الإسلام ، وأما كرها فمن أتي به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال ، يقادون إلى الجنة وهم كارهون " .
وقد ورد في الصحيح : " عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل " وسيأتي له شاهد من وجه آخر ولكن المعنى الأول للآية أقوى .
وقد قال وكيع في تفسيره : حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : ( وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها ) قال : هو كقوله : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) [ لقمان : 25 ] .
وقال أيضا : حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : ( وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها ) قال : حين أخذ الميثاق .
( وإليه يرجعون ) أي : يوم المعاد ، فيجازي كلا بعمله .
القول في تأويل قوله : أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك: فقرأته عامة قرأة الحجاز من مكة والمدينة، وقرأةُ الكوفة: ( " أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ " ) ، ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) على وجه الخطاب.
* * * وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ )( وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) بالياء كلتيهما، على وجه الخبر عن الغائب.
* * * وقرأ ذلك بعض أهل البصرة: ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ )، على وجه الخبر عن الغائب، ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )، بالتاء على وجه المخاطبة.
* * * قال أبو جعفر: وأولى ذلك بالصواب، قراءةُ من قرأ: " أفغير دين الله تبغون " على وجه الخطاب " وإليه تُرجعون " بالتاء.
لأن الآية التي قبلها خطابٌ لهم، فإتباعُ الخطاب نظيرَه، أولى من صرف الكلام إلى غير نظيره.
وإن كان الوجه الآخر جائزًا، لما قد ذكرنا فيما مضى قبل: من أن الحكاية يخرج الكلام معها أحيانًا على الخطاب كله، وأحيانًا على وجه الخبر عن الغائب، وأحيانًا بعضُه على الخطاب، وبعضُه على الغيبة، فقوله: " تبغون " و " إليه ترجعون " في هذه الآية، من ذلك.
(56) * * * وتأويل الكلام: يا معشرَ أهل الكتاب =" أفغيرَ دين الله تبغون "، يقول: أفغير طاعة الله تلتمسون وتريدون، (57) =" وله أسلم من في السماوات والأرض "، يقول: وله خَشع من في السموات والأرض، فخضع له بالعبودة، (58) وأقرّ له بإفراد الربوبية، وانقاد له بإخلاص التوحيد والألوهية (59) =" طوْعًا وكرهًا "، يقول أسلم لله طائعًا من كان إسلامه منهم له طائعًا، وذلك كالملائكة والأنبياء والمرسلين، &; 6-565 &; فإنهم أسلموا لله طائعين =" وكرهًا "، من كان منهم كارهًا.
(60) * * * واختلف أهل التأويل في معنى إسلام الكاره الإسلام وصفته.
فقال بعضهم: إسلامه، إقراره بأنّ الله خالقه وربُّه، وإن أشرك معه في العبادة غيرَه.
ذكر من قال ذلك: 7342 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: " وله أسلم من في السموات والأرض "، قال: هو كقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [سورة الزمر: 38].
7343 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد مثله.
7344 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: " وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه تُرجعون "، قال: كل آدميّ قد أقرّ على نفسه بأن الله ربّي وأنا عبده.
فمن أشرَكَ في عبادته فهذا الذي أسلم كَرْهًا، ومن أخلص له العبودة، (61) فهو الذي أسلم طوعًا.
* * * وقال آخرون: بل إسلام الكاره منهم، كان حين أخذَ منه الميثاق فأقرَّ به.
ذكر من قال ذلك: 7345 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: " وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا "، قال: حين أخذَ الميثاق.
* * * وقال آخرون؛ عنى بإسلام الكاره منهم، سُجودَ ظله.
ذكر من قال ذلك: 7346 - حدثنا سوَّار بن عبد الله قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن ليث، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا "، قال: الطائع المؤمن = و " كرهًا "، ظلّ الكافر.
7347 - حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " طوعًا وكرهًا "، قال: سجود المؤمن طائعًا، وسجود الكافر وهو كاره.
7348 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " كَرْهًا "، قال: سجود المؤمن طائعًا، وسجود ظلّ الكافر وهو كاره.
7349 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: سجود وجهه طائعًا، وظله كارهًا.
(62) * * * وقال آخرون: بل إسلامه بقلبه في مشيئة الله، واستقادته لأمره وإن أنكر ألوهته بلسانه.
ذكر من قال ذلك: 7350 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر: " وله أسلم من في السموات والأرض "، قال: استقاد كلهم له.
(63) * * * وقال آخرون: عنى بذلك إسلام من أسلم من الناس كرْهًا، حَذَر السيف على نفسه.
ذكر من قال ذلك: 7351 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا " الآية كلها، فقال: أكره أقوامٌ على الإسلام، وجاء أقوامٌ طائعين.
7352 - حدثني الحسن بن قزعة الباهلي قال، حدثنا روح بن عطاء، عن مطر الورّاق في قول الله عز وجل: " وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه ترجعون "، قال: الملائكة طوعًا، والأنصار طوعًا، وبنو سُلَيمُ وعبد القيس طوعًا، والناس كلهم كرهًا.
* * * وقال آخرون معنى ذلك: أنّ أهل الإيمان أسلموا طوعًا، وأنّ الكافر أسلم في حال المعاينة، حينَ لا ينفعه إسلامٌ، كرهًا.
ذكر من قال ذلك: 7353 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " أفغير دين الله تبغون "، الآية، فأما المؤمن فأسلم طائعًا فنفعه ذلك، وقُبِل منه، وأما الكافر فأسلم كارهًا حين لا ينفعه ذلك، ولا يقبل منه.
7354 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا "، قال: أما المؤمن فأسلم طائعًا، وأما الكافر فأسلم حين رأى بأسَ الله، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [سورة غافر: 85].
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: أيْ: عبادةُ الخلق لله عز وجل.
(64) ذكر من قال ذلك: 7355 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " أفغير دين الله تبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا "، قال: عبادتهم لي أجمعين طوعًا وكرهًا، وهو قوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [سورة الرعد: 15].
* * * وأما قوله: " وإليه تُرجعون "، فإنه يعني: " وإليه "، يا معشر من يبتغي غيرَ الإسلام دينًا من اليهود والنصارى وسائر الناس =" ترجعون "، يقول: إليه تصيرون بعد مماتكم، فمجازيكم بأعمالكم، المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءَته.
* * * وهذا من الله عز وجل تحذيرٌ خلقَه أن يرجع إليه أحدٌ منهم فيصيرُ إليه بعد وفاته على غير ملة الإسلام.
* * * ------------------------ الهوامش : (56) انظر ما سلف: 464 والتعليق رقم: 2 ، والمراجع هناك.
وانظر فهرس مباحث العربية.
(57) انظر تفسير"الدين" فيما سلف 1: 115 ، 221 / 3: 571 / ثم 6: 273 ، 274 = ثم معنى"يبغي" فيما سلف 3: 508 / 4: 163 / ثم 6: 196 ، تعليق: 3.
(58) في المطبوعة: "العبودية" ، وأثبت ما في المخطوطة ، كما سلف مرارًا.
انظر قريبًا: ص: 549 تعلق 2 ، والمراجع هناك.
(59) انظر تفسير"أسلم" فيما سلف ص: 489 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(60) انظر تفسير"الكره" فيما سلف 4: 297 ، 298.
(61) في المطبوعة: "العبودية" ، وانظر التعليق السالف رقم ص: 564 ، رقم: 3.
(62) في المخطوطة والمطبوعة: "سجود وجهه وظله طائعًا" ، وهو لا يستقيم ، واستظهرت من أخبار مجاهد السالفة ، أن هذا هو حق المعنى ، وأنه أولى بالصواب.
(63) الأثر: 7350-"جابر" هو: "جابر بن يزيد الجعفي".
روى عن أبي الطفيل وأبي الضحى وعكرمة وعطاء وطاوس.
روى عنه شعبة والثوري وإسرائيل وجماعة.
و"عامر" ، هو الشعبي.
وكان في المخطوطة والمطبوعة: "جابر بن عامر" ، وليس في الرواة أحد بهذا الاسم.
(64) في المطبوعة: "في عبادة الخلق" ، وفي المخطوطة"أن عبادة الخلق" ، وصوابه قراءتها ما أثبت.
قوله تعالى : أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعونقوله تعالى : أفغير دين الله يبغون قال الكلبي : إن كعب بن الأشرف وأصحابه [ ص: 120 ] اختصموا مع النصارى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : أينا أحق بدين إبراهيم ؟
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( كلا الفريقين بريء من دينه ) .
فقالوا : ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك ; فنزل أفغير دين الله يبغون يعني يطلبون .
ونصبت غير بيبغون ، أي يبغون غير دين الله .
وقرأ أبو عمرو وحده " يبغون " بالياء على الخبر " وإليه ترجعون " بالتاء على المخاطبة .
قال : لأن الأول خاص والثاني عام ففرق بينهما لافتراقهما في المعنى .
وقرأ حفص وغيره يبغون ، و ( يرجعون ) بالياء فيهما ; لقوله : فأولئك هم الفاسقون .
وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب ; لقوله لما آتيتكم من كتاب وحكمة ، والله أعلم .قوله تعالى : وله أسلم أي استسلم وانقاد وخضع وذل ، وكل مخلوق فهو منقاد مستسلم ; لأنه مجبول على ما لا يقدر أن يخرج عنه .
قال قتادة : أسلم المؤمن طوعا والكافر عند موته كرها ولا ينفعه ذلك ; لقوله : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا .
قال مجاهد : إسلام الكافر كرها بسجوده لغير الله وسجود ظله لله ، أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال .
وقيل : المعنى أن الله خلق الخلق على ما أراد منهم ; فمنهم الحسن والقبيح والطويل والقصير والصحيح والمريض وكلهم منقادون اضطرارا ، فالصحيح منقاد طائع محب لذلك ; والمريض منقاد خاضع وإن كان كارها .
والطوع الانقياد والاتباع بسهولة .
والكره ما كان بمشقة وإباء من النفس .طوعا وكرها مصدران في موضع الحال ، أي طائعين ومكرهين .
وروى أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله عز وجل : وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها قال : الملائكة أطاعوه في السماء والأنصار وعبد القيس في الأرض .
وقال عليه السلام : لا تسبوا أصحابي فإن أصحابي أسلموا من خوف الله وأسلم الناس من خوف السيف .
وقال [ ص: 121 ] عكرمة : طوعا من أسلم من غير محاجة وكرها من اضطرته الحجة إلى التوحيد .
يدل عليه قوله عز وجل : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله .
قال الحسن : هو عموم معناه الخصوص .
وعنه : " أسلم من في السماوات " وتم الكلام .
ثم قال : " والأرض طوعا وكرها " .
قال : والكاره المنافق لا ينفعه عمله .
و طوعا وكرها مصدران في موضع الحال .
عن مجاهد عن ابن عباس قال : إذا استصعبت دابة أحدكم أو كانت شموسا فليقرأ في أذنها هذه الآية : أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها إلى آخر الآية .
أي: أيطلب الطالبون ويرغب الراغبون في غير دين الله؟
لا يحسن هذا ولا يليق، لأنه لا أحسن دينا من دين الله { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها } أي: الخلق كلهم منقادون بتسخيره مستسلمون له طوعا واختيارا، وهم المؤمنون المسلمون المنقادون لعبادة ربهم، وكرها وهم سائر الخلق، حتى الكافرون مستسلمون لقضائه وقدره لا خروج لهم عنه، ولا امتناع لهم منه، وإليه مرجع الخلائق كلها، فيحكم بينهم ويجازيهم بحكمه الدائر بين الفضل والعدل.
قوله عز وجل : ( أفغير دين الله يبغون ) وذلك أن أهل الكتاب اختلفوا فادعى كل واحد أنه على دين إبراهيم عليه السلام واختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم عليه السلام " فغضبوا وقالوا : لا نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك ، فأنزل الله تعالى : ( أفغير دين الله يبغون ) قرأ أبو جعفر وأهل البصرة وحفص عن عاصم ( يبغون ) بالياء لقوله تعالى ( وأولئك هم الفاسقون ) وقرأ الآخرون بالتاء لقوله تعالى ( لما آتيتكم ) ، ( وله أسلم ) خضع وانقاد ، ( من في السماوات والأرض طوعا وكرها ) فالطوع : الانقياد والاتباع بسهولة ، والكره : ما كان بمشقة وإباء من النفس .
واختلفوا في قوله ( طوعا وكرها ) قال الحسن : أسلم أهل السماوات طوعا وأسلم من في الأرض بعضهم طوعا وبعضهم كرها ، خوفا من السيف والسبي ، وقال مجاهد : طوعا المؤمن ، وكرها ذلك الكافر ، بدليل : " ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال " ( الرعد - 15 ) وقيل : هذا يوم الميثاق حين قال لهم : " ألست بربكم قالوا بلى " ( الأعراف - 172 ) فقال : بعضهم طوعا وبعضهم كرها ، وقال قتادة : المؤمن أسلم طوعا فنفعه ، والكافر أسلم كرها في وقت البأس فلم ينفعه ، قال الله تعالى : " فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا " ( غافر - 85 ) وقال الشعبي : هو استعاذتهم به عند اضطرارهم كما قال الله تعالى : " فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين " ( العنكبوت - 65 ) .
وقال الكلبي : طوعا الذي ( ولد ) في الإسلام ، وكرها الذين أجبروا على الإسلام ممن يسبى منهم فيجاء بهم في السلاسل ، ( وإليه يرجعون ) قرأ بالياء حفص عن عاصم ويعقوب كما قرأ ( يبغون ) بالياء وقرأ الباقون بالتاء فيهما إلا أبا عمرو فإنه قرأ ( يبغون ) بالياء و ( ترجعون ) بالتاء ، وقال : لأن الأول خاص والثاني عام ، لأن مرجع جميع الخلق إلى الله عز وجل .
«أفغير دين الله يبغون» بالياء والتاء أي المتولون «وله أسلم» إنقاذ «من في السماوات والأرض طوعا» بلا إباء «وكرها» بالسيف بمعاينة ما يلجأ إليه «وإليه يُرْجَعُون» بالتاء والياء والهمزة في أول الآية للإنكار.
أيريد هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب غير دين الله -وهو الإسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم-، مع أن كل مَن في السموات والأرض استسلم وانقاد وخضع لله طواعية -كالمؤمنين- ورغمًا عنهم عند الشدائد، حين لا ينفعهم ذلك وهم الكفار، كما خضع له سائر الكائنات، وإليه يُرجَعون يوم المعاد، فيجازي كلا بعمله.
وهذا تحذير من الله تعالى لخلقه أن يرجع إليه أحد منهم على غير ملة الإسلام.
{ أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } .والاستفهام للإنكار والتوبيخ ، وهمزة الاستفهام داخلة على فعل محذوف ، والفاء الداخلة على " غير " عاطفة لجملة { يَبْغُونَ } على ذلك المحذوف الذى دل عليه الاستفهام وعينه المقام .والمعنى : أيتولون عن الإيمان بعد هذا البيان فيبغون دينا غير دين الله الذى هو الإسلام .ومعنى { يَبْغُونَ } يطلبون .
يقال بغى الأمر يبغيه بغاء - بضم الباء - أى طلبه .
وقوله - تعالى - { وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً } جملة حالية .
أى أيبغون دينا غير دين الله والحال أن الله - تعالى - استسلم وانقاد وخضع له من فى السموات والأرض طوعا وكرها .
أى طائعين وكارهين فهما مصدران فى موضع الحال .والمراد أن كل من فى السموات والأرض قد انقادوا وخضعوا لله - تعالى - إما عن طواعية واختيار وهم المؤمنون لأنهم راضون فى كل الأحوال بقضائه وقدره ، ومستجيبون له فى المنشط والمكره والعسر واليسر .
وإما عن تسخير وقهر وهم الكافرون لأنهم واقعون تحت سلطانه العظيم وقدرته النافذة ، فهم مع كفرهم لا يستطيعون دفع قضائه - سبحانه - وإذن فهم خاضعون لسلطانه - عز وجل - لأنهم لا سبيل لهم ولا لغيرهم إلى الامتناع عن دفع ما يريده بهم .هذا ، وقد ساق الفخر الرازى جملة آراء فى معنى الآية الكريمة ثم اختار أحدها فقال ما ملخصه : فى خضوع من فى السموات والأرض لله وجوه : أصحها عندى أن كل ما سوى الله - سبحانه - ممكن لذاته ، ولك ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده ، ولا يعدم إلا بإعدامه ، فإن كل ما سوى الله فهو منقاد خاضع لجلال الله فى طرفى وجوده وعدمه .
وهذا هو نهاية الخضوع والانقياد .
ثم إن فى هذا الوجه لطيفة آخرى : وهى أن قوله { وَلَهُ أَسْلَمَ } يفيد الحصر ، أى وله كل ما فى السموات والأرض لا لغيره .فهذه الآية تفيد أن واجب الوجود واحد ، وأن كل ما سواه فإنه لا يوجد إلا بتكوينه ، ولا يفنى إلا بإفنائه والآيات فى هذا المعنى كثيرة .وقوله { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } أى إليه وحده يرجع الخلق فيجازى كل مخلوق بما يستحقه من خير أو شر .ففى الجملة الكريمة تحذير من الإعراض عن دينه ، لأنه ما دام مرجع الخلق جميعا إليه - سبحانه - فعلى العاقل أن يسلم نفسه إلى خالقه اختياراً قبل أن يسلمها اضطرارا ، وأن يستجيب لأوامره ونواهيه ، حتى ينال رضاه .وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد أقامت للناس الأدلة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم وأمرتهم بالدخول فى دينه ، وحذرتهم من الإعراض عنه بأجلى بيان وأقوى برهان .وبعد هذا البيان الواضح والبرهان الساطع على صدق النبى صلى الله عليه وسلم أمر الله - تعالى - نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يعلن على الدنيا كلمة الحق التى يؤمن بها ، وأن يخبر كل من يتأتى له الخطاب بأن الدين المقبول عند الله هو دين الإسلام وأن كل دين سواه فهو باطل .
لأن رسالته صلى الله عليه وسلم هى خاتمة الرسالات؛ ودين الإسلام الذى أتى به ناسخ لكل دين سواه .
استمع إلى القرآن وهو يبين ذلك فيقول : ( قُلْ آمَنَّا .
.
.
} .
اعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية الأولى أن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام شرع شرعه الله وأوجبه على جميع من مضى من الأنبياء والأمم، لزم أن كل من كره ذلك فإنه يكون طالباً ديناً غير دين الله، فلهذا قال بعده ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حفص عن عاصم ﴿ يَبْغُونَ ﴾ و ﴿ يَرْجِعُونَ ﴾ بالياء المنقطة من تحتها، لوجهين: أحدهما: رداً لهذا إلى قوله: ﴿ وأولئك هُمُ الفاسقون ﴾ والثاني: أنه تعالى إنما ذكر حكاية أخذ الميثاق حتى يبين أن اليهود والنصارى يلزمهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلما أصروا على كفرهم قال على جهة الاستنكار ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ ﴾ وقرأ أبو عمرو ﴿ تبغون ﴾ بالتاء خطاباً لليهود وغيرهم من الكافر و ﴿ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ بالياء ليرجع إلى جميع المكلفين المذكورين في قوله: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السموات والأرض ﴾ وقرأ الباقون فيهما بالتاء على الخطاب، لأن ما قبله خطاب كقوله: ﴿ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ ﴾ وأيضاً فلا يبعد أن يقال للمسلم والكافر ولكل أحد: أفغير دين الله تبغون مع علمكم بأنه أسلم له من في السموات والأرض، وأن مرجعكم إليه وهو كقوله: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ ءايات الله وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ .
المسألة الثانية: الهمزة للاستفهام والمراد استنكار أن يفعلوا ذلك أو تقرير أنهم يفعلونه، وموضع الهمزة هو لفظة ﴿ يَبْغُونَ ﴾ تقديره: أيبغون غير دين الله؟
لأن الاستفهام إنما يكون عن الأفعال والحوادث، إلا أنه تعالى قدم المفعول الذي هو ﴿ غَيْر دِينِ الله ﴾ على فعله، لأنه أهم من حيث أن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود الباطل وأما الفاء فلعطف جملة على جملة وفيه وجهان: أحدهما: التقدير: فأولئك هم الفاسقون، فغير دين الله يبغون.
واعلم أنه لو قيل أو غير دين الله يبغون جاز إلا أن في الفاء فائدة زائدة كأنه قيل: أفبعد أخذ هذا الميثاق المؤكد بهذه التأكيدات البليغة تبغون؟.
المسألة الثالثة: روي أن فريقين من أهل الكتاب اختصموا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه السلام، وكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلا الفريقين برئ من دين إبراهيم عليه السلام»، فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فنزلت هذه الآية، ويبعد عندي حمل هذه الآية على هذا السبب لأن على هذا التقدير تكون هذه الآية منقطعة عما قبلها، والاستفهام على سبيل الإنكار يقتضي تعلقها بما قبلها، فالوجه في الآية أن هذا الميثاق لما كان مذكوراً في كتبهم وهم كانوا عارفين بذلك فقد كانوا عالمين بصدق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوّة فلم يبق لكفرهم سبب إلا مجرد العداوة والحسد فصاروا كإبليس الذي دعاه الحسد إلى الكفر، فأعلمهم الله تعالى أنهم متى كانوا طالبين ديناً غير دين الله، ومعبوداً سوى الله سبحانه، ثم بيّن أن التمرد على الله تعالى والإعراض عن حكمه مما لا يليق بالعقلاء فقال: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السموات والأرض طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الإسلام، هو الاستسلام والانقياد والخضوع.
إذا عرفت هذا ففي خضوع كل من في السموات والأرض لله وجوه: الأول: وهو الأصح عندي أن كل ما سوى الله سبحانه ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه فإذن كل ما سوى الله فهو منقاد خاضع لجلال الله في طرفي وجوده وعدمه، وهذا هو نهاية الانقياد والخضوع، ثم إن في هذا الوجه لطيفة أخرى وهي أن قوله: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ ﴾ يفيد الحصر أي وله أسلم كل من في السموات والأرض لا لغيره، فهذه الآية تفيد أن واجب الوجود واحد وأن كل ما سواه فإنه لا يوجد إلا بتكوينه ولا يفنى إلا بإفنائه سواء كان عقلاً أو نفساً أو روحاً أو جسماً أو جوهراً أو عرضاً أو فاعلاً أو فعلاً، ونظير هذه الآية في الدلالة على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السموات والأرض ﴾ وقوله: ﴿ وَإِن مّن شَيء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ﴾ .
الوجه الثاني: في تفسير هذه الآية أنه لا سبيل لأحد إلى الامتناع عليه في مراده، وإما أن ينزلوا عليه طوعاً أو كرهاً، فالمسلمون الصالحون ينقادون لله طوعاً فيما يتعلق بالدين، وينقادون له كرهاً فيما يخالف طباعهم من المرض والفقر والموت وأشباه ذلك، وأما الكافرون فهم ينقادون لله تعالى على كل حال كرهاً لأنهم لا ينقادون فيما يتعلق بالدين، وفي غير ذلك مستسلمون له سبحانه كرهاً، لأنه لا يمكنهم دفع قضائه وقدره الثالث: أسلم المسلمون طوعاً، والكافرون عند موتهم كرهاً لقوله تعالى: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ﴾ الرابع: أن كل الخلق منقادون لإلهيته طوعاً بدليل قوله تعالى: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله ﴾ ومنقادون لتكاليفه وإيجاده للآلام كرهاً الخامس: أن انقياد الكل إنما حصل وقت أخذ الميثاق وهو قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى ﴾ السادس: قال الحسن: الطوع لأهل السموات خاصة، وأما أهل الأرض فبعضهم بالطوع وبعضهم بالكره، وأقول: إنه سبحانه ذكر في تخليق السموات والأرض هذا وهو قوله: ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ وفيه أسرار عجيبة.
أما قوله: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ فالمراد أن من خالفه في العاجل فسيكون مرجعه إليه، والمراد إلى حيث لا يملك الضر والنفع سواه هذا وعيد عظيم لمن خالف الدين الحق.
المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله: الطوع الانقياد، يقال: طاعه يطوعه طوعاً إذا انقاد له وخضع، وإذا مضى لأمره فقد أطاعه، وإذا وافقه فقد طاوعه، قال ابن السكيت: يقال طاع له وأطاع، فانتصب طوعاً وكرهاً على أنه مصدر وقع موقع الحال، وتقديره طائعاً وكارهاً، كقولك أتاني راكضاً، ولا يجوز أن يقال: أتاني كلاماً أي متكلماً، لأن الكلام ليس يضرب للإتيان، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ميثاق النبيين ﴾ فيه غير وجه: أحدها أن يكون على ظاهره من أخذ الميثاق على النبيين بذلك.
والثاني أن يضيف الميثاق إلى النبيين إضافته إلى الموثق لا إلى الموثق عليه، كما تقول ميثاق الله وعهد الله، كأنه قيل: وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم، والثالث: أن يراد ميثاق أولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف.
والرابع: أن يراد أهل الكتاب وأن يرد على زعمهم تهكماً بهم، لأنهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون.
وتدل عليه قراءة أبيّ وابن مسعود: ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ واللام في ﴿ لَمَا ءاتَيْتُكُم ﴾ لام التوطئة لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف وفي لتؤمنن لام جواب القسم، و (ما) يحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، ولتؤمنن سادّ مسدّجواب القسم والشرط جميعاً وأن تكون موصولة بمعنى: للذي آتيتكموه لتؤمنن به.
وقريء: ﴿ لما آتيناكم ﴾ وقرأ حمزة: ﴿ لما آتيتكم ﴾ .
بكسر اللام ومعناه: لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة؛ ثم لمجيء رسول مصدّق لما معكم لتؤمنن به.
على أن (ما) مصدرية، والفعلان معها أعني ﴿ آتيتكم ﴾ و ﴿ جاءكم ﴾ في معنى المصدرين، واللام داخلة للتعليل على معنى: أخذ الله ميثاقهم لتؤمنن بالرسول ولتنصرنه، لأجل أني آتيتكم الحكمة، وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به ونصرته موافق لكم غير مخالف.
ويجوز أن تكون (ما) موصولة.
فإن قلت: كيف يجوز ذلك والعطف على آتيتكم وهو قوله: ﴿ ثُمَّ جَاءكُمْ ﴾ لا يجوز أن يدخل تحت حكم الصفة، لأنك لا تقول: للذي جاءكم رسول مصدق لما معكم؟
قلت: بلى لأنّ ما معكم في معنى ما آتيتكم، فكأنه قيل: للذي آتيكموه وجاءكم رسول مصدق له.
وقرأ سعيد بن جبير ﴿ لما ﴾ بالتشديد، بمعنى حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة.
ثم جاءكم رسول مصدق له وجب عليكم الإيمان به ونصرته.
وقيل: أصله لمن ما، قاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات وهي الميمان والنون المنقلبة ميما بإدغامها في الميم، فحذفوا إحداها فصارت لما.
ومعناه: لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به، وهذا نحو من قراءة حمزة في المعنى ﴿ إِصْرِى ﴾ عهدي.
وقرئ: ﴿ أصرى ﴾ بالضم.
وسمي إصراً، لأنه مما يؤصر، أي يشدّ ويعقد.
ومنه الإصار، الذي يعقد به.
ويجوز أن يكون المضموم لغة في أصر، كعبر وعبر، وأن يكون جمع إصار ﴿ فاشهدوا ﴾ فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار ﴿ وَأَنَاْ على ذلكم ﴾ من إقراركم وتشاهدكم ﴿ مّنَ الشاهدين ﴾ وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرُّجوع إذا علموا بشهادة الله وشهادة بعضهم على بعض.
وقيل: الخطاب للملائكة ﴿ فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك ﴾ الميثاق والتوكيد ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون ﴾ أي المتمردون من الكفار دخلت همزة الإنكار على الفاء العاطفة جملة على جملة.
والمعنى: فأولئك هم الفاسقون فغير دين الله يبغون، ثم توسطت الهمزة بينهما.
ويجوز أن يعطف على محذوف تقديره ﴿ أ ﴾ يتولون ﴿ فَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ ﴾ وقدم المفعول الذي هو غير دين الله على فعله لأنه أهم من حيث أنّ الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود بالباطل.
وروي: أن أهل الكتاب اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه السلام؛ وكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به، فقال صلى الله عليه وسلم: «كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم» فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك.
فنزلت: وقرئ: ﴿ يبغون ﴾ ، بالياء: ﴿ وترجعون ﴾ بالتاء وهي قراءة أبي عمرو، لأنّ الباغين هم المتولون، والراجعون جميع الناس.
وقرئا بالياء معاً، وبالتاء معاً ﴿ طَوْعاً ﴾ بالنظر في الأدلة والإنصاف من نفسه ﴿ وَكَرْهًا ﴾ بالسَّيف، أو بمعاينة ما يلجئ إلى الإسلام كنتق الجبل على بني إسرائيل، وإدراك الغرق فرعون، والإشفاء على الموت ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءامَنَّا بالله وَحْدَهُ ﴾ [غافر: 84] وانتصب طوعاً وكرها على الحال، بمعنى طائعين ومكرهين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بَعْدَ المِيثاقِ والتَّوْكِيدِ بِالإقْرارِ والشَّهادَةِ.
﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكَفَرَةِ.
﴿ أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ والهَمْزَةُ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَهُما لِلْإنْكارِ، أوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أتَتَوَلُّونَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالإنْكارِ والفِعْلُ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ عِنْدَ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ في رِوايَةِ حَفْصٍ ويَعْقُوبَ، وبِالتّاءِ عِنْدَ الباقِينَ عَلى تَقْدِيرِ وقُلْ لَهُ.
﴿ وَلَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا ﴾ أيْ طائِعِينَ بِالنَّظَرِ واتِّباعِ الحُجَّةِ، وكارِهِينَ بِالسَّيْفِ ومُعايِنَةِ ما يُلْجِئُ إلى الإسْلامِ كَنَتْقِ الجَبَلِ وإدْراكِ الغَرَقِ، والإشْرافِ عَلى المَوْتِ.
أوْ مُخْتارِينَ كالمَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ ومُسَخَّرِينَ كالكَفَرَةِ فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَمْتَنِعُوا عَمّا قَضى عَلَيْهِمْ ﴿ وَإلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ وقُرِئَ بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِمَن.
<div class="verse-tafsir"
{أفغير دين الله يبغون} دخلت همزة الإنكار على الفاء العاطفة جملة على جملة والمعنى فأولئك هم الفاسقون فغير دين الله يبغون ثم توسطت الهمزة بينهما ويجوز أن يعطف على محذوف تقديره أيتولون فغير دين الله يبغون وقدم المفعول وهو غير دين الله على فعله لأنه أهم من حيث إن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود بالباطل {وله أسلم من في السماوات} الملائكة {والأرض} الإنس والجن {طَوْعاً} بالنظر في الأدلة والإنصاف من نفسه {وَكَرْهًا} بالسيف أو بمعاينة العذاب كنتق الجبل على بنى اسرئيل وإدراك الغرق فرعون والإشفاء على الموت فلما رأوابأسنا قالوا آمنا بالله وحده وانتصب طَوْعًا وَكَرْهًا على الحال أى طائعين ومكرهين {وإليه ترجعون} فيجازيكم على الأعمال يبغون ويرجعون بالياء فيهما حفص وبالتاء في الثاني وفتح الجيم أبو عمرو لأن
الباغين هم المتولون والراجعون جميع الناس وبالتاء فيهما وفتح الجيم غيرهما
﴿ أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ ذَكَرَ الواحِدِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ «”اِخْتَصَمَ أهْلُ الكِتابَيْنِ إلى رَسُولِ اللَّهِ فِيما اِخْتَلَفُوا بَيْنَهم مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كُلُّ فِرْقَةٍ زَعَمَتْ أنَّها أوْلى بِدِينِهِ فَقالَ النَّبِيُّ : كِلًا الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِن دِينِ إبْراهِيمَ فَغَضِبُوا وقالُوا: واَللَّهِ ما نَرْضى بِقَضائِكَ ولا نَأْخُذُ بِدِينِكَ“ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» والجُمْلَةُ في النَّظْمِ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَجْمُوعِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وقِيلَ: عَلى الجَزاءِ فَقَطْ، وعَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ مُغْتَفَرٌ هُنا عِنْدَ المانِعِينَ، والهَمْزَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِلْإنْكارِ، وقِيلَ: إنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ أيَتَوَلَّوْنَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ، قالَ اِبْنُ هِشامٍ: والأوَّلُ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَزَمَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَواضِعَ، وجَوَّزَ الثّانِيَ في بَعْضٍ ويُضَعِّفُهُ ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وأنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، أمّا الأوَّلُ: فَلِدَعْوى حَذْفِ الجُمْلَةِ فَإنْ قُوبِلَ بِتَقْدِيمِ بَعْضِ المَعْطُوفِ فَقَدْ يُقالُ إنَّهُ أسْهَلُ مِنهُ لِأنَّ المُتَجَوِّزَ فِيهِ عَلى قَوْلِهِمْ أقَلُّ لَفْظًا مَعَ أنَّ في هَذا التَّجَوُّزِ تَنْبِيهًا عَلى أصالَةِ شَيْءٍ في شَيْءٍ، أيْ أصالَةِ الهَمْزَةِ في التَّصَدُّرِ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ في نَحْوِ ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴾ اِنْتَهى.
وتَعَقَّبَهُ الشَّمْسُ بْنُ الصّائِغِ بِأنَّهُ أيُّ مانِعٍ مِن تَقْدِيرِ ألا مُدَبِّرٌ لِلْمَوْجُوداتِ فَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المَقْصُودِ بِهِ تَقْرِيرَ ثُبُوتِ الصّانِعِ، والمَعْنى أيَنْتَفِي المُدَبِّرُ، فَلا أحَدَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ، لا يُمْكِنُ ذَلِكَ، بَلِ المُدَبِّرُ مَوْجُودٌ فالقائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ هو وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ البَدْرِ اِبْنِ الدَّمامِينِيِّ أهم ضالُّونَ فَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لَمْ يُوَحِّدُوهُ، وجَعْلُهُ الهَمْزَةَ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ وعَلى العِلّاتِ يُوشِكُ أنَّ يَكُونَ التَّفْصِيلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ أوْلى بِأنْ يُقالَ: إنِ اِنْساقَ ذَلِكَ المُقَدَّرُ لِلذِّهْنِ قِيلَ: بِالتَّقْدِيرِ، وإلّا قِيلَ: بِما قالَهُ الجَماعَةُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالإنْكارِ لا لِلْحَصْرِ كَما تُوُهِّمَ لِأنَّ المُنْكَرَ اِتِّخاذُ غَيْرِ اللَّهِ رَبًّا ولَوْ مَعَهُ، ودَعْوى أنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ دِينَ غَيْرِ اللَّهِ لا يُجامِعُ دِينَهُ في الطَّلَبِ، فالتَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ - والإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ أيْ أيَخُصُّونَ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ بِالطَّلَبِ - تَكَلُّفٌ، وقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ تَعْلِيلَ التَّقْدِيمِ بِما تَقَدَّمَ لا تَحْقِيقَ فِيهِ لِأنَّ الإنْكارَ الَّذِي هو مَعْنى الهَمْزَةِ لا يَتَوَجَّهُ إلى الذَّواتِ، وإنَّما يَتَوَجَّهُ إلى الأفْعالِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، فاَلَّذِي أنْكَرَ إنَّما هو الِابْتِغاءُ الَّذِي مُتَعَلِّقُهُ ﴿ أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ ﴾ ، وإنَّما جاءَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ مِن بابِ الِاتِّساعِ، ولِشَبَهِ ﴿ يَبْغُونَ ﴾ بِالفاصِلَةِ لا تَحْقِيقَ فِيهِ عِنْدَ ذَوِي التَّحْقِيقِ لِأنّا لَمْ نَدَّعِ تَوَجُّهَ الإنْكارِ إلى الذَّواتِ، كَما لا يَخْفى.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ لِحَفْصٍ ويَعْقُوبُ يَبْغُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ عَلى مَعْنى أتَتَوَلَّوْنَ أوْ أتَفْسُقُونَ وتَكْفُرُونَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ اِلْتِفاتٌ فَعِنْدَهُ لا تَقْدِيرَ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّقْدِيرِ يَجِيءُ قَصْدُ الإنْكارِ فِيما أُشِيرَ إلَيْهِ ولا يُنافِيهِ لِأنَّهُ مُنْسَحِبٌ عَلَيْهِ.
﴿ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ أيْ كَيْفَ يَبْغُونَ ويَطْلُبُونَ غَيْرَ دِينِهِ، والحالَةُ هَذِهِ ﴿ طَوْعًا وكَرْهًا ﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ طائِعِينَ وكارِهِينَ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ لِأنَّهُ أسْلَمَ بِمَعْنى اِنْقادَ وأطاعَ قِيلَ: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ ظاهِرٌ في ﴿ طَوْعًا ﴾ لِمُوافَقَةِ مَعْناهُ ما قَبْلَهُ لا في ”كَرْهًا“ والقَوْلُ بِأنْ يُغْتَفَرَ في الثَّوانِي ما لا يُغْتَفَرُ في الأوائِلِ غَيْرُ نافِعٍ، وقَدْ يُدْفَعُ بِأنَّ الكُرْهَ فِيهِ اِنْقِيادٌ أيْضًا، والطَّوْعُ مَصْدَرُ طاعَ يَطُوعُ، كالإطاعَةِ مَصْدَرُ أطاعَ يُطِيعُ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُما، وقِيلَ: طاعَهُ يَطُوعُهُ اِنْقادَ لَهُ، وأطاعَهُ يُطِيعُهُ بِمَعْنى مَضى لِأمْرِهِ، وطاوَعَهُ بِمَعْنى وافَقَهُ.
وفِي مَعْنى الآيَةِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الإسْلامِ بِالطَّوْعِ الإسْلامُ النّاشِئُ عَنِ العِلْمِ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ حاصِلًا لِلِاسْتِدْلالِ كَما في الكَثِيرِ مِنّا، أوْ بِدُونِ اِسْتِدْلالٍ وإعْمالِ فِكْرٍ كَما في المَلائِكَةِ ومِنَ الإسْلامِ بِالكُرْهِ ما كانَ حاصِلًا بِالسَّيْفِ ومُعايَنَةِ ما يُلْجِئُ إلى الإسْلامِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ اِنْقادُوا لَهُ تَعالى مُخْتارِينَ لِأمْرِهِ كالمَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ ومُسَخَّرِينَ لِإرادَتِهِ كالكَفَرَةِ فَإنَّهم مُسَخَّرُونَ لِإرادَةِ كُفْرِهِمْ إذْ لا يَقَعُ ما لا يُرِيدُهُ تَعالى، وهَذا لا يُنافِي عَلى ما قِيلَ: الجُزْءُ الِاخْتِيارِيُّ حَتّى لا يَكُونَ لَهُمُ اِخْتِيارٌ في الجُمْلَةِ فَيَكُونُ قَوْلًا بِمَذْهَبِ الجَبْرِيَّةِ، ولا يَسْتَدْعِي عَدَمَ تَوَجُّهِ تَعْذِيبِهِمْ عَلى الكُفْرِ ولا عَدَمَ الفَرْقِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ بِناءً عَلى أنَّ الجَمِيعَ لا يَفْعَلُونَ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ كَما وُهِمَ.
الثّالِثُ: ما أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمْ أنَّ الإسْلامَ طَوْعًا هو الِانْقِيادُ والِامْتِثالُ لِما أمَرَ اللَّهُ تَعالى مِن غَيْرِ مُعارَضَةِ ظُلْمَةٍ نَفْسانِيَّةٍ وحَيْلُولَةُ حُجُبِ الأنانِيَّةِ، والإسْلامُ كَرْهًا هو الِانْقِيادُ مَعَ تَوَسُّطِ المُعارَضاتِ والوَساوِسِ وحَيْلُولَةُ الحُجُبِ والتَّعَلُّقُ بِالوَسائِطِ، والأوَّلُ: مِثْلَ إسْلامِ المَلائِكَةِ وبَعْضِ مَن في الأرْضِ مِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ، والثّانِي: مِثْلَ إسْلامِ الكَثِيرِ مِمَّنْ تُقَلِّبُهُ الشُّكُوكُ جَنْبًا إلى جَنْبٍ حَتّى غَدا يَقُولُ: لِقَدْ طُفْتُ في تِلْكَ المَعاهِدِ كُلِّها وسَرَّحْتُ طَرَفِي بَيْنَ تِلْكَ المَعالِمِ فَلَمْ أرَ إلّا واضِعًا كَفَّ حائِرٍ ∗∗∗ عَلى ذَقَنٍ أوْ قارِعًا سِنِّ نادِمِ والكُفّارُ مِنَ القِسْمِ الثّانِي عِنْدَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهم أثْبَتُوا صانِعًا أيْضًا إلّا أنَّ ظَلَمَةَ أنْفُسِهِمْ حالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ الوُقُوفِ عَلى الحَقِّ ﴿ وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ مُجاهِدٍ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ آدَمِيٍّ أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى رَبِّي وأنا عَبْدُهُ، فَمَن أشْرَكَ في عِبادَتِهِ فَهَذا الَّذِي أسْلَمَ كَرْهًا، ومَن أخْلَصَ لِلَّهِ تَعالى العُبُودِيَّةَ فَهو الَّذِي أسْلَمَ طَوْعًا، وقَرَأ الأعْمَشُ (كُرْهًا) بِالضَّمِّ.
﴿ وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ أيْ إلى جَزائِهِ تَصِيرُونَ عَلى المَشْهُورِ فَبادِرُوا إلى دِينِهِ، ولا تُخالِفُوا الإسْلامَ، وجَوَّزُوا في الجُمْلَةِ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِلْإخْبارِ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّهْدِيدِ، وأنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿ ولَهُ أسْلَمَ ﴾ فَهي حالِيَّةٌ أيْضًا، وقَرَأ عاصِمٌ بِياءِ الغِيبَةِ، والضَّمِيرُ لِمَن أوْ لِمَن عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿ يَبْغُونَ ﴾ فَإنْ قُرِئَ بِالخِطابِ فَهو اِلْتِفاتٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِالخِطابِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ لِمَن عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿ يَبْغُونَ ﴾ فَعَلى الغَيْبَةِ فِيهِ اِلْتِفاتٌ أيْضًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ أي أعرض عن الإيمان، وعن البيان بعد ذلك الإقرار والعهد قوله: فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي الناقضون للعهد، ويقال: هم العاصون، وأصل الفسق الخروج من الطاعة كقوله تعالى: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [سورة الكهف: 59] أي خرج عن طاعة ربه وقوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ قال الكلبي: وذلك أن كعب بن الأشرف وأصحابه اختصموا مع النصارى إلى النبيّ .
فقالوا: أينا أحق بدين إبراهيم؟
فقال النبيّ : «كِلاَ الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِنْ دِينِهِ» فقالوا: ما نرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك، فنزل قوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ أي يطلبون، قرأ عاصم في رواية حفص يَبْغُونَ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ كلاهما بالياء.
وقرأ أبو عمرو يبغون بالياء، وإليه ترجعون بالتاء، وقرأ الباقون كلاهما بالتاء على معنى المخاطبة، فمن قرأ بالياء، يعني أفغير دين الله يطلبون من عندك، ومن قرأ بالتاء يعني أفغير دين الله تطلبون، وَلَهُ أَسْلَمَ، أي أخلص وخضع مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً.
قال الكلبي: أما أهل السموات، فأسلموا لله طائعين، وأما أهل الأرض، فمن ولد في الإسلام أسلم طوعاً، ومن أبى قُوتِل حتى دخل في الإسلام كرهاً، وما أفاء الله عليهم مما يسبون، فيجاء بهم في السلاسل، فيكرهون على الإسلام.
وقال مجاهد: يسجد ظل المسلم ووجهه طائع، ويسجد ظل الكافر، وهو كاره.
وقال مقاتل: وله أسلم من في السموات، يعني الملائكة والأرض، يعني المؤمنين طوعاً وكرهاً، يعني أهل الأديان يقولون الله ربكم وخالقكم، فذلك إسلامهم، وهم مشركون معنى قوله: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني خضعوا من جهة ما فطرهم عليه ودبرهم، لا يمتنع ممتنع من جبلة ما جبل عليها، ولا يقدر على تغيير ما خلق عليها طوعاً وكرهاً.
ثم قال: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ كما خلقكم، أي كما بدأكم فلا تقدرون على الامتناع، كذلك يبعثكم كما بدأكم.
قرأ عاصم في رواية حفص يرجعون، وقرأ الباقون بالتاء.
<div class="verse-tafsir"
وقرأ جمهورُ النَّاس: «تَدْرُسُونَ» بضم الرَّاء: من دَرَسَ، إذا أَدْمَنَ قراءةَ الكِتَابِ، وكرَّره.
وقرأ نافع وغيره: «وَلاَ يَأْمُرُكُمْ» برفع الراء: على القَطْع «١» قال سِيبَوَيْهِ: المعنى لا يأمركم اللَّه، وقال ابْنُ جُرَيْجٍ وغيره: المعنى: ولا يأمركم هذا البَشَر الذي أُوتِيَ هذه النعَمَ، وهو محمّد صلّى الله عليه وسلّم «٢» ، وأما قراءةُ مَنْ نَصَب الراء، وهو حمزةُ وغيره، فهي عَطْفٌ على قوله:
أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ، المعنى: ولا له أنْ يأمركم قاله أبُو عَلِيٍّ وغيره «٣» ، وهو الصوابُ، لا ما قاله الطَّبَرِيُّ «٤» من أنَّها عطْفٌ على قوله: ثُمَّ/ يَقُولَ، والأربابُ في هذه الآية:
بمعنى الآلهة.
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥)
وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ: المعنى: واذكر يا محمَّد إذْ، فيحتملُ أن يكون أخذ هذا الميثاق حين أَخرج بني آدم مِنْ ظَهْر آدم نَسَماً، ويحتملُ أنْ يكون هذا الأخْذُ على كلِّ نبيٍّ في زمنه، ووقت بعثه، والمعنى: إنَّ اللَّه تعالى أخذ ميثاقَ كُلِّ نبيٍّ بأنه ملتزمٌ هو ومن آمَنَ به الإيمانَ بمَنْ أتى بعده من الرُّسُل، والنّصر له، وقال ابن عبّاس: إنما
أخذ اللَّه ميثاقَ النَّبيِّين على قومهم، فهو أخذ لميثاقِ الجميع «١» ، وقال عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ (رضي اللَّه عنه) : لَمْ يبعثِ اللَّهُ نَبِيًّا آدَمَ فَمَنْ بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمّد صلّى الله عليه وسلّم: لَئِنْ بُعثَ، وهو حيٌّ، لَيُؤْمِنَنَّ به، ولينصُرَنَّه «٢» ، وأمره بأخذه على قومه، ثم تلا هذه الآيةَ، وقاله السُّدِّيُّ «٣» .
وقرأ حمزةُ: «لِمَا» بكسر اللام «٤» ، وهي لامُ الجَرِّ، والتقديرُ لأجْلِ ما آتيناكم إذْ أنتم القادَةُ والرءوس، ومَنْ كان بهذه الحال، فهو الذي يُؤْخَذُ ميثاقُهُ، و «ما» في هذه القراءةِ بمعنَى «الَّذِي» ، والعائدُ إلَيْها من الصِّلَة، تقديره: آتيناكموه، و «مِنْ» : لبيان الجنس، وثُمَّ جاءَكُمْ ...
الآية: جملةٌ معطوفةٌ على الصِّلة، ولا بُدَّ في هذه الجملة مِنْ ضميرٍ يعودُ على الموصُول، وإنما حذف تخفيفاً لطول الكلام، وتقديره عند سيبويه: رَسُولٌ بِهِ مصَدِّقٌ لِمَا معَكُمْ، واللامُ فِي: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ هي اللامُ المتلقِّية للقَسَمِ الذي تضمَّنه أخْذُ الميثاقِ، وفصل بَيْن القَسَم والمُقْسَم عليه بالجارِّ والمجرورِ، وذلك جائِزٌ، وقرأ سائِرُ السَّبْعة «لَمَا» بفتح اللام، وذلك يتخرَّج على وجهين:
أَحدهما: أنْ تكون «مَا» موصولةً في مَوْضع رفع بالابتداء، واللاَّمُ لامُ الابتداء، وهي متلقِّية لما أُجْرِيَ مُجْرَى القَسَم من قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، وخَبَرُ الابتداءِ قولُهُ: لَتُؤْمِنُنَّ، ولَتُؤْمِنُنَّ: متعلِّق بقَسَمٍ محذوفٍ، فالمعنى: واللَّهِ، لَتُؤْمِنُنَّ، قاله أبو عَلِيٍّ «٥» وهو متَّجِه بأنَّ الحَلِفَ يقع مرَّتين.
والوجْهُ الثاني: أنْ تكونَ «ما» للجزاءِ شرْطاً، فتكون في موضع نصبٍ بالفعلِ الذي
بعْدَهَا، وهو مجزومٌ، و «جَاءَكُمْ» : معطوفٌ في موضع جزمٍ، واللام الداخلَةُ على «مَا» ليسَتِ المتلقِّية للقَسَمِ، ولكنها الموطِّئةُ المُؤْذِنَةُ بمجيءِ لامِ القَسَم، فهي بمَنْزِلَة اللاَّم في قوله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ [الأحزاب: ٦٠] لأنها مؤذِنَةٌ بمجيء المتلقِّية للقسم في قوله: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ [الأحزاب: ٦٠] وكذلك هذه مؤذنةٌ بمجيء المتلقِّية للقَسَمِ في قوله:
«لَتُؤْمِنُنَّ» .
وقرأ نافعٌ وحْده: «آتَيْنَاكُمْ» ، بالنُّون، وقرأ الباقون: «آتَيْتُكُمْ» بالتاء «١» ، ورَسُول في هذه الآية: اسمُ جنسٍ، وقال كثيرٌ من المفسرين هو نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله تعالى: قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي ...
هذه الآية: هي وصْفُ توقيفِ الأنبياء- عليهم السلام- على إِقرارهم بهذا الميثاق، والتزامهم له، وَأَخَذْتُمْ في هذه الآية: عبارةٌ عمَّا تحصَّل لهم من إيتاء الكُتُبِ والحِكْمة، فَمِنْ حيْثُ أخذ عليهم، أخذوا هم أيضًا، وقال الطَّبَرِيُّ «٢» : أَخَذْتُمْ في هذه الآية: معناه: قَبِلْتُمْ، والإصْر: العَهْد لا تَفْسِير له في هذا الموضع إلا ذَلِكَ «٣» .
وقوله تعالى: فَاشْهَدُوا يحتملُ معنَيَيْنِ:
أحدهما: فاشهدوا/ على أممكم المؤمنينِ بكُمْ، وعلى أنْفُسِكُمْ بالتزام هذا العَهْد، قاله الطَّبَرِيُّ، وجماعة «٤» .
والمعنى الثاني: بُثوا الأمْرَ عنْد أممكم، واشهدوا به، وشهادةُ اللَّهِ على هذا التأويل هي إعطاء المُعْجَزَاتِ، وإقرارُ نبوّاتهم، هذا قول الزّجّاج وغيره «٥» .
وقال ع «١» : فتأمَّل أنَّ القول الأول هو إيداعُ الشهادةِ واستحفاظها، والقولُ الثَّانِي هو الأمر بأدائها، وحَكَمَ تعالى بالفِسْقِ على مَنْ تولى مِنَ الأمم بَعْدَ هذا الميثاق، قاله عليُّ بْنُ أبي طَالِبٍ، وغيره «٢» ، وقرأ أبو عَمرٍو: «يَبْغُونَ» بالياء مِنْ أَسْفَلُ مفْتُوحَة «٣» ، و «تَرْجِعُونَ» بالتَّاء من فوقُ مضمومةً، وقرأ عاصمٌ بالياءِ من أسفَلُ فيهما، وقرأ الباقُون بالتَّاء فيهما، ووجوه هذه القراءاتِ لا تخفى بأدنى تأمُّل.
وتبغون: معناه: تَطْلُبُونَ.
قال النوويِّ: ورُوِّينَا في كتاب ابن السُّنِّيِّ، عن السَّيِّدِ الجليلِ المُجْمَعِ على جلالته وحِفْظِهِ ودِيَانَتِهِ وَوَرَعِهِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ دِينَارٍ البَصْرِيِّ الشَّافِعِيِّ المشهور «٤» أنه قَالَ: لَيس رجُلٌ يكونُ على دابَّة صَعْبَةٍ، فيقول في أذنها: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ، إلا وقَفَتْ بإذن اللَّه تعالى.
وروِّينَا في كتاب ابن السّنّيّ، عن ابن مسعود، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «إذَا انفلتت دَابَّةُ أَحَدِكُمْ بِأَرْضٍ فلاة، فليناد: يا عباد الله، احبسوا، يَا عِبَادَ اللَّهِ، احبسوا، فَإنَّ للَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِي الأَرْضِ حَاضِراً سَيَحْبِسُهَا «٥» .
قال النَّوويُّ «٦» : حكى لِي بعُضْ شُيُوخِنا أَنَّهُ انفلتت لَهُ دابّة أظنّها بغلة، وكان يعرف
هذا الحديثَ، فقالَهُ، فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ في الحَالِ، وكنْتُ أَنَا مرَّةً مع جماعةٍ، فانفلتت منَّا بهيمةٌ، فَعَجَزُوا عَنْها، فَقُلْتُهُ، فوقَفَتْ في الحال بغَيْر سَبَبٍ سوى هذا الكلامِ.
اهـ.
وأَسْلَمَ: معناه: استسلم، عند الجمهور.
واختلفوا في معنى قوله: طَوْعاً وَكَرْهاً، فقال مجاهد: هذه الآيةُ كقوله تعالى:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥] فالمعنى: أنَّ إقرار كلِّ كافرٍ بالصانعِ هو إسلامٌ كرهاً «١» ، ونحوه لأبي العالية، وعبارته: كُلُّ آدمِيِّ، فقد أقرَّ على نفسه بأنَّ اللَّه رَبِّي، وأنا عبده، فمَنْ أشرك في عبادته، فهو الذي أسلم كرهاً، ومن أخلَص، فهو الذي أسلم طَوْعاً «٢» .
قال ع «٣» : والمعنى في هذه الآية يفهم كلُّ ناظر أنَّ الكره خاصٌّ بأهل الأرض.
وقوله سبحانه: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ: توقيفٌ لمعاصرِي نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم من الأحبار والكفّار.
قوله تعالى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ...
الآية: المعنى قل يا محمّد، أنت وأمّتك: آمَنَّا بِاللَّهِ ...
الآية، وقد تقدَّم بيانها في «البقرة» ، ثم حكم تعالى في قوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ ...
الآيةَ بأنه لا يقبل من آدمي دِيناً غير دين الإسلام، وهو الَّذي وافَقَ في معتقداته دِينَ كُلِّ مَنْ سمي من الأنبياء- عليهم السلام-، وهو الحنيفيَّة السَّمْحة، وقال بعض المفسِّرين: إن مَنْ يَبْتَغِ ...
الآيةَ، نزلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ «٤» ، قُلْتُ: وعلى تقدير صحَّة هذا القول، فهي تتناولُ بعمومها من سواه إلى يوم القيامة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَبْغُونَ بِالياءِ مَفْتُوحَةُ.
(وَإلَيْهِ تَرْجِعُونَ) بِالتّاءِ مَضْمُومَةً، وقَرَأها الباقُونَ بِالياءِ في الحَرْفَيْنِ.
ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "يَبْغُونَ" و"يَرْجِعُونَ" بِالياءِ فِيهِما، وفَتْحِ الياءِ وكَسَرَ الجِيمَ يَعْقُوبُ عَلى أصْلِهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «اخْتَصَمَ أهْلُ الكِتابَيْنِ، فَزَعَمَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ أنَّها أوْلى بِدِينِ إبْراهِيمَ، فَقالَ النَّبِيُّ : "كِلا الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِن دِينِ إبْراهِيمَ" .
فَغَضِبُوا، وقالُوا: واللَّهِ لا نَرْضى بِقَضائِكَ، ولا نَأْخُذُ بِدِينِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» والمُرادُ بِدِينِ اللَّهِ، دِينُ مُحَمَّدٍ .
﴿ وَلَهُ أسْلَمَ ﴾ انْقادَ، وخَضَعَ ﴿ طَوْعًا وكَرْهًا ﴾ الطَّوْعُ: الِانْقِيادُ بِسُهُولَةٍ، والكُرْهُ: الِانْقِيادُ بِمَشَقَّةٍ وإباءٍ مِنَ النَّفْسِ.
وَفِي مَعْنى الطَّوْعِ والكُرْهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ إسْلامَ الكُلِّ كانَ يَوْمَ المِيثاقِ طَوْعًا وكُرْهًا، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّ المُؤْمِنَ يَسْجُدُ طائِعًا، والكافِرُ يَسْجُدُ ظِلُّهُ وهو كارِهٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، ولَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّ الكُلَّ أقَرُّوا لَهُ بِأنَّهُ الخالِقُ، وإنَّ أشْرَكَ بَعْضُهم، فَإقْرارُهُ بِذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ في إشْراكِهِ، هَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ، ورَواهُ مَنصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ.
والرّابِعُ: أنَّ المُؤْمِنَ أسْلَمَ طائِعًا، والكافِرَ أسْلَمَ مَخافَةَ السَّيْفِ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والخامِسُ: أنَّ المُؤْمِنَ أسْلَمَ طائِعًا، والكافِرُ أسْلَمَ حِينَ رَأى بِأْسَ اللَّهِ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ في ذَلِكَ الوَقْتُ، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والسّادِسُ: أنَّ إسْلامَ الكُلِّ خُضُوعُهم لِنَفاذِ أمْرِهِ في جِبِلَّتِهِمْ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنَّ يَمْتَنِعَ مِن جِبِلَّةٍ جَبَلَهُ عَلَيْها، ولا عَلى تَغْيِيرِها، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الشَّعْبِيِّ: انْقادَ كُلُّهم لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشاهِدِينَ ﴾ ﴿ فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ ﴿ أفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ هي وصْفُ تَوْقِيفِ الأنْبِياءِ عَلى إقْرارِهِمْ بِهَذا المِيثاقِ والتِزامِهِمْ لَهُ وأخْذِ عَهْدِ اللهِ فِيهِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَوْطِنَ القَسَمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهَذِهِ العِبارَةِ الجامِعَةِ وصْفُ ما فَعَلَ مَعَ كُلِّ نَبِيٍّ في زَمَنِهِ.
"وَأخَذْتُمْ" في هَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ عَمّا تَحَصَّلَ لَهم مِن إيتاءِ الكِتابِ والحِكْمَةِ، فَمِن حَيْثُ أُخِذَ عَلَيْهِمْ أخَذُوا هم أيْضًا؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: أخَذْتُمْ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: قَبِلْتُمْ، والإصْرُ: العَهْدُ، لا تَفْسِيرَ لَهُ في هَذا المَوْضِعِ إلّا لِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فاشْهَدُوا" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: فاشْهَدُوا عَلى أُمَمِكُمُ المُؤْمِنِينَ بِكُمْ، وعَلى أنْفُسِكم بِالتِزامِ هَذا العَهْدِ، هَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ وجَماعَةٍ، والمَعْنى الثانِي: بَيِّنُوا الأمْرَ عِنْدَ أُمَمِكم واشْهَدُوا بِهِ، وشَهادَةُ اللهِ تَعالى عَلى هَذا التَأْوِيلِ وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ وَأنا مَعَكم مِنَ الشاهِدِينَ ﴾ هي إعْطاءُ المُعْجِزاتِ وإقْرارُ نُبُوءاتِهِمْ، هَذا قَوْلُ الزَجّاجِ وغَيْرِهِ، فَتَأمَّلِ.
القَوْلُ الأوَّلُ هو إيداعُ الشَهادَةِ واسْتِحْفاظُها، والقَوْلُ الثانِي هو الأمْرُ بِأدائِها.
وحَكَمَ اللهُ تَعالى بِالفِسْقِ عَلى مَن تَوَلّى مِنَ الأُمَمِ بَعْدَ هَذا المِيثاقِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بَعْدَ الشَهادَةِ عِنْدَ الأُمَمِ بِهَذا المِيثاقِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: "فاشْهَدُوا" أمْرٌ بِالأداءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَبْغُونَ" بِالياءِ مَفْتُوحَةً، "وَتَرْجِعُونَ" بِالتاءِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ عاصِمٌ "يَبْغُونَ" و"يَرْجِعُونَ" بِالياءِ مُعْجَمَةً مِن تَحْتٍ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ فِيهِما.
ووُجُوهُ هَذِهِ القِراءاتِ لا تَخْفى بِأدْنى تَأمُّلٍ.
و"تَبْغُونَ" مَعْناهُ: تَطْلُبُونَ.
و"أسْلَمَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: اسْتَسْلَمَ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، و"مَن" في هَذِهِ الآيَةِ تَعُمُّ المَلائِكَةَ والثَقَلَيْنِ.
واخْتَلَفُوا في مَعْنى قَوْلِهِ "طَوْعًا وكَرْهًا" - فَقالَ مُجاهِدٌ: هَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ ﴾ ، فالمَعْنى أنَّ إقْرارَ كُلِّ كافِرٍ بِالصانِعِ هو إسْلامٌ كَرْهًا.
فَهَذا عُمُومٌ في لَفْظِ الآيَةِ، لِأنَّهُ لا يَبْقى مَن لا يُسْلِمُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، و"أسْلَمَ" فِيهِ بِمَعْنى اسْتَسْلَمَ، وقالَ بِمِثْلِ هَذا القَوْلِ أبُو العالِيَةِ رَفِيعٌ، وعِبارَتُهُ رَحِمَهُ اللهُ: كُلُّ آدَمِيٍّ فَقَدْ أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّ اللهَ حَيٌّ وأنا أعْبُدُهُ، فَمَن أشْرَكَ في عِبادَتِهِ فَهَذا الَّذِي أسْلَمَ كَرْهًا، ومَن أخْلَصَ فَهَذا الَّذِي أسْلَمَ طَوْعًا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلْ إسْلامُ الكارِهِ مِنهم كانَ حِينَ أخَذَ المِيثاقَ.
ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الكَرْهُ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِسُجُودِ ظِلِّ الكافِرِ، فَيَسْجُدُ المُؤْمِنُ طَوْعًا ويَسْجُدُ ظِلُّ الكافِرِ وهو كارِهٌ.
وقالالشَعْبِيُّ: الآيَةُ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِقادَةِ جَمِيعِ البَشَرِ لِلَّهِ وإذْعانِهِمْ لِقُدْرَتِهِ وإنْ نَسَبَ بَعْضُهُمُ الأُلُوهِيَّةَ إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ هو الَّذِي يَسْجُدُ كَرْهًا؛.
وهَذا هو قَوْلُ مُجاهِدٍ وأبِي العالِيَةِ المُتَقَدِّمُ وإنِ اخْتَلَفَتِ العِباراتُ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ أسْلَمَ قَوْمٌ طَوْعًا، وأسْلَمَ قَوْمٌ خَوْفَ السَيْفِ.
وقالَ مَطَرٌ الوَرّاقُ: أسْلَمَتِ المَلائِكَةُ طَوْعًا، وكَذَلِكَ الأنْصارُ وبَنُو سَلِيمٍ وعَبْدِ القَيْسِ، وأسْلَمَ سائِرُ الناسِ كَرْهًا حَذَرَ القِتالِ والسَيْفِ.
وهَذا قَوْلٌ الإسْلامُ فِيهِ هو الَّذِي في ضِمْنِهِ الإيمانُ، والآيَةُ ظاهِرُها العُمُومُ ومَعْناها الخُصُوصُ، إذْ مِن أهْلِ الأرْضِ مَن لَمْ يُسْلِمْ طَوْعًا ولا كَرْهًا عَلى هَذا الحَدِّ.
وقالَ قَتادَةُ: الإسْلامُ كَرْهًا هو إسْلامُ الكافِرِ عِنْدَ المَوْتِ والمُعايَنَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ.
ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنَّ كُلَّ كافِرٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وهَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ إلّا في أفْرادٍ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ يَفْهَمُ كُلُّ ناظِرٍ أنَّ هَذا القَسَمَ الَّذِي هو الكَرْهُ إنَّما هو في أهْلِ الأرْضِ خاصَّةً، والتَوْقِيفُ بِقَوْلِهِ "أفَغَيْرَ" إنَّما هو لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ مِنَ الأحْبارِ والكُفّارِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، "أُصْرِي" بِضَمِّ الألِفِ وهي لُغَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
تفريع عن التذكير بما كان عليه الأنبياء.
والاستفهام للتوبيخ والتحذير.
وقرأه الجمهور ﴿ تبغون ﴾ بتاء الخطاب فهو خطاب لأهل الكتاب جارٍ على طريقة الخطاب في قوله آنفاً: ﴿ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ﴾ [آل عمران: 80] وقرأه أبو عَمرو، وحفص، ويعقوب: بياء الغيبة فهو التفات من الخطاب إلى الغيبة، إعراضاً عن مخاطبتهم إلى مخاطبة المسلمين بالتعجيب من أهل الكتاب.
وكله تفريع ذكر أحوال خلَف أولئك الأمم كيف اتبعوا غير ما أخذ عليهم العهد به.
والاستفهام حينئذ للتعجيب.
ودين الله هو الإسلام لقوله تعالى: ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ [آل عمران: 19] وإضافته إلى الله لتشريفه على غيره من الأديان، أو لأنّ غيره يومئذ قد نسخ بما هو دين الله.
ومعنى ﴿ تبغون ﴾ وتطلبون يقال بَغى الأمرَ يبغيه بُغَاء بضم الباء وبالمد، ويقصر والبُغية بضم الباء وكسرها وهاء في آخره قيل مصدر، وقيل اسم، ويقال ابتغى بمعنى بغى، وهو موضوع للطلب ويتعدّى إلى مفعول واحد.
وقياس مصدره البغي، لكنه لم يسمع البغي إلاّ في معنى الاعتداء والجور، وذَلك فعلُه قاصر، ولعلهم أرادوا التفرقة بين الطلب وبين الاعتداء، فأماتوا المصدر القياسي لبَغَى بمعنى طلب وخصّوه ببغى بمعنى اعتدى وظلم: قال تعالى: ﴿ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق ﴾ [الشورى: 42] ويقال تَبَغّى بمعنى ابتغى.
وجملة ﴿ وله أسلَم ﴾ » حال من اسم الجلالة وتقدم تفسير معنى الإسلام لله عند قوله تعالى: ﴿ فقل أسلمتُ وجهي للَّه ﴾ [آل عمران: 20].
ومعنى ﴿ طوعاً وكرهاً ﴾ أنّ من العقلاء من أسلم عن اختيار لظهور الحق له، ومنهم من أسلم بالجبلّة والفطرة كالملائكة، أو الإسلام كرهاً هو الإسلام بعد الامتناع أي أكرهته الأدلة والآيات أو هو إسلام الكافرين عند الموت ورؤية سوء العاقبة، أو هو الإكراه على الإسلام قبل نزول آية لاَ إكراه في الدين.
والكرهُ بفتح الكاف هو الإكراه، والكُره بضم الكاف المكروه.
ومعنى ﴿ وإليه ترجعون ﴾ أنه يرجعكم إليه ففعل رجع المتعدّي أسند إلى المجهول.
لظهور فاعله، أي يرجعكم الله بعد الموت، وعند القيامة، ومناسبة ذكر هذا، عقب التوبيخ والتحذير، أنّ الربّ الذي لا مفر من حكمه لا يجوز للعاقل أن يعدل عن ديننٍ أمره به، وحقه أن يسلم إليه نفسه مختاراً قبل أن يسلمها اضطراراً.
وقد دل قوله: ﴿ وإليه ترجعون ﴾ على المراد من قوله: ﴿ وكرهاً ﴾ .
وقرأ الجمهور: وإليه تُرجعون بتاء الخطاب، وقرأه حفص بياء الغيبة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المُؤْمِنَ أسْلَمَ طَوْعًا والكافِرَ أسْلَمَ عِنْدَ المَوْتِ كَرْهًا، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ الإقْرارُ بِالعُبُودِيَّةِ وإنْ كانَ فِيهِ مَن أشْرَكَ في العِبادَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ سُجُودُ المُؤْمِنِ طائِعًا وسُجُودُ ظِلِّ الكافِرِ كَرْهًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.
والرّابِعُ: طَوْعًا بِالرَّغْبَةِ والثَّوابِ.
وَكَرْهًا بِالخَوْفِ مِنَ السَّيْفِ، وهو قَوْلُ مَطَرٍ.
والخامِسُ: أنَّ إسْلامَ الكارِهِ حِينَ أُخِذَ مِنهُ المِيثاقُ فَأقَرَّ بِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والسّادِسُ: مَعْناهُ أنَّهُ أسْلَمَ بِالِانْقِيادِ والذِّلَّةِ، وهو قَوْلُ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ، والزَّجّاجِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس «عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً ﴾ أما من في السموات فالملائكة، وأما من في الأرض فمن ولد على الإسلام، وأما كرهاً فمن أتى به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال يقادون إلى الجنة وهم كارهون» .
وأخرج الديلمي عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً ﴾ قال: الملائكة أطاعوه في السماء، والأنصار وعبد القيس أطاعوه في الأرض» .
وأخرج ابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس ﴿ وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً ﴾ قال: حين أخذ الميثاق.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في الآية قال: عبادتهم لي أجمعين ﴿ طوعاً وكرهاً ﴾ وهو قوله: ﴿ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً ﴾ [ الرعد: 15] .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿ وله أسلم من في السماوات ﴾ قال: هذه مفصولة ﴿ ومن في الأرض طوعاً وكرهاً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ وله أسلم ﴾ قال: المعرفة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال: هو كقوله: ﴿ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ﴾ [ لقمان: 25] فذلك إسلامهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في الآية قال: كل آدمي أقر على نفسه بأن الله ربي وأنا عبده.
فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرهاً، ومن أخلص لله العبودية فهو الذي أسلم طوعاً.
وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال: أكره أقوام على الإسلام، وجاء أقوام طائعين.
وأخرج عن مطر الوراق في الآية قال: الملائكة طوعاً، والأنصار طوعاً، وبنو سليم وعبد القيس طوعاً، والناس كلهم كرهاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: أما المؤمن فأسلم طائعاً فنفعه ذلك وقبل منه، وأما الكافر فأسلم حين رأى بأس الله، فلم ينفعه ذلك، ولم يقبل منهم ﴿ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ﴾ [ غافر: 85] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: في السماء الملائكة طوعاً، وفي الأرض الأنصار وعبد القيس طوعاً.
وأخرج عن الشعبي ﴿ وله أسلم من في السماوات ﴾ قال: استقادتهم له.
وأخرج عن أبي سنان ﴿ وله أسلم من في السماوات والأرض ﴾ قال: المعرفة.
ليس أحد تسأله إلا عرفه.
وأخرج عن عكرمة في قوله: ﴿ وكرهاً ﴾ قال: من أسلم من مشركي العرب والسبايا: ومن دخل في الإسلام كرهاً.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ساء خلقه من الرقيق والدواب والصبيان فاقرأوا في أذنه ﴿ أفغير دين الله يبغون ﴾ » .
وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة عن يونس بن عبيد قال: ليس رجل يكون على دابة صعبة فيقرأ في أذنها ﴿ أفغير دين الله يبغون وله أسلم ﴾ الآية.
إلا ذلت له بإذن الله عز وجل.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ دخلت الفاءُ في ﴿ أَفَغَيْرَ ﴾ لأنه عطف جملة على جملة (١) (٢) (٣) واختلفوا في الياءِ والتّاءِ، من قوله: ﴿ تَبغُون ﴾ : فمن قرأ بالتاء (٤) ﴿ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ ﴾ .
ومن قرأ بالياء (٥) (٦) ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ .
وقرأ أبو عمرو: ﴿ يَبْغُونَ ﴾ بالياء، و ﴿ تُرجَعُونَ ﴾ بالتاء (٧) (٨) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ﴾ .
روى (١١) ، قال في هذه الآية: "الملائكة، أطاعوه في السماء؛ وعبد القيس في الأرض" (١٢) وبهذا (١٣) (١٤) (١٥) وقال قتادة (١٦) (١٧) (١٨) ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ﴾ .
وقال ابن كَيْسان (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ لأن المعنى: أنه بدأكم على إرادته، شئتم أو أبيتم، وهو يبعثكم كما بدأكم، والتأويل: أتبغون دينا غير دين (٢٢) وفي قوله: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ وعيد لهم؛ أي: أتبغون غير دين الله، وتزيغون عن الله، مع أن مرجعهم إليه، فيجازيهم على رفضهم دينه، وأخذهم سواه.
وقوله: ﴿ طَوْعًا وَكَرْهًا ﴾ الطَّوْعُ: الانقياد؛ يقال: (طاعَهُ، يَطُوعُه، طوعًا) (٢٣) (٢٤) وقال ابنُ السِّكِّيت (٢٥) وانتصب ﴿ طَوْعًا وَكَرْهًا ﴾ ؛ على أنه مصدرٌ وقع موقع الحال؛ وتقديره: طائعًا (٢٦) (٢٧) (١) على جملة: ساقط من: (ج).
(٢) في (ج): (ولذلك).
(٣) في (ج): (نزلت).
(٤) القراءة بالتاء في ﴿ تبغون ﴾ ، لابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم -في رواية أبي بكر عنه-، وحمزة، والكسائي.== انظر: "علل القراءات" للأزهري: 1/ 122 - 123، "الحجة" للفارسي: 3/ 69، "التيسير" 89، "التبصرة" 462.
(٥) القراءة بالياء في ﴿ يَبْغُونَ ﴾ ، لأبي عمرو، وعاصم -برواية حفص-، ويعقوب.
انظر المصادر السابقة.
(٦) في (ج): (قال).
(٧) قرأ عاصم -برواية حفص-: ﴿ يُرجَعُونَ ﴾ -بالياء المضمومة-، وقرأ الباقون: ﴿ تُرجَعُونَ ﴾ -بالتاء المضمومة-.
انظر المصادر السابقة.
(٨) في (ب): (باليهود).
(٩) (باليهود وغيرهم): ساقط من: (ج).
(١٠) انظر توجيه هذه القراءة في "علل القراءات" للأزهري: 1/ 123، "الحجة" للفارسي: 3/ 69 - 70، "حجة القراءات" لابن زنجلة: 170، "الكشف" لمكي: 1/ 353.
(١١) في (ج): (وروي).
(١٢) الحديث: أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس": 4/ 407، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 68 أ، وأورده -بدون سند- القرطبيُّ في "تفسيره" 4/ 128.
وفيه زيادة عندهم "والأنصار وعبد القيس أطاعوه في الأرض".
وفي سنده عند الديلمي والثعلبي: == الكُدَيْمي، وهو: محمد بن يونس القرشي.
قال عنه ابن حبان: (كان يضع على الثقات الحديث وضعًا، ولعله قد وضع أكثر من ألف حديث).
وقال عنه الذهبي في "الميزان": (أحد المتروكين)، وقال عنه -في "المغني في الضعفاء"-: (هالك).
وعند ابن حجر -في "التقريب"-: (ضعيف).
انظر: "المجروحين" لابن حبان: 2/ 313، "ميزان الاعتدال" 5/ 199، "المغني في الضعفاء" له: 2/ 283، "تقريب التهذيب" ص 515 (6419).
وعبد القيس، قبيلة عربية كبيرة، تنسب إلى عبد القيس بن أفصى بن دُعْمي بن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نِزار بن مَعَدّ بن عدنان.
وكان موطنهم بتهامة، ثم خرجوا إلى البحرين واستوطنوها، وقدم وفدهم على النبي عام (9 هـ)، وثبتت عبد القيس على إسلامها عندما ارتدت قبائل البحرين عام (11 هـ).
انظر: "جمهرة أنساب العرب" 295 - 296، 469، و"صبح الأعشى" 1/ 337، "معجم قبائل العرب" لكحالة: 2/ 276.
(١٣) في (ب): (وعلى هذا).
(١٤) لم أقف على مصدر هذه الرواية.
(١٥) قوله في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 6961، وورد نفس المعنى عن مطر الوراق، أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 337.
(١٦) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 337، "تفسير الثعلبي" 3/ 69 أ.
(١٧) في (ب): ففقه.
(١٨) (حين): ساقطة من: (ج).
(١٩) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 69 أ، "البحر المحيط" 2/ 515.
(٢٠) في "معاني القرآن"، له: 1/ 438.
وهذا النص -هنا- له، من: (أي خضعوا ..) إلى (الذي هذه صفته).
(٢١) الجِبِلَّةُ: الخليقة، والطبيعة، والغريزة ويقال للخلق: (الجِبِلّة، والجِبِلّ، والجِبُلّ، والجُبُلُ، والجُبُلّ، والجِبْلُ).
و (جَبَلَه الله على كذا)؛ أي: فطره عليه.
انظر: "الزاهر" 1/ 321، "المجمل" 206 (جبل)، "المصباح المنير" 35 (جبل).
(٢٢) في "معاني القرآن": الدين.
(٢٣) (طوعا): ساقطة من: (ج).
(٢٤) انظر: (طوع) في "تهذيب اللغة" 3/ 2153، "الصحاح" 3/ 1255، "المقاييس" 3/ 431.
(٢٥) في "إصلاح المنطق" 257 - 258 مع اختلاف في العبارة.
والعبارة -هنا- تتفق مع ما في "تهذيب اللغة" 3/ 2152 عن ابن السكيت؛ مما يدل على أن المؤلف نقل النص عن "التهذيب".
(٢٦) (طائعًا): ساقطة من: (ب).
(٢٧) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس: 3/ 29، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 167.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَفَغَيْرَ ﴾ الهمزة للإنكار، والفاء عطفت جملة على جملة، وغير مفعول قدّم للاهتمام به أو للحصر ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ ﴾ أي انقاد واستسلم ﴿ طَوْعاً وَكَرْهاً ﴾ مصدر صدّر في موضع الحال، والطوع للمؤمنين والكره للكافر إذا عاين الموت، وقيل: عند أخذ الميثاق المتقدّم، وقيل: إقرار كل كافر بالصانع هو إسلامه كرهاً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لما ﴾ بكسر اللام حمزة الخزا.
الباقون بفتحها.
﴿ آتيناكم ﴾ على صيغة جمع المتكلم: أبو جعفر ونافع.
الباقون ﴿ آتيتكم ﴾ على الوحدة ﴿ يبغون ﴾ بياء الغيبة و ﴿ ترجعون ﴾ بتاء الخطاب مبنياً للمفعول: أبو عمرو غير عباس.
وقرأ عباس وسهل وحفص بالياء التحتانية فيهما وقرأ يعقوب ﴿ يبغون ﴾ بالياء التحتانية ﴿ يرجعون ﴾ بالتحتانية مبنياً للفاعل.
الباقون بتاء الخطاب فيهما ﴿ ملء ﴾ بالهمزة ﴿ الأرض ﴾ بغير الهمز.
روى النجاري عن ورش وروى الأصفهاني عنه بغير همز فيهما.
الباقون بالهمز فيهما.
الوقوف: ﴿ ولتنصرنه ﴾ ط ﴿ إصري ﴾ ط ﴿ أقررنا ﴾ ط ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من ربهم ﴾ ص ﴿ منهم ﴾ ج ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ البينات ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ اجمعين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج (لا) ﴿ ينظرون ﴾ ه (لا) للاستثناء ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ توبتهم ﴾ ج ﴿ الضالون ﴾ ه، ﴿ افتدى به ﴾ ط ﴿ ناصرين ﴾ ه.
التفسير: الغرض من هذه الآيات تعديد الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب مما يدل على نبوة محمد قطعاً لأعذارهم وإظهاراً لعنادهم من جملتها أخذ ميثاق النبيين.
قال الزجاج: تقديره واذكر يا محمد في القرآن إذ أخذ الله.
وقيل: واذكروا يا أهل الكتاب.
وإضافة الميثاق إلى النبيين إما أن تكون من إضافة العهد إلى المعاهد منه، أو من إضافة / العهد إلى المعاهد كما تقول: ميثاق الله وعهد الله.
أما الاحتمال الأول فيؤيده ما يشعر به ظاهر اللفظ من أن آخذ الميثاق هو الله والمأخوذ منهم النبيون وهو قول سعيد بن جبير والحسن وطاوس.
ثم على هذا القول ما نقل عن علي أنه ما بعث آدم ومن بعده من الأنبياء إلا أخذ عليهم العهد لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه , والذي يدل على صحته ما روي أنه قال: " لقد جئتكم بها بيضاء نقية أما والله لو كان موسى بن عمران حياً لما وسعه إلا اتباعي" فهذا على سبيل الفرض والتقدير، وهو أنهم لو كانوا أحياء لوجب عليهم الإيمان بمحمد وإلا فالميت لا يكون مكلفاً.
وقيل: المراد أولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف، أو أمة النبيين فقد ورد كثيراً في القرآن لفظ النبي ويراد به الأمة كقوله ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ﴾ وقيل: النبيون أهل الكتاب وقد ورد على زعمهم تهكماً بهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون.
ويؤكده قراءة أبي وابن مسعود ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ وأما الاحتمال الثاني فالمعنى أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به، ويؤكده أنه حكم بأنهم إن تولوا كانوا فاسقين وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء وإنما يليق بالأمم.
وروي عن ابن عباس أنه قيل له: إن أصحاب عبد الله يقرأون ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ ونحن نقرأ ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ فقال: إنما أخذ الله ميثاق النيبين على قومهم ﴿ لما آتيتكم ﴾ من قرأ بفتح اللام ففيه وجهان: أحدهما: أن " ما " تكون موصولة واللام للابتداء وخبره ﴿ لتؤمنن ﴾ واللام فيه جواب القسم المقدر.
والعائد على الموصول في ﴿ آتيتكم ﴾ محذوف وفي ﴿ جاءكم ﴾ ما يدل عليه ﴿ لما معكم ﴾ لأنه في معنى "ما آتيتكم" والتقدير للذي آتيتكموه من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق له والله لتؤمنن به - وثانيهما - واختاره سيبويه وغيره - كيلا يفتقر إلى تكلف الرابط أن يقال: أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف.
و " ما " هي المتضمنة لمعنى الشرط وحينئذٍ يحتاج القسم إلى الجواب والشرط إلى الجزاء، وليس ههنا ما يصلح لكل منهما إلا الإيمان والنصرة.
فالأصح في هذا المقام أن يجعل المذكور جواباً للقسم ظاهراً، ولهذا أدخل اللام والنون المؤكدة في " لتؤمنن " و " لتنصرن " وأدخل اللام في الشرط وتسمى موطئة لأنها تعين من أول الأمر وتمهد أن المذكور هو جواب القسم لا الشرط.
ثم إن جواب الشرط يكون مستغنى عنه لأن جواب القسم يسد مسدّه.
ومن قرأ بكسر اللام للتعليل ففيه أيضاً وجهان: أحدهما أن تكون " ما " / مصدرية أي أخذ الله ميثاقهم لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجيء رسول الله موافقاً لكم في الأصول لتؤمنن به، لأن من يؤتى الكتاب والحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء، والثاني أن تكون " ما " موصولة وبيان الرابط كما مر.
وعن سعيد بن جبير ﴿ لما ﴾ بالتشديد بمعنى " حين ".
وقيل: أصله " لمن ما" أي لمن أجل ما آتيتكم.
أدغمت النون في الميم فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفوا إحداها للتخفيف فيؤل المعنى إلى قراءة حمزة.
وفي جميع القراآت قيل: لا بد من إضمار بأن يقال: وإذا أخذ الله ميثاق النبيين فقال مخاطباً لهم لما آتيتكم.
قلت: هذا من باب الالتفات فلا حاجة إلى الإضمار فكأنه قيل: وإذ أخذت أو أخذنا.
ولما في أخذ الميثاق من معنى القول.
ومن العلماء من قدر الإضمار بنوع آخر واستحسنه في التفسير الكبير مع أنه متكلف فقال: وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم إن جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه.
والنبيون عام وليس كلهم أصحاب كتاب ولكنه وصف الكل بوصف أشرفهم، أو الكتاب لذوي الكتب والحكمة لغيرهم، أو جعل الداعي إلى الكتاب وإلى العمل به كالذي أنزل عليه.
و "من " للبيان أو للتبعيض.
وقوله: ﴿ ثم جاءكم ﴾ والرسول لا يجيء إلى النبيين وإنما يجيء إلى الأمم معناه أي في زمانكم وإن كان المراد من النبيين أولادهم أو أممهم فلا إشكال.
والمراد بتصديقه لما معهم موافقته في التوحيد والنبوات وأصول الشرائع.
فأما تفاصيلها وإن وقع الخلاف فيها فذاك في الحقيقة ليس بخلاف لأن جميع الأنبياء متفقون على أن الحق في زمان موسى ليس إلا شرعه وأن الحق في زمان محمد ليس الاشرعه .
ولو قلنا: إن المراد بالرسول هو محمد فالمراد إما ما ذكرنا أو أن نعته وصفته وأحواله مذكورة في الكتب المتقدمة، فكان نفس مجيئه تصديقاً لما كان معهم.
الظاهر أن المراد بهذا الميثاق هو التوصية بأن يؤمنوا بكل رسول يجيء مصدقاً لما معهم.وقيل: يحتمل أن يكون الميثاق إشارة إلى ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لأمر الله واجب، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولاً عند ظهور المعجزات الدالة على صدقه، فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه.
وقيل: المراد بأخذ الميثاق أنه شرح صفاته في كتب الأنبياء المتقدمين، فإذا صارت أحواله مطابقة لما جاء في الكتب الإلهية وجب الانقياد له ، وهذا إنما يصح لو كان المراد بالنيين أولادهم أو أممهم أو ميثاق النبيين من الأمم أو ميثاق الله من النبيين على تقدير كونهم أحياء.
أقول والله أعلم: يحتمل أن يراد بقوله ﴿ ثم جاءكم ﴾ / المجيء في الزمان الماضي، فيكون معنى الآية أن الله أخذ ميثاقه من كل نبي أوتي كتاباً وحكمة أن يؤمن بكل رسول كان قد جاء قبله موافقاً لما معه وينصر دينه بأن يظهر حقيته في وقته وأنه من عند الله وأنه موافق له في أصول العقائد وفي قواعد مكارم الأخلاق، فتكون هذه الآية تمهيداً لما يجيء بعد من قوله: ﴿ قل آمنا بالله ﴾ الآية.
﴿ قال ﴾ الله أو كل نبي لأمته مستفهماً بمعنى الأمر ﴿ أأقررتم ﴾ بالإيمان به والنصرة؟
والإقرار في الشرع إخبار عن ثبوت حق سابق.
وفي اللغة منقول بهمزة التعدية من قر الشيء يقر إذا ثبت ولزم مكانه ﴿ وأخذتم ﴾ أي قبلتم ﴿ على ذلكم أصري ﴾ عهدي.والأخذ بمعنى القبول كثير قال : ﴿ لا يؤخذ منها عدل ﴾ أي لا يقبل.
ويأخذ الصدقات أي يقبلها.
سمي العهد أصراً لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد.
ثم بعد المطالبة بالإقرار أكد ذلك بالإشهاد وقال: ﴿ فاشهدوا ﴾ أي فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار.
وفي قوله: ﴿ وأنا معكم من الشاهدين ﴾ وأنه لا يخفى عليه خافية، تذكير لهم وتوكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله وشهادة بعضهم على بعض.
وقيل: فاشهدوا خطاب للملائكة.
وقيل: معناه ليجعل كل أحد نفسه شاهداً على نفسه كقوله: ﴿ وأشهدهم على أنفسهم ﴾ وقيل: بينوا هذا الميثاق للخاص والعام حتى لا يبقى لأحد عذر في الجهل به.
وأصله أن الشاهد هو الذي يبين تصديق الدعوى.
وقيل: استيقنوا وكونوا كالمشاهد للشيء المعاين له، أو يكون خطاباً للأنبياء بأن يكونوا شاهدين على الأمم.
ثم ضم إلى توكيد الوعيد بقوله: ﴿ فمن تولى بعد ذلك ﴾ الميثاق وصنوف التوكيد فلم يؤمن ولم ينصر ﴿ فأولئك هم الفاسقون ﴾ الخارجون عن دين الله وطاعته، ووعيد الفساق المردة معلوم.
ثم وبخ من خرج من دين الله إلى غيره بإدخال همزة الاستفهام على الفاء العاطفة فقال: ﴿ أفغير دين الله يبغون ﴾ ويحتمل أن يراد أيتولون فغير دين الله يبغون ﴿ وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه ترجعون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فيهما فلأن ما قبله خطاب في " أقررتم " و " أخذتم " أو للالتفات بعد قوله ﴿ أولئك هم الفاسقون ﴾ ومن قرأ بياء الغيبة فلرجوع الضمير في الأول إلى الفاسقين، وفي الثاني إلى جميع المكلفين.
والأصل أفتبتغون غير دين الله؟
لأن الاستفهام إنما يكون عن الحوادث إلا أنه قدم المفعول لأنه أهم من حيث إن الإنكار الذي هو فائدة الهمزة ههنا متوجه إلى الدين الباطل.
وعن ابن عباس "أن أهل الكتابين اختصموا إلى رسول الله فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم، فكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به فقال : كل الفريقين بريء من دين إبراهيم.
فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فنزلت" .
وعلى هذا تكون الآية كالمنقطعة عما قبلها، ولكن / الاستفهام على سبيل الإإنكار يقتضي تعلقها بما قبلها، فالوجه أن هذا الميثاق لما كان مذكوراً في كتبهم ولم يكن لكفرهم سبب إلا مجرد البغي والعناد، كانوا طالبين ديناً غير دين الله، فاستنكر أن يفعلوا ذلك أو قرر أنهم يفعلون.
ثم بيّن أن الإعراض عن دين الله خارج عن قضية العقل، وكيف لا وقد أخلص له الانقياد وخصص له الخضوع كل من سواه، لأن ما عداه كل ممكن وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه، فهو ذليل بين يدي قدرته، خاضع لجلال قدره في طرفي وجوده وعدمه عقلاً كان أو نفساً أو روحاً أو جسماً أو جوهراً أو عرضاً أو فاعلاً أو فعلاً.
ونظير الآية ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ فلا سبيل لأحد إلى الامتناع عن مراده ﴿ طوعاً وكرهاً ﴾ وهما مصدران وقعا موقع الحال لأنهما من جنس الفعل أي طائعين وكارهين كقولك: أتاني راكضاً.
ولو قلت أتاني كلاماً أي متكلماً لم يجز لأن الكلام ليس من جنس الإتيات.
فالمسلمون الصالحون ينقادون لله طوعاً فيما يتعلق بالدين وكرهاً في غيره من الآلام والمكاره التي تخالف طباعهم، لأنهم لا يمكنهم دفع قضائه وقدره.
وأما الكافرون فينقادون في الدين كرهاً أي خوفاً من السيف أو عند الموت أو نزول العذاب.
وعن الحسن: الطوع لأهل السموات، والكره لأهل الأرض.
أقول: وذلك لأن السفلي ينجذب بالطبع إلى السفل فحمله نفسه على ما يخالف طبعه هو الكره.
وبلسان الصوفية من شاهد الجمال أسلم طوعاً، ومن شاهد الجلال أسلم كرهاً.
فليس الاعتبار بذلك الإسلام الفطري بل الاعتبار بهذا الإسلام الكسبي ﴿ وإليه ترجعون ﴾ أي إلى حيث لا مالك سواه ظاهراً وباطناً، وفيه وعيد شديد لمن خالف الدين الحق إلى غيره.
ثم إنه لما بين أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق كل رسول كان قبله، أمر النبي بذلك ليعرف منه غاية إذعانه ونهاية استسلامه.
أما وجه التوحيد في ﴿ قل ﴾ فظاهر، بناء على ما قلنا، وأما وجه الجمع في ﴿ آمنا ﴾ فلتشريف أمته بانضمامهم معه في سلك الإخبار عن الإيمان، أو ليعلم أن هذا التكليف ليس من خواصه وإنما هو لازم لجميع المؤمنين كقوله: ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته ﴾ أو لإجلال قدر نبيه حيث أمر أن يتكلم عن نفسه كما يتكلم العظماء والملوك.
وقدم الإيمان بالله لأنه أصل جميع العقائد، ثم ذكر الإيمان بما أنزل الله إلأيه لأن كتب سائر الأنبياء محرفة لا سبيل إلى معرفة أحوالها إلا بالفرقان المنزل على محمد ، ثم ذكر الإيمان بما أنزل على مشاهير الأنبياء إذ لا سبيل إلى حصر الكل، وفي ذلك تنبيه على سوء عقيدة أهل الكتاب حيث فرقوا بين الأنبياء فصدقوا بعضاً وكذبوا بعضاً، ورمز إلى أنهم ليسوا من الدين في شيء حيث خالفوا مقتضى الميثاق.
ثم إن قلنا إنه تعالى أخذ الميثاق على كل نبي أن يؤمن بكل رسول جاء بعده كما ذهب إليه الجمهور في / تفسير قوله: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ فههنا قد أخذ الميثاق على محمد بأن يؤمن بكل رسول كان قبله ولم يؤخذ عليه الميثاق لمن يأتي بعده فيكون في الآية دليل على أنه لا نبي بعده.
واعلم أن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل فيجوز أن يعدّى أنزل بـ " على " تارة كما في هذه الآية، وبحرف الانتهاء أخرى كما في البقرة.
فنطق القرآن بالاعتبارين جميعاً.
وقيل: عُدي هناك بـ "إلى" لمكان ﴿ قولوا ﴾ فإن الوحي يأتي الأمة بطريق الانتهاء، وعدي ههنا بـ "على" لمكان ﴿ قل ﴾ فإن الرسول يأتيه الوحي بطريق الاستقلال وزيفه في الكشاف بقوله : ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب ﴾ وبقوله: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ﴾ والإنصاف أن هذا القائل لم يدع أن هذه المناسبة يجب اعتبارها في كل موضع وإنما ادعى اعتبارها في الموضعين فيصلح حجة للتخصيص والله أعلم.
﴿ ونحن له مسلمون ﴾ فائدة تقديم الجار أن يعلم أن هذا الإذعان والإيمان والاستسلام لا غرض فيه إلا وجه الله دون شيء آخر من طلب المال والجاه، بخلاف أحبار اليهود الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً فليسوا من الإسلام في شيء ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ﴾ فماذا بعد الحق إلا الضلال؟
﴿ وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾ حيث فاته الثواب وحصل مكانه العقاب.
والخاسرون ههنا هم الكافرون فقط عند أهل السنة، ومع أصحاب الكبائر عند المعتزلة.
وقد يستدل بالآية على أن الإيمان والإسلام واحد إذ لو كان الإيمان غير الإسلام كان غير مقبول، لأن كل ما هو غير الإسلام ليس بمقبول عند الله للآية.
وقد ذكرنا مراراً أن النزاع لفظي لأن الإسلام إن أريد به الانقياد الكلي فلا فرق بينه وبين الإيمان كما في هذه الآية، وإن أريد به الإقرار باللسان فالفرق بناء على أن الاعتقاد القلبي داخل في مفهوم الإيمان، وعلى الفرق ورد قوله : ﴿ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ﴾ ثم بيّن وعيد من ترك الإسلام فقال: ﴿ كيف يهدي الله ﴾ واختلف في سبب النزول، ففي رواية عن ابن عباس نزلت في يهود قريضة والنضير ومن دان بدينهم، كفروا بالنبي بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه وكانوا يشهدون له بالنبوة فلما بعث وجاءهم بالبينات والمعجزات كفروا به بغياً وحسداً وعناداً ولدداً.
وفي رواية أخرى عنه: نزلت في رهط كانوا أسلموا ثم ارتدوا ولحقوا بمكة، ثم أخذوا يتربصون به ريب المنون وكان فيهم من تاب فاستثنى التائب بقوله: ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ وعن مجاهد قال: كان الحرث بن سويد قد أسلم وكان مع رسول الله ثم لحق بقومه وكفر فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ فحملهن إليه رجل من قومه فقرأهن عليه فقال الحرث: والله إنك لصدوق وإن رسول الله / لأصدق منك وإن الله أصدق الثلاثة، ثم رجع فأسلم إسلاماً حسناً.
قالت المعتزلة في الآية: إن أصولنا تشهد بأنه هدى جميع الخلق إلى الدين بمعنى التعريف ووضع الدلائل وإلا كان الكافر معذوراً ولا يحسن ذمه على الكفر.
ثم إنه حكم بأنه لم يهد هؤلاء الكفار فلا بد من تفسير الآية بشيء أخر سوى نصب الدلائل.قالوا: فالمراد بهذه الهداية منع الألطاف التي يؤتيها المؤمنين ثواباً لهم على إيمانهم كما قال: ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ﴾ وقال: ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى ﴾ أو المعنى لا يهديهم إلى الجنة كقوله: ﴿ ولا يهديهم طريقاً إلا طريق جهنم ﴾ وقوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار ﴾ وقال أهل السنة: المراد بالهداية خلق المعرفة.
وقد جرت سنة الله في باب التكليف وفي دار العمل أن كل فعل يقصد العبد إلى تحصيله فإنه الله يخلقه عقيب قصد العبد فكأنه قال: كيف يخلق الله فيهم المعرفة والهداية وهم قصدوا تحصيل الكفر وأرادوه.؟
وقال أهل التحقيق: كيف يهدي الله إليه قوماً احتجبوا بالصفات الإنسانية والطبائع الحيوانية عن الأخلاق الربانية.
وقوله: ﴿ وشهدوا ﴾ عطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل إذ هو في تقدير أن آمنوا كقوله : ﴿ فأصدق وأكن ﴾ ويجوز أن يكون الواو للحال بإضمار "قد" أي كفروا وقد شهدوا أن الرسول حق.
وكيفما كان فمعنى الآية يؤل إلى أنه لا يهدي قوماً كفروا بعد الإيمان وبعد الشهادة بأن الرسول حق في نفسه غير باطل ولا مما يسوغ إنكاره بعد أن جاءتهم الشواهد الدالة على صدقه من القرآن وغيره، لكن الشهادة هي الإقرار باللسان، فيكون المراد من الإيمان هو التصديق بالقلب ليكون المعطوف مغايراً للمعطوف عليه.
﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الواضعين للشيء في غير موضعه وذلك أن الخصال الثلاث - أعني الإيمان والشهادة ومشاهدة المعجزات - توجب مزيد الإيمان بالنبي المبعوث في آخر الزمان لا الكفر والعناد.
وفيه دليل على أن زلة العالم أقبح من زلة الجاهل ولهذا صرح في آخر الآية بأنه لا يهديهم بعد أن عرض بذلك في أول الآية، ثم أردفه بغاية الوعيد قائلاً ﴿ أولئك جزاؤهم ﴾ إلى قوله: ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ وقد مر مثله في البقرة.
وهذا تحقيق قول المتكلمين بأن العذاب الملحق بالكافر مضرة خالصة عن شوائب المنافع دائمة غير منقطعة.
﴿ إلا الذين تابوا من بعد ذلك ﴾ الكفر العظيم.
ولا يكفي التوبة وحدها حتى يضاف إليها العمل الصالح فلهذا قال: ﴿ وأصلحوا ﴾ أي باطنهم مع الحق بالمراجعات، وظاهرهم مع الخلق بالعبادات، وأظهروا إنا كنا على الباطل حتى لو اغتر بطريقتهم المنحرفة مغتر رجع عنها.
﴿ فإن الله غفور ﴾ في الدنيا بالستر ﴿ رحيم ﴾ في الآخرة بالعفو.
أو غفور بإزالة العقاب، / رحيم بإعطاء الثواب.
قوله ﴿ إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً ﴾ ازدياد الكفر قد يراد به الإصرار على الكفر، وقد يراد به ضم كفر إلى كفره وهو المراد في الآية باتفاق عامة المفسرين.
ثم اختلفوا فقيل: إنهم أهل الكتاب آمنوا بمحمد قبل مبعثه ثم كفروا به عند المبعث ثم ازدادوا كفراً بسبب طعنهم فيه كل وقت، وإنكارهم لكل معجز يظهر عليه إلى غير ذلك من تخليطاتهم وتغليطاتهم.
وقيل: إن اليهود كانوا مؤمنين بموسى ثم كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفراً بمحمد والقرآن.
وهذا قول الحسن وقتادة وعطاء، وقيل: نزلت في الذين ارتدوا وذهبوا إلى مكة، وازديادهم الكفر أنهم قالوا: نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب المنون.
وقيل: عزموا على الرجوع إلى الإسلام على سبيل النفاق فسمى الله ذلك النفاق زيادة في الكفر, ثم إنه حكم في الآية الأولى بقبول توبة المرتدين، وحكم تعالى في هذه الآية بعدم قبولها، وهذا يوهم التناقض.
وأيضاً ثبت بالدليل أن التوبة بشروطها مقبولة فما معنى قوله ﴿ لن تقبل توبتهم ﴾ قال الحسن وقتادة وعطاء: المراد بازدياد الكفر إصرارهم عليه فلا يتوبون إلا عند حضور الموت، والتوبة حينئذٍ لا تقبل لقوله : ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ وقيل: هي محمولة على ما إذا تابوا باللسان لا عن الإخلاص.
وقال القاضي والقفال وابن الأنباري: هي من تتمة قوله: ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ يريد أنه لو كفر بعد التوبة الأولى فإن التوبة الأولى لا تكون مقبولة.
وقيل: لعل المراد أن التوبة من تلك الزيادة لا تكون مقبولة ما لم يتب عن الأصل المزيد عليه.
أقول: ويحتمل أن يكون لن تقبل توبتهم جعل كناية الموت على الكفر كأنه قيل: إن اليهود والمرتدين المصرين على الكفر ما يتوبون عن الكفر لما في فعلهم من قساوة القلوب والإفضاء إلى الرين وانجراره إلى الموت على حالة الكفر.
وفائدة هذه الكناية تصير كونهم آيسين من الرحمة، هذا إذا خصصنا اليهود والمرتدين بالمصرين، أما على تقدير التعميم فنقول: إنما يجعل الموت على الكفر لازماً لازدياد كفرهم لأن القضية حينئذٍ لا تكون كلية، فكم من مرتد أو يهودي مزداد للكفر لا بمعنى الإصرار يرجع إلى الإسلام ولا يموت على الكفر.
فاكتفى بذكر لازم الموت على الكفر وهو عدم قبول التوبة حتى برز الكلام في معرض الكناية.
ومن المعلوم أنها ذكر اللازم وإرادة الملزوم، وأنه لا بد للعدول من فائدة، فصح أن نبين فائدة العدول على وجه يصير القضية كلية وهي التغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفار وإبراز حالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة التي هي أغلظ الأحوال وأشدها، ألا ترى أن الموت على الكفر إنما يخاف لأجل اليأس من الرحمة، وهذا هو الذي عول عليه في الكشاف.
والحاصل أنه / كأنه قيل: إن اليهود والمرتدين الذين فعلوا ما فعلوا من حقهم أن لا تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون الكاملون في الضلال، ضلوا في تيه الأوصاف البهيمة والأخلاق السبعية فلم يكادوا يخرجون منها بقدم الإنابة.
واعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام: أحدها الذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة مقبولة وهو الذي سيق لأجله الآية التي ردفها الاستثناء، وثانيها الذي يتوب توبة فاسدة وهو المذكور في قوله: ﴿ لن تقبل توبتهم ﴾ على وجه.
وثالثها الذي يموت على الكفر من غير توبة فذكره في الآية الأخيرة.
وملْ الشيء قدر ما يملؤه و ﴿ ذهباً ﴾ نصب على التمييز.
وربما يقال على التفسير، ومعناه أن يكون الكلام تاماً إلا أنه يكون مبهماً كقولك "عندي عشرون" فالعدد معلوم والمعدود مبهم.
فإذا قلت "درهماً" فسرت العدد.
ومعنى الفاء في ﴿ فلن يقبل ﴾ أن يعلم أن الكلام مبني على الشرط والجزاء، وإذا ترك كما في الآية الأولى فلعدم قصد التسبيب والاكتفاء بمجرد الحمل والوضع.
هذا ما قاله النحويون ومنهم صاحب الكشاف.
وليت شعري أنهم لو سئلوا عن تخصيص كل موضع بما خصص به فبماذا يجيبون؟
ولعل عقيدتهم في أمثال هذه المواضع أنها من الأسئلة المتقلبة وهو وهم.
والسر في التخصيص هو أنه لما قيد في الجملة الثانية أنهم قد ماتوا على الكفر زيدت فاء السببية الجزائية تأكيداً للزوم وتغليظاً في الوعيد والله أعلم.
أما الواو في قوله ﴿ ولو افتدى به ﴾ فإنها تشبه عطف الشيء على نفسه لأنه كالمكرر، فلهذا كثر أقاويل العلماء فيه فقال الزجاج وابن الأنباري: إنها للعطف والتقدير: لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهباً لم يمنعه ذلك مع كفره ولو افتدى به أيضاً لم يقبل منه.
وقيل: إنها لبيان التفصيل بعد الإجمال فإن إعطاء ملء الأرض ذهباً يحتمل الوجوه الكثيرة، فنص على نفي القبول بجهة الفدية.
وقيل: إن الملوك قد لا يقبلون الهدية ويقبلون الفدية، فإذا لم يقبلوا الفدية كان ذلك غاية الغضب ونهاية السخط، فعبر بنفي قبول الفداء عن شدة الغضب.
وقيل: إنه محمول على المعنى كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً.
وقيل: يجوز أن يراد ولو افتدى بمثله كقوله: ﴿ ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به ﴾ والمثل يحذف كثيراً في كلامهم مثل: ضربت ضرب زيد.
أي مثل ضربه.
و" أبو يوسف وأبو حنيفة " تريد مثله.
كما أنه يراد به في نحو قولهم "مثلك لا يفعل" كذا أي أنت.
وذلك أن المثلين يقوم أحدهما مقام الآخر في أغلب الأمور فكانا في حكم شيء واحد، فإن قيل: من المعلوم أن الكافر لا يملك يوم القيامة شيئا، وبتقدير أن يملك فلا نفع في الذهب هناك، فما فائدة هذا الكلام؟
فالجواب أنه على سبيل الفرض والتقدير، والذهب / كناية عن أعزالأشياء.
والمراد أنه لو قدر على أعز الأشياء وفرض أن في بذله نفعاً للآخذ وأن المبذول في غاية الكثرة لعجز أن يتوصل بذلك إلى تخليص نفسه من عذاب ربه.
ثم صرح بعقابهم ونفى من يشفع لهم فقال: ﴿ أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ﴾ قال أهل التحقيق: وماتوا أي ماتت قلوبهم ﴿ أولئك لهم عذاب أليم ﴾ بموت القلب وفقد المعرفة ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ على إحياء القلب بنور المعرفة حسبي الله ونعم الوكيل.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ﴾ الآية.
قال مجاهد: هذا خطأ من الكاتب، وهي في قراءة ابن مسعود - - "ميثاق الذين أوتوا الكتاب"؛ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ لأن الميثاق لا يؤخذ على النبيين أن يصدّقوا، لكنه يجوز هذا.
ثم اختلف فيه، قيل: ميثاق الأوّل من الأنبياء - ليصدّقنّ بما جاء به الآخر منهم، لو أدرك.
وقيل: أخذ الله ميثاقاً على النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى قومهم؛ ففعلوا، ثم أخذوا مواثيق قومهم أن يؤمنوا بمحمّد ويصدقوه وينصروه.
وقيل: أخذ الله على النبيين ميثاقاً على أن يبلغوا الرسالة إلى قومهم، ويدعوا الناس إلى دين الله.
قال الكسائي فيه بوجهين: أحدهما: يقول: ميثاق الذين منهم النبيّون وهم بنو إسرائيل، وكل ميثاق ذكره الله - - في القرآن في أهل الكتاب، فإنما يراد به بنو إسرائيل.
والثاني: ذكره كما ذكرنا من تصديق بعضهم بعضاً، وتبليغ كتب الله إلى قومهم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ .
أخذ عليهم الميثاق؛ ليأخذوا على قومهم المواثيق أن يؤمنوا بمحمّد إذا خرج وينصروه.
وقوله: ﴿ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ ﴾ : قال الله - - للأنبياء: ﴿ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي ﴾ ، قيل: هو عهدي.
والإصر: قيل: هو العهد.
﴿ قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا ﴾ .
بالعهد لنؤمنن به ولننصرنه، وأخذنا على قومنا ليؤمنن به ولينصرنه، وقال الله - -: ﴿ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ ﴾ .
يقول الله - -: وأنا على إقراركم بمحمّد من الشاهدين.
وقيل: قال الله: فاشهدوا أني قد أخذت عليكم بالعهد، وأنا معكم من الشاهدين أنكم قد أقررتم بالعهد.
يقول الله - -: ﴿ فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ ﴾ .
العهد بالإقرار بنقض العهد، والرجوع عن الإقرار.
﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ : الدين كأنه يتوجه إلى وجوه يرجع إلى اعتقاد المذهب في الأصل، ويرجع إلى الحكم والخضوع، كقوله - -: ﴿ أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ ، ويرجع إلى الجزاء.
ثم قوله: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ : كأن كلا منهم يبغي ديناً هو دين الله، ويدعي أن الدين الذي هو عليه دين الله، لكن هذا - والله أعلم - كل منهم في الابتداء يبغي دين الله في نفسه، لكن بَانَ له من بعد وظهر بالآيات والحجج أنه ليس على دين الله، وأن دين الله هو الإسلام، فلم يرجع إليه ولا اعتقده، ولزم غيره بالاعتناد والمكابرة؛ فهو باغٍ غيرَ دين الله، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ ، أي: أفغير ما في دين الله من الأحكام والتوحيد.
ويحتمل: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ ﴾ : يدينون، وليس على الاستفهام؛ ولكن على الإيجاب أنهم في صنيعهم يبغون غير الذي هو دين الله، كقوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ...
﴾ الآية.
وقوله: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ﴾ : يحتمل: وجوهاً: يحتمل: أسلم، أي: استسلم، وخضع له بالخلقة؛ إذ في خلقة كُلٍّ دلالاتُ وَحدانيته.
ويحتمل: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ ، يعني: الملائكة، ﴿ وَٱلأَرْضِ ﴾ المؤمنين الذين أسلموا طوعاً وكرهاً، يعني: أهل الأديان يقرون أن الله ربهم وهو خلقهم؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ فذلك إسلامهم، وهم في ذلك مشركون.
عن ابن عباس - - قال]: "مَنْ فِى السَّمَوَاتِ أَسْلَمُوا طَوْعاً، ,َأَمَّا أهْلُ الأرْضِ: فَمِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ طَوْعاً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ كَرْهاً؛ مَخَافَةَ السَّيْفِ".
وعن ابن عباس - أيضاً - قال: "طَوْعاً مَنْ وُلِدَ فِى الإِسْلاَمِ، وَكُلُّ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُولَدْ فِى الإسْلاَم فَهُوَ كُرْهٌ".
وقيل: منهم من أسلم طوعاً، ومنهم من جبروا عليه، والإسلام: هو تسليم النفس لله خالصاً لا يشرك فيها غيره؛ كقوله: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ ﴾ الآية [الزمر: 29].
دلّت الآية أنه ما ذكرنا، والله أعلم.
والإسلام: هو اسم الخضوع، وكل منهم قد خضعوا، ولم يجترئ أحد أن يخرج عليه.
<div class="verse-tafsir"
أفغير دين الله الذي اختار لعباده - وهو الإسلام - يَطْلُبُ هؤلاء الخارجون عن دين الله وطاعته؟!
وله - سبحانه - انقاد واستسلم كل من في السماوات والأرض من الخلائق، طوعًا له كحال المؤمنين، وكَرْهًا كحال الكافرين، ثم إليه تعالى يرجع الخلائق كلهم يوم القيامة للحساب والجزاء.
من فوائد الآيات ضلال علماء اليهود ومكرهم في تحريفهم كلام الله، وكذبهم على الناس بنسبة تحريفهم إليه تعالى.
كل من يدعي أنه على دين نبي من أنبياء الله إذا لم يؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام فهو ناقض لعهده مع الله تعالى.
أعظم الناس منزلةً العلماءُ الربانيون الذين يجمعون بين العلم والعمل، ويربون الناس على ذلك.
أعظم الضلال الإعراض عن دين الله تعالى الذي استسلم له سبحانه الخلائق كلهم بَرُّهم وفاجرهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.DxJOe"
هذا رجوع إلى أصل الموضوع الذي افتتحت السورة بتقريره وهو التنزيل وكون الدين عند الله واحدًا وهو ما كان عليه إبراهيم وسائر النبيين وكون الله تعالى مختارًا فيما يختص به بعض خلقه من مزية أو نبوة.
وقد سيقت تلك المسائل لإثبات نبوة محمد وإزالة شبهات من أنكر من أهل الكتاب بعثة نبي من العرب واستتبع ذلك محاجتهم وبيان خطئهم في ذلك وفي غيره من أمر دينهم.
وهذه المسألة التي تقررها هذه الآية من الحجج الموجهة إليهم لدحض مزاعمهم وهي أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع النبيين وعلى أتباعهم بالتبع لهم بأن ما يعطونه من كتاب وحكمة وإن عظم أمره فالواجب عليهم أن يؤمنوا بمن يرسل من بعدهم مصدقًا لما معهم منه وأن ينصروه.
أما أخذ الميثاق من المرء وهو العهد الموثق المؤكد فهو عبارة عن كون المأخوذ منه وهو المعاهد (بكسر الهاء) يلتزم للآخذ وهو المعاهد (بفتح الهاء) أن يفعل كذا مؤكدًا ذلك باليمين أو بلفظ من المعاهدة أو المواثقة.
وفي قوله "ميثاق النبيين" وجهان: أحدهما: أن معناه الميثاق من النبيين فالنبيون هم المأخوذ عليهم.
وعلى هذا يكون حكمه ساريًا على أتباعهم بالأولى.
وثانيهما: أن إضافة ميثاق إلى النبيين على أنهم أصحابه فهو مضاف إلى الموثق لا إلى الموثق عليه كما تقول عهد الله وميثاق الله.
وحينئذ يكون المأخوذ عليه مسكوتًا عنه للعلم به وتقديره: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على أممهم أو الخطاب لأهل الكتاب والمعنى وإذ أخذ الله عليكم ميثاق النبيين الذين أرسلوا إلى قومكم، أو التقدير ميثاق أمم النبيين.
وكل من القولين مروي عن السلف وممن قال بالثاني من آل البيت جعفر الصادق وهو على حد: ﴿ يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ ﴾ فالخطاب فيه للنبي والمراد أمته عامة.
فإذا سأل سائل عن إيمان نبي بنبي آخر يبعث في عصره هل يستلزم ذلك نسخ الثاني لشريعة الأول؟
فالجواب لا يستلزم ذلك ولا ينافيه، وإنما المقصود تصديق دعوته ونصره على من يؤذيه ويناوئه، فإن تضمنت شريعة الثاني نسخ شيء مما جاء به الأول وجب التسليم له وإلا صدقه بالأصول التي هي واحدة في كل دين ويؤدي كل واحد مع أمته أعمال عبادتها التفصيلية، ولا يعد ذلك اختلافًا وتفرقًا في الدين فإن مثله يأتي في الشريعة الواحدة كأن يؤدي شخصان كفارة اليمين أو غيرها بغير ما يكفر به الآخر هذا بالصيام وذلك بإطعام المساكين، وسبب ذلك اختلاف حال الشخصين فأدى كل واحد ما سهل عليه.
﴿ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ ﴾ إن هذا الأمر بالشهادة دليل على ترجيح قول جعفر الصادق أن العهد مأخوذ من الأنبياء على أممهم، والمعنى أن الله تعالى أمر الأنبياء بأن يشهدوا على أممهم بذلك وهو سبحانه معهم شهيد.
والعبارة ليست نصًا في أن هذه المحاورة وقعت وهذه الأقوال قيلت، والمختار أن المراد بها تقرير المعنى وتوكيده على طريق التمثيل.
﴿ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾ أي أن مقتضى ذلك الميثاق أن دين الله واحد، وأن دعاته متفقون متحدون، فمن تولى بعد الميثاق على ذلك عن هذه الوحدة واتخذ الدين آلة للتفريق والعدوان ولم يؤمن بالنبي المتأخر المصدق لمن تقدمه، ولم ينصره، كأولئك الذين يجحدون نبوة محمد ويؤذونه فأولئك هم الفاسقون أي الخارجون من ميثاق الله الناقضون لعهده، وليسوا من دين الحق في شيء.
﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهًا ﴾ : إن الذين أسلموا طوعًا هم الذين لهم اختيار في الإسلام وأما الذين أسلموا كرهًا فهم الذين فطروا على معرفة الله كالأنبياء والملائكة وإن كان لفظ الكره يطلق في الغالب على ما يخالف الاختيار ويقهره فإن الله تعالى قد استعمله في غير ذلك كقوله بعد ذكر خلق السماء في الكلام على التكوين ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴾ فأطلق الكره وأراد به لازمه وهو عدم الاختيار.
<div class="verse-tafsir"