الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٨٤ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 64 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٤ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( قل آمنا بالله وما أنزل علينا ) يعني : القرآن ( وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ) أي : من الصحف والوحي : ( والأسباط ) وهم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل - هو يعقوب - الاثني عشر .
( وما أوتي موسى وعيسى ) يعني : بذلك التوراة والإنجيل ( والنبيون من ربهم ) وهذا يعم جميع الأنبياء جملة ( لا نفرق بين أحد منهم ) يعني : بل نؤمن بجميعهم ( ونحن له مسلمون ) فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل ، وبكل كتاب أنزل ، لا يكفرون بشيء من ذلك بل هم مصدقون بما أنزل من عند الله ، وبكل نبي بعثه الله .
القول في تأويل قوله : قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " أفغير دين الله تبغون "، يا معشر اليهود،" وله أسلم مَنْ في السموات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه ترجعون " = فإن ابتغوا غيرَ دين الله، يا محمد، فقل لهم: "آمَنَّا بِاللَّهِ"، فترك ذكر قوله: " فإن قالوا: نعم "، أو ذكر قوله: (1) " فإن ابتغوا غير دين الله "، لدلالة ما ظهر من الكلام عليه.
وقوله: " قل آمنا بالله "، يعني به: قل لهم، يا محمد، : صدقنا بالله أنه ربنا وإلهنا، لا إله غيره، ولا نعبد أحدًا سواه =" وما أنزل علينا "، يقول: وقل: وصدَّقنا أيضًا بما أنـزل علينا من وَحيه وتنـزيله، فأقررنا به =" وما أنزل على إبراهيم "، يقول: وصدقنا أيضًا بما أنـزل على إبراهيم خليل الله، وعلى ابنيه إسماعيل وإسحاق، وابن ابنه يعقوب = وبما أنـزل على " الأسباط"، وهم ولد يعقوب الاثنا عشر، وقد بينا أسماءَهم بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(2) =" وما أوتي موسى وعيسى "، يقول: وصدّقنا أيضًا مع ذلك بالذي أنـزل الله على موسى وعيسى من الكتب والوَحْي، وبما أنـزل على النبيين من عنده.
والذي آتى الله موسى وعيسى = مما أمرَ الله عز وجل محمدًا بتصديقهما فيه، والإيمان به = التوراة التي آتاها موسى، والإنجيل الذي أتاه عيسى.
=" لا نفرق بين أحد منهم "، يقول: لا نصدّق بعضهم ونكذّب بعضَهم، &; 6-570 &; ولا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم، كما كفرت اليهود والنصارى ببعض أنبياء الله وصدّقت بعضًا، ولكنا نؤمن بجميعهم، ونصدّقهم =" ونحن له مسلمون ".
يعني: ونحن ندين لله بالإسلام لا ندين غيره، بل نتبرأ إليه من كل دين سواه، ومن كل ملة غيره.
ويعني بقوله: " ونحن له مسلمون ".
ونحن له منقادون بالطاعة، متذللون بالعبودة، (3) مقرّون لهُ بالألوهة والربوبية، وأنه لا إله غيره.
وقد ذكرنا الروايةَ بمعنى ما قلنا في ذلك فيما مضى، وكرهنا إعادته.
(4) -------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة: "وذكر قوله" ، جعل الواو مكان "أو" ، والصواب ما في المخطوطة.
(2) انظر ما سلف 2: 120 ، 121 / 3: 111-113.
(3) في المطبوعة: "بالعبودية" كما فعل في سابقتها ، وأثبت ما في المخطوطة ، وانظر ما سلف قريبًا ص: 565 ، تعليق: 2.
(4) يعني ما سلف 3: 109-111 ، وهي نظيرة هذه الآية ، وانظر فهارس اللغة"سلم".
لا يوجد تفسير لهذه الأية
تقدم نظير هذه الآية في سورة البقرة
قوله تعالى : ( قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) ذكر الملل والأديان واضطراب الناس فيها ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول : ( آمنا بالله ) الآية .
«قل» لهم يا محمد «آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط» أولاده «وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم» بالتصديق والتكذيب «ونحن له مسلمون» مخلصون في العبادة ونزل فيمن ارتد ولحق بالكفار.
قل لهم -أيها الرسول-: صدَّقنا بالله وأطعنا، فلا رب لنا غيره، ولا معبود لنا سواه، وآمنَّا بالوحي الذي أنزله الله علينا، والذي أنزله على إبراهيم خليل الله، وابنيه إسماعبل وإسحاق، وابن ابنه يعقوب بن إسحاق، والذي أنزله على الأسباط -وهم الأنبياء الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة مِن ولد يعقوب- وما أوتي موسى وعيسى من التوراة والإنجيل، وما أنزله الله على أنبيائه، نؤمن بذلك كله، ولا نفرق بين أحد منهم، ونحن لله وحده منقادون بالطاعة، مُقِرُّون له بالربوبية والألوهية والعبادة.
قوله { والأسباط } جمع سبط وهو الحفيد ، والراد بهم أولاد يعقوب - عليه السلام - وكانوا اثنى عشر ولدا قال - تعاىل - : { وَقَطَّعْنَاهُمُ اثنتي عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً } وسموا بذلك لكونهم حفدة إبراهيم وإسحاق - عليهم السلام - .والمعنى : { قُلْ } يا محمد لأهل الكتاب الذين جادلوك بالباطل كوجحدوا الحق مع علمهم به ، قل لهم ولغيرهم { آمَنَّا بالله } أى آمنت أنا وأتباعى بوجود الله ووحدانيته ، واستجبنا له فى كل ما أمرنا به ، أو نهانا عنه .وآمنا كذلك بما { أُنزِلَ عَلَيْنَا } من قرآن يهدى إلى الرشد ، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم .وآمنا أيضاً بما أنزله الله - تعالى - من وحى وصحف على { ا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط } .وآمنا - أيضاً - بما آتاه الله لموسى وعيسى من التوراة والإنجيل وغيرهما من المعجزات ، وبما آتاه لسائر أنبيائه من وحى وآيات تدل على صدقهم .{ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ } أى لا نفرق بين جماعة الرسل فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل أهل الكتاب ، إذ فرقوا بين أنبياء الله وميزوا بينهم وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - { نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } وهم فى الحقيقة كافورن بهم جميعاً ، لأن الكفر بواحد من الأنبياء يؤدى إلى الكفر بهم جميعاً ، ولذا فنحن معاشر المسلمين نؤمن بجميع الأنبياء بلا تفرقة أو استثناء .{ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } أى خاضعون له وحده بالطاعة والعبودية .
مستجيبون له فى كل ما أمرنا به وما نهانا عنه .فالآية الكريمة تأمر النبى صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن نفسه وعمن معه بأنهم آمنوا بالله وبكتبه وبرسله جميعا بدون تفرقة بينهم ، لأنها شرائع الله - تعالى - التى أنزلها على أنبيائه ، كلها مرتبط بعضها ببعض ، وكلها تتفق على كلمة واحدة هى إفراد الله - تعالى - بالعبودية والطاعة .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم عدى أنزل فى هذه الآية بحرف الاستعلاء { أُنزِلَ عَلَيْنَا } ، وفيما تقدم من مثلها - فى سورة البقرة - بحرف الانتهاء؟
{ أُنْزِلَ إِلَيْنَا } قلت : لوجود المعنيين جميعا ، لأن الوحى ينزل من فوق وينتهى إلى الرسل ، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر .ومن قال إنما قيل هنا { عَلَيْنَا } لقوله ( إِلَيْنَا ) وقيل هناك ( قولوا ) تفرقة بين الرسل والمؤمنين ، لأن الرسول يأتيه الوحى على طريق الاستعلاء ، ويأتيهم على وجه الانتهاء ، من قال ذلك تعسف .
ألا ترى إلى قوله ( أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) وإلى قوله { آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ } وخص هؤلاء الأنبياء الذين ذكرتهم الآية بالذكر ، لأن أهل الكتاب يزعمون أنهم يؤمنون بهم ويتبعونهم ، فاراد القرآن أن يبين لهم أن زعمهم باطل ، لأنهم لن يكونوا مؤمنين بهم إلا إذا آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم .وقوله - تعالى - { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ } بيان لثمرة الإيمان الحق الذى رسخ فى قلوب المؤمنين وعلى رأسهم هاديهم ومرشدهم محمد صلى الله عليه وسلم ، لأن هذا الإيمان الحق جعلهم يصدقون بأن رسل الله جميعا قد أرسلهم - سبحانه - بالدعوة إلى توحيده وإخلاص العبادة له ، وإذا وجد تفاضل أو اختلاف فهذا التفاضل والاختلاف يكون فى أمور أخرى سوى الإيمان بالله وإفراده بالعبودية ، سوى ما اتفقت عليه الشرائع جميعها من الدعوة إلى الحق وإلى مكارم الأخلاق .
وقد جاءت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم خاتمة للرسالات ، وجامعة لكل ما فيها من محاسن فوجب الإيمان بها ، وإلا كان الكفر بها كفراً بجميع الرسالات السابقة عليها .وقوله { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } يفيد الحصر ، نحن له وحده أسلمنا وجوهنا ، وأخلصنا عبادتنا .
لا لغيره كائنا من كان هذا الغير .وهذا يدل على أنهم بلغوا أعلى مراتب الإخلاص والطاعة لله رب العالمين .
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة أنه إنما أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق الرسول الذي يأتي مصدق لما معهم بيّن في هذه الآية أن من صفة محمد صلى الله عليه وسلم كونه مصدقاً لما معهم فقال: ﴿ قُلْ ءامَنَّا بالله ﴾ إلى آخر الآية وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: وحد الضمير في ﴿ قُلْ ﴾ وجمع في ﴿ آمنا ﴾ وفيه وجوه: الأول: إنه تعالى حين خاطبه، إنما خاطبه بلفظ الوحدان، وعلمه أنه حين يخاطب القوم يخاطبهم بلفظ الجمع على وجه التعظيم والتفخيم، مثل ما يتكلم الملوك والعظماء والثاني: أنه خاطبه أولاً بخطاب الوجدان ليدل هذا الكلام على أنه لا مبلغ لهذا التكليف من الله إلى الخلق إلا هو، ثم قال: ﴿ آمنا ﴾ تنبيهاً على أنه حين يقول هذا القول فإن أصحابه يوافقونه عليه الثالث: إنه تعالى عينه في هذا التكليف بقوله: ﴿ قُلْ ﴾ ليظهر به كونه مصدقاً لما معهم ثم قال: ﴿ آمنا ﴾ تنبيهاً على أن هذا التكليف ليس من خواصه بل هو لازم لكل المؤمنين كما قال: ﴿ والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ ﴾ .
المسألة الثانية: قدم الإيمان بالله على الإيمان بالأنبياء، لأن الإيمان بالله أصل الإيمان بالنبوة، وفي المرتبة الثانية ذكر الإيمان بما أنزل عليه، لأن كتب سائر الأنبياء حرفوها وبدلوها فلا سبيل إلى معرفة أحوالها إلا بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، فكان ما أنزل على محمد كالأصل لما أنزل على سائر الأنبياء فلهذا قدمه عليه، وفي المرتبة الثالثة ذكر بعض الأنبياء وهم الأنبياء الذين يعترف أهل الكتاب بوجودهم، ويختلفون في نبوتهم ﴿ وَالأَسْبَاطَ ﴾ هم أسباط يعقوب عليه السلام الذين ذكر الله أممهم الاثنى عشر في سورة الأعراف، وإنما أوجب الله تعالى الإقرار بنبوّة كل الأنبياء عليهم السلام لفوائد إحداها: إثبات كونه عليه السلام مصدقاً لجميع الأنبياء، لأن هذا الشرط كان معتبراً في أخذ الميثاق.
وثانيها: التنبيه على أن مذاهب أهل الكتاب متناقضة، وذلك لأنهم إنما يصدقون النبي الذي يصدقونه لمكان ظهور المعجزة عليه، وهذا يقتضي أن كل من ظهرت المعجزة عليه كان نبياً، وعلى هذا يكون تخصيص البعض بالتصديق والبعض بالتكذيب متناقضاً، بل الحق تصديق الكل والاعتراف بنبوّة الكل.
وثالثها: إنه قال قبل هذه الآية ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السموات والأرض ﴾ وهذا تنبيه على أن إصرارهم على تكذيب بعض الأنبياء إعراض عن دين الله ومنازعة مع الله، فهاهنا أظهر الإيمان بنبوّة جميع الأنبياء، ليزول عنه وعن أمته ما وصف أهل الكتاب به من منازعة الله في الحكم والتكليف.
ورابعها: أن في الآية الأولى ذكر أنه أخذ الميثاق على جميع النبيّين، أن يؤمنوا بكل من أتى بعدهم من الرسل، وهاهنا أخذ الميثاق على محمد صلى الله عليه وسلم بأن يؤمن بكل من أتى قبله من الرسل، ولم يأخذ عليه الميثاق لمن يأتي بعده من الرسل، فكانت هذه الآية دالة من هذا الوجه على أنه لا نبي بعده ألبتة، فإن قيل: لم عدَّى ﴿ أَنَزلَ ﴾ في هذه الآية بحرف الاستعلاء، وفيما تقدم من مثلها بحرف الانتهاء؟
قلنا: لوجود المعنيين جميعاً، لأن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر، وقيل أيضاً إنما قيل ﴿ عَلَيْنَا ﴾ في حق الرسول، لأن الوحي ينزل عليه وإلينا في حق الأمة لأن الوحي يأتيهم من الرسول على وجه الانتهاء وهذا تعسف، ألا ترى إلى قوله: ﴿ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ﴾ وأنزل إليك الكتاب وإلى قوله: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ﴾ .
المسألة الثانية: اختلف العلماء في أن الإيمان بهؤلاء الأنبياء الذين تقدموا ونسخت شرائعهم كيف يكون؟
وحقيقة الخلاف، أن شرعه لما صار منسوخاً، فهل تصير نبوته منسوخة؟
فمن قال إنها تصير منسوخة قال: نؤمن أنهم كانوا أنبياء ورسلاً، ولا نؤمن بأنهم الآن أنبياء ورسل، ومن قال إن نسخ الشريعة لا يقتضي نسخ النبوّة قال: نؤمن أنهم أنبياء ورسل في الحال فتنبه لهذا الموضع.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ ﴾ فيه وجوه: الأول: قال الأصم: التفرق قد يكون بتفضيل البعض على البعض، وقد يكون لأجل القول بأنهم ما كانوا على سبيل واحد في الطاعة لله والمراد من هذا الوجه يعني: نقر بأنهم كانوا بأسرهم على دين واحد في الدعوة إلى الله وفي الانقياد لتكاليف الله الثاني: قال بعضهم المراد ﴿ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ ﴾ بأن نؤمن ببعض دون بعض كما تفرقت اليهود والنصارى الثالث: قال أبو مسلم ﴿ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ ﴾ أي لا نفرق ما أجمعوا عليه، وهو كقوله: ﴿ واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾ وذم قوماً وصفهم بالتفرق فقال: ﴿ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ .
أما قوله: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ ففيه وجوه: الأول: إن إقرارنا بنبوّة هؤلاء الأنبياء إنما كان لأجل كوننا منقادين لله تعالى مستسلمين لحكمه وأمره، وفيه تنبيه على أن حاله على خلاف الذين خاطبهم الله بقوله: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السموات والأرض ﴾ والثاني: قال أبو مسلم ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ أي مستسلمون لأمر الله بالرضا وترك المخالفة وتلك صفة المؤمنين بالله وهم أهل السلم والكافرون يوصفون بالمحاربة لله كما قال: ﴿ إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ الثالث: أن قوله: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ يفيد الحصر والتقدير: له أسلمنا لا لغرض آخر من سمعة ورياء وطلب مال، وهذا تنبيه على أن حالهم بالضد من ذلك فإنهم لا يفعلون ولا يقولون إلا للسمعة والرياء وطلب الأموال، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يخبر عن نفسه وعمن معه بالإيمان، فلذلك وحد الضمير في ﴿ قُلْ ﴾ وجمع في ﴿ ءَامَنَّا ﴾ ويجوز أن يؤمر بأن يتكلم عن نفسه كما يتكلم الملوك إجلالاً من الله لقدر نبيه.
فإن قلت: لم عدّى أنزل في هذه الآية بحرف الاستعلاء، وفيما تقدم من مثلها بحرف الانتهاء؟
قلت: لوجود المعنيين جميعاً، لأن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل، فجاء تارة بأحد المعنيين، وأخرى بالآخر.
ومن قال: إنما قيل ﴿ عَلَيْنَا ﴾ لقوله: ﴿ قُلْ ﴾ ؛ و ﴿ إِلَيْنَا ﴾ لقوله: ﴿ قولوا ﴾ [البقرة: 136] تفرقة بين الرسل والمؤمنين، لأن الرسول يأتيه الوحي على طريق الاستعلاء، ويأتيهم على وجه الانتهاء، فقد تعسف.
ألا ترى إلى قوله: ﴿ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ﴾ [المائدة: 68] ، ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب ﴾ [النساء: 105] وإلى قوله: ﴿ ءامِنُواْ بالذى أُنزِلَ عَلَى الذين ءَامَنُواْ ﴾ .
﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ موحدون مخلصون أنفسنا له لا نجعل له شريكاً في عبادتها؛ ثم قال: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام ﴾ يعني التوحيد وإسلام الوجه لله تعالى: ﴿ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاخرة مِنَ الخاسرين ﴾ من الذين وقعوا في الخسران مطلقاً من غير تقييد للشياع.
وقرئ: ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام ﴾ بالإدغام.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ ﴾ أمْرٌ لِلرَّسُولِ بِأنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ ومُتابِعِيهِ بِالإيمانِ، والقُرْآنُ كَما هو مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِمْ بِتَوَسُّطِ تَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ وأيْضًا المَنسُوبُ إلى واحِدٍ مِنَ الجَمْعِ قَدْ يُنْسَبُ إلَيْهِمْ، أوْ بِأنْ يَتَكَلَّمَ عَنْ نَفْسِهِ عَلى طَرِيقَةِ المُلُوكِ إجْلالًا لَهُ، والنُّزُولُ كَما يُعَدّى بِإلى لِأنَّهُ يَنْتَهِي إلى الرُّسُلِ يُعَدّى بِعَلى لِأنَّهُ مِن فَوْقُ، وإنَّما قَدَّمَ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المُنْزَلِ عَلى سائِرِ الرُّسُلِ لِأنَّهُ المُعَرِّفُ لَهُ والعِيارُ عَلَيْهِ ﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ ﴾ بِالتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ.
﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ مُنْقادُونَ أوْ مُخْلِصُونَ في عِبادَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{قل آمنا بالله وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا} أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يخبر عن نفسه وعمن معه بالإيمان فلذا وحد الضمير في قل وجمع في آمنا أو أمر بأن يتكلم عن نفسه كما يتكلم الملوك إجلالاً من الله لقدر نبيه وعدي أنزل هنا بحرف الاستعلاء وفي البقرة بحرف الانتهاء لوجود المعنييم إذ الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسول فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر وقال صاحب اللباب والخطاب في البقرة للأمة لقوله قُولُواْ فلم يصح إلا إلى لأن الكتب منتهية إلى الأنبياء وإلى أمتهم جميعاً وهنا قال قل وهو خطاب للنبي عليه السلام دون أمته فكان اللائق به علي لأن الكتب منزلة عليه لاشركة للأمة فيه وفيه نظر لقوله تعالى آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا {وَمَا أُنزِلَ على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والأسباط} أولاد يعقوب وكان فيهم أنبياء {وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى والنبيون} كرر في البقرة وما أوتي ولم يكرر هنا لتقدم ذكر الإيتاء حيث قال لما آتيتكم {مّن رَّبّهِمُ} من عند ربهم {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} فى الإيمان كما
آل عمران (٨٤ _ ٩١)
فعلت اليهود والنصارى {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} موحدون مخلصون أنفسنا له لا نجعل له شريكاً فى عبادتنا
﴿ قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ ﴾ أمْرٌ لِلرَّسُولِ أنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ والمُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ بِما ذَكَرَ، فَضَمِيرُ (آمَنّا) لِلنَّبِيِّ والأُمَّةِ، وقالَ المَوْلى عَبْدُ الباقِي: لَمّا أخَذَ اللَّهُ تَعالى المِيثاقَ مِنَ النَّبِيِّينَ أنْفُسَهم أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَنْصُرُوهُ أمَرَ مُحَمَّدًا أيْضًا أنْ يُؤْمِنَ بِالأنْبِياءِ المُؤْمِنِينَ بِهِ وبِكُتُبِهِمْ فَيَكُونُ ﴿ آمَنّا ﴾ في مَوْضِعِ آمَنتَ لِتَعْظِيمِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ، أوْ لَمّا عَهِدَ مَعَ النَّبِيِّينَ وأُمَمِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا أمَرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُمَّتَهُ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ وبِكُتُبِهِمْ.
والحاصِلُ أخْذُ المِيثاقِ مِنَ الجانِبَيْنِ عَلى الإيمانِ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ ولَمْ يَتَعَرَّضْ هُنا لِحِكْمَةِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ إمّا لِأنَّ الإيمانَ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ إيمانٌ بِما فِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ، أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ شَرِيعَتَهم مَنسُوخَةٌ في زَمَنِ هَذا النَّبِيِّ وكِلاهُما عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الحِكْمَةِ بِمَعْنى الشَّرِيعَةِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِنُصْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم إذْ لا مَجالَ بِوَجْهٍ لِنُصْرَةِ السَّلَفِ، ويُؤَيِّدُ دَعْوى أخْذِ المِيثاقِ مِنَ الجانِبَيْنِ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ طاوُسَ أنَّهُ قالَ: أخَذَ اللَّهُ تَعالى مِيثاقَ النَّبِيِّينَ أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا.
﴿ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا ﴾ وهو القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ أوَّلًا وعَلَيْهِمْ بِواسِطَةِ تَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ، ومِن هُنا أتى بِضَمِيرِ الجَمْعِ، وقَدْ يُعْتَبَرُ الإنْزالُ عَلَيْهِ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- وحْدَهُ، ولَكِنْ نُسِبَ إلى الجَمْعِ ما هو مَنسُوبٌ لِواحِدٍ مِنهُ مَجازًا عَلى ما قِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النُّونُ نُونَ العَظَمَةِ لا ضَمِيرَ الجَماعَةِ، وعُدِّيَ الإنْزالُ هُنا بِ عَلى وفي البَقَرَةِ بِ إلى لِأنَّهُ لَهُ جِهَةُ عُلُوٍّ بِاعْتِبارِ اِبْتِدائِهِ وانْتِهاءً بِاعْتِبارِ آخِرِهِ، وقَدْ جُعِلَ الخِطابُ هُنا لِلنَّبِيِّ فَناسَبَهُ الِاسْتِعْلاءُ وهُناكَ لِلْعُمُومِ فَناسَبَ الِانْتِهاءَ، كَذا قِيلَ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا ﴾ والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المُعَدّى بِ إلى والمُعَدّى بِعَلى إلّا بِالِاعْتِبارِ، فَإنِ اِعْتَبَرْتَ مَبْدَأهُ عَدَّيْتَهُ بِ عَلى لِأنَّهُ فَوْقانِيٌّ، وإنِ اِعْتَبَرْتَ اِنْتِهاءَهُ إلى مَن هو لَهُ عَدَّيْتَهُ بِ إلى، ويُلاحَظُ أحَدُ الِاعْتِبارَيْنِ تارَةً والآخَرُ أُخْرى تَفَنُّنًا بِالعِبارَةِ، وفَرَّقَ الرّاغِبُ بِأنَّ ما كانَ واصِلًا مِنَ المَلَأِ الأعْلى بِلا واسِطَةٍ كانَ لَفْظٌ عَلى المُخْتَصِّ بِالعُلُوِّ أوْلى بِهِ، وما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كانَ لَفْظٌ إلى المُخْتَصِّ بِالإيصالِ أوْلى بِهِ، وقِيلَ: أنْزَلَ عَلَيْهِ يُحْمَلُ عَلى أمْرِ المَنزَلِ عَلَيْهِ أنْ يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، وأنْزَلَ إلَيْهِ يُحْمَلُ عَلى ما خَصَّ بِهِ نَفْسَهُ لِأنَّ إلَيْهِ اِنْتِهاءَ الإنْزالِ وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.
﴿ وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ ﴾ قِيلَ: خَصَّ هَؤُلاءِ الكِرامَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّتِهِمْ وكُتُبِهِمْ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ الصُّحُفُ كَما هو الظّاهِرُ وقَدَّمَ المَنزَلُ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى المَنزَلِ عَلَيْهِمْ إمّا لِتَعْظِيمِهِ والِاعْتِناءِ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ المُعَرِّفُ لَهُ ومَعْرِفَةُ المُعَرِّفِ تَتَقَدَّمُ عَلى مَعْرِفَةِ المُعَرَّفِ، والأسْباطُ الأحْفادُ لا أوْلادُ البَناتِ، والمُرادُ بِهِمْ عَلى رَأْيِ أبْناءِ يَعْقُوبَ الِاثْنا عَشَرَ وذَرارِيُّهُمْ، ولَيْسَ كُلُّهم أبْناءً خِلافًا لِزاعِمِهِ، ﴿ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى ﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وسائِرِ المُعْجِزاتِ كَما يُشْعِرُ بِهِ إيثارُ الإيتاءِ عَلى الإنْزالِ الخاصِّ بِالكِتابِ، وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالكِتابَيْنِ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الكِتابَيْنِ، وتَخْصِيصُ هَذَيْنَ النَّبِيَّيْنِ بِالذِّكْرِ لِما أنَّ الكَلامَ مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿ والنَّبِيُّونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ مُوسى وعِيسى ﴾ أيْ وبِما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ عَلى تَعَدُّدِ أفْرادِهِمْ واخْتِلافِ أسْمائِهِمْ، ﴿ مِن رَبِّهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (أُوتِيَ)، وفي التَّعْبِيرِ بِالرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِمْ ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ.
﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ ﴾ أيْ بِالتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ كَما فَعَلَ اليَهُودُ والنَّصارى، والتَّفْرِيقُ بِغَيْرِ ذَلِكَ كالتَّفْضِيلِ جائِزٌ، ﴿ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ أيْ مُسْتَسْلِمُونَ بِالطّاعَةِ والِانْقِيادِ في جَمِيعِ ما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ، أوْ مُخْلِصُونَ لَهُ في العِبادَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَدْرَكَةً بَعْدَ جُمْلَةِ الإيمانِ كَما هو ظاهِرٌ، وقِيلَ: إنَّ أهْلَ المِلَلِ المُخالِفَةِ لِلْإسْلامِ كانُوا كُلُّهم يُقِرُّونَ بِالإيمانِ ولَمْ يَكُونُوا يُقِرُّونَ بِلَفْظَةِ الإسْلامِ فَلِهَذا أرْدَفَ تِلْكَ الجُمْلَةَ بِهَذِهِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ خاطب النبيّ ، وأراد به أمته فقال: قل للمؤمنين إن لم يؤمن أهل الكتاب فقولوا أنتم آمنا بالله وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ وقد ذكرناه في سورة البقرة.
<div class="verse-tafsir"
وقرأ جمهورُ النَّاس: «تَدْرُسُونَ» بضم الرَّاء: من دَرَسَ، إذا أَدْمَنَ قراءةَ الكِتَابِ، وكرَّره.
وقرأ نافع وغيره: «وَلاَ يَأْمُرُكُمْ» برفع الراء: على القَطْع «١» قال سِيبَوَيْهِ: المعنى لا يأمركم اللَّه، وقال ابْنُ جُرَيْجٍ وغيره: المعنى: ولا يأمركم هذا البَشَر الذي أُوتِيَ هذه النعَمَ، وهو محمّد صلّى الله عليه وسلّم «٢» ، وأما قراءةُ مَنْ نَصَب الراء، وهو حمزةُ وغيره، فهي عَطْفٌ على قوله:
أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ، المعنى: ولا له أنْ يأمركم قاله أبُو عَلِيٍّ وغيره «٣» ، وهو الصوابُ، لا ما قاله الطَّبَرِيُّ «٤» من أنَّها عطْفٌ على قوله: ثُمَّ/ يَقُولَ، والأربابُ في هذه الآية:
بمعنى الآلهة.
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥)
وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ: المعنى: واذكر يا محمَّد إذْ، فيحتملُ أن يكون أخذ هذا الميثاق حين أَخرج بني آدم مِنْ ظَهْر آدم نَسَماً، ويحتملُ أنْ يكون هذا الأخْذُ على كلِّ نبيٍّ في زمنه، ووقت بعثه، والمعنى: إنَّ اللَّه تعالى أخذ ميثاقَ كُلِّ نبيٍّ بأنه ملتزمٌ هو ومن آمَنَ به الإيمانَ بمَنْ أتى بعده من الرُّسُل، والنّصر له، وقال ابن عبّاس: إنما
أخذ اللَّه ميثاقَ النَّبيِّين على قومهم، فهو أخذ لميثاقِ الجميع «١» ، وقال عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ (رضي اللَّه عنه) : لَمْ يبعثِ اللَّهُ نَبِيًّا آدَمَ فَمَنْ بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمّد صلّى الله عليه وسلّم: لَئِنْ بُعثَ، وهو حيٌّ، لَيُؤْمِنَنَّ به، ولينصُرَنَّه «٢» ، وأمره بأخذه على قومه، ثم تلا هذه الآيةَ، وقاله السُّدِّيُّ «٣» .
وقرأ حمزةُ: «لِمَا» بكسر اللام «٤» ، وهي لامُ الجَرِّ، والتقديرُ لأجْلِ ما آتيناكم إذْ أنتم القادَةُ والرءوس، ومَنْ كان بهذه الحال، فهو الذي يُؤْخَذُ ميثاقُهُ، و «ما» في هذه القراءةِ بمعنَى «الَّذِي» ، والعائدُ إلَيْها من الصِّلَة، تقديره: آتيناكموه، و «مِنْ» : لبيان الجنس، وثُمَّ جاءَكُمْ ...
الآية: جملةٌ معطوفةٌ على الصِّلة، ولا بُدَّ في هذه الجملة مِنْ ضميرٍ يعودُ على الموصُول، وإنما حذف تخفيفاً لطول الكلام، وتقديره عند سيبويه: رَسُولٌ بِهِ مصَدِّقٌ لِمَا معَكُمْ، واللامُ فِي: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ هي اللامُ المتلقِّية للقَسَمِ الذي تضمَّنه أخْذُ الميثاقِ، وفصل بَيْن القَسَم والمُقْسَم عليه بالجارِّ والمجرورِ، وذلك جائِزٌ، وقرأ سائِرُ السَّبْعة «لَمَا» بفتح اللام، وذلك يتخرَّج على وجهين:
أَحدهما: أنْ تكون «مَا» موصولةً في مَوْضع رفع بالابتداء، واللاَّمُ لامُ الابتداء، وهي متلقِّية لما أُجْرِيَ مُجْرَى القَسَم من قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، وخَبَرُ الابتداءِ قولُهُ: لَتُؤْمِنُنَّ، ولَتُؤْمِنُنَّ: متعلِّق بقَسَمٍ محذوفٍ، فالمعنى: واللَّهِ، لَتُؤْمِنُنَّ، قاله أبو عَلِيٍّ «٥» وهو متَّجِه بأنَّ الحَلِفَ يقع مرَّتين.
والوجْهُ الثاني: أنْ تكونَ «ما» للجزاءِ شرْطاً، فتكون في موضع نصبٍ بالفعلِ الذي
بعْدَهَا، وهو مجزومٌ، و «جَاءَكُمْ» : معطوفٌ في موضع جزمٍ، واللام الداخلَةُ على «مَا» ليسَتِ المتلقِّية للقَسَمِ، ولكنها الموطِّئةُ المُؤْذِنَةُ بمجيءِ لامِ القَسَم، فهي بمَنْزِلَة اللاَّم في قوله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ [الأحزاب: ٦٠] لأنها مؤذِنَةٌ بمجيء المتلقِّية للقسم في قوله: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ [الأحزاب: ٦٠] وكذلك هذه مؤذنةٌ بمجيء المتلقِّية للقَسَمِ في قوله:
«لَتُؤْمِنُنَّ» .
وقرأ نافعٌ وحْده: «آتَيْنَاكُمْ» ، بالنُّون، وقرأ الباقون: «آتَيْتُكُمْ» بالتاء «١» ، ورَسُول في هذه الآية: اسمُ جنسٍ، وقال كثيرٌ من المفسرين هو نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله تعالى: قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي ...
هذه الآية: هي وصْفُ توقيفِ الأنبياء- عليهم السلام- على إِقرارهم بهذا الميثاق، والتزامهم له، وَأَخَذْتُمْ في هذه الآية: عبارةٌ عمَّا تحصَّل لهم من إيتاء الكُتُبِ والحِكْمة، فَمِنْ حيْثُ أخذ عليهم، أخذوا هم أيضًا، وقال الطَّبَرِيُّ «٢» : أَخَذْتُمْ في هذه الآية: معناه: قَبِلْتُمْ، والإصْر: العَهْد لا تَفْسِير له في هذا الموضع إلا ذَلِكَ «٣» .
وقوله تعالى: فَاشْهَدُوا يحتملُ معنَيَيْنِ:
أحدهما: فاشهدوا/ على أممكم المؤمنينِ بكُمْ، وعلى أنْفُسِكُمْ بالتزام هذا العَهْد، قاله الطَّبَرِيُّ، وجماعة «٤» .
والمعنى الثاني: بُثوا الأمْرَ عنْد أممكم، واشهدوا به، وشهادةُ اللَّهِ على هذا التأويل هي إعطاء المُعْجَزَاتِ، وإقرارُ نبوّاتهم، هذا قول الزّجّاج وغيره «٥» .
وقال ع «١» : فتأمَّل أنَّ القول الأول هو إيداعُ الشهادةِ واستحفاظها، والقولُ الثَّانِي هو الأمر بأدائها، وحَكَمَ تعالى بالفِسْقِ على مَنْ تولى مِنَ الأمم بَعْدَ هذا الميثاق، قاله عليُّ بْنُ أبي طَالِبٍ، وغيره «٢» ، وقرأ أبو عَمرٍو: «يَبْغُونَ» بالياء مِنْ أَسْفَلُ مفْتُوحَة «٣» ، و «تَرْجِعُونَ» بالتَّاء من فوقُ مضمومةً، وقرأ عاصمٌ بالياءِ من أسفَلُ فيهما، وقرأ الباقُون بالتَّاء فيهما، ووجوه هذه القراءاتِ لا تخفى بأدنى تأمُّل.
وتبغون: معناه: تَطْلُبُونَ.
قال النوويِّ: ورُوِّينَا في كتاب ابن السُّنِّيِّ، عن السَّيِّدِ الجليلِ المُجْمَعِ على جلالته وحِفْظِهِ ودِيَانَتِهِ وَوَرَعِهِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ دِينَارٍ البَصْرِيِّ الشَّافِعِيِّ المشهور «٤» أنه قَالَ: لَيس رجُلٌ يكونُ على دابَّة صَعْبَةٍ، فيقول في أذنها: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ، إلا وقَفَتْ بإذن اللَّه تعالى.
وروِّينَا في كتاب ابن السّنّيّ، عن ابن مسعود، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «إذَا انفلتت دَابَّةُ أَحَدِكُمْ بِأَرْضٍ فلاة، فليناد: يا عباد الله، احبسوا، يَا عِبَادَ اللَّهِ، احبسوا، فَإنَّ للَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِي الأَرْضِ حَاضِراً سَيَحْبِسُهَا «٥» .
قال النَّوويُّ «٦» : حكى لِي بعُضْ شُيُوخِنا أَنَّهُ انفلتت لَهُ دابّة أظنّها بغلة، وكان يعرف
هذا الحديثَ، فقالَهُ، فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ في الحَالِ، وكنْتُ أَنَا مرَّةً مع جماعةٍ، فانفلتت منَّا بهيمةٌ، فَعَجَزُوا عَنْها، فَقُلْتُهُ، فوقَفَتْ في الحال بغَيْر سَبَبٍ سوى هذا الكلامِ.
اهـ.
وأَسْلَمَ: معناه: استسلم، عند الجمهور.
واختلفوا في معنى قوله: طَوْعاً وَكَرْهاً، فقال مجاهد: هذه الآيةُ كقوله تعالى:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥] فالمعنى: أنَّ إقرار كلِّ كافرٍ بالصانعِ هو إسلامٌ كرهاً «١» ، ونحوه لأبي العالية، وعبارته: كُلُّ آدمِيِّ، فقد أقرَّ على نفسه بأنَّ اللَّه رَبِّي، وأنا عبده، فمَنْ أشرك في عبادته، فهو الذي أسلم كرهاً، ومن أخلَص، فهو الذي أسلم طَوْعاً «٢» .
قال ع «٣» : والمعنى في هذه الآية يفهم كلُّ ناظر أنَّ الكره خاصٌّ بأهل الأرض.
وقوله سبحانه: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ: توقيفٌ لمعاصرِي نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم من الأحبار والكفّار.
قوله تعالى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ...
الآية: المعنى قل يا محمّد، أنت وأمّتك: آمَنَّا بِاللَّهِ ...
الآية، وقد تقدَّم بيانها في «البقرة» ، ثم حكم تعالى في قوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ ...
الآيةَ بأنه لا يقبل من آدمي دِيناً غير دين الإسلام، وهو الَّذي وافَقَ في معتقداته دِينَ كُلِّ مَنْ سمي من الأنبياء- عليهم السلام-، وهو الحنيفيَّة السَّمْحة، وقال بعض المفسِّرين: إن مَنْ يَبْتَغِ ...
الآيةَ، نزلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ «٤» ، قُلْتُ: وعلى تقدير صحَّة هذا القول، فهي تتناولُ بعمومها من سواه إلى يوم القيامة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ ارْتَدَّ، فَلَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ فَكَتَبَ بِها قَوْمُهُ إلَيْهِ، فَرَجَعَ تائِبًا [فَقَبِلَ النَّبِيُّ ذَلِكَ مِنهُ، وخَلّى عَنْهُ ]» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وذَكَرَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ أنَّ اسْمَ ذَلِكَ الرَّجُلِ: الحارِثُ بْنُ سُوِيدٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَشْرَةِ رَهْطٍ ارْتَدُّوا، فِيهِمُ الحارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ، فَنَدِمَ، فَرَجَعَ.
رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ، عَرَفُوا النَّبِيَّ ، ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ.
رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ الحَسَنُ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى.
وقِيلَ: إنَّ "كَيْفَ" هاهُنا لَفْظُها لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها الجَحْدُ، أيْ: لا يَهْدِي اللَّهُ هَؤُلاءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ آمَنّا بِاللهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ أنْتَ وأُمَّتُكَ: آمَنّا بِاللهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا، وهو القُرْآنُ وأمْرُ مُحَمَّدٍ ؛ والإنْزالُ عَلى نَبِيِّ الأُمَّةِ إنْزالٌ عَلَيْها، وقَدَّمَ إسْماعِيلَ لِسِنِّهِ، وسائِرُ الآيَةِ بَيِّنٌ.
ثُمَّ حَكَمَ تَعالى في قَوْلِهِ: "وَمَن يَبْتَغِ"....
الآيَةِ، بِأنَّهُ لا يَقْبَلُ مِن آدَمِيٍّ دِينًا غَيْرَ دِينِ الإسْلامِ، وهو الَّذِي وافَقَ في مُعْتَقَداتِهِ دِينَ كُلِّ مَن سَمّى مِنَ الأنْبِياءِ، وهو الحَنِيفِيَّةُ السَمْحَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ أهْلُ المِلَلِ لِلنَّبِيِّ : قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ ونَحْنُ المُسْلِمُونَ، فَقالَ اللهُ لَهُ: فَحُجَّهم يا مُحَمَّدُ وأنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿ وَلِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ ﴾ فَحَجَّ المُسْلِمُونَ وقَعَدَ الكُفّارُ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَصارى والصابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ ، إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ فَأنْزَلَ اللهُ بَعْدَها: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ ﴾ ...
الآيَةَ.
فَهَذِهِ إشارَةٌ إلى نَسْخٍ.
وقَوْلُهُ: "فِي الآخِرَةِ" مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: خاسِرٌ في الآخِرَةِ، لِأنَّ الألِفَ واللامَ في الخاسِرِينَ في مَعْنى المَوْصُولِ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ قَوْلَهُ: "وَمَن يَبْتَغِ" الآيَةَ، نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
المخاطب بفعل قل هو النبي صلى الله عليه وسلم ليقول ذلك بمسمع من الناس: مسلمهم، وكافرهم، ولذلك جاء في هذه الآية قوله: ﴿ وما أنزل علينا ﴾ أي أنزل عليّ لتبليغكم فجعل إنزاله على الرسول والأمة لاشتراكهم في وجوب العمل بما أنزل، وعدّى فعل (أنزل) هنا بحرف (على) باعتبار أنّ الإنزال يقتضي علوّاً فوصول الشيء المنزَل وصول استعلاء وعدّي في آية سورة البقرة بحرف (إلى) باعتبار أنّ الإنزال يتضمن الوصول وهو يتعدّى بحرف (إلى).
والجملة اعتراض.
واستئناف: لتلقين النبي عليه السلام والمسلمين كلاماً جامعاً لمعنى الإسلام ليدوموا عليه، ويعلن به للأمم، نشأ عن قوله: ﴿ أفغير دين الله يبغون ﴾ [آل عمران: 83].
ومعنى: ﴿ لا نفرق بين أحد منهم ﴾ أننا لا نعادي الأنبياء، ولا يحملنا حبّ نبيئنا على كراهتهم، وهذا تعريض باليهود والنصارى، وحذف المعطوف وتقديره لا نفرق بين أحد وآخر، وتقدم نظير هذه الآية في سورة البقرة.
وهذه الآية شعار الإسلام وقد قال الله تعالى: ﴿ وتؤمنون بالكتاب كله ﴾ [آل عمران: 119].
وهنا انتهت المجادلة مع نصارى نجران.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المُؤْمِنَ أسْلَمَ طَوْعًا والكافِرَ أسْلَمَ عِنْدَ المَوْتِ كَرْهًا، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ الإقْرارُ بِالعُبُودِيَّةِ وإنْ كانَ فِيهِ مَن أشْرَكَ في العِبادَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ سُجُودُ المُؤْمِنِ طائِعًا وسُجُودُ ظِلِّ الكافِرِ كَرْهًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.
والرّابِعُ: طَوْعًا بِالرَّغْبَةِ والثَّوابِ.
وَكَرْهًا بِالخَوْفِ مِنَ السَّيْفِ، وهو قَوْلُ مَطَرٍ.
والخامِسُ: أنَّ إسْلامَ الكارِهِ حِينَ أُخِذَ مِنهُ المِيثاقُ فَأقَرَّ بِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والسّادِسُ: مَعْناهُ أنَّهُ أسْلَمَ بِالِانْقِيادِ والذِّلَّةِ، وهو قَوْلُ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ، والزَّجّاجِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس «عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً ﴾ أما من في السموات فالملائكة، وأما من في الأرض فمن ولد على الإسلام، وأما كرهاً فمن أتى به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال يقادون إلى الجنة وهم كارهون» .
وأخرج الديلمي عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً ﴾ قال: الملائكة أطاعوه في السماء، والأنصار وعبد القيس أطاعوه في الأرض» .
وأخرج ابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس ﴿ وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً ﴾ قال: حين أخذ الميثاق.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في الآية قال: عبادتهم لي أجمعين ﴿ طوعاً وكرهاً ﴾ وهو قوله: ﴿ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً ﴾ [ الرعد: 15] .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿ وله أسلم من في السماوات ﴾ قال: هذه مفصولة ﴿ ومن في الأرض طوعاً وكرهاً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ وله أسلم ﴾ قال: المعرفة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال: هو كقوله: ﴿ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ﴾ [ لقمان: 25] فذلك إسلامهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في الآية قال: كل آدمي أقر على نفسه بأن الله ربي وأنا عبده.
فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرهاً، ومن أخلص لله العبودية فهو الذي أسلم طوعاً.
وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال: أكره أقوام على الإسلام، وجاء أقوام طائعين.
وأخرج عن مطر الوراق في الآية قال: الملائكة طوعاً، والأنصار طوعاً، وبنو سليم وعبد القيس طوعاً، والناس كلهم كرهاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: أما المؤمن فأسلم طائعاً فنفعه ذلك وقبل منه، وأما الكافر فأسلم حين رأى بأس الله، فلم ينفعه ذلك، ولم يقبل منهم ﴿ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ﴾ [ غافر: 85] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: في السماء الملائكة طوعاً، وفي الأرض الأنصار وعبد القيس طوعاً.
وأخرج عن الشعبي ﴿ وله أسلم من في السماوات ﴾ قال: استقادتهم له.
وأخرج عن أبي سنان ﴿ وله أسلم من في السماوات والأرض ﴾ قال: المعرفة.
ليس أحد تسأله إلا عرفه.
وأخرج عن عكرمة في قوله: ﴿ وكرهاً ﴾ قال: من أسلم من مشركي العرب والسبايا: ومن دخل في الإسلام كرهاً.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ساء خلقه من الرقيق والدواب والصبيان فاقرأوا في أذنه ﴿ أفغير دين الله يبغون ﴾ » .
وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة عن يونس بن عبيد قال: ليس رجل يكون على دابة صعبة فيقرأ في أذنها ﴿ أفغير دين الله يبغون وله أسلم ﴾ الآية.
إلا ذلت له بإذن الله عز وجل.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى ﴿ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾ الآية.
في هذه الآية إنكارٌ (١) (٢) ، وأمته، أن يقول: آمنا بالله وبجميع الرسل، وما أنزل عليهم: لا نفرق بين جميع الرسل في الإيمان (٣) وأجرى أوَّلَ الآية على التوحيد، وآخِرَها على الجمع، في قوله: ﴿ لَا نُفَرِّقُ ﴾ ، ﴿ وَنَحْنُ ﴾ لدخول أمة محمد في هذا الإقرار معه.
(١) في (ج): (ان كان).
(٢) إليه: ساقطة من: (ب).
(٣) في (ب): (بالإيمان).
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ آمَنَّا ﴾ أُمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن نفسه وعن أمّته بالإيمان ﴿ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ﴾ تعدى هنا بعلى مناسبة لقوله: قل، وفي البقرة بإلى لقوله: قولوا.
لأنّ على حرف غاية وهو موصل إلى جميع الأمة ﴿ وَمَن يَبْتَغِ ﴾ الآية: إبطال لجميع الأديان غير الإسلام، وقيل: نسخت: ﴿ إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والنصارى ﴾ [البقرة: 62] الآية ﴿ كَيْفَ ﴾ سؤال، والمراد به هنا: استبعاد الهدى ﴿ قَوْماً كَفَرُواْ ﴾ نزلت في الحرث بن سويد وغيره؛ أسلموا ثم ارتدّوا ولحقوا بالكفار، ثم كتبوا إلى أهلهم هل لنا من توبة؟
فنزلت الآية إلى قوله: ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ ﴾ ، فرجعوا إلى الإسلام؛ وقيل: نزلت في اليهود والنصارى شهدوا ممن بصفة النبي صلى الله عليه وسلم، وآمنوا به ثم كفروا به لما بعث، وشهدوا؛ عطف على إيمانهم، لأنّ معناه بعد أن آمنوا، وقل: الواو للحال، وقال ابن عطية: عطف على كفروا والواو لا ترتب.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لما ﴾ بكسر اللام حمزة الخزا.
الباقون بفتحها.
﴿ آتيناكم ﴾ على صيغة جمع المتكلم: أبو جعفر ونافع.
الباقون ﴿ آتيتكم ﴾ على الوحدة ﴿ يبغون ﴾ بياء الغيبة و ﴿ ترجعون ﴾ بتاء الخطاب مبنياً للمفعول: أبو عمرو غير عباس.
وقرأ عباس وسهل وحفص بالياء التحتانية فيهما وقرأ يعقوب ﴿ يبغون ﴾ بالياء التحتانية ﴿ يرجعون ﴾ بالتحتانية مبنياً للفاعل.
الباقون بتاء الخطاب فيهما ﴿ ملء ﴾ بالهمزة ﴿ الأرض ﴾ بغير الهمز.
روى النجاري عن ورش وروى الأصفهاني عنه بغير همز فيهما.
الباقون بالهمز فيهما.
الوقوف: ﴿ ولتنصرنه ﴾ ط ﴿ إصري ﴾ ط ﴿ أقررنا ﴾ ط ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من ربهم ﴾ ص ﴿ منهم ﴾ ج ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ البينات ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ اجمعين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج (لا) ﴿ ينظرون ﴾ ه (لا) للاستثناء ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ توبتهم ﴾ ج ﴿ الضالون ﴾ ه، ﴿ افتدى به ﴾ ط ﴿ ناصرين ﴾ ه.
التفسير: الغرض من هذه الآيات تعديد الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب مما يدل على نبوة محمد قطعاً لأعذارهم وإظهاراً لعنادهم من جملتها أخذ ميثاق النبيين.
قال الزجاج: تقديره واذكر يا محمد في القرآن إذ أخذ الله.
وقيل: واذكروا يا أهل الكتاب.
وإضافة الميثاق إلى النبيين إما أن تكون من إضافة العهد إلى المعاهد منه، أو من إضافة / العهد إلى المعاهد كما تقول: ميثاق الله وعهد الله.
أما الاحتمال الأول فيؤيده ما يشعر به ظاهر اللفظ من أن آخذ الميثاق هو الله والمأخوذ منهم النبيون وهو قول سعيد بن جبير والحسن وطاوس.
ثم على هذا القول ما نقل عن علي أنه ما بعث آدم ومن بعده من الأنبياء إلا أخذ عليهم العهد لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه , والذي يدل على صحته ما روي أنه قال: " لقد جئتكم بها بيضاء نقية أما والله لو كان موسى بن عمران حياً لما وسعه إلا اتباعي" فهذا على سبيل الفرض والتقدير، وهو أنهم لو كانوا أحياء لوجب عليهم الإيمان بمحمد وإلا فالميت لا يكون مكلفاً.
وقيل: المراد أولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف، أو أمة النبيين فقد ورد كثيراً في القرآن لفظ النبي ويراد به الأمة كقوله ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ﴾ وقيل: النبيون أهل الكتاب وقد ورد على زعمهم تهكماً بهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون.
ويؤكده قراءة أبي وابن مسعود ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ وأما الاحتمال الثاني فالمعنى أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به، ويؤكده أنه حكم بأنهم إن تولوا كانوا فاسقين وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء وإنما يليق بالأمم.
وروي عن ابن عباس أنه قيل له: إن أصحاب عبد الله يقرأون ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ ونحن نقرأ ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ فقال: إنما أخذ الله ميثاق النيبين على قومهم ﴿ لما آتيتكم ﴾ من قرأ بفتح اللام ففيه وجهان: أحدهما: أن " ما " تكون موصولة واللام للابتداء وخبره ﴿ لتؤمنن ﴾ واللام فيه جواب القسم المقدر.
والعائد على الموصول في ﴿ آتيتكم ﴾ محذوف وفي ﴿ جاءكم ﴾ ما يدل عليه ﴿ لما معكم ﴾ لأنه في معنى "ما آتيتكم" والتقدير للذي آتيتكموه من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق له والله لتؤمنن به - وثانيهما - واختاره سيبويه وغيره - كيلا يفتقر إلى تكلف الرابط أن يقال: أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف.
و " ما " هي المتضمنة لمعنى الشرط وحينئذٍ يحتاج القسم إلى الجواب والشرط إلى الجزاء، وليس ههنا ما يصلح لكل منهما إلا الإيمان والنصرة.
فالأصح في هذا المقام أن يجعل المذكور جواباً للقسم ظاهراً، ولهذا أدخل اللام والنون المؤكدة في " لتؤمنن " و " لتنصرن " وأدخل اللام في الشرط وتسمى موطئة لأنها تعين من أول الأمر وتمهد أن المذكور هو جواب القسم لا الشرط.
ثم إن جواب الشرط يكون مستغنى عنه لأن جواب القسم يسد مسدّه.
ومن قرأ بكسر اللام للتعليل ففيه أيضاً وجهان: أحدهما أن تكون " ما " / مصدرية أي أخذ الله ميثاقهم لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجيء رسول الله موافقاً لكم في الأصول لتؤمنن به، لأن من يؤتى الكتاب والحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء، والثاني أن تكون " ما " موصولة وبيان الرابط كما مر.
وعن سعيد بن جبير ﴿ لما ﴾ بالتشديد بمعنى " حين ".
وقيل: أصله " لمن ما" أي لمن أجل ما آتيتكم.
أدغمت النون في الميم فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفوا إحداها للتخفيف فيؤل المعنى إلى قراءة حمزة.
وفي جميع القراآت قيل: لا بد من إضمار بأن يقال: وإذا أخذ الله ميثاق النبيين فقال مخاطباً لهم لما آتيتكم.
قلت: هذا من باب الالتفات فلا حاجة إلى الإضمار فكأنه قيل: وإذ أخذت أو أخذنا.
ولما في أخذ الميثاق من معنى القول.
ومن العلماء من قدر الإضمار بنوع آخر واستحسنه في التفسير الكبير مع أنه متكلف فقال: وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم إن جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه.
والنبيون عام وليس كلهم أصحاب كتاب ولكنه وصف الكل بوصف أشرفهم، أو الكتاب لذوي الكتب والحكمة لغيرهم، أو جعل الداعي إلى الكتاب وإلى العمل به كالذي أنزل عليه.
و "من " للبيان أو للتبعيض.
وقوله: ﴿ ثم جاءكم ﴾ والرسول لا يجيء إلى النبيين وإنما يجيء إلى الأمم معناه أي في زمانكم وإن كان المراد من النبيين أولادهم أو أممهم فلا إشكال.
والمراد بتصديقه لما معهم موافقته في التوحيد والنبوات وأصول الشرائع.
فأما تفاصيلها وإن وقع الخلاف فيها فذاك في الحقيقة ليس بخلاف لأن جميع الأنبياء متفقون على أن الحق في زمان موسى ليس إلا شرعه وأن الحق في زمان محمد ليس الاشرعه .
ولو قلنا: إن المراد بالرسول هو محمد فالمراد إما ما ذكرنا أو أن نعته وصفته وأحواله مذكورة في الكتب المتقدمة، فكان نفس مجيئه تصديقاً لما كان معهم.
الظاهر أن المراد بهذا الميثاق هو التوصية بأن يؤمنوا بكل رسول يجيء مصدقاً لما معهم.وقيل: يحتمل أن يكون الميثاق إشارة إلى ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لأمر الله واجب، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولاً عند ظهور المعجزات الدالة على صدقه، فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه.
وقيل: المراد بأخذ الميثاق أنه شرح صفاته في كتب الأنبياء المتقدمين، فإذا صارت أحواله مطابقة لما جاء في الكتب الإلهية وجب الانقياد له ، وهذا إنما يصح لو كان المراد بالنيين أولادهم أو أممهم أو ميثاق النبيين من الأمم أو ميثاق الله من النبيين على تقدير كونهم أحياء.
أقول والله أعلم: يحتمل أن يراد بقوله ﴿ ثم جاءكم ﴾ / المجيء في الزمان الماضي، فيكون معنى الآية أن الله أخذ ميثاقه من كل نبي أوتي كتاباً وحكمة أن يؤمن بكل رسول كان قد جاء قبله موافقاً لما معه وينصر دينه بأن يظهر حقيته في وقته وأنه من عند الله وأنه موافق له في أصول العقائد وفي قواعد مكارم الأخلاق، فتكون هذه الآية تمهيداً لما يجيء بعد من قوله: ﴿ قل آمنا بالله ﴾ الآية.
﴿ قال ﴾ الله أو كل نبي لأمته مستفهماً بمعنى الأمر ﴿ أأقررتم ﴾ بالإيمان به والنصرة؟
والإقرار في الشرع إخبار عن ثبوت حق سابق.
وفي اللغة منقول بهمزة التعدية من قر الشيء يقر إذا ثبت ولزم مكانه ﴿ وأخذتم ﴾ أي قبلتم ﴿ على ذلكم أصري ﴾ عهدي.والأخذ بمعنى القبول كثير قال : ﴿ لا يؤخذ منها عدل ﴾ أي لا يقبل.
ويأخذ الصدقات أي يقبلها.
سمي العهد أصراً لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد.
ثم بعد المطالبة بالإقرار أكد ذلك بالإشهاد وقال: ﴿ فاشهدوا ﴾ أي فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار.
وفي قوله: ﴿ وأنا معكم من الشاهدين ﴾ وأنه لا يخفى عليه خافية، تذكير لهم وتوكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله وشهادة بعضهم على بعض.
وقيل: فاشهدوا خطاب للملائكة.
وقيل: معناه ليجعل كل أحد نفسه شاهداً على نفسه كقوله: ﴿ وأشهدهم على أنفسهم ﴾ وقيل: بينوا هذا الميثاق للخاص والعام حتى لا يبقى لأحد عذر في الجهل به.
وأصله أن الشاهد هو الذي يبين تصديق الدعوى.
وقيل: استيقنوا وكونوا كالمشاهد للشيء المعاين له، أو يكون خطاباً للأنبياء بأن يكونوا شاهدين على الأمم.
ثم ضم إلى توكيد الوعيد بقوله: ﴿ فمن تولى بعد ذلك ﴾ الميثاق وصنوف التوكيد فلم يؤمن ولم ينصر ﴿ فأولئك هم الفاسقون ﴾ الخارجون عن دين الله وطاعته، ووعيد الفساق المردة معلوم.
ثم وبخ من خرج من دين الله إلى غيره بإدخال همزة الاستفهام على الفاء العاطفة فقال: ﴿ أفغير دين الله يبغون ﴾ ويحتمل أن يراد أيتولون فغير دين الله يبغون ﴿ وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه ترجعون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فيهما فلأن ما قبله خطاب في " أقررتم " و " أخذتم " أو للالتفات بعد قوله ﴿ أولئك هم الفاسقون ﴾ ومن قرأ بياء الغيبة فلرجوع الضمير في الأول إلى الفاسقين، وفي الثاني إلى جميع المكلفين.
والأصل أفتبتغون غير دين الله؟
لأن الاستفهام إنما يكون عن الحوادث إلا أنه قدم المفعول لأنه أهم من حيث إن الإنكار الذي هو فائدة الهمزة ههنا متوجه إلى الدين الباطل.
وعن ابن عباس "أن أهل الكتابين اختصموا إلى رسول الله فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم، فكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به فقال : كل الفريقين بريء من دين إبراهيم.
فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فنزلت" .
وعلى هذا تكون الآية كالمنقطعة عما قبلها، ولكن / الاستفهام على سبيل الإإنكار يقتضي تعلقها بما قبلها، فالوجه أن هذا الميثاق لما كان مذكوراً في كتبهم ولم يكن لكفرهم سبب إلا مجرد البغي والعناد، كانوا طالبين ديناً غير دين الله، فاستنكر أن يفعلوا ذلك أو قرر أنهم يفعلون.
ثم بيّن أن الإعراض عن دين الله خارج عن قضية العقل، وكيف لا وقد أخلص له الانقياد وخصص له الخضوع كل من سواه، لأن ما عداه كل ممكن وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه، فهو ذليل بين يدي قدرته، خاضع لجلال قدره في طرفي وجوده وعدمه عقلاً كان أو نفساً أو روحاً أو جسماً أو جوهراً أو عرضاً أو فاعلاً أو فعلاً.
ونظير الآية ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ فلا سبيل لأحد إلى الامتناع عن مراده ﴿ طوعاً وكرهاً ﴾ وهما مصدران وقعا موقع الحال لأنهما من جنس الفعل أي طائعين وكارهين كقولك: أتاني راكضاً.
ولو قلت أتاني كلاماً أي متكلماً لم يجز لأن الكلام ليس من جنس الإتيات.
فالمسلمون الصالحون ينقادون لله طوعاً فيما يتعلق بالدين وكرهاً في غيره من الآلام والمكاره التي تخالف طباعهم، لأنهم لا يمكنهم دفع قضائه وقدره.
وأما الكافرون فينقادون في الدين كرهاً أي خوفاً من السيف أو عند الموت أو نزول العذاب.
وعن الحسن: الطوع لأهل السموات، والكره لأهل الأرض.
أقول: وذلك لأن السفلي ينجذب بالطبع إلى السفل فحمله نفسه على ما يخالف طبعه هو الكره.
وبلسان الصوفية من شاهد الجمال أسلم طوعاً، ومن شاهد الجلال أسلم كرهاً.
فليس الاعتبار بذلك الإسلام الفطري بل الاعتبار بهذا الإسلام الكسبي ﴿ وإليه ترجعون ﴾ أي إلى حيث لا مالك سواه ظاهراً وباطناً، وفيه وعيد شديد لمن خالف الدين الحق إلى غيره.
ثم إنه لما بين أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق كل رسول كان قبله، أمر النبي بذلك ليعرف منه غاية إذعانه ونهاية استسلامه.
أما وجه التوحيد في ﴿ قل ﴾ فظاهر، بناء على ما قلنا، وأما وجه الجمع في ﴿ آمنا ﴾ فلتشريف أمته بانضمامهم معه في سلك الإخبار عن الإيمان، أو ليعلم أن هذا التكليف ليس من خواصه وإنما هو لازم لجميع المؤمنين كقوله: ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته ﴾ أو لإجلال قدر نبيه حيث أمر أن يتكلم عن نفسه كما يتكلم العظماء والملوك.
وقدم الإيمان بالله لأنه أصل جميع العقائد، ثم ذكر الإيمان بما أنزل الله إلأيه لأن كتب سائر الأنبياء محرفة لا سبيل إلى معرفة أحوالها إلا بالفرقان المنزل على محمد ، ثم ذكر الإيمان بما أنزل على مشاهير الأنبياء إذ لا سبيل إلى حصر الكل، وفي ذلك تنبيه على سوء عقيدة أهل الكتاب حيث فرقوا بين الأنبياء فصدقوا بعضاً وكذبوا بعضاً، ورمز إلى أنهم ليسوا من الدين في شيء حيث خالفوا مقتضى الميثاق.
ثم إن قلنا إنه تعالى أخذ الميثاق على كل نبي أن يؤمن بكل رسول جاء بعده كما ذهب إليه الجمهور في / تفسير قوله: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ فههنا قد أخذ الميثاق على محمد بأن يؤمن بكل رسول كان قبله ولم يؤخذ عليه الميثاق لمن يأتي بعده فيكون في الآية دليل على أنه لا نبي بعده.
واعلم أن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل فيجوز أن يعدّى أنزل بـ " على " تارة كما في هذه الآية، وبحرف الانتهاء أخرى كما في البقرة.
فنطق القرآن بالاعتبارين جميعاً.
وقيل: عُدي هناك بـ "إلى" لمكان ﴿ قولوا ﴾ فإن الوحي يأتي الأمة بطريق الانتهاء، وعدي ههنا بـ "على" لمكان ﴿ قل ﴾ فإن الرسول يأتيه الوحي بطريق الاستقلال وزيفه في الكشاف بقوله : ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب ﴾ وبقوله: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ﴾ والإنصاف أن هذا القائل لم يدع أن هذه المناسبة يجب اعتبارها في كل موضع وإنما ادعى اعتبارها في الموضعين فيصلح حجة للتخصيص والله أعلم.
﴿ ونحن له مسلمون ﴾ فائدة تقديم الجار أن يعلم أن هذا الإذعان والإيمان والاستسلام لا غرض فيه إلا وجه الله دون شيء آخر من طلب المال والجاه، بخلاف أحبار اليهود الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً فليسوا من الإسلام في شيء ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ﴾ فماذا بعد الحق إلا الضلال؟
﴿ وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾ حيث فاته الثواب وحصل مكانه العقاب.
والخاسرون ههنا هم الكافرون فقط عند أهل السنة، ومع أصحاب الكبائر عند المعتزلة.
وقد يستدل بالآية على أن الإيمان والإسلام واحد إذ لو كان الإيمان غير الإسلام كان غير مقبول، لأن كل ما هو غير الإسلام ليس بمقبول عند الله للآية.
وقد ذكرنا مراراً أن النزاع لفظي لأن الإسلام إن أريد به الانقياد الكلي فلا فرق بينه وبين الإيمان كما في هذه الآية، وإن أريد به الإقرار باللسان فالفرق بناء على أن الاعتقاد القلبي داخل في مفهوم الإيمان، وعلى الفرق ورد قوله : ﴿ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ﴾ ثم بيّن وعيد من ترك الإسلام فقال: ﴿ كيف يهدي الله ﴾ واختلف في سبب النزول، ففي رواية عن ابن عباس نزلت في يهود قريضة والنضير ومن دان بدينهم، كفروا بالنبي بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه وكانوا يشهدون له بالنبوة فلما بعث وجاءهم بالبينات والمعجزات كفروا به بغياً وحسداً وعناداً ولدداً.
وفي رواية أخرى عنه: نزلت في رهط كانوا أسلموا ثم ارتدوا ولحقوا بمكة، ثم أخذوا يتربصون به ريب المنون وكان فيهم من تاب فاستثنى التائب بقوله: ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ وعن مجاهد قال: كان الحرث بن سويد قد أسلم وكان مع رسول الله ثم لحق بقومه وكفر فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ فحملهن إليه رجل من قومه فقرأهن عليه فقال الحرث: والله إنك لصدوق وإن رسول الله / لأصدق منك وإن الله أصدق الثلاثة، ثم رجع فأسلم إسلاماً حسناً.
قالت المعتزلة في الآية: إن أصولنا تشهد بأنه هدى جميع الخلق إلى الدين بمعنى التعريف ووضع الدلائل وإلا كان الكافر معذوراً ولا يحسن ذمه على الكفر.
ثم إنه حكم بأنه لم يهد هؤلاء الكفار فلا بد من تفسير الآية بشيء أخر سوى نصب الدلائل.قالوا: فالمراد بهذه الهداية منع الألطاف التي يؤتيها المؤمنين ثواباً لهم على إيمانهم كما قال: ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ﴾ وقال: ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى ﴾ أو المعنى لا يهديهم إلى الجنة كقوله: ﴿ ولا يهديهم طريقاً إلا طريق جهنم ﴾ وقوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار ﴾ وقال أهل السنة: المراد بالهداية خلق المعرفة.
وقد جرت سنة الله في باب التكليف وفي دار العمل أن كل فعل يقصد العبد إلى تحصيله فإنه الله يخلقه عقيب قصد العبد فكأنه قال: كيف يخلق الله فيهم المعرفة والهداية وهم قصدوا تحصيل الكفر وأرادوه.؟
وقال أهل التحقيق: كيف يهدي الله إليه قوماً احتجبوا بالصفات الإنسانية والطبائع الحيوانية عن الأخلاق الربانية.
وقوله: ﴿ وشهدوا ﴾ عطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل إذ هو في تقدير أن آمنوا كقوله : ﴿ فأصدق وأكن ﴾ ويجوز أن يكون الواو للحال بإضمار "قد" أي كفروا وقد شهدوا أن الرسول حق.
وكيفما كان فمعنى الآية يؤل إلى أنه لا يهدي قوماً كفروا بعد الإيمان وبعد الشهادة بأن الرسول حق في نفسه غير باطل ولا مما يسوغ إنكاره بعد أن جاءتهم الشواهد الدالة على صدقه من القرآن وغيره، لكن الشهادة هي الإقرار باللسان، فيكون المراد من الإيمان هو التصديق بالقلب ليكون المعطوف مغايراً للمعطوف عليه.
﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الواضعين للشيء في غير موضعه وذلك أن الخصال الثلاث - أعني الإيمان والشهادة ومشاهدة المعجزات - توجب مزيد الإيمان بالنبي المبعوث في آخر الزمان لا الكفر والعناد.
وفيه دليل على أن زلة العالم أقبح من زلة الجاهل ولهذا صرح في آخر الآية بأنه لا يهديهم بعد أن عرض بذلك في أول الآية، ثم أردفه بغاية الوعيد قائلاً ﴿ أولئك جزاؤهم ﴾ إلى قوله: ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ وقد مر مثله في البقرة.
وهذا تحقيق قول المتكلمين بأن العذاب الملحق بالكافر مضرة خالصة عن شوائب المنافع دائمة غير منقطعة.
﴿ إلا الذين تابوا من بعد ذلك ﴾ الكفر العظيم.
ولا يكفي التوبة وحدها حتى يضاف إليها العمل الصالح فلهذا قال: ﴿ وأصلحوا ﴾ أي باطنهم مع الحق بالمراجعات، وظاهرهم مع الخلق بالعبادات، وأظهروا إنا كنا على الباطل حتى لو اغتر بطريقتهم المنحرفة مغتر رجع عنها.
﴿ فإن الله غفور ﴾ في الدنيا بالستر ﴿ رحيم ﴾ في الآخرة بالعفو.
أو غفور بإزالة العقاب، / رحيم بإعطاء الثواب.
قوله ﴿ إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً ﴾ ازدياد الكفر قد يراد به الإصرار على الكفر، وقد يراد به ضم كفر إلى كفره وهو المراد في الآية باتفاق عامة المفسرين.
ثم اختلفوا فقيل: إنهم أهل الكتاب آمنوا بمحمد قبل مبعثه ثم كفروا به عند المبعث ثم ازدادوا كفراً بسبب طعنهم فيه كل وقت، وإنكارهم لكل معجز يظهر عليه إلى غير ذلك من تخليطاتهم وتغليطاتهم.
وقيل: إن اليهود كانوا مؤمنين بموسى ثم كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفراً بمحمد والقرآن.
وهذا قول الحسن وقتادة وعطاء، وقيل: نزلت في الذين ارتدوا وذهبوا إلى مكة، وازديادهم الكفر أنهم قالوا: نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب المنون.
وقيل: عزموا على الرجوع إلى الإسلام على سبيل النفاق فسمى الله ذلك النفاق زيادة في الكفر, ثم إنه حكم في الآية الأولى بقبول توبة المرتدين، وحكم تعالى في هذه الآية بعدم قبولها، وهذا يوهم التناقض.
وأيضاً ثبت بالدليل أن التوبة بشروطها مقبولة فما معنى قوله ﴿ لن تقبل توبتهم ﴾ قال الحسن وقتادة وعطاء: المراد بازدياد الكفر إصرارهم عليه فلا يتوبون إلا عند حضور الموت، والتوبة حينئذٍ لا تقبل لقوله : ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ وقيل: هي محمولة على ما إذا تابوا باللسان لا عن الإخلاص.
وقال القاضي والقفال وابن الأنباري: هي من تتمة قوله: ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ يريد أنه لو كفر بعد التوبة الأولى فإن التوبة الأولى لا تكون مقبولة.
وقيل: لعل المراد أن التوبة من تلك الزيادة لا تكون مقبولة ما لم يتب عن الأصل المزيد عليه.
أقول: ويحتمل أن يكون لن تقبل توبتهم جعل كناية الموت على الكفر كأنه قيل: إن اليهود والمرتدين المصرين على الكفر ما يتوبون عن الكفر لما في فعلهم من قساوة القلوب والإفضاء إلى الرين وانجراره إلى الموت على حالة الكفر.
وفائدة هذه الكناية تصير كونهم آيسين من الرحمة، هذا إذا خصصنا اليهود والمرتدين بالمصرين، أما على تقدير التعميم فنقول: إنما يجعل الموت على الكفر لازماً لازدياد كفرهم لأن القضية حينئذٍ لا تكون كلية، فكم من مرتد أو يهودي مزداد للكفر لا بمعنى الإصرار يرجع إلى الإسلام ولا يموت على الكفر.
فاكتفى بذكر لازم الموت على الكفر وهو عدم قبول التوبة حتى برز الكلام في معرض الكناية.
ومن المعلوم أنها ذكر اللازم وإرادة الملزوم، وأنه لا بد للعدول من فائدة، فصح أن نبين فائدة العدول على وجه يصير القضية كلية وهي التغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفار وإبراز حالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة التي هي أغلظ الأحوال وأشدها، ألا ترى أن الموت على الكفر إنما يخاف لأجل اليأس من الرحمة، وهذا هو الذي عول عليه في الكشاف.
والحاصل أنه / كأنه قيل: إن اليهود والمرتدين الذين فعلوا ما فعلوا من حقهم أن لا تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون الكاملون في الضلال، ضلوا في تيه الأوصاف البهيمة والأخلاق السبعية فلم يكادوا يخرجون منها بقدم الإنابة.
واعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام: أحدها الذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة مقبولة وهو الذي سيق لأجله الآية التي ردفها الاستثناء، وثانيها الذي يتوب توبة فاسدة وهو المذكور في قوله: ﴿ لن تقبل توبتهم ﴾ على وجه.
وثالثها الذي يموت على الكفر من غير توبة فذكره في الآية الأخيرة.
وملْ الشيء قدر ما يملؤه و ﴿ ذهباً ﴾ نصب على التمييز.
وربما يقال على التفسير، ومعناه أن يكون الكلام تاماً إلا أنه يكون مبهماً كقولك "عندي عشرون" فالعدد معلوم والمعدود مبهم.
فإذا قلت "درهماً" فسرت العدد.
ومعنى الفاء في ﴿ فلن يقبل ﴾ أن يعلم أن الكلام مبني على الشرط والجزاء، وإذا ترك كما في الآية الأولى فلعدم قصد التسبيب والاكتفاء بمجرد الحمل والوضع.
هذا ما قاله النحويون ومنهم صاحب الكشاف.
وليت شعري أنهم لو سئلوا عن تخصيص كل موضع بما خصص به فبماذا يجيبون؟
ولعل عقيدتهم في أمثال هذه المواضع أنها من الأسئلة المتقلبة وهو وهم.
والسر في التخصيص هو أنه لما قيد في الجملة الثانية أنهم قد ماتوا على الكفر زيدت فاء السببية الجزائية تأكيداً للزوم وتغليظاً في الوعيد والله أعلم.
أما الواو في قوله ﴿ ولو افتدى به ﴾ فإنها تشبه عطف الشيء على نفسه لأنه كالمكرر، فلهذا كثر أقاويل العلماء فيه فقال الزجاج وابن الأنباري: إنها للعطف والتقدير: لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهباً لم يمنعه ذلك مع كفره ولو افتدى به أيضاً لم يقبل منه.
وقيل: إنها لبيان التفصيل بعد الإجمال فإن إعطاء ملء الأرض ذهباً يحتمل الوجوه الكثيرة، فنص على نفي القبول بجهة الفدية.
وقيل: إن الملوك قد لا يقبلون الهدية ويقبلون الفدية، فإذا لم يقبلوا الفدية كان ذلك غاية الغضب ونهاية السخط، فعبر بنفي قبول الفداء عن شدة الغضب.
وقيل: إنه محمول على المعنى كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً.
وقيل: يجوز أن يراد ولو افتدى بمثله كقوله: ﴿ ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به ﴾ والمثل يحذف كثيراً في كلامهم مثل: ضربت ضرب زيد.
أي مثل ضربه.
و" أبو يوسف وأبو حنيفة " تريد مثله.
كما أنه يراد به في نحو قولهم "مثلك لا يفعل" كذا أي أنت.
وذلك أن المثلين يقوم أحدهما مقام الآخر في أغلب الأمور فكانا في حكم شيء واحد، فإن قيل: من المعلوم أن الكافر لا يملك يوم القيامة شيئا، وبتقدير أن يملك فلا نفع في الذهب هناك، فما فائدة هذا الكلام؟
فالجواب أنه على سبيل الفرض والتقدير، والذهب / كناية عن أعزالأشياء.
والمراد أنه لو قدر على أعز الأشياء وفرض أن في بذله نفعاً للآخذ وأن المبذول في غاية الكثرة لعجز أن يتوصل بذلك إلى تخليص نفسه من عذاب ربه.
ثم صرح بعقابهم ونفى من يشفع لهم فقال: ﴿ أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ﴾ قال أهل التحقيق: وماتوا أي ماتت قلوبهم ﴿ أولئك لهم عذاب أليم ﴾ بموت القلب وفقد المعرفة ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ على إحياء القلب بنور المعرفة حسبي الله ونعم الوكيل.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ﴾ الآية.
هذا - والله أعلم - وذلك أن اليهود والنصارى لما آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، كقوله: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ - أمر الله - - المؤمنين أن يؤمنوا بالرسل جميعاً؛ فآمنوا بهم جميعاً، وقالوا: ﴿ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ : والإسلام ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ : اختلف فيه: [يحتمل] ﴿ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ : حسنات من بغى غيرَ دين الإسلام في الدنيا؛ وهوكقوله: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ ﴾ ، أي: بالمؤمن به ﴿ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ .
ويحتمل: من أتى بدين سوى دين الإسلام فلن يقبل منه، ﴿ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ .
وقيل: إنها نزلت في نفر ارتدوا عن الإسلام بعد ما أسلموا، ثم تاب بعضهم؛ فنزل قوله: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ .
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ : يحتمل: "يبتغي": يطلب، ﴿ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ ؛ كأنه نهى عن ذلك أن يقصد بالتدين التقرب إلى الله - - فأخبر أن ذلك لا يقبله؛ ليصرف الطلب إلى غير ذلك، وذلك كما دانوا من عبادة الأوثان وغيرها؛ لتقربهم إلى الله زلفي، فأخبر أنه لا يقرب؛ ليصرف الطلب إلى حقيقة ذلك الدين على الأديان [التي] كانت معروفة، تأبى أنفس الكفرة عن [قبول] اسم الإسلام لدينهم، وادعوا أن دينهم هو دين الله؛ فأخبر الله - - أن دينه هو الإسلام، وأن من يبتغي الدين؛ ليدين الله به، غيرَهُ -، فالله لا يقبل منه، والله أعلم.
ويحتمل الابتغاء: الإرادة؛ فيكون فيه تحقيق الدين؛ إذ هي تجامع الفعل؛ فكأنه قال: من دان غير دين الإسلام، فلن يقبل منه، وإن قصد به الله بالدين، والله الموفق.
أيد ذلك قوله: ﴿ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ : أنه فيمن أتى بغيره، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول-: آمنا بالله إلهًا، وأطعناه فيما أمرنا به، وآمنا بالوحي الذي أنزله علينا، وبما أنزله على إبراهيم وإسماعيل واسحاق ويعقوب، وبما أنزله على الأنبياء من ولد يعقوب، وبما أوتي موسى وعيسى والنبيون جميعًا من الكتب والآيات من ربهم لا نفرق بينهم فنؤمن ببعض ونكفر ببعض، ونحن منقادون لله وحده مستسلمون له تعالى.
<div class="verse-tafsir" id="91.L2ral"
قدم الإيمان بما أنزل علينا على الإيمان بما أنزل على من قبلنا مع كونه أنزل قبله في الزمن لأن ما أنزل علينا هو الأصل في معرفة ما أنزل عليهم والمثبت له ولا طريق لإثباته سواه لانقطاع سند تلك وفقد بعضها ووقوع الشك فيما بقي منها، فما أثبته كتابنا من نبوة كثير من الأنبياء نؤمن به إجمالًا فيما أجمل وتفصيلًا فيما فصل وما أثبته لهم من الكتب كذلك، ونؤمن بأن أصول ما جاؤوا به واحدة وهي الإيمان بالله وإسلام القلوب له والإيمان بالآخرة والعمل الصالح مع الإخلاص.
فكما أن الإيمان بالله أصل للإيمان بما أنزل علينا، كذلك ما أنزل علينا أصل للإيمان بما أنزل عليهم، فقدم عليه.
<div class="verse-tafsir"