الآية ٥٤ من سورة الروم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 30 الروم > الآية ٥٤ من سورة الروم

۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍۢ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ ضَعْفٍۢ قُوَّةًۭ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍۢ ضَعْفًۭا وَشَيْبَةًۭ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ ٥٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 68 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٤ من سورة الروم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٤ من سورة الروم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ينبه تعالى على تنقل الإنسان في أطوار الخلق حالا بعد حال ، فأصله من تراب ، ثم من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة ، ثم يصير عظاما ثم يكسى لحما ، وينفخ فيه الروح ، ثم يخرج من بطن أمه ضعيفا نحيفا واهن القوى .

ثم يشب قليلا قليلا حتى يكون صغيرا ، ثم حدثا ، ثم مراهقا ، ثم شابا .

وهو القوة بعد الضعف ، ثم يشرع في النقص فيكتهل ، ثم يشيخ ثم يهرم ، وهو الضعف بعد القوة .

فتضعف الهمة والحركة والبطش ، وتشيب اللمة ، وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة; ولهذا قال : ( ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء ) أي : يفعل ما يشاء ويتصرف في عبيده بما يريد ، ( وهو العليم القدير ) .

قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن فضيل ويزيد ، حدثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية العوفي ، قال : قرأت على ابن عمر : ( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا ) ، فقال : ( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا ) ، ثم قال : قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قرأت علي ، فأخذ علي كما أخذت عليك .

ورواه أبو داود والترمذي - وحسنه - من حديث فضيل ، به .

ورواه أبو داود من حديث عبد الله بن جابر ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، بنحوه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54) يقول تعالى ذكره لهؤلاء المكذّبين بالبعث من مشركي قريش، محتجا عليهم بأنه القادر على ذلك، وعلى ما يشاء: (اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ) أيها الناس (مِنْ ضَعْفٍ) يقول: من نطفة وماء مهين، فأنشأكم بشرا سويا، (ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً) يقول: ثم جعل لكم قوّة على التصرّف، من بعد خلقه إياكم من ضعف، ومن بعد ضعفكم بالصغر والطفولة، (ثُم جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً) يقول: ثم أحدث لكم الضعف، بالهرم والكبر عما كنتم عليه أقوياء في شبابكم، وشيبة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: (الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ) أي من نطفة ( ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا ) الهرم (وَشَيْبَةً) الشمط.

وقوله: (يَخْلُقُ ما يَشاءُ) يقول تعالى ذكر: يخلق ما يشاء من ضعف وقوّة وشباب وشيب (وَهُوَ العَلِيمُ) بتدبير خلقه (القَدِيرُ) على ما يشاء، لا يمتنع عليه شيء أراده، فكما فعل هذه الأشياء، فكذلك يميت خلقه ويحييهم إذا شاء.

يقول: واعلموا أن الذي فعل هذه الأفعال بقدرته يحيي الموتى إذا شاء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير .قوله تعالى : الله الذي خلقكم من ضعف ذكر استدلالا آخر على قدرته في نفس الإنسان ليعتبر .

ومعنى : من ضعف من نطفة ضعيفة .

وقيل : من ضعف أي في حال ضعف ; وهو ما كانوا عليه في الابتداء من الطفولة والصغر .

وأجاز النحويون الكوفيون من ضعف بفتح العين ، وكذا كل ما كان فيه حرف من حروف الحلق ثانيا أو ثالثا .

ثم جعل من بعد ضعف قوة يعني الشبيبة .

ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يعني الهرم .

وقرأ عاصم وحمزة : بفتح الضاد فيهن ، الباقون بالضم ، لغتان ، والضم لغة النبي صلى الله عليه وسلم .

وقرأ الجحدري : من ضعف ثم جعل من بعد ضعف بالفتح فيهما ; ( ضعفا ) بالضم خاصة .

أراد أن يجمع بين اللغتين .

قال الفراء : الضم لغة قريش ، والفتح لغة تميم .

الجوهري : الضعف ، والضعف : خلاف القوة .

وقيل : الضعف بالفتح في الرأي ، وبالضم في الجسد ; ومنه الحديث في الرجل الذي كان [ ص: 44 ] يخدع في البيوع : أنه يبتاع وفي عقدته ضعف .

و ( شيبة ) مصدر كالشيب ، والمصدر يصلح للجملة ، وكذلك القول في الضعف والقوة .

يخلق ما يشاء يعني من قوة وضعف .

وهو العليم بتدبيره .

القدير على إرادته .

وأجاز النحويون الكوفيون من ضعف بفتح العين ، وكذا كل ما كان فيه حرف من حروف الحلق ثانيا أو ثالثا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن سعة علمه وعظيم اقتداره وكمال حكمته، ابتدأ خلق الآدميين من ضعف وهو الأطوار الأول من خلقه من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى أن صار حيوانا في الأرحام إلى أن ولد، وهو في سن الطفولية وهو إذ ذاك في غاية الضعف وعدم القوة والقدرة.

ثم ما زال اللّه يزيد في قوته شيئا فشيئا حتى بلغ سن الشباب واستوت قوته وكملت قواه الظاهرة والباطنة، ثم انتقل من هذا الطور ورجع إلى الضعف والشيبة والهرم.{ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } بحسب حكمته.

ومن حكمته أن يري العبد ضعفه وأن قوته محفوفة بضعفين وأنه ليس له من نفسه إلا النقص، ولولا تقوية اللّه له لما وصل إلى قوة وقدرة ولو استمرت قوته في الزيادة لطغى وبغى وعتا.وليعلم العباد كمال قدرة اللّه التي لا تزال مستمرة يخلق بها الأشياء، ويدبر بها الأمور ولا يلحقها إعياء ولا ضعف ولا نقص بوجه من الوجوه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ) .

( الله الذي خلقكم من ضعف ) قرئ بضم الضاد وفتحها ، فالضم لغة قريش ، والفتح لغة تميم ، ومعنى " من ضعف " ، أي : من نطفة ، يريد من ذي ضعف ، أي : من ماء ذي ضعف كما قال تعالى : " ألم نخلقكم من ماء مهين " ( المرسلات - 20 ) ( ثم جعل من بعد ضعف قوة ) بعد ضعف الطفولية شبابا ، وهو وقت القوة ( ثم جعل من بعد قوة ضعفا ) هرما ( وشيبة يخلق ما يشاء ) الضعف والقوة والشباب والشيبة ) ( وهو العليم ) بتدبير خلقه ) ( القدير ) على ما يشاء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الله الذي خلقكم من ضعف» ماء مهين «ثم جعل من بعد ضعف» آخر، وهو ضعف الطفولية «قوةً» أي قوة الشباب «ثم من بعد قوةٍ ضعفاً وشيبةً» ضعف الكبر وشيب الهرم والضعف في الثلاثة بضم أوله وفتحه «يخلق ما يشاء» من الضعف والقوة والشباب والشيبة «وهو العليم» بتدبير خلقه «القدير» على ما يشاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الله تعالى هو الذي خلقكم من ماء ضعيف مهين، وهو النطفة، ثم جعل من بعد ضعف الطفولة قوة الرجولة، ثم جعل من بعد هذه القوة ضعف الكبر والهرم، يخلق الله ما يشاء من الضعف والقوة، وهو العليم بخلقه، القادر على كل شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا التطواف فى أعماق الأنفس والآفاق .

أخذت السورة الكريمة فى أواخرها ، تذكر الناس بمراحل حياتهم ، وبأحوالهم يوم القيامة ، وبفضائل القرآن الكريم ، وبأمر النبى صلى الله عليه وسلم بالصبر والثبات .

.

قال - تعالى - : ( الله الذي خَلَقَكُمْ .

.

.

الذين لاَ يُوقِنُونَ ) .قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - ( الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ .

.

) .استدلال آخر على قدرته - تعالى - ومعنى ( مِّن ضَعْفٍ ) من نطفة ضعيفة ، أو فى حال ضعف ، وهو ما كانوا عليه فى الابتداء من الطفولة والصغر .

.

وقرأ الجمهور بضم الضاد ، وقرأ عاصم وحمزة بفتحها ، والضعف - بالضم والفتح - خلاف القوة ، وقيل بالفتح فى الرأى ، وبالضم فى الجسد .وقال - سبحانه - : ( خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ) ولم يقل خلقكم ضعافاً .

.

.

.

للإشعار بأن الضعف هو مادتهم الأولى التى تركب منها كيانهم ، فهو شامل لتكوينهم الجسدى ، والعقلى ، والعطافى ، والنفسى .

.

إلخ .

أى : الله - تعالى - بقدرته ، هو الذى خلقكم من ضعف ترون جانباً من مظاهره فى حالة طفولتكم وحداثة سنكم .( ثُمَّ جَعَلَ ) - سبحانه - ( مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ) أى : ثم جعل لكم من بعد مرحلة الضعف مرحلة أخرى تتمثل فيها القوة بكل صورها الجسدية والعقلية والنفسية .

.( ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ) أى : ثم جعل من بعد مرحلة القوة ، مرحلة ضعف آخر ، تعقبه مرحلة أخرى أشد منه فى الضعف ، وهى مرحلة الشيب والهرم والشيخوخة التى هى أرذل العمر ، وفيها يصير الإِنسان أشبه ما يكون بالطفل الصغير فى كثير من أحواله .

.( يَخْلُقُ ) - سبحانه - ( مَا يَشَآءُ ) خلقه ( وَهُوَ العليم ) بكل شئ ( القدير ) على كل شئ .فأنت ترى أن هذه الآية قد جمعت مراحل حياة الإِنسان بصورها المختلفة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما أعاد من الدلائل التي مضت دليلاً من دلائل الآفاق وهو قوله: ﴿ الله الذي يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً  ﴾ وذكر أحوال الريح من أوله إلى آخره أعاد دليلاً من دلائل الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر أحواله، فقال: ﴿ خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ ﴾ أي مبناكم على الضعف كما قال تعالى: ﴿ خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ  ﴾ ومن هاهنا كما تكون في قول القائل فلان زين فلانا من فقره وجعله غنياً أي من حالة فقره، ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ﴾ فقوله من ضعف إشارة إلى حالة كان فيها جنيناً وطفلاً مولوداً ورضيعاً ومفطوماً فهذه أحوال غاية الضعف، وقوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ﴾ إشارة إلى حالة بلوغه وانتقاله وشبابه واكتهاله، وقوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ العليم القدير ﴾ .

إشارة إلى ما يكون بعد الكهولة من ظهور النقصان والشيبة هي تمام الضعف، ثم بين بقوله: ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاء ﴾ إن هذا ليس طبعاً بل هو بمشيئة الله تعالى كما قال تعالى في دلائل الآفاق ﴿ فَيَبْسُطُهُ فِي السماء كَيْفَ يَشَاء  ﴾ ﴿ هُوَ العليم القدير ﴾ لما قدم العلم على القدرة؟

وقال من قبل ﴿ وَهُوَ العزيز الحكيم  ﴾ فالعزة إشارة إلى تمام القدرة والحكمة إلى العلم، فقدم القدرة هناك وقدم العلم على القدرة هاهنا فنقول هناك المذكور الإعادة بقوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المثل الأعلى فِي السموات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم  ﴾ لأن الإعادة تكون بكن فيكون، فالقدرة هناك أظهر وهاهنا المذكور الإبداء وهو أطوار وأحوال والعلم بكل حال حاصل فالعلم هاهنا أظهر، ثم إن قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ العليم القدير ﴾ تبشير وإنذار لأنه إذا كان عالماً بأعمال الخلق كان عالماً بأحوال المخلوقات فإن عملوا خيراً علمه وإن عملوا شراً علمه، ثم إذا كان قادراً فإذا علم الخير أثاب وإذا علم الشر عاقب، ولما كان العلم بالأحوال قبل الإثابة والعقاب الذين هما بالقدرة قدم العلم، وأما في الآخرة فالعلم بتلك الأحوال مع العقاب فقال: ﴿ وَهُوَ العليم الحكيم ﴾ وإلى مثل هذا أشار في قوله: ﴿ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين  ﴾ عقيب خلق الإنسان، فنقول أحسن إشارة إلى العلم لأن حسن الخلق بالعلم، والخلق المفهوم من قوله: ﴿ الخالقين ﴾ إشارة إلى القدرة، ثم لما بين ذكر الإبداء والإعادة كالإبداء ذكره بذكر أحوالها وأوقاتها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: بفتح الضاد وضمها، وهما لغتان.

والضم أقوى في القراءة، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما: قال: قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضَعف، فأقرأني من ضُعف.

وقوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ ﴾ كقوله: ﴿ خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ ﴾ [الأنبياء: 37] يعني أنّ أساس أمركم وما عليه جبلتكم وبنيتكم الضعف ﴿ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً ﴾ [النساء: 28] أي ابتدأناكم في أوّل الأمر ضعافاً.

وذلك حال الطفولة والنشء حتى بلغتم وقت الاحتلام والشبيبة، وتلك حال القوّة إلى الاكتهال وبلوغ الأشدّ، ثم رددتم إلى أصل حالكم وهو الضعف بالشيخوخة والهرم.

وقيل: من ضعف من النطف، كقوله تعالى: ﴿ مّن مَّاء مَّهِينٍ ﴾ [السجدة: 8] ، [المرسلات: 20] وهذا الترديد في الأحوال المختلفة، والتغيير من هيئة إلى هيئة وصفة إلى صفة: أظهر دليل وأعدل شاهد على الصانع العليم القادر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ﴾ أيِ ابْتَدَأكم ضُعَفاءَ وجَعَلَ الضَّعْفَ أساسَ أمْرِكم كَقَوْلِهِ ﴿ وَخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا ﴾ أوْ خَلَقَكم مِن أصْلٍ ضَعِيفٍ وهو النُّطْفَةُ.

﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ﴾ وذَلِكَ إذا بَلَغْتُمُ الحُلُمُ أوْ تَعَلَّقَ بِأبْدانِكُمُ الرُّوحُ.

﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً ﴾ إذا أخَذَ مِنكُمُ السِّنُّ، وفَتَحَ عاصِمٌ وحَمْزَةُ الضّادَ في جَمِيعِها والضَّمُّ أقْوى لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «قَرَأْتُها عَلى رَسُولِ اللَّهِ  «مِن ضَعْفٍ فَأقْرَأنِي مِن ضُعْفٍ» .

وهُما لُغَتانِ كالفَقْرِ والفُقْرِ والتَّنْكِيرُ مَعَ التَّكْرِيرِ لِأنَّ المُتَأخِّرَ لَيْسَ عَيْنَ المُتَقَدِّمِ.

﴿ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ مِن ضَعْفٍ وقُوَّةٍ وشَبْيَةٍ وشَيْبَةٍ.

﴿ وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ ﴾ فَإنَّ التَّرْدِيدَ في الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ مَعَ إمْكانِ غَيْرِهِ دَلِيلُ العِلْمِ والقُدْرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الله الذى خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ} من النطف كقوله من ماء مهين {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ} يعني حال الشباب وبلوغ الأشد {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً} يعني حال الشيخوخة والهرم {يَخْلُقُ مَا يَشَاء} من ضعف وقوة وشباب وشيبة {وَهُوَ العليم} بأحوالهم {القدير} على تغييرهم وهذا الترديد في الأحوال أبين دليل على الصانع العليم القدير فتح الضاد في الكل عاصم وحمزة وضم غيرهما وهو اختيار حفص وهما لغتان والضم أقوى في القراءة لما روي عن ابن عمر قال قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضَعف فأقرأني من ضُعفٍ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيِ ابْتَدَأكم ضُعَفاءَ، وجَعَلَ الضَّعْفَ أساسَ أمْرِكم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا  ﴾ ، فَمِنَ ابْتِدائِيَّةٌ، وفي الضَّعْفِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ حَيْثُ شُبِّهَ بِالأساسِ والمادَّةِ، وفي إدْخالِ (مِن) عَلَيْهِ تَخْيِيلٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الضَّعْفِ الضَّعِيفُ بِإطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى الوَصْفِ مُبالَغَةً، أوْ بِتَأْوِيلِهِ بِهِ، أوْ يُرادُ مِن ذِي ضَعْفٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ النُّطْفَةُ أيِ اللَّهُ تَعالى الَّذِي ابْتَدَأ خَلْقَكم مِن أصْلٍ ضَعِيفٍ، وهو النُّطْفَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ( مِن ماءٍ مَهِينٍ ) [السَّجْدَةُ: 8، المُرْسَلاتُ: 20]، وهَذا التَّفْسِيرُ وإنْ كانَ مَأْثُورًا عَنْ قَتادَةَ إلّا أنَّ الأوَّلَ أوْلى وأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ﴾ وذَلِكَ عِنْدَ بُلُوغِكُمُ الحُلُمَ، أوْ تَعَلُّقِ الرُّوحِ بِأبْدانِكُمْ، ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً ﴾ إذا أخَذَ مِنكُمُ السِّنَّ، والمُرادُ بِالضَّعْفِ هُنا ابْتِداؤُهُ، ولِذا أخَّرَ الشَّيْبَ عَنْهُ، أوِ الأعَمُّ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( شَيْبَةً ) لِلْبَيانِ، أوْ لِلْجَمْعِ بَيْنَ تَغْيِيرِ قُواهم وظَواهِرِهِمْ، وفَتَحَ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ضادَ «ضَعْفٍ» في الجَمْعِ وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ، وأبِي رَجاءٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّها فِيهِ، والضَّمُّ والفَتْحُ لُغَتانِ في ذَلِكَ، كَما في الفَقْرِ والفُقْرِ، الفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ، والضَّمُّ لُغَةُ قُرَيْشٍ، ولِذا اخْتارَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قِراءَةَ الضَّمِّ، كَما ورَدَ حَدِيثٌ رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وأحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، وغَيْرُهم «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: (قَرَأْتُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ )، أيْ بِالفَتْحِ، فَقالَ: ( مِن ضُعْفٍ )، يا بُنَيَّ)، أيْ بِالضَّمِّ».

لِأنَّها لُغَةُ قَوْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَمْ يَقْصِدْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ رَدَّ القِراءَةِ الأُخْرى، لِأنَّها ثابِتَةٌ بِالوَحْيِ أيْضًا، كالقِراءَةِ الَّتِي اخْتارَها، ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ الضَّمُّ أيْضًا، وعَنْهُ أيْضًا الضَّمُّ في الأوَّلَيْنِ، والفَتْحُ في الأخِيرِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ والجَحْدَرِيِّ، والضَّحّاكِ الضَّمُّ في الأوَّلِ، والفَتْحُ فِيما بَعْدُ.

وقَرَأ عِيسى بِضَمِّ الضّادِ والعَيْنِ، وهي لُغَةٌ أيْضًا فِيهِ.

وحُكِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ أنَّ الضُّعْفَ بِالضَّمِّ ما كانَ في البَدَنِ، والضَّعْفَ بِالفَتْحِ ما كانَ في العَقْلِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المَضْمُومِ والمَفْتُوحِ، وكَوْنِهُما مِمّا يُوصَفُ بِهِ البَدَنُ والعَقْلُ، والمُرادُ بِضَعْفِ الثّانِي عَيْنُ الأوَّلِ، ونُكِّرَ لِمُشاكَلَةِ ( قُوَّةٍ )، وبِالأخِيرِ غَيْرُهُ، فَإنَّهُ ضَعْفُ الشَّيْخُوخَةِ، وذاكَ ضَعْفُ الطُّفُولِيَّةِ، والمُرادُ (بِقُوَّةٍ) الثّانِيَةِ عَيْنُ الأُولى، ونُكِّرَتْ لِمُشاكَلَةِ ( ضَعْفًا )، وحَدِيثُ النَّكِرَةِ إذا أُعِيدَتْ كانَتْ غَيْرَ أغْلَبِيٌّ، وتَكَلَّفَ بَعْضُهم لِتَحْصِيلِ المُغايَرَةِ فِيما نُكِّرَ وكُرِّرَ في الآيَةِ فَتَدَبَّرْ، ﴿ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ خَلْقَهُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِنَ الضَّعْفِ والقُوَّةِ والشَّيْبَةِ، وخَلْقُها إمّا بِمَعْنى خَلْقِ أسْبابِها أوْ مَحالِّها، وإمّا إيجادُها أنْفُسِها، وهو الظّاهِرُ، ولا داعِيَ لِلتَّأْوِيلِ، فَإنَّها لَيْسَتْ بِعَدَمِ صَرْفٍ، ﴿ وهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ ﴾ المُبالِغُ في العِلْمِ والقُدْرَةِ، فَإنَّ التَّرْدِيدَ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ مَعَ إمْكانِ غَيْرِهِ مِن أوْضَحِ دَلائِلِ العِلْمِ والقُدْرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتى فشّبه الكفار بالموتى.

فكما لا يسمع الموتى النداء، فكذلك لا يجيب، ولا يسمع الكفار الدعاء، إذا دعوا إلى الإيمان وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ يعني: أن الأصم إذا كان مقبلاً لا يسمع، فكيف إذا ولى مدبراً؟

فكذلك الكافر لا يسمع إذا كان يتصامم عند القراءة، والقراءة ذكرناها في سورة النمل.

ثم قال عز وجل: وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ إلى الإيمان عَنْ ضَلالَتِهِمْ يعني: لا تقدر أن توفقه وهو لا يرغب عن طاعتي في طلب الحق إِنْ تُسْمِعُ يعني: ما تسمع إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا يعني: بالقرآن فَهُمْ مُسْلِمُونَ يعني: مخلصون.

ثم أخبرهم عن خلق أنفسهم ليعتبروا ويتفكروا فيه فقال عز وجل: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ يعني: من نطفة.

ويقال: صغيراً لا يعقل ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً يعني: شدة بتمام خلقه ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً يعني: بعد الشباب الهرم وَشَيْبَةً أي: شمطاً.

قرأ عاصم في رواية حفص وحمزة: من ضعف بنصب الضاد.

وقرأ الباقون: من ضعف بالضم.

وهما لغتان ومعناهما واحد.

يَخْلُقُ مَا يَشاءُ أي: يحول الخلق كما يشاء من الصورة وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ الْعَلِيمُ بتحويل الخلق، الْقَدِيرُ يعني: القادر على ذلك.

قوله عز وجل: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ يعني: يحلف المشركون مَا لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ في الدنيا.

يقول الله عز وجل: كذلك كانوا يكذبون بالبعث كما أنهم كذبوا حيث قالوا مَا لَبِثُوا يعني في القبور غير ساعة ويقال: كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ لأنهم يقولون مرة: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً [طه: 103] ومرة يقولون: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الكهف: 119] ومرة يقولون: مَا لَبِثْنَا غَيْرَ سَاعَةٍ فيقول الله تعالى: هكذا كانوا في الدنيا.

ثم قال عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ يعني: أكرموا بالعلم والإيمان لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ أي: في علم الله.

ويقال: فيما كتب الله عز وجل.

وقال مقاتل: في الآية تقديم.

يعني: وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ في كتاب الله وَالْإِيمانَ وهو ملك الموت لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ.

ويقال: الذين أوتوا العلم بالكتاب وأوتوا الْإِيمانَ وهم العلماء.

ثم قال: فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ يعني: لا تصدقون بهذا اليوم في الدنيا.

ثم قال عز وجل: فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: أشركوا مَعْذِرَتُهُمْ قرأ ابن كثير وأبو عمر: وَلاَ تَنفَعُ بالتاء بلفظ التأنيث، لأن لفظ المعذرة مؤنثة.

وقرأ الباقون: بالياء، فينصرف إلى المعنى يعني: عذرهم وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ يقال: عتب يعتب إذا غضب عليه، وأعْتَبَ يُعْتِبُ إذا رجع عن ذنبه، واستعتب إذا طلب منه الرجوع.

يعني: أنه لا يطلب منهم الرجوع في ذلك اليوم ليرجعوا.

ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ يعني: وصفنا وبيّنّا فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي: شبه وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ كما سألوا لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: المشركون من أهل مكة إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ يعني: يقولون ما أنت إلا كاذب، وليس هذا من الله عز وجل، كما كذبوا بانشقاق القمر.

يقال: أبطل الرجل إذا جاء بالباطل.

وأكذب إذا جاء بالكذب.

فقال: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ يعني: كاذبون.

ثم قال: كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ يعني: يختم الله عَزَّ وَجَلَّ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: لا يصدقون بالقرآن وبمحمد  فَاصْبِرْ يا محمد إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فيما وعد لكم من النصر على عدوكم، وإظهار دين الإسلام حق.

ويقال: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: صدق في العذاب وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ يعني: يستنزلنك عن البعث الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ أي: لا يصدقون.

ويقال: وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ يعني: لا يحملنك تكذيبهم على الخفة.

يعني: كن حليماً، صبوراً، وقوراً.

ويقال: لا يَسْتَخِفَّنَّكَ فتدعو عليهم بتعجيل العذاب، فيهلك الذين لا يوقنون بالعذاب، والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وتجري بها السفن في البحر.

ثم آنسَ سبحانه نبيه عليه السلام بقوله: لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ...

الآية، ثم وعد تعالى محمداً عليه السلام وأمّته النصر بقوله: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ

وحقاً خبرَ كانَ قدّمه اهتماما.

وقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً ...

الآية.

الإثارةُ: تَحْريكُها من سكونِها، وتَسْييرُها، وبَسْطُه في السماءِ هو نَشْرهُ في الآفاقِ، والكِسَفُ: القِطَع.

وقوله: مِنْ قَبْلِهِ: تأكيدٌ أفادَ الإعلامَ بسرعةِ تقلبِ قُلوبِ البَشَرِ من الإبلاس إلى الاستبشارِ، والإبْلاسُ: الكَوْنُ فِي حالِ سُوءٍ مَعَ اليأسِ من زوالها.

وقوله تعالى: كَيْفَ يُحْيِ الضمير في يُحْيِ يُحْتَمَلُ أن يكونَ للأثرِ ويُحْتَمَلُ أنْ يعودَ عَلَى الله تعالى وهو أظهر.

ثم أخْبَرَ تعالى عَن حالِ تقلب بني إدمَ، في أنه بعد الاستبشار بالمطر، إن بعثَ الله ريحاً فاصفرَّ بها النباتُ ظلوا يكْفرونَ قلقاً منهم وقِلَّةٌ تسليمٍ للَّه تعالى، والضمير في فَرَأَوْهُ للنباتِ واللامُ في لَئِنْ مؤذِنة بمجيءِ القَسَمِ وفي لَظَلُّوا لاَمُ القَسَم.

وقوله تعالى: فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتى ...

الآية: استعارةٌ للكُفَّارِ وقد تقدم بيان ذلك في «سورة النمل» .

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨)

كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)

.

وقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ قال كثير من اللغويين: ضَمُّ الضادِ في البدن، وفتحها في العقل، وهذه الآية إنما يراد بها حال الجِسم، والضُّعْفُ الأول هو: كونُ الإنسان من ماءٍ مهينٍ، والقوة بعد ذلك: الشَّبِيْبَةُ وشدة الأسْر، والضُّعْف الثَّانِي هوَ الهَرَمُ والشَيْخُوخَةُ، هذا قولُ قتادةَ وغيره «١» ورَوَى أبُو داودَ فِي «سننه» بسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «لاَ تَنْتِفُوا الشَّيْبَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَشِيبُ شَيْبَةً فِي الإسْلاَمِ إلاَّ كَانَتْ لَهُ نُوراً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «٢» .

وفي رواية «إلاَّ كَتَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بها خطيئة» «٣» انتهى.

ثم أخبر عز وجل عن يوم القيامة فقال: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا أي: تحت التراب غَيْرَ ساعَةٍ وقيل: المعنى: ما لبثوا في الدنيا كأنهم استقلوها.

كَذلِكَ كانُوا في الدنيا يُؤْفَكُونَ أي: يُصْرَفُونَ عن الحق.

قال ص: مَا لَبِثُوا: جوابُ القسمِ على المعنى، ولو حُكِي قولهم لَكَانَ ما لبِثْنَا انتهى.

ثم أخْبَر تعالى أن الكفَرَة لاَ يَنْفَعْهُمْ يومئذ اعتذارٌ ولا يُعْطَوْنَ عتبى، وهي الرِّضا وباقي الآية بيّن، ولله الحمد.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرْسِلُ الرِّياحَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ، والنَّخَعِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: " يُرْسِلُ الرِّيحَ " بِغَيْرِ ألِفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتُثِيرُ سَحابًا ﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ ﴿ فَيَبْسُطُهُ ﴾ اللَّهُ ﴿ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ﴾ إنْ شاءَ بَسَطَهُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ ﴿ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا ﴾ أيْ: قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً.

والأكْثَرُونَ فَتَحُوا سِينَ " كِسَفًا "؛ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِتَسْكِينِها؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونُ مِثْلَ سِدْرَةٍ وسِدَرٍ، فَيَكُونُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا ﴿ فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ: " مِن خَلَلِهِ "؛ وقَدْ شَرَحْناهُ في (النُّورِ: ٤٣) ﴿ فَإذا أصابَ بِهِ ﴾ أيْ: بِالوَدْقِ؛ ومَعْنى ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ يَفْرَحُونَ بِالمَطَرِ، ﴿ وَإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ ﴾ المَطَرُ ﴿ مِن قَبْلِهِ ﴾ وفي هَذا التَّكْرِيرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ  ﴾ ، قالَهُ الأخْفَشُ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ " قَبْلَ " الأُولى لِلتَّنْزِيلِ، والثّانِيَةَ لِلْمَطَرِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: مِن قَبْلِ نُزُولِ المَطَرِ، مِن قَبْلِ المَطَرِ، وهَذا مِثْلَما يَقُولُ القائِلُ: آتِيكَ مِن قَبْلِ أنْ تَتَكَلَّمَ، مِن قَبْلِ أنْ تَطْمَئِنَّ في مَجْلِسِكَ، فَلا تُنْكَرُ الإعادَةُ، لِاخْتِلافِ الشَّيْئَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن قَبْلِهِ ﴾ تَرْجِعُ إلى الهُدى وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: كانُوا يَقْنَطُونَ مِن قَبْلِ نُزُولِ المَطَرِ، مِن قَبْلِ الهُدى، فَلَمّا جاءَ الهُدى والإسْلامُ زالَ القُنُوطُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي عُمَرَ الدُّورِيِّ وأبِي جَعْفَرِ بْنِ قادِمٍ.

والمُبْلِسُونَ: الآيِسُونَ وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ في هَذا [الأنْعامِ: ٤٤] .

﴿ فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " إلى أثَرِ " .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " إلى آثارِ " عَلى الجَمْعِ والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هاهُنا: المَطَرُ، وأثَرُها: النَّبْتُ؛ والمَعْنى: انْظُرْ إلى حُسْنِ تَأْثِيرِهِ في الأرْضِ ﴿ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ ﴾ أيْ: كَيْفَ يَجْعَلُها تُنْبِتُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فِيها نَبْتٌ.

وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وسُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ.

" كَيْفَ تُحْيِي " بِتاءٍ مَرْفُوعَةٍ مَكْسُورَةَ الياءِ " الأرْضَ " بِفَتْحِ الضّادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا ﴾ \[أيْ: رِيحًا\] بارِدَةً مُضِرَّةً، والرِّيحَ إذا أتَتْ عَلى لَفْظِ الواحِدِ أُرِيدَ بِها العَذابُ، ولِهَذا كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَقُولُ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيحِ: " «اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا» " ﴿ فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا ﴾ يَعْنِي النَّبْتَ، والهاءُ عائِدَةٌ إلى الأثَرِ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَرَأوُا النَّبْتَ قَدِ اصْفَرَّ وجَفَّ ﴿ لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ﴾ ومَعْناهُ: لَيَظَلُّنَّ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ الشَّرْطُ والجَزاءُ، فَهم يَسْتَبْشِرُونَ بِالغَيْثِ، ويَكْفُرُونَ إذا انْقَطَعَ عَنْهُمُ الغَيْثُ وجَفَّ النَّبْتُ.

وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ: المَطَرُ.

و " ظَلُّوا " بِمَعْنى صارُوا " مِن بَعْدِهِ " أيْ: مِن بَعْدِ اصْفِرارِ النَّبْتِ يَجْحَدُونَ ما سَلَفَ مِنَ النِّعْمَةِ.

وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ (النَّمْلِ: ٨٠، ٨١) إلى قَوْلِهِ: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ فِيهِ في (الأنْفالِ: ٦٦) قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: خَلَقَكم مِن ماءٍ ذِي ضَعْفٍ، وهو المَنِيُّ ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ ﴾ يَعْنِي ضَعْفَ الطُّفُولَةِ قُوَّةَ الشَّبابِ، ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةِ الشَّبابِ ضَعْفَ الكِبَرِ، وشَيْبَةً، ﴿ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ أيْ: مِن ضَعْفٍ وقُوَّةٍ وشَبابٍ وشَيْبَةٍ ﴿ وَهُوَ العَلِيمُ ﴾ بِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ ﴿ القَدِيرُ ﴾ عَلى ما يَشاءُ.

﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: السّاعَةُ في القُرْآنِ عَلى مَعْنى السّاعَةِ الَّتِي تَقُومُ فِيها القِيامَةُ، فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْرَفْ أيُّ ساعَةٍ هي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ أيْ: يَحْلِفُ المُشْرِكُونَ ﴿ ما لَبِثُوا ﴾ في القُبُورِ ﴿ غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أُفِكَ الرَّجُلُ: إذا عُدِلَ بِهِ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى أنَّهم قَدْ كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كَذَّبُوا في الدُّنْيا.

وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَفْضَحَهم يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، فَحَلَفُوا عَلى شَيْءٍ يَبِينُ لِلْمُؤْمِنِينَ كَذِبُهم فِيهِ، ويَسْتَدِلُّونَ عَلى كَذِبِهِمْ في الدُّنْيا.

ثُمَّ ذَكَرَ إنْكارَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ.

والثّانِي: المُؤْمِنُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ بِكِتابِ اللَّهِ والإيمانَ بِاللَّهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ في جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلى نَظْمِهِ.

ثُمَّ في مَعْناهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَقَدْ لَبِثْتُمْ في عِلْمِ اللَّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: لَقَدْ لَبِثْتُمْ في خَبَرِ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ﴾ أيِ: اليَوْمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُنْكِرُونَهُ ﴿ وَلَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ في الدُّنْيا أنَّهُ يَكُونُ.

﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " لا تَنْفَعُ " بِالتّاءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالياءِ، لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يُقْبَلُ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا عُذْرٌ ولا تَوْبَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ أيْ: لا يُطْلَبُ مِنهُمُ العُتْبى والرُّجُوعُ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةً ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمِ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ وهَذِهِ أيْضًا آيَةٌ بَيَّنَ فِيها أنَّ الأوثانَ لا مَدْخَلَ لَها في هَذا الأمْرِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ بِضَمِّ الضادِ في "ضَعْفٍ"، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي رَجاءَ، والضَمُّ أُصْوَبُ، ورُوِيَ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قَرَأ عَلى رَسُولِ اللهِ  بِالفَتْحِ فَرَدَّها عَلَيْهِ بِالضَمِّ،» وقالَ كَثِيرٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: ضَمُّ الضادِ في البَدَنِ وفَتْحُها في العَقْلِ، ورُوِيَ عن عَبْدِ الرَحْمَنِ، والجَحْدَرِيِّ، والضَحّاكِ أنَّهم ضَمُّوا الضادَ في الأوَّلِ والثانِي، وفَتَحُوا "ضَعْفًا"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "مِن ضُعُفٍ" بِضَمَّتَيْنِ، وهَذِهِ الآيَةِ إنَّما يُرادُ بِها حالُ الجِسْمِ، والضَعْفُ الأوَّلُ هو كَوْنُ الإنْسانِ مِن ماءٍ مَهِينٍ، والقُوَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ الشَبِيبَةُ وشَدَّةُ الأمْرِ، والضَعْفُ الثانِي الهَرَمُ والشُحُّ، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ وغَيْرِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ المُجْرِمِينَ يُقْسِمُونَ لِجاجًا مِنهم ونُشُوزًا عَلى ما لا عِلْمَ لَهم بِهِ؛ أنَّهم ما لَبِثُوا تَحْتَ التُرابِ غَيْرَ ساعَةٍ، وهَذا إتِّباعٌ لِتَخَيُّلِهِمُ الفاسِدِ، ونَظَرِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى نَحْوِ ما كانُوا في الدُنْيا يَتَّبَعُونَ، فَيُؤْفَكُونَ عَنِ الحَقِّ، أيْ: يُصْرَفُونَ.

وقِيلَ: المَعْنى: ما لَبِثُوا في الدُنْيا، كَأنَّهُمُ اسْتَقَلُّوها لَمّا عايَنُوا مِن أمْرِ الآخِرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يُضْعِفُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾ ؛ إذْ لَوْ أرادَ تَقْلِيلَ الدُنْيا بِالإضافَةِ إلى الآخِرَةِ لَكانَ مَنزَعًا شَدِيدًا، وكانَ قَوْلُهُمْ: ﴿ "غَيْرَ ساعَةٍ" ﴾ تَجُوُّزًا، أيْ: في القَدْرِ والمُوازَنَةِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ أنَّهم يَقِفُونَ في تِلْكَ الحالِ عَلى الحَقِّ، ويَعْرِفُونَ أنَّهُ الوَعْدُ المُتَقَرِّرُ في الدُنْيا.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّما أرادَ: "أُوتُوا الإيمانَ والعِلْمَ"، فَفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا يُحْتاجُ إلى هَذا، بَلْ ذِكْرُ العِلْمِ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ، ولا يَصِفُ اللهُ بِعِلْمٍ مَن لَمْ يَعْلَمْ كُلَّ ما يُوجِبُ الإيمانَ، ثُمَّ ذَكَرَ الإيمانَ بَعْدَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَيْهِ وتَشْرِيفًا لِأمْرِهِ، كَما قالَ: ﴿ فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ  ﴾ ، فَنَبَّهَ تَبارَكَ وتَعالى عَلى مَكانِ الإيمانِ وخَصَّهُ تَشْرِيفًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا رابع استئناف من الأربعة المتقدمة رجوع إلى الاستدلال على عظيم القدرة في مختلف المصنوعات من العوالم لتقرير إمكانية البعث وتقريب حصوله إلى عقول منكريه لأن تعدد صور إيجاد المخلوقات وكيفياته من ابتدائها عن عدم أو من إعادتها بعد انعدامها وبتطور وبدونه مما يزيد إمكان البعث وضوحاً عند منكريه، فموقع هذه الآية كموقع قوله: ﴿ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً ﴾ [الروم: 48] ونظائرها كما تقدم؛ ولذلك جاءت فاتحتها على أسلوب فواتح نظائرها وهذا ما يؤذن به تعقيبها بقوله ﴿ ويَوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ﴾ [الروم: 55] الآية.

ثم قوله ﴿ الله الذي خلقكم ﴾ مبتدأ وصفة، وقوله ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ هو الخبر، أي يخلق ما يشاء مما أخبر به وأنتم تنكرون.

والضعف بضم الضاد في الآية وهو أفصح وهو لغة قريش.

ويجوز في ضاده الفتح وهو لغة تميم.

وروى أبو داود والترمذي عن عبد الله ابن عمر قال: قرأتها على رسول الله ﴿ الذي خلقكم من ضَعف ﴾ يعني بفتح الضاد فأقرأني: ﴿ من ضُعف ﴾ يعني بضم الضاد.

وقرأ الجمهور ألفاظ ﴿ ضعف ﴾ الثلاثة بضم الضاد في الثلاثة.

وقرأها عاصم وحمزة بفتح الضاد، فلهما سند لا محالة يعارض حديثَ ابن عمر.

والجمع بين هذه القراءة وبين حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نطق بلغة الضم لأنها لغة قومه، وأن الفتح رخصة لمن يقرأ بلغة قبيلة أخرى، ومن لم يكن له لغة تخصه فهو مخيَّر بين القراءتين.

والضعف: الوهن واللين.

و ﴿ مِن ﴾ ابتدائية، أي: مبتدَأ خلقه من ضعف، أي: من حالة ضعف، وهي حالة كونه جنيناً ثم صبياً إلى أن يبلغ أشده، وهذا كقوله: ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ [الأنبياء: 37] يدل على تمكن الوصف من الموصوف حتى كأنه منتزع منه، قال تعالى: ﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً ﴾ [النساء: 28].

والمعنى: أنه كما أنشأكم أطواراً تبتدئ من الوهن وتنتهي إليه فكذلك ينشئكم بعد الموت إذ ليس ذلك بأعجب من الإنشاء الأول وما لحقه من الأطوار، ولهذا أخبر عنه بقوله: ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ .

وذكر وصف العلم والقدرة لأن التطور هو مقتضى الحكمة وهي من شؤون العلم، وإبرازُه على أحكم وجه هو من أثر القدرة.

وتنكير ﴿ ضعف وقوة ﴾ للنوعية؛ ف ﴿ ضُعف ﴾ المذكور ثانياً هو عين ﴿ ضُعف ﴾ المذكور أولاً، و ﴿ قوة ﴾ المذكورة ثانياً عين ﴿ قوة ﴾ المذكورة أولاً.

وقولهم: النكرة إذا أُعيدت نكرة كانت غير الأولى، يريدون به التنكير المقصود منه الفرد الشائع لا التنكير المراد به النوعية.

وعطف ﴿ وشيبة ﴾ للإيماء إلى أن هذا الضعف لا قوة بعده وأن بعده العدم بما شاع من أن الشيب نذير الموت.

والشيبة: اسم مصدر الشيب.

وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ واشتعل الرأس شيباً ﴾ في سورة مريم (4).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ﴾ قالَ قَتادَةُ: مِن نُطْفَةٍ.

﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ﴾ قالَهُ مُجاهِدٌ: شَبابًا.

﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً ﴾ يَعْنِي هَرَمًا وشَيْبَةً، قالَ قَتادَةُ: لِأنَّ بَياضَ الشَّعْرِ نَذِيرٌ بِالفَناءِ، قالَ الشّاعِرُ: أُرِيتُ الشَّيْبَ مِن نُذُرِ المَنايا لِصاحِبِهِ وحَسْبَكَ مِن نَذِيرٍ ﴿ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ مِن قُوَّةٍ وضَعْفٍ.

﴿ وَهُوَ العَلِيمُ ﴾ بِتَدْبِيرِهِ.

﴿ القَدِيرُ ﴾ عَلى إرادَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن المنذر والطبراني والشيرازي في الألقاب والدارقطني في الافراد وابن عدي والحاكم وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه والخطيب في تالي التلخيص عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ الله الذي خلقكم من ضعف ﴾ فقال من ضعف يا بني» .

وأخرج الخطيب عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ «الله الذي خلقكم من ضعف» بالضم.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذا الحرف في الروم ﴿ خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوّة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ الله الذي خلقكم من ضعف ﴾ قال: من نطفة ﴿ ثم جعل من بعد قوة ضعفاً ﴾ قال: الهرم ﴿ وشيبة ﴾ قال: الشمط.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال مقاتل: ثم أخبر عن خلق أنفسهم ليتفكر المكذب بالبعث في خلق نفسه فقال: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ﴾ (١) (٢) قال الزجاج: تأويله أنه خلقكم من النُّطفِ في حال ضعف (٣) قال أبو علي: المعنى: خلقكم من ذي ضعف، أي: من ماء ذي ضعف، كما قال: ﴿ أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ  ﴾ (٤) وقرئ ﴿ ضَعْفٍ ﴾ بفتح الضاد (٥) (٦)  - بالفتح، فردَّ عليه بالضم (٧) وقوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ﴾ يعني: قواكم في حال الشبيبة، وقوله: ﴿ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ ﴾ يعني: ضعف الطفولة ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ﴾ قال ابن عباس: يريد: عند الكبر أدركه الضعف والهرم.

والشيبة: مصدر كالشَّيب، قال المبرد: يعني: من حملة الشيب، فخرج من حملة الشيب مخرج الواحد، ويعني به: الجمع (٨) ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾ أي: من ضعف وقوة وشيبة وشباب ﴿ وَهُوَ الْعَلِيمُ ﴾ بتدبير خلقه ﴿ الْقَدِيرُ ﴾ على ما يشاء.

(١) "تفسير مقاتل" 80 ب.

(٢) أخرجه ابن جرير 21/ 56، عن قتادة.

و"تفسير مقاتل" 80 ب.

و"تنوير المقباس" ص 343، وذكره ابن قتيبة، "غريب القرآن" ص 343، ولم ينسبه.

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 190.

(٤) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 450.

(٥) قرأ عاصم وحمزة: ﴿ مِنْ ضَعْفٍ ﴾ و ﴿ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ ﴾ و ﴿ ضَعْفًا ﴾ بفتح الضاد فيهن كلهن، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي بضم الضاد فيهن كلهن، وقرأ حفص عن نفسه، لا عن عاصم: بضم الضاد.

"السبعة في القراءات" ص 508، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 450.

قال ابن الجزري: وقد صح عن حفص الفتح والضم جميعًا.

"النشر في القراءات العشر" 2/ 345.

(٦) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 450.

(٧) لم أجده عند الفراء، لكن نسبه له الثعلبي 8/ 170 ب.

واختار هذه القراءة للرواية الزجاج 4/ 191.

والحديث أخرجه الإمام أحمد 7/ 153، تح: أحمد شاكر، والترمذي 5/ 174، كتاب "القراءات" رقم (2936)، وأبو داود 4/ 283، كتاب "الحروف والقراءات"، رقم (3978)، والحاكم 2/ 270، كتاب التفسير، رقم (2974)، وأخرجه الثعلبي 8/ 170 ب، كلهم من طريق فُضيل بن مرزوق عن عطية بن سعد العوفي، قال: قرأت على ابن عمر ﴿ مِنْ ضَعْفٍ ﴾ فقال ﴿ مِنْ ضَعْفٍ ﴾ قرأتهُا على رسول الله -  -، كما قرأتَها عليَّ، فأَخذ علي كما أخذت عليك.

وضَعَّف وضعف الحديث الشيخ: أحمد شاكر، لضعف عطية العوفي، راويه عن ابن عمر، "مسند الإمام أحمد" 7/ 153، (تح: أحمد شاكر)، والحديث لا يُعرف بهذا اللفظ إلا من طريقه كما قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث فُضيل بن مرزوق عن عطية العوفي.

وقال الحاكم: تفرد به عطية العوفي، ولم يحتجا به، وقد احتج مسلم بالفضيل بن مرزوق.

وعطية هذا قال عنه ابن حجر: صدوق يخطئ كثيرًا، وكان شيعيًا مدلسًا.

"تقريب التهذيب" ص 680، رقم (4649).

وحَسَّن الحديث الألباني، "صحيح سنن الترمذي" 3/ 14، رقم (2339)، وأحال على كتابه: "الروض النضير".

وكتاب "الروض النضير" غير مطبوع فلعل تحسين الألباني له لورود هذا الحديث من طريق آخر؛ قال الطبراني: حدثنا هارون بن موسى == الأخفش المقري الدمشقي، حدثنا سلام بن سليمان المدائني، حدثنا أبو عمرو بن العلاء، عن نافع عن ابن عمر، قال: قرأت على رسول الله -  - ..

الحديث.

"المعجم الصغير" للطبراني 2/ 397، رقم (1100).

وسلام بن سليمان: ضعيف.

"تقريب التهذيب" (425)، رقم (2719).

ولذا قال ابن حجر بعد أن ساق هذا الطريق من رواية ابن مردويه، قال: في إسناده سلام بن سليمان.

"الكافي الشاف" بحاشية الزمخشري 3/ 470.

وقد ذكر محققو مسند الإمام أحمد رواية الطبراني؛ ولم يقووا بها هذا الحديث بل قالوا: قلنا: سلام متروك.

"مسند الإمام أحمد" 9/ 186، رقم (5227).

ط/ مؤسسة الرسالة.

وذكر ابن عدي سلام بن سليمان هذا؛ وقال: هو عندي منكر الحديث، ثم ساق له أحاديث استنكرها عليه منها هذا الحديث؛ ثم قال: وهذه الأحاديث عن أبي عمرو عن نافع عن ابن عمر لا يرويها عن أبي عمرو إلا سلام هذا.

"الكامل في ضعفاء الرجال" 3/ 1156.

والصواب -والله أعلم- ضعف هذا الحديث، وأنه لا يرتقي لدرجة الحسن.

وأقصى ما يفيده الحديث على فرض صحته أن النبي -  -، أنكر على ابن عمر قراءته ﴿ ضَعْفٍ ﴾ بغير القراءة التي أقرأه إياها؛ كما ذكر الواحدي عن الفراء أن الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم؛ وعلى ذلك لا يؤخذ من هذا الحديث تفضيل قراءة الضم على قراءة الفتح.

والله تعالى أعلم.

(٨) قول المبرد: من حملة الشيب، الظاهر منه أنه جعل لفظ: الشيبة أحد أفراد الشيب على اعتبار أن لفظ الشيب مصدر فيه عموم وشمول وإحاطة على حد قوله: فهي تحيط بالشيء، وعليه فلفظ: شيبة مفرد كما هو ظاهر من لفظه أريد به الجمع.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ﴾ الضعف الأول كون الإنسان من ماء مهين، وكونه ضعيف في حال الطفولية، والضعف الثاني الأخير الهم، وقرئ بفتح الضاد وضمها وهما لغتان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ آتيتم من رباً ﴾ مقصوراً: ابن كثير ﴿ لتربوا ﴾ بضم التاء وسكون الواو على الجمع: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ لنذيقهم ﴾ بالنون: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ يرسل الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ كسفاً ﴾ بالسكون: يزيد وابن ذكوان ﴿ آثار ﴾ على الجمع: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ ضعف ﴾ وما بعده بفتح الضاد: حمزة وعاصم غير للفضل.

الباقون: بالضم وهو اختيار خلف وحفص ﴿ لا ينفع ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم.

والآخرون: بتاء التأنيث ﴿ لا يستخفنك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ يشركون ﴾ ه لا وقد يوقف على توهم لام الأمر ﴿ آتيناهم ﴾ ط للعدول إلى الخطاب وابتداء أمر التهديد ﴿ فتمتعوا ﴾ قف لاستئناف التهديد ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ بها ﴾ ج ط فصلاً بين النقيضين ﴿ يقنطون ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ج ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ وابن السبيل ﴾ ط ﴿ وجه الله ﴾ ز ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ج ط لعطف جملتي الشرط ﴿ المضعفون ﴾ ه ﴿ يحييكم ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ يصدّعون ﴾ ه ﴿ كفره ﴾ ج لما مر ﴿ يمهدون ﴾ ه لا وقد يوقف على جعل اللام للقسم وحذف نون التأكيد ﴿ من فضله ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ أجرموا ﴾ ط وقيل: يوقف على ﴿ حقاً ﴾ أي وكان الانتقام حقاً.

ثم ابتداً علينا أي واجب علينا ﴿ نصر المؤمنين ﴾ ه ﴿ خلاله ﴾ ط ج للشرط مع الفاء ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ لمبلسين ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ الموتى ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع العدول عن بيان الإحياء إلى بيان القدرة ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ ضلالتهم ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ وشيبة ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ج ط لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقول ﴿ القدير ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ غير ساعة ﴾ ط ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ يوم البعث ﴾ ز لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقول ﴿ لا تعلمون ﴾ 5 ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ط ﴿ مبطلون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ لا يوقنون ﴾ ه.

التفسير: لما بين التوحيد بالدلائل وبالمثل بين أنه أمر وجداني يعرفونه في حال الضر والبلاء وإن كانوا ينكرونه في حال الرحمة والرخاء، وفي لفظي المس والإذاقة دليل على أن الإِنسان قليل الصبر في حالتي الضراء والسراء.

وإنما قال ﴿ إذا فريق منهم ﴾ ولم يقل "إذا هم يشركون" كما قال في آخر "العنكبوت"، لأن الكلام هناك مع أهل الشرك وههنا مع الناس كلهم وليس كل الناس كذلك.

ثم استفهم على سبيل الإِنكار قائلاً ﴿ أم أنزلنا ﴾ كأنه قال: إذا تقررت الحجج المذكورة فماذا يقولون، أيتبعون أهواءهم بغير علم أم لهم دليل على ما يقولون؟

وإسناد التكلم إلى الدليل مجاز كما تقول: نطقت الحال بكذا.

و"ما" في قوله ﴿ بما كانوا ﴾ مصدرية والضمير في ﴿ به ﴾ لله أو موصولة والضمير لها اي بالأمر الذي بسببه يشركون، ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ذا سلطان وهو الملك فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه ﴿ يشركون ﴾ وحين ذكر الشرك الظاهر أتبعه ذكر الخفي وهو أن تكون عبادة الله للدنيا فإذا أتاه بهواه رضي، وإذا منع وعسر سخط وقنط، والرحمة المطر والصحة والأمن وأمثالها، والسيئة أضداد ذلك.

وإنما لم يذكر سبب الرحمة ليعلم أنها بفضله وذكر سبب السيئة وهو شؤم معاصيهم ليدل على عدله.

والفرح بالنعمة مذموم إذا كان مع قطع النظر عن المنعم، فإذا كان مع ملاحظة المنعم فمحمود بل الفرح الكلي يجب أن يكون بالمنعم.

والقنوط من رحمة الله أيضاً مذموم كما مر في قوله ﴿ إنه لا ييأس من روح الله غلا القوم الكافرون  ﴾ ثم اشار بقوله ﴿ أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ﴾ إلى أن الكل من الله فيجب أن يكون نظر المحقق في الحالين على الله.

ففي حالة الرحمة يشتغل بالشكر، وفي حالة الضراء لا ينسب الله إلى عدم القدرة وإلى عدم العناية بحال العبد بل يشتغل بالتوبة والإنابة إلى أوان الفرج والنصر، وهذه مرتبة المؤمن الموحد فلذلك قال ﴿ إن في ذلك لايات لقوم يؤمنون ﴾ ولا يخفى أن بسط الرزق مما يشاهد ويرى فلذلك قال ﴿ أولم يروا ﴾ وقال في "الزمر" ﴿ أولم يعلموا  ﴾ مناسبة لما قبله وهو ﴿ أوتيته على علم  ﴾ وقوله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ قال جار الله: لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت ايديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك قائلاً ﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ الآية.

وأقول: لما بين كيفية التعظيم لأمر الله أشار إلى الشفقة على خلق الله قائلاً ﴿ فآت ﴾ أيها المكلف أو النبي والأمة يتبعونه لا محالة كما مر في قوله ﴿ فأقم وجهك  ﴾ وفيه أن الله إذا بسط الرزق فلا ينقص بالإِنفاق، وإذا ضيق لم يزدد بالإمساك، فينبغي أن لا يتوقف الإنسان في الإحسان.

وفي تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر دلالة على أنهم أولى بالإشفاق عليهم من سائر الأصناف.

وإنما قال ﴿ ذا القربى ﴾ ولم يقل "القريب" ليكون نصاً في معناه ولا يشتبه بالقرب المكاني، وفيه أن القرابة أمر له دوام بخلاف المسكنة وكونه من ابناء السبيل.

وفي قوله ﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ دون أن يقول "فآت هذه الأصناف حقوقهم" تشريف لذوي القرابة حيث جعل الصنفين الآخرين تابعاً لهم على الإطلاق.

فإنه إذا قال الملك: خل فلاناً يدخل وفلاناً أيضاً كان أدخل في التعظيم من أن يقول: خل فلاناً وفلاناً يدخلان ﴿ ذلك ﴾ الإيتاء ﴿ خير ﴾ في نفسه أو خير من المنع ﴿ للذين يريدون وجه الله ﴾ أي ذاته أو جهة قربته فإن من أنفق ألوفاً رياء وسمعة لم ينل درجة من أنفق رغيفاً لوجه الله ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ كقوله في أول "البقرة" لأن قوله ﴿ فأقم وجهك  ﴾ إشارة إلى الإيمان بالغيب وغيره أو إلى إقامة الصلاة، وقوله ﴿ وآت ذا القربى ﴾ أمر بالزكاة بل بالصدقة المطلقة.

وفي قوله ﴿ يريدون وجه الله ﴾ إشارة إلى الاعتراف بالمعاد.

ثم أراد أن يعظم شأن الصدقة فضم إلى ذلك تقبيح أمر الربا استطراداً.

فمن قرأ ممدوداً فظاهر، ومن قرأ مقصوراً فهو من الإتيان أي وما غشيتموه أو أصبتموه من إعطاء ربا ليربو أي ليزيد في أموال أكلة الربا، وفي القراءة الأخرى ليزيد في أموالهم ﴿ فلا يربو ﴾ فلا يزكو ولا ينمو ﴿ عند الله ﴾ لأنه يمحق بركتها نظيره ما مر في آخر البقرة ﴿ يمحق الله الربا ويربى الصدقات  ﴾ قيل: نزلت في ثقيف وكانوا يرابون.

وقيل: نزلت في الهبة أو الإهداء لأجل عوض زائد، فبين الله  أن ذلك لا يوجب الثواب عند الله وإن كان مباحاً.

وفي الحديث "الجانب المستغزر يثاب عن هبته" أي الرجل الغريب إذا أهدى شيئاً فإنه ينبغي أن يزاد في عوضه.

قال جار الله: في قوله ﴿ فأولئك ﴾ التفات حسن كأنه قال ذلك لخواصه ولملائكته وهو أمدح لهم من أن يقول "فأنتم المضعفون" أي ذوو الإضعاف من الحسنات نظيره المقوي والموسر لذوي القوة واليسار، ولارابط محذوف أي هم المضعفون به.

وجوز في الكشاف أن يراد فمؤتوه أولئك هم المضعفون.

قالت العلماء: أراد الإضعاف في الثواب لا في المقدار، فليس من أعطى رغيفاً فإن الله يعطيه عشرة أرغفة، وإنما المراد أن الرغيف الواحد لو اقتضى أن يكون ثوابه قصراً في الجنة فإن الله  يعطيه عشرة قصور تفضلاً.

ثم عاد إلى بيان التوحيد مرة أخرى بتذكير الخلق والرزق والإماتة والإحياء بعدها نظراً إلى الدلائل، ثم طلب منهم الإنصاف بقوله ﴿ هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ﴾ قال جار الله: "من" الأولى والثانية والثالثة كل واحدة منهن مستقلة بتأكيد لتعجيز شركائهم وتجهيل عبدتهم.

قلت: الأولى للتبعيض كأنه أقام فعل البعض مقام فعل الكل توسعة على الخصم، والثالثة لتأكيد الاستفهام، والمتوسطة للابتداء ولكنه يفيد أنه رضي منهم بشيء واحد من تلك الأشياء للتوسعة المذكورة أيضاً.

ثم بين أن الشرك وسائر المعاصي سبب ظهور الفساد في البر والبحر وذلك لقلة المنافع وكثرة المضار ومحق البركات من كل شيء.

وفسره ابن عباس بإجداب البر وانقطاع مادة البحر وتموجه بمائه، وعن الحسن: المراد بالبحر مدن البحر وقراه التي على سواحله، وقال عكرمة: العرب تسمي الأمصار بحاراً ﴿ لنذيقهم ﴾ وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن نعاقبهم بجميعها في الآخرة إرادة أن يرجعوا عماهم عليه، وجوز جار الله أن يراد ظهر الشر والمعاصي في الأرض براً وبحراً بكسب الناس.

وعلى هذا فاللام في قوله ﴿ لنذيقهم ﴾ لام العاقبة.

ثم أمرهم بالنظر في حال أشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم كقوم نوح وعاد وثمود ﴿ كان أكثرهم مشركين ﴾ فيه إشارة إلى أن بعضهم كانوا مرتكبي ما دون الشرك من المعاصي ولكنهم شاركوا المشركين في الهلاك تغليظاً عليهم.

أو هو كقوله ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة  ﴾ أو المراد أن أهل الشرك كانوا أكثر من أهل سائر الأديان الباطلة كالمعطلة والمجسمة ونحوهم.

خاطب نبيه وبتبعيته أمته بقوله ﴿ فأقم ﴾ كأنه قال: وإذ قد ظهر فساد سائر الملل والنحل ﴿ فاقم وجهك للدين ﴾ البليغ الاستقامة ﴿ من قبل أن يأتي ﴾ من الله ﴿ يوم ﴾ لا يرده راد.

ويجوز أن يتعلق قوله ﴿ من الله ﴾ بقوله ﴿ لا مردّ ﴾ أي لا راد له من جهة الله فلا يقدر غيره على رده فلا دافع له أصلاً ﴿ يومئذ يصدّعون ﴾ أي يتصدعون والتصدع التفرق.

ثم بين وجه تفرق الناس بقوله ﴿ من كفر فعليه كفره ﴾ اي وبال كفره عليه لا على غيره ﴿ ومن عمل صالحاً ﴾ أي آمن وعمل صالحاً لأن العمل الصالح لا يتصور إلا بعد الإِيمان، على أن الإِيمان، أيضاً عمل صالح قلبي ولساني وسيصرح به في قوله ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ ومعنى ﴿ يمهدون ﴾ يوطؤن كما يسوّي الراقد مضجعه وجوز جار الله أن يراد فعلى أنفسهم يشفقون من قولهم: في المشفق أم فرشت فأنامت.

وذلك ان الإشفاق يلزمه التمهيد عرفاً وعادة.

ثم بين غاية التمهيد بقوله ﴿ ليجزي ﴾ وقوله ﴿ من فضله ﴾ عند أهل السنة ظاهر: وحمله المعتزلة على شبه الكناية لأن الفضل تبع للثواب فلا يكون إلا بعد حصول ما هو تبع له، أو الفضل بمعنى العطاء والثواب.

وفي قوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ وعيد عظيم لهم لأنه إذا لم يحبهم أرحم الراحمين فلا يتصور لهم خلاص من عذابه ولا مناص ولا رحمة من جهته ولا نعمة، وفيه تعريض بأنه يحب المؤمنين ولا وعد أعظم من هذا ولا شرف فوق ذلك.

قال جار الله: تكرير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح.

وقوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس.

قلت: يشبه أن يكون مراده أنه ذكر الكافر أولاً ثم المؤمن، وفي الآية الثانية قرر أولاً أمر المؤمن ثم أردفه بتقرير أمر الكافر.

أو أراد أن قوله ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ دل بصريحه على ثواب المؤمن وبتعريضه على حرمان الكافر، وقوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ دل بصريحه على حرمان الكافر وبتعريضه على ثواب المؤمن.

فالأول طرد والثاني عكس وكل منهما مقرر للآخر.

وحين ذكر ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح وبين أنه من دلائل الوحدانية بقوله ﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح ﴾ ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح لما مر من أن الكريم لا يذكر، لإحسانه سبباً ويذكر لأضراره سبباً.

ومن قرأ على التوحيد فللدلالة على الجنس، ومن قرأ على الجمع فإما لأنه أراد الجنوب والشمال والصبا وهي رياح الرحمة دون الدبور التي هي للعذاب، وإما لأن أكثر الرياح نافعة والضارة كالسموم قليلة جداً لا تهب إلا حيناً، وإما لأن الرياح إذا اجتمعت وتزاحمت وتراكمت حتى صارت ريحاً واحداً أضرت بالأشجار والأبنية وقلعتها وإذا تفرقت وصارت رياحاً اعتدلت ونفعت.

قوله ﴿ مبشرات ﴾ أي بالمطر كقوله ﴿ بشراً بين يدي رحمته  ﴾ وقيل: أي بتصحيح الأهوية وإصلاح الأبدان.

وقوله ﴿ وليذيقكم ﴾ إما معطوف على ما قبله معنى كأنه قيل: ليبشركم وليذيقكم بعض رحمته لأن راحات الدنيا زائلة لا محالة، وإما معطوف على محذوف أي وليكون كذا وكذا أرسلناها.

وفي قوله ﴿ بأمره ﴾ إشارة إلى أن مجرد هبوب الريح لا يكفي في جريان الفلك ولكنها تجري بإذن الله وجعله الريح على اعتدال وقوام.

وفي قوله ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ دلالة على أن ركوب البحر لأجل التجارة جائز.

وفي قوله ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ إشارة إلى أن نعم الله  يجب أن تقابل بالشكر.

وإنما بنى الكلام في هذه الآية على الخطاب بخلاف قوله ﴿ ليذيقهم بعض الذي عملوا يرجعون ﴾ تشريفاً لأهل الرحمة، ورحمة الله قريب من المحسنين فكان من حقهم أن يخاطبوا ثم أشار إلى أصل النبوة مع تسلية النبي  بقوله ﴿ ولقد ارسلنا ﴾ واختصر الكلام فدل بذكر عاقبة الفريقين المجرم والمؤمن عليهما، فعاقبة المجرمين الذين لم يصدِّقوا رسلهم الإنتقام منهم، وعاقبة الذين صدَّقوهم النصر والظفر على الأعداء.

وفي قوله ﴿ حقاً علينا ﴾ تعظيم لأهل الإيمان ورفع في شأنهم وإلا فلا يجب لأحد على الله شيء.

ثم أراد أن يشير إلى الأصل الثالث وهو المعاد فمهد لذلك مقدمة منتزعة مما تقدم ذكره وهو بيان إرسال الرياح لأجل إحداث السحاب الماطر المبسوطة بعضها على الاتصال والمتفرق بعضها كسفاً اي قطعاً.

وقوله ﴿ فترى الودق ﴾ أي المطر يخرج من خلاله قد مر في النور.

ثم ذكر في ضمن ذلك عجز الإنسان وقلة ثباته وتوكله وقوله ﴿ من قبله ﴾ مكرر للتأكيد ومعناه الدلالة على أن عهدهم بالمطر تطاول فاستحكم بأسهم وتحقق إبلاسهم.

وقيل: اراد أنهم من قبل نزول المطر، أو من قبل ما ذكرنا من إرسال الريح وبسط السحاب كانوا مبلسين، وذلك أن عند رؤية السحب وهبوب الرياح قد يرجى المطر فلا يتحقق الإبلاس.

ثم صرح بالمقصود قائلاً ﴿ إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء ﴾ من الإبداء والإعادة ﴿ قدير ﴾ .

ثم أكد تزلزل الإنسان وتذبذبه وأنه بأدنى سبب يكفر بنعمة الله فقال ﴿ ولئن أرسلنا ريحاً ﴾ ضارة باردة أو حارة ﴿ فرأوه ﴾ اي رأوا أثر الرحمة وهو النبات.

ومن قرأ آثار فالضمير عائد إلى المعنى لأن آثار الرحمة النبات أيضاً واسم النبات يقع على القليل والكثير، وإنما قال ﴿ مصفراً ﴾ ولم يقل "أصفر" لأن تلك الصفرة حادثة.

وقيل: فرأوا السحاب مصفراً لأنه إذا كان كذلك لم يمطر.

ثم زاد في تسلية رسوله بقوله ﴿ فإنك لا تسمع الموتى ﴾ إلى قوله ﴿ فهم مسلمون ﴾ وقد مر في آخر النمل.

ثم أعاد من دلائل التوحيد دليلاً آخر من الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر أحواله وأطواره وتقلبه من ضعف الطفولية إلى قوة الشباب والكهولة ومنها إلى ضعف الهرم.

وفي قوله ﴿ خلقكم من ضعف ﴾ إشارة إلى أن أساس أمر الإنسان الضعف كقوله ﴿ خلق الإنسان من عجل  ﴾ وقيل: من ضعف اي من نطفة.

وهذا الترديد في الأطوار المختلفة أظهر دليل على وجود الصانع العليم القدير.

وقوله ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ كقوله في دليل الآفاق ﴿ فيبسطه في السماء كيف يشاء  ﴾ والكل إشارة إلى بطلان القول بالطبيعة المستقلة.

ثم عاد إلى ذكر المعاد وأحوال القيامة، وذكر أن الكفار يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا أو في القبور أو فيما بين فناء الدنيا إلى البعث، وأن أهل العلم والإيمان وهم الملائكة والأنبياء وغيرهم حالهم بالعكس.

وذلك أن الموعود بوعد إذا ضرب له أجل يستكثر الأجل ويريد تعجيله، والموعود بوعيد إذا ضرب له أجل يستقل المدة ويريد تأخيرها.

ومعنى ﴿ يؤفكون ﴾ يصرفون عن الصدق والتحقيق أي هكذا كان أمرهم في الدنيا مبيناً على الظن الكاذب وكانوا يصرون بمثله.

ويحتمل أن يكونوا ناسين أو كاذبين.

ومعنى في كتاب الله في اللوح والمحفوظ أو في علمه وقضائه، أو فيما كتب وأوجب.

وفيه رد قول الكفار وإلاع لهم على مصدوقية الحال.

قال جار الله: في الحديث "ما بين فناء الدنيا إلى وقت البعث أربعون" قالوا: لا نعلم أهي أربعون سنة أو أربعون الف سنة.

وذلك وقت يفنون فيه وينقطع عذابهم.

والفاء في قوله ﴿ فهذا يوم البعث ﴾ جواب شرط يدل عليه الكلام كأنه قيل: إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث وبه تبين بطلان قولكم ﴿ ولكنكم كنتم لا تعلمون ﴾ أنه حق.

ثم بين أن ذلك اليوم لا يقبل فيه عذر من أهل الشرك وسائر أنواع الظلم ﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ أي لا يطلب منهم الرضا فلا يقال لهم ارضوا ربكم بتوبة وطاعة، وقد مر في "النحل".

ثم بين أن القرآن مشحون بقصص وأخبار كلها كالمثل في غرابتها وحسن مواقعها، وأن الرسول مهما جاءهم بدليل أنكروه لأن الذي اجترأ على العناد في دليل واحد، والأغلب أن يتجرأ على أمثاله وهذا نتيجة الطبع والخذلان، فلا علاج في مثل هذه القضية إلا بالصبر وتحمل أعباء الرسالة إلى إنجاز وعد الله بالنصرة وإعلاء الدين.

ومعنى ﴿ لا يستخفنك ﴾ لا يحملنك على الخفة والقلق قوم شاكون فأمثال هذه الأفعال والأقوال لا تستبعد من أهل الريب والضلال أمر أن لا يضجر ويشتغل بالدعاء إلى الحق حتى يأتي أوان النصر والظفر والله المستعان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ ﴾ .

إن في الرياح آيات في نفسها، وفيها بشارات.

أما الآيات: فهي آيات سلطانه وتدبيره من وجوه: أنه أنشأ هذه الرياح في الهواء وفي الأرض وفي الجبال وفي السماء، تصيب الخلائق وتميتهم وتؤذيهم وتصرعهم وتضرهم، من غير أن يروها أو يقع عليها البصر، ومن غير أن يدركوها أو يدركوا كيفيتها، أو ما يتهيأ؛ ليعلم أن من الأجسام ما هي غير مدركة ولا أخذ البصر عليها.

وترى منها طيبة لينة، وخبيثة وشديدة كاسرة عاصفة، يعذب بها قوم، وينصر بها قوم؛ على ما ذكر في الخبر عن رسول الله  أنه قال: "نُصِرتُ بالصَّبا، وأُهِلكَ عادٌ بالدَّبور" ومن بشارتها: ما تلقح الأشجار والنخيل، وتشق الأرض وينبت النبات منها، وتجمع السحاب وتأتي بالمطر، وتجري بهم السفن والفلك في البحار في الماء الراكد والفلك لولا الريح، فذلك كله من البشارة وأنواع المنافع التي جعل فيها، يعلم كلٌ بالأعلام والآثار أنها نافعة أو ضارة مهلكة؛ ثم سماها: مبشرات؛ ليعلم أن البشارة قد تكون بدون النطق والكلام: من نحو الكتاب والإشارة أو الرسالة؛ إذ ليس للريح نطق ولا كلام، ثم سماها: مبشرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ ﴾ .

هذا يدل أن هذه البشارة والمنافع التي جعل لهم كان من رحمته وفضلا، لا استيجابا ولا استحقاقا، وسمى ذلك كله: رحمة؛ لأنه برحمته يكون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ ﴾ .

قوله: ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ يحتمل بتدبيره، أي: بتدبيره تجري السفن في البحار، على ما ذكرنا.

أو أن يريد بأمره: تكوينه، كقوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

هذا يدل على أن ما يصل إليهم من المنافع إنما يصل من فضله ورحمته، لا يصل إليهم بتلك الأسباب والمكاسب؛ لئلا يروا ذلك من تلك الأسباب، ولكن يرون ذلك من فضل الله ورحمته.

وقوله: ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .

أي: لكي يلزمهم الشكر لله على ذلك كله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ ﴾ .

في هذه الآية يصبر رسول الله على أذى الكفرة؛ حيث قال: ﴿ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .

وفيه أيضاً بشارة للمؤمنين، ونذارة لأولئك الكفرة.

أما النذارة لهم فقوله: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ ﴾ ، أخبر أن أولئك لما كذبوا الرسل، وعاملوهم بما تعاملون أنتم يأهل مكة رسول الله؛ فانتقمنا منهم جزاء معاملتهم؛ فعلى ذلك ينتقم منكم كما انتقم من أولئك.

وأما البشارة للمؤمنين فقوله: ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ ﴾ ، أخبر أن عاقبة الأمور تكون للمؤمنين.

وفيه أن الرسل الذين كانوا من قبل كانوا من البشر؛ فكيف تنكرون رسالة محمد إذ كان من البشر.

وفيه: [أنه] قد أتى قومه بالبينات كما أتى أولئك الرسل قومهم بالبينات.

وقوله: ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ ﴾ .

هو يخرج على وجهين: أحدهما: أي: كان حقّاً علينا جعل العاقبة للمؤمنين، لا أن يكون عليه حقّاً نصر المؤمنين في الدنيا؛ ولكن جعل العاقبة للمؤمنين حقّاً؛ كقوله: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

والثاني: كان حقّاً علينا نصر المؤمنين بالحجج التي أعطاهم، أي: كان حقا إعطاء الحجج لهم والنصر والمعونة بالحجج، أي: إعطاء الحجج لهم.

وقال بعضهم: نصره إياهم: أنه أنجاهم مع الرسل، وأهلك أولئك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً ﴾ .

كأنه يخبر عن قدرته وسلطانه؛ حيث أنشأ الرياح بحيث يجمع السحاب ويفرقه، ويبسطه ويجعله قطعاً: يمطر في مكان، ولا يمطر في مكان، يقول - والله أعلم -: إن من قدر أن يسلط الرياح في جمع السحاب، وتفريقه - يملك تسليط الرياح على تعذيبكم، ويقول: إن المعبود المستحق للعبادة هو الذي يرسل الرياح لما ذكر والأمطار، لا الأصنام التي تعبدون؛ إذ تعلمون أنها لا تملك شيئاً مما ذكر.

أو يذكر نعمه التي عليهم؛ ليتأدى بها شكرها، أو يطمعهم إيمان بعض منهم بعدما كانوا آيسين عن إيمانهم، كما أطمعهم المطر والسعة بعد ما قحطوا وكانوا آيسين عنه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ﴾ .

قال أبو عوسجة: ﴿ فَتُثِيرُ سَحَاباً ﴾ ، أي: ترفعه.

وقال أبو عبيدة: تجمعه؛ كما يستثير الرجل العلم فيجمعه.

وقوله: ﴿ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً ﴾ .

قال بعضهم: قطعاً قطعاً.

وقال بعضهم: يضم بعضه إلى بعض، ويحمل بعضه على بعض.

وقوله: ﴿ فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ ﴾ .

أي: المطر يخرج من خلال السحاب، أي: من بين السحاب، ويقرأ ﴿ خَللهِ ﴾ ، ومعناه: نقبه.

وقوله: ﴿ لَمُبْلِسِينَ ﴾ آيسين، والإبلاس: الإياس؛ ولذلك سمى إبليس: إبليس لأنه أُويِسَ من رحمة الله.

وقوله: ﴿ فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل أن يكون قوله: ﴿ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: المطر، أراد بالرحمة: المطر، سمى المطر: رحمة؛ لأنه يكون برحمته.

أو أن يكون الآثار هو المطر نفسه، جعله من آثار رحمته وأعلامه.

ثم الأمر بالنظر والاعتبار بآثار رحمته يحتمل وجوهاً: أحدها: أمرهم بالنظر إلى ذلك؛ ليعلموا أنه رحيم؛ كي يرغبوا فيما رغبهم ويرجوا فيما أطمعهم ودعاهم إليه؛ إذ قد ظهر آثار رحمته؛ فكل رحيم يرغب فيما رغب وأطمع.

أو أن يكون الأمر بالنظر إلى آثار رحمته؛ إذ ذلك راجع إلى منافع أبدانهم وأنفسهم وما به قوامهم؛ ليتأدى بذلك شكره، وفي ذلك يقع الحاجة إلى من يعرفهم تلك النعم ويعرف شكرها؛ فيكون في ذلك الترغيب في قبول الرسالة وإثباتها.

أو أن يكون سمى المطر: رحمة؛ لما يرجع ذلك إلى منافع أبدانهم وما به قوام أنفسهم؛ ليعرفوا الرحمة هي راجعة إلى منافع دينهم وآخرتهم، وهو رسول الله؛ إذ سماه في غير موضع: رحمة بقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ .

أو أن يأمر بالنظر إلى ذلك المطر، وأنه كيف يحيي هذه الأرضين الموات، وينبت فيها من ألوان النبات؟!

وهذه الأشجار اليابسة كيف تخضر بعد يبوستها بهذه الأمطار؟!

ليعرفوا أن من ملك هذا، وقدر على ذلك، وهو خارج عن وسعهم وتقديرهم لقادر على إحياء الموتى وبعثهم بعد الممات، وإن كان خارجاً عن تقديرهم ووسعهم، وهو على كل شيء قدير لا يعجزه شيء.

قوله: ﴿ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً ﴾ .

يعني به: الزرع والنبات الذي أخرج من الأرض بالمطر.

قال بعضهم: رأوه يابساً إذا أصابته الريح الباردة.

﴿ لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ﴾ .

أي: لأقاموا على كفرهم إذا أصابهم ما ذكر، وهو كقوله: ﴿ وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ  ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ﴾ أي: يقنطون من رحمته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ ﴾ .

جائز أن يكون ﴿ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ ، يريد بالموتى: أنفسهم، ﴿ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ ﴾ الصم: أنفسهم أيضاً، يقول: لا تسمع الكفار والضلال إذا ولوا مدبرين.

أو أن يكون قوله: ﴿ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ كناية عن الكفار، وكذلك الصم والعمي، وقد سمى الله الكفار: موتى وصما وعميا في غير موضع من القرآن.

ثم في قوله: ﴿ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ ﴾ حكمة، وهو ألا يقدر أن يسمع الأصم الدعاء إذا ولى مدبرا، ولكن يقدر أن يفهم الأصم إذا أقبل، وأما إذا أدبر فلا يقدر أن يسمعه، وكذلك الحكمة في قوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ ﴾ .

أي: لا تقدر أن تهدي العمي عن ضلالتهم، وهو الذي يعمى عن ضلالته ويظن أنه على الهدى وغيره على الضلال، فأما من كان مقرّاً بالضلال فإنك تقدر أن تهديه، يخبر عن شدة سفههم وتعنتهم وعماهم في ضلالتهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ﴾ .

أي: ما تسمع إلا من يؤمن بآياتنا، هذا يدل على أن قوله: ﴿ فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ ﴾ هي المواعظ لا نفس الهدى؛ حيث قال: ﴿ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ .

ثم يحتمل قوله: ﴿ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ﴾ كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ  ﴾ ، أي: إنما ينتفع بإنذارك من اتبع الهدى.

أو أن الذي يقبل النذارة من اتبع الهدى، فأما من لم يتبع الهدى فلا ينتفع؛ فعلى ذلك يحتمل قوله: ﴿ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ﴾ ، أي: ما ينتفع أو لا يسمع المواعظ إلا من يؤمن بذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ﴾ ، أي: من النطفة، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ  ﴾ ، أي: ضعيف.

ثم قوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ﴾ ، أي: إنساناً يقوى على أمور وعلى أشياء.

﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ﴾ أي: شيخاً فانياً؛ كقوله -  -: ﴿ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً  ﴾ .

وجائز أن يكون قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ﴾ ، أي: أطفالا على الخلقة التي أنتم عليها اليوم، ضعفاء لا تقوون على أشياء وأمور، ولا يقوى شيء منكم على شيء، ثم جعلكم من بعد ذلك الضعف أقوياء تقوون على أشياء وأمور، ثم يجعلكم من بعد تلك القوة والقدرة ضعفاء شيوخاً لا تقدرون على شيء، على ما يكون؛ يحتمل هذين الوجهين.

ثم فيه وجهان من الدلالة: أحدهما: على البعث؛ والثاني: على القدرة على إنشاء الخلق والأشياء لا من أصول.

أما الدلالة على البعث؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث وإنشاء الشيء لا من أصل؛ لخروج ذلك عن قواهم وتقديرهم؛ فيخبر أن النطفة تصير علقة، وليس فيها من العلقة ولا من آثارها شيء، وكذلك العلقة تصير مضغة، وليس فيها من آثار المضغة شيء؛ وكذلك المضغة تصير إنسانا فيه عظم وجلد وشعر ولحم، وليس شيء من ذلك فيها؛ فمن قدر على ما ذكر لقادر على خلق الشيء لا من أصل، وقادر على البعث؛ إذ كل ما ذكر أقروا به، وهو خارج عن قواهم وعن تقديرهم؛ فلزمهم الإقرار بالبعث والإنشاء لا عن أصل وألا يقدروا قدرتهم وقواهم بقدرة الله وقوته، على ما شاهدوا أشياء خارجة عن قواهم وعن تقديرهم، بقوته وقدرته.

والثاني: أن ما ذكر من تحويل النطفة إلى العلقة، والعلقة إلى المضغة، والمضغة إلى الصورة والإنسان - لم يخلقهم ولم ينقلهم؛ ليكون كما ذكر بلا عاقبة تكون لهم ولا بعث؛ فلو لم يكن بعث لكان ما ذكر من تحويل حال إلى حال عبثاً باطلا، على ما ذكر، وكذلك فيما أحدث في الأطفال من القوة والقدرة، بعد ما كانوا ضعفاء لا يقوون ولا يقدرون على شيء أنه إنما أحدث ذلك فيهم؛ ليمتحنوا، ويجعل لهم [ما] يثابون ويعاقبون، إذ لو لم يكن بعث ولا عاقبة لكان فعل ذلك عبثاً باطلا.

وفيه القدرة على إنشاء الشيء وإحداثه لا من شيء؛ إذ كان التركيب موجودا على التمام ولا قوة بهم، ثم حدث القوة ولا أصل لها ولا أثر من آثارها؛ دل أن تقدير قوى الخلق وقدرتهم، بقوى الله وقدرته محال، والله الموفق.

وقوله: ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ ﴾ .

بأحوالهم، والقدير على إنشاء الأشياء لا من أشياء، وعلى البعث بعد الموت، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الله هو الذي خلقكم -أيها الناس- من ماء مَهِين، ثم جعل من بعد ضعف طفولتكم قوة الرجولة، ثم جعل من بعد قوة الرجولة ضعف الشيخوخة والهرم، يخلق الله ما يشاء من ضعف وقوة، وهو العليم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء، القدير الذي لا يعجزه شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.a7DXN"

مزيد من التفاسير لسورة الروم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله