الإسلام > القرآن > سور > سورة 32 السجدة > الآية ٢٨ من سورة السجدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 55 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٨ من سورة السجدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن استعجال الكفار وقوع بأس الله بهم ، وحلول غضبه ونقمته عليهم ، استبعادا وتكذيبا وعنادا : ( ويقولون متى هذا الفتح ) ؟
أي : متى تنصر علينا يا محمد ؟
كما تزعم أن لك وقتا تدال علينا ، وينتقم لك منا ، فمتى يكون هذا ؟
ما نراك أنت وأصحابك إلا مختفين خائفين ذليلين!
القول في تأويل قوله تعالى : وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) يقول تعالى ذكره: ( وَيَقُولُونَ ) هؤلاء المشركون بالله يا محمد، لك: ( مَتَى هَذَا الْفَتْحُ ) واختلف في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: متى يجيء هذا الحكم بيننا وبينكم، ومتى يكون هذا الثواب والعقاب.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة في قوله: ( وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) قال: قال أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم: إن لنا يوما أوشك أن نستريح فيه وننعم فيه.
فقال المشركون: (مَتى هذا الفَتْحُ إن كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
وقال آخرون: بل عنى بذلك فتح مكة.
والصواب من القول في ذلك قول من قال: معناه: ويقولون: متى يجيء هذا الحكم بيننا وبينكم، يعنون العذاب.
قوله تعالى : ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين متى في موضع رفع ، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الظرف .
قال قتادة : الفتح القضاء .
وقال الفراء والقتبي : يعني فتح مكة .
وأولى من هذا ما قاله مجاهد ، قال : يعني يوم القيامة .
ويروى أن المؤمنين قالوا : سيحكم الله عز وجل بيننا يوم القيامة فيثيب المحسن ويعاقب المسيء .
فقال الكفار على التهزئ .
متى يوم الفتح ؟
أي هذا الحكم .
ويقال للحاكم : فاتح وفتاح ; لأن الأشياء تنفتح على يديه وتنفصل .
وفي القرآن : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وقد مضى هذا في ( البقرة ) وغيرها .
أي: يستعجل المجرمون بالعذاب، الذي وعدوا به على التكذيب، جهلاً منهم ومعاندة.{ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ } الذي يفتح بيننا وبينكم، بتعذيبنا على زعمكم { إِنْ كُنْتُمْ } أيها الرسل { صَادِقِينَ } في دعواكم.
( ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين ) قيل : أراد بيوم الفتح يوم القيامة الذي فيه الحكم بين العباد ، قال قتادة : قال أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - للكفار : إن لنا يوما نتنعم فيه ونستريح ويحكم بيننا وبينكم ، فقالوا استهزاء : متى هذا الفتح ؟
أي : القضاء والحكم ، وقال الكلبي : يعني فتح مكة .
وقال السدي : يوم بدر لأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون لهم : إن الله ناصرنا ومظهرنا عليكم ، فيقولون متى هذا الفتح .
«ويقولون» للمؤمنين «متى هذا الفتح» بيننا وبينكم «إن كنتم صادقين».
يستعجل هؤلاء المشركون بالله العذاب، فيقولون: متى هذا الحكم الذي يقضي بيننا وبينكم بتعذيبنا على زعمكم إن كنتم صادقين في دعواكم؟
ثم حكى - سبحانه - ما كان عليه المشركون ، من غرور واستخفاف بالوعيد فقال : ( وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) .والمراد بالفتح : الحكم والقضاء والفصل فى الخصومة بين المتخاصمين ، ومنه قوله - تعالى - حكاية عن شعيب - عليه السلام - : ( رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين ) أى : " احكم بيننا وبين قومنا بالحق ، وأنت خير الحاكمين " .أى : ويقول المشركون للنبى صلى الله عليه وسلم ولأصحابه على سبيل الاستهزاء ، واستعجال العقاب : متى هذا الذى تحدثوننا عنه من أن الله - تعالى - سيفصل بيننا وبينكم ، ويجعل لكم النصر ولنا الهزيمة؟لقد طال انتظارنا لهذا اليوم الذى يتم فيه الحكم بيننا وبينكم ، فإن كنتم صادقين فى قولكم ، فادعوا ربكم أن يعجل بهذا اليوم .
قوله تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الماء إِلَى الأرض الجرز ﴾ لما بين الإهلاك وهو الإماتة بين الإحياء ليكون إشارة إلى أن الضر والنفع بيد الله، والجرز الأرض اليابسة التي لا نبات فيها والجرز هو القطع وكأنها المقطوع عنها الماء والنبات.
ثم قال تعالى: ﴿ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أنعامهم وَأَنفُسُهُمْ ﴾ قدم الأنعام على الأنفس في الأكل لوجوه: أحدها: أن الزرع أول ما ينبت يصلح للدواب ولا يصلح للإنسان والثاني: وهو أن الزرع غذاء الدواب وهو لابد منه.
وأما غذاء الإنسان فقد يحصل من الحيوان، فكأن الحيوان يأكل الزرع، ثم الإنسان يأكل من الحيوان الثالث: إشارة إلى أن الأكل من ذوات الدواب والإنسان يأكل بحيوانيته أو بما فيه من القوة العقلية فكماله بالعبادة.
ثم قال تعالى: ﴿ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ ﴾ لأن الأمر يرى بخلاف حال الماضين، فإنها كانت مسموعة، ثم لما بين الرسالة والتوحيد بين الحشر بقوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ إلى آخر السورة، فصار ترتيب آخر السورة كترتيب أولها حيث ذكر الرسالة في أولها بقوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً ﴾ وفي آخرها بقوله: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب ﴾ وذكر التوحيد بقوله: ﴿ الذى خَلَقَ السموات والأرض ﴾ وقوله: ﴿ الذى أَحْسَنَ كُلَّ شَيء خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ ﴾ وفي آخر السورة ذكره بقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ﴾ وذكر الحشر في أولها بقوله: ﴿ وَقَالُواْ أَءذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض ﴾ وفي آخرها بقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
الفتح: النصر، أو الفصل بالحكومة، من قوله: ﴿ رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا ﴾ [الأعراف: 89] وكان المسلمون يقولون إنّ الله سيفتح لنا على المشركين.
ويفتح بيننا وبينهم، فإذا سمع المشركون قالوا: ﴿ متى هذا الفتح ﴾ أي في أيّ وقت يكون ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ في أنه كائن.
و ﴿ يَوْمَ الفتح ﴾ يوم القيامة وهو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم، ويوم نصرهم عليهم، وقيل: هو يوم بدر.
وعن مجاهد والحسن رضي الله عنهما: يوم فتح مكة.
فإن قلت: قد سألوا عن وقت الفتح، فكيف ينطبق هذا الكلام جواباً على سؤالهم.
قلت: كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح، استعجالاً منهم عن وجه التكذيب والاستهزاء، فأجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم في سؤالهم فقيل لهم: لا تستعجلوا به ولا تستهزؤا، فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم، وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان، واستنظرتم في إدراك العذاب فلم تنظروا.
فإن قلت: فمن فسره بيوم الفتح أو يوم بدر كيف يستقيم على تفسيره أن لا ينفعهم الإيمان، وقد نفع الطلقاء يوم فتح مكة وناساً يوم بدر.
قلت: المراد أنّ المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند إدراك الغرق ﴿ وانتظر ﴾ النصرة عليهم وهلاكهم ﴿ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ ﴾ الغلبة عليكم وهلاككم، كقوله تعالى: ﴿ فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ ﴾ [التوبة: 52] وقرأ ابن السميفع رحمه الله: منتظرون، بفتح الظاء.
ومعناه: وانتظر هلاكهم فإنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم، يعني أنهم هالكون لا محالة.
أو وانتظر ذلك؛ فإن الملائكة في السماء ينتظرونه.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قرأ ﴿ آلم تنزيل ﴾ ﴿ وتبارك الَّذِي بيدهِ الملك ﴾ ، أُعطي من الأجرِ كأنما أحيا ليلةَ القدرِ» ، وقالَ: «منْ قرأَ آلام تنزيل في بيته لمّ يدخلِ الشيطانَ بيته ثلاثةَ أيامٍ» .
﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ ﴾ النَّصْرُ أوِ الفَصْلُ بِالحُكُومَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿ رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا ﴾ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في الوَعْدِ بِهِ.
﴿ قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَوْمُ نَصْرِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ والفَصْلِ بَيْنَهم.
وقِيلَ يَوْمُ بَدْرٍ أوْ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، والمُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا المَقْتُولُونَ مِنهم فِيهِ فَإنَّهم لا يَنْفَعُهم إيمانُهم حالَ القَتْلِ ولا يُمْهَلُونَ وانْطِباقُهُ جَوابًا عَلى سُؤالِهِمْ مِن حَيْثُ المَعْنى بِاعْتِبارِ ما عُرِفَ مِن غَرَضِهِمْ، فَإنَّهم لَمّا أرادُوا بِهِ الِاسْتِعْجالَ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً أُجِيبُوا بِما يَمْنَعُ الِاسْتِعْجالَ.
<div class="verse-tafsir"
{ويقولون متى هذا الفتح} النصر أو الفصل بالحكومة من قوله ربنا افتح بيننا وكان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين أو يفتح بيننا وبينهم فإذا سمع المشركون ذلك قالوا متى هذا الفتح أى فى أى رقت يكون {إنّ كنتم صادقين} في أنه كائن
﴿ ويَقُولُونَ ﴾ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿ مَتى هَذا الفَتْحُ ﴾ أيِ الفَصْلُ لِلْخُصُومَةِ بَيْنَكم وبَيْنَنا، وكَأنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ وقِيلَ: أيِ النَّصْرُ عَلَيْنا، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: إنَّ لَنا يَوْمًا يُوشِكُ أنْ نَسْتَرِيحَ فِيهِ، ونَنْتَقِمَ فِيهِ فَقالَ المُشْرِكُونَ: مَتى هَذا الفَتْحُ إلَخْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أيْ في أنَّ اللَّهَ تَعالى هو يَفْصِلُ بَيْنَ المُحِقِّينَ والمُبْطِلِينَ، وقِيلَ: في أنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُكم عَلَيْنا.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يعني: يقضي بينهم يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الدين.
ثم خوف كفار مكة فقال عز وجل: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ يعني: أو لم يبيِّن لهم الله تعالى.
وقرئ في الشاذ أولم نهد لَهُمْ بالنون.
وقرأ العامة بالياء.
كَمْ أَهْلَكْنا يعني: أو لم نبين لهم الهلاك مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يعني: قوم لوط وصالح وهود يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ يعني: يمرون في منازلهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني: في إهلاكهم لآيات لعبرات أَفَلا يَسْمَعُونَ أي: أفلا يسمعون المواعظ فيعتبرون بها.
ثم قال عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ يعني: اليابسة الملساء التي ليس فيها نبات.
يقال: أرض جرز أي: أرض جدب لا نبات فيها.
يقال: جرزت الجراد إذا أكلت، وتركت الأرض جرزاً فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً يعني: نخرج بالماء النبات تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ أي: من الكلأ والعشب والتبن وَأَنْفُسُهُمْ من الحبوب والثمار أَفَلا يُبْصِرُونَ هذه العجائب فيوحّدوا ربهم.
قوله عز وجل: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ قال مقاتل: أي متى هذا القضاء وهو البعث؟
وقال قتادة: الْفَتْحُ القضاء.
وقال مجاهد: الْفَتْحُ يوم القيامة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تكذيباً منهم يعنون به النبيّ .
ثم قال عز وجل: قُلْ يا محمد يَوْمَ الْفَتْحِ يعني: يوم القيامة لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ قال في رواية الكلبي: إن أصحاب النبي كانوا يتذاكرون فيما بينهم وهم بمكة قبل فتح مكة لهم.
وكان ناس من بني خزيمة كانوا إذا سمعوا ذلك منهم، يستهزئون بهم ويقولون لهم: متى فتحكم هذا الذي كنتم تزعمون؟
ويقولون: فنزل يعني: بني خزيمة.
مَتى هذَا الْفَتْحُ يا أصحاب محمد إن كنتم صادقين.
قُلْ يا محمد يَوْمَ الْفَتْحِ أي: فتح مكة لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ من القتل وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ حتى يقتلوا.
وذلك أن النبيّ لما فتح مكة، بعث خالد بن الوليد إلى بني خزيمة، وقد كانت بينه وبينهم إحنة في الجاهلية.
يعني: الحقد.
فقالوا: قد أسلمنا.
فقال لهم: انزلوا.
فنزلوا فوضع فيهم السلاح فقتل منهم، وأسر.
فبلغ ذلك النبيّ فقال: «اللَّهُمَّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالَدُ بْنُ الوَلِيدِ» ؟
فبعث إليهم علي بن أبي طالب- رضي الله- عنه بالدية من غنائم خيبر، فذلك قوله تعالى: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ من القتل وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يعني: يؤجلون.
ثم قال عز وجل: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ يا محمد وَانْتَظِرْ لهم فتح مكة ويقال: العذاب.
إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ بهلاكك.
وروى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله أن النبيّ كان لا ينام حتى يقرأ الم تنزيل، وتبارك الذي بيده الملك.
وروى أبَيّ بن كعب عن النبيّ أنه قال: «من قرأ الم السَّجْدَة، وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ فَكَأَنَّمَا أَحْيَى ليلة القدر» .
٧٠ ب ص: وقيل: يعود على الكتابِ/ على تقدير مُضْمَرٍ، أي: من لقاء مثله، أي:
أتيناك مثلَ مَا آتينا موسى، والتأويل الأول هو الظاهر، انتهى.
والمِرْيَةُ: الشَّكُّ، والضميرُ فِي جَعَلْناهُ: يحتمل أن يعود على الكتاب أو على موسى قاله قتادة.
وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ...
الآية، حُكْم يَعُمّ جميعَ الخلق، وذهب بعضهم إلى تخصيص الضمير وذلك ضعيف.
وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ معناه يُبَيِّنْ قاله ابن عباس، والفاعل ب يَهْدِ هو الله في قول فرقة، والرسولُ في قول فرقة، وقرأ أبو عبد الرحمن «١» : «نهد» - بالنون- وهي قراءة الحَسَنْ وقتادة، فالفاعلُ اللهُ تعالى، والضميرُ في يَمْشُونَ يُحْتَمَلُ أن يكونَ للمخاطَبِينَ أو للمهلكين، والْجُرُزِ: الأرض العاطِشَةُ التي قد أكلت نباتها من العطشِ والقيظِ ومنه قيل للأكول جَرُوزٌ.
وقال ابن عباس «٢» وغيره: الْأَرْضِ الْجُرُزِ: أرض أبين من اليمن وهي أرض تشرب بسيولٍ لا بِمَطَرٍ، وفي «البخاري» : وقال ابن عباس:
الْجُرُزِ: التي لم تُمْطَرْ إلا مَطَراً لاَ يُغْنِي عنها «٣» شَيْئاً.
انتهى.
ثم حكى سبحانه عن الكفرةِ أنهم يَسْتَفْتِحُونَ ويستعجلون فَصْلَ القضاءِ بينهم وبين الرسل على معنى الهزء والتكذيب، والْفَتْحِ: الحُكْمُ، هذا قول جماعةٍ من المفسرينَ، وهو أقوى الأقوال.
قال مجاهد والْفَتْحِ هنا هو حُكْم الآخرة.
ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بالإعراض عن الكفرةِ وانْتِظَار الفَرَجِ، وهذا مما نَسَخَتْه آية السَّيْفِ.
وقولُه: إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ أي: العذابَ بمعنى هذا حُكْمُهُمْ وإن كانوا لا يشعرون.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ مُوسى رَبَّهُ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .
والثّانِي: مِن لِقاءِ مُوسى لَيْلَةَ الإسْراءِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ الأذى كَما لَقِيَ مُوسى، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: لا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن تَلَقِّي مُوسى كِتابَ اللَّهِ بِالرِّضى والقَبُولِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ قِيلَ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابَ، فَتَكُونُ الهاءُ لِلْكِتابِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى: مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابَ، فَأُضِيفُ المَصْدَرُ إلى ضَمِيرِ الكِتابِ، وفي ذَلِكَ مَدْحٌ لَهُ عَلى امْتِثالِهِ ما أُمِرَ بِهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى الأخْذِ بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَجَعَلْناهُ هُدًى ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الكِتابُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: مُوسى، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ وَجَعَلْنا مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ أئِمَّةً ﴾ أيْ: قادَةً في الخَيْرِ ﴿ يَهْدُونَ بِأمْرِنا ﴾ أيْ: يَدْعُونَ النّاسَ إلى طاعَةِ اللَّهِ ﴿ لَمّا صَبَرُوا ﴾ \[قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " لَمّا صَبَرُوا " بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " لِما " بِكَسْرِ اللّامِ خَفِيفَةً.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " بِما " بِباءٍ مَكانَ اللّامِ؛ والمُرادُ: صَبْرُهُمْ\] عَلى دِينِهِمْ وأذى عَدُوِّهم ﴿ وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ﴾ أنَّها مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وفِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ.
والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ صالِحُونَ سِوى الأنْبِياءِ.
وفي هَذا تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ أنَّكم إنْ أطَعْتُمْ جَعَلْتُ مِنكم أئِمَّةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ: يَقْضِي ويَحْكُمُ؛ وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ وأُمَمُهم.
والثّانِي: المُؤْمِنُونَ والمُشْرِكُونَ.
ثُمَّ خَوَّفَ كَفّارَ مَكَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: " نَهْدِ " بِالنُّونِ.
وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في (طَهَ: ١٢٨) .
﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ ﴾ يَعْنِي المَطَرَ والسَّيْلَ ﴿ إلى الأرْضِ الجُرُزِ ﴾ وهي الَّتِي لا تُنْبِتُ- وقَدْ ذَكَرْناها في أوَّلِ (الكَهْفِ: ٨) - فَإذا جاءَ الماءُ أنْبَتَ فِيها ما يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ.
﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ مَتى هَذا الفَتْحُ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ ما فُتِحَ يَوْمَ بَدْرٍ؛ رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: يَوْمَ بَدْرٍ فُتِحَ لِلنَّبِيِّ ، فَلَمْ يَنْفَعِ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم بَعْدَ المَوْتِ.
والثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، وهو يَوْمُ الحُكْمِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اليَوْمَ الَّذِي يَأْتِيهِمْ فِيهِ العَذابُ في الدُّنْيا؛ قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ؛ وقَدِ اعْتُرِضَ عَلى هَذا القَوْلِ، فَقِيلَ: كَيْفَ لا يَنْفَعُ الكُفّارَ إيمانُهم يَوْمَ الفَتْحِ، وقَدْ أسْلَمَ جَماعَةٌ وقُبِلَ إسْلامُهم يَوْمَئِذٍ؟!
فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: لا يَنْفَعُ مَن قُتِلَ مِنَ الكُفّارِ يَوْمَئِذٍ إيمانُهم بَعْدَ المَوْتِ؛ وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ السَّيْرِ «أنَّ خالِدًا دَخْلَ يَوْمَ الفَتْحِ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي دَخَلَ مِنها رَسُولُ اللَّهِ فَلَقِيَهُ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو في آخَرِينَ فَقاتَلُوهُ، فَصاحَ خالِدٌ في أصْحابِهِ وقاتَلَهُمْ، فَقَتَلَ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ مِن قُرَيْشٍ، وأرْبَعَةً مِن هُذَيْلٍ، وانْهَزَمُوا، فَلَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ قالَ: " ألَمْ أنْهَ عَنِ القِتالِ " ؟
فَقِيلَ: إنَّ خالِدًا قُوتِلَ فَقاتَلَ.» والثّانِي: لا يَنْفَعُ الكُفّارَ ما أُعْطُوا مِنَ الأمانِ، لِأنَّ النَّبِيَّ قالَ: " «مَن أغْلَقَ بابَهُ فَهو آمِنٌ، ومَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ» " .
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: آمَنتُ فُلانًا إيمانًا، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لا يَدْفَعُ هَذا الأمانُ عَنْهم عَذابَ اللَّهِ.
وهَذا القَوْلُ الَّذِي قَدْ دافَعْنا عَنْهُ لَيْسَ بِالمُخْتارِ، وإنَّما بَيَّنّا وجْهَهُ لِأنَّهُ قَدْ قِيلَ.
وَقَدْ خَرَجَ بِما ذَكَرْنا في الفَتْحِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الحُكْمُ والقَضاءُ، وهو الَّذِي نَخْتارُهُ.
والثّانِي: فَتْحُ البَلَدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ ﴾ أيِ: انْتَظَرَ عَذابَهم ﴿ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ ﴾ بِكَ حَوادِثَ الدَّهْرِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ ﴾ ﴿ فَأعْرِضْ عنهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ ﴾ "يَهْدِ" مَعْناهُ: يُبَيِّنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَهْدِي" بِالياءِ، فالفاعِلُ اللهُ تَعالى في قَوْلِ فِرْقَةٍ، والرَسُولُ في قَوْلِ فِرْقَةٍ، والمَصْدَرُ في قَوْلِ فِرْقَةٍ، كَأنَّهُ قالَ: أو لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمُ الهُدى.
وجَوَّزَ الكُوفِيُّونَ أنْ يَكُونَ الفاعِلَ "كَمْ"، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّها في الخَبَرِ عَلى حُكْمِها في الِاسْتِفْهامِ في أنَّها لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبِلَها.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نَهْدِ لَهُمْ" بِالنُونِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.
فالفاعِلُ اللهُ تَعالى، و"كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ: فَعِنْدَ الكُوفِيِّينَ بِـ"نَهْدِ"، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِـ"أهْلَكْنا" عَلى القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَمْشُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِينِ، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "يُمَشُّونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الشِينِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "يُمْشُونَ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ المِيمِ وشِينٍ مَضْمُومَةٍ مُخَفَّفَةٍ، والضَمِيرُ في "يَمْشُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُخاطِبِينَ بِالبَيِّنَةِ المُحْتَجِّ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُهْلِكِينَ، فَـ"يَمْشُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: أُهْلِكُوا وهم ماشُونَ في مَساكِنِهِمْ.
والضَمِيرُ في ﴿ "يَسْمَعُونَ" ﴾ لِلْمَنهِيِّينَ.
ومَعْنى الآيَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى الكَفَرَةِ بِالأُمَمِ السالِفَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَأهْلَكُوا.
ثُمَّ أقامَ عَزَّ وجَلَّ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى الإيمانِ بِالقُدْرَةِ وبِالبَعْثِ بِأنْ نَبَّهَهم عَلى إحْياءِ الأرْضِ المَواتِ بِالماءِ، و"السَوْقُ" هو بِالسَحابِ، و"الجُرُزُ": الأرْضُ العاطِشَةُ الَّتِي قَدْ أكَلَتْ نَباتَها مِنَ العَطَشِ والقَيْظِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأكُولِ: جُرُوزٌ، قالَ الشاعِرُ: خِبٌّ جَرُوزٌ وإذا جاعَ بَكى وَمَن عَبَّرَ عنها بِأنَّها الأرْضُ الَّتِي لا تُنْبِتُ فَإنَّها عِبارَةٌ غَيْرُ مُخْلِصَةٍ.
وعَمَّ تَعالى كُلَّ أرْضٍ هي بِهَذِهِ الصِفَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ فِيها والعِبْرَةَ بَيِّنَةٌ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ أيْضًا: الأرْضُ الجُرُزُ أرْضُ (أبْيَنُ) مِنَ اليَمَنِ، وهي أرْضٌ تَشْرَبُ بِسُيُولٍ لا بِمَطَرٍ.
وجُمْهُورُ الناسِ عَلى ضَمِّ الراءِ، قالَ الزَجّاجُ: وتَقْرَأُ: "الجُرُزُ" بِسُكُونِ الراءِ.
ثُمَّ خَصَّ تَعالى الزَرْعَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ؛ ولِأنَّهُ عُظْمُ ما يَقْصِدُ مِنَ النَباتِ، وإلّا فَعَرَفَ أكْلَ الأنْعامِ إنَّما هو مِن غَيْرِ الزَرْعِ، لَكِنَّهُ أوقَعَ الزَرْعَ مَوْقِعَ النَباتِ، ثُمَّ فَصَلَ ذَلِكَ بِأكْلِ الأنْعامِ وبَنِي آدَمَ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بْنُ عَيّاشٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "يَأْكُلُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "تُبَصِرُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُبْصِرُونَ" بِالياءِ.
ثُمَّ حُكِيَ عَنِ الكَفَرَةِ أنَّهم يَسْتَفْتِحُونَ ويَسْتَعْجِلُونَ فَصْلَ القَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَسُولِ عَلى مَعْنى الهَزْءِ والتَكْذِيبِ.
و"الفَتْحُ": الحُكْمُ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهَذا أقْوى الأقْوالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، يَرُدُّهُ الإخْبارُ بِأنَّ الكَفَرَةَ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ الفَتْحُ إلّا إمّا حُكْمُ الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وإمّا "فَصْلٌ" في الدُنْيا كَبَدْرٍ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ ﴾ إشارَةٌ إلى الفَتْحِ الأوَّلِ حَسَبَ مُحْتَمَلاتِهِ.
فالألِفُ واللامُ في "الفَتْحِ" الثانِي لِلْعَهْدِ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "يَنْفَعُ"، و"يُنْظَرُونَ" مَعْناهُ: يُؤَخِّرُونَ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالإعْراضِ عَنِ الكُفّارِ وانْتِظارِ الفَرَجِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ ﴾ أيِ العَذابَ، بِمَعْنى أنَّ هَذا حُكْمَهم وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ: "مُنْتَظَرُونَ" أيْ: لِلْعَذابِ النازِلِ بِهِمْ، واللهُ أعْلَمُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ السَجْدَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ
يجوز أن يكون عطفاً على جملة ﴿ ثم أعرض عنها ﴾ [السجدة: 22]، أي: أعرضوا عن سماع الآيات والتدبر فيها وتجاوزوا ذلك إلى التكذيب والتهكم بها.
ومناسبة ذكر ذلك هنا أنه وقع عقب الإشارة إلى دليل وقوع البعث وهو يوم الفصل.
ويجوز أن يعطف على جملة ﴿ وقالوا أإذا ضَلَلْنا في الأرض إنّا لفي خلق جديد ﴾ [السجدة: 10].
والمعنى: أنهم كذبوا بالبعث وما معه من الوعيد في الآخرة وكذّبوا بوعيد عذاب الدنيا الذي منه قوله تعالى: ﴿ ولنُذِيقَنَّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ﴾ [السجدة: 21].
و ﴿ يجادلنا في قوم لوط ﴾ [هود: 74] مع إفادة تكرر ذلك منهم واتخاذهم إياه.
والمعنى: إن كنتم صادقين في أنه واقع فبينوا لنا وقته فإنكم إذ علمتم به دون غيركم فلتعلموا وقته.
وهذا من السفسطة الباطلة لأن العلم بالشيء إجمالاً لا يقتضي العلم بتفصيل أحواله حتى ينسب الذي لا يعلم تفصيله إلى الكذب في إجماله.
واسم الإشارة في ﴿ هذا الفتح ﴾ مع إمكان الاستغناء عنه بذكر مبينهِ مقصود منه التحقير وقلة الاكتراث به كما في قول قيس بن الخطيم: متى يأت هذا الموتُ لا يلف حاجة *** لنفسي إلا قَدْ قضيت قضاءها إنباء بقلة اكتراثه بالموت ومنه قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿ أهذا الذي يذكر ءالهتكم ﴾ [الأنبياء: 36] فأمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يجيبهم على طريقة الأسلوب الحكيم بأن يومَ الفتح الحق هو يوم القيامة وهو يوم الفصل وحينئذ ينقطع أملَ الكفار في النجاة والاستفادة من الندامة والتوبة ولا يجدون إنظاراً لتدارك ما فاتهم، أي إفادتُهم هذه الموعظة خير لهم من تطلبهم معرفة وقت حلول يوم الفتح لأنهم يقولون يومئذ ﴿ ربنا أبصَرْنا وسمِعْنا فارجعنا نعملْ صالحاً إنّا موقنون ﴾ [السجدة: 12] مع ما في هذا الجواب من الإيماء إلى أن زمن حلوله غير معلوم للناس وأنه مما استأثر الله به فعلى من يحتاط لنجاة نفسه أن يعمل له من الآن فإنه لا يدري متى يحلّ به ﴿ لا ينفعُ نفساً إيمانُها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ﴾ [الأنعام: 158].
ففي هذا الجواب سلوك الأسلوب الحكيم من وجهين: من وجه العدول عن تعيين يوم الفتح، ومن وجه العدول بهم إلى يوم الفتح الحق، وهم إنما أرادوا بالفتح نصر المسلمين عليهم في الحياة الدنيا.
وإظهار وصف ﴿ الذين كفروا في مقام الإضمار مع أنهم هم القائلون متى هذا الفتح ﴾ لقصد التسجيل عليهم بأن كفرهم هو سبب خيبتهم.
ثم فرع على جميع هذه المجادلات والدلالات توجيه الله خطابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يعرض عن هؤلاء القائلين المكذبين وأن لا يزيد في الإلحاح عليهم تأييساً من إيمان المجادلين منهم المتصدّين للتمويه على دهمائهم.
وهذا إعراض متاركة عن الجدال وقتياً لا إعراض مستمر، ولا عن الدعوة إلى الله ولا علاقة له بأحكام الجهاد المشروع في غير هذه الآية.
والانتظار: الترقب.
وأصله مشتق من النظر فكأنه مطاوع: أنظره، أي أراه فانتظر، أي: تكلف أن ينظُر.
وحذف مفعول ﴿ انتظر ﴾ للتهويل، أي: انتظر أياماً يكون لك فيها النصر، ويكون لهم فيها الخسران مثل سني الجوع إنْ كان حصلت بعد نزول هذه السورة، ومثل يوم بدر ويوم فتح مكة وهما بعد نزول هذه السورة لا محالة، ففي الأمر بالانتظار تعريض بالبشارة للمؤمنين بالنظر، وتعريض بالوعيد للمشركين بالعذاب في الدارين.
وجملة ﴿ إنهم منتظرون ﴾ تعليل لما تضمنه الأمر بالانتظار من إضمار العذاب لهم.
ومفعول ﴿ منتظرون ﴾ محذوف دل عليه السياق، أي منتظرون لكم الفرصة لحربكم أو لإخراجكم قال تعالى: ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ [الطور: 30] وقال: ﴿ ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء ﴾ [التوبة: 98] أي لم نكن ظالمين في تقدير العذاب لهم لأنهم بدأوا بالظلم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: أنَّ الفَتْحَ انْقَضى بِعَذابِهِمْ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: الحُكْمُ بِالثَّوابِ والعِقابِ في القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ الحَسَنُ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا وهو يُحَذِّرُ مِن عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ.
﴿ قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِي قَتَلَهم خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مِن بَنِي كِنانَةَ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: أنَّ يَوْمَ الفَتْحِ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّ اليَوْمَ الَّذِي يَأْتِيهِمْ مِنَ العَذابِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
﴿ وَلا هم يُنْظَرُونَ ﴾ أيْ لا يُؤَخَّرُونَ بِالعَذابِ إذا جاءَ الوَقْتُ.
﴿ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ الآيَةَ.
قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ بِقِتالِهِمْ، ويَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أعْرِضْ عَنْ أذاهم وانْتَظِرْ عِقابَهم.
الثّانِي: أعْرِضْ عَنْ قِتالِهِمْ وانْتَظِرْ أنْ يُؤْذَنَ لَكَ في جِهادِهِمْ.
الثّالِثُ: فَأعْرِضْ بِالهِجْرَةِ وانْتَظِرْ ما يَمُدُّكَ بِهِ مِنَ النُّصْرَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: قال الصحابة أن لنا يوم يوشك أن نستريح فيه ونتنعم فيه.
فقال المشركون ﴿ متى هذا الفتح إن كنتم صادقين ﴾ فنزلت.
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين ﴾ قال: يوم بدر فتح النبي صلى الله عليه وسلم فلم ﴿ ينفع الذين كفروا إيمانهم ﴾ بعد الموت.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قل يوم الفتح ﴾ قال: يوم القيامة.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قل يوم الفتح ﴾ قال: يوم القضاء.
وفي قوله: ﴿ وانتظر إنهم منتظرون ﴾ قال: يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ يعني القضي، وهو يوم البعث، يقضي الله فيه بين المؤمنين والكافرين.
وقول قول قتادة ومجاهد ومقاتل، قالوا: إن المؤمنين قالوا للكافرين: إن لنا يومًا ننعم فيه ونستريح، فقالوا: متي هذا (١) (٢) وقال الكلبي: يعني فتح مكة (٣) (١) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 116، "تفسير الماوردي" 4/ 368، "زاد المسير" 6/ 344، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 313،، تفسير مقاتل" 85 ب.
(٢) انظر: "مجمع البيان" 8/ 523.
وذكره ابن الجوزي 6/ 345 عن السدي، قال: إنه اليوم الذي يأتيهم فيه العذاب في الدنيا.
(٣) انظر: "زاد المسير" 6/ 345.
وذكره الماوردي 4/ 368 عن الفراء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ متى هذا الفتح ﴾ أي الحكم بين المسلمين والكفار في الآخرة، وقيل: يعني فتح مكة، وهذا بعيد لقوله: ﴿ قُلْ يَوْمَ الفتح لاَ يَنفَعُ الذين كفروا إِيَمَانُهُمْ ﴾ وذلك في الآخرة، وقيل: يعني فتح مكة، لأن من آمن يوم فتح مكة نفعه إيمانه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ خلقه ﴾ بفتح الام: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وسهل: الآخرون: بالسكون على البدل من كل شيء.
وعلى الأول يكون وصفاً له ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ كما في "الرعد" ﴿ ما أخفي ﴾ بسكون الياء على أنه فعل مضارع متكلم: حمزة.
الباقون: بفتحها على أنه فعل ماضٍ مجهول ﴿ لما صبروا ﴾ بكسر اللام وتخفيف الميم: حمزة وعلي ورويس.
الباقون: بفتح اللام وتشديد الميم ﴿ أولم نهد ﴾ بالنون: يزيد عن يعقوب.
الوقوف: ﴿ الم ﴾ ه كوفي ﴿ العالمين ﴾ ه ط لأن "أم" استفهام تقريع غير عاطفة بل هي منقطعة ﴿ افتراه ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ العرش ﴾ ط ﴿ شفيع ﴾ ه ﴿ تتذكرون ﴾ ه ط ﴿ تعدون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ط ﴿ من طين ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ مهين ﴾ ه ج لذلك ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ط لحق القول المحذوف ﴿ موقنون ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ ج للابتداء بان مع تكرار ﴿ وذوقوا ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ وطمعاً ﴾ ز لانقطاع النظم بتقديم المفعول ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعين ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يحتمل أن يكون مفعولاً له وأن يكون مصدراً لفعل محذوف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ فاسقاً ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ لا يستوون ﴾ ه ﴿ المأوى ﴾ ز لمثل ما مر في ﴿ جزاء ﴾ ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ منتقمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ج وإن اتفقت الجملتان للعدول عن ضمير المفعول الأول وهو واحد إلى ضمير الجمع في الثانية ﴿ صبروا ﴾ ط لمن شدد ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ لآيات ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتظرون ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر في السورة المتقدمة دلائل الوحدانية ودلائل الحشر وهما الطرفان، بدأ في هذه السورة ببيان الأمر الأوسط وهو الرسالة المصححة ببرهان القرآن.
وإعرابه قريب من قوله ﴿ الم ذلك الكتاب ﴾ وميل جار الله إلى قوله ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ خبره ﴿ من رب العالمين ﴾ ولا ريب فيه اعتراض لا محل له والضمير في ﴿ فيه ﴾ راجع إلى مضمون الجملة أي لا ريب في كونه منزلاً من عنده.
ويمكن أن يقال: في وجه النظم لما عرَّف ي أول السورة المتقدمة أن القرآن هدى ورحمة قال ههنا: إنه من رب العالمين، وذلك أن من عثر على كتب سأل أولاً أنه في أي علم.
فإذا قيل: إنه في الفقه أو التفسير.
سأل: إنه تصنيف اي شخص؟
ففي تخصيص رب العالمين بالمقام إشارة إلى أن كتاب رب العالمين لا بد أن يكون فيه عجائب للعالمين فترغب النفس في مطالعته.
ثم اضرب عما ذكر قائلاً ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ وهو تعجيب من قولهم لظهور أمر القرآن في تعجيز بلغائهم عن مثل سورة الكوثر.
ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك.
ومعنى ﴿ لتنذر قوماً ﴾ قد مر في "القصص" ويندرج فيهم أهل الكتاب إذ يصدق عليهم أنه لم يأتهم نذير بعد ضلالهم سوى محمد ، ولو لم يندرجوا لم يضرّ فإن تخصيص قوم بالذكر لا يدل على نفي من عداهم كقوله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ وحين بين الرسالة بين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد فقال ﴿ الله ﴾ مبتدأ خبره ما يتلوه وقد مر نظائره.
وقوله ﴿ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع افلا تتذكرون ﴾ إثبات للولاية والشفاعة أي النصرة من عنده ونفي لهما من غيره، وفيه تجهيل لعبدة الأصنام الزاعمين أنها شفعاؤهم بعد اعترافهم بأن خالق الكل هو الله .
ولما بين الخلق شرع في الأمر فقال ﴿ يدبر الأمر ﴾ اي المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ذلك العمل في يوم طويل، وهو كناية عن قلة الإخلاص لأنه لا يوصف بالصعود ولا يقوى على العروج إلا العمل الخالص، يؤيد هذا التفسير قوله فيما بعد ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من ايام الله وهو ألف سنة، ثم يصعد إليه مكتوباً في الصحف في كل جزء من أجزاء ذلك اليوم الخ.
ثم يدبر الأمر ليوم آخر مثله وهلم جراً.
أو ينزل الوحي مع جبرائيل ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي.
ورده مع جبرائيل أيضاً وتقدير الزمان بألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وأن الملك يقطعها في يوم واحد من أيامنا.
وقيل: إنه إشارة إلى نفوذ الأمر، فإن نفاذ الأمر كلما كان في مدة أكثر حاله أعلى أي يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة منه، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه؟
فلا فرق على هذا بين الف سنة وبين خمسين ألف سنة كما في "المعارج".
وقيل: إن هذه عبارة عن الشدة واستطالة أهلها إياها كالعادة في استطالة ايام الشدة والحزن واستقصار أيام الراحة والسرور.
وخصت السورة بقوله ﴿ ألف سنة ﴾ موافقة لما قبله وهو قوله ﴿ في ستة أيام ﴾ وتلك الأيام من جنس هذا اليوم.
وخصت سورة المعارج بقوله ﴿ خمسين ألف سنة ﴾ لأن فيها ذكر القيامة وأهوالها فكان هو اللائق بها.
وعن عكرمة: إن اليوم في المعارج عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها وأنها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم كم مضى وكم بقي إلا الله عزو وجل.
وبالجملة فالآية المتقدمة تدل على عظمة عالم الخلق وسعة مكانه، والآية الثانية تدل على عظمة عالم الأمر وامتداد زمانه.
ثم بين أنه مع غاية عظمة ملكه وملكوته عليم بأمر العالمين فقال ﴿ ذلك عالم الغيب والشهادة ﴾ وفي قوله ﴿ العزيز الرحيم ﴾ إشارة إلى صفتي القهر واللطف اللتين ينبغي أن تكونا لكل ملك، وإنما أخر ﴿ الرحيم ﴾ مع أن رحمته سبقت غضبه ليوصله بقوله ﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه ﴾ نظيره ﴿ الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وقد مر في "طه".
وعطف عليه تخصيصاً بعد تعميم خلق الإنسان وهو آدم بدليل قوله ﴿ ثم جعل نسله ﴾ أي ذريته لأنها تنسل أي تنفصل، والسلالة الخلاصة كما ذكرنا في أول "المؤمنين"، وقوله ﴿ من ماء ﴾ بدل من سلالة والمهين الحقير.
ومعنى ﴿ سوَّاه ﴾ قوَّمه وأداره في الأطوار إلى حيث صلح لنفخ الروح فيه، ثم عدل من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ وجعل لكم ﴾ تنبيهاً على جسامة نعم هذه الجوارح وتوبيخاً على قلة الشكر عليها.
ثم بين عدم شكرهم بإنكارهم المعاد بعد مشاهدة الفطرة الأولى وليست الثانية بأصعب منها.
والواو للعطف على ما سبق كأنهم قالوا: إن محمداً مفتر وقالوا: الله ليس بواحد ﴿ وقالوا أئذا ﴾ يعني أنهم واسلافهم زعموا أن الحشر غير ممكن.
ومعنى ﴿ ضللنا في الأرض ﴾ غبنا فيها إما بالدفن أو بتفرق الأجزاء وتلاشيها.
والعامل في ﴿ أئذا ﴾ ما يدل عليه قوله ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو يجدد خلقنا.
ثم صرح بإثبات كفرهم على الإطلاق واللقاء لقاء الجزاء الشامل لجميع أحوال الآخرة.
ثم رد عليهم قولهم بالفوت بأنه يتوفاهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح ثم يرجعون إلى حكم الله وحده.
ثم بين ما يكون من حالهم عند الرجوع بقوله ﴿ ولو ترى ﴾ أنت يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب ﴿ إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ﴾ خجلاً وندامة قائلين ﴿ ربنا أبصرنا ﴾ ما كنا شاكين في وقوعه ﴿ وسمعنا ﴾ منك تصديق رسلك وجواب "لو" محذوف وهو لرأيت أمراً فظيعاً، وجوزا أن يكون "لو" للتمني كأنه جعل لنبيه تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الذل والهوان ليشمت بهم.
ثم إنه ألزمهم وألجمهم بقوله ﴿ ولو شئنا ﴾ الآية.
وفيه أنه لو ردهم إلى الدنيا لم يهتدوا لأنهم خلقوا لجهنم القهر وقد مر نظيره في آخر "هود".
ثم أكد إهانتهم بقوله ﴿ فذوقوا ﴾ وانتصب ﴿ هذا ﴾ على أنه مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ وقوله ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيت ﴾ أي ذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم وذهلتم عنه بعد وضوح الدلائل أو تركتم الفكر فيه، ويجوز أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة ﴿ يومكم ﴾ ومفعول ﴿ ذوقوا ﴾ محذوف وهو العذاب و ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيتم ﴾ او هو مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ على حذف المضاف أي تبعة لقاء يومكم ويكون ﴿ نسيتم ﴾ متروك المفعول أو محذوفه وهو الفكر في العاقبة.
وقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ من باب المقابلة والمراد تركهم من الرحمة نظيره ﴿ نسوا الله فنسيهم ﴾ وقوله ﴿ عذاب الخلد ﴾ من باب إضافة الموصوف إلى الصفة في الظاهر نحو: رجل صدق.
أمرهم على سبيل الإهانة بذوق عذاب الخزي والخجل، ثم بذوق العذاب الخلد أعاذنا الله منه بفضله العميم، ثم ذكر أن كما الإيمان بآيات الله من شأن الخلص من عباده الساجدين لله شكراً وتواضعاً حين وعظوا بآيات ربهم منزهين له عما لا يليق بجنابه وجلاله متلبسين بحمده غير مستكبرين عن عبادته ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴾ ترتفع وتتنحى عن مواضع النوم داعين ربهم أو عابدين له ﴿ خوفاً ﴾ من اليم عقابه ﴿ وطمعاً ﴾ في عظيم ثوابه، وفسره رسول الله بقيام الليل وهو التهجد.
قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ثم يرجع ينادي ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس" .
عن علي : جنبي تجافى عن الوســــاد *** خوفاً من النار والمعاد من خاف من سكرة المنايا *** لم يدر ما لذة الرقــــاد قد بلغ الزرع منتهـــــــــاه *** لا بد للزرع من حصاد عن أنس بن مالك: كان أناس من أصحاب النبي يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فنزلت فيهم.
وقيل: هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها.
و"ما" في قوله ﴿ ما أخفي ﴾ موصولة ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى اي شيء، والمعنى لا تعلم نفس من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك مما تقرّ به عيونهم حتى لا تطمح إلى غير ولا تطلب الفرح بما عداه.
عن النبي "يقول الله أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه اقرؤا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين" وعن الحسن: أخفى القوم أعمالاً في الدنيا فأخفى الله لهم مالا عين رأت ولا أذن سمعت.
قال المحققون: إنه يصدر من العبد أعمال صالحة وقد صدر عن الرب أشياء سابقة من الخلق والتربية وغيرهما، وأشياء لاحقة من الثواب والإكرام، فلله أن يقول: أنا أحسنت أولاً، والعبد أحسن في مقابلته، فالثواب تفضل من غير عوض.
وله أن يقول: الذي فعلته أولاً تفضل فإذا أتى العبد بالعمل الصالح جزيته خيراً لأن جزاء الإحسان إحسان، وهذا الاعتبار الثاني أليق بالكرم ليذيق العبد لذة الأجر والكسب، والاعتبار الأول أليق بالعبودية حتى يرى الفضل لله في جانب الأبد فإذن لا تنقطع المعاملة بين الله وبين العبد أبداً، وتكون العبادة لهم في الآخرة بمنزلة التنفس للملائكة.
يروى أنه شجر بين علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام فقال له الوليد: اسكت فإِنك صبي.
فقال له علي: اسكت فإِنك فاسق.
فأنزل الله فيهما خاصة وفي أمثالهما من الفريقين عامة ﴿ افمن كان مؤمناً ﴾ إلى آخر ثلاث آيات أو أربع.
ومن أول الآية محمول على اللفظ وفي قوله ﴿ لا يستوون ﴾ محمول على المعنى.
ثم فصل عدم استوائهما بقوله ﴿ أما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين فسقوا ﴾ و ﴿ جنات المأوى ﴾ نوع من الجنان تأوي إليها أرواح الشهداء على قول ابن عباس.
وقال بعضهم: هي عن يمين العرش.
وفي لام التمليك في ﴿ لهم ﴾ مزيد تشريف وإيذان بأنهم لا يخرجون منها كما لا يخرج المالك من ملكه ولهذا لو قيل: هذه الدار لزيد يفهم منه الملكية بخلاف ما لو قيل: اسكن هذه الدار.
فإنه يحمل على الإعارة وإنه قال لأبينا آدم ﴿ اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ لأنه كان في علمه أنه يخرج منها.
وإنما قيل ههنا ﴿ عذاب النار الذي كنتم به ﴾ وفي "سبأ" ﴿ عذاب النار التي كنتم بها ﴾ لأن النار في هذه السورة وقعت موقع الكناية لتقدم ذكرها، والكنايات لا توصف فوصف العذاب.
وفي "سبأ" لم يتقدم ذكر النار فحسن وصف النار.
وتكذيبهم العذاب هو أنهم كانوا يقولون في الدنيا إنه لا عذاب في الآخرة، ويحتمل أن يراد بالتكذيب أنهم يقولون في الآخرة أول ما تأخذهم النار أنه لا عذاب فوق ما نحن فيه، فإذا زاد الله لهم ألماً على ألم وهو قوله ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ﴾ صاروا كاذبين فيما زعموا أنه لا عذاب أزيد مما هم فيه، وعلى هذا يمكن أن يراد بالخروج منها والإعادة فيها هو أن أبدانهم تألف النار وتتعودها فيقل الإحساس بها فيعيد الله عليهم إحساسهم الأول فيزيد تألمهم، ومن هنا قالت الحكماء: إن الإحساس بحرارة حمى الدق اقل من الإحساس بحرارة الحمى البلغمية مع أن نسبة الدق إلى الثانية نسبة النار إلى الماء المسخن، ونظيره أن الإنسان يضع يده في الماء البارد فيتألم أولاً، ثم إذا صبر زماناً طويلاً زال ذلك الألم وذلك لبطلان حسه.
ثم حتم على نفسه أنه يذيقهم عذاب الدنيا من القتل والأسر والقحط قبل أن يصلوا إلى عذاب الآخرة.
وعن مجاهد: أن الأدنى هو عذاب القبر.
وإنما لم يقل الأصغر في مقابلة الأكبر، أو الأبعد الأقصى في مقابلة الأدنى، لأن الغرض هو التخويف والتهديد وذلك إنما يحصل بالقرب لا بالصغر والكبر ولا بالبعد.
ومعنى قوله ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ والترجي على الله محال لنذيقهم إذاقة الراجين رجوعهم عن الكفر والمعاصي كقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ أي تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلاً اي نذيقهم على الوجه الذي يفعل الراجي من التدرج، أو نذيقهم إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه.
قال في التفسير الكبير: إن الرجاء في أكثر الأمر يستعمل فيما لا تكون عاقبته معلومة، فتوهم الأكثرون أنه لا يجوز إطلاقه في حق الله وليس كذلك، فإن الجزم بالعاقبة إنما يحصل في حقه بدليل منفصل لا من نفس الفعل فإن التعذيب لا يلزم منه الرجوع لزوماً بيناً.
قلت: هذا يرجع إلى التأويل الأول، فإن الكلام في تعذيب الله هل هو يستدعي الرجوع على سبيل الرجاء أم لا، وكون مطلق التعذيب مستدعياً لذلك لا يكفي للسائل.
وقالت المعتزلة: لعل من الله إرادة وإرادة الله فعل المختار لا تقدح في اقتدار الله إذا لم يختر المختار مراد الله كما أنهم لم يختاروا التوبة والرجوع عن الكفر وإلا لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر.
وإنما يقدم في اقتداره إذا تعلقت في إرادته بفعل نفسه أو بفعل المضطر المقسور ثم لا يوجد ذلك الفعل.
وجوَّز في الكشاف أن يراد: لعلهم يريدون الرجوع إلى الدنيا ويطلبونه كقوله ﴿ فارجعنا نعمل صالحاً ﴾ سميت إرادة الرجوع رجوعاً كما سميت إرادة القيام قياماً في قوله ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ ثم بين أنهم إذا ذكروا بالدلائل من النعم أولاً والنقم ثانياً وهو العذاب الأدنى ثم لم يؤمنوا فلا أحد أظلم منهم.
ومعنى ﴿ ثم ﴾ أنه ذكر مرات ثم بالآخرة ﴿ أعرض عنها ﴾ والفاء في سورة الكهف تدل على الإعراض عقيب التذكير وقد سبق.
وقال أهل المعاني: "ثم" ههنا تدل على أن الإعراض بعد التذكير مستبعد في العقول.
قال المحققون: الذي لا يحتاج في معرفة الله إلا إلى الله عدل كقوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ كما قال بعضهم: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله.
والذي يحتاج في ذلك إلى دلائل الآفاق والأنفس متوسط، والذي يقر عند الشدة ويجحد عند الرحمة ظالم كقوله ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ﴾ والذي يبقى على الجحود والإعراض وإن عذب فلا أظلم منه.
وحين جعله أظلم كان ظالم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم ليدل على إصابة الأظلم منهم النصيب الأوفر من الانتقام.
ولو قال "إنا منهم منتقمون" لم يكن بهذه الحيثية في الإفادة.
ثم عاد إلى تأكيد أصل الرسالة مع تسلية للنبي فقال ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ قال جار الله: اللام للجنس ليشمل التوراة والفرقان.
والضمير في ﴿ لقائه ﴾ للكتاب أي آتينا موسى مثل ما آتيناك ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تك في شك من أنك لقيت مثله.
واللقاء بمعنى التلقين والإعطاء كقوله ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ وقيل: الضمير في ﴿ لقائه ﴾ لموسى أي من لقائك موسى ليلة المعراج أو يوم القيامة، أو من لقاء موسى الكتاب وهو تلقيه له بالرضا والقبول.
والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للكتاب على أنه منزل على موسى.
واستدل به على أن الله جعل التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل.
ثم حكى أن منهم من اهتدى حتى صار من ائمة الهدى وذلك حين صبروا أو لصبرهم على متاعب التكليف ومشاق الدعاء إلى الدين بعيد إيقانهم به.
وفيه أن الله سيجعل الكتاب المنزل على نبينا أيضاً سبب الاهتداء والهداية وكان كما أخبر.
ومثله إخبار النبي "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" ولا يخفى أن "من" التبعيضة في قوله ﴿ وجعلنا منهم ﴾ كانت تدل على أن بعضهم ليسوا أئمة الهدى، وفيه رمز إلى أن بعضهم كانوا أئمة الضلال فلذلك قال ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.
وفيه إشارة إلى أنه سيميز المحق في كل دين من المبطل.
ثم أعاد أصل التوحيد مقروناً بالوعيد قائلاً ﴿ أولم يهد لهم ﴾ وقد مر نظيره في آخر "طه" وإنما قال في آخر الآية ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ على الجمع ليناسب القرون والمساكن.
وإنما قل ﴿ أفلا يسمعون ﴾ لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو مسموع، وفيه إشارة إلى أنه لاحظ لهم منه إلا السماع.
وحين ذكر الإهلاك والتخريب أتبعه ذكر الإحياء والعمارة.
ومعنى ﴿ نسوق الماء ﴾ نسوق السحاب وفيه المطر ﴿ إلى الأرض الجرز ﴾ وهي التي جز نباتها أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل.
قال جار الله: ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز بدلالة قوله ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ وعن ابن عباس أنها ارض اليمن، والضمير في "به" للماء.
وإنما قدم الأنعام ههنا على الأنفس لأن الزرع لا يصلح أوّله إلا للأنعام وإنما يحدث الحب في آخر أمره.
قال في "طه" ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ لأن الأزواج من النبات أعم من الزرع وكثير منه يصلح للإِنسان في أول ظهوره مع أن الخطاب لهم فناسب أن يقدموا وإنما ختم الآية بقوله ﴿ أفلا يبصرون ﴾ تأكيداً لقوله في أول الآية ﴿ أولم يروا ﴾ ثم حكى نوع جهالة أخرى عنهم وهو استعجالهم العذاب.
قال المفسرون: كان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين أي ينصرنا عليهم ويفتح بيننا وبينهم أي يفصل، فاستعجل المشركون ذلك.
ويوم الفتح يوم القيامة فحينئذ تنفتح أبواب الأمور المبهمة أو يوم بدر أو يوم فتح مكة قاله مجاهد والحسن.
فإن قلت: كيف ينطلق قوله ﴿ قل يوم الفتح ﴾ الخ جواباً عن سؤالهم عن وقت الفتح؟
فالجواب أنهم سألوا ذلك على وجه التكذيب والاستهزاء فقيل لهم: لا تستهزؤا فكأنا بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان واستنظرتم فلم تنظروا.
ومن فسر يوم الفتح بيوم بدر أو بيوم فتح مكة فالمراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل وإلا فقد نفع الإيمان الطلقاء يوم فتح مكة وناساً يوم بدر.
ثم أمر نبيه بالإعراض عنهم وانتظار النصرة عليهم حين علم أنه لا طريق معهم إلا القتال نظيره قوله ﴿ قل تربصوا فإني معكم من المتربصين ﴾ .
التأويل: اللف المحبون لقربى والعارفون بتمجيدي فلا يصبرون عني ولا يستأنسون بغيري.
اللام الأحباء لي مدخر لقائي فلا أبالي أقاموا على وثاقي أم قصروا في وفائي.
الميم ترك أوليائي مرادهم فلذلك اخترتهم على جميع عبادي ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ أعز الأشياء على الأحباب كتاب الأحباب أنزله ﴿ رب العالمين ﴾ لأهل الظاهر على ظاهرهم ولأهل الباطن في باطنهم فاستناروا بنوره وتكلموا بالحق عن الحق للحق فلم يفهمه أهل الغرة والغفلة فقالوا ﴿ افتراه ﴾ .
خلق سموات الرواح وارض الأشباح وما بينهما من النفس والقلب والسر في ستة أجناس هي: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والشيطان والملك ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ الخفي وهو لطيفه ربانية قابلة للفيض الرباني بلا واسطة ﴿ فلا تتذكرون ﴾ كيف خلقكم في أطوار مختلفة ﴿ يدبر الأمر ﴾ من سماء الروح إلى ارض النفس البدن ﴿ ثم يعرج إليه ﴾ النفس المخاطبة بخطاب ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ في يوم طلعت فيه شمس صدق الطلب، وأشرقت الأرض بنور جذبات الحق ﴿ كان مقداره ﴾ في العروج بالجذبة كألف سنة مما تعدون من أيامكم في السير من غير جذبة كما قال "جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين" ﴿ وبدأ خلق الإنسان من طين ﴾ وخمرة بيده في أربعين صباحاً فأودع في كل صباح خاصية نوع من أنواع عالم الشهادة ﴿ ثم جعل نسله من سلالة ﴾ سلها من أجناس عالم الشهادة.
﴿ ثم سوَّاه ﴾ شخص إنسان جديد المرآة ﴿ ونفخ فيه من روحه ﴾ فصار مرآة قابلة لإراءة صفات جماله وجلاله.
ثم تجلى فيها بتجلية صفة السمعية والبصرية والعالمية التي مرآتها السمع والأبصار والأفئدة ﴿ ضللنا ﴾ في أرض البشرية ﴿ يتوفاكم ملك الموت ﴾ وهو المحبة الإلهية بقبض الأرواح من صفات الإنسانية ويميتها عن محبوباتها بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ ناكسوا رؤسهم ﴾ بالتوجه إلى حضيض عالم الطبيعة كالأنعام بعد أن كانوا رافعي الرؤوس يوم الميثاق.
﴿ تتجافى جنوب ﴾ همتهم عن مضاجع الدارين ﴿ جنات المأوى ﴾ التي هي مأوى الأبرار تكون نزلاً للمقربين السائرين إلى الله ﴿ كنتم به تكذبون ﴾ لأنه لم يكن لكم به شعور في الدنيا لأنكم كنتم في يوم الغفلة والاشتغال بالمحسوسات ﴿ العذاب الأدنى ﴾ إذا وقعت للسالك فترة ووقفة لعجب تداخله أو لملالة وسآمة ابتلاه الله ببلاء في نفسه أو ماله أو مصيبة في أهاليه وأقربائه وأحبابه لعله ينتبه من نوم الغفلة ويدارك أيام العطلة قبل أن يذيقه العذاب الأكبر في الخذلان والهجران ﴿ فلا تك في مرية من لقائه ﴾ أي من أنه يرى الرب ببركة متابعتك حين قال: اللهم اجعلني من أمة محمد فإن الرؤية مخصوصة بك وبتبعتك لأمتك.
ويحتمل أن يكون الخطاب في فلاتك لموسى القلب والضمير في ﴿ لقائه ﴾ لله.
وجعلنا موسى القلب هدى لبني إسرائيل صفات القلب ﴿ وجعلناهم أئمة ﴾ هم السر الخفي ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.
لأنهم عنده أعز من أن يجعل حكمهم إلى أحد من المخلوقين، ولأنه أعلم بحالهم من غيرهم ولئلا يطلع على أحوالهم غيره لأنه خلقهم للمحبة والرحمة فينظر في شأنهم بنظر المحبة والرضا، لأنه عفوّ يفيض العفو والجود فتحيا به القلوب الميتة فيسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ من الواردات التي تصلح لتربية النفوس وهي الأنعام، ومن المشاهدات التي تصلح لتغذية القلوب.
ويقول المنكرون لهذه الطائفة ﴿ متى هذا الفتح ﴾ أي الفتوح التي تدعونها قل لا ينفعكم ذلك إذ لم تقتدوا بهم ولم تهتدوا بهديهم ﴿ فأعرض عنهم ﴾ أيها الطالب بالإقبال علينا وبالله التوفيق.
قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ﴾ يقول - والله أعلم -: أو لم يبين لأهل مكة، ولم يكفهم من الهداية والبيان ما أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم، فيرون ما حل بهم، ومن أهلك ومن نجا منهم؛ فيقع الاعتبار لهم بمن ذكر من وجهين: أحدهما: زعموا أن آباءهم على ما هم عليه، وأنهم يقلدونهم في ذلك، وأنهم أمروا بذلك، فيخبر أنك أولاد من نجا منهم، لا أولاد من أهلكوا؛ لأنهم استؤصلوا؛ فلا يحتمل أن تكونوا أولاد من استؤصلوا؛ فدل أنهم أولاد من نجا منهم، وإنما نجا منهم المصدّق لا المكذب، فيخبر أن كيف لا اتبعتم آباءكم الذين نجوا منهم وهم المصدقون، دون الذين أهلكوا بالتكذيب والعناد؟!
والثاني: يعتبرون فيعلمون أن إهلاكهم واستئصالهم كان؛ للتكذيب والعناد مع الرسل والخلاف لهم؛ فيمنعهم ما حل بهم بالتكذيب والخلاف للرسل عن تكذيب رسول الله ومجادلتهم إياه.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ ﴾ .
قال بعضهم: أفلا يبصرون ذلك حيث يمشون في مساكن أولئك، ويمرّون فيها؟!
[و]قال بعضهم: أفلا يسمعون ما يحدث لهم عن أولئك، وما حل بهم، وبم نزل ذلك بهم؟!
وقال بعضهم: ﴿ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ ﴾ : أفلا يعقلون لماذا أهلكوا أو استؤصلوا؛ فيمتنعون عن ذلك؟!
وقال بعضهم: أفلا يستمعون الوعيد الذي أوعد لهم.
وقيل: أفلا يستمعون التوحيد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
هذه الآية ذكرت في الاحتجاج عليهم لإنكارهم البعث، والأولى ذكرت لإنكارهم نزول العذاب بالتكذيب والخلاف للرسل، فيخبرهم أن من قدر على سوق الماء إلى الأرض الميتة اليابسة وإحيائها، لقادر على إحيائكم بعد الموت؛ إذ الأعجوبة والقدرة في إحياء الأرض الميتة اليابسة إن لم يكن أكثر فلا تكون دون ما أنكروا؛ فكيف أنكرتم القدرة على إحياء الموتى، وقد عاينتم ما هو أكثر أو مثله؟!
والأرض الجرز: قال أبو عوسجة: هي التي لا نبت فيها، وأرضون أجراز، وأرض أجراز، وكذلك قال القتبي: الأرض الجرز: اليابسة: التي لا نبت فيها، وجمعها أجراز، ويقال سنون أجراز: إذا كانت سني جدب.
وقال بعضهم: الأرض الجرز: التي تأكل نباتها، أي: يحترق فيها، يقال: امرأة جرزاء: إذا كانت أكولة، أو كلام نحوه.
﴿ تَأْكُلُ مِنْهُ ﴾ ، من الزرع الذي ذكر أنه يخرج من الأرض اليابسة بالماء.
﴿ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ ﴾ ، قدرته في إخراج ما ذكر مما فيه غذاؤكم وغذاء ما سخر لكم من الأنعام.
أو يذكر نعمه، يقول: أفلا تبصرون نعمه؛ فكيف تكفرونه، وتعبدون غيره، وتصرفون الشكر إلى غيره؟!
وذكر عن عمر - - أنه قال: "الأرض الجرز التي لا نبات فيها".
وقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .
قال بعضهم: إن أصحاب رسول الله كانوا يقولون ويتحدثون: إن لنا يوماً أوشك أن نستريح فيه ونتنعم فيه - يعنون: يوم القيامة - فقال كفار مكة: متى هذا الفتح؟
وهو القضاء.
﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ : بأنه كائن، فإن كان البعث والقيامة حقّاً - صدّقنا يومئذ وآمنا؛ فأنزل الله - -، ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد لهم: ﴿ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ ﴾ : يوم القضاء، ﴿ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ ﴾ .
بالبعث؛ لقولهم: لو كان البعث الذي يقولون حقّاً صدقناه يومئذ.
﴿ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ : يقول: لا ينظر بهم بالعذاب حين يعذبون.
وقال بعضهم: إن أصحاب رسول الله كانوا يتذاكرون - وهم بمكة - فتح مكة لهم؛ فكان ناس من أهل مكة إذا سمعوا ذلك منهم هزءوا بهم وسخروا ويقولون لهم: متى فتحكم الذي تزعمون؟
فنزل: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ ﴾ يا أصحاب محمد، ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أنها تفتح عليكم.
لكن هذا بعيد؛ لأنه يقول على أثره: ﴿ قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ ، ولو كان فتح مكة، لكان ينفعهم إيمانهم، ولهم نظرة وإنظار؛ دل أنه يبعد صرفه إلى فتح مكة، والأول أشبه أن يكون؛ لما ذكر من ترك قبول الإيمان والإنظار، وفي الدنيا يقبل ذلك كله؛ فظهر أن الأول أشبه: كان السؤال عن الساعة أو عن المحاكمة، إلا أن يثبت ما ذكر في الخبر: أنه لما فتح مكة أقام النبي وأصحابه ذلك اليوم وانهزم المشركون؛ فخرجوا من مكة، وأقام من أقام بها؛ فأمنه النبي فأدلج خالد بن الوليد تلك الليلة دلجة في سبعمائة رجل ومعه أبو قتادة الأنصاري، فأسروا في أسفل مكة حتى سقطوا من وراء الحرم، فوجدوا الذين كانوا يهزءون بأصحاب محمد، ويقولون: متى فتحكم هذا؟
فوق جبل قد تحصنوا فيه، فلما رأوا خالد بن الوليد قالوا: هذا خالد بن الوليد وإحنته، وقد كان بينه وبينهم في الجاهلية إحنة، فقال لهم خالد بن الوليد: ما لكم؟
قالوا: قد أسلمنا، قال: إن كنتم قد أسلمتم فانزلوا، فنظر بعضهم إلى بعض، فقال رجل منهم: أطيعوني ولا تنزلوا إليه؛ فوالله لئن نزلتم إليه ليهلكنكم، إنه لخالد بن الوليد وإحنته، قالوا: والله ما علينا سبيل؛ لقد أسلمنا، ثم نزلوا ووضع عليهم خالد بن الوليد السلاح، واعتزل أبو قتادة، فقال: معاذ الله أن أعين على شيء مما هاهنا، فبلغ ذلك النبي؛ فبعث إليهم علي بن أبي طالب بالدية من غنائم خيبر، فوداهم إليه بالدية حتى بعث إليهم بردعة الخيل حين راعوهم، ومساقي الكلاب كانوا كسروها فوداهم رسول الله كل شيء لهم، فذلك قوله: ﴿ قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ .
﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ يا محمد إلى مدة لهم، ﴿ وَٱنتَظِرْ ﴾ ، بهم العذاب، أي: القتل وهلاكهم ﴿ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ ﴾ هلاككم.
وقال بعضهم: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ : إلى ذلك اليوم، ﴿ وَٱنتَظِرْ ﴾ : بهم فتح مكة، ﴿ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ ﴾ : هلاكك.
أو أن يكون قوله: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ، أي: لا تكافئهم لأذاهم إياك، ﴿ وَٱنتَظِرْ ﴾ : مكافأتنا إياهم، ﴿ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ ﴾ : ذلك، والله أعلم بالصواب.
ويقول المكذبون بالبعث مستعجلين العذاب: متى هذا الحكم الذي تزعمون أنه سيفصل بيننا وبينكم يوم القيامة، فيكون مصيرنا النار ومصيركم الجنة؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.kQ83l"