الآية ٣٥ من سورة الأحزاب

الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٣٥ من سورة الأحزاب

إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَـٰتِ وَٱلصَّـٰٓئِمِينَ وَٱلصَّـٰٓئِمَـٰتِ وَٱلْحَـٰفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَـٰفِظَـٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةًۭ وَأَجْرًا عَظِيمًۭا ٣٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٥ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٥ من سورة الأحزاب عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، حدثنا عثمان بن حكيم ، حدثنا عبد الرحمن بن شيبة ، سمعت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال ؟

قالت : فلم يرعني منه ذات يوم إلا ونداؤه على المنبر ، قالت ، وأنا أسرح شعري ، فلففت شعري ، ثم خرجت إلى حجرة من حجر بيتي ، فجعلت سمعي عند الجريد ، فإذا هو يقول عند المنبر : " يا أيها الناس ، إن الله يقول : ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات " إلى آخر الآية وهكذا رواه النسائي وابن جرير ، من حديث عبد الواحد بن زياد ، به مثله طريق أخرى عنها : قال النسائي أيضا : حدثنا محمد بن حاتم ، حدثنا سويد ، أخبرنا عبد الله بن شريك ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أم سلمة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : يا نبي الله ، ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن ، والنساء لا يذكرن ؟

فأنزل الله ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ) وقد رواه ابن جرير ، عن أبي كريب ، عن أبي معاوية ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة : أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، حدثه عن أم سلمة ، رضي الله عنها ، قالت : قلت : يا رسول الله ، أيذكر الرجال في كل شيء ولا نذكر ؟

فأنزل الله : ( إن المسلمين والمسلمات ) الآية طريق أخرى : قال سفيان الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : قالت أم سلمة : يا رسول الله ، يذكر الرجال ولا نذكر ؟

فأنزل الله : ( إن المسلمين والمسلمات ) الآية حديث آخر : قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب قال : حدثنا سيار بن مظاهر العنزي حدثنا أبو كدينة يحيى بن المهلب ، عن قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : قال النساء للنبي صلى الله عليه وسلم : ما له يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات ؟

فأنزل الله : ( إن المسلمين والمسلمات ) الآية وحدثنا بشر حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ; عن قتادة قال : دخل نساء على نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلن : قد ذكركن الله في القرآن ، ولم نذكر بشيء ، أما فينا ما يذكر ؟

فأنزل الله عز وجل : ( إن المسلمين والمسلمات ) الآية فقوله : ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ) دليل على أن الإيمان غير الإسلام ، وهو أخص منه ، لقوله تعالى : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) [ الحجرات : 14 ] وفي الصحيحين : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " فيسلبه الإيمان ، ولا يلزم من ذلك كفره بإجماع المسلمين ، فدل على أنه أخص منه كما قررناه في أول شرح البخاري [ وقوله ] : ( والقانتين والقانتات ) القنوت : هو الطاعة في سكون ، ( أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) [ الزمر : 9 ] ، وقال تعالى : ( وله من في السماوات والأرض كل له قانتون ) [ الروم : 26 ] ، ( يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ) [ آل عمران : 43 ] ، ( وقوموا لله قانتين ) [ البقرة : 238 ] فالإسلام بعده مرتبة يرتقي إليها ، ثم القنوت ناشئ عنهما ( والصادقين والصادقات ) : هذا في الأقوال ، فإن الصدق خصلة محمودة; ولهذا كان بعض الصحابة لم تجرب عليه كذبة لا في الجاهلية ولا في الإسلام ، وهو علامة على الإيمان ، كما أن الكذب أمارة على النفاق ، ومن صدق نجا ، " عليكم بالصدق; فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة وإياكم والكذب; فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا " والأحاديث فيه كثيرة جدا ( والصابرين والصابرات ) : هذه سجية الأثبات ، وهي الصبر على المصائب ، والعلم بأن المقدور كائن لا محالة ، وتلقي ذلك بالصبر والثبات ، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى ، أي : أصعبه في أول وهلة ، ثم ما بعده أسهل منه ، وهو صدق السجية وثباتها ( والخاشعين والخاشعات ) الخشوع : السكون والطمأنينة ، والتؤدة والوقار والتواضع والحامل عليه الخوف من الله ومراقبته ، [ كما في الحديث ] : " اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ( والمتصدقين والمتصدقات ) : الصدقة : هي الإحسان إلى الناس المحاويج الضعفاء ، الذين لا كسب لهم ولا كاسب ، يعطون من فضول الأموال طاعة لله ، وإحسانا إلى خلقه ، وقد ثبت في الصحيحين : " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله " فذكر منهم : " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها ، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " وفي الحديث الآخر : " والصدقة تطفئ الخطيئة ، كما يطفئ الماء النار " [ وفي الترمذي عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء " وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ، ليس بينه وبينه ترجمان ، فينظر أيمن منه ، فلا يرى إلا ما قدم ، وينظر أشأم منه ، فلا يرى إلا ما قدم ، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة " وفي حديث أبي ذر أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا ينجي العبد من النار ؟

قال : " الإيمان بالله " قلت : يا نبي الله ، مع الإيمان عمل ؟

قال : " ترضخ مما خولك الله " ، أو " ترضخ مما رزقك الله " ; ولهذا لما خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد قال في خطبته : " يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن ، فإني رأيتكن أكثر أهل النار " وكأنه حثهن ورغبهن على ما يفدين به أنفسهن من النار ، وقال عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : ذكر لي أن الأعمال تتباهى ، فتقول الصدقة : أنا أفضلكم وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال : ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثل البخيل والمتصدق ، كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد ، أو جنتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما ، فجعل المتصدق ، كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه ، حتى تغشى أنامله ، وتعفو أثره ، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت ، وأخذت كل حلقة مكانها قال أبو هريرة : فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بإصبعه هكذا في جيبه فلو رأيته يوسعها ولا يتسع وقد قال تعالى : ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) [ التغابن : 16 ] فجود الرجل يحببه إلى أضداده ، وبخله يبغضه إلى أولاده كما قيل : ويظهر عيب المرء في الناس بخله وتستره عنهم جميعا سخاؤه تغط بأثواب السخاء فإنني أرى كل عيب والسخاء غطاؤه ] والأحاديث في الحث عليها كثيرة جدا ، له موضع بذاته ( والصائمين والصائمات ) : في الحديث الذي رواه ابن ماجه : " والصوم زكاة البدن " أي : تزكيه وتطهره وتنقيه من الأخلاط الرديئة طبعا وشرعا قال سعيد بن جبير : من صام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر ، دخل في قوله : ( والصائمين والصائمات ) ولما كان الصوم من أكبر العون على كسر الشهوة - كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباء فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " - ناسب أن يذكر بعده : ( والحافظين فروجهم والحافظات ) أي : عن المحارم والمآثم إلا عن المباح ، كما قال تعالى : ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ) [ المؤمنون : 5 - 7 ] وقوله : ( والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عبيد الله ، حدثنا محمد بن جابر ، عن علي بن الأقمر ، عن الأغر أبي مسلم ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل ، فصليا ركعتين ، كتبا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات " وقد رواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، من حديث الأعمش ، [ عن علي بن الأقمر ] ، عن الأغر أبي مسلم ، عن أبي سعيد وأبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بمثله وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، أنه قال : قلت : يا رسول الله ، أي العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة ؟

قال : " الذاكرون الله كثيرا والذاكرات " قال : قلت : يا رسول الله ، ومن الغازي في سبيل الله ؟

قال : " لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما لكان الذاكرون الله أفضل منه " وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة ، فأتى على جمدان فقال : " هذا جمدان ، سيروا فقد سبق المفردون " قالوا : وما المفردون ؟

قال : " الذاكرون الله كثيرا " ثم قال : " اللهم اغفر للمحلقين " قالوا : والمقصرين ؟

قال : " اللهم ، اغفر للمحلقين " قالوا : والمقصرين ؟

قال : " والمقصرين " تفرد به من هذا الوجه ، ورواه مسلم دون آخره وقال الإمام أحمد : حدثنا حجين بن المثنى ، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن زياد بن أبي زياد - مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة - أنه بلغه عن معاذ بن جبل ، رضي الله عنه ، أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما عمل آدمي عملا قط أنجى له من عذاب الله من ذكر الله " وقال معاذ : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أخبركم بخير أعمالكم ، وأزكاها عند مليككم ، وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من تعاطي الذهب والفضة ، ومن أن تلقوا عدوكم غدا فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم " ؟

قالوا : بلى يا رسول الله قال : " ذكر الله عز وجل " وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا زبان بن فائد ، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني ، عن أبيه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن رجلا سأله فقال : أي المجاهدين أعظم أجرا يا رسول الله ؟

فقال : " أكثرهم لله ذكرا " قال : فأي الصائمين أكثر أجرا ؟

قال : " أكثرهم لله ذكرا " ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة ، كل ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أكثرهم لله ذكرا " فقال أبو بكر لعمر ، رضي الله عنهما : ذهب الذاكرون بكل خير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أجل " وسنذكر بقية الأحاديث الواردة في كثرة الذكر عند قوله تعالى في هذه السورة : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا ) الآية [ الأحزاب : 41 ، 42 ] ، إن شاء الله تعالى وقوله : ( أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ) أي : هيأ لهم منه لذنوبهم مغفرة وأجرا عظيما وهو الجنة

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) يقول تعالى ذكره: إن المتذللين لله بالطاعة والمتذللات، والمصدقين والمصدقات رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فيما أتاهم به من عند الله، والقانتين والقانتات لله، والمطيعين لله والمطيعات له فيما أمرهم ونهاهم، والصادقين لله فيما عاهدوه عليه والصادقات فيه، والصابرين لله في البأساء والضراء على الثبات على دينه وحين البأس والصابرات، والخاشعة قلوبهم لله وجلا منه ومن عقابه &; 20-269 &; والخاشعات، والمتصدقين والمتصدقات وهم المؤدون حقوق الله من أموالهم والمؤديات، والصائمين شهر رمضان الذي فرض الله صومه عليهم والصائمات ذلك، والحافظين فروجهم إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم والحافظات ذلك إلا على أزواجهن إن كن حرائر أو من ملكهن إن كن إماء، والذاكرين الله بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم والذاكرات، كذلك أعد الله لهم مغفرة لذنوبهم، وأجرًا عظيمًا: يعني ثوابًا في الآخرة على ذلك من أعمالهم عظيمًا، وذلك الجنة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: دخل نساء على نساء النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، فقلن: قد ذكركن الله في القرآن، ولم نذكر بشيء، أما فينا ما يذكر؟

فأنـزل الله تبارك وتعالى (إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَالقَانِتِينَ وَالقَانِتَاتِ) : أي: المطيعين والمطيعات، (وَالخَاشِعِينَ وَالخَاشِعَاتِ) أي: الخائفين والخائفات (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً) لذنوبهم (وَأَجْرًا عَظِيمًا) في الجنة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله (وَأَجْرًا عَظِيمًا) قال: الجنة، وفي قوله (وَالقَانِتِينَ وَالقَانِتَاتِ) قال: المطيعين والمطيعات.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عامر قال: القانتات: المطيعات.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مؤمل، قال: سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله يذكر الرجال ولا نُذكر؛ فنـزلت (إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ).

حدثنا أَبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أَبي سلمة، أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب حدثه أن أم سلمة قالت: قلت: &; 20-270 &; يا رسول الله أيذكر الرجال في كل شيء ولا نذكر؟

فأنـزل الله (إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ .....) الآية.

حدثنا أَبو كريب، قال: ثنا سيار بن مظاهر العنـزي، قال: ثنا أَبو كدينة يحيى بن مهلب، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال نساء النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ماله يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات؟

فأنـزل الله (إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ ....) الآية.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله (إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ) قال: قالت أم سلمة زوج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ما للنساء لا يذكرن مع الرجال في الصلاح؟

فأنـزل الله هذه الآية.

حدثني محمد بن المعمر، قال: ثنا أَبو هشام، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا عثمان بن حكيم، قال: ثنا عبد الرحمن بن شيبة، قال: سمعت أم سلمة زوج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم تقول: قلت للنبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: يا رسول الله ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟

قالت: فلم يرعني ذات يوم ظهرًا إلا نداؤه على المنبر وأنا أسرح رأسي، فلففت شعري ثم خرجت إلى حجرة من حجرهن، فجعلت سمعي عند الجريد، فإذا هو يقول على المنبر: يا أيها الناس إن الله يقول في كتابه: (إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ ....) إلى قوله (أَعَدَّ الله لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما .[ ص: 168 ] فيه مسألتان :الأولى : روى الترمذي عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : ما أرى كل شيء إلا للرجال ، وما أرى النساء يذكرن بشيء !

فنزلت هذه الآية : إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الآية .

هذا حديث حسن غريب .

و ( المسلمين ) اسم إن .

( والمسلمات ) عطف عليه .

ويجوز رفعهن عند البصريين ، فأما الفراء فلا يجوز عنده إلا فيما لا يتبين فيه الإعراب .الثانية : بدأ تعالى في هذه الآية بذكر الإسلام الذي يعم الإيمان وعمل الجوارح ، ثم ذكر الإيمان تخصيصا له وتنبيها على أنه عظم الإسلام ودعامته .

والقانت : العابد المطيع .

والصادق : معناه فيما عوهد عليه أن يفي به .

والصابر عن الشهوات وعلى الطاعات في المكره والمنشط .

والخاشع : الخائف لله .

والمتصدق بالفرض والنفل .

وقيل .

بالفرض خاصة ، والأول أمدح .

والصائم كذلك .

والحافظين فروجهم والحافظات أي عما لا يحل من الزنى وغيره .

وفي قوله : ( والحافظات ) حذف يدل عليه المتقدم ، تقديره : والحافظاتها ، فاكتفي بما تقدم .

وفي ( الذاكرات ) أيضا مثله ، ونظيره قول الشاعر :وكمتا مدماة كأن متونها جرى فوقها واستشعرت لون مذهبوروى سيبويه : لون مذهب بالنصب .

وإنما يجوز الرفع على حذف الهاء ، كأنه قال : واستشعرته ، فيمن رفع لونا .

والذاكر قيل في أدبار الصلوات وغدوا وعشيا ، وفي المضاجع وعند الانتباه من النوم .

وقد تقدم هذا كله مفصلا في مواضعه ، وما يترتب عليه من الفوائد والأحكام ، فأغنى عن الإعادة .

والحمد لله رب العالمين .

قال مجاهد : لا يكون ذاكرا لله تعالى كثيرا حتى يذكره قائما وجالسا ومضطجعا .

وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : من أيقظ أهله بالليل وصليا أربع ركعات كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر تعالى ثواب زوجات الرسول صلى اللّه عليه وسلم، وعقابهن [لو قدر عدم الامتثال] وأنه ليس مثلهن أحد من النساء، ذكر بقية النساء غيرهن.

ولما كان حكمهن والرجال واحدًا، جعل الحكم مشتركًا، فقال: { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ } وهذا في الشرائع الظاهرة، إذا كانوا قائمين بها.

{ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } وهذا في الأمور الباطنة، من عقائد القلب وأعماله.

{ وَالْقَانِتِينَ } أي: المطيعين للّه ولرسوله { وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ } في مقالهم وفعالهم { وَالصَّادِقَاتِ } { وَالصَّابِرِينَ } على الشدائد والمصائب { وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ } في جميع أحوالهم،خصوصًا في عباداتهم، خصوصًا في صلواتهم، { وَالْخَاشِعَاتِ } { وَالْمُتَصَدِّقِينَ } فرضًا ونفلاً { وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ } شمل ذلك، الفرض والنفل.

{ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ } عن الزنا ومقدماته، { وَالْحَافِظَاتِ } { وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ [كَثِيرًا } أي:] في أكثر الأوقات، خصوصًا أوقات الأوراد المقيدة، كالصباح والمساء، وأدبار الصلوات المكتوبات { وَالذَّاكِرَاتِ } { أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ } أي: لهؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الجميلة، والمناقب الجليلة، التي هي، ما بين اعتقادات، وأعمال قلوب، وأعمال جوارح، وأقوال لسان، ونفع متعد وقاصر، وما بين أفعال الخير، وترك الشر، الذي من قام بهن، فقد قام بالدين كله، ظاهره وباطنه، بالإسلام والإيمان والإحسان.

فجازاهم على عملهم { بِالْمَغْفِرَةً } لذنوبهم، لأن الحسنات يذهبن السيئات.

{ وَأَجْرًا عَظِيمًا } لا يقدر قدره، إلا الذي أعطاه، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نسأل اللّه أن يجعلنا منهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( إن المسلمين والمسلمات ) الآية .

وذلك أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - قلن : يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء بخير ، فما فينا خير نذكر به ، إنا نخاف أن لا يقبل الله منا طاعة ، فأنزل الله هذه الآية .

قال مقاتل : قالت أم سلمة بنت أبي أمية ونيسة بنت كعب الأنصارية للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ما بال ربنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من كتابه ، نخشى أن لا يكون فيهن خير ؟

فنزلت هذه الآية .

وروي أن أسماء بنت عميس رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب فدخلت على نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : هل نزل فينا شيء من القرآن ؟

قلن : لا .

فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسار ، قال : ومم ذاك ؟

قالت : لأنهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال ، فأنزل الله هذه الآية : ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين ) المطيعين ( والقانتات والصادقين ) في إيمانهم وفيما ساءهم وسرهم ( والصادقات والصابرين ) على ما أمر الله به ( والصابرات والخاشعين ) المتواضعين ( والخاشعات ) وقيل : أراد به الخشوع في الصلاة ، ومن الخشوع أن لا يلتفت ( والمتصدقين ) مما رزقهم الله ( والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم ) عما لا يحل ( والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ) قال مجاهد : لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا .

وروينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " قد سبق المفردون " ، قالوا : وما المفردون يا رسول الله ؟

قال : " الذاكرون الله كثيرا والذاكرات " .

قال عطاء بن أبي رباح : من فوض أمره إلى الله - عز وجل - فهو داخل في قوله : " إن المسلمين والمسلمات " ، ومن أقر بأن الله ربه ومحمدا رسوله ، ولم يخالف قلبه لسانه ، فهو داخل في قوله : " والمؤمنين والمؤمنات " ، ومن أطاع الله في الفرض ، والرسول في السنة : فهو داخل في قوله : " والقانتين والقانتات ومن صان قوله عن الكذب فهو داخل في قوله : " والصادقين والصادقات " ، ومن صبر على الطاعة ، وعن المعصية ، وعلى الرزية : فهو داخل في قوله : " والصابرين والصابرات " ، ومن صلى ولم يعرف من عن يمينه وعن يساره فهو داخل في قوله : " والخاشعين والخاشعات " ، ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو داخل في قوله : " والمتصدقين والمتصدقات " ، ومن صام في كل شهر أيام البيض : الثالث عشر ، والرابع عشر ، والخامس عشر ، فهو داخل في قوله : " والصائمين والصائمات " ، ومن حفظ فرجه عما لا يحل فهو داخل في قوله : " والحافظين فروجهم والحافظات " ، ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله : " والذاكرين الله كثيرا والذاكرات " .

( أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات» المطيعات «والصادقين والصادقات» في الإيمان «والصابرين والصابرات» على الطاعات «والخاشعين» المتواضعين «والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات» عن الحرام «والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة» للمعاصي «وأجرا عظيما» على الطاعات.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن المنقادين لأوامر الله والمنقادات، والمصَدِّقين والمصدِّقات والمطيعين لله ورسوله والمطيعات، والصادقين في أقوالهم والصادقات، والصابرين عن الشهوات وعلى الطاعات وعلى المكاره والصابرات، والخائفين من الله والخائفات، والمتصدقين بالفرض والنَّفْل والمتصدقات، والصائمين في الفرض والنَّفْل والصائمات، والحافظين فروجهم عن الزنى ومقدماته، وعن كشف العورات والحافظات، والذاكرين الله كثيرًا بقلوبهم وألسنتهم والذاكرات، أعدَّ الله لهؤلاء مغفرة لذنوبهم وثوابًا عظيمًا، وهو الجنة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذه التوجيهات الحكيم لأمهات المؤمنين ، ساق - سبحانه - توجيها جامعا لأمهات الفضائل ، وبشر المتصفين بهذه الفضائل بالمغفرة والأجر العظيم فقال - تعالى - : ( إِنَّ المسلمين والمسلمات ) .ورد فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما أخرجه الإِمام أحمد والنسائى وغيرهما ، عن أم سلمة - رضى الله عنها - قالت : قلت للنبى صلى الله عليه وسلم ما لنا لا نذكر فى القرآن كما يذكر الرجال؟

قالت : فلم يرعنى منه صلى الله عليه وسلم ذات يوم إلا نداؤه على المنبر ، وهو يتلو هذه الآية : ( إِنَّ المسلمين والمسلمات .

.

.

) .وأخرج الترمذى وغيره عن أم عمارة الأنصارية أنها أنت النبى صلى الله عليه وسلم فقالت : ما أرى كل شئ إلا للرجال ، وما أرى النساء يذكرون بشئ ، فنلت هذه الآية .وأخرجه ابن جرير عن قتادة قال : دخل نساء على أزواج النبى صلى الله عليه وسلم فقلن : قد ذكركن الله - تعالى - فى القرآن ، وما يذكرنا بشئ أما فينا ما يذكر ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية .والمعنى : ( إِنَّ المسلمين والمسلمات ) والإِسلام : الانقياد لأمر الله - تعالى - وإسلام الوجه له - سبحانه - وتفويض الأمر إليه وحده .( والمؤمنين والمؤمنات ) والإِيمان : هو التصديق القلبى ، والإِذعان الباطنى ، لما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم .( والقانتين والقانتات ) والقنوت : هو المواظبة على فعل الطاعات عن رضا واختيار .( والصادقين والصادقات ) والصدق : والصدق : هو النطف بما يطاب الواقع ، والبعد عن الكذب والقول الباطل .

.( والصابرين والصابرات ) والصبر : هو توطين النفس على احتمال المكاره والمشاق فى سبيل الحق ، وحسب النفس عن الشهوات .( والخاشعين والخاشعات ) والخشوع : صفة تجعل القلب والجوارح فى حالة انقياد تام لله - تعالى - ومراقبة له ، واستشعار لجلاله وهيبته .( والمتصدقين والمتصدقات ) والتصدق : تقديم الخير إلى الغير بإخلاص ، فدعا لحاجته ، وعملا على عونه ومساعدته .( والصائمين والصائمات ) والصوم : هو تقرب إلى الله - تعالى - واستعلاء على مطالب الحياة ولذائذها ، من أجل التقرب إليه - سبحانه - بما يرضيه .( والحافظين فُرُوجَهُمْ والحافظات ) وحفظ الفرج : كناية عن التعفف والتطهر والتصون عن أن يضع الإِنسان شهوته فى غير الموضع الذى أحله الله - تعالى - .( والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات ) وذكر الله - تعالى - يتمثل فى النطق بما يرضيه كقراءة القرآن الكريم ، والإِكثار من تسبيحه - عز وجل - وتحميده وتكبيره .

.وفى شهور النفس فى كل لحظة مراقبته - سبحانه - .هؤلاء الذين اصتفوا بهذه الصفات من الرجال والنساء ( أَعَدَّ الله ) - تعالى - ( لَهُم مَّغْفِرَةً ) واسعة لذنوبهم ( وَأَجْراً عَظِيماً ) لا يعلم مقداره إلا هو - عز وجل - .وهكذا نجد القرآن الكريم يسوق الصفات الكريمة ، التى من شأن الرجل والمرأة إذا ما اتصفا بها ، أن يسعدا فى دنياهما وفى أخراهما ، وأن يسعد بهما المجتمع الذى يعيشان فيه .

.نها صفات نظمت علاقة الإِنسان بربه ، وبنفسه ، وبغيره ، تنظيما حكيما ، يهدى الى الرشد ، ويوصل إلى الظفر والنجاح .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ﴾ لما أمرهن ونهاهن وبين ما يكون لهن وذكر لهن عشر مراتب الأولى: الإسلام والانقياد لأمر الله والثانية: الإيمان بما يرد به أمر الله، فإن المكلف أولاً يقول كل ما يقوله أقبله فهذا إسلام، فإذا قال الله شيئاً وقبله صدق مقالته وصحح اعتقاده فهو إيمان ثم اعتقاده يدعوه إلى الفعل الحسن والعمل الصالح فيقنت ويعبد وهو المرتبة الثالثة: المذكورة بقوله: ﴿ والقانتين والقانتات ﴾ ثم إذا آمن وعمل صالحاً كمل فيكمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق في كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله: ﴿ والصادقين والصادقات ﴾ ثم إن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال تعالى: ﴿ والصابرين والصابرات ﴾ ثم إنه إذا كمل وكمل قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته فمنعه منه بقوله: ﴿ والخاشعين والخاشعات ﴾ أو نقول لما ذكر هذه الحسنات أشار إلى ما يمنع منها وهو إما حب الجاه أو حب المال من الأمور الخارجية أو الشهوة من الأمور الداخلة، والغضب منهما يكون لأنه يكون بسبب نقص جاه أو فوت مال أو منع من أمر مشتى فقوله: ﴿ والخاشعين والخاشعات ﴾ أي المتواضعين الذين لا يميلهم الجاه عن العبادة، ثم قال تعالى: ﴿ والمتصدقين والمتصدقات ﴾ أي الباذلين الأموال الذين لا يكنزونها لشدة محبتهم إياها.

ثم قال تعالى: ﴿ والصائمين والصائمات ﴾ إشارة إلى الذين لا تمنعهم الشهوة البطنية من عبادة الله.

ثم قال تعالى: ﴿ والحافظين فُرُوجَهُمْ والحافظات ﴾ أي الذين لا تمنعهم الشهوة الفرجية.

ثم قال تعالى: ﴿ والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات ﴾ يعني هم في جميع هذه الأحوال يذكرون الله ويكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصبرهم وخشوعهم وصدقتهم وصومهم بنية صادقة لله، واعلم أن الله تعالى في أكثر المواضع حيث ذكر الذكر قرنه بالكثرة هاهنا، وفي قوله بعد هذا ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً  ﴾ وقال من قبل: ﴿ لّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الأخر وَذَكَرَ الله كَثِيراً  ﴾ لأن الإكثار من الأفعال البدنية غير ممكن أو عسر فإن الإنسان أكله وشربه وتحصيل مأكوله ومشروبه يمنعه من أن يشتغل دائماً بالصلاة ولكن لا مانع له من أن يذكر الله تعالى وهو آكل ويذكره وهو شارب أو ماش أو بائع أو شار، وإلى هذا أشار بقوله تعالى: ﴿ الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ  ﴾ ولأن جميع الأعمال صحتها بذكر الله تعالى وهي النية.

ثم قال تعالى: ﴿ أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً ﴾ تمحو ذنوبهم وقوله: ﴿ وَأَجْراً عَظِيماً ﴾ ذكرناه فيما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

يروى: أنّ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن: يا رسولَ اللَّهِ، ذكر اللَّهُ تعالى الرجالَ في القرآنِ بخيرٍ، أفما فينا خير نذكر بهِ؟

إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة.

وقيل: السائلة أم سلمة.

وروي: أنه لما نزل في نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما نزل، قال نساء المسلمين: فما نزل فينا شيء؟

فنزلت، والمسلم: الداخل في السلم بعد الحرب، المنقاد الذي لا يعاند، أو المفوّض أمره إلى الله تعالى المتوكل عليه من أسلم وجهه إلى الله.

والمؤمن: المصدق بالله ورسوله وبما يجب أن يصدق به.

والقانت: القائم بالطاعة الدائم عليها.

والصادق: الذي يصدق في نيته وقوله وعمله.

والصابر: الذي يصبر على الطاعات وعن المعاصي.

والخاشع: المتواضع لله بقلبه وجوارحه.

وقيل: الذي إذا صلّى لم يعرف من عن يمينه وشماله.

والمتصدق: الذي يزكي ماله ولا يخل بالنوافل.

وقيل: من تصدّق في أسبوع بدرهم فهو من المتصدّقين.

ومن صام البيض من كل شهر فهو من الصائمين.

والذاكر لله كثيراً: من لا يكاد يخلو من ذكر الله بقلبه أو لسانه أو بهما.

وقراءة القرآن والاشتغال بالعلم من الذكر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استيقظ من نومه وأيقظ امرأته فصليا جميعاً ركعتين كتبا في الذاكرين لله كثيراً والذاكرات» والمعنى: والحافظاتها والذاكراته، فحذف؛ لأنّ الظاهر يدلّ عليه.

فإن قلت: أي فرق بين العطفين، أعني عطف الإناث على الذكور وعطف الزوجين على الزوجين؟

قلت: العطف الأوّل نحو قوله تعالى: ﴿ ثيبات وَأَبْكَاراً ﴾ [التحريم: 5] في أنهما جنسان مختلفان، إذا اشتركا في حكم لم يكن بدّ من توسيط العاطف بينهما.

وأما العطف الثاني فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع، فكأن معناه: إنّ الجامعين والجامعات لهذه الطاعات ﴿ أَعَدَّ الله لَهُم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ ﴾ الدّاخِلِينَ في السِّلْمِ المُنْقادِينَ لِحُكْمِ اللَّهِ.

﴿ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ المُصَدِّقِينَ بِما يَجِبُ أنْ يُصَدِّقَ بِهِ.

﴿ والقانِتِينَ والقانِتاتِ ﴾ المُداوِمِينَ عَلى الطّاعَةِ.

﴿ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ ﴾ في القَوْلِ والعَمَلِ ﴿ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ المَعاصِي.

﴿ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ ﴾ المُتَواضِعِينَ لِلَّهِ بِقُلُوبِهِمْ وجَوارِحِهِمْ.

﴿ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ ﴾ بِما وجَبَ في مالِهِمْ.

﴿ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ ﴾ الصَّوْمَ المَفْرُوضَ.

﴿ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ ﴾ عَنِ الحَرامِ.

﴿ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ ﴾ بِقُلُوبِهِمْ وألْسِنَتِهِمْ.

﴿ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً ﴾ لِما اقْتَرَفُوا مِنَ الصَّغائِرِ لِأنَّهُنَّ مُكَفِّراتٌ.

﴿ وَأجْرًا عَظِيمًا ﴾ عَلى طاعَتِهِمْ، والآيَةُ وعْدٌ لَهُنَّ ولِأمْثالِهِمْ عَلى الطّاعَةِ والتَّدَرُّعِ بِهَذِهِ الخِصالِ.

رُوِيَ: «أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ  قُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرَ اللَّهُ الرِّجالَ في القُرْآنِ بِخَيْرٍ فَما فِينا خَيْرٌ نُذْكَرُ بِهِ فَنَزَلَتْ» .

وَقِيلَ: لَمّا نَزَلَ فِيهِنَّ ما نَزَلَ قالَ نِساءُ المُسْلِمِينَ فَما نَزَلَ فِينا شَيْءٌ فَنَزَلَتْ.

وعَطْفُ الإناثِ عَلى الذُّكُورِ لِاخْتِلافِ الجِنْسَيْنِ وهو ضَرُورِيٌّ، وعَطْفُ الزَّوْجَيْنِ عَلى الزَّوْجَيْنِ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ فَلَيْسَ بِضَرُورِيٍّ ولِذَلِكَ تُرِكَ في قَوْلِهِ ( ﴿ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ ﴾ ) وفائِدَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ إعْدادَ المُعَدِّ لَهم لِلْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ولما نزل فى نساء النبى صلى الله عليه وسلم ما نزل فينا شئ فنزلت {إِنَّ المسلمين والمسلمات} المسلم الداخل في السّلم بعد الحرب المنقاد الذي لا يعاند أو المفوض أمره إلى الله المتوكل عليه من

أسلم وجهه إلى الله {والمؤمنين} المصدقين بالله ورسوله وبما يجب أن يصدق به {والمؤمنات والقانتين} القائمين بالطاعة {والقانتات والصادقين} في النياب والاقوال والاعمال {والصادقات والصابرين والصابرات} على الطاعات وعن السيآت {والخاشعين}

الأحزاب (٣٧ - ٣٥)

المتوضعين لله بالقلوب والجوارح أو الخائفين {والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات} فرضاً ونفلاً {والصائمين والصائمات} فرضاً ونفلاً وقيل من تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو من المتصدقين ومن صام البيض من كل شهر فهو من الصائمين {والحافظين فُرُوجَهُمْ} عمالا يحل {والحافظات والذاكرين الله كَثِيراً} بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وقراءة القرآن والاشتغال بالعلم من الذكر والمعنى والحافظات فروجهن {والذاكرات} الله فحذف ادلالة ما تقدم عليه والفرق بين عطف الإناث على الذكور وعطف الزوجين على الزوجين لأن الأول نظير قوله ثيبات وأبكارا في أنهما جنسان مختلفان واشتركا في حكم واحد فلم يكن بد من توسط العاطف بينهما وأما الثاني فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع ومعناه أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات {أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عظيما} على طاعاتهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ ﴾ أيِ الدّاخِلِينَ في السِّلْمِ المُنْقادِينَ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى أوِ المُفَوَّضِينَ أمْرَهم لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ ﴿ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ المُصَدِّقِينَ بِما يَجِبُ أنْ يُصَدَّقَ بِهِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ.

﴿ والقانِتِينَ والقانِتاتِ ﴾ المُداوِمِينَ عَلى الطّاعاتِ القائِمِينَ بِها.

﴿ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ ﴾ في أقْوالِهِمُ الَّتِي يَجِبُ الصِّدْقُ فِيها، وقِيلَ في القَوْلِ والعَمَلِ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ أيْ في إيمانِهِمْ.

﴿ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ ﴾ عَلى المَكارِهِ وعَلى العِباداتِ وعَنِ المَعاصِي.

﴿ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ ﴾ المُتَواضِعِينَ لِلَّهِ تَعالى بِقُلُوبِهِمْ وجَوارِحِهِمْ، وقِيلَ: الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ مَن عَنْ أيْمانِهِمْ وشَمائِلِهِمْ إذا كانُوا في الصَّلاةِ ﴿ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ ﴾ بِما يَحْسُنُ التَّصَدُّقُ بِهِ مِن فَرْضٍ وغَيْرِهِ.

﴿ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ ﴾ الصَّوْمَ المَشْرُوعَ فَرْضًا كانَ أوْ نَفْلًا، وعَنْ عِكْرِمَةَ الِاقْتِصارُ عَلى صَوْمِ رَمَضانَ، وقِيلَ: مَن تَصَدَّقَ في كُلِّ أُسْبُوعٍ بِدِرْهَمٍ فَهو مِنَ المُتَصَدِّقِينَ ومَن صامَ البِيضَ مِن كُلِّ شَهْرٍ فَهو مِنَ الصّائِمِينَ.

﴿ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ ﴾ عَمّا لا يَرْضى بِهِ اللَّهُ تَعالى.

﴿ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ ﴾ بِالألْسِنَةِ والقُلُوبِ ومَدارُ الكَثْرَةِ العُرْفُ عِنْدَ جَمْعٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لا يُكْتَبُ الرَّجُلُ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا حَتّى يَذْكُرَ اللَّهَ تَعالى قائِمًا وقاعِدًا ومُضْطَجِعًا.

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: ««إذا أيْقَظَ الرَّجُلُ اِمْرَأتَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيا رَكْعَتَيْنِ كانا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ»،» وقِيلَ: المُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُ آلائِهِ سُبْحانَهُ ونِعَمِهِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ ومَآلُ هَذا إلى الشُّكْرِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

﴿ أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ ما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ ﴿ مَغْفِرَةً ﴾ لِما اِقْتَرَفُوا مِنَ الصَّغائِرِ لِأنَّهُنَّ مُكَفَّراتٌ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ كَما ورَدَ ﴿ وأجْرًا عَظِيمًا ﴾ عَلى ما عَمِلُوا مِنَ الطّاعاتِ، والآيَةُ وعْدٌ لِلْأزْواجِ المُطَهَّراتِ وغَيْرِهِنَّ مِمَّنِ اِتَّصَفَتْ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، أخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ  ما لَنا لا نُذْكَرُ في القُرْآنِ كَما يُذْكَرُ الرِّجالُ؟

فَلَمْ يَرُعْنِي مِنهُ  ذاتَ يَوْمٍ إلّا نِداءَهُ عَلى المِنبَرِ وهو يَقُولُ: ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ،» وضَمِيرُ ما لَنا لِلنِّساءِ عَلى العُمُومِ، فَفي رِوايَةٍ أُخْرى رَواها النَّسائِيُّ وجَماعَةٌ عَنْها أيْضًا «أنَّها قالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لِي أسْمَعُ الرِّجالَ يُذْكَرُونَ في القُرْآنِ والنِّساءُ لا يُذْكَرُونَ؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ ﴾ الآيَةَ».

وفِي بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ القائِلَ غَيْرُها، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والطَّبَرانِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وآخِرُونَ «عَنْ أُمِّ عِمارَةَ الأنْصارِيَّةِ أنَّها أتَتِ النَّبِيَّ  فَقالَتْ: ما أرى كُلَّ شَيْءٍ إلّا لِلرِّجالِ وما أرى النِّساءَ يُذْكَرْنَ بِشَيْءٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ ﴾ » الخ.

وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «دَخَلَ نِساءٌ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ  فَقُلْنَ: قَدْ ذَكَرَكُنَّ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ وما يَذْكُرُنا بِشَيْءٍ أما فِينا ما يُذْكَرُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ ﴾ الآيَةَ،» وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قالَ لَمّا ذُكِرَ أزْواجُ النَّبِيِّ  قالَ النِّساءُ: لَوْ كانَ فِينا خَيْرٌ لِذُكِرْنا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ.

ولا مانِعَ أنْ يَكُونَ كُلُّ ذَلِكَ، وعَطْفُ الإناثِ عَلى الذُّكُورِ كالمُسْلِماتِ عَلى المُسْلِمِينَ والمُؤْمِناتِ عَلى المُؤْمِنِينَ ضَرُورِيٌّ لِأنَّ تَغايُرَ الذَّواتِ المُشْتَرِكَةِ في الحُكْمِ يَسْتَلْزِمُ العَطْفَ ما لَمْ يُقْصَدِ السَّرْدُ عَلى طَرِيقِ التَّعْدِيدِ، وعَطْفُ الزَّوْجَيْنِ أعْنِي مَجْمُوعَ كُلِّ مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ كَعَطْفِ مَجْمُوعِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ عَلى مَجْمُوعِ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ غَيْرُ لازِمٍ وإنَّما اُرْتُكِبَ هاهُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَدارَ إعْدادِ ما أُعِدَّ لَهم جَمْعُهم بَيْنَ هَذِهِ النُّعُوتِ الجَمِيلَةِ.

وذِكْرُ الفُرُوجِ مُتَعَلِّقًا لِلْحِفْظِ لِكَوْنِها مَرْكَبَ الشَّهْوَةِ الغالِبَةِ وذِكْرُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مُتَعَلِّقًا لِلذِّكْرِ لِأنَّهُ الِاسْمُ الأعْظَمُ المُشْعِرُ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ، وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ كُلٍّ مِنَ الحافِظاتِ والذّاكِراتِ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، وجَعْلُ الذِّكْرِ آخِرَ الصِّفاتِ لِعُمُومِهِ وشَرَفِهِ ﴿ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ  ﴾ وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ في ﴿ أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ لِتَغْلِيبِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ وإلّا فالظّاهِرُ لَهم ولَهُنَّ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ التَّنْزِيلِ أشارَ في أوَّلِ الآيَةِ وآخِرِها إلى أفْضَلِيَّةِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ يعني: احفظن ما يقرأ عليكن مِنْ آياتِ اللَّهِ يعني: القرآن وَالْحِكْمَةِ يعني: أمره ونهيه في القرآن.

فوعظهن ليتفكرون.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً لطيف علمه، فيعلم حالهن إن خضعن بالقول.

ويقال: لطيفاً أمر نبيه بأن يلطف بهن خَبِيراً يعني: عالماً بأعمالهن.

قوله عز وجل: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وذلك أن أم سلمة-  ا- سألت رسول الله  : ما بال ربنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من كتابه، فأخشى أن لا يكون فيهن خير، ولا لله عز وجل فيهن حاجة؟

فنزل إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ويقال: إن النساء اجتمعن وبعثن أنيسة رسولا إلى النبيّ  .

فقالت: إن الله تبارك وتعالى خالق الرجال والنساء، وقد أرسلك إلى الرجال والنساء، فما بال النساء ليس لهن ذكر في الكتاب فنزلت هذه الآية.

وقال قتادة: لما ذكر الله عز وجل أزواج النبي يعني: دخل نِسَاءٌ مسلماتٌ عليهن، فقلن: ذكرتن ولم نذكر.

ولو كان فينا خيرا ذكرنا.

فنزلت هذه الآية إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ يعني: المسلمين من الرجال، والمسلمات من النساء.

وَالْمُؤْمِنِينَ يعني: المصدقين الموحدين من الرجال وَالْمُؤْمِناتِ يعني: المصدقات الموحدات من النساء وَالْقانِتِينَ يعني: المطيعين، وأصل القنوت القيام.

ثم يكون للمعاني، ويكون للطاقة.

كقوله وَالْقانِتِينَ ويكون للإقرار بالعبودية كقوله: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ [البقرة: 116 والروم: 26] وَالْقانِتاتِ أي: المطيعات من النساء وَالصَّادِقِينَ يعني: الصادقين في إيمانهم من الرجال وَالصَّادِقاتِ من النساء وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ على أمر الله تعالى من الرجال والنساء وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ يعني: المتواضعين من الرجال والنساء وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ يعني: المنفقين أموالهم في طاعة الله مِنْ الرجال والنساء وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ قال مقاتل: من صام رمضان، وثلاثة أيام من كل شهر فهو من الصائمين والصائمات.

ثم قال: وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ يعني: من الفواحش من الرجال والنساء وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ يعني: باللسان من الرجال والنساء.

فذكر أعمالهم.

ثم ذكر ثوابهم فقال: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً في الدنيا لذنوبهم وَأَجْراً عَظِيماً في الآخرة وهو الجنة.

قوله عز وجل: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ الآية.

وذلك أن رسول الله  قال لزينب بنت جحش الأسدية وهي بنت عمة النبيّ  أميمة بنت عبد المطلب: «إنِّي أُرِيدُ أنْ أُزَوِّجَكِ من زيد بن حارثة» .

فقالت: يا رسول الله لا أرضاه لنفسي.

وأنا أرفع قريش لأنني من قريش وابنة عمتك.

فنزل وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ يعني: ما جاز لمؤمن يعني: زيد بن حارثة، وَلا مُؤْمِنَةٍ يعني: زينب بنت جحش إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً يعني: حكم حكماً في تزويجهما أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ يعني: اختيار من أمرهم بخلاف ما أمر الله ورسوله.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم: أن يكون بالياء بالتذكير.

وقرأ الباقون: بالتاء بلفظ التأنيث.

فمن قرأ بالتاء: فلأن لفظ الخيرة مؤنث.

ومن قرأ بالياء: فإنه ينصرف إلى المعنى، ومعناهما الاختيار لتقديم الفعل وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً فلما سمعت زينب بنت جحش نزول هذه الآية قالت: أطعتك يا رسول الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

نَحْنُ بَنَاتِ طَارِقْ ...

نَمْشِي عَلَى النَّمَارِقْ «١»

انتهى.

ت واسْتَصْوَبَ ابنُ هشامٍ نصبَه على النداء، قاله في «المغني» .

وقوله تعالى:

وَاذْكُرْنَ يُعْطِي أنْ أهْل البيتِ نساؤه، وعلى قول الجمهور: هي ابتداء مخاطبةِ، والحكمةُ السّنّةُ، فقولُه: وَاذْكُرْنَ يحتمل مَقْصِدَيْنِ: كِلاهما مَوْعِظَة أحدُهمَا: أن يريدَ تَذَكَّرْنَه، واقْدِرْنَه قَدْرَه، وفَكِّرْنَ فِي أنّ مَنْ هذِهِ حَالُه يَنْبَغِي أن تَحْسُنَ أَفْعَالُه، والثاني: أن يُرِيْدَ:

اذْكُرْنَ بمعنى: احْفَظْنَ واقْرَأْنَ وَأَلْزِمْنَهُ أَلسنتَكنَّ.

ت: ويحتمل أن يُرَادَ ب اذْكُرْنَ إفشاؤه ونشرُه للناس، والله أعلم.

وهذا هو الذي فهمُه ابنُ العربيِّ «٢» من الآية، فإنَّه قال: أمر الله أزواجَ رسولهِ أن يُخْبرن بما ينزل من القرآن في بيوتهن وبما يَرَيْنَ من أفعال النّبي صلى الله عليه وسلّم وأقواله، حتى يبلغَ ذلك إلى الناسِ، فيعملوا بما فيه ويَقْتَدُوا به، انتهى.

وهوَ حسن وهو ظاهر الآية وقد تقدم له نحو هذا في قوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً [النساء: ١٢٨] الآية ذكره «٣» في «أحكام القرآن» .

وقوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ...

الآية: رُوِي في سَبَبهَا أَنَّ أُمُّ سَلَمَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولُ اللهِ، يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى الرِّجَالَ فِي كِتَابِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلاَ يَذْكُرُنَا، فَنَزَلَتْ الآيةُ فِي ذَلِكَ، وألفاظ الآية في غاية البيان.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ نِساءَ رَسُولِ اللَّهِ  قُلْنَ: ما لَهُ لَيْسَ يُذْكَرُ إلّا المُؤْمِنُونَ، ولا تُذْكَرُ المُؤْمِناتُ بِشَيْءٍ؟!

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ يُذْكَرُ الرِّجالُ ولا نُذْكَرُ!

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ  ﴾ ،» قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: «أنَّ أُمَّ عِمارَةَ الأنْصارِيَّةَ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ بِأبِي وأُمِّي ما بالُ الرِّجالِ يُذْكَرُونَ، ولا تُذْكَرُ النِّساءُ؟!

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وذَكَرَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ وأُمَّ عِمارَةَ قالَتا ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ [هَذِهِ] الآيَةُ في قَوْلِهِما.

والرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أزْواجَ رَسُولِهِ دَخَلَ النِّساءُ المُسْلِماتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْنَ: ذُكِرْتُنَّ ولَمْ نُذْكَرْ، ولَوْ كانَ فِينا خَيْرٌ ذُكِرْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ قَتاَدَةُ.

والخامِسُ: «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ لَمّا رَجَعَتْ مِنَ الحَبَشَةِ دَخَلَتْ عَلى نِساءِ رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَتْ: هَلْ نَزَلَ فِينا شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ؟

قُلْنَ: لا، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ النِّساءَ لَفي خَيْبَةٍ وخَسارٍ، قالَ: " ومِمَّ ذاكَ " ؟

قالَتْ: لِأنَّهُنَّ لا يُذْكَرْنَ بِخَيْرٍ كَما يُذْكَرُ الرِّجالُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» ذَكَرَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

وَقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ ألْفاظِ الآيَةِ في مَواضِعَ [البَقَرَةِ: ١٢٩، ١٠٩، الأحْزابِ: ٣١، آلِ عِمْرانَ: ١٧، البَقَرَةِ: ٤٥، يُوسُفَ: ٨٨، البَقَرَةِ: ١٨٤، الأنْبِياءِ: ٩١، آلِ عِمْرانَ: ١٩١] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللهِ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ﴾ ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصادِقِينَ والصادِقاتِ والصابِرِينَ والصابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصائِمِينَ والصائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا والذاكِراتِ أعَدَّ اللهَ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا ﴾ اتِّصالُ هَذِهِ الألْفاظِ يُعْطِي أنَّ "أهْلَ البَيْتِ" نِساؤُهُ، وعَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ هي ابْتِداءُ مُخاطَبَةٍ، أمَرَ اللهُ تَعالى أزْواجَ النَبِيِّ  - عَلى جِهَةِ المَوْعِظَةِ وتَعْدِيدِ النِعْمَةِ - بِذِكْرِ ما يُتْلى في بُيُوتِهِنَّ، ولَفْظُ "الذِكْرِ" هُنا يَحْتَمِلُ مَقْصِدَيْنِ كِلاهُما مَوْعِظَةٌ وتَعْدِيدُ نِعْمَةٍ: أحَدُهُما أنْ يُرِيدَ: "اذْكُرْنَ"، أيْ: تُذَكِّرْنَهُ واقْدُرَنَّهُ قَدْرَهُ، وفَكِّرْنَ في أنَّ مِن هَذِهِ حالَهُ يَنْبَغِي أنْ تُحَسِّنَ أفْعالَهُ، والآخَرُ أنْ يُرِيدَ: "اذْكُرْنَ" بِمَعْنى: احْفَظْنَ واقْرَأْنَ والزَمْنَهُ الألْسِنَةَ، وكَأنَّهُ يَقُولُ: واحْفَظْنَ أوامِرَ اللهِ ونَواهِيهِ، وذَلِكَ هو الَّذِي يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللهِ، وذَلِكَ مُؤَدٍّ بِكُنَّ إلى الِاسْتِقامَةِ.

و"الحِكْمَةُ" هي سُنَّةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ دُونَ أنْ يَكُونَ في قُرْآنٍ مَتْلُوٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصَفًّا لِلْآياتِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ "لَطِيفًا" ﴾ تَأْنِيسٌ وتَعْدِيدُ نِعَمِهِ: أيْ: لَطِيفٌ بِكُنَّ في هَذِهِ النِعْمَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ "خَبِيرًا" ﴾ تَحْذِيرٌ ما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ ﴾ الآيَةُ.

رُوِيَ عن أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ سَبَبَها «أنَّها قالَتْ لِلنَّبِيِّ  : "يا رَسُولَ اللهِ، يَذْكُرُ اللهُ تَعالى الرِجالَ في كِتابِهِ في كُلِّ شَيْءٍ، ولا يَذْكُرُنا" فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» ورَوى قَتادَةُ «أنَّ نِساءً مِنَ الأنْصارِ دَخَلْنَ عَلى أزْواجِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فَقُلْنَ لَهُنَّ: "ذَكَرَكُنَّ اللهُ في القُرْآنِ ولَمْ يَذْكُرْ سائِرَ النِساءِ بِشَيْءٍ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ نِساءَ النَبِيِّ قُلْنَ لَهُ: "ما لَهُ تَعالى يَذْكُرُ المُؤْمِنِينَ ولَمْ يَذْكُرِ المُؤْمِناتِ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» وبَدَأ تَعالى بِذِكْرِ "الإسْلامِ" الَّذِي يَعُمُّ الإيمانَ وعَمَلَ الجَوارِحِ، ثُمَّ ذَكَرَ "الإيمانَ" تَخْصِيصًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ عُظْمُ الإسْلامِ ودُعامَتُهُ، و"القانِتُ": العابِدُ المُطِيعُ، وَ"الصادِقُ" مَعْناهُ: فِيما عُوهِدَ عَلَيْهِ أنْ يَفِيَ بِهِ ويُكْمِلَهُ، و"الصابِرُ": عَنِ الشَهَواتِ وعَلى الطاعاتِ في المَكْرَهِ والمَنَشَطِ، و"الخاشِعُ": الخائِفُ لِلَّهِ المُسْتَكِينُ لِرُبُوبِيَّتِهِ الوَقُورُ، و"المُتَصَدِّقُ": بِالفَرْضِ والنَفْلِ، وقِيلَ: هي في الفَرْضِ خاصَّةً، والأوَّلُ أمْدَحُ، و"الصائِمُ" كَذَلِكَ في الفَرْضِ والنَفْلِ، و"حِفْظُ الفَرْجِ" هو مِنَ الزِنى وشَبَهِهِ، ويَدْخُلُ مَعَ ذَلِكَ كُلُّ ما يُؤَدِّي إلى الزِنى أو هو في طَرِيقِهِ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ "والحافِظاتِ" ﴾ حَذْفُ ضَمِيرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمُ، تَقْدِيرُهُ: والحافِظاتُها، وفي "الذاكِراتِ" أيْضًا مِثْلُهُ، و"المَغْفِرَةُ" هي سَتْرُ ذُنُوبِهِمْ والصَفْحُ عنها، و"الأجْرُ العَظِيمُ": الجَنَّةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن تكون هذه الجملة استئنافاً بيانياً لأن قوله: ﴿ ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين ﴾ [الأحزاب: 31] بعدَ قوله: ﴿ لستن كأحد من النساء ﴾ [الأحزاب: 32] يثير في نفوس المسلمات أن يسألَنْ: أَهُنَّ مأجورات على ما يعملن من الحسنات، وأهنّ مأمورات بمثل ما أمرت به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أم تلك خصائص لنساء النبي عليه الصلاة والسلام، فكان في هذه الآية ما هو جواب لهذا السؤال على عادة القرآن فيما إذا ذكر مأمورات يُعقبها بالتذكير بحال أمثالها أو بحال أضدادها.

ويجوز أن تكون استئنافاً ابتدائياً ورد بمناسبة ما ذكر من فضائل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم روى ابن جرير والواحدي عن قتادة: أن نساءً دخلْنَ على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقلن: قد ذَكَرَكُنّ الله في القرآن ولم يذكرنا بشيء، ولو كان فينا خير لذكرنا فأنزل الله هذه الآية.

وروى النسائي وأحمد: أن أم سلمة قالت للنبيء صلى الله عليه وسلم ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وروى الترمذي والطبراني: «أن أم عُمارة الأنصارية أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ما أرى النساء يُذْكَرن بشيء» فنزلت هذه الآية.

وقال الواحدي: «قال مقاتل: بلغني أن أسماء بنت عُميس لما رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب دخلت على نساء النبي فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟

قيل: لا، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسار.

قال: ومم ذلِك؟

قالت: لأنهن لا يذكرن بالخير كما يذكر الرجال فأنزل الله هذه الآية».

فالمقصود من أصحاب هذه الأوصاف المذكورة النساءُ، وأما ذِكْر الرجال فللإِشارة إلى أن الصنفين في هذه الشرائع سواء ليعلموا أن الشريعة لا تختص بالرجال لا كما كان معظم شريعة التوراة خاصاً بالرجال إلا الأحكام التي لا تتصور في غير النساء، فشريعة الإِسلام بعكس ذلك الأصل في شرائعها أن تعم الرجال والنساء إلا ما نُصّ على تخصيصه بأحد الصنفين، ولعل بهذه الآية وأمثالها تقرر أصل التسوية فأَغنى عن التنبيه عليه في معظم أقوال القرآن والسنة، ولعل هذا هو وجه تعداد الصفات المذكورة في هذه الآية لئلا يتوهم التسوية في خصوص صفة واحدة.

وسُلك مسلك الإِطناب في تعداد الأوصاف لأن المقام لزيادة البيان لاختلاف أفهام الناس في ذلك، على أن في هذا التعداد إيماء إلى أصول التشريع كما سنبينه في آخر تفسير هذه الآية.

وبهذه الآثار يظهر اتصال هذه الآيات بالتي قبلها.

وبه يظهر وجه تأكيد هذا الخبر بحرف ﴿ إنَّ ﴾ لدفع شك من شك في هذا الحكم من النساء.

والمراد ب ﴿ المسلمين والمسلمات ﴾ من اتصف بهذا المعنى المعروف شرعاً.

والإِسلام بالمعنى الشرعي هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقامُ الصلاة وإيتاء الزكاة وصومُ رمضان وحج البيت، ولا يعتبر إسلاماً إلا مع الإيمان.

وذكرُ ﴿ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ في البقرة (132).

والمراد ﴿ بالمؤمنين والمؤمنات ﴾ الذين آمنوا.

والإِيمان: أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويؤمن بالقَدر خيرِه وشره.

وتقدم الكلام على الإِيمان في أوائل سورة البقرة.

و ﴿ والقانتين والقانتات ﴾ : أصحاب القنوت وهو الطاعة لله وعبادته، وتقدم آنفا ﴿ ومن يقنت منكن لله ورسوله ﴾ [الأحزاب: 31] و ﴿ الصادقين والصادقات ﴾ من حصَل منهم صدق القول وهو ضد الكذب، والصدق كله حسن، والكذب لا خير فيه إلا لضرورة.

وشمل ذلك الوفاءَ بما يُلتزم به من أمور الديانة كالوفاء بالعهد والوفاء بالنذر، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين صدقوا ﴾ في سورة البقرة (177).

﴿ وبالصابرين والصابرات ﴾ : أهل الصبر والصبر محمود في ذاته لدلالته على قوة العزيمة، ولكن المقصود هنا هو تحمل المشاق في أمور الدين، وتحمُّل المكاره في الذبّ عن الحوزة الإسلامية، وتقدم مستوفى عند قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ﴾ آخر سورة آل عمران (200).

و ﴿ بالخاشعين والخاشعات ﴾ : أهلُ الخشوع، وهو الخضوع للَّه والخوفُ منه، وهو يرجع إلى معنى الإِخلاص بالقلب فيما يعمله المكلف، ومطابقة ذلك لما يَظهر من آثاره على صاحبه.

والمراد: الخشوع للَّه بالقلب والجوارح، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ﴾ في سورة البقرة (45).

و ﴿ بالمتصدقين والمتصدقات ﴾ : من يبذل الصدقة من ماله للفقراء، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ إلا من أمر بصدقة ﴾ في سورة النساء (114).

وفائدة ذلك للأمة عظيمة.

وأما (الصائمون والصائمات) فظاهرٌ ما في الصيام من تخلق برياضة النفس لطاعة الله، إذ يترك المرء ما هو جبلي من الشهوة تقرباً إلى الله، أي برهاناً على أن رضى الله عنه ألذُّ عنده من أشد اللذات ملازمة له.

وأما حفظ الفروج فلأن شهوة الفرج شهوة جبلية، وهي في الرجل أشد، وقد أثنى الله على الأنبياء بذلك فقال في يحيى ﴿ وحَصوراً ﴾ [آل عمران: 39] وقال في مريم ﴿ والتي أحصنت فرجها ﴾ [الأنبياء: 91]، وهذا الحفظ له حدود سنتها الشريعة، فالمراد: حفظ الفروج عن أن تستعمل فيما نهي عنه شرعاً، وليس المراد: حفظها عن الاستعمال أصلاً وهو الرهبنة، فإن الرهبنة مدحوضة في الإسلام بأدلة متواترة المعنى.

وأما (الذاكرون والذاكرات) فهو وصف صالح لأن يَكون من الذِّكر بكسر الذال وهو ذكر اللسان كالذي في قوله: ﴿ فاذكروني أذكُرْكُم ﴾ [البقرة: 152] وقوله في الحديث: «ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي» ومن الذُّكر بضمها كما تقدم آنفاً في قوله: ﴿ واذكرن ما يتلى في بيوتكن ﴾ [الأحزاب: 34]، والذي في قوله: ﴿ ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ﴾ [آل عمران: 135].

ومفعول و ﴿ الحافظات ﴾ محذوف دل عليه ما قبله من قوله: ﴿ والحافظين فروجهم ﴾ ، وكذلك مفعول و ﴿ الذاكرات ﴾ .

وقد اشتملت هذه الخصال العشر على جوامع فصول الشريعة كلها.

فالإِسلام: يجمع قواعد الدين الخمس المفروضةَ التي هي أعمال، والإِيمان يجمع الاعتقادات القلبية المفروضة وهو شرط أعمال الإِسلام كلها، قال تعالى: ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ [البلد: 17].

والقنوت: يجمع الطاعات كلّها مفروضَها ومسنُونها، وتركَ المنهيات والإقلاع عنها ممن هو مرتكبها، وهو معنى التوبة، فالقنوت هو تمام الطاعة، فهو مساوٍ للتقوى.

فهذه جوامع شرائع المكلفين في أنفسهم.

والصدق: يجمع كلّ عمل هو من موافقة القول والفعل للواقع في القضاء والشهادة والعقود والالتزامات وفي المعاملات بالوفاء بها وترك الخيانة، ومطابقة الظاهر للباطن في المراتب كلّها.

ومن الصدق صدق الأفعال.

والصبر: جامع لما يختص بتحمل المشاقّ من الأعمال كالجهاد والحسبة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومناصحة المسلمين وتحمل الأذى في الله، وهو خلق عظيم هو مفتاح أبواب محامد الأخلاق والآداب والإِنصاف من النفس.

والخشوع: الإخلاص بالقلب والظاهر، وهو الانقياد وتجنب المعاصي، ويدخل فيه الإِحسان وهو المفسر في حديث جبريل «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

ويدخل تحت ذلك جميع القُرَب النوافل فإنها من آثار الخشوع، ويدخل فيه التوبة مما اقترفه المرء من الكبائر إذ لا يتحقق الخشوع بدونها.

والتصدق: يحتوي جميع أنواع الصدقات والعطيات وبذل المعروف والإِرفاق.

والصوم: عبادة عظيمة، فلذلك خُصصت بالذكر مع أن الفرض منه مشمول للإِسلام في قوله: ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ ويفي صوم النافلة، فالتصريح بذكر الصوم تنويه به.

وفي الحديث " قال الله تعالى: الصوم لي وأنا أجزي به ".

وحفظ الفروج: أريد به حفظها عما ورد الشرع بحفظها عنه، وقد اندرج في هذا جميع أحكام النكاح وما يتفرع عنها وما هو وسيلة لها.

وذكرُ اللَّه كما علمت له محملان: أحدهما: ذكرهُ اللساني فيدخل فيه قراءة القرآن وطلب العلم ودراسته.

قال النبي صلى الله عليه وسلم " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيَتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده " ففي قوله: «وذكرهم اللَّه» إيماء إلى أن الجزاء من جنس عملهم فدل على أنهم كانوا في شيء من ذِكر الله وقد قال تعالى: ﴿ فاذكروني أذكرْكُم ﴾ [البقرة: 152] وقال فيما أخبر عنه رسولُه صلى الله عليه وسلم " وإن ذكرني في مَلأَ ذكرته في ملأ خير منهم ".

وشمل ما يذكر عقب الصلوات ونحو ذلك من الأذكار.

والمحمل الثاني: الذكر القلبي وهو ذكر الله عند أمره ونهيه كما قال عمر بن الخطاب: أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه، وهو الذي في قوله تعالى: ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ﴾ [آل عمران: 135] فدخل فيه التوبة ودخل فيها الارتداع عن المظالم كلها من القتل وأخذ أموال الناس والحِرابة والإِضرار بالناس في المعاملات.

ومما يوضح شموله لهذه الشرائع كلها تقييده ب ﴿ كثيراً ﴾ لأن المرء إذا ذَكَر الله كثيراً فقد استغرق ذكره على المحملين جميعَ ما يُذكر الله عنده.

ويراعى في الاتصاف بهذه الصفات أن تكون جارية على ما حدده الشرع في تفاصيلها.

والمغفرة: عدم المؤاخذة بما فَرَط من الذنوب، وقد تقدمت في قوله تعالى: ﴿ وإن لم تغفر لنا وترحمنا لكونن من الخاسرين ﴾ في سورة الأعراف (23).

واعلم أن عطف الصفات بالواو المفيد مجرد التشريك في الحكم دون حرفي الترتيب: الفاءِ وثم، شأنه أن يكون الحكم المذكور معه ثابتاً لكل واحد اتصف بوصف من الأوصاف المشتق منها موصوفُه لأن أصل العطف بالواو أن يدل على مغايرة المعطوفات في الذات، فإذا قلت: وجدت فيهم الكريم والشجاع والشاعر كان المعنى: أنك وجدتَ فيهم ثلاثة أُناس كل واحد منهم موصوف بصفة من المذكورات.

وفي الحديث: فإن منهم المريض والضعيف وذا الحاجة أي أصحاب المرض والضعف والحاجة، بخلاف العطف بالفاء كقوله تعالى: ﴿ والصافات صفاً فالزاجرات زجراً فالتاليات ذكراً ﴾ [الصافات: 1 3] فإن الأوصاف المذكورة في تلك الآية ثابتة لموصوف واحد.

ولهذا فحقّ جملة ﴿ أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً ﴾ أن تكون خبراً في المعنى عن كل واحد من المتعاطفات فكأنه قيل: إن المسلمين أعدّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً، إن المسلمات أعدّ الله لهن مغفرة وأجراً عظيماً، وهكذا.

والفعل الواقع في جملة الخبر وهو فعل ﴿ أعد ﴾ قد تعدى إلى مفعول ومعطوف على المفعول فصحة الإِخبار به عن كل واحد من الموصوفات المتعاطفات باعتبار المعطوف على مفعوله واضحة لأن الأجر العظيم يصلح لأن يُعطى لكل واحد ويقبل التفاوت فيكون لكل من أصحاب تلك الأوصاف أجره على اتصافه به ويكون أجر بعضهم أوفر من أجر بعض آخر.

وأما صحة الإِخبار بفعل ﴿ أعد ﴾ عن كل واحد من المتعاطفات باعتبار المفعول وهو ﴿ مغفرة ﴾ فيمنع منه ما جاء من دلائل الكتاب والسنة الدالة على أن الذنوب الكبيرة التي فرطت لا يضمن غفرانها للمذنبين إلا بشرط التوبة من المُذنِب وعداً من الله بقوله: ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ﴾ [الأنعام: 54].

وألحَقَت السنة بموجبات المغفرة الحجّ المبرور والجهاد في سبيل الله وأشياء أخرى.

والوجه في تفسير ذلك عندي: أن تُحمل كل صفة من هذه الصفات على عدم ما يعارضها مما يوجب التبعة، أي سلامته من التلبس بالكبائر حملاً أُراعي فيه الجري على سَنَن القرآن في مثل مقام الثناء والتنويه بالمسلمين من اعتبار حال كمال الإِسلام كقوله: ﴿ أولئك هم المؤمنون حقاً ﴾ [الأنفال: 4] فإنا لا نجد التفصيل بين أحوال المسلمين إلا في مقام التحذير من الذنوب.

والمرجع في هذا المحمل إلى بيان الإِجمال بالجمع بين أدلة الشريعة.

وقد سكت جمهور المفسرين عن التصدّي لبيان مفاد هذا الوعد ولم يعرّج عليه فيما رأيت سوى صاحب «الكشاف» فجعل معنى قوله: ﴿ أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً ﴾ : أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعدّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً، وجعل واو العطف بمعنى المعية، وجعل العطف على اعتبار المغايرة بين المتعاطفات في الأوصاف لا المغايرة بالذوات، وهذا تكلّف وصنع باليد، وتبعه البيضاوي وكثير.

ويعكّر عليه أن جمع تلك الصفات لا يوجب المغفرة لأن الكبائر لا تسقطها عن صاحبها إلا التوبة، إلا أن يضم إلى كلامه ضميمة وهي حمل ﴿ والذاكرين الله والذاكرات ﴾ على معنى المتصفين بالذكر اللساني والقلبي، فيكون الذكر القلبي شاملاً للتوبة كما في قوله تعالى: ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللَّه فاستغفروا لذنوبهم ﴾ [آل عمران: 135] فيكون الذين جمعوا هذه الخصال العشر قد حصلت لهم التوبة، غير أن هذا الاعتذار عن الزمخشري لا يتجاوز هذه الآية، فإن في القرآن آيات كثيرة مثلها يضيق عنها نطاق هذا الاعتذار، منها قوله تعالى: ﴿ وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ﴾ الآية في سورة الفرقان (63، 75).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَواهُ يَحْيى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما لِلرِّجالِ يُذْكَرُونَ في القُرْآنِ ولا تُذْكَرُ النِّساءُ; فَنَزَلَتْ ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ ﴾ - الآيَةَ» وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِالمُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ المُتَذَلِّلِينَ والمُتَذَلِّلاتِ.

وَبِالمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ المُصَدِّقِينَ والمُصَدِّقاتِ.

الثّانِي: أنَّهُما في الدِّينِ، فَعَلى هَذا في الإسْلامِ والإيمانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما واحِدٌ في المَعْنى وإنِ اخْتَلَفا في الأسْماءِ.

الثّانِي: أنَّهُما مُخْتَلِفانِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الإسْلامَ الإقْرارُ بِاللِّسانِ، والإيمانَ التَّصْدِيقُ بِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّ الإسْلامَ هو اسْمُ الدِّينِ والإيمانَ هو التَّصْدِيقُ بِهِ والعَمَلُ عَلَيْهِ.

﴿ والقانِتِينَ والقانِتاتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُطِيعِينَ والمُطِيعاتِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: الدّاعِينَ والدّاعِياتِ.

﴿ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الصّادِقِينَ في إيمانِهِمْ والصّادِقاتِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: في عُهُودِهِمْ.

﴿ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: في البَأْساءِ والضَّرّاءِ.

﴿ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُتَواضِعِينَ والمُتَواضِعاتِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: الخائِفِينَ والخائِفاتِ: قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: المُصَلِّينَ والمُصَلِّياتِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ بِأنْفُسِهِمْ في طاعَةِ اللَّهِ.

الثّانِي: بِأمْوالِهِمْ.

ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُؤَدِّينَ الزَّكَواتِ المَفْرُوضاتِ.

الثّانِي: المُتَطَوِّعِينَ بِأداءِ النَّوافِلِ بَعْدَ المَفْرُوضاتِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

﴿ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الإمْساكُ عَنِ المَعاصِي والقَبائِحِ.

الثّانِي: عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ وهو الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: صَوْمُ الفَرْضِ.

الثّانِي: شَهْرُ رَمَضانَ وثَلاثَةُ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (صَوْمُ الشَّهْرِ وثَلاثَةُ أيّامٍ يُذْهِبْنَ وغَرَ الصَّدْرِ)» .

﴿ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ الفَواحِشِ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ مَنافِذَ الجَسَدِ كُلَّها فَيَحْفَظُونَ أسْماعَهم عَنِ اللَّغْوِ والخَنا، وأفْواهَهم عَنْ قَوْلِ الزُّورِ وأكْلِ الحَرامِ.

وَفُرُوجَهم عَنِ الفَواحِشِ.

﴿ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِاللِّسانِ قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: التّالُّونَ لِكِتابِهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: المُصَلِّينَ والمُصَلِّياتِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

﴿ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا ﴾ لِعِلْمِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، قالَ قَتادَةُ: وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أوَّلَ آيَةٍ نَزَلَتْ في النِّساءِ فَذُكِرْنَ بِخَيْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها قالت «قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟

فلم يرعني منه ذات يوم إلا نداؤه على المنبر وهو يقول: يا أيها الناس إن الله يقول ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ إلى آخر الآية» .

وأخرج الفريابي وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أم سلمة.

رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن والنساء لا يُذْكَرْنَ؟

فأنزل الله: ﴿ إن المسلمين والمسلمات....

﴾ .

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والترمذي وحسنه والطبراني وابن مردويه عن أم عمارة الأنصارية رضي الله عنها: أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء!

فنزلت هذه الآية ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ .

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت النساء: يا رسول الله ما باله يذكر المؤمنون ولم يذكر المؤمنات؟!

فنزل ﴿ إن المسلمين والمسلمات....

﴾ .

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت النساء: يا رسول الله ما باله يذكر المؤمنون ولم يذكر المؤمنات؟!

فنزل ﴿ إن المسلمين والمسلمات....

﴾ .

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: دخل نساء على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقلن: قد ذكركن الله في القرآن، ولم نذكر بشيء أما فينا ما يذكر؟

فأنزل الله: ﴿ إن المسلمين والمسلمات....

﴾ .

وأخرج ابن سعد عن عكرمة ومن وجه آخر عن قتادة رضي الله عنه قال: لما ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال النساء: لو كان فينا خير لذكرن.

فأنزل الله: ﴿ إن المسلمين والمسلمات....

﴾ .

وأخرج ابن سعد عن عكرمة رضي الله عنه قال: قال النساء للرجال: أسلمنا كما أسلمتم، وفعلنا كما فعلتم، فتذكرون في القرآن ولا نذكر، وكان الناس يسمون المسلمين، فلما هاجروا سموا المؤمنين، فأنزل الله: ﴿ إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات ﴾ يعني المطيعين والمطيعات، ﴿ والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات ﴾ شهر رمضان ﴿ والحافظين فروجهم والحافظات ﴾ يعني من النساء ﴿ والذاكرين الله كثيراً والذاكرات ﴾ يعني ذكر الله، وذكر نعمه ﴿ أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ يعني المخلصين لله من الرجال، والمخلصات من النساء ﴿ والمؤمنين والمؤمنات ﴾ يعني المصدقين والمصدقات ﴿ والقانتين والقانتات ﴾ يعني المطيعين والمطيعات ﴿ والصادقين والصادقات ﴾ يعني الصادقين في ايمانهم ﴿ والصابرين والصابرات ﴾ يعني على أمر الله ﴿ والخاشعين ﴾ يعني المتواضعين لله في الصلاة من لا يعرف عن يمينه ولا من عن يساره، ولا يلتفت من الخضوع لله ﴿ والخاشعات ﴾ يعني المتواضعات من النساء ﴿ والصائمين والصائمات ﴾ قال: من صام شهر رمضان وثلاثة أيام من كل شهر، فهو من أهل هذه الآية ﴿ والحافظين فروجهم والحافظات ﴾ قال: يعني فروجهم عن الفواحش، ثم أخبر بثوابهم فقال: ﴿ أعد الله لهم مغفرة ﴾ يعني لذنوبهم و ﴿ أجراً عظيماً ﴾ يعني جزاء وافر في الجنة.

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين كانا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات» .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: لا يكتب الرجل من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله قائماً، وقاعداً، ومضطجعاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين أسلموا في الظاهر والباطن ولم يعدلوا به شيئاً، وسلم جميع الخلق من غشهم، وأحبوا للناس ما أحبوا لأنفسهم، وكانوا لليتيم مثل الأب، وللأرملة مثل الزوج، ونصحوا لله في أنفسهم وفي خلقه (١) وقال مقاتل: يعني المخلصين بالتوحيد (٢) وقال عطاء [من] (٣) ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ (٤) قال ابن عباس: يريد الذين صدقوا بتوحيد الله وبما جاء به محمد -  - وصدقوا بالبعث والثواب والعقاب (٥) وقال مقاتل: يعني المصدقين بالتوحيد والمصدقات (٦) وقال عطاء: من أقر بأن الله ربه ومحمدًا رسوله ولم يخالف قلبه لسانه، فهو من هذه الجملة (٧) وقوله: ﴿ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: المطيعين لله فيما افترض وأمر ونهى والمطيعات (٨) وقال عطاء: من أطاع الله في الفرض والرسول في السنة فهو من هذه الجملة (٩) ﴿ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ ﴾ قال ابن عباس: في المواطن وفيما نذروا لله وفيما ساءهم وسرهم (١٠) وقال مقاتل: ﴿ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ ﴾ في إيمانهم (١١) وقال عطاء: من صان قوله عن الكذب فهو من هذه الجملة (١٢) ﴿ وَالصَّابِرِينَ ﴾ على ما أصابهم من الضر والبؤس والفقر وجيمع المصائب ﴿ وَالصَّائِمَاتِ ﴾ قاله ابن عباس (١٣) (١٤) وقال عطاء: من صبر على الطاعة وعن المعصية وعلى الرزية فهو من هؤلاء (١٥) قوله تعالى: ﴿ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ ﴾ قال ابن عباس: يريد والذين خشعت قلوبهم من خوف الله (١٦) ﴿ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ من خشية الله وازدادوا لله يقينًا وللدنيا بغضًا.

وقال مقاتل: يعني المتواضعين والمتواضعات (١٧) (١٨) وقوله: ﴿ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ ﴾ قال ابن عباس: يتصدقون بالأموال ومما رزقهم الله من الثمار والمواشي وكل ما ملكوا يطلبون ما عند الله موقنين بالخلف والثواب (١٩) قال عطاء: من صدق (٢٠) (٢١) [قوله] (٢٢) ﴿ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ ﴾ قال ابن عباس: الصائمين لله بنية صادقة، لا يغتابون أحدًا، ولا يتحدثون بكذب ولا يتأملون خلق امرأة، ولا يحدون النظر إليها، فإن هذه الخصال تفطر الصائم، وبكون فطرهم من حلال (٢٣) وقال عطاء: من صام من كل شهر الأيام البيض فهو من هذه الجملة (٢٤) قوله: ﴿ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ ﴾ واستغنى عن ذكر الهاء بما تقدم، ومثله: (ونخلع ونترك من يفجرك) المعنى: ونخلع من يفجرك ونتركه، وأنشد: وكمتا مدماة كأن متونها ...

جرى فوقها واستشعرت لون مذهب (٢٥) على رفع لون.

المعنى: جرى فوقها لون مذهب واستشعرته (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ ﴾ قال ابن عباس: يريد في أدبار الصلوات وغدوًا وعشيًا وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا وراح من منزله ذكر الله -عز وجل- (٢٧) (٢٨)  -: "من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا (٢٩) (٣٠) وقال أبو إسحاق: المعنى والذاكراته وحذف الهاء.

على ما ذكرناه (٣١) (٣٢) وقال عطاء: من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله: ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ ﴾ (٣٣) وقوله: ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً ﴾ .

قال ابن عباس ومقاتل: مغفرة لذنوبهم (٣٤) ﴿ وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ ثوابًا جزيلًا وهو الجنة.

(١) لم أقف عليه.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 92 أ.

(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 أ، "تفسير البغوي" 3/ 530.

(٥) لم أقف عليه.

(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 92أ.

(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 أ، "تفسير البغوي" 3/ 530.

(٨) انظر: "تفسير ابن عباس" ص 422، "تفسير مقاتل" 92 أ.

(٩) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 ب، "تفسير البغوى" 3/ 530.

(١٠) لم أقف عليه عن ابن عباس وانظر: "تفسير هود بن محكم" 3/ 369.

(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 92 أ.

(١٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 ب، "تفسير البغوي" 3/ 530.

(١٣) لم أقف عليه (١٤) انظر: "تفسير مقاتل" 92 أ.

(١٥) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 ب، "تفسير البغوي" 3/ 530.

(١٦) لم أقف عليه (١٧) انظر: "تفسير مقاتل" 92 أ.

(١٨) انظر: "تفسير الثعلبي" 199/ 3 ب، "تفسير البغوي" 3/ 530.

(١٩) لم أقف عليه.

(٢٠) هكذا في النسخ!

ولعل الصواب: تصدق، وهكذا ذكره الثعلبي 3/ 199.

(٢١) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 ب، "تفسير البغوي" 3/ 530.

(٢٢) ما بين المعقوفين بياض في (أ).

(٢٣) لم أقف عليه.

(٢٤) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 ب، "تفسير البغوي" 3/ 530.

(٢٥) البيت من الطويل، لكميت الغنوي في "ديوانه" ص 23، "تهذيب اللغة" 14/ 217 (كمت)، "اللسان" 2/ 81 (كمت)، "الكتاب" 1/ 77.

وكمتا جمع أكمت، والكمتة: لون بين السواد والحمرة يكون في الخيل والإبل وغيرهما.

ومدماة: أي مشوبة بلون الدم.

انظر: "اللسان" 2/ 81 (كمت)، 14/ 270 (دمى).

(٢٦) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 227، و"معاني القرآن" للنحاس 5/ 350.

(٢٧) لم أقف عليه عن ابن عباس، انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3134.

(٢٨) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 ب، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 117.

(٢٩) في (ب): (وصليا).

(٣٠) أخرجه أبو داود في "سقط كتاب الصلاة، باب قيام الليل 2/ 33، رقم الحديث 1309 عن أبي هريرة، وابن ماجه في "سننه" أبواب إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيمن أيقظ أهله من الليل 1/ 242، رقم الحديث 1329 عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، والحاكم في "المستدرك"، كتاب صلاة التطوع، باب: توديع المنزل بركعتين 1/ 316 عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (٣١) الضمير (الهاء) ساقط من (ب).

(٣٢) "معاني القرآن وإعرابه" 227/ 4.

(٣٣) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 ب، "تفسير البغوي" 3/ 530.

(٣٤) انظر: "تفسير ابن عباس" (354)، "تفسير مقاتل" 92 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ المسلمين والمسلمات ﴾ الآية: سببها بعض النساء قلن: ذكر الله الرجال ولم يذكرنا، فنزل فيها ذكر النساء ﴿ والمؤمنين والمؤمنات ﴾ الإسلام هو الانقياد، والإيمان هو التصديق، ثم أنهما يطلقان بثلاثة أوجه باختلاف المعنى كقوله: ﴿ لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ﴾ وبالاتفاق لاجتماعهما كقوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المؤمنين ﴾ [الذاريات: 35] الآية، وبالعموم فيكون الإسلام أعم، لأنه بالقلب والجوارح، والإيمان أخص لأنه بالقلب خاصة، وهذا هو الأظهر في هذا الموضع ﴿ والقانتين والقانتات ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى العبادة أو الطاعة ﴿ والصادقين والصادقات ﴾ يحتمل أن يكون من صدق القول أو من صدق العزم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أسوة ﴾ بضم الهمزة حيث كان: عاصم وعباس.

الآخرون: بكسرها ﴿ نضعف ﴾ بالنون وكسر العين ﴿ العذاب ﴾ بالنصب: ابن كثير وابن عامر، وقرأ أبو عمرو ويزيد ويعقوب بالياء المضمومة والعين مفتوح وبرفع العذاب.

الآخرون: مثله ولكن بالألف من المضاعفة ﴿ ويعمل صالحا يؤتها ﴾ على التذكير والغيبة: حمزة وعلي وخلف وافق المفضل في ﴿ ويعمل ﴾ الباقون: بتأنيث الأول وبالنون في الثاني.

﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف: أبو جعفر ونافع وعاصم غير هبيرة.

الباقون: بكسرها.

﴿ ولا تبرجن ﴾ ﴿ أن تبدل ﴾ بتشديد التاءين: البزي وابن فليح أن يكون على التذكير: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام.

﴿ وخاتم ﴾ بفتح التاء بمعنى الطابع: عاصم.

الباقون: بكسرها.

الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ ه لإبتداء القصة ﴿ الأحزاب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ رسوله ﴾ الثاني ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ وتسليما ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ج لابتداء التفصيل مع الفاء ﴿ ينتظر ﴾ لا لاحتمال الحال وجانب الابتداء بالنفي أرجح ﴿ تبديلا ﴾ ه لا إلا عند ابي حاتم ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيما ﴾ ه لا للآية لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ شجرها ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ حاجزاً ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ط ﴿ خلفاء الأرض ﴾ ه ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ ما تذكرون ﴾ ه ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ الا الله ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ عمون ﴾ ه.

التفسير: القصة الرابعة قصة ثمود، والفريقان المؤمن والكافر.

وقيل: صالح وقومه قبل أن يؤمن منهم أحد.

والاختصام قول كل فريق الحق معي، وفيه دليل على أن الجدال في باب الدين حق.

ومعنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة أنه  قد مكنهم من التوصل إلى رحمة الله وثوابه فعدلوا إلى استعجال عذاب.

وقال جار الله: خاطبهم صالح على حسب اعتقادهم وذلك أنهم قدروا في أنفسهم إن التوبة مقبولة عند رؤية العذاب فقالوا: متى وقعت العقوبة تبنا حينئذ، فالسيئة العقوبة، والحسنة التوبة، و"لولا" للتحضيض أي هلا تستغفرون قبل عيان عذابه ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بأن يكشف العذاب عنكم.

والحاصل أن التوبة يجب أن تقدم على رؤية العذاب ولا يجوز أن تؤخر، وفيه تنبيه على خطئهم وتجهيل لهم ﴿ قالوا اطيرنا ﴾ اي تشاء منا ﴿ بك وبمن معك ﴾ وكانوا قد قحطوا ﴿ قال طائركم ﴾ أي سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم ﴿ عند الله ﴾ وهو قضاؤه وقدره أو أراد عملكم مكتوب عنده ومنه ينزل بكم العذاب.

ومعنى التطير والطائر قد مر في "الأعراف" وفي "سبحان".

ثم جزم بنزول العذاب بقوله ﴿ بل أنتم قوم تفتنون ﴾ أي تعذبون أو تختبرون أو يفتنكم الشيطان بوسوسة الطيرة.

ثم حكى سوء معاملتكم مع نبيهم بقوله ﴿ وكان في المدينة ﴾ يعنى منزلهم المسمى بالحجر وكان بين المدينة والشام ﴿ تسعة رهط ﴾ لم يجمع المميز لأن الرهط في معنى الجمع وهو من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة.

وقد عدّ في الكشاف أسماءهم منهم قدار بن سالف عاقر الناقة، وكانوا مفسدين لا يخلطون الإفساد بشيء من الإصلاح ومن جملة ﴿ وتسليماً ﴾ لقضائه.

وقيل: هذا إشارة إلى ما أيقنوا من أن عند الفزع الشديد يكون النصر والجنة كما قال ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا  ﴾ إلى آخره.

كان رجال من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حرباً ثبتوا مع رسول الله  حتى يستشهدوا، فمدحهم الله  بأنهم صدقوا ما عاهدوا أي صدقوا الله فيما عاهدوه عليه.

ويجوز أن يجعل المعاهدة عليه مصدوقاً على المجاز كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفي بك فإذا وفوا به صدقوه ﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ أي نذره فقاتل حتى قتل كحمزة ومصعب، وقد يقع قضاء النحب عبارة عن الموت لأن كل حي لا بد له من أن يموت فكأنه نذر لازم في رقبته.

﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الشهادة كعثمان وطلحة ﴿ وما بدلوا تبديلاً ﴾ ما غير كل من الفريقين عهده.

وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق ومرضى القلب فكأنه قال: صدق المؤمنون ونكث المنافقون، فكان عاقبة الصادقين الجزاء بالخير بواسطة صدقهم، وعاقبة أصحاب النفاق التعذيب إن شاء الله إلا أن يتوبوا.

وإنما استثنى لأنه آمن منهم بعد ذلك ناس وإلى هذا أشار بقوله ﴿ إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ حيث رحمهم ورزقهم الإيمان، ويجوز أن يراد يعذب المنافقين مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم لو كان دون ذلك لغفر لهم ﴿ وردّ الله الذين كفروا ﴾ وهم الأحزاب ملتبسين ﴿ بغيظهم لم ينالوا خيراً ﴾ أي غير ظافرين بشيء من مطالبهم التي هي عندهم خير من كسر أو أسر أو غنيمة.

﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بواسطة ريح الصبا وبإرسال الملائكة كما قصصنا ﴿ وأنزل الذين ﴾ ظاهروا الأحزاب ﴿ من أهل الكتاب من صياصيهم ﴾ والصيصية ما تحصن به ومنه يقال لقرن الثور والظبي ولشوكة الديك التي في ساقه صيصية لأن كلاً منها سبب التحصن به.

"روي أن جبرائيل  أتى رسول الله  صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج فقال: ما هذا يا جبرائيل؟

فقال: من متابعة قريش: فجعل رسول الله  يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه فقال: يا رسول الله إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عائد إليهم فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة.

فأذن في الناس ان من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة، فما صلى كثير من الناس العصر إلا هناك بعد العشاء الآخرة فحصارهم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله  : تنزلون على حكمي.

فأبوا فقال: على حكم سعد بن معاذ فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر رسول الله  وقال: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ارقعة ثم أنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً فقدمهم وضرب أعناقهم وهم ثمانمائة إلى تسعمائة" .

وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير.

وإنما قدم مفعول ﴿ تقتلون ﴾ لأن القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين، وكان الاعتناء بحالهم أشد ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء بل بقاؤهم هناك بالأسر أشد لأنه لو قال و "فريقا تأسرون" فإذا سمع السامع قوله "وفريقاً" ربما ظن أنه يقال بعده يطلقون أو لا يقدرون على أسرهم ولمثل هذا قدم قوله ﴿ وأنزل ﴾ على قوله ﴿ وقذف ﴾ وإن كان قذف الرعب قبل الإنزال وذلك أن الاهتمام والفرح بذكر الإنزال أكثر.

﴿ وأورثكم أرضهم ﴾ التي استوليتم عليها ونزلتم فيها أولاً ﴿ وديارهم ﴾ التي كانت في القلاع فسلموها إليكم ﴿ وأموالهم ﴾ التي كانت في تلك الديار ﴿ وأرضا لم تطؤها ﴾ قيل: هي القلاع أنفسها.

وعن مقاتل: هي خيبر.

وعن قتادة: كنا نحدّث أنها مكة.

وعن الحسن: فارس والروم.

وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.

وعن بعضهم: أراد نساؤهم وهو غريب.

ثم أكد الوعد بفتح البلاد بقوله ﴿ وكان الله على كل شيء قديراً ﴾ قال أهل النظم: إن مكارم الأخلاق ترجع أصولها إلى أمرين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وإليها الإشارة بقوله  "الصلاة وما ملكت أيمانكم" ولما أرشد نبيه إلى القسم الأول بقوله ﴿ اتقِ الله ﴾ أرشده إلى القسم الآخر وبدأ بالزوجات لأنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قدّمهنّ في النفقة.

لنبن تفسير الآية على مسائل منها: أن التخيير هل كان واجباً على النبي  أم لا؟

فنقول: التخيير قولاً كان واجباً بالاتفاق لأنه إبلاغ الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا.

ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان يعتبر اختيارها فراقاً؟

والظاهر أنه لا يعتبر فراقاً وإنما تبين المختارة نفسها بإبانة من جهة النبي  لقوله ﴿ فتعالين ﴾ وعلى هذا التقرير فهل كان يجب على النبي  الطلاق أم لا؟

الظاهر الوجوب، لأن خلف الوعد منه غير جائز بخلاف الحال فينا فإِنه لا يلزمنا الوفاء بالوعد شرعاً.

ومنها أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره الظاهر نعم ليكون التخيير ممكناً لها من التمتع بزينة الدنيا.

ومنها أن المختارة لله ورسوله هل يحرم طلاقها؟

الظاهر نعم بمعنى أنه لو أتى بالطلاق لعوتب.

وفي تقديم اختيار الدنيا إشارة إلى أنه كان لا يلتفت إليهن كما ينبغي اشتغالاً بعبادة ربه.

وكيفية المتعة وكميتها ذكرناهما في سورة البقرة.

والسراح الجميل كقوله ﴿ أو تسريح بإحسان  ﴾ وفي ذكر الله والدار الآخرة مع ذكر الرسول  وفي قوله ﴿ للمحسنات ﴾ إشارات إلى أن اختيار الرسول  سبب مرضاة الله وواسطة حيازة سعادات الآخرة، وأنه يوجب وصفهن بالإحسان.

والمراد بالأجر العظيم كبره بالذات وحسنه بالصفات ودوامه بحسب الأوقات، فان العظيم لا يطلق إلا على الجسم الطويل العريض العميق الذاهب في الجهات في الامتدادات الثلاثة، وأجر الدنيا في ذاته قليل، وفي صفاته غير خال عن جهات القبح كما في قوله من الضرر والثقل، وكذلك في مشروبه وغيرهما من اللذات ومع ذلك فهو منغص بالانقطاع والزوال.

ويروى أنه حين نزلت الآية بدأ بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله  ، ثم اختار جميعهن اختيارها فشكر ذلك لهنّ الله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد  ﴾ وروى أنه قال لعائشة إني ذاكر لك أمراً ولا عليك أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ثم قرأ عليها القرآن فقالت: أفي هذا استأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم قالت: لا تخبر أزواجك أني اخترتك فقال: إنما بعثني الله مبلغاً ولم يبعثني متعنتاً أما حكم التخيير في الطلاق فإِذا قال لها: اختاري.

فقالت: اخترت نفسي.

أو قال: اختاري نفسك فقالت: اخترت: لا بد من ذكر النفس في أحد الجانبين.

وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان في المجلس أو لم يشتغل بما يدل على الإعراض.

واعتبر الشافعي اختيارها على الفور وهي عنده طلقة رجعية وهو مذهب عمر وابن مسعود.

وعن الحسن وقتادة والزهري: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره.

وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بالاتفاق لأن عائشة اختارت رسول الله  ولم يعد ذلك طلاقاً وعن علي  مثله في رواية، وفي أخرى أنه عد ذلك واحدة رجعية إذا اختارته، وإذا اختارت نفسها فواحدة بائنة.

وحين خيرهن النبي  واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهدّدهن على الفاحشة التي هي أصعب على الزوج من كل ما تأتي به زوجته، وأوعدهن بتخفيف العذاب لأن الزنا في نفسه قبيح ومن زوجة النبي أقبح ازدراء بمنصبه، ولأنها تكون قد اختارت حينئذ غير النبي فلا يكون النبي عندها أولى من الغير ولا من نفسها، وفيه إشارة إلى شرفهن فإن الحرة لشرفها كان عذابها ضعف عذاب الأمة.

وأيضاً نسبة النبي إلى غيره من الرجال نسبة السادة إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم، فكذلك زوجاته اللواتي هن أمهات المؤمنين.

وليس في قوله ﴿ من يأت ﴾ دلالة على أن الإتيان بالفاحشة منهن ممكن الوقوع فإن الله تعالى صان أزواج الأنبياء من الفاحشة ولكنه في قوة قوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم  ﴾ وقوله ﴿ منكن ﴾ للبيان لا للتبعيض لدخول الكل تحت الإرادة.

وقيل: الفاحشة أريد بها كل الكبائر.

وقيل: هي عصيانهن رسول الله  ونشوزهن وطلبهن منه ما يشق عليه.

وفي قوله ﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ إشارة إلى أن كونهن نساء النبي لا يغني عنهن شيئاً، كيف وإنه سبب مضاعفة العذاب؟

وحين بين مضاعفة عقابهن ذكر زيادة ثوابهن في مقابلة ذلك.

والقنوت الطاعة، ووصف الرزق بالكرم لأن رزق الدنيا لا يأتي بنفسه في العادة وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، ورزق الآخرة بخلاف ذلك.

ثم صرح بفضيلة نساء النبي بأنهن لسن كأحد من النساء كقولك: ليس فلان كآحاد الناس أي ليس فيه مجرد كونه إنساناً بل فيه وصف أخص يوجد فيه ولا يوجد في أكثرهم كالعلم أو العقل أو النسب أو الحسب.

قال جار الله: أحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث.

والواحد وما وراءه.

والمعنى، إذا استقريت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن من جماعة واحدة تساويكن في الفضل.

وقوله ﴿ إن اتقيتن ﴾ احتمل أن يتعلق بما قبله وهو ظاهر، واحتمل أن يتعلق بما بعده أي ان كنتن متقيات فلا تجبن بقولكن خاضعاً ليناً مثل كلام المريبات ﴿ فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ أي ريبة وفجور.

وحين منعهن من الفاحشة ومن مقدماتها ومما يجرّ إليها أشار إلى أن ذلك ليس أمراً بالإِيذاء والتكبر على الناس بل القول المعروف عند الحاجة هو المأمور به لا غير.

ثم أمرهن بلزوم بيوتهن بقوله ﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف أمر من القرار بإسقاط أحد حرفي التضعيف كقوله ﴿ فظلتم تفكهون  ﴾ واصله "إقررن".

من قرأ بكسرها فهو أمر من قر يقر قراراً أو من قر يقر بكسر القاف.

وقيل: المفتوح من قولك قار يقار إذا اجتمع.

والتبرج إظهار الزينة كما مر في قوله ﴿ غير متبرجات بزينة  ﴾ وذلك في سورة النور.

والجاهلية الأولى هي القديمة التي كانت في أول زمن إبراهيم  ، أو ما بين آدم ونوح، أو بين إدريس ونوح، أو في زمن داود وسليمان.

والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد  .

وقيل: الأولى جاهلية الكفر، والأخرى الفسق والابتداع في الإسلام.

وقيل: إن هذه أولى ليست لها أخرى بل معناه تبرج الجاهلية القديمة، وكانت المرأة تلبس درعاً من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال.

ثم أمرهن أمراً خاصاً بالصلاة والزكاة ثم عاماً في جميع الطاعات، ثم علل جميع ذلك بقوله ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ﴾ فاستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر.

وإنما أكد إزالة الرجس بالتطهير لأن الرجس قد يزول ولم يطهر المحل بعد و ﴿ أهل البيت ﴾ نصب على النداء أو على المدح وقد مر في آية المباهلة أنهم أهل العباء النبي  لأنه أصل، وفاطمة  ما والحسن والحسين  ما بالاتفاق.

والصحيح أن علياً  منهم لمعاشرته بنت النبي  وملازمته إياه.

وورود الآية في شأن أزواج النبي  يغلب على الظن دخولهن فيهن، والتذكير للتغليب.

فإن الرجال وهم النبي وعلي وأبناؤهم غلبوا على فاطمة وحدها أو مع أمهات المؤمنين.

ثم أكد التكاليف المذكورة بأن بيوتهن مهابط الوحي ومنازل الحكم والشرائع الصادرة من مشرع النبوة ومعدن الرسالة.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله كان لطيفا خبيراً ﴾ إيذاناً بأن تلك الأوامر والنواهي لطف منه في شأنهن وهو أعلم بالمصطفين من عبيده المخصوصين بتأييده.

يروى أن أم سلمة أو كل أزواج النبي صلى الله عليه ولم قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء فنحن نخاف أن لا يقبل منا طاعة فنزلت ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ وذكر لهن عشر مراتب: الأولى التسليم والانقياد لأمر الله، والثانية الإيمان بكل ما يجب أن يصدّق به فإن المكلف يقول أولاً كل ما يقول الشارع فأنا أقبله فهذا إسلام، فإذا قال له شيئاً وقبله صدق مقالته وصحح اعتقاده.

ثم إن اعتقاده يدعوه إلى الفعل الحسن والعمل الصالح فيقنت ويعبد وهو المرتبة الثالثة، ثم إذا آمن وعمل صالحاً كمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق في كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله ﴿ والصادقين والصادقات ﴾ ثم إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال في قصة لقمان ﴿ واصبر على ما أصابك  ﴾ أي بسببه.

ثم إنه إذا كمل في نفسه وكمل غيره قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته فمنعه منه بقوله ﴿ والخاشعين والخاشعات ﴾ وفيه إشارة إلى الصلاة لأن الخشوع من لوازمها ﴿ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴾ \[المؤمنون: 1 - 2\] فلذلك أردفها بالصدقة.

ثم بالصيام المانع مطلقاً من شهوة البطن فضم إلى ذلك الحفظ من شهوة الفرج التي هي ممنوع منها في الصوم مطلقاً وفي غير الصوم مما وراء الأزواج والسراري.

ثم ختم الأوصاف بقوله ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ يعني أنهم في جميع الأحوال يذكرون الله يكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصومهم وحفظهم فروجهم لله.

وإنما وصف الذكر بالكثرة في أكثر المواضع فقال في أوائل السورة ﴿ لمن يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ﴾ وقال في الآية ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ ويجيء بعد ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ لأن الإكثار من الأفعال البدنية متعسر يمنع الاشتغال ببعضها من الاشتغال بغيرها بحسب الأغلب، ولكن لا مانع من أن يذكر الله وهو آكل أو شارب أو ماشٍ أو نائم أو مشغول ببعض الصنائع والحرف، على أن جميع الأعمال صحتها أو كمالها بذكر الله  وهي النية.

قال علماء العربية: في الآية عطفان: أحدهما عطف الإناث على الذكور، والآخر عطف مجموع الذكور والإناث على مجموع ما قبله.

والأول يدل على اشتراك الصنفين في الوصف المذكور وهو الإسلام في الأول والإيمان في الثاني إلى آخر الأوصاف، والثاني من باب عطف الصفة على الصفة فيؤل معناه إلى أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم.

وحين انجر الكلام من قصة زيد إلى ههنا عاد إلى حديثه، قال الراوي: خطب رسول الله  زينب بنت جحش وكانت أمهات أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ الآية.

فقالا: رضينا يا رسول الله فأنكحها إياه وساق عنه المهر ستين درهماً وخماراً وملحفة ودرعاً وإزاراً وخمسين مداً من طعام وثلاثين صاعاً من تمر.

وقيل: نزلت في أن كلثوم بنت عقبة بن ابي معيط وهي أول من هاجر من النساء وهبت نفسها للنبي  فقال: قد قبلت، وزوّجها زيداً فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله  فزوّجها عبده، وقال أهل النظم: إنه  لما أمر نبيه أن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم منه أن النبي  لا يريد ضرر الغير فعليه أن يترك حق نفسه لحظ غيره، فذكر في هذه الآية أنه لا ينبغي أن يظن ظانّ أن هوى نفسه متبع، وأن زمام الاختيار بيد الإنسان كما في حق زوجات النبي، بل ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم الله ورسوله، فأمر الله هو المتبع وقضاء الرسول هو الحق، ومن خالف الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً، لأن المقصود هو الله والهادي هو النبي، فمن ترك المقصد وخالف الدليل ضل ضلالاً لا يرعوي بعده.

ثم إن رسول الله  أبصر زينب ذات يوم بعد ما أنكحها زيداً فوقعت في نفسه فقال: سبحان الله مقلب القلوب، وذلك أنه  لم يردها أولاً، لعله أي لم يلده الخ تأمل ولو ارادها لاختطبها.

وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لأجل رسول الله  فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي.

فقال: ما لك أرى بك شيء منها؟

قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيراً ولكنها تتكبر عليّ لشرفها.

فقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله ثم طلقها بعد.

فلما اعتدت قال رسول الله  : ما أجد أحداً أوثق في نفسي منك اخطب عليّ زينب.

قال زيد: فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أن رسول الله  ذكرها فوليتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري إن رسول الله يخطبك.

ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي.

فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن فتزوّجها رسول الله  ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار ولنرجع إلى ما يتعلق بتفسير الألفاظ.

قوله ﴿ للذي ﴾ يعني زيداً ﴿ أنعم الله عليه ﴾ بالإيمان الذي هو أجل النعم وبتوفيق الأسباب حتى تبناه رسوله ﴿ وأنعمت عليه ﴾ أي بالإعتاق وبأنواع التربية والاختصاص.

وقوله ﴿ واتق الله ﴾ أي في تطليقها فلا تفارقها.

نهي تنزيه لا تحريم، أو أراد اتق فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وإيذاء الزوج.

الذي أخفى النبي  في نفسه هو تعلق قلبه بها أو مودّة مفارقة زيد إياها أو علمه بأن زيداً سيطلقها.

وعن عائشة لو كتم رسول الله  شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية، وذلك أن فيه نوع تخالف الظاهر والباطن في الظاهر وليس كذلك في الحقيقة، لأن ميل النفس ليس يتعلق باختيار الآدمي فلا يلام عليه، ولا هو مأمور بإبدائه.

والذي أبداه كان مقتضى النصح والإشفاق والخشية والحياء من قالة الناس إن قلب النبي مال إلى زوجة دعيه فبهذا القدر عوتب بقوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ فإِن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

فلعل الأولى بالنبيّ أن يسكت عن إمساكه حذراً من عقاب الله على ترك الأولى كما سكت عن تطليقه حياء من الناس.

قال جار الله: الواوات في قوله ﴿ وتخفى ﴾ ﴿ وتخشى ﴾ ﴿ والله ﴾ للحال.

ويجوز أن تكون للعطف كأنه قيل: وإذ تجمع بين قولك أمسك وإخفاء خلافه وخشية الناس ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ حتى لا تفعل مثل ذلك.

قوله ﴿ فلما قضى زيد منها ﴾ حاجته ولم يبق له بها رغبة وطلقها وانقضت عدتها ﴿ زوّجناكها ﴾ نفياً للحرج عن المؤمنين في مثل هذه القضية فإن الشرع كما يستفاد من قول النبي  يستفاد من فعله ايضاً، بل الثاني يؤكد الأول.

ألا ترى أنه لما ذكر ما فهم منه حلّ الضب ثم لم يأكل بقي في النفوس شيء، وحيث أكل لحم الجمل طاب أكله مع أنه لا يؤكل في بعض الملل وكذلك الأرنب، وقوله ﴿ إذا قضوا منهن وطراً ﴾ يفهم منه نفي الحرج عند قضاء الوطر بالطريق الأولى.

عن الخليل: قضاء الوطر بلوغ كل حاجة يكون فيها همة وأراد بها في الآية الشهوة.

وقيل: التطليق.

فلا إضمار على هذا ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ مكوناً لا محالة.

ومن جملة أوامره ما جرى من قصة زينب، ثم نزه النبي  عن قالة الناس بقوله ﴿ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله ﴾ أي قسم وأوجب ﴿ له ﴾ و ﴿ سنة الله ﴾ مصدر مؤكد لما قبله أي سن الله نفي الحرج سنة في الأنبياء الذين خلوا فكان من تحته أزواج كثيرة كداود وسليمان وسيجيء قصتهما في سورة ص.

ومعنى ﴿ قدراً مقدوراً ﴾ قضاء مقضياً هكذا قاله المفسرون ولعل قوله ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ إشارة إلى القضاء، وهذا الأخير إشارة إلى القدر وقد عرفت الفرق بينهما مراراً.

وفي قوله ﴿ ولا يخشون أحداً إلا الله ﴾ تعريض بما صرح به في قوله ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ والحسيب الكافي للمخاوف أو المحاسب على الصغائر والكبائر فيجب أن لا يخشى إلا هو.

ثم أكد مضمون الآي المتقدمة وهو أن زيداً لم يكن ابناً له فقال ﴿ ما كان محمد أبا أحد ﴾ فكان لقائل أن يقول: أما كان أباً للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم فلذلك قيل ﴿ من رجالكم ﴾ فخرجوا بهذا القدر من جهتين: إحداهما أن هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال، وبهذا الوجه يخرج الحسن والحسين أيضاً من النفي لأنهما لم يكونا بالغين حينئذ.

والأخرى أنه أضاف الرجال إليهم وهؤلاء رجاله لا رجالهم وكذا الحسن والحسين، أو أراد الأب الأقرب.

ومعنى الاستدراك في قوله ﴿ ولكن رسول الله ﴾  إثبات الأبوة من هذه الجهة لأن النبي كالأب لأمته من حيث الشفقة والنصيحة ورعاية حقوق التعظيم معه، وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ وخاتم النبيين ﴾ لأن النبي إذا علم أن بعده نبياً آخر فقد ترك بعض البيان والإرشاد إليه بخلاف ما لو علم أن ختم النبوة عليه ﴿ وكان الله بكل شيء عليماً ﴾ ومن جملة معلوماته أنه لا نبي بعد محمد  ومجيء عيسى  في آخر الزمان لا ينافي ذلك لأنه ممن نبئ قبله وهو يجيء على شريعة نبيناً مصلياً إلى قبلته وكأنه بعض أمته.

التأويل: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ﴾ أي كان في الأول مقدراً لكم متابعة رسول الله  فتعلقت قدرتنا بإخراج أرواحكم من العدم إلى الوجود عقيب إخراج روح الرسول من العدم إلى الوجود "أول ما خلق الله نوري أو روحي" وبحسب القرب إلى روح الرسول والبعد عنه يكون حال الأسوة، وكل ما يجري على الإنسان من بداية عمره إلى نهاية عمره من الأفعال والأقوال والأخلاق والأحوال.

فمن كان يرجو الله كان عمله خالصاً لوجه الله  ، ومن كان يرجو اليوم الآخر يكون عمله للفوز بنعيم الجنان.

وكل هذه المقامات مشروط بالذكر وهو كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" نفياً وإثباتاً، وهما قدمان للسائرين إلى الله وجناحان للطائرين بالله.

﴿ ولما رأى المؤمنون الأحزاب ﴾ المجتمعين على إضلالهم واهلاكهم من النفس وصفاتها، والدنيا وزينتها، والشيطان واتباعه ﴿ قالوا ﴾ متوكلين على الله ﴿ هذا ما وعدنا الله ورسوله ﴾ أن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿ من المؤمنين رجال ﴾ يتصرفون في الموجودات تصرف الذكور في الإناث ﴿ صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ أن لا يعبدوا غيره في الدنيا والعقبى.

﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ فوصل إلى مقصده ﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الوصول وهو في السير وهذا حال المتوسطين ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بريح القهر أذهبت على النفوس فأبطلت شهواتها، وعلى الشيطان فردت كيده، وعلى الدنيا فأزالت زينتها.

﴿ وأنزل الذين ظاهروهم ﴾ أي أعانوا النفس والشيطان والهوى على القلوب من أهل الكتاب طالبي الرخص لأرباب الطلب المنكرين أحوال أهل القلوب ﴿ من صياصيهم ﴾ هي حصون تكبرهم وتجبرهم، وأنزل وقعهم من حصون اعتقاد أرباب الطلب كيلا يقتدوا بهم ولا يغتروا بأقوالهم، وقذف بنور قلوبهم في قلوب النفوس والشياطين الرعب ﴿ فريقاً تقتلون ﴾ وهم النفس وصفاتها والشيطان وأتباعه ﴿ وتأسرون فريقاً ﴾ وهم الدنيا وجاهها ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾ لتنفقوا في سبيل الله وتجعلوها بذر مزرعة الآخرة ﴿ وارضاً لم تطئوها ﴾ يشير إلى مقامات وكمالات لم يلغوها فيبلغوها باستعمال الدنيا فإن ذلك بعد الوصول لا يضر لأنه يتصرف بالحق للحق.

﴿ قل لأزواجك ﴾ فيه إشارة إلى أن حب الدنيا يمنعهن من صحبة النبي  مع أنهن محال النطفة الإنسانية الروحانية الربانية، والأجر العظيم هو لقاء الله العظيم فمن أحب غير الله وإن كان الجنة نقص من الأجر بقدر ذلك إلا محبة النبي  ، لأن محبة الجنة بالحظ دون الحق فيها ما تشتهي الأنفس، ومحبة النبي  بالحق لا الحظ ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله  ﴾ ومضاعفة العذاب سقوطهن عن قرب الله وعن الجنة كما أن إيتاء الأجر مرتين عبارة عن هذين، وكان من دعاء السري السقطي: اللهم إن كنت تعذبني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب.

والرزق الكريم رزق المشاهدات الربانية ﴿ يا نساء النبي ﴾ هم الذين اسلموا أرحام قلوبهم لتصرفات ولاية الشيخ ليست أحوالهم كأحوال غيرهم من الخلق ﴿ إن اتقيتن ﴾ بالله من غيره ﴿ فلا تخضعن بالقول ﴾ لشيء من الدارين فإن كثيراً من الصادقين خضعوا بالقول لأرباب الدنيا الذين في قلوبهم مرض حب المال والجاه فاستجروهم ووقعوا في ورطة الهلاك والحجاب.

فالقول المعروف وهو المتوسط الذي لا يكون فيه الميل الكلي إلى أهل الدنيا أصوب وإلى الحق أقرب.

﴿ وقرن في بيوتكن ﴾ من عالم الملكوت ﴿ ولا تبرجن ﴾ في عالم الحواس راغبين في زينة كعادة الجهلة ﴿ وأقمن الصلاة ﴾ التي هي معراج المؤمن يرفع يده من الدنيا ويكبر عليها ويقبل على الله بالإعراض عما سواه، ويرجع من مقام تكبر الإنسان إلى خضوع ركوع الحيوان، ومنه إلى خشوع سجود النبات، ثم إلى قعود الجماد فإنه بهذا الطريق أهبط إلى أسفل القالب فيكون رجوعه بهذا الطريق إلى أن يصل إلى مقام الشهود الذي كان فيه في البداية الروحاينة، ثم يتشهد بالتحية والثناء على الحضرة، ثم يسلم عن يمينه على الآخرة وما فيها وعن شماله على الدنيا وما فيها.

وإيتاء الزكاة بذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي.

الرجس لوث الحدوث، والبيت لأهل الوحدة بيت القلب يتلى فيه آيات الواردات والكشوف.

إن الذين استسلموا للأحكام الأزلية وآمنوا بوجود المعارف الحقيقية، وقتنوا أي أغرقوا الوجود في الطاعة والعبودية، وصدقوا في عهدهم وصبروا على الخصال الحميدة وعن الأوصاف الذميمة، وخشعوا أي أطرقت سريرتهم عند بواده الحقيقة، وتصدقوا بأموالهم وأعراضهم حتى لم يبق لهم مع أحد خصومة، وصاموا بالإمساك عن الشهوات وعن رؤية الدرجات، وحفظوا فروجهم في الظاهر عن الحرام وفي الباطن عن زوائد الحلال، وذكروا الله بجميع أجزاء وجودهم الجسمانية والروحانية.

﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ إذا صدر أمر المكلف أو عليه، فإن كان مخالفاً للشرع وجب عليه الإنابة والاستغفار، وإن كان موافقا للشرع فإن كان موافقا لطبعه وجب عليه الشكر، وإن كان مخالفاً لطبعه وجب أن يستقبله بالصبر والرضا.

وفي قوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ دلالة على أن المخلصين على خطر عظيم حتى إنهم يؤاخذون بميل القلب وحديث النفس وذلك لقوة صفاء باطنهم، فاللطيف أسرع تغيراً.

﴿ فلما قضى زيد منها وطراً ﴾ قضاء شهوته بين الخلق إلى قيام الساعة ﴿ ما كان على النبيّ من حرج ﴾ فيما فيه أمان هو نقصان في نظر الخلق فإنه كمال عند الحق إلا إذا كان النظر للحق ﴿ ولكن رسول الله ﴾  فيه أن نسبة المتابعين إلى حضرة الرسول  كنسبة الابن إلى الأب الشفيق ولهذا قال "كل حسب ونسب ينقطع إلاّ حسبي ونسبي" <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

إن أم سلمة زوج النبي  وامرأة يقال لها: نسيبة بنت كعب، أتييا رسول الله  فقالتا: يا رسول الله، ما بال ربنا يذكر الرجال في القرآن بالخير، ولا يذكر النساء في شيء؟

فنزل: ﴿ إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ...

﴾ .

ثم قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ يدل أن الإسلام والإيمان هما في الحقيقة واحد - أعني: في الحقيقة المعنى واحد - وإن كانا مختلفين بجهة؛ لأنّ الإسلام هو أن يجعل كل شيء لله سالماً خالصاً، لا يجعل لغيره فيه شركاً ولا حقّاً، والإيمان هو التصديق لله بشهادة كل شيء له بالوحدانية والربوبية والألوهية، فمن جعل الأشياء كلها لله، خالصة سالمة له، والذي صدق الله بشهادة كلية الأشياء له بالوحدانية والربوبية واحد؛ لأن المخلص هو الذي يرى كل شيء لله خالصاً، والموحد هو الذي يرى الوحدانية له والربوبية في كل شيء؛ فهما في حقيقة المعنى واحد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْقَانِتَاتِ ﴾ القنوت: هو القيام في اللغة؛ روي "أن النبي  سئل عن أفضل الصلاة؟

فقال: طول القنوت" ، وفي بعضه: "طول القيام" ، فسّر القنوت بالقيام؛ فثبت أن القنوت هو القيام، فيكون تأويله - والله أعلم -: القائمين والقائمات بجميع أوامر الله ومناهيه.

وكذلك يخرج تأويل أهل التأويل: القائمين: المطيعين والمطيعات لله؛ لأن كل قائم بأمر آخر فهو مطيع له، هذا كأنه يقول: يكون في الاعتقاد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلصَّادِقَاتِ...

﴾ إلى آخره؛ يكون في المعاملة في تصديق ما اعتقدوا وقبلوا، يصدقون ويوفون بالأعمال فيما اعتقدوا وقبلوا.

وقوله: ﴿ وَٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّابِرَاتِ ﴾ الصبر: هو كف النفس وحبسها عن التعاطي في جميع المحرمات المحظورات، وعلى ذلك يخرج قول أهل التأويل: الصابرين على أمر الله وطاعاته، وعلى الأذى والمصائب، يكفون عن جميع ما لا يحل فيه، ويرون ذلك من تقديره.

وقوله: ﴿ وَٱلْخَاشِعِينَ وَٱلْخَاشِعَاتِ ﴾ قال بعضهم: الخاشع: المتواضع.

وأصل الخشوع: هو الخوف اللازم في القلب؛ وهو قول الحسن: يخافون الله في كل حال، لا يخافون غيره، ويرجون الله، ولا يرجون غيره؛ هكذا عمل المؤمن: يكون حقيقة خوفه ورجائه منه.

وأمّا الكافر فإنه لا يخاف ربه، ولا يرجو منه؛ لأنه لا يعرفه ولا يخضع له، وعلى ذلك المعتزلة إنما خوفهم من أعمالهم السيئة ورجاؤهم منها - أعني: من أعمالهم الحسنة - لا من الله حقيقة، وكذلك على قولهم: لا يكون لأحد رجاء في شفاعة رسول الله  إنما رجاؤه في أعماله؛ لقولهم: أن ليس لله في أفعال العباد شيء من تدبيره ولا تقديره.

وقوله: ﴿ وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ ﴾ أي: المنفقين في طاعة الله ﴿ وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ ﴾ قد ذكر أن هذا راجع إلى حقيقة الفعل في الصيام، والصدقة، والصدق في القول والمعاملة، والخشوع منه.

وجائز أن يكون في القبول والاعتقاد؛ على ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ ﴾ فيما لا يحل؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ  إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ ﴾ قال بعضهم: أي: المصلون لله الصلوات الخمس.

وقال بعضهم: الذاكرين الله كثيراً والذاكرات باللسان على كل حال، لكن غيره كأنه أولى بذلك؛ أي: الذاكرين حق الله الذي عليهم كثيراً والذاكرات ﴿ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن المتذللين لله بالطاعة والمتذللات، والمصدقين بالله والمصدقات، والمطيعين والمطيعات لله، والصادقين والصادقات في إيمانهم وقولهم، والصابرين والصابرات على الطاعات وعن المعاصي وعلى البلاء، والمتصدقين والمتصدقات بأموالهم في الفرض والنفل، والصائمين والصائمات لله في الفرض والنفل، والحافظين والحافظات فروجهم بسترها عن الكشف أمام من لا يحلّ له النظر إليها، وبالبعد عن فاحشة الزنى ومقدماتها، والذاكرين والذاكرات اللهَ بقلوبهم وألسنتهم كثيرًا سرا وعلانية - أعدّ الله لهم مغفرة منه لذنوبهم، وأعدّ لهم ثوابًا عظيمًا يوم القيامة وهو الجنة.

من فوائد الآيات من توجيهات القرآن للمرأة المسلمة: النهي عن الخضوع بالقول، والأمر بالمكث في البيوت إلا لحاجة، والنهي عن التبرج.

فضل أهل بيت رسول الله  ، وأزواجُه من أهل بيته.

مبدأ التساوي بين الرجال والنساء قائم في العمل والجزاء إلا ما استثناه الشرع لكل منهما.

<div class="verse-tafsir" id="91.6Y5lP"

مزيد من التفاسير لسورة الأحزاب

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله