الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٥٣ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 235 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٣ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
هذه آية الحجاب ، وفيها أحكام وآداب شرعية ، وهي مما وافق تنزيلها قول عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال : وافقت ربي في ثلاث ، فقلت : يا رسول الله ، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ؟
فأنزل الله : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) [ البقرة : 125 ] .
وقلت : يا رسول الله ، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر ، فلو حجبتهن ؟
فأنزل الله آية الحجاب .
وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم لما تمالأن عليه في الغيرة : ( عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ) [ التحريم : 5 ] ، فنزلت كذلك .
وفي رواية لمسلم ذكر أسارى بدر ، وهي قضية رابعة .
وقد قال البخاري : حدثنا مسدد ، عن يحيى ، عن حميد ، أن أنس بن مالك قال : قال عمر بن الخطاب : يا رسول الله ، يدخل عليك البر والفاجر ، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب ؟
فأنزل الله آية الحجاب .
وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش ، التي تولى الله تعالى تزويجها بنفسه ، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة ، في قول قتادة والواقدي وغيرهما .
وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى ، وخليفة بن خياط : أن ذلك كان في سنة ثلاث ، فالله أعلم .
قال البخاري : حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي ، حدثنا معتمر بن سليمان ، سمعت أبي ، حدثنا أبو مجلز ، عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، قال : لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش ، دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون ، فإذا هو [ كأنه ] يتهيأ للقيام فلم يقوموا .
فلما رأى ذلك قام ، فلما قام [ قام ] من قام ، وقعد ثلاثة نفر .
فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل ، فإذا القوم جلوس ، ثم إنهم قاموا فانطلقت ، فجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا .
فجاء حتى دخل ، فذهبت أدخل ، فألقى [ الحجاب ] بيني وبينه ، فأنزل الله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي ) الآية .
وقد رواه أيضا في موضع آخر ، ومسلم والنسائي ، من طرق ، عن معتمر بن سليمان ، به .
ثم رواه البخاري منفردا به من حديث أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، [ بنحوه .
ثم قال : حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس بن مالك ] قال : بني [ على ] النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش بخبز ولحم ، فأرسلت على الطعام داعيا ، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون ، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون .
فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه ، فقلت : يا نبي الله ، ما أجد أحدا أدعوه .
قال : " ارفعوا طعامكم " ، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق إلى حجرة عائشة ، فقال : " السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته " .
قالت : وعليك السلام ورحمة الله ، كيف وجدت أهلك ، بارك الله لك ؟
فتقرى حجر نسائه كلهن ، يقول لهن كما يقول لعائشة ، ويقلن له كما قالت عائشة .
ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا رهط ثلاثة [ في البيت ] يتحدثون .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء ، فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة ، فما أدري أخبرته أم أخبر أن القوم خرجوا ؟
فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب داخله ، وأخرى خارجه ، أرخى الستر بيني وبينه ، وأنزلت آية الحجاب .
انفرد به البخاري من بين أصحاب الكتب [ الستة ] ، سوى النسائي في اليوم والليلة ، من حديث عبد الوارث .
ثم رواه عن إسحاق - هو ابن منصور - عن عبد الله بن بكر السهمي ، عن حميد ، عن أنس ، بنحو ذلك ، وقال : " رجلان " انفرد به من هذا الوجه .
وقد تقدم في أفراد مسلم من حديث سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن أنس .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو المظفر ، حدثنا جعفر بن سليمان ، عن الجعد - أبي عثمان اليشكري - عن أنس بن مالك قال : أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض نسائه ، فصنعت أم سليم حيسا ثم وضعته في تور ، فقالت : اذهب بهذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقرئه مني السلام ، وأخبره أن هذا منا له قليل - قال أنس : والناس يومئذ في جهد - فجئت به فقلت : يا رسول الله ، بعثت بهذا أم سليم إليك ، وهي تقرئك السلام ، وتقول : أخبره أن هذا منا له قليل ، فنظر إليه ثم قال : " ضعه " فوضعته في ناحية البيت ، ثم قال : " اذهب فادع لي فلانا وفلانا " .
وسمى رجالا كثيرا ، وقال : " ومن لقيت من [ المسلمين " .
فدعوت من قال لي ، ومن لقيت من ] المسلمين ، فجئت والبيت والصفة والحجرة ملأى من الناس - فقلت : يا أبا عثمان ، كم كانوا ؟
فقال : كانوا زهاء ثلاثمائة - قال أنس : فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " جئ به " .
فجئت به إليه ، فوضع يده عليه ، ودعا وقال : " ما شاء الله " .
ثم قال : " ليتحلق عشرة عشرة ، وليسموا ، وليأكل كل إنسان مما يليه " .
فجعلوا يسمون ويأكلون ، حتى أكلوا كلهم .
فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ارفعه " .
قال : فجئت فأخذت التور فما أدري أهو حين وضعت أكثر أم حين أخذت ؟
قال : وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله ، وزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم التي دخل بها معهم مولية وجهها إلى الحائط ، فأطالوا الحديث ، فشقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أشد الناس حياء - ولو أعلموا كان ذلك عليهم عزيزا - فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فسلم على حجره وعلى نسائه ، فلما رأوه قد جاء ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه ، ابتدروا الباب فخرجوا ، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أرخى الستر ، ودخل البيت وأنا في الحجرة ، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته يسيرا ، وأنزل الله عليه القرآن ، فخرج وهو يقرأ هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ) إلى قوله : ( بكل شيء عليما ) .
قال أنس : فقرأهن علي قبل الناس ، فأنا أحدث الناس بهن عهدا .
وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي جميعا ، عن قتيبة ، عن جعفر بن سليمان ، به .
وقال الترمذي : حسن صحيح وعلقه البخاري في كتاب النكاح فقال : وقال إبراهيم بن طهمان ، عن الجعد أبي عثمان ، عن أنس ، فذكر نحوه .
ورواه مسلم أيضا عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الجعد ، به .
وقد روى هذا الحديث عبد الله بن المبارك ، عن شريك ، عن بيان بن بشر ، عن أنس ، بنحوه .
وروى البخاري والترمذي ، من طريقين آخرين ، عن بيان بن بشر الأحمسي الكوفي ، عن أنس ، بنحوه .
ورواه ابن أبي حاتم أيضا ، من حديث أبي نضرة العبدي ، عن أنس بن مالك ، بنحوه ورواه ابن جرير من حديث عمرو بن سعيد ، ومن حديث الزهري ، عن أنس ، بنحو ذلك .
وقال الإمام أحمد : حدثنا بهز وهاشم بن القاسم قالا حدثنا سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن أنس قال : لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليزيد " اذهب فاذكرها علي " .
قال : فانطلق زيد حتى أتاها ، قال : وهي تخمر عجينها ، فلما رأيتها عظمت في صدري .
.
.
وذكر تمام الحديث ، كما قدمناه عند قوله : ( فلما قضى زيد منها وطرا ) ، وزاد في آخره بعد قوله : ووعظ القوم بما وعظوا به .
قال هاشم في حديثه : ( لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق ) .
وقد أخرجه مسلم والنسائي ، من حديث سليمان بن المغيرة ، به .
وقال ابن جرير : حدثني أحمد بن عبد الرحمن - ابن أخي ابن وهب - حدثني عمي عبد الله بن وهب ، حدثني يونس عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : إن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع - وهو صعيد أفيح - وكان عمر يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : احجب نساءك .
فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليفعل ، فخرجت سودة بنت زمعة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت امرأة طويلة ، فناداها عمر بصوته الأعلى : قد عرفناك يا سودة .
حرصا أن ينزل الحجاب ، قالت : فأنزل الله الحجاب .
هكذا وقع في هذه الرواية .
والمشهور أن هذا كان بعد نزول الحجاب ، كما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم ، من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها ، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها ، فرآها عمر بن الخطاب فقال : يا سودة ، أما والله ما تخفين علينا ، فانظري كيف تخرجين ؟
قالت : فانكفأت راجعة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي ، وإنه ليتعشى ، وفي يده عرق ، فدخلت فقالت : يا رسول الله ، إني خرجت لبعض حاجتي ، فقال لي عمر كذا وكذا .
قالت : فأوحى الله إليه ، ثم رفع عنه وإن العرق في يده ، ما وضعه .
فقال : " إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن " .
لفظ البخاري .
فقوله : ( لا تدخلوا بيوت النبي ) : حظر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن ، كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام ، حتى غار الله لهذه الأمة ، فأمرهم بذلك ، وذلك من إكرامه تعالى هذه الأمة; ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إياكم والدخول على النساء " .
ثم استثنى من ذلك فقال : ( إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ) .
قال مجاهد وقتادة وغيرهما : أي غير متحينين نضجه واستواءه ، أي : لا ترقبوا الطعام حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول ، فإن هذا يكرهه الله ويذمه .
وهذا دليل على تحريم التطفيل ، وهو الذي تسميه العرب الضيفن ، وقد صنف الخطيب البغدادي في ذلك كتابا في ذم الطفيليين .
وذكر من أخبارهم أشياء يطول إيرادها .
ثم قال تعالى : ( ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ) .
وفي صحيح مسلم عن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا دعا أحدكم أخاه فليجب ، عرسا كان أو غيره " .
وأصله في الصحيحين وفي الصحيح أيضا ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو دعيت إلى ذراع لأجبت ، ولو أهدي إلي كراع لقبلت ، فإذا فرغتم من الذي دعيتم إليه فخففوا عن أهل المنزل ، وانتشروا في الأرض " ; ولهذا قال : ( ولا مستأنسين لحديث ) أي : كما وقع لأولئك النفر الثلاثة الذين استرسل بهم الحديث ، ونسوا أنفسهم ، حتى شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قال [ الله ] تعالى : ( إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم ) .
وقيل : المراد أن دخولكم منزله بغير إذنه كان يشق عليه ويتأذى به ، لكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك من شدة حيائه ، عليه السلام ، حتى أنزل الله عليه النهي عن ذلك; ولهذا قال : ( والله لا يستحيي من الحق ) أي : ولهذا نهاكم عن ذلك وزجركم عنه .
ثم قال تعالى : ( وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ) أي : وكما نهيتكم عن الدخول عليهن ، كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية ، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن ، ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان ، عن مسعر ، عن موسى بن أبي كثير ، عن مجاهد ، عن عائشة قالت : كنت آكل مع النبي صلى الله عليه وسلم حيسا في قعب ، فمر عمر فدعاه ، فأصابت إصبعه إصبعي ، فقال : حس - أو : أوه - لو أطاع فيكن ما رأتك عين .
فنزل الحجاب .
( ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ) أي : هذا الذي أمرتكم به وشرعته لكم من الحجاب أطهر وأطيب .
وقوله : ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما ) : قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا محمد بن أبي حماد ، حدثنا مهران ، عن سفيان ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله تعالى : ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ) قال : نزلت في رجل هم أن يتزوج بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم .
قال رجل لسفيان : أهي عائشة ؟
قال : قد ذكروا ذاك .
وكذا قال مقاتل بن حيان ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وذكر بسنده عن السدي أن الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله ، رضي الله عنه ، حتى نزل التنبيه على تحريم ذلك; ولهذا أجمع العلماء قاطبة على أن من توفي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه أنه يحرم على غيره تزويجها من بعده ; لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين ، كما تقدم .
واختلفوا فيمن دخل بها ثم طلقها في حياته هل يحل لغيره أن يتزوجها ؟
على قولين ، مأخذهما : هل دخلت هذه في عموم قوله : ( من بعده ) أم لا ؟
فأما من تزوجها ثم طلقها قبل أن يدخل بها ، فما نعلم في حلها لغيره - والحالة هذه - نزاعا ، والله أعلم .
وقال ابن جرير : حدثني [ محمد ] بن المثنى ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا داود ، عن عامر; أن نبي الله صلى الله عليه وسلم مات وقد ملك قيلة بنت الأشعث - يعني : ابن قيس - فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بعد ذلك ، فشق ذلك على أبي بكر مشقة شديدة ، فقال له عمر : يا خليفة رسول الله ، إنها ليست من نسائه ، إنها لم يخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يحجبها ، وقد برأها الله منه بالردة التي ارتدت مع قومها .
قال : فاطمأن أبو بكر ، رضي الله عنهما وسكن .
وقد عظم الله تبارك وتعالى ذلك ، وشدد فيه وتوعد عليه بقوله : ( إن ذلكم كان عند الله عظيما ) ،
القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) يقول تعالى ذكره لأصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تدخلوا بيوت نبي الله إلا أن تدعوا إلى طعام تطعمونه (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) يعني: غير منتظرين إدراكه وبلوغه، وهو مصدر من قولهم: قد أنى هذا الشيء يأني إنى وأنيا وإناء، قال الحطيئة: وآنيــتُ العَشــاءَ إلَــى سُــهَيلٍ أوِ الشِّــعْرَى فطــال بـيَ الأنَـاءُ (1) وفيه لغة أخرى يقال: قد آن لك، أي: تبين لك أينا ونال لك، وأنال لك، ومنه قول رؤبة بن العجاج: هــاجَتْ وَمِثْــلِي نَوْلُـهُ أن يَرْبَعـا حمامــةٌ نــاختْ حَمَامًــا سُـجَّعًا (2) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قول الله (إلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) قال: متحيِّنين نضجه.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) يقول: غير ناظرين الطعام أن يصنع.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) قال: غير متحينين طعامه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
ونصب (غير) في قوله (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) على الحال من الكاف والميم في قوله (إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) لأن الكاف والميم معرفة وغير نكرة، وهي من صفة الكاف والميم.
وكان بعض نحويِّي البصرة يقول: لا يجوز في (غَيْرَ) الجر على الطعام، إلا أن تقول: أنتم، ويقول: ألا ترى أنك لو قلت: أبدى لعبد الله عليَّ امرأة مبغضًا لها، لم يكن فيه إلا النصب، إلا أن تقول: مبغض لها هو، لأنك إذا أجريت صفته عليها، ولم تظهر الضمير الذي يدل على أن الصفة له لم يكن كلامًا، لو قلت هذا رجل مع امرأة مُلازِمِها، كان لحنًا حتى ترفع فتقول: ملازمُها، أو تقول: ملازِمَها هو فتجر.
وكان بعض نحويي الكوفة يقول: لو جعلت (غَيْرَ) في قوله (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) خفضًا كان صوابًا، لأن قبلها الطعام وهو نكرة، فيجعل فعلهم تابعًا للطعام، لرجوع ذكر الطعام في إناه، كما تقول العرب: رأيت زيدًا مع امرأةٍ محسنًا إليها ومحسنٍ إليها؛ فمن قال محسنًا جعله من صفة زيد، ومن خفضه فكأنه قال: رأيته مع التي يحسن إليها، فإذا صارت الصلة للنكرة أتبعتها وإن كانت فعلا لغير النكرة، كما قال الأعشى: فقُلـــتُ لـــهُ هـــذهِ هاتِهــا إلينــــا بأدْمَـــاءَ مُقْتَادِهـــا (3) فجعل المقتاد تابعًا لإعراب (بِأدْمَاء)، لأنه بمنـزلة قولك: بأدماء تقتادها، فخفضه لأنه صلة لها، قال: وينشد: بأدماءِ مقتادِها، بخفض الأدماء لإضافتها إلى المقتاد، قال: ومعناه: هاتها على يدي من اقتادها.
وأنشد أيضًا: وإنِ امــرَءًا أهْــدَى إلَيـكِ وَدُونُـهَ مـنَ الأرضِ موْمَـاةٌ وَبَيْـدَاءُ فَيْهَـقُ لَمَحْقُوقَــةٌ أن تَســتجيبي لِصوتِـهِ وأن تعْلَمِــي أنَّ المُعَــانَ مُــوَفَّقُ (4) وحكي عن بعض العرب سماعًا ينشد: أرأيــت إذْ أَعطَيتــكِ الــودَّ كلَّـه ولــم يـكُ عنـدي إن أبيـتِ إبـاءُ أمُســلِمتي للمــوت أنــت فميِّـتٌ وهــل للنفــوس المسـلماتِ بقـاءُ (5) ولم يقل: فميت أنا، وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: يدك باسطها يريدون: أنت، وهو كثير في الكلام، قال: فعلى هذا يجوز خفض (غير).
والصواب من القول في ذلك عندنا، القول بإجازة جر (غير) في (غَيْرَ نَاظِرِينَ) في الكلام، لا في القراءة لما ذكرنا من الأبيات التي حكيناها، فأما في القراءة فغير جائز في (غير) غير النصب، لإجماع الحجة من القراء على نصبها.
وقوله (وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا) يقول: ولكن إذا دعاكم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فادخلوا البيت الذي أذن لكم بدخوله (فإذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) يقول: فإذا أكلتم الطعام الذي دعيتم لأكله فانتشروا، يعني: فتفرقوا واخرجوا من منـزله (وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) فقوله (وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) في موضع خفض عطفًا به على ناظرين، كما يقال في الكلام: أنت غير ساكت ولا ناطق.
وقد يحتمل أن يقال: مستأنسين في موضع نصب عطفًا على معنى ناظرين، لأن معناه إلا أن يؤذن لكم إلى طعام لا ناظرين إناه، فيكون قوله (وَلا مُسْتَأْنِسِينَ) نصبًا حينئذ، والعرب تفعل ذلك إذا حالت بين الأول والثاني؛ فترد أحيانًا على لفظ الأول وأحيانًا على معناه، وقد ذكر الفراء أن أبا القمقام أنشده: أجِـدكَ لسـتَ الدهـرَ رائـيَ رامَـة ولا عـــاقلٍ إلا وانــت جــنِيبُ ولا مُصعِـدٍ فـي المُصعِـدينَ لمنْعِـجٍ ولا هابطًـا مـا عِشْتُ هَضْبَ شطيبِ (6) فرد مصعد على أن رائي فيه باء خافضة، إذ حال بينه وبين المصعد مما حال بينهما من الكلام.
ومعنى قوله (وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) : ولا متحدثين بعد فراغكم من &; 20-310 &; أكل الطعام إيناسًا من بعضكم لبعض به.
كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد (وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) بعد أن تأكلوا.
واختلف أهل العلم في السبب الذي نـزلت هذه الآية فيه؛ فقال بعضهم: نـزلت بسبب قوم طعموا عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في وليمة زينب بنت جحش، ثم جلسوا يتحدثون في منـزل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، وبرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى أهله حاجة فمنعه الحياء من أمرهم بالخروج من منـزله .
* ذكر من قال ذلك: حدثني عمران بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: بنى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بزينب بنت جحش، فبعثت داعيًا إلى الطعام، فدعوت، فيجيء القوم يأكلون ويخرجون، ثم يجيء القوم يأكلون ويخرجون، فقلت: يا نبي الله قد دعوت حتى ما أجد أحدًا أدعوه، قال: ارفعوا طعامكم، وإن زينب لجالسة في ناحية البيت، وكانت قد أعطيت جمالا وبقي ثلاثة نفر يتحدثون في البيت، وخرج رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم منطلقًا نحو حجرة عائشة، فقال: " السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ " فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟
قال: فأتى حجر نسائه فقالوا مثل ما قالت عائشة، فرجع النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، فإذا الثلاثة يتحدثون في البيت، وكان النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم شديد الحياء، فخرج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم منطلقًا نحو حجرة عائشة، فلا أدري أخبرته، أو أخبر أن الرهط قد خرجوا، فرجع حتى وضع رجله في أسكفة داخل البيت، والأخرى خارجه، إذ أرخي الستر بيني وبينه، وأُنـزلت آية الحجاب.
حدثني أَبو معاوية بشر بن دحية، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن أنس بن مالك، قال: سألني أُبي بن كعب عن الحجاب فقلت: أنا أعلم الناس به، نـزلت في شأن زينب؛ أولم النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عليها بتمر وسويق، فنـزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ...) إلى قوله (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) .
حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثني عمي، قال: أخبرني يونس، عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك أنه كان ابن عشر سنين مقدم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى المدينة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنـزل في مبتنى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بزينب بنت جحش، أصبح رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بها عروسًا، فدعا القوم فأصابوا من الطعام حتى خرجوا وبقِي منهم رهط عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فأطالوا المكث، فقام رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وخرج، وخرجت معه لكي يخرجوا، فمشى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ومشيت معه، حتى جاء عتبة حجرة عائشة زوج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، ثم ظن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، حتى دخل على زينب، فإذا هم جلوس لم يقوموا، فرجع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فضرب بيني وبينه سترًا، وأُنـزل الحجاب.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أَبي عدي، عن حميد، عن أنس، قال: دعوت المسلمين إلى وليمة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، صبيحة بنى بزينب بنت جحش، فأوسعهم خبزًا ولحمًا، ثم رجع كما كان يصنع، فأتى حجر نسائه فسلم عليهن، فدعون له، ورجع إلى بيته وأنا معه، فلما انتهينا إلى الباب إذا رجلان قد جرى بهما الحديث في ناحية البيت، فلما أبصرهما ولى راجعًا، فلما رأيا النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ولَّى عن بيته، ولَّيا مسرعين، فلا أدري أنا أخبرته أو أخبر فرجع إلى بيته، فأرخي الستر بيني وبينه، ونـزلت آية الحجاب.
حدثني ابن بشار، قال: ثنا ابن أَبي عدي، عن حميد، عن أنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب: قلت لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: لو حجبت عن أمهات المؤمنين؛ فإنه يدخل عليك البر والفاجر، فنـزلت آية الحجاب.
حدثني القاسم بن بشر بن معروف، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أَبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: أنا أعلم الناس بهذه الآية؛ آية الحجاب: لما أهديت زينب إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم صنع طعامًا، ودعا القوم، فجاءوا فدخلوا وزينب مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في البيت، وجعلوا يتحدثون، وجعل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يخرج ثم يدخل وهم قعود، قال: فنـزلت هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ...) إلى (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) قال: فقام القوم وضرب الحجاب.
حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد، قال: ثنا أبي، عن بيان، عن أنس بن مالك، قال: بنى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بامرأة من نسائه، فأرسلني فدعوت القوم إلى الطعام، فلما أكلوا وخرجوا، قام رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم منطلقًا قبل بيت عائشة، فرأى رجلين جالسين، فانصرف راجعًا، فأنـزل الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ).
حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أَبو داود، قال: ثنا المسعودي، قال: ثنا ابن نهشل، عن أَبي وائل عن عبد الله، قال: أمر عمر نساء النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالحجاب، فقالت زينب: يا ابن الخطاب إنك لتغار علينا والوحي ينـزل في بيوتنا، فأنـزل الله (وَإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) .
حدثني محمد بن مرزوق، قال: ثنا أشهل بن حاتم، قال: ثنا ابن عون، عن عمرو بن سعد، عن أنس، قال: وكنت مع النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وكان &; 20-313 &; يمر على نسائه، قال: فأتى بامرأة عروس، ثم جاء وعندها قوم، فانطلق فقضى حاجته، واحتبس وعاد وقد خرجوا، قال: فدخل فأرخي بيني وبينه سترًا، قال: فحدثت أبا طلحة فقال: لئن كان كما تقول، لينـزلن في هذا شيء، قال: ونـزلت آية الحجاب.
وقال آخرون: كان ذلك في بيت أم سلمة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ) قال: كان هذا في بيت أم سلمة، قال: أكلوا، ثم أطالوا الحديث، فجعل النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يدخل ويخرج ويستحي منهم، والله لا يستحي من الحق.
قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) قال: بلغنا أنهن أمرن بالحجاب عند ذلك.
وقوله (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ) يقول: إن دخولكم بيوت النبي من غير أن يؤذن لكم وجلوسكم فيها مستأنسين للحديث بعد فراغكم من أكل الطعام الذي دعيتم له كان يؤذي النبي فيستحي منكم أن يخرجكم منها إذا قعدتم فيها للحديث بعد الفراغ من الطعام، أو يمنعكم من الدخول إذا دخلتم بغير إذن مع كراهيته لذلك منكم (وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) أن يتبين لكم، وإن استحيا نبيكم فلم يبين لكم كراهية ذلك حياء منكم.( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) يقول: وإذا سألتم أزواج رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعًا(فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) يقول: من وراء ستر بينكم وبينهن، ولا تدخلوا عليهن بيوتهن (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) يقول تعالى ذكره: سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين فيها التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء، وفي صدور النساء من أمر الرجال، وأحرى من أن لا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل.
وقد قيل: إن سبب أمر الله النساء بالحجاب، إنما كان من أجل أن رجلا كان يأكل مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وعائشة معهما، فأصابت يدها يد الرجل، فكره ذلك رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم .
* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن ليث، عن مجاهد، أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كـان يطعم ومعه بعض أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، فكره ذلك رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ؛ فنـزلت آية الحجاب.
وقيل: نـزلت من أجل مسألة عمر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم .
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أَبو كريب ويعقوب، قالا ثنا هشيم، قال: ثنا حميد الطويل، عن أنس، قال: قال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟
قال: فنـزلت آية الحجاب.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا حميد، عن أنس، عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بنحوه.
حدثني أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثني عمرو بن عبد الله بن وهب، قال: ثني يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: إن أزواج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع؛ وهو صعيد أفيح، وكان عمر يقول: يا رسول الله احجب نساءك، فلم يكن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة، زوج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة؛ حرصًا أن ينـزل الحجاب، قال: فأنـزل الله الحجاب.
حدثنا ابن وكيع ، قال: ثنا ابن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: خرجت سودة لحاجتها بعد ما ضرب علينا الحجاب، وكأنت امرأة تفرع النساء طولا فأبصرها عمر، فناداها: يا سودة إنك والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين أو كيف تصنعين؟
فانكفأت فرجعت إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وإنه ليتعشى، فأخبرته بما كان وما قال لها، وإن في يده لعرقًا (7) فأوحي إليه ثم رفع عنه، وإن العرق لفي يده، فقال: " لَقَدْ أذنَ لَكُنَّ أنْ تَخْرجنَ لحَاجَتكُن ".
حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا همام، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن أَبي وائل، عن ابن مسعود، قال: أمر عمر نساء النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالحجاب فقالت زينب: يا ابن الخطاب، إنك لتغار علينا والوحي ينـزل في بيوتنا؟
فأنـزل الله (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) .
حدثني أبو أيوب النهراني سليمان بن عبد الحميد، قال: ثنا يزيد بن عبد ربه، قال: ثني ابن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن أزواج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح، وكان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة؛ حرصًا على أن ينـزل الحجاب، قالت عائشة: فأنـزل الله الحجاب، قال الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا ...) الآية.
وقوله (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ) يقول تعالى ذكره: وما ينبغي لكم أن تؤذوا رسول الله، وما يصلح ذلك لكم (وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا) يقول: وما ينبغي لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا لأنهن أمهاتكم، ولا يحل للرجل أن يتزوج أمه.
وذكر أن ذلك نـزل في رجل كان يدخل قبل الحجاب، قال: لئن مات محمد لأتزوجن امرأة من نسائه سماها، فأنـزل الله تبارك وتعالى في ذلك (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا) .
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ) قال: ربما بلغ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن الرجل يقول: لو أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم توفي تزوجت فلانة من بعده، قال: فكان ذلك يؤذي النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ؛ فنـزل القرآن (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ...) الآية .
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم مات، وقد ملك قيلة بنت الأشعث، فتزوجها عكرِمة بن أبي جهل بعد ذلك، فشق على أَبي بكر مشقة شديدة، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله إنها ليست من نسائه إنها لم يخيرها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ولم يحجبها، وقد برأها منه بالردة التي أرتدت مع قومها، فاطمأن أَبو بكر وسكن.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود عن عامر، أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم توفي وقد ملك بنت الأشعث بن قيس ولم يجامعها، ذكر نحوه.
وقوله (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا) يقول: إن أذاكم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ونكاحكم أزواجه من بعده عند الله عظيم من الإثم.
------------------- الهوامش: (1) البيت للحطيئة (اللسان: أني).
وآنيت الشيء: أخرته، والاسم منه الأناء على فعال بالفتح.
يريد أنه آخر عشاءه إلى طلوع سهيل أو طلوع الشعري، فطال انتظاره.
قال: ورواه أبو سعيد (الأصمعي): وأنيت، بتشديد النون.
ويقال: أنيت الطعام في النار: إذا أطلعت مكثه.
وأنى الشيء يأني أنيا وإني وأني: حان وأدرك.
وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن (مصورة الجامعة ص 1197) (إلى طعام غير ناظرين إناه) : أي إدراكه وبلوغه.
ويقال: أنى لك يأني أنيا: أي بلغ وأدرك.
تمخـــط المنــون لــه بيــوم أنـــي ولكــل حاملــة تمــام .
(2) البيتان: من مشطور الرجز، لرؤبة الراجز المشهور (ديوانه - طبعة ليبسج - سنة 1903 ص 87).
وفي (اللسان: نول): أما نول فتقول: نولك أن تفعل كذا: أي ينبغي لك فعل كذا.
وفي الصحاح: أي حقك أن تفعل كذا.
وأصله من التناول، كأنه يقول: تناولك كذا وكذا.
قال العجاج: (هاجت ...
إلخ): أي حقه أن يكف.
وقيل: الرجز لرؤبة.
وأصل النول مصدر ناله بالخير ينوله نوالا، ونولا، ونيلا.
ويقال: أناله بخير إنالة.
(3) البيت لأعشى بني قيس بن ثعلبة (ديوانه طبع القاهرة ص 69) ورواية البيت فيه: فَقُلنَـــا لَـــهُ هَـــذِهِ هاتِهــا بأَدْمــاءَ فِــي حَــبْلِ مُقْتادِهــا وهي غير رواية المؤلف التي استشهد بها.
وليس في رواية الديوان شاهد للمؤلف.
والشاعر يمدح بالقصيدة سلامة ذافانش من أقيال اليمن.
وفي مقدمة القصيدة أبيات في الغزل والخمر، ومنها هذا البيت.
وقوله "هذه": إشارة إلى الخمر التي جاء بها الساقي يؤامر الشاعر في شربها ويساومه في ثمنها وقد رضي الشاعر بأن يشتري الخمر التي وصف، على أن يكون ثمنها ناقته الأدماء التي يقودها خادمه بحبلها، والأدمة في الإبل: البياض مع سواد المقلتين (اللسان).
هذا تفسير البيت على رواية الديوان.
فأما على رواية المؤلف، فإنه جعل إعراب (مقتادها) بالجر إتباعا لأدماء، لأنها نكرة، وإن كان الاقتياد لخادمه المفهوم من المقام، فهي صفة جارية على غير صاحبها، ولم يصرح بضمير النعت إذا كان لغير المنعوت فلا بد أن يقال: مقتادها أنت أي صاحب الخمر.
أو يقول: مقتادها هو: أي يقتادها الخادم.
فأما إذا كان المنعوت معرفة كما في قوله تعالى: (إلا أن يؤذون لكم إلى طعام غير ناظرين إناه) فيجوز في (غير) النصب على الحال من الضمير في لكم، ويجوز الجر عند الكوفيين بالإتباع على النعت، وإن لم يبرز معه الضمير.
وقد أوضح المؤلف المقام توضيحا كاملا، لا يحتاج معه إلى مزيد من القول.
(4) البيتان للأعشى.
وقد سبق الاستشهاد بهما في كلام المؤلف على مثل ما استشهد بهما عليه هنا (انظر 17 : 197).
والشاهد في قوله: (لمحقوقة)، فإنه خبر عن قوله: (وإن امرءًا).
والخبر، هنا: غير المخبر عنه، لأن المبتدأ هنا مذكر، والخبر مؤنث.
وقد اختلف النحاة في مثل هذا فقال البصريون كان يجب أن يقول: (لمحقوقة أنت) بإبراز الضمير، لأن تركه يحدث لبسا في الكلام ولا يعلم المراد بالمحقوقة أي شخص هو؟
وأما الكوفيون فقد جوزوا في هذه الحالة وأمثالها في الخبر والنعت اللذين لا يطابقان صاحبهما، أن يبرز الضمير، وألا يبرز، على خلاف ما قاله البصريون، واستشهدوا ببيتي الأعشى على مجيء الخبر غير مطابق لما هو له، بدون إبراز الضمير.
وحمل البصريون ذلك في البيت على الاتساع والحذف.
(وانظر المسألة مفصلة في كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف، بين البصريين والكوفيين، لأبي البركات عبد الرحمن بن الأنباري، طبع القاهرة ص 45 - 48 المسألة رقم 8).
(5) هذان البيتان لم أجدهما في معاني القرآن للفراء، ولا في مجاز القرآن لأبي عبيدة.
والشاهد فيهما أن قوله فميت معطوف على قوله: (أمسلمتي)، والمعطوف هنا غير المعطوف عليه في المعنى، فكان مقتضى ذلك أن يقول: فميت أنا، بإبراز الضمير على مذهب البصريين، ولكنه لم يبرز الضمير وهو موافق لمذهب الكوفيين الذين يقولون بجواز إبراز الضمير وعدم إبرازه، وهذا كثير في كلام العرب.
(6) البيتان من شواهد الفراء في معاني القرآن (مصورة الجامعة 258) وروايته أصح من رواية المؤلف.
ورامة، وعاقل ومنعج (في رواية المؤلف) ، ومنبج (في رواية الفراء): أسماء مواضع في جزيرة العرب، إلا منبج ففي الشام، قرب حلب، والبيتان مما أنشده أبو القمقام الفراء.
والشاهد في قوله: (ولا مصعد) بالجر فإنه معطوف على (رائي) والمعطوف عليه منصوب، والمعطوف مجرور على توهم زيادة الباء في خبر ليس وهو المعطوف عليه الأول.
كأنه قال: لست براء ولا مصعد.
وقد ساق الفراء البيتين في توجيه إعراب قوله تعالى: (ولا مستأنسين) فإنه رده عطفا على (ناظرين إناه) بالجر، أو بالنصب إتباعا لغير.
قال: ولو جعلت المستأنسين في موضع نصب: تتوهم أن تتبعه بغير، لما أن حلت بينهما بكلام.
كذلك.
وكذلك كل معنى احتمل وجهين، ثم فرقت بينهما بكلام جاز أن يكون الآخر معربا بخلاف الأول.
من ذلك قولك: ما أنت بمحسن إلى من أساء إليه ولا مجملا.
(7) العرق بفتح فسكون: العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم.
يقال: عرقت العظم، واعترقته وتعرقته: إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك (النهاية لابن الأثير).
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما .فيه ست عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ( أن ) في موضع نصب على معنى : إلا بأن يؤذن لكم ، ويكون الاستثناء ليس من الأول .
طعام غير ناظرين نصب على الحال ، أي لا تدخلوا في هذه الحال .
ولا يجوز في غير الخفض على النعت للطعام ، لأنه لو كان نعتا لم يكن بد من إظهار الفاعلين ، وكان يقول : غير ناظرين إناه أنتم .
ونظير هذا من النحو : هذا رجل مع رجل ملازم له ، وإن شئت قلت : هذا رجل مع رجل ملازم له هو .
وهذه الآية تضمنت قصتين : إحداهما : الأدب في أمر الطعام والجلوس .والثانية : أمر [ ص: 203 ] الحجاب .
وقال حماد بن زيد : هذه الآية نزلت في الثقلاء .
فأما القصة الأولى فالجمهور من المفسرين على أن : سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب بنت جحش امرأة زيد أولم عليها ، فدعا الناس ، فلما طعموا جلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته مولية وجهها إلى الحائط ، فثقلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال أنس : فما أدري أأنا أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أن القوم قد خرجوا أو أخبرني .
قال : فانطلق حتى دخل البيت ، فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه ونزل الحجاب .
قال : ووعظ القوم بما وعظوا به ، وأنزل الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي - إلى قوله - إن ذلكم كان عند الله عظيما أخرجه الصحيح .
وقال قتادة ومقاتل في كتاب الثعلبي : إن هذا السبب جرى في بيت أم سلمة .
والأول الصحيح ، كما رواه الصحيح .
وقال ابن عباس : نزلت في ناس من المؤمنين كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون قبل أن يدرك الطعام ، فيقعدون إلى أن يدرك ، ثم يأكلون ولا يخرجون .
وقال إسماعيل بن أبي حكيم : وهذا أدب أدب الله به الثقلاء .
وقال ابن أبي عائشة في كتاب الثعلبي : حسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم .وأما قصة الحجاب فقال أنس بن مالك وجماعة : سببها أمر القعود في بيت زينب ، القصة المذكورة آنفا .
وقالت عائشة رضي الله عنها وجماعة : سببها أن عمر قال قلت : يا رسول الله ، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر ، فلو أمرتهن أن يحتجبن ، فنزلت الآية .
وروى الصحيح عن ابن عمر قال : قال عمر : وافقت ربي في ثلاث : في مقام إبراهيم ، وفي الحجاب ، وفي أسارى بدر .
هذا أصح ما قيل في أمر الحجاب ، وما عدا هذين القولين من الأقوال والروايات فواهية ، لا يقوم شيء منها على ساق ، وأضعفها ما روي عن ابن مسعود : أن عمر أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب ، فقالت زينب بنت جحش : يا بن الخطاب ، إنك تغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا فأنزل الله تعالى : وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب وهذا باطل ; لأن الحجاب نزل يوم البناء بزينب ، كما بيناه .
أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم .
وقيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطعم ومعه بعض أصحابه ، فأصاب يد رجل منهم يد عائشة ، فكره النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت آية الحجاب .
قال ابن عطية : وكانت سيرة القوم إذا كان لهم طعام وليمة أو نحوه أن يبكر من شاء [ ص: 204 ] إلى الدعوة ينتظرون طبخ الطعام ونضجه .
وكذلك إذا فرغوا منه جلسوا كذلك ، فنهى الله المؤمنين عن أمثال ذلك في بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، ودخل في النهي سائر المؤمنين ، والتزم الناس أدب الله تعالى لهم في ذلك ، فمنعهم من الدخول إلا بإذن عند الأكل ، لا قبله لانتظار نضج الطعام .الثانية : قوله تعالى : بيوت النبي دليل على أن البيت للرجل ، ويحكم له به ، فإن الله تعالى أضافه إليه .
فإن قيل : فقد قال الله تعالى : واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا قلنا : إضافة البيوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم إضافة ملك ، وإضافة البيوت إلى الأزواج إضافة محل ، بدليل أنه جعل فيها الإذن للنبي صلى الله عليه وسلم والإذن إنما يكون للمالك .الثالثة : واختلف العلماء في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان يسكن فيها أهله بعد موته ، هل هي ملك لهن أم لا على قولين : فقالت طائفة : كانت ملكا لهن ، بدليل أنهن سكن فيها بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم إلى وفاتهن ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وهب ذلك لهن في حياته .
الثاني : أن ذلك كان إسكانا كما يسكن الرجل أهله ولم يكن هبة ، وتمادى سكناهن بها إلى الموت .
وهذا هو الصحيح ، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر وابن العربي وغيرهم ، فإن ذلك من مئونتهن التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استثناها لهن ، كما استثنى لهن نفقاتهن حين قال : لا تقتسم ورثتي دينارا ولا درهما ، ما تركت بعد نفقة أهلي ومئونة عاملي فهو صدقة .
هكذا قال أهل العلم ، قالوا : ويدل على ذلك أن مساكنهن لم يرثها عنهن ورثتهن .
قالوا : ولو كان ذلك ملكا لهن كان لا شك قد ورثه عنهن ورثتهن .
قالوا : وفي ترك ورثتهن ذلك دليل على أنها لم تكن لهن ملكا .
وإنما كان لهن سكن حياتهن ، فلما توفين جعل ذلك زيادة في المسجد الذي يعم المسلمين نفعه ، كما جعل ذلك الذي كان لهن من النفقات في تركة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مضين لسبيلهن ، فزيد إلى أصل المال فصرف في منافع المسلمين مما يعم جميعهم نفعه .
والله الموفق .قوله تعالى : غير ناظرين إناه أي غير منتظرين وقت نضجه .
و ( إناه ) مقصور ، وفيه لغات : ( إنى ) بكسر الهمزة .
قال الشيباني :وكسرى إذ تقسمه بنوه بأسياف كما اقتسم اللحام تمخضت المنون له بيومأنى ولكل حاملة تماموقرأ ابن أبي عبلة : ( غير ناظرين إناه ) مجرورا صفة ل ( طعام ) .
الزمخشري : وليس [ ص: 205 ] بالوجه ، لأنه جرى على غير ما هو له ، فمن حق ضمير ما هو له أن يبرز إلى اللفظ ، فيقال : غير ناظرين إناه أنتم ، كقولك : هند زيد ضاربته هي .
وأنى ( بفتحها ) ، وأناء ( بفتح الهمزة والمد ) قال الحطيئة :وأخرت العشاء إلى سهيل أو الشعرى فطال بي الأناءيعني إلى طلوع سهيل .
وإناه مصدر أنى الشيء يأني إذا فرغ وحان وأدرك .الرابعة : قوله تعالى : ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا فأكد المنع ، وخص وقت الدخول بأن يكون عند الإذن على جهة الأدب ، وحفظ الحضرة الكريمة من المباسطة المكروهة .
قال ابن العربي : وتقدير الكلام : ولكن إذا دعيتم وأذن لكم في الدخول فادخلوا ، وإلا فنفس الدعوة لا تكون إذنا كافيا في الدخول .
والفاء في جواب إذا لازمة لما فيها من معنى المجازاة .الخامسة : قوله تعالى : فادخلوا فإذا طعمتم أمر تعالى بعد الإطعام بأن يتفرق جميعهم وينتشروا .
والمراد إلزام الخروج من المنزل عند انقضاء المقصود من الأكل .
والدليل على ذلك أن الدخول حرام ، وإنما جاز لأجل الأكل ، فإذا انقضى الأكل زال السبب المبيح وعاد التحريم إلى أصله .السابعة : في هذه الآية دليل على أن الضيف يأكل على ملك المضيف لا على ملك نفسه ، لأنه قال : فإذا طعمتم فانتشروا فلم يجعل له أكثر من الأكل ، ولا أضاف إليه سواه ، وبقي الملك على أصله .السابعة : قوله تعالى : ولا مستأنسين لحديث عطف على قوله : غير ناظرين و ( غير ) منصوبة على الحال من الكاف والميم في ( لكم ) أي غير ناظرين ولا مستأنسين ، والمعنى المقصود : لا تمكثوا مستأنسين بالحديث كما فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في وليمة زينب .
( إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق ) أي لا يمتنع من بيانه وإظهاره .
ولما كان ذلك يقع من البشر لعلة الاستحياء نفي عن الله تعالى العلة الموجبة لذلك في البشر .
وفي الصحيح عن أم سلمة قالت : جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : [ ص: 206 ] يا رسول الله ، إن الله لا يستحيي من الحق ، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رأت الماء .الثامنة : قوله تعالى : وإذا سألتموهن متاعا روى أبو داود الطيالسي عن أنس بن مالك قال قال عمر : وافقت ربي في أربع .
.
الحديث .
وفيه : قلت : يا رسول الله ، لو ضربت على نسائك الحجاب ، فإنه يدخل عليهن البر والفاجر ، فأنزل الله عز وجلوإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب .واختلف في المتاع ، فقيل : ما يتمتع به من العواري .
وقيل فتوى .
وقيل صحف القرآن .
والصواب أنه عام في جميع ما يمكن أن يطلب من المواعين وسائر المرافق للدين والدنيا .التاسعة : في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض ، أو مسألة يستفتين فيها ، ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى ، وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة ، بدنها وصوتها ، كما تقدم ، فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها ، أو داء يكون ببدنها ، أو سؤالها عما يعرض وتعين عندها .العاشرة : استدل بعض العلماء بأخذ الناس عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من وراء حجاب على جواز شهادة الأعمى ، وبأن الأعمى يطأ زوجته بمعرفته بكلامها .
وعلى إجازة شهادته أكثر العلماء ، ولم يجزها أبو حنيفة والشافعي وغيرهما .
قال أبو حنيفة : تجوز في الأنساب .
وقال الشافعي : لا تجوز إلا فيما رآه قبل ذهاب بصره .الحادية عشرة : قوله تعالى : ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن يريد من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء ، وللنساء في أمر الرجال ، أي ذلك أنفى للريبة وأبعد للتهمة وأقوى في الحماية .
وهذا يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له ; فإن مجانبة ذلك أحسن لحاله وأحصن لنفسه وأتم لعصمته .الثانية عشرة : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الآية .
هذا تكرار للعلة وتأكيد لحكمها ، وتأكيد العلل أقوى في الأحكام .[ ص: 207 ] الثالثة عشرة : قوله تعالى : ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا روى إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة أن رجلا قال : لو قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة ، فأنزل الله تعالى : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله الآية .
ونزلت : وأزواجه أمهاتهم .
وقال القشيري أبو نصر عبد الرحمن : قال ابن عباس قال رجل من سادات قريش من العشرة الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حراء - في نفسه - لو توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لتزوجت عائشة ، وهي بنت عمي .
قال مقاتل : هو طلحة بن عبيد الله .
قال ابن عباس : وندم هذا الرجل على ما حدث به في نفسه ، فمشى إلى مكة على رجليه وحمل على عشرة أفراس في سبيل الله ، وأعتق رقيقا فكفر الله عنه .
وقال ابن عطية : روي أنها نزلت بسبب أن بعض الصحابة قال : لو مات رسول الله صلى الله عليه وسلم لتزوجت عائشة ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأذى به ، هكذا كنى عنه ابن عباس ببعض الصحابة .
وحكى مكي عن معمر أنه قال : هو طلحة بن عبيد الله .قلت : وكذا حكى النحاس عن معمر أنه طلحة ، ولا يصح .
قال ابن عطية : لله در ابن عباس !
وهذا عندي لا يصح على طلحة بن عبيد الله .
قال شيخنا الإمام أبو العباس : وقد حكي هذا القول عن بعض فضلاء الصحابة ، وحاشاهم عن مثله !
والكذب في نقله ، وإنما يليق مثل هذا القول بالمنافقين الجهال .
يروى أن رجلا من المنافقين قال حين تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بعد أبي سلمة ، وحفصة بعد خنيس بن حذافة : ما بال محمد يتزوج نساءنا !
والله لو قد مات لأجلنا السهام على نسائه ، فنزلت الآية في هذا ، فحرم الله نكاح أزواجه من بعده ، وجعل لهن حكم الأمهات .
وهذا من خصائصه تمييزا لشرفه وتنبيها على مرتبته صلى الله عليه وسلم .
قال الشافعي رحمه الله : وأزواجه صلى الله عليه وسلم اللاتي مات عنهن لا يحل لأحد نكاحهن ، ومن استحل ذلك كان كافرا ، لقوله تعالى : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا .
وقد قيل : إنما منع من التزوج بزوجاته ، لأنهن أزواجه في الجنة ، وأن المرأة في الجنة لآخر أزواجها .
قال حذيفة لامرأته : إن سرك أن تكوني زوجتي في الجنة إن جمعنا الله فيها فلا تزوجي من بعدي ، فإن المرأة لآخر أزواجها .
وقد ذكرنا ما للعلماء في هذا في ( كتاب التذكرة ) من أبواب الجنة .الرابعة عشرة : اختلف العلماء في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ، هل بقين أزواجا أم زال النكاح بالموت ، وإذا زال النكاح بالموت فهل عليهن عدة أم لا ؟
فقيل : عليهن العدة ، لأنه توفي عنهن ، والعدة عبادة .
وقيل : لا عدة عليهن ، لأنها مدة تربص لا ينتظر بها الإباحة .
وهو [ ص: 208 ] الصحيح ، لقوله عليه السلام : ما تركت بعد نفقة عيالي وروي أهلي وهذا اسم خاص بالزوجية ، فأبقى عليهن النفقة والسكنى مدة حياتهن لكونهن نساءه ، وحرمن على غيره ، وهذا هو معنى بقاء النكاح .
وإنما جعل الموت في حقه عليه السلام لهن بمنزلة المغيب في حق غيره ، لكونهن أزواجا له في الآخرة قطعا بخلاف سائر الناس ؛ لأن الرجل لا يعلم كونه مع أهله في دار واحدة ، فربما كان أحدهما في الجنة والآخر في النار ، فبهذا انقطع السبب في حق الخلق وبقي في حق النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال عليه السلام : زوجاتي في الدنيا هن زوجاتي في الآخرة .
وقال عليه السلام : كل سبب ونسب ينقطع إلا سببي ونسبي فإنه باق إلى يوم القيامة .فرع : فأما زوجاته عليه السلام اللاتي فارقهن في حياته مثل الكلبية وغيرها ، فهل كان يحل لغيره نكاحهن ؟
فيه خلاف .
والصحيح جواز ذلك ، لما روي أن الكلبية التي فارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها عكرمة بن أبي جهل على ما تقدم .
وقيل : إن الذي تزوجها الأشعث بن قيس الكندي .
قال القاضي أبو الطيب : الذي تزوجها مهاجر بن أبي أمية ، ولم ينكر ذلك أحد ، فدل على أنه إجماع .الخامسة عشرة : قوله تعالى : أبدا إن ذلكم كان عند الله يعني أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نكاح أزواجه ، فجعل ذلك من جملة الكبائر ولا ذنب أعظم منه .السادسة عشرة : قد بينا سبب نزول الحجاب من حديث أنس وقول عمر ، وكان يقول لسودة إذا خرجت وكانت امرأة طويلة : قد رأيناك يا سودة ، حرصا على أن ينزل الحجاب ، فأنزل الله آية الحجاب .
ولا بعد في نزول الآية عند هذه الأسباب كلها - والله أعلم - بيد أنه لما ماتت زينب بنت جحش قال : لا يشهد جنازتها إلا ذو محرم منها ، مراعاة للحجاب الذي نزل بسببها .
فدلته أسماء بنت عميس على سترها في النعش في القبة ، وأعلمته أنها رأت ذلك في بلاد الحبشة فصنعه عمر .
وروي أن ذلك صنع في جنازة فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم .
يأمر تعالى عباده المؤمنين، بالتأدب مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، في دخول بيوته فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ } أي: لا تدخلوها بغير إذن للدخول فيها، لأجل الطعام.
وأيضًا لا تكونوا { نَاظِرِينَ إِنَاهُ } أي: منتظرين ومتأنين لانتظار نضجه، أو سعة صدر بعد الفراغ منه.
والمعنى: أنكم لا تدخلوا بيوت النبي إلا بشرطين:الإذن لكم بالدخول، وأن يكون جلوسكم بمقدار الحاجة، ولهذا قال: { وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ } أي: قبل الطعام وبعده.ثم بين حكمة النهي وفائدته فقال: { إِنَّ ذَلِكُمْ } أي: انتظاركم الزائد على الحاجة، { كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ } أي: يتكلف منه ويشق عليه حبسكم إياه عن شئون بيته، واشتغاله فيه { فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ } أن يقول لكم: { اخرجوا } كما هو جاري العادة، أن الناس -وخصوصًا أهل الكرم منهم- يستحيون أن يخرجوا الناس من مساكنهم، { و } لكن { اللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ } فالأمر الشرعي، ولو كان يتوهم أن في تركه أدبا وحياء، فإن الحزم كل الحزم، اتباع الأمر الشرعي، وأن يجزم أن ما خالفه، ليس من الأدب في شيء.
واللّه تعالى لا يستحي أن يأمركم، بما فيه الخير لكم، والرفق لرسوله كائنًا ما كان.فهذا أدبهم في الدخول في بيوته، وأما أدبهم معه في خطاب زوجاته، فإنه، إما أن يحتاج إلى ذلك، أو لا يحتاج إليه، فإن لم يحتج إليه، فلا حاجة إليه، والأدب تركه، وإن احتيج إليه، كأن يسألن متاعًا، أو غيره من أواني البيت أو نحوها، فإنهن يسألن { مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } أي: يكون بينكم وبينهن ستر، يستر عن النظر، لعدم الحاجة إليه.فصار النظر إليهن ممنوعًا بكل حال، وكلامهن فيه التفصيل، الذي ذكره اللّه، ثم ذكر حكمة ذلك بقوله: { ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } لأنه أبعد عن الريبة، وكلما بعد الإنسان عن الأسباب الداعية إلى الشر، فإنه أسلم له، وأطهر لقلبه.فلهذا، من الأمور الشرعية التي بين اللّه كثيرًا من تفاصيلها، أن جميع وسائل الشر وأسبابه ومقدماته، ممنوعة، وأنه مشروع، البعد عنها، بكل طريق.ثم قال كلمة جامعة وقاعدة عامة: { وَمَا كَانَ لَكُمْ } يا معشر المؤمنين، أي: غير لائق ولا مستحسن منكم، بل هو أقبح شيء { أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ } أي: أذية قولية أو فعلية، بجميع ما يتعلق به، { وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا } هذا من جملة ما يؤذيه، فإنه صلى اللّه عليه وسلم، له مقام التعظيم، والرفعة والإكرام، وتزوج زوجاته بعده مخل بهذا المقام.وأيضا، فإنهن زوجاته في الدنيا والآخرة، والزوجية باقية بعد موته، فلذلك لا يحل نكاح زوجاته بعده، لأحد من أمته.
{ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا } وقد امتثلت هذه الأمة، هذا الأمر، واجتنبت ما نهى اللّه عنه منه، وللّه الحمد والشكر.
قوله - عز وجل - : ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ) الآية .
قال أكثر المفسرين : نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب بنت جحش حين بنى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا يحيى بن بكير ، أخبرنا الليث عن عقيل ، عن ابن شهاب ، أخبرني أنس ابن مالك أنه كان ابن عشر سنين مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، قال : وكانت أم هانئ تواظبني على خدمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فخدمته عشر سنين ، وتوفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابن عشرين سنة ، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل ، فكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بزينب بنت جحش ، أصبح النبي - صلى الله عليه وسلم - بها عروسا فدعا القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا ، وبقي رهط منهم عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأطالوا المكث ، فقام النبي لله فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا ، فمشى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومشيت حتى جاء حجرة عائشة ، ثم ظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه ، حتى إذا دخل على زينب فإذا هم جلوس لم يخرجوا ، فرجع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ورجعت معه حتى إذا بلغ عتبة حجرة عائشة وظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا ، فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - بيني وبينه الستر ، وأنزل الحجاب .
وقال أبو عثمان - واسمه الجعد - عن أنس قال : فدخل يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة ، وهو يقول : ( ياأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ) إلى قوله : ( والله لا يستحيي من الحق ) .
وروي عن ابن عباس أنها نزلت في ناس من المسلمين كانوا يتحينون طعام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك ثم يأكلون ولا يخرجون ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتأذى بهم فنزلت ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ) يقول : إلا أن تدعوا ) ( إلى طعام ) فيؤذن لكم فتأكلونه ( غير ناظرين إناه ) غير منتظرين إدراكه ووقت نضجه ، يقال : أنى الحميم : إذا انتهى حره ، وإنى أن يفعل ذلك : إذا حان ، إنى بكسر الهمزة مقصورة ، فإذا فتحتها مددت فقلت الإناء ، وفيه لغتان إنى يأنى ، وآن يئين ، مثل : حان يحين .
( ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم ) أكلتم الطعام ) ( فانتشروا ) تفرقوا واخرجوا من منزله ( ولا مستأنسين لحديث ) ولا طالبين الأنس للحديث ، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون طويلا فنهوا عن ذلك .
( إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق ) أي : لا يترك تأديبكم وبيان الحق حياء .
( وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ) أي : من وراء ستر ، فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأة من نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منتقبة كانت أو غير منتقبة ( ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ) من الريب .
وقد صح في سبب نزول آية الحجاب ما أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا يحيى بن بكير ، أخبرنا الليث ، حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع ، وهو صعيد أفيح ، وكان عمر يقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - : احجب نساءك ، فلم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة من الليالي عشاء ، وكانت امرأة طويلة فناداها عمر : ألا قد عرفناك يا سودة - حرصا على أن ينزل الحجاب - فأنزل الله تعالى آية الحجاب .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، أخبرنا حاجب ابن أحمد الطوسي ، أخبرنا عبد الرحيم بن منيب ، أخبرنا يزيد بن هارون ، أخبرنا حميد ، عن أنس قال : قال عمر : وافقني ربي في ثلاث قلت : يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ؟
فأنزل الله : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " ، وقلت : يا رسول الله إنه يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب ؟
فأنزل الله آية الحجاب ، قال : وبلغني بعض ما آذى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساؤه ، قال : فدخلت عليهن استقربهن واحدة واحدة ، قلت : والله لتنتهن أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن ، حتى أتيت على زينب فقالت : يا عمر ما كان في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت ، قال : فخرجت فأنزل الله - عز وجل - : " عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن " ( التحريم - 5 ) ، إلى آخر الآية .
قوله - عز وجل - : ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ) ليس لكم أذاه في شيء من الأشياء ( ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ) نزلت في رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : لئن قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنكحن عائشة .
قال مقاتل بن سليمان : هو طلحة بن عبيد الله ، فأخبره الله - عز وجل - أن ذلك محرم وقال : ( إن ذلكم كان عند الله عظيما ) أي : ذنبا عظيما .
وروى معمر عن الزهري ، أن العالية بنت ظبيان التي طلق النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوجت رجلا وولدت له ، وذلك قبل تحريم أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - على الناس .
«يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم» في الدخول بالدعاء «إلى طعام» فتدخلوا «غير ناظرين» منتظرين «إناه» نضجه مصدر أنى يأنى «ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا» تمكثوا «مستأنسين لحديث» من بعضكم لبعض «إن ذلكم» المكث «كان يؤذي النبي فيستحيي منكم» أن يخرجكم «والله لا يستحيي من الحق» أن يخرجكم، أي لا يترك بيانه، وقرئ يستحي بياء واحدة «وإذا سألتموهن» أي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم «متاعا فاسألوهن من وراء حجابٍ» ستر «ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن» من الخواطر المريبة «وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله» بشيء «ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله» ذنبا «عظيما».
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تدخلوا بيوت النبي إلا بإذنه لتناول طعام غير منتظرين نضجه، ولكن إذا دعيتم فادخلوا، فإذا أكلتم فانصرفوا غير مستأنسين لحديث بينكم؛ فإن انتظاركم واستئناسكم يؤذي النبي، فيستحيي من إخراجكم من البيوت مع أن ذلك حق له، والله لا يستحيي من بيان الحق وإظهاره.
وإذا سألتم نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة من أواني البيت ونحوها فاسألوهن من وراء ستر؛ ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء، وللنساء في أمر الرجال؛ فالرؤية سبب الفتنة، وما ينبغي لكم أن تؤذوا رسول الله، ولا أن تتزوجوا أزواجه من بعد موته أبدًا؛ لأنهن أمهاتكم، ولا يحلُّ للرجل أن يتزوج أمَّه، إنَّ أذاكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكاحكم أزواجه من بعده إثم عظيم عند الله.
(وقد امتثلت هذه الأمة هذا الأمر، واجتنبت ما نهى الله عنه منه).
ثم ساقت السورة الكريمة بعد لك ألوانا من التشريعات الحكيمة ، والأداب القويمة ، التى تتعلق بدخول بيوت النبى صلى الله عليه وسلم ، وبحقوق أزواجه صلى الله عليه وسلم فى حياته وبعد مماته ، وبوجوب احترامه وتوقيره صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ .
.
.
.
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) .ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى : ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي .
.
.
) روايات متعددة منها ، ما ثبت فى الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال : وافقت ربى فى ثلاث .
فقلت : يا رسول الله ، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ، فأنزل الله - تعالى - : ( واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) وقلت : يا رسول الله ، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر ، فلو حجبتهن ، فأنزل الله آية الحجاب .
وقلت لأزواج النبى صلى الله عليه وسلم ما تمالأن عليه فى الغيرة ( عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ ) فنزل كذلك .وروى البخارى عن أنس بن مالك - رضى الله عنه - قال : لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب جحش ، دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون ، فإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا .
فلما رأى ذلك قام ، فلما قام صلى الله عليه وسلم قام معه من قام ، وقعد ثلاثة نفر .
فجاء النبى صلى الله عليه وسلم ليدخل ، فإذا القوم جلوس ، ثم إنهم قاموا ، فانطلقت فجئت فأخبرت النبى صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا .
فجاء حتى دخل ، فذهبت أدخل ، فألقى الحجاب بينى وبينه ، فأنزل الله - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي .
.
.
) الآية .قال ابن كثير : وكان وقت نزولها فى صبيحة عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش : التى تولى الله - تعالى - تزويجها بنفسه ، وكان ذلك فى ذى القعدة من السنة الخامسة ، فى قول قتادة والواقدى وغيرهما .والمراد ببيوت النبى : المساكن التى اعدها صلى الله عليه وسلم لسكنى أزواجه .والاستثناء فى قوله - تعالى - : ( إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ) استثناء مفرغ من أعم الأحوال .وقوله : ( غَيْرَ نَاظِرِينَ ) حال من ضمير ( تَدْخُلُواْ ) و ( إِنَاهُ ) أى : نضجه وبلوغه الحد الذى يؤكل معه .
يقال : أنَى الطعام يأنَى أنْياً وإِنى - كقلى يقلى - إذا نضج وكان معدا للأكل .والمعنى : يامن آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان ، لا تدخلوا بيوت النبى صلى الله عليه وسلم فى حال من الأحوال ، إلا فى حال الإِذن لكم بدخولها من أجل حضور طعام تدعون إلى تناوله ، وليكن حضوركم فى الوقت المناسب لتناوله ، لا قبل ذلك بأن تدخلوا البيوت بدون استئذان ، فإذا وجدوا طعاما يعد ، انتظروا حتى ينضج ليأكلوا منه .فالنهى فى الآية الكريمة مخصوص بمن دخل من غير دعوة ، وبمن دخل بدعوة ولكنه مكث منتظرا للطعام حتى ينضج ، دون أن تكون هناك حاجة لهذا الانتظار .
أما إذا كان الدخول بدعوة أو لحضور طعام بدون انتظار مقصود لوقت نضجه ، فلا يتناوله النهى .قال الآلوسى : والآية على ما ذهب إليه جمع من المفسرين ، خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام النبى صلى الله عليه وسلم فيدخلون وقعدون منتظرين لإِدراكه ، فهى مخصوصة بهم وبأمثالهم ممن يفعل مثل فعلهم فى المستقبل .
فالنهى مخصوص بمن دخل بغير دعوة ، وجلس منتظرا للطعام من غير حاجة فى تفيد النهى عن الدخول بإذن لغير طعام ، ولا من الجلوس واللبث بعد الطعام لمهم آخر .وقوله - سبحانه - ( وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا ) استدراك على ما فهم من النهى عن الدخول بغير إذن ، وفيه إشعار بأن الإِذن متضمن معنى الدعوة .أى : لا تدخلوا بدون إذن ، فإذا أذن لكم ودعيتم إلى الطعام فادخلوا لتناوله وقوله - تعالى - ( فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ) بيان للون آخر من ألوان الآداب الحكيمة التى شرعها الإِسلام فى تناول الطعام عند الغير .أى : إذا دعيتم لحضور طعام فى بيت النبى صلى الله عليه وسلم فادخلوا ، فإذا ما انتهيتم من طعامكم عنده ، فتفرقوا ولا تمكثوا فى البيت مستأنسين لحديث بعضكم مع بعض ، أو لحديثكم مع أهل البيت .فقوله ( مُسْتَأْنِسِينَ ) مأخوذ من الأنس بمعنى السرور والارتياح للشئ .
تقول : أنست لحديث فلان ، فإذا سررت له ، وفرحت به .وأطلق - سبحانه - نفى الاستئناس للحديث ، من غير بيان صاحب الحديث ، للإِشعار بأن المكث بعد الطعام غير مرغوب فيه على الإِطلاق ، ما دام ليس هناك من حاجة إلى هذا المكث .
وهذا أدب عام لجميع المسلمين .واسم الإِشارة فى قوله : ( إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النبي فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ) يعود إلى الانتظار والاستئناس للحديث ، والدخول بغير إذن .
والجملة بمثابة التعليل لما قبلها .أى : إن ذلكم المذكور كان يؤذى النبى صلى الله عليه وسلم كان يستحيى أن يصرح لكم بذلك ، لسمو خلقه ، وكما أدبه ، كما أنه صلى الله عليه وسلم كان يستحيى أن يقول لكم كلاما تدركون منه أنه يريد انصرافكم .وقوله - تعالى - : ( والله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحق ) أى : والله - تعالى - لا يستحيى من إظهار الحق ومن بيانه ، بل من شأنه - سبحانه - أن يقول الحق ، ولا يسكت عن ذلك .وإذا كان الرسول صلى الله عليه سولم قد منعه حياؤه من أن يقول قولا تفهمون منه ضجره من بقائكم فى بيته بعد تناول طعامكم عنده .
.
.
فإن الله - تعالى - وهو خالقكم لا يمتنع عن بيان الحق فى هذه الأمور وفى غيرها ، حتى تتأدبوا بأدب القويم .
ثم ذكر - سبحانه - بعض الآداب التى يجب عليهم أن يلتزموها مع نساء نبيهم صلى الله عليه وسلم فقال : ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ .
.
) .أى : وإذا طلبتم - أيها المؤمنون - من أزواج النبى صلى الله عليه وسلم شيئا يتمتع به سواء أكان هذا الشئ حسيا كالطعام أم معنويا كمعرفة بعض الأحكام الشرعية ..
إذا سألتموهن شيئا من ذلك فليكن سؤالكم لهن من وراء حجاب ساتر بينكم وبينهن .
.لأن سؤالكم إياهن بهذه الطريقة ، أظهر لقلوبكم وقلوبهن ، وأبعد عن الوقوع فى الهواجس الشيطانية التى قد تتولد عن مشاهدتكم لهن ، ومشاهدتهن لكم .
.ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله وَلاَ أَن تنكحوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيماً ) .أى : وما صح وما استقام لكم - أيها المؤمنون - أن تؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأى لون من ألوان الأذى ، سواء أكان بدخول بيوته بغير إذنه ، أم بحضوركم إليها انتظارا لنضج الطعام بجلوسكم بعد الأكل بدون مقتض لذلك ، أم بغير ذلك مما يتأذى به صلى الله عليه وسلم .كما أنه لا يصح لكم بحال من الأحوال أن تنكحوا أزواجه من بعده ، أى : من بعد وفاته .( إِنَّ ذلكم ) أى : إيذاءه ونكاح أزواجه من بعده ( كَانَ عِندَ الله ) - تعالى - ذنبا ( عَظِيماً ) وإثما جسيما ، لا يقادر قدره .
ثم قال تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبى إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ ناظرين إناه ﴾ .
لما ذكر الله تعالى في النداء الثالث ﴿ يا أيها النبى إِنَّا أرسلناك شَاهِداً ﴾ بياناً لحاله مع أمته العامة قال للمؤمنين في هذا النداء لا تدخلوا إرشاداً لهم وبياناً لحالهم مع النبي عليه السلام من الاحترام ثم إن حال الأمة مع النبي على وجهين: أحدهما: في حال الخلوة والواجب هناك عدم إزعاجه وبين ذلك بقوله: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبى ﴾ وثانيهما: في الملأ والواجب هناك إظهار التعظيم كما قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ وقوله: ﴿ إلى طَعَامٍ غَيْرَ ناظرين إناه ﴾ أي لا تدخلوا بيوت النبي إلى طعام إلا أن يؤذن لكم.
ثم قال تعالى: ﴿ ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيى من الحق ووإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله وولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم كان عند الله عظيماً ﴾ .
لما بين من حال النبي أنه داع إلى الله بقوله: ﴿ وَدَاعِياً إِلَى الله ﴾ قال هاهنا لا تدخلوا إلا إذا دعيتم يعني كما أنكم ما دخلتم الدين إلا بدعائه فكذلك لا تدخلوا عليه إلا بعد دعائه وقوله: ﴿ غَيْرَ ناظرين ﴾ منصوب على الحال.
والعامل فيه على ما قاله الزمخشري لا تدخلوا قال وتقديره ولا تدخلوا بيوت النبي إلا مأذونين غير ناظرين، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ ﴾ إما أن يكون فيه تقديم وتأخير تقديره ولا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم، فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن، وإما أن لا يكون فيه تقديم وتأخير فيكون معناه ولا تدخلوا إلا أن يؤذن لكم إلى طعام فيكون الإذن مشروطاً بكونه إلى الطعام فإن لم يؤذن لكم إلى طعام فلا يجوز الدخول فلو أذن لواحد في الدخول لاستماع كلام لا لأكل طعام لا يجوز، نقول المراد هو الثاني ليعم النهي عن الدخول، وأما قوله فلا يجوز إلا بالإذن الذي إلى طعام، نقول: قال الزمخشري الخطاب مع قوم كانوا يجيئون حين الطعام ويدخلون من غير إذن فمنعوا من الدخول في وقته بغير إذن، والأولى أن يقال المراد هو الثاني لأن التقديم والتأخير خلاف الأصل وقوله: ﴿ إلى طَعَامٍ ﴾ من باب التخصيص بالذكر فلا يدل على نفي ما عداه، لا سيما إذا علم أن غيره مثله فإن من جاز دخول بيته بإذنه إلى طعامه جاز دخوله إلى غير طعامه بإذنه، فإن غير الطعام ممكن وجوده مع الطعام، فإن من الجائز أن يتكلم معه وقتما يدعوه إلى طعام ويستقضيه في حوائجه ويعلمه مما عنده من العلوم مع زيادة الإطعام، فإذا رضي بالكل فرضاه بالبعض أقرب إلى الفعل فيصير من باب: ﴿ فلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ ﴾ وقوله: ﴿ غَيْرَ ناظرين ﴾ يعني أنتم لا تنتظروا وقت الطعام فإنه ربما لا يتهيأ.
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا ﴾ فيه لطيفة وهي أن العادة إذا قيل لمن كان يعتاد دخول دار من غير إذن لا تدخلها إلا بإذن يتأذى وينقطع بحيث لا يدخلها أصلاً لا بالدعاء ولا بالدعاء، فقال لا تفعلوا مثل ما يفعله المستنكفون بل كونوا طائعين سامعين إذا قيل لكم لا تدخلوا لا تدخلوا وإذا قيل لكم ادخلوا فادخلوا، وإناه قيل وقته وقيل استواؤه وقوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ ﴾ يفيد الجواز وقوله: ﴿ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا ﴾ يفيد الوجود فقوله: ﴿ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ ﴾ ليس تأكيداً بل هو يفيد فائدة جديدة.
المسألة الثالثة: لا يشترط في الإذن التصريح به، بل إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قال: ﴿ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ ﴾ من غير بيان فاعل، فالآذن إن كان الله أو النبي أو العقل المؤيد بالدليل جاز والنقل دال عليه حيث قال تعالى: ﴿ أَوْ صَدِيقِكُمْ ﴾ وحد الصداقة لما ذكرنا، فلو جاء أبو بكر وعلم أن لا مانع في بيت عائشة من بيوت النبي عليه السلام من تكشف أو حضور غير محرم عندها أو علم خلو الدار من الأهل أو هي محتاجة إلى إطفاء حريق فيها أو غير ذلك، جاز الدخول.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا ﴾ كأن بعض الصحابة أطال المكث يوم وليمة النبي عليه السلام في عرس زينب، والنبي عليه السلام لم يقل له شيئاً، فوردت الآية جامعة لآداب، منها المنع من إطالة المكث في بيوت الناس، وفي معنى البيت موضع مباح اختاره شخص لعبادته أو اشتغاله بشغل فيأتيه أحد ويطيل المكث عنده، وقوله: ﴿ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ﴾ قال الزمخشري هو عطف على ﴿ غَيْرَ ناظرين ﴾ مجرور، ويحتمل أن يكون منصوباً عطفاً على المعنى، فإن معنى قوله تعالى: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبى إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ لا تدخلوها هاجمين، فعطف عليه ﴿ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ ﴾ ثم إن الله تعالى بين كون ذلك أدباً وكون النبي حليماً بقوله: ﴿ إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق ﴾ إشارة إلى أن ذلك حق وأدب، وقوله كان إشارة إلى تحمل النبي عليه السلام، ثم ذكر الله أدباً آخر وهو قوله: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبى ﴾ لما منع الله الناس من دخول بيوت النبي عليه السلام، وكان في ذلك تعذر الوصول إلى الماعون، بين أن ذلك غير ممنوع منه فليسأل وليطلب من وراء حجاب، وقوله: ﴿ ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ يعني العين روزنة القلب، فإذا لم تر العين لا يشتهي القلب.
أما إن رأت العين فقد يشتهي القلب وقد لا يشتهي، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة حينئذ أظهر، ثم إن الله تعالى لما علم المؤمنين الأدب أكده بما يحملهم على محافظته، فقال: ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله ﴾ وكل ما منعتم عنه مؤذ فامتنعوا عنه، وقوله تعالى: ﴿ وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً ﴾ قيل سبب نزوله أن بعض الناس قيل هو طلحة بن عبيد الله، قال لئن عشت بعد محمد لأنكحن عائشة، وقد ذكرنا أن اللفظ العام لا يغير معناه سبب النزول، فإن المراد أن إيذاء الرسول حرام، والتعرض لنسائه في حياته إيذاء فلا يجوز، ثم قال لا بل ذلك غير جائز مطلقاً، ثم أكد بقوله: ﴿ إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيماً ﴾ أي إيذاء الرسول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ في معنى الظرف تقديره وقت أن يؤذن لكم.
و ﴿ غَيْرَ ناظرين ﴾ حال من ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ ﴾ وقع الاستثناء على الوقت والحال معاً.
كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقت الإذن، ولا تدخلوها إلاّ غير ناظرين، وهؤلاء قوم كانوا يتحينون طعام رسول الله، فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه.
ومعناه: لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام، إلاّ أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه، وإلا فلو لم يكن لهؤلاء خصوصاً، لما جاز لأحد أن يدخل بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ أن يؤذن له إذناً خاصاً، وهو الإذن إلى الطعام فحسب.
وعن ابن أبي عبلة أنه قرأ: غير ناظرين، مجروراً صفةٌ لطعام، وليس بالوجه، لأنه جرى على غير ما هو له، فمن حق ضمير ما هو له أن يبرز إلى اللفظ، فيقال: غير ناظرين إناه أنتم، كقولك: هند زيد ضاربته هي، وإني الطعام: إدراكه.
يقال: أني الطعام إنىً، كقولك: قلاه قلىً.
ومنه قوله: ﴿ بَيْنَ حَمِيمٍ آن ﴾ [الرحمن: 44] بالغ إناه.
وقيل: (إناه): وقته، أي: غير ناظرين وقت الطعام وساعة أكله.
وروي: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم على زينب بتمر وسويق وشاة، وأمر أنساً أن يدعو بالناس، فترادفوا أفواجاً يأكل فوج فيخرج، ثم يدخل فوج إلى أن قال: يا رسول الله، دعوت حتى ما أجد أحداً أدعوه، فقال: «ارفعوا طعامكم» وتفرق الناس، وبقي ثلاثة نفر يتحدثون فأطالوا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا، فانطلق إلى حجرة عائشة رضي الله عنها فقال: «السلام عليكم أهل البيت» فقالوا: عليك السلام يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟
وطاف في الحجرات فسلم عليهنّ ودعون له؛ ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدثون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحياء، فتولى، فلما رأوه متولياً خرجوا، فرجع ونزلت: ﴿ وَلاَ مُسْتَئْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ﴾ نهوا عن أن يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدثه به.
أو عن أن يستأنسوا حديث أهل البيت، واستئناسه: تسمعه وتوجسه، وهو مجرور معطوف على ناظرين.
وقيل: هو منصوب على: ولا تدخلوها مستأنسين.
لابد في قوله: ﴿ فَيَسْتَحْيِى مِنكُمْ ﴾ من تقدير المضاف، أي: من إخراجكم، بدليل قوله: ﴿ والله لاَ يَسْتَحْىِ مِنَ الحق ﴾ يعني أن إخراجكم حتى ما ينبغي أن يستحيا منه، ولما كان الحياء مما يمنع الحي من بعض الأفعال، قيل: ﴿ لاَ يَسْتَحىِ مِنَ الحق ﴾ بمعنى لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحي منكم، وهذا أدبٌ أدّب الله تعالى به الثقلاء.
وعن عائشة رضي الله عنها: حسبك في الثقلاء أنّ الله تعالى لم يحتملهم وقال: فإذا طعمتم فانتشروا.
وقرئ: ﴿ لا يستحي ﴾ بياء واحدة.
الضمير في ﴿ سَأَلْتُمُوهُنَّ ﴾ لنساء النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكرن لأنّ الحال ناطقة بذكرهن ﴿ متاعا ﴾ حاجة ﴿ فَسْئَلُوهُنَّ ﴾ المتاع.
قيل: إن عمر رضي الله عنه كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة، وكان يذكره كثيراً، ويزد أن ينزل فيه، وكان يقول: لو أُطاع فيكن ما رأتكن عين، وقال: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت.
وروي أنه مر عليهن وهن مع النساء في المسجد، فقال: لئن احتجبتن، فإن لكن على النساء فضلاً، كما أن لزوجكن على الرجال الفضل، فقالت زينب رضي الله عنها: يا ابن الخطاب، إنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا، فلم يلبثوا إلاّ يسيراً حتى نزلت.
وقيل: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطعم ومعه بعض أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فنزلت آية الحجاب.
وذكر أنّ بعضهم قال: أننهى أن نكلم بنات عمنا إلاّ من وراء حجاب، لئن مات محمد لأتزوّجن فلانة.
فأعلم الله أن ذلك محرم ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ ﴾ وما صحّ لكم إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نكاح أزواجه من بعده، وسمى نكاحهن من بعده عظيماً عنده، وهو من أعلام تعظيم الله تعالى لرسوله وإيجاب حرمته حياً وميتاً، وإعلامه بذلك مما طيب به تعالى نفسه وسر قلبه واستغزر شكره.
فإن نحو هذا مما يحدث الرجل به نفسه ولا يخلي منه فكره.
ومن الناس من تفرظ غيرته على حرمته حتى يتمنى لها الموت لئلا تنكح من بعده.
وعن بعض الفتيان أنه كانت له جارية لا يرى الدنيا بها شغفاً واستهتاراً، فنظر إليها ذات يوم فتنفس الصعداء، وانتحب فعلا نحيبه مما ذهب به فكره هذا المذهب، فلم يزل به ذلك حتى قتلها، تصوراً لما عسى يتفق من بقائها بعده وحصولها تحت يد غير.
وعن بعض الفقهاء أن الزوج الثاني في هدم الثلاث مما يجري مجرى العقوبة؛ فصين رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلاحظ ذلك.
<div class="verse-tafsir"
.
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ إلّا وقْتَ أنْ يُؤْذَنَ لَكم أوْ إلّا مَأْذُونًا لَكم.
﴿ إلى طَعامٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( يُؤْذَنَ ) لِأنَّهُ مُتَضَمَّنٌ مَعْنى يُدْعى لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ الدُّخُولُ عَلى الطَّعامِ مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ وإنْ أُذِنَ كَما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ﴾ غَيْرَ مُنْتَظَرِينَ وقْتَهُ، أوْ إدْراكَهُ حالٌ مِن فاعِلِ ( لا تَدْخُلُوا ) أوِ المَجْرُورِ في ( لَكم ) .
وقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةٌ لِطَعامٍ فَيَكُونُ جارِيًا عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ بِلا إبْرازِ الضَّمِيرِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وقَدْ أمالَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ إناهُ لِأنَّهُ مَصْدَرُ أنى الطَّعامَ إذا أدْرَكَ.
﴿ وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ﴾ تَفَرَّقُوا ولا تَمْكُثُوا، ولِأنَّهُ خِطابٌ لِقَوْمٍ كانُوا يَتَحَيَّنُونَ طَعامَ رَسُولِ اللَّهِ فَيَدْخُلُونَ ويَقْعُدُونَ مُنْتَظِرِينَ لِإدْراكِهِ، مَخْصُوصَةٌ بِهِمْ وبِأمْثالِهِمْ وإلّا لَما جازَ لِأحَدٍ أنْ يَدْخُلَ بُيُوتَهُ بِالإذْنِ لِغَيْرِ الطَّعامِ ولا اللُّبْثِ بَعْدَ الطَّعامِ لِمُهِمٍّ.
﴿ وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ﴾ لِحَدِيثِ بَعْضِكم بَعْضًا، أوْ لِحَدِيثِ أهْلِ البَيْتِ بِالتَّسَمُّعِ لَهُ عُطِفَ عَلى ﴿ ناظِرِينَ ﴾ أوْ مُقَدَّرٌ بِفِعْلٍ أيْ: ولا تَدْخُلُوا أوْ ولا تَمْكُثُوا مُسْتَأْنِسِينَ.
﴿ إنَّ ذَلِكُمْ ﴾ اللُّبْثَ ﴿ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ ﴾ لِتَضْيِيقِ المَنزِلِ عَلَيْهِ وعَلى أهْلِهِ وإشْغالِهِ بِما لا يَعْنِيهِ.
﴿ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ﴾ مِن إخْراجِكم بِقَوْلِهِ: ﴿ واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ ﴾ يَعْنِي أنَّ إخْراجَكم حَقٌّ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُتْرَكَ حَياءً كَما لَمْ يَتْرُكْهُ اللَّهُ تَرْكَ الحَيِيِّ فَأمَرَكم بِالخُرُوجِ، وقُرِئَ «لا يَسْتَحِي» بِحَذْفِ الياءِ الأُولى وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى الحاءِ.
﴿ وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا ﴾ شَيْئًا يُنْتَفَعُ بِهِ.
﴿ فاسْألُوهُنَّ ﴾ المَتاعَ.
﴿ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ سِتْرٍ.
رُوِيَ «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ فَلَوْ أمَرْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجابِ فَنَزَلَتْ» .
وَقِيلَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَطْعَمُ ومَعَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ، فَأصابَتْ يَدُ رَجُلٍ يَدَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَكَرِهَ النَّبِيُّ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ» .
﴿ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ ﴾ مِنَ الخَواطِرِ النَّفْسانِيَّةِ الشَّيْطانِيَّةِ.
﴿ وَما كانَ لَكُمْ ﴾ وما صَحَّ لَكم.
﴿ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﴾ أنْ تَفْعَلُوا ما يَكْرَهُهُ.
﴿ وَلا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا ﴾ مِن بَعْدِ وفاتِهِ أوْ فِراقِهِ، وخَصَّ الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِها، لِما رُوِيَ أنَّ أشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ تَزَوَّجَ المُسْتَعِيذَةَ في أيّامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَهَمَّ بِرَجْمِها، فَأُخْبِرَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فارَقَها قَبْلَ أنْ يَمَسَّها فَتَرَكَها مِن غَيْرِ نَكِيرٍ.
﴿ إنَّ ذَلِكُمْ ﴾ يَعْنِي إيذاءَهُ ونِكاحَ نِسائِهِ.
﴿ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ﴾ ذَنْبًا عَظِيمًا، وفِيهِ تَعْظِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ وإيجابٌ لِحُرْمَتِهِ حَيًّا ومَيِّتًا ولِذَلِكَ بالَغَ في الوَعِيدِ عَلَيْهِ فَقالَ: <div class="verse-tafsir"
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)
{يا أيها الذين آمنوا لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبى إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ ناظرين إناه} أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ في موضع الحال أي لا تدخلوا إلا مأذوناً لكم أو في معنى الظرف تقديره إلا وقت أن يؤذن لكم وغير ناظر حال من لاَ تَدْخُلُواْ وقع الاستثناء على الحال والوقت معاً كأنه قيل لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن ولا تدخلوها إلا غير ناظرين أي غير منتظرين وهؤلاء قوم كانوا يتحينون طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه ومعناه لا تدخلوا يا أيها المتحينون الطعام إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين اناه واتى الطعام إدراكه يقال انى الطعام انى
الأحزاب (٥٤ - ٥٣)
كقولك قلاه قلي وقيل إناه وقته أي غير ناظرين وقت الطعام وساعة أكله ورُوي أن النبى صلى الله عليه وسلم أولم على زينب بتمر وسويق وشاة وأمر أنساً أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجاً يأكل فوج ويخرج ثم يدخل فوج إلى أن قال يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحداً أدعوه فقال ارفعوا طعامكم وتفرق الناس وبقي ثلاثة نفر يتحدثون فأطالوا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجرات وسلم عليهن ودعون له ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدثون
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحياء فتولى فلما رأوه متولي خرجوا فرجع ونزلت {وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا} فتفرقوا {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} هو مجرور معطوف على ناظرين أو منصوب أى ولا تدخلوها مستأنسين نهوا عن أن يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدثه به {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النبى فَيَسْتَحْيِى منكم} من أخراجكم {والله لا يستحيي مِنَ الحق} يعني أن إخراجكم حق ما ينبغي أن يستحيا منه ولما كان الحياء مما يمنع الحيّي من بعض الأفعال قيل لا يستحى من الحق أي لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحبى منكم هذا أدبٌ أدّب الله به الثقلاء وعن عائشة رضى الله عنها حسبك في الثقلاء أن الله تعالى لم يحتملهم وقال فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ} الضمير لنساء رسول الله صلى الله عليه وسلم لدلالة بيوت النبي لأن فيها نساءه {متاعا} عارية أو حاجة {فاسألوهن} المتاع {مِن وَرَاء حِجَابٍ ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} من خواطر الشيطان وعوارض الفتن وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال وكان عمر رضى الله عنه يحب ضرب الحجاب عليهن ويودان ينزل فيه وقال يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت وذكر أن بعضهم قال أنتهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لا نزوجن فلانة فنزل {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً} أي وما صح لكم إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نكاح أزواجه من
بعد موته {إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيماً} أي ذنباً عظيما
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضِ الحُقُوقِ عَلى النّاسِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِ وهو عِنْدَ نِسائِهِ والحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِنَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ، ومُناسِبَةُ ذَلِكَ لِما تَقَدَّمَ ظاهِرَةٌ، والآيَةُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ نَزَلَتْ يَوْمَ تَزَوَّجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ.
أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طُرُقٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ دَعا القَوْمَ فَطَعِمُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ وإذا هو كَأنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيامِ فَلَمْ يَقُومُوا فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قامَ، فَلَمّا قامَ قامَ مَن قامَ وقَعَدَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ فَجاءَ النَّبِيُّ لِيَدْخُلَ فَإذا القَوْمُ جُلُوسٌ ثُمَّ إنَّهم قامُوا فانْطَلَقْتُ فَجِئْتُ أخْبَرْتُ النَّبِيَّ أنَّهم قَدِ اِنْطَلَقُوا فَجاءَ حَتّى دَخَلَ فَذَهَبْتُ أدْخَلُ فَألْقى الحِجابَ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ﴾ الآيَةَ» .
والنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا أنْ يُؤْذَنَ ﴾ بِتَقْدِيرِ باءِ المُصاحِبَةِ اِسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ لا تَدْخُلُوها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِكم مَصْحُوبِينَ بِالإذْنِ.
وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ بِتَقْدِيرِ باءَ السَّبَبِيَّةِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأسْبابِ أيْ لا تَدْخُلُوها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الإذْنِ، وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّهُ اِسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ أيْ لا تَدْخُلُوها في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ أنْ يُؤْذَنَ لَكم.
وأوْرَدَ عَلَيْهِأبُو حَيّانَ أنَّ الوُقُوعَ مَوْقِعَ الظَّرْفِ مُخْتَصٌّ بِالمَصْدَرِ الصَّرِيحِ دُونَ المُؤَوَّلِ فَلا يُقالُ أتَيْتُكَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ وإنَّما يُقالُ أتَيْتُكَ صِياحَ الدِّيكِ، ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِالِاخْتِصاصِ أحَدُ قَوْلَيْنِ لِلنُّحاةِ في المَسْألَةِ، نَعَمْ إنَّهُ الأشْهُرُ واَلزَّمَخْشَرِيُّ إمامٌ في العَرَبِيَّةِ لا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِمِثْلِ هَذِهِ المُخالَفَةِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الوَقْتَ مُقَدَّرٌ في نَظْمِ الكَلامِ فَيَكُونُ مَحْذُوفًا حَذْفَ حَرْفِ الجَرِّ وأنَّ هَذا لَيْسَ مِن بابِ وُقُوعِ المَصْدَرِ مَوْقِعَ الظَّرْفِ.
وأجازَ بَعْضُ الأجِلَّةِ كَوْنَ ذَلِكَ اِسْتِثْناءً مِن أعَمِّ الأحْوالِ بِلا تَقْدِيرِ الباءِ بَلْ بِاعْتِبارِ أنَّ المَصْدَرَ مُؤَوَّلٌ بِاسْمِ المَفْعُولِ أيْ لا تَدْخُلُوها إلّا مَأْذُونًا لَكم والمَصْدَرُ المَسْبُوكُ قَدْ يُؤَوَّلُ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى ﴾ إنَّ المَعْنى ما كانَ هَذا القُرْآنُ مُفْتَرًى، فَمَن قالَ كَوْنُ المَصْدَرِ بِمَعْنى المَفْعُولِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ في المُؤَوَّلِ لَمْ يُصِبْ، وقِيلَ فِيما ذُكِرَ مُخالَفَةٌ لِقَوْلِ النُّحاةِ المَصْدَرُ المَسْبُوكُ مَعْرِفَةٌ دائِمًا كَما صَرَّحَ بِهِ في (اَلْمُغْنِي).
وتَعَقَّبَهُ الخَفاجِيُّ بِأنَّ الحَقَّ أنَّهُ سَطْحِيٌّ وأنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَكِرَةً وذَكَرَ قَوْلَهُ تَعالى: ( ما كانَ ) الخ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلى طَعامٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿ يُؤْذَنَ ﴾ وعُدِّيَ بِإلى مَعَ أنَّهُ يَتَعَدّى بِفي فَيُقالُ أُذِنَ لَهُ في كَذا لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الدُّعاءِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَدْخُلُوا عَلى طَعامٍ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ وإنْ تَحَقَّقَ الإذْنُ الصَّرِيحُ في دُخُولِ البَيْتِ فَإنَّ كُلَّ إذْنٍ لَيْسَ بِدَعْوَةٍ، وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ تَنازَعَ فِيهِ الفِعْلانِ (تَدْخُلُوا) و(يُؤْذَنَ) وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ﴾ أيْ غَيْرَ مُنْتَظَرِينَ نُضْجَهُ وبُلُوغَهُ، تَقُولُ أنى الطَّعامُ يَأْنِي أنْيًا كَقَلى يَقْلِي قَلْيًا إذا نَضِجَ وبَلَغَ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ مَكِّيٌّ: إناهُ ظَرْفُ زَمانٍ مَقْلُوبُ آنٍ الَّتِي بِمَعْنى الحِينِ فَقُلِبَتِ النُّونُ قَبْلَ الألِفِ وغُيِّرَتِ الهَمْزَةُ إلى الكَسْرَةِ، أيْ غَيْرَ ناظِرِينَ آنَهُ أيْ حِينَهُ والمُرادُ حِينَ إدْراكِهِ ونُضْجِهِ أوْ حِينَ أكْلِهِ، حالٌ مِن فاعِلِ تَدَخُلُوا وهو حالٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ كَما سَمِعْتَ في ﴿ أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ وإذا جُعِلَ ذَلِكَ حالًا فَهي حالٌ مُتَرادِفَةٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَدْخُلُوا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا مَصْحُوبِينَ بِالإذْنِ غَيْرَ ناظِرِينَ، والظّاهِرُ أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُقارِنَةً، واَلزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ أنْ جَعَلَ ما تَقَدَّمَ نَصْبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ جَعَلَ هَذا حالًا أيْضًا لَكِنَّهُ قالَ بَعْدَ وقْعِ الِاسْتِثْناءِ عَلى الوَقْتِ والحالِ مَعًا كَأنَّهُ قِيلَ لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا وقْتَ الإذْنِ ولا تَدْخُلُوها إلّا غَيْرَ ناظِرِينَ.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ مِن أنَّهُ لا يَقَعُ بَعْدَ إلّا في الِاسْتِثْناءِ إلّا المُسْتَثْنى أوِ المُسْتَثْنى مِنهُ أوْ صِفَةُ المُسْتَثْنى مِنهُ ثُمَّ قالَ وأجازَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ ذَلِكَ في الحالِ أجازَ ما ذَهَبَ القَوْمُ إلّا يَوْمَ الجُمْعَةِ راحِلِينَ عَنّا، فَيَجُوزُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلَيْهِ ولا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ في كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنْ جَعْلِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ كالمِثالِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ عَلى التَّأْخِيرِ والتَّقْدِيمِ، وكَلامُهُ آبَ عَنِ اِعْتِبارِ ذَلِكَ في الآيَةِ، نَعَمْ لَوِ اِقْتَصَرَ عَلى جَعْلِ ﴿ غَيْرَ ناظِرِينَ ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿ تَدْخُلُوا ﴾ لَأمْكَنَ أنْ يُقالَ: إنَّ مُرادَهُ لا تَدْخُلُوا غَيْرَ ناظِرِينَ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم ويَكُونُ المَعْنى أنَّ دُخُولَهم غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ مَشْرُوطٌ بِالإذْنِ وأمّا دُخُولُهم ناظِرِينَ فَمَمْنُوعٌ مُطْلَقًا بِطَرِيقِ الأوْلى ثُمَّ قُدِّمَ المُسْتَثْنى وأُخِّرَ الحالُ.
وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّ فِيهِ اِسْتِثْناءَ شَيْئَيْنِ وهُما الظَّرْفُ والحالُ بِأداةٍ واحِدَةٍ، وقَدْ قالَ اِبْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ: لا يُسْتَثْنى بِأداةٍ واحِدَةٍ دُونَ عِطْفِ شَيْئانِ وظاهِرُهُ عَدَمُ جَوازِ ذَلِكَ سَواءٌ كانَ الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغًا أمْ لا وسَواءٌ كانَ الشَّيْئانِ مِمّا يَعْمَلُ فِيهِما العامِلُ المُتَقَدِّمُ أمْ لا فَلا يَجُوزُ قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا عَمْرًا، ولا ما قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا عَمْرًا، أوْ إلّا زَيْدٌ عَمْرٌو، ولا ما قامَ إلّا خالِدٌ بَكْرٌ، ولا ما أعْطَيْتُ أحَدًا شَيْئًا إلّا عَمْرًا دانِقًا، ولا ما أعْطَيْتُ إلّا عَمْرًا دانِقًا، ولا ما أخَذَ أحَدٌ شَيْئًا إلّا زَيْدٌ دِرْهَمًا، ولا ما أخَذَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ دِرْهَمًا، والكَلامُ فِي هَذِهِ المَسْألَةِ وما يَصِحُّ مِن هَذِهِ التَّراكِيبِ وما لا يَصِحُّ وإذا صَحَّ فَعَلى أيِّ وجْهٍ يَصِحُّ طَوِيلٌ عَرِيضٌ، واَلَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ تَقْيِيدُ إطْلاقِهِمْ لا يُسْتَثْنى بِأداةٍ واحِدَةٍ دُونَ عِطْفِ شَيْئَيْنِ بِما إذا كانَ الشَّيْئانِ لا يَعْمَلُ فِيهِما العامِلُ السّابِقُ قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ فَلا يَجُوزُ ما قامَ إلّا زَيْدٌ إلّا بَكْرٌ مَثَلًا، إذْ لا يَكُونُ لِلْفِعْلِ فاعِلانِ دُونَ عَطْفٍ ولا ما ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا عَمْرًا مَثَلًا، إذْ لا يَكُونُ لِضَرَبَ مَفْعُولانِ دُونَ عَطْفٍ أيْضًا، وأرى جَوازَ نَحْوِ ما أعْطَيْتُ أحَدًا شَيْئًا إلّا عَمْرًا دانِقًا ونَحْوِ ما ضَرَبَ إلّا زَيْدٌ عَمْرًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى اِلْتِزامِ إبْدالِ اِسْمَيْنِ مِنِ اِسْمَيْنِ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ولَمّا قَرَعْنا النَّبْعَ بِالنَّبْعِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ أبَتْ عِيدانُهُ أنْ تَكَسَّرا فِي الأوَّلِ وإضْمارِ فِعْلٍ ناصِبٍ لِعَمْرٍو دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ في الثّانِي، وما ذَكَرَهُ اِبْنُ مالِكٍ في الِاحْتِجاجِ عَلى الشُّبَهِ بِالعَطْفِ حَيْثُ قالَ: كَما لا يُقَدَّرُ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ مَعْطُوفانِ كَذَلِكَ لا يُقْدَّرُ بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ مُسْتَثْنَيانِ لا يَتِمُّ عَلَيْنا فَإنّا نَقُولُ في العَطْفِ بِالجَوازِ في مِثْلِ ما ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وبَكْرٌ خالِدًا قَطْعًا فَنَحْوَ ما أعْطَيْتُ أحَدًا شَيْئًا إلّا زَيْدًا دانِقًا كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ في حُكْمِ جُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ لِأنَّ مَعْنى جاءَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا جاءَ القَوْمُ ما مِنهم زَيْدٌ، وهو عَلى ما قِيلَ يَقْتَضِي أنْ لا يَعْمَلَ ما قَبْلُ إلّا فِيما بَعْدَها في مِثْلِ ما ذُكِرَ لِأنَّها بِمَثابَةِ ما ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الصُّوَرِ المُسْتَثْناةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وما في أمالِي الكافِيَةِ مِن أنَّهُ لا بُدَّ في المُسْتَثْنى المُفَرَّغِ مِن تَقْدِيرِ عامٍّ فَلَوِ اُسْتُعْمِلَ بَعْدَ إلّا شَيْئانِ فَإمّا أنْ لا يُقَدَّرَ عامٌّ أصْلًا وهو يُخالِفُ حُكْمَ البابِ أوْ يُقَدَّرَ عامّانِ وهو يُؤَدِّي إلى أمْرٍ خارِجٍ عَنِ القِياسِ مِن غَيْرِ ثَبْتٍ، ولَوْ جازَ في الِاثْنَيْنِ جازَ فِيما فَوْقَهُما وهو ظاهِرُ البُطْلانِ أوْ يُقَدَّرُ لِأحَدِهِما دُونَ الآخَرِ وهو يُؤَدِّي إلى اللَّبْسِ فِيما قُصِدَ.
تَعَقَّبَهُ الحَدِيثِيُّ بِأنَّ لِقائِلٍ أنْ يَخْتارَ الثّالِثَ ويَقُولَ: العامُّ لا يُقَدَّرُ إلّا لِلَّذِي يَلِي إلّا مِنهُما لِأنَّهُ المُسْتَثْنى المُفَرَّغِ ظاهِرًا فَلا يَحْصُلُ اللَّبْسُ أصْلًا، وأبُو حَيّانَ قَدَّرَ في الآيَةِ مَحْذُوفًا وجَعَلَ ﴿ غَيْرَ ناظِرِينَ ﴾ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ والتَّقْدِيرُ اُدْخُلُوا غَيْرَ ناظِرِينَ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ اِبْنِ مالِكٍ حَيْثُ أوْجَبَ في نَحْوِ ما ضَرَبَ إلّا زَيْدٌ عَمْرًا جَعَلَ عَمْرًا مَفْعُولًا لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اِسْتِئْنافًا بَيانِيًّا وقَعَتْ جَوابًا لِسُؤالٍ نَشَأ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ ما ضَرَبَ إلّا زَيْدٌ سَألَ سائِلٌ مَن ضَرَبَ؟
فَقِيلَ: ضَرَبَ عَمْرًا، وذَكَرَ العَلّامَةُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في رِسالَتِهِ المُسَمّاةِ بِالحِلْمِ والأناةِ في إعْرابِ ﴿ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ﴾ وفِيها يَقُولُ الصَّلاحُ الصَّفَدَيُّ: يا طالِبَ النَّحْوِ في زَمانٍ ∗∗∗ أطْوَلَ ظِلًّا مِنَ القَناةِ وما تَحَلّى مِنهُ بِعِقْدٍ ∗∗∗ عَلَيْكَ بِالحِلْمِ والأناةِ إنَّ الظّاهِرَ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ ما قالَ ذَلِكَ إلّا تَفْسِيرَ مَعْنًى والمُسْتَثْنى في الحَقِيقَةِ هو المَصْدَرُ المُتَعَلِّقُ بِهِ الظَّرْفُ والحالُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَدْخُلُوا إلّا دُخُولًا مَصْحُوبًا بِكَذا ثُمَّ قالَ: ولَسْتُ أقُولُ بِتَقْدِيرِ مَصْدَرٍ هو عامِلٌ فِيهِما فَإنَّ العَمَلَ لِلْفِعْلِ المُفَرَّغِ وإنَّما أرَدْتُ شَرْحَ المَعْنى، ومِثْلُ هَذا الإعْرابِ هو الَّذِي نَخْتارُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ إلّا اِخْتِلافًا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم فَمِن بَعْدِ ما جاءَهم وبَغْيًا لَيْسا مُسْتَثْنَيَيْنِ بَلْ وقَعَ عَلَيْهِما المُسْتَثْنى وهو الِاخْتِلافُ كَما تَقُولُ ما قُمْتُ إلّا يَوْمَ الجُمْعَةِ ضاحِكًا أمامَ الأمِيرِ في دارِهِ فَكُلُّها يُعْلَمُ فِيها الفِعْلُ المُفَرَّغُ مِن جِهَةِ الصِّناعَةِ وهي مِن جِهَةِ المَعْنى كالشَّيْءِ الواحِدِ لِأنَّها بِمَجْمُوعِها بَعْضٌ مِنَ المَصْدَرِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الفِعْلُ المَنفِيُّ وهَذا أحْسَنُ مِن أنْ يُقَدَّرَ اِخْتَلَفُوا بَغْيًا بَيْنَهم لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يُفِيدُ الحَصْرَ وعَلى ما قُلْناهُ يُفِيدُ الحَصْرَ فِيهِ كَما أفادَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ ) فَهو حَصْرٌ في شَيْئَيْنِ لَكِنْ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْناهُ لا أنَّهُ اِسْتِثْناءُ شَيْئَيْنِ بَلِ اِسْتِثْناءُ شَيْءٍ صادِقٍ عَلى شَيْئَيْنِ، ويُمْكِنُ حَمْلُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى ذَلِكَ فَقَوْلُهُ: وقَعَ الِاسْتِثْناءُ عَلى الوَقْتِ والحالِ مَعًا صَحِيحٌ، إنَّ المُسْتَثْنى أعَمُّ لِأنَّ الأعَمَّ يَقَعُ عَلى الأخَصِّ والواقِعُ عَلى الواقِعِ واقِعٌ فَتَخَلَّصَ عَمّا ورَدَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِ النُّحاةِ لا يُسْتَثْنى بِأداةٍ واحِدَةٍ دُونَ عِطْفِ شَيْئانِ اِنْتَهى فَتَدَبَّرْهُ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ غَيْرَ ناظِرِينَ ﴾ حالًا مِنَ المَجْرُورِ في ﴿ لَكُمْ ﴾ ولَمْ يَذْكُرْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفي الكَشْفِ لَوْ جُعِلَ حالًا مِن ذَلِكَ لَأفادَ ما ذَكَرَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ نَهْيٌ عَنِ الدُّخُولِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ وُجُودِ الإذْنِ المُقَيَّدِ، وقالَ العَلّامَةُ تَقِيُّ الدِّينِ لَمْ يُجْعَلْ حالًا مِن ذَلِكَ وإنْ كانَ جائِزًا مِن جِهَةِ الصِّناعَةِ لِأنَّهُ يَصِيرُ حالًا مُقَدَّرَةً ولِأنَّهم لا يَصِيرُونَ مَنهِيِّينَ عَنِ الِانْتِظارِ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ قَيْدًا في الإذْنِ ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ بَلْ عَلى أنَّهم نُهُوا أنْ يَدْخُلُوا إلّا بِإذْنٍ ونُهُوا إذا دَخَلُوا أنْ يَكُونُوا غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ فَلِذَلِكَ اِمْتَنَعَ مِن جِهَةِ المَعْنى أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ ﴿ يُؤْذَنَ ﴾ وأنْ يَكُونَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ اه.
ولَعَلَّهُ أبْعَدُ نَظَرًا مِمّا في الكَشْفِ، وقَرَأ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ «غَيْرِ» بِالكَسْرِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِطَعامٍ فَيَكُونُ جارِيًا عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ في ذَلِكَ وُجُوبُ إبْرازِ الضَّمِيرِ بِأنْ يُقالَ هُنا غَيْرَ ناظِرٍ أنْتُمْ أوْ غَيْرَ ناظِرِينَ أنْتُمْ ولا بَأْسَ بِحَذْفِهِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ إذا لَمْ يَقَعُ لَبْسٌ كَما هُنا والتَّخْرِيجُ المَذْكُورُ عَلَيْهِ، وقَدْ أمالَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «إناهُ» بِناءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ أنى الطَّعامُ إذا أدْرَكَ، وقَرَأ الأعْمَشُ «إناءَهُ» بِمَدَّةٍ بَعْدِ النُّونِ.
﴿ ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا ﴾ اِسْتِدْراكٌ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالإذْنِ إلى الطَّعامِ الدَّعْوَةُ إلَيْهِ ﴿ فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ﴾ أيْ فَإذا أكَلْتُمُ الطَّعامَ فَتَفَرَّقُوا ولا تَلْبَثُوا، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ بِلا مُهْلَةٍ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ دُخُولُهم بَعْدَ الإذْنِ والدَّعْوَةِ عَلى وجْهٍ يَعْقُبُهُ الشُّرُوعُ في الأكْلِ بِلا فَصْلٍ، والآيَةُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُلُّ مِنَ المُفَسِّرِينَ خِطابٌ لِقَوْمٍ كانُوا يَتَحَيَّنُونَ طَعامَ النَّبِيِّ فَيَدْخُلُونَ ويَقْعُدُونَ مُنْتَظِرِينَ لِإدْراكِهِ مَخْصُوصَةٌ بِهِمْ وبِأمْثالِهِمْ مِمَّنْ يَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ، فالنَّهْيُ مَخْصُوصٌ بِمَن دَخَلَ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ وجَلَسَ مُنْتَظِرًا لِلطَّعامِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، فَلا تُفِيدُ النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ بِإذْنٍ لِغَيْرِ طَعامٍ ولا عَنِ الجُلُوسِ واللُّبْثِ بَعْدَ الطَّعامِ لِمُهِمٍّ آخَرَ، ولَوِ اُعْتُبِرَ الخِطابُ عامًّا لَكانَ الدُّخُولُ واللُّبْثُ المَذْكُورانِ مَنهِيًّا عَنْهُما ولا قائِلَ بِهِ، ويُؤَيِّدُ ما ذُكِرَ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الرَّبِيعِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: كانُوا يَتَحَيَّنُونَ فَيَدْخُلُونَ بَيْتَ النَّبِيِّ فَيَجْلِسُونَ فَيَتَحَدَّثُونَ لِيُدْرِكَ الطَّعامُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةَ، وكَذا ما أخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ أرْقَمَ قالَ نَزَلَتْ في الثُّقَلاءِ، ومِن هُنا قِيلَ إنَّها آيَةُ الثُّقَلاءِ، وتَقَدَّمَ لَكَ القَوْلُ بِجَوازِ كَوْنِ ﴿ إلى طَعامٍ ﴾ قَدْ تَنازَعَ فِيهِ الفِعْلانِ (تَدْخُلُوا) و(يُؤْذَنَ) والأمْرُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ.
وقالَ العَلّامَةُ اِبْنُ كَمالٍ: الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ عامَّ لِغَيْرِ المَحارِمِ وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يَصْلُحُ مُخَصَّصًا عَلى ما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، نَعَمْ يَكُونُ وجْهًا لِتَقْيِيدِ الإذْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ إلى طَعامٍ ﴾ فَيَنْدَفِعُ وهْمُ اِعْتِبارِ مَفْهُومِهِ اِنْتَهى وفِيهِ بَحْثٌ فَتَأمَّلْ والمَشْهُورُ في سَبَبِ النُّزُولِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلَ الكَلامِ في الآيَةِ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ والشَّيْخَيْنِ وغَيْرِهِمْ فَلا تَغْفُلْ.
﴿ ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ﴾ أيْ لِحَدِيثِ بَعْضِكم بَعْضًا أوْ لِحَدِيثِ أهْلِ البَيْتِ بِالتَّسَمُّعِ لَهُ فاللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ أوِ اللّامُ المُقَوِّيَةُ و ﴿ مُسْتَأْنِسِينَ ﴾ مَجْرُورٌ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ ناظِرِينَ ﴾ ولا زائِدَةٌ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا مَعْطُوفًا عَلى ( غَيْرَ ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا الضّالِّينَ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مُقَدَّرَةً أوْ مُقارِنَةً مِن فاعِلِ فِعْلٍ حُذِفَ مَعَ فاعِلِهِ وذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلى المَذْكُورِ والتَّقْدِيرِ ولا تَدْخُلُوها أوْ لا تَمْكُثُوا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ.
﴿ إنَّ ذَلِكُمْ ﴾ أيِ اللُّبْثَ الدّالَّ عَلَيْهِ الكَلامُ أوِ الِاسْتِئْناسَ أوِ المَذْكُورَ مِنَ الِاسْتِئْناسِ والنَّظَرِ أوِ الدُّخُولَ عَلى غَيْرِ الوَجْهِ المَذْكُورِ، والأوَّلُ أقْوى مُلاءَمَةً لِلسِّياقِ والسِّباقِ ﴿ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ ﴾ لِأنَّهُ يَكُونُ مانِعًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ قَضاءِ بَعْضِ أوْطارِهِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَضْيِيقِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ وعَلى أهْلِهِ ﴿ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ﴾ أيْ مِن إخْراجِكم بِأنْ يَقُولَ لَكُمُ اُخْرُجُوا أوْ مَن مَنَعَكم عَمّا يُؤْذِيهِ عَلى ما قِيلَ فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْتَحْيا مِنهُ مَعْنًى مِنَ المَعانِي ذَواتِهِمْ لِيَتَوارَدَ النَّفْيُ والإثْباتُ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ كَما يَقْتَضِيهِ نِظامُ الكَلامِ فَلَوْ كانَ المُرادُ الِاسْتِحْياءَ مِن ذَواتِهِمْ لَقالَ سُبْحانَهُ واَللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنكُمْ، فالمُرادُ بِالحَقِّ إخْراجُهم أوِ المَنعُ عَنْ ذَلِكَ، ووُضِعَ الحَقُّ مَوْضِعَهُ لِتَعْظِيمِ جانِبِهِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَتْرُكِ الحَقَّ وأمَرَكم بِالخُرُوجِ، والتَّعْبِيرُ بِعَدَمِ الِاسْتِحْياءِ لِلْمُشاكَلَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ، واعْتِبارُ تَقْدِيرِ المُضافِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وكَثِيرٌ وهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، وفي (اَلْكَشْفِ) فَإنْ قُلْتَ: الِاسْتِحْياءُ مِن زَيْدٍ لِلْإخْراجِ مَثَلًا هو الحَقِيقَةُ والِاسْتِحْياءُ مِنَ اِسْتِخْراجِهِ تَوَسُّعٌ بِجَعْلِ ما نَشَأ مِنهُ الفِعْلُ كالصِّلَةِ وكِلْتا العِبارَتَيْنِ صَحِيحَةٌ يَصِحُّ إيقاعُ إحْداهُما مَوْقِعَ الأُخْرى، قُلْتُ: أُرِيدُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن مُلاحَظَةِ مَعْنى الإخْراجِ فَإمّا أنْ يُقَدَّرَ الإخْراجُ ويُوقَعَ عَلَيْهِ فَيَكْثُرُ الإضْمارُ ولا يُطابِقُ اللَّفْظَ نَفْيًا وإثْباتًا، وإمّا أنْ يُقَدَّرَ المُضافُ فَيَقِلُّ ويُطابِقُ، ومَعَ وُجُودِ المُرَجِّحِ وفَقْدِ المانِعِ لا وجْهَ لِلْعُدُولِ فَلا بُدَّ مِمّا ذُكِرَ.
وقالَ العَلّامَةُ اِبْنُ كَمالٍ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ﴾ تَعْلِيلُ المَحْذُوفِ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ ولا يُخْرِجُكم فَيَسْتَحْيِي مِنكم ولِذَلِكَ صُدِّرَ بِأداةِ التَّعْلِيلِ ولَوْ كانَ المَعْنى يَسْتَحْيِي مِن إخْراجِكم لَكانَ حَقُّهُ أنْ يُصَدَّرَ بِالواوِ، وفِيهِ أنَّ الكَلامَ بَعْدَ تَسْلِيمِ ما ذُكِرَ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الأصْلَ فَيَسْتَحْيِي مِنكم مِنَ الحَقِّ واَللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنكم مِنَ الحَقِّ، والمُرادُ بِالحَقِّ إخْراجُهم عَلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ الِاحْتِباكِ وكِلا حَرْفَيِ الجَرِّ لَيْسَ بِمَعْنًى واحِدٍ بَلِ الأوَّلُ لِلِابْتِداءِ والثّانِي لِلتَّعْلِيلِ، وقالَ: إنَّ الحَمْلَ عَلى ذَلِكَ هو الأنْسَبُ لِلْإعْجازِ التَّنْزِيلِيِّ والِاخْتِصارِ القُرْآنِيِّ ولا يَخْفى ما فِيهِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ كَما في البَحْرِ «فَيَسْتَحِي» بِكَسْرِ الحاءِ مُضارِعُ اِسْتَحى وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ والمَحْذُوفُ إمّا عَيْنُ الكَلِمَةِ فَوَزْنُهُ يَسْتَفِلُ أوْ لامُها فَوَزْنُهُ يَسْتَفِعُ، وفي الكَشّافِ قُرِئَ «لا يَسْتَحِي» بِياءٍ واحِدَةٍ وأظُنُّ أنَّ القِراءَةَ بِياءٍ واحِدَةٍ في الفِعْلِ في المَوْضِعَيْنِ، هَذا والظّاهِرُ حُرْمَةُ اللُّبْثِ عَلى المَدْعُوِّ إلى طَعامٍ بَعْدَ أنْ يَطْعَمَ إذا كانَ في ذَلِكَ أذًى لِرَبِّ البَيْتِ ولَيْسَ ما ذُكِرَ مُخْتَصًّا بِما إذا كانَ اللُّبْثُ في بَيْتِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومِن هُنا كانَ الثَّقِيلُ مَذْمُومًا عِنْدَ النّاسِ قَبِيحَ الفِعْلِ عِنْدَ الأكْياسِ.
وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حَسْبُكَ في الثُّقَلاءِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَحْتَمِلْهم وعِنْدِي كالثَّقِيلِ المَذْكُورِ مَن يُدْعى في وقْتٍ مُعَيَّنٍ مَعَ جَماعَةٍ فَيَتَأخَّرُ عَنْ ذَلِكَ الوَقْتِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ كَثِيرٍ شَرْعِيٍّ بَلْ لِمَحْضِ أنْ يَنْتَظِرَ ويُظْهِرَ بَيْنَ الحاضِرِينَ مَزِيدَ جَلالَتِهِ، وأنَّ صاحِبَ البَيْتِ لا يَسَعُهُ تَقْدِيمُ الطَّعامِ لِلْحاضِرِينَ قَبْلَ حُضُورِهِ مَخافَةً مِنهُ أوِ اِحْتِرامًا لَهُ أوْ لِنَحْوِ ذَلِكَ فَيَتَأذّى لِذَلِكَ الحاضِرُونَ أوْ صاحِبُ البَيْتِ، وقَدْ رَأيْنا مِن هَذا الصِّنْفِ كَثِيرًا نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العافِيَةَ إنَّ فَضْلَهُ سُبْحانَهُ كانَ كَبِيرًا.
﴿ وإذا سَألْتُمُوهُنَّ ﴾ الضَّمِيرُ لِنِساءِ النَّبِيِّ المَدْلُولِ عَلَيْهِنَّ بِذِكْرِ بُيُوتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ وإذا طَلَبْتُمْ مِنهُنَّ ﴿ مَتاعًا ﴾ أيْ شَيْئًا يُتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ الماعُونِ وغَيْرِهِ ﴿ فاسْألُوهُنَّ ﴾ فاطْلُبُوا مِنهُنَّ ذَلِكَ ﴿ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ أيْ سَتْرٍ.
أخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ فَلَوْ أمَرْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجابِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى آيَةَ الحِجابِ،» وكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَرِيصًا عَلى حِجابِهِنَّ وما ذاكَ إلّا حُبًّا لِرَسُولِ اللَّهِ .
أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ «عَنْ عائِشَةَ أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كُنْ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إذْ بَرَزْنَ إلى المَناصِعِ وهو صَعِيدٌ أفْيَحُ وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ : اُحْجُبْ نِساءَكَ فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ يَفْعَلُ فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي عِشاءً وكانَتِ اِمْرَأةً طَوِيلَةً فَناداها عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِصَوْتِهِ الأعْلى قَدْ عَرَفْناكِ يا سَوْدَةُ حِرْصًا عَلى أنْ يَنْزِلَ الحِجابُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الحِجابَ،» وذَلِكَ أحَدُ مُوافِقاتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهي مَشْهُورَةٌ.
وعَدَّ الشِّيعَةُ ما وقَعَ مِنهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في خَبَرِ اِبْنِ جَرِيرٍ مِنَ المَثالِبِ قالُوا: لِما فِيهِ مِن سُوءِ الأدَبِ وتَخْجِيلِ سَوْدَةَ حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ وإيذائِها بِذَلِكَ.
وأجابَ أهْلُ السُّنَّةِ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّةِ الخَبَرِ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ رَأى أنْ لا بَأْسَ بِذَلِكَ لَمّا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ مِن تَرَتُّبِ الخَيْرِ العَظِيمِ عَلَيْهِ، ورَسُولُ اللَّهِ وإنْ كانَ أعْلَمَ مِنهُ وأغْيَرَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ اِنْتِظارًا لِلْوَحْيِ وهو اللّائِقُ بِكَمالِ شَأْنِهِ مَعَ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ أنَّها كانَتْ تَأْكُلُ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانَ يَأْكُلُ مَعَهُما بَعْضُ أصْحابِهِ فَأصابَتْ يَدُ رَجُلٍ يَدَها فَكَرِهَ النَّبِيُّ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ ما ذُكِرَ سَبَبًا لِلنُّزُولِ.
ونَزَلَ الحِجابُ عَلى ما أخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ عَنْ أنَسٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وأخْرَجَ عَنْ صالِحِ بْنِ كَيْسانَ أنَّ ذَلِكَ في ذِي القِعْدَةِ مِنها.
﴿ ذَلِكُمْ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى السُّؤالِ مِن وراءِ حِجابٍ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن عَدَمِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ وعَدَمِ الِاسْتِئْناسِ لِلْحَدِيثِ عِنْدَ الدُّخُولِ وسُؤالِ المَتاعِ مِن وراءِ حِجابٍ ﴿ أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ ﴾ أيْ أكْثَرُ تَطْهِيرًا مِنَ الخَواطِرِ الشَّيْطانِيَّةِ الَّتِي تَخْطُرُ لِلرِّجالِ في أمْرِ النِّساءِ ولِلنِّساءِ في أمْرِ الرِّجالِ، فَإنَّ الرُّؤْيَةَ سَبَبُ التَّعَلُّقِ والفِتْنَةِ، وفي بَعْضِ الآثارِ: النَّظَرُ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِن سِهامِ إبْلِيسَ، وقالَ الشّاعِرُ: والمَرْءُ ما دامَ ذا عَيْنٍ يُقَلِّبُها ∗∗∗ في أعْيُنِ العَيْنِ مَوْقُوفٌ عَلى الخَطَرِ يَسُرُّ مُقْلَتَهُ ما ساءَ مُهْجَتَهُ ∗∗∗ لا مَرْحَبًا بِانْتِفاعٍ جاءَ بِالضَّرَرِ ﴿ وما كانَ لَكُمْ ﴾ أيْ وما صَحَّ وما اِسْتَقامَ لَكم ﴿ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﴾ أيْ تَفْعَلُوا في حَياتِهِ فِعْلًا يَكْرَهُهُ ويَتَأذّى بِهِ كاللُّبْثِ والِاسْتِئْناسِ بِالحَدِيثِ الَّذِي كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ وغَيْرِ ذَلِكَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِتَقْبِيحِ ذَلِكَ الفِعْلِ والإشارَةِ إلى أنَّهُ بِمَراحِلَ عَمّا يَقْتَضِيهِ شَأْنُهُ إذْ في الرِّسالَةِ مِن نَفْعِهِمُ المُقْتَضِي لِلْمُقابَلَةِ بِالمَثَلِ دُونَ الإيذاءِ ما فِيها.
﴿ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا ﴾ مِن بَعْدِ وفاتِهِ أوْ فِراقِهِ وهو كالتَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ فَإنَّ نِكاحَ زَوْجَةِ الرَّجُلِ بَعْدَ فِراقِهِ إيّاها مِن أعْظَمِ الأذى، ومِنَ النّاسِ مَن تَفْرُطُ غَيْرَتُهُ عَلى زَوْجَتِهِ حَتّى يَتَمَنّى لَها المَوْتَ لِئَلّا تَنْكِحَ مِن بَعْدِهِ وخُصُوصًا العَرَبَ فَإنَّهم أشَدُّ النّاسِ غَيْرَةً، وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ بَعْضَ الفِتْيانِ قَتَلَ جارِيَةً لَهُ يُحِبُّها مَخافَةَ أنْ تَقَعَ في يَدِ غَيْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وظاهِرُ النَّهْيِ أنَّ العَقْدَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وعُمُومُ الأزْواجِ ظاهِرٌ في أنَّهُ لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ المَدْخُولِ بِها وغَيْرِها كالمُسْتَعِيذَةِ واَلَّتِي رَأى بِكَشْحِها بَياضًا فَقالَ لَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ الدُّخُولِ ««اِلْحَقِي بِأهْلِكِ»» وهو الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الإمامُ الشّافِعِيُّ وصَحَّحَهُ في الرَّوْضَةِ، وصَحَّحَ إمامُ الحَرَمَيْنِ والرّافِعِيُّ في الصَّغِيرِ أنَّ التَّحْرِيمَ لِلْمَدْخُولِ بِها فَقَطْ لِما رُوِيَ أنَّ الأشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ الكِنْدِيَّ نَكَحَ المُسْتَعِيذَةَ في زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِهِ فَأُخْبِرَ أنَّها لَمْ يَكُنْ مَدْخُولًا بِها فَكَفَّ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّ قُتَيْلَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أُخْتَ الأشْعَثِ المَذْكُورِ تَزَوَّجَها عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ بِحَضْرَمَوْتَ وكانَتْ قَدْ زَوَّجَها أخُوها قَبْلُ مِن رَسُولِ اللَّهِ فَقَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها حَمَلَها مَعَهُ إلى حَضْرَمَوْتَ وتُوُفِّيَ عَنْها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: هَمَمْتُ أنْ أُحَرِّقَ عَلَيْها بَيْتَها فَقالَ لَهُ عُمَرُ: ما هي مِن أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ ما دَخَلَ بِها ولا ضَرَبَ عَلَيْها الحِجابَ.
وقِيلَ: لَمْ يُحْتَجَّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَلِ اُحْتُجَّ بِأنَّها اِرْتَدَّتْ حِينَ اِرْتَدَّ أخُوها فَلَمْ تَكُنْ مِن أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بِارْتِدادِها، وكَذا هو ظاهِرٌ في أنَّهُ لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ المُخْتارَةِ مِنهُنَّ الدُّنْيا كَفاطِمَةَ بِنْتِ الضَّحّاكِ بْنِ سُفْيانَ الكِلابِيِّ في رِوايَةِ اِبْنِ إسْحاقَ والمُخْتارَةِ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ كَنِسائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ التِّسْعِ اللّاتِي تُوُفِّيَ عَنْهُنَّ.
ولِلْعُلَماءِ في حِلِّ مُخْتارَةِ الدُّنْيا لِلْأزْواجِ طَرِيقانِ، أحَدُهُما طَرْدُ الخِلافِ، والثّانِي القَطْعُ بِالحِلِّ واخْتارَهُ الإمامُ والغَزالِيُّ عَلَيْهِما الرَّحْمَةُ، وكَأنَّ مَن قالَ بِحِلِّ غَيْرِ المَدْخُولِ بِها وبِحِلِّ المُخْتارَةِ المَذْكُورَةِ حَمَلَ الأزْواجَ عَلى مَن كُنَّ في عِصْمَتِهِ يَوْمَ نُزُولِ الآيَةِ وعَلى مَن يُشْبِهُهُنَّ ولَسْنَ إلّا المَدْخُولاتِ بِهِنَّ اللّاتِي اِخْتَرْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإذا حُمِلَ ذَلِكَ وأُرِيدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ مِن بَعْدِ فِراقِهِ يَلْزَمُ حُرْمَةُ نِكاحِ مَن طَلَّقَها مِن تِلْكَ الأزْواجِ عَلى المُؤْمِنِينَ وهو كَذَلِكَ.
ومِن هُنا اِخْتَلَفَ القائِلُونَ بِانْحِصارِ طَلاقِهِ بِالثَّلاثِ فَقالَ بَعْضُهُمْ: تَحِلُّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَن طَلَّقَها ثَلاثًا مِن غَيْرِ مُحَلِّلٍ، وقالَ آخَرُونَ، لا تَحِلُّ لَهُ أبَدًا، وظاهِرُ التَّعْبِيرِ بِالأزْواجِ عَدَمُ شُمُولِ الحُكْمِ لِأُمَّةٍ فارَقَها بَعْدَ وطْئِها.
وفِي المَسْألَةِ أوْجُهٌ ثالِثُها أنَّها تَحْرُمُ إنْ فارَقَها بِالمَوْتِ كَمارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ولا تَحْرُمُ إنْ باعَها أوْ وهَبَها في الحَياةِ.
وحُرْمَةُ نِكاحِ أزْواجِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن بَعْدِهِ مِن خُصُوصِيّاتِهِ ، وسَمِعْتُ عَنْ بَعْضِ جَهَلَةِ المُتَصَوِّفَةِ أنَّهم يُحَرِّمُونَ نِكاحَ زَوْجَةِ الشَّيْخِ مِن بَعْدِهِ عَلى المُرِيدِ وهو جَهْلٌ ما عَلَيْهِ مَزِيدٌ.
﴿ إنَّ ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن إيذائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونِكاحِ أزْواجِهِ مِن بَعْدِهِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبَعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرِّ والفَسادِ ﴿ كانَ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ في حُكْمِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ عَظِيمًا ﴾ أيْ أمْرًا عَظِيمًا وخَطْبًا هائِلًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وفِيهِ مِن تَعْظِيمِهِ تَعالى لِشَأْنِ رَسُولِهِ وإيجابِ حُرْمَتِهِ حَيًّا ومَيِّتًا ما لا يَخْفى.
ولِذَلِكَ بالَغَ عَزَّ وجَلَّ في الوَعِيدِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ قرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: ترجئ بالهمزة.
وقرأ الباقون: بغير الهمز.
كلاهما في اللغة واحد، وأصله من التأخير.
يقول: تؤخر من تشاء منهن ولا تتزوجها وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ يعني: تضم فتتزوجها لخيره في تزويج القرابة.
ويقال: تطلق من تشاء منهن، وتمسك من تشاء.
وقال قتادة: جعله في حل أن يدع من يشاء منهن، ويضم إليه من يشاء.
يعني: إن شاء جعل لهن قسماً، وإن شاء لم يجعل.
وكان رسول الله يقسم.
وقال الحسن: كان النبيّ إذا خطب امرأة فليس لأحد أن يخطبها حتى يتزوجها أو يدعها، وفي ذلك نزل: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ.
ثم قال: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ يعني: أشرت ممن تركت فَلا جُناحَ عَلَيْكَ يعني: لا إثم عليك ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ أي: ذلك أجدى وأجدر إذا علمن أنك تفعل بأمر الله أن تطمئن قلوبهن وَلا يَحْزَنَّ مخافة الطلاق وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ من النفقة، إذا علمن أنه من الله عز وجل.
وقرئ في الشاذ: كُلُّهُنَّ بالنصب صار نصباً لوقوع الفعل عليه وهو الإعطاء.
وتقرأه العامة: أتيتهن كلهن بالضم.
ومعناه: يرضين كلهن بما أعطيتهن.
ثم قال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ من الحب والبغض وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بما في قلوبكم حَلِيماً بالتجاوز.
قوله عز وجل: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ قال مجاهد: أي لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات مِنْ بَعْدُ، يعني: من بعد المسلمات، وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ.
يقول: لا تبديل اليهوديات، ولا النصرانيات على المؤمنات.
يقول: لا تكون أم المؤمنين يهودية ولا نصرانية إلا ما ملكت يمينك من اليهوديات والنصرانيات يتسرى بهن.
قال الحسن وابن سيرين: خيّر رسول الله ، نساءه بين الدنيا والآخرة، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فشكر الله لهن على ذلك، فحبسه عليهن.
فقال: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ يعني: لا يحل لك أن تطلق واحدة منهن، وتتزوج غيرها.
قرأ أبو عمرو: لا تحل بالتاء بلفظ التأنيث.
وقرأ الباقون: بالياء، بمعنى لا يحل لك من النساء شيء.
ويقال: معناه لا تحل لجميع النساء.
فمن قرأ: بالتاء بالتأنيث يعني: جماعة النساء.
ثم قال: وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ يعني: أسماء بنت عميس أراد أن يتزوجها، فنهاه الله تعالى عزّ وجلّ عن ذلك، فتركها وتزوجها أبو بكر- - بإذن رسول الله إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ من السريات وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً من أمر التزويج رَقِيباً يعني: حفيظاً.
وروى عمرو بن دينار، عن عطاء عن عائشة- ا- قالت: ما مات رسول الله حتى حلّ له النساء بعد قوله: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ.
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ وذلك أن أناساً من المسلمين كانوا يتحينون غذاء النبيّ ، ويدخلون عليه بغير إذن، ويجلسون وينتظرون الغداء، وإذا أكلوا جلسوا طويلاً، ويتحدثون طويلا، فأمرهم الله عز وجل بحفظ الأدب فقال: لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ يعني: إلا أن يدعوكم ويأذن لكم في الدخول غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ يعني: من غير أن تنتظروا وقته.
ويقال: أصله إدراك الطعام يعني: غير ناظرين إدراكه.
ويقال: إِناهُ يعني: نضج الطعام.
ثم قال: وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا يعني: إذا دعاكم إلى الطعام فادخلوا بيته فَإِذا طَعِمْتُمْ الطعام فَانْتَشِرُوا يعني: تفرقوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ أي: لا تدخلوا مستأنسين للحديث إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ أن يقول لكم تفرقوا وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ يعني: من بيان الحق أن يأمركم بالخروج بعد الطعام.
قال الفقيه أبو الليث: في الآية حفظ الأدب والتعليم أن الرجل إذا كان ضيفاً لا ينبغي أن يجعل نفسه ثقيلاً، ولكنه إذا أكل ينبغي أن يخرج.
ثم قال: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً يعني: إذا سألتم من نسائه متاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ولا تدخلوا عليهن، واسألوا من خلف الستر.
ويقال: خارج الباب ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ من الريبة.
ثم قال: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ قال: وذلك أن طلحة بن عبيد الله قال: لئن مات محمد لأتزوجن بعائشة فنزل: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً يعني: ولا أن تتزوجوا أزواجه من بعد وفاته أبداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً في العقوبة.
ويقال: إنما نهى عن ذلك لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة.
وروي عن حذيفة أنه قال لامرأته: إن أردت أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تتزوجي بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها.
ولذلك حرم الله تعالى على أزواج النبيّ أن يتزوجن بعده.
وروي أن أم الدرداء قالت لأبي الدرداء عند موته إنك خطبتني إلى أبوي في الدنيا فأنكحاك.
وإني أخطبك إلى نفسي في الآخرة فقال لها فلا تنكحي بعدي، فخطبها معاوية بن أبي سفيان فأخبرته بالذي كان، وأبت أن تتزوجه.
وروي في خبر آخر بخلاف هذا أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله إن المرأة منا كان لها زوجان لأيهما تكون في الآخرة؟
فقال: «إنَّهَا تُخَيَّرُ فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمَا خُلُقاً مَعَهَا» .
ثم قال: «يا أمَّ حَبِيبَةَ إنَّ حُسْنَ الخُلُقِ ذَهَبَ بالدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» .
ثم قال عز وجل: إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ يعني: إن تظهروا من أمر التزويج شيئاً أو تسروه وتضمروه فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً من السر والعلانية.
يعلم ما أعلنتم وما أخفيتم، يجازيكم به.
ثم خصّ الدخول على نساء ذوات محرم بغير حجاب فرخّص في ذلك وهو قوله عز وجل: لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ يعني: من الدخول عليهن وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ يعني: نساء أهل دينهن وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ من الخدم وَاتَّقِينَ اللَّهَ يعني: اخشين الله، وأطعن الله، فلا يراهن غير هؤلاء إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً يعني: عالما بأعمالهم.
<div class="verse-tafsir"
عليه السلام- معَ مَا جَعَلَ الله له من ذلكَ كان يُسَوِّي بينهن في القَسْمِ تَطْيِيباً لنفُوسِهنَّ وأخْذاً بالفَضْلِ، وما خصه الله من الخَلق العظيم- صلى الله عليه وعلى آله- غير أن سودة وهبت يومها لعائشة تقمّنا لمسرّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (٥٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٥٤) لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٥٥)
وقوله تعالى: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ قيل كما قدمنا: إنها حظَرَتْ عليه النساءَ إلا التسْعَ وما عُطِفَ عَليهِنَّ على ما تقدم لابن عباس وغيره، قال ابن عباس وقتادة:
جَازَاهُنَّ الله بذلك لما اخترنَ الله وَرسوله «١» ، ومن قال: بأن الإباحَةَ كانتْ له مُطْلَقَةً قَال هنا: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ معناه: لا يحل لك اليهودياتُ ولا النصرانياتُ، ولا ينبغي أن يكنَّ أمهاتِ المؤمنين ورُوِيَ هذَا عَن مجاهدَ «٢» وكذلك قَدَّرَ: ولا أن تبدل اليهودياتِ والنصرانياتِ بالمسلماتِ وهو قول أبي رزين وابن جبير «٣» وفيه بُعْدٌ.
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ هذهِ الآيةُ تُضمنتُ قِصَّتَيْنِ: إحداهما: الأدبُ في أمر الطعام والجلوس، والثانية: أمر الحجاب.
قال الجمهور: سببها أن النّبي صلى الله عليه وسلّم لما تزوَّج زَيْنبَ بِنْتَ جَحْشٍ، أَوْ لَمْ عَلَيْها ودَعَا النَّاسَ، فَلَمَّا طَعِمُوا، قَعَدَ نَفَرٌ فِي طَائِفَةٍ مِنَ البَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ، فَثَقُلَ عَلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلّم مَكَانُهُمْ، فَخَرَجَ لِيَخْرُجُوا بِخُرُوجِهِ، وَمَرَّ على حِجْرِ نِسَائِهِ، ثُمَّ عَادَ فَوَجَدَهُمْ فِي مَكَانِهِمْ، وَزَيْنَبُ في البيت معهم، فلمّا دخل وراءهم انْصَرَفَ، فَخَرَجُوا عِنْدَ ذَلِكَ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَأُعْلِمَ أَوْ «١» أَعْلَمْتُهُ بانصرافهم، فَجَاءَ، فَلَمَّا وَصَلَ الحُجْرَةَ، أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَدَخَلَ، وَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ «٢» .
قال إسماعيل بن أبي حكيم: هذا أدب أَدَّبَ الله به الثُّقَلاء، وَقَالَتْ عَائِشَةُ وجماعةٌ:
سبب الحجاب: كلام عمر للنبي صلى الله عليه وسلّم مرارا في أن يحجب نساءه «٣» ، وناظِرِينَ معناه:
منتظرين، وإِناهُ: مصدر «أنى» الشيءَ يَأْنِي أنيْ، إذا فَرَغَ وحَانَ، ولفظُ البخاري: يُقَال:
إناه: إدراكُه أنى يأنى إناءة، انتهى.
وقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ معناه: لا يقع منه تركُ الحق، ولما كان ذلك يقعُ من البشر لِعلةِ الاسْتِحياءِ نَفَى عنه تعالى العلةَ الموجِبةَ لذلكَ في البشر، وعن ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «ثَلاَثٌ لاَ يحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ لاَ يؤمّ رجل قوما ٧٦ ب فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ فَإنْ فَعَلَ، فَقَدْ خَانهُمْ، وَلاَ يَنْظُرُ فِي قَعْرِ بَيْتٍ/ قَبْلَ أنْ يَسْتَأْذِنَ فَإنْ فَعَلَ، فَقَدْ خَانَ، وَلاَ يُصَلِّي وَهُوَ حَاقِنٌ حتى يَتَخَفَّفُ» «٤» .
رواه أبو داود
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ﴾ الآيَةُ.
في سَبَبِ نُزُولِها سِتَّةُ أقْوالٍ.
القَوْلُ الأوَّلُ: أخْرَجاهُ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا تَزَوَّجَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ دَعا القَوْمَ، فَطَعِمُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَأخَذَ كَأنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيامِ، فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قامَ وقامَ مِنَ القَوْمِ مَن قامَ، وقَعَدَ ثَلاثَةٌ، فَجاءَ رَسُولُ اللَّهِ فَدَخَلَ فَإذا القَوْمُ جُلُوسٌ، فَرَجَعَ، وإنَّهم قامُوا فانْطَلَقُوا، وجِئْتُ فَأخْبَرْتُ النَّبِيَّ أنَّهم قَدِ انْطَلَقُوا، فَجاءَ حَتّى دَخَلَ، وذَهَبْتُ أدْخُلُ فَألْقى الحِجابَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.» والثّانِي: «أنَّ ناسًا مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَتَحَيَّنُونَ طَعامَ النَّبِيِّ فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِ قَبْلَ الطَّعامِ إلى أنْ يُدْرِكَ، ثُمَّ يَأْكُلُونَ ولا يَخْرُجُونَ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَأذّى بِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ!
إنَّ نِساءَكَ يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ البَرُّ والفاجِرُ، فَلَوْ أمَرْتَهُنَّ أنْ يَحْتَجِبْنَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ،» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ، وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، كِلاهُما عَنْ عُمَرَ.
والرّابِعُ: «أنَّ عُمَرَ أمَرَ نِساءَ رَسُولِ اللَّهِ بِالحِجابِ، فَقالَتْ زَيْنَبُ: يا ابْنَ الخَطّابِ، إنَّكَ لَتَغارُ عَلَيْنا والوَحْيُ يَنْزِلُ في بُيُوتِنا؟!
فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والخامِسُ: «أنْ عُمَرَ كانَ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ : احْجِبْ نِساءَكَ، فَلا يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ لَيْلَةً، فَقالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْناكِ يا سَوْدَةُ- حِرْصًا عَلى أنْ يَنْزِلَ الحِجابُ- فَنَزَلَ الحِجابُ،» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنْ عائِشَةَ.
والسّادِس: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ كانَ يُطْعِمُ مَعَهُ بَعْضَ أصْحابِهِ، فَأصابَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنهم يَدَ عائِشَةَ، وكانَتْ مَعَهُمْ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ،» قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ ﴾ أيْ: أنْ تُدْعَوْا إلَيْهِ ﴿ غَيْرَ ناظِرِينَ ﴾ أيْ: مُنْتَظَرِينَ ﴿ إناهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنْ " نَصْبٌ؛ والمَعْنى: إلّا بِأنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ، أوْ لِأنْ يُؤْذَنَ، و " غَيْرَ " مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ؛ والمَعْنى: إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم غَيْرَ مُنْتَظَرِينَ.
و " إناهُ ": نُضْجُهُ وبُلُوغُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْتَشِرُوا ﴾ أيْ: فاخْرُجُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ﴾ المَعْنى: ولا تَدْخُلُوا مُسْتَأْنِسِينَ، أيْ: طالِبِي الأُنْسِ لِحَدِيثٍ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَجْلِسُونَ بَعْدَ الأكْلِ فَيَتَحَدَّثُونَ طَوِيلًا، وكانَ ذَلِكَ يُؤْذِيه، ويَسْتَحْيِي أنْ يَقُولَ لَهُمْ: قُومُوا، فَعَلَّمَهُمُ اللَّهُ الأدَبَ، فَذَلِكَ قَوْله: ﴿ واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ ﴾ أيْ: لا يَتْرُكُ أنْ يُبَيِّنُ لَكم ما هو الحَقُّ ﴿ وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا ﴾ أيْ: شَيْئًا يُسْتَمْتَعُ بِهِ ويُنْتَفَعُ بِهِ مِن آلَةِ المَنزِلِ ﴿ فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ ذَلِكم أطْهَرُ ﴾ أيْ: سُؤالُكم إيّاهُنَّ المَتاعَ مِن وراءِ حِجابٍ أطْهَرُ ﴿ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ ﴾ مِنَ الرِّيبَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﴾ أيْ: ما كانَ لَكم أذاهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و " كانَ " مِن حُرُوفِ الزَّوائِدِ.
والمَعْنى: ما لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﴿ وَلا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا ﴾ .
رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ قالَ: لَوْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ عائِشَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ما أنْزَلَ.
وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ذَلِكُمْ ﴾ يَعْنِي نِكاحَ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ﴾ أيْ: ذَنْبًا عَظِيمَ العُقُوبَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَبِيِّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِنَ وراءِ حِجابٍ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِنَ بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ قِصَّتَيْنِ: إحْداهُما الأدَبُ في أمْرِ الطَعامِ والجُلُوسِ، والثانِيَةُ في أمْرِ الحِجابِ.
فَأمًّا الأُولى فالجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ سَبَبَها «أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا تَزَوَّجَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ أولَمَ عَلَيْها، فَدَعا الناسَ، فَلَمّا طُعِمُوا قَعَدَ نَفَرٌ في طائِفَةٍ مِنَ البَيْتِ، فَثَقُلَ عَلى رَسُولِ اللهِ مَكانُهُمْ، فَخَرَجَ لِيَخْرُجُوا بِخُرُوجِهِ، ومَرَّ عَلى حُجَرِ نِسائِهِ، ثُمَّ عادَ فَوَجَدَهم في مَكانِهِمْ وزَيْنَبُ في البَيْتِ مَعَهُمْ، فَلَمّا دَخَلَ ورَآهُمُ انْصَرَفَ، فَخَرَجُوا عِنْدَ ذَلِكَ، قالَ أنَسُ: فَأُعْلِمُ أو أعْلَمْتُهُ بِانْصِرافِهِمْ فَجاءَ، فَلَمّا وصَلَ الحُجْرَةَ أرْخى السِتْرَ بَيْنِي وبَيْنَهُ ودَخَلَ، ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.» وقالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ - في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: إنَّ هَذا السَبَبَ جَرى في بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، والأوَّلُ أشْهَرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَتَحَيَّنُونَ طَعامَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِ قَبْلَ الطَعامِ إلى أنْ يُدْرِكَ، ثُمَّ يَأْكُلُونَ ولا يَخْرُجُونَ، وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي حَكِيمٍ: هَذا أدَبٌ أدَّبَ اللهُ تَعالى بِهِ الثُقَلاءَ، وقالَ ابْنُ أبِي عائِشَةَ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: بِحَسْبِكَ مِنَ الثُقَلاءِ أنَّ الشَرْعَ لَمْ يَحْتَمِلْهم.
وأمّا آيَةُ الحِجابِ فَقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ وجَماعَةٌ: سَبَبُها أمْرُ القُعُودِ في بَيْتِ زَيْنَبَ، القِصَّةُ المَذْكُورَةُ آنِفًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ في بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها وجَماعَةٌ: سَبَبُ الحِجابِ «كَلامُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأنَّهُ كَلَّمَ رَسُولِ اللهِ مِرارًا في أنْ يَحْجُبَ نِساءَهُ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ لا يَفْعَلُ، وكانَ عُمَرُ يُتابِعُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ لَيْلًا لِحاجَتِها - وكانَتِ امْرَأةً تَفْرُعُ النِساءَ طُولًا - فَناداها عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: قَدْ عَرِفْناكِ يا سَوْدَةَ - حِرْصًا عَلى الحِجابِ - وقالَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: عَجِبْنا لَكَ يا ابْنَ الخَطّابِ، تَغارُ عَلَيْنا والوَحْيُ يَنْزِلُ في بُيُوتِنا؟
فَما زالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُتابِعُ حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ.» وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ: مِنها الحِجابُ، ومَقامُ إبْراهِيمَ، و ﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ .
الحَدِيثُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَتْ سِيرَةُ القَوْمِ إذا كانَ لَهم طَعامُ ولِيمَةٍ أو نَحْوَهُ أنْ يُبَكِّرَ مَن شاءَ إلى دارِ الدَعْوَةِ، يَنْتَظِرُ طَبْخَ الطَعامِ ونُضْجَهُ في حَدِيثٍ وأُنْسٍ، وكَذَلِكَ إذا انْتَهَوْا مِنهُ جَلَسُوا كَذَلِكَ، فَنَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عن أمْثالِ ذَلِكَ في بَيْتِ النَبِيِّ ، ودَخَلَ في النَهْيِ سائِرُ المُؤْمِنِينَ، والتَزَمَ الناسُ أدَبَ اللهِ تَعالى لَهم في ذَلِكَ، فَمَنَعَهم مِنَ الدُخُولِ إلّا بِإذْنٍ عِنْدَ الأكْلِ، لا قَبْلَهُ لِانْتِظارِ نُضْجِ الطَعامِ.
و"ناظِرِينَ" مَعْناهُ: مُنْتَظَرِينَ، و"إناهُ" مَصْدَرُ أنى الشَيْءُ يَأْنِي إذا فَرَغَ وحانَ إنّى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَمَخَّضَتِ المَنُونُ لَهُ بِيَوْمٍ ∗∗∗ أنى ولِكُلِّ حامِلَةٍ تَمامُ وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ النُونِ مِن "إنّاهُ"، وأمالَها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ.
ثُمَّ أكَّدَ المَنعَ وحَصَرَ وقْتَ الدُخُولِ بِأنْ يَكُونَ عِنْدَ الإذْنِ، ثُمَّ أمَرَ بَعْدَ الطَعامِ بِأنْ يَفْتَرِقَ جَمْعُهم ويَنْتَشِرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ غَيْرَ ناظِرِينَ ﴾ ، و"غَيْرٌ" مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ مِنَ الكافِ والمِيمِ في "لَكم أيْ: غَيْرَ ناظِرِينَ ولا مُسْتَأْنِسِينَ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "غَيْرِ" بِكَسْرِ الراءِ، وجَوازُهُ عَلى تَقْدِيرِ: غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ أنْتُمْ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: "إناهُ" عَلى جَمْعِ "إنّى" بِمَدَّةٍ بَعْدِ النُونِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَيَسْتَحْيِي" بِإظْهارِ الياءِ المَكْسُورَةِ قَبْلَ الساكِنَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَيَسْتَحِي" بِسُكُونِ الياءِ دُونَ ياءٍ مَكْسُورَةٍ قَبْلَها.
وقَوْلُهُ: ﴿ واللهُ لا يَسْتَحْيِي ﴾ مَعْناهُ: لا يَقَعُ مِنهُ تَرْكُ قَوْلِ الحَقِّ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَقَعُ مِنَ البَشَرِ لِعِلَّةِ الِاسْتِحْياءِ نَفى عَنِ اللهِ تَعالى العِلَّةَ المُوجِبَةَ لِذَلِكَ في البَشَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا ﴾ الآيَةُ هي آيَةُ الحِجابِ، و"المَتاعُ" عامٌّ في جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يُطْلَبَ عَلى عُرْفِ السُكْنى والمُجاوَرَةِ مِنَ المَواعِينِ وسائِرِ المَرافِقِ لِلدِّينِ والدُنْيا.
﴿ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ ﴾ يُرِيدُ مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي تُعْرَضُ لِلنِّساءِ في أمْرِ الرِجالِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ «أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ قالَ: "لَوْ ماتَ رَسُولُ اللهِ - - لَتَزَوَّجَتْ عائِشَةُ "، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ، فَتَأذّى بِهِ،» هَكَذا كَنّى عنهُ ابْنُ عَبّاسٍ بِـ"بَعْضِ الصَحابَةِ"، وحَكى مَكِّيُّ عن مَعْمَرٍ أنَّهُ قالَ: "هُوَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِلَّهِ دُرُّ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَلى طَلْحَةَ، اللهُ عاصِمُهُ مِنهُ، ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ حِينَ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ أُمَّ سَلَمَةَ بَعْدَ أبِي سَلَمَةَ، وحَفْصَةَ بَعْدَ خُنَيْسِ بْنِ حُذافَةَ.
"ما بالُ مُحَمَّدٍ يَتَزَوَّجُ نِساءَنا، واللهِ لَوْ قَدْ ماتَ لَأجَّلْنا السِهامَ عَلى نِسائِهِ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في هَذا،» وحَرَّمَ اللهُ نِكاحَ أزْواجِهِ بَعْدَهُ، وجَعَلَ لَهُنَّ حُكْمَ الأُمَّهاتِ، ولَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ وارْتَدَّتِ العَرَبُ ثُمَّ رَجَعَتْ تَزَوَّجُ عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ قَتِيلَةَ بِنْتَ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وكانَ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَزَوَّجَها ولَمْ يَبِنْ بِها، فَصَعُبَ ذَلِكَ عَلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَلِقَ لَهُ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَهْلًا، إنَّها لَيْسَتْ مِن نِسائِهِ، إنَّهُ لَمْ يُخَيِّرْها ولا أرْخى عَلَيْها حِجابًا، وقَدْ أبانَتْها مِنهُ رَدَّتُها مَعَ قَوْمِها، فَسَكَنَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَهَبَ عُمَرُ إلى ألّا يَشْهَدَ جِنازَةَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ إلّا ذُو مَحْرَمٍ مِنها مُراعاةً لِلْحِجابِ فَدَلَّتْهُ أسْماءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ عَلى سَتْرِها في النَعْشِ بِالقُبَّةِ، وأعْلَمَتْهُ أنَّها رَأتْ ذَلِكَ في بِلادِ الحَبَشَةِ فَصَنَعَهُ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ صُنِعَ في جِنازَةِ فاطِمَةَ بِنْتِ النَبِيِّ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبى إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ ناظرين إناه وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا وَلاَ مُسْتَئنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكَ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَّ فَيَسْتَحِى مِنكُمْ واللهُ لاَ يَسْتَحِى مِنَ الحَقِّ ﴾ .
لما بين الله في الآيات السابقة آداب النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه قفّاه في هذه الآية بآداب الأمة معهن، وصدره بالإِشارة إلى قصة هي سبب نزول هذه الآية.
وهي ما في «صحيح البخاري» وغيره عن أنس بن مالك قال: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ابنة جحش صنع طعاماً بخبز ولحم ودعا القوم فطعِموا ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه يتهيّأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام فلما قام قام مَن قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي ليدخل فإذا القوم جلوس، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخرج ثم يرجع فانطلق إلى حجرة عائشة...
فتقَرَّى حُجَرَ نسائه كلهن يسلّم عليهن ويسلمن عليه ويدعون له، ثم إنهم قاموا فانطلقتُ فجئت فأخبرتُ النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل فذهبتُ أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلو بيوت النبي ﴾ إلى قوله: ﴿ من وراء حجاب ﴾ .
وفي حديث آخر في الصحيح عن أنس أيضاً أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له: «يا رسول الله يدخل عليك البَّرُ والفاجر فلو أمرتَ أمهاتِ المؤمنين بالحجاب» فأنزل الله آية الحجاب.
وليس بين الخبرين تعارض لجواز أن يكون قول عمر كان قبل البناء بزينب بقليل ثم عقبته قصة وليمة زينب فنزلت الآية بإثرها.
وابتدئ شرع الحجاب بالنهي عن دخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلا لطعام دعاهم إليه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام له مجلس يجلس في المسجد فمن كان له مهمّ عنده يأتيه هنالك.
وليس ذكر الدعوة إلى طعام تقييداً لإباحة دخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخلها إلا المدعو إلى طعام ولكنه مثال للدعوة وتخصيص بالذكر كما جرى في القضية التي هي سبب النزول فيلحق به كل دعوة تكون من النبي صلى الله عليه وسلم وكل إذن منه بالدخول إلى بيته لغير قصد أن يطعم معه كما كان يقع ذلك كثيراً.
ومن ذلك قصة أبي هريرة حين استقرأ من عمر آية من القرآن وهو يطمع أن يَدعوه عمر إلى الغدَاء ففتح عليه الآية ودخل فإذا رسول الله قائم على رأس أبي هريرة وقد عرف ما به فانطلق به إلى بيته وأمر له بعُسّ من لبن ثم ثاننٍ ثم ثالث، وإنما ذكر الطعام إدماجاً لتبيين آدابه، ولذلك ابتدئ بقوله: ﴿ غير ناظرين إناه ﴾ مع أنه لم يقع مثله في قصة سبب النزول.
وقرأ الجمهور ﴿ بيوت ﴾ بكسر الباء.
وقرأه أبو عمرو وورش عن نافع وحفص عن عاصم وأبو جعفر بضم الباء، وقد تقدم في سورة النساء وغيرها.
و ﴿ إناه ﴾ بكسر الهمزة وبالقصر: إما مصدر أَنَى الشيءُ إذا حان، يقال: أنى يأنِي، قال تعالى: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ [الحديد: 16].
ومقلوبه: آن.
وهو بمعناه.
والمعنى: غير منتظرين حضور الطعام، أي غير سابقين إلى البيوت وقبْل تهيئته.
والاستثناء في ﴿ إلا أن يؤذن لكم ﴾ استثناء من عموم الأحوال التي يقتضيها الدخول المنهي عنه، أي إلا حال أن يؤذن لكم.
وضُمِّن ﴿ يؤذن ﴾ معنى تُدعون فعدي ب فالكلام متضمن شرطين هما: الدعوة، والإِذن، فإن الدعوة قد تتقدم على الإذن وقد يقترنان كما في حديث أنس بن مالك.
وغير ناظرين } حال من ضمير ﴿ لكم ﴾ فهو قيد في متعلق المستثنى فيكون قيداً في قيدٍ فصارت القيود المشروطة ثلاثة.
و ﴿ ناظرين ﴾ اسم فاعل من نظَر بمعنى انتظر، كقوله تعالى: ﴿ فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ﴾ [يونس: 102] الآية.
ومعنى ذلك: لا تحضروا البيوت للطعام قبل تهيئة الطعام للتناول فتقعدوا تنتظرون نُضجه.
وعن ابن عباس نزلت في ناس من المؤمنين كانوا يتحينون طعام النبي فيدخلون قبل أن يُدرك الطعام فيقعدون إلى أن يُدرك ثم يأكلون ولا يخرجون ا ه.
وقد يقتضي أن ذلك تكرر قبل قضية النَفر الذين حضروا وليمة البناء بزينب فتكون تلك القضية خاتمة القضايا، فكُني بالانتظار عن مبادرة الحضور قبل إبان الأكل.
ونكتة هذه الكناية تشويه السبق بالحضور بجعله نهماً وجشعاً وإن كانوا قد يحضرون لغير ذلك، وبهذا تعلم أن ليس النهي متوجهاً إلى صريح الانتظار.
وموقع الاستدراك لرفع توهم أن التأخر عن إبان الطعام أفضل فأرشد الناس إلى أن تأخر الحضور عن إبان الطعام لا ينبغي بل التأخر ليس من الأدب لأنه يجعل صاحب الطعام في انتظار، وكذلك البقاء بعد انقضاء الطعام فإنه تجاوز لحد الدعوة لأن الدعوة لحضور شيء تقتضي مفارقة المكان عند انتهائه لأن تقيد الدعوة بالغرض المخصوص يتضمن تحديدها بانتهاء ما دُعي لأجله، وكذلك الشأن في كل دخول لغرض من مشاورة أو محادثة أو سمَر أو نحو ذلك، وكل ذلك يتحدد بالعرف وما لا يَثقل على صاحب المحل، فإن كان محل لا يختص به أحد كدار الشورى والنادي فلا تحديد فيه.
و ﴿ طعمتم ﴾ معناه أكلتم، يقال: طعم فلان فهو طاعم، إذا أكل.
والانتشار: افتعال من النشر، وهو إبداء ما كان مطوياً، أطلق على الخروج مجازاً وتقدم في قوله: ﴿ وجعل النهار نُشوراً ﴾ في سورة الفرقان (47).
والواو في ولا مستأنسين } عطف على ﴿ ناظرين ﴾ وما بينهما من الاستدراك وما تفرع عليه اعتراض بين المتعاطفين.
وزيادة حرف النفي قبل ﴿ مستأنسين ﴾ لتأكيد النفي كما هو الغالب في العطف على المنفي وفي تصدير المنفي نحو قوله: ﴿ فلا وربك يؤمنون ﴾ الآية [النساء: 65] وقوله: ﴿ لا يسخر قوم من قوم ﴾ [الحجرات: 11] ثم قوله: ﴿ ولا نساء من نساء ﴾ [الحجرات: 11].
والاستئناس: طلب الأنس مع الغير.
واللام في ﴿ لحديث ﴾ للعلة، أي ولا مستأنسين لأجل حديث يجري بينكم.
والحديث: الخبر عن أمر حدث، فهو في الأصل صفة حُذف موصوفها ثم غلبت على معنى الموصوف فصار بمعنى الإِخبار عن أمر حدث، وتُوسّع فيه فصار الإِخبار عن شيء ولو كان أمراً قد مضى.
ومنه سمي ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً كما يسمى خبراً، ثم توسع فيه فصار يطلق على كل كلام يجري بين الجلساء في جد أو فكاهة، ومنه قولهم: حديثُ خرافة، وقول كثير: أخذنا باكتراث الأحاديث تبييناً ***....
البيت واستئناس الحديث: تسمُّعه والعناية بالإِصغاء إليه، قال النابغة: كأن رحلي وقد زال النهار بنا *** يوم الجليل على مُستأنس وَحَدِ أي كأني راكب ثوراً وحشياً منفرداً تسمَّع صوت الصائد فأسرع الهروب.
وإضافة ﴿ بيوت النبي ﴾ على معنى لام الملك لأن تلك البيوت ملك له ملكها بالعطية من الذين كانت ساحة المسجد ملكاً لهم من الأنصار، وبالفيء لقبور المشركين التي كانت ثمة، فإن المدينة فتحت بكلمة الإِسلام فأصبحت داراً للمسلمين.
ومصير تلك البيوت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مصير تركته كلها فإنه لا يورث وما تركه ينتفع منه أزواجه وآله بكفايتهم حياتهم ثم يرجع ذلك للمسلمين كما قضى به عمر بين علي والعباس فيما كان للنبيء صلى الله عليه وسلم من فَدَك ونخللِ بني النضير، فكان لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم حق السكنى في بيوتهن بعده حتى توفّاهن الله من عند آخرتهن، فلذلك أدخلها الخلفاء في المسجد حين توسعته في زمن الوليد بن عبد الملك وأمير المدينة يومئذٍ عمر بن عبد العزيز.
ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة ولم يُعطَ ورثتُهن شيئاً ولا سألوه.
وإضافتها إلى ضميرهن في قوله: ﴿ ما يتلى في بيوتكن ﴾ [الأحزاب: 34] على معنى لام الاختصاص لا لام الملك.
قال حماد بن زيد وإسماعيل بن أبي حكيم: هذه الآية أدبٌ أدَّبَ اللَّهُ به الثقلاء، وقال ابنُ أبي عائشة: حسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم.
ومعنى الثقل فيه هو إدخال أحَدٍ القلقَ والغمّ على غيره من جراء عمل لفائدة العامل أو لعدم الشعور بما يلحق غيره من الحرج من جراء ذلك العمل.
وهو من مساوئ الخلق لأنه إن كان عن عمد كان ضراً بالناس وهو منهي عنه لأنه من الأذى وهو ذريعة للتباغض عند نفاد صبر المضرور، فإن النفوس متفاوتة في مقدار تحمل الأذى، ولأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه فعليه إذا أحس بأن قوله أو فعله يُخدل الغم على غيره أن يكف عن ذلك ولو كان يجتني منه منفعة لنفسه إذ لا يُضر بأحد لينتفع غيره إلا أن يكون لمن يأتي بالعمل حق على الآخر فإن له طلبه مع أنه مأمور بحسن التقاضي، وإن كان إدخاله الغم على غيره عن غباوة وقلة تفطن له فإنه مذموم في ذاته وهو يصل إلى حدّ يكون الشعور به بديهياً.
وللحكماء والشعراء أقوال كثيرة في الثقلاء طفحت بها كتب أدب الأخلاق.
ومعاملة الناس النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخلق أشد بعداً عن الأدب لأن للنبيء صلى الله عليه وسلم أوقاتاً لا تخلو ساعة منها عن الاشتغال بصلاح الأمة ويجب أن لا يَشغل أحد أوقاتَه إلا بإذنه، ولذلك قال تعالى: ﴿ إلا أن يؤذن لكم ﴾ .
والأمر في قوله: ﴿ فادخلوا ﴾ للندب لأن إجابة الدعوة إلى الوليمة سنة، وتقييد النهي بقوله: ﴿ غير ناظرين إناه ﴾ للتنزيه لأن الحضور قبل تهيّؤ الطعام غير مقتضى للدعوة ولا يتضمنه الإِذن فهو تطفل.
والأمر في قوله: ﴿ فانتشروا ﴾ للوجوب لأن دخول المنزل بغير إذن حرام، وإنما جاز بمقتضى الدعوة للأكل فهو إذن مقيد المعنى بالغرض المأذوننِ لأجله فإذا انقضى السبب المبيح للدخول عاد تحريم الدخول إلى أصله؛ إلا أنه نظري قد يُغفل عنه لأن أصله مأذون فيه والمأذون فيه شرعاً لا يتقيّد بالسلامة إلا إذا تجاوز الحد المعروف تجاوزاً بيناً.
وعطف ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ راجع إلى هذا الأمر بقوله: ﴿ فانتشروا ﴾ فلذلك ذكر عقبه فإن استدامة المكث في معنى الدخول، فذكر بإثره وحصل تفنن في الكلام.
وفي هذه الآية دليل على أن طعام الوليمة وطعام الضيافة ملك للمتضيف وليس ملكاً للمدعوين ولا للأضياف لأنهم إنما أذن لهم في الأكل منه خاصة ولم يملكوه فلذلك لا يجوز لأحد رفع شيء من ذلك الطعام معه.
وجملة ﴿ إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم ﴾ استئناف ابتدائي للتحذير ودفع الاغترار بسكوت النبي صلى الله عليه وسلم أن يحسبوه رضي بما فعلوا.
فمناط التحذير قوله: ﴿ ذلكم كان يؤذي النبي ﴾ فإن أذى النبي صلى الله عليه وسلم مقرر في نفوسهم أنه عمل مذموم لأن النبي عليه الصلاة والسلام أعز خلق في نفوس المؤمنين وذلك يقتضي التحرز مما يؤذيه أدنى أذى.
ومناط دفع الاغترار قوله: ﴿ فيستحيي منكم ﴾ فإن السكوت قد يظنه الناس رضى وإذناً وربما تطرق إلى أذهان بعضهم أن جلوسهم لو كان محظوراً لما سكت عليه النبي صلى الله عليه وسلم فأرشدهم الله إلى أن السكوت الناشئ عن سبببٍ هو سكوت لا دلالة له على الرضى وأنه إنما سكت حياء من مباشرتهم بالإخراج فهو استحياء خاص من عمل خاص.
وإنما كان ذلك مؤذياً النبي صلى الله عليه وسلم لأن فيه ما يحول بينه وبين التفرغ لشؤون النبوءة من تلقي الوحي أو العبادة أو تدبير أمر الأمة أو التأخر عن الجلوس في مجلسه لنفع المسلمين ولشؤون ذاته وبيته وأهله.
واقتران الخبر بحرف ﴿ إنّ ﴾ للاهتمام به.
ولك أن تجعله من تنزيل غير المُتردد منزلة المتردد لأن حال النفَر الذين أطالوا الجلوس والحديث في بيت النبي عليه الصلاة والسلام وعدم شعورهم بكراهيته ذلك منهم حين دخل البيت فلما وجدهم خرج، فغفلوا عما في خروج النبي صلى الله عليه وسلم من البيت من إشارة إلى كراهيتِهِ بقاءَهم، تلك حالة من يظن ذلك مأذوناً فيه فخوطبوا بهذا الخطاب تشديداً في التحذير واستفاقة من التغرير.
وإقحام فعل ﴿ كان ﴾ لإِفادة تحقيق الخبر.
وصيغ ﴿ يؤذي ﴾ بصيغة المضارع دون اسم الفاعل لقصد إفادة أذى متكرر، والتكرير كناية عن الشدة.
والأذى: ما يكدر مفعوله ويسيء من قول أو فعل.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ في آل عمران (111)، وهو مراتب متفاوتة في أنواعه.
والتفريع في قوله: ﴿ فيستحيي منكم ﴾ تفريع على مقدر دلت عليه القصة.
والتقدير: فيهمّ بإخراجكم فيستحيي منكم إذ ليس الاستحياء مفرعاً على الإِيذاء ولا هو من لوازمه.
ودخول ﴿ مِن ﴾ المتعلقة ب ﴿ يستحيي ﴾ على ضمير المخاطبين على تقدير مضاف، أي يستحيي من إعلامكم بأنه يؤذيه.
وتعدية المشتقات من مادة الحياء إلى الذوات شائع يساوي الحقيقة لأن الاستحياء يختلف باختلاف الذوات، فقولك: أردت أن أفعل كذا فاستحيت من فلان، يجوز أن تكون الحقيقة هي التعليق بذات فلان وأن تكون هي التعليق بالأحوال الملابسة له التي هي سبب الاستحياء لأجل ملابستها له.
ولك أن تقول: استحييت من أن أفعل كذا بمرأى من فلان.
وعلى التقدير الأول تكون ﴿ مِن ﴾ للتعليل، وعلى التقدير الثاني تكون ﴿ مِن ﴾ للابتداء.
وظاهر كلام «الكشاف» يقتضي أن: استحييت من فلان مجاز أو توسع، وأن: استحييت من فعل كذا لأجل فلان هو الحقيقة.
وظاهر كلام صاحب «الكشاف» عكس ذلك والأمر هيّن.
وصيغ فعل ﴿ يستحيي ﴾ بصيغة المضارع لأنه مفرع على ﴿ يؤذي النبي ﴾ ليدل على ما دل عليه المفرع هو عليه.
وفي هذه الآية دليل على أن سكوت النبي صلى الله عليه وسلم على الفعل الواقع بحضرته إذا كان تعدياً على حق لذاته لا يدل سكوته فيه على جواز الفعل لأن له أن يسامح في حقه، ولكن يؤخذ الحظر أو الإِباحة في مثله من أدلة أخرى مثل قوله تعالى هنا: ﴿ إن ذلكم كان يؤذي النبي ﴾ ولذلك جزم علماؤنا بأن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم بالصراحة أو الالتزام يعزر على ذلك بحسب مرتبة الأذى والقصدِ إليه بعد توقيفه على الخفي منه وعدم التوبة مما تقبل في مثله التوبة منه.
ولم يجعلوا في إعراض النبي عليه الصلاة والسلام عن مؤاخذة من آذاه في حياته دليلاً على مشروعية تسامح الأمة في ذلك لأنه كان له أن يعفو عن حقه لقوله تعالى: ﴿ فاعف عنهم ﴾ [المائدة: 13] وقوله: ﴿ ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴾ [آل عمران: 159].
فهذا ملاك الجمع بين الإِيذاء والاستحياءِ والحقّ في هذه الآية، فقد تولى الله تعالى الذبّ عن حق رسوله وكفاه مؤونة المضض الداعي إليه حياؤه.
وقد حقق هذا المعنى وما يحف به القاضي أبو الفضل عياض في تضاعيف القسم الرابع من كتابه «الشفاء».
فإن قلت: ورد في الحديث عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من البيت ليقومَ الثلاثةُ الذين قعَدُوا يتحدثون، فلماذا لم يأمرهم بالخروج بدلاً من خروجه هو.
قلت: لأن خروجه غيرُ صريح في كراهية جلوسهم لأنه يحتمل أن يكون لغرض آخر، ويحتمل أن يكون لقصد انفضاض المجلس فكان من واجب الألمعية أن يخطر ببالهم أحد الاحتمالين فيتحفزوا للخروج فليس خروجه عنهم بمناف لوصف حيائه صلى الله عليه وسلم وجملة ﴿ والله لا يستحيي من الحق ﴾ معطوفة على جملة ﴿ فيستحيي منكم ﴾ والمعنى: أن ذلك سوء أدب مع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا كان يستحيي منكم فلا يباشركم بالإِنكار ترجيحاً منه للعفو عن حقه على المؤاخذة به فإن الله لا يستحيي من الحق لأن أسباب الحياء بين الخلق منتفية عن الخالق سبحانه: ﴿ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ﴾ [الأحزاب: 4].
وصيغت الجملة المعطوفة على بناء الجملة الاسمية مخالِفةً للمعطوفة هي عليها فلم يقل: ولا يستحيي الله من الحق، للدلالة على أن هذا الوصف ثابت دائم لله تعالى لأن الحق من صفاته، فانتفاء ما يمنع تبليغه هو أيضاً من صفاته لأن كل صفة يجب اتصاف الله بها فإن ضدها يستحيل عليه تعالى.
والتعريف في ﴿ الحق ﴾ تعريف الجنس المراد منه الاستغراق مثل التعريف في ﴿ الحمد لله ﴾ [الفاتحة: 2].
والمعنى: والله لا يستحيي من جميع أفراد جنس الحق.
و ﴿ الحق ﴾ : ضد الباطل.
فمنه حق الله وحق الإِسلام، وحق الأمة جمعاء في مصالحها وإقامة آدابها، وحق كل فرد من أفراد الأمة فيما هو من منافعه ودفع الضر عنه.
ويشتمل حقَ النبي صلى الله عليه وسلم في بيته وأوقاته، وبهذا العموم في الحق صارت الجملة بمنزلة التذييل.
و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ من الحق ﴾ ليست مثل ﴿ من ﴾ التي في قوله: ﴿ فيستحيي منكم ﴾ لأن وقد أفاد قوله: والله لا يستحيي من الحق} أن من واجبات دِين الله على الأمة أن لا يستحيي أحد من الحق الإِسلامي في إقامته، وفي معرفته إذا حل به ما يقتضي معرفته، وفي إبلاغه وهو تعليمه، وفي الأخذ به، إلا فيما يرجع إلى الحقوق الخاصة التي يرغب أصحابها في إسقاطها أو التسامح فيها مما لا يغمص حقاً راجعاً إلى غيره لأن الناس مأمورون بالتخلق بصفات الله تعالى اللائقة بأمثالهم بقدر الإِمكان.
وهذا المعنى فهمته أمُّ سُليم وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على فهمها، فقد جاء في الحديث الصحيح: " عن أم سَلَمة قالت: جاءت أم سُليم إلى النبي فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟
فقال رسول الله: نعم إذا رأت الماء ".
فهي لم تستح في السؤال عن الحق المتعلق بها، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يستححِ في إخبارها بذلك.
ولعلها لم تجد من يسأل لها أو لم تر لزاماً أن تستنيب عنها من يسأل لها عن حكم يخص ذاتها.
وقد رأى علي بن أبي طالب الجمع بين طلب الحق وبين الاستحياء، ففي «الموطأ» عن المقداد بن الأسود أن علي بن أبي طالب أمره أن يسأل له رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟
قال علي: فإن عندي ابنة رسول الله وأنا أستحيي أن أسأله» الحديث.
على أن بين قضية أم سُليم وقضية علي تفاوتاً من جهات في مقتضى الاستحياء لا تخفى على المتبصر.
واعلمْ أن في ورود ﴿ يؤذي ﴾ هنا ما يبطل المثال الذي أورده ابن الأثير في كتاب «المثل السائر» شاهداً على أن الكلمة قد تروق السامعَ في كلام ثم تكون هي بعينها مكروهة للسامع.
وجاء بكلمة ﴿ يؤذي ﴾ في هذه الآية، ونظيرها (تؤذي) في قول المتنبي: تَلذ له المروءة وهي تُوذي *** وزعم أن وجودها في البيت يحط من قدر المعنى الشريف الذي تضمنه البيت وأحال في الجزم بذلك على الطبع السليم، ولا أحسب هذا الحكم إلا غضباً من ابن الأثير لا تُسوِّغه صناعة ولا يشهد به ذوق، ولقد صرف أيمة الأدب همهم إلى بحث شعر المتنبي ونقده فلم يَعُدَّ عليه أحد منهم هذا منتقَداً، مع اعتراف ابن الأثير بأن معنى البيت شريف فلم يبق له إلا أن يزعم أن كراهة هذا اللفظ فيه راجعة إلى أمر لفظي من الفصاحة، وليس في البيت شيء من الإِخلال بالفصاحة وكأنه أراد أن يقفي على قدم الشيخ عبد القاهر فيما ذكر في الفصل الذي جعله ثانياً من كتاب «دلائل الإعجاز» فإن ما انتقده الشيخ في ذلك الفصل من مواقع بعض الكلمات لا يخلو من رجوع نقده إياها إلى أصول الفصاحة أو أصول تناسب معاني الكلمات بعضها مع بعض في نظم الكلام، وشتان ما بين الصنيعين.
﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ متاعا فاسالوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذلكم أَطْهَرُ لقُلُوبِكُمْ وقُلُوبِهِنَّ ﴾ .
عطف على جملة ﴿ لا تدخلوا بيوت النبي ﴾ فهي زيادة بيان للنهي عن دخول البيوت النبوية وتحديد لمقدار الضرورة التي تدعو إلى دخولها أو الوقوف بأبوابها.
وهذه الآية هي شارعة حكم حجاب أمهات المؤمنين، وقد قيل: إنها نزلت في ذي القعدة سنة خمس.
وضمير ﴿ سألتموهن ﴾ عائد إلى الأزواج المفهوم من ذِكر البيوت في قوله: ﴿ بيوت النبي ﴾ فإن للبيوت ربَّاتهن وزوجُ الرجل هي ربة البيت، قال مرة بن مَحْكَان التميمي: يا ربةَ البيت قُومي غيرَ صاغرة *** ضمّي إليك رجال الحي والغُربا وقد كانوا لا يبني الرجل بيتاً إلا إذا أراد التزوج.
وفي حديث ابن عمر: كنت عزباً أبيت في المسجد.
ومن أجل ذلك سَموا الزفاف بناء.
فلا جرم كانت المرأة والبيت متلازمين فدَلت البيوت على الأزواج بالالتزام.
ونظير هذا قوله تعالى: ﴿ وفرش مرفوعة إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكاراً عرباً أتراباً لأصحاب اليمين ﴾ [الواقعة: 34 38] فإن ذكر الفرش يستلزم أن للفراش امرأة، فلما ذكر البيوت هنا تبادر أن للبيوت رباتتٍ.
والمتاع: ما يحتاج إلى الانتفاع به مثل عارية الأواني ونحوها، ومثل سؤال العفاة ويلحق بذلك ما هو أولى بالحكم من سؤاللٍ عن الدِّين أو عن القرآن، وقد كانوا يسألون عائشة عن مسائل الدين.
والحجاب: السَّتْر المُرخَى على باب البيت.
وكانت الستور مرخاة على أبواب بيوت النبي صلى الله عليه وسلم الشارعة إلى المسجد.
وقد ورد ما يبين ذلك في حديث الوفاة حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم على الناس وهم في الصلاة فكشف الستر ثم أرخى الستر.
و ﴿ من وراء حجاب ﴾ متعلق ب ﴿ فاسألوهن ﴾ فهو قيد في السائل والمسؤول المتعلق ضميراهما بالفعل الذي تعلق به المجرور.
و ﴿ من ﴾ ابتدائية.
والوراء: مكان الخلف وهو مكان نسبي باعتبار المتجه إلى جهة، فوراء الحجاب بالنسبة للمتجهين إليه فالمسؤولة مستقبلة حجابها والسائل من وراء حجابها وبالعكس.
والإِشارة ب ﴿ ذلكم ﴾ إلى المذكور، أي السؤال المقيد بكونه من وراء حجاب.
واسم التفضيل في قوله: ﴿ أطهر ﴾ مستعمل للزيادة دون التفضيل.
والمعنى: ذلك أقوى طهارة لقلوبكم وقلوبهن فإن قلوب الفريقين طاهرة بالتقوى وتعظيم حرمات الله وحرمة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لما كانت التقوى لا تصل بهم إلى درجة العصمة أراد الله أن يزيدهم منها بما يكسب المؤمنين مراتب من الحفظ الإِلهي من الخواطر الشيطانية بقطع أضعف أسبابها وما يقرب أمهات المؤمنين من مرتبة العصمة الثابتة لزوجهن صلى الله عليه وسلم فإن الطيبات للطيبين بقطع الخواطر الشيطانية عنهن بقطع دابرها ولو بالفرض.
وأيضاً فإن للناس أوهاماً وظنوناً سُوأَى تتفاوت مراتب نفوس الناس فيها صرامة ووهناً، ونَفَاقاً وضعفاً، كما وقع في قضية الإِفك المتقدمة في سورة النور فكان شَرع حجاب أمهات المؤمنين قاطعاً لكل تقول وإرجاف بعمد أو بغير عمد.
ووراء هذه الحِكَم كلها حكمة أخرى سامية وهي زيادة تقرير معنى أمومتهن للمؤمنين في قلوب المؤمنين التي هي أُمومة جَعلية شرعية بحيث إن ذلك المعنى الجعلي الروحي وهو كونهن أمهات يرتد وينعكس إلى باطن النفس وتنقطع عنه الصور الذاتية وهي كونهن فلانة أو فلانة فيصبحْن غير متصوَّرات إلا بعنوان الأمومة فلا يزال ذلك المعنى الروحي ينمى في النفوس، ولا تزال الصور الحسية تتضاءل من القوة المدركة حتى يصبح معنى أمهات المؤمنين معنى قريباً في النفوس من حقائق المجردات كالملائكة، وهذه حكمة من حكم الحجاب الذي سنه الناس لملوكهم في القدم ليكون ذلك أدخل لطاعتهم في نفوس الرعية.
وبهذه الآية مع الآية التي تقدمتها من قوله: ﴿ يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ﴾ [الأحزاب: 32] تحقق معنى الحجاب لأمهات المؤمنين المركبُ من ملازمتهن بيوتهن وعدممِ ظهور شيء من ذواتهن حتى الوجه والكفين، وهو حجاب خاص بهن لا يجب على غيرهن، وكان المسلمون يقتدون بأمهات المؤمنين ورعاً وهم متفاوتون في ذلك على حسب العادات، ولما أنشد النميري عند الحجاج قوله: يُخمرن أطرافَ البنان من التقى *** ويَخرجن جَنح الليللِ مُعْتَجِرات قال الحجاج: وهكذا المرأة الحرة المسلمة.
ودل قوله: ﴿ لقلوبكم وقلوبهن ﴾ أن الأمر متوجه لرجال الأمة ولنساء النبي صلى الله عليه وسلم على السواء.
وقد أُلحق بأزواج النبي عليه السلام بنته فاطمة فلذلك لما خرجوا بجَنازتها جعلوا عليها قبة حتى دُفنت، وكذلك جعلت قبة على زينبَ بنت جَحش في خلافة عمر بن الخطاب.
﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله وَلاَ أَن تنكحوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيمًا ﴾ .
لما جيء في بيان النهي عن المكث في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يؤذيه أُتبع بالنهي عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم نهياً عاماً، فالخطاب في ﴿ لكم ﴾ للمؤمنين المفتتح بخطابهم آية: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ﴾ الآية.
والواو عاطفة جملة على جملة أو هي واو الاعتراض بين جملة ﴿ وإذا سألتموهن متاعاً ﴾ وجملة ﴿ لا جناح عليهن في آبائهن ﴾ [الأحزاب: 55].
ودلت جملة ﴿ ما كان لكم ﴾ على الحظر المؤكد لأن ﴿ ما كان لكم ﴾ نفيٌ للاستحقاق الذي دلت عليه اللام، وإقحام فعل ﴿ كان ﴾ لتأكيد انتفاء الإِذن.
وهذه الصيغة من صيغ شدة التحريم.
وتضمنت هذه الآية حكمين: أحدهما: تحريم أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والأذى: قول يقال له، أو فعل يُعامل به، من شأنه أن يغضبه أو يسوءه لذاته.
والأذى تقدم في أول هذه الآيات آنفاً.
والمعنى: أن أذى النبي عليه الصلاة والسلام محظور على المؤمنين.
وانظر الباب الثالث من القسم الثاني من كتاب «الشفاء» لعياض.
والحكم الثاني: تحريم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس بقوله تعالى: ﴿ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً ﴾ وهو تقرير لحكم أُمومة أزواجه للمؤمنين السالف في قوله: ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ [الأحزاب: 6].
وقد حُكيت أقوال في سبب نزول هذه الآية: منها أن رجلاً قال: لو مات محمد تزوجتُ عائشة، أي قاله بمسمع ممن نقلَه عنه فقيل: هذا الرجل من المنافقين وهذا هو المظنون بقائل ذلك.
وقيل: هو من المؤمنين، أي خطر له ذلك في نفسه، قاله القرطبي.
وذكروا رواية عن ابن عباس وعن مقاتل أنه طلحة بن عبيْد الله.
وقال ابن عباس: كانت هفوة منه وتاب وكفَّر بالحج ماشياً وبإِعتاق رقاب كثيرة وحمل في سبيل الله على عشرة أفراس أو أبعرة.
وقال ابن عطية: هذا عندي لا يصح على طلحة والله عاصمه من ذلك، أي إنْ حمل على ظاهر صدور القول منه فأما إن كان خطر له ذلك في نفسه فذلك خاطر شيطاني أراد تطهير قلبه فيه بالكفارات التي أعطاها إن صح ذلك.
وأقول: لا شك أنه من موضوعات الذين يطعنون في طلحة بن عبيد الله.
وهذه الأخبار واهية الأسانيد ودلائل الوضع واضحة فإن طلحة إن كان قال ذلك بلسانه لم يكن ليخفى على الناس فكيف يتفرد بروايته من انفرد.
وإن كان خطر ذلك في نفسه ولم يتكلم به فمن ذا الذي اطَّلع على ما في قلبه، وليس بمتعين أن يكون لنزول هذه الآية سبب.
فإن كان لها سبب فلا شك أنه قول بعض المنافقين لما يؤذن به قوله تعالى عَقب هذه الآيات ﴿ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ﴾ [الأحزاب: 60] الآية.
وإنما شرعت الآية أن حكم أمومة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين حكم دائم في حياة النبي عليه الصلاة والسلام أو من بعده ولذلك اقتصر هنا على التصريح بأنه حكم ثابت من بعد، لأن ثبوت ذلك في حياته قد عُلم من قوله: ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ [الأحزاب: 6].
وإضافة البعدية إلى ضمير ذات النبي عليه الصلاة والسلام تُعيِّن أن المراد بعد حياته كما هو الشائع في استعمال مثل هذه الإِضافة فليس المراد بعد عصمته من نحو الطَلاق لأن طلاق النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه غير محتمل شرعاً لقوله: ﴿ ولا أن تبدل بهن من أزواج ﴾ [الأحزاب: 52].
وأكد ظرف (بعدُ) بإدخال ﴿ أبداً ﴾ ليُعلم أن ذلك لا يتطرقه النسخ ثم زيد ذلك تأكيداً وتحذيراً بقوله: ﴿ إن ذلكم كان عند الله عظيماً ﴾ ، فهو استئناف مؤكد لمضمون جملة ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ .
والإِشارة إلى ما ذكر من إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وتزوج أزواجه، أي ذلكم المذكورُ.
والعظيم هنا في الإثم والجريمة بقرينة المقام.
وتقييد العظيم بكونه عند الله للتهويل والتخويف لأنه عظيم في الشناعة.
وعلة كون تزوج أحد المسلمين إحدى نساء النبي صلى الله عليه وسلم إثماً عظيماً عند الله، أن الله جعل نساء النبي عليه الصلاة والسلام أمهات للمؤمنين فاقتضى ذلك أن تزوج أحد المسلمين إحداهن له حكم تزوج المرء أمَّه، وذلك إثم عظيم.
واعلم أنه لم يتبين هل التحريم الذي في الآية يختص بالنساء اللاتي بنى بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو هو يعم كل امرأة عقد عليها مثل الكندية التي استعاذت منه فقال لها: الحقي بأهلك، فتزوجها الأشعث بن قيس في زمن عمر بن الخطاب.
ومثل قتيلة بنت قيس الكلبية التي زوّجها أخوها الأشعث بن قيس من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم حملها معه إلى حضرموت فتوفي رسول الله قبل قفولهما فتزوجها عكرمة بن أبي جهل وأن أبا بكر همّ بعقابه فقال له عمر: إن رسول الله لم يدخل بها.
والمرويات في هذا الباب ضعيفة.
والذي عندي أن البناء والعقد كانا يكونان مقترنيْن وأن ما يسبق البناء مما يسمونه تزويجاً فإنما هو مراكنة ووعد، ويدل لذلك ما في الصحيح أن رسول الله لما أحضرت إليه الكندية ودخل عليها رسول الله فقال لها: هبي لي نفسك (أي ليعلم أنها رضيت بما عقد لها وليها) فقالت: ما كان لملكة أن تهب نفسها لسوقة أعوذ بالله منك.
فقال لها: لقد استعذت بمعاذ.
فذلك ليس بطلاق ولكنه رجوع عن التزوج بها دال على أن العقد لم يقع وأن قول عمر لأبي بكر أو قول من قال لعمر: إن رسول الله لم يدخل بها هو كناية عن العقد.
وعن الشافعي تحريم تزوج من عقد عليها النبي صلى الله عليه وسلم ورجع إمام الحرمين والرافعي أن التحريم قاصر على التي دخل بها.
على أنه يظهر أن الإضافة في قوله: ﴿ أزواجه ﴾ بمعنى لام العهد، أي الأزواج اللائي جاءت في شأنهن هذه الآيات من قوله: ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ [الأحزاب: 52] فهن اللاءِ ثبت لهن حكم الأمهات.
وبعد فإن البحث في هذه المسألة مجرد تفقه لا يبنى عليه عمل.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَواهُ أبُو نَضْرَةَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ النَّبِيَّ مَرَّ بِنِساءٍ مِن نِسائِهِ وعِنْدَهُنَّ رِجالٌ يَتَحَدَّثُونَ، فَكَرِهَ ذَلِكَ وكانَ إذا كَرِهَ الشَّيْءَ عُرِفَ مِن وجْهِهِ، فَلَمّا كانَ العَشِيُّ خَرَجَ فَصَعِدَ المِنبَرَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ» .
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: غَيْرَ مُنْتَظَرِينَ نُضْجَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: غَيْرَ مُتَوَقِّعِينَ لِحِينِهِ ووَقْتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى حَظْرِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ.
﴿ فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ﴾ أيْ فاخْرُجُوا، فَدَلَّ عَلى أنَّ الدُّخُولَ لِلْأكْلِ يَمْنَعُ مِنَ المُقامِ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الأكْلِ.
﴿ وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ﴾ رَوى أبُو قِلابَةَ عَنْ أنَسٍ.
قالَ: لَمّا أُهْدِيَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ وضَعَ طَعامًا ودَعا قَوْمًا فَدَخَلُوا وزَيْنَبُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَجَعَلُوا يَتَحَدَّثُونَ وجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَخْرُجُ ثُمَّ يَرْجِعُ وهم قُعُودٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي النَّبِيَّ أنْ يُخْبِرَكم.
﴿ واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ ﴾ أنْ يَأْمُرَكم بِهِ.
﴿ وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: حاجَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: صُحُفَ القُرْآنِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: عارِيَةً، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَمَعانِيها مُتَقارِبَةٌ.
﴿ فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ أُمِرْنَ وسائِرُ النِّساءِ بِالحِجابِ عَنْ أبْصارِ الرِّجالِ وأُمِرَ الرِّجالُ بِغَضِّ أبْصارِهِمْ عَنِ النِّساءِ.
وَفِي سَبَبِ الحِجابِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُّها ما رَواهُ مُجاهِدٌ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «كُنْتُ آكُلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ حَيْسًا في قَعْبٍ، فَمَرَّ عُمَرُ فَدَعاهُ فَأكَلَ فَأصابَتْ إصْبَعُهُ إصْبَعِي فَقالَ عُمَرُ: لَوْ أُطاعُ فِيكُنَّ ما رَأتْكُنَّ عَيْنٌ، فَنَزَلَتْ آياتُ الحِجابِ» .
الثّانِي: ما رَواهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إلى المَباضِعِ وهي صَعِيدٌ أفْيَحُ يَتَبَرَّزْنَ فِيهِ، وكانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ : احْجُبْ نِساءَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي، وكانَتِ امْرَأةً طَوِيلَةً فَناداها بِصَوْتِهِ الأعْلى: قَدْ عَرَفْناكِ يا سَوْدَةُ، حِرْصًا أنْ يَنْزِلَ الحِجابُ قالَتْ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الحِجابَ.
» الثّالِثُ: ما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أمَرَ نِساءَ النَّبِيِّ بِالحِجابِ فَقالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: يا ابْنَ الخَطّابِ إنَّكَ لَتَغارُ عَلَيْنا والوَحْيُ يَنْزِلُ في بُيُوتِنا، فَأُنْزِلَتِ الآيَةُ: ﴿ وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ ﴿ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أطْهَرُ لَها مِنَ الرِّيبَةِ.
الثّانِي: أطْهَرُ لَها مِنَ الشَّهْوَةِ.
﴿ وَما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا ﴾ حَكى السُّدِّيُّ أنَّ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ قالَ عِنْدَ نُزُولِ الحِجابِ أيَحْجُبُنا رَسُولُ اللَّهِ عَنْ بَناتِ عَمِّنا ويَتَزَوَّجُ نِساءَنا، لَئِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ لَنَتَزَوَّجَنَّ نِساءَهُ مِن بَعْدِهِ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وَلِتَحْرِيمِهِ تَعَدِّيَهُنَّ لَزِمَتْ نَفَقاتُهُنَّ مِن بَيْتِ المالِ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في وُجُوبِ العِدَّةِ عَلَيْهِنَّ بِوَفاةِ رَسُولِ اللَّهِ عَنْهُنَّ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا تَجِبُ عَلَيْهِنَّ العِدَّةُ لِأنَّها مُدَّةُ تَرَبُّصٍ يُنْتَظَرُ بِها الإباحَةُ.
الثّانِي: تَجِبُ لِأنَّها عِبادَةٌ وإنْ لَمْ تَعْقُبْها إباحَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج البخاري وابن جرير وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن أنس رضي الله عنه قال: «لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي الله عنها دعا القوم، فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام، وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، فانطلقت فجئت، فاخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي...
﴾ » .
وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فأتى باب امرأة عرس بها، فإذا عندها قوم، فانطلق فقضى حاجته، فرجع وقد خرجوا، فدخل وقد أرخى بيني وبينه ستراً، فذكرته لأبي طلحة فقال: لئن كان كما تقول لينزلن في هذا شيء.
فنزلت آية الحجاب» .
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس رضي الله عنه قال: «كنت أدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن، فجئت يوماً لأدخل، فقال علي: مكانك يا بني إنه قد حدث بعدك أمر، لا تدخل علينا إلا بإذن» .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «دخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم، فأطال الجلوس، فقام النبي صلى الله عليه وسلم مراراً كي يتبعه ويقوم، فلم يفعل، فدخل عمر رضي الله عنه فرأى الرجل وعرف الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى الرجل المقعد فقال: لعلك آذيت النبي صلى الله عليه وسلم، ففطن الرجل فقام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد قمت مراراً كي يتبعني فلم يفعل، فقال عمر رضي الله عنه: لو اتخذت حجاباً، فإن نساءك لسن كسائر النساء، وهو أطهر لقلوبهن.
فأنزل الله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي...
﴾ .
فأرسل إلى عمر رضي الله عنه فأخبره بذلك» .
وأخرج النسائي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت آكل مع النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً في قعب، فمر عمر فدعاه فأكل، فاصابت أصبعه أصبعي فقال عمر: أوه لو أطاع فيكن ما رأتكن عين.
فنزلت آية الحجاب.
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال: نزل حجاب رسول الله في عمر.
أكل مع النبي طعاماً، فاصاب يده بعض أيدي نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بالحجاب.
أخرج ابن سعد وابن جرير وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: ما بقي أحد أعلم بالحجاب مني، ولقد سألني أبي بن كعب رضي الله عنه فقلت: نزل في زينب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي ﴾ إلى قوله: ﴿ غير ناظرين إناه ﴾ قال: غير متحينين طعامه ﴿ ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ﴾ قال: كان هذا في بيت أم سلمة رضي الله عنها أكلوا ثم أطالوا الحديث، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخرج ويدخل.
ويستحي منهم والله لا يستحي من الحق ﴿ وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ﴾ قال: بلغنا أنهم أمروا بالحجاب عند ذلك ﴿ لا جناح عليهن في آبائهن ﴾ قال: فرخص لهن أن لا يحتجبن من هؤلاء.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: كانوا يجيئون، فيدخلون بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فيجلسون، فيتحدثون ليدرك الطعام، فأنزل الله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ﴾ ليدرك الطعام ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ ولا تجلسوا فتحدثوا.
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ غير ناظرين إناه ﴾ قال: الانا: النضيج.
يعني إذا أدرك الطعام قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول الشاعر: ينعم ذاك الانا الغبيط كما ** ينعم غرب المحالة الجمل وأخرج ابن جرير عن مجاهد «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطعم ومعه بعض أصحابه، فاصابت يد رجل منهم يد عائشة رضي الله عنها، فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت آية الحجاب» .
وأخرج ابن جرير عن عائشة رضي الله عنها، أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا برزن إلى المناصع!
وهو صعيداً فيح.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أحجب نساءك، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة رضي الله عنها بنت زمعة ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر رضي الله عنه بصوته ألا قد عرفناك يا سودة حرصاً على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله تعالى الحجاب.
قال الله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي...
﴾ .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ غير ناظرين إناه ﴾ قال: غير متحينين نضجه ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ بعد أن تأكلوا.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ إناه ﴾ قال: نضجه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سليمان بن أرقم رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ قال: نزلت في الثقلاء.
وأخرج الخطيب عن أنس رضي الله عنه قال: كانوا إذا طعموا جلسوا عند النبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يجيء شيء، فنزلت ﴿ فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذا سألتموهن متاعاً ﴾ قال: أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عليهن الحجاب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذا سألتموهن متاعاً ﴾ قال: حاجة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: فضل الناس عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأربع: بذكره الاسارى يوم بدر أمر بقتلهم، فأنزل الله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق...
﴾ [ الأنفال: 68] .
وبذكره الحجاب أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم أن يحتجبن فقالت له زينب رضي الله عنها: وانك لتغار علينا يا ابن الخطاب والوحي ينزل في بيوتنا؟
فأنزل الله: ﴿ وإذا سألتموهن متاعاً ﴾ .
وبدعوة النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم أيد الإِسلام بعمر» وبرأيه في أبي بكر كان أول الناس بايعه.
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نهض إلى بيته بادروه، فأخذوا المجالس، فلا يعرف بذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ببسط يده إلى الطعام مستحياً منهم، فعوتبوا في ذلك، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي...
﴾ .
وأخرج ابن سعد عن أنس رضي الله عنه قال: نزل الحجاب مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها، وذلك سنة خمس من الهجرة، وحجب نساؤه من يومئذ وأنا ابن خمس عشرة.
وأخرج ابن سعد عن صالح بن كيسان قال: نزل حجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على نسائه في ذي القعدة، سنة خمس من الهجرة.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردوية عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله...
﴾ قال: نزلت في رجل هم أن يتزوّج بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم بعده قال سفيان: ذكروا أنها عائشة رضي الله عنها.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رجل: لئن مات محمد صلى الله عليه وسلم لأتزوجن عائشة.
فأنزل الله: ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله...
﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً يقول: إن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت فلانة من بعده، فكان ذلك يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل القرآن ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله...
﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: بلغنا أن طلحة بن عبيد الله قال: أيحجبنا محمد عن بنات عمنا، ويتزوج نساءنا من بعدنا، لئن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من بعده.
فنزلت هذه الآية.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: قال طلحة بن عبيد الله: لو قبض النبي صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة رضي الله عنها.
فنزلت ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله..
﴾ .
وأخرج ابن سعد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في قوله: ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله...
﴾ قال: نزلت في طلحة بن عبيد الله لأنه قال: إذا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة رضي الله عنها.
وأخرج البيهقي في السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لو قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة.
أو أم سلمة.
فأنزل الله: ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله..
﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رجلاً أتى بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فكلمها وهو ابن عمها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقومن هذا المقام بعد يومك هذا فقال: يا رسول الله إنها ابنة عمي، والله ما قلت لها منكراً، ولا قالت لي قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد عرفت ذلك أنه ليس أحد أغير من الله، وأنه ليس أحد أغير مني، فمضى ثم قال: يمنعني من كلام ابنة عمي لأَتَزَوَّجَنَّها من بعده.
فأنزل الله هذه الآية، فاعتق ذلك الرجل رقبة، وحمل على عشرة ابعرة في سبيل الله، وحج ماشياً في كلمته» .
وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت: «خطبني علي رضي الله عنه، فبلغ ذلك فاطمة رضي الله عنها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أسماء متزوجة علياً فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ما كان لها أن تؤذي الله ورسوله» .
وأخرج البيهقي في السنن عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال لامرأته: إن سرك أن تكوني زوجتي في الجنة، فلا تتزوجي بعدي، فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا، فلذلك حرم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكحن بعده، لأنهن أزواجه في الجنة.
وأخرج ابن سعد عن أبي امامة بن سهل بن حنيف في قوله: ﴿ إن تبدوا شيئاً أو تخفوه ﴾ قال: أن تتكلموا به فتقولون: نتزوج فلانة لبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، أو تخفوا ذلك في أنفسكم، فلا تنطقوا به يعلمه الله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: بلغنا أن العالية بنت ظبيان طلقها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم نساؤه على الناس، فنكحت ابن عم لها وولدت فيهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن تبدوا شيئاً ﴾ قال: مما يكرهه النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ أو تخفوه في أنفسكم فإن الله كان بكل شيء عليماً ﴾ يقول: فإن الله يعلمه.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ قال أنس بن مالك: أنا أعلم الناس بهذه الآية، إنه الحجاب، أصبح رسول الله - - عروسًا بزينب بنت جحش، ودعا القوم فأصابوا من الطعام، ثم خرجوا وبقي وهي منهم عند رسول الله - - فأطالوا المكث، وجعلوا يتحدثون، وجعل رسول الله - - يخرج ثم يرجع وهم قعود، فنزلت هذه الآية.
قال: فقام القوم وضرب الحجاب (١) ﴿ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ قال الزجاج: (موضع أن نصب المعنى إلا بأن يؤذن أو لا يؤذن لكم) (٢) ﴿ إِلَى طَعَامٍ ﴾ أي: إلا أن تدعوا إلى طعام، ومعنى ﴿ يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ : يدعوا، ويجوز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير، فتقدير لا تدخلوا بيوت النبي إلى طعام إلا أن يؤذن لكم.
وقوله: ﴿ غَيْرَ نَاظِرِينَ ﴾ قال أبو إسحاق: (غير منصوبة على الحال، المعنى: إلا أن يؤذن لكم غير منتظرين) (٣) ﴿ إِنَاهُ ﴾ أي: نضجه وإدراكه وبلوغه.
قال المفسرون (٤) (٥) (٦) ﴿ إِنَاهُ ﴾ أي: إدراكه، يقال أنى يأني إدراك أنا كما ترى (٧) تمخضت المنون له بيوم ...
أنى ولكل حاملة تمام (٨) قال الأزهري ومن هذا قوله: ﴿ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ ، وهو الذي قد بلغ غاية الحرارة.
وكذلك قوله: ﴿ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴾ وقوله: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ، وهو أن يأني (٩) ﴿ وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ﴾ قال مجاهد: أي بعد أن تأكلوا (١٠) قال مقاتل: كانوا يجلسون عند النبي - - قبل الطعام وبعد الطعام يتحدثون عنده طويلًا (١١) ﴿ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ ﴾ يعني: دخول بيته بغير إذن والقعود؛ لانتظار الطعام يؤدي النبي - - فيستحي منكم أن يخرجكم منها، ومعنى مستأنسين لحديث: مستأنسين له، والاستئناس هو التأنس، ويقال: إذا جاء الليل استأنس كل وحشي (١٢) قال أبو إسحاق: (كان النبي - - يحتمل إطالتهم كرمًا منه ويصبر على الأذى في ذلك، فعلم الله من يحضره الأدب فصار أدبًا لهم ولمن بعدهم) (١٣) قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ﴾ ، معناه: لا يستحيي أن يبين لكم ما هو الحق وذكرنا معنى استحياء الله -عز وجل- عند قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا ﴾ قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾ ، فنزل الأمر بالاستتار.
قال ابن عباس: وذلك (١٤) - كان عند رسول الله - - في ظلمة البيت فوافقت يده يد امرأة من أزواج رسول الله - - فقال والله لو أطاعني رسول الله لضرب عليكن الحجاب فأنزل الله هذه الآية (١٥) (١٦) قوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ أي: سؤالكم إياهن المتاع من وراء الحجاب ﴿ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ ومن الريبة ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﴾ قال أبو إسحاق: أي ما كان لكم أذاه في شيء من الأشياء (١٧) قال أبو عبيدة: العرب (١٨) فكيف إذا رأيت ديار قوم ...
وجيران لنا كانوا كرام (١٩) فجعلوا كان لغوًا (٢٠) - فشق ذلك عليه، فأنرل الله: ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ﴾ (٢١) - من العشرة الذين (٢٢) (٢٣) (٢٤) قال مقاتل بن سليمان: هو طلحة بن عبيد الله قال لما نزلت آية الحجاب: نهانا محمد أن ندخل على بنات عمنا -يعني: عائشة- وهما من بني تميم بن مرة ثم قال: والله لئن مات محمد وأنا حي لأتزوجن عائشة، فأنزل الله في طلحة ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﴾ إلى آخرها (٢٥) ﴿ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ﴾ أي: ذبنًا عظيمًا (٢٦) (١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿ لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ 4/ 1499 رقم (4513)، ومسلم في النكاح، باب: زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب 2/ 1048 رقم (1428) كلاهما عن أنس.
(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 234.
(٣) المصدر السابق.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 34، "تفسير الماوردي" 4/ 418، "تفسير زاد المسير" 6/ 414 - 415.
(٥) غير واضحة في جميع النسخ، والتصحيح من "تفسير مجاهد" ص 520.
(٦) انظر: "تفسير مجاهد" ص 520.
(٧) هكذا في النسخ!
والذي في"مجاز القرآن لأبي عبيدة" 2/ 140: أي: إدراكه وبلوغه، ويقال: أني لك أن تفعل يأني أنيًا، والاسم إني وأني: أبلغ أدرك.
(٨) البيت من الوافر، وهو للنابغة الذبياني في "ديوانه" ص 101 ضمن أبيات قالها حين عاد إلى النعمان فألفاه عليلا، "جمهرة أشعار العرب" 1/ 199.
والشاهد فيه قوله "حاملة" حيث جاء بهذا الوصف متصلاً بتاء التأنيث مع أنه خاص بالإناث لا يوسف به غيرهن، وذلك أنه جعل وصفًا جاريًا على الفعل.
(٩) "تهذيب اللغة" 15/ 553 (أنى).
(١٠) انظر: "تفسير مجاهد" ص 520.
(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 94 ب.
(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" 13/ 87 (أنس)، "اللسان" 6/ 15 (أنس).
(١٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 235.
(١٤) في (ب): وذلك أن الله تعالى عمر - -، وهو خطأ.
(١٥) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 419، "مجمع البيان" 8/ 576.
(١٦) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 39، ورواه البخاري في الصلاة 1/ 111، وفي التفسير سورة البقرة 6/ 34، وسورة الأحزاب 6/ 148، ورواه مسلم في فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر بن الخطاب 7/ 115.
(١٧) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 235.
(١٨) في (أ): (تدخل)، وهو خطأ.
(١٩) البيت من الوافر وهو للفرزدق في "ديوانه" 2/ 290، "خزانة الأدب" 9/ 217، 221، 222، "الكتاب" 2/ 153، "لسان العرب" 13/ 370 (كنن).
والشاهد فيه قوله: "وجيران لنا كانوا كرام" حيث فصل بين الموصوف وهو قوله "وجيران" والصفة وهي قوله "كرام" بـ"كانوا" الزائدة.
(٢٠) "مجاز القرآن" 2/ 140.
(٢١) لم أقف على هذا القول عن مقاتل بن حيان وقد ذكره أكثر المفسرين فقد ذكره الطبري 22/ 40 عن ابن زيد، ومقاتل في "تفسيره" 94 ب، والنحاس في "معاني القرآن" 5/ 373 عن قتادة، والطبرسي 8/ 574 عن أبي حمزة الثمالى.
(٢٢) ما بين المعقوفين كلام زإئد يظهر أنه وهم من النساخ إذ لا معنى له.
(٢٣) ما بين المعقوفين بياض في (ب).
(٢٤) انظر: "تفسير زاد المسير" 6/ 416، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 643، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه وذكره الطبري 22/ 40 عن ابن زيد.
(٢٥) انظر: "تفسير مقاتل" 94 ب، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 643، وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي ولعبد الرزاق عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ولابن سعد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
(٢٦) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 235.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ ﴾ سبب هذه الآية ما رواه أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما تزوج زينب بنت جحش، أوْلم عليها فدعا الناس، فلما طعموا قعد نفر في طائفة من البيت، فثقل ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج ليخرجوا بخروجه، ومر على حُجَر نسائه ثم عاد فوجدهم في مكانهم، فانصرف فخرجوا عن ذلك» ، وقال ابن عباس: نزلت في قوم كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه وسلم، فيدخلون عليه قبل الطعام فيقعدون إلى أن يطبخ، ثم يأكلون ولا يخرجون، فأمروا أن لا يدخلوا حتى يؤذن لهم، وأن ينصرفوا إذا أكلوا، قلت: والقول الأول أشهر، وقول ابن عباس أليق بما في الآية من النهي عن الدخول حتى يؤذن لهم، فعلى قول ابن عباس في النهي عن الدخول حتى يؤذن لهم، والقول الأول في النهي عن القعود بعد الأكل، فإن الآية تضمنت الحكمين ﴿ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ﴾ أي غير منتظرين لوقت الطعام، والإنا الوقت، وقيل: إنا الطعام نضجه وإدراكه، يقال أنى يأنى إناء ﴿ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا ﴾ أمر بالدخول بعد الدعوة، وفي ذلك تأكيد للنهي عن الدخول قبلها ﴿ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا ﴾ أي انصرفوا، قال بعضهم: هذا أدب أدّب الله به الثقلاء ﴿ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ﴾ معطوف على غير ناظرين، أو تقديره: ولا تدخلوا مستأنسين، ومعناه النهي عن أن يطلبوا الجلوس للأنس للأنس بحديث بعضهم مع بعض، أو يستأنسوا لحديث أهل البيت، واستئناسهم: تسمعهم وتجسسهم ﴿ إِنَّ ذلكم كَانَ يُؤْذِي النبي ﴾ يعني جلوسهم للحديث أو دخولهم بغير إذن ﴿ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ﴾ تقديره يستحي من إخراجكم، بدليل قوله: ﴿ والله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحق ﴾ : أي أن إخراجكم حق لا يتركه الله.
﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ﴾ المتاع الحاجة من الأثاث وغيره، وهذه الآية نزلت في احتاجب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وسببها ما رواه أنس من قعود القوم يوم الوليمة في بيت زينب، وقيل: «سببها أنّ عمر بن الخطاب أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحجب نساءه، فنزلت الآية موافقة لقول عمر» ، قال بعضهم لما نزلت في أمهات المؤمنين ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ﴾ كن لا يجوز للناس كلامهن إلا من وراء حجاب، ولا يجوز أن يراهن متنقبات ولا غير متنقبات، فخصصن بذلك دون سائر النساء ﴿ ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ يريد أنقى من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء والنساء في أمر الرجال ﴿ وَلاَ أَن تنكحوا أَزْوَاجَهُ ﴾ سببها أن بعض الناس قالوا: لو مات رسول الله صلى الله عليه وسلم لتزوّجت عائشة، فحرم الله على الناس تزوج نسائه بعده كرامة له صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ترجى ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وحفص وخلف والأعشى والمفضل وعباس ﴿ لا تحل ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو ويعقوب ﴿ إناه ﴾ بالأمالة وغيرها مثل ﴿ الحوايا ﴾ في "الأنعام" وافق الخزاز عن هبيرة ههنا بالإِمالة ﴿ ساداتنا ﴾ بالألف وبكسر التاء: ابن عامر وسهل ويعقوب وجبلة.
الباقون: على التوحيد ﴿ كبيراً ﴾ بالباء الموحدة: عاصم وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الآخرون: بالثاء المثلثة.
الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ النور ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج لاحتمال الجملة حالاً واستئنافاً ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ لا ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ تعتدّونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع الفاء ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والنصب على المدح مع أن طول الكلام يرجح جانب الوقف ﴿ يستنكحها ﴾ ق للعدول على تقدير جعلناها خالصة ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ حرج ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ إليك من تشاء ﴾ ط لأن ما بعده واو استئناف دخل على الشرط ﴿ عليك ﴾ ط ﴿ كلهن ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حلماً ﴾ ه ﴿ يمينك ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ اناه ﴾ لا للعطف مع الإستدراك ﴿ الحديث ﴾ ط ﴿ منكم ﴾ ط فصلاً بين وصف الخلق وحال الحق مع اتفاق الجملتين ﴿ من الحق ﴾ ط لإبتداء حكم آخر ﴿ حجاب ﴾ ط ﴿ وقلوبهن ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ايمانهنّ ﴾ لا والوقف أجوز لتكون الواو للاستئناف ﴿ واتقين الله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ النبيّ ﴾ ط ﴿ تسليما ﴾ ه ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ جلابيبهن ﴾ ط ﴿ يؤذين ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ ملعونين ﴾ يحتمل أن يكون حالاً أو منصوباً على الشتم ﴿ ملعونين ﴾ ه ج لأن الجملة الشرطية تصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ تقتيلاً ﴾ ه ﴿ قبل ﴾ ط ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ لا ﴿ أبداً ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ نصيراً ﴾ ه ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لا يجدون ﴾ أو بـ ﴿ يقولون ﴾ أو باذكر ﴿ الرسولا ﴾ ه ﴿ السبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ قالوا ﴾ ط ﴿ وجيها ﴾ ه ﴿ سديداً ﴾ ه لا ﴿ ذنوبكم ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ الإنسان ﴾ ط ﴿ جهولاً ﴾ ه لا ﴿ والمؤمنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه.
التفسير: اعلم أن مبنى هذه السورة على تأديب النبي ، وقد مر أنه بدأ بذكر ما ينبغي أن يكون عليه النبيّ مع الله وهو التقوى، وذكر ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله فأمر بعد ذلك عامة المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين: وبدأ بما يتعلق بجانب التعظيم لله وهو الذكر الكثير، وفيه لطيفة وهي أن النبيّ لكونه من المقربين لم يكن ناسياً فلم يؤمر بالذكر بل أمر بالتقوى والمحافظة عليها فإنها تكاد لا تتناهى.
والتسبيح بكرة وأصيلاً عبارة عن الدوام لأن مريد العموم قد يذكر الطرفين ويفهم منهما الوسط كقوله "ولو أن أوّلكم وآخركم" قال جار الله: خص التسبيح بالذكر من جملة الذكر لفضله على سائر الأذكار ففيه تنزيه عما لا يجوز عليه.
ولقائل أن يقول: هذا لا يطابق قوله "أفضل الذكر لا إله إلا الله" وجوّز أن يراد بالذكر الكثير الإقبال على العبادات كلها، ويراد بالتسبيح الصلاة، وبالوقتين العموم كما مر، أو صلاة الفجر والعشاءين، لأن أداءها أشق ومراعاتها أشد.
ثم حرض المؤمنين على ذكره بأنه أيضاً يذكرهم والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، فلعله أراد باللفظ المشترك كلا مفهوميه كما ذهب إليه الشافعي، أو في الكلام حذف أي وملائكته تصلي، أو المراد بصلاة الملائكة هي قولهم: اللهم صل على المؤمنين.
جعلوا لاستجابة دعوتهم كأنهم فعلوا الرحمة، أو المراد القدر المشترك وهو العناية بحال المرحوم والمستغفر له.
وأصل الصلاة التعطف وذلك أن المصلي يتعطف في ركوعه وسجوده فاستعير لمن يتعطف على غيره وحنوّاً وترؤفاً.
ثم بين غاية الصلاة وهي إخراج المكلف من ظلمات الضلال إلى نور الهدى.
وفي قوله ﴿ وكان بالمؤمنين رحيماً ﴾ بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن تلك الرحمة لا تخص السامعين وقت الوحي.
ومعنى ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ مذكور في أول "يونس" وفي "إبراهيم".
وأراد بيوم اللقاء يوم القيامة لأن الخلق مقبلون على الله بكليتهم بخلاف الدنيا.
والأجر الكريم هو ما يأتيه عفواً صفواً من غير شوب نغص، ثم إشار إلى ما ينبغي أن يكون النبي مع عامة الخلق فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ وهي حال مقدرة أي مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل، وفيه أن الله جعل النبي شاهداً على وجوده بل على وحدانيته لأن المدعي هو الذي يذكر شيئاً بخلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس فلا ينبغي أن يقال: إن النبي مدع لها.
بل يقال: إنه شاهد عليها كما قال "على مثل الشمس فاشهد" وإنه قد جازاه بشهادته لله شهادته على نبوته كما قال ﴿ والله يعلم إنك لرسوله ﴾ والحاصل أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط، وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا من الطاعة والمعصية والصلاح والفساد.
وإنما قال ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لأن الشهادة للمرء لا تفتقر إلى إذنه وكذلك الإنذار والتبشير إذا قال من يطع الملك أفلح ومن عصاه لم يربح.
أما إذا قال: تعالوا إلى سماطه واحضروا على خوانه احتاج إلى رضاه.
ويمكن أن يكون قوله ﴿ بإذنه ﴾ متعلقاً بمجموع الأحوال أي بتسهيله أو تيسيره.
ووصف النبي بالسراج بأن ظلمات الضلال تنجلي به كما ينجلي ظلام الليل بالسراج، وقد أمدّ الله بنور نبوته نور البصائر كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار.
وإنما لم يشبه بالشمس لأن الشمس لا يؤخذ منه شيء ويؤخذ من السراج سرج كثيرة وهم الصحابة والتابعون في المثال ولهذا قال "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وصفهم بالنجم لأن النجم لا يؤخذ منه شيء، والتابعي لا يأخذ من الصحابي في الحقيقة وإنما يأخذ من النبيّ.
ووصف السراج بالإنارة لأن السراج قد يكون فاتراً ومنه قولهم "ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظرها من يجيء".
ويجوز أن يكون سراجاً معطوفاً على الكاف ويراد به القرآن، ويجوز أن يكون المعنى وذا سراج أو تالياً سراجاً.
قوله ﴿ ودع أذاهم ﴾ أي خذ بظاهرهم وادفع عنهم الأسر والقتل وحسابهم على الله، وإضافة أذاهم يحتمل أن يكون إلى الفاعل وإلى المفعول.
ثم أمر المؤمنين بما يتعلق بجانب الشفقة على الخلق واكتفى بذكر الزوجات المطلقات قبل المسيس لأنه إذا لزم الإحسان إليهنّ بمجرد العقد وهو المراد بالنكاح ههنا، فبالوطء يكون أولى وقد مر حكمهنّ في سورة البقرة.
في قوله ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ وذلك لأجل تشطير الصداق.
وإنما أعاد ذكرهن ههنا لبيان عدم وجوب العدّة عليهن.
وتخصيص المؤمنات بالذكر دون الكتابيات إيذان بأنهن أولى بتخيرهن للنطفة.
وفي قوله ﴿ ثم طلقتموهن ﴾ تنبيه على أنه لا تفاوت في هذا الحكم بين قريبة العهد من النكاح وبين بعيدة العهد منه، فإذا لم تجب العدّة على البعيدة العهد فلأن لا تجب على القريبة العهد أولى.
وقد يستدل بكلمة "ثم" على أن تعليق الطلاق بالنكاح لا يصح لأن المعية تنافي التراخى.
وفي قوله ﴿ فما لكم عليهن ﴾ دليل على أن العدة حق واجب للرجال على النساء وإن كان لا يسقط بإسقاط لما فيها من حق الله أيضاً.
ومعنى ﴿ تعتدونها ﴾ تستوفون عددها تقول: عددت الدراهم فاعتدها نحو: كلته فاكتاله.
ثم عاد إلى تعليم النبي .
وفائدة قوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ وقوله ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ وقوله ﴿ اللاتي هاجرن معك ﴾ هي أن الله اختار لرسوله الأفضل الأولى، وذلك أن سوق المهر إليها عاجلاً أفضل من أن تمسيه وتؤجله.
وكان التعجيل ديدن السلف ومن الناس من قال: ان النبي كان يجب عليه إعطاء المهر لأن المرأة لها الامتناع إلى أن تأخذ مهرها، والنبي لم يكن يستوفي مالا يجب له كيف وإنه إذا طلب شيئاً حرم الامتناع على المطلوب منه.
والظاهر أن طالب الوطء ولا سيما في المرة الأولى يكون هو الرجل لحياء المرأة، ولو طلب النبيّ من المرأة التمكين قبل المهر لزم أن يجب وأن لا يجب، ولا كذلك أحدنا.
ومما يؤكد هذا قوله ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيّ ﴾ يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها.
والجارية إذا كانت سبية مالكها ومخطوبة سيفه ورمحه فإنها أحل وأطيب من المشتراة لكونها غير معلومة الحال.
قال جار الله: السبي على ضربين: سبي طيبة وهي ما سبي من أهل الحرب، وسبي خبيثة وهي ما سبي ممن له عهد، فلا جرم قال ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ لأن فيء الله لا يطلق إلا على الطيب دون الخبيث، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله من أقاربه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه.
وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتها مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن الاقتصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة وشرط في استحلال الواهبة نفسها إرادة استنكاح رسول الله كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها.
وفيه أنه لا بد من قبول الهبة حتى يتم النكاح، وبه استدل أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة، وحملها الشافعي على خصائص النبي .
وعن أبي الحسن الكرخي أن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز لقوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ قال أبو بكر الرازي: لا يصح لأن الإجارة عقد مؤقت وعقد النكاح مؤبد.
والظاهر أن ﴿ خالصة ﴾ حال من ﴿ امرأة ﴾ وقال جار الله: هي مصدر مؤكد كوعد الله أي خلص لك الإحلال خلوصاً.
وفائدة هذا الحال على مذهب الشافعي ظاهرة.
وقال أبو حنيفة: أراد بها أنها زوجته وهي من أمهات المؤمنين فأورد عليه أن أزواجه كلهن خالصات له فلا يبقى لتخصيص الواهبة فائدة.
وقوله ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم ﴾ جملة اعتراضية معناها أن الله قد علم ما يجب على المؤمنين في حق الأزواج وفي الإماء على أي حدّ وصفة ينبغي أن يكون.
ثم بين غاية الإحلال بقوله ﴿ لكيلا يكون عليك حرج ﴾ أي لئلا يكون عليك ضيق في دينك ولا في دنياك حيث أحللنا لك أصناف المنكوحات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للذي وقع في الحرج ﴿ رحيماً ﴾ بالتوسعة والتيسير على عباده.
ثم بيّن أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن من غير إيجاب قسم بينهنّ، لأنه بالنسبةإلى أمته كالسيد المطاع فزوجاته كالمملوكات فلا قسم لهن.
والإرجاء التأخير، والإيواء الضم وهما خبران في معنى الأمر.
﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت ﴾ يعني إذا طلبت من كنت تركتها ﴿ فلا جناح عليك ﴾ في شيء من ذلك وهذه قسمة جامعة للغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك، وإذا أمسك ضاجع أو ترك، وإذا ضاجع قسم أو لم يقسم، وإذا طلق أو عزل فإما أن يترك المعزولة أو يبتغيها.
يروى أنه أرجأ منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب.
وروي أنه كان يسوّي مع ما خير فيه إلاّ سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك.
وقيل: أراد تترك تزوّج من شئت من نساء أمتك وتتزوّج من شئت.
وعن الحسن: وكان النبي إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها.
ومن قال: إن القسم كان واجباً مع أنه ضعيف بالنسبة إلى مفهوم الآية قال: المراد تؤخرهن إن شئت إذ لا يجب القسم في الأول، وللزوج أن لا ينام عند أحد منهن ﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ﴾ في ذلك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى.
ثم قال ﴿ ذلك ﴾ التفويض إلى مشيئتك ﴿ أدنى ﴾ إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن وإلى رضاهّن جميعاً لأنه إذا لم يجب عليه القسم.
ثم إنه يقسم بينهن حملهن ذلك على تلطفه وتخلصه.
وفي قوله ﴿ والله يعلم ما في قلوبكم ﴾ وعيد لمن يرض منهن بما دبر الله له ﴿ وكان الله عليما ﴾ بذات الصدور ﴿ حليماً ﴾ مع ذلك لا يعاجل بالعقوبة فتحاً لباب التوبة.
وقوله ﴿ كلهن ﴾ بالرفع تأكيد لنون يرضين، وقرئ بالنصب تأكيداً لضمير المفعول في ﴿ آتيتهن ﴾ ثم إنه شكر لأزواج رسول الله اختيارهن لله ورسوله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ قال أكثر المفسرين: اي من بعد التسع المذكورة، فالتسع نصاب رسول الله من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته منهن.
وإنه زاد في إكرامهن بقوله ﴿ ولا أن تبدّل بهن ﴾ أي ولا يحل لك أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أخر بكلهن أو بعضهن، وأكد النفي بقوله ﴿ من أزواج ﴾ وفائدته استغراق جنس جماعات الأزواج بالتحريم.
وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهنّ، والمعنى لا يحل لك من النساء من بعد اللاواتي نص على إحلالهنّ من الأجناس الأربعة، وأما غيرهنّ من الكتابيات والإماء بالنكاح والأعرابيات والغرائب فلا يحل لك التزوّج بهن.
وقوله ﴿ ولا أن تبدل بهن ﴾ منع من فعل الجاهلية وهو قولهم "بادلني بامرأتك وابادلك بامرأتي" فكان ينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه.
يحكى أن عيينة بن حصن دخل على النبي وعنده عائشة من غير استئذان فقال رسول الله : يا عيينة أين الاستئذان؟
فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت.
ثم قال: من هذه الجميلة إلى جنبك؟
فقال: هذه عائشة أم المؤمنين.
قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق.
فقال : إن الله قد حرم ذلك.
فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟
قال: أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه.
وقوله ﴿ ولو أعجبك حسنهنّ ﴾ في موضع الحال أي مفروضاً إعجابك بهن.
قال جار الله: والأظهر أن جوابه محذوف يدل عليه ما قبله وهو ﴿ لا يحل ﴾ وفائدة هذه الشرطية التأكيد والمبالغة.
واستثنى ممن حرم عليه الإماء.
وفي قوله ﴿ وكان الله على كل شيء رقيباً ﴾ تحذير من مجاوزة حدوده.
واعلم أن ظاهر هذه الآية ناسخ لما كان قد ثبت له من تحريم مرغوبته على زوجها، وفيه حكمة خفية، وذلك أن الأنبياء يشتدّ عليهم برحاء الوحي في أوّل الأمر ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم فكان الحاجة إلى تفريغ بال النبي تكون في أوّل الأمر أكثر لو هي القوّة ولعدم إلفه بالوحي، فإذا تكاملت قوّته وحصل إلفه بتعاقب الوحي لم يبق له الالتفات إلى غير الله فلم يحتج إلى إحلال التزوّج بمن وقع بصره عليها.
وعن عائشة: ما مات رسول الله حتى أحل له النساء.
تعني أن الآية نسخت، ونسخها إمّا بالسنة عند من يجوِّز نسخ القرآن بخبر واحد، وأمّا بقوله ﴿ إنا أحلنا لك ﴾ وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف.
ثم عاد إلى إرشاد الأمة، وحالهم مع النبيّ إما حال الخلوة فالواجب هناك احترام أهله واشار إليه بقوله ﴿ لا تدخلوا ﴾ وإما حال الملأ فالواجب وقتئذ التعظيم بكل ما أمكن وذلك قوله ﴿ إن الله وملائكته ﴾ كانوا يتحينون طعام رسول الله فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فقيل: لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام إلا وقت الإذن أي مأذونين وإلا غير ناظرين إناه.
وإنى الطعام إدراكه، أنى الطعام إنى نحو قلاه قلى.
وقيل: أناه وقته فقد تلخص أن الإذن مشروط بكونه إلى طعام فلزم منه أن لا يجوز الدخول إذا لم يكن الإذن إلى طعام كالدخول بالإذن لاستماع كلام مثلاً، فأجيب بأن الخطاب مع قوم كانوا موصوفين بالتحين للطعام فمنعوا من الدخول في وقته من غير إذن.
وجوز بعضهم أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن والأوّل أولى.
ولا يشترط في الإذن التصريح به إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قيل ﴿ إلا أن يؤذن ﴾ على البناء للمفعول ليشمل إذن الله وإذن الرسول أو العقل المؤيد بالدليل.
وقوله ﴿ فانتشروا ﴾ للوجوب وليس كقوله ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ﴾ وذلك للدليل العقلي على أن بيوت الناس لا تصلح للمكث بعد الفراغ مما دعي لأجله، وللدليل النقلي وذلك قوله ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ وهو مجرور معطوف على ﴿ ناظرين ﴾ أو منصوب على الحال أي لا تدخلوها هاجمين ولا مستأنسين.
يروى أن رسول الله أولم على زينب بتمر وسويق وشاة وأمر أنساً أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجاً إلى أن قال: يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحد أدعوه.
فقال: ارفعوا طعامكم وتفرق الناس وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون فأطالوا فقام رسول الله ليخرجوا فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟
وطاف بالحجرات فسلم عليهن ودعون له ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون وكان رسول الله شديد الحياء وذلك قوله ﴿ إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم ﴾ أي من إخراجكم فلما رأوه متولياً خرجوا فرجع فنزلت الآية ناهية للثقلاء أي يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدّثه به أو يستأنسون حديث اهل البيت واستماعه.
ومعنى ﴿ لا يستحي ﴾ لا يمتنع ولا يترك كما مر في أول البقرة.
والضمير في ﴿ سألتموهن ﴾ لنساء النبيّ بقرينة الحال.
قال الراوي: إن عمر كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة وكان يقول: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت.
والمتاع الماعون وما يحتاج إليه.
وثاني مفعولي ﴿ فاسألوهن ﴾ محذوف وهو المتاع المدلول عليه بما قبله.
﴿ ذلكم ﴾ الذي ذكر من السؤال من وراء الحجاب ﴿ أطهر ﴾ لأجل قلوبكم لأن العين روزنة القلب ومنها تنشأ الفتنة غالباً.
وروي أن بعضهم قال: نهينا أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة عنى عائشة، فأعلم الله أن ذلك محرم بقوله ﴿ وما كان ﴾ اي وما صح ﴿ لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ بوجه من الوجوه ﴿ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم ﴾ الإيذاء والنكاح ﴿ كان عند الله ﴾ ذنباً ﴿ عظيماً ﴾ لأن حرمة الرسول ميتاً كحرمته حياً.
ثم بين بقوله ﴿ إن تبدوا شيئاً ﴾ الآية.
إنهم إن لم يؤذوه في الحال ولكن عزموا على إيذائه أو نكاح أزواجه بعده فالله عالم بكل شيء فيجازيهم بحسب ذلك.
ثم إنه لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله ﴿ لا جناح عليهن ﴾ أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء.
قال في التفسير الكبير عند الحجاب: لما أمر الله الرجل بالسؤال من رواء الحجاب فيفهم كون المرأة محجوبة عن الرجل بالطريق الأولى، وعند الاستثناء قال ﴿ لا جناح عليهن ﴾ فرفع الحجاب عنهن فالرجال أولى بذلك.
وقدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر فقد رأوهن في حالة الصغر، ثم الأبناء ثم الأخوة، وقدم بني الإخوة لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم إنما هم أزواج خالات أبنائهم فقد يصف الابن خالته عند أبيه ففي ذلك نوع مفسدة فأوجبت التأخر عن رتبة المحرمية، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين، أو لأنهما قد يصفيان لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم.
وقد يستدل بقوله ﴿ ولا نسائهن ﴾ مضافة إلى المؤمنات أنه لا يجوز التكشف للكافرات في وجه، وأخر المماليك لأن محرميتهم كالأمر الضروري وإلا فالمفسدة في التكشف لهم ظاهرة ولهذا عقبة بقوله ﴿ واتقين ﴾ فإن التكشف لهم مشروط بشرط سلامة العاقبة والأمن من الفتنة.
ومنهم من قال: المراد من كان منهم دون البلوغ.
قال جار الله: في نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ واتقين ﴾ فضل تشديد وبعث على سلوك طريقة التقوى فيما أمرن به من الاحتجاب كأنه قيل: وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأتقن غير محتجبات ليفضل سركن علنكن.
ثم أكد الكل بقوله ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ وفيه أنه لا يتفاوت في علمه ظاهر الحجاب وباطنه.
ثم كمل بيان حرمة النبي بأنه محترم في الملأ الأعلى فليكن واجب الاحترام في الملأ الأدنى، وقد مر معنى الصلاة في السورة.
وإنما قال هناك ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ﴾ وقال ههنا ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ ليلزم منه تعظيم النبي : وذلك لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب تفضيلاً للمذكور على المعطوف، فكأنه شرف الملائكة بضمهم مع نفسه بواسطة ضلاتهم على النبي .
واستدل الشافعي: بقوله ﴿ صلوا عليه وسلموا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب أن الصلاة في التشهد واجبة وكذا التسليم لأنه لا يجب بالاتفاق في غير الصلاة فيجب فيها.
وذكر المصدر للتأكيد ليكمل السلام عليه وهو قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
ولم يؤكد الصلاة هذا التأكيد لأنها كانت مؤكدة بقوله ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ وسئل النبي كيف نصلي عليك يا رسول الله؟
فقال: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وعنه "من صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشراً" ومن العلماء من أوجب الصلاة كلما جرى ذكره لما روي في الحديث "من ذكرت عنده فلم يصل عليّ فدخل النار فأبعده الله" ومنهم من أوجبها في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره.
ومنهم من أوجبها في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين.
والأحوط هو الأول وهو الصلاة عليه عند كل ذكر، وأما الصلاة على غيره فقد مر الخلاف فيها في سورة التوبة في قوله ﴿ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ﴾ ثم رتب الوعيد على إيذاء الله ورسوله فيجوز أن يكون ذكر الله توطئة وتشريفاً وإعلاماً بأن إيذاء رسول الله هو إيذاء الله كقوله ﴿ فاتبعوني يحببكم الله ﴾ ويجوز أن يراد بإيذاء الله الشرك به ونسبته إلى ما لا يجوز عليه.
وعن عكرمة: هو فعل أصحاب التصاوير الذين يرومون تكوين خلق كخلق الله.
وقيل: أذى رسول الله قولهم إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون.
وقيل: طعنهم عليه في نكاح صفية بنت حي، والأظهر التعميم.
وعن بعضهم أن اللعن في الدارين هو جزاء من يؤذي الله، وإعداد العذاب المهين هو جزاء من يؤذي رسول الله، ولعل الفرق لاغ.
ثم رتب وعيداً آخر على إيذاء المؤمنين والمؤمنات ولكن قيده بقوله ﴿ بغير ما اكتسبوا ﴾ لأنه إذا صدر عن أحدهم ذنب جاز إيذاؤه على الوجه المحدود في الشرع، ولعل المراد هو الإيذاء القولي لقوله ﴿ فقد احتملوا بهتاناً ﴾ ويحتمل أن يقال: احتمال البهتان سببه الإيذاء القولي، واحتمال الإثم المبين سببه الإيذاء الفعلي، ويحتمل أن يكون كلاهما وعيد الإيذاء القولي، وإنما وقع الاكتفاء به لأنه أجرح للقلب ولا مكان الاستدلال به على الفعلي، ولأن إيذاء الله لا يكون إلا بالقول إلا إذا جعل السجود لصنم "إيذاء.
قيل: نزلت في ناس من المنافقين كانوا يؤذون علياً .
وقيل: في إفك عائشة.
وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات.
ثم أراد أن يدفع عن أهل بيت نبيه وعن أمته المثالب التي هي مظان لصوق العار فقال ﴿ يا أيها النبي ﴾ الآية.
ومعنى ﴿ يدنين عليهن ﴾ يرخين عليهن.
يقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك.
ومعنى التبعيض في ﴿ من جلابيبهن ﴾ أن يكون للمرأة جلابيب فتقتصر على واحد منها، أو أريد طرف من الجلباب الذي لها.
وكانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات يبرزن في درع وخمار من غير فصل بين الحرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه ﴿ ذلك ﴾ الإدناء ﴿ أدنى ﴾ وأقرب إلى ﴿ أن يعرفن ﴾ أنهن حرائر أو أنهن لسن بزانيات فان التي سترت وجهها أولى بأن تستر عورتها ﴿ فلا يؤذين ﴾ لا هن ولا رجالهن أقاربهن لأن أكثر الإيذاء والطعن إنما يتفق من جهة نساء العشيرة إذا كن مرئيات فضلاً عن كونهن مزينات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ لما قد سلف ﴿ رحيماً ﴾ حين ارشدكم إلى هذا الأدب الجميل.
ولما أوعدهم بعذاب الآخرة خوّفهم بعقاب الدنيا قائلاً ﴿ لئن لم ينته المنافقون ﴾ عن الإيذاء ﴿ والذين في قلوبهم مرض ﴾ وهم الضعفة الإيمان أو الزناة وأهل الفجور ﴿ والمرجفون ﴾ في مدينة الرسول وهم الخائضون في أخبار السوء من غير حقيقة، سمي بذلك لكونه خبراً متزلزلاً غير ثابت من الرجفة وهي الزلزلة.
روي أن ناساً كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله يوقعون في الناس أنهم قتلوا أو هزموا وكانوا يقولون قد أتاكم العدوّ ونحو ذلك.
ومعنى ﴿ لنغرينك بهم ﴾ لنسلطنك عليهم وهو مجاز من قولهم: أغريت الجارحة بالصيد.
المراد لنأمرنك بأن تفعل ما يضطرهم إلى الجلاء ثم لا يساكنونك في المدينة إلا زمناً قليلاً ريثما يتأهبون فيرتحلون بأنفسهم وعيالهم.
ومعنى "ثم" تراخي الرتبة كأنه يفعل بهم أفاعيل تسوءهم إلى أن يبلغ حد الاضطرار فيزعجهم، ويجوز أن يكون ﴿ قليلاً ﴾ منصوب على الحال ايضاً ومعناه لا يجاورونك غلا أقلاء أذلاء ملعونين.
وفي قوله ﴿ لا يجاورونك ﴾ عطف على جواب القسم كأنه قيل: إن لم ينتهوا لا يجاورونك ﴿ سنة الله ﴾ أي سنة الله في الدين ينافقون في الأنبياء أن يقتلوا حيثما ثقفوا.
وقال مقاتل: أراد كما قتل وأسر أهل بدر ﴿ ولن تجد لسنة الله تبديلا ﴾ أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأحكام لا في الأفعال والأخبار.
ثم إن المشركين واليهود كانوا يسألون رسول الله عن وقت قيام الساعة استهزاء وامتحاناً فأمر نبيه أن يقول: إن ذلك العلم مما استأثر الله ولكنها قريبة الوقوع.
ومعنى ﴿ قريباً ﴾ شيئاً قريباً أو يوماً أو زماناً.
ثم أوعدهم بما أعدّ لهم من عذاب السعير.
ومعنى تقليب وجوههم تصريفها في الجهات كاللحم يدار على النار حين يشوى، أو تغييرها عن أحوالها، أو تحويلها عن هيآتها، أو نكسها على رؤوسها.
والوجه عبارة عن الجملة وخص بالذكر لأنه اشرف وأكرم، وإذا كان الأشرف معرضاً للعذاب فالأخس أولى.
ثم حكى أنهم يعترفون ويتمنون ولا ينفعهم شيء من ذلك ثم يطلبون بعض التشفي بالدعاء على من أضلهم.
قوله ﴿ ضعفين ﴾ اي ضعفاً لضلالهم وضعفاً لإضلالهم.
من قرأ ﴿ لعناً كبيراً ﴾ بالباء الموحدة فالمراد أشد اللعن وأفظعه، ومن قرأ بالثاء المثلثة أراد تكثير عدد اللعن وقد علموا أن العذاب حاصل فطلبوا ما ليس بحاصل وهو زيادة العذاب وكثرة اللعن أو عظمه.
قوله ﴿ لا تكونوا كالذين ءَاذَواْ موسى ﴾ قال المفسرون: نزلت في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قالة بعض الناس.
وإيذاء موسى هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذف موسى، أو حديث الأدرة أو البرص الذي قرفوه بذلك ففر الحجر بثوبه حتى رأوه عرياناً وقد مر في "البقرة".
وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك فحملته الملائكة ومروا به عليهم ميتاً حتى أبصروه فعرفوا أنه غير مقتول، أو أحياه الله عز وجل فأخبرهم ببراءة موسى ومعنى ﴿ مما قالوا ﴾ من مؤدى قولهم أو من مضمون مقولهم ﴿ وكان عند الله وجيها ﴾ ذا جاه ومنزلة فلذلك كان يذب ويدفع عنه المثالب والمطاعن كما يفعل الملك بمن له عنده قربة.
وروي عن شنبوذ وكان عبداً لله.
ثم أشار إلى ماينبغي أن يكون المؤمن عليه فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ والمعنى راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتقويم أمركم بسداد قولكم، فبتقوى الله يصلح العمل وبصلاح العمل تكفر السيئات وترفع الدرجات.
أمرهم أوّلاً بالتخلية وهي ترك الإيذاء وثانياً بالتحلية وهي التقوى الموجبة لتحصيل الأخلاق الفاضلة، ثم علق الفوز العظيم بالطاعة المسماة بالأمانة في قوله ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ فقيل: العرض حقيقة.
وقيل: أراد المقابلة أي قابلنا الأمانة بالسموات فرجحت الأمانة.
والعرض أسهل من الفرض ولهذا كفر إبليس بالإباء ولك يكفر هؤلاء بالإباء لأن هناك استكباراً وههنا استصغاراً بدليل قوله ﴿ وأشفقن منها ﴾ وقد يقال: المضاف محذوف أي عرضناها على أهل السموات والأرض والجبال وإنما صير إلى هذا التكلف لاستبعاد طلب الطاعة من الجمادات، ولم يستبعده أهل البيان لأن المراد تصوير عظم الأمانة وثقل حملها فمثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحالة المتحملة المفروضة لو عرضت على هذه الأجرام العظام.
واعلم أن التكليف هو الأمر بخلاف ما في الطبيعة، فهذا النوع من التكليف ليس في السموات والأرض والجبال لأن السماء لا يطلب منها الهبوط، والأرض لا يطلب منها الصعود ولا الحركة، والجبال لا يطلب منها السير، وكذا الملائكة ملهمون بالتسبيح والتقديس.
وسمي التكليف أمانة لأن من قصر فيه فعليه الغرامة ومن أداة فله الكرامة.
فعرض الأمانة بهذا المعنى على هذه الأجرام وإباؤها من حملها هو عدم صلوحها لهذا الأمر، أو المراد هو التصوير المذكور.
وقد خص بعضهم التكليف بقول "لا إله إلا الله".
والأظهر عندي أن الأمانة هي الاستعداد الذي جبل كل نوع من المخلوقات عليه، وحمل الأمانة عبارة عن عدم أداء حقها كما يقال: فلان ركب عليه الدين.
فكل من أخرج ما في قوته إلى الفعل فهو مؤدٍّ للأمانة وقاضٍ حقها وإلا فهو حامل لها.
ولا ريب أن السموات مسخرات بأمر الله كل يجري لأجل مسمى، والأرض ثابتة في مستقرها، والجبال راسخة في أمكنتها، وهكذا كل نوع من الأنواع مما يطول تعدادها وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ إلا الإنسان فإن كثيراً من الأشخاص بل أكثرهم مائلة إلى أسفل السافلين الطبع فلا جرم لم يقض حق الأمانة وانحط إلى رتبة الأنعام فوصف بالظلومية لأنه صرف الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وبالجهولية لأنه جهل خاصة عاقبة إفساد الاستعداد، أو علم ولم يعمل بعلمه فنفي عنه العلم لانتفاء ثمرته.
فاللام في ﴿ الإنسان ﴾ للجنس وحمل الشيء على بعض الجنس يكفي في صدقه على الجنس.
وفيه لطيفة أخرى مذكورة في تأويل آخر سورة البقرة.
وذكروا في سبب الإشفاق أن الأمانة لا تقبل إما لعزتها ونفاستها كالجواهر الثمينة، أو لصعوبة حفظها كالزجاج مثلاً، وكلا المحذورين موجود في التكليف.
وأيضاً كان الزمان نهب وغارة إذ العرض كان بعد خروج آدم من الجنة والشيطان وجنوده كانوا في قصد المكلفين والعاقل لا يقبل الوديعة في مثل ذلك الوقت.
وأيضاً قد لا يقبل الأمانة لعسر مراعاتها ولاحتياجها إلى تعهد ومؤنة كالحيوان المحتاج إلى العلف والسقي والتكليف كذلك فإنه يحتاج إلى تربية وتنمية بخلاف متاع يوضع في صندوق أو بيت، فهذه الأشياء علمن ما في التكليف من التبعات وجهلها الإنسان فقبله فكان جهولاً، وقد ظلم آدم نفسه بالمخالفة فكان ظلوماً وكذا أولاده الذين ظلموا أنفسهم بالعصيان وجهلوا ما عليهم من العقاب.
واعتذر بعضهم عن الإنسان أنه نظر إلى جانب من كلفه وقال المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها، وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها وقال ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ وقيل: إنه كان ظلوماً جهولاً في ظن الملائكة حيث قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ وقال الحكيم: المخلوقات على قسمين: مدرك وغير مدرك.
والمدرك منه من يدرك الجزئي فقط كالبهائم تدرك الشعير وتأكله ولا تتفكر في عواقب الأمور ولا تنظر في الدلائل، ومنه من يدرك الكلي دون الجزئي كالملك يدرك الكليات ولا يدرك لذة الجماع والأكل ولهذا ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا ﴾ فاعترفوا بعدم علمهم بتلك الجزئيات.
ومنه من يدرك الأمرين وهو الإنسان له لذات بأمور جزئية فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية كلذة الملائكة بعبادة الله ومعرفته.
فغير الإنسان إن كان مكلفاً كان بمعنى كونه مخاطباً لا بمعنى الأمر بما فيه كلفة ومشقة.
وفي قوله ﴿ وحملها الإنسان ﴾ دون أن يقول "وقبلها" إشارة إلى ما في التكليف من الثقل وإلى ما يستحقه عليه من الأجر لو حمله كما أمر وإلى حيث أمر وإلا غرم وجرم.(لطيفة).
الأمانة عرضت على آدم فقبلها وكان أميناً عليها، والقول قول الأمين فهو فائز.
وأما أولاده فأخذوا الأمانة منه والآخذ من الأمين ليس بمؤتمن بل ضامن ولهذا لا يكون وارث المودع مقبول القول فلم يكن له بد من تجديد عهد وإيمان حتى يصير أمينا عند الله ويصير القول قوله فيكون له ما كان لآدم من الفوز، ولهذا ذكر ما فيه عاقبة حمل الأمانة قائلاً ﴿ ليعذب ﴾ إلى قوله ﴿ ويتوب ﴾ إشارة إلى الفريقين.
ثم وصف نفسه بكونه غفوراً رحيماً بإزاء كون الإنسان ظلوماً جهولاً ولا يخفى ما في هذه الإشارة من البشارة.
التأويل: ﴿ اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ فمن أحب شيئاً أكثر ذكره.
وأهل المحبة هم الأحرار عن رق الكونين والحرّ يكفيه الإشارة ﴿ هو الذي يصلي ﴾ أي لولا صلاتي عليكم لما وفقتم لذكري كما أنه لولا سابقة محبتي لما هديتم إلى محبتي، فكان في الأزل بالمؤمنين رحيماً فلهذا أخرجهم في الأبد من ظلمة الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ لنا بنعت المحبوبية ﴿ ومبشراً ﴾ للطالبين برؤية جمالنا ﴿ ونذيراً ﴾ للبطالين عن كمال حسننا وحسن كمالنا ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لا بطبعك وهواك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ في أوقات عدم الدعوة، وذلك أن النظر إلى وجه النبي كافٍ لمن كان له قلب مستنير، فإذا انضمت الدعوة إلى ذلك كان في الهداية غاية.
﴿ وفضلاً كبيراً ﴾ هو القلب المستنير.
﴿ إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ لما اتصفت نفسه بصفات القلب وزال عنها الهوى اتصفت دنياه بصفات الآخرة فحل له في الدنيا ما يحل لغيره في الآخرة ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ صلاة تليق بتلك الحضرة المقدّسة مناسبة لحضرة النبوّة بحيث لا يفهم معناها غيرهما منها الرحمة، ومنها المغفرة الواردة، ومنها الشواهد، ومنها الكشوف، ومنها المشاهدة، ومنها الجذبة، ومنها القربة، ومنها الشرب، ومنها الري، ومنها السكون، ومنها التجلي، ومنها الفناء في الله، ومنها البقاء به، وهكذا لأمته بحسب مراتبهم كقوله ﴿ أولئك عليهم صلوات من ربهم ﴾ ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ هي قبول الفيض الإلهي بلا واسطة ولهذا سمي أمانة لأن الفيض من صفات الحق فلا يتملكه أحد.
وقد اختص الإنسان بإصابة رشاش النور الإلهي فكان عرض الفيض عاماً على قلب المخلوقات ولكن كان حمله خاصاً بالإنسان لأن نسبة الإنسان إلى سائر المخلوقات نسبة القلب إلى الشخص، فالروح يتعلق بالقلب ثم يصل فيضه بواسطة العروق والشرايين إلى سائر البدن فيتحرك به وهذا سر الخلافة ﴿ إنه كان ظلوماً ﴾ لأنه خلق ضعيفاً وحمل قوياً ﴿ جهولا ﴾ لأنه ظن أنه خلق للمطعم والمشرب والمنكح ولم يعلم أن هذه الصورة قشر وله لب وللبه لب وهو محبوب الله.
فبقوّة الظلومية والجهولية حمل الأمانة ثم بروحه المنوّر برشاش الله أدّى الأمانة فصارت الصفتان في حق حامل الأمانة ومؤدي حقها مدحاً، وفي حق الخائنين فيها ذمّاً.
ولما لم يكن لروح الملائكة ولغيرهم من المخلوقات راحلة تحملها بالعزة أبين منها وأشفقن.
فالمخاطبون إذن على ثلاث طبقات: طبقة يظهر فيها جمال صفة عدله وهم الملك والأجسام العلوية والسفلية سوى الثقلين لم يحملوا الأمانة وتركوا نفعها لضرها، وطبقة يظهر فيها جمال قهره وهم المشركون والمنافقون حملوها طمعاً في نفعها ثم لم يؤدّوا حقها بأن باعوها بالأعراض الفانية، والطبقة الثالثة المؤمنون وهم الذين حملوها طوعاً ورغبة وشوقاً ومحبة وأدّوا حقها بقدر وسعهم.
ولكن الحكم لكل جواد كبوة يقع قدم صدقهم في حجر بلاء وابتلاء فيتوب الله عليهم بجذبات العناية وهم مرآة جمال فضله ولطفه الله حسبي ونعم الوكيل وبالله التوفيق.
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ﴾ .
يحتمل النهي عن دخول بيوت النبي وجهين: أحدهما: لا تدخلوا بيوت النبي بغير إذن كما يدخل الرجل على - أمه - وإن كن هن كالأمهات لكم - بغير إذن؛ فيكون النهي عن الدخول في بيته نهياً عن الدخول بغير إذن؛ كقوله: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ ﴾ ضيفاً ﴿ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ ﴾ : إلا أن تدعوا إلى طعام؛ لأن رسول الله كان إذا هيئوا له شيئاً من الطعام دعا أصحابه؛ فيأكلونه، وكان لا يمسك ولا يدخر فضل الطعام لوقت آخر، فإذا نزل به ضيف، ولم يكن عنده ما يقدم إليه استحيا وشق عليه ذلك؛ فنهوا عن الدخول عليه والنزول به ضيفا؛ لما ذكرنا، وأمروا بالانتظار إلى أن يُدْعوا إلى الطعام؛ فعند ذلك يدخلون عليه ويضيفونه.
فإن كان الأوّل: ففيه الأمر بالحجاب والنهي عن الدخول بلا استئذان.
وإن كان الثاني: ففيه النهي عن النزول به ضيفا قبل أن يُدْعَوا؛ لما ذكرنا؛ ويكون الأمر بالحجاب في قوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ﴾ .
وقال بعضهم: ذكر هذا؛ لأن أناساً من المسلمين كانوا يتحينون طعام رسول الله وغداه، فإذا حضر ذلك دخلوا عليه بغير إذن؛ فجلسوا في بيته ينتظرون نضج الطعام وإدراكه؛ فنهوا عن ذلك، وكانوا إذا أكلوا وفرغوا منه، جلسوا في بيته، ويتحدثون، ويستأنسون؛ فنهوا عن ذلك، وأمروا بالانتشار والخروج من عنده وعند نسائه، ولم يكن يحتجبن قبل ذلك منهم؛ فشق ذلك على النبي، والله أعلم.
وجائز أن يكون الأمر بالانتشار والخروج من عنده؛ لما كان لرسول الله أمور وعبادات يحتاج إلى القيام بها: إما بينه وبين الله، أو بينه وبين غيرهم من الناس، فكانوا يشغلونه عن ذلك؛ فنهوا عن ذلك لذلك.
أو لما ذكر بعض أهل التأويل من الحاجة له في أزواجه والخلوة بهن وقت القيلولة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي ٱلنَّبِيَّ ﴾ .
الدخول عليه بغير إذن؛ أو الانتظار لنضج الطعام وإدراكه، أو الجلوس بعد فراغهم من الطعام والحديث، أو ما كان.
وقوله: ﴿ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ .
ورسول الله - أيضاً - كان لا يستحي من الحق، لكنه يستحيي أن يقول لهم: "اخرجوا من منزلي ولا تدخلوا عليّ"، ونحوه؛ لما يقبح ذلك من الخلق أن يقول الرجل لآخر: "لا تدخل منزلي" أو "اخرج من منزلي"؛ لما يرجع ذلك إلى دناءة الأخلاق والبخل، فلما أنزل الله - - الآية، وأمر أن يقول لهم ما ذكر قال لهم، وأخبرهم بذلك؛ فلم يستح عند ذلك؛ لما صار ذلك من حق الذين فرضا عليه لازما أن يعلمهم الآداب، ويخبر عما يلزمهم من حق الدين، وكان قبل ذلك في حق الملك وحق النفس، فلما أنزل الله الآية، وأمر بذلك صار من حق الدين؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: لا يدع ولا يترك أن يعلمهم الحق والأدب، وقد ذكرنا معناه في قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً...
﴾ الآية [البقرة: 26].
وقوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ .
جائز أن يكون المعنى الذي يكون أطهر لقلوب الرجال غير المعنى الذي يكون أطهر لقلوبهن: ذلك المعنى الذي يكون أطهر لقلوبهم: من الفجور والهم لقضاء الشهوة، وما تدعوه النفس إليه، ﴿ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ : من العداوة والضغينة، لا الفجور وقضاء الشهوة؛ وذلك أنهن قد عرفن أنهن لا يحللن لغيره نكاحاً؛ لما اخترنه والدار الآخرة على الدنيا وزينتها، وقد أوعدن بارتكاب الفاحشة العذاب ضعفين، على ما ذكر، وذلك يمنعهن ويزجرهن عن ارتكاب ذلك فإذا كان كذلك، فإذا عرفن من الداخلين عليهن والناظرين إليهن نظر الشهوة وقع في قلوبهن لهم العداوة والضغينة؛ فيقول: السؤال من وراء الحجاب أطهر لقلوبكم من الفجور والريبة وأطهر لقلوبهن من العداوة والضغينة، والله أعلم.
وجائز أن يكون ذلك واحداً، وهو الريبة والفجور؛ لما مكن فيهن من الشهوات، وركب فيهن من فضل الدواعي إلى ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: إن [نساء] الرسول لما احتجبن بعد نزول آية الحجاب، ونهوا عن الدخول عليهن والنظر إليهن - قال رجل: أننهى أن ندخل على بنات عمنا وبنات عماتنا وبنات خالنا وخالاتنا؟
أما - والله - لئن مات لأتزوجن فلانة - ذكر امرأة من نسائه - فنزل ﴿ وَمَا كَانَ ﴾ أي: لا يحل ﴿ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً ﴾ ، لكن هذا قبيح؛ لا يحتمل أن أحدا من الصحابة يقول ذلك، أو واحداً ممّن صفا إيمانه به وحسن إسلامه، أن يخطر بباله ذلك إلا أن يكون منافقاً.
ويحتمل: ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ ﴾ فيما تقدم ذكره، ﴿ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً ﴾ ابتداء نهي.
وجائز أن يكون: ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ ﴾ في نكاح أزواجه؛ فيكون أذاهم رسول الله في نكاح أزواجه من بعده، ولو كان لا يحل أزواجه للناس؛ لما يذكر بعض أهل التأويل: لأنهن أمهات - لم يحتج إلى النهي عن نكاحهن بعده؛ إذ لا أحد يقصد قصد نكاح الأم، ولكن كان يحل لهم ذلك، وكان المعنى في ذلك ما ذكرنا من التعظيم له والاحترام؛ حتى نهاهم عن نكاح أزواجه من بعده، وجعله في حرمة أزواجه على غيره بعد وفاته؛ كأنه حي، وكذلك جعل في حق ماله وملكه في منع الميراث لوارثه؛ كأنه حيّ لم يرث ماله وارثه، بل جعل باقياً أبداً على ملكه، وكذلك أزواجه، وكذلك جعل في حق الرسالة والنبوة؛ كأنه حيّ، لم تنسخ شريعته بعد وفاته بشريعة أخرى، كما نسخت شريعة الأنبياء الذين كانوا قبله إذا ماتوا بشريعة أخرى؛ بل جعله كأنه حيّ في إبقاء شريعته إلى يوم القيامة؛ فعلى ذلك جعل في أزواجه كأنه حيّ في حرمة أزواجه في الآخرة؛ وعلى ذلك يخرج تأويل قوله - عندنا -: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: هي لك خالصة لا تحل لأحد بعدك؛ فتكون زوجته في الجنة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً ﴾ .
يحتمل [كان] أذى رسول الله ونكاح أزواجه عند الله عظيما، أو عظيماً في العقوبة عند الله.
وقوله: ﴿ إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ ﴾ ، أي: تبدوا شيئاً للعباد، أو تخفوه عنهم.
﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ .
أي: ما أبديتم وما أخفيتم؛ ﴿ عَلِيماً ﴾ لا يخفى عليه شيء؛ يذكر هذا؛ ليكونوا أبداً على حذر وخوف، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيۤ آبَآئِهِنَّ ﴾ .
أي: لا حرج ولا مأثم على النساء في دخول من ذكر عليهن بلا إذن ولا حجاب من ﴿ آبَآئِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَآئِهِنَّ ﴾ .
ذكر هؤلاء، ولم يذكر الأعمام ولا الأخوال؛ فقال بعضهم: إنما لم يذكر هؤلاء، ولم يبح لهم في ذلك؛ لأنهن يحللن بالنكاح لأولاد الأعمام والأخوال، فإذا دخلوا عليهن، فرأوهن متجردات متزينات؛ فيصفوهن لأولادهم، وقد يصف الرجل لولده حسن المرأة وقبحها؛ فينزل وصفهم إياهن لأولادهم منزلة رؤيتهم بأنفسهم؛ فيزيد لهم رغبة فيهن أو رهبة عنهن، والله أعلم.
وقال بعضهم: إنما لم يذكر الأعمام والأخوال؛ لما في ذكر المذكور من بني الإخوة وبني الأخوات غنى عن ذكر الأعمام والأخوال؛ لأنهم جميعاً من جنس واحد ومن نوع واحد في معنى واحد، وقد يكتفى بذكر طرف من الجنس؛ إذا كان في معنى المذكور، نحو ما ذكر من أجناس المحرمات على الإبلاغ، وترك من كل جنس شيئاً لم يذكره؛ إذ الذي لم يذكره هو في معنى المذكور؛ ففي ذكر من ذكر غنى عن الذي لم يذكر؛ فعلى ذلك في ذكر بني الإخوة وبنى الأخوات غنى عن ذكر الأعمام والأخوال؛ إذ هم في معناهم، والله أعلم.
وجائز أن يكون لم يبح الدخول للأعمام والأخوال؛ لأنهم إذا دخلوا عليهن فرأوهن متجردات؛ فلعل بصرهم يقع على فروجهن؛ فينظر إليها بشهوة؛ فيحرمن على أولادهم، وهم إذا تزوجوهن لم يعلموا أنهن محرمات عليهم؛ فمنع دخول الأعمام والأخوال عليهن لذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ نِسَآئِهِنَّ ﴾ ، قال بعضهم: أي: نساء المسلمات، يقول: خص نساء المسلمات، وأباح لهن الدخول عليهن بلا إذن، وأن يرينهن متزينات، ولم يبح ذلك لليهوديات والنصرانيات وأمثالهن؛ مخافة أن يصفن ذلك لأهل دينهن؛ فيكون ذلك سبب افتتانهم بهن والرغبة فيهن، والله أعلم.
وقال بعضهم: نساؤهن: قراباتهن، خص هؤلاء من بين غيرهن من الأجنبيات، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرنا من خوف وصف الأجنبيات لأزواجهن والمتصلين بهن؛ من حسنهن وزينتهن إذا رأينهن متجردات متزينات، ولا يخاف ذلك من قراباتهن.
والثاني: خص القرابات؛ لما بهن ابتلاء، وليس بالأجنبيات ذلك، وقد يخفف الحكم ربما فيما فيه الابتلاء، ويغلظ فيما هو أخف منه ودونه؛ إذا لم يكن فيه ابتلاء؛ وعلى ذلك جائز أن يقال: إن الأعمام والأخوال لم يذكروا في الآية والرخصة؛ لأنه ليس بهم ابتلاء، وبمن ذكر ابتلاء، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ .
يحتمل الإماء خاصّة؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ \[المؤمنون: 5-6\]: لم يفهموا منه سوى الإماء؛ فعلى ذلك جائز أن يكون المفهوم في قوله: ﴿ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ﴾ الإماء، ويحتمل الإماء والعبيد جميعاً؛ فإن كان على الإماء والعبيد جميعاً، فذلك - والله أعلم - إنما أباح الدخول للعبيد على مولياتهم بلا إذن؛ لأنهم إنما يدخلون عليهن عند حاجاتهن إليهم في أوقات معلومة، وهن في تلك الأوقات يكنّ متأهبات لدخولهم عليهن محجبات عنهم؛ وعلى ذلك يخرج ما روى أن مكاتباً لعائشة أم المؤمنين - ا - كان يدخل عليها، فلما أدى فعتق منعته من الدخول عليها، وهو لما ذكرنا: أنه كان يدخل عليها لوقت حاجتها إليه، وهي كانت متأهبة لدخوله عليها، وإلا لا يحتمل أن يكون يدخل عليها ويراها متجردة أو متزينة؛ بعدما أمرن بالاحتجاب؛ فعلى ذلك العبيد لا يحل لهم النظر إلى مولياتهم ولا يكونون محرماً لهن.
أو إن احتمل الآية العبيد؛ فهم بالإذن يدخلون لا بغير إذن؛ فيكون الإذن مضمرا فيه.
ثم قال: ﴿ وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَ ﴾ .
فيما ذكر من إباحة دخول من لم يبح دخوله عليهن والنظر إليهن.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ﴾ ، هذا تحذير وتوعيد لهن، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرع لهم، لا تدخلوا بيوت النبي إلا بعد أن يأذن لكم بدخولها بدعوتكم إلى طعام، ولا تطيلوا الجلوس تنتظرون نضج الطعام، ولكن إذا دعيتم إلى طعام فادخلوا، فإذا أكلتم فانصرفوا، ولا تمكثوا بعده يستأنس بعضكم بحديث بعض، إن ذلك المكث كان يؤذي النبي فيستحيي أن يطلب منكم الانصراف، والله لا يستحيي أن يأمر بالحق، فأمركم بالانصراف عنه حتى لا تؤذوه بالمكث، وإذا طلبتم من زوجات النبي حاجة مثل آنية ونحوها فاطلبوا حاجتكم تلك من وراء ستر، ولا تطلبوها منهن مواجهة حتى لا تراهنّ أعينكم؛ صونًا لهنّ؛ لمكانة رسول الله ، ذلكم الطلب من وراء ستر أطهر لقلوبكم وأطهر لقلوبهنّ؛ حتى لا يتطرّق الشيطان إلى قلوبكم وقلوبهن بالوسوسة وتزيين المنكر، وما ينبغي لكم -أيها المؤمنون- أن تؤذوا رسول الله بالمكث للحديث، ولا أن تتزوجوا نساءه من بعد موته، فهنّ أمهات المؤمنين، ولا يجوز لأحد أن يتزوج أمه، إن ذلكم الإيذاء- ومن صورة نكاحكم نساءه من بعد موته، حرام ويعدُّ عند الله إثمًا عظيمًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.oENqK"
نزل قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ .
نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش وهي بنت عمته ، أميمة بنت عبد المطلب، وقد خطبها الرسول على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزلت آية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ إلخ، فلما نزلت الآية قالا رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها ستين درهمًا وخمارًا وملحفة ودرعًا وإزارًا وخمسين مدًا من طعام وثلاثين صاعًا من تمر (كذا يروى).
فنحن نرى من جهة أن زينب كانت بنت عمة النبي ، ربيت تحت نظره، وشملها من عنايته ما يشمل البنت من والدها لأوَّل الأمر، حتى أنه اختارها لمولاه زوجة مع إبائها وإباء أخيها، وعد إباءها هذا عصيانًا، ولا زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن فكأنه أرغمها على زواجه لما ألهمه الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك، ولو كان للجمال سلطان على قلبه لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه ونضرة حدته، وقد كان يراها، ولم يكن بينه وبينها حجاب، ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة، ولكنه لم يرغب لنفسه، ورغبها لمولاه، فكيف يمتد نظره إليها ويصيب قلبه سهم حبها بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية؟.
لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر أن تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب إلى أن تبلغ حد العشق -خصوصًا إذا كان عشيرة منذ صغره- بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض متى تعود بعضهم النظر إلى بعض من بداية السن إلى أن يبلغ حدًا منه يجول فيه نظرة الشهوة، فكيف نظن أو نتوهم أن النبي الذي يقول الله له ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ ﴾ يخالف مألوف العادة ثم يخالف أمر الله في ذلك؟
أم كيف يخطر بالبال أن من عصم الله قلبه عن كل دنيئة يغلب عليه سلطان شهوة في بنت عمته بعد أن زوجها بنفسه لعبد من عبيده؟
ومن وجهة أخرى نرى أن النبي -وهو الرؤوف الرحيم- لم يبال بإباء زينب ورغبتها عن زيد، وقد كان لا يخفى عليه أن نفور قلب المرأة من زوجها مما تسوء معه العشرة وتفسد به شؤون المعيشة، فما كان له وهو سيد المصلحين أن يرغم امرأة على الاقتران برجل وهي لا ترضاه مع ما في ذلك من الضرر الظاهر بكل من الزوجين، لا ريب أننا نجد من ذلك هاديًا إلى وجه الحق في فهم الآية التي نحن بصدد تفسيرها.
ذلك أن التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها كان أمرًا تدين به العرب، وتعده أصلًا يرجع إليه في الشرف والحسب، وكانوا يعطون الدعي جميع حقوق الابن ويجرون عليه وله جميع الأحكام التي يعتبرونها للابن حتى في الميراث وحرمة النسب، وهي عقيدة جاهلية رديئة أراد الله محوها بالإسلام حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح، ولا يجري من أحكامه إلا ما له أساس صحيح، لهذا أنزل الله ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ إلخ.
فهذا هو العدل الإلهي أن لا ينال حق الابن إلا من يكون ابنًا، أما المتبني واللصيق فلا يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين، فحرم الله على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن تبناه، وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئًا من حقوق الابن لا قليلًا ولا كثيرًا، وشدد الأمر حتى قال: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فهو يعفو عن اللفظة تصدر من غير قصد بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو ينادي شخص آخر بمثل ذلك، لا عن قصد التبني، ولكنه لا يعفو عن العمد من ذلك، الذي يقصد منه الالصاق بتلك اللحمة كما كان معروفًا من قبل.
مضت سنة الله في خلقه أن ما رسخ في النفس بحكم العادة لا يسهل عليها التفصي منه، ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق العادات، واعتقه من رق الشهوات، وجعل همته فوق المألوفات، فلا يطيبه إلا الحق ولا يحكم عليه إلْفٌ، ولا يغلبه عرف، ذلك هو النبي ومن يختصه الله بالتأسي به.
لهذا كان الأمر إذا نهى الله عن مكروه -كانت الجاهلية عليه- أو أحل شيئًا -كانت الجاهلية تحرمه- بادر النبي إلى امتثال النهي بالكف عن المنهي عنه والإتيان بضده وسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان الأمور به حتى يكون قدوة حسنة ومثالًا صالحًا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة، وتخلص العقول من ريب الشبهة.
نادى في حجة الوداع بحرمة الربا، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه فيسهل عليهم ترك ما لهم وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم.
على هذا السنن الإلهي كان عمل النبي في أمر زينب.
كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ ﴾ إلخ، فعمد النبي -على سنته- إلى خرق العادة بنفسه، وما كان ينبغي له ولا من مقتضى الحكمة أن يكلف أحد الأدعياء الأباعد أن يتزوج ثم يأمره بالطلاق ثم يأمر من كان قد تبناه أن يتزوج مطلقته ففي ذلك من المشقة مع تحكم العادة وتمكن الاشمئزاز من النفوس ما لا يخفى على أحد، فألهمه الله أن يتولى الأمر بنفسه في أحد عتقائه لتسقط العادة بالفعل كما ألغى حكمها بالقول الفاصل.
لهذا أرغم النبي زينب أن تتزوج بزيد، وهو مولاه وصفيه، والنبي يجد في نفسه أن هذا الزواج مقدمة لتقرير شرع وتنفيذ حكم إلهي، وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول ولم يسلس قيادها بل شمخت بأنفها وذهبت تؤذي زوجها وتفخر عليه بنسبها وبأنها أكرم منه عرقًا، وأصرح منه حرية لأنه لم يجر عليها رق كما جرى عليه، فاشتكى منها إلى رسول الله المرة بعد المرة، فيطلب منه الاستمرار في تنفيذ حكم الله، ولا يعجل، فكان يقول لزيد: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ إلى أن غلب أمر الله على أمر الأنفة وسمح لزيد بطلاقها بعد أن مضه العيش معها، ثم تزوجها بعد ذلك رسول الله ليمزق حجاب تلك العادة ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقًا دون مخالفتها، كما قال ﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ وأكد ذلك بالتصريح في نفي الشبهة بقوله: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ هذه هي الرواية الصحيحة والقولة الراجحة.
ذكر الله نبيه بما وقع منه ليزيده تثبيتًا على الحق، وليدفع عنه ما حاك في صدور ضعاف العقول ومرضى القلوب فقال ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ بالعتق والحرية والاصطفاء بالولاية والمحبة وتزويجه بنت عمتك، وتعظه عندما كان يشكو إليك من إيذاء زوجه ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ واخشه في أمرها فإن الطلاق يشينها وقد يؤذي قلبها، وراع حق الله في نفسك أيضًا فربما لا تجد بعدها خيرًا منه - تقول ذلك وأنت تعلم أن الطلاق لابد منه لما ألهمك الله أن تتمثل أمره بنفسك لتكون أسوة لمن معك ولمن يأتي بعدك وإنما غلبك في ذلك الحياء وخشية أن يقولوا تزوج محمد مطلقة متبناه، فأنت في هذا ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ من الحكم لذي ألهمك ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ ﴾ الذي أمرك بذلك كله ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا ﴾ أي حاجة بالزواج ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ﴾ لترتفع الوحشة من نفوس المؤمنين ولا يجدوا في أنفسهم حرجًا من أن يتزوجوا نساءكن من قبل زوجات لأدعيائهم ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ .
وأما ما رووه من أن النبي مر ببيت زيد وهو غائب فرأى زينب فوقع منها في قلبه شيء فقال: سبحان مقلب القلوب، فسمعت التسبيحة فنقلتها إلى زيد فوقع في قلبه أن يطلقها، إلخ ما حكوه، فقد قال الإمام أبو بكر ابن العربي إنه لا يصح وإن الناقلين له، المحتجين به على مزاعمهم في فهم الآية لم يقدروا مقام النبوة حق قدره، ولم تصب عقولهم من معنى العصمة كنهها، وأطال في ذلك.
واذكر من كلامه ما يؤيد ما ذكرنا في شان هذه الروايات، قال، بعد الكلام في عصمة النبي وطهارته من العيب في زمن الجاهلية وبعد أن جاء الإسلام: "وقد مهدنا لك روايات كلها ساقطة الأسانيد وإنما الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان النبي كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية ﴿ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ يعني بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ فاعتقته ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ ، وإن رسول الله لما تزوجها قالوا تزوج حليلة ابنه فأنزل الله ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ الآية وكان رسول الله تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلًا يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ يعني إنه أعدل عند الله.
قال القاضي وما وراء هذه الآية غير معتبر، فأما قولهم إن النبي رآها فوقعت في قلبه فباطل، فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ساعة ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته نفسها وكرهت غيره فلم يخطر ذلك بباله، فكيف يتجدد هوى لم يكن؟
حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال : ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ والنساء افتن الزهرات وأنشر الرياحين، ولم يخالف هذا في المطلقات فكيف في المنكوحات المحبوسات؟!
"ثم ساق الكلام في تفسير الآية على حسب ما صح في الواقعة" ولولا خوف التطويل لنقلت كلامه بحروفه.
سبحان الله!
كيف ساغ لقوم مسلمين أن يعتقدوا بمثل هذه الروايات وقد علموا أن الله لم يدع لنبيه أن يعرض عن ابن أم مكتوم ويتصدى لصناديد قريش طمعًا في إسلامهم حتى عاتبه على ذلك في قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴾ إلخ الآيات، مع أنه لم ينصرف عن الأعمى إلا لانشغاله بما كان يعده في نفسه خيرًا للدين، ولم يكن رغبة في جاه، ولا شرهًا إلى مال، ولا طموحًا إلى لذة؟
فلو صحت الرواية التي زعموها في شأن زينب لكان العتاب على تلك التسبيحة بمسمع من زينب، ثم على الزواج بعد الطلاق كما أشار إليه في قصة داود .
وما كان محمد في علو مقامه ورفعة منزلته من النبوة لتطمح نفسه إلى التلذذ ببنت عمته وزوجة مولاه، ولا أن يسمعها ما يدل على شغفه بها، ولا أن تضعف عزيمته عن قَمع شهوته وكبح جماحها، وما كان رب محمد يعلل شهوته ويرفعه من هواه فيما يخالف أمره وهو الذي نهاه أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الناس من زهرة الحياة، ومن زهرتها النساء.
تسامى قدر محمد عن ذلك وتعالى شأن ربه عن هذا علوًا كبيرًا.
أما والله لولا ما أدخل الضعفاء أو المدلسون من مثل هذه الرواية ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة شيء مما يؤمنون إليه، فإن نص الآية ظاهر جلي لا يحتمل معناه التأويل ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن العتاب كان على التمهل في الأمر والتريث به، وأن الذي كان يخفيه في نفسه هو ذلك الأمر الإلهي الصادر إليه بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس العرب، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه، كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده لأول مرة عند فتح مكة، وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم.
وهذا الذي كان يخفيه في نفسه كان الله مبديه بأمره الذي أوحاه إليه في كتابه وبتزويجه زوجة من كانوا يدعونه ابنًا له كما تقدم بيانه، ولم يكن يمنعه عن إبداء ما أبدى الله إلا حياء الكريم، وتؤدة الحليم، مع العلم بأنه سيفعل لا محالة لكن مع معاونة الزمان.
أذكر لطيفة لبعض الأذكياء جرت بمحضر مني وذلك أننا كنا نزور أحد الأساتذة الأمريكانيين في مدينة "بيروت" فجاء في الحديث ذكر قوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ فقال الأستاذ الأميركي: حتى زينب زوجة زيد بن حارثة -يشير بقوله هذا إلى تلك الحادثة ويعرض بعشقه لزينب- "على ما زعموا" - فقال له صاحبي: سبحان الله!
إنكم تشتغلون بعلوم السموات والأرض ولا تستعملون عقولكم في أقرب الأشياء إليكم مع أنكم في المشهور عنكم من أشد الناس ولعًا بالبحث في الأديان، وإن الله أمر نبيه أن يتزوج زوجة من دعاه ابنًا له ليبين للناس بالفعل أنه ليس كل من لقب بالابن يكون على الحقيقة ابنًا، فإن كان المسيح قد دعي في لسان الانجيل بالبن فليس هذا على الحقيقة وإنما الابن الحقيقي من ولد من أبيه ولادة صحيحة ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ والله أعلم.