الآية ١٧ من سورة سبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ١٧ من سورة سبأ

ذَٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِمَا كَفَرُوا۟ ۖ وَهَلْ نُجَـٰزِىٓ إِلَّا ٱلْكَفُورَ ١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 107 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧ من سورة سبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة سبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور ) أي : عاقبناهم بكفرهم .

قال مجاهد : ولا يعاقب إلا الكفور .

وقال الحسن البصري : صدق الله العظيم .

لا يعاقب بمثل فعله إلا الكفور .

وقال طاوس : لا يناقش إلا الكفور .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أبو عمر بن النحاس الرملي ، حدثنا حجاج بن محمد ، حدثنا أبو البيداء ، عن هشام بن صالح التغلبي ، عن ابن خيرة - وكان من أصحاب علي ، رضي الله عنه - قال : جزاء المعصية الوهن في العبادة ، والضيق في المعيشة ، والتعسر في اللذة .

قيل : وما التعسر في اللذة ؟

قال : لا يصادف لذة حلالا إلا جاءه من ينغصه إياها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا ) يقول تعالى ذكره: هذا الذي فعلنا بهؤلاء القوم من سبأ من إرسالنا عليهم سيل العرم، حتى هلكت أموالهم، وخربت جناتهم، جزاءً منَّا على كفرهم بنا، وتكذيبهم رسلنا، و " ذَلِكَ" من قوله (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ) في موضع نصب بموقوع جزيناهم عليه، ومعنى الكلام: جزيناهم ذلك بما كفروا.

وقوله ( وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ ) اختلفت القراء في قراءته؛ فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة (وهل يُجازَى) بالياء وبفتح الزاي على وجه ما لم يسمَّ فاعله (إلا الْكَفُورُ) رفعًا.

وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة (وهل نُجَازِي) بالنون وبكسر الزاي (إلا الكَفُور) بالنصب.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قراء الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، ومعنى الكلام: كذلك كافأناهم على كفرهم بالله وهل يجازى إلا الكفور لنعمة الله.

فإن قال قائل: أوما يجزي الله أهل الإيمان به على أعمالهم الصالحة، فيخص أهل الكفر بالجزاء؟

فيقال: وهل يجازى إلا الكفور؟

قيل: إن المجازاة في هذا الموضع المكافأة، والله تعالى ذكره وعد أهل الإيمان به التفضل عليهم، وأن يجعل لهم بالواحدة من أعمالهم الصالحة عشر أمثالها إلى ما لا نهاية له من التضعيف، ووعد المسيء من عباده أن يجعل بالواحدة من سيئاته مثلها مكافأة له على جرمه، والمكافأة لأهل الكبائر والكفر، والجزاء لأهل الإيمان مع التفضل، فلذلك قال جل ثناؤه في هذا الموضع (وَهَلْ يُجَازَى إِلا الْكَفُورُ) ؟

كأنه قال جل ثناؤه: لا يجازى: لا يكافأ على عمله إلا الكفور، إذا كانت المكافأة مثل المكافَأ عليه، والله لا يغفر له من ذنوبه شيئًا، ولا يمحص شيء منها في الدنيا.

وأما المؤمن فإنه يتفضل عليه على ما وصفت.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد (وَهَلْ نُجَازِي) : نعاقب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ ) إن الله تعالى إذا أراد بعبده كرامة تقبل حسناته، وإذا أراد بعبده هوانًا أمسك عليه ذنوبه حتى يُوَافَى به يوم القيامة.

قال: وذُكر لنا أن رجلا بينما هو في طريق من طريق المدينة، إذ مرت به امرأة، فأتبعها بصره، حتى أتى على حائط، فشج وجهه، فأتى نبي الله ووجهه يسيل دمًا، فقال: يا نبي الله فعلت كذا وكذا، فقال له نبي الله: " إن الله إذا أراد بعبد كرامة عجل له عقوبة ذنبه في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد هوانًا أمسك عليه ذنبه حتى يُوافَى به يوم القيامة، كأنه عَيرٌ أبتر ".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور .قوله تعالى : ذلك جزيناهم بما كفروا أي هذا التبديل جزاء كفرهم .

وموضع ذلك نصب ; أي جزيناهم ذلك بكفرهم .

وهل نجازي إلا الكفور قراءة العامة ( يجازى ) بياء مضمومة وزاي مفتوحة ، ( الكفور ) رفعا على ما لم يسم فاعله .

وقرأ يعقوب وحفص وحمزة والكسائي : نجازي بالنون وكسر الزاي ، ( الكفور ) بالنصب ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ، قالا : لأن قبله جزيناهم ولم يقل جوزوا .

النحاس : والأمر في هذا واسع ، [ ص: 260 ] والمعنى فيه بين ، ولو قال قائل : خلق الله تعالى آدم صلى الله عليه وسلم من طين ، وقال آخر : خلق آدم من طين ، لكان المعنى واحدا .مسألة : في هذه الآية سؤال ليس في هذه السورة أشد منه ، وهو أن يقال : لم خص الله تعالى المجازاة بالكفور ولم يذكر أصحاب المعاصي ؟

فتكلم العلماء في هذا ; فقال قوم : ليس يجازى بهذا الجزاء الذي هو الاصطلام والإهلاك إلا من كفر .

وقال مجاهد : يجازى بمعنى يعاقب ; وذلك أن المؤمن يكفر الله تعالى عنه سيئاته ، والكافر يجازى بكل سوء عمله ; فالمؤمن يجزى ولا يجازى لأنه يثاب .

وقال طاوس : هو المناقشة في الحساب ، وأما المؤمن فلا يناقش الحساب .

وقال قطرب خلاف هذا ، فجعلها في أهل المعاصي غير الكفار ، وقال : المعنى على من كفر بالنعم وعمل بالكبائر .

النحاس : وأولى ما قيل في هذه الآية وأجل ما روي فيها : أن الحسن قال مثلا بمثل .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من حوسب هلك فقلت : يا نبي الله ، فأين قوله جل وعز : فسوف يحاسب حسابا يسيرا ؟

قال : إنما ذلك العرض ومن نوقش الحساب هلك .

وهذا إسناد صحيح ، وشرحه : أن الكافر يكافأ على أعماله ويحاسب عليها ويحبط ما عمل من خير ; ويبين هذا قوله تعالى في الأول : ذلك جزيناهم بما كفروا وفي الثاني : ( وهل يجازى إلا الكفور ) ومعنى ( يجازى ) : يكافأ بكل عمل عمله ، ومعنى جزيناهم .

وقيناهم ; فهذا حقيقة اللغة ، وإن كان ( جازى ) يقع بمعنى ( جزى ) .

مجازا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فكما بدلوا الشكر الحسن, بالكفر القبيح, بدلوا تلك النعمة بما ذكر, ولهذا قال: { ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ } أي: وهل نجازي جزاء العقوبة - بدليل السياق - إلا من كفر باللّه وبطر النعمة؟

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ذلك جزيناهم بما كفروا ) أي : ذلك الذي فعلنا بهم جزيناهم بكفرهم ( وهل نجازي إلا الكفور ) قرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص ، ويعقوب : " وهل نجازي " بالنون وكسر الزاي ، " الكفور " نصب لقوله : " ذلك جزيناهم " ، وقرأ الآخرون بالياء وفتح الزاي ، " الكفور " رفع ، أي : وهل يجازى مثل هذا الجزاء إلا الكفور .

وقال مجاهد : يجازى أي : يعاقب .

ويقال في العقوبة : يجازي ، وفي المثوبة يجزي .

قال مقاتل : هل يكافأ بعمله السيء إلا الكفور لله في نعمه .

قال الفراء : المؤمن يجزى ولا يجازى ، أي : يجزى للثواب بعمله ولا يكافأ بسيئاته .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذلك» التبديل «جزيناهم بما كفرواْ» بكفرهم «وهل يجازِى إلا الكفور» بالياء والنون مع كسر الزاي ونصب الكفور، أي ما يناقش إلا هو.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فأعرضوا عن أمر الله وشكره وكذبوا الرسل، فأرسلنا عليهم السيل الجارف الشديد الذي خرَّب السد وأغرق البساتين، وبدَّلناهم بجنتيهم المثمرتين جنتين ذواتَيْ أكل خمط، وهو الثمر المر الكريه الطعم، وأثْل وهو شجر شبيه بالطَّرْفاء لا ثمر له، وقليل من شجر النَّبْق كثير الشوك.

ذلك التبديل من خير إلى شر بسبب كفرهم، وعدم شكرهم نِعَمَ الله، وما نعاقب بهذا العقاب الشديد إلا الجَحود المبالغ في الكفر، يجازى بفعله مثلا بمثل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولذا جاء التعقيب بعد هذه الآية بقوله - تعالى - : ( ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور ) .أى : ذلك الذى فعلناه بهم من تدبيل جنتيهم ، بحنتين ذواتى أكل خمط .

.

هو الجزاء العادل لهم بسبب جحودهم وترفهم وفسوقهم عن أمرنا .وإننا من شأننا ومن سنتنا أننا لا نعاقب ولا نجازى هذا الجزاء الرادع الشديد ، إلا لمن جحد نعمنا ، وكفر بآيتاتنى ، وآثر الغى على الرشد ، والعصيان على الطاعة .فاسم الإِشارة يعود إلى التبديل الذى تحدثت عنه الآية السابقة .

وهو المفعول الثانى لجزيناهم مقدم عليه .

أى : جزيناهم ذلك التبديل لا غيره .

والمراد بالجزاء هنا : العقاب .قال صاحب الكشاف : قوله : ( وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور ) بمعنى وهل يعاقب .وهو الوجه الصحيح .

وليس لقائل أن يقول : لم قيل : وهل يجازى إلا الكفور ، على اختصاص الكفر بالجزاء ، والجزاء عام للمؤمن والكافر ، لأنه لم يرد الجزاء العام وإنما أريد الخاص وهو العقاب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فبين كمال ظلمهم بالإعراض بعض إبانة الآية كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بئايات رَبّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا  ﴾ ثم بين كيفية الانتقام منهم كما قال: ﴿ إِنَّا مِنَ المجرمين مُنتَقِمُونَ  ﴾ وكيفيته أنه تعالى أرسل عليهم سيلاً غرق أموالهم وخرب دورهم، وفي العرم وجوه: أحدها: أنه الجرذ الذي سبب خراب السكر، وذلك من حيث إن بلقيس كانت قد عمدت إلى جبال بينها شعب فسدت الشعب حتى كانت مياه الأمطار والعيون تجتمع فيها وتصير كالبحر وجعلت لها أبواباً ثلاثة مرتبة بعضها فوق بعض وكانت الأبواب يفتح بعضها بعد بعض.

فنقب الجرذ السكر، وخرب السكر بسببه وانقلب البحر عليهم.

وثانيها: أن العرم اسم السكر وهو جمع العرمة وهي الحجارة ثالثها: اسم للوادي الذي خرج منه الماء وقوله: ﴿ وبدلناهم بِجَنَّتيهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ﴾ بين به دوام الخراب، وذلك لأن البساتين التي فيها الناس يكون فيها الفواكه الطيبة بسبب العمارة فإذا تركت سنين تصير كالغيضة والأجمة تلتف الأشجار بعضها ببعض وتنبت المفسدات فيها فتقل الثمار وتكثر الأشجار، والخمط كل شجرة لها شوك أو كل شجرة ثمرتها مرة، أو كل شجرة ثمرتها لا تؤكل، والأثل نوع من الطرفاء ولا يكون عليه ثمرة إلا في بعض الأوقات، يكون عليه شيء كالعفص أو أصغر منه في طعمه وطبعه، والسدر معروف وقال فيه قليل لأنه كان أحسن أشجارهم فقلله الله، ثم بين الله أن ذلك كان مجازاة لهم على كفرانهم فقال: ﴿ ذَلِكَ جزيناهم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجازي ﴾ أي لا نجازي بذلك الجزاء ﴿ إِلاَّ الكفور ﴾ قال بعضهم المجازاة تقال في النقمة والجزاء في النعمة لكن قوله تعالى: ﴿ ذلك جزيناهم ﴾ يدل على أن الجزاء يستعمل في النقمة، ولعل من قال ذلك أخذه من أن المجازاة مفاعلة وهي في أكثر الأمر تكون بين اثنين، يؤخذ من كل واحد جزاء في حق الآخر.

وفي النعمة لا تكون مجازاة لأن الله تعالى مبتدئ بالنعم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ لِسَبَإٍ ﴾ بالصرف ومنعه، وقلب الهمزة ألفاً.

ومسكنهم: بفتح الكاف وكسرها، وهو موضع سكناهم، وهو بلدهم وأرضهم التي كانوا مقيمين فيها، أو مسكن كل واحد منهم.

وقرئ: ﴿ مساكنهم ﴾ و ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ بدل من آية.

أو خبر مبتدإ محذوف، تقديره: الآية جنتان.

وفي الرفع معنى المدح، تدلّ عليه قراءة من قرأ: ﴿ جنتين ﴾ ، بالنصب على المدح.

فإن قلت: ما معنى كونهما؟

آية، قلت: لم يجعل الجنتين في أنفسهما آية، وإنما جعل قصتهما، وأنّ أهلهما أعرضوا عن شكر الله تعالى عليهما فخربهما، وأبدلهم عنهما الخمط والأثل: آية، وعبرة لهم، ليعتبروا ويتعظوا فلا يعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر وغمط النعم.

ويجوز أن تجعلهما آية، أي: علامة دالة على الله، وعلى قدرته وإحسانه ووجوب شكره، فإن قلت: كيف عظم الله جنتي أهل سبأ وجعلهما آية، ورب قرية من قريات العراق يحتف بها من الجنان ما شئت؟

قلت: لم يرد بستانين اثنين فحسب، وإنما أراد جماعتين من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم، وأخرى عن شمالها، وكل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامها.

كأنها جنة واحدة، كما تكون بلاد الريف العامرة وبساتينها، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله، كما قال: جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ﴿ كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ ﴾ إما حكاية لما قال لهم أنبياء الله المبعوثون إليهم، أو لما قال لهم لسان الحال، أو هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك، ولما قال: ﴿ كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ ﴾ ﴿ واشكروا لَهُ ﴾ أتبعه قوله: ﴿ بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ يعني: هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة، وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور لمن شكره.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كانت أخصب البلاد وأطيبها: تخرج المرأة وعلى رأسها المكتل فتعمل بيدها وتسير بين تلك الشجر، فيمتلئ المكتل بما يتساقط فيه من الثمر ﴿ طَيّبَةً ﴾ لم تكن سبخة.

وقيل: لم يكن فيها بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية.

وقرئ: ﴿ بلدة طيبة ورباً غفوراً ﴾ بالنصب على المدح.

وعن ثعلب: معناه اسكن واعبد ﴿ العرم ﴾ الجرذ الذي نقب عليهم السكر، ضربت لهم بلقيس الملكة بسدّ ما بين الجبلين بالصخر والقار، فحقنت به ماء العيون والأمطار، وتركت فيه خروقاً على مقدار ما يحتاجون إليه من سقيهم، فلما طغوا قيل: بعث الله إليهم ثلاثة عشر نبياً يدعونهم إلى الله ويذكرونهم نعمته عليهم فكذبوهم وقالوا ما نعرف لله نعمة سلط الله على سدّهم الخُلد فنقبه من أسفله فغرّقهم.

وقيل: العرم جمع عرمة، وهي الحجارة المركومة.

ويقال للكدس من الطعام، عرمة: والمراد: المسناة التي عقدوها سكراً: وقيل: العرم اسم الوادي، وقيل: العرم المطر الشديد.

وقرئ: ﴿ العرم ﴾ بسكون الراء.

وعن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم.

وقرئ: ﴿ أكل ﴾ بالضم والسكون، وبالتنوين والإضافة، والأكل: الثمر.

والخمط: شجر الأراك: وعن أبي عبيدة: كل شجر ذي شوك.

وقال الزجاج: كل نبت أخذ طعماً من مرارة، حتى لا يمكن أكله.

والأثل: شجر يشبه الطرفاء أعظم منه وأجود عوداً.

ووجه من نون: أن أصله ذواتي أكل أكل خمط.

فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذواتي أكل بشع.

ومن أضاف وهو أبو عمر وحده، فلأن أكل الخمط في معنى البرير، كأنه قيل: ذواتي برير.

والأثل والسدر: معطوفان على أكل، لا على خمط لأن الأثل لا أكل له.

وقرئ: ﴿ وأثلاً ﴾ وشيئاً.

بالنصب عطفاً على جنتين.

وتسمية البدل جنتين، لأجل المشاكلة وفيه: ضرب من التهكم.

وعن الحسن رحمه الله: قلل السدر: لأنه أكرم ما بدلوا.

وقرئ: ﴿ وهل يجازي ﴾ و ﴿ هل نجازي ﴾ بالنون.

و ﴿ هل يجازي ﴾ والفاعل الله وحده.

و ﴿ هل يجزي ﴾ ؛ والمعنى: أن مثل هذا الجزاء لا يستحقه إلاّ الكافر، وهو العقاب العاجل، وقيل: المؤمن تكفر سيآته بحسناته، والكافر يحبط عمله فيجازى بجميع ما عمله من السوء، ووجه آخر: وهو أن الجزاء عام لكل مكافأة، يستعمل تارة في معنى المعاقبة، وأخرى في معنى الإثابة، فلما استعمل في معنى المعاقبة في قوله: ﴿ جزيناهم بِمَا كَفَرُواْ ﴾ بمعنى: عاقبناهم بكفرهم.

قيل: ﴿ وهل يجازى إلا الكفور ﴾ بمعنى: وهل يعاقب؟

وهو الوجه الصحيح؛ وليس لقائل أن يقول: لم قيل: وهل يجازى إلاّ الكفور، على اختصاص الكفور بالجزاء، والجزاء عام للكافر والمؤمن، لأنه لم يرد الجزاء العام، وإنما أراد الخاص وهو العقاب، بل لا يجوز أن يراد العموم وليس بموضعه.

ألا ترى أنك لو قلت: جزيناهم بما كفروا، وهل يجازى إلاّ الكافر والمؤمن: لم يصحّ ولم يسد كلاماً، فتبين أن ما يتخيل من السؤال مضمحل، وأن الصحيح الذي لا يجوز غيره ما جاء عليه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَأعْرَضُوا ﴾ عَنِ الشُّكْرِ.

﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ ﴾ سَيْلَ الأمْرِ العَرِمِ أيِ الصَّعْبُ مِن عَرِمَ الرَّجُلُ فَهو عارِمٌ، وعَرِمَ إذا شَرِسَ خُلُقُهُ وصَعُبَ، أوِ المَطَرُ الشَّدِيدُ أوِ الجُرَذُ، أضافَ إلَيْهِ الـ ( سَيْلَ ) لِأنَّهُ نَقَبَ عَلَيْهِمْ سَكْرًا ضَرَبَتْهُ لَهم بَلْقِيسُ فَحَقَنَتْ بِهِ ماءَ الشَّجَرِ وتَرَكَتْ فِيهِ ثُقْبًا عَلى مِقْدارِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، أوِ المُسْناةُ الَّتِي عَقَدَتْ سَكْرًا عَلى أنَّهُ جَمْعُ عَرْمَةٍ وهي الحِجارَةُ المَرْكُومَةُ، وقِيلَ اسْمُ وادٍ جاءَ السَّيْلُ مِن قِبَلِهِ وكانَ ذَلِكَ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ﴾ ثَمَرٍ بَشِعٍ فَإنَّ الخَمْطَ كُلُّ نَبْتٍ أُخِذَ طُعْمًا مِن مَرارَةٍ، وقِيلَ الأراكُ أوْ كُلُّ شَجَرٍ لا شَوْكَ لَهُ، والتَّقْدِيرُ أكَلَ أكْلَ خَمْطٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ في كَوْنِهِ بَدَلًا، أوْ عَطْفُ بَيانٍ.

﴿ وَأثْلٍ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ مَعْطُوفانِ عَلى ( أُكُلٍ ) لا عَلى ( خَمْطٍ )، فَإنَّ الأثْلَ هو الطَّرْفاءُ ولا ثَمَرَ لَهُ، وقُرِئا بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ( جَنَّتَيْنِ ) ووُصِفَ السِّدْرُ بِالقِلَّةِ فَإنْ جَناهُ وهو النَّبْقُ مِمّا يَطِيبُ أكْلُهُ ولِذَلِكَ يُغْرَسُ في البَساتِينِ، وتَسْمِيَةُ البَدَلِ ( جَنَّتَيْنِ ) لِلْمُشاكَلَةِ والتَّهَكُّمِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «ذَواتَيْ أُكُلِ» بِغَيْرِ تَنْوِينِ اللّامِ وقَرَأ الحَرَمِيّانِ بِتَخْفِيفِ ( أُكُلٍ ) .

﴿ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا ﴾ بِكُفْرانِهِمُ النِّعْمَةَ أوْ بِكُفْرِهِمْ بِالرُّسُلِ، إذْ رُوِيَ أنَّهُ بُعِثَ إلَيْهِمْ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَكَذَّبُوهم، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلتَّعْظِيمِ لا لِلتَّخْصِيصِ.

( وهَلْ يُجازى إلا الكَفُورُ ) وهَلْ يُجازى بِمِثْلِ ما فَعَلْنا بِهِمْ إلّا البَلِيغُ في الكُفْرانِ أوِ الكُفْرِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ ( نُجازِي ) بِالنُّونِ و ( الكَفُورَ ) بِالنَّصْبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ذَلِكَ جزيناهم بِمَا كَفَرُواْ} أي جزيناهم ذلك بكفرهم فهو مفعول ثان مقدم {وَهَلْ نُجَازِىِ إِلاَّ الكفور} كوفي غير أبي بكر وَهَلْ يجازى إِلاَّ الكفور غيرهم يعني وهل نجازي مثل هذا الجزاء إلا م كفر النعمة ولم يشكرها أو كفر بالله أو هل يعاقب لأن الجزاء وإن كان عاماً يستعمل في معنى المعاقبة وفي معنى الإثابة لكن المراد الخاص وهو العقاب وعن الضحاك كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليه السلام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّبْدِيلِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشارَةِ إلى بُعْدِ رُتْبَتِهِ في الفَظاعَةِ أوْ إلى مَصْدَرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ جَزَيْناهُمْ ﴾ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا  ﴾ ومَحَلُّهُ عَلى الأوَّلِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، وعَلى الثّانِي النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، والتَّقْدِيمُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ، وقِيلَ لِلتَّخْصِيصِ أيْ ذَلِكَ التَّبْدِيلَ جَزَيْناهم لا غَيْرَهُ أوْ ذَلِكَ الجَزاءَ الفَظِيعَ جَزَيْناهم لا جَزاءً آخَرَ ﴿ بِما كَفَرُوا ﴾ بِسَبَبِ كُفْرانِهِمُ النِّعْمَةَ حَيْثُ نَزَعْناها مِنهم ووَضَعْنا مَكانَها ضِدَّها، وقِيلَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِالرُّسُلِ الثَّلاثَةَ عَشَرَ الَّذِينَ بُعِثُوا إلَيْهِمْ.

واسْتَشْكَلَ هَذا مَعَ القَوْلِ بِأنَّ السَّيْلَ العَرِمَ كانَ زَمَنَ الفَتْرَةِ بِأنَّ الجُمْهُورَ قالُوا: لا نَبِيَّ بَيْنَ نَبِيِّنا وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: بَيْنَهُما  أرْبَعَةُ أنْبِياءَ ثَلاثَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وواحِدٌ مِنَ العَرَبِ، وهو خالِدٌ العَبْسِيُّ وهو قَدْ بُعِثَ لِقَوْمِهِ وبَنُو إسْرائِيلَ لَمْ يُبْعَثُوا لِلْعَرَبِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ما كانَ زَمَنَ الفَتْرَةِ هو السَّيْلُ العَرِمُ لا غَيْرَ والرُّسُلُ الثَّلاثَةَ عَشَرَ هم جُمْلَةُ مَن كانَ في قَوْمِهِمْ مِن سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ إلى أنْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى أجْمَعِينَ، فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

﴿ وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ ﴾ أيْ ما نُجازِي مِثْلَ هَذا الجَزاءِ الشَّدِيدِ المُسْتَأْصِلِ إلّا المَبالِغِ في الكُفْرانِ أوِ الكُفْرِ فَلا يَتَوَجَّهُ عَلى الحَصْرِ إشْكالُ أنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يُعاقَبُ في العاجِلِ، وفي الكَشْفِ لا يُرادُ أنَّ المُؤْمِنَ أيْضًا يُعاقَبُ فَإنَّهُ لَيْسَ بِعِقابٍ عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ تَمْحِيصٍ ولِأنَّهُ أُرِيدَ المُعاقَبَةُ بِجَمِيعِ ما يَفْعَلُهُ مِنَ السُّوءِ، ولا كَذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ الجَزاءُ عامًّا في كُلِّ مُكافَآتٍ وأُرِيدَ بِهِ المُعاقَبَةُ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِما سَبَقَ لِقَرِينَةِ ﴿ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا ﴾ لِتَعْيِينِ المُعاقَبَةِ فِيهِ بَلْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو الوَجْهُ الصَّحِيحُ وذَلِكَ لِعَدَمِ الإضْمارِ ولِأنَّ التَّذْيِيلَ هَكَذا آكَدُ وأسَدُّ مَوْقِعًا، ولا يَتَوَجَّهُ الإشْكالُ لِما في الكَشْفِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ «يُجازى» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الزّايِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «اَلْكَفُورُ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ، وقُرِئَ «يُجازِي» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُهُ تَعالى وحْدَهُ «اَلْكَفُورَ» بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ «يُجْزى» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «اَلْكَفُورُ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ، والمُجازاةُ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ المُكافَآتُ، لَكِنْ قالَ الخَفاجِيُّ لَمْ تَرِدْ في القُرْآنِ إلّا مَعَ العِقابِ بِخِلافِ الجَزاءِ فَإنَّهُ عامٌّ، وقَدْ يُخَصُّ بِالخَيْرِ، وعَنْ أبِي إسْحاقَ تَقُولُ جَزَيْتُ الرَّجُلَ في الخَيْرِ وجازَيْتُهُ في الشَّرِّ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ مُجاهِدٍ يُقالُ في العُقُوبَةِ يُجازِي وفي المَثُوبَةِ يَجْزِي.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أبُو إسْحاقَ قَدْ أرادَ أنَّكَ إذا أرْسَلْتَ الفِعْلَيْنِ ولَمْ تُعَدِّهِما إلى المَفْعُولِ الثّانِي كانا كَذَلِكَ، وأمّا إذا ذَكَّرْتَهُ فَيُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما في الخَيْرِ والشَّرِّ، ويَرُدُّ عَلى ما ذَكَرَ ﴿ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا ﴾ وكَذا «وهَلْ يُجْزى» في قِراءَةِ مُسْلِمٍ إذِ الجَزاءُ في ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ في الشَّرِّ مَعَ عَدَمِ ذِكْرِ المَفْعُولِ الثّانِي، وقَوْلُهُ: جَزى بَنُوهُ أبا الغِيلانِ عَنْ كِبَرٍ وحُسْنِ فِعْلٍ كَما يُجْزى سِنِمّارُ وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ جَزَيْتُهُ وجازَيْتُهُ، ولَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ إلّا جَزى دُونَ جازى وذَلِكَ لِأنَّ المُجازاةَ المُكافَأةُ وهي مُقابَلَةُ نِعْمَةٍ بِنِعْمَةٍ هي كُفْؤُها ونِعْمَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَتَعالى عَنْ ذَلِكَ، ولِهَذا لا يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ المُكافَأةِ فِيهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَمّا هُنا إلّا أنْ يُقالَ: أرادَ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ جازى فِيما هو نِعْمَةٌ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَعالى، فَإنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ لِي مَجِيءُ ذَلِكَ فِيهِ، واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ويَحْسُنُ عِنْدِي قَوْلُ أبِي حَيّانَ: أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ الجَزاءُ في الخَيْرِ والمُجازاةُ في الشَّرِّ لَكِنْ في تَقْيِيدِهِما قَدْ يَقَعُ كُلٌّ مِنهُما مَوْقِعَ الآخَرِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا ﴾ دُونَ جازَيْناهم بِما كَفَرُوا عَلى الوَجْهِ الثّانِي في اِسْمِ الإشارَةِ ما يُحْكى تَمَتُّعُ القَوْمِ بِما يَسُرُّ، ووُقُوعُهم بَعْدَهُ فِيما يُسِيءُ ويَضُرُّ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ نُكْتَةُ التَّعْبِيرِ بِجِزى الأكْثَرِ اِسْتِعْمالًا في الخَيْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ بِذاكَ أوَّلًا وبِنُجازِي ثانِيًا لِيَكُونَ كُلٌّ أوْفَقَ بِعِلَّتِهِ وهَذا جارٍ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في الإشارَةِ، فَتَدَبَّرْ جِدًّا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ قرئ بالنصب والكسر.

وقد ذكرناه من قبل.

فمن قرأ بالكسر والتنوين جعله اسم أب القبيلة ومن قرأ بالنصب جعله أرضاً والأول أشبه.

لأنه روي عن النبيّ  أنه سئل عن سبأ.

فقال: «هُوَ اسمُ رَجُلٍ» .

ويقال: هو سبأ بن يشخب بن يغرب بن قحطان.

وروي عن ابن عباس أنه قال: هي من قرى اليمن بعث عز وجل ثلاثة عشر نبياً- عليهم السلام- إلى ثلاث عشر قرية باليمن اتبع بعضهم بعضاً، حتى اجتمعت الرسل في آل سبأ.

وقرية أخرى، فأتوهم فذكروهم نعم الله عز وجل وخوفوهم عقابه.

وروى أسباط عن السدي قال: كانت أرضهم أرضاً خصيبة، وكانت المرأة تخرج على رأسها مكتلاً فلا ترجع حتى تملأ مكتلها من أنواع الفاكهة من غير أن تمد يدها، وكان الماء يأتيهم من مسيرة عشرة أيام حتى يحبس بين جبلين، وكانوا قد ردموا ردماً بين جبلين فحبسوا الماء، وكان يأتيهم من السيول فيسقون بساتينهم وأشجارهم.

ويقال: كان لهم وادي.

وكان للوادي ثلاث درفات.

فإذا كثر الماء فتحوا الدرفة العليا، وإذا انتقص فتحوا الدرفة الوسطى، وإذا قلّ الماء فتحوا الدرفة السفلى.

فأخصبوا، وكثرت أموالهم، واتخذوا من الجنان ما شاؤوا.

فلما أحبوا ذلك وكذبوا رسلهم، بعث الله عز وجل عليهم جرذاً، فنقب ذلك الردم بجنب بستان رجل منهم يقال له عمران بن عامر وهو أب الأنصار والأزد وغسان وخزاعة ويسمون المنسأة العرم، فدخل البستان فإذا هو ينقب العرم وقد سال فأمر به فسد ثم نظر إلى الجرزة تنقل أولادها من أصل الجبل إلى أعلاه.

وكان كاهناً فقال: ما تنقل هذه الجرزة أولادها من أصل الجبل إلى أعلاه إلا وقد حضر هلاك هذه البلدة.

فدعى ابن أخ له فقال: إذا رأيتني جلست في جماعة قومي فائتني.

فقل: أي عم أعطني ميراثي من أبي.

فإني سأقول: وهل ترك أبوك شيئاً؟

فأردد علي وكذبني.

فإذا كذبتني فإني سألطمك فالطمني.

فقال: أي عم ما كنت لأفعل هذا بك؟

قال: بلى.

فلما رأى لعمه في ذلك هوًى.

قال: أفعل ما تأمرني، ففعل.

فقال عمران بن عامر: لله علي كذا وكذا أن أسكن هذه البلاد من يشتري ما لي.

فلما عرفوا منه الجد قال هذا: أعطيك كذا.

فنظر إلى أجودهم صفقة.

فقال: عجل إليَّ مالي فقد حلفت أن لا أبيت بها، فعجل إليه ماله، وارتحل من يومه حتى شخص عنهم، فاتسع ذلك الخرق حتى انهدم وغرق بلادهم، وتفرقوا في البلدان.

فذلك قوله: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ قرأ الكسائي: فِي مَسْكَنِهِمْ بكسر الكاف والنون.

وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص: مَسْكَنِهِمْ بنصب الكاف وكسر النون.

وقرأ الباقون: مساكنهم بالألف.

والمسكن بنصب الكاف وكسره واحد وهما لغتان مثل مطلع ومطلع.

والمساكين جمع مسكين.

وقد قيل: المسكن جمع المساكين لقد كان في منازلهم وقرياتهم آيَةٌ أي: علامة ظاهرة لوحدانيتي جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ يعني: بستانان عن يمين الوادي، وعن شماله.

وإنما أراد بالبستان البساتين.

ويقال: بساتين عن يمين الطريق، وبساتين عن شماله.

فأرسل الله تعالى إليهم الرسل فذكروهم النعم فقيل لهم كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ يعني: من فضل ربكم وَاشْكُرُوا لَهُ فيما رزقكم بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ يعني: هذه بلدة طيبة لينة بلا سبخة وَرَبٌّ غَفُورٌ لمن تاب من الشرك فَأَعْرَضُوا عن الإيمان.

وقالوا: من ذا الذي يأخذ منا النعم فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ والعرم هو اسم لذلك الوادي.

ويقال: اسم للمنشأة.

ويقال: هو اسم للفأرة التي قرضت النهر حتى سال عليهم الماء.

وجرى في بساتينهم وفي بيوتهم فخربها، وندت أنعامهم، وأخذ كل واحد منهم بيد ولده وامرأته، فصعدوا بهم الجبل فذلك قوله تعالى وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ يعني: أبدلهم الله تعالى مكان الفاكهة ذواتي أكل خمط أي الأراك وَأَثْلٍ يعني: الطرفاء وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ والسدر كانوا يستظلون في ظله، ويأكلون من ثمره.

وقرأ أبو عمرو: أُكُلٍ بكسر اللام بغير تنوين.

وقرأ الباقون: بالتنوين فمن قرأ بالتنوين أراد ذَواتَيْ ثمر يؤكل ثم قال: خَمْطٍ بدلاً من أكل.

والمعنى: ذواتي خمط وأكله ثمرة.

ومن قرأ: بغير تنوين أضاف الأكل إلى الخمط.

والخمط هو الأراك في اللغة المعروفة.

وقال بعضهم: كل نبت أخذ طعماً من مرارة، حتى لا يمكن أكله فهو خمط.

ثم قال: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ يعني: ذلك الذي أصابهم عقوبة لهم عاقبناهم بِما كَفَرُوا أي: بكفرهم وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ يعني: وهل يعاقب بمثل هذه العقوبة إلا الكفور بنعمة الله تعالى.

ويقال: الْكَفُورَ الكافر.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: وَهَلْ نُجازِي بالنون وكسر الزاي إِلَّا الْكَفُورَ بالنصب.

وقرأ الباقون يجازي بالياء وفتح الزاي إِلَّا الْكَفُورَ بالضم.

فمن قرأ بالنون فهو على معنى الإضافة إلى نفسه.

والكفور ينصب لوقوع الفعل عليه.

ومن قرأ يجازى بالياء فهو على فعل ما لم يسم فاعله.

يعني: هل يعاقب بمثل هذه العقوبة إلا الكفور بنعمة الله تعالى.

ويقال: هل يجازي الله.

ومعنى الآية: أن المؤمن من يكفر عنه السيئات بالحسنات، وأما الكافر فإنه يحبط عمله كله، فيجازى بكل سوء يعمله كما قال تعالى: أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ [محمد: 1] أي: أبطل أعمالهم وأحبطها، فلم ينفعهم منها شيء وهذا معنى قوله: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ( لِقَدٍّ كانَ لِسَبَإ في مَساكِنِهِمْ آيَة ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وَنافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " في مَساكِنِهِمْ " .

وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " مَسْكَنِهِمْ " بِفَتْحِ الكافِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: " مَسْكِنِهِمْ " بِكَسْرِ الكافِ، وهي لُغَةٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِسَبَإٍ هاهُنا: القَبِيلَةُ الَّتِي هم مِن أوْلادِ سَبَإ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ؛ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (النَّمْلِ: ٢٢) الخِلافَ في هَذا، وأنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: هو اسْمُ بَلَدٍ، ولَيْسَ بِاسْمِ رَجُلٍ.

وذَكَرَ الزَّجّاجُ في هَذا المَكانِ أنَّ مَن قَرَأ: " لِسَبَأ " بِالفَتْحِ وتَرْكِ الصَّرْفِ، جَعَلَهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ، ومَن صَرَفَ وكَسَرَ ونَوَّنَ، جَعَلَهُ اسْمًا لِلْحَيِّ واسْمًا لِرَجُلٍ؛ وكُلٌّ جائِزٌ حَسَنٌ.

و ﴿ آيَةٌ ﴾ رَفْعٌ، اسْمُ " كانَ "، و ﴿ جَنَّتانِ ﴾ رَفْعٌ عَلى نَوْعَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهُ بَدَلٌ مِن " آيَةٌ "، والثّانِي: عَلى إضْمارٍ، كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: " آيَةٌ "، قِيلَ: الآيَةُ جَنَّتانِ.

الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ ذَكَرَ العُلَماءُ بِالتَّفْسِيرِ والسِّيَرِ أنَّ بِلْقِيسَ لَمّا مَلَكَتْ [قَوْمَها] جَعَلَ قَوْمُها يَقْتَتِلُونَ عَلى ماءِ وادِيهِمْ، فَجَعَلَتْ تَنْهاهم فَلا يُطِيعُونَها، فَتَرَكَتْ مُلْكَها وانْطَلَقَتْ إلى قَصْرِها فَنَزَلْتُهُ، فَلَمّا كَثُرَ الشَّرُّ بَيْنَهم ونَدِمُوا، أتَوْها فَأرادُوها عَلى أنْ تَرْجِعَ إلى مُلْكِها، فَأبَتْ، فَقالُوا: لِتَرْجِعِنَّ أوْ لَنَقْتُلَنَّكِ، فَقالَتْ: إنَّكم لا تُطِيعُونَنِي ولَيْسَتْ لَكم عُقُولٌ، فَقالُوا: فَإنّا نُطِيعُكِ، فَجاءَتْ إلى وادِيهِمْ- وكانُوا إذا مُطِرُوا أتاهُ السَّيْلُ مِن مَسِيرَةِ أيّامٍ- فَأمَرَتْ بِهِ، فَسُدَّ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ بِمُسَنّاةٍ، وحَبَسَتِ الماءَ مِن وراءِ السَّدِّ، وجَعَلَتْ لَهُ أبْوابًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وبَنَتْ مِن دُونِهِ بِرْكَةً وجَعَلَتْ فِيها اثْنَيْ عَشَرَ مَخْرَجًا عَلى عِدَّةِ أنْهارِهِمْ، فَكانَ الماءُ يَخْرُجُ بَيْنَهم بِالسَّوِيَّةِ، إلى أنْ كانَ مِن شَأْنِها مَعَ سُلَيْمانَ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ [النَّمْلِ: ٢٩- ٤٤]، وبَقُوا بَعْدَها عَلى حالِهِمْ.

وقِيلَ: إنَّما بَنَوْا ذَلِكَ البُنْيانَ لِئَلّا يَغْشى السَّيْلُ أمْوالَهم فَيُهْلِكَها، فَكانُوا يَفْتَحُونَ مِن أبْوابِ السَّدِّ ما يُرِيدُونَ، فَيَأْخُذُونَ مِنَ الماءِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، وكانَتْ لَهم جَنَّتانِ عَنْ يَمِينِ وادِيهِمْ وعَنْ شِمالِهِ، فَأخْصَبَتْ أرْضُهُمْ، وكَثُرَتْ فَواكِهُهُمْ، وإنْ كانَتِ المَرْأةُ لَتَمُرُّ بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ والمِكْتَلُ عَلى رَأْسِها، فَتَرْجِعُ وقَدِ امْتَلَأ مِنَ الثَّمَرِ ولا تَمَسُّ بِيَدِها شَيْئًا مِنهُ، ولَمْ يَكُنْ [يُرى] في بَلَدِهِمْ حَيَّةٌ ولا عَقْرَبٌ ولا بَعُوضَةٌ ولا ذُبابٌ ولا بُرْغُوثٌ، ويَمُرُّ الغَرِيبُ بِبَلْدَتِهِمْ وفي ثِيابِهِ القَمْلُ، فَيَمُوتُ القَمْلُ لِطِيبِ هَوائِها.

وقِيلَ لَهُمْ: ﴿ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ﴾ أيْ: هَذِهِ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ، أوْ بَلْدَتُكم بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ، ولَمْ تَكُنْ سَبِخَةً ولا فِيها ما يُؤْذِي ﴿ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ أيْ: واللَّهُ رَبٌّ غَفُورٌ، وكانَتْ ثَلاثَ عَشْرَةَ قَرْيَةً، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا، فَكَذَّبُوا الرُّسُلَ، ولَمْ يُقِرُّوا بِنِعَمِ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَأعْرَضُوا ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ، وكَذَّبُوا أنْبِياءَهم ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ العَرِمَ: الشَّدِيدُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرِمُ: السَّيْلُ الَّذِي لا يُطاقُ.

والثّانِي: [أنَّهُ] اسْمُ الوادِي، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المُسَنّاةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو مَيْسَرَةَ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرِمُ: جَمْعُ عِرَمَةٍ، وهِيَ: السِّكْرُ والمُسَنّاةُ.

والرّابِعُ: أنَّ العَرِمَ: الجُرَذُ الَّذِي نَقَبَ عَلَيْهِمُ السِّكْرَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي صِفَةِ إرْسالِ هَذا السَّيْلِ عَلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ عَلى سِكْرِهِمْ دابَّةً مِنَ الأرْضِ فَنَقَبَتْ فِيهِ نَقْبًا، فَسالَ ذَلِكَ الماءُ إلى مَوْضِعٍ غَيْرِ المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ في آخَرِينَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جُرَذًا يُسَمّى الخُلْدَ- والخُلْدُ: الفَأْرُ الأعْمى- فَنَقَبَهُ مِن أسْفَلِهِ، فَأغْرَقَ اللَّهُ [بِهِ] جَنّاتِهِمْ، وخَرَّبَ بِهِ أرْضَهم.

والثّانِي: أنَّهُ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ ماءً أحْمَرَ، أرْسَلَهُ في السَّدِّ فَنَسَفَهُ وهَدَمَهُ وحَفَرَ الوادِيَ، ولَمْ يَكُنِ الماءُ أحْمَرَ مِنَ السَّدِّ، وإنَّما كانَ سَيْلًا أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي اللَّتَيْنِ تُطْعِمانِ الفَواكِهَ ﴿ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " أُكُلٍ " بِالتَّنْوِينِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: " أُكُلِ " بِالإضافَةِ.

وخَفَّفَ الكافَ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وثَقَّلَها الباقُونَ.

أمّا الأُكُلُ، فَهو الثَّمَرُ.

وَفِي المُرادِ بِـ الخَمْطِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الأراكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ؛ فَعَلى هَذا، أُكُلُهُ: ثَمَرُهُ؛ ويُسَمّى ثَمَرُ الأراكِ: البَرِيرَ.

والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ شَجَرَةٍ ذاتِ شَوْكٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ نَبْتٍ قَدْ أخَذَ طَعْمًا مِنَ المَرارَةِ حَتّى لا يُمْكِنَ أكْلُهُ، قالَهُ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ، الخَمْطُ: اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ، فَيَحْسُنُ عَلى هَذا قِراءَةُ مَن نَوَّنَ الأُكُلَ؛ وعَلى ما قَبْلَهُ، هو اسْمُ شَجَرَةٍ، والأُكُلُ ثَمَرُها، فَيَحْسُنُ قِراءَةُ مَن أضافَ.

فَأمّا الأثْلُ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الطَّرْفاءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ السَّمُرَ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ شَجَرٌ يُشْبِهُ الطُّرَفاءَ إلّا أنَّهُ أعْظَمُ مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ فِيهِ تَقْدِيمٌ، وتَقْدِيرُهُ: وشَيْءٌ قَلِيلٌ مِن سِدْرٍ، وهو شَجَرُ النَّبْقِ.

والمَعْنى أنَّهُ كانَ الخَمْطُ والأثْلُ في جَنَّتَيْهِمْ أكْثَرَ مِنَ السِّدْرِ.

قالَ قَتادَةُ: بَيْنا شَجَرُهم مِن خَيْرِ الشَّجَرِ، إذْ صَيَّرَهُ اللَّهُ مِن شَرِّ الشَّجَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ جَزَيْناهُمْ ﴾ أيْ: ذَلِكَ التَّبْدِيلَ جَزَيْناهم ﴿ بِما كَفَرُوا وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: قَدْ يُجازى المُؤْمِنُ والكافِرُ، فَما مَعْنى هَذا التَّخْصِيصِ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المُؤْمِنَ يُجْزى ولا يُجازى، فَيُقالُ في أفْصَحِ اللُّغَةِ: جَزى اللَّهُ المُؤْمِنَ، ولا يُقالُ: جازاهُ، لِأنَّ " جازاهُ " بِمَعْنى كافَأهُ، فالكافِرُ يُجازى بِسَيِّئَتِهِ مِثْلَها، مُكافَأةً لَهُ، والمُؤْمِنُ يُزادُ في الثَّوابِ ويُتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّ الكافِرَ لَيْسَتْ لَهُ حَسَنَةٌ تُكَفِّرُ ذُنُوبَهُ، فَهو يُجازى بِجَمِيعِ الذُّنُوبِ، والمُؤْمِنُ قَدْ أحْبَطَتْ حَسَناتُهُ سَيِّئاتِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

وقالَ طاوُوسٌ: الكافِرُ يُجازى ولا يُغْفَرُ لَهُ، والمُؤْمِنُ لا يُناقَشُ الحِسابَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ ﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ ﴾ ؛ والمَعْنى: كانَ مِن قِصَصِهِمْ أنّا جَعَلْنا بَيْنَهم ﴿ وَبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ وهِيَ: قُرى الشّامِ؛ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ مَعْنى البَرَكَةِ فِيها [الأنْبِياءِ: ٧١] هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وحَكى ابْنُ السّائِبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أهْلَكَ جَنَّتَيْهِمْ قالُوا لِلرُّسُلِ: قَدْ عَرَفْنا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْنا، فَلَئِنْ رَدَّ إلَيْنا ما كُنّا عَلَيْهِ لَنَعْبُدَنَّهُ عِبادَةً شَدِيدَةً، فَرَدَّ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ، وجَعَلَ لَهم قُرًى ظاهِرَةً فَعادُوا إلى الفَسادِ وقالُوا: باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا، فَمُزِّقُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُرًى ظاهِرَةً ﴾ أيْ: مُتَواصِلَةٌ يَنْظُرُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ ﴿ وَقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَغْدُونَ فَيَقِيلُونَ في قَرْيَةٍ، ويَرُوحُونَ فَيَبِيتُونَ في قَرْيَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ ما بَيْنَ القَرْيَةِ والقَرْيَةِ مِقْدارًا واحِدًا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سِيرُوا فِيها ﴾ والمَعْنى: وقُلْنا لَهُمْ: سِيرُوا فِيها ﴿ لَيالِيَ وأيّامًا ﴾ أيْ: لَيْلًا ونَهارًا ﴿ آمِنِينَ ﴾ مِن مَخاوِفِ السَّفَرِ مِن جُوعٍ أوْ عَطَشٍ أوْ سَبُعٍ أوْ تَعَبٍ.

وكانُوا يَسِيرُونَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ في أمانٍ، فَبَطَرُوا النِّعْمَةَ ومَلُّوها كَما مَلَّ بَنُو إسْرائِيلَ المَنَّ والسَّلْوى فَقالُوا رَبَّنا بَعِّدْ بَيْنَ أسْفارِنا قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " بَعِّدْ " بِتَشْدِيدِ العَيْنِ وكَسْرِها.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: " باعِدْ " بِألِفٍ وكَسْرِ العَيْنِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كالقِراءَتَيْنِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهم قالُوا: لَوْ كانَتْ جَنّاتُنا أبْعَدَ مِمّا هِيَ، كانَ أجْدَرَ أنْ يُشْتَهى جَناها.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لَمّا ذَكَّرَتْهُمُ الرُّسُلُ نِعَمَ اللَّهِ، أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ ما هم فِيهِ نِعْمَةً، وَسَألُوا اللَّهَ أنْ يُباعِدَ بَيْنَ أسْفارِهِمْ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ: [ " رَبُّنا " بِرَفْعِ الباءِ] " باعَدَ " بِفَتْحِ العَيْنِ والدّالِ، جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا عَلى طَرِيقِ الإخْبارِ لِلنّاسِ بِما أنْزَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِمْ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ [السُّلَمِيُّ]، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " بَعُدَ " بِرَفْعِ العَيْنِ وتَخْفِيفِها وفَتْحِ الدّالِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، عَلى طَرِيقِ الشِّكايَةِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " بُوعِدَ " بِرَفْعِ الباءِ وبِواوٍ ساكِنَةٍ مَعَ كَسْرِ العَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بِالكُفْرِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ.

والثّانِي: بِقَوْلِهِمْ " بَعِّدْ بَيْنَ أسْفارِنا " .

﴿ فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ لِمَن بَعْدَهم يَتَحَدَّثُونَ بِما فُعِلَ بِهِمْ ﴿ وَمَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ أيْ: فَرَّقْناهم في كُلِّ وجْهٍ مِنَ البِلادِ كُلَّ التَّفْرِيقِ، لِأنَّ اللَّهَ لَمّا غَرَّقَ مَكانَهم وأذْهَبَ جَنَّتَيْهِمْ تَبَدَّدُوا في البِلادِ، فَصارَتِ العَرَبُ تَتَمَثَّلُ في الفِرْقَةِ بِسَبَأٍ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ: فِيما فُعِلَ بِهِمْ ﴿ لآياتٍ ﴾ أيْ: لَعِبَرًا ﴿ لِكُلِّ صَبّارٍ ﴾ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ ﴿ شَكُورٍ ﴾ لِنِعَمِهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ " عَلَيْهِمْ " بِمَعْنى " فِيهِمْ "، وَصِدْقُهُ في ظَنِّهِ أنَّهُ ظَنَّ بِهِمْ أنَّهم يَتَّبِعُونَهُ إذْ أغْواهُمْ، فَوَجَدَهم كَذَلِكَ.

وإنَّما قالَ: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهم ولأُمَنِّيَنَّهُمْ  ﴾ بِالظَّنِّ، لا بِالعِلْمِ، فَمَن قَرَأ: " صَدَّقَ " بِتَشْدِيدِ الدّالِ، فالمَعْنى: حَقَّقَ ما ظَنَّهُ فِيهِمْ بِما فُعِلَ بِهِمْ؛ ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ، فالمَعْنى: صَدَقَ عَلَيْهِمْ في ظَنِّهِ بِهِمْ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ سَبَإٍ.

والثّانِي: سائِرُ المُطِيعِينَ لِإبْلِيسَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ﴾ [الحِجْرِ: ٤٢ قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما ضَرَبَهم بِعَصًا ولا قَهْرَهم عَلى شَيْءٍ إلّا أنَّهُ دَعاهم إلى الأمانِيِّ والغُرُورِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا لِنَعْلَمَ ﴾ أيْ: ما كانَ تَسْلِيطُنا إيّاهُ إلّا لِنَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الشّاكِّينَ.

وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: " إلّا لِيُعْلَمَ " بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ: " لِيَعْلَمَ " بِفَتْحِ الياءِ.

وَفِي المُرادِ بِعِلْمِهِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ ٍ قَدْ شَرَحْناهُ في أوَّلِ (العَنْكَبُوتِ: ٣) .

﴿ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الشَّكِّ والإيمانِ ﴿ حَفِيظٌ ﴾ ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والحَفِيظُ بِمَعْنى الحافِظِ.

قالَ الخَطّابِيُّ: وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، كالقَدِيرِ، والعَلِيمِ، فَهو يَحْفَظُ السَّماواتِ والأرْضَ بِما فِيها لِتَبْقى مُدَّةَ بَقائِها، ويَحْفَظَ عِبادَهُ مِنَ المَهالِكِ، ويَحْفَظَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ، ويَعْلَمَ نِيّاتِهِمْ، ويَحْفَظَ أوْلِياءَهُ عَنْ مُواقَعَةِ الذُّنُوبِ، ويَحْرُسُهم مِن مَكايِدِ الشَّيْطانِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عن يَمِينٍ وشِمالٍ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ ﴾ ﴿ فَأعْرَضُوا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وأثْلٍ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ ﴿ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ ﴾ هَذا مَثَلٌ لِقُرَيْشٍ بِقَوْمٍ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ وأرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُسُلَ فَكَفَرُوا وأعْرَضُوا فانْتَقَمَ اللهُ مِنهُمْ، أيْ: فَأنْتُمْ أيُّها القَوْمُ مِثْلُهم.

وسَبَإٍ: هُنا أرادَ بِهِ القَبِيلَ، واخْتُلِفَ، لِمَ سُمِّيَ القَبِيلُ بِذَلِكَ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْمُ امْرَأةٍ كانَتْ أمَّ القَبِيلِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ في كِتابِ الرُمّانِيِّ: هو اسْمُ مَوْضِعٍ، فَسُمِّيَ القَبِيلُ بِهِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هو اسْمُ رَجُلٍ كانَ هُوَ أبًا لِلْقَبِيلِ كُلِّهِمْ، قِيلَ: هو ابْنُ يَشْجُبِ بْنِ يَعْرُبَ، ورُوِيَ في هَذا القَوْلِ حَدِيثٌ «أنَّ النَبِيَّ  سَألَهُ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ عن سَبَإٍ، ما هُوَ؟

فَقالَ: "هُوَ اسْمُ رَجُلٍ مِنهُ تَناسَلَتْ قَبائِلُ اليَمَنِ".» وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ: "لِسَبَإٍ" بِهَمْزَةٍ مُنَوَّنَةٍ مَكْسُورَةٍ، عَلى مَعْنى الحَيِّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ: "لِسَبَأ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ غَيْرِ مَصْرُوفٍ، عَلى مَعْنى القَبِيلَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "مَساكِنَهُمْ"؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ لَهُ مَسْكَنٌ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "فِي مَسْكِنِهِمْ" بِكَسْرِ الكافِ، أيْ: في مَوْضِعِ سُكْناهُمْ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وعَلْقَمَةَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والفَتْحُ حَسَنٌ أيْضًا، لَكِنَّ هَذا كَما قالُوا: "مَسْجِدٌ"، وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ يَرى هَذا اسْمَ البَيْتِ، ولَيْسَ مَوْضِعَ السُجُودِ، قالَ: هي لُغَةُ الناسِ اليَوْمَ، والفَتْحُ هي لُغَةُ الحِجازِ، وهي اليَوْمَ قَلِيلَةٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفَصٌ: "مَسْكَنَهُمْ" بِفَتْحِ الكافِ، عَلى المَصْدَرِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وهي قِراءَةُ إبْراهِيمَ النَخَعِيِّ، وهَذا الإفْرادُ هو كَما قالَ الشاعِرُ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَخِفُّوا وَكَما قالَ الآخَرُ: قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ و"آيَةٌ" مَعْناها: عِبْرَةٌ وعَلامَةٌ عَلى فَضْلِ اللهِ وقُدْرَتِهِ، و"جَنَّتانِ" ابْتِداءٌ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عن يَمِينٍ وشِمالٍ ﴾ ، أو خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هي جَنَّتانِ، وهي جُمْلَةٌ بِمَعْنى: هَذِهِ حالُهُمْ، والبَدَلُ مِن "آيَةٌ" ضَعِيفٌ، وقَدْ قالَهُ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ["آيَةٌ جَنَّتَيْنِ"] بِالنَصْبِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في ناحِيَةِ اليَمَنِ وادٍ عَظِيمٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، وكانَتْ حُقَّتا الوادِي عِنْدَ أوَّلِ الجَبَلَيْنِ جِسْرٌ عَظِيمٌ مِن حِجارَةٍ مِنَ الجَبَلِ فارْتَدَعَ الماءُ فِيهِ وصارَ بُحَيْرَةً عَظِيمَةً، وأخَذَ الماءُ مِن جَنْبَتَيْها فَمَشى مُرْتَفِعًا يَسْقِي جَنّاتِ جَنْبَتَيِ الوادِي، قِيلَ: بَنَتْهُ بَلْقِيسُ، وقِيلَ: بَناهُ حِمْيَرُ أبُو القَبائِلِ اليَمَنِيَةِ كُلِّها، وكانُوا بِهَذِهِ الحالِ في أرْغَدِ نِعَمٍ، وكانَتْ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ قُرًى ظاهِرَةٌ مُتَّصِلَةٌ مِنَ اليَمَنِ إلى الشامِ، وكانُوا أرْبابَ تِلْكَ البِلادِ في ذَلِكَ الزَمانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ["كُلُوا"]﴾ فِيهِ حَذْفٌ، كَأنَّهُ قالَ: قِيلَ لَهُمْ: كُلُوا، و["طَيِّبَةٌ"] مَعْناهُ: كَرِيمَةُ التُرْبَةِ، حَسَنَةُ الهَواءِ، رَغْدَةٌ مِنَ النِعَمِ، سَلِيمَةُ مِنَ الهَوامِّ والمَضارِّ، هَذِهِ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ، وكانَ ذَلِكَ الوادِي - فِيما رُوِيَ عن عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ - لا يَدْخُلُهُ بَرْغُوثٌ ولا قَمْلَةٌ ولا بَعُوضَةٌ ولا عَقْرَبٌ ولا شَيْءٌ مِنَ الحَيَوانِ الضارِّ، وإذا جاءَ بِهِ أحَدٌ مِن سَفَرٍ سَقَطَ عِنْدَ أوَّلِ الوادِي، ورُوِيَ أنَّ الماشِيَ بِمِكْتَلٍ فَوْقَ رَأْسِهِ بَيْنَ أشْجارِهِ كانَ يَمْتَلِئُ مِكْتَلُهُ دُونَ أنْ يَمُدَّ يَدًا، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِنَ الأمْرِ بِالأكْلِ والشُرْبِ والتَوْقِيفِ عَلى طِيبِ البَلَدِ والغُفْرانِ مِنَ الرَبِّ مَعَ الإيمانِ هي مِن قَوْلِ الأنْبِياءِ لَهم.

وقَرَأ رُوَيْسٌ عن يَعْقُوبَ: ["بَلْدَةً طَيِّبَةً ورَبًّا غَفُورًا"] بِالنَصْبِ في الكُلِّ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ - فِيما رُوِيَ - ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَكَفَرُوا بِهِمْ وأعْرَضُوا، فَبَعَثَ اللهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ السَدِّ جَرادًا أعْمى تَوالَدَ فِيهِ وخَرَّقَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وأرْسَلَ سَيْلًا في ذَلِكَ الوادِي فَحَمَلَ ذَلِكَ السَدَّ، فَيُرْوى أنَّهُ كانَ مِنَ العِظَمِ وكَثْرَةِ الماءِ بِحَيْثُ مَلَأ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وحَمَلَ الجَنّاتِ وكَثِيرًا مِنَ الناسِ مِمَّنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الفِرارُ، ويُرْوى أنَّهُ لَمّا خُرِقَ السَدُّ كانَ ذَلِكَ سَبَبُ يُبْسِ الجَنّاتِ فَهَلَكَتْ بِهَذا الوَجْهِ، ورُوِيَ أنَّهُ صَرَّفَ الماءَ مِن مَوْضِعِهِ الَّذِي كانَ فِيهِ أوَّلًا فَتَعَطَّلَ سَقْيُ الجَنّاتِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في لَفْظَةِ ﴿ ["العَرِمِ"]،﴾ فَقالَ المُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ، وأبُو مَيْسَرَةَ: العَرِمُ في لُغَةِ اليَمَنِ جَمْعُ عَرِمَةٍ، وهو كُلُّ ما بُنِيَ أو سُنِّمَ لِيُمْسِكَ الماءَ، ويُقالُ ذَلِكَ بِلُغَةِ أهْلِ الحِجازِ: المُسَنّاةُ.

كَأنَّها الجُسُورُ والسِدادُ ونَحْوُها، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الأعْشى: وفي ذَلِكَ لِلْمُؤْتَسِي أُسْوَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ ومَأْرَبُ عَضَّ عَلَيْها العَرِمْ رِخامٌ بَناهُ لَهم حِمْيَرُ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا جاءَ مَوّارُهُ لَمْ يَرِمْ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: مِن سَبَأ الحاضِرِينَ مَأْرِبَ إذْ ∗∗∗ ∗∗∗ يَبْنُونَ مِن دُونِ سَيْلِها العَرِما وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: اسْمُ وادِي ذَلِكَ الماءِ بِعَيْنِهِ الَّذِي كانَ السَدُّ يُبْنى لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا: إنَّ سَيْلَ ذَلِكَ الوادِي أبَدًا كانَ يَصِلُ إلى مَكَّةَ ويُنْتَفَعُ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرِمُ: الشَدِيدُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَأنَّهُ صِفَةٌ لِلسَّيْلِ، مِنَ العَرامَةِ، والإضافَةُ إلى الصِفَةِ مُبالَغَةٌ، وهي كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: العَرِمُ: اسْمُ الجُرَذِ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وقِيلَ: العَرِمُ: صِفَةٌ لِلْمَطَرِ الشَدِيدِ الَّذِي كانَ عِنْدَ ذَلِكَ السَيْلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ﴾ قَوْلٌ فِيهِ تَجَوُّزٌ واسْتِعارَةٌ؛ وذَلِكَ أنَّ البَدَلَ مِنَ الخَمْطِ والأثْلِ لَمْ يَكُنْ جَنّاتٍ، لَكِنَّ هَذا كَما تَقُولُ لِمَن جُرِّدَ ثَوْبًا جَيِّدًا وضُرِبَ ظَهْرُهُ: "هَذا الضَرْبُ ثَوْبٌ صالِحٌ لَكَ"، ونَحْوَ هَذا.

وقَوْلُهُ: ﴿ "ذَواتَيْ" ﴾ تَثْنِيَةُ "ذاتٍ".

و"الخَمْطُ": شَجَرُ الأراكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وقِيلَ: "الخَمْطُ" كُلُّ شَجَرٍ لَهُ شَوْكٌ وثَمَرَتُهُ كَرِيهَةُ الطَعْمِ بِمَرارَةٍ، أو حُمَّصَةٌ، أو نَحْوُهُ، ومِنهُ: تَخَمَّطَ اللَبَنُ: إذا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ.

و"الأثْلُ" ضَرْبٌ مِنَ الطَرْفاءِ، هَذا هو الصَحِيحُ، وكَذا قالَ أبُو حَنِيفَةَ في كِتابِ النَباتِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقِيلَ: هو شَجَرٌ شَبِيهٌ بِالطَرْفاءِ، وقِيلَ: إنَّهُ السَمُرُ.

و"السِدْرُ" مَعْرُوفٌ، ولَهُ نَبَقٌ شَبِيهُ العُنّابِ، لَكِنَّهُ دُونَهُ في الطَعْمِ بِكَثِيرٍ.

و"لِلْخَمْطِ" ثَمَرٌ غَثٌّ هو البَرِيرُ، و"لِلْأثْلِ" ثَمَرٌ قَلِيلُ الغِناءِ غَيْرُ حَسَنِ الطَعْمِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعُ: "أُكْلِ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وضَمِّ الكافِ، ورُوِيَ أيْضًا عن أبِي عَمْرٍو سُكُونُ الكافِ، وهُما بِمَعْنى الجَنى والثَمَرَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُؤْتِي أُكُلَها  ﴾ أيْ: جَناها.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ بِتَنْوِينِ ﴿ "أُكُلٍ" ﴾ وصِفَتِهُ "خَمْطٍ" وما بَعْدَهُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: البَدَلُ هَذا لا يَحْسُنُ؛ لِأنَّ "الخَمْطَ" لَيْسَ بِالأكْلِ، و"الأكْلُ" لَيْسَ بِالخَمْطِ نَفْسِهِ، والصِفَةُ أيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَمْطَ اسْمٌ لا صِفَةٌ، وأحْسَنُ ما فِيهِ عَطْفُ البَيانِ، كَأنَّهُ بَيَّنَ أنَّ "الأُكُلَ" هَذِهِ الشَجَرَةَ ومِنها، ويُحَسِّنُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أنَّ هَذا الِاسْمَ قَدْ جاءَ مَجِيءَ الصِفَةِ في قَوْلِ الهُذَلِيِّ: عُقارٌ كَماءِ النِيءِ لَيْسَتْ بِخَمْطَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا خَلَّةٍ يَكْوِي الشَرُوبَ شِهابُها وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإضافَةِ "أكْلٍ" إلى "خَمْطٍ" وبِضَمِّ الكافِ، أيْ: "أُكُلِ خَمْطٍ"، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ القِراءَةَ أبُو عَلِيٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما أجْراهُ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهَلْ نُجازِي ﴾ ، أيْ: يُناقَشُ ويُعارَضُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، قَدْرًا بِقَدْرٍ؛ لِأنَّ جَزاءَ المُؤْمِنِ إنَّما هو بِتَفَضُّلٍ وتَضْعِيفٍ، وأمّا الَّذِي لا يُزادُ ولا يُنْقَصُ فَهو الكَفُورُ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ طاوُسُ: هي المُناقَشَةُ، وكَذَلِكَ إنْ كانَ المُؤْمِنُ ذا ذُنُوبٍ فَقَدْ يُغْفَرُ لَهُ ولا يُجازى، والكافِرُ يُجازى ولا بُدَّ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ"،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُجازى" بِالياءِ وفَتْحِ الزايِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُجازِي" بِالنُونِ وكَسْرِ الزايِ ﴿ "الكَفُورَ" ﴾ بِالنَصْبِ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: "وَهَلْ يُجْزى"، وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّهُ قَرَأ "يُجْزِي" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ.

قالَ الزَجّاجُ: يُقالُ: جَزَيْتُ في الخَيْرِ، وجازَيْتُ في الشَرِّ.

فَتُرَجِّحُ هَذِهِ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني ناشئ عن قوله: ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ [سبأ: 16] فهو من تمام الاعتراض.

واسم الإِشارة يجوز أن يكون في محل نصب نائباً عن المفعول المطلق المبيِّن لنوع الجزاء، وهو من البيان بطريق الإِشارة، أي جزيناهم الجزاء المشار إليه وهو ما تقدم من التبديل بجَنَّتَيْهم جنتين أخريين.

وتقديمه على عامله للاهتمام بشدة ذلك الجزاء.

واستحضاره باسم الإِشارة لما فيها من عظمة هوله.

ويجوز أن يكون اسم الإِشارة في محل رفع بالابتداء وتكون الإِشارة إلى ما تقدم من قوله: ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ إلى قوله: ﴿ من سدر قليل ﴾ [سبأ: 16] ويكون جملة ﴿ جزيناهم ﴾ خبرَ المبتدأ والرابط ضمير محذوف تقديره: جزيناهموه.

والباء في ﴿ بما كفروا ﴾ للسبيبة و(ما) مصدرية، أي بسبب كفرهم.

والكفر هو الكفر بالله، أي إنكار إلهيته لأنهم عبَدةُ الشمس.

والاستفهام في ﴿ وهل يجازى ﴾ إنكاري في معنى النفي كما دل عليه الاستثناء.

و ﴿ الكفور ﴾ : الشديد الكفر لأنهم كانوا لا يعرفون الله ويعبدون الشمس فهم أسوأ حالاً من أهل الشرك.

والمعنى: ما يُجَازَى ذلك الجزاء إلا الكفور لأن ذلك الجزاء عظيم في نوعه، أي نوع العقوبات فإن العقوبة من جنس الجزاء.

والمثوبة من جنس الجزاء فلما قيل ﴿ ذلك جزيناهم بما كفروا ﴾ تعين أن المراد: وهل يجازى مثل جزائهم إلا الكفور، فلا يتوهم أن هذا يقتضي أن غير الكفور لا يجازى على فعله، ولا أن الثواب لا يسمى جزاء ولا أن العاصي المؤمن لا يجازَى على معصيته، لأن تلك التوهمات كلها مندفعة بما في اسم الإِشارة من بيان نوع الجزاء، فإن الاستئصال ونحوه لا يجري على المؤمنين.

وقرأ الجمهور ﴿ يجازى ﴾ بياء الغائب والبناء للمجهول ورفع ﴿ الكفورُ ﴾ .

وقرأ حمزة والكسائي بنون العظمة والبناء للفاعل ونصب ﴿ الكفور ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ ﴾ الآيَةَ.

وَقَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَ النّاسِ في سَبَإٍ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ أرْضٍ بِاليَمَنِ يُقالُ لَها مَأْرِبَ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّانِي: اسْمُ قَبِيلَةٍ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا هَلْ هو اسْمُ امْرَأةٍ أوْ رَجُلٍ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ نُسِبَتِ القَبِيلَةُ إلَيْها لِأنَّها أُمُّهم.

الثّانِي: أنَّهُ رَجُلٌ.

رُوِيَ أنَّ فَرْوَةَ الغُطَيْفِيَّ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ سَبَأٍ ما هُوَ؟

أبْلَدٌ أمْ رَجُلٌ أمِ امْرَأةٌ؟

فَقالَ: (بَلْ رَجُلٌ ولَدَ عَشَرَةً، فَسَكَنَ اليَمَنَ مِنهم سِتَّةٌ والشّامَ أرْبَعَةٌ أمّا اليَمانِيُّونَ فَمَذْحِجٌ وكِنْدَهُ والأزْدُ والأشْعَرِيُّونَ وأنَمارُ وحِمْيَرُ وأمّا الشّامِيُّونَ فَلَخْمٌ وخِذامُ وغَسّانُ وعامِلَةُ.

وَذَكَرَ أهْلُ النَّسَبِ أنَّهُ سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ.

قالَ السُّدِّيُّ: بُعِثَ إلى سَبَأٍ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا.

وَأمّا ﴿ جَنَّتانِ ﴾ فَقالَ سُفْيانُ وُجِدَ فِيهِما قَصْرانِ مَكْتُوبٌ عَلى أحَدِهِما: نَحْنُ بُنِينا سالِمَيْنِ، في سَبْعِينَ خَرِيفًا دائِبَيْنِ، وعَلى الآخَرِ: نَحْنُ بُنِينا صُرْواحَ، مَقِيلٌ ومَراحُ، وكانَتْ إحْدى الجَنَّتَيْنِ عَنْ يَمِينِ الوادِي والأُخْرى عَنْ شِمالِهِ.

وَفي الآيَةِ الَّتِي لِسَبَأٍ في مَساكِنِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في قَرْيَتِهِمْ بَعُوضَةٌ قَطُّ ولا ذُبابَةٌ ولا بُرْغُوثٌ ولا حَيَّةٌ ولا عَقْرَبٌ وإنَّ الرَّكْبَ لَيَأْتُونَ في ثِيابِهِمُ القَمْلُ والدَّوابُّ فَتَمُوتُ تِلْكَ الدَّوابُّ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّ الآيَةَ هي الجَنَّتانِ كانَتِ المَرْأةُ تَمْشِي فِيهِما وعَلى رَأْسِها مِكْتَلٌ فَيَمْتَلِئُ وما مَسَّتْهُ بِيَدِها، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكُمْ ﴾ يَعْنِي الَّذِي رَزَقَكم مِن جَنَّتِكم.

﴿ واشْكُرُوا لَهُ ﴾ يَعْنِي عَلى ما رَزَقَكم.

﴿ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هي صَنْعاءُ.

وَيَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّ أرْضَها ولَيْسَتْ بِسَبِخَةٍ.

الثّانِي: لِأنَّها لَيْسَ بِها هَوامُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن فروة بن مسيك المرادي رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؟

فأذن لي في قتالهم وأمرني، فلما خرجت من عنده، أرسل في أثري، فردني فقالادع القوم فمن أسلم منهم فاقبل منه، ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك، وأنزل في سبأ ما أنزل فقال رجل: يا رسول الله وما سبأ، أرض أم امرأة؟

قال: ليس بأرض، ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب، فَتَيَامَنَ منهم ستة، وتشاءَمَ منهم أربعة، فاما الذين تشاءموا فلخم، وجذام، وغسان، وعاملة.

وأما الذين تيامنوا فالازد، والاشعريون، وحمير، وكندة، ومذحج، وأنمار.

فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار؟

قال: الذين منهم خثعم، وبجيلة» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والطبراني وابن أبي حاتم وابن عدي والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبأ أرجل هو، أو امرأة، أم أرض؟

فقال: بل هو رجل ولد عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة، فأما اليمانيون فمذحج، وكندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحِمْيَر.

وأما الشاميون فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان» .

وأخرج الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ لقد كان لسبإ في مساكنهم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ لقد كان لسبإ ﴾ بالخفض منوّنة مهموزة ﴿ في مساكنهم ﴾ على الجماع بالألف.

وأخرج الفريابي عن يحيى بن وثاب أنه يقرأها ﴿ لقد كان لسبإ في مساكنهم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: كان لسبأ جنتان بين جبلين، فكانت المرأة تمر ومكتلها على رأسها، فتمشي بين جبلين، فتمتلئ فاكهة وما مسته بيدها، فلما طغوا بعث الله عليهم دابة يقال لها: الجرذ، فنقب عليهم، فغرقهم، فما بقي منهم الا أثل، وشيء من سدر قليل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد كان لسبإٍ في مساكنهم...

﴾ .

قال لم يكن يرى في قريتهم بعوضة قط، ولا ذباب، ولا برغوث، ولا عقرب، ولا حية، وإن ركب ليأتون في ثيابهم القمل والدواب، فما هو إلا أن ينظروا إلى بيوتها، فتموت تلك الدواب، وإن كان الإِنسان ليدخل الجنتين، فيمسك القفة على رأسة، ويخرج حين يخرج وقد امتلأت تلك القفة من أنواع الفاكهة، ولم يتناول منها شيئاً بيده.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بلدة طيبة ورب غفور ﴾ قال: هذه البلد طيبة، وربكم غفور لذنوبكم.

وفي قوله: ﴿ فاعرضوا ﴾ قال: بطر القوم أمر الله، وكفروا نعمته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: كان أهل سبأ أعطوا ما لم يعطه أحد من أهل زمانهم، فكانت المرأة تخرج على رأسها المكتل فتريد حاجتها، فلا تبلغ مكانها الذي تريد حتى يمتلئ مِكْتَلُهَا من أنواع الفاكهة، فأجمعوا ذلك فكذبوا رسلهم، وقد كان السيل يأتيهم من مسيرة عشرة أيام حتى يستقر في واديهم، فيجمع الماء من تلك السيول والجبال في ذلك الوادي، وكانوا قد حفروه بمسناة- وهم يسمون المسناة العرم- وكانوا يفتحون إذا شاءوا من ذلك الماء، فيسقون جنانهم إذا شاءوا، فلما غضب الله عليهم، وأذن في هلاكهم، دخل رجل إلى جنته- وهو عمرو بن عامر فيما بلغنا، وكان كاهناً- فنظر إلى جرذة تنقل أولادها من بطن الوادي إلى أعلى الجبل فقال: ما نقلت هذه أولادها من هاهنا إلا وقد حضر أهل هذه البلاد عذاب، ويقدر أنها خرقت ذلك العرم، فنقبت نقباً، فسال ذلك النقب ماء إلى جنته، فأمر عمرو بن عامر بذلك النقب فسد، فأصبح وقد انفجر بأعظم ما كان، فأمر به أيضاً فسد، ثم انفجر بأعظم ما كان، فلما رأى ذلك دعا ابن أخيه فقال: إذا أنا جلست العشية في نادي قومي فائتني فقل: علام تحبس علي مالي؟

فإني سأقول ليس لك عندي مال، ولا ترك أبوك شيئاً، وإنك لكاذب.

فإذا أنا كذبتك فكذبني وأردد عليّ مثل ما قلت لك، فإذا فعلت ذلك فإني سأشتمك، فاشتمني.

فإذا أنت شتمتني لطمتك، فإذا أنا لطمتك فقم فالطمني.

قال: ما كنت لاستقبلك بذلك يا عم!

قال: بلى.

فافعل فإني أريد بها صلاحك، وصلاح أهل بيتك فقال الفتى: نعم.

حيث عرف هوىعمه فجاء فقال ما أمر به حتى لطمه فتناوله الفتى فلطمه فقال الشيخ: يا معشر بني فلان الطم فيكم؟

لا سكنت في بلد لطمني فيه فلان أبداً، من يبتاع مني.

فلما عرف القوم منه الجد أعطوه، فنظر إلى أفضلهم عطية، فأوجب له البيع، فدعا بالمال، فنقده وتحمل هو وبنوه من ليلته، فتفرقوا.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان في سبأ كهنة، وكانت الشياطين يسترقون السمع، فأخبروا الكهنة بشيء من أخبار السماء، وكان فيهم رجل كاهن شريف كثير المال، أنه أخبر أن زوال أمرهم قد دنا، وأن العذاب قد أظلهم، فلم يدر كيف يصنع لأنه كان له مال كثير من عقر، فقال لرجل من بنيه وهو أعزهم أخوالاً: إذا كان غداً وأمرتك بأمر فلا تفعله، فإذا نهرتك فانتهرني، فإذا تناولتك فالطمني، قال: يا أبت لا تفعل إن هذا أمر عظيم وأمر شديد قال: يا بني قد حدث أمر لا بد منه، فلم يزل حتى هيأه على ذلك، فلما أصبحوا، واجتمع الناس قال: يا بني افعل كذا وكذا.

..

فأبى، فانتهره أبوه، فأجابه، فلم يزل ذلك بينهما حتى تناوله أبوه، فوثب على أبيه فلطمه، فقال: ابني يلطمني عليَّ بالشفرة قالوا: وما تصنع بالشفرة؟

قال: اذبحه قالوا: تذبح ابنك الطمه واصنع ما بدا لك، فأبى إلا أن يذبحه، فأرسلوا إلى أخواله فاعلموهم بذلك، فجاء أخواله فقالوا: خذ منا ما بدا لك، فأبى إلا أن يذبحه قالوا: فلتموتن قبل أن تدعوه قال: فإذا كان الحديث هكذا فإني لا أريد أن أقيم ببلد يحال بيني وبين إبني فيه، اشتروا مني دوري، اشتروا مني أرضي، فلم يزل حتى باع دوره، وأرضه، وعقاره.

فلما صار الثمن في يده وأحرزه قال: أي قوم أن العذاب قد أظلكم، وزوال أمركم قد دنا، فمن أراد منكم داراً جديداً، وجملاً شديداً، وسفراً فليلحق بعمان ومن أراد منكم الخمر، والخمير، والعصير، فليلحق ببصرى.

ومن أراد منكم الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، المقيمات في الضحل، فليلحق بيثرب ذات نخل، فأطاعه قوم، فخرج أهل عمان إلى عمان، وخرجت غسان إلى بصرى، وخرجت الأوس، والخزرج، وبنو كعب بن عمرو، إلى يثرب، فلما كانوا ببطن نخل قال بنو كعب: هذا مكان صالح لا نبتغي به بدلاً فأقاموا، فذلك سموا خزاعة لأنهم انخزعوا عن أصحابهم، وأقبلت الأوس والخزرج حتى نزلوا بيثرب.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد كان لسبإ...

﴾ .

قال: كان لهم مجلس مشيد بالمرمر، فأتاهم ناس من النصارى فقالوا: أشكروا الله الذي أعطاكم هذا قالوا: ومن أعطاناه؟

إنما كان لآبائنا فورثناه، فسمع ذلك ذو يزن فعرف أنه سيكون لكلمتهم تلك خبر فقال لابنه: كلامك علي حرام إن لم تأت غداً وأنا في مجلس قومي فتصك وجهي، ففعل ذلك فقال: لا أقيم بأرض فعل هذا ابني بي فيها، إلا من يبتاع مني مالي، فابتدره الناس، فابتاعوه فبعث الله جرذاً أعمى يقال له الخلد من جرذان عمى، فلم يزل يحفر السد حتى خرقه فانهدم وذهب الماء بالجنتين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: لقد بعث الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبياً فكذبوهم، وكان لهم سد كانوا قد بنوه بنياناً أبداً وهو الذي كان يرد عنهم السيل إذا جاء أن يغشى أموالهم، وكان فيما يزعمون في علمهم من كهانتهم أنه إنما يخرب سدهم ذلك فارة، فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة، فلما جاء زمانه وما أراد الله بهم من التفريق، أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء إلى هرة من تلك الهرر، فساورتها حتى استأخرت عنها الهرة، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها، فتغلغلت بالسد، فحفرت فيه حتى رققته للسيل وهم لا يدرون، فلما أن جاء السيل وجد عللاً، فدخل فيه حتى قلع السد وفاض على الأموال فاحتملها، فلم يبق منها إلا ما ذكر عن الله تبارك وتعالى.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال: كانت أودية اليمن تسيل إلى وادي سبأ، وهو واد بين جبلين، فعمد أهل سبأ فسدوا ما بين الجبلين بالقير والحجارة، وتركوا ما شاءوا لجناتهم، فعاشوا بذلك زماناً من الدهر، ثم إنهم عتوا وعملوا بالمعاصي، فبعث الله على ذلك السد جرذاً فنقبه عليهم، فعرض الله مساكنهم وجناتهم، وبدلهم بمكان جنتيهم جنتين خمط والخمط الأراك ﴿ وأثل ﴾ الاثل القصير من الشجر الذي يصنعون منه الأقداح.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ سيل العرم ﴾ قال: الشديد.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عمرو بن شرحبيل رضي الله عنه ﴿ سيل العرم ﴾ قال: المنساة بلحن اليمن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سيل العرم ﴾ قال: ﴿ العرم ﴾ بالحبشة وهي المنساة التي يجتمع فيها الماء ثم ينشف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال: ﴿ العرم ﴾ اسم الوادي.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ سيل العرم ﴾ قال: وادٍ كان باليمن كان يسيل إلى مكة.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال: وادي سبأ يدعى ﴿ العرم ﴾ .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سيل العرم ﴾ السد ماء أحمر أرسله الله في السد، فشقه وهدمه، وحفر الوادي عن الجنتين، فارتفعا وغار عنهما الماء، فيبستا ولم يكن الماء الأحمر من السد، كان شيئاً أرسله الله عليهم.

وفي قوله: ﴿ أكل خمط ﴾ قال: الخمط الأراك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أرسله الله عليهم.

وفي قوله: ﴿ أكل خمط ﴾ قال: (الخمط) الأراك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أكل خمط ﴾ قال: الأراك ﴿ وأثل ﴾ قال: الطرفاء.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ أكل خمط ﴾ قال: الأراك قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الشاعر يقول: ما معول فود تراعى بعينها ** أغن غضيض الطرف من خلل الخمط وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن شرحبيل رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأثل ﴾ قال (الاثل) شجر لا يأكلها شيء وإنما هي حطب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: ﴿ الخمط ﴾ الاراك و(الاثل) النضار و ﴿ السدر ﴾ النبق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لقد كان لسبإ في مساكنهم...

﴾ .

قال: قوم أعطاهم الله نعمة، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، قال الله: ﴿ فأعرضوا ﴾ قال: ترك القوم أمر الله ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ ذكر لنا ﴿ العرم ﴾ وادي سبأ كانت تجتمع إليه مسايل من أودية شتى، فعمدوا فسدوا ما بين الجبلين بالقير والحجارة، وجعلوا عليه أبواباً وكانوا يأخذون من مائة ما احتاجوا إليه، ويسدون عنهم ما لم يعبأوا به من مائه، فلما تركوا أمر الله بعث الله عليهم جرذاً، فنقبه من أسفله، فاتسع حتى غَرَّقَ الله به حروثَهم، وخَرَّبَ به أراضيهم عقوبة بأعمالهم قال الله: ﴿ فبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ﴾ والخمط الأراك و ﴿ أكل ﴾ بربرة و ﴿ أثل وشيء من سدر قليل ﴾ بينما شجر القوم من خير الشجر إذ صيره الله من شر الشجر عقوبة بأعمالهم قال الله: ﴿ ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور ﴾ إن الله إذا أراد بعبد كرامة أو خيراً تقبل حسناته، وإذا أراد بعبد هواناً أمسك عليه بذنبه.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: الخمط هو الأراك.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وأبي مالك، مثله.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وهل نجازي إلا الكفور ﴾ قال: تلك المناقشة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس ﴿ وهل نجازي إلا الكفور ﴾ قال: هو المناقشة في الحساب، ومن نوقش الحساب عذب، وهو الكافر لا يغفر له.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي حيوة وكان من أصحاب علي قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والمنغص في اللذة قيل: وما المنغص؟

قال: لا يصادف لذة حلال إلا جاءه من ينغصه إياها.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ القرى التي باركنا فيها ﴾ قال: الشام.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ قال: هي قرى الشام.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير، مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة ﴾ قال: كان فيما بين اليمن إلى الشام قرى متواصلة و ﴿ القرى التي باركنا فيها ﴾ الشام.

كان الرجل يغدو فيقبل في القرية، ثم يروح فيبيت في القرية الأخرى، وكانت المرأة تخرج وزنبيلها على رأسها، فما تبلغ حتى يمتلئ من كل الثمار.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبي ملكية في قوله: ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة ﴾ قال: كانت قراهم متصلة ينظر بعضهم إلى بعض، وثمرهم متدل فبطروا.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ وقدرنا فيها السير ﴾ قال: دانينا فيها السير.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجعلنا بينهم ﴾ يعني بين مساكنهم ﴿ وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ يعني الأرض المقدسة (قرى) فيما بين منازلهم والأرض المقدسة ﴿ ظاهرة ﴾ يعني عامرة مخصبة ﴿ وقدرنا فيها السير ﴾ يعني فيما بين مساكنهم وبين أرض الشام ﴿ سيروا فيها ﴾ يعني إذا ظعنوا من منازلهم إلى أرض الشام من الأرض المقدسة.

وأخرج ابن عساكر عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ ظاهرة ﴾ قال: قرى بالشام.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين ﴾ قال: لا يخافون جوعاً ولا ظمأ، إنما يغدون فيقيلون في قرية، ويروحون فيبيتون في قرية، أهل جنة ونهر حتى ذكر لنا: أن المرأة كانت تضع مكتلها على رأسها، فيمتلئ قبل أن ترجع إلى أهلها، وكان الرجل يسافر لا يحمل معه زاداً، فبطروا النعمة ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ فمزقوا ﴿ كل ممزق ﴾ وجعلوا أحاديث.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ قال: قالوا يا ليت هذه القرى يبعد بعضها عن بعض، فنسير على نجائبنا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ قالوا ربنا بعِّد بين أسفارنا ﴾ مثقلة قال: لم يدعوا على أنفسهم، ولكن شكوا ما أصابهم.

وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ قالوا ربنا بَعِّدْ بين أسفارنا ﴾ مثقلة على معنى فعِّل.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن أبي الحسن رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ بَعُدَ بين أسفارنا ﴾ بنصب الباء، ورفع العين.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ربنا ﴾ بالنصب ﴿ باعد ﴾ بنصب الباء وكسر العين على الدعاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومزقناهم كل ممزق ﴾ قال: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعمان.

فمزقهم الله كل ممزق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبارٍ شكور...

﴾ قال: مطرف في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.

وأخرج عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ لكل صبار شكور ﴾ قال: ﴿ صبار ﴾ في الكريهة ﴿ شكور ﴾ عند الحسنة.

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن عامر رضي الله عنه قال: الشكر نصف الإِيمان، والصبر نصف الايمان، واليقين الايمان كله.

وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله قال: يا عيسى ابن مريم إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم.

قال: يا رب كيف يكون هذا لهم، ولا حلم ولا علم؟

قال: أعطيهم من حلمي وعلمي» .

وأخرج أحمد ومسلم والبيهقي في شعب الإِيمان والدارمي وابن حبان عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن أمر المؤمن كله خير، إن أصابته سراء شكر كان خيراً، وإن أصابته ضراء صبر كان خيراً» .

وأخرج أحمد والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبت للمؤمن أن أعطي قال الحمد لله فشكر، وإن ابتلي قال الحمد لله فصبر، فالمؤمن يؤجر على كل حال، حتى اللقمة يرفعها إلى فيه» .

وأخرج البيهقي في الشعب وأبو نعيم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نظر في الدين إلى من هو فوقه، وفي الدنيا إلى من هو تحته، كتبه الله صابراً وشاكراً، ومن نظر في الدين إلى من هو تحته، ونظر في الدنيا إلى من هو فوقه، لم يكتبه الله صابراً ولا شاكراً» والله سبحانه وتعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ] (١) ﴿ جَزَيْنَاهُمْ ﴾ ذلك ﴿ بِمَا كَفَرُوا ﴾ (٢) ﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾ بالنون قرأ حمزة والكسائي؛ لقوله: ﴿ جَزَيْنَاهُم ﴾ ولم يقولوا جوزوا، من قرأ يجازي بالضم بني الفعل للمفعول به، والمجازي هو الله، فمعنى القراءتين سواء.

وفي تخصيص الكفور بالمجازاة أقوال: أحدها (٣) ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ  ﴾ وقال: ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ  ﴾ ، والكافر يجازى بكل سوء يعمله، وهذا قول أبي إسحاق وأبي علي (٤) وقال الفراء: (معنى جزيناه كافيناه (٥) (٦) (٧) وأما المفسرون؛ فقال مقاتل: وهل نكافئ بعمله السيئ إلا الكفور لله في نعمه (٨) وقال طاوس: يجازى الكفور ولا يغفر له، والمؤمن لا يناقش الحساب (٩) وقال مجاهد: وهل يجازى: يعاقب (١٠) (١١) (١٢) (١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٢) انظر: "معاني القران وإعرابه" 4/ 249.

(٣) في (ب): (أحدهما).

(٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 249، "الحجة" 6/ 17 - 18.

(٥) في (ب): (جزيناهم افيناهم).

(٦) "معاني القرآن" 2/ 359.

(٧) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 409، "معاني القرآن" للفراء 2/ 359، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 249.

(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.

(٩) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 409، "تفسير القرطبي" 14/ 288، تفسير ابن كثير" 5/ 543.

(١٠) "تفسير مجاهد" ص 525.

(١١) لم أقف عليه.

(١٢) "الحجة" 6/ 18.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور ﴾ معناه لا يناقش ويجازى بمثل فعله إلا الكفور؛ لأن المؤمن قد يسمح الله له ويتجاوز عنه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عالم الغيب ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ورويس.

﴿ علام ﴾ بالجر وبناء المبالغة: حمزة وعلي.

الباقون ﴿ عالم ﴾ بالجر وبدون المبالغة.

﴿ معاجزين ﴾ بالألف وقد روي عن ابن كثير وأبي عمرو ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد ﴿ رجز أليم ﴾ بالرفع صفة العذاب وكذلك في "الجاثية": ابن كثير وحفص ويعقوب وجبلة.

الآخرون: بالجر ﴿ إن يشأ يخسف ﴾ ﴿ أو يسقط ﴾ على الغيبة فيهما: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون ﴿ نخسف بهم ﴾ بإدغام الفاء في الباء: علي ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز ﴿ والطير ﴾ بالرفع حملاً على لفظ المنادى: يعقوب غير رويس الآخرون: بالنصب حملاً على المحل أو لأنه مفعول معه أو معطوف على ﴿ فضلاً ﴾ بمعنى وسخرنا له الطير ﴿ الريح ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد والمفضل بتقدير: ولسليمان الريح مسخرة أو سخرت الريح له ﴿ الرياح ﴾ بالرفع أيضاً ولكن مجموعاً: يزيد.

الباقون: موحداً منصوباً ﴿ كالجوابي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو وورش في الوصل ﴿ عبادي الشكور ﴾ يسكون الياء حمزة والوقف بالياء لا غير ﴿ منساته ﴾ بالألف: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وزيد عن يعقوب.

وقرأ ابن ذكوان ساكنة الهمزة.

الآخرون: بفتح الهمزة ﴿ تبينت الجن ﴾ على البناء للمفعول: يعقوب غير زيد ﴿ سبأ ﴾ غير مصروف: أبو عمرو والبزي ﴿ سبأ ﴾ بهمزة ساكنة: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ سبأ ﴾ بالألف: ابن فليح وزمعة والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون ﴿ مسكنهم ﴾ بفتح الكاف: حمزة وحفص، وبكسرها علي وخلف الباقون ﴿ مساكنهم ﴾ مجموعة ﴿ بجنتيهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب ﴿ أكل خمط ﴾ بضم الكاف والإضافة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الآخرون: بالسكون والتنوين ﴿ نجازي ﴾ بضم النون وكسر الزاي ﴿ إلا الكفور ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص ويعقوب.

الآخرون: بضم الياء وفتح الزاي وبرفع ﴿ الكفور ﴾ ﴿ ربنا ﴾ بالرفع ﴿ باعد ﴾ بلفظ الماضي من المفاعلة: سهل.

الآخرون: ﴿ ربنا ﴾ بالنصب على النداء ﴿ باعد ﴾ على الأمر.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام ﴿ بعد ﴾ أمراً من التبعيد ﴿ صدّق ﴾ بالتشديد: عاصم وعلي وخلف.

الباقون: بالتخفيف أي صدق في ظنه أو صدق يظن ظناً نحو "فعلته جهدك".

الوقوف: ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الغفور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ لتأتينكم ﴾ ه لمن قرأ ﴿ عالم ﴾ بالرفع أي هو عالم ومن خفض جعله نعتاً لربي فلم يقف ﴿ بالغيب ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا يعزب ﴾ يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق اللام أبو حاتم يقف ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لأن قولهن ﴿ ويهدي ﴾ عطف على المعنى اي يحق قبوله ويهدي ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط لأن ما بعده في حكم المفعول لأنه مفعول ثان لـ ﴿ ينبئكم ﴾ وإنما كسرت لدخول اللام في خبرها ﴿ جديد ﴾ ه ج للآية ولاتحاد المقول ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ السماء ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ فضلاً ﴾ ط ﴿ والطير ﴾ ج لأن ما يتلوه يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ الحديد ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ورواحها شهر ﴾ ط لأن قوله ﴿ واسلنا ﴾ عطف على محذوف أي وسخرنا لسليمان الريح ﴿ القطر ﴾ ط ﴿ ربه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ راسيات ﴾ ط ﴿ شكراً ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ منسأته ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ج لاحتمال أن يكون التقدير هي جنتان وأن يكون بدلاً من آية ﴿ وشمال ﴾ ط ﴿ له ﴾ ط اي لكم بلدة ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكفور ﴾ ه ﴿ السير ﴾ ط ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شك ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه.

التفسير: قال في التفسير الكبير: السور المفتتحة بالحمد خمس: ثنتان في النصف الأول "الأنعام" و "الكهف"، وثنتان في النصف الأخير هذه "والملائكة" والخامسة وهي "الفاتحة" تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير، وذلك لأن المكلف له حالتان الإبداء والإعادة وفي كل حالة لله علينا نعمتان: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فأشار في أوّل "الأنعام" إلى نعمة الإيجاد الأول بدليل قوله  ﴿ هو الذي خلقكم من طين  ﴾ واشار في أوّل "الكهف" إلى إنزال الكتاب الذي به يتم نظام العالم ويحصل قوام معاش بني آدم، وأشار في أوّل هذه السورة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله  ﴿ وله الحمد في الآخرة ﴾ وأشار في أوّل سورة الملائكة غلى الإبقاء الأبدي بدليل قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلاً إلا يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين على المسلمين كقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة  ﴾ وقال  في تحتهم ﴿ سلام عليكم طبتم  ﴾ وفاتحة الكتاب حيث تشتمل على نعمة الدنيا بقوله ﴿ الحمد لله رب العالمين  ﴾ وعلى نعمة الآخرة بقوله ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ يقرأ في الافتتاح وفي الاختتام.

واعلم أنه  وصف نفسه في أول هذه السورة بأن له ما في السموات وما في الأرض إيذاناً بأنه كونه مالكاً لكل الأشياء يوجب كونه محموداً على كل لسان، لأن الكل إذا كان له فكل من ينتفع بشيء من ذلك كان مستنفعاً بنعمه.

ثم صرح بأن له الحمد في الآخرة تفضيلاً لنعم الآخرة على نعم الدنيا وإيذاناً بأنها هي النعمة الحقيقية التي يحق أن يحمد عليها ويثنى عليه ن أجلها مع إفادة الاختصاص بتقديم الظرف ﴿ وهو الحكيم ﴾ في الابتداء ﴿ الخبير ﴾ بالانتهاء.

ثم أكد علمه بقوله ﴿ يعلم ما يلج في الأرض ﴾ أي يدخل فيها من المياه والحبات والكنوز والأموات ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الشجر والنبات ومياه الآبار والجواهر والمعدنيات ﴿ وما ينزل من السماء ﴾ من الأمطار والأرزاق وأنواع البركات والوحي ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من الملائكة وأعمال العباد.

وقد أشار بقوله ﴿ فيها ﴾ دون أن يقول "إليها" إلى أن الأعمال الصالحة مقبولة والنفوس الزكية واصلة، قد ينتهي الشيء إلى الشيء ولا ينفذ فيه ولا تصل به ﴿ وهو الرحيم ﴾ حين الإنزال ﴿ الغفور ﴾ وقت عروج الأعمال للمفرطين في الأقوال والأفعال.

ثم بين أن نعمة الآخرة بإتيان الساعة الآخرة قد ينكرها قوم ثم رد عليهم بقوله ﴿ بلى ﴾ وأكد ذلك بقوله ﴿ وربي ﴾ ثم برهن على ذلك بقوله ﴿ عالم الغيب ﴾ لأن العالم بجميع الأشياء عالم بأجزاء الأحياء قادر على جمعها كما بدأها.

وفي قوله ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ﴾ إشارة إلى أن الإنسان له جسم أرضي وروح سماوي، فالعالم بما في العالمين القادر على تأليفهما قادر على إعادتهما على ما كانا عليه.

وإنما ذكر الأكبر مع أن الأصغر هو اللائق بالمبالغة لئلا يتوهم متوهم أن الصغار تثبت لكونها تنسى أما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، بل المراد أن الصغير والكبير مثبت في الكتاب وقد مر نظيره في "يونس".

وقدم السموات على الأرض موافقة لقوله ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ بخلاف "يونس" فإن المخاطبين في الأرض فقدمت.

ثم ذكر غاية الإعادة بقوله ﴿ ليجزي ﴾ إلى قوله ﴿ من رجز أليم ﴾ ومعنى ﴿ سعوا في آياتنا ﴾ أي في إبطال آياتنا معاجزين مريدين تعجيز النبيّ في التقرير والتبلي، أو يعجزون من آمن بنا.

وقيل: أي مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا.

وقال ابن زيد: جاهدين وهو قولهم ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه  ﴾ وعن قتادة: الرجز سوء العذاب.

وحين بين جزاء المؤمن الصالح وعمله والمكذب الساعي العجز علم منه حال غيرهما، فالمؤمن الذي لم يعمل صالحاً يكون له مغفرة من غير رزق كريم، والكافر غير المعاند يكون له عذاب وإن لم يكن من أسوأ أنواعه.

ثم بين أن الذين أوتوا العلم لا يغترون بشبهات أهل العناد ويرون ما أنزل على محمد  هو الحق ليس الحق إلا هو والنزاع غير لفظي حتى يمكن تصحيح قول المعاند بوجه.

وأولو العلم هم أصحاب الرسول  والتابعون لهم: وقيل: هم علماء أهل الكتابين الذين أسلموا.

ويرى من فعل القلب مفعولاه الذي مع صلته والحق وهو فصل.

وقيل: إن ﴿ يرى ﴾ معطوف على ﴿ ليجزي ﴾ فلا وقف على ﴿ أليم ﴾ أي ويعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علماً لا يزاد عليه في الإيقان ويحتجوا به على المعاند، أو وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه هو الحق فيزدادوا حسرة.

والعزيز إشارة إلى كونه منتقماً من الساعين في التكذيب، والحميد إشارة إلى أنه يشكر سعي من يصدق ويعمل صالحاً، وقدم صفة الهيبة لأن الكلام مع منكري البعث.

ثم قص عناد أهل قريش وخصهم بالتعجيب من حالهم لأنهم تجاهلوا حين قالوا على رجل مع أن النبي  كان عندهم أظهر من الشمس قصدوا بذلك الطعن والسخرية فأخرجوا الكلام مخرج الحكاية ببعض الأضاحيك والأعاجيب كأن لم يكونوا قد عرفوا منه إلا أنه رجل ما.

ومعنى ﴿ مزقتم كل ممزق ﴾ فرقت أوصالكم كل تفريق وجوّز جار الله أن يكون اسم مكان فمن الأموات ما حصل أجزاؤه في بطون الطير والسباع، ومنها ما مرت به السيول فذهب به كل مذهب أو سفته الرياح فطرحته كل مطرح.

والعامل في "إذا" ما دل عليه قوله ﴿ إنكم لفي خلق جديد ﴾ وهو تبعثون أو تخلقون، ثم ازدادوا في التجاهل قائلين ﴿ افترى على الله كذبا ﴾ إن كان يعتقد خلافه ﴿ أ به جنة ﴾ إن كان لا يعتقد خلافه.

وفيه أن الكافر لا يرضى بالكذب البحت فيردد كلامه بين الأمرين ولكن أخطأ ابن أخت خالته حين ترك قسماً ثالثاً وهو أنه عاقل صادق فلذلك ردّ الله عليهم بقوله ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ﴾ جعل وقوعهم في العذاب رسلاً لوقوعهم في الضلال إذ العذاب من لوازم الظلال وموجباته قابل قولهم ﴿ أفترى ﴾ بالعذاب وقولهم ﴿ به جنة ﴾ بالضلال البعيد لأن نسبة الجنون إلى العاقل أقل في باب الإيذاء من نسبة الافتراء إليه.

وقد أسقطت همزة الوصل في قوله ﴿ أفترى ﴾ استثقالا لاجتماع همزتين: همزة الاستفهام المفتوحة وهمزة الوصل المكسورة وهو على القياس.

وجوز بعضهم أن يكون هذا الاستفهام من كلام السامع المجيب لمن قال: هل ندلكم.

وحين قرر دليل الحشر من جهة كونه علام الغيوب أراد أن يذكر دليلاً آخر على ذلك من قبل كمال قدرته فقال ﴿ أفلم يروا ﴾ معناه أعموا فلم ينظروا، خصت بالفاء وليس غيره في القرآن تعجيلاً للجواب وتعقيباً لحل الشبهة نظيره قوله ﴿ أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم  ﴾ ثم هدّدهم بأنه قادر على أن يجعل عين النافع ضاراً بالخسف وإسقاط الكسف.

وقال جار الله: أراد أفلم ينظروا إلى السماء والأرض وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن يخرجوا من أقطارهما فلم يخافوا أن يخسف الله بهم، أو يسقط عليهم كسفاً لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة.

﴿ إن في ذلك ﴾ النظر والاعتبار ﴿ لآية لكل عبد منيب ﴾ لأن الراجع إلى ربه قلما يخلو من الاعتبار والاستبصار.

ثم ذكر من عباده المنيبين إليه داود وسليمان كما قال في "ص" ﴿ فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب  ﴾ وقال في سليمان ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب  ﴾ وفي قوله ﴿ منا ﴾ تنويه بالفضل وشأنه.

ثم بين الفضل بقوله ﴿ يا جبال أوّبي ﴾ لأن هذا القول نوع من إيتاء الفضل، ويجوز أن يكون التقدير: قلنا يا جبال أوّبي أي رجعي معه التسبيح.

قيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تساعده على نوحه بأصدائها والطير باصدائها، وقد مر تحقيقه في سورة الأنبياء.

والتأويب السير طول النهار والنزول ليلاً فكأنه قال: أوّبي النهار كله بالتسبيح معه.

وفي خطاب الجماد إشعار بأنه ما من صامت ولا ناطق إلا وهو منقاد لمشيئته.

وقد ألان الله له الحديد كالشمع أو لان الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة.

و"أن" في قوله ﴿ أن أعمل ﴾ مفسرة لأن إلانة الحديد له في معنى الأمر بأن يستعمل.

﴿ سابغات ﴾ أي دروعاً واسعة وهي من الصفات التي غلبت عيها الاسمية حتى ترك ذكر موصوفها.

والسرد نسج الدروع ومعنى التقدير فيه أن لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق ولا غلاظاً فتفصم الحلق.

يروى أنه كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكراً فيسال الناس عن نفسه ويقول لهم: ما تقولون في داود؟

فيثنون عليه فقيض الله  ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه.

فخاف داود فسأله فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال فطلب عند ذلك من الله أن يغنيه عن أكل بيت المال فعلمه صنعة اللبوس.

وإنما اختار له ذلك لأنه وقاية للروح ويحفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزرّاد خير من القوّاس والسياف.

وقيل: إن التقدير في السرد إشارة إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب يكون بقدر الحاجة إلى القوت وباقي اليوم والليلة للعبادة بدليل قوله ﴿ واعملوا صالحاً ﴾ اي لستم يا آل داود مخلوقين إلا للعمل الصالح فأكثروا منه وأما كسب القوت فاقتصدوا فيه.

ثم أكد الفعل الصالح بقوله ﴿ إني بما تعملون بصير ﴾ فإن من يعلم أنه بمرأى من الملك اجتهد في حسن العمل وتزكية الباطن.

ثم ذكر المنيب الآخر وهو سليمان، وحكى ما استفاد هو بالإنابة وهو تسخير الريح له كالمملوك المنقاد لأمره ﴿ غدوّها شهر ﴾ أي جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك.

يروى أن بعض أصحاب سليمان كتب في منزل بناحية دجلة: نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنياً وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه وبائتون بالشام إن شاء الله.

ومن جملة معجزاته إسالة عين القطر، والقطر النحاس أساله لأجله كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سماه عين القطر.

روي أنه كان يسيل في شهر ثلاثة أيام.

زعم بعض المتحذلقين أن المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء بحمده وكان هو  يففقه تسبيحهم فيسبح.

والمراد من تسخير الريح أنه راض الخيل وهو كالريح.

وقوله ﴿ غدوها شهر ﴾ أي ثلاثون فرسخاً لأن الذي يخرج للتفرج لا يسير في العادة أكثر من فرسخ ثم يرجع.

والمراد بإلانة الحديد وإسالة القطر أنهم استخرجوا الحديد والنحاس بالنار واستعمال آلاتها.

والمراد بالشياطين ناس أقوياء.

ولا يخفى ضعف هذه التأويلات فإن قدرة الله في باب خوارق العادات أكثر وأكمل من أن تحتاج إلى هذه التكلفات.

وقال في التفسير الكبير: الجبال لما سبحت تشرفت بذكر الله فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب، والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة.

أو نقول: الجبل في السير ليس أصلاً بل هو يتحرك معه تبعاً، والريح لا تتحرك مع سليمان بل تتحرك مع نفسها فلم يقل الريح مع سليمان بل سليمان كان مع الريح.

وههنا نكتة وهي أن الله  ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان.

لعله كالمصروف عن جهته تأمل فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان: إذ كل منهما ثقيل مع خفيف، فالجبال أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح.

وأيضاً تسخير الطير من جنس الجن فإن الطير تنفر من الآدمي والآدمي يتقي مواضع الجن والجن تطلب ابداً اصطياد الناس والإنسان يطلب اصطياد الطير.

وإلانة الحديد شبيهة بإسالة القطر.

وفي قوله ﴿ بإذن ربه ﴾ إشارة إلى أن حضور الجن بين يديه كان مصلحة له لا مفسدة.

وفي قوله ﴿ عن أمرنا ﴾ دون أن يقول "عن أمر ربه" إشارة إلى أن الجن كانوا بصدد التعذيب عند زيغهم عن أمر الله، فإن لفظ الرب ينبئ عن الرحمة، وصيغة جمع المتكلم في مقام الوحدة ينبئ عن الهيبة.

قال ابن عباس: عذاب السعير عذاب الآخرة.

وعن السدي: كان معه ملك بيده سوط من النار كلما استعصى عليه الجنيّ ضربه من حيث لا يراه الجني.

ثم فصل عمل الجن بقوله ﴿ يعملون له ما يشاء من محاريب ﴾ وهي المساجد والمجالس الرفيعة الشريفة المصونة عن الابتذال وقد مر في "آل عمران".

والتماثيل صور الملائكة والنبيين كان يأمر بأن تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم.

عن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور في تلك الشرائع محرماً ولعلها صور غير الحيوان من الأشجار ونحوها.

ويروى أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما.

وحين فرغ من تقرير مسكنه ونقوشه شرع في تقرير آلات مجلسه فقدم ذكر الجفان التي بها تظهر عظمة السماط الممدود منه.

والجفنة القصعة الكبيرة، والجوابي الحياض الكبار، لأن الماء يجبى فيها أي يجمع جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالبة كالدابة، وكان يقعد على الجفنة ألف رجل.

وحين ذكر الجفان كان يقع في النفس أن هذه الأطعمة كيف تكون قدروها فذكر أنها قدور راسيات تابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها.

ويعلم من تقرير قصتي داود سليمان أن اشتغال داود بآلة الحرب أكثر لأنه قتل جالوت، ثم أراد تسوية الملك والغلبة على الجبابرة، وأما في زمن سليمان فالملك قد استوى ولم يكن على وجه الأرض أحد يقاومه وكان يفرق الأموال في الإطعام والإنعام.

ثم بين بقوله ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ أن الدنيا عرض زائل وإن كان ملك سليمان فعلى العاقل أن يصرف همته في طلب الآخرة.

وانتصب ﴿ شكراً ﴾ على أنه مفعول له أو حال أي شاكرين، أو مصدراً لأن ﴿ اعلموا ﴾ في معنى الشكر، أو مفعول به لأن الشكر عمل صالح.

وقال جار الله: إنه على طريق المشاكلة ومعناه إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً.

قلت: وفي لفظ العمل إشارة إلى أن الشكر اللساني غير كافٍ وإنما المعتبر الشكر الفعلي أو هو مع القولي.

يروى أن داود  جزّاً ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي.

والشكور هو المتوفر على آداء الشكر الباذل وسعه فيه بالقلب واللسان والجوارح في أكثر الأوقات والأحوال وإنهم لقليل فلذلك قال بعضهم: اللهم اجعلني من الأقلين.

وهذا الشكر القليل إنما هو بقدر الطاقة البشرية وأما الذي يناسب نعم الله فلن يقدر الإنسان عليه إلا أن يقول الله: عبدي ما أتيت به من الشكر قبلته منك مع قلته وكتبتك شاركاً لأنعمي بأسرها، وهذا القول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها.

وحين بين عظمة سليمان وتسخير الريح والجن له، بين أنه لم ينج من الموت وأنه قضى عليه الموت ولو نجا أحد منه لكان نبي الله أولى بذلك.

يروى أن داود  أسس بناء بيت المقدس فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه، وكان من عادته أن يعتكف فيه أحياناً.

فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله عز وجل فيسألها لأي شيء أنت؟

فتقول: لكذا حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها لأيّ شيء أنت؟

فقالت: لخراب هذا المسجد.

فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ.

فقال: اللهم عمّ على الجن موتي حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب.

وقال لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني.

فقال: مرت بك وقد بقيت في عمرك ساعة.

فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب؟

فقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه فبقي كذلك وظن جنوده أنه في العبادة فكانوا يواظبون على الأعمال الشاقة إلى أن أكلت الأرضة عصاه فخرّ ميتاً وذلك بعد سنة.

والأرض مصدر أرضت الخشبة أرضاً إذا أكلتها الأرضة.

والمنسأة العصا لأنه ينسأ بها أي يطرد ويؤخر، وقديترك همزها.

وقرئ ﴿ من سأته ﴾ أي طرف عصاه سميت بسأة القوس على الاستعارة.

وتبينت بمعنى ظهرت "وأن" مع صلتها بدل من الجن بدل الاشتمال على نحو قولك "تبين زيد جهله" أو هو بمعنى علمت أي علم الجن كلهم بعد التباس الأمر على عامتهم أن كبارهم لا يعلمون الغيب وكان ادعاؤهم ذلك من قبل زوراً.

أو المراد التهكم بهم وأن الذين ادعّوا منهم علم الغيب اعترفوا بعجزهم مع أنهم كانوا من قبل عارفين عجزهم كما لو قلت لمدعي الباطل إذا دحضت حجته: هل تبينت أنك مبطل.

وأنت تعلم أنه لم يزل متبيناً لذلك.

وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة، ملك وهو ابن ثلاث عشرة وبقي في ملكه إلى أن مات، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه.

ولما بين حال الشاكرين لأنعمه ذكر حال من كفر النعمة.

وسبأ بصرف بناء على أنه اسم للحي أو الأب الأكبر، ولا يصرف بتأويل القبيلة وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

ثم سميت مدينة مأرب بسبأ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.

من قرأ ﴿ مساكنهم ﴾ فظاهر.

ومن قرأ على التوحيد فالمراد مسكن كل واحد منهم أو موضع سكانهم وهو بلدهم وأرضهم.

عن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.

ومعنى كون الجنتين آية أنه جعل قصتهما عبرة لأهل الكفران، أو علامة دالة على الصانع وكمال اقتداره ووجوب شكره.

قال جار الله: لم يرد بستانين اثنين فحسب وإنما أراد جماعيتن من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها، كأن كل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامها جنة واحدة، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب  ﴾ .

وقوله ﴿ كلوا من رزق ﴾ حكاية لسان الحال أو لسان الأنبياء المبعوثين إليهم وهم ثلاثة عشر نبياً على ما روي.

وفيه إشارة إلى كمال النعمة حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض.

وكذا قوله ﴿ واشكروا له ﴾ لأن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة.

وكذا قوله ﴿ بلدة طيبة ﴾ اي عن المؤذيات من لعقارب والحيات وسائر الهوام والحشرات، أو المراد أنها ليست بسبخة كقوله ﴿ والبلد الطيب  ﴾ ﴿ ورب غفور ﴾ أي ربكم الذي رزقكم فطلب شكركم غفور لمن يشكره بقدر طاقته لا يؤاخذه بالتقصير في أداء حق الشكر إذا توجه عليه الشكر وبذل وسعة فيه، أو أراد غفران سائر الذنوب فكأنه وعدهم سعادة الدارين.

وعن ثعلب: معناه اسكن واعبد.

وحين بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم وهو قوله ﴿ فأعرضوا ﴾ أي عن الشكر.

ثم ذكر جزاءهم بقوله ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ وهو الجرذ.

يروى أن بلقيس الملكة عمدت إلى جبال هناك فسدّت ما بينها من الشعب بالصخر والقار فحقنت به ماء العيون والأمطار وتركت فيه خروقاً لها أبواب مترتبة بعضها فوق بعض على مقدار ما يحتاجون إليه في سقي أراضيهم، فلما طغوا سلط الله على سدّهم الخلد فثقبه من أسفله.

وقيل: العرم جمع عرمة وهي الحجارة المركوزة والمراد بها المسناة التي عقدوها سكراً.

وقيل: العرم اسم الوادي: وقيل: المطر الشديد.

والتركيب يدل على الشكاسة وسوء الخلق ومنه قولهم "صبي عارم" من العرام بالضم أي شرس.

ومن ذلك "عرمت العظم" عرقته و"عرمت الإبل الشجر" نالت منه ﴿ ذواتي أكل ﴾ صاحبتي ثمر.

والقياس ذاتي إلا أن المستعمل في التثنية هو الجمع.

والخمط شجر الأراك.

أبو عبيدة: كل شجر ذي شوك.

الزجاج: كل نبت أخذ طعماً من مرارة حتى لا يمكن أكله.

والأثل نوع من الطرفاء وهو من أحسن أشجار البادية فلذلك وصفه ههنا بالقلة.

عن الحسن: قلل السدر لأنه أكرم ما بدّلوا، والتحقيق فيه أن البساتين إذا عمرت كل سنة ونقيت من الحشائش كانت ثمارها زاكية وأشجارها عالية، فإذا تركت سنين صارت كالغيضة والأجمة والتفت الأشجار بعضها ببعض فيقل الثمر وتكثر الحشائش والإشجار ذوات الشوك على أنه لا يبعد التبديل تحقيقاً فيكون شبه المشخ.

من قرأ ﴿ أكل خمط ﴾ بالإضافة فظاهر، ومن قرأ بالتنوين فعلى حذف المضاف أي أكل أكل خمط، أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذواتي أكل بشع.

وتسمية البدل جنتين لأجل المشاكلة أو التهكم.

قال في الكشاف: الأثل والسدر معطوفان على ﴿ أكل ﴾ لا على ﴿ خمط ﴾ لأن الأثل لا أكل له ﴿ ذلك ﴾ الإرسال والتبديل ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ النعمة وغمطوها ﴿ وهل مجازي ﴾ مثل هذا الجزاء وهو العقاب العاجل ﴿ ألا الكفور ﴾ قال بعضهم: المجازاة في النقمة والجزاء في النعمة إلا إذا قيد كقوله  ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ وقال جار الله: الجزاء عام لكل مكافأة يستعمل في المعاقبة تارة وفي الإثابة أخرى، فلما استعمل أوّلاً في معنى المعاقبة استعمل ثانياً على نحو ذلك.

وقيل: إن المجازاة مفاعلة وهي في الأكثر تكون بين اثنين يوجد من كل واحد جزاء في حق الآخر، ففي النعمة لا يكون مجازاة لأن الله مبتدئ بالنعم.

وحين ذكر حال مسكنهم وجنتيهم وحكى تبديل الجنتين بما لا نفع فيه أراد أن يذكر حال خارج بلدهم وما يؤل إليه أمره فقال ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ وهي قرى الشام ﴿ قرى ظاهرة ﴾ متواصلة يرى من كل منها ما يتلوها لتقاربها، أو ظاهرة للسابلة لكونها على متن الطريق.

﴿ وقدرنا فيها السير سيروا ﴾ فيقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في أخرى، فمنازل ما بين تلك القرى مقدّرة ومعلومة لا يجوزها المسافر عرفاً بخلاف المفاوز فإن السائر يسير فيها بقدر طاقته حتى يقطعها.

ثم بين أمن تلك الطريق بقوله ﴿ سيروا ﴾ أي قلنا لهم سيروا إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار.

قال أهل البيان: لا قول ثمة ولكنهم مكنوا من السير بتهيئة أسبابه من وجدان الزاد والراحلة وعدم المخاوف والمضارّ فكأنهم أمروا بذلك.

والمقصود من ذكر الليالي والأيام تقرير كمال الأمن ولذلك قدمت الليالي فإنها مظنة الآفات.

ويمكن تقرير الأمن بوجه آخر وهو أن يقال: سيروا فيها وإن تطاولت مدّة سفركم فيها وامتدت أياماً وليالي، أو يراد بالليالي والأيام مدّة أعمارهم أي سيروا فيها مدّة عمركم فإنكم لا تلقون إلا الأمن.

ثم حكى أنهم سئموا العيش الهنيء وملوا الدعة والراحة كما طلب بنو إسرائيل البصل والفوم مكان المن والسلوى ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ أرادوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزوّدوا الأزواد قائلين: لو كان جني جناتنا أبعد كان أشهى وأرغد.

ويحتمل أن يكون لفساد اعتقادهم وشدّة اعتمادهم على أن ذلك لا يعدم كما يقول القائل لغيره: اضربني مشيراً بذلك إلى أنه لا يقدر عليه.

ومن قرأ على الابتداء والخبر فالمراد استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها لفرط تنعمهم وترفههم ﴿ وظلموا أنفسهم ﴾ بوضع الكفر موضع الشكر ﴿ فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ﴾ فرقناهم كل تفريق لا جرم اتخذ الناس حالهم مثلاً قائلين "ذهبوا أيدي سبأ" أي في طرق شتى.

واليد في كلام العرب الطريق يقال: سلك بهم يد البحر.

وقيل: الأيادي الأولاد لأنه يعضد بهم كما بالأيدي.

والمعنى ذهبوا تفرق أولاد سبأ فلحق غسان بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان ﴿ إن في ذلك ﴾ الجعل والتمزيق ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ عن المعاصي ﴿ شكور ﴾ للنعم أو صبار على النعم حتى لا يلحقه البطر شكور لها برعاية حق الله فيها.

ثم أخبر عن ضعف عزم الإنسان بقوله ﴿ ولقد صدّق عليهم ﴾ أي على بني آدم لقرينة الحال.

وقيل: على أهل سبأ وظن إبليس هو قوله ﴿ لأغوينهم  ﴾ أو قوله ﴿ أنا خير منه  ﴾ بدليل قوله ﴿ فاتبعوه ﴾ والمتبوع خير من التابع.

ولا ريب أن الكافر أدون حالاً من إبليس لأنه خالف أمر الله في سجدة آدم والكافر يجحد الصانع أو يشرك به.

ثم بين قوله ﴿ وما كان له ﴾ أن الشيطان ليس بملجئ ولكنه آية وعلامة يتميز به ما هو السابق في علمه من المقرّ والشاك.

والحفيظ المحافظ ويدخل في مفهوم الحفظ العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه وكذا العاجز.

التأويل: ﴿ يعلم ما يلج ﴾ في أرض البشرية بواسطة الحواس والأغذية الحلال والحرام ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الصفات المتولدة منها.

﴿ وما ينزل ﴾ من سماء القلب من الفيوض والإلهامات ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من سماء القلب وأرض النفس، نخسف بهم أرض البشرية بغلبات صفاتها أو يغلب عليهم صفة من صفات القلب بالميل إلى الإفراط فنهلكهم بها كالسخاوة فإنها صفة حميدة لكنها إذا جاوزت حدّ الاعتدال صارت ذميمة ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين  ﴾ ﴿ يا جبال أوبي ﴾ قد مر تأويله في سورة الأنبياء ﴿ وقدّر في السرد ﴾ وهو المتكلم بالحكمة على قدر عقول الناس ﴿ ولسليمن ﴾ القلب سخرت ريح العناية وذلك أن مركب القلوب في السير هو الجذبة الإِلهية كما أن مركب البدن في المسير البدن.

يروى أن سليمان في سيره لاحظ ملكه يوماً فمال الريح ببساطه فقال سليمان للريح: استو قالت الريح: استو أنت فإني لا أكون مستوية حتى تستوي أنت.

كذلك حال السر مع القلب وريح العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح الخذلان بساط السر ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم  ﴾ ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ الحقائق والمعاني وسخرنا له صفات الشيطنة لتعمل بين ديه على وفق أوامر الله ونواهيه كما قال نبينا  "شيطاني أسلم على يدي فلا يأمرني إلا بالخير" ﴿ من محاريب ﴾ وهو كل ما يتوج إلى الله به بخاصية الإباء والاستكبار وأنفة السجود لغير الله، ولو وكل القلب والروح إلى خاصية الروحانية التي جبل الروح عليها ما كان يرغب في العبور عن مقام الروحانية كالملائكة.

قال جبرائيل  : لو دنوت أنملة لاحترقت.

﴿ وجفان كالجواب ﴾ فيه إشارة إلى مأدبة الله التي أكل منها الأنبياء والأولياء إذ يبيتون عنده ﴿ اعملوا آل داود ﴾ وهم متولدات الروح فشكر البدن استعمال الشريعة بجميع الأعضاء والحواس، وشكر النفس بإقامة شرائط التقوى والورع، وشكر القلب بمحبة الله وحده، وشكر السر المراقبة، وشكر الروح بذل الوجود على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في مقام الوحدة مخفياً بنور الوحدة عن نفسه.

فالعوام شكرهم بالأقوال، والخواص شكرهم بالأعمال، وخواص الخواص شكرهم بالأحوال من الاتصاف بصفة الشكورية التي تعطي على عمل.

فإن عشرة ثواب باقٍ ولذلك وصفهم بالقلة ﴿ تاكل منسأته ﴾ اتكأ سليمان على عصاه فبعث الله أخس دابة لإبطال متكئه وجعله سبباً لزوال ملكه وفوات روحه وكان قبل متكئاً على فضل الله فآتاه ما لم يؤت أحداً من خلقه ﴿ لقد كان لسبأ ﴾ السر ﴿ جنتان ﴾ جنة الروح عن يمين السر وجنة القلب عن شمال السر ﴿ بلدة طيبة ﴾ هي بلدة الإنسانية القابلة لبذر التوحيد ﴿ ورب غفور ﴾ يستر العيوب ﴿ فأعرضوا ﴾ عن الوفاء وأقبلوا على الجفاء ﴿ فأرسلنا عليهم سيل ﴾ سطوات ﴿ العرم ﴾ قهرنا ﴿ وبدلناهم بجنتيهم ﴾ الشجرتين بأشجار الأخلاق الحميدة ﴿ جنيتن ﴾ من الأوصاف الذميمة ﴿ وهل نجازي ﴾ وهل يكون للأشجار الخبيثة إلا الأثمار الخبيثة.

﴿ قرى ظاهرة ﴾ منازل السالكين ومقامات العارفين من التوبة والزهد والتوكل والتزكية والتحلية.

وقلنا لهم سيورا في ليالي البشرية وايام الروحاينة ﴿ آمنين ﴾ في حيازة الشريعة فطلبوا البعد عن الله بالميل إلى ما سواه ففرقناهم في أودية الهلاك ودركات البعد.

﴿ وما كان له عليهم من سلطان ﴾ فيه أن الشيطان إنما سلط على بني آدم لاستخراج جواهر النفوس من معادنها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ﴾ .

يحتمل الآية التي ذكر لهم في مساكنهم: الجنتين اللتين ذكرهما: إحداهما عن اليمين، والأخرى عن الشمال، ويكون لهم فيها عبرة، فتحملهم على الشكر لربهم عليهما؛ والحمد له، والثناء عليه في تلك النعم.

أو يذكرهم قدرة خالقهم وسلطانه وهيبته؛ فيحملهم ذلك على الخوف في العواقب، والعقاب على خلافه، ورجاء الثواب على طاعته، فلم يتذكروا.

أو أن يكون الآية التي ذكر لهم في تبديل الجنتين اللتين كان لهم فيهما كل سعة وخصب، وكل ألوان الفواكه والجواهر، على غير مؤنة تلحقهم؛ لأنه قال في غير آي من القرآن: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ  ﴾ فأخبر هاهنا لهم أن لهم في تبديل جنتيهم جنتين آية لو اعتبروا واتعظوا؛ فلا يقع لهم الحاجة إلى النظر في آثار من تقدم منهم، بل العبرة في ذلك لهم أكثر؛ لأنهم عاينوا هذا على ما عاينوا من أنواع النعم، ثم غير ذلك وبدّل عليهم، وما تقدم منهم إنما يعرفون ذلك عن خبر يبلغهم؛ لأن أصلهم قد هلكوا، وهذا على المشاهدة والمعاينة.

وقوله: ﴿ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ﴾ .

قيل: عن يمين الوادي وشماله، ويحتمل: عن يمين الطريق وشماله؛ فتكون عن يمينهم وشمالهم.

وقوله: ﴿ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ ﴾ .

كأنه قالت لهم الرسل: ﴿ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ ﴾ ؛ إذ ذكر أنه بعث فيهم كذا كذا رسولا.

ثم وصف بلدة سبأ أنها طيبة؛ حيث قال: ﴿ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ﴾ : يحتمل ما ذكر من طيبها: هو سعتها وكثرة ريعها ومياهها وألوان ثمارها وفواكهها.

وقوله: ﴿ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ ، أي: إن ربكم إن شكرتم فيما رزقكم وأنعم عليكم رب غفور لذنوبكم.

أو يقال: ﴿ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ ، أي: ستور، يستر عليكم ذنوبكم، ولا يفضحكم إذا صدقتموه، وأطعتموه، وشكرتم نعمه.

ذكر أن المرأة منهم كانت تحمل المكتل على رأسها، والمغزل بيدها، فتدخل البستان؛ فتمتلئ مكتلها من ألوان الفواكه والثمار من غير أن تمس شيئاً بيدها؛ لكثرة ريعها ونزلها، والله أعلم.

ثم ذكر سبب تبديل الجنتين اللتين كانت لهم، وبم كان التبديل؟

وهو ما قال: ﴿ فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ ﴾ .

قال بعضهم: كان أهل سبأ إذا مطروا يأتيهم السيل من مسيرة شهر أياماً كثيرة، فعمدوا فسدّوا العرم، وهو الوادي ما بين الجنتين، بالصخرة والقبو، وجعلوا عليه الأبواب، فلما عصوا ربهم، فأعرضوا عنه، وكفروا نعمه؛ فسلط الله عليهم - على ذلك السدّ الذي بنوا الفأرة؛ فنقبت الردم، فغشي الماء أرضهم؛ فعقر أشجارهم، وأباد أنعامهم، ودفن محاريثهم، وذهب بجناتهم.

ومنهم من يقول: ﴿ ٱلْعَرِمِ ﴾ : وهو المسنَّاة، واحدها: عرمة، فذهب السيل الذي أرسل عليهم بالمسناة؛ فيبست جناتهم، وأبدل لهم مكان الثمار والأعناب ما ذكر من الخمط والأثل والسدر؛ حيث قال: ﴿ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ .

الأكل القليل هو الثمر، والخمط: الأراك.

وقال بعضهم: شجر العضاة، وهي شجر ذات شوك، والأثل، قيل: هو شبيه بالطرفاء إلا أنه أعظم منه، والسدر هو معروف عندهم.

وقال أبو عوسجة قريباً من ذلك، قال: الأكل: الحمل، والخمط عندي: السدر وحمله، [و] قال: الخمط: الريح الطيبة، وتقول: هذا شجر له خمطة، أي: ريح طيبة، والخمط: أن تأخذ شيئاً من هنا وثمة، وتخلطه، والأثل: شجر أيضاً لا حمل فيه.

والزجاج يقول: الأثل هو الثمرة التي فيها المرارة تذهب تلك المرارة بطعمها، أو كلام نحوه.

وقوله: ﴿ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ ﴾ .

أخبر أنه جزاهم بما كفروا نعمه، ولم يشكروا ربهم عليها.

وقوله: ﴿ وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ ﴾ ، لله في نعمه.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً ﴾ .

قيل: متواصلة بعضها ببعض من أرضهم إلى الشام، على كل ميل قرية وسوق وكل شيء فيها.

﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ﴾ من الجوع والعطش والسباع وكل ما يخاف منه.

ثم جائز أن يكون ما ذكر من القرى الظاهرة كان لهم مع الجنان التي ذكرنا بدءاً؛ فيكون هذا موصولا بالأول؛ فلما لم يشكروا ربهم في ذلك كله - أبدل لهم الكل بما ذكر.

وجائز أن يكون لا على الصلة بالأول؛ ولكن على ما ذكر بعض أهل التأويل: أنه لما غيّر عليهم ذلك وأبدل - ضاق بهم الأمر؛ فمشوا إلى رسلهم، فقالوا: ادعوا ربكم فليردّ علينا ما ذهب عنا، ونعطيكم ميثاقا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، فدعوه، فردّ الله عليهم، وجعل لهم ما ذكر من قرى ظاهرة؛ فذكّرهم الرسل [ما] وعدوا ربهم؛ فأبوا؛ فغيّر ذلك.

وسبأ: "ذكر أن رجلا سأل رسول الله  فقال: يا رسول الله، أخبرني عن سبأ أجبل هو أم أرض؟

قال: فقال: له: لم يكن جبلا ولا أرضاً، ولكن كان رجلا من العرب ولد عشر قبائل: فأمّا ست فتيامنوا وأما أربع فتشاءموا" وقال بعضهم: كان سبأ رجلا اسمه: سبأ، وسبأ هم الذين ذكرهم الله في سورة النمل.

وقال بعضهم: هو اسم قرية.

وفي قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ﴾ - دلالة خلق الأفعال؛ لأنه أخبر أنه جعل بينهم وبين القرى المباركة قرى ظاهرة، والقرى: ما اتخذها أهلها، ثم أخبر أنه جعل ذلك، والجعل منه خلق؛ دل أنه خلق أفعال العباد، وأخبر - أيضاً - أنه قدر السير فيها، والسير هو فعل العباد، والتقدير هو الخلق أيضاً؛ دل أنه خلق سيرهم، وخلق اتخاذهم القرى، وذلك على المعتزلة؛ لإنكارهم خلق أفعال العباد.

وقوله: ﴿ قُرًى ظَاهِرَةً ﴾ ، قال عامة أهل التأويل: قرى متواصلة بعضها ببعض، يسيرون من قرية إلى قرية، وينزلون فيها من غير أن تقع لهم الحاجة أو يلحقهم مؤنة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ قُرًى ظَاهِرَةً ﴾ نعمها بينة.

وقوله: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ﴾ ، يحتمل قوله: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ﴾ ، أي: قدرنا فيها السير؛ لتسيروا فيها.

أو على الأمر، أي: قدرنا فيها السير، وقلنا لهم: سيروا فيما أنعم الله عليكم، وتقلبوا فيها ليالي وأياماً آمنين من الجوع والعدو وكل آفة.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ﴾ أي: جعلنا ما بين القرية والقرية مقداراً واحداً.

وقوله: ﴿ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ .

فيه لغات من خمسة أوجه: أحدها: ﴿ رَبَّنَا بَاعِدْ ﴾ .

و[الثاني]: ﴿ بَعِّدْ ﴾ ، كلاهما على الدعاء والسؤال.

والثالث و[الرابع]: ﴿ بَعُدَ ﴾ و ﴿ بَعَّدَ ﴾ .

قال أبو معاذ: ولولا تغيير الكتابة لكان يجوز "بُوعِدَ".

ومن قرأه ﴿ ربنا بَاعَدَ ﴾ على الخبر، وكذلك ﴿ بَعَّدَ ﴾ ، ومن قرأه ﴿ بَعُدَ بين أسفارنا ﴾ يخرج على الشكاية عما بعد من أسفارهم.

فأمّا على السؤال والدعاء فهو - والله أعلم - لأنهم سئموا وملوا؛ لكثرة ما أنعم الله عليهم؛ ورفع عنهم المؤن، وطال مقامهم فيها، سألوا ربهم أن يحول ذلك عنهم؛ سفها منهم وجهلا، وكان كقوم موسى: حين أنزل عليهم المن والسلوى، ورفع عنهم المؤنة سئموا وملوا في ذلك، وقالوا ﴿ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا  ﴾ ، وما ذكروا، فعلى ذلك هؤلاء.

ومن قرأ ﴿ بَعُدَ بين أسفارنا ﴾ ؛ على الشكاية - شكا إلى ربّه لما ذهب عنهم السعة والخصب، وأصابهم الجهد والمؤنة.

وأمّا قوله: ﴿ بَاعَد ﴾ على الخبر؛ فكأنه كانت فيهم، وذلك كله منهم: [فيهم] من سأل تحويله، وفيهم من شكا إذا زال ذلك وتحول، وفيهم من أخبر بزواله.

وعلى ذلك يخرج قول موسى لفرعون، حيث قال: ﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ  ﴾ لا أنه كان أحدهما؛ فعلى ذلك الأول وما يشبه ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾ .

أي: أهلكناهم كل إهلاك؛ حتى صاروا عظة وعبرة لمن بعدهم.

وقال: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾ للناس؛ على حقيقة الحديث، يتحدثون بأمرهم وشأنهم.

﴿ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ .

أي: فرقناهم كل تفريق، أي: في كل وجه التفريق؛ حتى وقع بعضهم بمكة، وبعضهم بالمدينة، وبعضهم بالشام، وبعضهم بالبحرين وعمان، ونحوه والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ .

يحتمل أن يكون الصبار والشكور هو المؤمن؛ كأنه قال: إن في ذلك لعبراً وعظات لكل مؤمن.

أو آيات لكل صبار على طاعة الله وأمره، شكور لنعمه.

أو آيات لكل صبار على البلايا والمحارم، شكور لنعم الله.

ثم يخرج على وجهين: أحدهما: في الاعتقاد له.

والثاني: في المعاملة.

يعتقد الصبر لربه على جميع أوامره ونواهيه، والشكر له على جميع نعمائه، والمعاملة: أن يصبر على ذلك، ويشكر له في نعمه.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ .

اختلف في ظنه: قال بعضهم: ظن بهم ظنا، فوافق ظنه فيهم حين قال: ﴿ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ من عصمت مني، وما قال: ﴿ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً  وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، فقد صدق ما ظن فيهم.

وقال بعضهم: ﴿ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ ، وذلك أن إبليس خلق من نار السموم، وخلق آدم من طين، ثم قال إبليس: إن النار ستغلب الطين؛ فمن ثمة صدق ظنه؛ فقال: ﴿ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ  ﴾ .

يقول الله: ﴿ فَٱتَّبَعُوهُ ﴾ .

ثم استثنى عباده المخلصين فقال: ﴿ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

يعني: عباده المخلصين؛ فإنهم لم يتبعوه، الذين قال: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ  ﴾ .

وقال قائلون: ﴿ مِّنَ ﴾ هاهنا صلة؛ كأنه قال: ﴿ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، الذين هم [مؤمنون] في الحقيقة، فأمّا من كان عندكم من المؤمنين في الظاهر فقد اتبعوه؛ لأنه لا كل مؤمن عندنا هو في الحقيقة مؤمن.

أو أن يكون قوله: ﴿ فَٱتَّبَعُوهُ ﴾ فيما دعاهم إليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ .

قال الحسن: والله ما ضربهم بالسيف، ولا طعنهم بالرمح، ولا أكرههم، على شيء، وما كان منه إلا غرور أو أمانيُّ ووسوسة دعاهم إليها، فأجابوه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ ، أي: حجة، ليس له حجة عليهم، أي: لم يمكن من الحجة؛ ولكن إنما مكن لهم الوساوس والتمويهات، ثم جعل الله للمؤمنين مقابل ذلك حججا يدفعون بها شبهه وتمويهاته.

وقوله: ﴿ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ﴾ .

هذا يخرج على وجوه: أحدها: ليعلم كائنا ما قد علمه غائبا عنهم.

والثالث: يكني بالعلم [عن] معلومه، أي: ليكون المعلوم، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ  ﴾ أي: الموقن به، وذلك كثير في القرآن.

وقوله: ﴿ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ ﴾ .

من الإيمان والشرك وغيره من الأعمال، حفيظ عالم به.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ذلك التبديل -الحاصل لما كانوا عليه من النعم- بسبب كفرهم وإعراضهم عن شكر النعم، ولا نعاقب هذا العقاب الشديد إلا الجَحود لنعم الله الكفور به سبحانه.

<div class="verse-tafsir" id="91.LxQnJ"

مزيد من التفاسير لسورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله