الآية ٢٧ من سورة فاطر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ٢٧ من سورة فاطر

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٍۢ مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهَا ۚ وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌۢ بِيضٌۭ وَحُمْرٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌۭ ٢٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٧ من سورة فاطر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٧ من سورة فاطر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى منبها على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد ، وهو الماء الذي ينزله من السماء ، يخرج به ثمرات مختلفا ألوانها ، من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض ، إلى غير ذلك من ألوان الثمار ، كما هو المشاهد من تنوع ألوانها وطعومها وروائحها ، كما قال تعالى في الآية الأخرى : ( وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) [ الرعد : 4 ] .

وقوله تبارك وتعالى : ( ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ) أي : وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان ، كما هو المشاهد أيضا من بيض وحمر ، وفي بعضها طرائق - وهي : الجدد ، جمع جدة - مختلفة الألوان أيضا .

قال ابن عباس ، رضي الله عنهما : الجدد : الطرائق .

وكذا قال أبو مالك ، والحسن ، وقتادة ، والسدي .

ومنها ( وغرابيب سود ) ، قال عكرمة : الغرابيب : الجبال الطوال السود .

وكذا قال أبو مالك ، وعطاء الخراساني وقتادة .

وقال ابن جرير : والعرب إذا وصفوا الأسود بكثرة السواد ، قالوا : أسود غربيب .

ولهذا قال بعض المفسرين في هذه الآية : هذا من المقدم والمؤخر في قوله تعالى : ( وغرابيب سود ) أي : سود غرابيب .

وفيما قاله نظر .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ &; 20-461 &; مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) يقول تعالى ذكره: ألم تر يا محمد أن الله أنـزل من السماء غيثًا فأخرجنا به ثمرات مختلفًا ألوانها: يقول: فسقيناه أشجارًا في الأرض فأخرجنا به من تلك الأشجار ثمرات مختلفا ألوانها؛ منها الأحمر ومنها الأسود والأصفر، وغير ذلك من ألوانها( وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ ) يقول تعالى ذكره: ومن الجبال طرائق، وهي الجدد، وهي الخطط تكون في الجبال بيض وحمر وسود، كالطرق واحدتها جدة، ومنه قول امرىء القيس في صفة حمار: كـــأنَّ سَــرَاتَهُ وَجُــدَّةَ مَتْنِــهِ كَنَــائِنُ يَجْــرِي فَـوْقَهُنَّ دَلِيـصُ (1) يعني بالجدة: الخطة السوداء تكون في متن الحمار.

وقوله (مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا) يعني: مختلف ألوان الجدد (وَغَرَابِيبُ سُودٌ) وذلك من المقدم الذي هو بمعنى التأخير، وذلك أن العرب تقول: هو أسود غربيب، إذا وصفوه بشدة السواد، وجعل السواد ها هنا صفة للغرابيب.

------------------------ الهوامش: (1) البيت لامرئ القيس (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا، طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده ص 127) وفيه "ظهره" في موضع "متنه".

و"بينهن" في موضع "فوقهن".

قال شارحه: سراته: ظهره.

والجدة: الخط الذي وسط الظهر.

والكنائن: جعاب السهام، من جلد أو خشب، والدليص: ماء الذهب.

شبه الخط الذي على ظهر الحمار في بريقه ولونه، بجعاب مذهبه، مع بريق جلدها وإملاسه.

ا .

هـ.

واستشهد به مؤلف عند قوله تعالى: (ومن جبال جدد بيض وحمر) على أن معنى الجدد: الخطط تكون في الجبال: بيض وحمر وسود وحمر كالطرق، واحدها جدة، وأنشد بيت امرئ القيس كرواية المؤلف.

ثم قال: والجدة: الخطة السوداء في متن الحمار.

وقال الفراء: يقال: أدلصت الشيء ودلصته: إذا برق.

فكل شيء يبرق نحو المرآة والذهب والفضة، فهو دليص.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء هذه الرؤية رؤية القلب والعلم ; أي ألم ينته علمك ورأيت بقلبك أن الله أنزل ; ف ( أن ) واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي الرؤية .

فأخرجنا به ثمرات هو من باب تلوين الخطاب .

مختلفا ألوانها نصبت مختلفا نعتا ل ( ثمرات ) .

( ألوانها ) رفع ب ( مختلفا ) ، وصلح أن يكون نعتا ل ( ثمرات ) لما عاد عليه من ذكره .

ويجوز في غير القرآن رفعه ; ومثله رأيت رجلا خارجا أبوه .

( به ) أي بالماء وهو واحد ، والثمرات مختلفة .

ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها الجدد جمع جدة ، وهي الطرائق المختلفة الألوان ، وإن كان الجميع حجرا أو ترابا .

قال الأخفش : ولو كان جمع جديد لقال : جدد ( بضم الجيم والدال ) نحو سرير وسرر .

وقال زهير :كأنه أسفع الخدين ذو جدد طاو ويرتع بعد الصيف عرياناوقيل : إن الجدد القطع ، مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته ; حكاه ابن بحر قال الجوهري : والجدة الخطة التي في ظهر الحمار تخالف لونه .

والجدة الطريقة ، والجمع جدد ; قال تعالى : ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها أي طرائق تخالف لون الجبل .

ومنه قولهم : ركب فلان جدة من الأمر ; إذا رأى فيه رأيا .

وكساء مجدد : فيه خطوط مختلفة .

الزمخشري : وقرأ الزهري جدد بالضم جمع جديدة ، هي الجدة ; يقال : جديدة وجدد وجدائد كسفينة وسفن وسفائن .

وقد فسر بها قول أبي ذؤيب :جون السراة له جدائد أربع[ ص: 307 ] وروي عنه ( جدد ) بفتحتين ، وهو الطريق الواضح المسفر ، وضعه موضع الطرائق والخطوط الواضحة المنفصل بعضها من بعض .

ومن الناس والدواب والأنعام وقرئ : ( والدواب ) مخففا .

ونظير هذا التخفيف قراءة من قرأ : ( ولا الضالين ) لأن كل واحد منهما فر من التقاء الساكنين ، فحرك ذلك أولهما ، وحذف هذا آخرهما ; قاله الزمخشري .

مختلف ألوانه فذكر الضمير مراعاة ل ( من ) ; قاله المؤرج .

وقال أبو بكر بن عياش : إنما ذكر الكناية لأجل أنها مردودة إلى ( ما ) مضمرة ; مجازه : ومن الناس ومن الدواب ومن الأنعام ما هو مختلف ألوانه ، أي أبيض وأحمر وأسود .

وغرابيب سود قال أبو عبيدة : الغربيب الشديد السواد ; ففي الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى : ومن الجبال سود غرابيب .

والعرب تقول للشديد السواد الذي لونه كلون الغراب : أسود غربيب .

قال الجوهري : وتقول هذا أسود غربيب ; أي شديد السواد .

وإذا قلت : غرابيب سود ، تجعل السود بدلا من غرابيب لأن توكيد الألوان لا يتقدم .

وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله يبغض الشيخ الغربيب يعني الذي يخضب بالسواد .

قال امرؤ القيس :العين طامحة واليد سابحة والرجل لافحة والوجه غربيبوقال آخر يصف كرما :ومن تعاجيب خلق الله غاطية يعصر منها ملاحي وغربيب

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يذكر تعالى خلقه للأشياء المتضادات، التي أصلها واحد، ومادتها واحدة، وفيها من التفاوت والفرق ما هو مشاهد معروف، ليدل العباد على كمال قدرته وبديع حكمته.فمن ذلك: أن اللّه تعالى أنزل من السماء ماء، فأخرج به من الثمرات المختلفات، والنباتات المتنوعات، ما هو مشاهد للناظرين، والماء واحد، والأرض واحدة.ومن ذلك: الجبال التي جعلها اللّه أوتادا للأرض، تجدها جبالا مشتبكة، بل جبلا واحدا، وفيها ألوان متعددة، فيها جدد بيض، أي: طرائق بيض، وفيها طرائق صفر وحمر، وفيها غرابيب سود، أي: شديدة السواد جدا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد ) طرق وخطط ، واحدتها جدة ، مثل : مدة ومدد ( بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ) يعني : سود غرابيب على التقديم والتأخير ، يقال : أسود غربيب ، أي : شديد السواد تشبيها بلون الغراب ، أي : طرائق سود .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألم ترَ» تعلم «أن الله أنزل من السماء ماءً فأخرجنا» فيه التفات عن الغيبة «به ثمرات مختلفا ألوانها» كأخضر وأحمر وأصفر وغيرها «ومن الجبال جدد» جمع جدة، طريق في الجبل وغيره «بيض وحمر» وصفر «مختلف ألوانها» بالشدة والضعف «وغرابيب سود» عطف على جدد، أي صخور شديدة السواد، يقال كثيرا: أسود غربيب، وقليلا: غربيب أسود.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء، فسقينا به أشجارًا في الأرض، فأخرجنا من تلك الأشجار ثمرات مختلفًا ألوانها، منها الأحمر ومنها الأسود والأصفر وغير ذلك؟

وخَلَقْنا من الجبال طرائق بيضًا وحمرًا مختلفًا ألوانها، وخلقنا من الجبال جبالا شديدة السواد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك أدلة أخرى على عظيم قدرته .

وبين من هم أولى الناس بخشيته ، ومدح الذين يكثرون من تلاوة كتابه ، ويحافظون على أداء فرائضه ، ووعدهم على ذلك بالأجر الجزيل فقال - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنزَلَ .

.

.

بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ) .والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً ) .

.لتقرير ما قبله ، من أن اختلاف الناس فى عقائدهم وأحوالهم أمر مطرد ، وأن هذا الاختلاف موجود حتى فى الحيوان والحجارة والنبات .

.قال الآلوسى ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ .

.

) هذه الكلمة قد تذكر لمن تقدم علمه فتكون للتعجب ، وقد تذكر لمن لا يكون كذلك ، فتكون لتعريفه وتعجيبه ، وقد اشتهرت فى ذلك أجريت مجرى المثل فى هذا الباب ، بأن شبه من لم ير الشئ ، بحال من رآه .

فى أنه لا ينبغى أن يخيفى عليه ، ثم أجرى الكلام معه .

كما يجرى مع من رأى ، قصداً إلى المبالغة فى شهرته .

.والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ، أو لكل من يتأتى له الخطاب ، بتقرير دليل من أدلة القدرة الباهرة .والمعنى : لقد علمت - أيها العاقل - علماً لا يخالطه شك ، أن الله - تعالى - أنزل من السماء ماء كثيراً ، فأخرج بسببه من الأرض ، ثمرات مختلفاً ألوانها .

فبعضها أحمر ، وبعضها أصفر ، وبعضها أخضر .

.

وبعضها حلو المذاق ، وبعضها ليس كذلك ، مع أنها جميعاً تسقى بماء واحد ، كما قال - تعالى - : ( وَفِي الأرض قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) وجاء قوله ( فَأَخْرَجْنَا ) على أسلوب الالتفات من الغيبة إلى التكلم ، لإِظهار كمال الاعتناء بالفعل لما فيه من الصنع البديع المنبئ عن كمال القدرة والحكمة ، ولأن المنة بالإِخراج أبلغ من إنزال الماء .وقوله ( مُّخْتَلِفاً ) صفة لثمرات ، وقوله ( َلْوَانُهَا ) فاعل به .وقوله - تعالى - : ( وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ) معطوف على ما قبله ، لبيان مظهر آخر من مظاهر قدرته - عز وجل .قال القرطبى ما ملخصه : " الجدد جمع جُدَّة - بضم الجيم - وهى الطرائق المختلفة الألوان " .

.

والجُدَّة : الخطة التى فى ظهر الحمار تخالف لونه .

والجدة : الطريق والجمع جدد .

.

أى : طارئق تخاف لون الجبل ، ومنه قولهم : ركب فلان جُدَّة من الأمر ، إذا رأى فيه رأيا .وغرابيب : جمع غربيب ، وهو الشئ السواد ، والعرب تقول للشئ الشديد السواد ، أسود غربيب .وقوله : ( سُودٌ ) بدل من ( وَغَرَابِيبُ ) .أى : أنزلنا من السماء ماء أخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ، وجعلنا بقدرتنا من الجبال قطعاً ذات ألوان مختلفة ، فمنها الأبيض ، ومنها الأحمر ، ومنها ما هو شديد السواد ، ومنها ما ليس كذلك ، مما يدل على عظيم قدرتنا .

وبديع صنعنا .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنَزَلَ مِنَ السماء مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا ﴾ .

وهذا استدلال بدليل آخر على وحدانية الله وقدرته وفي تفسيرها مسائل: المسألة الأولى: ذكر هذا الدليل على طريقة الاستخبار، وقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ وذكر الدليل المتقدم على طريقة الإخبار وقال: ﴿ والله الذي أَرْسَلَ الرياح  ﴾ وفيه وجهان الأول: أن انزال الماء أقرب إلى النفع والمنفعة فيه أظهر فإنه لا يخفى على أحد في الرؤية أن الماء منه حياة الأرض فعظم دلالته بالاستفهام لأن الاستفهام الذي للتقرير لا يقال إلا في الشيء الظاهر جداً كما أن من أبصر الهلال وهو خفي جداً، فقال له غيره أين هو، فإنه يقول له في الموضع الفلاني، فإن لم يره، يقول له الحق معك إنه خفي وأنت معذور، وإذا كان بارزاً يقول له أما تراه هذا هو ظاهراً والثاني: وهو أنه ذكره بعدما قرر المسألة بدليل آخر وظهر بما تقدم للمدعو بصارة بوجوه الدلالات، فقال له أنت صرت بصيراً بما ذكرناه ولم يبق لك عذر، ألا ترى هذه الآية.

المسألة الثانية: المخاطب من هو يحتمل وجهين: أحدهما: النبي صلى الله عليه وسلم وفيه حكمة وهي أن الله تعالى لما ذكر الدلائل ولم تنفعهم قطع الكلام معهم والتفت إلى غيرهم، كما أن السيد إذا نصح بعض العبيد ومنعهم من الفساد ولا ينفعهم الإرشاد، يقول لغيره اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر معه ما ذكره مع الأول ويكون فيه إشعار بأن الأول فيه نقيصة لا يستأهل للخطاب فيتنبه له ويدفع عن نفسه تلك النقيصة والآخر: أن لا يخرج إلى كلام أجنبي عن الأول، بل يأتي بما يقاربه لئلا يسمع الأول كلاماً آخر فيترك التفكر فيما كان فيه من النصيحة.

المسألة الثالثة: هذا استدلال على قدرة الله واختياره حيث أخرج من الماء الواحد ممرات مختلفة وفيه لطائف الأولى: قال أنزل وقال أخرجنا.

وقد ذكرنا فائدته ونعيدها فنقول: قال الله تعالى: ﴿ الم تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ ﴾ فإن كان جاهلاً يقول نزول الماء بالطبع لثقله فيقال له، فالإخراج لا يمكنك أن تقول فيه إنه بالطبع فهو بإرادة الله، فلما كان ذلك أظهر أسنده إلى المتكلم ووجه آخر: هو أن الله تعالى لما قال: ﴿ أَنَّ الله أَنزَلَ ﴾ علم الله بدليل، وقرب المتفكر فيه إلى الله تعالى فصار من الحاضرين، فقال له أخرجنا لقربه ووجه ثالث: الإخراج أتم نعمة من الإنزال، لأن الإنزال لفائدة الإخراج فأسند الأتم إلى نفسه بصيغة المتكلم وما دونه بصيغة الغائب.

اللطيفة الثانية: قال تعالى: ﴿ وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ ألوانها وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ الناس والدواب والأنعام مُخْتَلِفٌ ألوانه كَذَلِكَ ﴾ .

كأن قائلاً قال اختلاف الثمرات لاختلاف البقاع.

ألا ترى أن بعض النباتات لا تنبت ببعض البلاد كالزعفران وغيره، فقال تعالى اختلاف البقاع ليس إلا بإرادة الله وإلا فلم صار بعض الجبال فيه مواضع حمر ومواضع بيض، والجدد جمع جدة وهي الخطة أو الطريقة، فإن قيل الواو في: ﴿ وَمِنَ الجبال ﴾ ما تقديرها؟

نقول هي تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون للاستئناف كأنه قال تعالى وأخرجنا بالماء ثمرات مختلفة الألوان، وفي الأشياء الكائنات من الجبال جدد بيض دالة على القدرة، رادة على من ينكر الإرادة في اختلاف ألوان الثمار ثانيهما: أن تكون للعطف تقديرها وخلق من الجبال.

قال الزمخشري: أراد ذو جدد واللطيفة الثالثة: ذكر الجبال ولم يذكر الأرض كما قال في موضع آخر: ﴿ وَفِي الأرض قِطَعٌ متجاورات  ﴾ مع أن هذا الدليل مثل ذلك، وذلك لأن الله تعالى لما ذكر في الأول: ﴿ أَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ ﴾ كان نفس إخراج الثمار دليلاً على القدرة ثم زاد عليه بياناً، وقال مختلفاً كذلك في الجبال في نفسها دليل للقدرة والإرادة، لأن كون الجبال في بعض نواحي الأرض دون بعضها والاختلاف الذي في هيئة الجبل فإن بعضها يكون أخفض وبعضها أرفع دليل القدرة والاختيار، ثم زاده بياناً وقال: ﴿ جدد بيض ﴾ ، أي مع دلالتها بنفسها هي دالة باختلاف ألوانها، كما أن إخراج الثمرات في نفسها دلائل واختلاف ألوانها دلائل.

المسألة الرابعة: ﴿ مختلف ألوانها ﴾ ، الظاهر أن الاختلاف راجع إلى كل لون أي بيض مختلف ألوانها وحمر مختلف ألوانها، لأن الأبيض قد يكون على لون الجص، وقد يكون على لون التراب الأبيض دون بياض الجص، وكذلك الأحمر، ولو كان المراد أن البيض والحمر مختلف الألوان لكان مجرد تأكيد والأول أولى، وعلى هذا فنقول لم يذكر مختلف ألوانها بعد البيض والحمر والسود، بل ذكره بعد البيض والحمر وأخر السود الغرابيب، لأن الأسود لما ذكره مع المؤكد وهو الغرابيب يكون بالغاً غاية السواد فلا يكون فيه اختلاف.

المسألة الخامسة: قيل بأن الغربيب مؤكد للأسود، يقال أسود غربيب والمؤكد لا يجيء إلا متأخراً فكيف جاء غرابيب سود؟

نقول قال الزمخشري: غرابيب مؤكد لذي لون مقدر في الكلام كأنه تعالى قال سواد غرابيب، ثم أعاد السود مرة أخرى وفيه فائدة وهي زيادة التأكيد لأنه تعالى ذكره مضمراً ومظهراً، ومنهم من قال هو على التقديم والتأخير، ثم قال تعالى: ﴿ وَمِنَ الناس والدواب والأنعام ﴾ استدلالاً آخر على قدرته وإرادته، وكأن الله تعالى قسم دلائل الخلق في العالم الذي نحن فيه وهو عالم المركبات قسمين: حيوان وغير حيوان، وغير الحيوان إما نبات وإما معدن، والنبات أشرف، وأشار إليه بقوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ ﴾ ثم ذكر المعدن بقوله: ﴿ وَمِنَ الجبال ﴾ ثم ذكر الحيوان وبدأ بالأشرف منها وهو الإنسان فقال: ﴿ وَمِنَ الناس ﴾ ثم ذكر الدواب، لأن منافعها في حياتها والأنعام منفعتها في الأكل منها، أو لأن الدابة في العرف تطلق على الفرس وهو بعد الإنسان أشرف من غيره، وقوله: ﴿ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ القول فيه كما أنها في أنفسها دلائل، كذلك في اختلافها دلائل.

وأما قوله: ﴿ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ فذكر لكون الإنسان من جملة المذكورين، وكون التذكير أعلى وأولى.

ثم قال تعالى: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور ﴾ .

الخشية بقدر معرفة المخشي، والعالم يعرف الله فيخافه ويرجوه.

وهذا دليل على أن العالم أعلى درجة من العابد، لأن الله تعالى قال: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم  ﴾ فبين أن الكرامة بقدر التقوى، والتقوى بقدر العلم.

فالكرامة بقدر العلم لا بقدر العمل، نعم العالم إذا ترك العمل قدح ذلك في علمه، فإن من يراه يقول: لو علم لعمل.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ ذكر ما يوجب الخوف والرجاء، فكونه عزيزاً ذا انتقام يوجب الخوف التام، وكونه غفوراً لما دون ذلك يوجب الرجاء البالغ.

وقراءة من قرأ بنصب العلماء ورفع الله، معناها إنما يعظم ويبجل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَلْوَانُهَا ﴾ أجناسها من الرمّان والتفاح والتين والعنب وغيرها مما لا يحصر أو هيئاتها من الحمرة والصفرة والخضرة ونحوها.

والجدد: الخطط والطرائق.

قال لبيد: أَوْ مَذْهَبْ جُدَد عَلَى أَلْوَاحِهِ ويقال: جدة الحمار للخطة السوداء على ظهره، وقد يكون للظبي جدتان مسكيتان تفصلان بين لوني ظهره وبطنه ﴿ وَغَرَابِيبُ ﴾ معطوف على بيض أو على جدد، كأنه قيل: ومن الجبال مخطط ذو جدد، ومنها ما هو على لون واحد غرابيب.

وعن عكرمة رضي الله عنه: هي الجبال الطوال السود.

فإن قلت: الغربيب تأكيد للأسود.

يقال: أسود غربيب، وأسود حلكوك: وهو الذي أبعد في السواد وأغرب فيه.

ومنه الغراب: ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد كقولك: أصفر فاقع، وأبيض يقق وما أشبه ذلك.

قلت: وجهه أن يضمر المؤكد قبله ويكون الذي بعده تفسيراً لما أضمر، كقول النابغة: وَالْمُؤْمِنُ العَائِذَاتِ الطَّيْرِ وإنما يفعل ذلك لزيادة التوكيد، حيث يدلّ على المعنى الواحد من طريقي الإظهار والإضمار جميعاً، ولا بدّ من تقدير حذف المضاف في قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الجبال جُدَدٌ ﴾ بمعنى: ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر وسود، حتى يؤول إلى قولك: ومن الجبال مختلف ألوانه كما قال: ثمرات مختلفاً ألوانها ﴿ وَمِنَ الناس والدواب والانعام مُخْتَلِفٌ ألوانه ﴾ يعني: ومنهم بعض مختلف ألوانه.

وقرئ: ﴿ ألوانها ﴾ ، وقرأ الزهري: ﴿ جدد ﴾ ، بالضم: جمع جديدة، وهي الجدّة.

يقال: جديدة وجدد وجدائد، كسفينة وسفن وسفائن.

وقد فسر بها قول أبي ذؤيب يصف حمار وحش: جُونُ السَّرَاةِ لَهُ جَدَائِدُ ارْبَعُ وروي عنه: جدد، بفتحتين، وهو الطريق الواضح المسفر وضعه موضع الطرائق والخطوط الواضحة المنفصل بعضها من بعض.

وقرئ: ﴿ والدواب ﴾ مخففاً ونظير هذا التخفيف قراءة من قرأ: ﴿ ولا الضألين ﴾ لأنّ كل واحد منهما فرار من التقاء الساكنين، فحرك ذاك أوّلهما، وحذف هذا أخرهما.

وقوله: ﴿ كذلك ﴾ أي كاختلاف الثمرات والجبال.

والمراد: العلماء به الذين علموه بصفاته وعدله وتوحيده، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فعظموه وقدروه حق قدره، وخشوه حق خشيته، ومن ازداد به علماً ازداد منه خوفاً، ومن كان علمه به أقل كان آمن.

وفي الحديث: «أَعلمُكُم بِاللَّهِ أَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً» وعن مسروق: كفى بالمرء علماً أن يخشى، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعلمه.

وقال رجل للشعبي: أفتني أيها العالم، فقال: العالم من خشي الله.

وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقد ظهرت عليه الخشية حتى عرفت فيه.

فإن قلت: هل يختلف المعنى إذا قدّم المفعول في هذا الكلام أو أخر؟

قلت: لابد من ذلك، فإنك إذا قدمت اسم الله وأخرت العلماء كان المعنى: أنّ الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، وإذا عملت على العكس انقلب المعنى إلى أنهم لا يخشون إلا الله، كقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله ﴾ [الأحزاب: 39] وهما معنيان مختلفان.

فإن قلت: ما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله؟

قلت: لما قال: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ بمعنى ألم تعلم أن الله أنزل من السماء ماء، وعدد آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعته وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس وما يستدلّ به عليه وعلى صفاته، أتبع ذلك ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ﴾ كأنه قال: إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك: ممن عرفه حق معرفته وعلمه كنه علمه.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنَا أَرجُو أَنْ أكونَ أتقاكُم للَّهِ وأَعْلَمَكُمْ بِهِ» فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ﴾ وهو عمر بن عبد العزيز ويحكى عن أبي حنيفة؟

قلت: الخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى: إنما يجلهم ويعظمهم، كما يجلّ المهيب المخشي من الرجال بين الناس ومن بين جميع عباده ﴿ إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ تعليل لوجوب الخشية، لدلالته على عقوبة العصاة، وقهرهم وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم، والمعاقب المثيب: حقه أن يخشى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها ﴾ أجْناسُها وأصْنافُها عَلى أنَّ كُلًّا مِنها ذُو أصْنافٍ مُخْتَلِفَةٍ، أوْ هَيْئاتُها مِنَ الصُّفْرَةِ والخُضْرَةِ ونَحْوِهِما.

﴿ وَمِنَ الجِبالِ جُدَدٌ ﴾ أيْ ذُو جُدَدٍ أيْ خُطَطٍ وطَرائِقَ يُقالُ جُدَّةُ الحِمارِ لِلْخُطَّةِ السَّوْداءِ عَلى ظَهْرِهِ، وقُرِئَ «جُدُدٌ» بِالضَّمِّ جَمْعُ جَدِيدَةٍ بِمَعْنى الجِدَّةِ وجَدَدٌ بِفَتْحَتَيْنِ وهو الطَّرِيقُ الواضِحُ.

﴿ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها ﴾ بِالشِّدَّةِ والضَّعْفِ.

﴿ وَغَرابِيبُ سُودٌ ﴾ عُطِفَ عَلى ( بِيضٌ ) أوْ عَلى ( جُدَدٌ ) كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ الجِبالِ ذُو جُدَدٍ مُخْتَلِفَةِ اللَّوْنِ ومِنها ( غَرابِيبُ ) مُتَّحِدَةُ اللَّوْنِ، وهو تَأْكِيدٌ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ فَإنَّ الغِرْبِيبَ تَأْكِيدٌ لِلْأسْوَدِ ومِن حَقِّ التَّأْكِيدِ أنْ يَتْبَعَ المُؤَكَّدَ ونَظِيرُ ذَلِكَ في الصِّفَةِ قَوْلُ النّابِغَةِ: والمُؤْمِنُ العائِذاتُ الطَّيْرُ يَمْسَحُها وَفِي مِثْلِهِ مَزِيدُ تَأْكِيدٍ لِما فِيهِ مِنَ التَّكْرِيرِ بِاعْتِبارِ الإضْمارِ والإظْهارِ.

﴿ وَمِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ ﴾ كاخْتِلافِ الثِّمارِ والجِبالِ.

﴿ إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ ﴾ إذْ شَرْطُ الخَشْيَةِ مَعْرِفَةُ المَخْشِيِّ والعِلْمُ بِصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، فَمَن كانَ أعْلَمَ بِهِ كانَ أخْشى مِنهُ ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنِّي أخْشاكم لِلَّهِ وأتْقاكم لَهُ» ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ أفْعالِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ حَصْرُ الفاعِلِيَّةِ ولَوْ أُخِّرَ انْعَكَسَ الأمْرُ.

وقُرِئَ بِرَفْعِ اسْمِ اللَّهِ ونَصْبِ العُلَماءِ عَلى أنَّ الخَشْيَةَ مُسْتَعارَةٌ لِلتَّعْظِيمِ فَإنَّ المُعْظِّمَ يَكُونُ مَهِيبًا.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الخَشْيَةِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ مُعاقِبٌ لِلْمُصِرِّ عَلى طُغْيانِهِ غَفُورٌ لِلتّائِبِ عَنْ عِصْيانِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ} بالماء {ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} أجناسها من الرمان والتفاح والتين والعنب وغيرها مما لا يحصر أو هيآتها من الحمرة والصفرة والخضرة ونحوها {وَمِنَ الجبال جدد} طرق مختلفة اللون جمع جدة كمدة ومدد {بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ ألوانها وَغَرَابِيبُ سُودٌ} جمع غربيب وهو تأكيد للأسود يقال أسود غربيب وهو الذي أبعد في السواد وأغرب فيه ومنه الغراب وكان من حق التأكيد أن يتبع المؤكد كقولك أصفر فاقع إلا أنه ضمر المؤكد قبله والذي بعده تفسير للمضمر وإنما يفعل ذلك لزيادة التوكيد حيث يدل على المعنى الواحد من طريقي الإظهار والإضمار جميعاً ولا بد من تقدير حذف المضاف في قوله وَمِنَ الجبال جُدَدٌ أي ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر وسود حتى يؤل إلى قولك ومن الجبال مختلف ألوانه كما قال ثمرات مختلفاً ألوانها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ﴾ ماءً إلخ، اِسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ عَلى ما يَخْطُرُ بِالبالِ لِتَقْرِيرِ ما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: هو لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِنَ اِخْتِلافِ النّاسِ بِبَيانِ أنَّ الِاخْتِلافَ والتَّفاوُتَ أمْرٌ مُطَّرِدٌ في جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مِنَ النَّباتِ والجَمادِ والحَيَوانِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: تَقْرِيرٌ لِوَحْدانِيَّتِهِ تَعالى بِأدِلَّةٍ سَماوِيَّةٍ وأرْضِيَّةٍ إثْرَ تَقْرِيرِها بِأمْثالٍ ضَرَبَها جَلَّ شَأْنُهُ، وهَذا كَما تَرى، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ لِأنَّ إنْزالَ المَطَرِ وإنْ كانَ مُدْرَكًا بِالبَصَرِ لَكِنَّ إنْزالَ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، والخِطابُ عامٌّ، أيْ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ مِن جِهَةِ العُلُوِّ ماءً ﴿ فَأخْرَجْنا بِهِ ﴾ أيْ بِذَلِكَ الماءِ عَلى أنَّهُ سَبَبٌ عادِيٌّ لِلْإخْراجِ، وقِيلَ: أيْ أخْرَجْنا عِنْدَهُ، والِالتِفاتُ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِالفِعْلِ لِما فِيهِ مِنَ الصُّنْعِ البَدِيعِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ.

﴿ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها ﴾ أيْ أنْواعُها مِنَ التُّفّاحِ والرُّمّانِ والعِنَبِ والتِّينِ وغَيْرِها مِمّا لا يُحْصَرُ، وهَذا كَما يُقالُ فُلانٌ أتى بِألْوانٍ مِنَ الأحادِيثِ وقَدَّمَ كَذا لَوْنًا مِنَ الطَّعامِ، واخْتِلافُ كُلِّ نَوْعٍ بِتَعَدُّدِ أصْنافِهِ كَما في التُّفّاحِ فَإنَّ لَهُ أصْنافًا مُتَغايِرَةً لَذَّةً وهَيْئَةً، وكَذا في سائِرِ الثَّمَراتِ ولا يَكادُ يُوجَدُ نَوْعٌ مِنها إلّا وهو ذُو أصْنافٍ مُتَغايِرَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ اِخْتِلافُ كُلِّ نَوْعٍ بِاخْتِلافِ أفْرادِهِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ حَمْلُ الألْوانِ عَلى مَعْناها المَعْرُوفِ واخْتِلافُها بِالصُّفْرَةِ والحُمْرَةِ والخُضْرَةِ وغَيْرِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وهو الأوْفَقُ لِما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ ﴾ وهو إمّا عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ بِحَسَبِ المَعْنى أوْ حالٌ وكَوْنُهُ اِسْتِئْنافًا مَعَ اِرْتِباطِهِ بِما قَبْلَهُ غَيْرُ ظاهِرٍ، و ﴿ جُدَدٌ ﴾ جُمَعُ جُدَّةٍ بِالضَّمِّ وهي الطَّرِيقَةُ مِن جَدَّهُ إذا قَطَعَهُ، وقالَ أبُو الفَضْلِ: هي مِنَ الطَّرائِقِ ما يُخالِفُ لَوْنُهُ لَوْنَ ما يَلِيهِ ومِنهُ جُدَّةُ الحِمارِ لِلْخَطِّ الَّذِي في وسَطِ ظَهْرِهِ يُخالِفُ لَوْنَهُ، وسَألَ اِبْنُ الأزْرَقِ اِبْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ الجُدَدِ فَقالَ: طَرائِقُ طَرِيقَةٌ بَيْضاءُ وطَرِيقَةٌ خَضْراءُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: قَدْ غادَرَ السَّبُعُ في صَفَحاتِها جُدَدًا كَأنَّها طُرُقٌ لاحَتْ عَلى أكَمِ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ إنْ لَمْ تُقْصَدِ المُبالَغَةُ، لِأنَّ الجِبالَ لَيْسَتْ نَفْسَ الطَّرائِقِ، أيْ ذُو جُدَدٍ.

وقَرَأ الزُّهْرِيُّ «جُدُدٌ» بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ جَدِيدَةٍ كَسَفِينَةٍ وسُفُنٍ وهي بِمَعْنى جِدَّةٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ هو جَمْعُ جَدِيدٍ بِمَعْنى آثارٍ جَدِيدَةٍ واضِحَةِ الألْوانِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا مَدْخَلَ لِمَعْنى الجَدِيدَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، ولَعَلَّ مَن يَقُولُ بِتَجَدُّدِ حُدُوثِ الجِبالِ وتَكَوُّنِها مِن مِياهٍ تَنْبُعُ مِنَ الأرْضِ وتَتَحَجَّرُ أوَّلًا فَأوَّلًا ثُمَّ تَنْبُعُ مِن مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِمّا تَحَجَّرَ فَتَتَحَجَّرُ أيْضًا، وهَكَذا حَتّى يَحْصُلَ جَبَلٌ لا يَأْبى حَمْلَ الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى ما ذُكِرَ.

والظّاهِرُ مِنَ الآياتِ والأخْبارِ أنَّ الجِبالَ أحْدَثَها اللَّهُ تَعالى بُعَيْدَ خَلْقِ الأرْضِ لِئَلّا تَمِيدُ بِسُكّانِها، والفَلاسِفَةُ يَزْعُمُونَ أنَّها كانَتْ طِينًا في بِحارٍ اِنْحَسَرَتْ ثُمَّ تَحَجَّرَتْ، وقَدْ أطالَ الإمامُ الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ (اَلْمَباحِثِ المَشْرِقِيَّةِ) واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ، بِوُجُودِ أشْياءَ بَحْرِيَّةٍ كالصَّدَفِ بَيْنَ أجْزائِها، وهَذا عِنْدَ تَدْقِيقِ النَّظَرِ هَباءٌ وأكْثَرُ الأدِلَّةِ مُثْلَةً، ومَن أرادَ الِاطِّلاعَ عَلى ما قالُوا فَلْيَرْجِعْ إلى كُتُبِهِمْ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ «جَدَدٌ» بِفَتْحَتَيْنِ ولَمْ يُجِزْ ذَلِكَ أبُو حاتِمٍ، وقالَ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لا تَصِحُّ مِن حَيْثُ المَعْنى وصَحَّحَها غَيْرُهُ وقالَ: الجَدَدُ الطَّرِيقُ الواضِحُ المُبِينُ، إلّا أنَّهُ وُضِعَ المُفْرِدُ مَوْضِعَ الجَمْعِ، ولِذا وُصِفَ بِالجَمْعِ، وقِيلَ هو مِن بابِ نُطْفَةٍ أمْشاجٍ وثَوْبٍ أخْلاقٍ لِاشْتِمالِ الطَّرِيقِ عَلى قَطْعٍ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ ولا مُناسِبٍ لِجَمْعِ الجِبالِ ﴿ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها ﴾ أيْ أصْنافُها بِالشِّدَّةِ والضَّعْفِ لِأنَّها مَقُولَةٌ بِالتَّشْكِيكِ، فَمُخْتَلِفٌ صِفَةُ بَيْضٍ وحُمْرٍ، و ﴿ ألْوانُها ﴾ فاعِلُ لَهُ ولَيْسَ بِمُبْتَدَأٍ، و ﴿ مُخْتَلِفٌ ﴾ خَبَرُهُ لِوُجُوبِ مُخْتَلِفَةٍ حِينَئِذٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةُ ﴿ جُدَدٌ ﴾ و( غَرابِيبُ ) عَطْفٌ عَلى ﴿ بِيضٌ ﴾ فَهو مِن تَفاصِيلِ الجُدُدِ والصِّفاتِ القائِمَةِ بِها، أيْ ومِنَ الجِبالِ ذُو جُدُدٍ بِيضٍ وحُمْرٍ، وغَرابِيبُ والغِرْبِيبُ هو الَّذِي أبْعَدَ في السَّوادِ وأغْرَبَ فِيهِ ومِنهُ الغُرابُ، وكَثُرَ في كَلامِهِمُ إتْباعُهُ لِلْأسْوَدِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لَهُ أوْ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ فَقالُوا أسْوَدُ غِرْبِيبٌ، كَما قالُوا: أبْيَضُ يَقَقٌ وأصْفَرُ فاقِعٌ وأحْمَرُ قانٍ.

وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ ( غَرابِيبُ ) هُنا تَأْكِيدٌ لِمَحْذُوفٍ والأصْلُ وسُودٌ غَرابِيبُ أيْ شَدِيدَةُ السَّوادِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ إلّا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ حَذْفَ المُؤَكَّدِ، ومِنَ النُّحاةِ مَن مَنَعَ ذَلِكَ وهو اِخْتِيارُ اِبْنِ مالِكٍ لِأنَّ التَّأْكِيدَ يَقْتَضِي الِاعْتِناءَ والتَّقْوِيَةَ وقَصْدَ التَّطْوِيلِ والحَذْفَ يَقْتَضِي خِلافَهُ، ورَدَّهُ الصَّفّارُ كَما في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) لِأنَّ المَحْذُوفَ لِدَلِيلٍ كالمَذْكُورِ فَلا يُنافِي تَأْكِيدَهُ، وفي بَعْضِ شُرُوحِ (اَلْمُفَصَّلِ) أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ أُقِيمَ مَقامَهُ بَعْدَ حَذْفِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُودٌ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، وهو مُفَسِّرٌ لِلْمَحْذُوفِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ النّابِغَةِ: والمُؤْمِنِ العائِذاتِ الطَّيْرِ يَمْسَحُها ∗∗∗ رُكْبانُ مَكَّةَ بَيْنَ الغَيْلِ والسَّنَدِ وفِيهِ التَّفْسِيرُ بَعْدَ الإبْهامِ ومَزِيدُ الِاعْتِناءِ بِوَصْفِ السَّوادِ حَيْثُ دَلَّ عَلَيْهِ مِن طَرِيقِ الإضْمارِ والإظْهارِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ﴿ جُدَدٌ ﴾ عَلى مَعْنى: ومِنَ الجِبالِ ذُو جُدُدٍ مُخْتَلِفِ اللَّوْنِ ومِنها غَرابِيبُ مُتَّحِدَةُ اللَّوْنِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ المُقابَلَةُ، وإخْراجُ التَّرْكِيبِ عَلى الأُسْلُوبِ الَّذِي سَمِعْتَهُ، وكَأنَّهُ لَمّا اِعْتَنى بِأمْرِ السَّوادِ بِإفادَةِ أنَّهُ في غايَةِ الشِّدَّةِ لَمْ يَذْكُرْ بَعْدَهُ الِاخْتِلافَ بِالشِّدَّةِ والضَّعْفِ.

وقالَ الفَرّاءُ: الكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ سُودٌ غَرابِيبُ، وقِيلَ لَيْسَ هُناكَ مُؤَكَّدٌ ولا مَوْصُوفٌ مَحْذُوفٌ، وإنَّما ( غَرابِيبُ ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ جُدَدٌ ﴾ أوْ عَلى ﴿ بِيضٌ ﴾ مِن أوَّلِ الأمْرِ و ﴿ سُودٌ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ.

قالَ في البَحْرِ: وهَذا حَسَنٌ ويُحَسِّنُهُ كَوْنُ غِرْبِيبٍ لَمْ يَلْزَمْ فِيهِ أنْ يُسْتَعْمَلَ تَأْكِيدًا، ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْغِضُ الشَّيْخَ الغِرْبِيبَ وهو الَّذِي يُخَضِّبُ بِالسَّوادِ، وفَسَّرَهُ اِبْنُ الأثِيرِ بِاَلَّذِي لا يَشِيبُ أيْ لِسَفاهَتِهِ أوْ لِعَدَمِ اِهْتِمامِهِ بِأمْرِ آخِرَتِهِ، وحُكِيَ ما في البَحْرِ بِصِيغَةِ قِيلَ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎العَيْنُ طامِحَةٌ واليَدُ شامِخَةٌ ∗∗∗ والرِّجْلُ لائِحَةٌ والوَجْهُ غِرْبِيبُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فقال عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء يعني: المطر فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها من الثمار الأحمر، والأصفر، والحلو، والحامض وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ يعني: خلق من الجبال جدداً يعني: جماعة الجدة.

والجدة هي الطريق التي في الجبل والجدد هي الطرائق.

فترى الطريق من البعد منها أبيض، وبعضها حمر.

وقال القتبي: الجدد الخطوط والطرق تكون في الجبال، فبعضها بيض وبعضها حمر، وبعضها غرابيب سود، وهو جمع غربيب وهو الشديد السواد.

ويقال: أسود غربيب وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ يعني: خلق من الناس والدواب وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ أي: كاختلاف الثمرات.

ثم استأنف فقال: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ وقال بعضهم: إنما يتم الكلام عند قوله: مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ.

ثم استأنف فقال: كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ يعني: هكذا يخشى الله من عباده العلماء.

يعني: إن العلماء يعلمون خلق الله تعالى ويتفكرون في خلقه، ويعملون ثوابه وعقابه فيخشونه، ويعلمون بالطاعة طمعاً لثوابه، ويمتنعون عن المعاصي خشية عقابه.

وقال مقاتل: أشد الناس خشية أعلمهم بالله تعالى.

فيها تقديم.

وروى سفيان عن بعض المشيخة، عن النبيّ  أنه سئل: يا رسول الله أينا أعلم؟

فقال: «أَخْشَاكُمْ لله تَعَالَى إنَّمَا يخشى الله من عباده العُلَمَاءُ» قالوا: يا رسول الله فأيُّ الأصحاب أفضل؟

قال: «الذي إذا ذكرت أَعَانَكَ، وإذا نَسِيتَ ذَكَّرَكَ» .

قالوا: فأي الأصحاب شر؟

قال: «الذي إذا ذكرت لَمْ يُعِنْكَ، وإذا أُنْسِيتَ لَمْ يُذَكِّرْكَ» .

قالوا: فأيُّ الناس شر؟

قال: «اللُّهُمَّ اغْفِرْ لِلعُلَمَاءِ.

وَالعَالِمُ إذا فَسَدَ فَسدَ النَّاسُ» .

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ في ملكه غَفُورٌ لمن تاب.

قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ يعني: يقرءون القرآن.

ويقال: معناه يتبعون كتاب الله تعالى.

يقال: تلا يتلوا إذا تبعه كقوله تعالى: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (2) [الشمس: 2] وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني: أتموا الصلوات في مواقيتها وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ يعني: تصدقوا مما أعطيناهم من الأموال سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ يعني: لن تهلك ولن تخسر.

ومعناه: يَرْجُونَ تِجارَةً رابحة وهي الجنة مكان الحياة الدنيا.

ثم قال عز وجل: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ يعني: يوفر ثواب أعمالهم وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ يعني: من رزقه من الجزاء، والثواب في الجنة.

ويقال: مِنْ فَضْلِهِ يعني: من تفضله إِنَّهُ غَفُورٌ لذنوبهم شَكُورٌ لأعمالهم اليسيرة.

والشكر على ثلاثة أوجه.

الشكر ممن يكون دونه الطاعة لأمره وترك مخالفته.

والشكر ممن هو شكله يكون الجزاء والمكافأة.

والشكر ممن فوقه يكون رضى منه باليسير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال صاحب: «الكلم الفارقية والحكم الحقيقة» : العلم النافعُ ما زَهَّدَك في دنياك، ورغَّبك في أخراك، وزادَ في خوفِك وتَقْواك، وبعثَك على طاعةِ مولاك، وصَفَّاك مِن كَدَرِ هَوَاك.

وقال- رحمه الله-: العلومُ النافعةُ ما كانتْ لِلْهِمَمِ رافعةً، وللأهواءِ قامِعةً، وللشكوكِ صَارِفةً دافعةً.

انتهى.

إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ ...

الآية، قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: هذه آية «١» القُرَّاء.

قال ع «٢» : وهذا على أنْ يَتْلُونَ بمعنى: يقرؤون، وإنْ جَعَلناه بمعنى: يتبعون، صَحَّ معنى الآية وكانت في القُرَّاء وغيرهم ممن اتصف بأوصاف الآية، وكتاب الله هو القرآن، وإقامةُ الصلاة، أي: بجميع شروطها، والنفقةُ هي في الصدقات ووجوه البرّ ولَنْ تَبُورَ معناه: لن تكسد.

ويَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قالت فرقة: هو تَضْعِيفُ الحسناتِ، وقالت فرقة: هو إما النظر إلى وجه الله عز وجل، وإما أن يجعلَهم شَافِعينَ في غيرهم كما قال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ٢٦] .

ت: وَقَدْ خَرَّجَ أبو نُعَيْمٍ بإسناده عن الثَّورِي عن شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قال: أجورهم: يدخلهم الجنة، ويزيدهم من فضله: الشفاعةُ لِمَنْ وَجَبَتْ له النار ممن صنع إليه المعروف في الدنيا.

وخَرَّج ابنُ مَاجَه في «سُنَنه» عن أنس بن مالك/، قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلّم: «يصفّ النّاس ٨٤ أصفوفا» .

وقال ابن نُمير: أهُلُ الجَنَّةِ- فَيَمُرُّ الرَّجُلُ مِنْ أهْلِ النَّارِ عَلَى الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا فُلاَنُ، أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ استسقيتني، فسقيتك شربة؟

قال: فيشفع له.

ويمرّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ ﴾ أيْ: ومِمّا خَلَقْنا مِنَ الجِبالِ جُدَدٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الجُدَدُ: الخُطُوطُ والطَّرائِقُ تَكُونُ في الجِبالِ، فَبَعْضُها بِيضٌ، وبَعْضُها حُمْرٌ، وبَعْضُها غَرابِيبُ سُودٍ، والغَرابِيبُ جَمْعُ غِرْبِيبٍ، وهو الشَّدِيدُ السَّوادِ، يُقالُ: أسْوَدُ غِرْبِيبٌ، وتَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ ، يَقُولُ: مِنَ الجِبالِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ، ﴿ وَمِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كاخْتِلافِ الثَّمَراتِ.

قالَ الفَرّاءُ: وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: وسُودٌ غَرابِيبُ، لِأنَّهُ يُقالُ: أسْوَدُ غِرْبِيبٌ، وَقَلَّما يُقالُ: غِرْبِيبٌ أسْوَدُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ومِنَ الجِبالِ غَرابِيبُ سُودٌ، وهي ذَواتُ الصَّخْرِ الأسْوَدِ.

وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الغِرْبِيبُ: الأسْوَدُ، أحْسَبُ أنَّ اشْتِقاقَهُ مِنَ الغُرابِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالغَرابِيبِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الطَّرائِقُ السُّودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الأوْدِيَةُ السُّودُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: الجِبالُ السُّودُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿ إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ ﴾ يَعْنِي العُلَماءَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: إنَّما يَخافُنِي مِن خَلْقِي مَن عَلِمَ جَبَرُوتِي وعِزَّتِي وسُلْطانِي.

وقالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ: العالِمُ مَن خافَ اللَّهَ.

وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: مَن لَمْ يَخْشَ اللَّهَ فَلَيْسَ بِعالِمٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ ﴾ ﴿ وَمِنَ الناسِ والدَوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ إنَّما يَخْشى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ إنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ الرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "ألَمْ تَرَ" ﴾ رُؤْيَةُ القَلْبِ، وكُلُّ تَوْقِيفٍ في القُرْآنِ عَلى رُؤْيَةٍ فَهي رُؤْيَةُ القَلْبِ؛ لِأنَّ الحُجَّةَ بِها تَقُومُ، ولَكِنَّ رُؤْيَةَ القَلْبِ لا تَتَرَكَّبُ البَتَّةَ إلّا عَلى حاسَّةٍ، فَأحْيانًا تَكُونُ الحاسَّةُ البَصَرَ، وقَدْ تَكُونُ غَيْرَهُ، وهَذا يُعْرَفُ بِحَسْبِ الشَيْءِ المُتَكَلَّمِ فِيهِ، و"أنَّ" سادَّةٌ مُسَدَّ المَفْعُولَيْنِ الَّذِينَ لِلرُّؤْيَةِ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، لِأنَّ "أنَّ" مَعَ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ، ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ في قَوْلِكَ: رَأيْتُ وظَنَنْتُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ ذَلِكَ لَيْسَ بِجُمْلَةٍ كَما هي "أنَّ" ومَذْهَبُ الزَجّاجِ أنَّ المَفْعُولَ الثانِيَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً حَقًّا؟

ورَجَعَ مِن خِطابٍ بِذِكْرِ الغائِبِ إلى المُتَكَلِّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ لِأنَّها أهْيَبُ في العِبارَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ألْوانُها" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الصُفْرَةَ والحُمْرَةَ والبَياضَ والسَوادَ وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا اطِّرادُ ذِكْرِ هَذِهِ الألْوانِ فِيما بَعْدُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الأنْواعَ، والمُعْتَبِرُ فِيهِ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - أكْثَرُ عَدَدًا.

و"جُدَدٌ" جَمْعُ جُدَّةٍ، وهي الطَرِيقَةُ تَكُونُ مِنَ الأرْضِ والجَبَلِ كالقِطْعَةِ العَظِيمَةِ المُتَّصِلَةِ طُولًا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَأنَّ سَراتَهُ وجُدَّةَ ظَهْرِهِ ∗∗∗ كَنائِنُ يَجْرِي بَيْنَهُنَّ دَلِيصُ وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ في بَعْضِ كُتُبِهِ أنَّهُ يُقالُ: "جُدَدٌ" في جَمْعِ جَدِيدٍ، ولا مَدْخَلَ لِمَعْنى الجَدِيدِ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: [جَدَدٌ] بِفَتْحِ الجِيمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَغَرابِيبُ سُودٌ ﴾ لَفْظانِ لِمَعْنىً واحِدٍ، وقالَ النَبِيُّ  : « "إنَّ اللهَ يُبْغِضُ الشَيْخَ الغِرْبِيبَ"،» أيِ الَّذِي يَخَضِبُ بِالسَوادِ، وقَدَّمَ الوَصْفَ الأبْلَغَ وكانَ حَقَّهُ أنْ يَتَأخَّرَ، وكَذَلِكَ هو في المَعْنى، لَكِنَّ كَلامَ العَرَبِ الفَصِيحَ يَأْتِي كَثِيرًا عَلى هَذا النَحْوِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ ﴾ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ إلَيْهِ يَعُودُ الضَمِيرُ، تَقْدِيرُهُ: "والأنْعامِ خَلْقٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ"، والدَوابُّ يَعُمُّ الناسَ، والأنْعامَ ولَكِنْ ذُكِرا تَنْبِيهًا مِنهُما.

وقَوْلُهُ: ﴿ "كَذَلِكَ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ فَيَجِيءُ الوَقْفُ عَلَيْهِ حَسَنًا، وإلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الكَلامِ الثانِي، يَخْرُجُ مَخْرَجَ السَبَبِ، كَأنَّهُ قالَ: كَما جاءَتِ القُدْرَةُ في هَذا كُلِّهِ إنَّما يَخْشى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ، أيِ المُحَصِّلُونَ لِهَذِهِ العِبَرِ، الناظِرُونَ فِيها.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الخَشْيَةُ رَأْسُ العَلَمِ، وهَذِهِ عِبارَةٌ وعْظِيَّةٌ لا تَثْبُتُ عِنْدَ النَقْدِ، بَلِ الصَحِيحُ المُطَّرِدُ أنْ يُقالَ: العِلْمُ رَأْسُ الخَشْيَةِ وسَبَبُها، والَّذِي ورَدَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "خَشْيَةُ اللهِ رَأسُ كُلِّ حِكْمَةٍ"،» وقالَ: « "رَأْسُ الحِكْمَةِ مَخافَةُ اللهِ"،» فَهَذا هو الكَلامُ المُنِيرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "كَفى بِالزُهْدِ عِلْمًا"، وقالَ مَسْرُوقٌ: "كَفى بِالمَرْءِ عِلْمًا أنْ يَخْشى اللهَ"، وقالَ تَعالى: ﴿ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى  ﴾ ، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أعْلَمُكم بِاللهِ أشَدُّكم لَهُ خَشْيَةً"،» وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "مَن لَمْ يُخْشَ اللهَ فَلَيْسَ بِعالِمٍ"، ويُقالُ: إنَّ فاتِحَةَ الزَبُورِ: "رَأْسُ الحِكْمَةِ خَشْيَةُ اللهِ" وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "كَفى بِخَشْيَةِ اللهِ عِلْمًا، وبِالِاغْتِرارِ بِهِ جَهْلًا"، وقالَ مُجاهِدٌ والشَعْبِيُّ: "إنَّما العالِمُ مَن يَخْشى اللهَ"، و[إنَّما] في هَذِهِ الآيَةِ لِتَخْصِيصِ العُلَماءِ لا لِلْحَصْرِ، وهي لَفْظَةٌ تَصْلُحُ لِلْحَصْرِ، وتَأْتِي أيْضًا دُونَهُ، وإنَّما يُعْلَمُ ذَلِكَ بِحَسْبِ المَعْنى الَّذِي جاءَتْ فِيهِ، فَإذا قُلْتَ: إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ، وقُلْتَ: إنَّما اللهُ إلَهٌ واحِدٌ، بانٍ لَكَ الفَرْقُ فَتَأمَّلْهُ.

وهَذِهِ الآيَةُ بِجُمْلَتِها دَلِيلٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ، والقَصْدُ بِها إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ كَانَ نَكِيرِ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنَزَلَ مِنَ ﴾ .

استئناف فيه إيضاح ما سبقه من اختلاف أحوال الناس في قبول الهدى ورفضه بسبب ما تهيأت خِلقة النفوس إليه ليظهر به أن الاختلاف بين أفراد الأصناف والأنواع ناموس جِبلِّي فَطر الله عليه مخلوقات هذا العالم الأرضي.

والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ليدفع عنه اغتمامه من مشاهدة عدم انتفاع المشركين بالقرآن.

وضُرب اختلاف الظواهر في أفراد الصنف الواحد مثلاً لاختلاف البواطن تقريباً للأفهام، فكان هذا الاستئناف من الاستئناف البياني لأن مثل هذا التقريب مما تشرئِبُّ إليه الأفهام عند سماع قوله: ﴿ إن الله يسمع من يشاء ﴾ [فاطر: 22].

والرؤية بصرية، والاستفهام تقريري، وجاء التقرير على النفي على ما هو المستعمل كما بيناه عند قوله تعالى: ﴿ ألم يروا أنه لا يكلمهم ﴾ في سورة الأعراف (148) وفي آيات أخرى.

وضمير فأخرجنا} التفات من الغيبة إلى التكلم.

والألوان: جمع لون وهو عَرَض، أي كيفية تعرض لسطوح الأجسام يكيِّفه النورُ كيفيات مختلفة على اختلاف ما يحصل منها عند انعكاسها إلى عدسات الأعين من شبه الظلمة وهو لون السواد وشِبه الصبح هو لون البياض، فهما الأصلان للألوان، وتنشق منها ألوان كثيرة وضعت لها أسماء اصطلاحية وتشبيهية.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ﴾ في سورة البقرة (69)، وتقدم في سورة النحل.

والمقصود من الاعتبار هو اختلاف ألوان الأصناف من النوع الواحد كاختلاف ألوان التفاح مع ألوان السفرجل، وألوان العنب مع ألوان التين، واختلاف ألوان الأفراد من الصنف الواحد تارات كاختلاف ألوان التمور والزيتون والأعناب والتفاح والرمان.

وذكر إنزال الماء من السماء إدماج في الغرض للاعتبار بقدرة الله مع ما فيه من اتحاد أصل نشأة الأصناف والأنواع كقوله تعالى: ﴿ تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ﴾ [الرعد: 4] وذلك أرعى للاعتبار.

وجيء بالجملتين الفعليتين في ﴿ أنزل ﴾ و«أخرجنا» لأن إنزال الماء وإخراج الثمرات متجدد آنا فآنا.

والالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله: ﴿ أنزل ﴾ وقوله: «أخرجنا» لأن الاسم الظاهر أنسب بمقام الاستدلال على القدرة لأنه الاسم الجامع لمعاني الصفات.

وضمير التكلم أنسب بِما فيهِ امتنان.

وقدم الاعتبار باختلاف أحوال الثمرات لأن في اختلافها سعة تشبه سعة اختلاف الناس في المنافع والمدارك والعقائد.

وفي الحديث: " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمْرة طعمُها طيّب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحُها طيّب وطعمها مُرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مرّ ولا ريح لها ".

وجرد ﴿ مختلفاً ﴾ من علامة التأنيث مع أن فاعله جمع وشأنُ النعت السَببي أن يوافق مرفوعه في التذكر وضده والإِفراد وضده، ولا يوافق في ذلك منعوته، لأنه لما كان الفاعل جمعاً لما لا يعقل وهو الألوان كان حذف التاء في مثله جائزاً في الاستعمال، وآثره القرآن إيثاراً للإِيجاز.

والمراد بالثمرات: ثمرات النخيل والأعناب وغيرها، فثمرات النخيل أكثر الثمرات ألواناً، فإن ألوانها تختلف باختلاف أطوارها، فمنها الأخضر والأصفر والأحمر والأسود.

﴿ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ ألوانها ﴾ .

عطف على جملة ﴿ ألم تر أن الله ﴾ فهي مثلها مستأنفة، وعطفها عليها للمناسبة الظاهرة.

و ﴿ جدد ﴾ مبتدأ ﴿ ومن الجبال ﴾ خبره.

وتقديم الخبر للاهتمام وللتشويق لذكر المبتدأ حثّاً على التأمل والنظر.

و ﴿ من ﴾ تبعيضية على معنى: وبعض تراب الجبال جُدَد، ففي الجبل الواحد توجد جُدد مختلفة، وقد يكون بعض الجُدَد بعضها في بعض الجبال وبعض آخر في بعض آخر.

و ﴿ جُدَد ﴾ : جمع جُدّة بضم الجيم، وهي الطريقة والخطة في الشيء تكون واضحة فيه.

يقال للخطة السوداء التي على ظهر الحمار جُدّة، وللظبي جدّتان مسكيّتا اللون تفصلان بين لوني ظهره وبطنه، والجدد البيض التي في الجبال هي ما كانت صخوراً بيضاء مثل المروة، أو كانت تقرب من البياض فإن من التراب ما يصير في لون الأصهب فيقال: تراب أبيض، ولا يعنون أنه أبيض كالجير والجص بل يعنون أنه مخالف لغالب ألوان التراب، والجُدَد الحُمر هي ذات الحجارة الحمراء في الجبال.

و ﴿ غرابيبُ ﴾ جمع غربيب، والغربيبُ: اسم للشيء الأسود الحالك سواده، ولا تعرف له مادة مشتق هو منها، وأحسب أنه مأخوذ من الجامد، وهو الغراب لشهرة الغراب بالسواد.

﴿ وسود ﴾ جمع أسود وهو الذي لونه السواد.

فالغربيب يدل على أشد من معنى أسود، فكان مقتضى الظاهر أن يكون ﴿ غرابيب ﴾ متأخراً عن ﴿ سود ﴾ لأن الغالب أنهم يقولون: أسود غربيب، كما يقولون: أبيض يقق وأصفر فاقع وأحمر قان، ولا يقولون: غربيب أسود وإنما خولف ذلك للرعاية على الفواصل المبنية على الواو والياء الساكنتين ابتداءً من قوله: ﴿ واللَّه هو الغني الحميد ﴾ [فاطر: 15]، على أن في دعوى أن يكون غربيباً تابعاً لأسود نظراً والآية تؤيد هذا النظر، ودعوى كون ﴿ غرابيب ﴾ صفة لمحذوف يدل عليه ﴿ سود ﴾ تكلف واضح، وكذلك دعوى الفراء: أن الكلام على التقديم والتأخير، وغرض التوكيد حاصل على كل حال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها ﴾ وفِيهِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وطَعُومُها ورَوائِحُها، فاقْتَصَرَ مِنها عَلى ذِكْرِ اللَّوْنِ لِأنَّهُ أظْهَرَها ﴿ وَمِنَ الجِبالِ جُدَدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجُدَدَ القِطَعُ مَأْخُوذٌ مِن جَدَدْتُ الشَّيْءَ إذا قَطَعْتَهُ، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَّها الخُطَطُ واحِدَتُها جُدَّةٌ مِثْلَ مُدَّةٌ ومُدَدٌ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ كَأنَّهُ أسْفَعُ الخَدَّيْنِ ذُو جُدَدٍ طاوٍ ويَرْتَعُ بَعْدَ الصَّيْفِ عُرْيانا ﴿ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ ﴾ والغِرْبِيبُ الشَّدِيدُ السَّوادِ الَّذِي لَوْنُهُ كَلَوْنِ الغُرابِ.

وَمِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  « (إنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الشَّيْخَ الغِرْبِيبَ)» يَعْنِي الَّذِي يُخَضِّبُ بِالسَّوادِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ العَيْنُ طامِعَةٌ واليَدُ سابِحَةٌ ∗∗∗ والرِّجْلُ لافِحَةٌ والوَجْهُ غِرْبِيبُ وَقِيلَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ سُودٌ غَرابِيبُ.

وَفِي المُرادِ بِالغَرابِيبِ السُّودِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الجِبالُ السُّودُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: الطَّرائِفُ السُّودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: الأوْدِيَةُ السُّودُ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَمِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَذَلِكَ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ أبْيَضَ وأحْمَرَ وأسْوَدَ.

الثّانِي: يَعْنِي بِقَوْلِهِ كَذَلِكَ أيْ كَما اخْتَلَفَ ألْوانُ الثِّمارِ والجِبالِ والنّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ كَذَلِكَ تَخْتَلِفُ أحْوالُ العِبادِ في الخَشْيَةِ.

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿ إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ ﴾ يَعْنِي بِالعُلَماءِ الَّذِينَ يَخافُونَ.

قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: مَن لَمْ يَخْشَ اللَّهَ فَلَيْسَ بِعالِمٍ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المُتَّقُونَ سادَةٌ، والعُلَماءُ قادَةٌ.

وَقِيلَ: فاتِحَةُ الزَّبُورِ الحِكْمَةُ خَشْيَةُ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ﴾ قال: أحمر وأصفر ﴿ ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ﴾ أي جبال حمر ﴿ وغرابيب سود ﴾ والغرابيب السود يعني لونه كما اختلفت ألوان هذه الجبال، وألوان الناس والدواب والأنعام كذلك ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ قال: كان يقال كفى بالرهبة علماً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ثمرات مختلفاً ألوانها ﴾ قال: الأبيض، والأحمر، والأسود وفي قوله: ﴿ ومن الجبال جدد بيض ﴾ قال: طرائق بيض يعني الألوان.

وأخرج البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أيصبغ ربك؟

قال: نعم.

صبغاً لا ينقض.

أحمر.

وأصفر.

وأبيض» .

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ جدد ﴾ قال: طرائق.

طريقة بيضاء، وطريقة خضراء.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الشاعر وهو يقول: قد غادر السبع في صفحاتها جدداً ** كأنها طرق لاحت على أكم وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الجبال جدد بيض ﴾ قال: طرائق بيض ﴿ وغرابيب سود ﴾ قال: جبال سود.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الغرابيب الأسود الشديد السواد.

وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله: ﴿ مختلفاً ألوانها ﴾ قال: منها الأحمر والأبيض والأخضر والأسود، وكذلك ألوان الناس منهم الأحمر والأسود والأبيض، وكذلك الدواب، والأنعام.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الجبال جدد ﴾ قال: طرائق تكون في الجبل بيض وحمر، فتلك الجدد ﴿ وغرابيب سود ﴾ قال: جبال سود ﴿ ومن الناس والدواب والأنعام...

﴾ .

قال: كذلك اختلاف الناس والدواب والأنعام، كاختلاف الجبال.

ثم قال: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ فلا فضل لما قبلها.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ومن الجبال جدد بيض ﴾ قال: طرائق مختلفة، كذلك اختلاف ما ذكر من اختلاف ألوان الناس والدواب والأنعام، كذلك كما اختلفت هذه الأنعام تختلف الناس في خشية الله كذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: الخشية والايمان والطاعة والتشتت في الألوان.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ قال: العلماء بالله الذين يخافونه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ليس العلم من كثرة الحديث، ولكن العلم من الخشية.

وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير قال: العالم من خشي الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن صالح أبي الخليل رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ قال: أعلمهم بالله أشدهم له خشية.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان عن أبي حيان التيمي عن رجل قال: كان يقال العلماء ثلاثة.

عالم بالله، وعالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله.

فالعالم بالله وبأمر الله: الذي يخشى الله، ويعلم الحدود والفرائض.

والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله: الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض، والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله: الذي يعلم الحدود والفرائض، ولا يخشى الله.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال: إن العلم ليس بكثرة الرواية، إنما العلم نور يقذفه الله في القلب.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: الإِيمان من خشي الله بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما أسخط الله.

ثم تلا ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن مسروق قال: كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كفى بخشية الله علماً، وكفى باغترار المرء جهلاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: الفقيه من يخاف الله.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن العباس العمي قال: بلغني أن داود عليه السلام قال: سبحانك!

تعاليت فوق عرشك، وجعلت خشيتك على من في السموات والأرض، فأقرب خلقك إليك أشدهم لك خشية، وما علم من لم يخشك، وما حكمة من لم يطع أمرك.

وأخرج أحمد في الزهد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية.

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العلم علمان: علم في القلب، فذاك العلم النافع.

وعلم على اللسان، فتلك حجة الله على خلقه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال: بحسب المرء من العلم أن يخشى الله.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن لا يكون صخاباً، ولا صياحاً، ولا حديداً.

وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن وهب بن منبه قال: أقبلت مع عكرمة أقود ابن عباس رضي الله عنهما بعدما ذهب بصره حتى دخل المسجد الحرام، فإذا قوم يمترون في حلقة لهم عند باب بني شيبة فقال: أمل بي إلى حلقة المراء، فانطلقت به حتى أتاهم، فسلم عليهم، فارادوه على الجلوس، فأبى عليهم وقال: انتسبوا إليّ أعرفكم فانتسبوا إليه فقال: أما علمتم أن لله عباداً أسكتتهم خشيته من غير عي ولا بكم، إنهم لهم الفصحاء، النطقاء، النبلاء، العلماء بأيام الله، غير أنهم إذا ذكروا عظمة الله طاشت عقولهم من ذلك، وانكسرت قلوبهم، وانقطعت ألسنتهم، حتى إذا استقاموا من ذلك سارعوا إلى الله بالأعمال الراكية، فأين أنتم منهم؟

ثم تولى عنهم، فلم ير بعد ذلك رجلان.

وأخرج الخطيب فيه أيضاً عن سعيد بن المسيب قال: وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه للناس ثماني عشرة كلمة حكم كلها قال: ما عاقبت من عصى الله فيك مثل أن تطيع الله فيه، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شراً أنت تجد لها في الخير محملاً، ومن عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء الظن به.

من كتم سره كانت الخيرة في يده، وعليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم فإنهم زينة في الرخاء، عدة في البلاء، وعليك بالصدق وإن قتلك، ولا تعرض فيما لا يعني، ولا تسأل عما لم يكن، فإن فيما كان شغلاً عما لم يكن، ولا تطلب حاجتك إلى من لا يحب نجاحها لك، ولا تهاون بالحلف الكاذب فيهلكك الله، ولا تصحب الفجار لتعلم من فجورهم، واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من خشي الله، وتخشع عند القبور، وذل عند الطاعة، واستعصم عند المعصية، واستشر الذين يخشون الله، فإن الله تعالى يقول ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن مكحول قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العالم والعابد فقال: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم.

ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ ثم قال إن الله وملائكته، وأهل السماء، وأهل الأرض، والنون في البحر، ليصلون، على معلمي الخير» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم أخبر عن صنعه ليعرف توحيده فقال: ﴿ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ (١) ﴿ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ ﴾ قال الفراء.

(الجدد: الطرق تكون في الجبال مثل العروق، بيض وسود وحمر (٢) (٣) كأن سراتيه (٤) (٥) يعني: الخطة السوداء في متن الحمار، والدليص: الذي يبرق) (٦) وقال أبو عبيدة: (جدد: طرائق، وأنشد لذي الرمة يصف الليل: حتى إذا حان من حضر قوادمه ...

ذي جدتين يكف الطرف تعميم (٧) (٨) وقال أبو إسحاق: (جدد جمع جدة، وهي الطريقة، وكل طرقه جدة وجادة) (٩) وقال ابن قتيبة والمبرد: جدد: طرائق وخطوط (١٠) (١١) وقال مقاتل: يعني بالجدد الطرائق التي تكون في الجبال، منها بيض ومنها حمر ومنها غرابيب سود (١٢) (١٣) وذكر عن الفراء أن هذا التقديم والتأخير، بتقدير: وسود غرابيب؛ لأنه يقال: أسود غربيب، وقل ما يقال: غربيب أسود (١٤) وقال الأخفش في هذه الآية: قوله: ﴿ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ﴾ نصب مختلفًا؛ لأن كل صفة متقدمة فهي التي تجري على الذي قبلها إذا كانت من سببه، والثمرات في موضع نصب، هذا كلامه (١٥) ﴿ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ﴾ ، والاختلاف الألوان، وجرى صفة للثمرات، كقوله: ﴿ مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا  ﴾ فالظالم للأهل، وقد جرى صفة للقرية (١٦) ﴿ أَلْوَانُهَا ﴾ ، ثم ابتدأ فقال: ﴿ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ ﴾ أي: ومما خلقنا من الجبال جدد بيض، يعني: طرائق، وليس يريد الطرائق التي تسلك وإنما أراد الطرائق (١٧) (١٨) (١٩) هذا الذي ذكرنا هو الوجه في تفسير الجدد والطرائق؛ لأن الطرائق في اللغة كل مستطيل، ويجوز أن يكون المعنى ما ذكره الفراء من قوله: هي طريق تكون في الجبال كالعروق.

(١) قوله: (من السماء ماء) ساقط من (أ).

(٢) في (ب): (بيض وحمر وسود).

(٣) في (أ) بعد قوله: (واحدها جده)، قال: فقال ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ ﴾ إلى قوله ﴿ وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ ﴾ وسودهم من الناسخ.

(٤) هكذا في النسخ!

وهو خطأ، والصواب: سراته.

(٥) البيت من الطويل، لامرئ القيس في: "شرح ديوانه" ص 124، "تهذيب اللغة" 10/ 458، "اللسان" 3/ 108 (جدد)، 7/ 37 (دلص)، "معاني القرآن" للفراء 2/ 369، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 269.

وسراته: هو أعلى ظهره، وجدة ظهره: العلامة يخالف لونها لون جلده، والكنائن: هي الخطوط البيض بظهره.

(٦) انظر: "معاني القرآن" 2/ 369.

(٧) البيت من البسيط، وهو لذي الرمة في "ديوانه" 1/ 444، وانظرها منسوبة إليه "مجاز القرآن" 2/ 155، ومعنى البيت: يريد من ليس سود اوائله.

ذي جدتين أي ناجيتين من الليل، ويكف الطرف يرده حتى لا يجوزه، وتغييم إلباس يقول: جاء الليل مثل الغيم.

(٨) "مجاز القرآن" 2/ 155.

(٩) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 269.

(١٠) "تفسير غريب القرآن" ص 361، وانظر: "فتح القدير" 3/ 374.

(١١) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 626 أ، "تفسير الطبري" 22/ 131، "تفسير الماوردي" 4/ 470.

(١٢) انظر: "تفسير مقاتل" 103 ب.

(١٣) انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 117 (غريب)، "اللسان" 1/ 638 (غريب).

(١٤) لم أقف على قول الفراء في معاني القرآن له.

ونقل كلام الفراء: الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 635، والمؤلف في "الوسيط" (3504)، والشوكاني في "فتح القدير" 4/ 347.

(١٥) انظر: "معاني القرآن" 2/ 486.

(١٦) انظر: "مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب" 2/ 216، "الدر المصون" 5/ 466، "البحر المحيط" 7/ 296.

(١٧) في (ب): (الطريق).

(١٨) في (أ): (منها طريقة منها بيض)، وهو خطأ.

(١٩) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 269.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ ﴾ الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم للتأسي ﴿ نَكِيرِ ﴾ ذكر في سبأ ﴿ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا ﴾ يريد الصفرة والحمرة وغير ذلك من الألوان، وقيل: يريد الأنواع والأول أظهر لذكره البيض والحمر والسود بعد ذلك.

وفي الوجهين دليل على أن الله تعالى فاعل مختار، يخلف ما يشاء ويختار.

وفيه ردّ على الطبائعيين الدهريين لأن الطبيعة لا يصدر عنها ولا نوع واحد ﴿ جُدَدٌ ﴾ جمع جدة وهي الخطط والطرائق في الجبال ﴿ وَغَرَابِيبُ ﴾ جمع غربيب وهو الشديد السواد، وقدم الوصف الأبلغ، وكان حقه أن يتأخر لقصد التأكيد، ولأن ذلك كثيراً ما يأتي في كلام العرب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يدخلونها ﴾ مجهولاً: ابو عمرو و ﴿ يجزي ﴾ مجهولاً غائباً كل بالرفع: أبو عمرو.

الباقون: بالنون مبيناً للفاعل كل بالنصب و ﴿ مكر السيء ﴾ بهمزة ساكنة: حمزة استثقالاً للحركات، وحمله النحويون على الاختلاس، وإذا وقف يبدل من الهمزة ياء ساكنة.

الوقوف: ﴿ ماء ﴾ ج للعدول ﴿ ألوانها ﴾ الأولى ج ﴿ سود ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط ﴿ العلماء ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ لن تبور ﴾ ه ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ يديه ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ عبادنا ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ مقتصد ﴾ ج تفصيلاً بين الجمل مع النسق ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ط لأن ما بعده مبتدأ لا بدل ﴿ ولؤلؤاً ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ حرير ﴾ ه ﴿ الحزن ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ فضله ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ لغوب ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ج لمثل ما قلنا ﴿ عذابها ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ج لاحتمال الواو الحال ﴿ فيها ﴾ ج للقول المحذوف ﴿ كنا نعمل ﴾ ط ﴿ النذير ﴾ ه ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ كفره ﴾ ط ﴿ مقتاً ﴾ ج وان اتفقت الجملتان ولكن لتكرار الفعل وتصريح الفاعل والمفعول في الثانية ﴿ خساراً ﴾ ه ﴿ دون الله ﴾ ط ﴿ السموات ﴾ ج لاحتمال أن "أم" منقطعة ﴿ منه ﴾ ج ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ تزولا ﴾ ج لابتداء ما في معنى القسم مع الواو ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ الأمم ﴾ ج ﴿ نفوراً ﴾ ه لا ﴿ ومكر السيء ﴾ ط ﴿ بأهله ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ج لانتهاء الاستفهام مع اتصال الفاء ﴿ تبديلاً ﴾ هج ﴿ تحويلاً ﴾ ه ﴿ قوة ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ج ﴿ بصيراً ﴾ ه.

التفسير: لما بين دلائل الوحداينة بطريق الإخبار ذكر دليلاً آخر بطريق الاستخبار لأن الشيء إذا كان خفياً ولا يراه من بحضرتك كان معذوراً، أما إذا كان بارزاً مكشوفاً فإنك تقول: أما تراه.

والمخاطب إما كل أحد أو النبي  لأن السيد إذا نصح بعض العباد ولم ينفعهم الإرشاد قال لغيره.

اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر معه ما ذكره مع الأول.

والالتفات في ﴿ فأخرجنا ﴾ لأن نزول الماء يمكن أن يقال: إنه بالطبع ولكن الإخراج لا يمكن إلا بإرادة الله.

وأيضاً الإخراج أتم نعمة من الإنزال لأن إنزال المطر لفائدة الإخراج.

واختلاف ألوان الثمرات اختلاف" أصنافها أو هيئاتها، والجدد الخطط، والطرائق "فعلة" بمعنى "مفعول" والجد القطع.

قال جار الله: لا بدّ من تقدير مضاف أي ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر مختلف ألوانها في البياض والحمرة، لأن الأبيض قد يكون على لون الجص وقد يكون أدنى من ذلك، وكذلك الحمرة.

والغرابيب تأكيد للسود إلا أنه أضمر المؤكد أوّلاً ثم أظهر ثانياً على طريقة قوله: والمؤمن العائذات الطير *** وإنما لم يتصوّر اختلاف الألوان ههنا لأن السواد إذا كان في الغاية لم يكن بعدها لون.

يقال: أسود غربيب للذي أبعد في السواد وأغرب فيه ومنه الغراب.

ويمكن أن يقال: إن المختلف صفة الحمر فقط.

وحين فرغ من دلائل النبات وما يشبه المعادن شرع في الاستدلال بالحيوان، وقدّم الإنسان لشرفه، ثم ذكر الدواب على العموم، ثم خصص الأنعام، أو أراد بالدابة الفرس فجعله لشرفه رديف الإنسان.

وقوله ﴿ مختلف ﴾ اي بعض مختلف ﴿ ألوانه ﴾ وذكر الضمير تغليباً للإنسان أو نظراً إلى البعض.

وقوله ﴿ كذلك ﴾ أي كاختلاف الجبال والثمرات، وفيه ن هذه الأجناس كما أنها في أنفسها دلائل فهي باختلافها أيضاً دلائل.

وحين خاطب نبيه بقوله ﴿ ألم تر ﴾ بمعنى ألم تعلم أتبعه قوله ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ كأنه قال: إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك ممن نظر في دلائله فعرفه حق معرفته، أو أراد أن يعرّفه كنه معرفته لأن الخشية على حسب العلم بنعوت كماله وصفات جلاله.

وفي الحديث "أعلمكم بالله أشدّكم خشية له" وفائدة تقديم المفعول أن يعلم أن الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، ولو أخر المفعول كان معنى صحيحاً وهو أنهم لا يخشون أحداً إلا الله إلا أن ذلك غير مراد ههنا.

وعن عمر بن عبد العزيز ويحكى عن أبي حنيفة قرءا برفع الله ونصب العلماء فتكون الخشية مستعارة للتعظيم اي لا يعظم الله ولا يجل من الرجال إلا العلماء به.

ثم بين السبب الباعث على الخشية بقوله ﴿ إن الله عزيز غفور ﴾ فالعزة توجب الخوف من أليم عقابه والمغفرة توجب الطمع في نعيمه وثوابه، وفيه أن خوف المؤمن ينبغي أن يكون مخلوطاً برجائه.

ثم مدح العالمين العاملين بقوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ الآية.

قال أهل التحقيق: قوله ﴿ إنما يخشى الله ﴾ إشارة إلى عمل القلب، وقوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ أي يداومون على التلاوة إشارة إلى عمل اللسان.

وقوله ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ إشارة إلى عمل الجوارح، والكل أقسام التعظيم لأمر الله.

ثم اشار إلى الشفقة على خلق الله بقوله ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم ﴾ وقوله ﴿ يرجون ﴾ وهو خبر "إن" إشارة إلى الإخلاص في العقائد والأعمال أي نفقون من الأموال لا ليقال إنه كريم أو لغرض آخر بل لتجارة لا كساد فيها ولا بوار وهي طلب مرضاة الله.؟

وقوله ﴿ ليوفيهم ﴾ متعلق بـ ﴿ لن تبور ﴾ أي تنفق عند الله ليوفيهم بنفاقها عنده أجورهم.

وجوّز جار الله أن يجعل ﴿ يرجون ﴾ في موضع الحال واللام متعلق بالأفعال المتقدّمة اي فعلوا جميع ما ذكر من التلاوة والإقامة والإنفاق لغرض التوفية.

وخبر "إن" قوله ﴿ إنه غفور ﴾ لهم ﴿ شكور ﴾ لأعمالهم.

وحين ذكر دلائل الوحدانية أتبعه بيان الرسالة وذكر حقيقة الكتاب المتلوّ والكتاب للجنس فـ "من" للتبعيض أو هو القرآن، و"من" للتبيين أو هو اللوح المحفوظ و"من" للابتداء وقد مرّ في البقرة أن قوله ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة.

وفي قوله ﴿ إن الله بعباده لخبير بصير ﴾ تقرير لكونه حقاً لأن الذي يكون عالماً بالبواطن والظواهر لم يمكن أن يكون في كلامه شوب باطل.

وفيه لم يختر محمداً للرسالة جزافاً وعلى سبيل الاتفاق ولكنه أعلم حيث يجعل رسالته.

قوله ﴿ ثم أورثنا الكتاب ﴾ زعم جمع من المفسرين أن الكتاب للجنس بدليل قوله فيما قبل ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر ﴾ والإيراث الإعطاء، والمصطفون من عبيده هم الأنبياء كأنه قال: علمنا البواطن وابصرنا الظواهر فاصطفينا عباداً ثم أورثناهم الكتاب.

وعلى هذا فالمراد بالظلم على النفس وضع الشيء في غير موضعه وإن كان بترك الأولى ومنه قول ابينا آدم ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ وقول يونس ﴿ إني كنت من الظالمين  ﴾ وإذا كان الظلم بهذا المعنى جائزاً عليهم فالاقتصاد أولى.

ويجوز أن يعود الضمير في قوله ﴿ فمنهم ﴾ إلى الأمة كأنه قيل: إن الذي أوحينا إليك هو الحق وأنت المصطفى كما اصطفينا رسلنا، وآتيناهم كتباً فمن قومك ظالم كفر بك وبما أنزل إليك، ومقتصد آمن به ولم يأتِ بجميع ما أمر به، وسابق آمن وعمل صالحاً.

وقال أكثرهم: إنه القرآن والإيراث الحكم بالتوريث أو هو على عادة إخبار الله في التعبير عن المستقبل بالماضي لتحققه أي نريد أن نورثه.

والمصطفون هم الصحابة والتابعون ومن بعدهم إلى يوم القيامة كقوله ﴿ كنتم خير أمة  ﴾ ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا  ﴾ وعلى هذا ففي تفسير المراتب الثلاثة أقوال أحدها: الظالم الراجح السيئات، والمقتصد المتساوي الحسنات والسيئات، والسابق راجح الحسنات.

ثانيها الظالم من ظاهره خير من باطنه، والمقتصد المتساوي، والسابق من باطنه خير.

ثالثها: الظالم صاحب الكبيرة، والمقتصد صاحب الصغيرة، والسابق المعصوم.

رابعها: عن علي  : الظالم أنا، والمقتصد أنا، والسابق أنا.

فقيل له: كيف ذاك؟

قال: أنا ظالم بمعصيتي، ومقتصد بتوبتي، وسابق بمحبتي.

خامسها: الظالم التالي للقرآن غير العالم به ولا العامل بموجبه، والمقتصد التالي العالم غير العامل، والسابق التالي العامل سادسها: الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلم، والسابق العالم.

سابعها: الظالم من يحاسب فيدخل النار وهو أصحاب المشأمة، والمقتصد من يحاسب فيدخل الجنة وهو اصحاب الميمنة، والسابق من يدخل الجنة بغير حساب، ثامنها: الظالم من خالف أوامر الله وارتكب مناهيه فإنه واضع للتكليف في غير موضعه، والمقتصد هو المجتهد في أداء التكاليف وإن لم يوفق لذلك فإنه قصد الحق واجتهد، والسابق هو الذي لم يخالف تكاليف الله بتوفيقه دليله قوله في الأخير ﴿ بإذن الله ﴾ وذلك أنه إذا وقع الخير في نفسه سبق إليه قبل تسويل النفس، والمقتصد يقع في قلبه فتردّده النفس، والظالم تغلبه النفس.

وبعبارة أخرى من غلبته النفس الأمارة وأمرته فأطاعها ظالم، ومن جاهد نفسه فغلبته تارة غلب أخرى فهو المقتصد صاحب النفس اللوامة، ومن قهر نفسه فهو السابق.

وفي تقديم الظالم ثم المقتصد إيذان بأن المقتصدين أكثر من السابقين والظالمون أكثر الأقسام كما قال ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من التوفيق أو من السبق بالخيرات أو من الإيراث ﴿ هو الفضل الكبير ﴾ قال جار الله: أبدل قوله ﴿ جنات عدن ﴾ من الفضل لأنها مسببة عنه وكأنها هو.

قلت: ويمكن أن يقال ﴿ جنات عدن ﴾ مبتدأ لأنها معرفة بدليل قوله ﴿ جنات عدن التي وعد الرحمن  ﴾ ولئن سلم أنها نكرة فليكن ﴿ يدخلونها ﴾ صفة له وخبرها ﴿ يحلون ﴾ ثم إن ضمير ﴿ يدخلون ﴾ إن عاد إلى التالين لكتاب الله أو إلى السابقين فلا إشكال؛ فالظالم يدخل النار والمقتصد يكون أمره موقوفاً كقوله ﴿ وآخرون مرجون لأمر الله  ﴾ أو كقوله ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ وإن عاد إلى الفرق الثلاث فبشرط العفو أو بشرط التوبة، وقد يروى عن رسول الله  : "سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له" وفي تقديم ﴿ جنات عدن ﴾ وبناء الكلام عليها دون أن يقول "يدخلون جنات عدن" إيذان بأن الاهتمام بشأنها أكثر فإن نظر السامع على المدخول فيه لا على نفس الدخول.

وقد مرت العبارة الأصلية في سورة الحج في قوله ﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات  ﴾ إلى قوله ﴿ حرير  ﴾ وتغيير العبارة في هذا المقام لمزيد هذه الفائدة والله أعلم.

وفي قوله ﴿ يحلون فيها ﴾ إشارة إلى سرعة الدخول فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيراً للدخول.

وفي تحليتهم بالسوار إشارة إلى أمرين: أحدهما الترفه والتنعم، الثاني أنهم لا يحتاجون فيها إلى عمل من الصبخ وتهيئة سائر الأسباب.

قال جار الله: أي يحلون بعض أساور من ذهب كأنه بعض سابق لسائر الأبعاض كما سبق المسوّرون به غيرهم، والذهب واللؤلؤ إشارة إلى النوعين اللذين منهما الحليّ.

وقيل: إن ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ، والحزن للجنس فيعم كل حزن من أحزان الدنيا والدين كما روي عن رسول الله  "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في محشرهم وكأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" وقد خصه جمع من المفسرين بخوف سوء العاقبة أو بحزن الآفات أو بحزن الموت أو بهمّ المعاش حتى قال بعضهم: كراء الدار والتعميم أولى.

والمقامة بمعنى الإقامة والفضل التفضل.

وعند المعتزلة العطاء لأن الثواب أجر مستحق واجب عندهم.

والنصب التعب والمشقة التي تصيب المزاول للأمر المنتصب له.

واللغوب ما يلحقه من الفتور والكلال بعد ذلك قاله جار الله.

وقال غيره: إن الذي يباشر عملاً من الأعمال لا يظهر عليه الإعياء إلا بعد أن يستريح، فالمراد أنهم لايخرجون من الجنة إلى موضع يتعبون بسبب ذلك ثم يلحقهم الإعياء بعد الرجوع.

ثم عطف قوله ﴿ والذين كفروا ﴾ على قوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ وقوله ﴿ فيموتوا ﴾ جواب للنفي والتقدير لا يقضي عليهم بالموت فيستريحوا و ﴿ يصطرخون ﴾ يفتعلون من الصراخ وهو الصياح بجهد وشدّة كشأن المستغيث.

وفائدة قوله ﴿ غير الذي كنا نعمل ﴾ زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح، أو المراد نعمل صالحاً غير الذي كنا نحسبه صالحاً لأنهم كانوا يحسبون أنهم يحسنون.

وفيه إشارة إلى أنهم في الآخرة أيضاً ضالون لم يهدهم الله في الآخرة كما لم يهدهم في الدنيا، ولو كانوا مهتدين لقالوا: ربنا زدت للمحسنين حسنات بفضلك لا بعملهم ونحن أحوج إلى تخفيف العذاب منهم إلى تضعيف الثواب فافعل بنا ما أنت أهله نظراً إلى فضلك، ولا تفعل بنا ما نحن أهله نظراً إلى عدلك، وانظر إلى مغفرتك الهاطلة ولا تنظر إلى معذرتنا الباطلة.

وهذا بخلاف حال المؤمن هداه في العقبى كما هداه في الدنيا حتى دعاه بأقرب دعاء إلى الإجابة، وأثنى عليه بأطيب ثناء عند الإنابة فقالوا ﴿ الحمد لله ﴾ وقالوا ﴿ إن ربنا لغفور ﴾ اعترافاً بتقصيرهم ﴿ شكور ﴾ إقراراً بوصول ما لم يخطر ببالهم إليهم وأحالوا الكل إلى فضله تصريحاً بأنه لا عمل لهم بالنسبة إلى بحار نعمه.

قوله ﴿ أولم نعمركم ﴾ استفهام فيه توبيخ وإفحام وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه إلا أن التوبيخ في العمر الطويل أعظم.

عن النبي  "العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة" وروي "من جاوز الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار" وعن مجاهد: ما بين العشرين إلى الستين.

وقيل: ثماني عشرة وسبع عشرة.

وقوله ﴿ وجاءكم ﴾ معطوف على المعنى كأنه قيل: قد عمرناكم وجاءكم ﴿ النذير ﴾ وهو النبي  .

وقيل: الشيب.

فبين بالجملتين أن القابل موجود والفاعل حاصل، فالعذر غير مقبول ﴿ فذوقوا ﴾ العذاب ﴿ فما للظالمين ﴾ الذين وضعوا أعمالهم في غير موضعها وأتوا بالمعذرة في غير وقتها ﴿ من نصير ﴾ نفى الأنصار والناصرين في آخر "آل عمران" وفي "الروم" ووحد ههنا كأنهم في النار قد أيسوا من كثير ممن كانوا يتوقعون منهم النصرة إلا من نصير واحد وهو الله  .

ثم كان لسائل أن يسأل: ما بال الكافر يعذب ابداً وإنه ما كفر إلا أياماً معدودة فلا جرم قال ﴿ إن الله عالم غيب السموات والأرض ﴾ فكان يعلم من الكافر أن الكفر قد تمكن في قلبه بحيث لو دام إلى الأبد لما أطاع الله ولا عبده.

وذات الصدور صواحباتها من الظنون والعقائد فذو موضوع لمعنى الصحبة، فالصدور ذات العقائد والعقائد ذات الصدور باعتبار أنها تصحبها.

وحين ذكرهم بما مر من أنه سوف يوبخهم بالتعمير وإيتاء العقول وإرسال من يؤيد المعقول بالمنقول وعظهم بأنه ﴿ هو الذي جعلكم ﴾ وفقد العاطف هنا خلاف ما في آخر "الأنعام" للعدول عن خطاب أهل الآخرة إلى خطاب أهل الدنيا.

وقال ههنا ﴿ خلائف في الأرض ﴾ بزيادة "في" المفيدة لتمكن المظروف في الظرف لأجل المبالغة والترقي من الأدنى إلى الأعلى كأنه قيل: أمهلتهم وعمرتم وأمرتم على لسان الرسل بما أمرتم وجعلتم خلفاء الهالكين الماضين فأصبحتم بحالهم راضين ﴿ فمن كفر ﴾ بعد هذا كله ﴿ فعليه ﴾ وبال ﴿ كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً ﴾ لأن الكافر السابق ممقوت واللاحق الذي أنذروه الرسول ولم ينتبه أمقت لأنه رأى عذاب من تقدّمه ولم يتنبه ﴿ ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا ﴾ فإن العمر كرأس مال من اشترى به رضا الله ربح ومن اشترى به سخطه خسر.

ثم وبخ أهل الشرك بقوله ﴿ قل أرأيتم ﴾ وأبدل منه ﴿ أروني ﴾ كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء، أروني أيّ جزء من أجزاء الأرض استبدّوا بخلقه ﴿ أم لهم ﴾ مع الله ﴿ شرك في ﴾ خلق ﴿ السموات ﴾ أم معهم أو مع عابديهم كتاب من عند الله فهم على برهان من ذلك الكتاب.

والإضافة في ﴿ شركائكم ﴾ لملابسة العبادة، أو المراد كونهم شركاءهم في النار كقوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ ﴿ بل إن يعد الظالمون بعضهم ﴾ وهم الرؤساء ﴿ بعضاً ﴾ وهم الأتباع ﴿ إلا غروراً ﴾ وهو قولهم ﴿ هؤلاء شفعاؤنا  ﴾ وحين بين عجز الأصنام أراد أن يبين كمال القدرة فقال ﴿ إن الله يمسك السموات والأرض ﴾ أي يمنعهما من ﴿ أن تزولاً ﴾ أو كراهة زوالهما عن مقرهما ومركزهما، ولو فرض زوالهما بأمر الله فلن يمسكهما أحد من بعد زوالهما أو من بعد الله.

وقيل: أراد أنهما كانتا جديرتين بأن تهدّ هدّاً لعظم كلمة الشرك كقوله ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه  ﴾ يؤيد هذا الوجه قوله ﴿ إنه كان حليماً ﴾ غير معاجل بالعقوبة ﴿ غفوراً ﴾ لمن تاب من الشرك.

قال المفسرون: بلغ قريشاً قبل مبعث رسول الله أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم رسلهم فكذبوا فوالله لئن أتانا رسول لكنا أهدى.

وزيف هذا النقل بأن المشركين كانوا منكرين للرسالة والحشر فكيف اعترفوا بأن اليهود والنصارى جاءهم رسل.

سلمنا لكنهم كيف عرفوا تكذيب اليهود وتحريفهم ولم يأتهم رسول ولا كتاب؟

فالوجه الصحيح في سبب النزول أنهم كانوا يقولون: لو جاءنا رسول لم ننكره وإنما ينكرون كون محمد  رسولاً لأنه كاذب، ولو صح كونه رسولاً لآمنا.

وقوله ﴿ من إحدى الأمم ﴾ ليس للتفضيل بل المراد أنا نكون أهدى مما نحن عليه ونكون من إحدى الأمم كقولك: زيد من المسلمين.

أو هو للتفضيل والأمم لتعريف العهد أي أمة محمد وموسى وعيسى عليهم السلام، أو للعموم أي أهدى من ايّ أمة تفرض ويقال فيها إحدى الأمم تفضيلاً لها على غيرها في الهدى والاستقامة.

﴿ فلما جاءهم نذير ﴾ هو محمد  الذي صح لهم نذارته بالمعجزات الباهرة ﴿ ما زادهم ﴾ هو أو مجيئه ﴿ إلا نفوراً ﴾ كأنه صار سبباً في نفارهم عن الحق عناداً وكبراً فانتصب ﴿ استكباراً ﴾ على أنه مفعول لأجله أو حل ويجوز أن يون بدلاً من ﴿ نفوراً ﴾ وقوله ﴿ ومكر ﴾ من إضافة المصدر إلى صفة معموله أصله وأن مكروا السيء أي المكر السيء، والمكر هو مكرهم بالنبي  من الهّم بالقتل والإخراج وقد حاق بهم يوم بدر، أو هو عام وعاقبة الماكر وخيمة يصل إليه جزاؤه عاجلاً أو آجلاً.

عن النبي  "لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً فإن الله يقول ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله" .

وفي أمثالهم "من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكباً".

وفي قوله ﴿ بأهله ﴾ دون أن يقول "إلا بالماكر إشارة إلى أن الرضا بالمكر والإعانة عليه كهو فيندرج صاحبه في زمرة أهل المكر.

وقوله ﴿ سنة الأوّلين ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول.

وقوله ﴿ سنة الله ﴾ من إضافته إلى الفاعل والمراد بها إنزال العذاب على أمثالهم من مكذبي الرسل، جعل استقبالهم لذلك واستعجالهم إياه انتظاراً له منهم.

والتبديل تغيير الصورة مع بقاء المادة، والتحويل نقل الشيء من مكان إلى مكان آخر.

خص هذه السورة بالجمع بين الوصفين لأن كثيراً من أحوال الكفرة جاءت ههنا مثناة كقوله ﴿ ولا يزيد الكافرين ﴾ إلى قوله ﴿ إلا خساراً ﴾ وكقوله ﴿ إلا نفوراً استكباراً في الأرض ومكر السيء ﴾ ويحتمل أن يريد بسنة الأوّلين استمرارهم على الإنكار كأنه قال: أنتم تريدون الإتيان بسنة الأوّلين والله يأتي بسنة لا تبدل.

العذاب المعلوم بنوع آخر ولا تحوّله عن مستحقيه إلى من لا يستحقه.

ثم أمرهم بالسير وذكرهم ما رأوه في مسايرهم ومتاجرهم إلى الشام والعراق واليمن من آثار الهالكين الأقدمين مع وفور قوّتهم وكثرة شوكتهم.

ثم بين كمال علمه ونهاية قدرته على اتصال أصناف الاستحقاقات بقوله ﴿ وما كان الله ليعجزه ﴾ أي ليسبقه ويفوته شيء.

ثم ختم السورة بما يدل على غاية حلمه وهو أنه لا يؤاخذ الناس بكل جرم ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو القيامة وهو يومئذ أعلم بأحوالهم علماً عيانياً فيجزي كلاً بحسب علمه، وقد مر مثل الآية في سورة النحل.

وقيل: الأجل هو يوم لا يوجد في الخلق من يؤمن أو حين يجتمع الناس على الضلال والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا ﴾ إلى آخر ما ذكر - فيه فوائد من الحكمة: أحدها: أنه جعل - عز وجل - طبع الماء مما يلائم ويوافق طباع هذه الثمرات على اختلاف جواهرها وألوانها؛ حتى يكون حياة كل شيء منها وقوامه بهذا الماء، وكذلك جعل طبع هذا الماء ملائماً موافقاً طباع جميع الخلائق من البشر والدواب والطير والوحش وجميع الحيوان، على اختلاف جواهرهم وأصنافهم وغذائهم، حتى صار هو غذاء وحياة لهم وقياما به؛ ليعلم أن من ملك هذا وقدر توفيق هذا - على اختلاف ما ذكرنا من الجواهر والأغذية - وتدبيرَهُ، لا يعجزه إنشاء شيء لا من شيء، ولا يخفى عليه شيء، وفي ذلك دلالة البعث: أن من بلغت قدرته وتدبيره وعلمه هذا المبلغ لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء.

والثاني: أنه أنشأ ما ذكر من مختلف الأشياء والجواهر بهذا الماء، وجعله سبباً لحياة ما ذكر من البشر والدواب وغيره، من غير أن يكون في ذلك الماء الذي أنشأ ذلك منه، وجعله سبباً لحياتهم من أثر ذلك فيه أو من جنسه؛ ليعلم أنه لم يكن أنشأ هذه الأشياء بهذا الماء، ولا جعله سبباً لها على الاستعانة به والتقوية، بل إعلاماً للخلق أسباب مطالب الغذاء والفضل لهم؛ إذ لو كان على الاستعانة وجعله سبباً له في إنشاء ذلك، لكان يكون تلك الأشياء المنشأة مشاكلة للماء مشابهة له؛ دل أنه جعل ذلك سبباً للخلق في الوصول إلى ما ذكرنا من الأغذية لهم من غير أن يروا أرزاقهم من تلك الأسباب والمكاسب ولكن من فضل الله.

والثالث: أنشأ هذه الفواكه والثمرات مختلفة ألوانها وطعمها؛ لما علم من البشر من الملالة والسآمة من نوع واحد ولون واحد؛ ليتم نعمه عليهم ليتأدّى بذلك الشكر عليها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴾ .

قال بعضهم: أنشأ الجبال أيضاً مختلفة من بيض وحمر وغرابيب، كما أنشأ الثمرات والدواب والحيوان كلها مختلفة.

وقال بعضهم: ذلك وصف، وصفها بالسواد للطرق التي أنشأها في الجبال ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كاختلاف الجبال والثمار، وكذلك: ﴿ وَغَرَابِيبُ ﴾ جمع غربيب، وهو الشديد السواد، يقال: أسود غربيب؛ وهو [قول] القتبي وأبي عوسجة، ورجل غربيب الشعر، أي: أسود الشعر، ومأخذه من الغراب لأنه أسود، والجدد: الخطوط والطرائق في الجبال.

وقال أبو عوسجة: الجدة: الخطة، [و] الجدد: جميع الخطوط، يقال: جددت، أي: خططت، [و] يقال: ثوب جديد وثياب جدد، ﴿ وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ ﴾ أي: طرائق مختلفة ألوانها بعضها بيض وبعضها غرابيب وهي سود.

يذكر قدرته وتذكيره أن الجبال مع غلظها وشدتها وارتفاعها جعلها بحيث يتطرق منها في صعودها وهبوطها، فمن قدر على هذا لا يعجزه ولا يخفى عليه شيء.

أو يذكر نعمه عليهم حيث سخرها لهم؛ ليقضوا فيها حوائجهم فيما بعد عنهم وصعب عليهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ﴾ .

هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: أن الذي يحقّ على العالم بالله أن يكون هو يخشاه؛ لما يعلم من سلطانه وهيبته وقدرته وجلاله.

والثاني: أن العالم بالبعث والمؤمن به هو يخشى مخالفة الله في أوامره ونواهيه؛ لما يعلم من نقمته وعذابه من خالفه وعصى أمره، فأمّا من [لم] يعلم بالبعث ولم يؤمن به فلا يخافه؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ ﴾ \[المؤمنون: 57\] ونحوه.

أو أن يكون قوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ﴾ عباده من جملة المؤمنين؛ يقول - والله أعلم -: إنما يخشى الله من عباده المؤمنون به، المصدقون عذابه ونقمته، فأمّا من لم يؤمن به فلا يخافه كما ذكرنا في قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ  ﴾ إن في ذلك لآيات لكل مؤمن، ويكون الصبار والشكور كناية عن المؤمن؛ فعلى ذلك هذا محتمل.

وقال أهل التأويل: على التقديم والتأخير، أي: أشد الناس لله خشية أعلمهم بالله، والخشية: قال الحسن: هي الخوف الدائم اللازم في القلب غير مفارق له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ .

قال بعضهم: العزيز: المنتقم من أعدائه، والغفور لذنوب المؤمنين.

وقال بعضهم: عزيز في ملكه ومن دونه ذليل، غفور، أي: ستور على ذنوب المؤمنين.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

يحتمل ما ذكر من تلاوة الكتاب هاهنا، ما ذكر في آية أخرى قال: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ  ﴾ وأقاموا فيها من الأمر بالصلاة والأمر بالزكاة.

أو أن يكون قوله: ﴿ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ ﴾ أي: يتبعون كتاب الله فيما فيه مما لهم ومما عليهم، يتبعون كله من الإقدام على الحلال والاجتناب على الحرام، والمشفقون بكتاب الله هم الذين اتبعوا ما فيه من إقامة الصلاة وإنفاق ما رزقوا، فأما من تلا ولم يتبع ما فيه فكأنه لم يتل، وهو كما نفى عنهم هذه الحواس من البصر والسمع واللسان وغيره؛ لتركهم الانتفاع بها وإن كانت لهم تلك الحواس حقيقة، وأثبتها للمؤمن لما انتفع بها وإن لم تكن له تلك حقيقة؛ فعلى ذلك يحتمل الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ في كل حال وكل وقت لا يتركون الإنفاق على كل حال؛ كقوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ  ﴾ ، أي: ينفقون على كل حال.

ويحتمل: فلينفقوا مما رزقناهم ﴿ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ ، أي: يتصدقون الصدقة ظاهراً وباطناً، أي: ما ظهر للناس وعلموا به، وما خفي عنهم واستتر؛ لما قصدوا بها وجه الله لا مراءاة الخلق، فمن كان قصده بالخيرات وجه الله لا مراءاة الخلق، فعلمهم به وجهلهم سواء، لا يمتنع عن ذلك أبداً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ﴾ .

سمى ما يبذل العبد لله: تجارة، وإن كان ذلك له في الحقيقة لطفاً منه وإحساناً، وكذلك ما ذكر من إيفاء الأجر لهم على أعمالهم حيث قال: ﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ ﴾ ، وذلك ليس في الحقيقة أجراً لما يستوجبون الأجر قبله بتلك الأعمال؛ لما عليهم من الشكر فيما أنعم عليهم من أنواع النعم، ومتى يفرغون عن شكر ما أنعم عليهم حتى يكون ذلك أجراً لهم، لكنه - عز وجل - بفضله وإنعامه وعد لهم الثواب والأجر على حسناتهم وأعمالهم الصالحات؛ إفضالا منه وإنعاماً منه، وسمى ذلك: تجارة كأن ليس ذلك له في الحقيقة؛ ترغيباً منه الخلق في ذلك وتحريضاً لهم على ذلك، والله أعلم.

﴿ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ على ذلك أيضاً.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ غَفُورٌ ﴾ أي: ستور لمساويهم، ﴿ شَكُورٌ ﴾ أي: مظهر لحسناتهم بإدخاله إياهم الجنة؛ ليعلم أحد أنه كان محسناً لا مسيئاً.

أو ﴿ غَفُورٌ ﴾ : يتجاوز عن مساوئهم، ﴿ شَكُورٌ ﴾ : يقبل اليسير من العمل القليل منهم [و] يجزيهم على ذلك الجزيل من الثواب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَّن تَبُورَ ﴾ .

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ لَّن تَبُورَ ﴾ أي: لن تفنى أو لن تكسد، يقال: بارت التجارة تبور فهي بائرة: إذا كسدت.

﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ ﴾ : من الإيفاء، يقال: أوفيته حقه، أي: أعطيته [حقه] كله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألم تر -أيها الرسول- أن الله سبحانه أنزل من السماء ماء المطر، فأخرجنا بذلك الماء ثمرات مختلفًا ألوانها فيها الأحمر والأخضر والأصفر وغيرها بعد أن سقينا أشجارها منه، ومن الجبال طرائق بيض وطرائق حمر، وطرائق حالكة السواد.

<div class="verse-tafsir" id="91.LG8RA"

مزيد من التفاسير لسورة فاطر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله