الآية ٤٥ من سورة فاطر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ٤٥ من سورة فاطر

وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍۢ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرًۢا ٤٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٥ من سورة فاطر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٥ من سورة فاطر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ) أي : لو آخذهم بجميع ذنوبهم ، لأهلك جميع أهل الأرض ، وما يملكونه من دواب وأرزاق .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله قال : كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم ، ثم قرأ : ( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ) .

وقال سعيد بن جبير ، والسدي في قوله : ( ما ترك على ظهرها من دابة ) أي : لما سقاهم المطر ، فماتت جميع الدواب .

( ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ) أي : ولكن ينظرهم إلى يوم القيامة ، فيحاسبهم يومئذ ، ويوفي كل عامل بعمله ، فيجازي بالثواب أهل الطاعة ، وبالعقاب أهل المعصية ; ولهذا قال تعالى : ( فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ) .

آخر تفسير سورة " فاطر " ولله الحمد والمنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45) يقول تعالى ذكره: ( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ ) يقول ولو يعاقب الله الناس ويكافئهم بما عملوا من الذنوب والمعاصي واجترحوا من الآثام ما ترك على ظهرها من دابة تدب عليها( وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) يقول: ولكن يؤخر عقابهم ومؤاخذتهم بما كسبوا إلى أجل معلوم عنده، محدود لا يقصرون دونه، ولا يجاوزونه إذا بلغوه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ) إلا ما حمل نوح في السفينة.

وقوله ( فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ) يقول تعالى ذكره: فإذا جاء أجل عقابهم فإن الله كان بعباده بصيرًا من الذي يستحق أن يعاقب منهم، ومن الذي يستوجب الكرامة ومن الذي كان منهم في الدنيا له مطيعًا، ومن كان فيها به مشركًا، لا يخفى عليه أحد منهم، ولا يعزب عنه علم شيء من أمرهم.

آخر تفسير سورة فاطر

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا .قوله تعالى : ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا يعني من الذنوب .

ما ترك على ظهرها من دابة قال ابن مسعود : يريد جميع الحيوان مما دب ودرج .

قال قتادة : وقد فعل ذلك زمن نوح عليه السلام .

وقال الكلبي : من دابة يريد الجن والإنس دون غيرهما ; لأنهما مكلفان بالعقل .

وقال ابن جرير والأخفش والحسين بن الفضل : أراد بالدابة هنا الناس وحدهم دون غيرهم .قلت : والأول أظهر ; لأنه عن صحابي كبير .

قال ابن مسعود : كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم .

وقال يحيى بن أبي كثير : أمر رجل بالمعروف ونهى عن المنكر ، فقال له رجل : عليك بنفسك فإن الظالم لا يضر إلا نفسه .

فقال أبو هريرة : كذبت ؟

والله الذي لا إله إلا هو - ثم قال - والذي نفسي بيده إن الحبارى لتموت هزلا في وكرها بظلم الظالم .

وقال الثمالي ويحيى بن سلام في هذه الآية : يحبس الله المطر فيهلك كل شيء .

وقد مضى في ( البقرة ) نحو هذا عن عكرمة ومجاهد في تفسير ويلعنهم اللاعنون هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم .

وذكرنا هناك حديث البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ويلعنهم اللاعنون قال : دواب الأرض .

ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى قال مقاتل : الأجل المسمى هو ما وعدهم في اللوح المحفوظ .

وقال يحيى : هو يوم القيامة .

فإن الله كان بعباده بصيرا أي بمن يستحق [ ص: 324 ] العقاب منهم ( بصيرا ) ولا يجوز أن يكون العامل في ( إذا ) ( بصيرا ) كما لا يجوز : اليوم إن زيدا خارج .

ولكن العامل فيها ( جاء ) لشبهها بحروف المجازاة ، والأسماء التي يجازى بها يعمل فيها ما بعدها .

وسيبويه لا يرى المجازاة ب ( إذا ) إلا في الشعر ، كما قال [ الشاعر لقيس بن الحطيم ] :إذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا فنضاربختمت سورة ( فاطر ) والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر تعالى كمال حلمه، وشدة إمهاله وإنظاره أرباب الجرائم والذنوب، فقال: { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا } من الذنوب { مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ } أي: لاستوعبت العقوبة، حتى الحيوانات غير المكلفة.{ وَلَكِنْ } يمهلهم تعالى ولا يهملهم و { يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا } فيجازيهم بحسب ما علمه منهم، من خير وشر.تم تفسير سورة فاطر، والحمد للّه رب العالمين

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ) من الجرائم ( ما ترك على ظهرها ) يعني : على ظهر الأرض ، كناية عن غير مذكور ) ( من دابة ) كما كان في زمان نوح أهلك الله ما على ظهر الأرض إلا من كان في سفينة نوح ( ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ) قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : يريد أهل طاعته وأهل معصيته .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا» من المعاصي «ما ترك على ظهرها» أي الأرض «من دابة» نسمة تدبّ عليها «ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى» أي يوم القيامة «فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا» فيجازيهم على أعمالهم، بإثابة المؤمنين وعقاب الكافرين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو يعاقب الله الناس بما عملوا من الذنوب والمعاصي ما ترك على ظهر الأرض من دابة تَدِبُّ عليها، ولكن يُمْهلهم ويؤخر عقابهم إلى وقت معلوم عنده، فإذا جاء وقت عقابهم فإن الله كان بعباده بصيرًا، لا يخفى عليه أحد منهم، ولا يعزب عنه علم شيء من أمورهم، وسيجازيهم بما عملوا من خير أو شر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان جانب من رحمته بعباده فقال ( وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ ) من الذنوب أو الخطايا .( مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا ) أى : على ظهر الأرض ( مِن دَآبَّةٍ ) من الدواب التى تدب عليها .

( ولكن يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) وهو يوم القيامة .( فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ ) الذى حدده - سبحانه - لحسابهم ، جازاهم بما يستحقون ( فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً ) أى : لا يخفى عليه شئ من أحوالهم .

وبعد فهذا تفسير لسورة فاطر .

نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه ، ونافعاً لعباده .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما خوف الله المكذبين بمن مضى وكانوا من شدة عنادهم وفساد اعتقادهم يستعجلون بالعذاب ويقولون عجل لنا عذابنا فقال الله: للعذاب أجل والله لا يؤاخذ الله الناس بنفس الظلم فإن الإنسان ظلوم جهول، وإنما يؤاخذ بالإصرار وحصول يأس الناس عن إيمانهم ووجود الإيمان ممن كتب الله إيمانه فإذا لم يبق فيهم من يؤمن يهلك المكذبين ولو آخذهم بنفس الظلم لكان كل يوم إهلاك وفيه مسائل: المسألة الأولى: إذا كان الله يؤاخذ الناس بما كسبوا فما بال الدواب يهلكون؟

نقول الجواب من وجوه: أحدها: أن خلق الدواب نعمة فإذا كفر الناس يزيل الله النعم والدواب أقرب النعم لأن المفرد أولاً ثم المركب والمركب إما أن يكون معدنياً وإما أن يكون نامياً والنامي إما أن يكون حيواناً وإما أن يكون نباتاً، والحيوان إما إنسان وإما غير إنسان فالدواب أعلى درجات المخلوقات في عالم العناصر للإنسان الثاني: هو أن ذلك بيان لشدة العذاب وعمومه فإن بقاء الأشياء بالإنسان كما أن بقاء الإنسان بالأشياء وذلك لأن الإنسان يدبر الأشياء ويصلحها فتبقى الأشياء ثم ينتفع بها الإنسان فيبقى الإنسان فإذا كان الهلاك عاماً لا يبقى من الإنسان من يعمر فلا تبقى الأبنية والزروع فلا تبقى الحيوانات الأهلية لأن بقاءها بحفظ الإنسان إياها عن التلف والهلاك بالسقي والعلف الثالث: هو أن إنزال المطر هو إنعام من الله في حق العباد فإذا لم يستحقوا الإنعام قطعت الأمطار عنهم فيظهر الجفاف على وجه الأرض فتموت جميع الحيوانات وقوله تعالى: ﴿ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ ﴾ الوجه الثالث: لأن بسبب انقطاع الأمطار تموت حيوانات البر، أما حيوانات البحر فتعيش بماء البحار.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ على ظَهْرِهَا ﴾ كناية عن الأرض وهي غير مذكورة فكيف علم؟

نقول مما تقدم ومما تأخر، أما ما تقدم فقوله: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ مِن شَيء فِي السموات وَلاَ فِي الأرض  ﴾ فهو أقرب المذكورات الصالحة لعود الهاء إليها، وأما ما تأخر فقوله: ﴿ مِن دَابَّةٍ ﴾ لأن الدواب على ظهر الأرض، فإن قيل كيف يقال لما عليه الخلق من الأرض وجه الأرض وظهر الأرض، مع أن الوجه مقابل الظهر كالمضاد؟

نقول من حيث إن الأرض كالدابة الحاملة للأثقال والحمل يكون على الظهر يقال له ظهر الأرض، ومن حيث إن ذلك هو المقابل للخلق المواجه لهم يقال له وجهها، على أن الظهر في مقابلة البطن والظهر والظاهر من باب والبطن والباطن من باب، فوجه الأرض ظهر لأنه هو الظاهر وغيره منها باطن وبطن.

المسألة الثالثة: في قوله تعالى: ﴿ ولكن يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى ﴾ وجوه: أحدها: إلى يوم القيامة وهو مسمى مذكور في كثير من المواضع ثانيها: يوم لا يوجد في الخلق من يؤمن على ما تقدم ثالثها: لكل أمة أجل ولكل أجل كتاب وأجل قوم محمد صلى الله عليه وسلم أيام القتل والأسر كيوم بدر وغيره.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً ﴾ تسلية للمؤمنين، وذلك لأنه تعالى لما قال: ﴿ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ ﴾ وقال: ﴿ لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً  ﴾ قال: فإذا جاء الهلاك فالله بالعباد بصير، إما أن ينجيهم أو يكون توفيهم تقريباً من الله لا تعذيباً، لا يقال قد ذكرت أن الله لا يؤاخذ بمجرد الظلم، وإنما يؤاخذ حين يجتمع الناس على الضلال ونقول بأنه تعالى عند الإهلاك يهلك المؤمن فكيف هذا، نقول قد ذكرنا أن الإماتة والإفناء إن كان للتعذيب فهو مؤاخذة بالذنب وإهلاك، وإن كان لإيصال الثواب فليس بإهلاك ولا بمؤاخذة، والله لا يؤاخذ الناس إلا عند عموم الكفر، وقوله: ﴿ بَصِيراً ﴾ اللفظ أتم في التسلية من العليم وغيره لأن البصير بالشيء الناظر إليه أولى بالإنجاء من العالم بحالة دون أن يراه والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب ﴾ ؟

قلت: فيه وجهان، أحدهما: إنا أوحينا إليك القرآن ثم أورثنا من بعدك أي حكمنا بتوريثه.

أو قال: أورثناه وهو يريد نورثه، لما عليه أخبار الله ﴿ الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا ﴾ وهم أمّته من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة؛ لأنّ الله اصطفاهم على سائر الأمم، وجعلهم أمة وسطاً ليكونوا شهداء على الناس، واختصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسل الله، وحمل الكتاب الذي هو أفضل كتب الله، ثم قسمهم إلى ظالم لنفسه مجرم وهو المرجأ لأمر الله.

ومقتصد: هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وسابق من السابقين.

والوجه الثاني: أنه قدم إرساله في كل أمّة رسولاً وأنهم كذبوا برسلهم وقد جاؤهم بالبينات والزبر والكتاب المنير، ثم قال: إنّ الذين يتلون كتاب الله، فأثنى على التالين لكتبه العاملين بشرائعه من بين المكذبين بها من سائر الأمم واعترض بقوله: ﴿ والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكتاب هُوَ الحق ﴾ ثم قال: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا ﴾ أي من بعد أولئك المذكورين، يريد بالمصطفين من عباده: أهل الملة الحنيفية، فإن قلت: فكيف جعلت ﴿ جنات عَدْنٍ ﴾ بدلاً من الفضل الكبير، الذي هو السبق بالخيرات المشار إليه بذلك؟

قلت: لما كان السبب في نيل الثواب، نزل منزلة المسبب، كأنه هو الثواب، فأبدلت عنه جنات عدن، وفي اختصاص السابقين بعد التقسيم بذكر ثوابهم والسكوت عن الآخرين ما فيه من وجوب الحذر، فليحذر المقتصد، وذلك الظالم لنفسه حذراً وعليهما بالتوبة النصوح المخلصة من عذاب الله، ولا يغترا بما رواه عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له» فإنّ شرط ذلك صحة التوبة لقوله تعالى: ﴿ عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 102] وقوله: ﴿ إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 106] ولقد نطق القرآن ذلك في مواضع من استقرأها اطلع على حقيقة الأمر ولم يعلل نفسه بالخدع.

وقرئ: ﴿ سباق ﴾ ومعنى: ﴿ بِإِذُنِ الله ﴾ بتيسيره وتوفيقه.

فإن قلت: لم قدم الظالم؟

ثم المقتصد ثم السابق؟

قلت: للإيذان بكثرة الفاسقين وغلبتهم، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم والسابقون أقلّ من القليل.

وقرئ: ﴿ جنة عدن ﴾ على الإفراد، كأنها جنة مختصة بالسابقين.

وجنات عدن: بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر، أي يدخلون جنات عدن يدخولنها، ويدخلونها، على البناء للمفعول.

ويحلون: من حليت: المرأة، فهي حال ﴿ وَلُؤْلُؤاً ﴾ معطوف على محل من أساور، ومن داخلة للتبعيض، أي: يحلون بعض أساور من ذهب، كأنه بعض سابق لسائر الابعاض، كما سبق المسوّرون به غيرهم.

وقيل: إنّ ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ.

وقرئ: ﴿ ولولؤاً ﴾ بتخفيف الهمزة الأولى، وقرئ: ﴿ الحزن ﴾ والمراد: حزن المتقين، وهو ما أهمهم من خوف سوء العاقبة، كقوله تعالى: ﴿ إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ﴾ [الطور: 26- 27].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: حزن الاعراض والآفات.

وعنه: حزن الموت.

وعن الضحاك: حزن إبليس ووسوسته.

وقيل: همّ المعاش.

وقيل: حزن زوال النعم، وقد أكثروا حتى قال بعضهم: كراء الدار، ومعناه: أنه يعمّ كل حزن من أحزان الدين والدنيا.

حتى هذا.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس على أهل لا إله إلاّ الله وحشة في قبورهم ولا في محشرهم ولا في مسيرهم؛ وكأني بأهل لا إله إلاّ الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» وذكر الشكور: دليل على أن القوم كثيرو الحسنات، المقامة: بمعنى الإقامة يقال: أقمت إقامة ومقاماً ومقامة ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ من عطائه وإفضاله، من قولهم: لفلان فضول على قومه وفواضل، وليس من الفضل الذي هو التفضل؛ لأنّ الثواب بمنزلة الأجر المستحق، والتفضل كالتبرع.

وقرئ: ﴿ لغوب ﴾ بالفتح: وهو اسم ما يلغب منه، أي: لا تتكلف عملاً يلغبنا: أو مصدر كالقبول والولوغ، أو صفة للمصدر، كأنه لغوب لغوب، كقولك: موت مائت، فإن قلت: ما الفرق بين النصب واللغوب؟

قلت: النصب التعب والمشقة التي تصيب المنتصب للأمر المزاول له.

وأما اللغوب فما يلحقه من الفتور بسبب النصب فالنصب نفس المشقة والكلفة.

واللغوب: نتيجته وما يحدث منه من الكلال والفترة.

﴿ والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم يسترخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ﴾ ﴿ فيموتوا ﴾ جواب النفي ونصبه بإضمار أن: وقرئ: فيموتون عطفا على يقضي وإدخالا له في حكم النفي أي: لا يقضي عليهم الموت فلا يموتون كقوله تعالى: ﴿ ولا يؤذن لهم فيعتذرون ﴾ [المرسلات: 36]، ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك الجزاء ﴿ نجري ﴾ وقرئ: يجارى.

ونجزي ﴿ كل كفور ﴾ بالنون ﴿ يسترخون ﴾ يتصارخون: يفتعلون من الصراخ وهو الصياح بجهد وشدة.

قال: كصرخة حبلى أسلمتها قبيلها واستعمل في الاستغاثة لجهد المستغيث صوته.

فإن قلت: هلا اكتفى بصالحا كما اكتفى به في قوله تعالى: ﴿ فارجعنا نعمل صالحا ﴾ [السجدة: 12] وما فائدة زيادة ﴿ غير الذي كنا نعمل ﴾ على أنه على أنه يؤذن أنهم يعلمون صالحا آخر غير الصالح الذي عملوه؟

قلت: فائدة زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به.

وأما الوهم فزائل لظهور حالهم في الكفر وركوب المعاصي لأنهم كانوا يحسبون أنهم على سيرة صالحة كما قال الله تعالى: ﴿ وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ﴾ [الكهف: 104] فقالوا: أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نحيبه صالحا فنعمله ﴿ أولم نعمركم ﴾ توبيخ من الله يعني: فنقول لهم.

وقرئ: وما يذكر فيه من أذكر على الإدغام وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه وإن قصر؛ إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة.

وعن مجاهد: ما بين العشرين إلى الستين.

وقيل: ثماني عشرة وسبع عشرة و(النذير) الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقيل: الشيب.

وقرئ: وجاءتكم النذر فإن قلت: علام عطف وجاءكم النذير؟

قلت: على معنى: أو لم نعمركم؛ لأن لفظه لفظ استخبار.

ومعناه معنى إخبار كأنه قيل: قد عمرناكم وجاءكم النذير.

﴿ إن الله عالم غيب السموات والأرض إنه عليم بذات الصدور ﴾ ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ كالتعليل لأنه إذا علم مافي الصدور وهو أخفى ما يكوهن فقد علم كل غيب في العالم وذات الصدور: مضمراتها وهي تأنيث ذو في محو قول أبي بكر رضي الله عنه: ذو بطن خارجة جارية وقوله: لتغني عني ذا إنائك أجمعا المعنى ما في بطنها من الحبل وما في إنائك من الشراب؛ لأن الحبل والشراب يصحبان البطن والإناء.

ألا ترى إلى قولهم: معها حبل وكذلك المضمرات تصحب الصدور وهي معها وذو: موضوع لمعنى الصحبة.

﴿ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد كفرهم إلا خسارا ﴾ .

يقال للمستخلف: خليفة؛ فالخليفة تجمع خلائف والخليف: خلفاء والمعنى أنه جعلكم خلفاءه في أرضه قد ملككم مقاليد التصريف فيها وسلطكم على ما فيها وأباح لكم منافعها لتشكروه بالتوحيد والطاعة (فمن كفر) منكم وغمط مثل هذه النعمة السنية فوبال كفره راجع عليه وهو مقت الله الذي ليس وراءه خزي وصغار وخسارة الآخرة الذي ما بقي بعده خسار والمقت: أشد البغض.

ومنه قيل لمن ينكح امرأته أبيه: مقتي لكونه ممقوتا في كل قلب.

وهو خطاب للناس.

وقيل: خطاب لمن بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أي جعلكم فعليه جزاء كفره من مقت الله وخسار الآخرة كما أن ذلك حكم من قبلكم.

﴿ قل أرءيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات أم ءاتيناهم كتابا فهم على بينت منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا ﴾ ﴿ أروني ﴾ بدل من أرأيتم: لأن المعنى: أرأيتم أخبروني كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به الإلهية والشركة أروني أي جزء من أجزاء الأرض استبدوا بخلقه دون الله أم لهم مع الله شركة في خلق السموات أم معهم كتاب من عند الله ينطق بأنهم شركاؤه فهم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب.

أو يكون الضمير في ﴿ ءاتيناكم ﴾ للمشركين كقوله تعالى: ﴿ أم أنولنا عليهم سلطانا ﴾ [الروم: 35] أم آتيناهم كتابا من قبله بل إن يعد بعضهم وهم الرؤوساء ﴿ بعضا ﴾ وهم الأتباع ﴿ إلا غرورا ﴾ وهو قولهم: ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [يونس: 18] وقرئ: بينات.

﴿ إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا ﴾ ﴿ أن تزولا ﴾ كراهة أن تزولا.

أو يمنعهما من أن تزولا: لأن الإمساك منع ﴿ إنه كان حليما غفورا ﴾ غير معاجل بالعقوبة حيث يمسكها وكانتا جديرتين بأن تهدا هدا لعظم كلمة الشرك كما قال: ﴿ تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ﴾ [مريم: 90] .

وقرئ: ولو زالتا وإن أمسكهما: جواب القسم في ﴿ ولئن زالتا ﴾ سد مسد الجوابين ومن الأولى مزيدة لتأكيد النفي والثانية: للإبتداء.

ومن بعده: من بعد إمساكه.

وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال لرج لمقبل من الشام: من لقيت به؟

قال: كعبا.

قال: وما سمعته يقول؟

قال: سمعته يقول: إن السموات على منكب ملك.

قال: كذب كعب.

أما ترك يهوديته بعد ثم قرأ هذه الآية: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن اهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكر السي ولا يحيق المكر الئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في ألأرض إنه كان عليما قديرا ﴾ بلغ قريشا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبوه.

وفي ﴿ إحدى الأمم ﴾ وجهان: أحدهما: من بعض الأمم ومن واحدة من الأمم من اليهود والنصارى وغيرهم.

والثاني: من الأمة التي يقال لها إحدى الأمم تفصيلا لها على غيرها في الهدى والاستقامة ﴿ ما زادهم ﴾ اسناد مجازي لأنه هو لسبب في أنزادوا أنفسهم.

نفورا عن الحق وابتعادا عنه كقوله تعالى: ﴿ فزادتهم رجسا إلى رجسهم ﴾ [التوبة: 125] .

﴿ استكبارا ﴾ بدل من نفورا.

أو مفعول له على معنى: فما زادهم إلا أن نفروا استكبارا وعلوا ﴿ في الأرض ﴾ أو حال بمعنى: مستكبرين وماكرين برسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

ويجوز أن يكون ﴿ ومكر السيئ ﴾ معطوفا على نفورا فإن قلت: فما وجه قوله: ﴿ ومكر السيئ ﴾ ؟

قلت: أصله: وأن مكروا السيئ أي المكر السيئ ثم ومكرا السيئ.

ثم ومكر السيئ والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ﴾ ومعنى يحيق: يحيط وينزل.

وقرئ: ولا يحيق المكر السيئ أي لا يحيق الله ولقد حاق بهم يوم بدر.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ﴾ ولا تبغوا ولا تعينوا باغيا يقول الله تعالى: ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ [يونس: 23] » .

وعن كعب أنه قال لابن عباس رضي الله عنهما: قرأت في التوراة: من حفر مغواة وقع فيها.

قال: أنا وجدت ذلك في كتاب الله وقرأ الآية.

وفي أمثال العرب: من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا.

وقرأ حمزة: ومكر السيئ بإسكان الهمزة وذلك لاستقاله الحركات مع الياء والهمزة ولعله اختلس فظن سكونا أو وقف وقفة خفيفة ثم ابتدى ﴿ ولا يحيق ﴾ .

وقرأ ابن مسعود: ومكرا سيئا ﴿ سنت الأولين ﴾ إنزال العذاب على الذين كذبوا برسلهم من الأمم قبلهم وجعل استقبالهم لذلك انتظارا له منهم وبين أن عادجته التي هي الانتقام من مكذبي الرسل عادة لا يبدلها ولا يحولها أي: لا يغيرها وأن ذلك مفعول له لا محالة واستشهد عليهم بما كانوا يشاهدونه في مسايرهم ومتاجرهم في رحلهم إلى الشام والعراق واليمن: من آثار الماضين وعلامات هلاكهم ودمارهم ﴿ ليعجزه ﴾ ليسبقه ويفوته.

﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ﴾ ﴿ بما كسبوا ﴾ بما اقترفوا من معاصيهم ﴿ على ظهرها ﴾ على ظهر الأرض ﴿ من دابة ﴾ من نسمة تدب عليها يريد بني آدم.

وقيل: ما ترك بني آدم وغيرهم من سائر الدواب بشؤم ذنوبهم.

وعن ابن مسعود: كاد الجعل يعذب في جحره بذنب ابن آدم ثم تلا هذه الآية.

وعن أنس: إن الضب ليموت هزالا في جحره بذنب ابن آدم.

وقيل: يحبس المطر فيهلك كل شيء ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ إلى يوم القيامة ﴿ كان بعباده بصيرا ﴾ وعيد بالجزاء.

من قرأ سورة الملائكة دعته ثمانية أبواب الجنة: أن ادخل من أي باب شئت.

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ اسْتِشْهادُ عِلْمٍ بِما يُشاهِدُونَهُ في مَسايِرِهِمْ إلى الشّامِ واليَمَنِ والعِراقِ مِن آثارِ الماضِينَ.

﴿ وَكانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ ﴾ لِيَسْبِقَهُ ويَفُوتَهُ.

﴿ فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ إنَّهُ كانَ عَلِيمًا ﴾ بِالأشْياءِ كُلِّها.

﴿ قَدِيرًا ﴾ عَلَيْها.

﴿ وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ﴾ مِنَ المَعاصِي.

﴿ ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها ﴾ ظَهْرِ الأرْضِ ﴿ مِن دابَّةٍ ﴾ مِن نَسَمَةٍ تَدُبُّ عَلَيْها بِشُؤْمِ مَعاصِيهِمْ، وقِيلَ المُرادُ بِالدّابَّةِ الإنْسُ وحْدَهُ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ.

﴿ فَإذا جاءَ أجَلُهم فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ.

عَنِ النَّبِيِّ  «مَن قَرَأ سُورَةَ المَلائِكَةِ دَعَتْهُ ثَمانِيَةُ أبْوابِ الجَنَّةِ: أنِ ادْخُلْ مِن أيِّ بابٍ شِئْتَ» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ} بما اقترافوا من المعاصي {مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا} على ظهر الأرض لأنه جرى ذكر الأرض في قوله

ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض {مِن دَآبَّةٍ} من نسمة تدب عليها {ولكن يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى} إلى يوم القيامة {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بصيرا} أي لم يخفف عليه حقيقة وحكمة حكمهم والله الموفق للصواب تم بحمد الله تعالى الربع الثالث من تفسير القرآن الكريم للامام النسفى ويليه الرابع وأوله سورة يس

الجزء الرابع

يس (٧ - ١)

سورة يس مكية وهي ثلاث وثمانين آية

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ ﴾ جَمِيعًا ﴿ بِما كَسَبُوا ﴾ فَعَلُوا مِنَ السَّيِّئاتِ كَما وأخَذَ أُولَئِكَ ﴿ ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها ﴾ أيْ ظَهْرِ الأرْضِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ﴾ فَلَيْسَ مِنَ الإضْمارِ قَبْلَ الذِّكْرِ كَما زَعَمَهُ الرَّضِيُّ، وظَهْرُ الأرْضِ مَجازٌ عَنْ ظاهِرِها كَما قالَ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: في الكَلامِ اِسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، والمُرادُ ما تَرَكَ عَلَيْها ﴿ مِن دابَّةٍ ﴾ أيْ مِن حَيَوانٍ يَدِبُّ عَلى الأرْضِ لِشُؤْمِ المَعاصِي، وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً  ﴾ وهو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالدّابَّةِ الإنْسُ وحْدَهم وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ فَإنَّ الضَّمِيرَ لِلنّاسِ لِأنَّهُ ضَمِيرُ العُقَلاءِ ويَوْمُ القِيامَةِ الأجَلُ المَضْرُوبُ لِبَقاءِ نَوْعِهِمْ، وقِيلَ: هو لِجَمِيعِ مَن ذُكِرَ تَغْلِيبًا ويَوْمُ القِيامَةِ الأجَلُ المَضْرُوبُ لِبَقاءِ جِنْسِ المَخْلُوقاتِ.

﴿ فَإذا جاءَ أجَلُهم فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا ﴾ فَيُجازِي المُكَلَّفِينَ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ بِأعْمالِهِمْ إنْ شَرًّا فَشَرٌّ وإنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وجُمْلَةُ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ ﴾ إلخ مَوْضُوعَةٌ مَوْضِعَ الجَزاءِ، والجَزاءُ في الحَقِيقَةِ يُجازى كَما أشَرْنا إلَيْهِ، هَذا واَللَّهُ تَعالى هو المُوَفِّقُ لِلْخَيْرِ ولا اِعْتِمادَ إلّا عَلَيْهِ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ إشارَةٌ إلى إيجادِ عالَمَيِ اللَّطافَةِ والكَثافَةِ، وإلى أنَّ إيجادَ عالَمِ اللَّطافَةِ مُقَدَّمٌ عَلى إيجادِ عالَمِ الكَثافَةِ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ ما شاعَ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْواحَ قَبْلَ الأبْدانَ بِأرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ.

﴿ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا ﴾ في إيصالِ أوامِرِهِ إلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، أوْ وسائِطَ تَجْرِي إرادَتُهُ سُبْحانَهُ في مَخْلُوقاتِهِ عَلى أيْدِيهِمْ.

﴿ أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ إشارَةٌ إلى اِخْتِلافِهِمْ في الِاسْتِعْدادِ.

﴿ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ ﴾ عامٌّ في المُلْكِ وغَيْرِهِ، وفُسِّرَتِ الزِّيادَةُ بِهِبَةِ اِسْتِعْدادِ رُؤْيَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ.

﴿ ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ ﴾ الزِّيادَةُ المُشارُ إلَيْها وغَيْرُها.

﴿ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ رَحْمَتَهُ سُبْحانَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ ﴾ تَسْلِيَةٌ لِحَبِيبِهِ  وإرْشادٌ لِوَرَثَتِهِ إلى الصَّبْرِ عَلى إيذاءِ أعْدائِهِمْ لَهم وتَكْذِيبِهِمْ إيّاهم وإنْكارِهِمْ عَلَيْهِمْ.

﴿ واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ جَرَتْ سُنَّتُهُ تَعالى في إحْياءِ الأرْضِ بِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ كَذَلِكَ إذا أرادَ سُبْحانَهُ إحْياءَ أرْضِ القَلْبِ فَيُرْسِلُ أوَّلًا رِياحَ الإرادَةِ فَتُثِيرُ سَحابَ المُحِبَّةِ ثُمَّ يَأْتِي مَطَرُ الجُودِ والعِنايَةِ فَيُنْبِتُ في القَلْبِ رَياحِينَ الرُّوحِ وأزْهارَ البَسْطِ ونُوارَ الأنْوارِ ويَطِيبُ العَيْشُ.

﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةَ جَمِيعًا ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ العِزَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لا تَحْصُلُ بِدُونِ الفَناءِ، ولا تَغْفُلْ عَنْ حَدِيثِ: ««لا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ»» الخ.

﴿ واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ﴾ وهو أبْعَدُ المَخْلُوقاتِ مِنَ الحَضْرَةِ وأسْفَلُها وأكْثَفُها.

﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ وفِيها نَوْعٌ ما مِنَ اللَّطافَةِ ﴿ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا ﴾ إشارَةٌ إلى ما حَصَلَ لَهم مِنَ اِزْدِواجِ الرُّوحِ اللَّطِيفِ العُلْوِيِّ والقالَبِ الكَثِيفِ السُّفْلِيِّ وهو مَبْدَأُ اِسْتِعْدادٍ لِوُقُوفٍ عَلى عَوالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ.

﴿ وما يَسْتَوِي البَحْرانِ ﴾ قِيلَ أيْ بَحْرُ العِلْمِ الوَهْبِيِّ وبَحْرُ العِلْمِ الكَسْبِيِّ هَذا أيْ بَحْرُ العِلْمِ الوَهْبِيِّ ﴿ عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ ﴾ لِخُلُوِّهِ عَنْ عَوارِضِ الشُّكُوكِ والأوْهامِ ﴿ وهَذا ﴾ أيْ بَحْرُ العِلْمِ الكَسْبِيِّ ﴿ مِلْحٌ أُجاجٌ ﴾ لِما فِيهِ مِن مَشَقَّةِ الفِكْرِ ومَرارَةِ الكَسْبِ وعُرُوضِ الشُّكُوكِ والتَّرَدُّدِ والِاضْطِرابِ.

﴿ ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا ﴾ إشاراتٌ لَطِيفَةٌ تَتَغَذَّوْنَ بِها وتَتَقَوَّوْنَ عَلى الأعْمالِ ﴿ وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ﴾ وهي الأخْلاقُ الفاضِلَةُ والآدابُ الجَمِيلَةُ والأحْوالُ المُسْتَحْسَنَةُ الَّتِي تُكْسِبُ صاحِبَها زِينَةً.

﴿ وتَرى الفُلْكَ ﴾ سُفُنَ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ ﴿ فِيهِ مَواخِرَ ﴾ جارِيَةً.

﴿ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ بِالوُصُولِ إلى حَضْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فِعْلُ ذَلِكَ.

﴿ يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ ﴾ في سائِرِ شُؤُونِكُمْ، ومَراتِبُ الفَقْرِ مُتَفاوِتَةٌ، وكُلَّما اِزْدادَ الإنْسانُ قُرْبًا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ اِزْدادَ فَقْرُهُ إلَيْهِ لِازْدِيادِ المَحَبَّةِ حِينَئِذٍ، وكُلَّما زادَ العِشْقُ زادَ فَقْرُ العاشِقِ إلى المَعْشُوقِ حَتّى يَفْنى.

﴿ واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾ فِيهِ مِنَ البِشارَةِ ما فِيهِ.

﴿ إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ ﴾ أيِ العُلَماءُ بِهِ تَعالى وبِشُؤُونِهِ فَهم كُلَّما اِزْدادُوا عِلْمًا اِزْدادُوا خَشْيَةً لِما يَظْهَرْ لَهم مِن عَظَمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهم بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ لا شَيْءَ.

﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ قِيلَ: الظّالِمُ لِنَفَسِهِ السّالِكُ، والمُقْتَصِدُ السّالِكُ المَجْذُوبُ، والسّابِقُ المَجْذُوبُ السّالِكُ، والسّالِكُ هو المُتَقَرِّبُ، والمَجْذُوبُ هو المُقَرَّبُ، والمَجْذُوبُ السّالِكُ هو المُسْتَهْلَكُ في كِمالاتِ القُرْبِ الفانِي عَنْ نَفْسِهِ الباقِي بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ ﴾ حَزَنَ تَخَيُّلِ الهَجْرِ فَلا حُزْنَ لِلْعاشِقِ أعْظَمَ مِن حُزْنِ تَخَيُّلِ هَجْرِ مَعْشُوقِهِ لَهُ وجَفْوَتِهِ إيّاهُ.

﴿ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ فَلا بِدَعَ إذا أذْهَبَ عَنّا ذَلِكَ وآمَنَنا مِنَ القَطِيعَةِ والهِجْرانِ.

﴿ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ﴾ هو نَصَبُ الأبْدانِ وتَعَبُها مِن أعْمالِ الطّاعَةِ لِلتَّقَرُّبِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ.

﴿ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ﴾ هو لُغُوبُ القُلُوبِ واضْطِرابُها مِن تَخَيُّلِ القَطِيعَةِ والرَّدِّ وهَجْرِ الحَبِيبِ، وقِيلَ: لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبُ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ أيْ أمْرٍ أرَدْناهُ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبُ تَخَيُّلِ ذَهابِ أيِّ مَطْلُوبٍ حَصَّلْناهُ.

وقَدْ أشارُوا إلى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى واَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ، هَذا ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى مِن فَضْلِهِ الحُلْوِ ما تَنْشَقُّ مِنهُ مَرارَةُ الحَسُودِ ويَنْفَطِرُ بِهِ قَلْبُ كُلِّ عَدُوٍّ ويَنْتَعِشُ فُؤادُ كُلِّ مُحِبٍّ ودُودٍ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ يعني: يحفظ السموات وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا يعني: لئلا تزولا عن مكانها وَلَئِنْ زالَتا يعني: يوم القيامة إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ يعني: لا يقدر أحد أن يمسكهما.

ويقال: وَلَئِنْ زالَتا يعني: إن زالتا في الحال، وهما لا يزولان إِنَّهُ كانَ حَلِيماً عن قول الكُفَّار، حيث قالوا: لله ولد، فكادت السموات والأرض أن تزولا فأمسكهما بحلمه فلم يزولا غَفُوراً يعني: متجاوزاً عنهم إن تابوا.

ويقال: غَفُوراً حيث لم يعجل عليهم بالعقوبة، وأمسك السموات والارض أن تزولا.

وقوله عز وجل: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ يعني: كفار مكة كانوا يعيرون اليهود والنصارى بتكذيبهم أنبياءهم، وقالوا: لو أرسل الله عز وجل إلينا رسولاً، لكنا أهدى من إحدى الأمم، وكانوا يحلفون على ذلك فذلك قوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ فكل من حلف بالله، فهو جهد اليمين لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ يعني: رسول لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ يعني: أصوب ديناً من اليهود والنصارى فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ وهو محمد  مَّا زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً يعني: ما زادهم الرسول إلا تباعداً عن الهدى.

قوله عز وجل: اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ يعني: تكبراً في الأرض، اسْتِكْباراً مفعول المعنى زادهم الرسول تكبرا هذا كقوله وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [الإسراء: 82] وكأن القرآن سببا لخسرانهم فأضاف إليهم.

ثم قال: وَمَكْرَ السَّيِّئِ يقول: قول الشرك واجتماعهم على قتل النبيّ  .

قرأ حمزة وَمَكْرَ السَّيِّئِ بجزم الياء.

وقرأ الباقون بالكسر لتبين الحروف، وجزم حمزة لكثرة الحركات.

ثم قال: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ يعني: لا يدور وينزل المكر السيئ إلا بأهله.

يعني عقوبة المكر ترجع إليهم فَهَلْ يَنْظُرُونَ يعني: ما ينتظرون إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ يعني: عقوبة الأمم الخالية أن ينزل بهم مثل ما نزل بالأولين فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا يعني: لصنعة الله تعالى.

ويقال: لملة الله.

ويقال: لسنة الله في العذاب تَبْدِيلًا يعني: لا يقدر أحد أن يبدله وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا يعني: تغييراً.

يعني: لا يقدر أحد أن يغير فعل الله تعالى.

ثم وعظهم ليعتبروا فقال عز وجل: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعني: أو لم يسافروا في الأرض فَيَنْظُرُوا يعني: فيعتبروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ يعني: آخر أمر الذين كانوا مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً يعني: منعة وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ يعني: ليسبقه، ويفوته من شيء.

ويقال: لا يقدر أحد أن يهرب من عذابه فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً بخلقه بأنه لا يفوت منهم أحد قَدِيراً يعني: قادراً عليهم بالعقوبة.

قوله عز وجل: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا يعني: لو عاقبهم مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها يعني: على ظهر الأرض مِنْ دَابَّةٍ يعني: لهلكت الدواب من قحط المطر.

قال قتادة: مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها من دابة إلا أهلكهم كما أهلك من كان في زمان نوح-  - ويقال: مِنْ دَابَّةٍ يعني: من الجن والإنس فيعاقبهم بذنوبهم، فيهلكهم.

وقال مجاهد: مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ يعني من هوام الأرض من العقارب، ومن الخنافس.

وروي عن عبد الله بن مسعود-  - أنه قال: كاد الجعل أن يعذب في حجره بذنب بني آدم.

ثم قرأ وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ الآية.

والعرب تكني عن الشيء إذا كان مفهوماً كما كنى ها هنا عن الأرض كقوله: مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها وَإِن لم يسبق ذكر الأرض.

ثم قال: وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني: إلى الميعاد الذي وعدهم الله تعالى.

ويقال: إلى الوقت الذي وقت لهم في اللوح المحفوظ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ يعني: إلى انقضاء حياتهم.

ويقال: هو البعث.

قال تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً يعني: عالماً بهم وبأعمالهم.

روى الزهري عن سعيد بن المسيب قال: لما طعن عمر-  -، قال كعب: لو دعا الله عمر لأخر في أجله.

فقال الناس: سبحان الله أليس قد قال الله تعالى: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف: 34] فقال كعب: وقد قال: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [فاطر: 11] قال الزهري: فنرى أن ذلك ما لم يحضر الأجل فإذا حضر لم يؤخر، وليس أحد إلا وعمره مكتوب في اللوح المحفوظ، والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «أَعْذَرَ اللَّهُ امرأ أَخَّرَ أَجَلَهُ حتى بلغ ستّين سنة» «١» .

انتهى.

والنَّذِيرُ في قول الجمهور: الأنبياء.

قال الطبري «٢» : وقيل: النذيرُ: الشيبُ، وهذا أيضاً قول حَسَنٌ.

وقوله: فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ أي وَبَالُ كفرِه و «المقت» : احتقارك الإنسَانَ مِن أجْلِ مَعْصِيَتهِ، والخَسَارُ: مُصَدَرُ خسر يخسر، وأَ رَأَيْتُمْ، تتنزل عند سيبويه منزلةَ أخبروني، ولذلك لا تَحْتَاجُ إلى مفعولين، والرؤية في قوله أَرُونِي رؤيةُ بَصر.

ت: قال ابن هشام: قوله: مِنَ الْأَرْضِ، «من» : مرادفة «في» .

ثم قال:

والظاهرَ أنَّها لبيان الجِنْسِ، مثلها: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ...

[البقرة ١٠٦] الآية.

انتهى.

ثم أضْرَبَ سبحانه عنهم بقوله: بَلْ إِنْ يَعِدُ أي: بل إنما يعدون أنفسهم غروراً.

وقوله: أَنْ تَزُولا أي: لئلا تزولا، ومعنى الزوال هنا: التنقلُ من مكانها، والسُّقُوطُ من عُلُوَّهَا.

وعن ابن مسعودٍ أن السَّماءَ لا تدورُ وإنما تَجْرِي فيها الكواكبُ «٣» .

وقوله تعالى: وَلَئِنْ زالَتا قيل: أراد يوم القيامة.

وقوله تعالى: إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ أي: من بعد تركه الإمساك.

قال ص: إِنْ أَمْسَكَهُما: أن: نافية بمعنى، ما، وأمسَك: جواب القسم المقدَّرِ قبل اللام الموطئة في لَئِنْ، وهو بمعنى: يمسك لدخول أن الشرطية كقوله تعالى:

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ [البقرة: ١٤٥] أي: ما يتبعون/ ٨٥ أوكقوله: وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً الآية إلى قَوْلِهِ: لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ [الروم: ٥١] أي: لَيَظُلْونَ، وحذف جواب إن في هذه المواضع لدلالة جواب القسم عليه.

وقوله: مِنْ أَحَدٍ مِنْ: زائدة لتأكيد الاستغراق انتهى.

وقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ يعني: قريشاً لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ الآية: وذلك أَنه رُوِي: أن كُفَّارَ قريش كانت قبل الإسلام تنكر على اليهود والنصارى، وتَأْخُذُ عليهم في تكذيب بعضهم بعضاً وتقول: لو جاءنا نحنُ رَسُوْلٌ لكنا أهدى من هؤلاءِ، وإِحْدَى الْأُمَمِ: يُريدونَ: اليهود والنصارى، فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ وهو: محمد صلى الله عليه وسلّم مَّا زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً وقرأ ابن مسعود «١» : و «مكرا سيئا» ، ويَحِيقُ:

معناه: يحيط ويحل وينزل، ولا يستعملُ إلا في المكروه ويَنْظُرُونَ معناهُ: ينتظرون والسنة: الطريقةُ والعادَةُ.

وقوله: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا أي: لتعذيبه الكفرة المكذبين، وفي هذا وَعِيدٌ بَيِّنٌ.

وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ لمَّا توعدهم سبحانه بسنةِ الأولين وقفهم في هذه الآية على رؤيتهم لما رأوا من ذلك في طريق الشام وغيره كديارِ ثمودَ ونحوِها، و «يعجُزه» : معناه: يفوته ويفلته.

وقوله تعالى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ الآية:

قوله: مِنْ دَابَّةٍ: مبالغة، والمراد: بنو آدم لأنهم المُجَاوَزْنَ، وقيل: المراد الإنس والجن، وقيل: المُرادُ: كُل ما دبَّ من الحيوانِ وأكثرُهُ إنما هو لِمَنْفَعَةِ ابن آدَم، وبسببه، والضمير في: ظَهْرِها عائدٌ على الأرض، والأجل المسمى: القيامة.

وقوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً: وعيدٌ، وفيه للمتقين وعدٌ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً والحمد لله على ما أنعم به.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ﴾ هَذا عامٌّ، وبَعْضُهم يَقُولُ: أرادَ بِالنّاسِ المُشْرِكِينَ.

والمَعْنى:لَوْ يُؤاخِذُهم بِأفْعالِهِمْ لَعَجَّلَ لَهُمُ العُقُوبَةَ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الآيَةَ في (النَّحْلِ: ٦١) .

وما أخْلَلْنا بِهِ فَقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [يُوسُفَ: ١٠٩، الرُّومِ: ٩، الأعْرافِ: ٣٤، النَّحْلِ: ٦١] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بَصِيرًا بِمَن يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ ومَن يَسْتَوْجِبُ الكَرامَةَ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وكانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ في السَماواتِ ولا في الأرْضِ إنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾ ﴿ وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ الناسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم فَإنَّ اللهُ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا ﴾ لَمّا تَوَعَّدَهم تَعالى في الآيَةِ قَبْلَها بِسُنَّةِ الأوَّلِينَ، وأنَّهُ لا يُبَدِّلُها ولا يُحَوِّلُها في الكَفَرَةِ، وقَّفَهم في هَذِهِ الآيَةِ عَلى رُؤْيَتِهِمْ لِما رَأوا مِن ذَلِكَ في طَرِيقِ الشامِ وغَيْرِهِ، كَدِيارِ ثَمُودِ ونَحْوِها، و"يُعْجِزُهُ" مَعْناهُ يَفُوتُهُ ويُفْلِتُهُ، و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، و ﴿ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾ صِفَتانِ لائِقَتانِ بِهَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّ مَعَهُما لا يَتَعَذَّرُ شَيْءٌ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الوَجْهَ في إمْهالِهِ مَن أمْهَلَ مِن عِبادِهِ، أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِأنَّ الآخِرَةَ مِن وراءِ الجَمِيعِ، وفِيها يُسْتَوْفى جَزاءُ كُلِّ أحَدٍ، ولَوْ كانَ عَزَّ وجَلَّ يُجازِي عَلى الذُنُوبِ في الدُنْيا لِأُهْلِكَ الجَمِيعَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن دابَّةٍ ﴾ مُبالَغَةٌ، والمُرادُ بَنُو آدَمَ لِأنَّهُمُ المُجازَوْنَ، وقِيلَ: المُرادُ الجِنُّ، وقِيلَ: كُلُّ ما دَبَّ مِنَ الحَيَوانِ إذْ أكْثَرُهُ إنَّما هو لِمَنفَعَةِ ابْنِ آدَمَ وبِسَبَبِهِمْ.

والضَمِيرُ في ﴿ "ظَهْرِها" ﴾ عائِدٌ عَلى الأرْضِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها، ولَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ لَأمْكَنَ في هَذا المَوْضِعِ لِبَيانِ الأمْرِ، ولَكانَتْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ  ﴾ ونَحْوِهُ، و"الأجَلُ المُسَمّى" يَوْمُ القِيامَةِ.

وباقِي الآيَةِ تَوَعُّدٌ، وفِيهِ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ فاطِرٍ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تذكير لهم عن أن يغرهم تأخير المؤاخذة فيحسبوه عجزاً أو رضى من الله بما هم فيه فهم الذين قالوا: ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمْطِرْ علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ [الأنفال: 32] فعلَّمهم أن لعذاب الله آجالاً اقتضتها حِكمتهُ، فيها رَعْي مصالح أمم آخرين، أو استبقاءُ أجيال آتين.

فالمراد ب ﴿ الناس ﴾ مجموع الأمة، وضمير «ما كسبوا» وضمير ﴿ يؤخرهم ﴾ عائد إلى ﴿ أجل ﴾ .

ونظير هذه الآية تقدم في سورة النحل إلى قوله: ﴿ فإذا جاء أجلهم ﴾ إلا أن هذه الآية جاء فيها ﴿ بما كسبوا ﴾ وهنالك جاء فيها ﴿ بظلمهم ﴾ [النحل: 61] لأن ما كسبوا يعم الظلم وغيره.

وأوثر في سورة النحل ﴿ بظلمهم ﴾ لأنها جاءت عقب تشنيع ظلم عظيم من ظلمهم وهو ظلم بناتهم المَوْءُودَات وإلا أن هنالك قال: ﴿ ما ترك عليها ﴾ [النحل: 61] وهنا ﴿ ما ترك على ظهرها ﴾ وهو تفنن تبعه المعري في قوله: وإن شئت فازعم أن مَن فوق ظهرها *** عبيدُك واستشهدْ إلهاك يَشْهَدِ والضمير للأرض هنا وهناك في البيت لأنها معلومة من المقام.

والظهر: حقيقته متن الدابة الذي يظهر منها، وهو ما يعلو الصلب من الجسد وهو مقابل البطن فأطلق على ظهر الإِنسان أيضاً وإن كان غير ظاهر لأن الذي يظهر من الإِنسان صدره وبطنه.

وظهر الأرض مستعار لبسطها الذي يستقر عليه مخلوقات الأرض تشبيهاً للأرض بالدابة المركوبة على طريقة المكنية.

ثم شاع ذلك فصار من الحقيقة.

فأما قوله هنا: ﴿ فإن اللَّه كان بعباده بصيراً ﴾ ، وقد قال هنالك ﴿ لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ﴾ [النحل: 61]، فما هنا إيماء إلى الحكمة في تأخيرهم إلى أجل مسمى.

والتقدير: فإذا جاء أجلهم آخذَهم بما كسبوا فإن الله كان بعباده بصيراً، أي عليماً في حالي التأخير ومجيء الأجل، ولهذا فقوله: ﴿ فإن اللَّه كان بعباده بصيراً ﴾ دليل جواب (إذَا) وليس هو جوابها، ولذلك كان حقيقاً بقرنه بفاء التسبب، وأما ما في سورة النحل فهو الجواب وهو تهديد بأنهم إذا جاء أجلهم وقع بهم العذاب دون إمهال.

وقوله: ﴿ فإن اللَّه كان بعباده بصيراً ﴾ هو أيضاً جواب عن سؤال مقدر أن يقال: ماذا جنت الدوابّ حتى يستأصلها الله بسبب ما كسب الناس، وكيف يهلك كل من على الأرض وفيهم المؤمنون والصالحون، فأفيد أن الله أعلم بعدله.

فأما الدواب فإنها مخلوقة لأجل الإِنسان كما قال تعالى: ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ﴾ [البقرة: 29]، فإهلاكها قد يكون إنذاراً للناس لعلهم يقلعون عن إجرامهم، وأما حال المؤمنين في حين إهلاك الكفار فالله أعلم بهم فلعل الله أن يجعل لهم طريقاً إلى النجاة كما نجّى هوداً ومن معه، ولعله إن أهلكهم أن يعوض لهم حسن الدار كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «ثم يحشرون على نياتهم».

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ﴾ يَعْنِي مِنَ الذُّنُوبِ.

﴿ ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ ﴾ قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ بِحَبْسِ المَطَرِ عَنْهم وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي جَمِيعَ الحَيَوانِ مِمّا دَبَّ ودَرَجَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، قالَ قَتادَةُ: وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ زَمانَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

الثّانِي: مِنَ الإنْسِ والجِنِّ دُونَ غَيْرِهِما لِأنَّهُما مُكَلَّفانِ بِالعَقْلِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: مِنَ النّاسِ وحْدَهم، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الأجَلُ المُسَمّى الَّذِي وعَدَهم في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ يَحْيى.

﴿ فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نُزُولُ العَذابِ.

الثّانِي: البَعْثُ في القِيامَةِ.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بَصِيرًا بِأجَلِهِمْ.

الثّانِي: بَصِيرًا بِأعْمالِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هلال أنه بلغه أن قريشاً كانت تقول: إن الله بعث منا نبياً ما كانت أمة من الأمم أطوع لخالقها، ولا أسمع لنبيها، ولا أشد تمسكاً بكتابها منا.

فأنزل الله: ﴿ لو أن عندنا ذكراً من الأولين ﴾ [ الصافات: 168] ﴿ ولو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم ﴾ [ الأنعام: 157] ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ﴾ وكانت اليهود تستفتح به على الأنصار فيقولون: إنا نجد نبياً يخرج.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ فلما جاءهم نذير ﴾ قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ ما زادهم إلا نفوراً، استكباراً في الأرض ومكر السيء ﴾ وهو الشرك ﴿ ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ﴾ أي الشرك ﴿ فهل ينظرون إلا سنة الأولين ﴾ قال: عقوبة الأولين.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ قال: قريش ﴿ ليكونن أهدى من إحدى الأمم ﴾ قال: أهل الكتاب.

وفي قوله تعالى ﴿ ومكر السيء ﴾ قال: الشرك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال: ثلاث من فعلهن لم ينج حتى ينزل به: من مكر، أو بغي، أو نكث.

ثم قرأ ﴿ ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ﴾ ﴿ يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ [ يونس: 23] ، ﴿ فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ﴾ [ الفتح: 10] .

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان عن أبي زكريا الكوفي عن رجل حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والمكر السيء فإنه ﴿ لا يحيق المكر السيء إلا بأهله ﴾ ولهم من الله طالب» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ فهل ينظرون إلا سنة الأولين ﴾ قال: هل ينظرون إلا أن يصيبهم من العذاب مثل ما أصاب الأولين من العذاب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وما كان الله ليعجزه ﴾ قال: لن يفوته.

قوله تعالى ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس ﴾ .

وأخرج الفريابي وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: ان كان الجعل ليعذب في جحره من ذنب ابن آدم، ثم قرأ ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ﴾ والله أعلم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد المشركين كفار مكة (١) ﴿ بِمَا كَسَبُوا ﴾ من الذنوب لعجل لهم العقوبة، وهو قوله: ﴿ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا ﴾ .

قال الأخفش: أضمر الأرض من غير أن يكون ذكرها؛ لأن هذا الكلام قد كثر حتى قد عرف معناه، ويقولون: ما على ظهرها أحب إلى منك، وما بها من أحد آثر عندي منك (٢) وقال الزجاج: قد جرى ذكر الأرض في قوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾ (٣) وقوله: ﴿ مِنْ دَابَّةٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين (٤) وقال الكلبي: يعني الجن والإنس خاصة (٥) قال أبو عبيدة: الدابة هاهنا الناس خاصة (٦) (٧) وسائر أهل التفسير يجعلون الدابة هاهنا عامًا في من دب على وجه الأرض، وذكرنا الكلام في هذا مستقصى في نظير هذه الآية في سورة النحل [: 61].

قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل طاعته وأهل معصية (٨) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 105 أ، ولم أقف عليه عن ابن عباس.

(٢) انظر: "معاني القرآن" 2/ 487.

(٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 276.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 479، "تفسير القرطبي" 14/ 391.

(٦) "مجاز القرآن" 2/ 156.

(٧) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 276.

(٨) انظر: "الوسيط" 3/ 508، "تفسير البغوي" 3/ 575.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ ﴾ الضمير للأرض والدابة عموم في كل ما يدب وقيل: أراد بني آدم خاصة ﴿ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ يعني يوم القيامة وباقي الآية وعد ووعيد.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يدخلونها ﴾ مجهولاً: ابو عمرو و ﴿ يجزي ﴾ مجهولاً غائباً كل بالرفع: أبو عمرو.

الباقون: بالنون مبيناً للفاعل كل بالنصب و ﴿ مكر السيء ﴾ بهمزة ساكنة: حمزة استثقالاً للحركات، وحمله النحويون على الاختلاس، وإذا وقف يبدل من الهمزة ياء ساكنة.

الوقوف: ﴿ ماء ﴾ ج للعدول ﴿ ألوانها ﴾ الأولى ج ﴿ سود ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط ﴿ العلماء ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ لن تبور ﴾ ه ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ يديه ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ عبادنا ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ مقتصد ﴾ ج تفصيلاً بين الجمل مع النسق ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ط لأن ما بعده مبتدأ لا بدل ﴿ ولؤلؤاً ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ حرير ﴾ ه ﴿ الحزن ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ فضله ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ لغوب ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ج لمثل ما قلنا ﴿ عذابها ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ج لاحتمال الواو الحال ﴿ فيها ﴾ ج للقول المحذوف ﴿ كنا نعمل ﴾ ط ﴿ النذير ﴾ ه ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ كفره ﴾ ط ﴿ مقتاً ﴾ ج وان اتفقت الجملتان ولكن لتكرار الفعل وتصريح الفاعل والمفعول في الثانية ﴿ خساراً ﴾ ه ﴿ دون الله ﴾ ط ﴿ السموات ﴾ ج لاحتمال أن "أم" منقطعة ﴿ منه ﴾ ج ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ تزولا ﴾ ج لابتداء ما في معنى القسم مع الواو ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ الأمم ﴾ ج ﴿ نفوراً ﴾ ه لا ﴿ ومكر السيء ﴾ ط ﴿ بأهله ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ج لانتهاء الاستفهام مع اتصال الفاء ﴿ تبديلاً ﴾ هج ﴿ تحويلاً ﴾ ه ﴿ قوة ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ج ﴿ بصيراً ﴾ ه.

التفسير: لما بين دلائل الوحداينة بطريق الإخبار ذكر دليلاً آخر بطريق الاستخبار لأن الشيء إذا كان خفياً ولا يراه من بحضرتك كان معذوراً، أما إذا كان بارزاً مكشوفاً فإنك تقول: أما تراه.

والمخاطب إما كل أحد أو النبي  لأن السيد إذا نصح بعض العباد ولم ينفعهم الإرشاد قال لغيره.

اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر معه ما ذكره مع الأول.

والالتفات في ﴿ فأخرجنا ﴾ لأن نزول الماء يمكن أن يقال: إنه بالطبع ولكن الإخراج لا يمكن إلا بإرادة الله.

وأيضاً الإخراج أتم نعمة من الإنزال لأن إنزال المطر لفائدة الإخراج.

واختلاف ألوان الثمرات اختلاف" أصنافها أو هيئاتها، والجدد الخطط، والطرائق "فعلة" بمعنى "مفعول" والجد القطع.

قال جار الله: لا بدّ من تقدير مضاف أي ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر مختلف ألوانها في البياض والحمرة، لأن الأبيض قد يكون على لون الجص وقد يكون أدنى من ذلك، وكذلك الحمرة.

والغرابيب تأكيد للسود إلا أنه أضمر المؤكد أوّلاً ثم أظهر ثانياً على طريقة قوله: والمؤمن العائذات الطير *** وإنما لم يتصوّر اختلاف الألوان ههنا لأن السواد إذا كان في الغاية لم يكن بعدها لون.

يقال: أسود غربيب للذي أبعد في السواد وأغرب فيه ومنه الغراب.

ويمكن أن يقال: إن المختلف صفة الحمر فقط.

وحين فرغ من دلائل النبات وما يشبه المعادن شرع في الاستدلال بالحيوان، وقدّم الإنسان لشرفه، ثم ذكر الدواب على العموم، ثم خصص الأنعام، أو أراد بالدابة الفرس فجعله لشرفه رديف الإنسان.

وقوله ﴿ مختلف ﴾ اي بعض مختلف ﴿ ألوانه ﴾ وذكر الضمير تغليباً للإنسان أو نظراً إلى البعض.

وقوله ﴿ كذلك ﴾ أي كاختلاف الجبال والثمرات، وفيه ن هذه الأجناس كما أنها في أنفسها دلائل فهي باختلافها أيضاً دلائل.

وحين خاطب نبيه بقوله ﴿ ألم تر ﴾ بمعنى ألم تعلم أتبعه قوله ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ كأنه قال: إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك ممن نظر في دلائله فعرفه حق معرفته، أو أراد أن يعرّفه كنه معرفته لأن الخشية على حسب العلم بنعوت كماله وصفات جلاله.

وفي الحديث "أعلمكم بالله أشدّكم خشية له" وفائدة تقديم المفعول أن يعلم أن الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، ولو أخر المفعول كان معنى صحيحاً وهو أنهم لا يخشون أحداً إلا الله إلا أن ذلك غير مراد ههنا.

وعن عمر بن عبد العزيز ويحكى عن أبي حنيفة قرءا برفع الله ونصب العلماء فتكون الخشية مستعارة للتعظيم اي لا يعظم الله ولا يجل من الرجال إلا العلماء به.

ثم بين السبب الباعث على الخشية بقوله ﴿ إن الله عزيز غفور ﴾ فالعزة توجب الخوف من أليم عقابه والمغفرة توجب الطمع في نعيمه وثوابه، وفيه أن خوف المؤمن ينبغي أن يكون مخلوطاً برجائه.

ثم مدح العالمين العاملين بقوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ الآية.

قال أهل التحقيق: قوله ﴿ إنما يخشى الله ﴾ إشارة إلى عمل القلب، وقوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ أي يداومون على التلاوة إشارة إلى عمل اللسان.

وقوله ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ إشارة إلى عمل الجوارح، والكل أقسام التعظيم لأمر الله.

ثم اشار إلى الشفقة على خلق الله بقوله ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم ﴾ وقوله ﴿ يرجون ﴾ وهو خبر "إن" إشارة إلى الإخلاص في العقائد والأعمال أي نفقون من الأموال لا ليقال إنه كريم أو لغرض آخر بل لتجارة لا كساد فيها ولا بوار وهي طلب مرضاة الله.؟

وقوله ﴿ ليوفيهم ﴾ متعلق بـ ﴿ لن تبور ﴾ أي تنفق عند الله ليوفيهم بنفاقها عنده أجورهم.

وجوّز جار الله أن يجعل ﴿ يرجون ﴾ في موضع الحال واللام متعلق بالأفعال المتقدّمة اي فعلوا جميع ما ذكر من التلاوة والإقامة والإنفاق لغرض التوفية.

وخبر "إن" قوله ﴿ إنه غفور ﴾ لهم ﴿ شكور ﴾ لأعمالهم.

وحين ذكر دلائل الوحدانية أتبعه بيان الرسالة وذكر حقيقة الكتاب المتلوّ والكتاب للجنس فـ "من" للتبعيض أو هو القرآن، و"من" للتبيين أو هو اللوح المحفوظ و"من" للابتداء وقد مرّ في البقرة أن قوله ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة.

وفي قوله ﴿ إن الله بعباده لخبير بصير ﴾ تقرير لكونه حقاً لأن الذي يكون عالماً بالبواطن والظواهر لم يمكن أن يكون في كلامه شوب باطل.

وفيه لم يختر محمداً للرسالة جزافاً وعلى سبيل الاتفاق ولكنه أعلم حيث يجعل رسالته.

قوله ﴿ ثم أورثنا الكتاب ﴾ زعم جمع من المفسرين أن الكتاب للجنس بدليل قوله فيما قبل ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر ﴾ والإيراث الإعطاء، والمصطفون من عبيده هم الأنبياء كأنه قال: علمنا البواطن وابصرنا الظواهر فاصطفينا عباداً ثم أورثناهم الكتاب.

وعلى هذا فالمراد بالظلم على النفس وضع الشيء في غير موضعه وإن كان بترك الأولى ومنه قول ابينا آدم ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ وقول يونس ﴿ إني كنت من الظالمين  ﴾ وإذا كان الظلم بهذا المعنى جائزاً عليهم فالاقتصاد أولى.

ويجوز أن يعود الضمير في قوله ﴿ فمنهم ﴾ إلى الأمة كأنه قيل: إن الذي أوحينا إليك هو الحق وأنت المصطفى كما اصطفينا رسلنا، وآتيناهم كتباً فمن قومك ظالم كفر بك وبما أنزل إليك، ومقتصد آمن به ولم يأتِ بجميع ما أمر به، وسابق آمن وعمل صالحاً.

وقال أكثرهم: إنه القرآن والإيراث الحكم بالتوريث أو هو على عادة إخبار الله في التعبير عن المستقبل بالماضي لتحققه أي نريد أن نورثه.

والمصطفون هم الصحابة والتابعون ومن بعدهم إلى يوم القيامة كقوله ﴿ كنتم خير أمة  ﴾ ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا  ﴾ وعلى هذا ففي تفسير المراتب الثلاثة أقوال أحدها: الظالم الراجح السيئات، والمقتصد المتساوي الحسنات والسيئات، والسابق راجح الحسنات.

ثانيها الظالم من ظاهره خير من باطنه، والمقتصد المتساوي، والسابق من باطنه خير.

ثالثها: الظالم صاحب الكبيرة، والمقتصد صاحب الصغيرة، والسابق المعصوم.

رابعها: عن علي  : الظالم أنا، والمقتصد أنا، والسابق أنا.

فقيل له: كيف ذاك؟

قال: أنا ظالم بمعصيتي، ومقتصد بتوبتي، وسابق بمحبتي.

خامسها: الظالم التالي للقرآن غير العالم به ولا العامل بموجبه، والمقتصد التالي العالم غير العامل، والسابق التالي العامل سادسها: الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلم، والسابق العالم.

سابعها: الظالم من يحاسب فيدخل النار وهو أصحاب المشأمة، والمقتصد من يحاسب فيدخل الجنة وهو اصحاب الميمنة، والسابق من يدخل الجنة بغير حساب، ثامنها: الظالم من خالف أوامر الله وارتكب مناهيه فإنه واضع للتكليف في غير موضعه، والمقتصد هو المجتهد في أداء التكاليف وإن لم يوفق لذلك فإنه قصد الحق واجتهد، والسابق هو الذي لم يخالف تكاليف الله بتوفيقه دليله قوله في الأخير ﴿ بإذن الله ﴾ وذلك أنه إذا وقع الخير في نفسه سبق إليه قبل تسويل النفس، والمقتصد يقع في قلبه فتردّده النفس، والظالم تغلبه النفس.

وبعبارة أخرى من غلبته النفس الأمارة وأمرته فأطاعها ظالم، ومن جاهد نفسه فغلبته تارة غلب أخرى فهو المقتصد صاحب النفس اللوامة، ومن قهر نفسه فهو السابق.

وفي تقديم الظالم ثم المقتصد إيذان بأن المقتصدين أكثر من السابقين والظالمون أكثر الأقسام كما قال ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من التوفيق أو من السبق بالخيرات أو من الإيراث ﴿ هو الفضل الكبير ﴾ قال جار الله: أبدل قوله ﴿ جنات عدن ﴾ من الفضل لأنها مسببة عنه وكأنها هو.

قلت: ويمكن أن يقال ﴿ جنات عدن ﴾ مبتدأ لأنها معرفة بدليل قوله ﴿ جنات عدن التي وعد الرحمن  ﴾ ولئن سلم أنها نكرة فليكن ﴿ يدخلونها ﴾ صفة له وخبرها ﴿ يحلون ﴾ ثم إن ضمير ﴿ يدخلون ﴾ إن عاد إلى التالين لكتاب الله أو إلى السابقين فلا إشكال؛ فالظالم يدخل النار والمقتصد يكون أمره موقوفاً كقوله ﴿ وآخرون مرجون لأمر الله  ﴾ أو كقوله ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ وإن عاد إلى الفرق الثلاث فبشرط العفو أو بشرط التوبة، وقد يروى عن رسول الله  : "سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له" وفي تقديم ﴿ جنات عدن ﴾ وبناء الكلام عليها دون أن يقول "يدخلون جنات عدن" إيذان بأن الاهتمام بشأنها أكثر فإن نظر السامع على المدخول فيه لا على نفس الدخول.

وقد مرت العبارة الأصلية في سورة الحج في قوله ﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات  ﴾ إلى قوله ﴿ حرير  ﴾ وتغيير العبارة في هذا المقام لمزيد هذه الفائدة والله أعلم.

وفي قوله ﴿ يحلون فيها ﴾ إشارة إلى سرعة الدخول فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيراً للدخول.

وفي تحليتهم بالسوار إشارة إلى أمرين: أحدهما الترفه والتنعم، الثاني أنهم لا يحتاجون فيها إلى عمل من الصبخ وتهيئة سائر الأسباب.

قال جار الله: أي يحلون بعض أساور من ذهب كأنه بعض سابق لسائر الأبعاض كما سبق المسوّرون به غيرهم، والذهب واللؤلؤ إشارة إلى النوعين اللذين منهما الحليّ.

وقيل: إن ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ، والحزن للجنس فيعم كل حزن من أحزان الدنيا والدين كما روي عن رسول الله  "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في محشرهم وكأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" وقد خصه جمع من المفسرين بخوف سوء العاقبة أو بحزن الآفات أو بحزن الموت أو بهمّ المعاش حتى قال بعضهم: كراء الدار والتعميم أولى.

والمقامة بمعنى الإقامة والفضل التفضل.

وعند المعتزلة العطاء لأن الثواب أجر مستحق واجب عندهم.

والنصب التعب والمشقة التي تصيب المزاول للأمر المنتصب له.

واللغوب ما يلحقه من الفتور والكلال بعد ذلك قاله جار الله.

وقال غيره: إن الذي يباشر عملاً من الأعمال لا يظهر عليه الإعياء إلا بعد أن يستريح، فالمراد أنهم لايخرجون من الجنة إلى موضع يتعبون بسبب ذلك ثم يلحقهم الإعياء بعد الرجوع.

ثم عطف قوله ﴿ والذين كفروا ﴾ على قوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ وقوله ﴿ فيموتوا ﴾ جواب للنفي والتقدير لا يقضي عليهم بالموت فيستريحوا و ﴿ يصطرخون ﴾ يفتعلون من الصراخ وهو الصياح بجهد وشدّة كشأن المستغيث.

وفائدة قوله ﴿ غير الذي كنا نعمل ﴾ زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح، أو المراد نعمل صالحاً غير الذي كنا نحسبه صالحاً لأنهم كانوا يحسبون أنهم يحسنون.

وفيه إشارة إلى أنهم في الآخرة أيضاً ضالون لم يهدهم الله في الآخرة كما لم يهدهم في الدنيا، ولو كانوا مهتدين لقالوا: ربنا زدت للمحسنين حسنات بفضلك لا بعملهم ونحن أحوج إلى تخفيف العذاب منهم إلى تضعيف الثواب فافعل بنا ما أنت أهله نظراً إلى فضلك، ولا تفعل بنا ما نحن أهله نظراً إلى عدلك، وانظر إلى مغفرتك الهاطلة ولا تنظر إلى معذرتنا الباطلة.

وهذا بخلاف حال المؤمن هداه في العقبى كما هداه في الدنيا حتى دعاه بأقرب دعاء إلى الإجابة، وأثنى عليه بأطيب ثناء عند الإنابة فقالوا ﴿ الحمد لله ﴾ وقالوا ﴿ إن ربنا لغفور ﴾ اعترافاً بتقصيرهم ﴿ شكور ﴾ إقراراً بوصول ما لم يخطر ببالهم إليهم وأحالوا الكل إلى فضله تصريحاً بأنه لا عمل لهم بالنسبة إلى بحار نعمه.

قوله ﴿ أولم نعمركم ﴾ استفهام فيه توبيخ وإفحام وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه إلا أن التوبيخ في العمر الطويل أعظم.

عن النبي  "العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة" وروي "من جاوز الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار" وعن مجاهد: ما بين العشرين إلى الستين.

وقيل: ثماني عشرة وسبع عشرة.

وقوله ﴿ وجاءكم ﴾ معطوف على المعنى كأنه قيل: قد عمرناكم وجاءكم ﴿ النذير ﴾ وهو النبي  .

وقيل: الشيب.

فبين بالجملتين أن القابل موجود والفاعل حاصل، فالعذر غير مقبول ﴿ فذوقوا ﴾ العذاب ﴿ فما للظالمين ﴾ الذين وضعوا أعمالهم في غير موضعها وأتوا بالمعذرة في غير وقتها ﴿ من نصير ﴾ نفى الأنصار والناصرين في آخر "آل عمران" وفي "الروم" ووحد ههنا كأنهم في النار قد أيسوا من كثير ممن كانوا يتوقعون منهم النصرة إلا من نصير واحد وهو الله  .

ثم كان لسائل أن يسأل: ما بال الكافر يعذب ابداً وإنه ما كفر إلا أياماً معدودة فلا جرم قال ﴿ إن الله عالم غيب السموات والأرض ﴾ فكان يعلم من الكافر أن الكفر قد تمكن في قلبه بحيث لو دام إلى الأبد لما أطاع الله ولا عبده.

وذات الصدور صواحباتها من الظنون والعقائد فذو موضوع لمعنى الصحبة، فالصدور ذات العقائد والعقائد ذات الصدور باعتبار أنها تصحبها.

وحين ذكرهم بما مر من أنه سوف يوبخهم بالتعمير وإيتاء العقول وإرسال من يؤيد المعقول بالمنقول وعظهم بأنه ﴿ هو الذي جعلكم ﴾ وفقد العاطف هنا خلاف ما في آخر "الأنعام" للعدول عن خطاب أهل الآخرة إلى خطاب أهل الدنيا.

وقال ههنا ﴿ خلائف في الأرض ﴾ بزيادة "في" المفيدة لتمكن المظروف في الظرف لأجل المبالغة والترقي من الأدنى إلى الأعلى كأنه قيل: أمهلتهم وعمرتم وأمرتم على لسان الرسل بما أمرتم وجعلتم خلفاء الهالكين الماضين فأصبحتم بحالهم راضين ﴿ فمن كفر ﴾ بعد هذا كله ﴿ فعليه ﴾ وبال ﴿ كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً ﴾ لأن الكافر السابق ممقوت واللاحق الذي أنذروه الرسول ولم ينتبه أمقت لأنه رأى عذاب من تقدّمه ولم يتنبه ﴿ ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا ﴾ فإن العمر كرأس مال من اشترى به رضا الله ربح ومن اشترى به سخطه خسر.

ثم وبخ أهل الشرك بقوله ﴿ قل أرأيتم ﴾ وأبدل منه ﴿ أروني ﴾ كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء، أروني أيّ جزء من أجزاء الأرض استبدّوا بخلقه ﴿ أم لهم ﴾ مع الله ﴿ شرك في ﴾ خلق ﴿ السموات ﴾ أم معهم أو مع عابديهم كتاب من عند الله فهم على برهان من ذلك الكتاب.

والإضافة في ﴿ شركائكم ﴾ لملابسة العبادة، أو المراد كونهم شركاءهم في النار كقوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ ﴿ بل إن يعد الظالمون بعضهم ﴾ وهم الرؤساء ﴿ بعضاً ﴾ وهم الأتباع ﴿ إلا غروراً ﴾ وهو قولهم ﴿ هؤلاء شفعاؤنا  ﴾ وحين بين عجز الأصنام أراد أن يبين كمال القدرة فقال ﴿ إن الله يمسك السموات والأرض ﴾ أي يمنعهما من ﴿ أن تزولاً ﴾ أو كراهة زوالهما عن مقرهما ومركزهما، ولو فرض زوالهما بأمر الله فلن يمسكهما أحد من بعد زوالهما أو من بعد الله.

وقيل: أراد أنهما كانتا جديرتين بأن تهدّ هدّاً لعظم كلمة الشرك كقوله ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه  ﴾ يؤيد هذا الوجه قوله ﴿ إنه كان حليماً ﴾ غير معاجل بالعقوبة ﴿ غفوراً ﴾ لمن تاب من الشرك.

قال المفسرون: بلغ قريشاً قبل مبعث رسول الله أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم رسلهم فكذبوا فوالله لئن أتانا رسول لكنا أهدى.

وزيف هذا النقل بأن المشركين كانوا منكرين للرسالة والحشر فكيف اعترفوا بأن اليهود والنصارى جاءهم رسل.

سلمنا لكنهم كيف عرفوا تكذيب اليهود وتحريفهم ولم يأتهم رسول ولا كتاب؟

فالوجه الصحيح في سبب النزول أنهم كانوا يقولون: لو جاءنا رسول لم ننكره وإنما ينكرون كون محمد  رسولاً لأنه كاذب، ولو صح كونه رسولاً لآمنا.

وقوله ﴿ من إحدى الأمم ﴾ ليس للتفضيل بل المراد أنا نكون أهدى مما نحن عليه ونكون من إحدى الأمم كقولك: زيد من المسلمين.

أو هو للتفضيل والأمم لتعريف العهد أي أمة محمد وموسى وعيسى عليهم السلام، أو للعموم أي أهدى من ايّ أمة تفرض ويقال فيها إحدى الأمم تفضيلاً لها على غيرها في الهدى والاستقامة.

﴿ فلما جاءهم نذير ﴾ هو محمد  الذي صح لهم نذارته بالمعجزات الباهرة ﴿ ما زادهم ﴾ هو أو مجيئه ﴿ إلا نفوراً ﴾ كأنه صار سبباً في نفارهم عن الحق عناداً وكبراً فانتصب ﴿ استكباراً ﴾ على أنه مفعول لأجله أو حل ويجوز أن يون بدلاً من ﴿ نفوراً ﴾ وقوله ﴿ ومكر ﴾ من إضافة المصدر إلى صفة معموله أصله وأن مكروا السيء أي المكر السيء، والمكر هو مكرهم بالنبي  من الهّم بالقتل والإخراج وقد حاق بهم يوم بدر، أو هو عام وعاقبة الماكر وخيمة يصل إليه جزاؤه عاجلاً أو آجلاً.

عن النبي  "لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً فإن الله يقول ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله" .

وفي أمثالهم "من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكباً".

وفي قوله ﴿ بأهله ﴾ دون أن يقول "إلا بالماكر إشارة إلى أن الرضا بالمكر والإعانة عليه كهو فيندرج صاحبه في زمرة أهل المكر.

وقوله ﴿ سنة الأوّلين ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول.

وقوله ﴿ سنة الله ﴾ من إضافته إلى الفاعل والمراد بها إنزال العذاب على أمثالهم من مكذبي الرسل، جعل استقبالهم لذلك واستعجالهم إياه انتظاراً له منهم.

والتبديل تغيير الصورة مع بقاء المادة، والتحويل نقل الشيء من مكان إلى مكان آخر.

خص هذه السورة بالجمع بين الوصفين لأن كثيراً من أحوال الكفرة جاءت ههنا مثناة كقوله ﴿ ولا يزيد الكافرين ﴾ إلى قوله ﴿ إلا خساراً ﴾ وكقوله ﴿ إلا نفوراً استكباراً في الأرض ومكر السيء ﴾ ويحتمل أن يريد بسنة الأوّلين استمرارهم على الإنكار كأنه قال: أنتم تريدون الإتيان بسنة الأوّلين والله يأتي بسنة لا تبدل.

العذاب المعلوم بنوع آخر ولا تحوّله عن مستحقيه إلى من لا يستحقه.

ثم أمرهم بالسير وذكرهم ما رأوه في مسايرهم ومتاجرهم إلى الشام والعراق واليمن من آثار الهالكين الأقدمين مع وفور قوّتهم وكثرة شوكتهم.

ثم بين كمال علمه ونهاية قدرته على اتصال أصناف الاستحقاقات بقوله ﴿ وما كان الله ليعجزه ﴾ أي ليسبقه ويفوته شيء.

ثم ختم السورة بما يدل على غاية حلمه وهو أنه لا يؤاخذ الناس بكل جرم ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو القيامة وهو يومئذ أعلم بأحوالهم علماً عيانياً فيجزي كلاً بحسب علمه، وقد مر مثل الآية في سورة النحل.

وقيل: الأجل هو يوم لا يوجد في الخلق من يؤمن أو حين يجتمع الناس على الضلال والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ .

هو قسمهم بالله، ومعناه - والله أعلم -: أن العرب كانت من عادتهم أنهم كانوا يحلفون بالآباء والطواغيت، لا يحلفون بالله إلا فيما عظم أمره، وجل قدره؛ تأكيدا لذلك الأمر؛ لذلك كان قسمهم بالله جهد أيمانهم، وقد ذكرنا معنى جهد الأيمان فيما تقدم.

وقوله: ﴿ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ ﴾ قيل: رسول ﴿ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ ﴾ .

فيه دلالة: أنهم قد وقعت لهم الحاجة، ومستهم الضرورة إلى رسول يبين لهم أمر الدين ومصالحهم، وما لهم، وما عليهم، حيث أقسموا وعهدوا أنه لو جاءهم نذير لاتبعوه واقتدوا به، ثم تركهم لذلك العهد؛ لما لم يروه أهلا لذلك؛ لما كان هو دونهم في أمر الدنيا؛ استكباراً منهم عليه؛ ولذلك قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ وإن تركوا أتباعهم نقضوا عهدهم لما رأوا مذاهب الناس مختلفة، فظنوا أن الاختلاف يرفع من بينهم به، فإن لم يرتفع تركوا اتباعه، أو لمعنى آخر لا نعلمه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ ﴾ .

قال بعضهم: يعنون: اليهود والنصارى.

وجائز أن يكونوا أرادوا بذلك الأمم جميعاً، لكنهم لم يروا الحق إلا لواحدة منها، فقالوا: ﴿ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ﴾ : استكباراً في الأرض لما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَمَكْرَ ٱلسَّيِّىءِ ﴾ .

يحتمل مكرهم: ما مكروا هم برسول الله من أنواع المكر حين هموا بقتله وإخراجه؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 30].

ويحتمل أيضاً أنه لما خرج ودعا الناس إلى توحيد الله، أقعدوا على الطرق والمراصد ناساً يقولون لمن قصد رسول الله: إنه ساحر، وإنه كذاب، وإنه مجنون؛ يصدون الناس بذلك عنه، فذلك كيدهم ومكرهم به، وقد كان منهم برسول الله من أنواع المكر سوى ذلك مما لا يحصى.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ ﴾ .

هو في الدنيا من أنواع العذاب والقتل الذي نزل بهم، ويحتمل أن يكون ذلك في الآخرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .

قال بعضهم: ما ينظرون إلا سنته في الأولين، وسنته في الأولين الاستئصال والإهلاك عند العناد والمكابرة.

وقال بعضهم: ما ينظرون بإيمانهم إلا سنة الأولين: الإيمان عند معاينتهم العذاب، وإن كان لا يقبل ولا ينفعهم ذلك؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ...

﴾ الآية [غافر: 84].

وقوله: ﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً ﴾ .

هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: ﴿ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ ﴾ : وهي الاستئصال عند العناد والمكابرة ﴿ تَحْوِيلاً ﴾ وإن اختلفت جهة الهلاك والاستئصال، كقوله: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ لا شك أن نفس القول منهم مختلف في الكفر وسببه متفرق، ثم أخبر أن قول هؤلاء ضاهى قول أولئك، وشابهت قلوب بعض بعضاً، وإن كان سبب ذلك وجهة الكفر مختلفاً؛ فعلى ذلك سنته لا تحول ولا تبدّل وهي الاستئصال، وإن كان جهة ذلك وسببه مختلفاً.

والثاني: ﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ ﴾ التي سن فيهم وحكم مدفعاً ولا رادّاً، أي: لن يجدوا إلى دفع ما سنّ فيهم وحكم من العذاب والهلاك [دافعاً] ولا رادّاً؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً  ﴾ .

والثالث: ﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ ﴾ وهي إيمانهم الذي يؤمنون عند معاينتهم العذاب وعند نزوله بهم ﴿ تَحْوِيلاً ﴾ و ﴿ تَبْدِيلاً ﴾ ، أي: يؤمنون لا محالة ولكن لا ينفعهم ذلك في ذلك الوقت.

والرابع: أن كل سنّة سنها في كل قوم وكل أمة وإن اختلفت، لن تجد لذلك تحويلا ولا تبديلا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .

هذا يخرج على وجوه: أحدها: قد ساروا في الأرض، ونظروا إلى ما حل بأولئك بالتكذيب والعناد، لكن لم يتعظوا بهم، ولم ينفعهم ذلك.

والثاني: على الأمر: أن سيروا في الأرض، وانظروا ما الذي نزل بأولئك؟

ومم نزل؟

واتعظوا بهم، وامتنعوا عن مثل صنيعهم.

والثالث: أنهم وإن ساروا في الأرض ونظروا في آثارهم لم ينفعهم ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ .

أي: أنهم كانوا أكثر عدداً وأشد قوة وبطشاً منكم، ثم لم يكن لهم دفع ما نزل بهم وحل، فأنتم يا أهل مكة مع قلة عددكم وضعفكم لا تقدرون على دفع ذلك عن أنفسكم.

وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

الإعجاز في الشاهد يكون بوجهين: أحدهما: الامتناع؛ يقول: لا يقدر أحد أن يمتنع عنه ومن عذابه.

والثاني: القهر والغلبة؛ يقول: لا يسبق منه بالقهر والغلبة، بل هو القاهر والغالب على خلقه ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ ﴾ : من المعاصي والمساوي، ﴿ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ ﴾ ، أي: على ظهر الأرض، ووجهه: اكتفاء بما سبق من ذكر الأرض، وهو قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ  ﴾ .

أو علم الناس وفهموا من ذكر الظهر: ظهر الأرض؛ لما على ظهر الأرض يكتسب ما يكتسب.

ثم قوله: ﴿ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ ﴾ قال بعضهم: المراد بالدابة: الممتحنون المميزون وهم بنو آدم خاصة؛ لأنهم أهل اكتساب واجتراح؛ إذ قد ذكر الإهلاك بما يكتسبون، وهم أهل الاكتساب دون غيرهم من الدواب.

وقال بعضهم: كل دابة من البشر وغيره؛ لأن غيره من الدواب إنما أنشئت للبشر ولحوائجهم لا لحاجة أنفسها أو لمنفعة لها حيث قال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ  ﴾ ، فإذا كان غيرهم من الأشياء منشأة لهم، فإذا أهلكوا هم أهلك ما كان منشأ لحوائجهم ولمنافعهم، ولا يكون إهلاك ما ذكرنا من الدواب خروجاً عن الحكمة [على] ما يقول الثنوية؛ إذ ليس من فعل الحكيم الأمر بذبح أسلم الدواب والانتفاع بلحمها.

قيل: هكذا إذا كانت تلك منشأة لأنفسها ولمنافعها، فأما إذا كان ما ذكرنا أنها منشأة لنا ولمنافعنا فجائز الانتفاع بها مرة بعينها ومرة بلحمها، ولا يكون فعل ذلك ولا الأمر به غير حكمة.

ثم الفرق بين إباحة الانتفاع بلحم أسلم الدواب وحظر لحم الضارة منها والمضرة، لأنه جعل حفظ ما ليس بضار ولا مضر إلينا، وعلينا جعل مؤنتها والذب عنها ودفع المضر، فأما الضارة منها والمضرة فهي ممتنعة بنفسها متحملة مؤنتها؛ كذلك كان ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ .

أي: لم يؤاخذهم بما كسبوا على ظهرها لما جعل لهم من المدة؛ أحب أن ينقضي ذلك، ويفي بما جعل لهم من المدة وما ضرب لهم من الوقت.

﴿ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً ﴾ .

أي: عن بصيرة وعلم بكسبهم وصنيعهم، وما يكون منهم ضرب لهم المدة والوقت الذي ينتهون إليه، ويبلغون آجالهم، لا عن جهل، بل لم يزل عالماً بما يكون منهم، لكن لما كان ضرر ذلك الذي علم أنه يكون منهم راجعاً إليهم أنشأهم وجعل لهم المدة، وقد ذكرنا هذا في غير موضع، والله أعلم.

قال القتبي: أساور: جمع سوار، وهو الذي تجعله المرأة في معصمها، والنصب: الشدة والتعب، واللغوب: الإعياء، لغبت بنفسي ألغب لغوبا، فأنا لاغب، وألغبت غيري، أي: كلفته حتى أعياه؛ وهو قول أبي عوسجة، والاصطراخ: صياح الضجر، والمقت: البغض.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولو يعجل الله العقوبة للناس بما عملوه من المعاصي، وما ارتكبوه من الآثام، لأهلك جميع أهل الأرض في الحال وما يملكون من دواب وأموال، ولكنه سبحانه يؤخرهم إلى أجل محدد في علمه وهو يوم القيامة، فإذا جاء يوم القيامة فإن الله كان بعباده بصيرًا لا يخفى عليه منهم شيء، فيجازيهم على أعمالهم؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.

مزيد من التفاسير لسورة فاطر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل