الآية ٦٥ من سورة يس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 36 يس > الآية ٦٥ من سورة يس

ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ٦٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 95 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٥ من سورة يس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٥ من سورة يس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ) : هذا حال الكفار والمنافقين يوم القيامة ، حين ينكرون ما اجترموه في الدنيا ، ويحلفون ما فعلوه ، فيختم الله على أفواههم ، ويستنطق جوارحهم بما عملت .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن أبي شيبة ، حدثنا منجاب بن الحارث التميمي ، حدثنا أبو عامر الأسدي ، حدثنا سفيان ، عن عبيد المكتب ، عن الفضيل بن عمرو ، عن الشعبي ، عن أنس بن مالك قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فضحك حتى بدت نواجذه ، ثم قال : " أتدرون مم أضحك ؟

" قلنا : الله ورسوله أعلم .

قال : " من مجادلة العبد ربه يوم القيامة ، يقول : رب ألم تجرني من الظلم ؟

فيقول : بلى .

فيقول : لا أجيز علي إلا شاهدا من نفسي .

فيقول كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ، وبالكرام الكاتبين شهودا .

فيختم على فيه ، ويقال لأركانه : انطقي .

فتنطق بعمله ، ثم يخلى بينه وبين الكلام ، فيقول : بعدا لكن وسحقا ، فعنكن كنت أناضل " .

وقد رواه مسلم والنسائي ، كلاهما عن أبي بكر بن أبي النضر ، عن أبي النضر ، عن عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي ، عن سفيان - هو الثوري - به .

ثم قال النسائي : [ لا أعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان غير الأشجعي ، وهو حديث غريب ، والله تعالى أعلم .

كذا قال ، وقد تقدم من رواية أبي عامر عبد الملك بن عمرو الأسدي - وهو العقدي - عن سفيان .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنكم تدعون مفدمة أفواهكم بالفدام ، فأول ما يسأل عن أحدكم فخذه وكتفه " .

رواه النسائي ] عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق ، به .

وقال سفيان بن عيينة ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث القيامة الطويل ، قال فيه : " ثم يلقى الثالث فيقول : ما أنت ؟

فيقول : أنا عبدك ، آمنت بك وبنبيك وبكتابك ، وصمت وصليت وتصدقت - ويثني بخير ما استطاع - قال : فيقال له : ألا نبعث عليك شاهدنا ؟

قال : فيفكر في نفسه ، من الذي يشهد عليه ، فيختم على فيه ، ويقال لفخذه : انطقي .

فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل ، وذلك المنافق ، وذلك ليعذر من نفسه .

وذلك الذي سخط الله عليه " .

ورواه مسلم وأبو داود ، من حديث سفيان بن عيينة ، به بطوله .

ثم قال ابن أبي حاتم ، رحمه الله : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، حدثنا ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد ، عن عقبة بن عامر ; أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه ، فخذه من الرجل اليسرى " .

.

ورواه ابن جرير عن محمد بن عوف ، عن عبد الله بن المبارك ، عن إسماعيل بن عياش ، به مثله .

وقد جود إسناده الإمام أحمد ، رحمه الله ، فقال : حدثنا الحكم بن نافع ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد الحضرمي ، عمن حدثه عن عقبة بن عامر ; أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه ، فخذه من الرجل الشمال " .

وقال ابن جرير : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، حدثنا يونس بن عبيد ، عن حميد بن هلال قال : قال أبو بردة : قال أبو موسى هو الأشعري ، رضي الله عنه - : يدعى المؤمن للحساب يوم القيامة ، فيعرض عليه ربه عمله فيما بينه وبينه ، فيعترف فيقول : نعم أي رب ، عملت عملت عملت .

قال : فيغفر الله له ذنوبه ، ويستره منها .

قال : فما على الأرض خليقة ترى من تلك الذنوب شيئا ، وتبدو حسناته ، فود أن الناس كلهم يرونها ، ويدعى الكافر والمنافق للحساب ، فيعرض ربه عليه عمله ، فيجحد فيقول : أي رب ، وعزتك لقد كتب علي هذا الملك ما لم أعمل .

فيقول له الملك : أما عملت كذا ، في يوم كذا ، في مكان كذا ؟

فيقول : لا وعزتك أي رب ما عملته .

فإذا فعل ذلك ختم على فيه .

قال أبو موسى الأشعري : فإني أحسب أول ما ينطق منه الفخذ اليمنى ، ثم تلا ( اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65) يعني تعالى ذكره بقوله ( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ ) : اليوم نطبع على أفواه المشركين، وذلك يوم القيامة ( وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ ) بما عملوا في الدنيا من معاصي الله ( وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ ) قيل: إن الذي ينطق من أرجلهم: أفخاذهم من الرجل اليُسرى ( بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) في الدنيا من الآثام.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: ثنا يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال، قال: قال أبو بردة: قال أبو موسى: يدعى المؤمن للحساب يوم القيامة، فيعرض عليه ربُّه عمله فيما بينه وبينه، فيعترف فيقول: نعم أي رب عملت عملت عملت، قال: فيغفر الله له ذنوبه، ويستره منها، فما على الأرض خليقة ترى من تلك الذنوب شيئًا، وتبدو حسناته، فود أن الناس كلهم يرونها؛ ويدعى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض عليه ربه عمله فيجحده، ويقول أي: رب، وعزتك لقد كتب عليّ هذا الملك ما لم أعمل، فيقول له الملك: أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا؟

فيقول: لا وعزتك أي رب، ما عملته، فإذا فعل ذلك ختم على فيه.

قال الأشعري: فإني أحسب أول ما ينطق منه لفخذه اليمنى، ثم تلا( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) .

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنى يحيى، عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن الشعبي، قال: يقال للرجل يوم القيامة: عملت كذا وكذا، فيقول: ما عملت، فيختم على فيه، وتنطق جوارحه، فيقول لجوارحه: أبعدكن الله، ما خاصمت إلا فيكن .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ ) ....

الآية، قال: قد كانت خصومات وكلام، فكان هذا آخره، ( نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ ).

حدثني محمد بن عوف الطائي، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن عقبة بن عامر، أنه سمع النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: " أوَّلُ شَيْءٍ يَتَكَلَّمُ مِنَ الإنْسانِ، يَوْمَ يَخْتِمُ اللهُ على الأفْوَاهِ، فَخِذُهُ مِنْ رِجْلِهِ اليُسْرَى " .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون في صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال : كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضحك فقال : هل تدرون مم أضحك ؟

قلنا : الله ورسوله أعلم ، قال : من مخاطبة العبد ربه ، يقول : يا رب ألم تجرني من الظلم ؟

قال : يقول : بلى ، فيقول : فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني ، قال : فيقول : كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا ، وبالكرام الكاتبين شهودا ، قال : فيختم على فيه فيقال لأركانه : انطقي ، قال : فتنطق بأعماله .

قال : ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول : بعدا لكن وسحقا ، فعنكن كنت أناضل خرجه أيضا من حديث أبي هريرة .

وفيه : ثم يقال له : الآن نبعث شاهدنا عليك ، ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي ، فيختم على فيه ، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه : انطقي ، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله ، وذلك ليعذر من نفسه ، وذلك المنافق ، وذلك الذي يسخط الله [ ص: 46 ] عليه .

وخرج الترمذي عن معاوية بن حيدة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ذكره قال : وأشار بيده إلى الشام فقال : من هاهنا إلى هاهنا تحشرون ركبانا ومشاة ، وتجرون على وجوهكم يوم القيامة ، على أفواهكم الفدام ، توفون سبعين أمة أنتم خيرهم وأكرمهم على الله ، وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه في رواية أخرى : فخذه وكفه .

الفدام مصفاة الكوز والإبريق ، قاله الليث .

قال أبو عبيد : يعني أنهم منعوا الكلام حتى تكلم أفخاذهم ، فشبه ذلك بالفدام الذي يجعل على الإبريق .

ثم قيل في سبب الختم أربعة أوجه :أحدها : لأنهم قالوا والله ربنا ما كنا مشركين فختم الله على أفواههم حتى نطقت جوارحهم ، قاله أبو موسى الأشعري .الثاني : ليعرفهم أهل الموقف فيتميزون منهم ، قاله ابن زياد .الثالث : لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الحجة من إقرار الناطق لخروجه مخرج الإعجاز ، إن كان يوما لا يحتاج إلى إعجاز .الرابع : ليعلم أن أعضاءه التي كانت أعوانا في حق نفسه صارت عليه شهودا في حق ربه .

فإن قيل : لم قال : " وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم " فجعل ما كان من اليد كلاما ، وما كان من الرجل شهادة ؟

قيل : إن اليد مباشرة لعمله والرجل حاضرة ، وقول الحاضر على غيره شهادة ، وقول الفاعل على نفسه إقرار بما قال أو فعل ، فلذلك عبر عما صدر من الأيدي بالقول ، وعما صدر من الأرجل بالشهادة .

وقد روي عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل اليسرى ذكره الماوردي والمهدوي .

وقال أبو موسى الأشعري : إنى لأحسب أن أول ما ينطق منه فخذه اليمنى ، ذكره المهدوي أيضا .

قال الماوردي : فاحتمل أن يكون تقدم الفخذ بالكلام على سائر الأعضاء ، لأن لذة معاصيه يدركها بحواسه التي هي في الشطر الأسفل منها الفخذ ، فجاز لقربه منها أن يتقدم في الشهادة عليها .

قال : وتقدمت اليسرى ، لأن الشهوة في ميامن الأعضاء أقوى منها في مياسرها ، فلذلك تقدمت اليسرى على اليمنى لقلة شهوتها .[ ص: 47 ] قلت : أو بالعكس لغلبة الشهوة ، أو كلاهما معا والكف ، فإن بمجموع ذلك يكون تمام الشهوة واللذة .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

قال الله تعالى في بيان وصفهم الفظيع في دار الشقاء: { الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ } بأن نجعلهم خرسا فلا يتكلمون، فلا يقدرون على إنكار ما عملوه من الكفر والتكذيب.

{ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } أي: تشهد عليهم أعضاؤهم بما عملوه، وينطقها الذي أنطق كل شيء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ) هذا حين ينكر الكفار كفرهم وتكذيبهم الرسل ، فيختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عمرو بن حفصويه السرخسي ، سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة ، أخبرنا أبو يزيد حاتم بن محبوب ، أخبرنا عبد الجبار بن العلاء ، أخبرنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال : سأل الناس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟

فقال : " هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحاب " ؟

قالوا : لا يا رسول الله ، قال : " فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة " ؟

قالوا : لا ، قال : " فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم كما لا تضارون في رؤية أحدهما " ، قال : " فيلقى العبد فيقول : أي عبدي ألم أكرمك ؟

ألم أسودك ألم أزوجك ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك تترأس وتتربع ؟

قال : بلى يا رب ، قال : فظننت أنك ملاقي ؟

قال : لا ، قال : فاليوم أنساك كما نسيتني .

قال : فيلقى الثاني فيقول : ألم أكرمك ، ألم أسودك ، ألم أزوجك ، ألم أسخر لك الخيل والإبل وأتركك تترأس وتتربع ؟

- وقال غيره عن سفيان : ترأس وتربع في الموضعين - قال : فيقول : بلى يا رب ، فيقول : ظننت أنك ملاقي ؟

فيقول : لا يا رب قال : فاليوم أنساك كما نسيتني .

ثم يلقى الثالث فيقول ؟

ما أنت ؟

فيقول : أنا عبدك آمنت بك وبنبيك وبكتابك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع قال : فيقال له : ألم نبعث عليك شاهدنا ؟

قال : فيتفكر في نفسه من الذي يشهد علي فيختم على فيه ، ويقال لفخذه : انطقي قال : فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل ، وذلك المنافق ؛ وذلك ليعذر من نفسه وذلك الذي سخط الله عليه " .

أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري ، أخبرنا جدي أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز ، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن بهز بن حكيم بن معاوية ، عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إنكم تدعون فيفدم على أفواهكم بالفدام فأول ما يسأل عن أحدكم فخذه وكفه " أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أخبرنا مسلم بن الحجاج ، أخبرنا أبو بكر بن أبي النضر ، حدثني هاشم بن القاسم ، أخبرنا عبد الله الأشجعي ، عن سفيان الثوري ، عن عبيد المكتب ، عن فضيل ، عن الشعبي ، عن أنس بن مالك قال : كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضحك فقال : " هل تدرون مم أضحك " ؟

قال : قلنا الله ورسوله أعلم ، قال : " من مخاطبة العبد ربه " يقول : يا رب ألم تجرني من الظلم ؟

قال : فيقول : بلى ، قال : فيقول : فإني لا أجير على نفسي إلا شاهدا مني ، قال : فيقول : كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا ، قال : فيختم على فيه ، فيقال لأركانه : انطقي قال : فتنطق بأعماله ، قال : ثم يخلى بينه وبين الكلام ، فيقول : بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل "

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(اليوم نختم على أفواههم) أي الكفار لقولهم "والله ربنا ما كنا مشركين" (وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم) وغيرها (بما كانوا يكسبون) فكل عضو ينطق بما صدر منه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

اليوم نطبع على أفواه المشركين فلا ينطقون، وتُكلِّمنا أيديهم بما بطشت به، وتشهد أرجلهم بما سعت إليه في الدنيا، وكسبت من الآثام.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تنتقل السورة الكريمة فتحكى لنا جانبا آخر من أحوال الكافرين فى هذا اليوم العصيب ، كما تحكى لنا جانبا من مظاهر قدرة الله - تعالى - فتقول :( اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ .

.

.

) .المراد باليوم فى قوله - تعالى - : ( اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ .

.

.

) يوم القيامة .وقوله : ( نَخْتِمُ ) من الختم ، والختم الوسم على الشئ بطابع ونحوه ، مأخوذ من وضع الخاتم على الشئ وطبعه فيه للاستيثاق ، لكى لا يخرج منه ما هو بداخله ، ولا يدخله ما هو خارج عنه .أى : فى يوم القيامة نختم على أفواه الكافرين فنجعلها لا تنطق ، وإنما تكلمنا أيديهم ، وتشهد عليهم أرجلهم بما كانوا يكسبونه فى الدنيا من أقوال الباطلة ، وأفعال قبيحة .قالوا : وسبب الختم على أفواههم ، أنهم أنكروا أنهم كانوا مشركين فى الدنيا ، كما حكى عنهم - سبحانه - ذلك فى قوله - تعالى - : ( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) أو ليكونوا معروفين لأهل الموقف فى ذلك اليوم العصيب ، أو لأن إقرار غير الناطق أبلغ فى الحجة من إقرار الناطق ، أو ليعلموا أن أعضاءهم التى ارتكبت المعاصى فى الدنيا ، قد صارت شهودا عليهم فى الآخرة .وجعل - سبحانه ما تنطق به الأيدى كلاما ، وما تنطق به الأيدى كلاما ، وما تنطق به الأرجل شهادة ، لأن مباشرة المعاصى - غالباً - تكون بالأيدى ، أما الأرجل فهى حاضرة لما ارتكب بالأيدى من سيئات ، وقول الحاضر على غيره شهادة بما له ، أما قول الفاعل فهو إقرار ونطق بما فعله .قال الجمل : وقال الكرخى : أسند سبحانه فعل الختم إلى نفسه ، وأسند الكلام والشهادة إلى الأيديى والأرجل ، لئلا يكون فيه احتمال أن ذلك منهم كان جبرا ، أو قهراً ، والإِقرار مع الإِجبار غير مقبول .

فقال : تكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم ، أى باختيارها بعد إقدار الله لها على الكلام ، ليكون أدل على صدور الذنب منهم .وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات جملة من الأحاديث ، التى صرحت بأن أعضاء الإِنسان تشهد عليه يوم القيامة بما ارتكبه فى الدنيا من سيئات .

ومن تلك الأحاديث ما جاء عن أنس بن مالك - رضى الله عنه - أنه قال : " كنا عند النبى صلى الله عليه وسلم - فضحك حتى بدت نواجذه ، ثم قال : " أتدرون مم أضحك؟

قلنا : الله ورسوله أعلم .

قال من مجادلة العبد ربه يوم القيامة .يقول : رب ألأم تُجِرنى من الظلم؟

فيقول : بلى ، فيقول : لا أجيز علىَّ إلا شاهدا من نفسى ، فيقول الله - تعالى - له : كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ، وبالكرام الكاتبين شهودا .قال : فيختم على فيه .

ويقال لأركانه - أى لأعضائه - : انطقى .

فتنطق بما عمله ، ثم يخلى بينه وبين الكلام ، فيقول : بعداً وسحقاً فعنكن كنت أناضل " " .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - :( وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ الله إِلَى النار فَهُمْ يُوزَعُونَ .

حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الترتيب وجوه: الأول: أنهم حين يسمعون قوله تعالى: ﴿ بِمَا كنتم تَكْفُرُونِ  ﴾ يريدون (أن) ينكروا كفرهم كما قال تعالى عنهم ما أشركنا وقالوا آمنا به فيختم الله على أفواههم فلا يقدرون على الإنكار وينطق الله غير لسانهم من الجوارح فيعترفون بذنوبهم الثاني: لما قال الله تعالى لهم: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ  ﴾ لم يكن لهم جواب فسكتوا وخرسوا وتكلمت أعضاؤهم غير اللسان، وفي الختم على الأفواه وجوه: أقواها، أن الله تعالى يسكت ألسنتهم فلا ينطقون بها وينطق جوارحهم فتشهد عليهم، وإنه في قدرة الله يسير، أما الإسكات فلا خفاء فيه، وأما الإنطاق فلأن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة فكما جاز تحركه بها جاز تحرك غيره بمثلها والله قادر على الممكنات والوجه الآخر أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس وقوف القنوط اليؤوس لا يجد عذراً فيعتذر ولا مجال توبة فيستغفر، وتكلم الأيدي ظهور الأمور بحيث لا يسع معه الإنكار حتى تنطق به الأيدي والأبصار، كما يقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار، إشارة إلى ظهور الحزن، والأول الصحيح وفيه لطائف لفظية ومعنوية.

أما اللفظية فالأولى منها: هي أن الله تعالى أسند فعل الختم إلى نفسه وقال: ﴿ نَخْتِمُ ﴾ وأسند الكلام والشهادة إلى الأيدي والأرجل، لأنه لو قال تعالى: نختم على أفواههم وتنطق أيديهم يكون فيه احتمال أن ذلك منهم كان جبراً وقهراً والإقرار بالإجبار غير مقبول فقال تعالى: ﴿ وَتُكَلّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ ﴾ أي باختيارها بعد ما يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم الثانية: منها هي أن الله تعالى قال: ﴿ تُكَلّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ ﴾ جعل الشهادة للأرجل والكلام للأيدي لأن الأفعال تسند إلى الأيدي قال تعالى: ﴿ وَمَا عَمِلتَهُ أَيْدِيهِمْ  ﴾ أي ما عملوه وقال: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ  ﴾ أي ولا تلقوا بأنفسكم فإذا الأيدي كالعاملة، والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من جملة الشهود لبعد إضافة الأفعال إليها، وأما المعنوية فالأولى: منها أن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو على العدو غير مقبولة، وإن كان من الشهود العدول وغير الصديقين من الكفار والفساق غير مقبول الشهادة فجعل الله الشاهد عليهم منهم، لا يقال الأيدي والأرجل أيضاً صدرت الذنوب منها فهي فسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتها، لأنا نقول في رد شهادتها قبول شهادتها، لأنها إن كذبت في مثل ذلك اليوم فقد صدر الذنب منها في ذلك اليوم، والمذنب في ذلك اليوم مع ظهور الأمور، لابد من أن يكون مذنباً في الدنيا، وإن صدقت في ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا، وهذا كمن قال لفاسق: إن كذبت في نهار هذا اليوم فعبدي حر، فقال الفاسق: كذبت في نهار هذا اليوم عتق العبد، لأنه إن صدق في قوله كذبت في نهار هذا اليوم فقد وجد الشرط ووجب الجزاء، وإن كذب في قوله كذبت فقد كذب في نهار ذلك اليوم، فوجد الشرط أيضاً بخلاف ما لو قال في اليوم الثاني كذبت في نهار اليوم الذي علقت عتق عبدك على كذبي فيه.

المسألة الثانية: الختم لازم الكفار في الدنيا على قلوبهم وفي الآخرة على أفواههم، ففي الوقت الذي كان الختم على قلوبهم كان قولهم بأفواههم، كما قال تعالى: ﴿ ذلك قَوْلُهُم بأفواههم  ﴾ فلما ختم على أفواههم أيضاً لزم أن يكون قولهم بأعضائهم، لأن الإنسان لا يملك غير القلب واللسان والأعضاء، فإذا لم يبق القلب والفم تعين الجوارح والأركان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

يروى أنهم يجحدون ويخاصمون؛ فتشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم وعشائرهم، فيحلفون ما كانوا مشركين، فحينئذ يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم.

وفي الحديث: «يقول العبد يوم القيامة: إني لا أجيز عليّ شاهداً إلا من نفسي، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعداً لكنّ وسحقاً، فعنكن كنت أناضل» ، وقرئ: ﴿ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم ﴾ .

وقرئ: ﴿ ولتكلمنا أيديهم وتشهد ﴾ بلام كي والنصب على معنى: ولذلك نختم على أفواههم: وقرئ: ﴿ ولتكلمنا أيديهم ولتشهد ﴾ بلام الأمر والجزم على أنّ الله يأمر الأعضاء بالكلام والشهادة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ ﴾ نَمْنَعُها عَنِ الكَلامِ.

﴿ وَتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ بِظُهُورِ آثارِ المَعاصِي عَلَيْها ودَلالَتِها عَلى أفْعالِها، أوْ إنْطاقِ اللَّهِ إيّاها وفي الحَدِيثِ «إنَّهم يَجْحَدُونَ ويُخاصِمُونَ فَيُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم» .

﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ ﴾ لَمَسَحْنا أعْيُنَهم حَتّى تَصِيرَ مَمْسُوحَةً.

﴿ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ ﴾ فاسْتَبَقُوا إلى الطَّرِيقِ الَّذِي اعْتادُوا سُلُوكَهُ، وانْتِصابُهُ بِنَزْعِ الخافِضِ أوْ بِتَضْمِينِ الِاسْتِباقِ مَعْنى الِابْتِدارِ، أوْ جَعْلُ المَسْبُوقِ إلَيْهِ مَسْبُوقًا عَلى الِاتِّساعِ أوْ بِالظَّرْفِ.

﴿ فَأنّى يُبْصِرُونَ ﴾ الطَّرِيقَ وجِهَةَ السُّلُوكِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{اليوم نختم على أفواههم} أى تمنعهم من الكلام {وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} يروى أنهم يجحدون ويخاصمون فتشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم وعشائرهم فيحلفون ما كانوا مشركين فحينئذ يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم وفي الحديث يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز عليّ إلا شاهداً من نفسي فيختم على فيه ويقال لأركانه أنطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ ﴾ كِنايَةٌ عَنْ مَنعِهِمْ مِنَ التَّكَلُّمِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ هُناكَ خَتْمٌ عَلى أفْواهِهِمْ حَقِيقَةً.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخَتْمُ مُسْتَعارًا لِمَعْنى المَنعِ بِأنْ يُشَبِّهَ إحْداثَ حالَةٍ في أفْواهِهِمْ مانِعَةٍ مِنَ التَّكَلُّمِ بِالخَتْمِ الحَقِيقِيِّ ثُمَّ يُسْتَعارُ لَهُ الخَتْمُ ويُشْتَقُّ مِنهُ نَخْتِمُ فالِاسْتِعارَةُ تَبَعِيَّةٌ أيِ اليَوْمَ نَمْنَعُ أفْواهَهم مِنَ الكَلامِ مَنعًا شَبِيهًا بِالخَتْمِ، والأوَّلُ أوْلى في نَظَرِي ﴿ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ أيْ بِالَّذِي اسْتَمَرُّوا عَلى كَسْبِهِ في الدُّنْيا وكَأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ قَدْ تَنازَعَ فِيهِ ”تُكَلِّمُ وتَشْهَدُ“، ولَعَلَّ المَعْنى - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - تُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ بِالَّذِي اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِهِ ولَمْ يَتُوبُوا عَنْهُ وتُخْبِرُنا بِهِ وتَقُولُ فَعَلُوا بِنا وبِواسِطَتِنا كَذا وكَذا وتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أرْجُلُهم بِذَلِكَ.

ونِسْبَةُ التَّكْلِيمِ إلى الأيْدِي دُونَ الشَّهادَةِ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِها بِمُباشَرَةِ الأعْمالِ حَتّى أنَّها كَثُرَ نِسْبَةُ العَمَلِ إلَيْها بِطَرِيقِ الفاعِلِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ ﴾ وقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ ﴾ وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا - ﴿ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولا كَذَلِكَ الأرْجُلُ فَكانَتِ الشَّهادَةُ أنْسَبَ بِها لِما أنَّها لَمْ تُضَفْ إلَيْها الأعْمالُ فَكانَتْ كالأجْنَبِيَّةِ، وكانَ التَّكْلِيمُ أنْسَبَ بِالأيْدِي لِكَثْرَةِ مُباشَرَتِها الأعْمالَ وإضافَتِها إلَيْها فَكَأنَّها هي العامِلَةُ، هَذا مَعَ ما في جَمْعِ التَّكْلِيمِ مَعَ الخَتْمِ عَلى الأفْواهِ المُرادُ مِنهُ المَنعُ مِنَ التَّكَلُّمِ - مِنَ الحُسْنِ.

وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا صَدَّرَ آيَةَ النُّورِ وهي قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ ﴾ بِالشَّهادَةِ وذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - الأعْضاءَ مِنَ الأعالِي إلى الأسافِلِ أسْنَدَها إلى الجَمِيعِ، ولَمْ يَخُصَّ سُبْحانَهُ الأيْدِيَ بِالتَّكْلِيمِ لِوُقُوعِها بَيْنَ الشُّهُودِ مَعَ أنَّ ما يَصْدُرُ مِنها شَهادَةٌ أيْضًا في الحَقِيقَةِ، فَإنَّ كَوْنَها عامِلَةً لَيْسَ عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ هي آلَةٌ والعامِلُ هو الإنْسانُ حَقِيقَةً، وكانَ اعْتِبارُ الشَّهادَةِ مِنَ المَصْدَرِ هُناكَ أوْفَقَ بِالمَقامِ لِسَبْقِ قِصَّةِ الإفْكِ، وما يَتَعَلَّقُ لَها ولِذا نَصَّ فِيها عَلى الألْسِنَةِ ولَمْ يَنُصَّ هاهُنا عَلَيْها بَلِ الآيَةُ ساكِتَةٌ عَنِ الإفْصاحِ بِأمْرِها مِنَ الشَّهادَةِ وعَدَمِها، والخَتْمُ عَلى الأفْواهِ لَيْسَ بِعَدَمِ شَهادَتِها إذِ المُرادُ مِنهُ مَنعُ المُحَدَّثِ عَنْهم عَنِ التَّكَلُّمِ بِألْسِنَتِهِمْ وهو أمْرٌ وراءَ تَكَلُّمِ الألْسِنَةِ أنْفُسِها وشَهادَتِها بِأنْ يُجْعَلَ فِيها عِلْمٌ وإرادَةٌ وقُدْرَةٌ عَلى التَّكَلُّمِ فَتَتَكَلَّمُ هي وتَشْهَدُ بِما تَشْهَدُ وأصْحابُها مَخْتُومٌ عَلى أفْواهِهِمْ لا يَتَكَلَّمُونَ.

ومِنهُ يَعْلَمُ أنَّ آيَةَ النُّورِ لَيْسَ فِيها ما هو نَصٌّ في عَدَمِ الخَتْمِ عَلى الأفْواهِ، نَعَمِ الظّاهِرُ هُناكَ أنْ لا خَتْمَ، وهُنا أنْ لا شَهادَةَ مِنَ الألْسِنَةِ، وعَلى هَذا الظّاهِرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُحَدَّثُ عَنْهُ في الآيَتَيْنِ واحِدًا بِأنْ يُخْتَمَ عَلى أفْواهِهِمْ وتُنْطَقُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم أوَّلًا ثُمَّ يُرْفَعُ الخَتْمُ وتَشْهَدُ ألْسِنَتُهم إمّا مَعَ تَجَدُّدِ ما يَكُونُ مِنَ الأيْدِي والأرْجُلِ أوْ مَعَ عَدَمِهِ والِاكْتِفاءِ بِما كانَ قَبْلُ مِنهُما، وذَلِكَ إمّا في مَقامٍ واحِدٍ مِن مَقاماتِ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ في مَقامَيْنِ، ولَيْسَ في كُلٍّ مِنَ الآيَتَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ ونَفْيِ شَهادَةِ غَيْرِ ما ذُكِرَ مِنَ الأعْضاءِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَهُما وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ شَهادَةُ السَّمْعِ والأبْصارِ والألْسِنَةِ والأيْدِي والأرْجُلِ وسائِرِ الأعْضاءِ كَما يُشْعِرُ بِهَذا ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ”والجُلُودُ“ في آيَةِ السَّجْدَةِ لَكِنْ لَمْ يُذْكَرْ بَعْضٌ مِن ذَلِكَ في بَعْضٍ مِنَ الآياتِ اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ في البَعْضِ الآخَرِ مِنها، أوْ دَلالَتِهِ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُحَدَّثُ عَنْهُ في كُلِّ طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ، وقَدْ جَعَلَ بَعْضُهُمُ المُحَدَّثَ عَنْهُ في آيَةِ السَّجْدَةِ قَوْمَ ثَمُودٍ، وحَمْلُ أعْداءِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ ﴿ وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ ﴾ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُحَدَّثُ عَنْهُ في آيَةِ النُّورِ أصْحابَ الإفْكِ مِنَ المُنافِقِينَ والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ إنَّ آيَةَ السَّجْدَةِ ظاهِرَةٌ في أنَّ الشَّهادَةَ عِنْدَ المَجِيءِ إلى النّارِ، وآيَةُ النُّورِ لَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَيُشْعِرُ كَلامُ البَعْضِ بِأنَّ الخَتْمَ والشَّهادَةَ فِيها بَعْدَ خِطابِ المُحَدَّثِ عَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ ﴿ اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ فَيَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ المَجِيءِ إلى النّارِ أيْضًا، قالَ في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ اليَوْمَ نَخْتِمُ ﴾ ...

إلَخِ التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذِكْرَ أحْوالِهِمُ القَبِيحَةِ اسْتَدْعى أنْ يُعْرَضَ عَنْهم وتُحْكى أحْوالُهُمُ الفَظِيعَةُ لِغَيْرِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ الخَتْمِ لِأنَّ الخِطابَ لِتَلَقِّي الجَوابِ، وقَدِ انْقَطَعَ بِالكُلِّيَّةِ، لَكِنْ قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: إنَّ الشَّهادَةَ تَتَحَقَّقُ في مَوْقِفِ الحِسابِ لا بَعْدَ تَمامِ السُّؤالِ والجَوابِ وسَوْقِهِمْ إلى النّارِ، والأخْبارُ ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مِن حَدِيثِ «يُدَعى الكافِرُ والمُنافِقُ لِلْحِسابِ فَيَعْرِضُ رَبُّهُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ فَيَجْحَدُ ويَقُولُ أيْ رَبِّ وعِزَّتِكَ لَقَدْ كَتَبَ عَلَيَّ هَذا المَلَكُ ما لَمْ أعْمَلْ فَيَقُولُ لَهُ المَلَكُ أما عَمِلْتَ كَذا في يَوْمِ كَذا في مَكانِ كَذا فَيَقُولُ لا وعِزَّتِكَ أيْ رَبِّ ما عَمِلْتُهُ فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ خَتَمَ عَلى فِيهِ فَإنِّي أحْسَبُ أوَّلَ ما تَنْطِقُ مِنهُ فَخِذُهُ اليُمْنى ثُمَّ تَلا ﴿ اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ ﴾ الآيَةَ» وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إنَّهُ يَلْقى العَبْدُ رَبَّهُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى لَهُ أيْ فُلُ ألَمْ أُكْرِمْكَ إلى أنْ قالَ  فَيَقُولُ آمَنتُ بِكَ وبِكِتابِكَ وبِرَسُولِكَ وصَلَّيْتُ وصُمْتُ وتَصَدَّقْتُ ويُثْنِي بِخَيْرِ ما اسْتَطاعَ فَيَقُولُ: ألا نَبْعَثُ شاهِدَنا عَلَيْكَ فَيُفَكِّرُ في نَفْسِهِ مِنَ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ ويُقالُ لِفَخِذِهِ انْطِقِي فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ ولَحْمُهُ وعِظامَهُ بِعَمَلِهِ» .

وفِي بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ يَطْلُبُ شاهِدًا مِنهُ فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ، أخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وابْنُ أبِي الدُّنْيا - واللَّفْظُ لَهُ - «عَنْ أنَسٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ ﴾ قالَ كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ  فَضَحَكَ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ قالَ: أتُدْرُونَ مِمَّ ضَحِكْتُ؟

قُلْنا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: مِن مُخاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ يَقُولُ: يا رَبِّ ألَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟

فَيَقُولُ: بَلى فَيَقُولُ: إنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ إلّا شاهِدًا مِنِّي!

فَيَقُولُ: كَفى بِنَفْسِكَ عَلَيْكَ شَهِيدًا وبِالكِرامِ الكاتِبِينَ شُهُودًا فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ ويُقالُ لِأرْكانِهِ انْطِقِي فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ ثُمَّ يُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ”» .

والجَمْعُ بِالتِزامِ القَوْلِ بِالتَّعَدُّدِ فَتارَةً يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ وأُخْرى عِنْدَ النّارِ، والقَوْلُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ فِيما ذَكَرَ.

وما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ أبِي مُوسى مِن أنَّ الفَخِذَ اليُمْنى أوَّلُ ما تَنْطِقُ عَلى ما يَحْسَبُ، جَزَمَ بِهِ الحَسَنُ، وأخْرَجَ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: «“إنَّ أوَّلَ عَظْمٍ مِنَ الإنْسانِ يَتَكَلَّمُ يَوْمَ يُخْتَمُ عَلى الأفْواهِ فَخِذُهُ مِنَ الرِّجْلِ الشِّمالِ”».

ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ التَّكَلُّمَ والشَّهادَةَ بِنُطْقٍ حَقِيقَةٌ وذَلِكَ بَعْدَ إعْطاءِ اللَّهِ تَعالى الأعْضاءَ حَياةً وعِلْمًا وقُدْرَةً فَيُرَدُّ بِذَلِكَ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ البَيِّنَةَ المَخْصُوصَةَ شَرْطٌ فِيما ذُكِرَ، وإسْنادُ الخَتْمِ إلَيْهِ تَعالى دُونَ ما بَعْدُ قِيلَ لِئَلّا يُحْتَمَلَ الجَبْرُ عَلى الشَّهادَةِ والكَلامِ فَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِاخْتِيارِ الأعْضاءِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ إقْدارِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ أدَلُّ عَلى تَفْضِيحِ المُحَدَّثِ عَنْهم.

وهَلْ يَشْهَدُ كُلُّ عُضْوٍ بِما فُعِلَ بِهِ أوْ يَشْهَدُ بِذَلِكَ وبِما فُعِلَ بِغَيْرِهِ؟

فِيهِ خِلافٌ والثّانِي أبْلَغُ في التَّفْظِيعِ، والعِلْمُ بِالمَشْهُودِ بِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ ولا يَكُونُ حاصِلًا في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ في الدُّنْيا بِأنْ تَكُونَ الأعْضاءُ قَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى فِيها الإدْراكَ فَهي تُدْرِكُ الأفْعالَ كَما يُدْرِكُها الفاعِلُ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ رَدَّ اللَّهُ تَعالى لَها ما كانَ وجَعَلَها مُسْتَحْضِرَةً لِما عَمِلَتْهُ أوَّلًا وأنْطَقَها نُطْقًا يَفْقَهُهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ، وهَذا نَحْوُ ما قالُوا مِن تَسْبِيحِ جَمِيعِ الأشْياءِ بِلِسانِ القالِ واللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، والعَقْلُ لا يُحِيلُ ذَلِكَ، ولَيْسَ هو بِأبْعَدَ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى فِيها العِلْمَ والإرادَةَ والقُدْرَةَ حَتّى تَنْطِقَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَمَن يُؤْمِن بِهَذا فَلْيُؤْمِن بِذَلِكَ، والتَّشَبُّثُ بِذَيْلِ الِاسْتِبْعادِ يَجُرُّ إلى إنْكارِ الحَشْرِ بِالكُلِّيَّةِ - والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى - أوْ تَأْوِيلِهِ بِما أوَّلَهُ بِهِ الباطِنِيَّةُ الَّذِينَ قَتْلُ واحِدٍ مِنهُمْ- قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ- أفْضَلُ مِن قَتْلِ مِائَةٍ كافِرٍ، وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ مِن مُؤَيِّداتِ القَوْلِ بِالتَّسْبِيحِ القالِيِّ لِلْجَماداتِ ونَحْوِها، وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يُؤَيَّدُ القَوْلُ بِجَوازِ شَهادَةِ الشّاهِدِ إذا حَصَلَ عِنْدَهُ العِلْمُ الَّذِي يَقْطَعُ بِهِ بِأيِّ وجْهٍ حَصَلَ وإنْ لَمْ يَشْهَدْ ذَلِكَ ولا حَضَرَهُ، وقَدْ أفادَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في تَفْسِيرِهِ المُسَمّى بِإيجازِ البَيانِ في تَرْجَمَةِ القُرْآنِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ يُفِيدُ جَوازَ ذَلِكَ، وذِكَرَ فِيهِ أنَّ الشّاهِدَ يَأْثَمُ إنْ لَمْ يَشْهَدْ بِعِلْمِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما لِلْفُقَهاءِ في المَسْألَةِ مِنَ الكَلامِ، وكَأنَّ الشَّهادَةَ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي بَعْدَ الِاسْتِشْهادِ بِأنْ يُقالَ لِلْأرْكانِ: ألَمْ يَفْعَلْ كَذا؟

فَتَقُولُ: بَلى فَعَلَ.

ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بَعْدَ أنْ تُؤْمَرَ الأرْكانُ بِالشَّهادَةِ بِأنْ يُقالَ لَها: اشْهَدِي بِما فَعَلُوا فَتَشْهَدُ مُعَدِّدَةً أفْعالَهُمْ، وهَذا إمّا بِأنْ تَذْكُرَ جَمِيعَ أفْعالِهِمْ مِنَ المَعاصِي وغَيْرِها غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ المَعْصِيَةَ عَنْ غَيْرِها، وكَوْنُ ذَلِكَ شَهادَةً عَلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ الواقِعِ لِتَضَمُّنِها ضَرَرَهم بِذِكْرِ ما هو مَعْصِيَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ، وإمّا بِأنْ تَذْكُرَ المَعاصِيَ فَقَطْ، وهَذا يَحْتاجُ إلى التِزامِ القَوْلِ بِأنَّ الأرْكانَ تُمَيِّزَ في الدُّنْيا ما كانَ مَعْصِيَةً مِنَ الأفْعالِ ما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ولا أظُنُّكَ تَقُولُ بِهِ ولَمْ أسْمَعْ أنَّ أحَدًا يَدَّعِيهِ.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ تَكْلِيمَ الأرْكانِ وشَهادَتَها دَلالَتُها عَلى أفْعالِها وظُهُورِ آثارِ المَعاصِي عَلَيْها بِأنْ يُبَدِّلَ اللَّهُ تَعالى هَيْئاتِها بِأُخْرى يَفْهَمُ مِنها أهْلُ الحَشْرِ ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى ما صَدَرَ مِنهم فَجُعِلَتِ الدَّلالَةُ الحالِيَّةُ بِمَنزِلَةِ المَقالِيَّةِ مَجازًا، وفِيهِ أنَّهُ لا يُصارُ إلى المَجازِ مَعَ إمْكانِ الحَقِيقَةِ لا سِيَّما وما يَأْتِي في سُورَةِ السَّجْدَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ ظاهِرٌ جِدًّا في النُّطْقِ القالِيِّ والإخْبارُ أظْهَرُ وأظْهَرُ، نَعَمْ يَهُونُ عَلى هَذا القَوْلِ أمْرُ الِاسْتِبْعادِ ولا يَكادُ يَتْرُكُ لِأجْلِهِ الظَّواهِرَ العُلَماءُ الأمْجادُ، وهَذا والآيَةُ كالظّاهِرَةِ في تَكْلِيفِ الكُفّارِ بِالفُرُوعِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُونُوا مُكَلَّفِينَ بِها لا فائِدَةَ في شَهادَةِ الأعْضاءِ بِما كَسَبُوا، وإتْمامُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِها وتَخْصِيصُ ما كَسَبُوا بِالكُفْرِ مِمّا لا يَكادُ يُلْتَفِتُ إلَيْهِ، ولا أظُنُّ أنَّ أحَدًا يَقُولُ بِهِ بَلْ رُبَّما يَدَّعِي تَخْصِيصَهُ بِما سِوى الكُفْرِ بِناءً عَلى أنَّهُ مِن أفْعالِ القَلْبِ دُونَ الأعْضاءِ الَّتِي تَشْهَدُ لَكِنِ الَّذِي يَتَرَجَّحُ في نَظَرِي العُمُومِ.

وشَهادَتُها بِهِ إمّا بِشَهادَتِها بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الأفْعالِ البَدَنِيَّةِ والأقْوالِ اللِّسانِيَّةِ أوْ بِالعِلْمِ الضَّرُورِيِّ الَّذِي يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى لَها ذَلِكَ اليَوْمَ أوْ بِالعِلْمِ الحاصِلِ لَها بِخَلْقٍ لِلَّهِ تَعالى في الدُّنْيا فَتَعْلَمُهُ بِواسِطَةِ الأفْعالِ والأقْوالِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ أوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى، وهي ظاهِرَةٌ في أنَّ الحَشْرَ يَكُونُ بِأجْزاءِ البَدَنِ الأصْلِيَّةِ لا بِبَدَنٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ الأجْزاءُ الأصْلِيَّةُ لِلْبَدَنِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا؛ إذْ أرْكانُ ذَلِكَ البَدَنِ لَمْ تَكُنِ الأعْمالُ السَّيِّئَةُ مَعْمُولَةً بِها فَلا يَحْسُنُ الشَّهادَةُ بِها مِنها فَلْيُحْفَظْ.

وقُرِئَ“يُخْتَمُ”مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ“وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ”بِتاءَيْنِ، وقُرِئَ“ولْتُكَلِّمْنا أيْدِيهِمْ ولِتَشْهَدْ أرْجُلُهُمْ”بِلامِ الأمْرِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ الأعْضاءَ بِالكَلامِ والشَّهادَةِ.

ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ طَلْحَةَ أنَّهُ قَرَأ“ولِتُكَلِّمَنا أيْدِيهِمْ ولِتَشْهَدَ" بِلامِ كَيْ والنَّصْبُ عَلى مَعْنى لِتَكْلِيمِ الأيْدِي إيّانا ولِشَهادَةِ الأرْجُلِ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يقول الله تعالى وَامْتازُوا الْيَوْمَ وذلك أنه إذا كان يوم نادى مناد: وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ يعني: اعتزلوا أيها الكفار من المؤمنين، فإنهم قد تأذوا منكم في الدنيا، فاعتزلوهم حتى ينجوا منكم.

ويقال: إن المنادي ينادي أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ امتازوا، فإن المؤمنين قد فازوا.

وأيها المنافقون امتازوا، فإن المخلصين قد فازوا.

ويا أيها الفاسقون امتازوا فإن الصالحين قد فازوا ويا أيها العاصون امتازوا، فإن المطيعين قد فازوا.

ثم يقول للكفار والمنافقين بعد ما امتازوا: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يعني: ألم أتقدم إليكم.

ويقال: ألم أبيّن لكم في القرآن.

ويقال: ألم أوضح لكم يا بَنِي آدَمَ بالكتاب والرسل.

وقال القتبي: العهد يكون لمعان، يكون للأمانة كقوله: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ [التوبة: 4] ويكون لليقين، ويكون للميثاق، ويكون للزمان.

كما يقال: كان ذلك في عهد فلان أي: في زمانه.

ويكون العهد للوصية، كقوله: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ يعني: أن لا تطيعوا الشيطان.

قال ابن عباس: من أطاع شيئاً فقد عبده إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ يعني: بيّن العداوة وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ يعني: أطيعوني، ووحدوني.

يعني: هذا التوحيد طريق مستقيم.

ويقال: دين الإسلام هو طريق مستقيم لا عوج فيه، وهو طريق الجنة.

قوله عز وجل: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً يعني: خلقاً كثيراً.

وقرأ نافع وعاصم جِبِلًّا بكسر الجيم، والباء، والتشديد.

وقرأ أبو عمرو، وابن عامر: جِبِلًّا بضم الجيم، وجزم الباء.

والباقون: بضم الجيم والباء.

ومعنى ذلك كله واحد.

وقال أهل اللغة: الجبل، والجبلة كله بمعنى واحد يعني: الناس الكثير أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ما فعل بمن كان قبلكم، فتعتبروا فلم تطيعوه، فلما دنوا من النار قال لهم خزنتها هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في الدنيا فلم تصدقوا بها اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ يعني: اصلوها اليوم بما كفرتم في الدنيا عقوبة لكم في الدنيا الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وذلك حين قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يعني: يعملون من الشرك والمعاصي.

ثم قال: وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ قال مقاتل يعني: لو نشاء لحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ يعني: ولو طمست الكفر، لاستبقوا الصراط، أي: لجازوا الطريق فَأَنَّى يُبْصِرُونَ يعني: فمن أين يبصرون الهدى بعد ما جعلت قلوبهم قاسية، وجعلت على أعمالهم غطاء، وَأكِنَّةً على قلوبهم.

قال الكلبي: وَلَوْ نَشاءُ لفقأنا أعين الضلالة، فأبصروا الهدى، واستبقوا الطريق فَأنَّى يُبْصِرُونَ الطريق.

ويقال: فأنى يبصرون.

الهدى وقال بعضهم: ولو نشاء لأعمينا أبصارهم في أسواقهم، ومجالسهم، كما فعلنا بقوم لوط-  - حين كذبوه وراودوه عن ضيفه فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ يعني: فابتدروا الطريق هرباً إلى منازلهم، ولو فعلنا ذلك بهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فليستْ بأرِيكةٍ وبذلك قيَّدها ابن عَبَّاسٍ وغيره «١» .

وقوله: مَّا يَدَّعُونَ بمنزلةِ ما يَتَمَنَّوْنَ.

قال أبو عُبَيْدَةَ: العربُ تقولُ: ادع عَلَيَّ ما شِئْتَ/ بمعنى: تَمَنَّ عَلَيَّ.

وقوله: سَلامٌ قِيلَ: هي صفةٌ، أي: مُسَلَّمٌ لَهُم، وخالصٌ، وقِيل: هو مبتدأ، وقيل: هو خبر مبتدإ.

وقوله تعالى: وَامْتازُوا الْيَوْمَ فيه حَذْفٌ تقديره ونقول للكفرة «وامتازوا» معناه:

انْفَصِلُوا وانْحَجِزُوا لأن العَالَمَ فِي الموقف إنما هم مختلطون.

قُلْتُ: وهَذَا يَحْتَاجُ إلى سَنَدٍ صحيحٍ، وفي الكلام إجمال، ويومُ القيامةِ هو مواطن، ثم خاطَبَهُمْ تعالى لما تميّزوا، توبيخا وتوفيقا على عَهْدِهِ إليهم ومخالفتِهم له، وعبادةُ الشيطانِ هي طاعتُهُ والانقيادُ لإغْوائِهِ.

وقوله: هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ إشارَةٌ إلى الشرائع إذ بعَثَ اللَّهُ آدم إلى ذريتِه ثمَّ لَمْ تَخْلُ الأرْضُ من شريعةٍ إلى خَتْمِ الرسالةِ بسيدِنا محمدٍ خَاتَمِ النبيِّينَ، و «الجِبِلُّ» : الأمةُ العظيمة، ثم أخبر سبحانه نبيّه محمّدا ع أخبَاراً تُشَارِكُهُ فيه أمَّتُه بقوله:

الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وذلك أن الكفارَ يَجْحَدُونَ، ويَطْلبُون شهيداً عليهم من أنفسهم حَسْبَمَا وَرَدَ في الحديث الصحيح فعندَ ذلِك يَخْتِمُ اللَّهُ- تعالى- على أفواههم، ويأمر جوارحهم بالشّهادة فتشهد.

وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: "يَخْتِمُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ التّاءِ "وَتُكَلِّمُنا" قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَلِتُكَلِّمُنا" بِزِيادَةِ لامٍ مَكْسُورَةٍ وفَتْحِ المِيمِ وواوٍ قَبْلَ اللّامِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لِتُكَلِّمُنا" بِلامٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ واوٍ قَبْلَها وبِنَصْبِ المِيمِ؛ وقَرَؤُوا جَمِيعًا: "وَلِتَشْهَدَ أرْجُلُهُمْ" بِلامٍ مَكْسُورَةٍ وبِنَصْبِ الدّالِّ.

وَمَعْنى "نَخْتِمُ": نَطْبَعُ عَلَيْها، وقِيلَ: مَنعُها مِنَ الكَلامِ هو الخَتْمُ عَلَيْها، وفي سَبَبِ ذَلِكَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ  ﴾ خَتَمَ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ ونَطَقَتْ جَوارِحُهُمْ، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ.

والثّانِي: لِيَعْلَمُوا أنَّ أعْضاءَهُمُ الَّتِي كانَتْ أعْوانًا لَهم عَلى المَعاصِي صارَتْ شُهُودًا [عَلَيْهِمْ] .

والثّالِثُ: لِيَعْرِفَهم أهْلُ المَوْقِفِ، فَيَتَمَيَّزُوا مِنهم بِذَلِكَ.

والرّابِعُ: لِأنَّ إقْرارَ الجَوارِحِ أبْلَغُ في الإقْرارِ مِن نُطْقِ اللِّسانِ، ذَكَرَهُنَّ الماوَرْدِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في تَسْمِيَةِ نُطْقِ اليَدِ كَلامًا ونُطْقِ الرِّجْلِ شَهادَةً؟

فالجَوابُ: أنَّ اليَدَ كانَتْ مُباشِرَةً والرِّجْلَ حاضِرَةٌ، وقَوْلُ الحاضِرِ عَلى غَيْرِهِ شَهادَةٌ بِما رَأى، وقَوْلُ الفاعِلِ عَلى نَفْسِهِ إقْرارٌ بِما فَعَلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: ولَوْ نَشاءُ لَأذْهَبْنا أعْيُنَهم حَتّى لا يَبْدُوَ لَها شِقٌّ ولا جَفْنٌ.

والمَطْمُوسُ: الَّذِي لا يَكُونُ بَيْنَ جَفْنَيْهِ شَقٌّ، ﴿ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ ﴾ أيْ: فَتُبادِرُوا إلى الطَّرِيقِ ﴿ فَأنّى يُبْصِرُونَ ﴾ \[أيْ\]: فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ وقَدْ أعْمَيْنا أعْيُنَهُمْ؟!

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرُ، وأبُو رَجاءٍ: "فاسْتَبْقَوْا" بِكَسْرِ الباءِ "فَأنّى تُبْصِرُونَ" بِالتّاءِ.

وهَذا تَهْدِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: ولَوْ نَشاءُ لَأضْلَلْناهم وأعْمَيْناهم عَنِ الهُدى، فَأنّى يُبْصِرُونَ الحَقَّ؟!

رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: ولَوْ نَشاءُ لَفَقَأْنا أعْيُنَ ضَلالَتِهِمْ وأعْمَيْناهم عَنْ غَيِّهِمْ وحَوَّلْنا أبْصارَهم مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى فَأبْصَرُوا رُشْدَهُمْ، فَأنّى يُبْصِرُونَ ولَمْ أفْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ؟!

رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنهم مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ ﴾ ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "عَلى مَكاناتِهِمْ"؛ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا [البَقَرَةِ: ٦٥] .

وَفِي المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَمَسَخْناهُمْ ﴾ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ أحَدُها: لَأهْلَكْناهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَأقْعَدْناهم عَلى أرْجُلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: لَجَعَلْناهم حِجارَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: لَجَعَلْناهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ لا أرْواحَ فِيها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: فَما اسْتَطاعُوا أنْ يَتَقَدَّمُوا ولا أنْ يَتَأخَّرُوا، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا عَنِ العَذابِ، ولا رُجُوعًا إلى الخِلْقَةِ الأُولى بَعْدَ المَسْخِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: مُضِيًّا مِنَ الدُّنْيا ولا رُجُوعًا إلَيْها، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: "نُنَكِّسُهُ" مُشَدَّدَةً مَعَ ضَمِّ النُّونِ الأُولى وفَتْحِ الثّانِيَةِ؛ والباقُونَ: بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى وتَسْكِينِ الثّانِيَةِ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ؛ وعَنْ عاصِمٍ كالقِراءَتَيْنِ.

ومَعْنى الكَلامِ: مَن نُطِلْ عُمْرَهُ نُنَكِّسْ خَلْقَهُ، فَنَجْعَلُ مَكانَ القُوَّةِ الضَّعْفَ، وبَدَلَ الشَّبابِ الهَرَمِ، فَنَرُدُّهُ إلى أرْذَلِ العُمُرِ.

﴿ أفَلا يَعْقِلُونَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "أفَلا تَعْقِلُونَ" بِالتّاءِ، والباقُونَ بِالياءِ.

والمَعْنى: أفَلا يَعْقِلُونَ أنَّ مَن فَعَلَ هَذا قادِرٌ عَلى البَعْثِ؟!

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ ﴿ اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ ﴿ اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ هَذِهِ أيْضًا مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ.

و"الجِبِلُّ": الأُمَّةُ العَظِيمَةُ، قالَ النَقّاشُ عَنِ الضَحاكِ: أقَلُّها عَشَرَةُ آلافٍ، ولا حَدَّ لِأكْثَرِها، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وشَدَّ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأهْلِ المَدِينَةِ، وأبِي رَجاءَ والحَسَنُ - بِخِلافٍ عنهُ -، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ والتَخْفِيفِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والزُهْرِيُّ، والأعْرَجُ بِضَمِّ الجِيمِ والباءِ والتَشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ أبِي إسْحَقَ، وعِيسى، وابْنُ وثّابٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والهُذَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ والتَخْفِيفِ، "قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: [جُبُلًا] بِضَمِّ الجِيمِ والباءِ والتَخْفِيفِ"، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عن بَعْضِ الخُراسانِيِّينَ بِكَسْرِ الجِيمِ وبِياءٍ بِنُقْطَتَيْنِ ساكِنَةٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ﴾ بِالتاءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بِالياءِ.

ثُمَّ وقَّفَهم عَلى جَهَنَّمَ الَّتِي كانُوا يُوعَدُونَ ويُكَذِّبُونَ، و"جَهَنَّمُ" أوَّلُ طَبَقَةٍ مِنَ النارِ، و"اصْلَوْها" مَعْناهُ: باشِرُوها.

ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى مُحَمَّدًا  أخْبارًا تُشارِكُهُ فِيها أُمَّتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ ﴾ ، أيْ: في ذَلِكَ اليَوْمِ يَكُونُ ذَلِكَ.

ورُوِيَ في هَذا المَعْنى أنَّ اللهَ يَجْعَلُ الكَفَرَةَ يُخاصِمُونَ، فَإذا لَمْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ رَجَعُوا إلى الإنْكارِ فَناكَرُوا المَلائِكَةَ في الأعْمالِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَخْتِمُ اللهُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ بِحَرْفٍ، ويَأْمُرُ تَعالى جَوارِحَهم بِالشَهادَةِ فَتَشْهَدُ، ورَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "إنْ أوَّلَ ما يَتَكَلَّمُ مِنَ الكافِرِ فَخِذُهُ اليُسْرى"، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: "اليُمْنى ثُمَّ سائِرُ جَوارِحِهِ"،» ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ الكَفَرَةِ يَقُولُ يَوْمَئِذٍ لِجَوارِحِهِ: "تَبًّا لَكِ وسُحْقًا، فَعنكِ كُنْتُ أُماحِكُ" ونَحْوُ هَذا مِنَ المَعْنى، وقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ ألْفاظُ الرُواةِ، ورَوى عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عن أبِيهِ عن جَدِّهِ أنَّهُ قَرَأ: "وَلِتُكَلِّمَنا أيْدِيهِمْ ولِتَشْهَدَ أرْجُلُهُمْ" بِزِيادَةِ لامِ (كَيْ) النَصْبِ، وهي مُخالِفَةٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وقوله: ﴿ اليَوْمَ ﴾ ظرف متعلق ب ﴿ نَخْتِمُ ﴾ .

والقول في لفظ ﴿ اليوم ﴾ كالقول في نظائره الثلاثة المتقدمة، وهو تنويه بذكره بحصول هذا الحال العجيب فيه، وهو انتقال النطق من موضعه المعتاد إلى الأيدي والأرجل.

وضمائر الغيبة في ﴿ هذه جهنَّمُ التي كُنتم تُوعَدُون ﴾ [يس: 63] على طريقة الالتفات.

وأصل النظم: اليوم نختم على أفواهكم وتكلمنا أيديكم وتشهد أرجلكم بما كنتم تكسبون.

ومواجهتهم بهذا الإِعلام تأييس لهم بأنهم لا ينفعهم إنكار ما أُطلعوا عليه من صحائف أعمالهم كما قال تعالى: ﴿ إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ﴾ [الإسراء: 14].

وقد طوي في هذه الآية ما ورد تفصيله في آي آخر فقد قال تعالى: ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ [الأنعام: 2223] وقال: ﴿ وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين ﴾ [يونس: 2829].

وفي «صحيح مسلم» عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يخاطب العبد ربّه يقول: يا رب ألم تُجرني من الظلم؟

فيقول: بلى، فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، فيقول الله: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، فيُخْتم على فيه.

فيقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله ثم يخلّى بينه وبين الكلام فيقول: بعداً لكنَّ وسُحْقاً فعنكُنّ كنتُ أناضل " وإنما طُوِي ذكر الداعي إلى خطابهم بهذا الكلام لأنه لم يتعلق به غرض هنا فاقتصر على المقصود.

وقد يخيل تعارض بين هذه الآية وبين قوله: ﴿ يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ﴾ [النور: 24].

ولا تعارض لأن آية يس في أحوال المشركين وآية سورة النور في أحوال المنافقين.

والمراد بتكلم الأيدي تكلمها بالشهادة، والمراد بشهادة الأرجل نطقها بالشهادة، ففي كلتا الجملتين احتباك.

والتقدير: وتكلمنا أيديهم فتشهد وتكلمنا أرجلهم فتشهد.

ويتعلق ﴿ بِمَا كانُوا يَكْسِبون ﴾ بكل من فعلي ﴿ تكلمنا وتشهد ﴾ على وجه التنازع.

وما يكسبونه: هو الشرك وفروعه.

وتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وما ألحقوا به من الأذى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَنَعَها مِنَ الكَلامِ هو الخَتْمُ عَلَيْها.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ خَتْمًا يُوضَعُ عَلَيْها فَيَرى ويُمْنَعُ مِنَ الكَلامِ.

وَفِي سَبَبِ الخَتْمِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّهم قالُوا ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ فَخَتَمَ اللَّهُ تَعالى عَلى أفْواهِهِمْ حَتّى نَطَقَتْ جَوارِحُهم، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ.

الثّانِي: لِيَعْرِفَهم أهْلُ المَوْقِفِ فَيَتَمَيَّزُونَ مِنهم، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.

الثّالِثُ: لِأنَّ إقْرارَ غَيْرِ النّاطِقِ أبْلَغُ في الإلْزامِ مِن إقْرارِ النّاطِقِ لِخُرُوجِهِ مَخْرَجَ الإعْجازِ وإنْ كانَ يَوْمًا لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى الإعْجازِ.

الرّابِعُ: لِيَعْلَمَ أنَّ أعْضاءَهُ الَّتِي كانَتْ لَهم أعْوانًا في حَقِّ نَفْسِهِ صارَتْ عَلَيْهِ شُهُودًا في حَقِّ رَبِّهِ.

﴿ وَتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ وفي كَلامِها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ يَظْهَرُ مِنها سِمَةٌ تَقُومُ [مَقامَ] كَلامِها كَما قالَ الشّاعِرُ: وقَدْ قالَتِ العَيْنانِ سَمْعًا وطاعَةً وحَدَّرَتا كالدُّرِّ لَمّا يُثَقَّبِ الثّانِي: أنَّ المُوَكَّلِينَ بِها يَشْهَدُونَ عَلَيْها.

الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ فِيها ما يَتَهَيَّأُ مَعَهُ الكَلامُ مِنها.

رَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (يُقالُ لِأرْكانِهِ انْطِقِي فَتَنْطِقُ بِعَمَلِهِ ثُمَّ يُخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ).» فَإنْ قِيلَ فَلِمَ قالَ: ﴿ وَتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ ﴾ فَجَعَلَ ما كانَ مِنَ اليَدِ كَلامًا، وما كانَ مِنَ الرِّجْلِ شَهادَةً؟

قِيلَ: لِأنَّ اليَدَ مُباشِرَةٌ لِعَمَلِهِ والرِّجْلُ حاضِرَةٌ، وقَوْلُ الحاضِرِ عَلى غَيْرِهِ شَهادَةٌ، وقَوْلُ الفاعِلِ عَلىَ نَفْسِهِ إقْرارٌ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَمّا صَدَرَ مِنَ الأيْدِي بِالقَوْلِ، وعَمّا صَدَرَ مِنَ الأرْجُلِ بِالشَّهادَةِ.

وَقَدْ رَوى شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: « (أوَّلُ عَظْمٍ مِنَ الإنْسانِ يَتَكَلَّمُ يَوْمَ يُخْتَمُ عَلى الأفْواهِ فَخِذُهُ مِنَ الرِّجْلِ اليُسْرى).» فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ تَقَدُّمُ الفَخِذِ بِالكَلامِ عَلى سائِرِ الأعْضاءِ لِأنَّ لَذَّةَ مَعاصِيهِ يُدْرِكُها بِحَواسِّهِ الَّتِي في الشَّطْرِ الأعْلى مِن جَسَدِهِ، وأقْرَبُ أعْضاءِ الشَّطْرِ الأسْفَلِ مِنها الفَخِذُ، فَجازَ لِقُرْبِهِ مِنها أنْ يَتَقَدَّمَ في الشَّهادَةِ عَلَيْها، وتَقَدَّمَتِ اليُسْرى لِأنَّ الشَّهْوَةَ في مَيامِنِ الأعْضاءِ أقْوى مِنها في مَياسِرِها، فَلِذَلِكَ تَقَدَّمَتِ اليُسْرى عَلى اليُمْنى لِقِلَّةِ شَهْوَتِها.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَأعْمَيْنا أبْصارَ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا فَضَلُّوا عَنِ الطَّرِيقِ فَلا يُبْصِرُونَ عُقُوبَةً لَهم، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لَأعْمَيْنا قُلُوبَهم فَضَلُّوا عَنِ الحَقِّ فَلَمْ يَهْتَدُوا إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ الأخْفَشُ وابْنُ قُتَيْبَةَ: المَطْمُوسُ هو الَّذِي لا يَكُونُ بَيْنَ جَفْنَيْهِ شِقٌّ مَأْخُوذٌ مِن طَمْسِ الرِّيحِ الأثَرَ.

﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لَأقْعَدْناهم عَلى أرْجُلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّانِي: لَأهْلَكْناهم في مَساكِنِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: لَغَيَّرْنا خَلْقَهم فَلا يَنْقَلِبُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَما اسْتَطاعُوا لَوْ فَعَلْنا ذَلِكَ بِهِمْ أنْ يَتَقَدَّمُوا ولا يَتَأخَّرُوا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا في الدُّنْيا، ولا رُجُوعًا فِيها، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن أبي الدنيا في التوبة واللفظ له وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ اليوم نختم على أفواههم ﴾ قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه قال: أتدرون ممن ضحكت؟

قلنا: لا يا رسول الله قال: من مخاطبة العبد ربه فيقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟

فيقول: بلى.

فيقول: إني لا أجيز عليَّ إلا شاهداً مني فيقول: كفى بنفسك عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول بعداً لكن وسحقاً، فعنكن كنت أناضل» .

وأخرج مسلم والترمذي وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يلقى العبد ربه فيقول الله: أي قل ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والابل، وأذرك ترأس وتربع؟

فيقول: بلى أي رب فيقول: أفطنت أنك ملاقي؟

فيقول: لا.

فيقول: فإني أنساك كما نسيتني.

ثم يلقى الثاني، فيقول: مثل ذلك.

ثم يلقى الثالث فيقول له: مثل ذلك فيقول: آمنت بك، وبكتابك، وبرسولك، وصليت، وصمت، وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: ألا نبعث شاهدنا عليك؟

فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليَّ، فيختم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي.

فتنطق فخذه، ولحمه، وعظامه.

بعمله ما كان ذلك يعذر من نفسه، وذلك بسخط الله عليه» .

وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول عظم من الإِنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه.

فخذه من الرجل الشمال» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: يدعى المؤمن للحساب يوم القيامة، فيعرض عليه ربه عمله، فيما بينه وبينه، ليعترف فيقول: أي رب عملت..

عملت..

عملت، فيغفر الله له ذنوبه، ويستره منها قال: فما على الأرض خليقة يرى من تلك الذنوب شيئاً، وتبدو حسناته فودَّ أن الناس كلهم يرونها.

ويدعى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض ربه عليه عمله، فيجحد ويقول: أي رب وعزتك لقد كتب عليّ هذا الملك ما لم أعمل، فيقول له الملك: أما عملت كذا، في يوم كذا، في مكان كذا؟

فيقول: لا وعزتك.

أي رب ما عملته، فإذا فعل ذلك ختم على فيه، فأني أحسب أول ما ينطق منه لفخذه اليمنى، ثم تلا ﴿ اليوم نختم على أفواههم...

﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن بسرة وكانت من المهاجرات قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكن بالتسبيح، والتهليل، والتقديس، ولا تغفلن واعقدن بالأنامل، فإنهن مسؤولات ومستنطقات» .

وأخرج ابن جرير عن الشعبي رضي الله عنه قال: يقال للرجل يوم القيامة: عملت كذا وكذا..

فيقول: ما عملته.

فيختم على فيه، وتنطق جوارحه، فيقول لجوارحه: أبعدكن الله، ما خاصمت إلا فيكن.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أسماء بن عبيد رضي الله عنه قال: يؤتى بابن آدم يوم القيامة ومعه جبل من صحف لكل ساعة صحيفة، فيقول الفاجر: وعزتك لقد كتبوا عليّ ما لم أعمل، فعند ذلك يختم على أفواههم، ويؤذن لجوارحهم في الكلام، فيكون أول ما يتكلم من جوارح ابن آدم فخذه اليسرى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ نختم على أفواههم ﴾ قال: فلا يتكلمون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: كانت خصومات وكلام، وكان هذا آخره أن ختم على أفواههم.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال: أول ما ينطق من الإِنسان فخذه اليمنى.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ ﴾ .

قال مقاتل والكلبي: وذلك أنهم أنكروا الشرك والتكذيب، فيختم الله على أفواههم، وتكلمت جوارحهم بإذن لها في الكلام، فشهدت عليهم بما عملوا (١) (١) المصدر السابق، ولم أقف عليه عن الكلبي.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ ﴾ أي نمنعهم من الكلام فتنطق أعضاؤهم يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يخصمون ﴾ بفتحتين ثم كسر الصاد المشددة: ابن كثير وورش وسهل ويعقوب وأصله "يختصمون" أدغمت التاء في الصاد بعد نقل حركتها إلى الخاء، وقرأ أبو جعفر ونافع غير ورش بسكون الخاء، وقرأ أبو عمرو باشمام الفتحة قليلاً وقرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من الخصم ثلاثياً.

الباقون: بكسر الخاء للاتباع وتشديد الصاد.

وروى خلف عن يحيى بكسر الياء والخاء والتشديد.

﴿ شغل ﴾ بضمتين: عاصم وخلف وابن عامر ويزيد ويعقوب.

﴿ فكهون ﴾ وبابه بغير ألف: يزيد.

﴿ ظل ﴾ بضم الظاء وفتح اللام: حمزة وعلي وخلف على أنه جمع ظلة.

الآخرون: ﴿ ظلال ﴾ جمع ظل ﴿ جبلاً ﴾ بضم الجيم وسكون الباء.

ابن عامر وأبو عمرو.

وقرأ أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل بكسرتين واللام مشددة، وقرأ يعقوب بضمتين والتشديد.

والباقون: بضمتين والتخفيف ﴿ ننكسه ﴾ مشدداً: حمزة وعاصم غير مفضل.

الآخرون: بالتخفيف من النكس.

﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب ﴿ لتنذر ﴾ على الخطاب أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب ﴿ يقدر ﴾ على صيغة المضارع: يعقوب ﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي.

الوقوف: ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ رزقكم الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أطعمه ﴾ لا كذلك لاتحاد المقول ولئلا يبتدأ بما لا يقوله مسلم.

وجوز جار الله أن يكون قوله ﴿ إن أنتم ﴾ قول الله أو حكاية قول المؤمنين لهم فالوقف جائز.

﴿ مبين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ يخصمون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ ينسلون ﴾ ه ﴿ مرقدنا ﴾ ه لئلا يوهم أن هذا صفة وما بعده منفي وفيه وجوه أخر نذكرها في التفسير ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ فاكهون ﴾ ه ج لاحتمال أن ﴿ هم ﴾ تأكيد الضمير ﴿ أزواجهم ﴾ عطف عليه و ﴿ في ظلال ﴾ ظرف ﴿ فاكهون ﴾ ، ولاحتمال أن ما بعده مبتدأ وخبره ﴿ متكئون ﴾ ﴿ يدعون ﴾ ه ج لأنه من المحتمل أن يكون ﴿ سلام ﴾ خبر محذوف اي عليهم سلام يقول قولاً، وأن يكون ﴿ سلام ﴾ بدل ﴿ ما يدعون ﴾ اي لهم ما يتمنون وهو سلام ﴿ سلام ﴾ ط ج لحق الحذف ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ الشيطان ﴾ ج لأن التقدير فإنه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف ﴿ اعبدوني ﴾ ج ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ في الخلق ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه له ج ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ مالكون ﴾ ه ﴿ يأكلون ﴾ ه ﴿ مشارب ﴾ ه ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ ينصرون ﴾ ج ﴿ نصرهم ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ قولهم ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار ﴿ يعلنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه خلقه} ط ﴿ رميم ﴾ ه ﴿ مرة ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ بدل ﴿ توقدون ﴾ ه ﴿ مثلهم ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه.

التفسير: لما بين الآيات المذكورة حكى أنهم في غاية الجهالة ونهاية الضلالة، لا مثل العلماء الذين يتبعون البرهان، ولا كالعوام الذين يبنون أمورهم على الأحوط إذا أنذرهم منذر انتهوا عن ارتكاب المنهي خوفاً من تبعته وطمعاً في منفعته وإليه الإشارة بقوله ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ أي في ظنكم فإن الذي لا تفيده الآيات يقيناً فلا أقل من أن يحترز من العذاب ويرجو الثواب أخذاً بطريقة الاحتياط، ونظير الآية ما مرّ في أوّل سورة سبأ ﴿ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض  ﴾ وعن مجاهد: أراد ما تقدّم من ذنوبكم وما تأخر.

وعن قتادة: ما بين أيديكم من وقائع الأمم وما خلفكم أي من أمر الساعة.

وقيل: ما بين أيديكم من أمر الساعة.

وقيل: ما بين أيديكم الآخرة فإنهم مستقبلون لها، وما خلفكم الدنيا فإنهم تاركون لها.

أو ما بين أيديكم من أمر محمد  فإنه حاضر عندهم وما خلفكم من أمر فإنكم إذا اتقيتم تكذيب محمد لى الله عليه وسلم والحشر رحمكم الله.

أو ما بين أيديكم من أنواع العذاب كالحرق والغرق المدلول عليه بقوله ﴿ وإن نشأ نغرقهم ﴾ ما خلفكم الموت الطالب لكم يدل على قوله ﴿ ومتاعاً إلى حين ﴾ وجواب "إذا" محذوف وهو لا يتقون أو يعرضون، يدل عليه ما بعده مع زيادة فائدة هي دأبهم الإعراض عند كل آية.

ويحتمل أن يكون قوله ﴿ وما تأتيهم ﴾ متعلقاً بما قبله وهو قوله ﴿ يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ﴾ .

﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ﴾ يعني إذا جاءتهم الرسل كذبوهم فإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها.

وقوله ﴿ الم يروا ﴾ إلى قوله ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ اعتراض.

ثم أشار إلى أنهم كما يخلون بجانب التعظيم لأمر الله حيث قيل لهم اتقوا فلم يتقوا يخلون بجانب الشفقة على خلق الله ولا ينفقون إذا أمروا بالإنفاق على أنهم خوطبوا بأدنى الدرجات في التعظيم والإشفاق، فإن أدنى الانقياد الاتقاء من العذاب، وأدنى الإشفاق هو إنفاق بعض ما في التصرف من مال الله، فأين هم من معشر أقبلوا بالكلية على الله وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله؟

وفي قوله ﴿ مما رزقكم الله ﴾ إشارة إلى أن الله  قادر على إغناء الفقير وإعطائه ولكنه جعل الغني واسطة في الإنفاق على الفقير.

فالسعيد من عرف حق التوسيط وانتهز فرصة الإمكان وعلم أن الإنفاق سبب للبركة في الحال ومجلبة للثواب في المآل.

وقوله ﴿ قال الذين كفروا ﴾ دون أن يقول "قالوا" تسجيل عليهم بالكفر.

وقوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ مزيد تصوير لجهالتهم حين قالوا لهؤلاء الأشراف ما قالوا.

وقوله ﴿ أنطعم ﴾ دون "أننفق" إظهار لغاية خستهم فإن الإطعام أدون من الإنفاق ومن بخل بالأدون فهو بأن يبخل بالأكثر أولى.

وقوله ﴿ من لو يشاء الله أطعمه ﴾ كلام في نفسه حسن لكنهم ذكروه في معرض الدفع فلهذا استوجبوا الذم وقد بين الله خطأهم بقوله ﴿ مما رزقكم الله ﴾ فإن من في خزائنه مال وله في يد الغير مال فإنه مخير إن اراد أعطى زيداً مما في خزائنه وإن شاء أعطاه مما في يد الغير وليس لذلك الغير أن يقول لم أحلته عليّ.

وقوله ﴿ إن أنتم إلا في ضلال مبين ﴾ بناء على ما اعتقدوه أن الأمر بالإنفاق ضائع، لأنه سعي في إبطال مشيئة الله ولم يعلموا أن الضلال لا يتعدّاهم أيه سلكوا، وذلك أنهم لم ينظروا إلى الأمر والطلب وبادروا إلى الاعتراض، والطاعة هي اتباع الأمر لا الاستكشاف عن الغرض والغاية.

ومن جملة تعنتهم أنهم استبطؤا الموعود على التقاء والإنفاق قائلين ﴿ إن كنتم ﴾ أيها المدّعون للرسالة ﴿ صادقين ﴾ فأخبرونا متى يكون هذا الموعود به من الثواب والعقاب فأجابهم الله  بقوله ﴿ ما ينظرون إلا صيحة واحدة ﴾ كأنهم بالاستبطاء كانوا منتظرين شيئاً.

وتنكير صيحة للتهويل ووصفها بواحدة تعظيم للصيحة وتحقير لشأنهم أي صيحة لا يحتاج معها إلى ثانية، وفي قوله ﴿ تأخذهم ﴾ أي تعمهم بالأخذ مبالغة أخرى، وكذا في قوله ﴿ وهم يخصمون ﴾ أي يشتغلون بمتاجرهم ومعاملاتهم وسائر ما يتخاصمون فيه ومع ذلك يصعقون.

وقيل: تأخذهم وهم يختصمون في أمر البعث قائلين إنه لا يكون.

ثم بالغ في شدّة الأخذ بقوله ﴿ فلا يستطيعون توصية ﴾ وفي قوله ﴿ لا يستطيعون ﴾ دون أن يقول "فلا يوصون" مبالغة لأن من لا يوصي قد يستطيعها، وكذلك في تنكير توصية الدال على التقليل، وكذا في نفس التوصية لأنها بالقول والقول يوجد أسرع من الفعل من أداء الواجبات وردّ المظالم، وقد تحصل التوصية بالإشارة فالعاجز عنها عاجز عن غيرها.

وفي قوله ﴿ ولا إلى أهلهم يرجعون ﴾ بيان لشدّة الحاجة إلى التوصية فإن الذي يقطع بعدم الوصول إلى أهله كان إلى الوصية أحوج.

وفيه تنبيه على أن الميت لا رجوع له إلى الدنيا ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى إلى حين يبعثون.

ثم بين حال النفخة الثانية، والأجداث القبور والنسلان العدو.

وكيف صارت النفختان مؤثرتين في أمرين متضادين الإماتة والإحياء؟

نقول: لا مؤثر إلا الله، والنفخ علامة على أن الصوت يوجد التزلزل وأنه قد يصير سبباً لافتراق الأجزاء المجتمعة تارة ولاجتماع المتفرقة أخرى.

ثم إن أجزاء كل بدن قد تحصل في موضع هو بمنزلة جدثه، أو أعطى للأكثر حكم الكل.

وذكر الرب في هذا الموضع للتخجيل فإن من أساء واضطر إلى الحضور عند من أحسن إليه كان أشدّ ألماً وأكثر ندماً.

وقوله ﴿ ينسلون ﴾ لا ينافي قوله في موضع آخر ﴿ فإذا هم قيام ينظرون  ﴾ فلعل ذلك في أول الحالة ثم يحصل لهم سرعة المشي من غير اختيارهم.

ويمكن أن يقال: إن هيئة الانتظار ليست بمنافاة للمشي بل مؤكدة له ومعينة عليه.

وفي "إذا" المفاجأة إشارة إلى أن الإحياء والتركيب والقيام والعدو كلها تقع في زمان النفخ.

ثم بين أنهم قبل النسلان ﴿ قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ﴾ كأنهم شكوا في أنهم كانوا موتى فبعثوا أو كانوا نياماً فتنبهوا فجمعوا في السؤال بين الأمرين: البعث والمرقد.

عن مجاهد: للكفار.

هجعة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قالوا ذلك، ثم أجابهم الملائكة في رواية ابن عباس، والمتقون على قول الحسن ﴿ هذا ما وعد الرحمن ﴾ كأنه قيل: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده حتى يهمكم السؤال عن الباعث أن هذا هو البعث الأكبر الذي وعده الرحمن في كتبه المنزلة على لسان رسله الصادقين.

والظاهر أن ﴿ هذا ﴾ مبتدأ ﴿ وما وعد الرحمن ﴾ إلى آخره خبره، و"ما" مصدرية أي هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالمصدر.

ويجوز أن يكون "ما" موصولة أي هذا الذي وعده الرحمن وصدقه المرسلون أي صدقوا فيه.

وجوّز جار الله أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة للمرقد و ﴿ ما وعد ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا وعد الرحمن، أو مبتدأ محذوف الخبر أي ما وعده الرحمن وصدقه المرسلون حق عليكم.

وقيل: إن قوله ﴿ هذا ما وعد الرحمن ﴾ من كلام الكافرين كأنهم تذكروا ماسمعوا من الرسل فأجابوا به انفسهم، أو أجاب بعضهم بعضاً، ثم عظم شأن الصيحة بالنسبة إلى المكلفين وحقر أمرها بالإضافة إلى الجبار قائلاً ﴿ إن كانت إلا صيحة ﴾ الآية.

وقد مر نظيره.

ثم بين ما يكون في ذلك اليوم قائلاً ﴿ فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون ﴾ أيها الكافرون ﴿ إلا ما كنتم تعملون ﴾ وفيه إشارة إلى أن عدله عام وفضله خاص بأهل الإيمان وفيه أنهم إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للعدل أو الفضل فالفاء فيه كما في قول القائل للوالي أو للقاضي: جلست للعدل فلا تظلم.

أي ذلك يقتضي هذا ويستعقبه.

وقوله ﴿ ما كنتم تعملون ﴾ إشارة إلى عدم الزيادة فإن الشيء لا يزيد على عينه كقولك: فلان يجازيني حرفاً بحرف.

أي لا يترك شيئاً.

ويجوز أن يراد الجنس أيّ لا تجزون إلا جنس العمل حسناً أو سيئاً.

ثم فصل حال المحسنين بطريق الحكاية في ذلك اليوم تصويراً للموعود وترغيباً فيه فقال ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ﴾ لا يكتنه كنهه وفيه وجوه أقواها أنهم مشغولون عن هول ذلك اليوم بما لهم من الكرامات والدرجات.

وقوله ﴿ فاكهون ﴾ مؤكد لذلك المعنى أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور.

وثانيها أنه بيان لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء بل المراد أنهم في عمل، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق بل هو ملذ محبوب.

وثالثها أنهم تصوروا في الدنيا أموراً يطلبونها في الجنة فإذا رأوا فيها ما لم يخطر ببالهم اشتغلوا به عنها.

وعن ابن عباس أن الشغل افتضاض الأبكار أو ضرب الأوتار.

وقيل: التزاور.

وقيل: ضيافة الله.

وعن الكلبي: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار لا يهمهم أمرهم لئلا يدخل عليهم تنغيص من تنعمهم.

والفاكه والفكه المتنعم المتلذذ ومنه الفاكهة لأنها تؤكل للتلذذ لا للتغذي والفكاهة الحديث لأجل التلذذ لا للضرورة.

والأزواج ظاهرها زوج المرأة وزوجة الرجل.

وقيل: أراد اشكالهم في الأحساب وأمثالهم في الإيمان كقوله ﴿ وآخر من شكله أزواج  ﴾ قال أهل العرفان: من شرائط السماع الزمان والمكان والإخوان فقوله ﴿ هم وأزواجهم في ظلال ﴾ إشارة إلى عدم الوجوه الموحشة وأن لهم في ظل الله ما يمنع الإيذاء كقوله ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً  ﴾ وقوله ﴿ على الأرائك متكئون ﴾ دليل على القوة والفراغة والتمكن من أنواع الملاذ.

وقوله ﴿ لهم فيها فاكهة ﴾ إشارة إلى سائر أنواع الملاذ الزائدة على قدر الضرورة.

وقوله ﴿ ولهم ما يدّعون ﴾ إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وما يخطر ببالهم.

قال الزجاج: هو افتعل من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم.

وقال جار الله: هو للاتخاذ اي ما يدعون به أو ما يدعون به أو ما يدعون لأنفسهم كقولك: يشتوي.

أي اتخذ لنفسه شواء.

أو هو بمعنى التداعي.

وعلى الوجهين إما أن يراد كل ما يدعو به الله أحد أو كل ما يطلبه من صاحبه فإنه يجاب له بذلك، أو يراد أن كل ما يصح أن يدعى به ويطلب فهو حاصل لهم قبل الطلب.

وقيل: معناه يتمنون من قولهم: ادّع عليّ ما شئت أي تمنه عليّ.

وقيل: هو من الدعوى وذلك أنهم كانوا يدّعون في الدنيا أن الله هو مولاهم وأن الكافرين لا مولى لهم بينه قوله ﴿ سلام ﴾ يقال لهم ﴿ قولاً من رب رحيم ﴾ أي من جهته بواسطة الملائكة.

وقيل: اراد لهم ما يدّعون سالم خالص لا شوب فيه.

و ﴿ قولاً ﴾ اي عدة وعلى هذا يكون قوله ﴿ لهم ﴾ للبيان و ﴿ ما يدعون سلام ﴾ مبتدأ وخبر كقولك: لزيد الشرف متوفر.

وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ﴿ قولاً ﴾ نصباً على التمييز لأن السلام من الملك قد يكون قولاً وقد يكون إشارة.

وقال أهل البيان قوله ﴿ وامتازوا ﴾ معطوف على المعنى كأنه قيل: دوموا أيها المؤمنون في النعيم وامتازوا اليوم أيها المجرمون.

أو قلنا لأهل الجنة: إنكم في شغل وقلنا لأهل النار: امتازوا وهو كقوله ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير  ﴾ أو تميزوا في أنفسكم غيظاً وحنقاً فلا دواء لألمكم ولا شفاء لسقمكم كقوله في صفة جهنم ﴿ تكاد تميز من الغيظ  ﴾ أو افترقوا خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان فلا عذاب كفرقة الأخدان يؤيده ما روي عن الضحاك: لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى ولا يُرى.

وعن قتادة: أراد اعتزلوا عن كل خير ترجون، أو امتازوا عن شفعائكم وقرنائكم.

أو المراد تميزهم بسواد الوجه وزرقة العين وبأخذ الكتاب بالشمال وبخفة الميزان وغير ذلك.

وقال صاحب المفتاح: قوله ﴿ إن أصحاب الجنة ﴾ إلى آخر الآيات خطاب لأهل المحشر بدلالة الفاء في قوله ﴿ فاليوم لا تظلم ﴾ بعد قوله ﴿ إن كانت إلا صيحة ﴾ وقد جاء في التفاسير أن قوله ﴿ إن أصحاب الجنة ﴾ إنما يقال حين يسار بهم إلى الجنة فيؤل معنى الكلام إلى قول القائل إن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر يؤل حالهم إلى أسعد حال فليمتازوا عنكم إلى الجنة، وامتازوا أنتم عنهم أيها المجرمون.

ثم كان لسائل أن يقول: إن الإنسان خلق ظلوماً جهولاً والجهل عذر فبين الله  أن الأعذار زائلة قائلاً ﴿ ألم أعهد إليكم ﴾ والآية إلى قوله ﴿ أفلم تكونوا تعقلون ﴾ شبه اعتراض، فيه توبيخ لأهل النار وما ذلك العهد عن بعضهم أنه الذي مر ذكره في قوله ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل  ﴾ وقيل: هو المذكور في قوله ﴿ وإذ خذ ربك من بني آدم من ظهورهم  ﴾ وقيل: هو المبين على لسان الرسل.

ومعنى ﴿ لا تعبدوا ﴾ لا تطيعوا ولا تنقادوا وسوسته وتزيينه.

وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما عهد إليهم من مخالفته الشيطان وعبادة الرحمن.

قال أهل المعاني: التنوين في قوله ﴿ صراط ﴾ للتعظيم إذ لا صراط أقوم منه، أو للتنويع اي هذا بعض الطرق المستقيمة، ففيه توبيخ لهم على العدول عنه كما يقول الرجل لولده وقد نصحه النصح البالغ: هذا فيما أظن قول نافع غير ضار.

وفي ذكر الصراط ههنا إشارة إلى أن الإنسان في دار التكليف مسافر والمجتاز في بادية يخاف فيها على نفسه وماله لا يكون عنده شيء أهم من معرفة طريق قريب آمن.

ثم بين لهم عدواة الشيطان بقوله ﴿ ولقد أضل منكم جبلاً ﴾ وهو في لغاته كلها بمعنى الخلق من جبله الله على كذا أي طبعه عليه.

عن علي  أنه قرأ ﴿ جيلاً ﴾ بياء منقوطة من تحت بنقطتين.

ثم أشار إلى محل امتياز المجرمين إليه بقوله ﴿ هذه جهنم ﴾ وقوله ﴿ اصلوها ﴾ أمر إهانة وتنكيل نحو ذق.

وفي قوله ﴿ اليوم ﴾ إشارة إلى أن اللذات قد مضت وأيامها قد انقضت وليس بعد ذلك إلا العقاب.

روى أهل التفسير أنهم يجحدون يوم القيامة كفرهم في الدنيا فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم.

وفي الحديث "يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز شاهداً إلا من نفسي فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بأعماله ثم يُخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل" قال المتكلمون: إنه لا يبعد من الله  إنطاق كل جرم من الأجرام إنطاق اللسان وهو فاعل لما يشاء.

قال الحكيم: إنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانهتاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس وقوف القنوط اليؤس.

وتكلم الأعضاء عبارة عن ظهور إمارات الذنوب عليهم بحيث لا يبقى للإنكار مجال كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إذا ظهر أمارات الحزن وأسبابه.

ثم إنه  أسند الختم إلى نفسه وأسند التكلم والشهادة إلى الأيدي والأرجل لكيلا يقال: إن الإقرار بالإجبار غير مقبول.

وأيضاً إنه أسند التكلم إلى الأيدي والشهادة إلى الأرجل لأن الأعمال مستندة إلى الأيدي غالباً كقوله ﴿ وما عملته أيديهم ﴾ ﴿ فبما كسبت ايديكم  ﴾ فهي كالعاملة، والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره.

وإنما جعلت الشهادة عليهم منهم لأن غيرهم إما صالحون وهم أعداء للمجرمين فلهم أن يقولوا شهادتهم غير مقبولة في حقنا، وإما فاسقون وشهادة الفسقة غير مقبولة شرعاً.

وههنا نكتة وهي أن الختم لازم للكفار في الدارين، ختم الله على قلوبهم في الدنيا وكان قولهم بأفواههم كما قال ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم  ﴾ ثم إذا ختم على أفواههم أيضاً في الآخرة لزم أن يكون قولهم بسائر أعضائهم.

هذا وقد ذكرنا مراراً أنه  كلما يذكر تمسك الجبرية يذكر عقيبه تمسك القدرية وبالعكس.

وكان للقدرية أن تتمسك بقوله ﴿ يكسبون ﴾ ﴿ يكفرون ﴾ حيث أسند الله الكفر والكسب إليهم فلا جرم عقبه بتمسك الجبري وهو قوله ﴿ ولو نشاء لطمسنا ﴾ ووجه التمسك أن إعماء البصائر شبه إعماء الأبصار، وسلب القوّة العقلية كسلب القوّة الجسمية.

فكما أنه لو شاء لطمس على أبصارهم حتى لا يهتدوا إلى الطريق القاهر الظاهر ولو شاء لسلب قوّة جسومهم بالمسخ حتى لا يقدروا على تقدم ولا تأخر، فكذلك إذا شاء أعمى البصائر وسلب قواهم العقلية حتى لم يفهموا دليلاً ولم يتفكروا في آية.

والطمس محو أثر شق العين.

قال جار الله ﴿ فاستبقوا الصراط ﴾ أصله فاستبقوا إلى الصراط فانتصب بنزع الخافض.

والمعنى لو شاء لمسح أعينهم فلو راموا أن يسبقوا إلى الصراط الذي عهدوه واعتادوا على سلوكه إلى مساكنهم لم يقدروا عليه إذ الصراط طريق الاستباق، والاستباق مضمن معنى الابتدار.

فالمراد لو شاء لأعماهم حتى لو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف أو مبتدرين إياه كما كان هجيراهم لم يستطيعوا.

أو يجعل الصراط مسبوقاً لا مسبوقاً إليه، فالمعنى لو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوه لعجزوا ولم يقدروا إلى على سلوك الطريق المعتاد كالعميان يهتدون فيما ألفوا من المقاصد والجهات دون غيرها.

عن ابن عباس: أراد لمسخناهم قردة وخنازير.

وقيل: حجارة.

عن قتادة: لأقعدناهم على أرجلهم أو أزمناهم على أرجلهم.

والمكان والمكانة واحد أراد مسخاً مجمداً بحيث لا يقدرون أن يرجعوا مكانهم.

وإنما قدم الطمس على المسخ تدرّجاً من الأهون إلى الأصعب، فإن الأعمى قد يهتدي إلى وجوه التصرف بأمارت عقلية أو حسية غير البصر.

وأما الممسوخ على مكانه فلا يهتدي إلى شيء أصلاً.

ولمثل ما قلنا قدم المضيّ على الرجوع فإن سلوك طريق قد رآه مرة يكون أهون مما لم يره اصلاً، فنفى أوّلاً استطاعة الصعب ثم نفى استطاعة الأهون أيضاً لأجل المبالغة.

وحين قطع الأعذار بسبق الإنذار وذلك في قوله ﴿ ألم أعهد إليكم ﴾ شرع في قطع عذر آخر للكافر وهو أن يقول: لم يكن لبثنا في الدنيا إلا يسيراً ولو عمرتنا لما وجدت منا تقصيراً فقال الله  ﴿ ومن نعمره ننكسه في الخلق ﴾ كقوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر  ﴾ ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أنكم كلما دخلتم في السن ضعفتم وقد عمرتم ما تمكنتم فيه أن النظر والعمل، ومن لم يأت بالواجب في زمان الإمكان لم يأت به في زمن الأزمان.

وعن بعضهم: طوى العصران ما نشراه مني *** فأبلى جدّتي نشر وطيّ أراني كل يوم في انتقـــــاص *** ولا يبقى على النقصان شيّ وقال آخر: أرى الأيام تتركني وتمضي *** وأوشك أنها تبقى وأمضي علامة ذاك شيب قد علاني *** وضعف عند إبرامي ونقضي وما كذب الذي قد قال قبلي *** إذا ما مر يوم مر بعضي وحيث بين أصل الوحداينة والحشر في هذه السورة مرات أقربها قوله ﴿ وأن اعبدوني ﴾ وقوله ﴿ هذه جهنم ﴾ إلى آخرها عاد إلى أصل الرسالة بقوله ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ وإنما لم يقل وما علمناه السحر ولا الكهانة مع أنهم ادّعوا أنه ساحر كاهن لأنه ما تحدّاهم إلا بالقرآن.

وإنما نسبوه إلى السحر عند إظهار فعل خارق كشق القمر وحنين الجذع إليه، ونسبوه إلى الكهانة عند إخباره عن الغيوب وهو نوع خاص من الكلام من غير اعتبار الفصاحة اللفظية والمعنوية.

قال جار الله معنى قوله ﴿ وما ينبغي له ﴾ أنه لا يتأتى له ولا يتسهل كما جعلناه أمياً لا يهتدي للخط.

وروي عن الخليل أن الشعر كان أحب إلى رسول الله  من كثير من الكلام ولكن كان لا يتأتى له.

قال: وما روي أنه  .

أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب وقال: هل أنت إلا إصبع دميت *** وفي سبيل الله ما لقيت كلام اتفاقي من غير قصد وتعمد، والشعر كلام موزون مقفى مع تعمد.

وقيل: أراد نفي الشعر عن القرآن فقال ﴿ وما علمناه ﴾ بتعليم القرآن ﴿ الشعر وما ينبغي ﴾ القرآن أن يكون شعراً وأنا أقول: الأحسن أن يقال: ما ينبغي له معناه أنه لا يليق بجلالة منصبه لأن الشعر مادته كلام يفيد تأثيراً دون التصديق وهو التخييل، وأما الوزن والقافية فهما كالصورة ويفيدانه ترويجاً وتزييناً فجلَّ رتبته من التخييل الذي هو قريب من المغالطة، ولهذا لم يؤمر بأن يدعو بهما إلى سبيل ربه.

وإنما أمر بأن يدعو إلى الدين باسئر أصناف الكلام حيث قيل ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ ونظيره قوله ههنا ﴿ إن هو إلا ذكر ﴾ أي موعظة ﴿ وقرآن مبين ﴾ ذو البيان أو الإبانة وأنه يشمل البرهان والجدل.

أما البرهان فظاهر، وأما الجدل فلأن النتيجة إذا كانت في نفسها حقة.

فالرجل العالم المحق ليس عليه إلا إفحام الخصم الألدّ وإلزامه بمقدّمات مسلمة أو مشهورة، ومما يؤيد ما ذكرنا ما روي أنه  كان يقرأ قول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً *** ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد هكذا: ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار.

ولا ريب أنه كان يتأتى له رواية الشعر إن لم يتأت له فرصة، وما ذاك إلا للتنزه عما يشبه ما يشين رتبته ولا يوافق وغزاه.

ويروى أنه  حين قال: هل أنت إلا إصبع دميت *** انقطع الوحي أياماً حتى قالت الكفار إن محمداً قد ودعه ربه وقلاه، وهذا أحد أسباب نزول تلك الآية.

ولمثل ما قلنا لم يروَ عنه كلام منظوم وإن كان حقاً وصدقاً كالذي قاله بعض الشعراء في التوحيد والحقائق.

وقد أشار إلى نحو ذلك بقوله  "إن من الشعر لحكمة" وقد مر في تفسير قوله  في آخر الشعراء ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات  ﴾ وذلك أن الشاعر يقصد لفظاً فيوافقه معنى حكمي.

وبالجملة لا يخلو الشعر عن تكلف مّا، وقد يدعوه النظم إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ، فأين الشارع من الشاعر؟

ثم بين كون القرآن منزلاً على هذا الوجه بقوله ﴿ لتنذر ﴾ يا محمد أو لينذر هو أي القرآن ﴿ من كان حياً ﴾ عاقلاً متأملاً.

ويجوز أن تكون الحياة عبارة عن الإيمان، أو المراد بالحي من يؤل حاله إلى الإيمان.

أو المراد بالإنذار الانتفاع به مثل ﴿ هدى للمتقين  ﴾ ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر  ﴾ وقوله ﴿ ويحق القول ﴾ كقوله في أول السورة ﴿ لقد حق القول ﴾ وقد مر وهذا كلام مطابق من حيث المعنى كأنه قال: لتنذر من كان حياً ويحق القول على من كان ميتاً لأن الكافر في عداد الموتى.

ثم عاد إلى تقرير دلائل الوحدانية مع تعداد النعم فقال ﴿ أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت ﴾ أي من جملة ما عملته ﴿ أيدينا ﴾ فاستعار عمل الأيدي لتفرده بالأحداث والإيجاد مع اشتمال المحدث والموجد على غرائب وعجائب حتى قال فيه ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت  ﴾ وقوله ﴿ فهم لها مالكون ﴾ إشارة إلى اتمام الإنعام في خلق الأنعام.

وقوله ﴿ وذللناها لهم ﴾ إشارة إلى ما فوق التمام فقد يملك الشيء ولا يكون مسخراً، ومن الذي يقدر على تذليل الإبل لولا أمر الله بتسخيرها حتى قال بعضهم: يصرف الصبيّ بكل وجه *** ويحبسه على الخسف الجرير وتضربه الوليدة بالهراوي *** فلا غير لديه ولا نكير والجرير حبل يجعل للبعير بمنزلة العذار للدابة.

ومن زعم أن الملك بمعنى الضبط من قوله: لا أملك رأس البعير أن يفر.

يلزمه التكرار.

ثم فصل بعض منافعها بقوله ﴿ فمنها ركوبهم ﴾ والركوب والركوبة ما يركب كالحلوب والحلوبة، والتاء للمبالغة.

وقيل: للوحدة والمنافع كالجلود والأوبار والأصواف، ذكرها بالاسم العام لما في تفصيلها من الطول.

والمشارب جمع مشرب وهو موضع الشرب اي الأواني المتخذة من جلودها، أو هو الشرب كالألبان والأسمان.

وحين وبخهم على عدم الشكر بقوله ﴿ أفلا يشكرون ﴾ زاد في توبيخهم بقوله ﴿ واتخذوا من دون الله آلهة ﴾ أي وضعوا الشرك مكان الشكر فلا أظلم منهم.

وفي قوله ﴿ لعلهم ينصرون ﴾ إلى قوله ﴿ محضرون ﴾ وجهان: أحدهما أنهم طمعوا في أن يتقوّوا بهم ويعتضدوا بمكانهم والأمر عكس ذلك حيث هم جند لآلهتهم معدّون يخدمونهم ويذبون عنهم من غير نفع في آلهتهم.

وثانيهما اتخذوهم لينصرونهم عند الله بالشفاعة، والأمر على خلاف ذلك حيث إن آلهتهم يوم القيامة جند محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقوداً للنار.

ووجه ثالث وهو أن يكون قوله ﴿ وهم لهم جند محضرون ﴾ تأكيداً لعدم الاستطاعة فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف من لم يتأهب ولم يجمع أنصاره.

ثم عقب دليل التوحيد بالرسالة مسلياً رسوله بقوله ﴿ فلا يحزنك قولهم ﴾ باتخاذ الشريك لله أو بالطعن في الرسالة أو بالإيذاء في والتهديد.

ثم علل عدم الحزن بقوله ﴿ إنا نعلم ما يسرون ﴾ من النفاق وسائر العقائل الفاسدة ﴿ وما يعلنون ﴾ من الشرك وسائر الأفعال القبيحة، أو يسرون من المعرفة بالله ويعلنون من العناد وجوّز جار الله فتح "أن" على تقدير لام التعليل، بل جوز أن تكون المفتوحة بدلاً من ﴿ قولهم ﴾ والمكسورة مفعولاً لـ ﴿ ـقولهم ﴾ ويكون نهي الرسول عن ذلك كنهيه عن الشرك في قوله ﴿ ولا تكونن من المشركين  ﴾ ثم اردف الرسالة بالحشر مع أن فيه دليلاً آخر على التوحيد مأخوذاً من الأنفس، فإن الأول كان مأخوذاً من الآفاق.

وفي قوله ﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ وجهان: أحدهما فإذا هو بعد ما كان ماء مهيناً رجل مميز منطيق معرب عما في ضميره كقوله ﴿ أو من يُنَشَّؤُاْ في الحلية وهو في الخصام غير مبين  ﴾ فقوله ﴿ من نطفة ﴾ إشارة إلى أدنى ما كان عليه الإنسان وقوله ﴿ فإذا هوخصيم مبين ﴾ إشارة إلى أعلى ما حصل عليه الآن، لأن أعلى أحوال الناطق أن يقدر على المخاصمة والذب عن نفسه بالكلام الفصيح.

وثانيهما قول كثير من المفسرين إنها نزلت في جماعة من كفار قريش تكلموا في البعث فقال للهم أبيّ بن خلف الجمحي: واللات والعزى لأصيرن إلى محمد ولأخصمنه.

وأخذ عظماً بالياً فجعل يفتته بيده ويقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ؟

فقال  : نعم ويبعثك ويدخلك جهنم.

قال أهل البيان: سمى قولهم ﴿ من يحيي العظام وهي رميم ﴾ مثلاً لأن إنكار قدرة الله  على إحياء الموتى قصة عجيبة.

وفيه تشبيه الخالق اللقادر العليم بالمخلوق العاجز عن خلق أدنى بعوضة الجاهل بما يجري عليه من الأحوال.

والرميم اسم لما بلي من العظام كالرمة والرفات ولا يبعد أن يكون صفة.

ولم تؤنث بتقدير موصوف محذوف أي شيء رميم، أو لأنه بمعنى فاعل كقوله ﴿ إن رحمة الله قريب  ﴾ وفي الآية دليل ظاهر على أن عظام الميتة نجسة لأن الموت والحياة يتعاقبان عليها.

وقال أصحاب أبي حنيفة: إنها طاهرة وإن الحياة لا تحل فيها فلا يتصور موتها، وكذا الشعر والعصب.

وتأوّلوا الآية بأن المراد بإحياء العظام ردّها على ما كانت عليه غضة طرية في بدن حيّ حساس.

واعلم أن المنكرين للحشر منهم من اكتفى في إنكاره بمجرد الاستبعاد كقوله ﴿ من يحيي العظام وهي رميم ﴾ فأزال استبعادهم بتصوير الخلق الأول فإن الذي قدر على جعل النطفة المتشابهة الأجزاء إنساناً مختلف الأبعاض والأعضاء، مودعاً فيه الفهم والعقل وسائر أسباب المزية والفضل، فهو على إعادتها أقدر.

ومنهم من ذكر شبهة وهي كقولهم: إن الإنسان بعد العدم لم يبق شيئاً فكيف يصح إعادة المعدوم عقلاً؟

أو كقولهم: إن الذي تفرقت أجزاؤه في أبدان السباع وجدران الرباع كيف يجمع ويعاد؟

أو كقولهم إن إنسانأً إذا نشأ مغتذياً بلحم إنسان آخر فلا بد أن لا يبقى للآكل وللمأكول جزء يمكن إعادته.

فأجاب الله  عن الأول بقوله ﴿ يحييها الذي أنشأها أوّل مرة ﴾ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً فإنه يعيده وإن لم يكن شيئاً.

وعن الباقيتين بقوله ﴿ وهو بكل خلق عليم ﴾ فيجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع والسباع وهكذا يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل والمأكول.

ثم شبه خلق الإنسان بل الحيوان من قبل إيداع الحرارة الغريزية التي بها قوام الحياة في جوهر رطب طريّ بإنشاء الشجر الخضر الذي تنقدح منه النار.

قالت العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثر واستغزر يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ - وهو ذكر علىالعفار- وهي أنثى- فتنقدح النار بإذن الله عز وجل.

وعن ابن عباس: ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب قالوا: ولذلك يتخذ منه كذينقات القصارين.

قلت: ويشبه أن يكون كل شجرة في غاية الصلابة هكذا إلا أن يكون له سبب خاص به كما يروى أنه معجزة لموسى  فإنه قد رأى النار فيها فلا ينبغي لغيره أن يراها.

ثم أكد قدرته الكاملة على خلق الإنسان إبداء وإعادة بتذكر خلق السموات والأرض الذي هو أكبر من خلق الناس.

ثم أثبت ما نفاه مستفهماً للتقرير بقوله ﴿ بل وهو الخلاق ﴾ الكثير الخلق الكامل فيه ﴿ العليم ﴾ بكل جوهر وعرض وما يطلق عليه اسم الشيئية.

ثم بين أن إيجاده ليس متوقفاً إلا على تعلق الإرادة بالمقدور وقد مر تقريره في أوائل "البقرة" وغيرها.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء.

وأجيب بأن الآية دلت على أنه حين تعلق الإرادة به شيء، أما إنه قبل ذلك شيء فكلا.

ثم ختم السورة بتقرير المبدأ والمعاد على الإجمال.

فقوله ﴿ بيده ملكوت كل شيء ﴾ إشارة إلى المبدأ.

وقوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ إشارة إلى المعاد وإذا تقرر الطرفان فما بينهما الوسط المشتمل على التكاليف والرسالة، فهذه الآية كالنتجية للمقدمات السابقة في السورة.

عن ابن عباس: كنت لا أعلم ما روي في فضائل يس وقراءتها كيف خصت بذلك فإذا أنه لهذه الآية.

روي أنه  قال: "إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس" فذكر الإمام الغزالي  أن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر وأنه مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه فلذلك سماها قلب القرآن.

وقال غيره: إن الأصول الثلاثة التي يتعلق بها نصيب الجنان وهي التوحيد والرسالة والحشر مكررة في هذه السورة.

وليس فيها شيء من بيان وظيفة اللسان ولا العمل بالأكان.

فلما كان أعمال القلب لا غير سماه قلباً، ولهذا ورد في الأخبار أنه ينبغي أن تقرأ على الميت حالة النزع وذلك ليزداد بها قوة قلبه، فإن الأعضاء الظاهرة وقتئذ ساقطة المنة، والقلب مقبل على الله معرض عما سواه ولنا فيه وجه هو بالتأويل أشبه فلنذكره هناك.

الـتأويل: ﴿ اتقوا ما بين أيديكم ﴾ من الدنيا وشهواتها ﴿ وما خلفكم ﴾ من نعيم الجنة ولذاتها ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بمشاهدة الجمال وأنوار الكمال ﴿ ونفخ في الصور ﴾ إشارة إلى نفخ إسرافيل المحبة في صور القلب، فإذا السر والروح والخفى من أجداث أوصاف البشرية ﴿ إلى ربهم ينسلون ﴾ يرجعون بعضها بالسير وبعضها بالطيران ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ﴾ شغلهم الله بالمفاكهة عن المشاهدة كما قال بعض الصوفية: والناس يخرجون من مسجد الجامع هؤلاء حشو الجنة.

وللمجالسة اقوام آخرون وهم الفارغون من الالتفات إلى الكونين.

قال الله  ﴿ فإذا فرغت  ﴾ أي من تعلقات الكونين ﴿ فانصب  ﴾ لطلب الوصال.

ويحكى أن الآية قرئت في مجلس الشبلي  فشهق شهقة وغاب، فلما أفاق قال: مساكين لو علموا أنهم عم شغلوا لهلكوا.

ويحتمل أن يقال: إنهم اليوم أي في الدنيا ف شغل بأنواع الطاعات والعبادات من طلب الحق والشوق إلى لقائه كما يحكى عن يحيى بن معاذ أنه قال: رايت رب العزة في منامي فقال لي: ابن معاذ، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني.

ويمكن أن يقال: إنهم اليوم في الدنيا في شغل بالطاعات والرضا بما قسم الله عن طلب اللذات والفوائد وارتكاب المحرمات والزوائد.

أو يقال: إنه خطاب للعصاة فإن أهل الله هم المستغرقون في بحار عظمة الله، وأهل الجنة مشتغلون باستيفاء اللذات وليس العصاة إلا رحمتي وكرمي كما قال ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله  ﴾ ﴿ وتشهد أرجلهم ﴾ في بعض الأخبار المروية أن عبداً لتشهد عليه أعضاؤه بالذلة فتتطاير شعرة من جفن عينه فتستأذن بالشهادة له فيقول الحق  : تكلمي يا شعرة جفن عين عبدي واحتجي عن عبدي.

فتشهد له بالبكاء من خوفه فيغفر له وينادي مناد: هذا عتيق الله بشعرة.

﴿ ومن نعمره ننكسه ﴾ إن السالك إذا عمر صار في آخر الأمر إلى الفناء في الله حتى لا يبقى منه ما يستند الفعل إليه.

وفي قوله ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ إشارة إلى أن العلوم والصنائع كلها من الله  وبتعليمه وإلهامه.

﴿ من الشجر الأخضر ﴾ وهو شجرة البشرية نار المحبة ﴿ توقدون ﴾ مصباح قلوبكم.

وإنما قال النبي  "إن قلب القرآن يس" لأن ذكره  رمز إليه في أول السورة وفي آخرها.

أما الأول فقد مر في تفسير لفظ ﴿ يس ﴾ وأما الثاني فلأن قوله ﴿ فسبحان ﴾ إلى آخره يدل على المبدأ والمعاد تصريحاً، وعلى الرسالة ضمناً، ولا ريب أن القلب خلاصة كل ذي قلب، وإنه  كان خلاصة المخلوقات وكان خلقه القرآن الذي نزل على قلبه، وكأن فاتحة السورة وخاتمتها مبنية على ذكره منبئة عن سره كالقلب في جوف صاحبه فلأجل هذه المناسبات أطلق على ﴿ يس ﴾ أنه قلب القرآن والله ورسوله أعلم بأسرار كلامه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ .

كأن أهل الجنة وأهل النار يكونون مختلطين، فيفرق هؤلاء؛ لأنهم يكونون في الابتداء مجموعين، وكذلك سمي: يوم الجمع، ويوم الحشر، ثم يفرق بينهم؛ كقوله: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ  ﴾ ، وسمي: يوم الفصل.

وأصل قوله: ﴿ وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ ﴾ ليس على الأمر في الحقيقة: أن افترقوا، ولكن على حقيقة التفريق على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ  ﴾ ، وأصل الامتياز: الافتراق والاعتزال؛ وبه يقول أبو عوسجة والقتبي: إن الامتياز هو التفرق والتنحي.

وقوله: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ ﴾ .

يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: عهد خلقة وبنية؛ إذ قد جعل الله  في خلقة كل أحد وبنيته ما يشهد على وحدانيته، وجعل العبادة له ويصرفها عمّن دونه، فنقضوا ذلك العهد وصرفوا العبادة إلى غيره والألوهية.

والثاني: ما أخذ عليهم من العهد على ألسن الرسل والأنبياء من الأمر والنهي.

والثالث: ما جعل فيهم من الحاجات والشهوات التي يحملهم قضاؤها من عنده على صرف العبادة إليه والشكر له على نعمائه، وجعل الألوهية له، ويمنعهم صرفها إلى غيره وجعلها لمن دونه، فنقضوا ذلك كله وتركوه.

فإن قيل: ذكر عبادة الشيطان، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان ولا يعبده، بل كل يفرّ عن عبادته ويهرب منه، لكنه يخرج على وجهين: أحدهما: يحتمل أن يريد بالشيطان: المردة من الكفرة والأئمة منهم الذين صرفوهم عن عبادة الله، سموا شيطاناً؛ لما بعدوا عن رحمة الله؛ شطن، أي: بعد، كقوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً  ﴾ .

والثاني: نسب تلك العبادة إلى الشيطان وأضافها إليه، وإن كانوا هم لا يقصدون بعبادتهم الشيطان؛ لِمَا بأمره يعبدون ما يعبدون من الأصنام؛ فنسب إليه بالأمر، أو لما كان منه بداية الأمر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

عداوته لنا ظاهرة بينة في كل شيء، حتى في المأكل والمشرب والمبلس؛ كقوله: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا...

﴾ الآية [الأعراف: 20]؛ إذ هو يريد أن يوقعنا في المهالك فهو عدوّ لنا.

وقوله: ﴿ وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾ .

أي: اعبدوني فإن عبادتي هي الصراط المستقيم.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَضَلَّ مِنْكُمْ ﴾ ، أي: أهلك، وهو ما أهلك من القرون المتقدمة نحو عاد وثمود وقروناً غير ذلك، والإضلال يكون الإهلاك في اللغة.

ويحتمل على حقيقة الإضلال عن الهدى.

ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: أن قد رأيتم وعلمتم أنه قد أهلك الله خلقاً كثيراً بإبليس بما ضلوا به واستأصلهم لذلك؛ فكونوا أنتم يا معشر أهل مكة على حذر منه؛ لئلا ينزل بكم ما نزل بأولئك بضلالهم به - والله أعلم - ﴿ أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ ﴾ : أنه فعل ذلك بهم، يخرج على التعيير والتوبيخ لهم لترك هؤلاء النظر في أمر أولئك.

والثاني: قوله: ﴿ جِبِلاًّ كَثِيراً ﴾ : قال بعضهم: جموعاً كثيرة.

وقال بعضهم: خلقاً كثيراً.

وقال بعضهم: أمماً كثيرة؛ وكله واحد، وأصله من قولك: جبلهم على كذا، أي: طبعهم، ويقرأ: ﴿ جُبلاًّ ﴾ و ﴿ جِبِلاًّ ﴾ برفع الجيم والتشديد وخفضها والتشديد.

قال أبو عوسجة: الجبلة والجبلة: الخلق.

وقوله: ﴿ هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ .

يشبه أن يكونوا لما رأوا جهنم قالوا: ما هذا الذي نراه؟!

فعند ذلك قيل لهم: ﴿ هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ بها، ﴿ ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ ، أي: ادخلوها اليوم بما كنتم تكذبون بها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ .

أي: نطبع على أفواههم، فلا يتكلمون ﴿ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .

كأنهم - والله أعلم - لما أنكروا كفرهم وشركهم وعملهم الذي عملوه في الدنيا؛ كقولهم: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، وأمثاله عند ذلك يأذن الله لسائر جوارحهم وأركانهم بالنطق والشهادة عليهم بما عملوا؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ...

﴾ الآية [النور: 24]، وقوله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ...

﴾ الآية [فصلت: 20]، ثم أنطق ألسنتهم حتى يعاتبوا الجوارح في شهادتها عليهم بقوله: ﴿ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ  ﴾ .

وفيه أن النطق والكلام الذي يكون من اللسان لا يكون لأنه لسان أو لنفس اللسان، ولكن للطف يجعل الله ذلك في اللسان فينطق، فيحثما جعل ذلك اللطف والمعنى في أي جارحة ما جعل نطقت وتكلمت، ولو كان النطق والكلام لنفس اللسان، لكان يجب أن ينطق لسان كل ذي لسان لما له اللسان، فإذا لم ينطق دل أنه للطف جعل فيه به ينطق ويتكلم، فحيثما جعل ذلك المعنى واللطف نطق وتكلم؛ وكذلك السمع والبصر وكل جارحة منه من اليد والرجل وغيره جعل لطفاً ومعنى به يسمع السمع، وبه يبصر البصر، وبه تأخذ وتقبض اليد، وبه تمشي وتذهب الرجل، فأينما جعل ذلك اللطف وذلك المعنى كان منه ذلك ما كان من السمع والبصر وغيره؛ وكذلك الأطعمة والمياه ليس الغذاء في عينها، ولكن في لطف جعل الله فيها لطفاً ومعنى يصير ذلك غذاء لهم؛ ألا ترى أن عين الطعام تبقى فيرمى به وينتفع بما فيه من الغذاء؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: لو نشاء لطمسنا أعين الضلال، فاستبقوا فلم يبصروا الطريق، فأنى يبصرون وقد فقأنا أعينهم.

وقال بعضهم: لو نشاء لحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى، فلو طمست: أي: حولت [عن] الكفر - لاستبقوا الصراط، يقول: لأبصروا طريق الهدى، ثم قال: ﴿ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴾ يقول: فمن أين يبصرون الهدى إن لم أعم عليهم طريق الكفرة؟!

﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ ﴾ .

أي: لأقعدناهم على أرجلهم لا يتقدمون ولا يتأخرون.

ويشبه أن يكون على خلاف هذا على التمثيل؛ يقول - والله أعلم -: لو طمسنا أعينهم وأعميناهم فاستبقوا الطريق ﴿ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴾ ، أي: لا يبصرون الطريق؛ فعلى هذا إذا طمسنا أعين القلوب فأعميناها، فأنى يبصرون الهدى، أي: لا يبصرون.

﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ ﴾ .

يقول [ذلك] - والله أعلم - على التمثيل، أي: لو حولنا ظاهر خلقتهم وصيرناها خنازير وقردة حتى ذهبنا بمنافع أنفسهم ظاهرة، فما استطاعوا مضيّاً ولا يرجعون؛ فعلى ذلك إذا مسخنا قلوبهم وحولناها عن مكانها ما انتفعوا بها كما [لم] ينتفعوا بظواهر جواهرهم، على التمثيل لا على التحقيق.

وفي قوله: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ ﴾ ، ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ ﴾ دلالة أن لله في ذلك صنعاً؛ إذ لو لم يكن [له] فيما يختارون من الأفعال والأعمال صنع، لم يكن لتوعدهم على إذهاب ذلك وتحويله عن مكانه معنى، فدل أن له صنعاً في ذلك وفعلا.

قال الحسن وقتادة في قوله: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ ﴾ فتركناهم عميا يترددون ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ ﴾ : أي: لأقعدناهم على أرجلهم على ما ذكر.

﴿ فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: ما استطاعوا أن يتقدموا ويتأخروا.

وابن عباس -  - يقول ما تقدم ذكره، أي: لو شاء غير أعين الضلال فلم يبصروا الطريق ﴿ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴾ أي: كيف يبصرون، أو نحوه من الكلام.

ومقاتل يقول: لو شاء طمس أعينهم ظاهره ﴿ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴾ ، أي: لا يبصرون، وهو قريب مما ذكر آنفاً.

وجائز أن يكون على التمثيل على ما ذكرنا بدءاً.

ويحتمل على التحقيق أن من قدر على الطمس أو المسخ وما ذكر من النكس، لا يعجزه شيء من البعث وغيره؛ إذ خلق الإنسان للطمس أو المسخ خاصة لا لعاقبة تقصد ليس بحكمة.

أو يذكر أنه لو شاء لطمسهم ولمسخهم، لكنه تركهم فلم يطمسهم ولم يمسخهم؛ ليبقوا في النعمة؛ ليشكروا نعمه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

اليوم نطبع على أفواههم فيصيرون خُرْسًا لا يتكلمون بإنكار ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي، وتكلمنا أيديهم بما عملت به فى الدنيا، وتشهد أرجلهم بما كانوا يرتكبون من المعاصي ويمشون إليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.KLqnv"

مزيد من التفاسير لسورة يس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله