الآية ٦٦ من سورة يس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 36 يس > الآية ٦٦ من سورة يس

وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ٦٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 83 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٦ من سورة يس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٦ من سورة يس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ) : قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في تفسيرها : يقول : ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى ، فكيف يهتدون ؟

وقال مرة : أعميناهم .

وقال الحسن البصري : لو شاء الله لطمس على أعينهم ، فجعلهم عميا يترددون .

وقال السدي : لو شئنا أعمينا أبصارهم .

وقال مجاهد ، وأبو صالح ، وقتادة ، والسدي : ( فاستبقوا الصراط ) يعني الطريق .

وقال ابن زيد : يعني بالصراط هاهنا الحق ، ( فأنى يبصرون ) وقد طمسنا على أعينهم ؟

وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( فأنى يبصرون ) ] يقول ] : لا يبصرون الحق .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ( وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ ) فقال بعضهم: معنى ذلك: ولو نشاء لأعميناهم عن الهدى، وأضللناهم عن قصد المَحَجَّة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله ( وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ ) يقول: أضللتهم وأعميتهم عن الهدى وقال آخرون: معنى ذلك: ولو نشاء لتركناهم عميا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ( وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ) قال: لو يشاء لطمس على أعينهم فتركهم عميًا يترددون .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ) يقول: لو شئنا لتركناهم عميا يترددون .

وهذا القول الذي ذكرناه عن الحسن وقتادة أشبه بتأويل الكلام، لأن الله إنما تهدد به قومًا كفارا، فلا وجه لأن يقال: وهم كفار، لو نشاء لأضللناهم وقد أضلهم، ولكنه قال: لو نشاء لعاقبناهم على كفرهم، فطمسنا على أعينهم فصيرناهم عميا لا يبصرون طريقا، ولا يهتدون له؛ والطَّمْس على العين: هو أن لا يكون بين جفني العين غرٌّ، وذلك هو الشق الذي بين الجفنين (3) كما تطمس الريح الأثر، يقال: أعمى مطموس وطميس.

وقوله ( فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ ) يقول: فابتدروا الطريق.

كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ ) قال الطريق .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ ) أي: الطريق .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ ) قال: الصراط، الطريق .

وقوله ( فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ) يقول: فأي وجه يبصرون أن يسلكوه من الطرق، وقد طمسنا على أعينهم.

كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ) وقد طمسنا على أعينهم .

وقال الذين وجهوا تأويل قوله ( وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ ) إلى أنه معني به العمى عن الهدى، تأويل قوله ( فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ) : فأنى يهتدون للحق.

* ذكر من قال ذلك: -حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ) يقول: فكيف يهتدون .

حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ) يقول: لا يبصرون الحق .

------------------------ الهوامش: (3) كذا في مجاز القرآن لأبي عبيدة (مصورة الجامعة، الورقة 207).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون حكى الكسائي : طمس يطمس ويطمس .

والمطموس والطميس عند أهل اللغة الأعمى الذي ليس في عينيه شق .

قال ابن عباس : المعنى : لأعميناهم عن الهدى ، فلا يهتدون أبدا إلى طريق الحق .

وقال الحسن والسدي : المعنى : لتركناهم عميا يترددون .

فالمعنى لأعميناهم فلا يبصرون طريقا إلى تصرفهم في منازلهم ولا غيرها .

وهذا اختيار الطبري .

وقوله " فاستبقوا الصراط " أي : استبقوا الطريق ليجوزوا " فأنى يبصرون " أي : فمن أين يبصرون .

وقال عطاء ومقاتل وقتادة وروي عن ابن عباس : ولو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم ، وأعميناهم عن غيهم ، وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى ، فاهتدوا وأبصروا رشدهم ، وتبادروا إلى طريق الآخرة .

ثم قال : فأنى يبصرون ولم نفعل ذلك بهم ، أي : فكيف يهتدون وعين الهدى مطموسة ، على الضلال باقية .

وقد روي عن عبد الله بن سلام في تأويل هذه الآية غير ما تقدم ، وتأولها على أنها في يوم القيامة .

وقال : إذا كان يوم القيامة ومد الصراط نادى مناد : ليقم محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته ، فيقومون برهم وفاجرهم يتبعونه ليجوزوا الصراط ، فإذا صاروا عليه طمس الله أعين فجارهم ، فاستبقوا الصراط فمن أين يبصرونه حتى يجاوزوه ، ثم ينادي مناد : ليقم عيسى وأمته ، فيقوم فيتبعونه برهم وفاجرهم فيكون سبيلهم تلك السبيل ، وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام .

ذكره النحاس ، وقد كتبناه في التذكرة بمعناه حسب ما ذكره ابن المبارك في رقائقه .

وذكره القشيري .

وقال ابن عباس - رضي الله عنه - : أخذ الأسود بن الأسود حجرا ومعه جماعة من بني مخزوم ليطرحه على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فطمس الله على بصره ، وألصق الحجر بيده ، فما أبصره ولا اهتدى ، ونزلت الآية فيه .

والمطموس هو الذي لا يكون بين جفنيه شق ، مأخوذ من طمس الريح الأثر ، قاله الأخفش والقتبي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ } بأن نُذْهِبَ أبصارهم، كما طمسنا على نطقهم.

{ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ } أي: فبادروا إليه، لأنه الطريق إلى الوصول إلى الجنة، { فَأَنَّى يُبْصِرُونَ } وقد طمست أبصارهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ) [ أي : أذهبنا أعينهم ] الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شق ، وهو معنى الطمس كما قال الله عز وجل : " ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم " ( البقرة - 20 ) يقول : كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة ( فاستبقوا الصراط ) فتبادروا إلى الطريق ( فأنى يبصرون ) فكيف يبصرون [ وقد أعمينا أعينهم ؟

يعني : لو نشاء لأضللناهم عن الهدى ، وتركناهم عميا يترددون ، فكيف يبصرون ] الطريق حينئذ ؟

هذا قول الحسن والسدي .

وقال ابن عباس ، وقتادة ، ومقاتل ، وعطاء : معناه لو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم فأعميناهم عن غيهم ، وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم ( فأنى يبصرون ) ولم أفعل ذلك بهم ؟

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولو نشاء لطمسنا على أعينهم» لأعميناها طمسا «فاستَبَقُوا» ابتدروا «الصراط» الطريق ذاهبين كعادتهم «فأنَّا» فكيف «يبصرون» حينئذ؟

أي لا يبصرون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو نشاء لطمسنا على أعينهم بأن نُذْهب أبصارهم، كما ختمنا على أفواههم، فبادَروا إلى الصراط ليجوزوه، فكيف يتحقق لهم ذلك وقد طُمِست أبصارهم؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء الكافرين هم فى قبضته فى كل وقت فقال : ( وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ فاستبقوا الصراط فأنى يُبْصِرُونَ ) .وقوله : ( لَطَمَسْنَا ) الطمس إزالة أثر الشئ عن طريق محوه .

يقال : طمست الشئ طمسا - من باب ضرب - بمعنى محوته وأزلت أثره ، والمطموس والطميس الأعمى .

ومفعول المشيئة محذوف .

والصراط : الطريق وهو منصوب بنزع الخافض .أى : ولو نشاء طمس أعينهم بأن نمحو عنها الرؤية والإِبصار لفعلنا ، ولكنا لم نفعل بهم ذلك فضلا منا عليهم ، ورحمة بهم ، فكان من الواجب عليهم أن يقابلوا نعمنا بالشكر لا بالكفر .وقوله - سبحانه - : ( فاستبقوا الصراط ) معطوف على ( لَطَمَسْنَا ) على سبيل الفرض .أى : لو نشاء محو أبصارهم لمحوناها ، فلو أرادوا فى تلك الحالة المبادرة إلى الطريق ليسيروا فيه ، أو ليعبروه لما استطاعوا ذلك .

لأنهم كيف يستطيعون ذلك وهم لا يبصرون شيئاً .فالاستفهام فى قوله - تعالى - : ( فأنى يُبْصِرُونَ ) لاستبعاد اجتيازهم الطريق ، ونفى قدرتهم على التصرف .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قد ذكرنا مراراً أن الصراط المستقيم هو بين الجبر والقدر وهو الطريقة الوسطى، والله تعالى في كل موضع ذكر ما يتمسك به المجبرة ذكر عقيبه ما يتمسك به القدرية وبالعكس، وهاهنا كذلك لما قال الله تعالى: ﴿ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ  ﴾ وقال: ﴿ اصلوها اليوم بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ  ﴾ وكان ذلك متمسك القدرية حيث أسند الله الكفر والكسب إليهم وأحال الخير والشر عليهم، ذكر عقيبه ما يدل على أن كفرهم وكسبهم بمشيئة الله، وذلك لأن الكفر يعمي البصيرة ويضعف القوة العقلية، وعمى البصيرة بإرادة الله ومشيئته، إذا شاء أعمى البصائر، كما أنه لو شاء لطمس على أعينهم المبصرة، وسلب القوة العقلية باختياره ومشيئته، كما أن سلب القوة الجسمية بمشيئته، حتى لو شاء لمسخ المكلف على مكانته وأقامه بحيث لا يتحرك يمنة ولا يسرة، ولا يقدر على المضي والرجوع، فإعماء البصائر عنده كإعماء الأبصار، وسلب القوة العقلية كسلب القوة الجسمية، فقال: ﴿ وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ ﴾ إشارة إلى أنه لو شاء وأراد إعماء بصائرهم فضلوا، وأنه لو شاء طمس أعينهم لما اهتدوا إلى طريقتهم الظاهرة، وشاء واختار سلب قوة عقولهم فزلوا، وأنه لو شاء سلب قوة أجسامهم ومسخهم لما قدروا على تقدم ولا تأخر.

وفي الآيتين أبحاث لفظية: البحث الأول: في قوله: ﴿ فاستبقوا الصراط ﴾ قال الزمخشري فيه وجوه: الأول: أنه يكون فيه حذف حرف إلى واتصال الفعل من غير حرف وأصله فاستبقوا إلى الصراط الثاني: أن يكون المراد من الاستباق الابتدار فأعمله أعمال الابتدار الثالث: أن يجعل الصراط مستبقاً لا مستبقاً إليه، يقال استبقنا فسبقتهم وحينئذٍ يكون مبالغة في الاهتداء إلى الطريق، كأنه يقول الصراط الذي هو معهم ليسوا طالبين له قاصدين إياه، وإنما هم عليه إذا طمس الله على أعينهم لا يبصرونه، فكيف إن لم يكونوا على الصراط.

البحث الثاني: قدم الطمس والإعماء على المسخ والإعجاز ليكون الكلام مدرجاً، كأنه قال: إن أعماهم لم يروا الطريق الذي هم عليه وحينئذ لا يهتدون إليه، فإن قال قائل: الأعمى قد يهتدي إلى الطريق بأمارات عقلية أو حسية غير حس البصر كالأصوات والمشي بحس اللمس، فارتقى وقال: فلو مسخهم وسلب قوتهم بالكلية لا يهتدون إلى الصراط بوجه من الوجوه.

البحث الثالث: قدم المضي على الرجوع، لأن الرجوع أهون من المضي، لأن المضي لا ينبيء عن سلوك الطريق من قبل، وأما الرجوع فينبيء عنه، ولا شك أن سلوك طريق قد رؤي مرة أهون من سلوك طريق لم ير فقال: لا يستطيعون مضياً ولا أقل من ذلك وهو الرجوع الذي هو أهون من المضي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الطمس: تعفية شق العين حتى تعود ممسوحة ﴿ فاستبقوا الصراط ﴾ لا يخلو من أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل.

والأصل: فاستبقوا إلى الصراط.

أو يضمن معنى ابتدروا.

أو يجعل الصراط مسبوقاً لا مسبوقاً إليه.

أو ينتصب على الظرف.

والمعنى: أنه لو شاء لمسح أعينهم، فلو راموا أن يستبقوا إلى الطريق المهيع الذي اعتادوا سلوكه إلى مساكنهم وإلى مقاصدهم المألوفة التي تردّدوا إليها كثيراً- كما كانوا يستبقون إليه ساعين في متصرفاتهم موضعين في أمور دنياهم- لم يقدروا، وتعايى عليهم أن يبصروا ويعلموا جهة السلوك فضلاً عن غيره.

أو لو شاء لأعماهم، فلوا أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف- كما كان ذلك هجيراهم- لم يستطيعوا.

أو لو شاء لأعماهم، فلو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوا المشي فيه لعجزوا ولم يعرفوا طريقاً، يعني أنهم لا يقدرون إلا على سلوك الطريق المعتاد دون ما وراءه من سائر الطرق والمسالك، كما ترى العميان يهتدون فيما ألفوا وضروا به من المقاصد دون غيرها ﴿ على مكانتهم ﴾ وقرئ: ﴿ على مكاناتهم ﴾ والمكانة والمكان واحد، كالمقامة والمقام.

أي: لمسخناهم مسخاً يجمدهم مكانهم لا يقدرون أن يبرحوه بإقبال ولا إدبار ولا مضيّ ولا رجوع واختلف في المسخ، فعن ابن عباس: لمسخناهم قردة وخنازير.

وقيل: حجارة.

عن قتادة: لأقعدناهم على أرجلهم وأزمناهم.

وقرئ: ﴿ مضياً ﴾ بالحركات الثلاث، فالمضيّ والمضي كالعتيّ والعتي.

والمضيّ كالصبيّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ ﴾ نَمْنَعُها عَنِ الكَلامِ.

﴿ وَتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ بِظُهُورِ آثارِ المَعاصِي عَلَيْها ودَلالَتِها عَلى أفْعالِها، أوْ إنْطاقِ اللَّهِ إيّاها وفي الحَدِيثِ «إنَّهم يَجْحَدُونَ ويُخاصِمُونَ فَيُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم» .

﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ ﴾ لَمَسَحْنا أعْيُنَهم حَتّى تَصِيرَ مَمْسُوحَةً.

﴿ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ ﴾ فاسْتَبَقُوا إلى الطَّرِيقِ الَّذِي اعْتادُوا سُلُوكَهُ، وانْتِصابُهُ بِنَزْعِ الخافِضِ أوْ بِتَضْمِينِ الِاسْتِباقِ مَعْنى الِابْتِدارِ، أوْ جَعْلُ المَسْبُوقِ إلَيْهِ مَسْبُوقًا عَلى الِاتِّساعِ أوْ بِالظَّرْفِ.

﴿ فَأنّى يُبْصِرُونَ ﴾ الطَّرِيقَ وجِهَةَ السُّلُوكِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ} لأعميناهم وأذهبنا أبصارهم والطمس تعفيه شق العين حتى تعود ممسوحة {فاستبقوا الصراط} على حذف الجار وإيصال الفعل والأصل فاستبقوا إلى الصراط {فأنى يُبْصِرُونَ}

فكيف يبصرون حينئذ وقد طمسنا أعينهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ ﴾ بَيانُ أنَّهُمُ اليَوْمَ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ ومُسْتَحِقُّونَ لِلْعَذابِ إلّا أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِحِكْمَتِهِ - جَلَّ وعَلا - الباهِرَةِ، والطَّمْسُ إزالَةُ الأثَرِ بِالمَحْوِ، والمَعْنى لَوْ نَشاءُ الطَّمْسَ عَلى أعْيُنِهِمْ وإزالَةَ ضَوْئِها وصُورَتِها بِالكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ تَعُودُ مَمْسُوحَةً لَطَمَسْنا عَلَيْها وأذْهَبْنا أثَرَها.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالطَّمْسِ إذْهابُ الضَّوْءِ مِن غَيْرِ إذْهابِ العُضْوِ وأثَرِهِ أيْ ولَوْ نَشاءُ لَأعْمَيْناهُمْ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ - وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ - لِإفادَةِ أنَّ عَدَمَ الطَّمْسِ عَلى أعْيُنِهِمْ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ المَشِيئَةِ، فَإنَّ المُضارِعَ المَنفِيَّ الواقِعَ مَوْقِعَ المُضِيِّ لَيْسَ بِنَصٍّ في إفادَةِ انْتِفاءِ اسْتِمْرارِ الفِعْلِ بَلْ قَدْ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ انْتِفائِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ لَطَمَسْنا ﴾ عَلى الفَرْضِ و”الصِّراطَ“ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ فَأرادُوا الِاسْتِباقَ إلى الطَّرِيقِ الواضِحِ المَأْلُوفِ لَهم.

﴿ فَأنّى يُبْصِرُونَ ﴾ أيْ فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ ذَلِكَ الطَّرِيقَ وجِهَةَ السُّلُوكِ، والمَقْصُودُ إنْكارُ إبْصارِهِمْ، وحاصِلُهُ: لَوْ نَشاءُ لَأذْهَبْنا أحْداقَهم وأبْصارَهم فَلَوْ أرادُوا الِاسْتِباقَ وسُلُوكَ الطَّرِيقِ الَّذِي اعْتادُوا سُلُوكَهُ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ولا يُبْصِرُونَهُ، وتَأْوِيلُ ”اسْتَبَقُوا“ بِـ ”أرادُوا الِاسْتِباقَ“ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ، وقِيلَ لا حاجَةَ لِتَأْوِيلِهِ فَإنَّ الأعْمى يَجُوزُ شُرُوعَهُ في السِّباقِ، ونُصِبَ ﴿ الصِّراطَ ﴾ بِنَزْعِ الخافِضِ ولَمْ يُنْصَبْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّهُ كالطَّرِيقِ مَكانٌ مُخْتَصٌّ، ومَثَلُهُ لا يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَفْعُولًا بِهِ لِتَضْمِينِ ”اسْتَبَقُوا“ مَعْنى ابْتَدَرُوا، ونُقِلَ عَنِ الأساسِ في قِسْمِ الحَقِيقَةِ ﴿ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ ﴾ ابْتَدَرُوهُ، قالَ في الكَشْفِ: فَعَلَيْهِ لا تَضْمِينَ، وادَّعى بَعْضُهم تَوَهُّمَ دَعْوى أنَّ ذَلِكَ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ، وصاحِبُ الأساسِ إنَّما ذَكَرَهُ في آخِرِ قَسَمِ المَجازِ، والمَعْنى لَوْ شِئْنا لَفَعَلْنا ما فَعَلْنا في أعْيُنِهِمْ فَلَوْ أرادُوا الِاسْتِباقَ مُتْبَدِرِينَ الطَّرِيقَ لا يُبْصِرُونَ، وقِيلَ: يَجُوزُ كَوْنُهُ مَفْعُولًا بِهِ عَلى أنَّ ”اسْتَبَقُوا“ بِمَعْنى سَبَقُوا ويَجْعَلُ الطَّرِيقَ مَسْبُوقًا عَلى التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ أوِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى جاوَزُوا، قالَ في القامُوسِ: اسْتَبَقَ الصِّراطَ جاوَزَهُ وظاهَرَهُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في ذَلِكَ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو مَجازٌ والعَلاقَةُ اللُّزُومُ، والمَعْنى ولَوْ نَشاءُ لَفَعَلْنا ما فَعَلْنا في أعْيُنِهِمْ فَلَوْ طالَبُوا أنْ يُخْلَفُوا الصِّراطَ الَّذِي اعْتادُوا المَشْيَ فِيهِ لَعَجَزُوا ولَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقًا، يَعْنِي أنَّهم لا يَقْدِرُونَ إلّا عَلى سُلُوكِ الطَّرِيقِ المُعْتادِ دُونَ ما وراءَهُ مِن سائِرِ الطُّرُقِ والمَسالِكِ كَما تَرى العُمْيانَ يَهْتَدُونَ فِيما ألِفُوا وضَرَبُوا بِهِ مِنَ المَقاصِدِ دُونَ غَيْرِها.

وذَهَبَ ابْنُ الطَّراوَةِ إلى أنَّ الصِّراطَ والطَّرِيقَ وما أشْبَهَهُما مِنَ الظُّرُوفِ المَكانِيَّةِ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً فَيَجُوزُ انْتِصابُها عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهَذا خِلافُ ما صَرَّحَ بِهِ سِيبَوَيْهِ وجَعَلَ انْتِصابَها عَلى الظَّرْفِيَّةِ مِنَ الشُّذُوذِ وأنْشَدَ: لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ والمَعْنى في الآيَةِ لَوِ انْتَصَبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لَوْ نَشاءُ لَفَعَلْنا ما فَعَلْنا في أعْيُنِهِمْ فَلَوْ أرادُوا أنْ يَمْشُوا مُسْتَبِقِينَ في الطَّرِيقِ المَأْلُوفِ كَما كانَ ذَلِكَ هِجِّيراهم لَمْ يَسْتَطِيعُوا، وحَمْلُ الأعْيُنِ عَلى ما هو الظّاهِرُ مِنها - أعْنِي الأعْضاءَ المَعْرُوفَةَ - والصِّراطِ عَلى الطَّرِيقِ المَحْسُوسِ هو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ حَمْلُ الأعْيُنِ عَلى البَصائِرِ والصِّراطَ عَلى الطَّرِيقِ المَعْقُولِ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ أعْمَيْناهم وأضْلَلْناهم عَنِ الهُدى ﴿ فَأنّى يُبْصِرُونَ ﴾ فَكَيْفَ يَهْتَدُونَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

وقَرَأ عِيسى ”فاسْتَبِقُوا“ عَلى الأمْرِ وهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ فَيُقالُ لَهُمُ: اسْتِبَقُوا، وهو أمْرُ تَعْجِيزٍ؛ إذْ لا يُمْكِنُهُمُ الِاسْتِباقُ مَعَ طَمْسِ الأعْيُنِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يقول الله تعالى وَامْتازُوا الْيَوْمَ وذلك أنه إذا كان يوم نادى مناد: وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ يعني: اعتزلوا أيها الكفار من المؤمنين، فإنهم قد تأذوا منكم في الدنيا، فاعتزلوهم حتى ينجوا منكم.

ويقال: إن المنادي ينادي أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ امتازوا، فإن المؤمنين قد فازوا.

وأيها المنافقون امتازوا، فإن المخلصين قد فازوا.

ويا أيها الفاسقون امتازوا فإن الصالحين قد فازوا ويا أيها العاصون امتازوا، فإن المطيعين قد فازوا.

ثم يقول للكفار والمنافقين بعد ما امتازوا: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يعني: ألم أتقدم إليكم.

ويقال: ألم أبيّن لكم في القرآن.

ويقال: ألم أوضح لكم يا بَنِي آدَمَ بالكتاب والرسل.

وقال القتبي: العهد يكون لمعان، يكون للأمانة كقوله: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ [التوبة: 4] ويكون لليقين، ويكون للميثاق، ويكون للزمان.

كما يقال: كان ذلك في عهد فلان أي: في زمانه.

ويكون العهد للوصية، كقوله: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ يعني: أن لا تطيعوا الشيطان.

قال ابن عباس: من أطاع شيئاً فقد عبده إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ يعني: بيّن العداوة وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ يعني: أطيعوني، ووحدوني.

يعني: هذا التوحيد طريق مستقيم.

ويقال: دين الإسلام هو طريق مستقيم لا عوج فيه، وهو طريق الجنة.

قوله عز وجل: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً يعني: خلقاً كثيراً.

وقرأ نافع وعاصم جِبِلًّا بكسر الجيم، والباء، والتشديد.

وقرأ أبو عمرو، وابن عامر: جِبِلًّا بضم الجيم، وجزم الباء.

والباقون: بضم الجيم والباء.

ومعنى ذلك كله واحد.

وقال أهل اللغة: الجبل، والجبلة كله بمعنى واحد يعني: الناس الكثير أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ما فعل بمن كان قبلكم، فتعتبروا فلم تطيعوه، فلما دنوا من النار قال لهم خزنتها هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في الدنيا فلم تصدقوا بها اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ يعني: اصلوها اليوم بما كفرتم في الدنيا عقوبة لكم في الدنيا الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وذلك حين قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يعني: يعملون من الشرك والمعاصي.

ثم قال: وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ قال مقاتل يعني: لو نشاء لحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ يعني: ولو طمست الكفر، لاستبقوا الصراط، أي: لجازوا الطريق فَأَنَّى يُبْصِرُونَ يعني: فمن أين يبصرون الهدى بعد ما جعلت قلوبهم قاسية، وجعلت على أعمالهم غطاء، وَأكِنَّةً على قلوبهم.

قال الكلبي: وَلَوْ نَشاءُ لفقأنا أعين الضلالة، فأبصروا الهدى، واستبقوا الطريق فَأنَّى يُبْصِرُونَ الطريق.

ويقال: فأنى يبصرون.

الهدى وقال بعضهم: ولو نشاء لأعمينا أبصارهم في أسواقهم، ومجالسهم، كما فعلنا بقوم لوط-  - حين كذبوه وراودوه عن ضيفه فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ يعني: فابتدروا الطريق هرباً إلى منازلهم، ولو فعلنا ذلك بهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ الضميرُ في «أعْيُنِهِمْ» لكفارِ قريش، ومعنى الآية: تَبْيِينُ أَنَّهُمْ في قَبْضَةِ القدرةِ، وبمَدْرَجِ العَذَابِ.

قالَ الحَسَنُ وقتادة: أراد الأعْيُنَ حقيقة «١» ، والمعنى: لأَعْمَيْنَاهُمْ فَلاَ يَرَوْنَ كَيْفَ يَمْشُونَ ويؤيدُ هذا مجانسةُ المَسْخِ لِلْعَمَى الحَقِيقِيِّ.

وقوله: فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ معناه: على الفَرْضِ والتقدير، كأَنَّه قال: ولو شئنا لأعميناهم، فأحسب أو قدّر أنّهم يسبقون الصِّرَاطَ وهو الطريقُ، فَأَنَّى لَهُمْ بالإبْصَارِ، وَقَدْ أَعْمَيْنَاهُمْ، وعبارةُ الثَّعْلَبِيِّ: وقالَ الحسنُ والسدي: ولو نشاء لَتَرَكْنَاهُمْ عُمْياً يَتَرَدَّدُونَ فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ الطريقَ حينئذ، انتهى، وقال ابن عباس: أراد: أعْيُنَ البَصَائِر «٢» والمَعْنَى:

لو شِئْنَا لَحَتَمْنَا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فلم يهتد منهم أحدا أبداً، وبَيَّنَ تعالى في تنكِيسِه المُعَمَّرِينَ، وأن ذلك مما لا يَقْدِرُ عليه إلا هو سبحانه، وتَنْكِيسُه: تَحَوُّلُ خَلْقِه من القوةِ إلى الضَّعْفِ ومِنَ الفَهْمِ إلى البَلَهِ، ونَحْوُ ذلك.

ثم أخْبَرَ تعالى عَن حالِ نبيه محمدٍ ع رَادًّا عَلى مَنْ قَال من الكفرة: إنه شَاعرٌ وإن القرآن شِعْرٌ- بقوله: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ...

الآية.

وقوله تعالى: «لتنذر مَن كَانَ حَيّاً» أي: حيَّ القَلْبِ والبَصِيرَةِ، ولم يكن مَيِّتاً لكُفْرِهِ وهذه استعارةٌ، قال الضحاك: مَنْ كانَ حَيًّا معناه: عاقِلاً «٣» ، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ معناه:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: "يَخْتِمُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ التّاءِ "وَتُكَلِّمُنا" قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَلِتُكَلِّمُنا" بِزِيادَةِ لامٍ مَكْسُورَةٍ وفَتْحِ المِيمِ وواوٍ قَبْلَ اللّامِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لِتُكَلِّمُنا" بِلامٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ واوٍ قَبْلَها وبِنَصْبِ المِيمِ؛ وقَرَؤُوا جَمِيعًا: "وَلِتَشْهَدَ أرْجُلُهُمْ" بِلامٍ مَكْسُورَةٍ وبِنَصْبِ الدّالِّ.

وَمَعْنى "نَخْتِمُ": نَطْبَعُ عَلَيْها، وقِيلَ: مَنعُها مِنَ الكَلامِ هو الخَتْمُ عَلَيْها، وفي سَبَبِ ذَلِكَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ  ﴾ خَتَمَ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ ونَطَقَتْ جَوارِحُهُمْ، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ.

والثّانِي: لِيَعْلَمُوا أنَّ أعْضاءَهُمُ الَّتِي كانَتْ أعْوانًا لَهم عَلى المَعاصِي صارَتْ شُهُودًا [عَلَيْهِمْ] .

والثّالِثُ: لِيَعْرِفَهم أهْلُ المَوْقِفِ، فَيَتَمَيَّزُوا مِنهم بِذَلِكَ.

والرّابِعُ: لِأنَّ إقْرارَ الجَوارِحِ أبْلَغُ في الإقْرارِ مِن نُطْقِ اللِّسانِ، ذَكَرَهُنَّ الماوَرْدِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في تَسْمِيَةِ نُطْقِ اليَدِ كَلامًا ونُطْقِ الرِّجْلِ شَهادَةً؟

فالجَوابُ: أنَّ اليَدَ كانَتْ مُباشِرَةً والرِّجْلَ حاضِرَةٌ، وقَوْلُ الحاضِرِ عَلى غَيْرِهِ شَهادَةٌ بِما رَأى، وقَوْلُ الفاعِلِ عَلى نَفْسِهِ إقْرارٌ بِما فَعَلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: ولَوْ نَشاءُ لَأذْهَبْنا أعْيُنَهم حَتّى لا يَبْدُوَ لَها شِقٌّ ولا جَفْنٌ.

والمَطْمُوسُ: الَّذِي لا يَكُونُ بَيْنَ جَفْنَيْهِ شَقٌّ، ﴿ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ ﴾ أيْ: فَتُبادِرُوا إلى الطَّرِيقِ ﴿ فَأنّى يُبْصِرُونَ ﴾ \[أيْ\]: فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ وقَدْ أعْمَيْنا أعْيُنَهُمْ؟!

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرُ، وأبُو رَجاءٍ: "فاسْتَبْقَوْا" بِكَسْرِ الباءِ "فَأنّى تُبْصِرُونَ" بِالتّاءِ.

وهَذا تَهْدِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: ولَوْ نَشاءُ لَأضْلَلْناهم وأعْمَيْناهم عَنِ الهُدى، فَأنّى يُبْصِرُونَ الحَقَّ؟!

رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: ولَوْ نَشاءُ لَفَقَأْنا أعْيُنَ ضَلالَتِهِمْ وأعْمَيْناهم عَنْ غَيِّهِمْ وحَوَّلْنا أبْصارَهم مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى فَأبْصَرُوا رُشْدَهُمْ، فَأنّى يُبْصِرُونَ ولَمْ أفْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ؟!

رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنهم مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ ﴾ ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "عَلى مَكاناتِهِمْ"؛ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا [البَقَرَةِ: ٦٥] .

وَفِي المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَمَسَخْناهُمْ ﴾ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ أحَدُها: لَأهْلَكْناهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَأقْعَدْناهم عَلى أرْجُلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: لَجَعَلْناهم حِجارَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: لَجَعَلْناهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ لا أرْواحَ فِيها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: فَما اسْتَطاعُوا أنْ يَتَقَدَّمُوا ولا أنْ يَتَأخَّرُوا، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا عَنِ العَذابِ، ولا رُجُوعًا إلى الخِلْقَةِ الأُولى بَعْدَ المَسْخِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: مُضِيًّا مِنَ الدُّنْيا ولا رُجُوعًا إلَيْها، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: "نُنَكِّسُهُ" مُشَدَّدَةً مَعَ ضَمِّ النُّونِ الأُولى وفَتْحِ الثّانِيَةِ؛ والباقُونَ: بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى وتَسْكِينِ الثّانِيَةِ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ؛ وعَنْ عاصِمٍ كالقِراءَتَيْنِ.

ومَعْنى الكَلامِ: مَن نُطِلْ عُمْرَهُ نُنَكِّسْ خَلْقَهُ، فَنَجْعَلُ مَكانَ القُوَّةِ الضَّعْفَ، وبَدَلَ الشَّبابِ الهَرَمِ، فَنَرُدُّهُ إلى أرْذَلِ العُمُرِ.

﴿ أفَلا يَعْقِلُونَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "أفَلا تَعْقِلُونَ" بِالتّاءِ، والباقُونَ بِالياءِ.

والمَعْنى: أفَلا يَعْقِلُونَ أنَّ مَن فَعَلَ هَذا قادِرٌ عَلى البَعْثِ؟!

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ أفَلا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَما عَلَّمْناهُ الشِعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ ﴾ الضَمِيرُ في "أعْيُنِهِمْ" مُرادٌ بِهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ، ومَعْنى الآيَةِ يُبَيِّنُ أنَّهم في قَبْضَةِ القُدْرَةِ وبُرُوجِ العَذابِ إنْ شاءَهُ اللهُ لَهُمْ، وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: أرادَ الأعْيُنَ حَقِيقَةً، والمَعْنى: لَأعْمَيْناهم فَلا يَرَوْنَ كَيْفَ يَمْشُونَ، ويُؤَيِّدُ هَذا مُجانَسَةُ المَسْخِ الحَقِيقِيِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ أعْيُنَ البَصائِرِ، والمَعْنى: ولَوْ شِئْنا لَخَتَمْنا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فَلَمْ يَهْتَدِ مِنهم أحَدٌ.

و"الطَمْسُ" إذْهابُ الآثارِ مِنَ المَشْيِ والهَيْئاتِ حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ، أيْ: جَعَلْنا جُلُودَ وُجُوهِهِمْ مُتَّصِلَةً حَتّى كَأنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِيها عَيْنٌ قَطُّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فاسْتَبَقُوا الصِراطَ ﴾ مَعْناهُ: عَلى الفَرْضِ، والتَقْدِيرِ: فَإنَّهُ ولَوْ شِئْنا لَأعْمَيْناهم فاحْسُبْ أو قَدِّرْ أنَّهم يَسْتَبِقُونَ الصِراطَ، أيِ: الطَرِيقَ، فَأنّى لَهم بِالإبْصارِ وقَدْ أعْمَيْناهُمْ؟

و"أنّى" لَفْظَةُ اسْتِفْهامٍ فِيهِ مُبالَغَةٌ، وقَدَّرَهُ سِيبَوَيْهِ، كَيْفَ؟

ومِن أيْنَ؟

و"مَسَخْناهُمْ" تَقْدِيرُهُ: تَبْدِيلُ خِلْقَتِهِمْ لِتَصِيرَ كالقِرَدَةِ والخَنازِيرِ ونَحْوٍ مِمّا تَقَدَّمَ في بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: لَجَعَلْناهم مُقْعَدِينَ مَبْطُولِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ تَصَرُّفًا، وقالَ ابْنُ سَلامٍ: هَذا التَوَعُّدُ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "مَكانَتِهِمْ" ﴾ بِالإفْرادِ، بِمَعْنى المَكانِ، كَما يُقالُ دارٌ ودارَةٌ، وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ [مَكاناتِهِمْ] جَمْعًا، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وابْنِ أبِي إسْحَقَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مُضِيًّا" بِضَمِّ المِيمِ، وفَتَحَها أبُو حَيْوَةَ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى دَلِيلًا في تَنْكِيسِهِ المُعَمِّرِينَ، وأنَّ ذَلِكَ ما يَفْعَلُهُ إلّا اللهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نُنَكِّسْهُ" ﴾ بِفَتْحِ النُونِ الأولى وسُكُونِ الثانِيَةِ وضَمِّ الكافِ خَفِيفَةً، وقَرَأ عاصِمٌ - بِخِلافٍ عنهُ - وحَمْزَةُ بِضَمِّ الأُولى وفَتْحِ الثانِيَةِ وشَدِّ الكافِ المَكْسُورَةِ مُشَدَّدَةً عَلى المُبالَغَةِ، وأنْكَرَها أبُو عَمْرٍو عَلى الأعْمَشِ.

ومَعْنى الآيَةِ: نُحَوِّلُ خَلْقَهُ مِنَ القُوَّةِ إلى الضَعْفِ، ومِنَ الفَهْمِ إلى البَلَهِ، ونَحْوُ ذَلِكَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو - في رِوايَةِ عَبّاسٍ -: [تَعْقِلُونَ] بِالتاءِ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حالِ نَبِيِّهِ  ورَدَّ قَوْلَ مَن قالَ مِنَ الكَفَرَةِ: إنَّهُ شاعِرٌ، وإنَّ القُرْآنَ شِعْرٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما عَلَّمْناهُ الشِعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ ﴾ ، وكَذَلِكَ كانَ رَسُولُ اللهِ  لا يَقُولُ الشِعْرَ ولا يَرْوِيهِ ولا يَزِنُهُ، وكانَ إذا حاوَلَ إنْشادَ بَيْتٍ قَدِيمٍ مُتَمَثِّلًا كَسَرَ وزْنَهُ، وإنَّما كانَ يُحْرِزُ المَعْنى فَقَطْ وأنْشَدَ يَوْمًا بَيْتَ طُرْفَةَ: سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا ∗∗∗ ويَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوِّدْ بِالأخْبارِ وَأنْشَدَ يَوْمًا - وقَدْ قِيلَ لَهُ: مَن أشْعَرُ الناسِ؟

- فَقالَ: الَّذِي يَقُولُ: ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا ∗∗∗ ∗∗∗ وُجِدَتْ بِها وإنْ لَمْ تَطَيَّبْ طِيبًا وأنْشَدَ يَوْمًا: أتُجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العَبِيـ ∗∗∗ ∗∗∗ دِ بَيْنَ الأقْرَعِ وعُيَيْنَةَ وقَدْ كانَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رُبَّما أنْشَدَ البَيْتَ المُسْتَقِيمَ في النادِرِ، ورُوِيَ «أنَّهُ أنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ رَواحَةَ: يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عن فِراشِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ » وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: «أنْشَدَ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: كَفى بِالإسْلامِ والشَيْبِ لِلْمَرْءِ ناهِيًا فَقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللهِ، إنَّما قالَ الشاعِرُ: كَفى الشَيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا » رَواهُ الثَعْلَبِيُّ: وإصابَتُهُ الوَزْنَ أحْيانًا لا يُوجِبُ أنَّهُ تَعَلَّمَ الشِعْرَ، ورُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أتى في نَثْرِ كَلامِهِ أحْيانًا ما يَدْخُلُ في وزْنٍ، كَقَوْلِهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ: أنا النَبِيُّ لا كَذِبَ ∗∗∗ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المَطْلَبِ » كَذَلِكَ يَأْتِي في آياتِ القُرْآنِ وفي كُلِّ كَلامٍ، ولَيْسَ كُلُّهُ بِشِعْرٍ ولا في مَعْناهُ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي - عِنْدِي - غَضاضَةً عَلى الشِعْرِ ولا بُدَّ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ «قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: كانَ الشِعْرُ أبْغَضَ الحَدِيثِ إلى رَسُولِ اللهِ  ، وكانَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أخِي قَيْسٍ طُرْفَةَ فَيَعْكِسُهُ، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَيْسَ هَكَذا، فَقالَ: "ما أنا بِشاعِرٍ وما يَنْبَغِي لِي"،» وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الشِعْرَ لا غَضَّ عَلَيْهِ، وإنَّما مَنَعَهُ مِنَ التَحَلِّي بِهَذِهِ الحِلْيَةِ الرَفِيعَةِ لِيَجِيءَ القُرْآنُ مِن قَبْلِهِ أغْرَبُ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ إدْراكُ الشِعْرِ لَقِيلَ في القُرْآنِ: إنَّ هَذا مِن تِلْكَ القُوَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدِي كَذَلِكَ، وقَدْ كانَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِنَ الفَصاحَةِ والبَيانِ في النَثْرِ في الرُتْبَةِ العُلْيا، ولَكِنَّ كَلامَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى يَبِينُ بِإعْجازِهِ، ويَبْرُزُ بِرَصْفِهِ، ويُخْرِجُهُ إحاطَةُ عِلْمِ اللهِ مِن كُلِّ كَلامٍ، وإنَّما مَنَعَ اللهُ نَبِيَّهُ  مِنَ الشِعْرِ تَرْفِيعًا لَهُ عَمّا في قَوْلِ الشُعَراءِ مِنَ التَخَيُّلِ وتَزْوِيقِ الكَلامِ، وأمّا القُرْآنُ فَهو ذِكْرُ الِحَقائِقِ والبَراهِينِ، فَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ، وهَكَذا كانَ أُسْلُوبُ كَلامِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؛ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، والشِعْرُ نازِلُ الرُتْبَةِ عن هَذا كُلِّهِ.

والضَمِيرُ في ﴿ "عَلَّمْناهُ" ﴾ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ  قَوْلًا واحِدًا، والضَمِيرُ في "لَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مُحَمَّدٍ  ، أو يَعُودَ عَلى القُرْآنِ الكَرِيمِ، وإنْ كانَ لَمْ يُذْكَرْ لِدَلالَةِ المُجاوَرَةِ عَلَيْهِ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ إنْ هو إلا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ ﴾ .

وَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "لِتُنْذِرَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ مُحَمَّدٍ  ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، أيْ: لِيُنْذِرَ القُرْآنُ، أو لِيُنْذِرَ مُحَمَّدٌ  ، واللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بـِ"مُبِينٌ"، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: [لِيُنْذَرَ] عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: ولَوْ قُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ والذالِ أيْ: لِيَتَحَفَّظَ ويَأْخُذَ بِحَظِّهِ - لَكانَ جائِزًا، وحَكاها أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ عن مُحَمَّدٍ اليَمانِيِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ حَيًّا ﴾ أيْ: حَيَّ القَلْبِ والبَصِيرَةِ، ولَمْ يَكُنْ مَيِّتًا لِكُفْرِهِ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، قالَ الضَحّاكُ: ﴿ مَن كانَ حَيًّا ﴾ مَعْناهُ: عاقِلًا، ﴿ وَيَحِقَّ القَوْلُ ﴾ مَعْناهُ: يَتَحَتَّمُ العَذابُ ويَجِبُ الخُلُودُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ ويقولون متى هذا الوعد ﴾ [يس: 48].

وموقع هاتين الآيَتَين من التي قبلهما أنه لما ذكر الله إلجاءهم إلى الاعتراف بالشرك بعد إنكاره يوم القيامة كان ذلك مثيراً لأن يهجس في نفوس المؤمنين أن يتمنوا لو سلك الله بهم في الدنيا مِثل هذا الإِلجاء فألجأهم إلى الإِقرار بوحدانيته وإلى تصديق رسوله واتباع دينه، فأفاد الله أنه لو تعلقت إرادته بذلك في الدنيا لفعل، إيماء إلى أن إرادته تعالى تجري تعلقاتها على وفق علمه تعالى وحكمته.

فهو قد جعل نظام الدنيا جارياً على حصول الأشياء عن أسبابها التي وكل الله إليها إنتاج مسبباتها وآثارها وتوالداتِها حتى إذا بَدَّل هذا العالم بعالم الحقيقة أجرى الأمور كلها على المهيع الحق الذي لا ينبغي غيره في مجاري العقل والحكمة.

والمعنى أنّا ألجأناهم إلى الإِقرار في الآخرة بأن ما كانوا عليه في الدنيا شرك وباطل ولو نشاء لأريناهم آياتنا في الدنيا ليرتدعوا ويرجعوا عن كفرهم وسوء إنكارهم.

ولما كانت ﴿ لو ﴾ تقتضي امتناعاً لامتناع فهي تقتضي معنى: لكنّا لم نشأ ذلك فتركناهم على شأنهم استدراجاً وتمييزاً بين الخبيث والطيّب.

فهذا كلام موجه إلى المسلمين ومراد منه تبصرة المؤمنين وإرشادهم إلى الصبر على ما يلاقونه من المشركين حتى يأتي نصر الله.

فالطمس والمسخ المعلقان على الشرط الامتناعي طمس ومسخ في الدنيا لا في الآخرة.

والطمس: مسخ شواهد العين بإزالة سوادها وبياضها أو اختلاطهما وهو العمى أو العَور، ويقال: طريق مطموسة، إذا لم تكن فيها آثار السائرين ليقْفُوَهَا السائر.

وحرف الاستعلاء للدلالة على تمكن الطمس وإلا فإن طَمسَ يتعدى بنفسه.

والاستباق: افتعال من السبق والافتعال دال على التكلف والاجتهاد في الفعل أي فبادروا.

و ﴿ الصراط ﴾ : الطريق الذي يُمشى فيه، وتعدية فعل الاستباق إليه على حذف (إلى) بطريقة الحذف والإِيصال، قال الشاعر وهو من شواهد الكتاب: تَمرُّون الديار ولم تَعُوجُوا أراد: تمرون على الديار.

أو على تضمين «استبقوا» معنى ابتدروا، أي ابتدروا الصراط متسابقين، أي مسرعين لِما دهمهم رجاءَ أن يصلوا إلى بيوتهم قبل أن يهلكوا فلم يبصروا الطريق.

وتقدم قوله تعالى: ﴿ إنا ذهبنا نستبق ﴾ في سورة يوسف } (17).

و«أنَّى» استفهام بمعنى (كيف) وهو مستعمل في الإِنكار، أي لا يبصرون وقد طمست أعينهم، أي لو شئنا لعجلنا لهم عقوبة في الدنيا يرتدعون بها فيقلعوا عن إشراكهم.

والمسخ: تصيير جسم الإِنسان في صورة جسم من غير نوعه، وقد تقدم القول فيه عند قوله تعالى: ﴿ فقلنا لهما كونوا قِرَدة خاسئين ﴾ في سورة البقرة } (65).

وعن ابن عباس أن الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام وعليه فلا شيء من الأشياء الموجودة الآن ببقية مسخ.

والمكانة: تأنيث المكان على تأويله بالبقعة كما قالوا: مقام ومقامة، ودار ودارة، أي لو نشاء لمسخنا الكافرين في الدنيا في مكانهم الذي أظهروا فيه التكذيب بالرسل فما استطاعوا انصرافاً إلى ما خرجوا إليه ولا رجوعاً إلى ما أتوا منه بل لزموا مكانهم لزوال العقل الإِنساني منهم بسبب المسخ.

وكان مقتضى المقابلة أن يقال: ولا رجوعاً، ولكن عدل إلى ﴿ ولا يرجِعُونَ ﴾ لرعاية الفاصلة فجعل قوله ﴿ ولاَ يَرْجِعُونَ ﴾ عطفاً على جملة «ما استطاعوا» وليس عطفاً على ﴿ مُضِيّاً ﴾ لأن فعل استطاع لا ينصب الجمل.

والتقدير: فما مضَوْا ولا رجعوا فجعلنا لهم العذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة وأرحنا منهم المؤمنين وتركناهم عبرة وموعظة لمن بعدهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَنَعَها مِنَ الكَلامِ هو الخَتْمُ عَلَيْها.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ خَتْمًا يُوضَعُ عَلَيْها فَيَرى ويُمْنَعُ مِنَ الكَلامِ.

وَفِي سَبَبِ الخَتْمِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّهم قالُوا ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ فَخَتَمَ اللَّهُ تَعالى عَلى أفْواهِهِمْ حَتّى نَطَقَتْ جَوارِحُهم، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ.

الثّانِي: لِيَعْرِفَهم أهْلُ المَوْقِفِ فَيَتَمَيَّزُونَ مِنهم، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.

الثّالِثُ: لِأنَّ إقْرارَ غَيْرِ النّاطِقِ أبْلَغُ في الإلْزامِ مِن إقْرارِ النّاطِقِ لِخُرُوجِهِ مَخْرَجَ الإعْجازِ وإنْ كانَ يَوْمًا لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى الإعْجازِ.

الرّابِعُ: لِيَعْلَمَ أنَّ أعْضاءَهُ الَّتِي كانَتْ لَهم أعْوانًا في حَقِّ نَفْسِهِ صارَتْ عَلَيْهِ شُهُودًا في حَقِّ رَبِّهِ.

﴿ وَتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ وفي كَلامِها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ يَظْهَرُ مِنها سِمَةٌ تَقُومُ [مَقامَ] كَلامِها كَما قالَ الشّاعِرُ: وقَدْ قالَتِ العَيْنانِ سَمْعًا وطاعَةً وحَدَّرَتا كالدُّرِّ لَمّا يُثَقَّبِ الثّانِي: أنَّ المُوَكَّلِينَ بِها يَشْهَدُونَ عَلَيْها.

الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ فِيها ما يَتَهَيَّأُ مَعَهُ الكَلامُ مِنها.

رَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (يُقالُ لِأرْكانِهِ انْطِقِي فَتَنْطِقُ بِعَمَلِهِ ثُمَّ يُخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ).» فَإنْ قِيلَ فَلِمَ قالَ: ﴿ وَتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ ﴾ فَجَعَلَ ما كانَ مِنَ اليَدِ كَلامًا، وما كانَ مِنَ الرِّجْلِ شَهادَةً؟

قِيلَ: لِأنَّ اليَدَ مُباشِرَةٌ لِعَمَلِهِ والرِّجْلُ حاضِرَةٌ، وقَوْلُ الحاضِرِ عَلى غَيْرِهِ شَهادَةٌ، وقَوْلُ الفاعِلِ عَلىَ نَفْسِهِ إقْرارٌ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَمّا صَدَرَ مِنَ الأيْدِي بِالقَوْلِ، وعَمّا صَدَرَ مِنَ الأرْجُلِ بِالشَّهادَةِ.

وَقَدْ رَوى شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: « (أوَّلُ عَظْمٍ مِنَ الإنْسانِ يَتَكَلَّمُ يَوْمَ يُخْتَمُ عَلى الأفْواهِ فَخِذُهُ مِنَ الرِّجْلِ اليُسْرى).» فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ تَقَدُّمُ الفَخِذِ بِالكَلامِ عَلى سائِرِ الأعْضاءِ لِأنَّ لَذَّةَ مَعاصِيهِ يُدْرِكُها بِحَواسِّهِ الَّتِي في الشَّطْرِ الأعْلى مِن جَسَدِهِ، وأقْرَبُ أعْضاءِ الشَّطْرِ الأسْفَلِ مِنها الفَخِذُ، فَجازَ لِقُرْبِهِ مِنها أنْ يَتَقَدَّمَ في الشَّهادَةِ عَلَيْها، وتَقَدَّمَتِ اليُسْرى لِأنَّ الشَّهْوَةَ في مَيامِنِ الأعْضاءِ أقْوى مِنها في مَياسِرِها، فَلِذَلِكَ تَقَدَّمَتِ اليُسْرى عَلى اليُمْنى لِقِلَّةِ شَهْوَتِها.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَأعْمَيْنا أبْصارَ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا فَضَلُّوا عَنِ الطَّرِيقِ فَلا يُبْصِرُونَ عُقُوبَةً لَهم، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لَأعْمَيْنا قُلُوبَهم فَضَلُّوا عَنِ الحَقِّ فَلَمْ يَهْتَدُوا إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ الأخْفَشُ وابْنُ قُتَيْبَةَ: المَطْمُوسُ هو الَّذِي لا يَكُونُ بَيْنَ جَفْنَيْهِ شِقٌّ مَأْخُوذٌ مِن طَمْسِ الرِّيحِ الأثَرَ.

﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لَأقْعَدْناهم عَلى أرْجُلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّانِي: لَأهْلَكْناهم في مَساكِنِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: لَغَيَّرْنا خَلْقَهم فَلا يَنْقَلِبُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَما اسْتَطاعُوا لَوْ فَعَلْنا ذَلِكَ بِهِمْ أنْ يَتَقَدَّمُوا ولا يَتَأخَّرُوا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا في الدُّنْيا، ولا رُجُوعًا فِيها، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ﴾ قال: أعميناهم وأضللناهم عن الهدي ﴿ فأنّى يبصرون ﴾ فكيف يهتدون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاستبقوا الصراط ﴾ قال: الطريق ﴿ فأنّى يبصرون ﴾ وقد طمسنا على أعينهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولو نشاء لمسخناهم ﴾ قال: أهلكناهم ﴿ على مكانتهم ﴾ قال: في مساكنهم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو نشاء لمسخناهم ﴾ يقول: لجعلناهم حجارة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ ولو نشاء لطمسنا...

﴾ .

قال: لو شاء الله لتركهم عمياً يترددون ﴿ ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم ﴾ قال: لو نشاء لجعلناهم كسحاً لا يقومون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ فما استطاعوا مضياً ولا يرجعون ﴾ قال: فلم يستطيعوا أن يتقدموا، ولا يتأخروا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ ﴾ ذكرنا معنى الطمس في سورة النساء ويونس (١) (٢) (٣) (٤) ﴿ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ﴾ يقول: فمن أين يبصرون طريق الهدى، ولم أعم عليهم طريق الكفر؟

(٥) (٦) القول الثاني: أن معنى الآية لو نشاء لأعميناهم وتركناهم عميًا يترددون، وكيف يبصرون الطريق حينئذ؟

وهذا قول الحسن وقتادة والسدي (٧) ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ  ﴾ يقول: كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة.

وهذا القول اختيار المبرد والزجاج.

قال المبرد: تأويل الآية قال: راموا الاستباق إلى المنهاج، فمن أين لهم أبصار؟

(٨) وقال الزجاج: أي لو (٩) (١٠) وذكرنا معنى الاستباق عند قوله: ﴿ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ  ﴾ .

والاستباق هاهنا معناه غير معنى ما تقدم.

قال الأزهري: ﴿ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ ﴾ فجازوا الصراط وخلفوه، وهذا الاستباق من واحد والذي في سورة يوسف من اثنين؛ لأن هذا بمعنى سبقوا، والأول بمعنى المسابقة (١١) (١٢) (١٣) ويدل على صحة القول الثاني ما ذكره عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: إن الأسود بن عبد الأسود أخذ حجرًا وجماعة من بني مخزوم معه ليطرحوه على رسول الله -  - وهو يصلي، فطمس الله بصره وألصق الحجر بيده، فما أبصر ولا اهتدى (١٤) قال الكلبي: فاستبقوا إلى الصراط المستقيم (١٥) ﴿ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ ﴾ يقتضي طمس الأعين الظاهرة مع أنه ليس يليق بما بعده، وهو قوله (١٦) (١) في سورة النساء: الآية 47، وهي قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ﴾ الآية، وهذه الآية مع آية أخرى ناقصة من المخطوط.

وفي سورة يونس: آية 88 قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ وقال المؤلف هناك بعد أن أحال على آية النساء.

قال الزجاج: تأويل طمس الشيء: إذهابه عن صورته والانتفاع به على الحال الأولى التي كانت عليها.

(٢) "مجاز القرآن" 2/ 165.

(٣) لم أقف على هذا القول عن المبرد.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 293.

(٥) "تفسير مقاتل" 108 أ.

(٦) انظر: "بحر العلوم" 3/ 104، ونسبه بعض المفسرين لقتادة القائل.

انظر: "البغوي" 4/ 36، "زاد المسير" 7/ 32، "القرطبي" 15/ 49.

(٧) انظر: "الطبري" 23/ 25، "الماوردي" 5/ 29، "البغوي" 4/ 36.

(٨) لم أقف على قول المبرد.

(٩) في (ب): (ولو نشاء).

(١٠) في (أ) كرر قول الزجاج ولكنه قال في آخر مرة: فمن أين لهم أبصار، وقال في الأخرى: فمن أين يبصرون.

كما أثبته وكما هو في "معاني الزجاج" 4/ 193.

(١١) "تهذيب اللغة" 8/ 418 (شق).

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 193.

(١٣) ما بين المعقوفين زيادة من (أ).

(١٤) انظر: "القرطبي" 15/ 50.

(١٥) لم أقف عليه عن الكلبي، وقد ذكر القرطبي نحوه عن ابن عباس 15/ 49، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 32 وقال: روى عن جماعة منهم مقاتل.

(١٦) في (ب): (واو) زائدة، (وقوله)، وهو خطأ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ ﴾ هذا تهديد لقريش، والطمس على الأعين هو العمى، و ﴿ الصراط ﴾ الطريق و ﴿ أنى ﴾ استفهام يراد به النفي، فمعنى الآية لو نشاء لأعميناهم فلو راموا أن يمشوا على الطريق لم يبصروه، وقيل: يعني عمى البصائر أي: لو نشاء لختمنا على قلوبهم، فالطريق على هذا استعارة بمعنى الإيمان والخير.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يخصمون ﴾ بفتحتين ثم كسر الصاد المشددة: ابن كثير وورش وسهل ويعقوب وأصله "يختصمون" أدغمت التاء في الصاد بعد نقل حركتها إلى الخاء، وقرأ أبو جعفر ونافع غير ورش بسكون الخاء، وقرأ أبو عمرو باشمام الفتحة قليلاً وقرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من الخصم ثلاثياً.

الباقون: بكسر الخاء للاتباع وتشديد الصاد.

وروى خلف عن يحيى بكسر الياء والخاء والتشديد.

﴿ شغل ﴾ بضمتين: عاصم وخلف وابن عامر ويزيد ويعقوب.

﴿ فكهون ﴾ وبابه بغير ألف: يزيد.

﴿ ظل ﴾ بضم الظاء وفتح اللام: حمزة وعلي وخلف على أنه جمع ظلة.

الآخرون: ﴿ ظلال ﴾ جمع ظل ﴿ جبلاً ﴾ بضم الجيم وسكون الباء.

ابن عامر وأبو عمرو.

وقرأ أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل بكسرتين واللام مشددة، وقرأ يعقوب بضمتين والتشديد.

والباقون: بضمتين والتخفيف ﴿ ننكسه ﴾ مشدداً: حمزة وعاصم غير مفضل.

الآخرون: بالتخفيف من النكس.

﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب ﴿ لتنذر ﴾ على الخطاب أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب ﴿ يقدر ﴾ على صيغة المضارع: يعقوب ﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي.

الوقوف: ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ رزقكم الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أطعمه ﴾ لا كذلك لاتحاد المقول ولئلا يبتدأ بما لا يقوله مسلم.

وجوز جار الله أن يكون قوله ﴿ إن أنتم ﴾ قول الله أو حكاية قول المؤمنين لهم فالوقف جائز.

﴿ مبين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ يخصمون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ ينسلون ﴾ ه ﴿ مرقدنا ﴾ ه لئلا يوهم أن هذا صفة وما بعده منفي وفيه وجوه أخر نذكرها في التفسير ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ فاكهون ﴾ ه ج لاحتمال أن ﴿ هم ﴾ تأكيد الضمير ﴿ أزواجهم ﴾ عطف عليه و ﴿ في ظلال ﴾ ظرف ﴿ فاكهون ﴾ ، ولاحتمال أن ما بعده مبتدأ وخبره ﴿ متكئون ﴾ ﴿ يدعون ﴾ ه ج لأنه من المحتمل أن يكون ﴿ سلام ﴾ خبر محذوف اي عليهم سلام يقول قولاً، وأن يكون ﴿ سلام ﴾ بدل ﴿ ما يدعون ﴾ اي لهم ما يتمنون وهو سلام ﴿ سلام ﴾ ط ج لحق الحذف ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ الشيطان ﴾ ج لأن التقدير فإنه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف ﴿ اعبدوني ﴾ ج ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ في الخلق ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه له ج ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ مالكون ﴾ ه ﴿ يأكلون ﴾ ه ﴿ مشارب ﴾ ه ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ ينصرون ﴾ ج ﴿ نصرهم ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ قولهم ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار ﴿ يعلنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه خلقه} ط ﴿ رميم ﴾ ه ﴿ مرة ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ بدل ﴿ توقدون ﴾ ه ﴿ مثلهم ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه.

التفسير: لما بين الآيات المذكورة حكى أنهم في غاية الجهالة ونهاية الضلالة، لا مثل العلماء الذين يتبعون البرهان، ولا كالعوام الذين يبنون أمورهم على الأحوط إذا أنذرهم منذر انتهوا عن ارتكاب المنهي خوفاً من تبعته وطمعاً في منفعته وإليه الإشارة بقوله ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ أي في ظنكم فإن الذي لا تفيده الآيات يقيناً فلا أقل من أن يحترز من العذاب ويرجو الثواب أخذاً بطريقة الاحتياط، ونظير الآية ما مرّ في أوّل سورة سبأ ﴿ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض  ﴾ وعن مجاهد: أراد ما تقدّم من ذنوبكم وما تأخر.

وعن قتادة: ما بين أيديكم من وقائع الأمم وما خلفكم أي من أمر الساعة.

وقيل: ما بين أيديكم من أمر الساعة.

وقيل: ما بين أيديكم الآخرة فإنهم مستقبلون لها، وما خلفكم الدنيا فإنهم تاركون لها.

أو ما بين أيديكم من أمر محمد  فإنه حاضر عندهم وما خلفكم من أمر فإنكم إذا اتقيتم تكذيب محمد لى الله عليه وسلم والحشر رحمكم الله.

أو ما بين أيديكم من أنواع العذاب كالحرق والغرق المدلول عليه بقوله ﴿ وإن نشأ نغرقهم ﴾ ما خلفكم الموت الطالب لكم يدل على قوله ﴿ ومتاعاً إلى حين ﴾ وجواب "إذا" محذوف وهو لا يتقون أو يعرضون، يدل عليه ما بعده مع زيادة فائدة هي دأبهم الإعراض عند كل آية.

ويحتمل أن يكون قوله ﴿ وما تأتيهم ﴾ متعلقاً بما قبله وهو قوله ﴿ يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ﴾ .

﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ﴾ يعني إذا جاءتهم الرسل كذبوهم فإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها.

وقوله ﴿ الم يروا ﴾ إلى قوله ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ اعتراض.

ثم أشار إلى أنهم كما يخلون بجانب التعظيم لأمر الله حيث قيل لهم اتقوا فلم يتقوا يخلون بجانب الشفقة على خلق الله ولا ينفقون إذا أمروا بالإنفاق على أنهم خوطبوا بأدنى الدرجات في التعظيم والإشفاق، فإن أدنى الانقياد الاتقاء من العذاب، وأدنى الإشفاق هو إنفاق بعض ما في التصرف من مال الله، فأين هم من معشر أقبلوا بالكلية على الله وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله؟

وفي قوله ﴿ مما رزقكم الله ﴾ إشارة إلى أن الله  قادر على إغناء الفقير وإعطائه ولكنه جعل الغني واسطة في الإنفاق على الفقير.

فالسعيد من عرف حق التوسيط وانتهز فرصة الإمكان وعلم أن الإنفاق سبب للبركة في الحال ومجلبة للثواب في المآل.

وقوله ﴿ قال الذين كفروا ﴾ دون أن يقول "قالوا" تسجيل عليهم بالكفر.

وقوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ مزيد تصوير لجهالتهم حين قالوا لهؤلاء الأشراف ما قالوا.

وقوله ﴿ أنطعم ﴾ دون "أننفق" إظهار لغاية خستهم فإن الإطعام أدون من الإنفاق ومن بخل بالأدون فهو بأن يبخل بالأكثر أولى.

وقوله ﴿ من لو يشاء الله أطعمه ﴾ كلام في نفسه حسن لكنهم ذكروه في معرض الدفع فلهذا استوجبوا الذم وقد بين الله خطأهم بقوله ﴿ مما رزقكم الله ﴾ فإن من في خزائنه مال وله في يد الغير مال فإنه مخير إن اراد أعطى زيداً مما في خزائنه وإن شاء أعطاه مما في يد الغير وليس لذلك الغير أن يقول لم أحلته عليّ.

وقوله ﴿ إن أنتم إلا في ضلال مبين ﴾ بناء على ما اعتقدوه أن الأمر بالإنفاق ضائع، لأنه سعي في إبطال مشيئة الله ولم يعلموا أن الضلال لا يتعدّاهم أيه سلكوا، وذلك أنهم لم ينظروا إلى الأمر والطلب وبادروا إلى الاعتراض، والطاعة هي اتباع الأمر لا الاستكشاف عن الغرض والغاية.

ومن جملة تعنتهم أنهم استبطؤا الموعود على التقاء والإنفاق قائلين ﴿ إن كنتم ﴾ أيها المدّعون للرسالة ﴿ صادقين ﴾ فأخبرونا متى يكون هذا الموعود به من الثواب والعقاب فأجابهم الله  بقوله ﴿ ما ينظرون إلا صيحة واحدة ﴾ كأنهم بالاستبطاء كانوا منتظرين شيئاً.

وتنكير صيحة للتهويل ووصفها بواحدة تعظيم للصيحة وتحقير لشأنهم أي صيحة لا يحتاج معها إلى ثانية، وفي قوله ﴿ تأخذهم ﴾ أي تعمهم بالأخذ مبالغة أخرى، وكذا في قوله ﴿ وهم يخصمون ﴾ أي يشتغلون بمتاجرهم ومعاملاتهم وسائر ما يتخاصمون فيه ومع ذلك يصعقون.

وقيل: تأخذهم وهم يختصمون في أمر البعث قائلين إنه لا يكون.

ثم بالغ في شدّة الأخذ بقوله ﴿ فلا يستطيعون توصية ﴾ وفي قوله ﴿ لا يستطيعون ﴾ دون أن يقول "فلا يوصون" مبالغة لأن من لا يوصي قد يستطيعها، وكذلك في تنكير توصية الدال على التقليل، وكذا في نفس التوصية لأنها بالقول والقول يوجد أسرع من الفعل من أداء الواجبات وردّ المظالم، وقد تحصل التوصية بالإشارة فالعاجز عنها عاجز عن غيرها.

وفي قوله ﴿ ولا إلى أهلهم يرجعون ﴾ بيان لشدّة الحاجة إلى التوصية فإن الذي يقطع بعدم الوصول إلى أهله كان إلى الوصية أحوج.

وفيه تنبيه على أن الميت لا رجوع له إلى الدنيا ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى إلى حين يبعثون.

ثم بين حال النفخة الثانية، والأجداث القبور والنسلان العدو.

وكيف صارت النفختان مؤثرتين في أمرين متضادين الإماتة والإحياء؟

نقول: لا مؤثر إلا الله، والنفخ علامة على أن الصوت يوجد التزلزل وأنه قد يصير سبباً لافتراق الأجزاء المجتمعة تارة ولاجتماع المتفرقة أخرى.

ثم إن أجزاء كل بدن قد تحصل في موضع هو بمنزلة جدثه، أو أعطى للأكثر حكم الكل.

وذكر الرب في هذا الموضع للتخجيل فإن من أساء واضطر إلى الحضور عند من أحسن إليه كان أشدّ ألماً وأكثر ندماً.

وقوله ﴿ ينسلون ﴾ لا ينافي قوله في موضع آخر ﴿ فإذا هم قيام ينظرون  ﴾ فلعل ذلك في أول الحالة ثم يحصل لهم سرعة المشي من غير اختيارهم.

ويمكن أن يقال: إن هيئة الانتظار ليست بمنافاة للمشي بل مؤكدة له ومعينة عليه.

وفي "إذا" المفاجأة إشارة إلى أن الإحياء والتركيب والقيام والعدو كلها تقع في زمان النفخ.

ثم بين أنهم قبل النسلان ﴿ قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ﴾ كأنهم شكوا في أنهم كانوا موتى فبعثوا أو كانوا نياماً فتنبهوا فجمعوا في السؤال بين الأمرين: البعث والمرقد.

عن مجاهد: للكفار.

هجعة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قالوا ذلك، ثم أجابهم الملائكة في رواية ابن عباس، والمتقون على قول الحسن ﴿ هذا ما وعد الرحمن ﴾ كأنه قيل: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده حتى يهمكم السؤال عن الباعث أن هذا هو البعث الأكبر الذي وعده الرحمن في كتبه المنزلة على لسان رسله الصادقين.

والظاهر أن ﴿ هذا ﴾ مبتدأ ﴿ وما وعد الرحمن ﴾ إلى آخره خبره، و"ما" مصدرية أي هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالمصدر.

ويجوز أن يكون "ما" موصولة أي هذا الذي وعده الرحمن وصدقه المرسلون أي صدقوا فيه.

وجوّز جار الله أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة للمرقد و ﴿ ما وعد ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا وعد الرحمن، أو مبتدأ محذوف الخبر أي ما وعده الرحمن وصدقه المرسلون حق عليكم.

وقيل: إن قوله ﴿ هذا ما وعد الرحمن ﴾ من كلام الكافرين كأنهم تذكروا ماسمعوا من الرسل فأجابوا به انفسهم، أو أجاب بعضهم بعضاً، ثم عظم شأن الصيحة بالنسبة إلى المكلفين وحقر أمرها بالإضافة إلى الجبار قائلاً ﴿ إن كانت إلا صيحة ﴾ الآية.

وقد مر نظيره.

ثم بين ما يكون في ذلك اليوم قائلاً ﴿ فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون ﴾ أيها الكافرون ﴿ إلا ما كنتم تعملون ﴾ وفيه إشارة إلى أن عدله عام وفضله خاص بأهل الإيمان وفيه أنهم إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للعدل أو الفضل فالفاء فيه كما في قول القائل للوالي أو للقاضي: جلست للعدل فلا تظلم.

أي ذلك يقتضي هذا ويستعقبه.

وقوله ﴿ ما كنتم تعملون ﴾ إشارة إلى عدم الزيادة فإن الشيء لا يزيد على عينه كقولك: فلان يجازيني حرفاً بحرف.

أي لا يترك شيئاً.

ويجوز أن يراد الجنس أيّ لا تجزون إلا جنس العمل حسناً أو سيئاً.

ثم فصل حال المحسنين بطريق الحكاية في ذلك اليوم تصويراً للموعود وترغيباً فيه فقال ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ﴾ لا يكتنه كنهه وفيه وجوه أقواها أنهم مشغولون عن هول ذلك اليوم بما لهم من الكرامات والدرجات.

وقوله ﴿ فاكهون ﴾ مؤكد لذلك المعنى أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور.

وثانيها أنه بيان لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء بل المراد أنهم في عمل، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق بل هو ملذ محبوب.

وثالثها أنهم تصوروا في الدنيا أموراً يطلبونها في الجنة فإذا رأوا فيها ما لم يخطر ببالهم اشتغلوا به عنها.

وعن ابن عباس أن الشغل افتضاض الأبكار أو ضرب الأوتار.

وقيل: التزاور.

وقيل: ضيافة الله.

وعن الكلبي: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار لا يهمهم أمرهم لئلا يدخل عليهم تنغيص من تنعمهم.

والفاكه والفكه المتنعم المتلذذ ومنه الفاكهة لأنها تؤكل للتلذذ لا للتغذي والفكاهة الحديث لأجل التلذذ لا للضرورة.

والأزواج ظاهرها زوج المرأة وزوجة الرجل.

وقيل: أراد اشكالهم في الأحساب وأمثالهم في الإيمان كقوله ﴿ وآخر من شكله أزواج  ﴾ قال أهل العرفان: من شرائط السماع الزمان والمكان والإخوان فقوله ﴿ هم وأزواجهم في ظلال ﴾ إشارة إلى عدم الوجوه الموحشة وأن لهم في ظل الله ما يمنع الإيذاء كقوله ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً  ﴾ وقوله ﴿ على الأرائك متكئون ﴾ دليل على القوة والفراغة والتمكن من أنواع الملاذ.

وقوله ﴿ لهم فيها فاكهة ﴾ إشارة إلى سائر أنواع الملاذ الزائدة على قدر الضرورة.

وقوله ﴿ ولهم ما يدّعون ﴾ إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وما يخطر ببالهم.

قال الزجاج: هو افتعل من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم.

وقال جار الله: هو للاتخاذ اي ما يدعون به أو ما يدعون به أو ما يدعون لأنفسهم كقولك: يشتوي.

أي اتخذ لنفسه شواء.

أو هو بمعنى التداعي.

وعلى الوجهين إما أن يراد كل ما يدعو به الله أحد أو كل ما يطلبه من صاحبه فإنه يجاب له بذلك، أو يراد أن كل ما يصح أن يدعى به ويطلب فهو حاصل لهم قبل الطلب.

وقيل: معناه يتمنون من قولهم: ادّع عليّ ما شئت أي تمنه عليّ.

وقيل: هو من الدعوى وذلك أنهم كانوا يدّعون في الدنيا أن الله هو مولاهم وأن الكافرين لا مولى لهم بينه قوله ﴿ سلام ﴾ يقال لهم ﴿ قولاً من رب رحيم ﴾ أي من جهته بواسطة الملائكة.

وقيل: اراد لهم ما يدّعون سالم خالص لا شوب فيه.

و ﴿ قولاً ﴾ اي عدة وعلى هذا يكون قوله ﴿ لهم ﴾ للبيان و ﴿ ما يدعون سلام ﴾ مبتدأ وخبر كقولك: لزيد الشرف متوفر.

وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ﴿ قولاً ﴾ نصباً على التمييز لأن السلام من الملك قد يكون قولاً وقد يكون إشارة.

وقال أهل البيان قوله ﴿ وامتازوا ﴾ معطوف على المعنى كأنه قيل: دوموا أيها المؤمنون في النعيم وامتازوا اليوم أيها المجرمون.

أو قلنا لأهل الجنة: إنكم في شغل وقلنا لأهل النار: امتازوا وهو كقوله ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير  ﴾ أو تميزوا في أنفسكم غيظاً وحنقاً فلا دواء لألمكم ولا شفاء لسقمكم كقوله في صفة جهنم ﴿ تكاد تميز من الغيظ  ﴾ أو افترقوا خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان فلا عذاب كفرقة الأخدان يؤيده ما روي عن الضحاك: لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى ولا يُرى.

وعن قتادة: أراد اعتزلوا عن كل خير ترجون، أو امتازوا عن شفعائكم وقرنائكم.

أو المراد تميزهم بسواد الوجه وزرقة العين وبأخذ الكتاب بالشمال وبخفة الميزان وغير ذلك.

وقال صاحب المفتاح: قوله ﴿ إن أصحاب الجنة ﴾ إلى آخر الآيات خطاب لأهل المحشر بدلالة الفاء في قوله ﴿ فاليوم لا تظلم ﴾ بعد قوله ﴿ إن كانت إلا صيحة ﴾ وقد جاء في التفاسير أن قوله ﴿ إن أصحاب الجنة ﴾ إنما يقال حين يسار بهم إلى الجنة فيؤل معنى الكلام إلى قول القائل إن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر يؤل حالهم إلى أسعد حال فليمتازوا عنكم إلى الجنة، وامتازوا أنتم عنهم أيها المجرمون.

ثم كان لسائل أن يقول: إن الإنسان خلق ظلوماً جهولاً والجهل عذر فبين الله  أن الأعذار زائلة قائلاً ﴿ ألم أعهد إليكم ﴾ والآية إلى قوله ﴿ أفلم تكونوا تعقلون ﴾ شبه اعتراض، فيه توبيخ لأهل النار وما ذلك العهد عن بعضهم أنه الذي مر ذكره في قوله ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل  ﴾ وقيل: هو المذكور في قوله ﴿ وإذ خذ ربك من بني آدم من ظهورهم  ﴾ وقيل: هو المبين على لسان الرسل.

ومعنى ﴿ لا تعبدوا ﴾ لا تطيعوا ولا تنقادوا وسوسته وتزيينه.

وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما عهد إليهم من مخالفته الشيطان وعبادة الرحمن.

قال أهل المعاني: التنوين في قوله ﴿ صراط ﴾ للتعظيم إذ لا صراط أقوم منه، أو للتنويع اي هذا بعض الطرق المستقيمة، ففيه توبيخ لهم على العدول عنه كما يقول الرجل لولده وقد نصحه النصح البالغ: هذا فيما أظن قول نافع غير ضار.

وفي ذكر الصراط ههنا إشارة إلى أن الإنسان في دار التكليف مسافر والمجتاز في بادية يخاف فيها على نفسه وماله لا يكون عنده شيء أهم من معرفة طريق قريب آمن.

ثم بين لهم عدواة الشيطان بقوله ﴿ ولقد أضل منكم جبلاً ﴾ وهو في لغاته كلها بمعنى الخلق من جبله الله على كذا أي طبعه عليه.

عن علي  أنه قرأ ﴿ جيلاً ﴾ بياء منقوطة من تحت بنقطتين.

ثم أشار إلى محل امتياز المجرمين إليه بقوله ﴿ هذه جهنم ﴾ وقوله ﴿ اصلوها ﴾ أمر إهانة وتنكيل نحو ذق.

وفي قوله ﴿ اليوم ﴾ إشارة إلى أن اللذات قد مضت وأيامها قد انقضت وليس بعد ذلك إلا العقاب.

روى أهل التفسير أنهم يجحدون يوم القيامة كفرهم في الدنيا فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم.

وفي الحديث "يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز شاهداً إلا من نفسي فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بأعماله ثم يُخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل" قال المتكلمون: إنه لا يبعد من الله  إنطاق كل جرم من الأجرام إنطاق اللسان وهو فاعل لما يشاء.

قال الحكيم: إنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانهتاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس وقوف القنوط اليؤس.

وتكلم الأعضاء عبارة عن ظهور إمارات الذنوب عليهم بحيث لا يبقى للإنكار مجال كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إذا ظهر أمارات الحزن وأسبابه.

ثم إنه  أسند الختم إلى نفسه وأسند التكلم والشهادة إلى الأيدي والأرجل لكيلا يقال: إن الإقرار بالإجبار غير مقبول.

وأيضاً إنه أسند التكلم إلى الأيدي والشهادة إلى الأرجل لأن الأعمال مستندة إلى الأيدي غالباً كقوله ﴿ وما عملته أيديهم ﴾ ﴿ فبما كسبت ايديكم  ﴾ فهي كالعاملة، والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره.

وإنما جعلت الشهادة عليهم منهم لأن غيرهم إما صالحون وهم أعداء للمجرمين فلهم أن يقولوا شهادتهم غير مقبولة في حقنا، وإما فاسقون وشهادة الفسقة غير مقبولة شرعاً.

وههنا نكتة وهي أن الختم لازم للكفار في الدارين، ختم الله على قلوبهم في الدنيا وكان قولهم بأفواههم كما قال ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم  ﴾ ثم إذا ختم على أفواههم أيضاً في الآخرة لزم أن يكون قولهم بسائر أعضائهم.

هذا وقد ذكرنا مراراً أنه  كلما يذكر تمسك الجبرية يذكر عقيبه تمسك القدرية وبالعكس.

وكان للقدرية أن تتمسك بقوله ﴿ يكسبون ﴾ ﴿ يكفرون ﴾ حيث أسند الله الكفر والكسب إليهم فلا جرم عقبه بتمسك الجبري وهو قوله ﴿ ولو نشاء لطمسنا ﴾ ووجه التمسك أن إعماء البصائر شبه إعماء الأبصار، وسلب القوّة العقلية كسلب القوّة الجسمية.

فكما أنه لو شاء لطمس على أبصارهم حتى لا يهتدوا إلى الطريق القاهر الظاهر ولو شاء لسلب قوّة جسومهم بالمسخ حتى لا يقدروا على تقدم ولا تأخر، فكذلك إذا شاء أعمى البصائر وسلب قواهم العقلية حتى لم يفهموا دليلاً ولم يتفكروا في آية.

والطمس محو أثر شق العين.

قال جار الله ﴿ فاستبقوا الصراط ﴾ أصله فاستبقوا إلى الصراط فانتصب بنزع الخافض.

والمعنى لو شاء لمسح أعينهم فلو راموا أن يسبقوا إلى الصراط الذي عهدوه واعتادوا على سلوكه إلى مساكنهم لم يقدروا عليه إذ الصراط طريق الاستباق، والاستباق مضمن معنى الابتدار.

فالمراد لو شاء لأعماهم حتى لو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف أو مبتدرين إياه كما كان هجيراهم لم يستطيعوا.

أو يجعل الصراط مسبوقاً لا مسبوقاً إليه، فالمعنى لو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوه لعجزوا ولم يقدروا إلى على سلوك الطريق المعتاد كالعميان يهتدون فيما ألفوا من المقاصد والجهات دون غيرها.

عن ابن عباس: أراد لمسخناهم قردة وخنازير.

وقيل: حجارة.

عن قتادة: لأقعدناهم على أرجلهم أو أزمناهم على أرجلهم.

والمكان والمكانة واحد أراد مسخاً مجمداً بحيث لا يقدرون أن يرجعوا مكانهم.

وإنما قدم الطمس على المسخ تدرّجاً من الأهون إلى الأصعب، فإن الأعمى قد يهتدي إلى وجوه التصرف بأمارت عقلية أو حسية غير البصر.

وأما الممسوخ على مكانه فلا يهتدي إلى شيء أصلاً.

ولمثل ما قلنا قدم المضيّ على الرجوع فإن سلوك طريق قد رآه مرة يكون أهون مما لم يره اصلاً، فنفى أوّلاً استطاعة الصعب ثم نفى استطاعة الأهون أيضاً لأجل المبالغة.

وحين قطع الأعذار بسبق الإنذار وذلك في قوله ﴿ ألم أعهد إليكم ﴾ شرع في قطع عذر آخر للكافر وهو أن يقول: لم يكن لبثنا في الدنيا إلا يسيراً ولو عمرتنا لما وجدت منا تقصيراً فقال الله  ﴿ ومن نعمره ننكسه في الخلق ﴾ كقوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر  ﴾ ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أنكم كلما دخلتم في السن ضعفتم وقد عمرتم ما تمكنتم فيه أن النظر والعمل، ومن لم يأت بالواجب في زمان الإمكان لم يأت به في زمن الأزمان.

وعن بعضهم: طوى العصران ما نشراه مني *** فأبلى جدّتي نشر وطيّ أراني كل يوم في انتقـــــاص *** ولا يبقى على النقصان شيّ وقال آخر: أرى الأيام تتركني وتمضي *** وأوشك أنها تبقى وأمضي علامة ذاك شيب قد علاني *** وضعف عند إبرامي ونقضي وما كذب الذي قد قال قبلي *** إذا ما مر يوم مر بعضي وحيث بين أصل الوحداينة والحشر في هذه السورة مرات أقربها قوله ﴿ وأن اعبدوني ﴾ وقوله ﴿ هذه جهنم ﴾ إلى آخرها عاد إلى أصل الرسالة بقوله ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ وإنما لم يقل وما علمناه السحر ولا الكهانة مع أنهم ادّعوا أنه ساحر كاهن لأنه ما تحدّاهم إلا بالقرآن.

وإنما نسبوه إلى السحر عند إظهار فعل خارق كشق القمر وحنين الجذع إليه، ونسبوه إلى الكهانة عند إخباره عن الغيوب وهو نوع خاص من الكلام من غير اعتبار الفصاحة اللفظية والمعنوية.

قال جار الله معنى قوله ﴿ وما ينبغي له ﴾ أنه لا يتأتى له ولا يتسهل كما جعلناه أمياً لا يهتدي للخط.

وروي عن الخليل أن الشعر كان أحب إلى رسول الله  من كثير من الكلام ولكن كان لا يتأتى له.

قال: وما روي أنه  .

أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب وقال: هل أنت إلا إصبع دميت *** وفي سبيل الله ما لقيت كلام اتفاقي من غير قصد وتعمد، والشعر كلام موزون مقفى مع تعمد.

وقيل: أراد نفي الشعر عن القرآن فقال ﴿ وما علمناه ﴾ بتعليم القرآن ﴿ الشعر وما ينبغي ﴾ القرآن أن يكون شعراً وأنا أقول: الأحسن أن يقال: ما ينبغي له معناه أنه لا يليق بجلالة منصبه لأن الشعر مادته كلام يفيد تأثيراً دون التصديق وهو التخييل، وأما الوزن والقافية فهما كالصورة ويفيدانه ترويجاً وتزييناً فجلَّ رتبته من التخييل الذي هو قريب من المغالطة، ولهذا لم يؤمر بأن يدعو بهما إلى سبيل ربه.

وإنما أمر بأن يدعو إلى الدين باسئر أصناف الكلام حيث قيل ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ ونظيره قوله ههنا ﴿ إن هو إلا ذكر ﴾ أي موعظة ﴿ وقرآن مبين ﴾ ذو البيان أو الإبانة وأنه يشمل البرهان والجدل.

أما البرهان فظاهر، وأما الجدل فلأن النتيجة إذا كانت في نفسها حقة.

فالرجل العالم المحق ليس عليه إلا إفحام الخصم الألدّ وإلزامه بمقدّمات مسلمة أو مشهورة، ومما يؤيد ما ذكرنا ما روي أنه  كان يقرأ قول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً *** ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد هكذا: ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار.

ولا ريب أنه كان يتأتى له رواية الشعر إن لم يتأت له فرصة، وما ذاك إلا للتنزه عما يشبه ما يشين رتبته ولا يوافق وغزاه.

ويروى أنه  حين قال: هل أنت إلا إصبع دميت *** انقطع الوحي أياماً حتى قالت الكفار إن محمداً قد ودعه ربه وقلاه، وهذا أحد أسباب نزول تلك الآية.

ولمثل ما قلنا لم يروَ عنه كلام منظوم وإن كان حقاً وصدقاً كالذي قاله بعض الشعراء في التوحيد والحقائق.

وقد أشار إلى نحو ذلك بقوله  "إن من الشعر لحكمة" وقد مر في تفسير قوله  في آخر الشعراء ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات  ﴾ وذلك أن الشاعر يقصد لفظاً فيوافقه معنى حكمي.

وبالجملة لا يخلو الشعر عن تكلف مّا، وقد يدعوه النظم إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ، فأين الشارع من الشاعر؟

ثم بين كون القرآن منزلاً على هذا الوجه بقوله ﴿ لتنذر ﴾ يا محمد أو لينذر هو أي القرآن ﴿ من كان حياً ﴾ عاقلاً متأملاً.

ويجوز أن تكون الحياة عبارة عن الإيمان، أو المراد بالحي من يؤل حاله إلى الإيمان.

أو المراد بالإنذار الانتفاع به مثل ﴿ هدى للمتقين  ﴾ ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر  ﴾ وقوله ﴿ ويحق القول ﴾ كقوله في أول السورة ﴿ لقد حق القول ﴾ وقد مر وهذا كلام مطابق من حيث المعنى كأنه قال: لتنذر من كان حياً ويحق القول على من كان ميتاً لأن الكافر في عداد الموتى.

ثم عاد إلى تقرير دلائل الوحدانية مع تعداد النعم فقال ﴿ أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت ﴾ أي من جملة ما عملته ﴿ أيدينا ﴾ فاستعار عمل الأيدي لتفرده بالأحداث والإيجاد مع اشتمال المحدث والموجد على غرائب وعجائب حتى قال فيه ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت  ﴾ وقوله ﴿ فهم لها مالكون ﴾ إشارة إلى اتمام الإنعام في خلق الأنعام.

وقوله ﴿ وذللناها لهم ﴾ إشارة إلى ما فوق التمام فقد يملك الشيء ولا يكون مسخراً، ومن الذي يقدر على تذليل الإبل لولا أمر الله بتسخيرها حتى قال بعضهم: يصرف الصبيّ بكل وجه *** ويحبسه على الخسف الجرير وتضربه الوليدة بالهراوي *** فلا غير لديه ولا نكير والجرير حبل يجعل للبعير بمنزلة العذار للدابة.

ومن زعم أن الملك بمعنى الضبط من قوله: لا أملك رأس البعير أن يفر.

يلزمه التكرار.

ثم فصل بعض منافعها بقوله ﴿ فمنها ركوبهم ﴾ والركوب والركوبة ما يركب كالحلوب والحلوبة، والتاء للمبالغة.

وقيل: للوحدة والمنافع كالجلود والأوبار والأصواف، ذكرها بالاسم العام لما في تفصيلها من الطول.

والمشارب جمع مشرب وهو موضع الشرب اي الأواني المتخذة من جلودها، أو هو الشرب كالألبان والأسمان.

وحين وبخهم على عدم الشكر بقوله ﴿ أفلا يشكرون ﴾ زاد في توبيخهم بقوله ﴿ واتخذوا من دون الله آلهة ﴾ أي وضعوا الشرك مكان الشكر فلا أظلم منهم.

وفي قوله ﴿ لعلهم ينصرون ﴾ إلى قوله ﴿ محضرون ﴾ وجهان: أحدهما أنهم طمعوا في أن يتقوّوا بهم ويعتضدوا بمكانهم والأمر عكس ذلك حيث هم جند لآلهتهم معدّون يخدمونهم ويذبون عنهم من غير نفع في آلهتهم.

وثانيهما اتخذوهم لينصرونهم عند الله بالشفاعة، والأمر على خلاف ذلك حيث إن آلهتهم يوم القيامة جند محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقوداً للنار.

ووجه ثالث وهو أن يكون قوله ﴿ وهم لهم جند محضرون ﴾ تأكيداً لعدم الاستطاعة فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف من لم يتأهب ولم يجمع أنصاره.

ثم عقب دليل التوحيد بالرسالة مسلياً رسوله بقوله ﴿ فلا يحزنك قولهم ﴾ باتخاذ الشريك لله أو بالطعن في الرسالة أو بالإيذاء في والتهديد.

ثم علل عدم الحزن بقوله ﴿ إنا نعلم ما يسرون ﴾ من النفاق وسائر العقائل الفاسدة ﴿ وما يعلنون ﴾ من الشرك وسائر الأفعال القبيحة، أو يسرون من المعرفة بالله ويعلنون من العناد وجوّز جار الله فتح "أن" على تقدير لام التعليل، بل جوز أن تكون المفتوحة بدلاً من ﴿ قولهم ﴾ والمكسورة مفعولاً لـ ﴿ ـقولهم ﴾ ويكون نهي الرسول عن ذلك كنهيه عن الشرك في قوله ﴿ ولا تكونن من المشركين  ﴾ ثم اردف الرسالة بالحشر مع أن فيه دليلاً آخر على التوحيد مأخوذاً من الأنفس، فإن الأول كان مأخوذاً من الآفاق.

وفي قوله ﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ وجهان: أحدهما فإذا هو بعد ما كان ماء مهيناً رجل مميز منطيق معرب عما في ضميره كقوله ﴿ أو من يُنَشَّؤُاْ في الحلية وهو في الخصام غير مبين  ﴾ فقوله ﴿ من نطفة ﴾ إشارة إلى أدنى ما كان عليه الإنسان وقوله ﴿ فإذا هوخصيم مبين ﴾ إشارة إلى أعلى ما حصل عليه الآن، لأن أعلى أحوال الناطق أن يقدر على المخاصمة والذب عن نفسه بالكلام الفصيح.

وثانيهما قول كثير من المفسرين إنها نزلت في جماعة من كفار قريش تكلموا في البعث فقال للهم أبيّ بن خلف الجمحي: واللات والعزى لأصيرن إلى محمد ولأخصمنه.

وأخذ عظماً بالياً فجعل يفتته بيده ويقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ؟

فقال  : نعم ويبعثك ويدخلك جهنم.

قال أهل البيان: سمى قولهم ﴿ من يحيي العظام وهي رميم ﴾ مثلاً لأن إنكار قدرة الله  على إحياء الموتى قصة عجيبة.

وفيه تشبيه الخالق اللقادر العليم بالمخلوق العاجز عن خلق أدنى بعوضة الجاهل بما يجري عليه من الأحوال.

والرميم اسم لما بلي من العظام كالرمة والرفات ولا يبعد أن يكون صفة.

ولم تؤنث بتقدير موصوف محذوف أي شيء رميم، أو لأنه بمعنى فاعل كقوله ﴿ إن رحمة الله قريب  ﴾ وفي الآية دليل ظاهر على أن عظام الميتة نجسة لأن الموت والحياة يتعاقبان عليها.

وقال أصحاب أبي حنيفة: إنها طاهرة وإن الحياة لا تحل فيها فلا يتصور موتها، وكذا الشعر والعصب.

وتأوّلوا الآية بأن المراد بإحياء العظام ردّها على ما كانت عليه غضة طرية في بدن حيّ حساس.

واعلم أن المنكرين للحشر منهم من اكتفى في إنكاره بمجرد الاستبعاد كقوله ﴿ من يحيي العظام وهي رميم ﴾ فأزال استبعادهم بتصوير الخلق الأول فإن الذي قدر على جعل النطفة المتشابهة الأجزاء إنساناً مختلف الأبعاض والأعضاء، مودعاً فيه الفهم والعقل وسائر أسباب المزية والفضل، فهو على إعادتها أقدر.

ومنهم من ذكر شبهة وهي كقولهم: إن الإنسان بعد العدم لم يبق شيئاً فكيف يصح إعادة المعدوم عقلاً؟

أو كقولهم: إن الذي تفرقت أجزاؤه في أبدان السباع وجدران الرباع كيف يجمع ويعاد؟

أو كقولهم إن إنسانأً إذا نشأ مغتذياً بلحم إنسان آخر فلا بد أن لا يبقى للآكل وللمأكول جزء يمكن إعادته.

فأجاب الله  عن الأول بقوله ﴿ يحييها الذي أنشأها أوّل مرة ﴾ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً فإنه يعيده وإن لم يكن شيئاً.

وعن الباقيتين بقوله ﴿ وهو بكل خلق عليم ﴾ فيجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع والسباع وهكذا يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل والمأكول.

ثم شبه خلق الإنسان بل الحيوان من قبل إيداع الحرارة الغريزية التي بها قوام الحياة في جوهر رطب طريّ بإنشاء الشجر الخضر الذي تنقدح منه النار.

قالت العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثر واستغزر يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ - وهو ذكر علىالعفار- وهي أنثى- فتنقدح النار بإذن الله عز وجل.

وعن ابن عباس: ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب قالوا: ولذلك يتخذ منه كذينقات القصارين.

قلت: ويشبه أن يكون كل شجرة في غاية الصلابة هكذا إلا أن يكون له سبب خاص به كما يروى أنه معجزة لموسى  فإنه قد رأى النار فيها فلا ينبغي لغيره أن يراها.

ثم أكد قدرته الكاملة على خلق الإنسان إبداء وإعادة بتذكر خلق السموات والأرض الذي هو أكبر من خلق الناس.

ثم أثبت ما نفاه مستفهماً للتقرير بقوله ﴿ بل وهو الخلاق ﴾ الكثير الخلق الكامل فيه ﴿ العليم ﴾ بكل جوهر وعرض وما يطلق عليه اسم الشيئية.

ثم بين أن إيجاده ليس متوقفاً إلا على تعلق الإرادة بالمقدور وقد مر تقريره في أوائل "البقرة" وغيرها.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء.

وأجيب بأن الآية دلت على أنه حين تعلق الإرادة به شيء، أما إنه قبل ذلك شيء فكلا.

ثم ختم السورة بتقرير المبدأ والمعاد على الإجمال.

فقوله ﴿ بيده ملكوت كل شيء ﴾ إشارة إلى المبدأ.

وقوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ إشارة إلى المعاد وإذا تقرر الطرفان فما بينهما الوسط المشتمل على التكاليف والرسالة، فهذه الآية كالنتجية للمقدمات السابقة في السورة.

عن ابن عباس: كنت لا أعلم ما روي في فضائل يس وقراءتها كيف خصت بذلك فإذا أنه لهذه الآية.

روي أنه  قال: "إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس" فذكر الإمام الغزالي  أن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر وأنه مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه فلذلك سماها قلب القرآن.

وقال غيره: إن الأصول الثلاثة التي يتعلق بها نصيب الجنان وهي التوحيد والرسالة والحشر مكررة في هذه السورة.

وليس فيها شيء من بيان وظيفة اللسان ولا العمل بالأكان.

فلما كان أعمال القلب لا غير سماه قلباً، ولهذا ورد في الأخبار أنه ينبغي أن تقرأ على الميت حالة النزع وذلك ليزداد بها قوة قلبه، فإن الأعضاء الظاهرة وقتئذ ساقطة المنة، والقلب مقبل على الله معرض عما سواه ولنا فيه وجه هو بالتأويل أشبه فلنذكره هناك.

الـتأويل: ﴿ اتقوا ما بين أيديكم ﴾ من الدنيا وشهواتها ﴿ وما خلفكم ﴾ من نعيم الجنة ولذاتها ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بمشاهدة الجمال وأنوار الكمال ﴿ ونفخ في الصور ﴾ إشارة إلى نفخ إسرافيل المحبة في صور القلب، فإذا السر والروح والخفى من أجداث أوصاف البشرية ﴿ إلى ربهم ينسلون ﴾ يرجعون بعضها بالسير وبعضها بالطيران ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ﴾ شغلهم الله بالمفاكهة عن المشاهدة كما قال بعض الصوفية: والناس يخرجون من مسجد الجامع هؤلاء حشو الجنة.

وللمجالسة اقوام آخرون وهم الفارغون من الالتفات إلى الكونين.

قال الله  ﴿ فإذا فرغت  ﴾ أي من تعلقات الكونين ﴿ فانصب  ﴾ لطلب الوصال.

ويحكى أن الآية قرئت في مجلس الشبلي  فشهق شهقة وغاب، فلما أفاق قال: مساكين لو علموا أنهم عم شغلوا لهلكوا.

ويحتمل أن يقال: إنهم اليوم أي في الدنيا ف شغل بأنواع الطاعات والعبادات من طلب الحق والشوق إلى لقائه كما يحكى عن يحيى بن معاذ أنه قال: رايت رب العزة في منامي فقال لي: ابن معاذ، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني.

ويمكن أن يقال: إنهم اليوم في الدنيا في شغل بالطاعات والرضا بما قسم الله عن طلب اللذات والفوائد وارتكاب المحرمات والزوائد.

أو يقال: إنه خطاب للعصاة فإن أهل الله هم المستغرقون في بحار عظمة الله، وأهل الجنة مشتغلون باستيفاء اللذات وليس العصاة إلا رحمتي وكرمي كما قال ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله  ﴾ ﴿ وتشهد أرجلهم ﴾ في بعض الأخبار المروية أن عبداً لتشهد عليه أعضاؤه بالذلة فتتطاير شعرة من جفن عينه فتستأذن بالشهادة له فيقول الحق  : تكلمي يا شعرة جفن عين عبدي واحتجي عن عبدي.

فتشهد له بالبكاء من خوفه فيغفر له وينادي مناد: هذا عتيق الله بشعرة.

﴿ ومن نعمره ننكسه ﴾ إن السالك إذا عمر صار في آخر الأمر إلى الفناء في الله حتى لا يبقى منه ما يستند الفعل إليه.

وفي قوله ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ إشارة إلى أن العلوم والصنائع كلها من الله  وبتعليمه وإلهامه.

﴿ من الشجر الأخضر ﴾ وهو شجرة البشرية نار المحبة ﴿ توقدون ﴾ مصباح قلوبكم.

وإنما قال النبي  "إن قلب القرآن يس" لأن ذكره  رمز إليه في أول السورة وفي آخرها.

أما الأول فقد مر في تفسير لفظ ﴿ يس ﴾ وأما الثاني فلأن قوله ﴿ فسبحان ﴾ إلى آخره يدل على المبدأ والمعاد تصريحاً، وعلى الرسالة ضمناً، ولا ريب أن القلب خلاصة كل ذي قلب، وإنه  كان خلاصة المخلوقات وكان خلقه القرآن الذي نزل على قلبه، وكأن فاتحة السورة وخاتمتها مبنية على ذكره منبئة عن سره كالقلب في جوف صاحبه فلأجل هذه المناسبات أطلق على ﴿ يس ﴾ أنه قلب القرآن والله ورسوله أعلم بأسرار كلامه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ .

كأن أهل الجنة وأهل النار يكونون مختلطين، فيفرق هؤلاء؛ لأنهم يكونون في الابتداء مجموعين، وكذلك سمي: يوم الجمع، ويوم الحشر، ثم يفرق بينهم؛ كقوله: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ  ﴾ ، وسمي: يوم الفصل.

وأصل قوله: ﴿ وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ ﴾ ليس على الأمر في الحقيقة: أن افترقوا، ولكن على حقيقة التفريق على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ  ﴾ ، وأصل الامتياز: الافتراق والاعتزال؛ وبه يقول أبو عوسجة والقتبي: إن الامتياز هو التفرق والتنحي.

وقوله: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ ﴾ .

يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: عهد خلقة وبنية؛ إذ قد جعل الله  في خلقة كل أحد وبنيته ما يشهد على وحدانيته، وجعل العبادة له ويصرفها عمّن دونه، فنقضوا ذلك العهد وصرفوا العبادة إلى غيره والألوهية.

والثاني: ما أخذ عليهم من العهد على ألسن الرسل والأنبياء من الأمر والنهي.

والثالث: ما جعل فيهم من الحاجات والشهوات التي يحملهم قضاؤها من عنده على صرف العبادة إليه والشكر له على نعمائه، وجعل الألوهية له، ويمنعهم صرفها إلى غيره وجعلها لمن دونه، فنقضوا ذلك كله وتركوه.

فإن قيل: ذكر عبادة الشيطان، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان ولا يعبده، بل كل يفرّ عن عبادته ويهرب منه، لكنه يخرج على وجهين: أحدهما: يحتمل أن يريد بالشيطان: المردة من الكفرة والأئمة منهم الذين صرفوهم عن عبادة الله، سموا شيطاناً؛ لما بعدوا عن رحمة الله؛ شطن، أي: بعد، كقوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً  ﴾ .

والثاني: نسب تلك العبادة إلى الشيطان وأضافها إليه، وإن كانوا هم لا يقصدون بعبادتهم الشيطان؛ لِمَا بأمره يعبدون ما يعبدون من الأصنام؛ فنسب إليه بالأمر، أو لما كان منه بداية الأمر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

عداوته لنا ظاهرة بينة في كل شيء، حتى في المأكل والمشرب والمبلس؛ كقوله: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا...

﴾ الآية [الأعراف: 20]؛ إذ هو يريد أن يوقعنا في المهالك فهو عدوّ لنا.

وقوله: ﴿ وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾ .

أي: اعبدوني فإن عبادتي هي الصراط المستقيم.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَضَلَّ مِنْكُمْ ﴾ ، أي: أهلك، وهو ما أهلك من القرون المتقدمة نحو عاد وثمود وقروناً غير ذلك، والإضلال يكون الإهلاك في اللغة.

ويحتمل على حقيقة الإضلال عن الهدى.

ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: أن قد رأيتم وعلمتم أنه قد أهلك الله خلقاً كثيراً بإبليس بما ضلوا به واستأصلهم لذلك؛ فكونوا أنتم يا معشر أهل مكة على حذر منه؛ لئلا ينزل بكم ما نزل بأولئك بضلالهم به - والله أعلم - ﴿ أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ ﴾ : أنه فعل ذلك بهم، يخرج على التعيير والتوبيخ لهم لترك هؤلاء النظر في أمر أولئك.

والثاني: قوله: ﴿ جِبِلاًّ كَثِيراً ﴾ : قال بعضهم: جموعاً كثيرة.

وقال بعضهم: خلقاً كثيراً.

وقال بعضهم: أمماً كثيرة؛ وكله واحد، وأصله من قولك: جبلهم على كذا، أي: طبعهم، ويقرأ: ﴿ جُبلاًّ ﴾ و ﴿ جِبِلاًّ ﴾ برفع الجيم والتشديد وخفضها والتشديد.

قال أبو عوسجة: الجبلة والجبلة: الخلق.

وقوله: ﴿ هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ .

يشبه أن يكونوا لما رأوا جهنم قالوا: ما هذا الذي نراه؟!

فعند ذلك قيل لهم: ﴿ هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ بها، ﴿ ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ ، أي: ادخلوها اليوم بما كنتم تكذبون بها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ .

أي: نطبع على أفواههم، فلا يتكلمون ﴿ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .

كأنهم - والله أعلم - لما أنكروا كفرهم وشركهم وعملهم الذي عملوه في الدنيا؛ كقولهم: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، وأمثاله عند ذلك يأذن الله لسائر جوارحهم وأركانهم بالنطق والشهادة عليهم بما عملوا؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ...

﴾ الآية [النور: 24]، وقوله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ...

﴾ الآية [فصلت: 20]، ثم أنطق ألسنتهم حتى يعاتبوا الجوارح في شهادتها عليهم بقوله: ﴿ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ  ﴾ .

وفيه أن النطق والكلام الذي يكون من اللسان لا يكون لأنه لسان أو لنفس اللسان، ولكن للطف يجعل الله ذلك في اللسان فينطق، فيحثما جعل ذلك اللطف والمعنى في أي جارحة ما جعل نطقت وتكلمت، ولو كان النطق والكلام لنفس اللسان، لكان يجب أن ينطق لسان كل ذي لسان لما له اللسان، فإذا لم ينطق دل أنه للطف جعل فيه به ينطق ويتكلم، فحيثما جعل ذلك المعنى واللطف نطق وتكلم؛ وكذلك السمع والبصر وكل جارحة منه من اليد والرجل وغيره جعل لطفاً ومعنى به يسمع السمع، وبه يبصر البصر، وبه تأخذ وتقبض اليد، وبه تمشي وتذهب الرجل، فأينما جعل ذلك اللطف وذلك المعنى كان منه ذلك ما كان من السمع والبصر وغيره؛ وكذلك الأطعمة والمياه ليس الغذاء في عينها، ولكن في لطف جعل الله فيها لطفاً ومعنى يصير ذلك غذاء لهم؛ ألا ترى أن عين الطعام تبقى فيرمى به وينتفع بما فيه من الغذاء؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: لو نشاء لطمسنا أعين الضلال، فاستبقوا فلم يبصروا الطريق، فأنى يبصرون وقد فقأنا أعينهم.

وقال بعضهم: لو نشاء لحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى، فلو طمست: أي: حولت [عن] الكفر - لاستبقوا الصراط، يقول: لأبصروا طريق الهدى، ثم قال: ﴿ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴾ يقول: فمن أين يبصرون الهدى إن لم أعم عليهم طريق الكفرة؟!

﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ ﴾ .

أي: لأقعدناهم على أرجلهم لا يتقدمون ولا يتأخرون.

ويشبه أن يكون على خلاف هذا على التمثيل؛ يقول - والله أعلم -: لو طمسنا أعينهم وأعميناهم فاستبقوا الطريق ﴿ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴾ ، أي: لا يبصرون الطريق؛ فعلى هذا إذا طمسنا أعين القلوب فأعميناها، فأنى يبصرون الهدى، أي: لا يبصرون.

﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ ﴾ .

يقول [ذلك] - والله أعلم - على التمثيل، أي: لو حولنا ظاهر خلقتهم وصيرناها خنازير وقردة حتى ذهبنا بمنافع أنفسهم ظاهرة، فما استطاعوا مضيّاً ولا يرجعون؛ فعلى ذلك إذا مسخنا قلوبهم وحولناها عن مكانها ما انتفعوا بها كما [لم] ينتفعوا بظواهر جواهرهم، على التمثيل لا على التحقيق.

وفي قوله: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ ﴾ ، ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ ﴾ دلالة أن لله في ذلك صنعاً؛ إذ لو لم يكن [له] فيما يختارون من الأفعال والأعمال صنع، لم يكن لتوعدهم على إذهاب ذلك وتحويله عن مكانه معنى، فدل أن له صنعاً في ذلك وفعلا.

قال الحسن وقتادة في قوله: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ ﴾ فتركناهم عميا يترددون ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ ﴾ : أي: لأقعدناهم على أرجلهم على ما ذكر.

﴿ فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: ما استطاعوا أن يتقدموا ويتأخروا.

وابن عباس -  - يقول ما تقدم ذكره، أي: لو شاء غير أعين الضلال فلم يبصروا الطريق ﴿ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴾ أي: كيف يبصرون، أو نحوه من الكلام.

ومقاتل يقول: لو شاء طمس أعينهم ظاهره ﴿ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴾ ، أي: لا يبصرون، وهو قريب مما ذكر آنفاً.

وجائز أن يكون على التمثيل على ما ذكرنا بدءاً.

ويحتمل على التحقيق أن من قدر على الطمس أو المسخ وما ذكر من النكس، لا يعجزه شيء من البعث وغيره؛ إذ خلق الإنسان للطمس أو المسخ خاصة لا لعاقبة تقصد ليس بحكمة.

أو يذكر أنه لو شاء لطمسهم ولمسخهم، لكنه تركهم فلم يطمسهم ولم يمسخهم؛ ليبقوا في النعمة؛ ليشكروا نعمه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولو نشاء إذهاب أبصارهم لأذهبناها فلم يبصروا، فتسابقوا إلى الصراط ليعبروا منه إلى الجنة، فبعيد أن يعبروا وقد ذهبت أبصارهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.7wzWQ"

مزيد من التفاسير لسورة يس

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
لا إله إلا الله