الآية ١٧ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٧ من سورة النساء

إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍۢ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍۢ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 166 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : إنما يتقبل الله التوبة ممن عمل السوء بجهالة ، ثم يتوب ولو قبل معاينة الملك [ لقبض ] روحه قبل الغرغرة .

قال مجاهد وغير واحد : كل من عصى الله خطأ أو عمدا فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب .

وقال قتادة عن أبي العالية : أنه كان يحدث : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون : كل ذنب أصابه عبد فهو بجهالة .

رواه ابن جرير .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن قتادة قال : اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصي به فهو جهالة ، عمدا كان أو غيره .

وقال ابن جريج : أخبرني عبد الله بن كثير ، عن مجاهد قال : كل عامل بمعصية الله فهو جاهل حين عملها .

قال ابن جريج : وقال لي عطاء بن أبي رباح نحوه .

وقال أبو صالح عن ابن عباس : من جهالته عمل السوء .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ( ثم يتوبون من قريب ) قال : ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت ، وقال الضحاك : ما كان دون الموت فهو قريب .

وقال قتادة والسدي : ما دام في صحته .

وهو مروي عن ابن عباس .

وقال الحسن البصري : ( ثم يتوبون من قريب ) ما لم يغرغر .

وقال عكرمة : الدنيا كلها قريب .

ذكر الأحاديث في ذلك : قال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عياش وعصام بن خالد ، قالا حدثنا ابن ثوبان ، عن أبيه ، عن مكحول ، عن جبير بن نفير عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " .

[ و ] رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، به وقال الترمذي : حسن غريب .

ووقع في سنن ابن ماجه : عن عبد الله بن عمرو .

وهو وهم ، إنما هو عبد الله بن عمر بن الخطاب .

حديث آخر عن ابن عمر : قال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن معمر حدثنا عبد الله بن الحسن الخراساني ، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي حدثنا أيوب بن نهيك الحلبي قال : سمعت عطاء بن أبي رباح قال : سمعت عبد الله بن عمر ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من عبد مؤمن يتوب قبل الموت بشهر إلا قبل الله منه ، وأدنى من ذلك ، وقبل موته بيوم وساعة ، يعلم الله منه التوبة والإخلاص إليه إلا قبل منه " .

حديث آخر : قال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة ، أخبرنا إبراهيم بن ميمون ، أخبرني رجل من ملحان يقال له : أيوب - قال : سمعت عبد الله بن عمر يقول : من تاب قبل موته بعام تيب عليه ، ومن تاب قبل موته بشهر تيب عليه ، ومن تاب قبل موته بجمعة تيب عليه ، ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه ، ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه .

فقلت له : إنما قال الله : (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ) فقال : إنما أحدثك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وهكذا رواه أبو داود الطيالسي ، وأبو عمر الحوضي ، وأبو عامر العقدي ، عن شعبة .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا محمد بن مطرف ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن بن البيلماني قال : اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أحدهم : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم " .

فقال الآخر : أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

قال : نعم .

قال : وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم " فقال الثالث : أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

قال : نعم .

قال : وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحو " .

قال الرابع : أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

قال : نعم .

قال وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله [ تعالى ] يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه " .

وقد رواه سعيد بن منصور عن الدراوردي ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن بن البيلماني فذكر قريبا منه .

حديث آخر : قال أبو بكر بن مردويه : حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد ، حدثنا عمران بن عبد الرحيم ، حدثنا عثمان بن الهيثم ، حدثنا عوف ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر " .

أحاديث في ذلك مرسلة : قال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن عوف ، عن الحسن قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " هذا مرسل حسن .

عن الحسن البصري ، رحمه الله .

آخر : قال ابن جرير أيضا ، رحمه الله : حدثنا ابن بشار ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثني أبي ، عن قتادة ، عن العلاء بن زياد ، عن أبي أيوب بشير بن كعب; أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " .

وحدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الأعلى ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ، فذكر مثله .

أثر آخر : قال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا أبو داود ، حدثنا عمران ، عن قتادة قال : كنا عند أنس بن مالك وثم أبو قلابة ، فحدث أبو قلابة فقال : إن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة فقال : وعزتك وجلالك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح .

فقال الله : وعزتي لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح .

وقد ورد هذا في حديث مرفوع ، رواه الإمام أحمد في مسنده من طريق عمرو بن أبي عمرو وأبي الهيثم العتواري كلاهما عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " قال إبليس : وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم .

فقال الله عز وجل : وعزتي وجلالي ، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني " .

فقد دلت هذه الأحاديث على أن من تاب إلى الله عز وجل وهو يرجو الحياة ، فإن توبته مقبولة [ منه ] ; ولهذا قال تعالى : ( فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما ) فأما متى وقع الإياس من الحياة ، وعاين الملك ، وحشرجت الروح في الحلق ، وضاق بها الصدر ، وبلغت الحلقوم ، وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم - فلا توبة متقبلة حينئذ ، ولات حين مناص

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة "، ما التوبة على الله لأحد من خلقه، إلا للذين يعملون السوء من المؤمنين بجهالة = ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ، يقول: ما الله براجع لأحد من خلقه إلى ما يحبه من العفو عنه والصفح عن ذنوبه التي سلفت منه، إلا للذين يأتون ما يأتونه من ذنوبهم جهالة منهم وهم بربهم مؤمنون، ثم يراجعون طاعة الله ويتوبون منه إلى ما أمرهم الله به من الندم عليه والاستغفار وترك العود إلى مثله من قبل نـزول الموت بهم.

&; 8-89 &; وذلك هو " القريب " الذي ذكره الله تعالى ذكره فقال: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ .

(30) * * * وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

غير أنهم اختلفوا في معنى قوله: " بجهالة ".

فقال بعضهم في ذلك بنحو ما قلنا فيه، وذهب إلى أنّ عمله السوء، هو " الجهالة " التي عناها.

ذكر من قال ذلك: 8832 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي العالية: أنه كان يحدِّث: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو بجهالة.

8833 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: " للذين يعملون السوء بجهالة "، قال: اجتمع أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عُصيِ به فهو " جهالة "، عمدًا كان أو غيره.

8834 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " للذين يعملون السوء بجهالة "، قال: كل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينـزع عن معصيته.

8835 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة "، قال: كل من عمل بمعصية الله، فذاك منه بجهل حتى يرجع عنه.

8836 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا &; 8-90 &; أسباط، عن السدي: " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة "، ما دام يعصي الله فهو جاهل.

8837 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، عن أبي النضر، عن أبي صالح، عن ابن عباس: " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة "، قال: من عمل السوء فهو جاهل، من جهالته عمل السوء.

8838 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: من عصى الله فهو جاهل حتى ينـزع عن معصيته = قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: كل عامل بمعصية فهو جاهل حين عمل بها = قال ابن جريج: وقال لي عطاء بن أبي رباح نحوه.

8839 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله: " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب "، قال: " الجهالة "، كل امرئ عمل شيئًا من معاصي الله فهو جاهل أبدًا حتى ينـزع عنها، وقرأ: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ [سورة يوسف: 89]، وقرأ: وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ [سورة يوسف: 33].

قال: من عصى الله فهو جاهل حتى ينـزع عن معصيته.

* * * وقال آخرون: معنى قوله: " للذين يعملون السوء بجهالة "، يعملون ذلك على عمد منهم له.

ذكر من قال ذلك: 8840 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن مجاهد: " يعملون السوء بجهالة "، قال: الجهالة: العمد.

&; 8-91 &; 8841 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد مثله.

8842 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة "، قال: الجهالة: العمد.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء في الدنيا.

ذكر من قال ذلك: 8843 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة قوله: " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة "، قال: الدنيا كلها جهالة.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، قولُ من قال: تأويلها: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء، وعملهم السوء هو الجهالة التي جهلوها، عامدين كانوا للإثم، أو جاهلين بما أعدّ الله لأهلها.

(31) وذلك أنه غير موجود في كلام العرب تسمية العامد للشيء: " الجاهل به "، إلا أن يكون معنيًّا به أنه جاهل بقدر منفعته ومضرّته، فيقال: " هو به جاهل "، على معنى جهله بمعنى نفعه وضُرّه.

(32) فأما إذا كان عالمًا بقدر مبلغ نفعه وضرّه، قاصدًا إليه، فغيرُ جائز من أجل قصده إليه أن يقال (33) " هو به جاهل "، &; 8-92 &; لأن " الجاهل بالشيء "، هو الذي لا يعلمه ولا يعرفه عند التقدم عليه = أو [الذي] يعلمه، فيشبَّه فاعله، (34) إذ كان خطًأ ما فعله، بالجاهل الذي يأتي الأمر وهو به جاهل، فيخطئ موضع الإصابة منه، فيقال: " إنه لجاهل به "، وإن كان به عالمًا، لإتيانه الأمر الذي لا يأتي مثله إلا أهل الجهل به.

وكذلك معنى قوله: " يعملون السوء بجهالة "، قيل فيهم: " يعملون السوء بجهالة " = وإن أتوه على علم منهم بمبلغ عقاب الله أهله، عامدين إتيانه، مع معرفتهم بأنه عليهم حرام = لأن فعلهم ذلك كان من الأفعال التي لا يأتي مثله إلا من جَهِل عظيمَ عقاب الله عليه أهلَه في عاجل الدنيا وآجل الآخرة، فقيل لمن أتاه وهو به عالم: " أتاه بجهالة "، بمعنى أنه فعل فعل الجهَّال به، لا أنه كان جاهلا.

* * * وقد زعم بعض أهل العربية أن معناه: أنهم جهلوا كُنْه ما فيه من العقاب، فلم يعلموه كعلم العالم، وإن علموه ذنبًا، فلذلك قيل: " يعملون السوء بجهالة ".

(35) قال أبو جعفر: ولو كان الأمر على ما قال صاحب هذا القول، لوجب أن لا تكون توبة لمن علم كُنْه ما فيه.

وذلك أنه جل ثناؤه قال: " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب " دون غيرهم.

فالواجب على صاحب هذا القول أن لا يكون للعالم الذي عمل سوءًا على علم منه بكنه ما فيه، ثم تاب من قريب = (36) توبة، وذلك خلاف الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أن كل تائب عسى الله أن يتوب عليه = وقوله: " باب التوبة مفتوح ما لم تطلع الشمس &; 8-93 &; من مغربها " = (37) وخلاف قول الله عز وجل: إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا [سورة الفرقان: 70].

* * * القول في تأويل قوله : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى: " القريب " في هذا الموضع.

فقال بعضهم: معنى ذلك: ثم يتوبون في صحتهم قبل مرضهم وقبل موتهم.

ذكر من قال ذلك: 8844 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ثم يتوبون من قريب "، والقريب قبلَ الموت ما دام في صحته.

8845 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي النضر، عن أبي صالح، عن ابن عباس: " ثم يتوبون من قريب "، قال: في الحياة والصحة.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم يتوبون من قبل معاينة مَلَك الموت.

&; 8-94 &; ذكر من قال ذلك.

8846 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " ثم يتوبون من قريب "، والقريب فيما بينه وبين أن ينظر إلى مَلَك الموت.

8847 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت عمران بن حدير قال، قال أبو مجلز: لا يزال الرجل في توبة حتى يُعاين الملائكة.

8848 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس قال: القريب، ما لم تنـزل به آية من آيات الله تعالى، وينـزلْ به الموت.

(38) 4849 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب "، وله التوبة ما بينه وبين أن يعاين ملَك الموت، فإذا تاب حين ينظر إلى ملك الموت، فليس له ذاك.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم يتوبون من قبل الموت.

ذكر من قال ذلك: 8850 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن رجل، عن الضحاك،" ثم يتوبون من قريب "، قال: كل شيء قبل الموت فهو قريب.

8851 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة: " ثم يتوبون من قريب "، قال: الدنيا كلها قريب.

8852 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ثم يتوبون من قريب "، قبل الموت.

8853 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي قلابة قال: ذُكر لنا أن إبليس لما لُعن وأُنظر، قال: وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح.

فقال تبارك وتعالى: وعزتي لا أمنعه التَّوبة ما دام فيه الروح.

8854 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا عمران، عن قتادة قال: كنا عند أنس بن مالك وثَمَّ أبو قلابة، فحدث أبو قلابة قال: إن الله تبارك وتعالى لما لعن إبليس سأله النَّظِرة، فقال: وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم!

فقال الله تبارك وتعالى: وعزتي لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح.

8855 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة قال: إن الله تبارك وتعالى لما لعن إبليس سأله النَّظِرة، فأنظره إلى يوم الدين، فقال: وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح!

قال: وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح.

8856 - حدثني ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عوف، عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن إبليس لما رأى آدم أجْوفَ قال: وعزتك لا أخرج من جوفه ما دام فيه الروح!

فقال الله تبارك وتعالى: وعزتي لا أحُول بينه وبين التوبة ما دام فيه الروح.

(39) 8857 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن أبي أيوب بُشَيْر بن كعب: أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغر ".

(40) 8858 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، فذكر مثله.

(41) .

8859 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تبارك وتعالى يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِرْ.

(42) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: تأويله: ثم يتوبون قبل مماتهم، في الحال التي يفهمون فيها أمر الله تبارك وتعالى ونهيَه، وقبل أن يُغلبوا على أنفسهم وعقولهم، وقبل حال اشتغالهم بكرب الحَشْرجة وغمّ الغرغرة، فلا يعرفوا أمر الله ونهيه، ولا يعقلوا التوبة، لأن التوبة لا تكون توبة إلا ممن ندمٍ &; 8-97 &; على ما سلف منه، وعزمٍ منه على ترك المعاودة، (43) وهو يعقل الندم، ويختار ترك المعاودة: فأما إذا كان بكرب الموت مشغولا وبغمّ الحشرجة مغمورًا، فلا إخالُه إلا عن الندم على ذنوبه مغلوبًا.

ولذلك قال من قال: " إن التوية مقبولة، ما لم يغرغر العبد بنفسه "، (44) فإن كان المرء في تلك الحال يعقل عقلَ الصحيح، ويفهم فهم العاقل الأريب، فأحدث إنابة من ذنوبه، ورجعةً من شروده عن رَبه إلى طاعته، كان إن شاء الله ممن دخل في وعد الله الذي وعد التائبين إليه من إجرامهم من قريب بقوله: " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ".

* * * القول في تأويل قوله : فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (45) " فأولئك "، فهؤلاء الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب =" يتوب الله عليهم "، دون من لم يتب حتى غُلب على عقله، وغمرته حشرجة ميتته، فقال وهو لا يفقه ما يقول: " إني تبت الآن "، خداعًا لربه، ونفاقًا في دينه.

* * * ومعنى قوله: " يتوب الله عليهم "، يرزقهم إنابة إلى طاعته، ويتقبل منهم أوبتهم إليه وتوبتهم التي أحدثوها من ذنوبهم.

(46) * * * وأما قوله: " وكان الله عليما حكيما "، فإنه يعني: ولم يزل الله جل ثناؤه (47) = " عليما " بالناس من عباده المنيبين إليه بالطاعة، بعد إدبارهم عنه، المقبلين إليه بعد التولية، وبغير ذلك من أمور خلقه =" حكيمًا "، (48) في توبته على من تاب منهم من معصيته، وفي غير ذلك من تدبيره وتقديره، ولا يدخل أفعاله خلل، ولا يُخالطه خطأ ولا زلل.

(49) ---------------------- الهوامش : (30) انظر تفسير"القريب" فيما يلي ص: 93.

(31) انظر فيما سلف 2: 183 ، تفسيره"الجاهلون" أنهم: السفهاء.

(32) لعل الصواب"بمبلغ نفعه وضره" ، وحرفه الناسخ.

(33) كان في المطبوعة والمخطوطة: "فغير جائز من غير قصده إليه أن يقال: هو به جاهل" وهو بلا شك كلام لا يستقيم مع الذي قبله ولا الذي بعده ، وسهو الناسخ هنا شيء لا ريب فيه أيضًا ، فظني أنه سبق قلمه بأن كتب"من غير" مكان"من أجل" كما أثبتها ، أو تكون كانت"من جراء قصده إليه" فلم يحسن قراءة"من جرا" فكتب"من غير" ، وهو تصحيف قريب جدًا ، مر عليك أشد منه.

(34) في المخطوطة"أو الذي يعمله فيشبه فاعله" وهو خطأ ، صححه ناشر المطبوعة الأولى"يعلمه" ، وزدت"الذي بين القوسين لكي يستوي جانبا الكلام".

(35) قائل هذا هو الفراء في معاني القرآن 1: 259.

(36) قوله: "توبة" اسم"يكون" في قوله: "أن لا يكون للعالم...".

(37) هذان الخبران رواهما أبو جعفر بغير إسناد ، وكأنه ذكر معناهما دون لفظهما ، وكأن الأول: "كُلّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أن يَغْفره ، إلا من مات مشركًا أوْ قتلَ مؤمنًا مُتَعمّدًا" خرجه السيوطي في الجامع الصغير ، لأبي داود ، من حديث أبي الدرداء ، وإلى أحمد والنسائي والحاكم في المستدرك ، من حديث معاوية.

أما الثاني ، فكأنه قوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ عزّ وجَلَّ يبْسُطُ يَدَهُ باللَّيْلِ ليتوبَ مُسِيءُ النهار ، ويَبْسُط يده بالنهار ليتُوبَ مسيءُ الليل ، حتى تطلُعَ الشَّمْسُ من مغربها" ، أخرجه مسلم 17: 76 من حديث أبي موسى.

(38) الأثر: 8848 -"محمد بن قيس المدني" ، قاضي عمر بن عبد العزيز ، قال ابن سعد: "كان كثير الحديث عالمًا" ، ذكره ابن حبان في الثقات.

له حديث واحد في مسلم ، عن أبي صرمة ، عن أبي هريرة.

وهو الذي يروي عنه أبو معشر.

مترجم في التهذيب.

(39) الأحاديث: 8853 - 8856 - هذه أحاديث مرسلة ، أشار إليها ابن كثير في تفسيره 2: 380 ، ثم قال: "وقد ورد في هذا حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده ، من طريق عمرو بن أبي عمرو ، وأبي الهيثم العتواري ، كلاهما عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال إبليس: يا ربّ ، وعزّتك وجَلالكَ لا أَزال أُغويهم مَا دامت أَرواحُهُم في أَجسادِهم!

فقال الله عز وجلّ: وعزّتي وجَلالي لا أزَال أغفِر لهم ما استغفروا لي" (40) الأثر: 8857 -"بشير بن كعب بن أبي الحميري ، أبو أيوب العدوي".

ثقة معروف ، روى عن أبي الدرداء ، وأبي ذر ، وأبي هريرة.

و"بشير" مصغر.

وهذا حديث آخر مرسل ، رواه الإمام أحمد في مسنده 6610 ، 6408 مرفوعًا من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب.

من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، عن أبيه ، عن مكحول ، عن جبير بن نفير ، عن ابن عمر ، وهو حديث صحيح.

ورواه الترمذي وابن ماجه ، وقال الترمذي: "حسن غريب".

وانظر تخريجه من شرح المسند لأخي السيد أحمد.

و"الغرغرة": أن يجعل الشراب في فمه ويردده إلى أقصى الحلق ، ثم لا يبلعه.

شبهوا تردد الروح قبل خروجها بمنزلة ما يتغرغر به المريض.

وهذه صفة عجيبة بلفظ واحد ، لحالة من شهدها شهد للعرب أنهم أهل بيان ، وأن لغتهم أدنى اللغات في تصويرها للدقيق المشكل بكلمة واحدة.

(41) الأثر: 8858 - هذا حديث منقطع ، فإن عبادة بن الصامت مات سنة 34.

وولد قتادة سنة 61 ، وانظر التعليق على الأثر السالف.

(42) الأثر: 8859 - انظر التعليق على الأثر: 8857.

(43) في المطبوعة: "إلا ممن ندم على ما سلف منه ، وعزم فيه على ترك المعاودة" ، تصرف فيما كان في المخطوطة ، لما رأى من تحريفها ، وكان فيها: "إلا من ندم على ما سلف منه ، وعرف فيه على ترك المعاودة" ، والجملة الأولى مستقيمة ، وقد أثبتها ، والثانية تصحيف صواب قراءته ما أثبت.

(44) قوله: "ولذلك قال من قال" ، دال على أن أبا جعفر.

حين روى الأحاديث الثلاثة المرسلة: 8857 -8859 ، لم يكن عنده ما صح من رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(45) في المخطوطة والمطبوعة"يعني بذلك جل ثناؤه" ، والسياق يقتضي ما أثبت.

(46) انظر تفسير"التوبة" و"تاب" فيما سلف من فهارس اللغة.

(47) انظر معنى"كان" فيما سلف قريبًا: 88 تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(48) كان في المخطوطة والمطبوعة: "حكيم" ، ورددتها إلى نص الآية والسياق.

(49) في المطبوعة والمخطوطة: "لا يخلطه" ، وإنما يقال: "خلط الشيء بالشيء" ، وليس هذا مكانها ، بل الصواب ما أثبت.

وانظر تفسير"عليم" و"حكيم" فيما سلف من فهارس اللغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيمافيها مسائل :الأولى : قوله تعالى : إنما التوبة على الله قيل : هذه الآية عامة لكل من عمل ذنبا .

وقيل : لمن جهل فقط ، والتوبة لكل من عمل ذنبا في موضع آخر .

واتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين ؛ لقوله تعالى : وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون .

وتصح من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه خلافا للمعتزلة في قولهم : لا يكون تائبا من أقام على ذنب .

ولا فرق بين معصية ومعصية - هذا مذهب أهل السنة .

وإذا تاب العبد فالله سبحانه بالخيار إن شاء قبلها ، وإن شاء لم يقبلها .

وليس قبول التوبة واجبا على الله من طريق العقل كما قال المخالف ؛ لأن من شرط الواجب أن يكون أعلى رتبة من الموجب عليه ، والحق سبحانه خالق الخلق ومالكهم ، والمكلف لهم ؛ فلا يصح أن يوصف بوجوب شيء عليه ، تعالى عن ذلك ، غير أنه قد أخبر سبحانه وهو الصادق في وعده بأنه يقبل التوبة عن العاصين من عباده بقوله تعالى : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات .وقوله : ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده وقوله : وإني لغفار لمن تاب طه : فإخباره سبحانه وتعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء .والعقيدة أنه لا يجب عليه شيء عقلا ؛ فأما السمع فظاهره قبول توبة التائب .

قال أبو المعالي وغيره : وهذه الظواهر إنما تعطي غلبة ظن ، لا قطعا على الله تعالى بقبول التوبة .

قال ابن عطية : وقد خولف أبو المعالي وغيره في هذا المعنى .

فإذا فرضنا رجلا قد تاب توبة نصوحا تامة الشروط فقال أبو المعالي : يغلب على الظن قبول توبته .

وقال غيره : يقطع على الله تعالى بقبول توبته كما أخبر عن نفسه جل وعز .

قال ابن عطية : وكان أبي رحمه الله يميل إلى هذا القول ويرجحه ، وبه أقول ، والله تعالى أرحم بعباده من أن ينخرم في هذا التائب المفروض .

معنى قوله : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده وقوله تعالى : وإني لغفار .

وإذا تقرر [ ص: 81 ] هذا فاعلم أن في قوله " على الله " حذفا وليس على ظاهره ، وإنما المعنى على فضل الله ورحمته بعباده .

وهذا نحو قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : أتدري ما حق العباد على الله ؟

قال : الله ورسوله أعلم .

قال : أن يدخلهم الجنة .

فهذا كله معناه : على فضله ورحمته بوعده الحق وقوله الصدق .

دليله قوله تعالى : كتب على نفسه الرحمة أي وعد بها .

وقيل : على هاهنا معناها " عند " والمعنى واحد ، التقدير : عند الله ، أي إنه وعد ولا خلف في وعده أنه يقبل التوبة إذا كانت بشروطها المصححة لها ؛ وهي أربعة : الندم بالقلب ، وترك المعصية في الحال ، والعزم على ألا يعود إلى مثلها ، وأن يكون ذلك حياء من الله تعالى لا من غيره ؛ فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم تصح التوبة .

وقد قيل من شروطها : الاعتراف بالذنب وكثرة الاستغفار ، وقد تقدم في " آل عمران " كثير من معاني التوبة وأحكامها .

ولا خلاف فيما أعلمه أن التوبة لا تسقط حدا ؛ ولهذا قال علماؤنا : إن السارق والسارقة والقاذف متى تابوا وقامت الشهادة عليهم أقيمت عليهم الحدود .

وقيل : على بمعنى " من " أي إنما التوبة من الله للذين ؛ قاله أبو بكر بن عبدوس ، والله أعلم .

وسيأتي في " التحريم " الكلام في التوبة النصوح والأشياء التي يتاب منها .الثانية : قوله تعالى : للذين يعملون السوء بجهالة السوء في هذه الآية ، و " الأنعام " .

أنه من عمل منكم سوءا بجهالة الأنعام : يعم الكفر والمعاصي ؛ فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته .

قال قتادة : أجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية فهي بجهالة ، عمدا كانت أو جهلا ؛ وقال ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد والسدي .

وروي عن الضحاك ومجاهد أنهما قالا : الجهالة هنا العمد .

وقال عكرمة : أمور الدنيا كلها جهالة ؛ يريد الخاصة بها الخارجة عن طاعة الله .

وهذا القول جار مع قوله تعالى : إنما الحياة الدنيا لعب ولهو .

وقال الزجاج : يعني قوله بجهالة اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية .

وقيل : بجهالة أي لا يعلمون كنه العقوبة ؛ ذكره ابن فورك .

قال ابن عطية : وضعف قوله هذا ورد عليه .الثالثة : قوله تعالى : ثم يتوبون من قريب قال ابن عباس والسدي : معناه قبل [ ص: 82 ] المرض والموت .

وروي عن الضحاك أنه قال : كل ما كان قبل الموت فهو قريب .

وقال أبو مجلز والضحاك أيضا وعكرمة وابن زيد وغيرهم : قبل المعاينة للملائكة والسوق ، وأن يغلب المرء على نفسه .

ولقد أحسن محمود الوراق حيث قال :قدم لنفسك توبة مرجوة قبل الممات وقبل حبس الألسن بادر بها غلق النفوس فإنهاذخر وغنم للمنيب المحسنقال علماؤنا رحمهم الله : وإنما صحت التوبة منه في هذا الوقت ؛ لأن الرجاء باق ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل .

وقد روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر .

قال : هذا حديث حسن غريب .

ومعنى ما لم يغرغر : ما لم تبلغ روحه حلقومه ؛ فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به .

قاله الهروي وقيل : المعنى يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار .

والمبادر في الصحة أفضل ، وألحق لأمله من العمل الصالح .

والبعد كل البعد الموت ؛ كما قال مالك بن الريبيقولون لا تبعد وهم يدفنوني وأين مكان البعد إلا مكانياوروى صالح المري عن الحسن قال : من عير أخاه بذنب قد تاب إلى الله منه ابتلاه الله به .

وقال الحسن أيضا : إن إبليس لما هبط قال : بعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده .

قال الله تعالى : ( فبعزتي لا أحجب التوبة عن ابن آدم ما لم تغرغر نفسه ) .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

توبة الله على عباده نوعان: توفيق منه للتوبة، وقبول لها بعد وجودها من العبد، فأخبر هنا -أن التوبة المستحقة على الله حق أحقه على نفسه، كرما منه وجودا، لمن عمل السوء أي: المعاصي { بِجَهَالَةٍ } أي: جهالة منه بعاقبتها وإيجابها لسخط الله وعقابه، وجهل منه بنظر الله ومراقبته له، وجهل منه بما تئول إليه من نقص الإيمان أو إعدامه، فكل عاص لله، فهو جاهل بهذا الاعتبار وإن كان عالما بالتحريم.

بل العلم بالتحريم شرط لكونها معصية معاقبا عليها { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ } يحتمل أن يكون المعنى: ثم يتوبون قبل معاينة الموت، فإن الله يقبل توبة العبد إذا تاب قبل معاينة الموت والعذاب قطعا.

وأما بعد حضور الموت فلا يُقبل من العاصين توبة ولا من الكفار رجوع، كما قال تعالى عن فرعون: { حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ } الآية.

وقال تعالى: { فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ } وقال هنا: { وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ } أي: المعاصي فيما دون الكفر.

{ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } وذلك أن التوبة في هذه الحال توبة اضطرار لا تنفع صاحبها، إنما تنفع توبة الاختيار.

ويحتمل أن يكون معنى قوله: { مِنْ قَرِيبٍ } أي: قريب من فعلهم للذنب الموجب للتوبة، فيكون المعنى: أن من بادر إلى الإقلاع من حين صدور الذنب وأناب إلى الله وندم عليه فإن الله يتوب عليه، بخلاف من استمر على ذنوبه وأصر على عيوبه، حتى صارت فيه صفاتٍ راسخةً فإنه يعسر عليه إيجاد التوبة التامة.

والغالب أنه لا يوفق للتوبة ولا ييسر لأسبابها، كالذي يعمل السوء على علم تام ويقين وتهاون بنظر الله إليه، فإنه سد على نفسه باب الرحمة.

نعم قد يوفق الله عبده المصر على الذنوب عن عمد ويقين لتوبة تامة يمحو بها ما سلف من سيئاته وما تقدم من جناياته، ولكن الرحمة والتوفيق للأول أقرب، ولهذا ختم الآية الأولى بقوله: { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } فمِن علمه أنه يعلم صادق التوبة وكاذبها فيجازي كلا منهما بحسب ما يستحق بحكمته، ومن حكمته أن يوفق من اقتضت حكمته ورحمته توفيقَه للتوبة، ويخذل من اقتضت حكمته وعدله عدمَ توفيقه.

والله أعلم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( إنما التوبة على الله ) قال الحسن : يعني التوبة التي يقبلها ، فيكون على بمعنى عند ، وقيل : من الله ، ( للذين يعملون السوء بجهالة ) قال قتادة : أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ما عصي به الله فهو جهالة عمدا كان أو لم يكن ، وكل من عصى الله فهو جاهل .

وقال مجاهد : المراد من الآية : العمد ، قال الكلبي : لم يجهل أنه ذنب لكنه جهل عقوبته ، وقيل : معنى الجهالة : اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية .

( ثم يتوبون من قريب ) قيل : معناه قبل أن يحيط السوء بحسناته فيحبطها ، وقال السدي والكلبي : القريب : أن يتوب في صحته قبل مرض موته ، وقال عكرمة : قبل الموت ، وقال الضحاك : قبل معاينة ملك الموت .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، أنا علي بن الجعد ، أنا ابن ثوبان وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول ، عن جبير بن نفير ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " .

وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ، أنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني ، أنا حميد بن زنجويه ، أنا أبو الأسود ، أنا ابن لهيعة ، عن دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الشيطان قال : وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم ، فقال الرب : وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني " .

قوله تعالى : ( فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنما التوبة على الله» أي التي كتب على نفسه قبولها بفضله «للذين يعملون السوء» المعصية «بجهالة» حال أي جاهلين إذا عصوا ربهم «ثم يتوبون من» زمن «قريب» قبل أن يغرغروا «فأولئك يتوب الله عليهم» يقبل توبتهم «وكان الله عليما» بخلقه «حكيما» في صنعه بهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنَّما يقبل الله التوبة من الذين يرتكبون المعاصي والذنوب بجهل منهم لعاقبتها، وإيجابها لسخط الله -فكل عاص لله مخطئًا أو متعمِّدًا فهو جاهل بهذا الاعتبار، وإن كان عالمًا بالتحريم -ثم يرجعون إلى ربهم بالإنابة والطاعة قبل معاينة الموت، فأولئك يقبل الله توبتهم.

وكان الله عليمًا بخلقه، حكيمًا في تدبيره وتقديره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن وصف - سبحانه - ذاته بأنه هو التواب الرحيم عقب ذلك ببيان من تقبل منهم التوب ، ومن لا تقبل منهم فقال : ( إِنَّمَا التوبة .

.

.

.

.

عَذَاباً أَلِيماً ) .والتوبة : هى الرجوع إلى الله - تعالى - وإلى تعاليم دينه بعد التقصير فيه مع الندم على هذا التقصير والعزم على عدم العودة إليه .والمراد بها قبولها من العبد .

فهى مصدر تاب عليه إذا قبل توبته .والمراد من الجهالة فى قوله ( يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ ) : الجهل والسفه بارتكاب مالا يليق بالعاقل ، لا عدم العلم ، لأن من لا يعلم لا يحتاج إلى التوبة .قال مجاهد : كل من عصى الله عمداً أو خطأ فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته .وقال قتادة : اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شئ عسى الله به فهو جهالة عما كان أو غيره .قال - تعالى - حكاية عن يوسف - عليه السلام - : ( رَبِّ السجن أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الجاهلين ) وقال حكاية عن موسى - عليه السلام - ( أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين ) وقال - سبحانه - مخاطبا نوحا - عليه السلام - ( فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين ) ووجه تسمية العاصى جاهلا - وإن عصى عن علم - أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما عصى ربه ، فلما لم يستعمل هذا العلم صار كأنه لا علم له ، فسمى العاصى جاهلا لذلك ، سواء ارتكب المعصية مع العلم بكونها معصية أم لا .والمعنى : إنما قبول التوبة كائن أو مستقر على الله - تعالى - لعباده الذين يعملون السوء ، ويقعون فى المعاصى بجهالة أى يعملون السوء جاهلين سفهاء ، لأن ارتكاب القبيح مما يدعو إليه السفه والشهوة ، لا مما تدعو إليه الحكمة والعقل .وصدر - سبحانه - الآية الكريمة بإنما الدالة على الحصر ، للإِشعار بأن هؤلاء الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ، هم الذين يقبل الله توبتهم ، ويقيل عثرتهم .وعبر - سبحانه - بلفظ على فقال : ( إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ) للدلالة على تحقق الثبوت ، حتى لكأن قبول التوبة من هؤلاء الذين ( يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ) من الواجبات عليه ، لأنه - سبحانه - قد وعد بقبول التوبة؛ وإذا وعد بشئ أنجزه ، إذ الخلف ليس من صفاته - تعالى - بل هو محال فى حقه - عز وجل - .ولفظ ( التوبة ) مبتدأ .

وقوله ( لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ ) متعلق بمحذوف خبر .

وقوله ( عَلَى الله ) متعلق بمحذوف صفة للتوبة .أى : إنما التوبة الكائنة على الله للذين يعملون السوء بجهالة .

.

.وقوله ( بِجَهَالَةٍ ) متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل ( يَعْمَلُونَ ) أى : يعملون السوء جاهلين سفهاء .

أو متعلق بقوله ( يَعْمَلُونَ ) فتكون الباء للسببية أى : يعملون السوء بسبب الجهالة .وقوله ( ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ) أى ثم يتوبون فى زمن قريب من وقت عمل السوء ، ولا يسترسلون فى الشر استرسالا ويستمرئونه ويتعودون عليه بدون مبالاة بإرتكابه .ولا شك أنه متى جدد الإنسان توبته الصادقة فى أعقاب ارتكاب للمعصية كان ذلك أرجى لقبولها عند الله - تعالى - وهذا ما يفيده ظاهر الآية .

ومنهم من فسر قوله ( مِن قَرِيبٍ ) بما قبل حضور الموت .

وإلى هذا المعنى ذهب صاحب الكشاف فقال : قوله : ( مِن قَرِيبٍ ) أى : من زمان قريب .

والزمان القريب : ما قبل حضرة الموت ألا ترى إلى قوله ( حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآن ) .

فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذى لا تقبل فيه التوبة ، فبقى ما وراء ذلك فى حكم القريب .

وعن ابن عباس : قبل أن ينزل به سلطان الموت .

وعن الضحاك : كل توبة قبل الموت فهى قريب .

وفى الحديث الشريف : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " - أى ما لم تتردد الروح فى الحلق .والذى نراه أن ما ذكره صاحب الكشاف وغيره من أن قوله ( مِن قَرِيبٍ ) معناه : من قبل حضور الموت ، لا يتعارض مع الرأى القائل بأن قوله ( مِن قَرِيبٍ ) معناه : تم يتوبون فى وقت قريب من وقت عمل السوء ، لأن ما ذكره صاحب الكشاف وغيره بيان للوقت الذى تجوز التوبة فيه ولا تنفع بعده ، أما الرأى الثانى فهو بيان للزمن الذى يكون أرجى قبولا لها عند الله .والعاقل من الناس هو الذى يبادر بالتوبة الصادقة عقب المعصية بلا تراخ ، لأنه لا يدرى متى يفاجئه الموت ، ولأن تأخبرها يؤدى إلى قسوة القلب ، وضعف النفس ، واستسلامها للأهواء والشهوات .وقوله : ( فأولئك يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ) بيان للوعد الحسن الذى وعد الله به عبادة الذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من قريب .أى : فأولئك المتصفون بما ذكر ، يقبل الله توبتهم ، ويأخذ بيدهم إلى الهداية والتوفيق ، ويطهر نفوسهم من أرجاس الذنوب ، وكان الله عليما بأحوال عباده وبما هم عليه من ضعف ، حكيما يضع الأمور فى مواضعها حسبما تقتضيه مشيئته ورحمته بهم .وقوله ( فأولئك ) مبتدأ .

وقوله ( يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ) خبره .وأشار إليهم بلفظ ( أولئك ) للإِيذان بسمو مرتبتهم ، وعلو مكانتهم ، وللتنبيه على استحضارهم باعتبار أوصافهم المتقدمة الدالة على خوفه من من خالقهم عز وجل - وقوله ( وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ) جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن المرتكبين للفاحشة إذا تابا وأصلحا زال الاذى عنهما، وأخبر على الاطلاق أيضا أنه تواب رحيم، ذكر وقت التوبة وشرطها، ورغبهم في تعجيلها لئلا يأتيهم الموت وهم مصرون فلا تنفعهم التوبة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أما حقيقة التوبة فقد ذكرناها في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم  ﴾ واحتج القاضي على أنه يجب على الله عقلا قبول التوبة بهذه الآية من وجهين: الأول: ان كلمة على للوجوب فقوله: ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله لِلَّذِينَ ﴾ يدل على أنه يجب على الله عقلا قبولها.

الثاني: لو حملنا قوله: ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ على مجرد القبول لم يبق بينه وبين قوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ فرق لأن هذا أيضا إخبار عن الوقوع، أما إذا حملنا ذلك على وجوب القبول وهذا على الوقوع يظهر الفرق بين الآيتين ولا يلزم التكرار.

واعلم أن القول بالوجوب على الله باطل، ويدل عليه وجوه: الأول: أن لازمة الوجوب استحقاق الذم عند الترك، فهذه اللازمة اما أن تكون ممتنعة الثبوت في حق الله تعالى، أو غير ممتنعة في حقه، والأول باطل، لأن ترك ذلك الواجب لما كان مستلزما لهذا الذم، وهذا الذم محال الثبوت في حق الله تعالى، وجب أن يكون ذلك الترك ممتنع الثبوت في حق الله، وإذا كان الترك ممتنع الثبوت عقلا كان الفعل واجب الثبوت، فحينئذ يكون الله تعالى موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار وذلك باطل، وأما ان كان استحقاق الذم غير ممتنع الحصول في حق الله تعالى، فكل ما كان ممكنا لا يلزم من فرض وقوعه محال، فيلزم جواز أن يكون الاله مع كونه إلها يكون موصوفا باستحقاق الذم وذلك محال لا يقوله عاقل، ولما بطل هذان القسمان ثبت أن القول بالوجوب على الله تعالى باطل.

الحجة الثانية: أن قادرية العبد بالنسبة إلى فعل التوبة وتركها إما أن يكون على السوية، أولا يكون على السوية، فان كان على السوية لم يترجح فعل التوبة على تركها إلا لمرجح، ثم ذلك المرجح إن حدث لا عن محدث لزم نفي الصانع، وإن حدث عن العبد عاد التقسيم وإن حدث عن الله فحينئذ العبد إنما أقدم على التوبة بمعونة الله وتقويته، فتكون تلك التوبة إنعاما من الله تعالى على عبده، وإنعام المولى على عبده لا يوجب عليه أن ينعم عليه مرة أخرى، فثبت أن صدور التوبة عن العبد لا يوجب على الله القبول، وأما إن كانت قادرية العبد لا تصلح للترك والفعل فحينئذ يكون الجبر ألزم، وإذا كان كذلك كان القول بالوجوب أظهر بطلانا وفسادا.

الحجة الثالثة: التوبة عبارة عن الندم على ما مضى والعزم على الترك في المستقبل، والندم والعزم من باب الكراهات والارادات، والكراهة والارادة لا يحصلان باختيار العبد، وإلا افتقر في تحصيلهما إلى إرادة أخرى ولزم التسلسل، وإذا كان كذلك كان حصول هذا الندم وهذا العزم بمحض تخليق الله تعالى، وفعل الله لا يوجب على الله فعلا آخر، فثبت أن القول بالوجوب باطل.

الحجة الرابعة: أن التوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم، فلو صار ذلك علة للوجوب على الله لصار فعل العبد مؤثراً في ذات الله وفي صفاته، وذلك لا يقوله عاقل.

فأما الجواب عما احتجوا به فهو أنه تعالى وعد قبول التوبة من المؤمنين، فاذا وعد الله بشيء وكان الخلف في وعده محالا كان ذلك شبيها بالواجب، فبهذا التأويل صح اطلاق كلمة على وبهذا الطريق ظهر الفرق بين قوله: ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ وبين قوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ .

إن قيل: فلما أخبر عن قبول التوبة وكل ما أخبر الله عن وقوعه كان واجب الوقوع، فيلزمكم أن لا يكون فاعلا مختارا.

قلنا: الاخبار عن الوقوع تبع للوقوع، والوقوع تبع للايقاع، والتبع لا يغير الأصل، فكان فاعلا مختارا في ذلك الايقاع.

أما أنتم تقولون بأن وقوع التوبة من حيث أنها هي تؤثر في وجوب القبول على الله تعالى، وذلك لا يقوله عاقل فظهر الفرق.

المسألة الثانية: أنه تعالى شرط قبول هذه التوبة بشرطين: أحدهما قوله: ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء بجهالة ﴾ وفيه سؤالان: أحدهما: أن من عمل ذنبا ولم يعلم أنه ذنب لم يستحق عقابا، لأن الخطأ مرفوع عن هذه الأمة، فعلى هذا: الذين يعملون السوء بجهالة فلا حاجة بهم الى التوبة، والسؤال الثاني: أن كلمة إنما للحصر، فظاهر هذه الآية يقتضي أن من أقدم على السوء مع العلم بكونه سوأ أن لا تكون توبته مقبولة، وذلك بالاجماع باطل.

والجواب عن السؤال الأول: أن اليهودي اختار اليهودية وهو لا يعلم كونها ذنبا مع أنه يستحق العقاب عليها.

والجواب عن السؤال الثاني: أن من أتى بالمعصية مع الجهل بكونها معصية يكون حاله أخف ممن أتى بها مع العلم بكونها معصية، واذا كان كذلك لا جرم خص القسم الأول بوجوب قبول التوبة وجوبا على سبيل الوعد والكرم، وأما القسم الثاني فلما كان ذنبهم أغلظ لا جرم لم يذكر فيهم هذا التأكيد في قبول التوبة، فتكون هذه الآية دالة من هذا الوجه على أن قبول التوبة غير واجب على الله تعالى.

واذا عرفت الجواب عن هذين السؤالين فلنذكر الوجوه التي ذكرها المفسرون في تفسير الجهالة.

الأول: قال المفسرون: كل من عصى الله سمي جاهلا وسمي فعله جهالة، قال تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام: ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مّنَ الجاهلين  ﴾ وقال حكاية عن يوسف عليه السلام أنه قال لأخوته: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جاهلون  ﴾ وقال تعالى: ﴿ يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح فَلاَ تَسْأَلْنِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين  ﴾ وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين  ﴾ وقد يقول السيد لعبده حال ما يذمه على فعل: ياجاهل لم فعلت كذا وكذا، والسبب في إطلاق اسم الجاهل على العاصي لربه أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية، فلما لم يستعمل ذلك العلم صار كأنه لا علم له، فعلى هذا الطريق سمي العاصي لربه جاهلا، وعلى هذا الوجه يدخل فيه المعصية سواء أتى بها الإنسان مع العلم بكونهامعصية أو مع الجهل بذلك.

والوجه الثاني: في تفسير الجهالة: أن يأتي الإنسان بالمعصية مع العلم بكونها معصية إلا أن يكون جاهلا بقدر عقابه، وقد علمنا أن الإنسان اذا أقدم على ما لا ينبغي مع العلم بأنه مما لا ينبغي إلا أنه لا يعلم مقدار ما يحصل في عاقبته من الآفات، فانه يصح أن يقال على سبيل المجاز: انه جاهل بفعله.

والوجه الثالث: أن يكون المراد منه أن يأتي الإنسان بالمعصية مع أنه لا يعلم كونه معصية لكن بشرط أن يكون متمكنا من العلم بكونه معصية، فانه على هذا التقدير يستحق العقاب، ولهذا المعنى أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته العقاب، وإن كان لا يعلم كون اليهودية معصية، إلا أنه لما كان متمكنا من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنبا ومعصية، كفى ذلك في ثبوت استحقاق العقاب، ويخرج عما ذكرنا النائم والساهي، فانه أتى بالقبيح ولكنه ما كان متمكنا من العلم بكونه قبيحا، وهذا القول راجح على غيره من حيث أن لفظ الجهالة في الوجهين الأولين محمول على المجاز، وفي هذا الوجه على الحقيقة، إلا أن على هذا الوجه لا يدخل تحت الآية إلا من عمل القبيح وهو لا يعلم قبحه، أما المتعمد فانه لا يكون داخلا تحت الآية، وإنما يعرف حاله بطريق القياس وهو أنه لما كانت التوبة على هذا الجاهل واجبة، فلأن تكون واجبة على العامد كان ذلك أولى، فهذا هو الكلام في الشرط الأول من شرائط التوبة، وأما الشرط الثاني فهو قوله: ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ وقد أجمعوا على أن المراد من هذا القرب حضور زمان الموت ومعاينة أهواله، وإنما سمى تعالى هذه المدة قريبة لوجوه: أحدها: أن الأجل آت وكل ما هو آت قريب.

وثانيها: للتنبيه على أن مدة عمر الإنسان وإن طالت فهي قليلة قريبة فانها محفوفة بطرفي الأزل والأبد، فاذا قسمت مدة عمرك إلى ما على طرفيها صار كالعدم.

وثالثها: أن الإنسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به، وما هذا حاله فانه يوصف بالقرب.

فان قيل: ما معنى من في قوله: ﴿ مِن قَرِيبٍ ﴾ .

الجواب: أنه لابتداء الغاية، أي يجعل مبتدأ توبته زمانا قريبا من المعصية لئلا يقع في زمرة المصرين، فأما من تاب بعد المعصية بزمان بعيد وقبل الموت بزمان بعيد فانه يكون خارجا عن المخصوصين بكرامة حتم قبول التوبة على الله بقوله: ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ وبقوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ ومن لم تقع توبته على هذا الوجه فانه يكفيه أن يكون من جملة الموعودين بكلمة عسى في قوله: ﴿ عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  ﴾ ولا شك أن بين الدرجتين من التفاوت ما لا يخفى.

وقيل: معناه التبعيض، أي يتوبون بعض زمان قريب، كأنه تعالى سمى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زمانا قريبا، ففي أي جزء من أجزاء هذا الزمان أتى بالتوبة فهو تائب من قريب، وإلا فهو تائب من بعيد.

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذين الشرطين قال: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ .

فان قيل: فما فائدة قوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ بعد قوله: ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ .

قلنا: فيه وجهان: الأول: أن قوله: ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ إعلام بأنه يجب على الله قبولها، وجوب الكرم والفضل والاحسان، لا وجوب الاستحقاق، وقوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ إخبار بأنه سيفعل ذلك.

والثاني: أن قوله: ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ يعني إنما الهداية الى التوبة والارشاد اليها والاعانة عليها على الله تعالى في حق من أتى بالذنب على سبيل الجهالة ثم تاب عنها عن قريب وترك الاصرار عليها وأتى بالاستغفار عنها.

ثم قال: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ يعني أن العبد الذي هذا شأنه اذا أتى بالتوبة قبلها الله منه، فالمراد بالأول التوفيق على التوبة، وبالثاني قبول التوبة.

ثم قال: ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ﴾ أي وكان الله عليما بأنه إنما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة والغضب والجهالة عليه، حكيما بأن العبد لما كان من صفته ذلك، ثم إنه تاب عنها من قريب فانه يجب في الكرم قبول توبته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ التوبة ﴾ من تاب الله عليه إذا قبل توبته وغفر له، يعني إنما القبول والغفران واجب على الله تعالى لهؤلاء ﴿ بِجَهَالَةٍ ﴾ في موضع الحال أي يعملون السوء جاهلين سفهاء، لأنّ ارتكاب القبيح مما يدعو إليه السفه والشهوة، لا مما تدعو إليه الحكمة والعقل.

وعند مجاهد: من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته ﴿ مِن قَرِيبٍ ﴾ من زمان قريب.

والزمان القريب: ما قبل حضرة الموت.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت ﴾ فبين أنّ وقت الاحتضار وهو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة فبقي ما وراء ذلك في حكم القريب.

وعن ابن عباس: قبل أن ينزل به سلطان الموت.

وعن الضحاك: كل توبة قبل الموت فهو قريب.

وعن النخعي: ما لم يؤخذ بكظمه.

وروى أبو أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» وعن عطاء: ولا قبل موته بفواق ناقة.

وعن الحسن: أنّ إبليس قال حين أُهبط إلى الأرض: وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده.

فقال تعالى: وعزتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر.

فإن قلت: ما معنى ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ مِن قَرِيبٍ ﴾ ؟

قلت: معناه التبعيض، أي يتوبون بعض زمان قريب، كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زماناً قريباً، ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب، وإلا فهو تائب من بعيد.

فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ بعد قوله: (إنما التوبة على الله) لهم؟

قلت: قوله: ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ إعلام بوجوبها عليه كما يجب على العبد بعض الطاعات.

وقوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ عدة بأنه يفي بما وجب عليه، وإعلام بأن الغفران كائن لا محالة كما يعد العبد الوفاء بالواجب ﴿ وَلاَ الذين يَمُوتُونَ ﴾ عطف على الذين يعملون السيئات.

سوّى بين الذين سوّفوا توبتهم إلى حضرة الموت، وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم، لأنّ حضرة الموت أول أحوال الآخرة، فكما أنّ المائت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، فكذلك المسوّف إلى حضرة الموت لمجاوزة كل واحد منهما أوان التكليف والاختيار ﴿ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ ﴾ في الوعيد نظير قوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ في الوعد ليتبين أن الأمرين كائنان لا محالة.

فإن قلت: من المراد بالذين يعملون السيئات.

أهم الفساق من أهل القبلة أم الكفار؟

قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يراد الكفار، لظاهر قوله: ﴿ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ ، وأن يراد الفساق، لأن الكلام إنما وقع في الزانيين، والإعراض عنهما إن تابا وأصلحا، ويكون قوله: ﴿ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ وارداً على سبيل التغليظ كقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين ﴾ [آل عمران: 97] وقوله: (فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً) «من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر» لأن من كان مصدقاً ومات وهو لم يحدث نفسه بالتوبة، حاله قريبة من حال الكافر، لأنه لا يجترئ على ذلك إلا قلب مصمت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ ﴾ أيْ إنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ كالمَحْتُومِ عَلى اللَّهِ بِمُقْتَضى وعْدِهِ مَن تابَ عَلَيْهِ إذا قَبِلَ تَوْبَتَهُ.

﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ﴾ مُتَلَبِّسِينَ بِها سَفَهًا فَإنَّ ارْتِكابَ الذَّنْبِ سَفَهٌ وتَجاهُلٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ مَن عَصى اللَّهَ فَهو جاهِلٌ حَتّى يَنْزِعَ عَنْ جَهالَتِهِ.

﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ مِن زَمانٍ قَرِيبٍ، أيْ قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ ﴾ وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ عَبْدِهِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ».» وَسَمّاهُ قَرِيبًا لِأنَّ أمَدَ الحَياةِ قَرِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ﴾ أوْ قَبْلَ أنْ يُشْرَبَ في قُلُوبِهِمْ حُبُّهُ فَيُطْبَعُ عَلَيْها فَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمُ الرُّجُوعُ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ أيْ يَتُوبُونَ في أيِّ جُزْءٍ مِنَ الزَّمانِ القَرِيبِ الَّذِي هو ما قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ سُلْطانُ المَوْتِ، أوْ يُزَيِّنُ السُّوءَ.

﴿ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ وعْدٌ بِالوَفاءِ بِما وعَدَ بِهِ وكَتَبَ عَلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ ﴾ ﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ فَهو يَعْلَمُ بِإخْلاصِهِمْ في التَّوْبَةِ ﴿ حَكِيمًا ﴾ والحَكِيمُ لا يُعاقِبُ التّائِبَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّمَا التوبة} هي من تاب الله عليه إذا قبل توبته أي إنما قبولها {عَلَى الله} وليس المراد به الوجوب إذ لا يجب على الله شيء ولكنه تأكيد للوعد يعني أنه يكون لا محالة كالواجب الذي لا يترك {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء} الذنب لسوء عقابه {بِجَهَالَةٍ} في موضع الحال أي يعملون السوء جاهلين سفهاء لأن ارتكاب القبيح مما يدعوا إليه السفه وعن مجاهد من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته وقيل جهالته اختياره اللذة الفانية على الباقية وقيل لم يجهل أنه ذنب ولكنه جهل كنه

عقوبته {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} من زمان قريب وهو ما

النساء (١٧ _ ١٩)

قبل حضرة الموت ألا ترى إلى قوله حتى إذا حضر أحدهم الموت فبين أن وقت ااحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة وعن الضحاك كل توبة قبل الموت فهو قريب وعن ابن عباس رضى الله عنهما قبل أن ينظر إلى ملك الموت وعنه صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقبل توبة العبد مالم يغرغر ومن للتبعيض أي يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زماناً قريباً {فأولئك يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ} عدة بانه بفى ذلك وإعلام بأن الغفران كائن لا محالة {وَكَانَ الله عَلِيماً} بعزمهم على التوبة {حَكِيماً} حكم يكون الندم توبة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ولَمّا وصَفَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ بِالتَّوّابِ الرَّحِيمِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانَ شَرْطِ قَبُولِ التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.

﴿ إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ ﴾ أيْ إنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ، وعَلى وإنِ اسْتُعْمِلَتْ لِلْوُجُوبِ حَتّى اسْتُدِلَّ بِذَلِكَ الواجِبَةِ عَلَيْهِ، فالمُرادُ أنَّهُ لازِمٌ مُتَحَقِّقُ الثُّبُوتِ البَتَّةَ بِحُكْمِ سَبْقِ الوَعْدِ حَتّى كَأنَّهُ مِنَ الواجِباتِ كَما يُقالُ: واجِبُ الوُجُودِ، وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى مِن، وقِيلَ: هي بِمَعْنى عِنْدَ، وعَلَيْهِ الطَّبَرَسِيُّ أيْ إنَّما التَّوْبَةُ عِنْدَ اللَّهِ ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ ﴾ أيِ المَعْصِيَةَ صَغِيرَةً كانَتْ أوْ كَبِيرَةً، والتَّوْبَةُ مُبْتَدَأٌ، ولِلَّذِينِ خَبَرُهُ، وعَلى اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ المُبْتَدَأِ المُسْتَكِنِّ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ الواقِعِ خَبَرًا عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ الحالِ عَلى عامِلِها المَعْنَوِيِّ عِنْدَ كَوْنِها ظَرْفًا وجَعْلِهِ بَعْضَهم عَلى حَدِّ هَذا بُسْرًا أطْيَبُ مِنهُ رُطَبًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى اللَّهِ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلتَّوْبَةِ أيْ إنَّما التَّوْبَةُ الكائِنَةُ عَلى اللَّهِ و( لِلَّذِينَ ) هو الخَبَرُ، وهو ظاهِرٌ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ احْتِمالَ أنْ يَكُونَ عَلى اللَّهِ هو الخَبَرُ، ولِلَّذِينِ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنَّ في مُتَعَلِّقِ الخَبَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما تُعُلِّقَ بِهِ الخَبَرُ، ولا يَخْفى أنَّ سَوْقَ الآيَةِ يُؤَيِّدُ جَعْلَ لِلَّذِينِ خَبَرًا كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَمْ يَتَعَسَّفْ.

﴿ بِجَهالَةٍ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يَعْمَلُونَ أيْ يَعْمَلُونَ السُّوءَ مُتَلَبِّسِينَ بِها، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيَعْمَلُونَ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، والمُرادُ مِنَ الجَهالَةِ الجَهْلُ والسَّفَهُ بِارْتِكابِ ما لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ لا عَدَمُ العِلْمِ خِلافًا لِلْجُبّائِيِّ فَإنَّ مَن لا يَعْلَمُ لا يَحْتاجُ إلى التَّوْبَةِ، والجَهْلُ بِهَذا المَعْنى حَقِيقَةٌ وارِدَةٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِهِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا ومِن هُنا قالَ مُجاهِدٌ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ البَيْهَقِيُّ في «الشُّعَبِ»، وغَيْرُهُ: كُلُّ مَن عَصى رَبَّهُ فَهو جاهِلٌ حَتّى يَنْزِعَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: اجْتَمَعَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَرَأوْا أنَّ كُلَّ شَيْءٍ عُصِيَ بِهِ فَهو جَهالَةٌ عَمْدًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كُلُّ ذَنْبِ عَمِلَهِ العَبْدُ وإنْ كانَ عالِمًا فَهو جاهِلٌ فِيهِ حِينَ خاطَرَ بِنَفْسِهِ في مَعْصِيَةِ رَبِّهِ، فَقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى قَوْلَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِإخْوَتِهِ: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ ﴾ فَنَسَبَهم إلى الجَهْلِ لِمُخاطَرَتِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِجَهالَةٍ ﴾ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ كُنْهَ ما في المَعْصِيَةِ مِنَ العُقُوبَةِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ذَلِكَ اخْتِيارُهُمُ اللَّذَّةَ الفانِيَةَ عَلى اللَّذَّةِ الباقِيَةِ.

﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ أيْ مِن زَمانٍ قَرِيبٍ وهو ما قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا حَضَرَ ﴾ إلَخْ يُرْوى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ في آخِرِ خِطْبَةٍ خَطَبَها: ««مَن تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ» ثُمَّ قالَ: «وإنَّ السَّنَةَ لَكَثِيرَةٌ؛ مَن تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ» ثُمَّ قالَ: «وإنَّ الشَّهْرَ لَكَثِيرٌ؛ مَن تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ» ثُمَّ قالَ: «وإنَّ اليَوْمَ لَكَثِيرٌ؛ مَن تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِساعَةٍ تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ» ثُمَّ قالَ: «وإنَّ السّاعَةَ لَكَثِيرَةٌ؛ مَن تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ وقَدْ بَلَغَتْ نَفْسُهُ هَذِهِ وأهْوى بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ إلى حَلْقِهِ تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ»» وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ»» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كُنّا عِنْدَ أنَسِ بْنِ مالِكٍ وثَمَّ أبُو قِلابَةَ فَحَدَّثَ أبُو قِلابَةَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا لَعَنَ إبْلِيسَ سَألَهُ النَّظِرَةَ فَأنْظَرَهُ إلى يَوْمِ الدِّينِ فَقالَ وعِزَّتِكَ لا أُخْرِجُ مِن قَلْبِ ابْنِ آدَمَ ما دامَ فِيهِ الرُّوحُ قالَ: وعِزَّتِي لا أحْجُبُ عَنْهُ التَّوْبَةَ ما دامَ فِيهِ الرُّوحُ،» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَرِيبُ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ يَنْظُرَ إلى مَلَكِ المَوْتِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الضَّحّاكِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: الدُّنْيا كُلُّها قَرِيبٌ وعَنِ الإمامِ القُشَيْرِيِّ: القَرِيبُ عَلى لِسانِ أهْلِ العِلْمِ قَبْلَ المَوْتِ، وعَلى لِسانِ أهْلِ المُعامَلَةِ قَبْلَ أنْ تَعْتادَ النَّفْسُ السُّوءَ ويَصِيرُ لَها كالطَّبِيعَةِ، ولَعَلَّ مُرادَهم أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ يَبْعُدُ عَنِ القَبُولِ، وإنْ لَمْ يَمْتَنِعْ قَبُولُ تَوْبَتِهِ، و( مِن ) تَبْعِيضِيَّةٌ كَأنَّهُ جَعَلَ ما بَيْنَ وُجُودِ المَعْصِيَةِ وحُضُورِ المَوْتِ زَمانًا قَرِيبًا، فَفي أيِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ هَذا الزَّمانِ تابَ فَهو تائِبٌ في بَعْضِ أجْزاءِ زَمانٍ قَرِيبٍ، وجَعَلَها بَعْضُهم لِابْتِداءِ الغايَةِ.

ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ مَن إذا كانَتْ لِابْتِداءِ الغايَةِ لا تَدْخُلُ عَلى الزَّمانِ عَلى القَوْلِ المَشْهُورِ، والَّذِي لِابْتِدائِيَّتِهِ مُذْ ومُنْذُ، وفي الإتْيانِ بِثَمَّ إيذانٌ بِسِعَةِ عَفْوِهِ تَعالى.

﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ أيِ المُتَّصِفُونَ بِما ذُكِرَ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِمْ بِانْقِضاءِ ذِكْرِهِمْ في حُكْمِ البَعِيدِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إيذانًا بِبُعْدِ مَرْتَبَتِهِمْ ورِفْعَةِ شَأْنِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم تائِبُونَ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى السَّبَبِيَّةِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ وما فِيهِ مِن تَكْرِيرِ الإسْنادِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، وهَذا وعْدٌ بِالوَفاءِ بِما وعَدَ بِهِ سُبْحانَهُ أوَّلًا فَلا تَكْرارَ، وضُمِّنَ ( يَتُوبَ ) مَعْنى يَعْطِفُ فَلِذا عُدِّيَ بِعَلى.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: التَّوْبَةُ كالواجِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وكُلُّ ما هو كالواجِبِ عَلَيْهِ تَعالى كائِنٌ لا مَحالَةَ فالتَّوْبَةُ أمْرٌ كائِنٌ لا مَحالَةَ فالآيَةُ الأُولى واقِعَةٌ مَوْقِعَ الصُّغْرى والكُبْرى مَطْوِيَّةٌ، والآيَةُ الثّانِيَةُ واقِعَةٌ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ.

﴿ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ فَيَعْلَمُ بِإخْلاصِ مَن يَتُوبُ ﴿ حَكِيمًا ﴾ فَلا يُعاقِبُ التّائِبَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ يعني الزنى وهي المرأة الثيب إذا زنت فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أي اطلبوا عليهن أَرْبَعَةً من الشهود مِنْكُمْ أي من أحراركم المسلمين عدولاً فَإِنْ شَهِدُوا عليهن بالزنى فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ يعني: احبسوهن في السجن حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أي حتى يمتن في السجن أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا يعني مخرجاً من الحبس، ثم نسخ فصار حدهن الرجم لما روي عن عبادة بن الصامت-  - إن النبيّ  قال: «خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ بِالحِجَارَةِ» .

ثم ذكر في الآية حد البكر فقال: وَالَّذانِ لم يحصنا يَأْتِيانِها يعني الفاحشة مِنْكُمْ يعني من الأحرار المسلمين فَآذُوهُما باللسان، يعني بالتعيير بما فعلا ليندما على ما فعلا فَإِنْ تَابَا من بعد الزنى وَأَصْلَحا العمل فَأَعْرِضُوا عَنْهُما أي فلا تسمعوهما الأذى بعد التوبة إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً أي متجاوزاً رَحِيماً بهما.

ثم نسخ الحبس والأذى بالرجم والجلد، وإنما كان التعيير في ذلك الزمان لأن التعيير حل محل الجلد، وأما اليوم فلا ينفعهم التعيير.

وروي عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد قال: واللاتى يأتين الفاحشة (من نسائكم) واللذان يأتيانها منكم كان ذلك في أول الأمر، ثم نسخ بالآية التي في سورة النور.

قرأ ابن كثير: (واللذان) بتشديد النون، لأن الأصل (اللذيان) .

فحذف الياء وأقيم التشديد مقامه، وقرأ الباقون بالتخفيف.

ثم قال تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ يعني قبول التوبة على الله ويقال: توفيقه على الله، ويقال: إنما التجاوز من الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ قال ابن عباس  : كل مؤمن يذنب فهو جاهل في فعله، ويقال: إنما الجهالة أنهم يختارون اللذة الفانية على اللذة الباقية، وذلك الجهل لا يسقط عنهم العذاب إلا أن يتوبوا.

قوله ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ قال ابن عباس: كل من تاب قبل موته فهو قريب فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي يقبل توبتهم وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً يعني عليماً بأهل التوبة حكيماً حكم بالتوبة.

وقال مقاتل: نزلت الآية في رجل من قريش، سكر وذكر شعراً ذكر فيه اللات والعزى وأنكر البعث، فلما أصبح أخبر بذلك فندم على ذلك واسترجع، فنزلت الآية ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ يعني قبل الموت.

قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، قال: حدثنا أبو حفص، عن صالح المري، عن الحسن قال: مَنْ عيّر أخاه بذنب قد تاب إلى الله منه ابتلاه الله به.

وقال النبيّ  : «إِنَّ الله يَقْبَلُ تَوْبَةَ عَبْدِهِ مَا لَمْ يغَرْغِرْ» .

وقال الحسن: إن إبليس لما أهبط من الجنة، قال: بعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده.

قال الله تعالى: فبعزتي فبعزتي لا أحجب التوبة عن ابن آدم ما لم يغرغر بنفسه.

قال أبو العالية الرياحي: نزلت أول الآية في المؤمنين، والوسطى في المنافقين، والأخرى في الكافرين.

فأما توبة المؤمنين فذكرها قد مضى.

وأما ذكر توبة المنافقين فقوله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الآية.

يعني ليس قبول التوبة للذين أصروا على فعلهم حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ أي الشرق والنزع وعاينه ملك الموت قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ فليس لهذا توبة.

ثم ذكر توبة الكفار وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً أي وجيعاً دائما.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ...

الآية.

قال ص: التوبةُ: مبتدأٌ على حذفِ مضافٍ، أي: قَبُولُ التوبةِ.

انتهى.

قال ع «١» : «إنَّمَا» : حاصرةٌ، وهو مَقْصد المتكلِّم بها أبداً، فقد تصادِفُ من المعنى ما يقتضي العَقْلُ فيه الحَصْر كقوله تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ [النساء: ١٧١] ، وقد لا تصادف ذلك كقوله: «إنَّمَا الشُّجَاعُ عَنْتَرَةُ» ، وهي في هذه الآية حاصرةٌ إذ ليستِ التوبةُ إلا لهذا الصِّنْف المذكور، وتصحُّ التوبة، وإن نَقَضَها التائِبُ في ثانِي حَالٍ بمعاودَةِ الذنْبِ، فإنَّ التوبة الأولى طاعةٌ قد انقضت وصحَّت، وهو محتاجٌ بعد مواقعة الذَّنْب إلى توبةٍ أخرى مستأنَفَةٍ، وتصحُّ أيضاً التوبةُ من ذَنْب مع الإقامة على غيره من غير نَوْعِهِ، خلافاً للمُعْتَزِلَة «٢» في قولهم: لا يكُونُ تائباً مَنْ أقام على ذَنْب.

وقوله تعالى: عَلَى اللَّهِ، أي: على فَضْلِ اللَّه ورحْمتِهِ لعبادِهِ، وهذا نحو قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ» ، إنما معناه: ما حقُّهم على فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، والعقيدةُ أنَّه لا يجبُ على اللَّه/ تعالى شيْءٌ عقلاً، والسُّوءَ في هذه الآية: يعمُّ الكُفْرَ والمعاصِيَ، وقوله تعالى: بِجَهالَةٍ: معناه: بسفاهةٍ، وقلَّةِ تحصيلِ أدى إلى المعصية، وليس المعنى أنْ تكونَ الجَهَالَةُ بِأنَّ ذلِك الفِعْلَ معصيةٌ لأنَّ المتعمِّد للذُّنوبِ كان يخرج من التّوبة، وهذا

فاسدٌ إجماعاً، وما ذكرتُهُ في الجَهَالة قاله أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ذَكَرَ ذلك عَنْهم أبو العَالِيَةِ «١» ، وقال قتادةُ: اجتمع أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على أنَّ كلَّ مَعْصِيَةٍ، فَهِيَ بِجَهَالَةٍ، عَمْداً كانَتْ أو جهلاً «٢» وقال به ابنُ عَبَّاس، ومجاهد، والسُّدِّيُّ، وروي عن مجاهدٍ والضَّحَّاك أنهما قالا: الجَهَالَةُ هنا العَمْد «٣» ، وقال عِكْرِمَةُ: أمور الدنيا كلُّها جهالة «٤» .

قال ع «٥» : يريد الخاصَّة بها الخارِجَةَ عَنْ طاعة اللَّه سبحانه، وهذا المعنى عندي جَارٍ مع قوله تعالى: إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ [الحديد: ٢٠] .

واختلف المتأوِّلون في قوله تعالى: مِنْ قَرِيبٍ.

فقال ابن عبَّاس والسُّدِّيُّ: معنى ذلك: قَبْلَ المَرَضِ والموتِ «٦» ، وقال الجمهورُ:

معنى ذلك قَبْلَ المعايَنَةِ للملائِكَةِ والسَّوْق، وأن يُغْلَبَ المَرْءُ على نفسه، وروى أبو قِلاَبَةَ «٧» أنَّ اللَّه تعالى لَمَّا خَلَقَ آدم فَرَآهُ إبْلِيسُ أَجْوَفَ، ثُمَّ جرى لَهُ مَا جرى، ولُعِنَ وَأُنْظِرَ، قَالَ: وَعِزَّتِكَ، لاَ بَرِحْتُ مِنْ قَلْبِهِ، مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ، فقَالَ اللَّه تعالى: «وَعِزَّتِي لاَ أَحْجُبُ عَنْهُ التَّوْبَةَ مَا دَام فِيهِ الرُّوحُ» «٨» .

قال ع «٩» : فابنُ عبَّاس (رضي اللَّه عنه) ذكَرَ أحسن أوقات التوبة، والجمهور حدّوا

آخر وقتها «١» ، وروى بَشِيرُ بْنُ كَعْب، والحَسَنُ أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «إنَّ اللَّهَ تعالى يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ، وَيُغْلَبْ على عَقْلِهِ» «٢» .

قال ع «٣» : لأنَّ الرجاءَ فيه باقٍ، ويصحُّ منه النَّدَمِ والعَزْم على التركِ، وقوله تعالى: مِنْ قَرِيبٍ، إنما معناه: مِنْ قريبٍ إلى وقْت الذَّنْبِ، ومُدَّةُ الحياةِ كلِّها قريبٌ، والمبادرةُ في الصِّحَّة أفضلُ، قلت: بل المبادرة واجبَةٌ.

وقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً، أي: بمَنْ يتوبُ، ويُيَسِّره هو سبحانه للتَّوْبَة حَكِيماً: فيما ينفذه من ذلكَ، وفي تَأْخِيرِ من يُؤَخِّر حتى يَهْلِكَ، ثم نفى بقوله تعالى:

وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ ...

الآية: أنْ يدخُلَ في حُكْم التائبين مَنْ حضره موتُهُ، وصار في حَيِّز اليأس كما كان فرعونُ حِينَ صار في غَمْرة المَاءِ، والغَرَقِ، فلم ينفعْهُ ما أظهره من الإيمان وبهذا قال ابنُ عَبَّاس وجماعةُ المفسِّرين «٤» .

قال ع «٥» : والعقيدةُ عندي في هذه الآيات: أن مَنْ تاب مِنْ قريبٍ، فله حُكْمُ التائب، فَيَغْلِبُ الظَّنُّ عليه أنه ينعَّم ولا يعذَّب هذا مذهبُ أبي المَعَالِي وغيره.

وقال غيرهم: بل هو مغفُورٌ له قطعاً لإخبار اللَّه تعالى بذلك، وأبو المَعَالِي يجعل تلْكَ الأخبار ظَوَاهِرَ مشروطةً بالمَشِيئَةِ، ومَنْ لَم يَتُبْ حتى حضره المَوْت، فليس في حُكْم التائبين، فإنْ كان كافراً، فهو يخلَّد، وإن كان مؤمناً، فهو عاصٍ في المشيئة، لكنْ يَغْلِبُ الخَوْفُ عليه، ويَقْوَى الظنُّ في تعذيبه، ويُقْطَعُ من جهة السمْع أنَّ مِنْ هذه الصَّنِيفَةِ مَنْ يَغْفِرُ اللَّه تعالى لَهُ تفضُّلاً منه لا يعذِّبه.

وأَعْلَمَ اللَّه تعالى أيضاً أنَّ الذين يموتُونَ، وهم كفَّار فلا مُستعْتَبَ لهم، ولا توبةَ في الآخِرَةِ.

وقوله تعالى: أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً: إنْ كانتِ الإشارة إلى الذين يموتُونَ، وهم كفَّار، فقَطْ، فالعذَابُ عذَابُ خلودٍ مؤبَّد، وإنْ كانَتِ الإشارة إليهم وإلى مَنْ ينفذ علَيْه الوعيدُ مِمَّنْ لا يتُوبُ إلاَّ مع حضورِ المَوْت/، فهو في جهة هؤلاء عذاب لا خلود معه،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ﴾ قالَ الحَسَنُ: إنَّما التَّوْبَةُ الَّتِي يَقْبَلُها اللَّهُ، فَأمّا "السُّوءُ"، فَهو المَعاصِي، سُمِّيَ سُوءً لِسُوءِ عاقِبَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِجَهالَةٍ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ عاصٍ فَهو جاهِلٌ حِينَ مَعْصِيَتِهِ.

وقالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ في آخَرِينَ: إنَّما سُمُّوا جُهّالًا لِمَعاصِيهِمْ، لا أنَّهم غَيْرُ مُمَيَّزِينَ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ مَعْنى الآَيَةِ: أنَّهم يَجْهَلُونَ أنَّهُ سُوءٌ، لِأنَّ المُسْلِمَ لَوْ أتى ما يَجْهَلُهُ، كانَ كَمَن لَمْ يُوقِعْ سُوءً، وإنَّما يُحْتَمَلُ أمْرانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم عَمِلُوهُ، وهم يَجْهَلُونَ المَكْرُوهَ فِيهِ.

والثّانِي: أنَّهم أقْدَمُوا عَلى بَصِيرَةٍ وعِلْمٍ بِأنَّ عاقِبَتَهُ مَكْرُوهَةٌ، وآَثَرُوا العاجِلَ عَلى الآَجِلِ، فَسُمُّوا جُهّالًا، لِإيثارِهِمُ القَلِيلَ عَلى الرّاحَةِ الكَثِيرَةِ، والعاقِبَةِ الدّائِمَةِ.

وَفِي "القَرِيبِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ التَّوْبَةُ في الصِّحَّةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّوْبَةُ قَبْلَ مُعايَنَةِ مَلَكِ المَوْتِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو مِجْلَزٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ التَّوْبَةُ قَبْلَ المَوْتِ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ في آَخَرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما التَوْبَةُ عَلى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهِ عَلَيْهِمْ وكانَ اللهِ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ ﴿ وَلَيْسَتِ التَوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ إنَّما حاصِرَةٌ، وهو مَقْصِدُ المُتَكَلِّمِ بِها أبَدًا، فَقَدْ تُصادِفُ مِنَ المَعْنى ما يَقْتَضِي العَقْلُ فِيهِ الحَصْرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما اللهُ إلَهٌ واحِدٌ  ﴾ وقَدْ تُصادِفُ مِنَ المَعْنى ما لا يَقْتَضِي العَقْلُ فِيهِ الحَصْرَ، كَقَوْلِهِ: إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ: فَيَبْقى الحَصْرُ في مَقْصِدِ المادِحِ، ويَتَحَصَّلُ مِن ذَلِكَ لِكُلِّ سامِعٍ تَحْقِيقُ هَذِهِ الصِفَةِ لِلْمَوْصُوفِ بِمُبالَغَةٍ.

وهَذِهِ الآيَةُ مِمّا يُوجِبُ النَظَرُ فِيها أنَّها حاصِرَةٌ لِلتَّوْبَةِ، وهي في عُرْفِ الشَرْعِ: الرُجُوعُ مِن شَرٍّ إلى خَيْرٍ، وحَدُّ التَوْبَةِ: النَدَمُ عَلى فارِطِ فِعْلٍ، مِن حَيْثُ هو مَعْصِيَةُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنْ كانَ النَدَمُ مِن حَيْثُ أضَرَّ ذَلِكَ الفِعْلُ في بَدَنٍ أو مِلْكٍ فَلَيْسَ بِتَوْبَةٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِمّا يُمْكِنُ هَذا النادِمُ فِعْلَهُ في المُسْتَأْنَفِ فَمِن شُرُوطِ التَوْبَةِ العَزْمُ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ الفِعْلِ في المُسْتَأْنَفِ، وإلّا فَثَمَّ إصْرارٌ لا تَوْبَةَ مَعَهُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ لا يُمْكِنُهُ، مِثْلُ أنْ يَتُوبَ مِنَ الزِنا فَيُجَبَّ بِأثَرِ ذَلِكَ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذا لا يَحْتاجُ إلى شَرْطِ العَزْمِ عَلى التَرْكِ.

والتَوْبَةُ فَرْضٌ عَلى المُؤْمِنِينَ بِإجْماعِ الأُمَّةِ، والإجْماعُ هي القَرِينَةُ الَّتِي حُمِلَ بِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتُوبُوا إلى اللهِ جَمِيعًا  ﴾ عَلى الوُجُوبِ، وتَصِحُّ التَوْبَةُ مِن ذَنْبٍ مَعَ الإقامَةِ عَلى غَيْرِهِ مِن غَيْرِ نَوْعِهِ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: لا يَكُونُ تائِبًا مَن أقامَ عَلى ذَنْبٍ، وتَصِحُّ التَوْبَةُ وإنْ نَقَضَها التائِبُ في ثانِي حالٍ بِمُعاوَدَةِ الذَنْبِ، فَإنَّ التَوْبَةَ الأُولى طاعَةٌ قَدِ انْقَضَتْ وصَحَّتْ، وهو مُحْتاجٌ بَعْدَ مُواقَعَةِ الذَنْبِ إلى تَوْبَةٍ أُخْرى مُسْتَأْنِفَةٍ، والإيمانُ لِلْكافِرِ لَيْسَ نَفْسَ تَوْبَتِهِ، وإنَّما تَوْبَتُهُ نَدَمُهُ عَلى سالِفِ كُفْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى اللهِ" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: عَلى فَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ لِعِبادِهِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ النَبِيِّ  لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: « "يا مُعاذُ أتَدْرِي ما حَقُّ اللهِ عَلى العِبادِ؟

قالَ اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَكَتَ قَلِيلًا، ثُمَّ قالَ: يا مُعاذُ أتَدْرِي ما حَقُّ العِبادِ عَلى اللهِ؟

قالَ اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: أنْ يُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ"» فَهَذا كُلُّهُ إنَّما مَعْناهُ: ما حَقُّهم عَلى فَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ، والعَقِيدَةُ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللهِ تَعالى شَيْءٌ عَقْلًا، لَكِنَّ إخْبارَهُ تَعالى عن أشْياءَ أوجَبَها عَلى نَفْسِهِ يَقْتَضِي وُجُوبَ تِلْكَ الأشْياءِ سَمْعًا، فَمِن ذَلِكَ تَخْلِيدُ الكُفّارِ في النارِ، ومِن ذَلِكَ قَبُولُ إيمانِ الكافِرِ، والتَوْبَةُ لا يَجِبُ قَبُولُها عَلى اللهِ تَعالى عَقْلًا، فَأمّا السَمْعُ فَظاهِرُهُ قَبُولُ تَوْبَةِ التائِبِ؛ قالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ: فَهَذِهِ الظَواهِرُ إنَّما تُعْطِي غَلَبَةَ ظَنٍّ لا قَطْعًا عَلى اللهِ بِقَبُولِ التَوْبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ خُولِفَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ في هَذا المَعْنى.

فَإذا فَرَضْنا رَجُلًا قَدْ تابَ تَوْبَةً نَصُوحًا تامَّةَ الشُرُوطِ، فَقَوْلُ أبِي المَعالِي: يَغْلِبُ عَلى الظَنِّ قَبُولُ تَوْبَتِهِ، وقالَ غَيْرُهُ: يُقْطَعُ عَلى اللهِ تَعالى بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ، كَما أخْبَرَ عن نَفْسِهِ عَزَّ وجَلَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ أبِي رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ يَمِيلُ إلى هَذا القَوْلِ ويُرَجِّحُهُ، وبِهِ أقُولُ، واللهُ تَعالى أرْحَمُ بِعِبادِهِ مِن أنْ يَنْخَرِمَ في هَذا التائِبِ المَفْرُوضِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَوْبَةَ عن عِبادِهِ  ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ  ﴾ والسُوءُ في هَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِجَهالَةٍ" مَعْناهُ: بِسَفاهَةٍ وقِلَّةِ تَحْصِيلٍ أدّى إلى المَعْصِيَةِ، ولَيْسَ المَعْنى أنْ تَكُونَ الجَهالَةُ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ مَعْصِيَةٌ، لِأنَّ المُتَعَمِّدَ لِلذُّنُوبِ كانَ يَخْرُجُ مِنَ التَوْبَةِ، وهَذا فاسِدٌ إجْماعًا، وبِما ذَكَرْتُهُ في الجَهالَةِ قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ  ، ذَكَرَ ذَلِكَ عنهم أبُو العالِيَةِ، وقالَ قَتادَةُ: اجْتَمَعَ أصْحابُ النَبِيِّ  عَلى أنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ فَهي بِجَهالَةٍ، عَمْدًا كانَتْ أو جَهْلًا، وقالَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والسُدِّيُّ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ والضَحّاكِ أنَّهُما قالا: الجَهالَةُ هُنا العَمْدُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أُمُورُ الدُنْيا كُلُّها جَهالَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ الخاصَّةَ بِها الخارِجَةَ عن طاعَةِ اللهِ.

وهَذا المَعْنى عِنْدِي جارٍ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما الحَياةُ الدُنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ  ﴾ وقَدْ تَأوَّلَ قَوْمٌ قَوْلَ عِكْرِمَةَ بِأنَّهُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُوءَ في الدُنْيا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ الجَهالَةَ اسْمٌ لِلْحَياةِ الدُنْيا، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، وقِيلَ: "بِجَهالَةٍ"، أيْ: لا يَعْلَمُ كُنْهَ العُقُوبَةِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ فُورَكٍ ورُدَّ عَلَيْهِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن قَرِيبٍ"؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُدِّيُّ: مَعْنى ذَلِكَ: قَبْلَ المَرَضِ والمَوْتِ، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ ومُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ والضَحّاكُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُمْ: مَعْنى ذَلِكَ: قَبْلَ المُعايَنَةِ لِلْمَلائِكَةِ والسَوْقِ، وأنْ يُغْلَبَ المَرْءُ عَلى نَفْسِهِ.

ورَوى أبُو قِلابَةَ: "أنَّ اللهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ آدَمَ فَرَآهُ إبْلِيسُ أجْوَفَ، ثُمَّ جَرى لَهُ ما جَرى ولُعِنَ وأُنْظِرَ، قالَ: وعِزَّتِكَ لا بَرِحْتُ مِن قَلْبِهِ ما دامَ فِيهِ الرُوحُ، فَقالَ اللهُ تَعالى: وعِزَّتِي لا أحْجُبُ عنهُ التَوْبَةَ ما دامَ فِيهِ الرُوحُ." قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ ذَكَرَ أحْسَنَ أوقاتِ التَوْبَةِ، والجُمْهُورُ حَدَّدُوا آخِرَ وقْتِها.

وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: كانَ يُقالُ: التَوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ لِأحَدِكم ما لَمْ يُؤْخَذْ بِكَظْمِهِ.

ورَوى بَشِيرُ بْنُ كَعْبٍ والحَسَنُ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ ويُغْلَبْ عَلى عَقْلِهِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ الرَجاءَ فِيهِ باقٍ، ويَصِحُّ مِنهُ النَدَمُ والعَزْمُ عَلى تَرْكِ الفِعْلِ في المُسْتَأْنَفِ، فَإذا غُلِبَ تَعَذَّرَتِ التَوْبَةُ لِعَدَمِ النَدَمِ والعَزْمِ عَلى التَرْكِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن قَرِيبٍ" إنَّما مَعْناهُ: مِن قَرِيبٍ إلى وقْتِ الذَنْبِ.

ومُدَّةُ الحَياةِ كُلُّها قَرِيبٌ، والمُبادِرُ في الصِحَّةِ أفْضَلُ وأحَقُّ لِأمَلِهِ مِنَ العَمَلِ الصالِحِ، والبُعْدُ كُلُّ البُعْدِ المَوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ: .........

∗∗∗.......

وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ أيْ: بِمَن يَتُوبُ ويُيَسِّرُهُ هو لِلتَّوْبَةِ، حَكِيمًا فِيما يُنْفِذُهُ مِن ذَلِكَ، وفي تَأْخِيرِ مَن يُؤَخِّرُ حَتّى يَهْلِكَ.

ثُمَّ نَفى بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَلَيْسَتِ التَوْبَةُ"....

الآيَةِ أنْ يَدْخُلَ في حُكْمِ التائِبِينَ مَن حَضَرَهُ مَوْتُهُ وصارَ في حَيِّزِ اليَأْسِ، وحُضُورُ المَوْتِ هو كَما كانَ فِرْعَوْنُ حِينَ صارَ في غَمْرَةِ الماءِ والغَرَقِ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ ما أظْهَرَ مِنَ الإيمانِ، وبِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ الرَبِيعُ: الآيَةُ الأُولى قَوْلُهُ: ﴿ إنَّما التَوْبَةُ عَلى اللهِ ﴾ هي في المُؤْمِنِينَ، والآيَةُ الثانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَيْسَتِ التَوْبَةُ ﴾ ...

الآيَةُ نَزَلَتْ في المُسْلِمِينَ ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ  ﴾ فَحَتَمَ ألّا يَغْفِرَ لِلْكافِرِ وأرْجَأ المُؤْمِنِينَ إلى مَشِيئَتِهِ، لَمْ يُيْئِسْهم مِنَ المَغْفِرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وطَعَنَ بَعْضُ الناسِ في هَذا القَوْلِ بِأنَّ الآيَةَ خَبَرٌ، والأخْبارُ لا تُنْسَخُ.

وهَذا غَيْرُ لازِمٍ، لِأنَّ الآيَةَ لَفْظُها الخَبَرُ، ومَعْناهُ تَقْرِيرُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، فَهي نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أو تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللهُ  ﴾ ونَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ  ﴾ وإنَّما يَضْعُفُ القَوْلُ بِالنَسْخِ مِن حَيْثُ تَنْبَنِي الآيَتانِ ولا يُحْتاجُ إلى تَقْرِيرِ نَسْخٍ، لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمْ تَنْفِ أنْ يُغْفَرَ لِلْعاصِي الَّذِي لَمْ يَتُبْ مِن قَرِيبٍ، فَنَحْتاجُ أنْ نَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ  ﴾ نَسَخَها، وإنَّما نَفَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنْ يَكُونَ تائِبًا مَن لَمْ يَتُبْ إلّا مَعَ حُضُورِ المَوْتِ.

فالعَقِيدَةُ عِنْدِي في هَذِهِ الآياتِ: أنَّ مَن تابَ مِن قَرِيبٍ فَلَهُ حُكْمُ التائِبِ فَيَغْلِبُ الظَنُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يُنَعَّمُ ولا يُعَذَّبُ، هَذا مَذْهَبُ أبِي المَعالِي وغَيْرِهِ، وقالَ غَيْرُهُمْ: بَلْ هو مَغْفُورٌ لَهُ قَطْعًا، لِإخْبارِ اللهِ تَعالى بِذَلِكَ، وأبُو المَعالِي يَجْعَلُ تِلْكَ الأخْبارَ ظَواهِرَ مَشْرُوطَةً بِالمَشِيئَةِ، ومَن لَمْ يَتُبْ حَتّى حَضَرَهُ المَوْتُ فَلَيْسَ في حُكْمِ التائِبِينَ، فَإنْ كانَ كافِرًا فَهو يَخْلُدُ، وإنْ كانَ مُؤْمِنًا فَهو عاصٍ في المَشِيئَةِ، لَكِنْ يَغْلِبُ الخَوْفُ عَلَيْهِ، ويَقْوى الظَنُّ في تَعْذِيبِهِ، ويُقْطَعُ مِن جِهَةِ السَمْعِ أنَّ مِن هَذِهِ الصَنِيفَةِ مَن يَغْفِرُ اللهُ لَهُ تَعالى تَفَضُّلًا مِنهُ ولا يُعَذِّبُهُ.

وأعْلَمَ اللهُ تَعالى أيْضًا أنَّ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ فَلا مُسْتَعْتَبَ لَهم ولا تَوْبَةَ في الآخِرَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ ، إنْ كانَتِ الإشارَةُ إلى الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ فَقَطْ، فالعَذابُ عَذابُ خُلُودٍ، وإنْ كانَتِ الإشارَةُ إلَيْهِمْ وإلى مَن يَنْفُذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ، مِمَّنْ لا يَتُوبُ إلّا مَعَ حُضُورِ المَوْتِ مِنَ العُصاةِ فَهو في جِهَةِ هَؤُلاءِ، عَذابٌ ولا خُلُودَ مَعَهُ، و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ: يَسَّرْناهُ وأحْضَرْناهُ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ النارَ مَخْلُوقَةٌ بَعْدُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استطراد جرّ إليه قوله: ﴿ فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ﴾ [النساء: 16] والتوبة تقدّم الكلام عليها مستوفى في قوله، في سورة آل عمران (90): ﴿ إنّ الذين كفروا بعد إيمانهم ثمّ ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم ﴾ و ﴿ إنَّما ﴾ للحصر.

و ﴿ على ﴾ هنا حرف للاستعلاء المجازي بمعنى التعهّد والتحقّق كقولك: عليّ لك كذا فهي تفيد تحقّق التعهّد.

والمعنى: التوبة تحقّ على الله، وهذا مجاز في تأكيد الوعد بقبولها حتّى جعلت كالحقّ على الله، ولا شيء بواجب على الله إلا وجوب وعده بفضله.

قال ابن عطية: إخباره تعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يَقتضي وجوب تلك الأشياء سمعا وليس وُجوبا.

وقد تسلّط الحصر على الخبر، وهو ﴿ للذين يعملون ﴾ ، وذكر له قيدان وهما ﴿ بجهالة ﴾ و ﴿ من قريب ﴾ .

والجهالة تطلق على سوء المعاملة وعلى الإقدام على العمل دون رويَّة، وهي ما قابل الحِلم، ولذلك تطلق الجهالة على الظُلم.

قال عمرو بن كلثوم: أَلا لا يجهَلَنْ أحدٌ علينا *** فَنَجْهل فوْقَ جهل الجاهلينا وقال تعالى، حكاية عن يوسف «وإلاَّ تَصْرِفْ عنّي كَيْدَهُنّ أصْبُ إليْهن وأكُنْ من الجاهلين».

والمراد هنا ظلم النفس، وذكر هذا القيد هنا لمجرّد تشويه عمل السوء، فالباء للملابسة، إذ لا يكون عمل السوء إلاّ كذلك.

وليس المراد بالجهالة ما يطلق عليه اسم الجَهل، وهو انتفاء العلم بما فعله، لأنّ ذلك لا يسمّى جهالة، وإنّما هو من معاني لفظ الجَهل، ولو عمل أحد معصية وهو غير عالم بأنّها معصية لم يكن آثماً ولا يجب عليه إلاّ أن يتعلّم ذلك ويجتنّبه.

وقوله: ﴿ من قريب ﴾ ، من فيه للابتداء و ﴿ قريب ﴾ صفة لمحذوف، أي من زمن قريب من وقت عمل السوء.

وتأوّل بعضهم معنى ﴿ من قريب ﴾ بأنّ القريب هو ما قبل الاحتضار، وجعلوا قوله بعده ﴿ حتى إذا حضر أحدهم الموت ﴾ يبيّن المراد من معنى (قريب).

واختلف المفسّرون من السلف ومَن بَعدهم في إعمال مفهوم القيدين «بجهالة من قريب» حتّى قيل: إنّ حكم الآية منسوخ بآية ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ [النساء: 48]، والأكثر على أنّ قيد (بجهالة) كوصف كاشف لعمل السوء لأنّ المراد عمل السوء مع الإيمان.

فقد روى عبد الرزاق عن قتادة قال: اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرأوْا أنّ كلّ عمل عصي الله به فهو جهالة عمداً كان أو غيرَه.

والذي يظهر أنّهما قيدان ذكراً للتنبيه على أنّ شأن المسلم أن يكون عمله جارياً على اعتبار مفهوم القيدين وليس مفهوماهما بشرطين لقبول التوبة، وأنّ قوله تعالى: ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيّئات ﴾ إلى ﴿ وهم كفار ﴾ قسيم لمضمون قوله: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ إلخ، ولا واسطة بين هذين القسمين.

وقد اختلف علماء الكلام في قبول التوبة؛ هل هو قطعي أو ظني فيها لتفرّع أقوالهم فيها على أقوالهم في مسألة وجوب الصلاح والأصلح لله تعالى ووجوب العدل.

فأمّا المعتزلة فقالوا: التوبة الصادقة مقبولة قطعاً بدليل العقل، وأحسب أنّ ذلك ينحون به إلى أنّ التائب قد أصلح حاله، ورغب في اللحاق بأهل الخير، فلو لم يقبل الله منه ذلك لكان إبقاء له في الضلال والعذاب، وهو منزّه عنه تعالى على أصولهم، وهذا إن أرادوه كان سفسطة لأنّ النظر هنا في العفو عن عقاب استحقّه التائب من قبل توبته لا في ما سيأتي به بعد التوبة.

وأمّا علماء السنّة فافترقوا فرقتين: فذهب جماعة إلى أنّ قبول التوبة مقطوع به لأدلّة سمعيّة، هي وإن كانت ظواهر، غير أنّ كثرتهاأفادت القطع (كإفادة المتواتر القطعَ مع أنّ كلّ خبر من آحاد المخبرين به لا يفيد إلاّ الظنّ، فاجتماعها هو الذي فاد القطع، وفي تشبيه ذلك بالتواتر نظر)، وإلى هذا ذهب الأشعري، والغزالي والرازي، وابن عطية ووالده أبو بكر ابن عطية، وذهب جماعة إلى أنّ القبول ظني لا قطعي، وهو قول أبي بكر الباقلاني، وإمام الحرمين، والمازري والتفتزاني، وشرف الدين الفهري وابن الفرس في أحكام القرآن بناء على أنّ كثرة الظواهر لا تفيد اليقين، وهذا الذي ينبغي اعتماده نظراً.

غير أنّ قبول التوبة ليس من مسائل أصول الدين فلماذا نطلب في إثباته الدليل القطعي.

والذي أراه أنّهم لمّا ذكروا القبول ذكروه على إجماله، فكان اختلافهم اختلافاً في حالة، فالقبول يطلق ويراد به معنى رضي الله عن التائب، وإثباته في زمرة المتّقين الصالحين، وكأنّ هذا هو الذي نظر إليه المعتزلة لمَّا قالوا بأنّ قبولها قطعّي عقلاً.

وفي كونه قطعيّا، وكونه عقلاً، نظر واضح، ويدلّ لذلك أنّهم قالوا: إنّ التوبة لا تصحّ إلاّ بعد الإقلاع عن سائر الذنوب ليتحقّق معنى صلاحه.

ويطلق القبول ويراد ما وعد الله به من غفران الذنوب الماضية قبل التوبة، وهذا أحسبهم لا يختلفون في كونه سمعياً لا عقلياً، إذ العقل لا يقتضي الصفح عن الذنوب الفارطة عند الإقلاع عن إتيان أمثالها في المستقبل، وهذا هو المختلف في كونه قطعيّا أو ظنيّا، ويطلق القبول على معنى قبول التوبة من حيث إنّها في ذاتها عمل مأمور به كلّ مذنب، أي بمعنى أنّها إبطال الإصرار على الذنوب التي كان مصرّا على إتيانها، فإنّ إبطال الإصرار مأمور به لأنّه من ذنوب القلب فيجب تطهير القلب منه، فالتائب من هذه الجهة يعتبر ممتثلاً لأمر شرعي، فالقبول بهذا المعنى قطعي لأنّه صار بمعنى الإجزاء، ونحن نقطع بأنّ من أتى عَملا مأموراً به بشروطه الشرعية كان عمله مقبولاً بمعنى ارتفاع آثار النهي عنه، ولكن بمعنى الظنّ في حصول الثواب على ذلك.

ولعلّ هذا المعنى هو الذي نظر إليه الغزالي إذ قال في كتاب التوبة «إنّك إذا فهمت معنى القبول لم تشكّ في أنّ كلّ توبة صحيحة هي مقبولة إذ القلب خُلق سليماً في الأصل، إذ كلّ مولود يولد على الفطرة وإنّما تفوته السلامة بكدرة ترهقه من غيرة الذنوب، وأنّ نور الندم يمحو عن القلب تلك الظلمة كما يمحو الماء والصابون عن الثواب الوسخ.

فمن توهّم أنّ التوبة تصحّ ولا تقبل كمن توهّم أنّ الشمس تطلع والظلام لا يزول، أو أنّ الثوب يغسل والوسخ لا يزول، نعم قد يقول التائب باللسان تبت ولا يقلع، فذلك كقول القصّار بلسانه غسلت الثوب وهو لم يغسله فذلك لا ينظّف الثوب».

وهذا الكلام تقريب إقناعي.

وفي كلامه نظر بيِّن لأنّا إنّما نبْحث عن طرح عقوبة ثابتة هل حدثان التوبة يَمْحُوها.

والإشارة في المسند إليه في قوله: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ للتنبيه على استحضارهم باعتبار الأوصاف المتقدّمة البالغة غاية الخوف من الله تعالى والمبادرة إلى طلب مرضاته، ليعرف أنّهم أحرياء بمدلول المسند الوارد بعد الإشارة، نظير قوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5] والمعنى: هؤلاء هم الذين جعلهم الله مستحقّين قبول التوبة منهم، وهو تأكيد لقوله: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ إلى آخره.

وقوله: ﴿ وليست التوبة ﴾ إلخ تنبيه على نفي القبول عن نوع من التوبة وهي التي تكون عند اليأس من الحياة لأنّ المقصد من العزم ترتُّب آثاره عليه وصلاح الحل في هذه الدار بالاستقامة الشرعية، فإذا وقع اليأس من الحياة ذهبت فائدة التوبة.

وقوله: ﴿ ولا الذين يموتون وهم كفار ﴾ عطف الكفّار على العصاة في شرط قبول التوبة منهم لأنّ إيمان الكافر توبة من كفره، والإيمان أشرف أنواع التوبة، فبيَّن أنّ الكافر إذا مات كافراً لا تقبل توبته من الكفر.

وللعلماء في تأويله قولان: أحدهما الأخذ بظاهره وهو أن لا يحول بين الكافر وبين قبول توبته من الكفر بالإيمان إلا حصول الموت، وتأوّلوا معنى ﴿ وليست التوبة ﴾ له بأنّ المراد بها ندمُهُ يوم القيامة إذا مات كافراً، ويؤخذ منه أنّه إذا آمن قبل أن يموت قُبل إيمانه، وهو الظاهر، فقد ثبت في «الصحيح»: أنّ أبا طالب لمّا حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعندَه أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية فقال: أي عمّ قل لا إله إلا الله كلمة أحَاجّ لك بها عند الله.

فقال أبو جهل وعبد الله: أترغب عن ملّة عبد المطلب.

فكان آخر ما قال أبو طالب أنّه على ملّة عبد المطلب، فقال النبي: لأستغفرنّ لك ما لم أنْهَ عنك.

فنزلت ﴿ ما كان للنبيء والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبيّن لهم أنّهم أصحاب الجحيم ﴾ [التوبة: 113] ويؤذن به عطف ﴿ ولا الذين يموتون وهم كفار ﴾ بالمغايرة بين قوله: ﴿ حتى إذا حضر أحدهم الموت ﴾ الآية وقوله: ﴿ ولا الذين يموتون وهم كفار ﴾ .

وعليه فوجه مخالفة توبته لتوبة المؤمن العاصي أنّ الإيمان عمل قلبي، ونطق لساني، وقد حصل من الكافر التائب وهو حي، فدخل في جماعة المسلمين وتقوّى به جانبهم وفشت بإيمانه سمعة الإسلام بين أهل الكفر.

وثانيهما: أنّ الكافر والعاصي من المؤمنين سواء في عدم قبول التوبة ممّا هما عليه، إذا حضرهما الموت.

وتأوّلوا قوله: ﴿ يموتون وهم كفار ﴾ بأنّ معناه يُشرفون على الموت على أسلوب قوله ﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ﴾ [النساء: 9] أي لو أشرفوا على أن يتركوا ذرّيّة.

والدّاعي إلى التأويل نظم الكلام لأنّ (لا) عاطفة على معمول لخبر التوبة المنفية، فيصير المعنى: وليست التوبة للذين يموتون وهم كفّار فيتوبون، ولا تعقل توبة بعد الموت فتعيّن تأويل (يموتون) بمعنى يشرفون كقوله ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم ﴾ [البقرة: 240]، واحتجّوا بقوله تعالى في حقّ فرعون ﴿ حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ﴾ [يونس: 90، 91] المفيد أنّ الله لم يقبل إيمانه ساعتئذ.

وقد يجاب عن هذا الاستدلال بأنّ ذلك شأن الله في الذين نزل بهم العذاب أنّه لا ينفعهم الإيمان بعد نزول العذاب إلاّ قوم يونس قال تعالى: ﴿ فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ﴾ [يونس: 98] فالغرق عذاب عذّب الله به فرعون وجنده.

قال ابن الفرس، في أحكام القرآن: وإذا صحّت توبة العبد فإن كانت عن الكفر قطعنا بقبولها، وإن كانت عن سواه من المعاصي؛ فمن العلماء من يقطع بقبولها، ومنهم من لم يقطع ويظنّه ظنّا اه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ﴾ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالجَهالَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ أصابَهُ الإنْسانُ فَهو بِجَهالَةٍ، وكُلَّ عاصٍ عَصى فَهو جاهِلٌ، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.

والثّانِي: يُرِيدُ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ عَمْدًا، والجَهالَةُ العَمْدُ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: الجَهالَةُ عَمَلُ السُّوءِ في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ثُمَّ يَتُوبُونَ في صِحَّتِهِمْ قَبْلَ مَوْتِهِمْ، وقَبْلَ مَرَضِهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: قَبْلَ مُعايَنَةِ مَلَكِ المَوْتِ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، وأبِي مِجْلَزٍ.

والثّالِثُ: قَبْلَ المَوْتِ، قالَ عِكْرِمَةُ: الدُّنْيا كُلُّها قَرِيبٌ.

وَقَدْ رَوى قَتادَةُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: « (إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ)» .

﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَهم كُفّارٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّها نَزَلَتْ في عُصاةِ المُسْلِمِينَ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ.

فَسَوّى بَيْنَ مَن لَمْ يَتُبْ حَتّى ماتَ، وبَيْنَ مَن تابَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ وهي [حالَةٌ] يَعْرِفُها مَن حَضَرَها.

وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ المُعايَنَةِ في حالٍ يُعْلَمُ بِها وإنْ مُنِعَ مِنَ الإخْبارِ بِها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ إنما التوبة على الله...

﴾ الآية.

قال: هذه للمؤمنين.

وفي قوله: ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات...

﴾ قال: هذه لأهل النفاق ﴿ ولا الذين يموتون وهم كفار...

﴾ قال: هذه لأهل الشرك.

وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: نزلت الأولى في المؤمنين، ونزلت الوسطى في المنافقين، والأخرى في الكفار.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن أبي العالية أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة قال: اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصي به فهو جهالة، عمداً كان أو غيره.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن مجاهد في قوله: ﴿ جهالة ﴾ قال: كل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته.

وأخرج ابن جرير من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنما التوبة على الله...

﴾ الآية.

قال: من عمل السوء فهو جاهل من جهالته عمل السوء ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ قال: في الحياة والصحة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ قال: ﴿ القريب ﴾ ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت.

وأخرج ابن جرير عن أبي مجلز قال: لا يزال الرجل في توبة حتى يعاين الملائكة.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن قيس قال: ﴿ القريب ﴾ ما لم تنزل به آية من آيات الله أو ينزل به الموت.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في الشعب عن الضحاك في الآية قال: كل شيء قبل الموت فهو قريب له التوبة، ما بينه وبين أن يعاين ملك الموت، فإذا تاب حين ينظر إلى ملك الموت فليس له ذاك.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال: الدنيا كلها قريب، والمعاصي كلها جهالة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ قال: ما لم يغرغر.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر في الآية قال: لو غرغر بها- يعني المشرك بالإسلام- لرجوت له خيراً كثيراً.

وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن إبليس لما رأى آدم أجوف قال: وعزتك لا أخرج من جوفه ما دام فيه الروح.

فقال الله تبارك وتعالى: وعزتي لا أحول بينه وبين التوبة ما دام الروح فيه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي في البعث عن قتادة قال: كنا عند أنس بن مالك وثم أبو قلابة فحدث أبو قلابة قال: إن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة.

فأنظره إلى يوم الدين فقال: وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح.

قال: وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو يعلى وابن حبان عن أبي سعيد الخدري قال: لا أخبركم إلا ما سمعت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته أذناي ووعاه قلبي «أن عبداً قتل تسعة وتسعين نفساً ثم عرضت له التوبة، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل فأتاه فقال: إني قتلت تسعة وتسعين نفساً فهل لي من توبة؟

قال بعد قتل تسعة وتسعين نفساً...؟

قال: فانتضى سيفه فقتله فأكمل به مائة.

ثم عرضت له التوبة فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل فأتاه فقال: إني قتلت مائة نفس فهل لي من توبة؟

فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟!

أخرج من القرية الخبيثة التي أنت فيها إلى القرية الصالحة، قرية كذا وكذا...

فاعبد ربك فيها.

فخرج يريد القرية الصالحة فعرض له أجله في الطريق، فاختصم فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقال إبليس أنا أولى به، إنه لم يعصني ساعة قط.

فقالت الملائكة: إنه خرج تائباً.

فبعث الله ملكاً فاختصموا إليه فقال: انظروا أي القريتين كانت أقرب إليه فألحقوه بها.

فقرب الله منه القرية الصالحة وباعد منه القرية الخبيثة، فألحقه بأهل القرية الصالحة» .

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه ابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن رجل من الصحابة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من إنسان يتوب إلى الله عز وجل قبل أن تغرغر نفسه في شدقه إلا قبل الله توبته» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عمر قال: التوبة مبسوطة للعبد ما لم يسق.

ثم قرأ ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ ثم قال: وهل الحضور إلا السوق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: ﴿ حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ قال: لا يقبل ذلك منه.

وأخرج ابن المنذر من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات...

﴾ الآية.

قال هم أهل الشرك.

وأخرج ابن جرير من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات...

﴾ الآية.

قال هم أهل الشرك.

وأخرج ابن جرير من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ فليس لهذا عند الله توبة ﴿ ولا الذين يموتون وهم كفار ﴾ أولئك أبعد من التوبة.

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وليست التوبة ﴾ الآية.

قال: فأنزل الله بعد ذلك ﴿ إن الله لا يغفر أن يُشرَك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ [ النساء: 48] فحرم الله المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عمرو قال: ما من ذنب مما يعمل بين السماء والأرض يتوب منه العبد قبل أن يموت إلا تاب الله عليه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال: كان يقال: التوبة مبسوطة ما لم يؤخذ بكظمه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عمرو قال: من تاب قبل موته بفواق تيب عليه.

قيل: ألم يقل الله ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن...

﴾ فقال: إنما أحدثك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أحمد والبخاري في التاريخ والحاكم وابن مردويه عن أبي ذرّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقبل توبة عبده.

أو يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب.

قيل: وما وقوع الحجاب؟

قال: تخرج النفس وهي مشركة» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ ﴾ .

قال الحسن: يعني: التوبة التي يقبلها الله (١) وقال أهل المعاني: إن الله تعالى وعَد قبول التوبة من المؤمنين في قوله: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ الآية [الأنعام: 54]، وإذا وعد الله تعالى شيئًا صدّق ميعاده ولم يجز الخلف فيه، فمعنى (على الله) أنه أوجب ذلك على نفسه بفضله (٢) وقوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ﴾ .

اتفقوا على أنه لم يُرِد بالجهالة ههنا أنهم يجهلون أنها ذنوب ومعاصي (٣) قال الكلبي: لم يَجهل أنه ذنب، ولكنه جهل عقوبته (٤) (٥) وهذا لا يصح؛ لأنه يوجب أن من علم عقوبته وكان عالمًا بالتهديد فيه وكنه العقوبة لم تكن له توبة.

والصحيح في هذا ما قال المفسرون أن المعاصي كلها جهالة، ومن عصى ربه فهو جاهل (٦) ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ  ﴾ ، أي من العاصين (٧) قال ابن عباس في هذه الآية: يريد أن ذنب المؤمن بجهل (٨) (٩) وقال الزجاج: معنى الجهالة ههنا، أنهم في اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية جُهّال (١٠) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد ولو قبل موته بفواق (١١) (١٢) (١٣) وقال عكرمة وابن زيد: ما قبل الموت فهو قريب (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد علم ما في قلوب المؤمنين من التصديق واليقين فحكم لهم بالتوبة قبل الموت بقدر فَوَاق ناقة (١٦) (١) "الكشف والبيان" 4/ 26 ب، وانظر: "زاد المسير" 2/ 36، "تفسير الحسن البصري" 1/ 266.

(٢) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة، "معاني الزجاج" 2/ 231، 254.

(٣) أخرج ابن جرير بسنده عن قتادة -رحمه الله- أنه قال في هذه الآية: اجتمع أصحاب رسول الله  فرأوا أن كل شيء عصي به فهو جهالة، عمدًا كان أو غيره، "تفسير الطبري" 4/ 298، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 26 ب، "معالم التنزيل" 2/ 184.

(٤) من "الكشف والبيان" 4/ 26 ب، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 184.

(٥) قال في "معاني القرآن" 1/ 259: لا يجهلون أنه ذنب، ولكن لا يعلمون كنه ما فيه كعلم العالم.

(٦) كما تقدم عن قتادة ونقله الإجماع من الصحابة على ذلك.

(٧) انظر: "الدر المنثور" 2/ 232.

(٨) في (د): (جهل)، واللفظان متقاربان، وما أثبته يصح بتقدير: أن ذنب المؤمن يقع بجهل منه.

(٩) أخرج الطبري من طريق الكلبي عن ابن عباس: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ﴾ قال: من عمل السوء فهو جاهل، من جهالته عمل السوء.

"تفسير الطبري" 4/ 299، وانظر: "الوسيط" 2/ 478، ابن كثير 2/ 504، "الدر المنثور" 2/ 232.

(١٠) "معاني القرآن" 2/ 29.

(١١) أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 479، ونسبه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 27 أبنصه إلى أبي موسى الأشعري، ولم أجده عن ابن عباس، لكن ثبت من طريق ابن أبي طلحة عنه أنه قال: القريب فيما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت.

"تفسير ابن عباس" ص 139، والطبري 4/ 300.

والمراد بالفواق فواق الناقة وهو رُجوع اللبن في ضَرعها أو ما بين الحَلبتين.

انظر: "اللسان" 6/ 3488 (فوق).

(١٢) هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حصار الأشعري، مشهور باسمه وكنيته أسلم مبكرًا واستعمله النبي  على اليمن، كان حسن الصوت بالقراءة فقيهًا مكثرًا من رواية الأحاديث مجاهدًا.

توفي  سنة 42 هـ، وقيل بعدها.

انظر: "تاريخ خليفة" ص 97، 135، 211، "أسد الغابة" 3/ 367، "الإصابة" 2/ 359.

(١٣) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 27 أ (١٤) أخرج قولهما بنحوه الطبري 8/ 301، وبنصه من "الكشف والبيان" 4/ 27/ أ، وانظر: البغوي 2/ 185، وابن كثير 1/ 504.

(١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 29.

(١٦) راجع ما سبق من التعليق على الأثر المتقدم عن ابن عباس.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ أي: إنما يقبل الله توبة من كان على هذه الصفة، وإذا تاب العبد توبة صحيحة بشروطها فيقطع بقبول الله لتوبته عند جمهور العلماء، وقال أبو المعالي: يغلب ذلك على الظن ولا يقطع به ﴿ يَعْمَلُونَ السواء بجهالة ﴾ أي بسفاهة وقلة تحصيل أداة إلى المعصية، وليس المعنى انه يجعل ان ذلك الفعل يكون معصية، قال أبو العالية: أجمع الصحابة على أن كل معصية فهي بجهالة، سواء كانت عمداً أو جهلاً ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ قيل: قبل المرض والموت.

وقيل: قبل السياق، ومعاينة الملائكة، وفي هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ واحدة ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع.

الباقون: بالنصب.

﴿ فلأمه ﴾ وما بعده / بكسر الهمزة لأجل كسرة ما قبلها: حمزة وعلي.

الباقون بالضم ﴿ يوصي ﴾ وما بعد مبنياً للمفعول: ابن كثير وابن عامر ويحيى وحماد والمفضل وافق الأعشى في الأولى وحفص في الثانية.

الباقون: مبنياً للفاعل.

﴿ ندخله ﴾ بالنون في الحرفين: نافع وابن عامر وأبو جعفر.

الباقون بالياء.

وكذلك في سورة الفتح والتغابن والطلاق.

﴿ واللذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير، وكذلك قوله: ﴿ هذان  ﴾ و ﴿ هاتان ﴾ و ﴿ أرنا اللذين  ﴾ وأشباه ذلك.

وأما قوله ﴿ فذانك ﴾ فابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وعباس مخير.

الباقون: بالتخفيف ﴿ كرهاً ﴾ بالضم وكذلك في التوبة، حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالفتح ﴿ مبينة ﴾ ﴿ مبينات ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو بكر وحماد.

وقرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ مبينة ﴾ بالكسر ﴿ مبينات ﴾ بالفتح.

الباقون كلها بالكسر.

الوقوف: ﴿ الأنثيين ﴾ ج ﴿ ما ترك ﴾ ج ﴿ فلها النصف ﴾ ط لانتهاء حكم الأولاد ﴿ إن كان له ولد ﴾ ج ﴿ فلأمه الثلث ﴾ ج ﴿ أو دين ﴾ ط ﴿ وأبناؤكم ﴾ ج لتقديرهم أبناؤكم، ولاحتمال كون آباؤكم مبتدأ وخبره.

﴿ لا تدرون ﴾ ﴿ نفعاً ﴾ ج ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ لم يكن لهن ولد ﴾ ج ﴿ دين ﴾ ط ﴿ منهما السدس ﴾ ج ﴿ دين ﴾ ط لأن غير حال عامله ﴿ يوصى ﴾ ﴿ مضار ﴾ ج لاحتمال نصب وصية به كما يجيء ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ط لأن ﴿ تلك ﴾ مبتدأ ﴿ حدود الله ﴾ ط ﴿ خالدين فيها ﴾ ط لأن ما بعده اعتراض مقرر للجزاء.

﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ خالداً فيها ﴾ ص لأن ما بعده من تتمة الجزاء.

﴿ مهين ﴾ ه ﴿ أربعة منكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع الفاء.

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ فآذوهما ﴾ ج ﴿ عنهما ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ السيئات ﴾ ط لأن حتى إذا تصلح للابتداء وجوابه ﴿ قال إني تبت  ﴾ وتصلح انتهاء لعمل السيئات ﴿ وهم كفار ﴾ ط ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط للعدول عن الإخبار إلى النهي ﴿ مبينة ﴾ ج للعارض بين المتفقين ﴿ بالمعروف ﴾ ج ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ غليظاً ﴾ ط ﴿ ومقتاً ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما بين حكم مال الأيتام وما على الأولياء فيه، بيَّن أن اليتيم كيف يملك المال إرثاً ولم يكن ذلك إلا بيان جملة أحكام الميراث.

أو نقول: أجمل حكم الميراث في قوله: ﴿ للرجال نصيب ﴾ و ﴿ للنساء نصيب ﴾ ثم فصل ذلك بقوله ﴿ يوصيكم الله ﴾ أي يعهد إليكم ويأمركم في أولادكم في شأن ميراثهم.

واعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين: النسب والعهد.

أما النسب فكانوا يورثون الكبار به ولا يورثون الصغار والإناث كما مر، وأما العهد فالحلف أو التبني كما سيجيء في تفسير قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم  ﴾ وكان التوريث بالعهد مقرر في أول الإسلام مع زيادة سببين آخرين: أحدهما الهجرة.

فكان المهاجر يرث من المهاجر وإن كان أجنبياً عنه إذا كان بينهما مزيد مخالطة ومخالصة، ولا يرثه غيره وإن كان من أقاربه.

والثاني المؤاخاة.

كان رسول الله  يؤاخي بين كل اثنين منهم فيكون سبباً للتوارث.

والذي تقرر عليه الأمر في الإسلام إن أسباب التوريث ثلاثة: قرابة ونكاح وولاء.

والمراد من الولاء أن المعتق يرث بالعصوبة من المعتق.

روي "أن رسول الله  ورث بنت حمزة من مولى لها" .

ووراء هذه الأسباب سبب عام وهو الإسلام، فمن مات ولم يخلف من يرثه بالأسباب الثلاثة فماله لبيت المال يرثه المسلمون بالعصوبة كما يحملون عنه الدية.

قال  : " أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه " وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يوضع ماله في بيت المال على سبيل المصلحة لا إرثاً، لأنه لا يخلو عن ابن عم وإن بعد فألحق بالمال الضائع الذي لا يرجى ظهور مالكه.

وإنما بدأ  بذكر ميراث الأولاد لأن تعلق الإنسان بولده أشد التعلقات، ثم للأولاد حال انفراد وحال اجتماع مع أبوي الميت.

أما حال الانفراد فثلاث ذكور وإناث معاً، أو إناث فقط، أو ذكور فقط.

أما الحالة الأولى فبيانها قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ أي للذكر منهم، فحذف الراجع للعلم به وفيه أحكام ثلاثة: أحدها: خلف ذكراً واحداً وأنثى واحدة فله سهمان ولها واحد.

وثانيها: خلف ذكوراً وإناثاً لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم.

وثالثها: خلف مع الأولاد جمعاً آخرين كالزوجين، فهم يأخذون سهامهم والباقي بين الأولاد لكل ذكر مثل نصيب أنثيين.

وإنما لم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر إشعاراً بفضيلته كما ضوعف حظه لذلك، ولأن الابتداء بما ينبىء عن فضل أحد أدخل في الأدب من الابتداء بما ينبىء عن النقص، ولأنهم كانوا يورّثون الذكور دون الإناث فكأنه قيل لهم: كفى الذكور تضعيف من النصيب، فيقطعوا الطمع عن الزيادة.

وأما الحكمة في أنه  جعل نصيب النساء من المال أقل من نصيب الرجال، فلنقصان عقلهن ودينهن كما جاء في الحديث، ولأن احتياجهن إلى المال أقل لأن أزواجهن ينفقون عليهن، أو لكثرة الشهوة فيهن فقد يصير المال سبباً لزيادة فجورهن كما قيل: إن الشباب والفراغ والجده *** مفسدة للمرء أي مفسده.

فيكف حال المرأة؟

وعن جعفر الصادق  أن حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها، ثم أخذت حفنة أخرى ورفعتها إلى آدم.

فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل.

وأما الحالة الثانية فهن أكثر من اثنتين أو اثنتان أو واحدة.

وحكم / القسم الأول مبين في قوله: ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ﴾ وحكم القسم الثالث في قوله: ﴿ وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ فمن قرأ بالرفع على "كان" التامة فظاهر، ومن قرأ بالنصب فالضمير في كانت إما أن يعود إلى النساء وجاز لعدم الإلباس بدليل واحدة، وإما أن يعود إلى غائب حكمي أي إن كانت البنت أو المولودة.

وقراءة النصب أوفق لقوله: ﴿ فإن كن نساء ﴾ وقراءة الرفع أيضاً حسنة لئلا يحتاج إلى التكلف في عود الضمير.

وجوّز صاحب الكشاف أن يكون الضمير في ﴿ كن ﴾ و ﴿ كانت ﴾ مبهمة وتكون ﴿ نساء ﴾ و ﴿ واحدة ﴾ تفسيراً لهما على أن "كان" تامة.

وأما القسم الثاني وهو حكم البنتين فغير مذكور في الآية صريحاً فلهذا اختلف العلماء فيه.

فعن ابن عباس أن فرضهما النصف كما في الواحدة، لأن الثلثين فرض البنات بشرط كونهن فوق اثنتين، فإذا لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط.

وعورض بأن النصف أيضاً مشروط بالوحدة.

أقول: ولعله نظر إلى أن الاثنتين أقرب إلى الواحد من الأعداد غير المحصورة التي فوق الإثنتين سوى الثلاثة، والحمل على الأقرب أولى.

وقال الأكثرون من الصحابة وغيرهم: إن فرضهما الثلثان لأن من مات وخلف ابناً وبنتاً فللبنت الثلث بالآية، فيلزم أن يكون للبنتين الثلثان.

وأيضاً نصيب البنت مع الولد الذكر الثلث، فلأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى هو الثلث أولى لأن الذكر أقوى من الأنثى.

وعلى هذا فكان قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ دالاً على أنثيين، فذكر بعد ذلك أنهن وإن بلغن ما بلغن من العدد لم يتجاوز الثلثين.

وقيل: إن البنتين أمس رحماً بالميت من الأختين، لكنه  يقول في آخر السورة ﴿ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ﴾ فالبنتان أولى وهذا قياس جلي، ومما يؤيده أنه  لم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة ليقاس ميراثهن على ميراث البنات الكثيرة كما يقاس ميراث البنتين على الأختين.

وقيل: لفظ ﴿ فوق ﴾ وهو صفة نساء أو خبر بعد خبر للتأكيد، أو ليخرج أقل الجمع وهو اثنان زائد كقوله: ﴿ فاضربوا فوق الأعناق  ﴾ وقيل: فيه تقديم وتأخير والمراد: فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما.

وعن جابر بن عبد الله قال: "جاءت امرأة بابنتين لها فقالت: يا رسول الله، هاتان بنتا ثابت بن قيس، أو قالت: سعد بن الربيع، قتل معك يوم أحد وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما.

فقال: يقضي الله في ذلك ونزلت هذه الآية.

فقال لي رسول الله  : ادع لي المرأة وصاحبها.

فقال لعمهما: أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فلك" .

وأما الحالة الثالثة وهو ما إذا كان الأولاد ذكوراً فقط فلم يذكر في الآية، لأنه لما علم أن للذكر مثل حظ الأنثيين وقد تبين أن للبنت الواحدة النصف، علم منه أن للابن الواحد الكل، وإذا كان للواحد الكل، فإذا كانوا أكثر من واحد لم يحسن حرمان بعضهم ولا / ترجيح بعضهم فيكون المال مشتركاً بينهم بالسوية.

وأيضاً قال  : " وما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر" ولا نزاع في أن الابن عصبة ذكر، فإذا لم يكن معه صاحب فرض فله كل المال لا محالة.

والنص: سألت عن ولد الولد فقيل: اسم الولد يقع على ولد الابن أيضاً لقوله  : ﴿ يا بني آدم  ﴾ ﴿ يا بني إسرائيل  ﴾ .

وقيل: قيس ولد الولد على الولد لما أنه كولد الصلب في الإرث والتعصيب، ولكنه لا يستحق شيئاً مع أولاد الصلب على وجه الشركة، وإنما يستحق إذا لم يوجد ولد الصلب رأساً، أو لا يأخذ كما في مسألة بنت واحدة وبنت ابن فإنهما يأخذان الثلثين.

واعلم أن عموم قوله  ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ مخصوص بصور منها: أن العبد والحر لا يتوارثان.

ومنها أن القاتل لا يرث.

ومنها أن لا يتوارث أهل ملتين والمرتد ماله فيء لبيت المال سوءا اكتسب في الإسلام أو في الردة.

وعند أبي حنيفة: ما اكتسب في الإسلام يرثه أقاربه المسلمون.

ومنها أن الأنبياء لا يورثون خلافاً للشيعة.

روي أن فاطمة  ا لما طلبت الميراث احتجوا بقوله  : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" واحتجت بقوله  حكاية عن زكريا ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب  ﴾ وبقوله: ﴿ وورث سليمان داود  ﴾ ، والأصل في التوريث للمال، ووراثة العلم أو الدين مجاز.

وبعموم قوله: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ ولأن المحتاج إلى هذه المسألة ما كان إلا علياً وفاطمة والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء في الدين.

وأما أبو بكر فإنه ما كان محتاجاً إلى معرفة هذه المسألة البتة لأنه ما كان يخطر بباله أنه يرث الرسول عليه الصلاة والسلام، فكيف يليق بالرسول  أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة؟

وأيضاً يحتمل أن يكون قوله: "ما تركناه صدقة" صلة لقوله: "لا نورث" والمراد أن الشيء الذي تركناه صدقة فذلك الشيء لا يورث ولعل فائدة تخصيص الأنبياء بذلك أنهم إذا عزموا على التصدق بشيء فمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم فلا يرثه وارثهم عنهم.

أجابوا بأن فاطمة  ا رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة وانعقد الإجماع على ما ذهب إليه أبو بكر.

واعلم أن جميع ما ذكرنا إنما هو في حالة انفراد الأولاد، أما حالة اجتماعهم بالأبوين فذلك قوله: ﴿ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ﴾ والمراد بالأبوين الأب والأم.

فغلب جانب الأب لشرفه، ومثله من التغليب في التثنية "القمران" و"العمران" و "الخافقان".

/ والضمير في ﴿ أبويه ﴾ يعود إلى الميت المعلوم من سياق الكلام في الميراث و ﴿ لكل واحد منهما ﴾ بدل من ﴿ لأبويه ﴾ بتكرير العامل.

وفائدة هذا البدل أنه لو قيل: ولأبويه السدس لأوهم اشتراكهما فيه.

ولو قيل: ولأبويه السدسان لأوهم قسمة السدسين عليهما بالتساوي أو بالتفاوت.

ولو قيل: ولكل واحد من أبويه السدس لفاتت فائدة الإجمال والتفصيل والإبهام والتفسير.

فقوله: ﴿ السدس ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ لأبويه ﴾ وقد توسط البدل بينهما للبيان.

واعلم أن للأبوين ثلاث أحوال: الأولى أن يحصل معهما ولد ولا نزاع أن اسم الولد يقع على الذكر وعلى الأنثى فههنا ثلاثة أوجه: أحدها أن يحصل معهما ولد ذكر واحد أو أكثر فللأبوين لكل واحد منهما السدس.

والباقي للأولاد بالسوية.

وثانيها أن يحصل معهما بنتان أو أكثر، فالحكم كما ذكر.

وثالثها أن يكون معهما بنت واحدة فههنا للبنت النصف وللأم السدس وللأب السدس بحكم الآية، والباقي للأب بحكم التعصيب.

فإن قيل: إن حق الوالدين على الولد مما لا يخفى فما الحكمة في أنه  جعل نصيب الأولاد أكثر ونصيب الوالدين أقل؟

فالجواب - والله أعلم - أن الوالدين ما بقي من عمرهما إلا القليل غالباً، أما الأولاد فهم في زمان الصبا فاحتياجهم إلى المال أكثر وأيضاً كأنهما قالا بلسان الحال للأطفال: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً.

وأيضاً ولد الولد ولد، وترفيه حال الولد أهم عند الوالدين من ترفيه حالهما.

الحالة الثانية أن لا يكون معهما أحد من الأولاد ولا وارث سواهما وهو المراد بقوله: ﴿ فإن لم يكن له ولد وروثه أبواه ﴾ أي فقط ﴿ فلأمه الثلث ﴾ ويعلم منه أن الباقي يكون للأب فيكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ويحصل للاب السدس بالفرضية، والنصف بالعصوبة، ولأنه  قيد فرضية الثلث للأم بأن يكون الوارث منحصراُ في الأبوين اختلف العلماء في أنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فكيف يكون فرض الأم؟

فقال ابن عباس: يدفع إلى الزوج نصيبه أو إلى الزوجة نصيبها، وللأم الثلث بحالة والباقي للأب.

وذهب الأكثرون إلى أن الزوج أو الزوجة لهما نصيبهما، ثم يدفع ثلث ما بقي إلى الأم والباقي للأب ليكون للذكر مثل حظ الأنثيين كما هو قاعدة الميراث عند اجتماع الذكر والأنثى، فيكون الأبوان كشريكين بينهما مال، فإذا صار شيء منه مستحقاً بقي الباقي بينهما على قدر الاستحقاق الأوّل.

وأيضاً الزوج إنما يأخذ سهمه بحكم عقد النكاح لا بحكم القرابة فأشبه الوصية في قسمة الباقي.

وعن ابن سيرين أنه وافق ابن عباس في الزوجة والأبوين.

فإنا إذا دفعنا الربع إلى الزوجة، والثلث إلى الأم بقي للأب الثلث ونصف السدس أكثر ما للأم، وخالفه في الزوج والأبوين لأنه إذا دفع إلى الزوج النصف وإلى الأم الثلث يبقى للأب السدس فيكون للأنثى مثل حظ الذكرين.

هذا عكس قوله  : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ الحالة الثالثة أن يوجد معها الإخوة والأخوات وذلك قوله: ﴿ فإن كان له إخوة فلأمه السدس ﴾ واتفقوا على أن واحداً من الإخوة أو الأخوات لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس، واتفقوا على أن ثلاثة منهم يحجبون لكن الاثنين مختلف فيهما.

فالأكثرون من الصحابة ذهبوا إلى إثبات الحجب بهما كما في الثلاثة بناء على أن الاثنين جمع لوجود التعدد في التثنية فما فوقها، فصح أن يتناول الأخوة للأخوين واستقراء باب الميراث يؤيد ذلك، فإنه جعل نصيب البنتين الثلثين مثل نصيب البنات وكذلك للأختين والأخوات.

وذكر الشيخ الكامل محيي الدين بن العربي في الفتوحات أنه رأى رسول الله  في المنام فسأله عن خلاف الأئمة في أن أقل الجمع اثناء أو ثلاثة، فعلمه أن أقل الجمع في الشفع اثنان وفي الوتر ثلاثة.

وقال  : " الاثنان فما فوقهما جماعة " وقد احتج ابن عباس بذلك على عثمان فقال: كيف تردّها إلى السدس بالأخوين وليسا بإخوة؟

فقال عثمان: لا أستطيع رد شيء كان قبلي ومضى في البلدان.

فأشار إلى إجماعهم قبل أن يظهر ابن عباس الخلاف.

ثم إن الاثنين أو الثلاثة إذا حجبوا الأم عن السدس، فذلك السدس يكون لهم حتى يبقى للأب الثلثان، أو لا يكون لهم شيء من الميراث ويكون خمسة الأسداس للأب.

ذهب ابن عباس إلى الأوّل، وذهب الجمهور إلى الثاني إذ لا يلزم من كون الشخص حاجباً كونه واراثاً ولم يرد لهم ذكرإلا بالحجب فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين.

ثم ذكر أن هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء من بعد وصية يوصى بها أو دين.

حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق.

وإذا لم يكن أو كان لكنه قضى وفضل بعده شيء.

فإن أوصى الميت وصية أخرجت من ثلث ما فضل ثم قسم الباقي ميراثاً على فرائض الله  .

عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "إنكم لتقرؤن الوصية قبل الدين وإن الرسول  قضى بالدين قبل الوصية" .

والمراد أنه لا عبرة بالتقديم في الذكر لأن كلمة أو لا تفيد الترتيب ألبتة، وإنما استفيد الترتيب من السنة عكس الترتيب في اللفظ.

وفائدة هذا العكس أن الوصية تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فكان أدواؤها مظنة التفريط بخلاف الدين، فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه فكان في تقديمها ترغيب لهم في أدائها، ولهذا جيء بكلمة أو دلالة على التسوية بينهما في الوجوب، ولأن كل مال ليس يحصل فيه الأمران فجيء بأو الفاصلة ليدل على أنه إن كان أحدهما فالميراث بعده، وكذلك إن كان كلاهما فالوصية تشبه الدين من جهة أن سهام أهل المواريث معتبرة بعد كل منهما.

ولكنها تفارق الدين من جهة / أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية كما في الإرث بخلاف الدين فإنه يبقى بحاله.

ثم قال: ﴿ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً ﴾ قال أبو البقاء ﴿ أيهم ﴾ مبتدأ و ﴿ أقرب ﴾ خبره، والجملة في موضع نصب بـ ﴿ تدرون ﴾ وهي معلقة عن العمل لفظاً لأنها من أفعال القلوب.

وأقول: من الجائز أن لا تكون من أفعال القلوب بل تكون بمعنى المعرفة، وكان ﴿ أيهم ﴾ مفعولة مبنياً لحذف صدر الصلة نحو ﴿ لننزعن من كل شيعة أيهم أشد  ﴾ قال المفسرون: هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم، وبين قوله: ﴿ فريضة من الله ﴾ ومن حق الاعتراض أن يناسب ما اعترض بينه ويؤكده.

فقيل: هذا من تمام الوصية أي لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون، من أوصى منهم أم من لم يوص.

يعني أن من أوصى ببعض ماله فعرّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعاً وأحضر جدوى ممن ترك الوصية عليكم عرض الدنيا وجعل الثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا ذهاباً إلى حقيقة الأمر، لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلاً قريباً في الصورة إلا أنه فانٍ فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى، وثواب الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باقٍ فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى.

وقيل: عن ابن عباس أن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة سأل أن يرفع أبوه إليه فيرفع, وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه سأل أن يرفع ابنه إليه.

فأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعاً لأن أحدهما لا يعرف أن انتفاعة في الجنة بهذا اكثر أم بذلك.

وقيل: قد فرض الله الفرائض على ما هو عند حكمة، والعقول لا تهتدي إلى كمية تلك التقديرات.

فلو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع فوضعتم أنتم الأموال في غير موضعها.

وقيل: المراد كيفية انتفاع بعضهم ببعض في الدنيا من جهة الإنفاق والذب عنه، فلا يدري أن الابن سيحتاج إلى أن ينفق الأب عليه أو الأب سيفتقر إلى الابن.

وقيل: المقصود جواز أن يموت هذا قبل: ذلك فيرثه وبالضد، والقول هو الأوّل.

﴿ فريضة من الله ﴾ نصبت على أنها صفة تقوم مقام المصدر المؤكد أي فرض الله ذلك فرضاً ﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بكل المعلومات فيكون عالماً بما في قسمة المواريث من المصالح والمفاسد ﴿ حكيماً ﴾ لا يأمر إلا بما هو الأحسن الأصلح.

قال الخليل: "كان" ههنا منخلع عن اعتبار الاقتران بالزمان، لأنه  منزه عن الدخول تحت الزمان ولكنه من الأزل إلى الأبد عليم حكيم.

وقال سيبويه: إن القوم لما شاهدوا علماً وحكمة تعجبوا فقيل لهم: إن الله كان كذلك أي لم يزل موصوفاً بهذه الصفات.

هذا واعلم أن الوارث إما أن يكون متصلاً يالميت بغير واسطة أو بواسطة.

وعلى الأول فسبب الاتصال / إما أن يكون هو النسب أو الزوجية.

فهذه ثلاثة أقسام: الأوّل قرابة التوالد الفروع والأصول وهو أشرف الاتصالات لعدم الواسطة ولكثرة المخالطة ولغاية الألفة والشفقة، ولهذا قدّم في الذكر.

ويتلوه في الشرف القسم الثاني لمثل ما قلنا ولهذا أردفه بالقسم الأول وذلك قوله: ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ إلى قوله ﴿ توصون بها أو دين ﴾ ثم بيَّن أحوال القسم الثالث وهو الكلالة في قوله: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة ﴾ فما أحسن هذا النسق.

ولما جعل في الموجب النسبيّ حظ الرجل مثل حظ الأنثيين، فكذلك جعل في الموجب السببي وهو الزوجية حظ الزوج ضعف حظ الزوجة.

وقد نبه في الآية على فضل الرجال حيث ذكرهم على سبيل المخاطبة ثمان مرات، وذكرهن على الغيبة أقل من ذلك.

ثم الواحدة والجماعة سواء في الربع والثمن، ولا فرق في الولد بين الذكر والأنثى، ولا بين الابن وابن الابن، ولا بين البنت وبنت الابن، ويخرج منه ولد البنت لأنه لا يرث.

وههنا مسألة.

قال الشافعي: يجوز للزوج غسل زوجته لأنها بعد الموت زوجته بدليل قوله  : ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأنها ليست زوجته، ولو كانت زوجته لحل له وطؤها لقوله: ﴿ إلا على أزواجكم ﴾ \[المؤمون: 6\] وأجيب بأنه لو كانت زوجته له لكان قوله ﴿ ما ترك أزواجكم ﴾ مجازاً.

ولو كانت زوجة مع أنه لا يحل له وطؤها لزم التخصيص وإذا تعارض المجاز والتخصيص فالتخصيص أولى كما بين في أصول الفقه.

وكيف لا وقد علم في صور كثيرة حصول الزوجية مع حرمة الوطء كزمان الحيض والنفاس ونهار رمضان وعند اشتغالها بالصلاة المفروضة والحج المفروض وعند كونها في العدّة عن الوطء بالشبهة.

وأيضاً حل الوطء ثابت على خلاف الأصل لما فيه من المصالح، وعند الموت لم يبق شيء من تلك المصالح فعاد إلى أصل الحرمة، أما حل الغسل ففيه مصالح فوجب القول ببقائه.

واختلفوا في تفسير الكلالة فعن أبي بكر الصديق  أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول فيه برأيي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه.

الكلالة ما خلا الوالد والولد.

وعن عمر  : الكلالة من لا ولد له فقط.

وعنه في رواية أخرى التوقف.

وكان يقول: ثلاثة لأن يكون بينهم الرسول  لنا أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها: الكلالة والخلافة والربا.

وقيل: الكلالة القرابة من غير جهة الولد والوالد.

ومنه قولهم: ما ورث المجد عن كلالة كما تقول: ما صمت عن عيّ.

قال الفرزدق: ورثتم قناة الملك لا عن كلالة *** عن ابني مناف عبد شمس وهاشم والمختار الصحيح من الأقوال قول أبي بكر لأن الكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوّة من الإعياء.

قال الأعشى: فآليت لا أرثي لها من كلالة *** ولا من وجى حتى تلاقي محمداً فاستعيرت للقرابة من غير جهة الوالد والولد لأنها بالإضافة إلى قرابة الأصول والفروع كلالة ضعيفة.

ويحتمل أن يقال: هي من الإكليل لأنهم يحيطون بالإنسان إحاطة الإكليل بالرأس بخلاف قرابة الولادة فإنها تذهب على الاستقامة كما قال: نسب تتابع كابراً عن كابر *** كالرمح أنبوباً على أنبوب وأيضاً فإنه  قال في آخر السورة ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة إنْ امرؤا هلك ليس له ولد  ﴾ فاحتج عمر بذلك.

والجواب أنه  حكم في تلك الآية بتوريث الإخوة والإخوات حال كون الميت كلالة.

ولا شك أن الإخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين، فيلزم أن لا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين.

وأيضاً إنه  ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات المتقدمة، ثم أتبعها ذكر الكلالة.

وهذا الترتيب يقتضي أن يكون الكلالة من عدا الوالدين والولد، ثم الكلالة قد يجعل وصفاً للمورث.

والمراد الذي يرثه من سوى الوالدين والأولاد، ويمكن أن يحمل عليه بيت الفرزدق أي ما ورثتم الملك عن الأعمام بل عن الآباء، فسمىالعم كلالة وهو ههنا مورث لا وارث.

وقد يجعل وصفاً للوارث ومنه قول جابر: "مرضت مرضاً أشفيت منه على الموت فأتاني النبي  فقلت: يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة" وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد.

ويقال: رجل كلالة وامرأة كلالة وقوم كلالة لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر كالدلالة والجلالة، وإذا جعلت صفة للوارث أو المورث كانت بمعنى ذي كلالة كما يقال: فلان من قرابتي أي من ذوي قرابتي.

ويجوز أن يكون صفة كالهجاجة والفقاقة يقال: رجل هجاجة وفقاقة كلاهما بالتخفيف أي أحمق.

وقوله  : ﴿ وإن كان رجل يورث ﴾ فيه احتمالان: الأول وهو قول عطاء والضحاك: أن يكون مأخوذاً من ورث الرجل يرث فيكون الرجل هو الموروث منه، وينتصب كلالة على الحال أو على أنه خبر "كان" و ﴿ يورث ﴾ صفة رجل.

ويجوز أن يكون مفعولاً له أي يورث لأجل كونه كلالة.

والثاني وهو قول سعيد بن جبير أن يكون مبنياً للمفعول من أورث فالرجل حينئذٍ هو الوارث، وينتصب كلالة على الوجوه المذكورة.

قيل: ما السبب في أنه قال: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ﴾ ثم قال: ﴿ وله أخ ﴾ فكنى عن الرجل ولم يكن عن المرأة؟

والجواب أنه إذا جاء حرفان في معنى واحد جاز إسناد التفسير / إلى أيهما أريد، وجاز إسناد إليهما أيضاً.

تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله أو فليصلها.

والترجيح بالتذكير للشرف معارض بالتأنيث للقرب.

وإن قلت: فليصلهما جاز أيضاً.

ولعل التوحيد والتذكير في الآية أولى إما لأن الرجال في الأحكام أصل والنساء تبع لهم، وإما بتأويل أحد المذكورين.

ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد من الأخ والأخت ههنا الأخ والأخت من الأم، ويدل عليه ما نسب إلى أبيّ وسعد بن أبي وقاص: ﴿ وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما ﴾ أي من الأخ والأخت ﴿ السدس ﴾ من غير مفاضلة الذكر على الأنثى.

هذا على الاحتمال الأوّل وهو أن الرجل مورث منه.

وأما على الاحتمال الثاني وهو أن الرجل وارث فالضمير عائد إلى الرجل وإلى واحد من أخيه أو أخته.

والمعنى مثل الأوّل، لأنك إذا قلت السدس له أو لواحد من الأخ أو الأخت على التخيير فقد سوّيت بين الذكر والأنثى.

ثم قال ﴿ فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ﴾ فبيّن أن نصيبهم كيفما كانوا لا يزداد على الثلث.

وقد يسند الإجماع إلى هذا بيانه أنه قال في آخر السورة ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة  ﴾ وأثبت للأختين الثلثين وللإخوة كل المال، وههنا أثبت للإخوة، والأخوات السدس عند الانفراد، والثلث عند الاجتماع، فعلم أن المراد من الإخوة والأخوات ههنا غير المراد من الإخوة والأخوات في تلك الآية.

فالمراد ههنا الإخوة والأخوات من الأم وهم الأخياف، وهناك الإخوة والأخوات من الأب والأم وهم الأعيان، أو من الأب وهم أولاد العلات.

فالكلالة وإن كانت عامة لمن عدا الوالد والولد إلا أنها في الآية خاصة كما بيَّنا ﴿ غير مضار ﴾ حال أي يوصي بها وهو غير مضارّ لورثته.

ومن قرأ ﴿ يوصى ﴾ مبنياً للمفعول فعامل الحال محذوف يدل عليهالمذكور أي يوصى إذا علم أن ثمة موصياً والضمير فيه وهو ذو الحال يعود إلى رجل على تقدير أنه المورث، أو إلى الميت الدال عليه سياق الكلام أي إن كان الرجل وارثاً وضرار الورثة بأن يوصي بأزيد من الثلث أو بالثلث فما دونه ونيته مضارة الورثة ومغاضبتهم وقطع الميراث عنهم لا وجه الله.

وقد يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه، أو يبيع شيئاً بثمن بخس، أو يشتري شيئاً بثمن غال، كل ذلك لئلا يصل المال إلى الورثة.

قال العلماء: الأولى بالإنسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف، ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فإن كان في المال قلة وفي الورثة كثرة لم يوص، وإن كان بالعكس أوصى على قانون العدالة, وقد روي عن عكرمة عن ابن عباس: أن الإضرار في الوصية من الكبائر، ويروى مرفوعاً وعن شهر بن حوشب عن أبي هريرة عن النبي  : " أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة فإذا أوصى وحاف في وصيته ختم له بشر عمله فيدخل النار.

وإن الرجل / ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة" وعنه " من قطع ميراثاً فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة " ﴿ وصية من الله ﴾ نصب على المصدر المؤكد أو على أنه مفعول ﴿ مضار ﴾ أي لا يضار وصية من الله وهو الثلث فما دونه بزيادته على الثلث، أو وصية من الله بالأولاد لا يدعهم عالة بإسرافه في الوصية ﴿ والله عليم ﴾ بمن جار في وصيته أو عدل ﴿ حليم ﴾ عن الجائر لا يعاجله بالعقوبة، وفيه من الوعيد ما لا يخفى.

ثم أكد الوعيد بالترغيب والترهيب فقال: ﴿ تلك حدود الله ﴾ وهو إشارة إلى جميع ما ذكر في السورة من أحكام اليتامى والوصايا والمواريث وغيرها، وهي الشرائع التي لا يجوز للمكلف أن يتجاوزها ويتخطاها إلى ما ليس له بحق.

وقوله: ﴿ ومن يطع الله ﴾ ﴿ ومن يعص الله ﴾ عام في هذه التكاليف وفي غيرها، كما أن الوالد يقبل على ولده ويؤدبه في أمر مخصوص، ثم يقول احذر مخالفتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور.

وإنما قيل: ﴿ يدخله ﴾ و ﴿ خالدين ﴾ حملاً على لفظ "من" ومعناه.

وانتصب ﴿ خالدين ﴾ و ﴿ خالداً ﴾ على الحال.

ولا يجوز أن يكونا صفتين لـ ﴿ جنات ﴾ و ﴿ ناراً ﴾ لأنهم جريا على غير من هماله، فكان يلزم حينئذٍ أن يقال: خالدين هم فيها وخالداً هو فيها.

قالت المعتزلة: الآية تدل على القطع بوعيد الفساق وخلودهم وذلك أن التعدي في جميع حدود الله محال، لأن من حدوده ترك اليهودية والنصرانية والمجوسية، والتعدي فيها هو الإتيان بجميعها وذلك محال.

فإن المراد تعدّي أي حدّ كان، ولأن الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكون المراد التعدي في هذه الحدود، وأجيب بما مر من أن ذلك مشروط عندكم بعدم التوبة، فأي مانع لنا من أن نزيد فيه شرطاً آخر وهو عدم العفو.

وبأن الآية لعلها مخصوصة بالكافر لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ أي: ومن يعص الله في كذا وفي كذا.

وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر.

نعم يخرج منه ما يخصصه دليل عقلي كما ذكرتم من استحالة الجمع بين اليهودية والنصرانية، ومما يؤكد كون الآية مخصوصة بالكافر أن قوله: ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ يفيد كونه فاعلاً للمعاصي.

فلو كان المراد من قوله: ﴿ ويتعد حدوده ﴾ أيضاً ذلك لزم التكرار فوجب حمله على الكفر.

وإن سلم أن المراد هو التعدي في حدود المواريث فلعل المراد من التعدي هو اعتقاد كونها لا على وجه الحكمة والصواب ويلزم منه الكفر والله أعلم بمراده.

قوله عم طوله: ﴿ واللاتي يأتين / الفاحشة ﴾ الآية.

وجه النظم فيه أن التغيلظ عليهم في باب الفاحشة من جملة الإحسان إليهن المأمور به في الآيات المتقدمة.

وفيه أن مدار الشرع على العدل والإنصاف والاحتراز في كل باب من طرفي التفريط والإفراط،، فلا ينبغي أن يصير الإحسان إليهن سبباً لترك إقامة الحدود عليهن.

واللاتي جمع التي وفيه لغات: اللائي بالهمزة، واللواتي واللواتي فكأنهما جمعا الجمع.

وقد تحذف الياآت من الأربعة، وقد تسهل همزة اللائي بين الهمزة والياء لكونها مكسورة لقراءة ورش ﴿ واللائي يئسن من المحيض  ﴾ وقد يقال: اللاي بياء ساكنة بعد الألف من غير همز، وقد يقال: اللوا بحذف التاء والياء معاً.

وقد يقال: اللاآت كاللامات.

قال ابن الأنباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان التي، ومن الحيوان اللاتي كقوله: ﴿ أموالكم التي جعل الله لكم قياماً  ﴾ وقال في هذه الآية ﴿ واللاتي ﴾ لأن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد بخلاف جمع الحيوان فإن كل واحد منهما متميز عن غيره بخواص وصفات.

ومن العرب من يلغي هذا الفرق.

والفاحشة الفعلة المتزايدة في القبح مصدر كالعافية.

وأجمعوا على أنها الزنا ههنا.

قال المحققون: خصص هذا العمل بالفاحشة لأن القوى البدنية نطقية وغضبية وشهوية، وفساد الأولى الكفر والبدعة وأمثالها، وفساد الثانية القتل بغير حق ونحوه، وفساد الثالثة الزنا واللواط والسحق وما أشبهها وهذه أخص الجميع.

ومعنى ﴿ من نسائكم ﴾ من زوجاتكم أو من الحرائر أو من نسائكم المؤمنات والثيبات أقوال.

﴿ فاستشهدوا عليهم أربعة منكم ﴾ احتياطاَ لأمر الزنا.

والمراد بقوله: ﴿ منكم ﴾ أي من رجالكم.

قال الزهري: مضت السنة من رسول الله  والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود فإن شهدوا مفصلاً مفسراً كقولهم: رأيناه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة، أو كالرشاء في البئر.

ولا بد مع ذلك من الوصف بالتحريم لا بمعنى عرضي كالحيض، ولا مع تحليل عالم كالمتعة، ولا بشبهة ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ خلدوهن محبوسات في بيوتكم ﴿ حتى يتوفاهن الموت ﴾ أي ملائكة الموت أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بالنكاح أو بالحد.

﴿ واللذان يأتيانها منكم ﴾ يعني الزاني والزانية أو اللائط والملوط ﴿ فآذوهما ﴾ فوبخوهما وقولوا لهما أما استحييتما أما خفتما الله أما لكما في النكاح مندوحة عن هذه؟

﴿ فإن تابا وأصلحا ﴾ وغيرا الحال ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ فاقطعوا التوبيخ والذم، أو خوطب الشهود الذين عثروا على سرهما أن يهددوهما بالرفع إلى الإمام والحد فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فأعرضوا عن العرض على الإمام.

واعلم أن للعلماء خلافاً في الآيتين.

فعن الحسن أن الثانية مقدمة في النزول.

أمروا بإيذاء الزانيين أولاً ثم أمروا بإمساك النساء في / البيوت إلى أن يتبين أحوالهن.

وقال السدي: المراد بهذه الآية البكر من الرجال والنساء، وبالآية الأولى الثيب.

وعن أبي مسلم أن الآية الأولى في السحاقات وحدّها الحبس إلى الموت إلا أن يخلصهن الله، والثاني في اللائطين وحدّهما الأذى بالقول والفعل.

والدليل على ذلك تذكير اللذان ولفظ منكم أي من رجالكم كما في قوله: ﴿ أربعة منكم ﴾ وأما الزنا من الرجل والمرأة فذلك في سورة النور وحدّه في البكر الجلد وفي المحصن الرجم، وعلى هذا لايلزم نسخ شيء من الآيات ولا تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين.

وزيف قول أبي مسلم بأنه قول لم يقل به أحد، وبأن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواطة ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية.

وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم دليل على أن الآية ليست في اللواطة.

وأجاب أبو مسلم بأنه قول مجاهد - وهو من أكابر المفسرين - على أنه بيّن في الأصول أن استنباط تأويل جديد جائز، وأيضاً كان مطلوب الصحابة معرفة حدّ اللوطيّ وكمية ذلك وليس في الآية دلالة عليه بالنفي والإثبات، ومطلق الإيذاء لا يصلح للحد.

وجمهور المفسرين على أن الآيتين في الزنا وأنهما منسوختان لما روى مسلم في كتابه عن عبادة بن الصامت "كان نبي الله  إذا أنزل عليه كرب لذلك وتربد له وجهه فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك، فلما سري عنه قال: خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" .

ثم استقر الأمر آخراً على أن البكر يجلد ويغرّب والثيب يرجم فقط.

وقيل: إن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجلد.

وعن أصحاب أبي حنيفة أن آية الحبس نسخت بالحديث، والحديث منسوخ بآية الجلد، وآية الجلد نسخت بدلائل الرجم.

وقال في الكشاف: من الجائز أن لا تكون الآية منسوخة بأن يترك ذكر الحد لكونه معلوماً بالكتاب والسنة ويوصي بإمساكهن في البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال.

وقال الشيخ أبو سليمان الخطابي في معالم السنن: إنه لم يحصل النسخ في الآية ولا في الحديث.

وذلك أن الآية تدل على أن إمساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلاً.

ثم إن ذلك السبيل كان مجملاً، فلما قال  : خذوا عني الثيب يرجم والبكر يجلد وينفى.

صار في هذا الحديث بياناً لتلك الآية لا ناسخاً لها، وصار أيضاً مخصصاً لعموم آية الجلد والله  عليم.

ثم أخبر عن المستحقين لقبول التوبة وعن المستحقين لعدم القبول فقال: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ واجبة وجوب الوعد والكرم لا وجوباً يستحق بتركه الدم ﴿ للذين يعملون السوء بجهالة ﴾ قال أكثر المفسرين: كل من عصى فهو جاهل وفعله جهالة.

ولهذا قال موسى: ﴿ أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين  ﴾ لأنه حيث لم / يستعمل ما معه من العلم بالعقاب والثواب فكأنه لا علم له.

وبهذا التفسير تكون المعصية مع العلم بأنها معصية جهالة.

وقيل: المراد أنه جاهل بعقاب المعصية.

وقيل: المراد أن يكون جاهلاً بكونها معصية لكنه يكون متمكناً من تحصيل العلم بكونها معصية، ولهذا أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته العقاب وإن كان لا يعلم كون اليهودية معصية لأنه متمكن من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنباً ومعصية، وأن النائم أو الساهي لا يستحق العقاب لأنه أتى بالقبيح غير متمكن من العلم بكونه قبيحاً.

أما المتعمد فإنه لا يكون داخلاً تحت الآية وإنما يعرف حاله بطريق القياس، وإنه لما كانت التوبة على هذا الجاهل واجبة فلأن تكون واجبة على العامد أولى لأنه عالم بقبح تلك المعصية.

أما قوله: ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ فقد أجمعوا على أن المراد من هذا القرب قبل حضور زمان الموت ونزول سلطانه ومعاينة أهواله.

وإنما كان ذلك الزمان قريباً لأن الأجل آتٍ وكل ما هو آتٍ قريب، ولأن مدة عمر اإنسان وإن طالت إذا قيست إلى طرفي الأزل والأبد كانت كالعدم، ولأن الإنسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به، وما هذا حاله فإنه يوصف بالقرب.

و"من" في ﴿ من قريب ﴾ إما لابتداء الغاية أي يجعل مبتدأ توبته من زمان قريب من المعصية، أو للتبعيض أي يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زماناً قريباً لما قلنا ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب وإلا فهو تائب من بعيد ألا ترى إلى قوله: ﴿ حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة، فبقي ما وراء ذلك في حكم القرب.

ومثله قوله  : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " والفائدة في قوله: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ بعد قوله: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ أن الأوّل إعلام بأنه يجب على الله قبولها لزوم الكرم والفضل والإحسان, والثاني إخبار بأنه سيفعل ذلك.

أو المراد بالأوّل توفيق التوبة والإعانة عليها، وبالثاني قبولها ﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأنه إنما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة والغضب والجهالة عليه ﴿ حكيماً ﴾ يجب في كرمه قبول توبتة العبد إذا تاب من قريب.

قال المحققون: قرب الموت وهو وقوعه في الشدائد بحيث يغلب على ظنه نزول الموت كما في القولنج، وفي حالة الطلق، وعند تلاطم الأمواج مع انكسار السفينة لا يمنع من قبول التوبة، بل التوبة حينئذٍ أولى بالقبول لقوله: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه  ﴾ وإنما المانع من قبوله معاينة سلطان الموت ومشاهدة أحواله وأهواله بحيث تصير معرفته بالله ضرورية كما لأهل الآخرة، وحينئذٍ يسقط التكليف عنه إذ لم يبق في يده زمام الاختيار، وأفضى الأمر إلى حد الإلجاء والإجبار.

وههنا بحث للأشاعرة وهو أن أهل القيامة لا يشاهدون إلا أنهم صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتاً، ويشاهدون أيضاً أهوال القيامة فيستدلون بها على وجود الفاعل، فكيف يكون ذلك العلم ضرورياً؟

وبتقدير كونه ضرورياً فلم يمنع ذلك صحة التكليف؟

وذلك أن العبد مع علمه الضروري بوجود الإله المثيب المعاقب قد يقدم على المعصية لعلمه بأنه كريم وأنه لا تنفعه طاعة العبد ولا يضره ذنبه وأيضا العلم النظري هو الذي لا يكون معه تجويز نقيضه، وعلى هذا فلا فرق بينه وبين الضروري ألبتة، وعلى هذا فكيف يصير النظري موجباً للتكليف، والضروري مانعاً من التكليف؟

فثبت ضعف هذا الفرق، وأنه  يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فهو بفضله وعد وقبل التوبة في بعض الأوقات، وبعدله أخبر عن عدم قبول التوبة في وقت آخر، وله أن يقلب الأمر فيجعل المقبول مردوداً والمردود مقبولاً ﴿ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون  ﴾ وأقول: التحقيق فيه أنه مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء، وقوله صدق وأمره حق، وقد عين لعبيده حالين: دنيا وعقبى.

وقد أخبر أنه جعل الدنيا دار العمل، والعقبة دار الجزاء، وليس لأحد عليه اعتراض أنه لم يعكس الأمر.

ثم إن لليقين مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، وليس ببعيد أن لا يكون عليم اليقين منافياً للتكليف، ويكون عين اليقين منافياً له.

ثم عطف قوله: ﴿ ولا الذين يموتون ﴾ على ﴿ للذين يعملون السيئات ﴾ تسوية بين الذين سوّفوا توبتهم إلى حضرة الموت، وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم لأن حضرة الموت أوّل أحوال الآخرة، فكما إن المائت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، فكذلك المسوّف إلى حضرة الموت لمجاوزة كل منهما الحد المضروب للتوبة.

أو المعنى أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت، كذلك الإيمان لا يقبل عند القريب من الموت، أو المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم.

﴿ أولئك أعتدنا لهم ﴾ أي أعددنا الوعيد نظير قوله: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ في الوعد ليتبين أن الأمرين كائنان لا محالة.

قالت الوعيدية: المعطوف مغاير للمعطوف عليه.

لكن الطائفة الثانية كفار فالأوّلون فساق لكنهما مشتركان في العذاب الأليم، فثبت أن حكمهما واحد.

وأجيب بأن ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أقرب المذكورين، ويعضده أن الكفار أشنع قولاً من الفساق، أو الطائفة الأولى هم الذين عاشوا على الكفر ثم تابوا في حضرة الموت كفرعون، والثانية هم الذين عاشوا على الكفر وماتوا عليه كنمرود مثلاً.

/ قوله  : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ من ههنا شروع في النهي عما كانوا عليه في الجاهلية من إيذاء النساء بصنوف من العذاب وضروب من البلاء وذلك أنواع: الأول قوله: ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا ﴾ وفيه قولان: أحدهما الوراثة تعود إلى المال أي لا يحل لكم أن تمسكوهن حتى ترثون أموالهن وهن كارهات لإمساككم، وثانيهما أنها ترجع إلى أعيانهن.

وكانوا إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه عليها وقال: ورثت امرأته كما ورثت ماله.

فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوّجها بغير صداق إلا الصداق الأوّل الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها من إنسان آخر وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئاً فنزلت.

النوع الثاني: ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ قال أكثر المفسرين: كان الرجل منهم يكره زوجته ويريد مفارقتها فيسيء العشرة معها ويضيق الأمر عليها حتى تفتدي منه بمالها وتختلع فنهوا عن ذلك.

وقيل: إنه خطاب للوراث بأن يترك منعها من التزوّج بمن شاءت وأرادت لتبذل امرأة الميت ما أخذت من الميراث كما كان يفعله أهل الجاهلية.

وقيل: إنه نهي للأولياء عن عضل المرأة، أو للأزواج كما مر في سورة البقرة.

قال في الكشاف: إعراب ﴿ تعضلوهن ﴾ النصب عطفاً على ﴿ أن ترثوا ﴾ ولا لتأكيد النفي.

قلت: الظاهر أنه النهي لعطف الأمر وهو قوله: ﴿ وعاشروهن ﴾ عليه وصاحب الكشاف نظر إلى ما قبله وذهل عما بعده ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ من قرأ بالفتح فلأن الفاحشة لا فعل لها في الحقيقة وإنما الله  هو الذي بينها، أو الشهود الأربعة هم بينوها.

ومن قرأ بالكسر فلأنها إذا تبينت وظهرت صارت أسباباً للبيان كقوله: ﴿ إنهن أضللن كثيراً من الناس  ﴾ لما صرن أسباباً للضلال.

ثم إنه استثناء مماذا؟

قيل: من أخذ المال أي لا يحل له أن يحبسها ضراراً لتفتدي إلا إذا زنت فحينئذٍ حل لزوجها أن يسألها الخلع.

وكان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها.

وقيل: استثناء من العضل نهوا عن حبسهن في بيوت الأولياء والأزواج إلا بعد وجود الفاحشة.

ومن هؤلاء القائلين من زعم أن هذا الحكم منسوخ بآية الجلد.

وقيل: الفاحشة هي النشوز وشكاسة الخلق أي إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فإنهم معذورون حينئذٍ في طلب الخلع.

النوع الثالث من التكاليف المتعلقة بأحوال النساء ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ وهو الإجمال في القول والإنصاف في المبيت والنفقة ﴿ فإن كرهتموهن ﴾ ورغبتم في فراقهن ﴿ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ﴾ فههنا قد يميل طبعكم إلى المفارقة ويكون الخير في الاستمرار على المواصلة، منه الثناء في الدنيا بحسن الوفاء وكرم الخلق، ومنه الثواب في العقبى بالصبر على خلاف الهوى، ومنه حصول / ولد نجيب ومال كثير لليمن في صحبتها، قال  : " الشؤم في المرأة والفرس والدار" وقيل: المعنى إن رغبتم في مفارقتهن فربما جعل الله  في تلك المفارقة لهن خيراً كثيراً بأن تتخلص من زوج سيىء العشرة وتجد زوجاً آخر أوفق منه.

النوع الرابع من التكليف ﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ﴾ وذلك أنه لما أذن في مضارتهن إذا أتين بفاحشة بين تحريم الضرار في غير حالة الفاحشة.

يروى أن الرجل منهم كان إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجته الأولى بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوّج المرأة روي يريدها فنهوا عنه.

والقنطار المال العظيم, وفيه دليل على جواز المغالاة في المهر.

روي أن عمر قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم.

فقامت امرأة وقالت: يا ابن الخطاب، الله يعطينا وأنت تمنع وتلت هذه الآية.

فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر ورجع عن ذلك.

ويحتمل أن يقال: ذكر إيتاء القنطار وارد على سبيل المبالغة والفرض لا الرخصة.

وهو في موضع الحال أي وقد آتيتم.

ومعنى الإيتاء الالتزام ووقوع العقد عليه سواء أدّى المال إليها أم لا.

واعلم أن النشوز إن كان من قبل الزوجة حل أخذ مال الخلع، وإن كان من قبل الزوج لم يحل إلا أنه يفيد الملك لو خالع، كما أن البيع وقت النداء منهي عنه، ثم إنه يفيد الملك.

﴿ أتأخذونه ﴾ استفهام بطريق الإنكار ﴿ بهتاناً ﴾ وهو أن يستقبل الرجل بأمر قبيح يقذفه به وهو بريء منه لأنه يبهت عند ذلك أي يتحير.

وفي الحديث " "إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته " وهو مصدر في موضع الحال أي باهتين وآثمين، أو على أنه مفعول له مثل: قعدت جبناً.

وقيل: بنزع الخافض أي ببهتان.

وقيل: بمضمر أي تصيبون بهتاناً.

وسبب تسيمة هذا الأخذ بهتاناً أنه  فرض لها ذلك المهر فمن استردّه فكأنه يقول ليس ذلك بفرض فيكون بهتاناً، أو أنه عند العقد تكفل بتسليم ذلك المهر إليها وأن لا يأخذه منها فإذا أخذه منها صار القول الأوّل بهتاناً أي باطلاً، أو كان من عادتهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تفتدي، فلما كان هذا الأمر واقعاً على هذا الوجه في الأغلب سيق الكلام على ذلك.

وبالحقيقة أن أخذ هذا المال طعن في ذاتها من حيث إنه مشعر بأنها قد أتت بفاحشة وقبض على مالها فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر.

وقيل: المراد عقاب البهتان والإثم كقوله: ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ناراً  ﴾ ثم عجب من الأخذ مستفهماً فقال: ﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ عن ابن عباس ومجاهد والسدي واختاره الزجاج وابن قتيبة وإليه ذهب الشافعي أن المراد بالإفضاء الجماع إذ الفضاء الساحة ويقال: أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء.

وهذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع.

وقيل: الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها وهو قول الكلبي واختاره الفراء، ويوافقه مذهب أبي حنيفة أن الخلوة الصحيحة تقرر المهر.

ورجح مذهب الشافعي بأن الكلام ورد في معرض التعجب وهو إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سبباً قريباً في حصول الألفة والمودّة وذلك هو الجماع لا مجرد الخلوة، وأيضاً الإفضاء لا بد أن يكون مفسراً بفعل ينتهي منه إليها لأن كلمة "إلى" لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليس كذلك إذا لم يحصل فعل من أفعال أحدهما إلى الآخر.

فإن قيل: على هذا يجب أن يكون التلامس والاضطجاع في لحاف واحد كافياً في تحقيق الإفضاء، وأنتم لا تقولون به؟

فالجواب أنه باطل بالإجماع إذ القائل قائلان: قائل بتفسير الإفضاء بالجماع، وقائل بتفسيره بمجرد الخلوة.

وأيضاً الشرع قد علق تقرر المهر بتحقيق الإفضاء، وقد اشتبه معناه أنه الخلوة أو الجماع فوجب الرجوع إلى ما قبل زمان الخلوة.

ومقتضى ذلك عدم تقرر المهر.

ثم أكد المنع من استرداد المهر بقوله: ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ قال السدي وعكرمة والفراء: هو قولكم زوّجتك هذه المرأة على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

ومعلوم أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فقد سرحها بالإساءة.

وقال ابن عباس ومجاهد: الميثاق الغليظ كلمة النكاح المعقودة على الصداق وإليها أشار في الحديث: " "واستحللتم فروجهن بكلمة الله " وقال آخرون: أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقاً غليظاً وصفه بالغلظ لقوّته قد قالوا: صحبة عشرين يوماً قرابة فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟

النوع الخامس من التكاليف المتعلقة بأمور النساء قوله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ قال ابن عباس وجمهور المفسرين: كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا عن ذلك.

وههنا مسألة خلافية قال أبو حنيفة: يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه، وقال الشافعي: لا يحرم.

حجة أبي حنيفة أن النكاح عبارة عن الوطء لقوله: ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره  ﴾ وبالاتفاق / لا يحصل التحليل بمجرد العقد.

ولقوله: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح  ﴾ اي الوطء لأن أهلية العقد حاصلة أبداً.

ولقوله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية  ﴾ ولقوله  : " "ناكح اليد ملعون " فيدخل في الآية المزنية لأنها منكوحة أي موطوأة.

وعورض بالآيات الدالة على أن النكاح هو العقد كقوله: ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم  ﴾ ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء  ﴾ وبقوله  : " النكاح سنتي" ولا شك أن الوطء من حيث إنه وطء ليس سنة له.

وبقوله: " "ولدت من نكاح لا من سفاح " وبأن من حلف في أولاد الزنا إنهم ليسوا من أولاد النكاح لم يحنث.

سلمنا أن الوطء سمي بالنكاح لكن العقد أيضاً مسمى به، فلم كان حمل الآية على ما ذكره أولى من حملها على ما ذكرنا مع إجماع المفسرين على أن سبب نزول الآية هو العقد لا الوطء؟

قالوا: حقيقة في الوطء مجاز في العقد لأنه في اللغة الضم، وهذا المعنى حاصل في الوطء لا في العقد.

وإنما أطلق النكاح على العقد إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، والحمل على الحقيقة أولى أو مشترك بينهما.

ويجوز استعماله في مفهوميه معاً، فتكون الآية نهياً عن الوطء وعن العقد معاً، أو لا يجوز استعماله في المفهومين فيكون نهياً عن القدر المشترك بينهما وهو الضم.

والنهي عن المشترك يكون نهياً عن القسمين، فإن النهي عن التلوين يكون نهياً عن التسويد والتبييض لا محالة، وأجيب بأنه خلاف إجماع المفسرين، وبأن استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه غير جائز، وبأن معنى الضم لا يتصوّر في العقد.

سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء ولكن ما في قوله: ﴿ ما نكح ﴾ لا نسلم أنها موصولة لأنها حقيقة في غير العقلاء وإنما هي مصدرية والتقدير: ولا تنكحوا نكاح آبائكم فإن أنكحتهم كانت بغير ولي وشهود وكانت مرفية ومهرية فنهوا عن مثل هذه الأنكحة.

قال محمد بن جرير الطبري.

سلمنا أن المراد لا تنكحوا من نكح آباؤكم ولكنا لا نسلم أن "من" تفيد العموم وإذا لم تفد العموم لم تتناول محل النزاع.

لكن لم قلتم إن النهي للتحريم لا للتنزيه؟

سلمنا أن النهي للتحريم لكن لا نسلم أنه غير صحيح لأن النهي عندكم لا يدل على الفاسد كما في البيع الفاسد وفي صوم يوم النحر.

وإذا كان منعقداً صحيحاً.

ثم إنا نستدل على جواز نكاح مزنية الأب بقوله تعالى: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن  ﴾ نهى عن نكاحهن إلى غاية نفي إيمانهن، وهذا يقتضي جواز نكاحهن بعد تلك الغاية على الإطلاق مزنية كانت أو غيرها، إلا ماأخرجه الدليل، وهكذا سائر العمومات كقوله: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم  ﴾ وكقوله  " إذا جاءكم من ترضون دينه فزوّجوه" " وقوله: " زوّجوا أبناءكم / الأكفاء" وبقوله  : " الحرام لا يحرّم الحلال" ودخول التخصيص فيه بما لو وقع قطرة من الخمر في إناء من الماء فتحرمه لا يمنع من الاستدلال به في غيره، وقد ناظر الشافعي محمد بن الحسن في هذه المسألة فوقع ختم الكلام على قول الشافعي وطء حدت به ووطء رجمت به فكيف يشتبهان؟

أما قوله  : ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ فللمفسرين فيه وجوه: أحسنها ما ذكره السيد صاحب حل العقد أنه على طريق المعنى.

فإن النهي يدل على المؤاخذة بارتكاب المنهي عنه فكأنه قيل: انتم مؤاخذون بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف قبل نزول آية التحريم فإنه معفوّ عنه.

وقال في الكشاف: هذا كما استثنى "غير أن سيوفهم" من قوله: "ولا عيب فيهم" يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فإنه لا يحل لكم غيره وذلك غير ممكن.

والغرض المبالغة في تحريمه كقوله: ﴿ حتى يلج الجمل في سم الخياط  ﴾ وقولهم: حتى يبيض القار.

وقيل: استثناء منقطع لأنه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل.

والمعنى لكن ما قد سلف فإن الله قد تجاوز عنه.

وقيل: "إلا" بمعنى"بعد" كقوله: ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى  ﴾ أي بعد موتتهم الأولى.

وقيل: إلا ما قد سلف فإنكم مقرّون عليه.

قالوا: إنه  أقرهم عليهن مدة ثم أمر بمفارقتهن وإنما فعل ذلك ليكون صرفهم عن هذه العادة على سبيل التدريج.

وزيف بعضهم هذا القول وقال ما أقرّ أحداً على نكاح امرأة أبيه وإن كان في الجاهلية.

وروي "أنه  بعث أبا بردة إلى رجل عرّس بامرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله" إنه أي إن هذا النكاح كان قبل النهي فاحشة، أعلم الله  أن هذا الفعل كان أبداً ممقوتاً عند العرب، وهذا النكاح بعد النهي فاحشة في الإسلام لأنه كان في علم الله وحكمه موصوفاً بهذا الوصف، والمقت عبارة عن بغض مقرون باستحقار.

حصل ذلك بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه، وهو من الله  في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار.

قال بعضهم: مراتب القبح ثلاث: في العقول وفي الشرع وفي العادة.

فالفاحشة إشارة إلى القبح العقلي لأن زوجة الأب تشبه الأم، والمقت إشارة إلى القبح الشرعي.

﴿ وساء سبيلاً ﴾ إشارة إلى القبح العادي وساء فعل ذم وفاعله ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده والله  أعلم.

التأويل: الوراثة الدينية أيضاً سبب ونسب.

فالسبب هو الإرادة بلبس خرقة المشايخ والتشبه بهم، والنسب هو الصحبة معهم بالتسليم لتصرفات ولا يتهم ظاهراً وباطناً مستسلماً لأحكام التسليل والتربية ليتولد السالك بالنشأة الثانية من صلب ولايتهم.

ومن هنا قال  : / " الأنبياء إخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد " وإنما يتوارث أهل الدين على قدر تعلقاتهم السببية والنسبية والذكورة والأنوثة في الجدّ والاجتهاد وحسن الاستعداد وبتوارثهم العلوم الدينية واللدنية كقوله  : " العلماء ورثة الأنبياء " وقول موسى للخضر ﴿ هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً  ﴾ ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ هي النفوس الأمارات بالسوء ﴿ فاستشهدوا عليهم أربعة منكم ﴾ أي من خواص العناصر الأربعة التي أنتم منها مركبون وهي التراب ومن خواصه الخسة والذلة، والماء ومن خواصه اللين والأنوثة والشرة، والهواء ومن خواصه الحرص والحسد والبخل والشهوة، والنار ومن خواصها الكبر والغضب وحب الرياسة ﴿ فإن شهدوا ﴾ بأن يظهر بعض هذه الصفات من النفوس ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ في سجن الدينا وأغلقوا عليهم أبواب الحواس الخمس حتى تموت النفس بالانقطاع عن حظوظها دون حقوقها ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بانفتاح روزنة القلوب إلى عالم الغيب ﴿ واللذان يأتيانها ﴾ أي النفس والقالب يأتيان من الفواحش ظاهراً في الأعمال وباطناً في الأحوال والأخلاق ﴿ فأذوهما ﴾ ظاهراً بالحدود وباطناً بالرياضات وترك الحظوظ ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ باللطف بعد العنف، وباليسر بعد العسر ﴿ بجهالة ﴾ أي بصفة الجهولية وهي داخلة في الظلومية لأن لا ظلومية تقتضي المعصية والإصرار عليها، والجهولية تقتضي المعصية فحسب.

فالعمل السوء إذا كان مصدره الجهولية فحسب يكون على عقيبة التوبة كما قال: ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ أي عقيب المعصية.

قال  : " أتبع السيئة السنة تمحها" " والحسنة التوبة.

ويحتمل أن يقال: من قريب أي قبل أن يموت القلب بالإصرار فإن الله لا يقبل التوبة من قلب ميت لأنها تكون اضطرارية باللسان لا اختيارية بالجنان ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ فيه إشارة إلى النهي عن التصرف في السفليات التي هي الأمهات المتصرفة فيها آباؤكم العلوية ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ من التدبير الإلهي في ازدواج الأرواح لضرورة اكتساب الكمالات، فإن الركون إلى العالم السفلي يوجب مقت الحق والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ ﴾ كذا؛ أي: توفيق التوبة وهدايته على الله -  وتعالى - إذا كانت نفسه ترغب فيها، وتميل إليها على الله أن يوفقه على ذلك؛ إذا علم الله منه أنه يتوب.

ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ ﴾  وتعالى أي: قبول التوبة على الله -  - إذا تاب ورجع عما كان فيه وارتكبه.

وفي قوله - أيضاً -: ﴿ إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ لمن ذكر، يحتمل قبولها بمعنى أن الذي لا يُسَوِّفُ التوبة ولا ينتظر بها وقت المنع عن ركوب ما عنه يتوب والإياس من إمكان العود إلى ما عنه يتوب، فالله يقبلها إذا كان ذلك دأبه وعادته.

وإن بلغ هو ذلك الضيق بأمر دفع إليه، أو كان يتوب من قريب من الذنب بألا يستخف به؛ فيترك الرجوع؛ لقلة مبالاته به، فلا يقبلها ممن هذا وصف توبته، وحال استخفافه بالذنب.

والثاني: أن يكون توفيق التوبة والهداية إليه ممن يفزعه ذنبه ويبعثه على الرجوع إلى الله، والتعرض لرحمته وإحسانه، ولا يوفق من لا يبالي بالذي يذكر ولا يتضرع إليه.

وقيل: الأول في الصغائر، والثاني في الكبائر، والثالث في الكفر: بأن صاحب الصغيرة أرق قلباً وأخص ذكراً له ورجوعاً إلى ربه، وصاحب الكبيرة أقسى قلباً من الأول وأظلم، فهو لا يندم إلا بعد شدة، وبعد طول المحنة وضيق القلب، فليس على الله قبول توبة من يتوب في تلك الحال، ولا توبة من بان منه ما يأمله بالذي عليه قبول ذلك، ولكن بفضله وبرحمته يقبل ويوفق له بما كان منه من الخيرات والحسنات التي هُنَّ أسباب التقريب إلى الله -  وتعالى - والكافر لا يقبلها؛ إذ هو لا يتوب حتى يموت؛ فيستيقن بالعذاب، والله أعلم.

ويحتمل أن تكون هذه الأجرة في الكفار؛ فيكون فيهم من يظهر التوبة عند الضرورة والدفع إلى الحال التي يزول عنه وسع الإمكان، ويأنس من الإمهال؛ ليصل إلى ما كان له يذنب، فالله لا يقبل توبته؛ إذ ليست في الحقيقة تَوْبَةُ مَمكَّنٍ، بل توبة مضطر، وتوبة دفع ما حل به، إذ هو وقت يشغل عن الاستدلال، وعن الوقوف على الأسباب من جهة التأمُّل والنظر، ولا يرى غير الذي أقبل عليه يظن أن له الخلاص بالذي يبدّل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ﴾ .

هذا - أيضاً - يحتمل وجهين: يحتمل جهل الفعل؛ فيقع فيه من غير قصد.

ويحتمل: قصد الفعل، والجهل بموقع الفعل.

والعمل بجهالة يخرَّج على وجوه: يكون عن غلبة: تغلب عليه شهوته؛ فيعمل ذلك العمل على طمع منه أنه سيتوب من بعد، ويصير رجلاً صالحاً؛ على ما فعل إخوة يوسف، حيث قالوا: ﴿ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ  ﴾ ثم سماهم جهلة بذلك في آية أخرى، حيث قال لهم: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ  ﴾ .

ويحتمل العمل بالجهالة: هو أن يعمل على طمع المغفرة، ويتكل على رحمة الله وكرمه.

ويحتمل العمل بالجهالة: جهالة عقوبة عمله على ذلك.

وكذلك الخطأ والنسيان على وجهين: خطأ الفعل: وهو الذي ليس بصواب ولا رشد.

وخطأ القصد عمد الفعل: وهو الذي قصد أحداً فأصاب غيره.

والنسيان على وجهين - أيضاً -: نسيان ترك: وهو الذي يجوز أن يضاف إلى الله -  وتعالى - بحال؛ كذلك الجهالة، والله أعلم.

والأصل في الشيء المنسي أنه متروك، فسمي المتروك من الرحمة والكرامة منسيّاً؛ فتجوز الإضافة إلى الله -  - من هذا الوجه.

وقيل: نزل قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ...

﴾ الآية - في المؤمنين.

وقوله: ﴿ وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ...

﴾ إلى آخر الآية، في الكافرين.

وقيل: إنهما جميعاً في المؤمنين، والثالثة في الكفار.

وقيل: إن الأولى في المؤمنين، والثانية في المنافقين، والثالثة: في الكفار.

وعن عمر [بن الخطاب] -  - قال: إن الله -  - يقبل توبة العبد ما لم يغرغر.

ورُوي عن النبي  قال: "مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تُغَرْغِرَ نَفْسُهُ وَيُعَايِنَ المَلاَئِكَةَ قَبِلَ اللهُ تَوْبَتَهُ" والأصل في هذا أن توبة الكافر تقبل إذا كان توبته توبة اختيار، وأمّا إذا كانت توبته توبة اضطرار ودفع فإنها لا تقبل أبداً؛ كقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ  ﴾ إذا كان إيمانه إيمان دفع واضطرار عند معاينة العذاب فإنه لا يقبل أبداً، وهو - أيضاً - كإيمان فرعون، وحيث قال: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ...

﴾ الآية [يونس: 90] لم يقبل إيمانه؛ لأنه إيمان دفع واضطرار؛ فعلى ذلك كل إيمان كان إيمان دفع واضطرار فإنه لا يقبل أبداً، وكقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ  ﴾ .

وقيل: قوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ...

﴾ توبة تشريط، فلم تقبل؛ لأنه لم يقطع القول فيه قطعا.

وقيل: في قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ ﴾ هم الذين يتوبون عند معاينتهم الموت؛ أخبر أنه لا يقبل توبتهم؛ لأنهم يتوبون توبة دفع واضطرار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ لا تقبل توبتهم، لأنهم يتوبون في الآخرة؛ دفع العذاب عن أنفسهم؛ كقوله  : ﴿ مَآ أَشْرَكْنَا  ﴾ و ﴿ مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنما يقبل الله توبة الذين أقدموا على ارتكاب الذنوب والمعاصي بجهل منهم لعاقبتها وشؤمها -وهذا شأن كل مرتكبِ ذنبٍ متعمدًا كان أو غير متعمد- ثم يرجعون منيبين إلى ربهم قبل معاينة الموت، فأولئك يقبل الله توبتهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، وكان الله عليمًا بأحوال خلقه، حكيمًا في تقديره وتشريعه.

<div class="verse-tafsir" id="91.r0gy2"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

ذكر في الآية السابقة التوبة وبيّن في هذه الآية حكمها وحالها ترغيبًا فيها وتنفيرًا عن المعصية بما شدد في شرط قبولها، وفيه إرشاد لأولياء الأمر إلى الطريق الذي يسلكونه مع العصاة في معاقبتهم وتأديبهم، فإنه فرض في الآية السابقة معاقبة أهل الفواحش، وأمر بالإعراض عمن تاب بشرط إصلاح العمل، وكأن هذه الآية شرح لذلك الإصلاح، أي إن تابوا مثل هذه التوبة فأعرضوا عنهم وكفوا عن عقابهم.

ويذكرون ههنا مسألة الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة في وجوب الصلاح عليه تعالى والقول الفصل في ذلك: أن قبول هذه التوبة على الله تعالى ليس بإيجاب موجب له سلطة يوجب بها على الله، تعالى الله عن ذلك!

وإنما ذلك من جملة الكمال الذي أوجبه تعالى على نفسه بمشيئته واختياره، وهذه العبارة وأمثالها مما ظاهره وجوب بعض الأشياء على الله قد جاءت على طريق العرب في التخاطب، ولا يفهم منها إلا أن ذلك واقع ما له من دافع، ولكن بإيجاب الله تعالى له، ولا يمكن أن يظن عاقل أن قانونًا يحكم على الألوهية، فجعل الخلاف في هذه المسألة لفظيًا ظاهرًا لا تكلف فيه.

والسوء هو العمل القبيح، والجهالة تصدق بمعنى السفاهة وبمعنى الجهل الذي هو ضد العلم فالسفاهة إنما سميت سفاهة لأن صاحبها يجهل عاقبتها الرديئة أو يجهل مصلحة نفسه.

وقال بعضهم: المراد بالجهالة هنا العصيان والمخالفة، وعبر عن ذلك بالجهالة لبيان قبحه ولتضمنه للجهالة وتنزيل المعاصي منزلة الجاهل بمصلحة نفسه.

وقال بعضهم: إن المراد بها عدم العلم التام بمقدار ما يترتب على عمل السوء من العقاب، لا تعمد العصيان، وذلك أن ناقص العلم بحقيقة الذنوب ووجه ترتب العقاب عليه ودرجة ذلك العقاب وتحتمه يقع في الذنب، ويعمل السوء باختياره غير مغلوب على أمره وهو يظن أنه عمل ما فيه الخير والنفع لنفسه، كاللص يعلم أن السرقة محرمة ولكنه لا يعلم أن العقاب عليها حتى لأن عنده احتمالات من العلم الناقص تشككه فيما ورد من وعيد السارق كشفاعة الشفعاء من المشايخ والجيران الصالحين، وكاحتمال العفو والمغفرة، وكالمكفرات، فإذا عرض له شيء يسرقه وتذكر الوعيد على السرقة ينتصب في ذهنه ميزان الترجيح بين الانتفاع العاجل بما يسرقه، والعقاب الآجل على هذه المعصية فإذا عرض له الشك في العقاب رجحت كفة داعية السرقة لأن الانتفاع بالمسروق يقيني، والعقاب عليه مشكوك فيه.

وهكذا شأن الإنسان في جميع الأعمال الاختيارية لا يمكن أن يأتي شيئًا منها إلا إذا كان يعتقد نفعه له ورجحانه على مقابله إن خطر في باله المقابل، فعلم من هذا أن عمل السوء لا يمكن أن يصدر من الإنسان إلا مع التلبس بالجهل، وعدم إقامة الميزان القسط في الترجيح بين الفعل والترك، فهو لا يرتكب المعصية إلا جهلًا بحقيقة الوعيد، أو متأولًا له بمثل ما أشرنا إليه من انتظار الشفاعة والمغفرة، أو مغلوبًا بشهوة أو غضب، فإذا زالت الجهالة عن قريب فتاب كانت توبته مقبولة حتمًا، واختلفوا فيالزمن القريب: فعن ابن عباس وغيره هو أن يتوب في حال الصحة والأمل في الحياة، وعن ابن جرير هو أن يتوب وهو مدرك يعقل، وأشهر الأقوال أن يتوب قبل الغرغرة.

إن من كان قوي الإيمان بحيث لا تقع المعصية منه إلا عن بادرة غضب أو شهوة، أو جهل بأنها معصية تستوجب العقوبة، فهو من أولئك الذين لا يقع منهم عمل السوء إلا هفوة بعد هفوة، ولا يلبثون أن يبادروا إلى التوبة، ولذلك ذكر السوء مفردًا وقال فيمن لا تقبل توبتهم: ﴿ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ  ﴾ بالجمع فأشعرنا أن التوبة إنما تقبل حتمًا ممن تقع الذنوب منهم أفذاذًا، ويلم واحدهم بها إلمامًا، ولكنه لا يصر عليها، بل يبادر إلى التوية منها، ثم قد يطوف به بعد التوبة طائف آخر من الشيطان، فيعود ثانية إلى العصيان، ويتبعه التوبة والإحسان، فلا تتمكن من نفسه ظلمة المعصية، ولا تحيط به الخطيئة، فالصواب أن يفسر قوله تعالى: ﴿ مِنْ قَرِيبٍ  ﴾ بالقرب من زمن الذنب وهو المتبادر من اللفظ عند أهل اللغة، والذنب التائب أحد رجلين: رجل عارف بتحريم الذنب ولكن تلم به تلك الجهالة، التي تحدث الرعونة في الإرادة، فيقع في الذنب ثم يثوب إليه علمه فيؤثر في نفسه فيتوب، ورجل وقع في الذنب وهو لا يعلم أنه محرم، ولكنه على جهله ببعض أمور الدين ليس راضيًا بجهله، ولا مهملًا لأمر دينه، بل هو يبحث ويسأل ويتعلم فلا يطول عليه الأمد حتى يعلم أن ما كان ألم به محرم فيتوب منه حالًا.

فكل من هذين يصدق عليه أنه تاب من قريب، فالقرب ليس له حد محدود وإنما هو أمر نسبي فمن أصر على عمل السوء زمنًا طويلًا لجهله بأنه معصية محرمة ثم علم فتاب فلا شك أن الله تعالى يقبل توبته وقد يصدق عليه أنه تاب من قريب بالنسبة إلى زمن العلم.

إنهم يقسمون التائبين إلى طبقات، ويقولون: إن الإنسان عريق في الشر كأنه عجن بطينته، ذلك أن الشهوات الحيوانية تسبق فيه الشهوات العقلية، فهو يألف الشهوات أولًا ثم يجيء العقل ليضع لتلك الشهوات النظام والقوانين، والعلم بما شرع فيها من هداية الدين، ومجاهدة النفس على امتثال الأوامر واجتناب النواهي، فكل إنسان له هفوة قبل أن يستحصف العقل، ويفقه أسرار النقل، فمن الناس من هو كبير النفس عالي الاستعداد إذا وقع في الخطيئة مرة، كان له أكبر عبرة، وهو لا يقع فيها إلا وهو غافل عن عواقبها، ومصورًا إياها بصورة أحسن من صورتها، وأنتم تعلمون أن الإنسان لا يعرف مقدار الشيء قبل الدخول فيه، فإذا ألّم العاقل السليم الفطرة بالذنب وذاق لذاته عرف حقيقته وعند ذلك يعود إليه علمه الذي حجبته عنه الشهوة، ويقوى في نفسه ما كان ضعف نور البصيرة، فيوازن بين هذه اللذة، وبين قبح المعصية، وما لها من سوء العاقبة، فيظهر له من مهانة نفسه وسوء اختياره، ما عسى أن يصير إليه أمره إذا عاد إلى ذلك واعتاده وعرف به، فيندم ويقلع عن هذا الذنب وعن غيره، ويحمل نفسه على الفضيلة، ويصرفها عن كل رذيلة.

ومن الناس من تكون داعية الشهوة أقوى في نفوسهم وأرسخ فكلما أطاعوها في معصية قامت الخواطر الإلهية تحاربها بلوم صاحبها وتوبيخه حتى تنتصر عليها وتقهرها قهرًا لا تقوم لها بعده قائمة، وهؤلاء يعدون من التوابين أيضًا، ومنهم فرقة تقوى بالمجاهدة على اجتناب كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم فتكون الحرب في نفوسهم سجالًا بين ما يلمون به من الصغائر، وبين الخواطر الإلهية التي هي جند الإيمان.

وكثير من الناس يقع في الذنب فيتوب ويستغفر، ثم يعرض له مرة أخرى فيعود إليه، ثم يلوم نفسه ويندم ويستغفر وهلم جرا، فهؤلاء في أدنى طبقات التوابين، والنفس الباقية أرخص عندهم من الفانية، وهم مع ذلك محل للرجاء لأن لهم زاجرًا من أنفسهم يذكرهم دائمًا بالرجوع إلى الله تعالى عقب كل خطيئة فيوشك أن يقوى هذا الزاجر المذكر على الشهوات المزينة للخطيئة، فإن كل تكرار الإثم يزيد الشهوة ضراوة والنفس جرأة فتكرار تذكير العلم الصحيح يحدث فيها ألمًا يقاوم تلك الضراوة بتقريع النفس وتحقيرها وتصوير سوء العاقبة لها، فتكون الحرب سجالًا، وأثر الآلام في النفس أقوى من أثر اللذات فإما أن تنتصر الخواطر والزواجر الإلهية بذلك فيلحق صاحب هذه النفس ببعض تلك الطبقات التي صحت توبتها، وإما أن تنكسر أمام جند الشهوة حتى تحيط بصاحبها الخطيئة فيكون من المصرين الهالكين.

ثم قال تعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ  ﴾ أشار إليهم بعد حصر التوبة المقبولة لهم لتأكيد ذلك الحصر، ولاستحضارهم في الذهن عند الحكم، حتى لا يخطر في بال القارئ والسامع إشراك غيرهم معهم فيه، وضمن التوبة معنى العطف أي يعطف عليهم بقبول توبتهم، ويعود برحمته عليهم.

﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا  ﴾ إن مثل هذا كان معهودًا في الأديان السابقة، وذلك أن الأمم استثقلت التكاليف لجهلها بفائدتها ففسقت عن أمر ربها واتبعت أهواءها وجعلت حظها من الدين بعض الأذكار والأوراد السهلة التي لا تمنعها من شهواتها وأهواءها شيئًا، فصار الدين عند أكثرهم عبارة عن حركات لسانية وبدنية لا تهذب خلقًا ولا تصلح عملًا، وقد اتبع الكثيرون مناسبتهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع ﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا  ﴾ .

بعد ما بيّن تعالى حال من ضمن قبول توبتهم قال مبينًا حال من قطع بأنه ليس لهم توبة مقبولة عنده ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ  ﴾ قال تعالى في الآية السابقة ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ  ﴾ لم يقل هنا "وليست التوبة على الله" إلخ، وذلك أنه ليس المراد نفي القطع بقبول توبتهم، وإنما المراد نفي وقوع التوبة الصحيحة منهم وأنه ليس من شأنها أن تكون لهم، ولو نفي كونها مما أوجبه تعالى على نفسه لكان المعنى أنها غير واجبة لهم ولا مقطوع بقبولها منهم ولكنهم قد ينالونها.

وقال هناك ﴿ يَعْمَلُونَ السُّوءَ  ﴾ وههنا ﴿ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ  ﴾ والجمع ههنا يعم جمع أفراد النوع الواحد من المعاصي التي تكون بالإصرار والتكرار، فالمصر على ذنب واحد من الذين يعملون السيئات حتمًا، ويعم جمع الأنواع المختلفة منها.

وقال هناك ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ  ﴾ فأسند التوبة إليهم وقال ههنا ﴿ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ  ﴾ فبيّن أن واحد هؤلاء يدعي التوبة عند العلم بالعجز عن الذنب، أي أن قلبه لم ينخلع من الذنب ونفسه لم ترغب عنه فيكون تائبًا.

وإنما مثله كمثل رجل كان يعيث في أرض آخر فسادًا فظفر به هذا ووضع السيف على عنقه وأراد أن يفصل رأسه عن بدنه فاستغاث وقال: إنه لا يعود إلى ذلك الإفساد، ولكن نفسه لم تنفر منه ولم تستقبحه لأنه فساد، فهي إذا زال الخوف تعود إلى الدعوة إليه، ولا تلقى من صاحبها إلا الطاعة والانقياد، ولهذا قيد القول بكلمة "الآن" والآنية تنافي الاستمرار الذي دل عليه المضارع "يتوبون" هناك.

ومن هنا يمكننا أن نميز الحق من بين تلك الأقوال التي رووها في حضور الموت كقولهم إن المراد به حال الحشرجة أو الغرغرة أو ذهاب التمييز والإدراك، ومن كان في مثل هذه الأحوال لا يصدر عنه قول.

والمختار أن المراد بحضور الموت هو تحقق وقوعه واليأس من الحياة، و "حتى" ابتدائية وما بعدها غاية لما قبلها، أي ليست التوبة للذين يعملون السيئات منهمكين فيها إلى حضور موتهم وصدور ذلك القول منهم.

إنهم يرون هنا أحاديث في قبول توبة العبد ما لم يغرغر أو تبلغ روحه الحلقوم، وإني أوافقهم على ذلك إذا حصلت التوبة بالفعل، بأن أدرك المذنب قبح ما كان عمله من السيئات وكرهه وندم على مزاولته وزال ميله إليه من قلبه بحيث لو عاش لما عاد إليه.

وما كل تصور لقبح الذنب أو تصديق بقبحه وضرره يكون سببًا لتركه فإن للتصورات والتصديقات مراتب لا يعتد منها في باب العلم النافع إلا بالقوي الذي يترتب عليه العمل لرجحانه على مقابله.

وإليكم مثلًا للتصديق المرجوح، فأنا أصدق ما قاله الأطباء لي أن صوتي يضره الحامض، وقد أيدت التجربة ذلك، وأنا مع ذلك لا أعده علمًا يقينًا تامًا لأنه مغلوب بعلم وجداني أقوى منه وهو ما ألفت النفس من إدراك لذة الحامض وطلب الطبيعة له، ولو كان علمًا تامًا لما تناولت الحامض في بعض الأوقات، فإن العلم الحقيقي هو الذي يحكم على الإرادة ويصرفها في العمل فلا تجد عن طاعته مصرفًا.

وهذا المعنى هو الذي أدركه الصوفية إذ قالوا إن الاعتقاد أو الإدراك لا يكون علمًا صحيحًا نافعًا يثيب الله عليه إلا إذا صار ذوقًا، ويعنون بصيرورته ذوقًا أن يصير وجدانًا للنفس يمتزج بها ويكون هو الحاكم عليها.

فليت شعري هل يحدث للمُصِرّ على السيئات المستأنس بها في عامة أيام الحياة مثل هذا الوجدان لقبحها وكراهتها قبل الموت من حيث أنها مدنسة للنفس، مبعدة لها عن منازل الأبرار؟

أم الذي يحصل له هو إدراك العجز عنها واليأس منها وكراهة ما يتوقعه من قرب العقاب عليها بالموت الذي يكون من ورائه نزول الوعيد به؟

وهل يسمى هذا الأخير توبة من الذنب، ورجوعًا إلى ما يرضاه الرب؟

الله أعلم بالسرائر، وإنما يجازي الناس بحسب ما يعلم، وعلينا أن نأخذ بالأحوط والأسلم.

قال تعالى: ﴿ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ  ﴾ إن المراد بالكفر هنا ما هو دون الشرك، وعدم تصديق دعوة النبوة وهو استعمال معروف في القرآن وصرح به بعض العلماء الأعلام وقالوا إنه يوجد كفر دون كفر، وبه فسر أبو حامد الغزالي الحديث الصحيح: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"، فقد بيّن أن ما يجب الإيمان به قسمان: قسم يجب أن يعلم لذاته ولا يتعلق به عمل كالإيمان بوجود الله ووحدانيته وسائر ما وصف به نفسه، وبالوحي وصدق الرسل عليهم الصلاة والسلام.

وقسم يجب أن يعلم ليعمل به كالإيمان بالفرائض وكون أدائها من أسباب رضوان الله، ومثوبته وبتحريم المحرمات وكون اقترافها من أسباب سخطه تعالى وعقابه، أي فوق ما في الفرائض من إصلاح النفس وحال الاجتماع، وما في المحرمات من الضرر في الأفراد والجمعيات.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده