الآية ١٧٦ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٧٦ من سورة النساء

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌۭ وَلَهُۥٓ أُخْتٌۭ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةًۭ رِّجَالًۭا وَنِسَآءًۭ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ ١٧٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 150 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧٦ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧٦ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال البخاري : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق قال : سمعت البراء قال : آخر سورة نزلت : " براءة " ، وآخر آية نزلت : ( يستفتونك ) .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن محمد بن المنكدر قال : سمعت جابر بن عبد الله قال : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا مريض لا أعقل ، قال : فتوضأ ، ثم صب علي - أو قال صبوا عليه - فعقلت فقلت : إنه لا يرثني إلا كلالة ، فكيف الميراث ؟

قال : فنزلت آية الفرائض .

أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة ، ورواه الجماعة من طريق سفيان بن عيينة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر ، به .

وفي بعض الألفاظ : فنزلت آية الميراث : ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ) الآية .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد ، حدثنا سفيان وقال ابن الزبير قال - يعني جابرا - : نزلت في : ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ) .

وكأن معنى الكلام - والله أعلم - ( يستفتونك ) : عن الكلالة قل : الله يفتيكم فيها ، فدل المذكور على المتروك .

وقد تقدم الكلام على الكلالة واشتقاقها ، وأنها مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه ; ولهذا فسرها أكثر العلماء : بمن يموت وليس له ولد ولا والد ، ومن الناس من يقول : الكلالة من لا ولد له ، كما دلت عليه هذه الآية : ( إن امرؤ هلك ) [ أي مات ] ( ليس له ولد ) .

وقد أشكل حكم الكلالة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال : ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه : الجد ، والكلالة ، وأبواب من أبواب الربا .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن معدان بن أبي طلحة قال : قال عمر بن الخطاب : ما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة ، حتى طعن بأصبعه في صدري وقال : " يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء " .

هكذا رواه مختصرا وقد أخرجه مسلم مطولا أكثر من هذا .

طريق أخرى : قال [ الإمام ] أحمد : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا مالك - يعني ابن مغول - سمعت الفضل بن عمرو ، عن إبراهيم ، عن عمر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة ، فقال : " يكفيك آية الصيف " .

فقال : لأن أكون سألت النبي صلى الله عليه وسلم عنها أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم .

وهذا إسناد جيد إلا أن فيه انقطاعا بين إبراهيم وبين عمر ، فإنه لم يدركه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا أبو بكر ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الكلالة ، فقال : " يكفيك آية الصيف " .

وهذا إسناد جيد ، رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي بكر بن عياش ، به .

وكأن المراد بآية الصيف : أنها نزلت في فصل الصيف ، والله أعلم .

ولما أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى تفهمها - فإن فيها كفاية - نسي أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن معناها ; ولهذا قال : فلأن أكون سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا جرير عن الشيباني ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن المسيب قال : سأل عمر بن الخطاب النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة ، فقال : " أليس قد بين الله ذلك ؟

" فنزلت : ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ] ) الآية .

وقال قتادة : ذكر لنا أن أبا بكر الصديق [ رضي الله عنه ] قال في خطبته : ألا إن الآية التي أنزلت في أول " سورة النساء " في شأن الفرائض ، أنزلها الله في الولد والوالد .

والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم .

والآية التي ختم بها " سورة النساء " أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم ، والآية التي ختم بها " سورة الأنفال " أنزلها في أولي الأرحام ، بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ، مما جرت الرحم من العصبة .

رواه ابن جرير .

ذكر الكلام على معناها وبالله المستعان ، وعليه التكلان : قوله تعالى : ( إن امرؤ هلك ) أي : مات ، قال الله تعالى : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) [ القصص : 88 ] كل شيء يفنى ولا يبقى إلا الله ، عز وجل ، كما قال : ( كل من عليها فان .

ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) [ الرحمن : 26 ، 27 ] .

وقوله : ( ليس له ولد ) تمسك به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد ، بل يكفي في وجود الكلالة انتفاء الولد ، وهو رواية عن عمر بن الخطاب ، رواها ابن جرير عنه بإسناد صحيح إليه .

ولكن الذي رجع إليه هو قول الجمهور وقضاء الصديق : أنه من لا ولد له ولا والد ، ويدل على ذلك قوله : ( وله أخت فلها نصف ما ترك ) ولو كان معها أب لم ترث شيئا ; لأنه يحجبها بالإجماع ، فدل على أنه من لا ولد له بنص القرآن ، ولا والد بالنص عند التأمل أيضا ; لأن الأخت لا يفرض لها النصف مع الوالد ، بل ليس لها ميراث بالكلية .

وقال الإمام أحمد : حدثنا الحكم بن نافع ، حدثنا أبو بكر بن عبد الله ، عن مكحول وعطية وحمزة وراشد ، عن زيد بن ثابت : أنه سئل عن زوج وأخت لأب وأم ، فأعطى الزوج النصف والأخت النصف .

فكلم في ذلك ، فقال : حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بذلك .

تفرد به أحمد من هذا الوجه ، وقد نقل ابن جرير وغيره عن ابن عباس وابن الزبير أنهما كانا يقولان في الميت ترك بنتا وأختا : إنه لا شيء للأخت لقوله : ( إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ) قال : فإذا ترك بنتا فقد ترك ولدا ، فلا شيء للأخت ، وخالفهما الجمهور ، فقالوا في هذه المسألة : للبنت النصف بالفرض ، وللأخت النصف الآخر بالتعصيب ، بدليل غير هذه الآية وهذه نصب أن يفرض لها في هذه الصورة ، وأما وراثتها بالتعصيب ; فلما رواه البخاري من طريق سليمان ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، قال : قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : النصف للابنة ، والنصف للأخت .

ثم قال سليمان : قضى فينا ولم يذكر : على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وفي صحيح البخاري أيضا عن هزيل بن شرحبيل قال : سئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابنة ابن وأخت ، فقال : للابنة النصف ، وللأخت النصف ، وأت ابن مسعود فسيتابعني .

فسئل ابن مسعود - وأخبر بقول أبي موسى - فقال : لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ، أقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم للابنة النصف ، ولابنة الابن السدس ، تكملة الثلثين ، وما بقي فللأخت ، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود ، فقال : لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم .

وقوله : ( وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ) أي : والأخ يرث جميع ما لها إذا ماتت كلالة ، وليس لها ولد ، أي : ولا والد ; لأنه لو كان لها والد لم يرث الأخ شيئا ، فإن فرض أن معه من له فرض ، صرف إليه فرضه ; كزوج ، أو أخ من أم ، وصرف الباقي إلى الأخ ; لما ثبت في الصحيحين ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألحقوا الفرائض بأهلها ، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر " .

وقوله : ( فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ) أي : فإن كان لمن يموت كلالة ، أختان ، فرض لهما الثلثان ، وكذا ما زاد على الأختين في حكمهما ، ومن هاهنا أخذ الجماعة حكم البنتين كما استفيد حكم الأخوات من البنات ، في قوله : ( فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ) .

وقوله : ( وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ) .

هذا حكم العصبات من البنين وبني البنين والإخوة إذا اجتمع ذكورهم وإناثهم ، أعطي الذكر مثل حظ الأنثيين .

وقوله : ( يبين الله لكم ) أي : يفرض لكم فرائضه ، ويحد لكم حدوده ، ويوضح لكم شرائعه .

وقوله : ( أن تضلوا ) أي : لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان .

( والله بكل شيء عليم ) أي : هو عالم بعواقب الأمور ومصالحها وما فيها من الخير لعباده ، وما يستحقه كل واحد من القرابات بحسب قربه من المتوفى .

وقد قال أبو جعفر بن جرير : حدثني يعقوب ، حدثني ابن علية ، أنبأنا ابن عون ، عن محمد بن سيرين قال : كانوا في مسير ، ورأس راحلة حذيفة عند ردف راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورأس راحلة عمر عند ردف راحلة حذيفة .

قال : ونزلت : ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ) فلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة ، فلقاها حذيفة عمر ، فلما كان بعد ذلك سأل عمر عنها حذيفة فقال : والله إنك لأحمق إن كنت ظننت أنه لقانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيتكها كما لقانيها ، والله لا أزيدك عليها شيئا أبدا .

قال : فكان عمر [ رضي الله عنه ] يقول : اللهم إن كنت بينتها له فإنها لم تبين لي .

كذا رواه ابن جرير .

ورواه أيضا عن الحسن بن يحيى ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين كذلك بنحوه .

وهو منقطع بين ابن سيرين وحذيفة ، وقد قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزار في : حدثنا يوسف بن حماد المعني ، ومحمد بن مرزوق قالا : أخبرنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، حدثنا هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي عبيدة بن حذيفة ، عن أبيه : " نزلت الكلالة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسير له ، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم وإذا هو بحذيفة ، وإذا رأس ناقة حذيفة عند مؤتزر النبي صلى الله عليه وسلم ، فلقاها إياه ، فنظر حذيفة فإذا عمر ، رضي الله عنه ، فلقاها إياه ، فلما كان في خلافة عمر نظر عمر في الكلالة ، فدعا حذيفة فسأله عنها ، فقال حذيفة : لقد لقانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيتك كما لقاني ، والله إني لصادق ، ووالله لا أزيد على ذلك شيئا أبدا .

ثم قال البزار : وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه إلا حذيفة ، ولا نعلم له طريقا عن حذيفة إلا هذا الطريق ، ولا رواه عن هشام إلا عبد الأعلى .

وكذا رواه ابن مردويه من حديث عبد الأعلى .

وقال عثمان بن أبي شيبة : حدثنا جرير ، عن الشيباني ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد - [ هو ] ابن المسيب - أن عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يورث الكلالة ؟

قال : فأنزل الله ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ] ) الآية ، قال : فكأن عمر لم يفهم .

فقال لحفصة : إذا رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب نفس فسليه عنها ، فرأت منه طيب نفس فسألته عنها ، فقال : " أبوك ذكر لك هذا ؟

ما أرى أباك يعلمها " .

قال : وكان عمر يقول : ما أراني أعلمها ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال .

رواه ابن مردويه ، ثم رواه من طريق ابن عيينة ، عن عمرو ، عن طاوس : أن عمر أمر حفصة أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة ، فأملاها عليها في كتف ، فقال : " من أمرك بهذا ؟

أعمر ؟

ما أراه يقيمها ، أوما تكفيه آية الصيف ؟

" قال سفيان : وآية الصيف التي في النساء : ( وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ) ، فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت الآية التي هي خاتمة النساء ، فألقى عمر الكتف .

كذا قال في هذا الحديث ، وهو مرسل .

وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا عثام ، عن الأعمش ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب قال : " أخذ عمر كتفا وجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : لأقضين في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورهن .

فخرجت حينئذ حية من البيت ، فتفرقوا ، فقال : لو أراد الله ، عز وجل ، أن يتم هذا الأمر لأتمه .

وهذا إسناد صحيح .

وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري : حدثنا علي بن محمد بن عقبة الشيباني بالكوفة ، حدثنا الهيثم بن خالد ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، سمعت محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة يحدث عن عمر بن الخطاب قال : لأن أكون سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاث أحب إلي من حمر النعم : من الخليفة بعده ؟

وعن قوم قالوا : نقر في الزكاة من أموالنا ولا نؤديها إليك ، أيحل قتالهم ؟

وعن الكلالة .

ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .

ثم روي بهذا الإسناد إلى سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن مرة ، عن مرة ، عن عمر قال : ثلاث لأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بينهن لنا أحب إلي من الدنيا وما فيها : الخلافة ، والكلالة ، والربا .

ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

وبهذا الإسناد إلى سفيان بن عيينة قال : سمعت سليمان الأحول يحدث ، عن طاوس قال : سمعت ابن عباس قال : كنت آخر الناس عهدا بعمر ، فسمعته يقول : القول ما قلت : قلت : وما قلت ؟

قال : قلت : الكلالة ، من لا ولد له .

ثم قال : صحيح على شرطهما ولم يخرجاه .

وهكذا رواه ابن مردويه من طريق زمعة بن صالح ، عن عمرو بن دينار وسليمان الأحول ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : كنت آخر الناس عهدا بعمر بن الخطاب ، قال : اختلفت أنا وأبو بكر في الكلالة ، والقول ما قلت .

قال : وذكر أن عمر شرك بين الإخوة للأب وللأم ، وبين الإخوة للأم في الثلث إذا اجتمعوا ، وخالفه أبو بكر ، رضي الله عنهما .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا محمد بن حميد المعمري ، عن معمر عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب : أن عمر كتب في الجد والكلالة كتابا ، فمكث يستخير الله فيه يقول : اللهم إن علمت فيه خيرا فأمضه ، حتى إذا طعن دعا بكتاب فمحي ، ولم يدر أحد ما كتب فيه .

فقال : إني كنت كتبت في الجد والكلالة كتابا ، وكنت استخرت الله فيه ، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه .

قال ابن جرير : وقد روي عن عمر ، رضي الله عنه ، أنه قال : إني لأستحي أن أخالف فيه أبا بكر .

وكأن أبو بكر ، رضي الله عنه ، يقول : هو ما عدا الولد والوالد .

وهذا الذي قاله الصديق عليه جمهور الصحابة والتابعين والأئمة ، في قديم الزمان وحديثه ، وهو مذهب الأئمة الأربعة ، والفقهاء السبعة .

وقول علماء الأمصار قاطبة ، وهو الذي يدل عليه القرآن ، كما أرشد الله أنه قد بين ذلك ووضحه في قوله : ( يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ يعني تعالى ذكره بقوله: " يستفتونك "، يسألونك، يا محمد، أن تفتيهم في الكلالة.

(1) * * * وقد بينا معنى: " الكلالة " فيما مضى بالشواهد الدالة على صحته، وقد ذكرنا اختلاف المختلفين فيه، فأغنى ذلك عن إعادته، وبيّنا أن " الكلالة " عندنا: ما عدا الولد والوالد.

(2) * * * =" إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك "، يعني بقوله: " إن امرؤ هلك "، إن إنسان من الناس مات، (3) كما:- 10864- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " إن امرؤ هلك "، يقول: مات.

* * * =" ليس له ولد " ذكر ولا أنثى=" وله أخت "، يعني: وللميت أخت لأبيه وأمه، أو لأبيه=" فلها نصف ما ترك "، يقول: فلأخته التي تركها بعده بالصفة التي وَصَفنا، نصف تركته ميراثًا عنه، دون سائر عصبته.

وما بقي فلعصبته.

* * * وذكر أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هَّمهم شأن الكلالة، فأنـزل الله تبارك وتعالى فيها هذه الآية.

*ذكر من قال ذلك: 10865- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة "، فسألوا عنها نبيَّ الله، فأنـزل الله في ذلك القرآن: " إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ"، فقرأ حتى بلغ: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .

قال: وذكر لنا أنّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال في خطبته: ألا إنّ الآية التي أنـزل الله في أول " سورة النساء " في شأن الفرائض، أنـزلها الله في الولد والوالد.

والآية الثانية أنـزلها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم.

والآية التي ختم بها " سورة النساء "، أنـزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم.

والآية التي ختم بها " سورة الأنفال "، أنـزلها في أولي الأرحام، بعضهم أولى ببعض في كتاب الله مما جرَّت الرحِم من العَصَبة.

(4) 10866- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن الشيباني، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب قال: سأل عمر بن الخطاب النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، فقال: أليس قد بيَّن الله ذلك؟

قال: فنـزلت: " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ".

(5) 10867- حدثنا مؤمل بن هشام أبو هشام قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام الدستوائي قال، حدثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: اشتكيت وعندي تسع أخوات لي= أو: سبْع، أنا أشكّ (6) = فدخل عليّ النبيّ صلى الله عليه وسلم فنفخ في وجهي، فأفقت وقلت: يا رسول الله، ألا أوصي لأخواتي بالثلثين؟

(7) قال: أحسن!

قلت: الشطر؟

قال: أحسن!

ثم خرج وتركني، ثم رجع إليّ فقال: &; 9-432 &; يا جابر، إنِّي لا أُرَاك ميتًا من وجعك هذا، (8) وإن الله قد أنـزل في الذي لأخواتك فجعل لهن الثلثين.

قال: فكان جابر يقول: أنـزلت هذه الآية فيّ: " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ".

(9) 10868- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن هشام= يعني الدستوائي= عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

(10) 10869- حدثني المثنى قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: مرضت، فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم يعودُني هو وأبو بكر وهما ماشيان، فوجدوني قد أغمي عليّ، (11) فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صبَّ عليّ من وَضوئه، فأفقت فقلت: يا رسول الله، كيف أقضي في مالي= أو: كيف أصنع في مالي؟

وكان له تسع أخوات، ولم يكن له والد ولا ولد.

قال: فلم يجبني شيئًا حتى نـزلت آية الميراث: " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة " إلى آخر السورة= قال ابن المنكدر: قال جابر: إنما أنـزلت هذه الآية فيّ.

(12) * * * وكان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن هذه الآية هي آخر آية نـزلت من القرآن.

*ذكر من قال ذلك: 10870- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: سمعته يقول: إن آخر آية نـزلت من القرآن: " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ".

(13) 10871- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: آخر آية نـزلت من القرآن: " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ".

(14) 10872- حدثنا محمد بن خلف قال، حدثنا عبد الصمد بن النعمان قال، حدثنا مالك بن مغول، عن أبي السفر، عن البراء قال: آخر آية نـزلت من القرآن: " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ".

(15) 10873- حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني قال، حدثنا مصعب بن المقدام قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: آخر سورة نـزلت كاملة " براءة "، وآخر آية، نـزلت خاتمة " سورة النساء ": " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ".

(16) * * * واختلف في المكان الذي نـزلت فيه الآية.

فقال جابر بن عبد الله: نـزلت في المدينة.

وقد ذكرت الرواية بذلك عنه فيما مضى، بعضها في أول السورة عند فاتحة آية المواريث، وبعضها في مبتدإ الأخبار عن السبب الذي نـزلت فيه هذه الآية.

(17) * * * وقال آخرون: بل أنـزلت في مسيرٍ كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

*ذكر من قال ذلك: 10874- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن حميد، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: نـزلت: " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة "، والنبيّ في مسير له، وإلى جنبه حذيفة بن اليمان، فبلَّغها النبي صلى الله عليه وسلم حُذيفة، وبلّغها حذيفة عمر بن الخطاب وهو يسير خلفه.

فلما استُخلف عمر سأل عنها حذيفة، ورجا أن يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة: والله إنك لعاجز إن ظننت أن إمارتك تحملني أن أحدِّثك فيها بما لم أحدِّثك يومئذ!

فقال عمر: لم أرِد هذا، رحمك الله!

10875- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين بنحوه= إلا أنه قال في حديثه: فقال له حذيفة: والله إنك لأحمق إن ظننتَ.

10876- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين قال: كانوا في مسير، ورأسُ راحلة حذيفة عند رِدْف راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم (18) ورأس راحلة عمر عند رِدْف راحلة حذيفة.

قال: ونـزلت: " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة "، فلقَّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة، فلقّاها حذيفة عمر.

فلما كان بعد ذلك، سأل عمرُ عنها حذيفةَ فقال: والله إنك لأحمق إن كنت ظننت أنه لقّانيها رسول الله فلقَّيْتُكها كما لقَّانيها، (19) والله لا أزيدك عليها شيئًا أبدًا!

قال: وكان عمر يقول: اللهم مَن كنتَ بيّنتها له، (20) فإنها لم تُبَيَّن لي.

(21) * * * واختلف عن عمر في الكلالة، فروي عنه أنه قال فيها عند وفاته: " هو من لا ولد له ولا والد ".

وقد ذكرنا الرواية عنه بذلك فيما مضى في أول هذه السورة في آية الميراث.

(22) * * * وروي عنه أنه قال قبل وفاته: هو ما خلا الأب.

(23) *ذكر من قال ذلك: 10877- حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال، قال عمر بن الخطاب: ما أغلظ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم= أو: ما نازعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما نازعته في آية الكلالة، حتى ضرب صَدري وقال: يكفيك منها آية الصيف التي أنـزلت في آخر " سورة النساء ": (24) " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة "، وسأقضي فيها بقضاء يعلمه من يقرأ ومن لا يقرأ، هو ما خلا الأب= كذا أحسب قال ابن عرفة= قال شبابة: الشك من شعبة.

(25) * * * وروي عنه أنه قال: " إني لأستحيي أن أخالف فيه أبا بكر "، وكان أبو بكر يقول: " هو ما خلا الولد والوالد ".

وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه فيما مضى في أول السورة (26) * * * وروي عنه أنه قال عند وفاته: " قد كنت كتبت في الكلالة كتابًا، وكنت أستخير الله فيه، وقد رأيت أن أترككم على ما كنتم عليه "، وأنه كان يتمنى في حياته أن يكون له بها علم.

*ذكر من قال ذلك: 10878- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن حميد المعمري، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب كتب في الجدّ والكلالة كتابًا، فمكث يستخير الله فيه يقول: " اللهم إن علمت فيه خيرًا فأمضه "، حتى إذا طُعِن، دعا بكتاب فَمُحي، (27) فلم يدر أحدٌ ما كتب فيه، فقال: " إني كنت كتبت في الجدّ والكلالة كتابًا، وكنت أستخير الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه ".

(28) 10879- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر، بنحوه.

(29) 10880- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان قال، حدثنا عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني قال، قال عمر: ثلاث لأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بيَّنهن لنا، أحبُّ إليّ من الدنيا وما فيها: الكلالة، والخلافة، وأبواب الربا.

(30) 10881- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثام قال، حدثنا الأعمش قال: سمعتهم يذكرون، ولا أرى إبراهيم إلا فيهم، عن عمر قال: لأن أكون أعلم الكلالة، أحبُّ إليّ من أن يكون لي مثل جزية قصور الروم.

(31) 10882- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثام قال، حدثنا الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: أخذ عمر كتِفًا وجمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال: لأقضين في الكلالة قضاءً تحدَّثُ به النساء في خدورهن!

فخرجت حينئذ حيَّة من البيت، فتفرَّقوا، فقال: لو أراد الله أن يتم هذا الأمر لأتمَّه.

(32) 10883- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أبو حيان قال، حدثني الشعبي، عن ابن عمر قال: سمعت عمر بن الخطاب يخطب على منبر المدينة، فقال: أيها الناس، ثلاثٌ ودِدت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفارِقنا حتى يعهد إلينا فيهن عهدًا يُنتهى إليه: الجدّ، والكلالة، وأبواب الربا.

(33) 10884- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة: أن عمر بن الخطاب قال: ما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر مما سألت عن الكلالة، حتى طَعَن بإصبعه في صدري وقال: تكفيك آية الصيف التي في آخر " سورة النساء ".

(34) 10885- حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، عن سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان، عن عمر قال: لن أدع شيئًا أهمَّ عندي من أمر الكلالة، فما أغلظ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طعن بإصبعه في صدري= أو قال: في جنبي= فقال: تكفيك الآية التي أنـزلت في آخر " النساء ".

(35) 10886- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة: أن عمر بن الخطاب خطب الناس يوم الجمعة فقال: إنيّ والله ما أدع بعدي شيئًا هو أهمّ إليّ من أمر الكلالة، وقد سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طعن في نحري وقال: " تكفيك آية الصيف التي أنـزلت في آخر سورة النساء "، وإن أعِش أقض فيها بقضية لا يختلف فيها أحدٌ قرأ القرآن.

(36) 10887- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا هشام، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن عمر بن الخطاب بنحوه.

(37) 10888- حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال، سمعت أبي يقول، أخبرنا أبو حمزة، عن جابر، عن الحسن بن مسروق، عن أبيه قال: سألت عمر وهو يخطب الناس عن ذي قرابة لي وَرِث كلالة، فقال: الكلالة، الكلالة، الكلالة!!

وأخذ بلحيته، ثم قال: والله لأن أعلمَها أحبَّ إلي من أن يكون لي ما على الأرض من شيء، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألم تسمع الآية التي أنـزلت في الصيف؟

فأعادها ثلاث مرات.

(38) 10889- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن أبي سلمة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الكلالة، فقال: ألم تسمع الآية التي أنـزلت في الصيف: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً إلى آخر الآية؟

(39) 10890- حدثني محمد بن خلف قال، حدثنا إسحاق بن عيسى قال، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير: أن رجلا سأل عُقبة عن الكلالة، فقال: ألا تعجبون من هذا؟

يسألني عن الكلالة، وما أعضل بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ما أعضلت بهم الكلالة!

(40) * * * قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فما وجه قوله جل ثناؤه: " إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك "، ولقد علمت اتفاق جميع أهل القبلة= ما خلا ابن عباس وابن الزبير رحمة الله عليهما= على أن الميت لو ترك ابنةً وأختًا، أن لابنته النصف، وما بقي فلأختِه، إذا كانت أخته لأبيه وأمه، أو لأبيه؟

وأين ذلك من قوله: " إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك "، وقد ورَّثوها النصف مع الولد؟

قيل: إنّ الأمر في ذلك بخلاف ما ذهبتَ إليه.

إنما جعل الله جل ثناؤه بقوله: " إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك "، إذا لم يكن للميت ولد ذكر ولا أنثى، وكان موروثًا كلالة، النصفَ من تركته فريضةً لها مسمَّاة.

فأما إذا كان للميت ولد أنثى، فهي معها عصبة، يصير لها ما كان يصير للعصبة غيرها، لو لم تكن.

وذلك غير محدود بحدٍّ، ولا مفروض لها فرضَ سهام أهل الميراث بميراثهم عن ميِّتهم.

ولم يقل الله في كتابه: " فإن كان له ولد فلا شيء لأخته معه "، فيكون لما روي عن ابن عباس وابن الزبير في ذلك وجهٌ يوجَّه إليه.

وإنما بيَّن جل ثناؤه، مبلغ حقِّها إذا وُرث الميت كلالةً، وترك بيان ما لها من حق إذا لم يورث كلالةً في كتابه، وبيَّنه بوحيه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فجعلها عصبة مع إناث ولد الميت.

وذلك معنًى غير معنى وراثتها الميت، إذا كان موروثًا كلالةً.

* * * القول في تأويل قوله : وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: وأخو المرأة يرثها إن ماتت قبله، إذا وُرِثت كلالة، (41) ولم يكن لها ولد ولا والد.

* * * القول في تأويل قوله : فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " فإن كانتا اثنتين "، فإن كانت المتروكة من الأخوات لأبيه وأمه أو لأبيه=" اثنتين " فلهما ثلثا ما ترك أخوهما الميت، إذا لم يكن له ولد، وورث كلالة=" وإن كانوا إخوة "، يعني: وإن كان المتروكون من إخوته=" رجالا ونساء فللذكر " منهم بميراثهم عنه من تركته=" مثل حظ الأنثيين "، يعني: مثل نصيب اثنتين من أخواته.

(42) وذلك إذا ورث كلالةً، والإخوة والأخوات إخوته وأخواته لأبيه وأمه، أو: لأبيه.

* * * القول في تأويل قوله : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يبين الله لكم قسمة مواريثكم، وحكم الكلالة، وكيف فرائضهم=" أن تضلوا "، بمعنى: لئلا تضلوا في أمر المواريث وقسمتها، أي: لئلا تجوروا عن الحق في ذلك وتخطئوا الحكم فيه، فتضلّوا عن قصد السبيل، (43) كما:- 10891- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " يبين الله لكم أن تضلوا "، قال: في شأن المواريث.

10892- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن حميد المعمري= وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق= قالا جميعًا، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: كان عمر إذا قرأ: " يبين الله لكم أن تضلوا " قال: اللهم مَنْ بَيَّنت له الكلالة، فلم تُبَيَّن لي.

(44) * * * قال أبو جعفر: وموضع " أن " في قوله: " يبين الله لكم أن تضلوا "، نصبٌ، في قول بعض أهل العربية، لاتصالها بالفعل.

* * * وفي قول بعضهم: خفضٌ، بمعنى: يبين الله لكم بأن لا تضلوا، ولئلا تضلوا= وأسقطت " لا " من اللفظ وهي مطلوبة في المعنى، لدلالة الكلام عليها.

والعرب تفعل ذلك، تقول: " جئتك أن تلومني"، بمعنى: جئتك أن لا تلومني، كما قال القطامي في صفة ناقة: رَأَيْنَــا مَـا يَـرَى البُصَـراءُ فِيهَـا فَآلَيْنَــــا عَلَيْهـــا أَنْ تُبَاعَـــا (45) بمعنى: أن لا تباع.

* * * القول في تأويل قوله : وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " والله بكل شيء " من مصالح عباده في قسمة مواريثهم وغيرها، وجميع الأشياء=" عليم "، يقول: هو بذلك كله ذو علم.

(46) * * * (آخر تفسير سورة النساء) والحمد الله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم ------------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"يستفتي" فيما سلف ص : 253.

(2) انظر ما سلف في"الكلالة" 8 : 53-61.

(3) انظر تفسير"المرء" فيما سلف 2 : 446.

(4) الأثر: 10865- هذا الأثر رواه البيهقي في السنن 6 : 31 ، وذكره ابن كثير في التفسير 2 : 42 ، والدر المنثور 2 : 251.

(5) الأثر: 10866- ذكره ابن كثير في تفسيره 2 : 42 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.

(6) في المطبوعة: "أبو جعفر الذي يشك" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(7) في المطبوعة: "بالثلث" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الموافق لرواية البيهقي ، أما رواية أبي داود في سننه ، فهي التي أثبتت في المطبوعة.

(8) "لا أراك" بالبناء للمجهول (بضم الهمزة): أي لا أظنك.

(9) الأثر: 10867-"مؤمل بن هشام اليشكري" ، هو"أبو هشام".

روى عن إسمعيل بن علية ، وكان صهره.

روى عنه البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم.

مترجم في التهذيب.

و"إسمعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي" هو"ابن علية" سلف مرارًا كثيرة و"أبو الزبير" المكي ، هو: "محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي" ، مضى برقم : 2029 ، 3581 ، 8205.

وهذا الأثر رواه أبو داود في السنن 3 : 164 من طريق كثير بن هشام ، عن هشام الدستوائي بلفظه.

ورواه البيهقي في السنن 6 : 231 من طرق ، مطولا مختصرًا.

ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده: 240 ، مختصرًا وفيه"الثلثين" كما في مخطوطة الطبري.

وذكره السيوطي في الدر المنثور 2 : 250 ، وزاد نسبته لابن سعد والنسائي.

(10) الأثر: 10868- هو مكرر الأثر السالف ، من طريق ابن أبي عدي ، عن هشام.

وهذا الخبر رواه الواحدي في أسباب النزول : 139 ، وساق لفظه ، مع اختلاف يسير عن لفظ الأثر السالف.

(11) قوله: "فوجدوني" هكذا ثبت في المطبوعة والمخطوطة ، وهي في ألفاظ أخر"فوجدني".

والذي في المخطوطة والمطبوعة صواب ، لأنه يعني أبا بكر ورسول الله ، ومن كان معهما ، أو من كان في البيت.

ولو حمله على الجمع وهو مثنى ، لكان له وجه في العربية.

(12) الأثر: 10869- خبر"محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله" ، روي من طرق كثيرة ، مضى من طريق شعبة ، عن محمد بن المنكدر ، مختصرًا برقم : 8730 ، ثم من طريق ابن جريج ، عن محمد بن المنكدر رقم : 8731 ، بغير هذا اللفظ ، مختصرًا ، وانظر تخريجهما هناك.

أما هذا ، فرواه البخاري (الفتح 12 : 2) بمثله ، مع خلاف يسير في لفظه ، وقد بين الحافظ ابن حجر في شرحه ، ما فيه من الاختلاف.

ورواه مسلم من طرق كثيرة ، منها طريق سفيان ، في صحيحه 11 : 54-56.

ورواه أبو داود في سننه 3 : 164 من طريق أحمد بن حنبل ، عن سفيان.

ورواه الترمذي في السنن (في كتاب التفسير) ، وقال: "هذا حديث حسن صحيح ، رواه غير واحد ، عن محمد بن المنكدر".

ثم ساقه من طريق"الفضل بن صباح البغدادي ، عن سفيان بن عيينة ، عن محمد بن المنكدر" ، ثم قال: "وفي حديث الفضل بن صباح كلام أكثر من هذا".

وحديث الفضل بن صباح ، رواه الترمذي قبل ذلك في (كتاب الفرائض) مطولا ، وقال: "هذا حديث صحيح".

ورواه البيهقي في السنن 6 : 223 ، 224 ، ثم قال البيهقي: "وجابر بن عبد الله الذي نزلت فيه آية الكلالة ، لم يكن له ولد ولا والد ، لأن أباه قتل يوم أحد.

وهذه الآية نزلت بعده".

وذكره ابن كثير في تفسيره 2 : 41 ، والسيوطي في الدر 2 : 249 ، وزاد نسبته لابن سعد.

وابن ماجه ، وابن المنذر.

(13) الأثر: 10870- يأتي برقم: 10871 ، 10873 ، من طريق أبي إسحق ، عن البراء.

(14) الأثر: 10871- رواه مسلم في صحيحه 11 : 58 عن علي بن خشرم ، عن وكيع ، بمثله.

ثم ساقه من طرق أخرى ، عن أبي إسحق عن البراء.

والبيهقي في السنن 6 : 224.

(15) الأثر: 10872-"محمد بن خلف بن عمار العسقلاني" ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 126 ، 6534.

و"عبد الصمد بن النعمان البزاز".

ترجم له ابن أبي حاتم 3/1/51 ، 52 وقال ، "سئل أبي عنه فقال: صالح الحديث صدوق".

و"مالك بن مغول" ، ثقة ، مضى برقم : 5431.

و"أبو السفر" هو: "سعيد بن يحمد الثوري" أو "سعيد بن أحمد" ، مضى برقم: 3010.

والخبر رواه مسلم 11 : 59 من طريق عمرو الناقد ، عن أبي أحمد الزبيري ، عن مالك بن مغول.

ورواه الترمذي في كتاب التفسير ، من طريق عبد بن حميد ، عن أبي نعيم ، عن مالك بن مغول ، وقال: "هذا حديث حسن".

(16) الأثر: 10873- مكرر الأثرين السالفين : 10870 ، 10871.

"هرون بن إسحق الهمداني" شيخ الطبري ، مضى برقم : 3001.

و"مصعب بن المقدام الخثعمي" ، مضى برقم : 1291 ، 3001.

وهذا الأثر من طريق إسرائيل ، عن أبي إسحق ، رواه البخاري في صحيحه (الفتح 12: 22).

وفي المخطوطة هنا"خاتم سورة البقرة" ، والصواب ما في المطبوعة.

(17) يعني ما سلف رقم : 8730 ، 8731 ، ثم ما سلف قريبًا من : 10867- 10869.

(18) "ردف الراحلة": كفل الدابة.

(19) في المطبوعة: "فلقنتكها" من"التلقين" ، وهو صواب في المعنى ، ولكن السياق يقتضي ما أثبته من المخطوطة ، وهي فيها منقوطة.

و"لقاه الآية": علمه الآية ، ولقنه إياها.

(20) في المطبوعة وابن كثير"إن كنت" ، وأثبت ما في المخطوطة والدر المنثور ، وهي صواب محض ، وانظرها كذلك في الأثر الآتي رقم : 10892.

(21) الآثار: 10874- 10876 ، ذكر الأثر الأخير منها ابن كثير في تفسيره 3 : 44 ، ثم قال: "كذا رواه ابن جرير ، ورواه أيضًا عن الحسن بن يحيى ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، كذلك بنحوه.

وهو منقطع بين ابن سيرين وحذيفة.

وقد قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزار في مسنده : حدثنا يوسف بن حماد المعنى ، ومحمد بن مرزوق ، قالا ، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، حدثنا هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي عبيدة بن حذيفة ، عن أبيه قال: نزلت آية الكلالة.." وساق الخبر ، ثم قال: "قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه إلا حذيفة ، ولا نعلم له طريقًا عن حذيفة إلا هذا الطريق ، ولا رواه عن هشام إلا عبد الأعلى".

قال ابن كثير: "وكذا رواه ابن مردويه".

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 13 ، وقال: "رواه البزار ، ورجاله رجال الصحيح ، غير أبي عبيدة بن حذيفة ، ووثقه ابن حبان".

وذكره السيوطي في الدر المنثور 2 : 250 قال: "أخرج العدني والبزار في مسنديهما ، وأبو الشيخ في الفرائض ، بسند صحيح عن حذيفة" ثم ذكر الخبر.

وعاد فخرجه في 2 : 251 ، ونسبه لابن جرير ، وعبد الرزاق ، وابن المنذر ، عن ابن سيرين ، منقطعًا.

(22) انظر رقم: 8745-8748 ، 8767 (23) انظر رقم: 8745-8748 ، 8767.

(24) قوله: "التي أنزلت في آخر سورة النساء" غير ثابت في المخطوطة ، وهو ثابت في روايات الحديث التي ستأتي في التخريج.

(25) الأثر: 10877- خبر سالم بن أبي الجعد ، عن معدان ، عن عمر سيرويه أبو جعفر من أربع طرق أخرى فيما سيأتي من رقم : 10884- 10887.

وروى هذا الخبر من طريق شبابة بن سوار ، عن شعبة ، عن قتادة ، مسلم في صحيحه 11 : 57 ، إشارة.

ورواه البيهقي في السنن 6 : 224 بلفظه ، وقال: "رواه مسلم عن زهير بن حرب".

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 251 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير ، فقصر في نسبته.

وانظر تخريج الآثار التالية التي أشرت إليها.

(26) انظر ما سلف رقم : 8745-8749.

(27) في المطبوعة: "بالكتاب فمحي"؛ بالتعريف ، وهو كذلك في الدر المنثور ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو موافق لرواية ابن كثير في تفسيره.

(28) الأثر: 10878- ذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 45 عن هذا الموضع من التفسير ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 250 ، ونسبه لعبد الرزاق ، ولم ينسبه لابن جرير ، وقد رواه الطبري بنحوه في الأثر التالي : 10879.

(29) الأثر: 10878- ذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 45 عن هذا الموضع من التفسير ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 250 ، ونسبه لعبد الرزاق ، ولم ينسبه لابن جرير ، وقد رواه الطبري بنحوه في الأثر التالي : 10879.

(30) الأثر: 10880- رواه أبو داود الطيالسي من طريق شعبة ، عن عمرو بن مرة ، مع اختلاف يسير في لفظه ، مطولا.

ورواه البيهقي في السنن من طريق أبي داود الطيالسي 6 : 225.

ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 304 من طريق سفيان ، عن عمرو بن مرة ، بلفظ الطبري ، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي.

وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 45 ، ولم ينسبه لغير الحاكم.

وخرجه السيوطي في الدر 2 : 251 ، 252 ، وزاد نسبته لعبد الرزاق ، والعدني ، وابن ماجه ، والساجي.

وقوله: "أبواب الربا" ، أي: وجوه الربا وطرقه ، وهذا اللفظ ليس فيما ذكرت من المراجع ، فيها جميعًا"والربا".

وانظر الأثر الآتي : 10883 ، والتعليق عليه.

(31) الأثر: 10881- خرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 251 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير ، وفيه"قصور الشأم" ، وهما سواء في المعنى ، ولكن العجب أنه نقله عن هذا الموضع من التفسير ، وكتب مكان"الروم""الشأم".

(32) الأثر: 10882- رواه البيهقي في السنن 6 : 245 ، من طريق جرير عن الأعمش.

مع اختلاف في لفظه.

وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 44 ، 45 ، ثم قال: "وهذا إسناد صحيح".

وخرجه السيوطي 2 : 250 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.

وفي المخطوطة: "النساء في خدورها" ، وهما سواء.

(33) الأثر: 10883-"أبو حيان" هو: "يحيى بن سعيد التيمي" ، مضى برقم: 5382 ، 5383 ، 6318 ، 8155.

وهذا الخبر رواه البخاري مطولا (الفتح 10 : 39-43) من طريق يحيى بن سعيد القطان عن أبي حيان التيمي.

ورواه مسلم في صحيحه 18 : 165 من أربع طرق ، من طريق علي بن مسهر ، عن أبي حيان ، ومن طريق ابن إدريس عن أبي حيان ، ومن طريق ابن علية عن أبي حيان ، ومن طريق عيسى بن يونس عن أبي حيان.

ورواه البيهقي في السنن 6 : 245/8 : 289.

وذكره السيوطي في الدر المنثور 2 : 249 ، وزاد نسبته لعبد الرزاق ، وابن المنذر.

وفي جميع المراجع: "وأبواب من أبواب الربا" ، وانظر شرح ذلك في التعليق على الأثر : 10880 (34) الأثر: 10884- خبر سالم بن أبي الجعد ، عن معدان ، مضى برقم : 10877 من طريق شعبة عن قتادة.

وأشار إليه مسلم في صحيحه 11 : 57 من طريق ابن علية عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة.

ورواه أحمد في المسند رقم : 341 من طريق محمد بن جعفر ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة مطولا.

ورواه أيضًا مطولا رقم : 89 من طريق عفان ، عن همام بن يحيى ، عن قتادة.

ورواه مختصرًا رقم : 179 من طريق إسمعيل ، عن سعيد بن أبي عروبة.

وخرجه ابن كثير في تفسيره 2 : 241 من هذه الأخيرة من مسند أحمد ، ولم يذكر شيئًا عن الطرق الأخرى ، بل قال: "هكذا رواه مختصرًا ، وأخرجه مسلم مطولا أكثر من هذا" ، مع أن أحمد أخرجه في مواضع مطولا كما ترى ، وكما سيأتي في التعليق على رقم : 10887.

(35) الأثر: 10885-"إبراهيم بن سعيد الجوهري" ، شيخ الطبري ، ثقة ، مضى برقم: 3355 ، 3959.

و"عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي" ، ثقة صدوق مأمون ، من شيوخ أحمد.

مترجم في التهذيب.

ومضى في الإسناد رقم : 8284 ، وهذا طريق آخر للأثر السالف.

وفي المطبوعة: "لم أدع" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(36) الأثر: 10886- هذه طريق أخرى للأثرين السالفين ، طريق سعيد بن أبي عروبة.

(37) الأثر: 10887- رواه من هذه الطريق مسلم في صحيحه 11 : 56.

ورواه أحمد مطولا في المسند برقم : 186 ، وانظر التعليق على الآثار السالفة.

(38) الأثر: 10888-"محمد بن علي بن الحسن بن شقيق" ثقة ، مضى برقم : 1591 ، 2575.

وأبوه "علي بن الحسن بن شقيق" ثقة ، مضى أيضًا برقم : 1591 ، 1909.

و"أبو حمزة" هو السكري: "محمد بن ميمون" ثقة إمام ، مضى برقم: 1591.

و"جابر" هو"جابر الجعفي": جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي ، مضى برقم: 764 ، 858 ، 2340 ، ومواضع أخرى كثيرة.

وهو ضعيف جدًا ، رمي بالكذب.

أما "الحسن بن مسروق" ، فلم أجد في الرواة من يسمى بهذا الاسم ، وأما أبوه فكأنه يعني: "مسروق بن الأجدع الهمداني الوداعي".

أحد المقرئين والمفتين..

روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وكثير من الصحابة.

وليس في الرواة عن مسروق من اسمه"الحسن" ، ولا وجدت له ولدًا يقال"الحسن له ابن مسروق".

ففي هذا الإسناد ما فيه من البلاء.

وهذا الأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور 2 : 251 ، عن الحسن بن مسروق ، عن أبيه كما هنا ، ونسبه للطبري وحده.

(39) الأثر: 10889-"أبو أسامة" هو: "حماد بن أسامة بن زيد الكوفي" ، مضى برقم : 29 ، 51 ، 223 ، 2995 ، 5265.

و"زكريا" هو: "زكريا بن أبي زائدة" مضى برقم : 112 ، 1219.

و"أبو إسحق" هو السبيعي.

و"أبو سلمة" هو: "أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري" ، مضى برقم : 8 ، 67 ، 3015 ، 8394.

وهذا الأثر رواه البيهقي في السنن 6 : 224 ، من طريق يحيى بن آدم ، عن عمار بن رزيق ، عن أبي إسحق ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وقال: "حديث أبي إسحق عن أبي سلمة منقطع ، وليس بمعروف".

(40) الأثر: 10890-"إسحق بن عيسى بن نجيح" هو أبو يعقوب ، ابن الطباع ، مضى برقم : 2836.

و"ابن لهيعة" مضى مرارًا.

و"يزيد بن أبي حبيب المصري" ثقة مضى برقم : 4348 ، 5493.

و"أبو الخير" هو: "مرثد بن عبد الله اليزني" الفقيه المصري ، روى عن عقبة بن عامر الجهني ، وكان لا يفارقه ، وعمرو بن العاص ، وعبد الله بن عمرو ، وغيرهم من الصحابة.

تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب.

وهذا الأثر رواه الدارمي في سننه 2 : 366 ، من طريق عبد الله بن يزيد ، عن سعيد بن أبي أيوب ، عن يزيد بن أبي حبيب.

وفي النسخة المطبوعة من الدارمي خطأ قال فيها"عن يزيد بن عبد الله اليزني" ، والصواب"مرثد بن عبد الله" ، وهو أبو الخير ، كما سلف.

وذكره السيوطي في الدر المنثور 2 : 250 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة.

"أعضل الأمر" و"أعضل به الأمر": ضاق وأشكل ، وضاق به ذرعًا لإشكاله.

(41) في المطبوعة: "إذا ورث كلالة" ، والصواب ما أثبت من المخطوطة.

(42) انظر تفسير"مثل حظ الأنثيين" فيما سلف : 8 : 30-34.

(43) انظر تفسير"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة.

(44) الأثر: 10892- انظر الأثر السالف رقم : 10876.

(45) ديوانه 43 ، وقد سلف من هذه القصيدة أبيات في 1 : 116/7 : 557 ، يصف ناقته لما بلغت مبلغها واستوت كما وصفها ، فيقول: لما رأينا كرمها وحسنها حلفنا عليها أن لا تباع ، لنفاستها علينا.

(46) انظر تفسير"عليم" فيما سلف من فهارس اللغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم فيه ست مسائل :الأولى : قال البراء بن عازب : هذه آخر آية نزلت من القرآن ؛ كذا في كتاب مسلم .

وقيل : نزلت والنبي صلى الله عليه وسلم متجهز لحجة الوداع ، ونزلت بسبب جابر ؛ قال جابر بن عبد الله : مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يعوداني ماشيين ، فأغمي علي ؛ فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صب علي من وضوئه فأفقت ، فقلت : يا رسول الله كيف أقضي في مالي ؟

فلم يرد علي شيئا حتى نزلت آية الميراث يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة رواه مسلم ؛ وقال : آخر آية نزلت : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله وقد تقدم .

ومضى في أول السورة الكلام في الكلالة مستوفى ، وأن المراد بالإخوة هنا الإخوة للأب والأم أو للأب وكان لجابر تسع أخوات .الثانية : إن امرؤ هلك ليس له ولد أي ليس له ولد ولا والد ؛ فاكتفى بذكر أحدهما ؛ قال الجرجاني : لفظ الولد ينطلق على الوالد والمولود ، فالوالد يسمى والدا لأنه ولد ، والمولود يسمى ولدا لأنه ولد ؛ كالذرية فإنها من ذرا ثم تطلق على المولود وعلى الوالد ؛ قال الله تعالى : وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون[ ص: 389 ] الثالثة : والجمهور من العلماء من الصحابة والتابعين يجعلون الأخوات عصبة البنات وإن لم يكن معهن أخ ، غير ابن عباس ؛ فإنه كان لا يجعل الأخوات عصبة البنات ؛ وإليه ذهب داود وطائفة ؛ وحجتهم ظاهر قول الله تعالى : إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ولم يورث الأخت إلا إذا لم يكن للميت ولد ؛ قالوا : ومعلوم أن الابنة من الولد ، فوجب ألا ترث الأخت مع وجودها .

وكان ابن الزبير يقول بقول ابن عباس في هذه المسألة حتى أخبره الأسود بن يزيد : أن معاذا قضى في بنت وأخت فجعل المال بينهما نصفين .الرابعة : هذه الآية تسمى بآية الصيف ؛ لأنها نزلت في زمن الصيف ؛ قال عمر : إني والله لا أدع شيئا أهم إلي من أمر الكلالة ، وقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها ، حتى طعن بإصبعه في جنبي أو في صدري ثم قال : يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء .

وعنه رضي الله عنه قال : ثلاث لأن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهن أحب إلي من الدنيا وما فيها : الكلالة والربا والخلافة ؛ خرجه ابن ماجه في سننه .الخامسة : طعن بعض الرافضة بقول عمر : ( والله لا أدع ) الحديث .السادسة : قوله تعالى : يبين الله لكم أن تضلوا قال الكسائي : المعنى يبين الله لكم لئلا تضلوا .

قال أبو عبيد ؛ فحدثت الكسائي بحديث رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يدعون أحدكم على ولده أن يوافق من الله إجابة فاستحسنه .

قال النحاس : والمعنى عند أبي عبيد لئلا يوافق من الله إجابة ، وهذا القول عند البصريين خطأ صراح ؛ لأنهم لا يجيزون إضمار لا ؛ والمعنى عندهم : يبين الله لكم كراهة أن تضلوا ، ثم حذف ؛ كما قال : واسأل القرية وكذا معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم ؛ أي كراهية أن يوافق من الله إجابة .

والله بكل شيء عليم تقدم في غير موضع .

والله أعلم .تمت سورة " النساء " والحمد لله الذي وفق .وتم الجزء الخامس ويليه الجزء السادس مبتدئا بتفسير سورة المائدة ونرجو من الله التوفيق

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أخبر تعالى أن الناس استفتوا رسوله صلى الله عليه وسلم أي: في الكلالة بدليل قوله: { قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ْ} وهي الميت يموت وليس له ولد صلب ولا ولد ابن، ولا أب، ولا جد، ولهذا قال: { إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ْ} أي: لا ذكر ولا أنثى، لا ولد صلب ولا ولد ابن.

وكذلك ليس له والد، بدليل أنه ورث فيه الإخوة، والأخوات بالإجماع لا يرثون مع الوالد، فإذا هلك وليـس لـه ولـد ولا والـد { وَلَهُ أُخْتٌ ْ} أي: شقيقة أو لأب، لا لأم، فإنه قد تقدم حكمها.

{ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ْ} أي نصف متروكات أخيها، من نقود وعقار وأثاث وغير ذلك، وذلك من بعد الدين والوصية كما تقدم.

{ وَهُوَ ْ} أي: أخوها الشقيق أو الذي للأب { يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ْ} ولم يقدر له إرثا لأنه عاصب فيأخذ مالها كله، إن لم يكن صاحب فرض ولا عاصب يشاركه، أو ما أبقت الفروض.

{ فَإِن كَانَتَا ْ} أي: الأختان { اثْنَتَيْنِ ْ} أي: فما فوق { فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً ْ} أي: اجتمع الذكور من الإخوة لغير أم مع الإناث { فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ْ} فيسقط فرض الإناث ويعصبهن إخوتهن.

{ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ْ} أي: يبين لكم أحكامه التي تحتاجونها، ويوضحها ويشرحها لكم فضلا منه وإحسانا لكي تهتدوا ببيانه، وتعملوا بأحكامه، ولئلا تضلوا عن الصراط المستقيم بسبب جهلكم وعدم علمكم.

{ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ْ} أي: عالم بالغيب والشهادة والأمور الماضية والمستقبلة، ويعلم حاجتكم إلى بيانه وتعليمه، فيعلمكم من علمه الذي ينفعكم على الدوام في جميع الأزمنة والأمكنة.

آخر تفسير سورة النساء فلله الحمد والشكر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ) نزلت في جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، قال : عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل ، فتوضأ وصب علي من وضوئه ، فعقلت فقلت : يا رسول الله لمن الميراث إنما يرثني الكلالة؟

فنزلت يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ، وقد ذكرنا معنى الكلالة وحكم الآية في أول السورة .

وفي هذه الآية بيان حكم ميراث الأخوة للأب والأم أو للأب .

قوله ( يستفتونك ) أي : يستخبرونك ويسألونك ، ( قل الله يفتيكم في الكلالة ( إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها ) يعني إذا ماتت الأخت فجميع ميراثها للأخ ، ( إن لم يكن لها ولد ) فإن كان لها ابن فلا شيء للأخ ، وإن كان ولدها أنثى فللأخ ما فضل عن فرض البنات ، ( فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ) أراد اثنتين فصاعدا ، وهو أن من مات وله أخوات فلهن الثلثان ، ( وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ) ، ( يبين الله لكم أن تضلوا ) قال الفراء رحمة الله عليه وأبو عبيدة : معناه أن لا تضلوا ، وقيل : معناه يبين الله لكم كراهة أن تضلوا ، ( والله بكل شيء عليم ) أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عبد الله بن رجاء ، أنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء رضي الله عنهم قال : آخر سورة نزلت كاملة براءة ، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ) وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن آخر آية نزلت آية الربا ، وآخر سورة نزلت ( إذا جاء نصر الله والفتح ) .

وروي عنه أن آخر آية نزلت قوله تعالى " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله " ( البقرة - 281 ) .

وروي بعد ما نزلت سورة النصر عاش النبي صلى الله عليه وسلم عاما ، ونزلت بعدها سورة براءة وهي آخر سورة نزلت كاملة فعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها ستة أشهر ، ثم نزلت في طريق حجة الوداع " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة " فسميت آية الصيف ، ثم نزلت وهو واقف بعرفة : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي " ( المائدة - 3 ) فعاش بعدها أحدا وثمانين يوما ، ثم نزلت آيات الربا ، ثم نزلت " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله " فعاش بعدها أحدا وعشرين يوما .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يستفتونك» في الكلالة «قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ» مرفوع بفعل يفسره «هلك» مات «ليس له ولد» أي ولا والد وهو الكلالة «وله أختٌ» من أبوين أو أب «فلها نصف ما ترك وهو» أي الأخ كذلك «يرثها» جميع ما تركت «إن لم يكن لها ولد» فإن كان لها ولد ذكر فلا شيء له أو أنثى فله ما فضل من نصيبها ولو كانت الأخت أو الأخ من أم ففرضه السدس كما تقدم أول السورة «فإن كانتا» أي الأختان «اثنتين» أي فصاعدا لأنها نزلت في جابر وقد مات عن أخوات «فلهما الثلثان مما ترك» الأخ «وإن كانوا» أي الورثة «إخوة رجالا ونساء فللذكر» منهم «مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم» شرائع دينكم لـ «أن» لا «تضلوا والله بكل شيء عليم» ومنه الميراث روى الشيخان عن البراء أنها آخر آيه نزلت أي من الفرائض.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يسألونك -أيها الرسول- عن حكم ميراث الكلالة، وهو من مات وليس له ولدٌ ولا والد، قل: الله يُبيِّن لكم الحكم فيها: إن مات امرؤ ليس له ولد ولا والد، وله أخت لأبيه وأمه، أو لأبيه فقط، فلها نصف تركته، ويرث أخوها شقيقًا كان أو لأب جميع مالها إذا ماتت وليس لها ولد ولا والد.

فإن كان لمن مات كلالةً أختان فلهما الثلثان مما ترك.

وإذا اجتمع الذكور من الإخوة لغير أم مع الإناث فللذكر مثل نصيب الأنثيين من أخواته.

يُبيِّن الله لكم قسمة المواريث وحكم الكلالة، لئلا تضلوا عن الحقِّ في أمر المواريث.

والله عالم بعواقب الأمور، وما فيها من الخير لعباده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

هذا ، وكما اشتملت سورة النساء فى مطلعها على الحديث عن أحكام الأسرة وأحكام الزواج والمواريث .

فقد اختتمت بهذه الآية المتعلقة ببعض أحكام المواريث وهى قوله - تعالى - : ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ ) .أورد المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال : دخل على النبى صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل .

فتوضأ فصب على أو قال : صبوا عليه .

فعقلت فقلت : إنه لا يرثنى إلا كلالة .

فكيف الميراث؟

فأنزل الله آية الفرائض .

وفى بعض الألفاظ فأنزل الله آية الميراث ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة ) الآية .

وفى رواية قال جابر : نزلت فى : ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة ) .ويبدو أن عدداً من الصحابة قد سألوا النبى صلى الله عليه وسلم فى شأن ميراث الكلالة فى أزمنة متفرقة فنزلت هذه الآية بآية الصيف ، لأنها نزلت فى هذا الوقت .قال القرطى : " قال عمر : إنى والله لا أدع شيئا أهم إلى من أمر الكلالة .

وقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فما أغلظ لى فى شئ ما أغلظ لى فيها ، حتى طعن بإصبعه فى جنبى أو فى صدرى ثم قال : " يا عمر ، ألا تكفيك آية الصيف التى أنزلت فى آخر سورة النساء " " .وقوله : ( يَسْتَفْتُونَكَ ) من الاستفتاء بمعنى طلب التفيا أو الفتوى .

يقال : استفتيت العالم فى مسألة كذا .

أى : سألته أن يبين حكمها .

فالإِفتاء معناه : إظهار المشكل من الأحكام وتبينه .والكلالة .

.

كما يقول الراغب - : اسم لما عدا الولد والوالد من الورثة وروى " أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن الكلالة فقال : " من مات وليس له ولد ولا والد " ، فجعله اسما للميت .

وقال ابن عباس : هو اسم لمن عدا الولد .وقال ابن كثير ما ملخصه : وكان - رضى الله عنه - يقول : الكلالة من لا ولد له .

وكان أبو بكر - رضى الله عنه - يقول : الكلالة ما عدا الولد والوالد .ثم قال : وعن عمر أنه قال : إنى لأستحى أن أخالف أبا بكر .

وهذا الذى قاله الصديق ، هو الذى عليه جمهور الصحابة والتابعين والأئمة فى قديم الزمان وحديثه .

وهو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة ، وقول علماء الأمصار قاطبة ، وهو الذى يدل عليه القرآن .وقد ذكرت كلمة الكلالة مرتين فى هذه السورة .أما المرة الأولى ففى قوله - تعالى - .

فى آيات المواريث : ( وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امرأة وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس فَإِن كانوا أَكْثَرَ مِن ذلك فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي الثلث ) وقد بينا عند تفسيرنا لهذه الجملة الكريمة أن المراد بالإِخوة والأخوات فيها : الإِخوة لأم والأخوات لأم .أما هنا فالأمر يختلف إذا المراد بالإِخوة والأخوات فى الآية التى معنا : الإِخوة والأخوات الأشقاء حكمه وأطيعوه ولا تخالفوه .وقوله ( فِي الكلالة ) متعلق بقوله ( يُفْتِيكُمْ ) .وقد تولى - سبحانه - الإِجابة مع أن المسئول هو النبى صلى الله عليه وسلم ، للتنويه بشأن الحكم المسئول عنه ، ولتأكيد أن المواريث من الأمور التى تكفل الله ببيانها وتوزيعها وحده ، فلا يصح لأحد أن يخالف ما شرعه الحكيم الخبير فى شأنها فهو - سبحانه - أعلم بمصالح عباده ، وأرحم بهم من آبائهم ومن أبنائهم ، ومن كل مخلوق .وقوله : ( إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ ) كلام مستأنف مبين للاجابة عما سألوا عنه فى شأن ميراث الكلالة .والمختار الذى عليه المحققون من العلماء أن الولد هنا عام يتناول الذكر والأنثى ، لأن الكلام فى الكلالة وهو من ليس له ولد أصلا ولا ذكر ولا أنثى وليس له والد - أيضا إلا أنه اقتصر على ذكر الولد ثقة بظهور الأمر .

ولأن الولد مشترك معنوى وقع نكرة فى سياق النفى فيعم الإِبن والبنت .وقيل : المراد بالولد هنا الذكر خاصة لأنه المتبادر من معنى اللفظ .والمراد بالأخت هنا - كما سبق أن أشرنا - الأخت الشقيقة أو الأخت لأب .والمعنى : يسألك أصحابك يا محمد عن توريث الكلالة فقل لهم : الله يفتيكم فى ذلك ، إذا مات إنسان ولم يترك أولاداً لا من الذكور ولا من الإِناث .

ولم يترك كذلك والداً ، وترك أختا شقيقة أو من بين أبيه ، فلأخته فى تلك الحالة نصف ما تركه هذا الميت بالفرض ، والباقى للعصبة ، أولها بالرد إن لم يترك عصبة .وإذا ماتت الأخت قبل أخيها ولم يكن لها ولد - ذكراً كان أو أنهى - ، ولم يكن لها كذلك والد ، فإن الأخ فى تلك الحالة يحرز جميع مالها .وقوله : ( امرؤ ) مرفوع بفعل محذوف يفسره ما بعده أى : إن هلك امرؤ وقوله : ( لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ) فى محل رفع على أنه صفة لقوله ( امرؤ ) أى : هلك امرؤ غير ذى ولد ولا والد .والفاء فى قوله ( فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ) واقعة فى جواب الشرط .وقوله ( وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ ) جملة مستأنفة .

سدت مسد جواب الشرط فى قوله : ( إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ ) .قال الألوسى : والآية كما أنها لم تدل على سقوط الإِخوة بغير الولد ، فإنها لم تدل على عدم سقوطهم به .

وقد دلت السنة على أنهم لا يرثون مع الأب .

إذ صح عنه - صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأولى عصبة ذكر " ولا ريب فى أن الأب أولى من الأخ .

وليس ما ذكر بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة .ثم بين - سبحانه - صورتين أخريين من صور الكلالة فقال : ( فَإِن كَانَتَا اثنتين فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ وَإِن كانوا إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين ) أى : فإن كانتا أى : الوارثتان بالأخوة اثنتين أو أكثر ، فلهما الثلثان مما ترك أخوهما المتوفى ، وإن كان الورثة لهذا الأخ المتوفى إخوة من الرجال والنساء ففى هذه الحالة تقسم تركته بينهم للذكر مثل حظ الانثيين .وبهذا نرى أن الآية الكريمة قد ذكرت صورا أربعا لميراث الإِخوة والأخوات للميت الذى لم يترك ولهذا ولا ولدا .

أى الميت الكلالة .1- أن يموت الميت وترثه أخت واحدة .

ففى هذه الحالة يكون لها نصف تركته بالفرض والباقى للعصبة إن وجدوا ، فإن لم يوجدوا فلها الباقى بالرد .2- أن يكون الأمر بالعكس بأن تموت امرأة ويرثها أخ واحد .

فيكون له جميع تركتها .3- أن يكون الميت أخا وأختا والوارث أختان فصاعدا ، ففى هذه الحالة يكون لهما أو لهن الثلثان .4- أن يكون الميت أخا أو أختا ، والورثة عدد من الإخوة والأخوات ، ففى هذه الحالة تقسم التركة بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين .هذا ، وظاهر الآية يفيد أن لا فرق بين الإِخوة الأشقاء والإِخوة لأب فى أنهم يشتركون فى التركة إذا اجتمعوا؛ ولكن هذا الظاهر غير مراد ، فقد خصصت السنة هذا العموم ، فقدمت الأشقاء على الإِخوة لأب .

فإذا ما اجتمع الصنفان حجب الإِخوة الأشقاء الإِخوة لأب .وقد تكلفت كتب الفروع ببسط الكلام عن هذه الأحكام وأمثالها .

هذا ، وقوله - تعالى - ( يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) تذييل قصد به إظهار جانب من فضل الله - تعالى - على عباده ، وتحذيرهم من مخالفة شرعه وأمره .أى : يبين الله لكم هذه الأحكام المتعلقة بالمواريث كما يبين لكم غيرها خشية أن تضلوا طريق الحق فى ذلك .

بأن تعطوا من لا يستحق أو تهملوا من يستحق ، والله - تعالى - عليم بكل شئ لا تخفى عليه خافية من أحوالكم ، وسيحاسبكم على أعمالكم ، فيجازى المتبع لشرعة بالثواب العظيم ، ويجازى المخالف له بالعذاب الأليم .والمفعول فى قوله : ( يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ ) محذوف ، والمصدر المنسبك من أن والفعل مفعول لأجله بتقدير مضاف محذوف أى : يبين الله لكم الحلال والحرام وجميع الأحكام خشية أن تضلوا .ويجوز أن يكون المصدر هو مفعول قوله ( يُبَيِّنُ ) أى : يبين الله لكم ضلالكم لتجتنبوه ، فإن الشر يعرف ليجتنب ، والخير يعرف ليفعل .ويرى بعضهم أن الكلام على تقدير ( اللام ولا ) فى طرفى " أن " والمعنى : يبين الله لكم ذلك لئلا تضلوا .ثم أما بعدك فهذا تفسير وسيط لسورة النساء .تلك السورة التى نظمت المجتمع الإِسلامى تنظيما دقيقا حكيما .نظمته فيما يتعلق بأوضاعه الداخلية ، ونظمته فيما يتعلق بأوضاعه الخارجية .

أما فيما يتعلق بأوضاعه الداخلية ، فقد رأينا فيما سبق ، كيف ساقت الأحكام والآداب والتوجيهات التى تكون مجتمعا فاضلا ، يعرف الفرد فيه واجبة نحو خالقه ، وواجبه نحو نفسه ، وواجبه نحو غيره .مجتمعا تقوم الأسرة فيه على دعائم ثابتة من الأمان والاطمئنان ، والمحبة والمودة والوئام .مجتمعا رجاله يكرمون نساءه ، ويعطفون عليهن ، ويعاشروهن بالمعروف .

ونساؤه يحترمن رجاله ، ويؤدين ما عليهن نحوهم من حقوق بأدب ، وعفة ، وإخلاص ، ووفاء .مجتمعا حكامه يحكمون بالعدل ، ويراقبون الله فى أقوالهم وأعمالهم .

المحكومون فيه يطيعيون حكامهم فيما يأمرونهم به من حق وخير .مجتمعا يرى أفراده أن خيراته وأمواله .

هى أمانة فى أعناقهم جميعا ، وأن ثمارها ومنافعها ستعود عليهم جميعا .

لذا فهم يحرصون على استغلال ما يملكونه منها فيما يرضى الله ، وفيما يعود عليهم وعلى أمتهم الخير والصلاح والاستغناء والفلاح .وأما فيما يتعلق بأواضعه الخارجية ، فقد رأينا - أيضا - فيما سبق ، كيف كشفت النقاب عن راذائل المنافقين .

وعن العقائد الفاسدة التى يتشبث بها أهل الكتاب .

وعن المسالك الخبيثة ، والوسائل المتعددة التى اتبعها هؤلاء جميعا لكيد الدعوة الإسلامية والإساءة إلى النبى صلى الله عليه وسلم .كما رأينا كيف أنها حذرت المؤمنين من شرور أعدائهم ، وبصرتهم بما يجب عليهم نحوهم .

وبما يجعلهم دائما على أتم استعداد لمقاومتهم ، ولتأديبهم ولرد كيدهم فى نحوهم .ولقد ساقت السورة الكريمة من الآيات التى ترغب فى الجهاد فى سبل الله ، ما يجعل المؤمنين بقبلون عليه بقلوب منشرحة ، وبعزائم ثابتة ، وبأرواح غايتها الشهادة فى سبيل الله .وباتباع المسلمين السابقين لهذا التوجيه الحكيم الذى اشتملت عليه هذه السورة الكريمة ، نالوا ما نالوا من مجد وسؤدد ، وظفروا بما ظفر به من عزة وسعادة ، وأصابوا ما أصابوا من خير وفلاح .وأخيرا ، فإنى أحمد الله - تعالى - حمدا كثيرا على توفيقه لى لخدمة كتابه ، وأضرع إليه بإخلاص أن يعيننى على إتام ما بدأته من خدمة كتابه ، إنه أعظم مسئول وأكرم مأمول .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى تكلم في أول السورة في أحكام الأموال وختم آخرها بذلك ليكون الآخر مشاكلاً للأول، ووسط السورة مشتمل على المناظرة مع الفرق المخالفين للدين.

قال أهل العلم: إن الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول هذه السورة، والأخرى في الصيف وهي هذه الآية، ولهذا تسمى هذه الآية آية الصيف وقد ذكرنا أن الكلالة اسم يقع على الوارث وعلى الموروث، فإن وقع على الوارث فهو من سوى الوالد والولد، وإن وقع على الموروث فهو الذي مات ولا يرثه أحد الوالدين ولا أحد من الأولاد، ثم قال: ﴿ إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ﴾ ارتفع امرؤ بمضمر يفسره الظاهر، ومحل ﴿ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ الرفع على الصفة، أي إن هلك امرؤ غير ذي ولد.

واعلم أن ظاهر هذه الآية فيه تقييدات ثلاث: الأول: أن ظاهر الآية يقتضي أن الأخت تأخذ النصف عند عدم الولد، فأما عند وجود الولد فإنها لا تأخذ النصف، وليس الأمر كذلك، بل شرط كون الأخت تأخذ النصف أن لا يكون للميت ولد ابن، فإن كان له بنت فإن الأخت تأخذ النصف.

الثاني: أن ظاهر الآية يقتضي أنه إذا لم يكن للميت ولد فإن الأخت تأخذ النصف وليس كذلك، بل الشرط أن لا يكون للميت ولد ولا والد، وذلك أن الأخت لا ترث مع الوالد بالإجماع.

الثالث: أن قوله: ﴿ وَلَهُ أُخْتٌ ﴾ المراد منه الأخت من الأب والأم، أو من الأب، لأن الأخت من الأم والأخ من الأم قد بيّن الله حكمه في أول السورة بالإجماع.

ثم قال تعالى: ﴿ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ ﴾ يعني أن الأخ يستغرق ميراث الأخت إذا لم يكن للأخت ولد، إلاّ أن هذا الأخ من الأب والأم أو من الأب، أما الأخ من الأم فإنه لا يستغرق الميراث.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن كَانَتَا اثنتين فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأنثيين ﴾ وهذه الآية دالة على أن الأخت المذكورة ليست هي الأخت من الأم فقط، وروي أن الصديق رضي الله عنه قال في خطبته: ألا أن الآية التي أنزلها الله في سورة النساء في الفرائض، فأولها: في الولد والوالد.

وثانيها: في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الأخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام.

ثم قال تعالى: ﴿ يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال البصريون: المضاف هاهنا محذوف وتقديره: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، إلاّ أنه حذف المضاف كقوله: ﴿ واسئل القرية  ﴾ الثاني: قال الكوفيون: حرف النفي محذوف، والتقدير: يبين الله لكم لئلا تضلوا، ونظيره قوله: ﴿ إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أَن تَزُولاَ  ﴾ أي لئلا تزولا.

الثالث: قال الجرجاني صاحب النظم: يبين الله لكم الضلالة لتعلموا أنها ضلالة فتجنبوها.

ثم قال تعالى: ﴿ والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ ﴾ فيكون بيانه حقاً وتعريفه صدقاً.

واعلم أن في هذه الصورة لطيفة عجيبة، وهي أن أولها مشتمل على بيان كمال قدرة الله تعالى فإنه قال: ﴿ يَأَيُّهَا الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة  ﴾ وهذا دال على سعة القدرة، وآخرها مشتمل على بيان كمال العلم وهو قوله: ﴿ والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ ﴾ وهذان الوصفان هما اللذان بهما تثبت الربوبية والإلهية والجلالة والعزة، وبهما يجب على العبد أن يكون مطيعاً للأوامر والنواهي منقاداً لكل التكاليف.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

روي أنه آخر ما نزل من الأحكام.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة عام حجة الوداع، فأتاه جابر بن عبد الله فقال: إنّ لي أختاً، فكم آخذ من ميراثها إن ماتت؟

وقيل: كان مريضاً فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني كلالة فكيف أصنع في مالي؟

فنزلت ﴿ إِن امرؤ هَلَكَ ﴾ ارتفع امرؤ بمضمر يفسره الظاهر.

ومحل ﴿ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ الرفع على الصفة لا النصب على الحال.

أي: إن هلك امرؤ غير ذي ولد.

والمراد بالولد الابن وهو اسم مشترك يجوز إيقاعه على الذكر وعلى الأنثى؛ لأن الابن يسقط الأخت، ولا تسقطها البنت إلا في مذهب ابن عباس، وبالأخت التي هي لأب وأم دون التي لأم، لأنّ الله تعالى فرض لها النصف وجعل أخاها عصبة وقال: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ وأما الأخت للأم فلها السدس في آية المواريث مسوّى بينها وبين أخيها ﴿ وَهُوَ يَرِثُهَا ﴾ وأخوها يرثها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها ﴿ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ ﴾ أي ابن؛ لأن الابن يسقط الأخ دون البنت.

فإن قلت: الابن لا يسقط الأخ وحده فإن الأب نظيره في الإسقاط، فلم اقتصر على نفي الولد؟

قلت: بين حكم انتفاء الولد، ووكَّل حكم انتفاء الوالد إلى بيان السُّنة، وهو قوله عليه السلام: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر» والأب أولى من الأخ، وليسا بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة.

ويجوز أن يدل بحكم انتفاء الولد على حكم انتفاء الوالد، لأن الولد أقرب إلى الميت من الوالد، فإذا ورث الأخ عند انتفاء الأقرب، فأولى أن يرث عند انتفاء الأبعد، ولأن الكلالة تتناول انتفاء الوالد والولد جميعاً، فكان ذكر انتفاء أحدهما دالاً على انتفاء الآخر.

فإن قلت: إلى من يرجع ضمير التثنية والجمع في قوله: ﴿ فَإِن كَانَتَا اثنتين ﴾ ﴿ وإن كانوا إخوة ﴾ قلت: أصله: فإن كان من يرث بالأخوة اثنتين، وإن كان من يرث بالأخوة ذكوراً وإناثاً: وإنما قيل: فإن كانتا، وإن كانوا، كما قيل: من كانت أمّك.

فكما أنث ضمير (من) لمكان تأنيث الخبر، كذلك ثنى وجمع ضمير من يرث في كانتا وكانوا، لمكان تثنية الخبر وجمعه، والمراد بالإخوة، الإخوة و الأخوات، تغليباً لحكم الذكورة ﴿ أَن تَضِلُّواْ ﴾ مفعول له.

ومعناه: كراهة أن تضلوا.

عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة النساء فكأنما تصدّق على كل مؤمن ومؤمنة ورث ميراثاً، وأعطي من الأجر كمن اشترى محرّراً، وبرئ من الشرك وكان في مشيئة الله من الذين يتجاوز عنهم» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُها في أوَّلِ السُّورَةِ.

﴿ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ ﴾ ارْتَفَعَ امْرُؤٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، ولَيْسَ لَهُ ولَدٌ صِفَةٌ لَهُ أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في هَلَكَ، والواوُ في ولَهُ يَحْتَمِلُ الحالَ والعَطْفَ، والمُرادُ بِالأُخْتِ الأُخْتُ مِنَ الأبَوَيْنِ أوِ الأبِ لِأنَّهُ جُعِلَ أخُوها عَصَبَةً وابْنُ الأُمِّ لا يَكُونُ عَصَبَةً، والوَلَدُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّ الأُخْتَ وإنْ ورِثَتْ مَعَ البِنْتِ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ غَيْرَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

لَكِنَّها لا تَرِثُ النِّصْفَ.

﴿ وَهُوَ يَرِثُها ﴾ أيْ والمَرْءُ يَرِثُ أُخْتَهُ إنْ كانَ الأمْرُ بِالعَكْسِ.

﴿ إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ ﴾ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى إنْ أُرِيدَ بِيَرِثُها يَرِثُ جَمِيعَ مالِها، وإلّا فالمُرادُ بِهِ الذَّكَرُ إذِ البِنْتُ لا تَحْجُبُ الأخَ، والآيَةُ كَما لَمْ تَدُلَّ عَلى سُقُوطِ الإخْوَةِ بِغَيْرِ الوَلَدِ لَمْ تَدُلَّ عَلى عَدَمِ سُقُوطِهِمْ بِهِ وقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلى أنَّهم لا يَرِثُونَ مَعَ الأبِ وكَذا مَفْهُومُ قَوْلِهِ: ﴿ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ ﴾ إنْ فُسِّرَتْ بِالمَيِّتِ.

﴿ فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ ﴾ الضَّمِيرُ لِمَن يَرِثُ بِالأُخُوَّةِ وتَثْنِيَتُهُ مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى، وفائِدَةُ الإخْبارِ عَنْهُ بِاثْنَتَيْنِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الحُكْمَ بِاعْتِبارِ العَدَدِ دُونَ الصِّغَرِ والكِبَرِ وغَيْرِهِما.

﴿ وَإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ أصْلُهُ وإنْ كانُوا إخْوَةً وأخَواتٍ فَغَلَبَ المُذَكَّرُ.

﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا ﴾ أيْ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم ضَلالَكُمُ الَّذِي مِن شَأْنِكم إذا خُلِّيتُمْ وطِباعَكم لِتَحْتَرِزُوا عَنْهُ وتَتَحَرَّوْا خِلافَهُ، أوْ يُبَيِّنُ لَكُمُ الحَقَّ والصَّوابَ كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا.

وقِيلَ لِئَلّا تَضِلُّوا فَحَذَفَ لا وهو قَوْلُ الكُوفِيِّينَ.

﴿ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ فَهو عالِمٌ بِمَصالِحِ العِبادِ في المَحْيا والمَماتِ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ النِّساءِ فَكَأنَّما تَصَدَّقَ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، ووَرِثَ مِيَراثًا وأُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَمَنِ اشْتَرى مُحَرَّرًا، وبَرِئَ مِنَ الشِّرْكِ وكانَ في مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الَّذِينَ يَتَجاوَزُ عَنْهُمْ» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِى الكلالة} كان جابر بن عبد الله مريضاً فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني كلالة فكيف أصنع في مالي

فنزلت {إن امرؤ هَلَكَ} ارتفع امرؤ بمضمر يفسره الظاهر ومحل {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} الرفع على الصفة أي إن هلك امرؤ غير ذي ولد والمراد بالولد الابن وهو مشترك

النساء (١٧٦)

يقع على الذكر والأنثى لأن الابن يسقط الأخت ولا تسقطها البنت {وَلَهُ أُخْتٌ} أي لأب وأم أو لأب {فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} أي الميت {وَهُوَ يَرِثُهَا} أي الأخ يرث الأخت جميع مالها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها {إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ} أي ابن لأن الابن يسقط الأخ دون البنت فإن قلت الابن لا يسسقط الأخ وحده فالأب نظيره في الإسقاط فلم اقتصر على نفي الولد قلت بين حكم انتفاء الولد وكل حكم انتفاء الولد إلى بيان السنة وهو قوله عليه السلام ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر والأب أولى من الأخ {فَإِن كَانَتَا اثنتين} أي فإن كانت الأختان اثنتين دل على ذلك وله أخت {فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً} أي وإن كان من يرث بالإخوة ٢ والمراد بالإخوة الإخوة والأخوات تغليبا لحكم الذكورة {رجالا ونساء} ذكروا وإناثاً {فَلِلذَّكَرِ} منهم {مِثْلُ حَظّ الأنثيين يُبَيّنُ الله لَكُمْ} الحق فهو مفعول يبين {أَن تَضِلُّواْ} كراهة أن تضلوا {والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} يعلم الأشياء بكنهها قبل كونها وبعده

سورة المائدة مدنية وهى مائة وعشرون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

(١)

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَسْتَفْتُونَكَ ﴾ أيْ: في الكَلالَةِ اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ لِوُرُودِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ ﴾ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ( يُفْتِيكم ) وقالَ الكُوفِيُّونَ: بِـ( يَسْتَفْتُونَكَ ) وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقالَ: ( يُفْتِيكم فِيها في الكَلالَةِ ) وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ الكَلالَةِ في مَطْلَعِ السُّورَةِ، والآيَةُ نَزَلَتْ في جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ.

وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وخَلْقٌ كَثِيرٌ عَنْهُ قالَ: ««دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأنا مَرِيضٌ لا أعْقِلُ، فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ فَعَقَلْتُ، فَقُلْتُ: إنَّهُ لا يَرِثُنِي إلّا كَلالَةٌ، فَكَيْفَ المِيراثُ؟

فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرائِضِ»» وهي آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ.

فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما، عَنِ البَراءِ قالَ: «آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كامِلَةً ( بَراءَةٌ ) وآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ خاتِمَةُ سُورَةِ النِّساءِ» والمُرادُ مِنَ الآياتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأحْكامِ كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ المُحَقِّقُونَ، وسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - وتُسَمّى آيَةَ الصَّيْفِ.

أخْرَجَ مالِكٌ، ومُسْلِمٌ، «عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: «ما سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ شَيْءٍ أكْثَرَ مِمّا سَألْتُهُ عَنِ الكَلالَةِ حَتّى طَعَنَ بِإصْبَعِهِ في صَدْرِي، وقالَ: يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ»».

﴿ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبِينٌ لَلْفُتْيا، وارْتَفَعَ ( امْرُؤٌ ) بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ عَلى المَشْهُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ﴾ صِفَةٌ لَهُ، ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بِالمُفَسِّرِ؛ لِأنَّهُ تَأْكِيدٌ، وقِيلَ: حالٌ مِنهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ نَكِرَةٌ، ومَجِيءُ الحالِ مِنها خِلافُ الظّاهِرِ، إذِ المُتَبادَرُ في الجُمَلِ الواقِعَةِ بَعْدَ النَّكِراتِ أنَّها صِفاتٌ، وقالَ الحَلَبِيُّ: يَصِحُّ كَوْنُهُ حالًا مِنهُ، و( هَلَكَ ) صِفَةً لَهُ، وجَعَلَهُ أبُو البَقاءِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ( هَلَكَ ) وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ المُفَسِّرَ غَيْرُ مَقْصُودٍ، حَتّى ادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ لا ضَمِيرَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِمُجَرَّدِ الفِعْلِ بِلا ضَمِيرٍ، وإنْ رُدَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ ﴾ .

وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ أنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو الِاسْمُ المَعْمُولُ لِلْفِعْلِ المَحْذُوفِ، فَهو الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ لَهُ، أمّا الضَّمِيرُ فَإنَّهُ في جُمْلَةٍ مُفَسِّرَةٍ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ فَصارَتْ كالمُؤَكِّدَةِ لِما سَبَقَ، وإذا دارَ الِاتِّباعُ والتَّقْيِيدُ بَيْنَ مُؤَكِّدٍ ومُؤَكَّدٍ فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ لِلْمُؤَكَّدِ بِالفَتْحِ؛ إذْ هو مُعْتَمَدُ الإسْنادِ الأصْلِيِّ، ووافَقَهُ الحَلَبِيُّ، وقالَ السَّفاقِسِيُّ: الأظْهَرُ أنَّ هَذا مُرَجَّحٌ لا مُوجِبٌ.

والمُرادُ مِنَ الوَلَدِ - عَلى ما اخْتارَهُ البَعْضُ - الذَّكَرُ؛ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ؛ ولِأنَّ الأُخْتَ وإنْ ورِثَتْ مَعَ البِنْتِ - عِنْدَ غَيْرِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والإمامِيَّةِ - لَكِنَّها لا تَرِثُ النِّصْفَ بِطْرِيقِ الفَرْضِيَّةِ، وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مُخْتارًا العُمُومَ بِأنَّهُ تَخْصِيصٌ مِن غَيْرِ مُخَصِّصٍ، والتَّعْلِيلُ بِأنَّ الِابْنَ يُسْقِطُ الأُخْتَ دُونَ البِنْتِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأنَّ الحُكْمَ تَعْيِينُ النِّصْفِ، وهَذا ثابِتٌ عِنْدَ عَدَمِ الِابْنِ والبِنْتِ غَيْرُ ثابِتٍ عِنْدَ وُجُودِ أحَدِهِما، أمّا الِابْنُ فَلِأنَّهُ يُسْقِطُ الأُخْتَ، وأمّا البِنْتُ فَلِأنَّها تُصَيِّرُها عَصَبَةً، فَلا يَتَعَيَّنُ لَها فَرْضٌ.

نَعَمْ، يَكُونُ نَصِيبُها مَعَ بِنْتٍ واحِدَةٍ النِّصْفَ بِحُكْمِ العُصُوبَةِ لا الفَرْضِيَّةِ، فَلا حاجَةَ إلى تَفْسِيرِ الوَلَدِ بِالِابْنِ لا مَنطُوقًا ولا مَفْهُومًا.

وأيْضًا الكَلامُ في الكَلالَةِ، وهو مَن لا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ أصْلًا، وكَذا ما لا يَكُونُ لَهُ والِدٌ، إلّا أنَّهُ اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ الوَلَدِ؛ ثِقَةً بِظُهُورِ الأمْرِ، والوَلَدُ مُشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ، فَلا بُدَّ لِلتَّخْصِيصِ مِن مُخَصِّصٍ، وأنّى بِهِ؟!

فَلْيُفْهَمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَهُ أُخْتٌ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ) ويُحْتَمَلُ الحالِيَّةُ، والمُرادُ بِالأُخْتِ الأُخْتُ مِنَ الأبَوَيْنِ الأُمِّ والأبِ؛ لِأنَّ الأُخْتَ مِنَ الأُمِّ فَرْضُها السُّدُسُ، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ.

﴿ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ ﴾ أيْ: بِالفَرْضِ، والباقِي لِلْعَصَبَةِ، أوْ لَها بِالرَّدِّ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَصَبَةٌ، والفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ الشَّرْطِ، ﴿ وهُوَ ﴾ أيِ المَرْءُ، المَفْرُوضُ ﴿ يَرِثُها ﴾ أيْ: أُخْتَهُ المَفْرُوضَةَ، إنْ فُرِضَ هَلاكُها مَعَ بَقائِهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقَدْ سَدَّتْ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ ﴾ ذِكْرًا كانَ أوْ أُنْثى، فالمُرادُ بِإرْثِهِ لَها إحْرازُ جَمِيعِ مالِها إذْ هو المَشْرُوطُ بِانْتِفاءِ الوَلَدِ بِالكُلِّيَّةِ، لا إرْثُهُ لَها في الجُمْلَةِ؛ فَإنَّهُ يَتَحَقَّقُ مَعَ وُجُودِ بِنْتِها، والآيَةُ - كَما لَمْ تَدُلَّ عَلى سُقُوطِ الأُخُوَّةِ بِغَيْرِ الوَلَدِ - لَمْ تَدُلَّ عَلى عَدَمِ سُقُوطِهِمْ بِهِ، وقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلى أنَّهم لا يَرِثُونَ مَعَ الأبِ إذْ صَحَّ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ««ألْحِقُوا الفَرائِضَ بِأهْلِها فَما بَقِيَ فَلِأوْلى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ»» ولا رَيْبَ في أنَّ الأبَ أوْلى مِنَ الأخِ، ولَيْسَ ما ذُكِرَ بِأوَّلِ حُكْمَيْنِ بُيِّنَ أحَدُهُما بِالكِتابِ والآخَرُ بِالسُّنَّةِ.

﴿ فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ ﴾ عَطْفٌ عَلى الشَّرْطِيَّةِ الأُولى، والضَّمِيرُ لِمَن يَرِثُ بِالأُخُوَّةِ، وتَثْنِيَتُهُ مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى، وحُكْمُ ما فَوْقَ الِاثْنَيْنِ كَحُكْمِها، واسْتُشْكِلَ الإخْبارُ عَنْ ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ بِالِاثْنَتَيْنِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ لا بُدَّ أنْ يُفِيدَ غَيْرَ ما يُفِيدَهُ المُبْتَدَأُ، ولِهَذا لا يَصِحُّ ( سَيِّدُ الجارِيَةِ مالِكُها ) وضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ دالٌّ عَلى الِاثْنَيْنِيَّةِ فَلا يُفِيدُ الإخْبارُ عَنْهُ بِما ذُكِرَ شَيْئًا، وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّ الِاثْنَيْنِيَّةَ تَدُلُّ عَلى مُجَرَّدِ التَّعَدُّدِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِكِبَرٍ أوْ صِغَرٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُما يَسْتَحِقّانِ ما ذُكِرَ بِمُجَرَّدِ التَّعَدُّدِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ أمْرٍ آخَرَ، وهَذا مُفِيدٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأخْفَشُ، ورُدَّ بِأنَّ ضَمِيرَ التَّثْنِيَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا فَعادَ الإشْكالُ.

ورَوى مَكِّيٌّ عَنْهُ أنَّهُ أجابَ بِأنَّ ذَلِكَ حُمِلَ عَلى مَعْنى ( مَن يَرِثُ ) وأنَّ الأصْلَ والتَّقْدِيرَ: إنْ كانَ مَن يَرِثُ بِالأُخُوَّةِ اثْنَيْنِ، وإنْ كانَ مَن يَرِثُ ذُكُورًا وإناثًا فِيما يَأْتِي، وإنَّما قِيلَ: ( كانَتا ) و( كانُوا ) لِمُطابَقَةِ الخَبَرِ كَما قِيلَ: ( مَن كانَتْ أُمُّكَ ) ورُدَّ بِأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، ولَيْسَ نَظِيرَ المِثالِ؛ لِأنَّهُ صُرِّحَ فِيهِ بِـ( مَن ) ولَهُ لَفْظٌ ومَعْنًى، فَمَن أنَّثَ راعى المَعْنى وهو الأُمُّ، ولَمْ يُؤَنَّثْ لِمُراعاةِ الخَبَرِ، ومَدْلُولُ الخَبَرِ فِيهِ مُخالِفٌ لِمَدْلُولِ الِاسْمِ بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ فَإنَّ مَدْلُولَهُما واحِدٌ.

وذَكَرَ أبُو حَيّانَ لِتَخْرِيجِ الآيَةِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ ضَمِيرَ ( كانَتا ) لا يَعُودُ عَلى الأُخْتَيْنِ، بَلْ عَلى الوارِثِينَ، وثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ لِـ( اثْنَتَيْنِ ) والصِّفَةُ مَعَ المَوْصُوفِ هو الخَبَرُ، والتَّقْدِيرُ ( فَإنْ كانَتا ) أيِ الوارِثَتانِ ( اثْنَتَيْنِ ) مِنَ الأخَواتِ، فَيُفِيدُ إذْ ذاكَ الخَبَرُ ما لا يُفِيدُهُ الِاسْمُ، وحَذْفُ الصِّفَةِ لِفَهْمِ المَعْنى جائِزٌ.

والثّانِي أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى الأُخْتَيْنِ كَما ذَكَرُوا، ويَكُونَ خَبَرُ كانَ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وإنْ كانَ حَذْفُهُ قَلِيلًا، ويَكُونَ ( اثْنَتَيْنِ ) حالًا مُؤَكِّدَةً، والتَّقْدِيرَ: فَإنْ كانَتا أيِ الأُخْتانِ لَهُ، أيْ: لِلْمَرْءِ الهالِكِ، ويَدُلُّ عَلى حَذْفِ لَهُ ( ولَهُ أُخْتٌ ).

﴿ وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ أصْلُهُ: وإنْ كانُوا إخْوَةً وأخَواتٍ، فَغُلِّبَ المُذَكَّرُ بِقَرِينِهِ ( رِجالًا ونِساءً ) الواقِعِ بَدَلًا، وقِيلَ: فِيهِ اكْتِفاءٌ ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ حُكْمَ الكَلالَةِ، أوْ أحْكامَهُ وشَرائِعَهُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حُكْمُها، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ ﴿ أنْ تَضِلُّوا ﴾ أيْ: كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا في ذَلِكَ، وهو رَأْيُ البَصْرِيِّينَ، وبِهِ صَرَّحَ المُبَرِّدُ.

وذَهَبَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وغَيْرُهُما مِنَ الكُوفِيِّينَ إلى تَقْدِيرِ ( اللّامِ ) و( لا ) في طَرَفَيْ ( أنْ ) أيْ: لِئَلّا تَضِلُّوا، وقِيلَ: لَيْسَ هُناكَ حَذْفٌ ولا تَقْدِيرٌ، وإنَّما المُنْسَبِكُ مَفْعُولُ ( يُبَيِّنُ ) أيْ: يُبَيِّنُ لَكم ضَلالَكُمْ، ورُجِّحَ هَذا بِأنَّهُ مِن حُسْنِ الخِتامِ والِالتِفاتِ إلى أوَّلِ السُّورَةِ وهُوَ: ﴿ يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ﴾ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهم بِالتَّقْوى، وبَيَّنَ لَهم ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ، ولَمّا تَمَّ تَفْصِيلُهُ قالَ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُمْ: إنِّي بَيَّنْتُ لَكم ضَلالَكم فاتَّقُونِي كَما أمَرْتُكُمْ، فَإنَّ الشَّرَّ إذا عُرِفَ اجْتُنِبَ، والخَيْرَ إذا عُرِفَ ارْتُكِبَ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ المُبَيَّنَ صَرِيحًا هو الحَقُّ، والضَّلالُ يُعْلَمُ بِالمُقايَسَةِ، فَكانَ الظّاهِرُ ( يُبَيِّنُ لَكُمُ الحَقَّ ) إلّا أنْ يُقالَ: بَيانُ الحَقِّ واضِحٌ، وبَيانُ الضَّلالِ خَفِيٌّ فاحْتِيجَ إلى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ.

وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّ حُسْنَ الخِتامِ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّها خُتِمَتْ بِآيَةِ الفَرائِضِ، وفِيها أحْكامُ المَوْتِ الَّذِي هو آخِرُ أمْرِ كُلِّ حَيٍّ، وهي أيْضًا آخِرُ ما نَزَلَ مِنَ الأحْكامِ ﴿ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْوالُكُمُ المُتَعَلِّقَةُ بِمَحْياكم ومَماتِكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ، فَيُبَيِّنُ لَكم ما فِيهِ مَصْلَحَتُكم ومَنفَعَتُكم.

* * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ( ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ) سَتَرُوا ما اقْتَضاهُ اسْتِعْدادُهم ( ﴿ وصَدُّوا ﴾ ) ومَنَعُوا غَيْرَهم ( ﴿ عَنْ ﴾ ) سُلُوكِ ( ﴿ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ) أيِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ ( ﴿ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا ﴾ ) لِحِرْمانِهِمْ أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَمّا فِيهِ النَّجاةُ ( ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا ﴾ ) مَنَعُوا اسْتِعْدادَهم عَنْ حُقُوقِها مِنَ الكَمالِ بِارْتِكابِ الرَّذائِلِ ( ﴿ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ ) لِبُطْلانِ اسْتِعْدادِهِمْ ( ﴿ ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا ﴾ ) لِجَهْلِهِمُ المُرَكَّبِ واعْتِقادِهِمُ الفاسِدِ ( ﴿ إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ ﴾ ) وهي نِيرانُ أشْواقِ نُفُوسِهِمُ الخَبِيثَةِ ( ﴿ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ ) لِانْجِذابِهِمْ إلَيْها بِالطَّبِيعَةِ ( ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ ﴾ ) نَهْيٌ لِلْيَهُودِ والنَّصارى عِنْدَ الكَثِيرِينَ مِن ساداتِنا، وقَدْ غَلا الفَرِيقانِ في دِينِهِمْ.

أمّا اليَهُودُ فَتَعَمَّقُوا في الظّاهِرِ ونَفْيِ البَواطِنِ، فَحَطُّوا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ والتَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا النَّصارى فَتَعَمَّقُوا في البَواطِنِ ونَفْيِ الظَّواهِرِ فَرَفَعُوا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى دَرَجَةِ الأُلُوهِيَّةِ.

( ﴿ ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ ) بِالجَمْعِ بَيْنَ الظَّواهِرِ والبَواطِنِ والجَمْعِ والتَّفْضِيلِ، كَما هو التَّوْحِيدُ المُحَمَّدِيُّ ( ﴿ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ ) الدّاعِي إلَيْهِ ( ﴿ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ ) أيْ: حَقِيقَةٌ مِن حَقائِقِهِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ ( ورُوحٌ مِنهُ ) أيْ: أمْرٌ قُدْسِيٌّ مُنَزَّهٌ عَنْ سائِرِ النَّقائِصِ.

وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّ سَبَبَ تَخْصِيصِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا الوَصْفِ أنَّ النّافِخَ لَهُ مِن حَيْثُ الصُّورَةُ الجِبْرِيلِيَّةُ هو الحَقُّ تَعالى لا غَيْرُهُ، فَكانَ بِذَلِكَ رُوحًا كامِلًا مُظْهِرًا لِاسْمِ اللَّهِ تَعالى، صادِرًا مِنِ اسْمٍ ذاتِيٍّ، ولَمْ يَكُنْ صادِرًا مِنَ الأسْماءِ الفَرْعِيَّةِ كَغَيْرِهِ، وما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى وسائِطُ كَما في أرْواحِ الأنْبِياءِ غَيْرِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَإنَّ أرْواحَهم - وإنْ كانَتْ مِن حَضْرَةِ اسْمَ اللَّهِ تَعالى - لَكِنَّها بِتَوَسُّطِ تَجَلِّياتٍ كَثِيرَةٍ مِن سائِرِ الحَضَراتِ الأسْمائِيَّةِ، فَما سُمِّيَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رُوحَ اللَّهِ تَعالى وكَلِمَتَهُ إلّا لِكَوْنِهِ وُجِدَ مِن باطِنِ أحَدِيَّةِ جَمْعِ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ، ولِذَلِكَ صَدَرَتْ مِنهُ الأفْعالُ الخاصَّةُ بِاللَّهِ تَعالى؛ مِن إحْياءِ المَوْتى، وخَلْقِ الطَّيْرِ، وتَأْثِيرِهِ في الجِنْسِ العالِي والجِنْسِ الدُّونِ، وكانَتْ دَعْوَتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى الباطِنِ والعالَمِ القُدْسِيِّ، فَإنَّ الكَلِمَةَ إنَّما هي مِن باطِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى وهُوِيَّتِهِ الغَيْبِيَّةِ، ولِذَلِكَ طَهَّرَ اللَّهُ تَعالى جِسْمَهُ مِنَ الأقْذارِ الطَّبِيعِيَّةِ؛ لِأنَّهُ رُوحٌ مُتَجَسِّدَةٌ في بَدَنٍ مِثالِيٍّ رُوحانِيٍّ إلى آخِرِ ما ذَكَرَهُ الإمامُ الشَّعْرانِيُّ في الجَواهِرِ والدُّرَرِ.

( ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ﴾ ) بِالجَمْعِ والتَّفْصِيلِ ( ﴿ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ ﴾ ) لِأنَّ ذَلِكَ يُنافِي التَّوْحِيدَ الحَقِيقِيَّ، وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الحَقِيقَةِ، فَإنَّ وجُودَهُ بِوُجُودِ اللَّهِ تَعالى، وحَياتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِحَياتِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - وعَلِمَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ ( ﴿ إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ) وهو الوُجُودُ المُطْلَقُ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ ( ﴿ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ﴾ ) أيْ أُنَزِّهُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ مَوْجُودٌ غَيْرُهُ، مُتَوَلِّدٌ مِنهُ، مُجالِسٌ لَهُ في الوُجُودِ ( ﴿ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ ) أيْ: ما في سَماواتِ الأرْواحِ وأرْضِ الأجْسادِ؛ لِأنَّها مَظاهِرُ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ عَزَّ شَأْنُهُ.

( ﴿ لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ﴾ ) في مَقامِ التَّفْصِيلِ، إذْ كُلُّ ما ظَهَرَ فَهو مُمْكِنٌ، والمُمْكِنُ لا وُجُودَ لَهُ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ عَبْدًا مُحْتاجًا ذَلِيلًا مُفْتَقِرًا غَيْرَ مُسْتَنْكِفٍ عَنْ ذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ ( ﴿ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ﴾ ) الَّذِينَ هم أرْواحٌ مُجَرَّدَةٌ، وأنْوارٌ قُدْسِيَّةٌ مَحْضَةٌ، وأمّا في مَقامِ الجَمْعِ فَلا عِيسى، ولا مَلَكٌ، ولا قُرْبٌ، ولا بُعْدٌ، ولا ولا ....

( ﴿ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ﴾ ) بِظُهُورِ أنانِيِّيهِ ( ﴿ ويَسْتَكْبِرْ ﴾ ) بِطُغْيانِهِ في الظُّهُورِ بِصِفاتِهِ ( ﴿ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا ﴾ ) بِظُهُورِ نُورِ وجْهِهِ وتَجَلِّيهِ بِصِفَةِ القَهْرِ، حَتّى يَفْنَوْا بِالكُلِّيَّةِ في عَيْنِ الجَمْعِ.

( ﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ) الإيمانَ الحَقِيقِيَّ، بِمَحْوِ الصِّفاتِ وطَمْسِ الذّاتِ ( ﴿ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ ) وراعَوْا تَفاصِيلَ الصِّفاتِ وتَجَلِّياتِها ( ﴿ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾ ) مِن جَنّاتِ صِفاتِهِ ( ﴿ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ ﴾ ) بِالوُجُودِ المُوهِبِ لَهم بَعْدَ الفَناءِ ( ﴿ وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا ﴾ ) وأظْهَرُوا الأنانِيَةَ ( ﴿ واسْتَكْبَرُوا ﴾ ) وطَغَوْا فَقالَ قائِلُهُمْ: أنا رَبُّكُمُ الأعلى مَعَ رُؤْيَتِهِ نَفْسَهُ ( ﴿ فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ ) بِاحْتِجابِهِمْ وحِرْمانِهِمْ.

( ﴿ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ ) وهو التَّوْحِيدُ الذّاتِيُّ ( ﴿ وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا ﴾ ) وهو التَّفْصِيلُ في عَيْنِ الجَمْعِ، فالأوَّلُ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، والثّانِي إلى الفُرْقانِ ( ﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ ﴾ ) ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى الأغْيارِ مِن حَيْثُ إنَّها أغْيارٌ ( ﴿ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ ﴾ ) وهي جَنّاتُ الأفْعالِ ( وفَضْلٍ ) وهو جَنّاتُ الصِّفاتِ ( ﴿ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ ) وهو الفَناءُ في الذّاتِ، أوِ الرَّحْمَةُ: جَنّاتُ الصِّفاتِ، والفَضْلُ: جَنّاتُ الذّاتِ، والهِدايَةُ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا الِاسْتِقامَةُ عَلى الوَحْدَةِ في تَفاصِيلِ الكَثْرَةِ، ولا حَجْرَ عَلى أرْبابِ الذَّوْقِ، فَكِتابُ اللَّهِ تَعالى بَحْرٌ لا تَنْزِفُهُ الدِّلاءُ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ، ونَسْألُهُ التَّوْفِيقَ لِفَهْمِ كَلامِهِ، وشَرْحَ صُدُورَنا بِعَوائِدِ إحْسانِهِ، ومَوائِدِ إنْعامِهِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ، ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي بياناً من ربكم وحجة من ربكم، وهو محمد  والقرآن وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً أي بياناً من العمى وبيان الحلال من الحرام، وهو القرآن.

قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ أي صدقوا بوحدانية الله تعالى وَاعْتَصَمُوا بِهِ أي تمسكوا بدينه فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ يعني الجنة وَفَضْلٍ أي الثواب وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ أي يرشدهم إلى دينه، ويوفقهم لذلك.

وفي الآية تقديم وتأخير فكأنه يقول: يهديهم في الدنيا صِراطاً مُسْتَقِيماً أي ديناً لا عوج فيه، ويثيبهم على ذلك ويدخلهم في الآخرة في رحمة منه وفضل وهو الجنة والكرامة.

قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ يعني يسألونك في حكم الميراث قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ روي عن قتادة أنه قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد، وكذلك قال ابن عباس: وروي عن أبي بكر الصديق  أنه قال: أنى قد رأيت رأياً فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمن نفسي ومن الشيطان: الكلالة ما عدا الوالد والولد.

وعن عمر بن الخطاب  أنه قال: ثلاث لا يكون رسول الله  بينهن لنا كان أحب إلي من الدنيا وما فيها: الكلالة، والخلافة، وأبواب الربا.

وروي عن النبي  أنه سئل عن الكلالة فقال: «أَلَمْ تَرَ الآيةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ» يعني هذا تفسير الكلالة.

وهذه الآية نزلت في شأن جابر بن عبد الله، سأل رسول الله  فقال: إن لي أختاً فما لي من ميراثها؟

فنزلت هذه الآية، فبيّن ميراث جابر أولاً ثم ميراث أخته، فصارت الآية عامة لجميع الناس.

قال: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ يعني إن مات رجل لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ مَا تَرَكَ من المال وَهُوَ يَرِثُها يعني إذا ماتت الأخت والأخ حيّ ورثها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ وقد ذكرت الآية حكم الأخ والأخت إذا لم يكن لهما ولد، ولم يبين أنه لو كان لأحدهما ولد فمات أحدهما فما حكمه؟

ولكن بيّن على لسان رسوله  أن للابنة النصف، وما بقي فللأخت وإن كانت الأخت هي التي ماتت وتركت ابنة وأخاً، فللابنة النصف وما بقي فللأخ.

وفي هذا إجماع وفي الأول اختلاف قال ابن عباس: لا ترث الأخت مع الابنة شيئاً، وخالفه جميع الصحابة وقالوا كلهم: الأخوات مع البنات عصبة.

ثم قال تعالى: فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ يعني: إذا كان للميت أختان أو أكثر فلهما الثلثان إذا كانتا اثنتين، وإن كنَّ أكثر من ذلك فلهنَّ الثلثان أيضاً بالإجماع.

ثم قال: وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً يعني إخوة وأخوات فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يعني لكل أخٍ سهمان ولكل أخت سهم، هذا إذا كانت الإخوة والأخوات من الأب والأم أو من الأب خاصة، فأما إذا كانوا من قبل الأم فهم شركاء في الثلث، ليس لهم أكثر من ذلك كما ذكرنا في أول السورة، وهذا بالإجماع.

ثم قال عز وجل: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا أي يبين الله لكم قسمة المواريث لكي لا تضلوا ولا تخطئوا في قسمتها.

وقد يحذف لا فيراد به إثباته كقوله وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [سورة لقمان: 10] يعني أن لا تميد بكم، وقد يذكر لا ويراد حذفه كقوله قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [سورة الأعراف: 12] يعني أن تسجد وكقوله لا أُقْسِمُ [سورة القيامة: 1] أقسم ثم قال تعالى: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من قسمة المواريث وغيره، أي اتبعوا مَا أَنزَلَ الله تعالى وبيّن لكم في كتابه، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ ...

الآية: إشارة إلى نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والبرهانُ: الحجة النَّيِّرة الواضحةُ الَّتي تُعْطِي اليقينَ التَّامَّ، والنُّورُ المُبِينُ: يعني القُرآن لأنَّ فيه بيانَ كُلِّ شيء، وفي «صحيح مسلم» ، عن زيدٍ بْنِ أرقَمَ، قال: قَامَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يَوْماً فِينَا خَطِيباً، فَحَمِدَ اللَّهَ تعالى، وأثنى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي، فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثِقْلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الهدى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّه، واستمسكوا» ، فَحَثَّ على كِتَاب اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُم اللَّهَ ثَلاَثاً فِي أَهْلِ بَيْتِي ...

» «١» الحديث، وفي روايةٍ: «كِتَابُ اللَّهِ فيهِ الهدى والنُّورُ مَنِ استمسك بِهِ، وَأَخَذَ بِهِ، كَانَ عَلَى الهدى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ، ضَلَّ» ، وفي رواية: «أَلاَ وَإنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثِقْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ، مَنِ اتبعه كَانَ عَلَى الهدى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ على ضَلاَلَةٍ» .

انتهى.

وقوله سبحانه: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ/ وَاعْتَصَمُوا بِهِ: أي: اعتصموا باللَّهِ، ويحتمل: اعتصموا بالقُرآن كما قال- عليه السلام-: «القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ عُصِمَ» «٢» ، والرحمة والفضل: الجنّة ونعيمها، ويَهْدِيهِمْ: معناه: إلى الفضل، وهذه هدايةُ طريقِ الجِنَانِ كما قال تعالى: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ...

[محمد: ٥] الآية لأنَّ هداية الإرشادِ قَدْ تقدَّمت، وتحصَّلت حينَ آمنوا باللَّه واعتصموا بكتابِهِ، فيهدِيهِمْ هنا بمعنى: يُعَرِّفهم، وباقي الآية بيّن.

وقوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ، قد تقدَّم القولُ في تفسير «الكَلاَلَةِ» في صَدْر السورةِ، وكان أمر الكَلاَلَةِ عنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب (رضي اللَّه عنه) مُشْكِلاً، واللَّه أعلم، ما الذي أَشْكَلَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لَهُ: «تَكْفِيكَ مِنْهَا آيَةُ الصَّيْفِ» «١» الَّتِي نَزَلَتْ فِي آخرِ سُورة «النساء» بيانٌ فيه كفايةٌ، قال كثيرٌ من الصحابة: هذه الآية هي من آخر ما نَزَلَ.

وقوله سبحانه: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا: التقدير: لئلاَّ تضِلُّوا، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، سبحانه، وصلَّى اللَّه على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ، وسلَّم تسليما.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.

رَوى أبُو الزُّبَيْرِ «عَنْ جابِرٍ قالَ: مَرِضَتُ فَأتانِي رَسُولُ اللَّهِ  يَعُودُنِي هو وأبُو بَكْرٍ [وَهُما ماشِيانِ] فَوَجَدَنِي قَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأ رَسُولُ اللَّهِ  ، ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِن وضُوئِهِ، فَأفَقْتُ، وقَلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أصْنَعُ في مالِي وكانَ لِي تِسْعُ أخَواتٍ، ولَمْ يَكُنْ لِي ولَدٌ؟

فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ، ثُمَّ خَرَجَ وتَرَكَنِي ثُمَّ رَجَعَ إلَيَّ وقالَ: يا جابِرُ لا أراكَ مَيِّتًا مِن وجَعِكَ هَذا، وإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ أنْزَلَ في أخَواتِكَ، وجَعَلَ لَهُنَّ الثُّلُثَيْنِ، فَقَرَأ عَلَيَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ ﴾ فَكانَ جابِرٌ يَقُولُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فِيَّ.» والثّانِي: أنَّ الصَّحابَةَ أهَمَّهم بَيانُ شَأْنِ الكَلالَةِ فَسَألُوا عَنْها نَبِيَّ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: «سَألَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَسُولَ اللَّهِ  ، كَيْفَ نُوَرِّثُ الكَلالَةَ؟

فَقالَ: "أوَلَيْسَ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ (وَإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً" ﴾ فَأنْزَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ.

﴾ » قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ ﴾ أيْ: ماتَ ﴿ (لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ﴾ يُرِيدُ: ولا والِدٌ: فاكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِهِما، ويَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ أنَّ الفُتْيا في الكَلالَةِ، وهي مَن لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولا والِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ أُخْتٌ ﴾ يُرِيدُ مِن أبِيهِ وأُمِّهِ ﴿ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ ﴾ عِنْدَ انْفِرادِها ﴿ وَهُوَ يَرِثُها ﴾ أيْ: يَسْتَغْرِقُ مِيراثَ الأُخْتِ إذا لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ ولا والِدٌ، وهَذا هو الأخُ مِنَ الأبِ والأُمِّ، أوْ مِنَ الأبِ ﴿ فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ ﴾ يَعْنِي: أُخْتَيْنِ.

وسُئِلَ الأخْفَشُ ما فائِدَةُ قَوْلِهِ "اثْنَتَيْنِ" و"كانَتا" لا يُفَسَّرُ إلّا بِاثْنَتَيْنِ؟

فَقالَ: أفادَتِ العَدَدَ العارِيَ عَنِ الصِّفَةِ، لِأنَّهُ يَجُوزُ في "كانَتا" صَغِيرَتَيْنِ، أوْ حُرَّتَيْنِ، أوْ صالِحَتَيْنِ، أوْ طالِحَتَيْنِ، فَلَمّا قالَ: "اثْنَتَيْنِ" فَإذا إطْلاقُ العَدَدِ عَلى أيِّ وصْفٍ كانَتا عَلَيْهِ ﴿ فَلَهُما الثُّلُثانِ ﴾ مِن تَرِكَةِ أخِيهِما المَيِّتِ ﴿ وَإنْ كانُوا ﴾ يَعْنِي: المُخَلِّفِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِئَلّا تَضِلُّوا.

وقالَ الزَّجّاجُ: فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ لا تَضِلُّوا، فَأُضْمِرَتْ لا.

والثّانِي: كَراهِيَةَ أنْ تَضِلُّوا، وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أنْ تَضِلُّوا في شَأْنِ المَوارِيثِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وهو يَرِثُها إنِ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُلُثانِ مِمّا تَرَكَ وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَفْسِيرِ "الكَلالَةِ"؛ في صَدْرِ السُورَةِ؛ وأنَّ المُتَرَجَّحُ أنَّها الوِراثَةُ الَّتِي خَلَتْ مِن أبٍ وابْنٍ وابْنَةٍ؛ ولَمْ يَكُنْ فِيها عَمُودُ نَسَبٍ؛ لا عالٍ؛ ولا سافِلٍ؛ وبَقِيَ فِيها مَن يَتَكَلَّلُ؛ أيْ: يُحِيطُ مِنَ الجَوانِبِ؛ كَما يُحِيطُ الإكْلِيلُ.

وكانَ أمْرُ الكَلالَةِ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مُشْكِلًا؛ فَقالَ: « "ما راجَعْتُ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في شَيْءٍ مُراجَعَتِي إيّاهُ في الكَلالَةِ؛ ولَوَدِدْتُ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَمُتْ حَتّى يُبَيِّنَها"؛» وقالَ - عَلى المِنبَرِ -: « "ثَلاثٌ لَوْ بَيَّنَها رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَكانَ أحَبَّ إلَيَّ مِنَ الدُنْيا: اَلْجِدُّ والكَلالَةُ؛ والخِلافَةُ؛ وأبْوابٌ مِنَ الرِبا"؛» ورُوِيَ عنهُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ كَتَبَ فِيها كِتابًا؛ فَمَكَثَ يَسْتَخِيرُ اللهَ فِيهِ؛ ويَقُولُ: "اَللَّهُمَّ إنْ عَلِمْتَ فِيهِ خَيْرًا فَأمْضِهِ"؛ فَلَمّا طُعِنَ دَعا بِالكِتابِ؛ فَمُحِيَ؛ فَلَمْ يَدْرِ أحَدٌ ما كانَ فِيهِ"؛ ورَوى الأعْمَشُ عن إبْراهِيمَ؛ وسائِرِ شُيُوخِهِ؛ قالَ: ذَكَرُوا أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - قالَ: "لَأنْ أكُونَ أعْلَمُ الكَلالَةَ أحَبُّ إلَيَّ مِن جِزْيَةِ قُصُورِ الشامِ"؛ وقالَ طارِقُ بْنُ شِهابٍ: أخَذَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ كَتِفًا؛ وجَمَعَ أصْحابَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ثُمَّ قالَ: "لَأقْضِيَنَّ في الكَلالَةِ قَضاءً تُحَدِّثُ بِهِ النِساءُ في خُدُورِها"؛ فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ حَيَّةٌ مِنَ البَيْتِ فَتَفَرَّقُوا؛ فَقالَ عُمَرُ: "لَوْ أرادَ اللهُ أنْ يُتِمَّ هَذا الأمْرَ لَأتَمَّهُ"؛ وقالَ مَعْدانُ بْنُ أبِي طَلْحَةَ: «خَطَبَ عُمَرُ بِالناسِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقالَ: "إنِّي واللهِ ما أدَعُ بَعْدِي شَيْئًا هو أهَمُّ إلَيَّ مِن أمْرِ الكَلالَةِ؛ وقَدْ سَألْتُ عنها رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَما أغْلَظَ لِي في شَيْءٍ ما أغْلَظَ لِي فِيها؛ حَتّى طَعَنَ في نَحْرِي وقالَ: (تَكْفِيكَ آيَةُ الصَيْفِ؛ الَّتِي أُنْزِلَتْ في آخِرِ سُورَةِ النِساءِ؛ فَإنْ أعِشْ فَسَأقْضِي فِيها بِقَضِيَّةٍ لا يَخْتَلِفُ مَعَها اثْنانِ مِمَّنْ يَقْرَأُ القُرْآنَ)"؛» وسُئِلَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ عَنِ الكَلالَةِ فَقالَ: ألا تَعْجَبُونَ لِهَذا؟

يَسْألُنِي عَنِ الكَلالَةِ؛ وما أعْضَلَ بِأصْحابِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شَيْءٌ ما أعْضَلَتْ بِهِمُ الكَلالَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَظاهِرُ كَلامِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّ آيَةَ الصَيْفِ هي هَذِهِ؛ ورَوى أبُو سَلَمَةَ «عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الكَلالَةِ؛ فَقالَ: "ألَمْ تَسْمَعِ الآيَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ في الصَيْفِ: ﴿ وَإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً  ﴾ » ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: هَذا هو الظاهِرُ؛ لِأنَّ البَراءَ بْنَ عازِبٍ قالَ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ ﴾ ؛ وقالَ كَثِيرٌ مِنَ الصَحابَةِ: هي مِن آخِرِ ما نَزَلَ؛ «وَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: نَزَلَتْ بِسَبَبِي؛ عادَنِي رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأنا مَرِيضٌ؛ فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ: كَيْفَ أقْضِي في مالِي؟

وكانَ لِي تِسْعُ أخَواتٍ؛ ولَمْ يَكُنْ لِي والِدٌ ولا ولَدٌ: فَنَزَلَتِ الآيَةُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "تَكْفِيكَ مِنها آيَةُ الصَيْفِ"؛» بَيانٌ فِيهِ كِفايَةٌ وجَلاءٌ؛ ولا أدْرِي ما الَّذِي أشْكَلَ مِنها عَلى الفارُوقِ - رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِ -؛ إلّا أنْ تَكُونَ دَلالَةُ اللَفْظِ لَمْ تَطَّرِدْ لَهُ؛ أنْ كانَ اسْتِعْمالُ قُرَيْشٍ لَها قَلِيلًا؛ ولا مَحالَةَ أنَّ دَلالَةَ اللَفْظِ اضْطَرَبَتْ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الناسِ؛ ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُهُمْ: اَلْكَلالَةُ: اَلْمَيِّتُ نَفْسُهُ؛ وقالَ آخَرُونَ: اَلْكَلالَةُ: اَلْمالُ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الخِلافِ؛ وإذا لَمْ يَكُنْ في الفَرِيضَةِ والِدٌ؛ ولا ولَدٌ؛ وتَرَكَ المَيِّتُ أُخْتًا؛ فَلَها النِصْفُ؛ فَرْضًا مُسَمًّى بِهَذِهِ الآيَةِ؛ فَإنْ تَرَكَ المَيِّتُ بِنْتًا؛ وأُخْتًا؛ فَلِلْبِنْتِ النِصْفُ؛ ولِلْأُخْتِ النِصْفُ؛ بِالتَعْصِيبِ؛ لا بِالفَرْضِ المُسَمّى؛ ولِعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ ؛ وعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ ؛ في هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافٌ لِلنّاسِ؛ وذُكِرَ عن أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -أنَّهُ قالَ - في خُطْبَتِهِ -: "ألا إنَّ آيَةَ أوَّلِ سُورَةِ النِساءِ أنْزَلَها اللهُ في الوَلَدِ والوالِدِ؛ والآيَةَ الثانِيَةَ أنْزَلَها اللهُ في الزَوْجِ؛ والزَوْجَةِ؛ والإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ؛ والآيَةَ الَّتِي خَتَمَ بِها سُورَةَ النِساءِ أنْزَلَها في الإخْوَةِ؛ والأخَواتِ مِنَ الأبِ؛ والأُمِّ؛ والآيَةَ الَّتِي خَتَمَ بِها سُورَةَ الأنْفالِ أنْزَلَها اللهُ في أُولِي الأرْحامِ".

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَإنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنْ تَضِلُّوا" ﴾ ؛ مَعْناهُ: "كَراهِيَةَ أنْ تَضِلُّوا؛ وحَذَرَ أنْ تَضِلُّوا"؛ فالتَقْدِيرُ: "لِئَلّا تَضِلُّوا"؛ ومِنهُ قَوْلُ القُطامِيِّ - في صِفَةِ ناقَةٍ: رَأيْنا ما يَرى البُصَراءُ مِنها ∗∗∗ فَآلَيْنا عَلَيْها أنْ تُباعا وكانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - إذا قَرَأ: ﴿ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا ﴾ ؛ قالَ: اَللَّهُمَّ مَن بَيَّنْتَ لَهُ الكَلالَةَ فَلَمْ تَتَبَيَّنْ لِي.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لا مناسبة بين هذه الآية وبين اللاّتي قبلها، فوقوعها عقبها لا يكون إلاّ لأجْل نزولها عقب نزول ما تقدّمها من هذه السورة مع مناسبتها لآية الكلالة السابقة في أثناء ذكر الفرائض؛ لأنّ في هذه الآية بياناً لحقيقة الكلالة أشار إليه قوله تعالى: ﴿ ليس له ولد ﴾ ، وقد تقدّم في أوّل السّورة أنَّه ألحق بالكلالة المالك الّذي ليس له والد، وهو قول الجمهور ومالك بن أنس.

فحكُم الكلالة قد بيّن بعضه في آية أول هذه السورة، ثمّ إنّ النّاس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صورة أخرى من صور الكلالة.

وثبت في الصحيح أنّ الذي سأله هو جابر بن عبد الله قال: عادني رسول الله وأبُو بكر ماشيين في بني سَلِمة فوجداني مغمى عليّ فتوضّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبّ عليّ وَضوءه فأفقتُ وقلت: كيف أصنع في مالي فإنَّما يرثني كلالة.

فنزل قوله تعالى: ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ الآية.

وقد قيل: إنّها نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم متجهّز لحجّة الوداع في قضية جابر بن عبد الله.

فضمير الجماعة في قوله: ﴿ يستفتونك ﴾ غير مقصود به جمع، بل أريد به جنس السائلين، على نحو: «ما بال أقوام يشترطون شروطاً» وهذا كثير في الكلام.

ويجوز أن يكون السؤال قد تكرّر وكان آخرُ السائلين جابرَ بن عبد الله فتأخّر الجواب لمن سأل قبله، وعُجّل البيان له لأنّه وقتُ الحاجة لأنّه كان يظنّ نفسه ميّتاً من ذلك المرض وأراد أن يوصي بماله، فيكون من تأخير البيان إلى وقت الحاجة.

والتعبير بصيغة المضارع في مادة السؤال طريقة مشهورة، نحو: ﴿ يسألونك عن الأهلّة ﴾ [البقرة: 189]، ﴿ ويسألونك ماذا ينفقون ﴾ [البقرة: 219].

لأنّ شأن السؤال يتكرّر، فشاع إيراده بصيغة المضارع، وقد يغلب استعمال بعض صيغ الفعل في بعض المواقع، ومنه غلبة استعمال المضارع في الدعاء في مقام الإنكار: كقول عائشة «يرحم الله أبا عبد الرحمن» (تعني ابن عمر).

وقولهم: «يغفر الله له».

ومنه غلبة الماضي مع لا النافية في الدعاء إذا لم تكرّر لا؛ نحو «فَلا رَجَع».

على أنّ الكلالة قد تكرّر فيها السؤال قبل نزول الآية وبعدها.

وقد قال عمر بن الخطّاب: ما راجعتُ رسول الله في شيء مراجعتي إيَّاه في الكلالة، وما أغلظ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما أغلظ لي فيها حتّى طعن في نحري، وقال: " يكفيك آية الصيف الّتي في آخر سورة النساء " وقوله: ﴿ في الكلالة ﴾ يتنازعه في التعلّق كلّ من فعل (يستفتونك) وفعل (يفتيكم).

وقد سمّى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية بآية الصيف، وعُرِفت بذلك، كما عُرفت آية الكلالة التي في أوّل السورة بآية الشتاء، وهذا يدلّنا على أنّ سورة النّساء نزلت في مدّة متفرّقة من الشتاء إلى الصيف وقد تقدّم هذا في افتتاح السورة.

وقد روي: أنّ هذه الآية في الكلالة نزلت في طريق حجّة الوداع، ولا يصحّ ذلك لأنّ حجّة الوداع كانت في زمن البرد لأنّه لا شكّ أنّ غزوة تبوك وقعت في وقت الحرّ حين طابت الثّمار، والنّاس يحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم، وذلك يقتضي أن تكون غزوة تبوك في نحو شهر أغسطس أو اشتنبر وهو وقت طيب البسر والرطب، وكانت سنة تسع وكانت في رجب ونزل فيها قوله تعالى: ﴿ وقالوا لا تَنفِروا في الحرّ ﴾ [التوبة: 81].

ثم كانت حجّة أبي بكر في ذي القعدة من تلك السنة، سنة تسع، وذلك يوافق دجنبر.

وكان حجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجّة الوداع في ذي الحجّة من سنة عشر فيوافق نحو شهر دجنبر أيضاً.

وعن عمر بن الخطّاب: أنَّه خطب فقال: «ثلاث لو بيَّنَها رسول الله لكان أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها: الجَدّ.

والكلالةُ، وأبوابُ الرّبا».

وفي رواية والخِلافة.

وخطب أيضاً فقال: والله إنّي ما أدع بعدي شيئاً هو أهمّ إليّ من أمر الكلالة.

وقال في مجمع من الصحابة: لأقضينّ في الكلالة قضاء تتحدّث به النّساء في خدورها.

وأنّه كتب كتاباً في ذلك فمكث يستخير الله فيه، فلمّا طعن دعا بالكتاب فمحاه.

وليس تحيّر عمر في أمر الكلالة بتحيْر في فهم ما ذكره الله تعالى في كتابه ولكنّه في اندراج ما لم يذكره القرآن تحت ما ذكره بالقياس.

وقد ذكر القرآن الكلالة في أربع آيات: آيتَيْ هذه السورة المذكور فيها لفظ الكلالة، وآية في أوّل هذه السورة وهي قوله: ﴿ فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث ﴾ [النساء: 11].

وآية آخر الأنفال (75) وهي قوله: ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ في كتاب الله عند من رأى توارث ذوي الأرحام.

ولا شكّ أنّ كلّ فريضة ليس فيها ولد ولا والد فهي كلالة بالاتّفاق، فأمّا الفريضة التي ليس فيها ولد وفيها والد فالجمهور أنَّها ليست بكلالة.

وقال بعض المتقدّمين: هي كلالة.

وأمَره بأن يجيب بقوله: الله يفتيكم} للتنويه بشأن الفريضة، فتقديم المسند إليه للاهتمام لا للقصر، إذ قد علم المستفتون أنّ الرسول لا ينطق إلاّ عن وحي، فهي لمّا استفتوه فإنّما طلبوا حكم الله، فإسناد الإفتاء إلى الله تنويه بهذه الفريضة.

والمراد بالأخت هنا الأخت الشقيقة أو الَّتي للأب في عدم الشقيقة بقرينة مخالفة نصيبها لنصيب الأخت للأمّ المقصودة في آية الكلالة الأولى، وبقرينة قوله: ﴿ وهو يرثها ﴾ لأنّ الأخ للأمّ لا يرث جميع المال إن لم يكن لأخته للأمّ ولد إذ ليس له إلاّ السدس.

وقوله: ﴿ إن امرؤ هلك ﴾ تقديره: إن هلك امرؤ، فامرؤ مخبَر عنه ب (هلَكَ) في سياق الشرط، وليس (هَلَك) بوصف ل (امرؤ) فلذلك كان الامرؤ المفروض هنا جنساً عامّاً.

وقوله: ﴿ وهو يرثها ﴾ يعود الضمير فيه على لفظ (امرؤ) الواقع في سياق الشرط، المفيد للعموم: ذلك أنَّه وقع في سياق الشرط لفظ (امرؤ) ولفظ (أخ) أو (أخت)، وكلّها نكرات واقعة في سياق الشرط، فهي عامّة مقصود منها أجناس مدلولاتها، وليس مقصوداً بها شخص معيّن قد هلك، ولا أخت معيّنة قد ورثت، فلمّا قال ﴿ وهو يرثها ﴾ كان الضمير المرفوع راجعاً إلى (امرؤ) لا إلى شخص معيّن قَد هلك، إذ ليس لمفهوم اللفظ هنا فرد معيّن فلا يشكل عليك بأنّ قوله: ﴿ امرؤ هلك ﴾ يتأكّد بقوله: ﴿ وهو يرثها ﴾ إذ كيف يصير الهالك وارثاً.

وأيضاً كان الضمير المنصوب في «يرثها» عائداً إلى مفهوم لفظ أخت لا إلى أخت معيّنة، إذ ليس لمفهوم اللّفظ هنا فرد معيّن، وعلم من قوله: ﴿ يرثها ﴾ أنّ الأخت إن توفّيت ولا ولد لها يرثها أخوها، والأخ هو الوارث في هذه الصورة، وهي عكس التي قبلها.

فالتقدير: ويرث الأختَ امرؤ إن هلكت أخته ولم يكن لها ولد.

وعلم معنى الإخوة من قوله: ﴿ وله أخت ﴾ ، وهذا إيجاز بديع، ومَع غاية إيجازه فهو في غاية الوضوح، فلا يشكل بأنّ الأخت كانت وارثة لأخيها فكيف عاد عليها الضمير بأن يرثها أخوها الموروث، وتصير هي موروثة، لأنّ هذا لا يفرضه عالم بالعربية، وأنَّما يُتوهّم ذلك لو وقع الهلك وصفاً لامرئ؛ بأن قيل: المرء الهالك يرثه وارثه وهو يرث وارثه إن مَات وارثه قبله.

والفرق بين الاستعمالين رشيق في العربية.

وقوله: ﴿ يبيّن الله لكم أن تضلّوا ﴾ امتنان، و ﴿ أن تضلّوا ﴾ تعليل ل (يبيّنُ) حذفت منه اللام، وحذفُ الجار مع (أن) شائع.

والمقصود التعليل بنفي الضلال لا لوقوعه؛ لأنّ البيان ينافي التضليل، فحُذفت لا النافية، وحذفها مَوجود في مواقع من كلامهم إذا اتّضح المعنى، كما ورد مع فعل القسم في نحو: فآليْنَا علَيها أنْ تُبَاعا *** أي أن لا تباع، وقوله: آليتُ حَبّ العِراق الدهرَ أطْعَمُه *** وهذا كقول عمرو بن كلثوم: نَزلتم منزل الأضياف منّا *** فعجَّلنا القِرى أنْ تشتمونا أي أن لا تشتمونا بالبخل، وهذا تأويل الكوفيين، وتأوّل البَصريون الآية والبيت ونظائرهما على تقدير مضاف يدلّ عليه السياق هو المفعول لأجله، أي كراهة أن تضلّوا، وبذلك قدّرها في «الكشاف».

وقد جعل بعض المفسّرين ﴿ أن تضلّوا ﴾ مفعولاً به ل (يبيّن) وقال: المعنى أنّ الله فيما بيّنه من الفرائض قد بيّن لكم ضَلالكم الذي كنتم عليه في الجاهلية، وهذا بعيد؛ إذ ليس ما فعلوه في الجاهلية ضلالاً قبل مجيء الشريعة، لأنّ قسمة المال ليست من الأفعال المشتملة على صفة حسن وقبيح بيّنه إلاّ إذا كان فيها حرمَان لمن هو حقيق بالمؤاساة والمبرّة، ولأنّ المصدر مع (أن) يتعيّن أن يكون بمعنى المستقبل، فكيف يصحّ أن يراد ب ﴿ أن تضلّوا ﴾ ضلالاً قد مضى، وسيجيء زيادة بيان لهذا عند قوله تعالى: ﴿ أن تقولوا إنَّما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ﴾ في سورة الأنعام (156).

وعن عمر أنَّه كان إذا قرأ هذه الآية يقول: اللَّهمّ من بُيِّنَتْ له الكلالةُ فلم تُبيَّنْ لي رواه الطبري، وفي سنده انقطاع، وقد ضعّفوه.

وقوله: والله بكلّ شيء عليم } تذييل.

وفي هذه الآية إيذان بختم الكلام، كقوله: ﴿ هذا بلاغ للنّاس وليُنذروا به ﴾ [إبراهيم: 52] الآية، وكقوله تعالى في حكاية كلام صاحب موسى ﴿ ذلك تأويل ما لم تسْطِع عليه صبراً ﴾ [الكهف: 82].

فتُؤذن بختام السورة.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ ﴾ الآيَةَ.

قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كامِلَةً سُورَةُ بَراءَةٌ، وآخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ خاتِمَةً سُورَةَ النِّساءِ ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ ﴾ «وَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيَّ، وقَدْ سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ  حِينَ عادَنِي في مَرَضِي، ولِي تِسْعُ أخَواتٍ، كَيْفَ أصْنَعُ بِمالِي؟

فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ ﴾ » إلى آخِرِ السُّورَةِ.

وَقالَ ابْنُ سِيرِينَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى النَّبِيِّ  وهو في مَسِيرَةٍ، وإلى جَنْبِهِ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، فَبَلَّغَها رَسُولُ اللَّهِ  حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، وبَلَّغَها حُذَيْفَةُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، وهو يَسِيرُ خَلْفَهُ

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن سعد وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن جابر بن عبدالله قال: «دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ ثم صب عليَّ فعقلت، فقلت إنه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث؟

فنزلت آية الفرائض» .

وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن جابر قال: أنزلت فيَّ ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ .

وأخرج ابن راهويه وابن مردويه عن عمر.

أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تورث الكلالة؟

فأنزل الله: ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة..

﴾ إلى آخرها.

فكأن عمر لم يفهم فقال لحفصة: إذا رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب نفس فسليه عنها، فرأت منه طيب نفس فسألته فقال: «أبوك ذكر لك هذا، ما أرى أباك يعلمها؟

فكان عمر يقول ما أراني أعلمها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال» .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن مردويه عن طاوس «أن عمر أمر حفصة أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، فسألته، فأملاها عليها في كتف، وقال: من أمرك بهذا، أعمر..؟

ما أراه يقيمها، أو ما تكفيه آية الصيف؟

قال سفيان: وآية الصيف التي في النساء ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ﴾ [ النساء: 12] فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت الآية التي في خاتمة النساء» .

وأخرج مالك ومسلم وابن جرير والبيهقي عن عمر قال: «ما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر ما سألته عن الكلالة، حتى طعن بأصبعه في صدري وقال: تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء» .

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والبيهقي عن البراء بن عازب قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الكلالة؟

فقال: تكفيك آية الصيف» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في المراسيل والبيهقي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الكلالة؟

فقال: «أما سمعت الآية التي أنزلت في الصيف ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ فمن لم يترك ولداً ولا والداً فورثته كلالة» وأخرجه الحاكم موصولا عن أبي سلمة عن أبي هريرة.

وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر عن عمر قال: «ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه.

الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا» .

وأخرج أحمد عن عمر قال: «سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فقال: تكفيك آية الصيف» ، فلأن أكون سألت النبي صلى الله عليه وسلم عنها أحب إليّ من أن يكون لي حمر النعم.

وأخرج عبد الرزاق والعدني وابن المنذر والحاكم عن عمر قال: «لأن أكون سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاث أحب إليَّ من حمر النعم: عن الخليفة بعده، وعن قوم قالوا: نقر بالزكاة من أموالنا ولا نؤديها إليك أيحل قتالهم؟

وعن الكلالة» .

وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق والعدني وابن ماجه والساجي وابن جرير والحاكم والبيهقي عن عمر قال: «ثلاث لأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بيَّنهنَّ لنا أحب إليّ من الدنيا وما فيها: الخلافة، والكلالة، والربا» .

وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل يستفتيه في الكلالة أنبئني يا رسول الله أكلالة الرجل يريد إخوته من أبيه وأمه؟

فلم يقل له رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، غير أنه قرأ عليه آية الكلالة التي في سورة النساء، ثم عاد الرجل يسأله، فكلما سأله قرأها حتى أكثر وصخب الرجل، واشتد صخبه من حرصه على أن يبيِّن له النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه الآية، ثم قال له: «إني والله لا أزيدك على ما أعطيت» .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كنت آخر الناس عهداً بعمر، فسمعته يقول: القول ما قلت.

قلت: وما قلت؟

قال: قلت: الكلالة من لا ولد له.

وأخرج ابن جرير عن طارق بن شهاب قال: أخذ عمر كتفاً وجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: لأقضين في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورهن، فخرجت حينئذ حية من البيت فتفرقوا، فقال: لو أراد الله أن يتم هذا الأمر لأتمه.

وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب.

إن عمر كتب في الجد والكلالة كتاباً فمكث يستخير الله يقول: اللهم إن علمت أن فيه خيراً فامضه، حتى إذا طعن دعا بالكتاب فمحا ولم يدر أحد ما كتب فيه، فقال: إني كنت كتبت في الجد والكلالة كتاباً، وكنت أستخير الله فيه فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه.

وأخرج عبد الرزاق وابن سعد عن ابن عباس قال: أنا أوّل من أتى عمر حين طعن فقال: احفظ عني ثلاثاً فإني أخاف أن لا يدركني الناس: أما أنا فلم أقض في الكلالة، ولم أستخلف على الناس خليفة، وكل مملوك له عتيق.

وأخرج أحمد عن عمرو القاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على سعد وهو وجع مغلوب، فقال: يا رسول الله إن لي مالاً، وإني أورث كلالة، أفأوصي بمالي أو أتصدَّق به؟

قال: لا.

قال: أفأوصي بثلثيه؟

قال: لا.

قال: أفأوصي بشطره؟

قال: لا.

قال: أفأوصي بثلثه؟

قال: «نعم، وذاك كثير» .

وأخرج ابن سعد والنسائي وابن جرير والبيهقي في سننه «عن جابر قال: اشتكيت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ، فقلت: يا رسول الله أوصي لأخواني بالثلث؟

قال: أحسن.

قلت: بالشطر؟

قال: أحسن، ثم خرج، ثم دخل علي فقال: لا أراك تموت في وجعك هذا، إن الله أنزل وبيَّن ما لأخواتك وهو الثلثان،» فكان جابر يقول: نزلت هذه الآية في ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ .

وأخرج العدني والبزار في مسنديهما وأبو الشيخ في الفرائض بسند صحيح عن حذيفة قال: «نزلت آية الكلالة على النبي صلى الله عليه وسلم في مسير له، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو بحذيفة فلقاه إياه، فنظر حذيفة فإذا عمر فلقاه إياه، فلما كان في خلافة عمر نظر عمر في الكلالة فدعا حذيفة فسأله عنها، فقال حذيفة: لقد لقانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيتك كما لقاني- والله- لا أزيدك على ذلك شيئاً أبداً» .

وأخرج أبو الشيخ في الفرائض عن البراء قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة؟

فقال: «ما خلا الولد والوالد» .

وأخرج ابن أبي شيبة والدارمي وابن جرير عن أبي الخير.

أن رجلاً سأل عقبة بن عامر عن الكلالة؟

فقال: ألا تعجبون من هذا يسألني عن الكلالة، وما أعضل بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ما أعضلت بهم الكلالة؟!.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والدرامي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن الشعبي قال: سئل أبو بكر عن الكلالة فقال: إني سأقول فيها برأيي، فإذا كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله منه بريء، أراه ما خلا الولد والوالد، فلما استخلف عمر قال: الكلالة ما عدا الولد، فلما طعن عمر قال: إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر رضي الله عنه.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي بكر الصديق.

أنه قال: من مات ليس له ولد ولا والد فورثته كلالة، فضج منه علي ثم رجع إلى قوله.

وأخرج عبد الرزاق عن عمرو بن شرحبيل قال: ما رأيتهم إلا قد تواطأوا، إن الكلالة من لا ولد له ولا والد.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والدرامي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق الحسن بن محمد بن الحنفية قال: سألت ابن عباس عن الكلالة قال: هو ما عدا الوالد والولد.

فقلت له ﴿ إن امرؤ هلك ليس له ولد ﴾ فغضب وانتهرني.

وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس قال: الكلالة.

من لم يترك ولداً ولا والداً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن السميط قال: كان عمر يقول: الكلالة: ما خلا الولد والوالد.

وأخرج ابن المنذر عن الشعبي قال: الكلالة ما كان سوى الوالد والولد من الورثة، إخوة أو غيرهم من العصبة.

كذلك قال: علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر عن ابن عباس قال: الكلالة.

الميت نفسه.

وأخرج ابن جرير عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: قال عمر بن الخطاب «ما أغلظ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ما نازعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما نازعته في آية الكلالة، حتى ضرب صدري فقال: يكفيك منها آية الصيف ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ وسأقضي فيها بقضاء يعلمه من يقرأ ومن لا يقرأ، هو ما خلا الرب» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن سيرين قال: نزلت ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ والنبي صلى الله عليه وسلم في مسير له، وإلى جنبه حذيفة بن اليمان، فبلغها النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة، وبلغها حذيفة عمر بن الخطاب وهو يسير خلفه، فلما استخلف عمر سأل عنها حذيفة ورجا أن يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة: والله إنك لعاجز إن ظننت أن أمارتك تحملني أن أحدثك ما لم أحدثك يومئذ، فقال عمر: لم أرد هذا رحمك الله.

وأخرج ابن جرير عن عمر قال: لأن أكون أعلم الكلالة أحب إليَّ من أن يكون لي جزية قصور الشام.

وأخرج ابن جرير عن الحسن بن مسروق عن أبيه قال: سألت عمر وهو يخطب الناس عن ذي قرابة لي ورث كلالة، فقال: الكلالة الكلالة الكلالة، وأخذ بلحيته ثم قال: والله لأن أعلمها أحب إليَّ من أن يكون لي ما على الأرض من شيء، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ألم تسمع الآية التي أنزلت في الصيف؟» فأعادها ثلاث مرات.

وأخرج ابن جرير عن أبي سلمة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الكلالة، فقال: «ألم تسمع الآية التي أنزلت في الصيف ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة ﴾ [ النساء: 12] إلى آخر الآية» .

وأخرج أحمد بسند جيد عن زيد بن ثابت أنه سئل عن زوج وأخت لأب وأم؟

فأعطى الزوج النصف، والأخت النصف، فكلم في ذلك فقال: حضرت النبي صلى الله عليه وسلم قضى بذلك.

وأخرج عبد الرزاق والبخاري والحاكم عن الأسود قال: قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابنة وأخت للإبنة النصف، وللأخت النصف.

وأخرج عبد الرزاق والبخاري والحاكم والبيهقي عن هزيل بن شرحبيل.

أن أبا موسى الأشعري سئل عن ابنة، وابنة ابن، وأخت لأبوين؟

فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف، وائت ابن مسعود فيتابعني.

فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى، فقال: لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، اقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم للابنة النصف، ولابنة الإبن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت، فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن ابن عباس أنه سئل عن رجل توفي وترك ابنته وأخته لأبيه وأمه فقال: للبنت النصف، وليس للأخت شيء، وما بقي فلعصبته فقيل: إن عمر جعل للأخت النصف.

فقال ابن عباس: أأنتم أعلم أم الله؟

قال الله: ﴿ إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فنصف ما ترك ﴾ فقلتم أنتم لها النصف وإن كان له ولد.

وأخرج ابن المنذر والحاكم عن ابن عباس قال: شيء لا تجدونه في كتاب الله، ولا في قضاء رسول الله، وتجدونه في الناس كلهم، للابنة النصف، وللأخت النصف، وقد قال الله: ﴿ إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ﴾ .

وأخرج الشيخان عن ابن عباس.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت فلأول رجل ذكر» .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ يستفتونك ﴾ قال: سألوا نبي الله عن الكلالة ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ قال في شأن المواريث.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن البراء قال: آخر سورة نزلت كاملة [براءة] وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ .

وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد والبيهقي في سننه عن قتادة قال: ذكر لنا أن أبا بكر الصديق قال في خطبته: ألا إن الآية التي أنزلت في سورة النساء في شأن الفرائض أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله مما جرت به الرحم من العصبة.

وأخرج الطبراني في الصغير عن أبي سعيد «أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حماراً إلى قباء يستخير في العمة والخالة، فأنزل الله لا ميراث لهما» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن سيرين قال: كان عمر بن الخطاب إذا قرأ ﴿ يبيِّن الله لكم أن تضلوا ﴾ قال: اللهم من بيِّنت له الكلالة فلم تتبيَّن لي.

وأخرج أحمد عن عمرو القاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على سعد وهو وجع وغلوب، فقال: يا رسول الله إن لي مالاً، وإني أورث كلالة، أفأوصي بمالي أو أتصدَّق به؟

قال: لا.

قال: أفأوصي بثلثيه؟

قال: لا.

قال: أفأوصي بشطره؟

قال: لا.

قال: أفاوصي بثلثه؟

قال: «نعم، وذاك كثير» .

وأخرج الطبراني عن خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت كتب لمعاوية رسالة: بسم الله الرحمن الرحيم.

لعبدالله معاوية أمير المؤمنين من زيد بن ثابت، سلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنك كتبت تسألني عن ميراث الجد والإخوة، وإن الكلالة وكثيراً مما قضى به في هذه المواريث لا يعلم مبلغها إلا الله، وقد كنا نحضر من ذلك أموراً عند الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوعينا منها ما شئنا أن نعي، فنحن نفتي بعد من استفتاناً في المواريث.

والله أعلم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَة ﴾ الآية.

قد بينا معنى الكلالة واشتقاقها في اللغة في أول السورة.

قال العلماء: إن الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين، إحداهما في الشتاء وهي التي في أول هذه السورة، والأخرى في الصيف، وهي هذه الآية، ولهذا تسمى هذه الآية آية الصيف (١) ونزلت هذه الآية والنبي  مُتجهز للحج، فهي من آواخر ما نزل من القرآن (٢) والمراد بالكلالة في الآية الأولى: الموروث، والمراد في هذه الآية بالكلالة الوارث، وكل وارث سوى الوالد والولد كلالة، وكذلك كل موروث سواهما.

وعند ابن عباس وأكثر المفسرين نزلت هذه الآية في جابر بن عبد الله، مرض بالمدينة فأتاه النبي  عائدًا، فقال: "يا رسول الله: إني كلالة، ولا أب لي ولا ولد، فكيف أصنع في مالي؟

".

فأنزل الله هذه الآية (٣) وفي رواية أخرى: "فقلت: إني رجل ليس يرثني إلا كلالة" وكان له تسع أخوات (٤) ﴿ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَة ﴾ يريد من ليس له ولد ولا والد.

فعلى هذا المراد بالكلالة: الموروث، وهو الظاهر؛ لأنه قال بعد هذا: ﴿ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ ﴾ وهذا ابتداء الفتوى في الكلالة، وقد بدأ بذكر الموروث.

ويجوز أن يكون المراد بالكلالة: الوارث، ثم بين من هُم بذكر الأخت والأختين والأخوة.

وقوله تعالى: ﴿ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ ﴾ .

قد ذكرنا ما في هذا عند قوله: ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ قال أهل المعاني: أراد ليس له ولد ولا والد، فاكتفى بذكر أحدهما من الآخر، ودل على المحذوف أنَّ الفتيا في الكلالة.

وقد بينا أن الكلالة من ليس له والد ولا ولد، فإن كان له أحدهما لم يسم كلالة (٥) وزعم أبو علي الجرجاني أنَّ الوالد يجوز أن يكون داخلًا في لفظ الولد، قال: وكل من اتصل به ذكر الولادة احتمل أن يقال له: ولد، فالوالد يسمى والدا، لأنه ولد، والمولود يسمى ولدًا، لأنه ولد، وهذا مثل قولهم: الذرية، وهي اسم من (ذرا) ثم الولد يسمى ذرية، والأب أيضًا يسمى ذرية، لأن الولد ذريء منه، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَلَهُ أُخْتٌ ﴾ أراد من أبيه وأمه وأبيه، لأنه سبق ذكر أولاده الأم في أول السورة.

وقوله تعالى: ﴿ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ﴾ هذا بيان فرضها عند إنفرادها، ولها نصف المال بالتسمية.

ثم لمن باقي المال؟

عند زيد بن ثابت يكون لبيت المال إذا لم يكن هناك عصبة، وهو مذهب الشافعي (٧) (٨) فإن قيل: الله تعالى سمى لها النصف إذا لم يكن هناك ولد، فلم أعطيت النصف مع البنت الواحدة وهي ولد؟

قيل: هذا إجماع سنة (٩)  ، وهي مع البنت كالذكر من العصبة يأخذ ما أبقت الفرائض، فهي في هذه المسألة لا بالتسمية، ولكن بأنها معها عصبة (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ ﴾ يعني أن الأخ يستغرق ميراث الأخت إذا لم يكن للأخت ولد، وهذا أصل في العصبيات واستغراقهم المال.

وهذا الأخ من الأب والأم، أو من الأب، وقد بينا هذا لأن الأخ من الأم.

وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ ﴾ إلى قوله ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ ﴾ ظاهر.

وروي أن أبا بكر الصديق -  - قال في خطبته: ألا إن الآية التي أنزل الله في أول سورة النساء من شأن الفرائض أنزلها في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والأخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الأخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله مما جرت به الرحم من العصبة (١١) وقوله تعالى: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ﴾ اختلفوا في هذا، فعند الكوفيين (لا) مضمرة ههنا، على تقدير: لئلا تضلوا، أو ألا تضلوا.

قالوا: ومثل هذا قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا  ﴾ أي: لئلا تزولا، ومثله: ﴿ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ  ﴾ .

وهذا قول الفراء والكسائي (١٢) وقال البصريون: المحذوف ههنا مضاف، على تقدير: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، فحذف المضاف كقوله: ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ  ﴾ وبابه، قالوا: و (لا) حرف جاء لمعنى النفى فلا يجوز حذفه، ولكن قد تزاد في الكلام مؤكدة، كقوله: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ  ﴾ ونحوه (١٣) وهذا القول يبعد، لأنه لم يدل على الاجتناب شيء.

والله أعلم (١٤) (١) تسمية هذِه الآية بآية الصيف جاء في أكثر من أثر.

انظر: الطبري 6/ 43 - 44.

(٢) انظر: الطبري 6/ 41 - 42، و"الدر المنثور" 2/ 445.

(٣) أخرجه بمعناه البخاري (4605) كتاب: التفسير سورة النساء، باب: يوصيكم الله في أولادكم 5/ 177، ومسلم (1616) كتاب: الفرائض، باب: ميراث الكلالة والمؤلف في "أسباب النزول" ص 190.

(٤) سبق تخريجه.

(٥) انظر: "زاد المسير" 2/ 266.

(٦) انظر: القرطبي 6/ 28.

(٧) وبه قال مالك، انظر: "الأم" 4/ 76، و"المغني" 9/ 49.

(٨) وهو مذهب أحمد، انظر "المغني" 9/ 49.

(٩) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: بسنة.

(١٠) انظر: "بحر العلوم" 1/ 409، والقرطبي 6/ 29 (١١) أخرجه الطبري 6/ 41، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 149 أ، و"الدر المنثور" 2/ 443.

(١٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 297، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 477، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 216، و"الدر المصون" 4/ 176.

(١٣) انظر: "معانى الزجاج" 2/ 137، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 477، و"الدر المصون" 4/ 176.

(١٤) انتهى تفسير سورة النساء بحمد الله.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَسْتَفْتُونَكَ ﴾ أي يطلبون منك الفتيا، ويحتمل أن يكون هذا الفعل طلباً للكلالة، ويفتيكم أيضاً طلب لها، فيكون من باب الإعمال وإعمال العامل الثاني على اختيار البصريين أو يكون يستفتونك مقطوعاً عن ذلك فيوقف عليه، والأوّل أظهر، وقد تقدّم معنى الكلالة في أوّل السورة والمراد بالأخت والأخ هنا: الشقائق، والذين للأب إذا عدم الشقائق، وقد تقدذم حكم الأخوة للأم في قوله وإن كان رجلاً يورث كلالة الآية ﴿ إِن امرؤ هَلَكَ ﴾ ارتفع بفعل مضمر عند البصريين، ولا إشكال فيما ذكر هنا من أحكام المواريث ﴿ أَن تَضِلُّواْ ﴾ مفعول من أجله تقديره كراهية أن تضلوا.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فسنحشرهم ﴾ بالنون: المفضل.

الباقون بالياء.

الوقوف: ﴿ خيراً لكم ﴾ ط.

﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ إلاّ الحق ﴾ ط.

﴿ وكلمته ﴾ ج للاستئناف مع اتحاد المقصود.

﴿ وروح منه ﴾ ز لعطف المختلفين ولكن فاء التعقيب توجب تعجيل الإيمان مع تمام البيان.

﴿ ورسله ﴾ ط.

﴿ ثلاثة ﴾ ط ﴿ خيراً لكم ﴾ ط ﴿ إله واحد ﴾ ط.

﴿ ولد ﴾ ج لأن المنفي منه مطلق الولد ولو وصل أوهم أن المنفي ولد موصوف بأنه له ما في السموات وما في الأرض.

﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ المقربون ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه.

﴿ من فضله ﴾ ج ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ ولا نصيراً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ وفضل ﴾ لا للعطف.

﴿ مستقيماً ﴾ ه ﴿ يستفتونك ﴾ ط.

﴿ الكلالة ﴾ ط ﴿ ما ترك ﴾ ج لأن ما بعده مبتدأ ولكن الكلام متحد البيان.

﴿ لها ولد ﴾ ط لأن جملة الشرط تعود إلى قوله: ﴿ فلها نصف ﴾ وبينهما عارض ﴿ مما ترك ﴾ ط لابتداء حكم جامع للصنفين ﴿ الأنثيين ﴾ ط ﴿ أن تضلوا ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: لما بينّ فساد طريقة اليهود وأجاب عن شبههم عمم الخطاب فقال: ﴿ يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق ﴾ أي بالقرآن والقرآن معجز فيكون حقاً أو بالدعوة إلى عبادة الله والإعراض عن غيره وهو الحق الذي تشهد له العقول السليمة ﴿ فآمنوا خيراً لكم ﴾ انتصابه بمضمر وكذا في ﴿ انتهوا خيراً لكم ﴾ لأنه لما بعثهم على الإيمان والانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر.

فالمعنى: اقصدوا وأتوا خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث وهو الإيمان والتوحيد، فإن الإيمان لا شك أنه أحمد عاقبة من الكفر بل العاقبة كلها له.

وقيل: إنه منصوب على خبرية "كان" أي يكن الإيمان خيراً لكم والأول أصح لئلا يلزم الحذف من غير قرينة ﴿ وإن تكفروا ﴾ فإن الله غني عنكم لأنه مالك الكل، أو هو قادر على إنزال العذاب لأن الكل تحت قهره وتسخيره، أو له عبيد أخر يعبدونه غيركم ﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأحوال العباد ﴿ حكيماً ﴾ لا يضيع أجر المحسن ولا يهمل جزاء المسيء.ثم لما أجاب عن شبه اليهود خاطب النصارى ومنعهم عن الغلو في الدين وهو الإفراط في شأن المسيح إلى أن اعتقدوه إلهاً لا نبياً، وحثهم على أن لا يقولوا على الله إلاّ الحق الذي يحق ويجب وصفه به وهو تنزيهه عن الحلول في بدن إنسان والاتحاد بروحه واتخاذه لصاحبة وولد ﴿ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ﴾ وجد بأمره من غير واسطة أب ولا نطفة ﴿ ألقاها ﴾ أي الكلمة ﴿ إلى مريم ﴾ أي أوصلها إليها وحصلها فيها ﴿ وروح منه ﴾ أي إنه ظاهر نظيف بمنزلة الروح كما يقال: هذه نعمة من الله، أو سمي بذلك لأنه سبب حياة الأرواح أو كمالها كما سمي القرآن روحاً في قوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ وقيل: أي رحمة منه كقوله: ﴿ وأيدهم بروح منه  ﴾ / ولا شك أن وجود النبي  رحمة للأمة قال  : ﴿ وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين  ﴾ وقال  : " "إنما أنا رحمة مهداة" وقيل: الروح هو الريح يعني أن النفخ من جبريل كان بأمر الله  فهو منه والتنكير للتعظيم أي روح من الأرواح الشريفة القدسية العالية.

وقوله: ﴿ منه ﴾ إضافة لذلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف.

﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ أي آمنوا به كإيمانكم بسائر الرسل ولا تجعلوه إلهاً ﴿ ولا تقولوا ثلاثة ﴾ هي خبر مبتدأ محذوف أي الله ثلاثة إن كان معتقدهم أن الذات جوهر واحد وأنه ثلاثة بالصفات ويسمونها الأقانيم أقنوم الأب أقنوم الأب وأقنوم روح القدس، وربما يقولون أقنوم الذات وأقنوم العلم وأقنوم الحياة، أو الآلهة ثلاثة إن كان في اعتقادهم أنها ذوات قائمة بأنفسها الأب والأم والابن.

ولعل القولين مرجعهما إلى واحد لأنهم إذا جوزوا على الصفات الانتقال والحلول في عيسى وفي مريم فقد جعلوها مستقلة بأنفسها ولهذا لزم الكفر والشرك، وإلا فمجرد إثبات الصفات لله  لا يوجب الشرك.

فالأشاعرة أثبتوا لله  ثمان صفات قدماء.

﴿ انتهوا ﴾ عن التثليث واقصدوا ﴿ خيراً لكم إنما الله إله واحد ﴾ لا تركيب فيه بوجه من الوجوه {  أن يكون له ولد} أسبحه تسبيحاً وأنزهه تنزيهاً من أن يكون له ولد فلا يتصل به عيسى اتصال الأبناء بالآباء ولكن من حيث إنه عبده ورسوله موجود بأمره جسداً حياً من غير أب ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ فكيف يكون بعض ملكه جزءاً منه على أن الجزء إنما يصح في المنقسم عقلاً أو حساً، وإنه لا ينقسم بجهة من الجهات لا العقلية ولا الحسية ﴿ وكفى بالله وكيلاً ﴾ وإذا كان كافياً في تدبير المخلوقات وحفظ المحدثات فلا حاجة معه إلى القول بإثبات إله آخر مستقل أو مشارك.

قال الكلبي: "إن وفد نجران قالوا: يا محمد لم تعيب صاحبنا؟

قال: ومن صاحبكم؟

قالوا: عيسى.

قال: وأي شيء أقول فيه؟

قالوا: تقول إنه عبد الله ورسوله.

فقال هلم: إنه ليس بعار لعيسى أن يكون عبدالله.

قالوا: بلى.

فنزل ﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ﴾ " والتحقيق أن الشبهة التي عليها يعوّلون في دعوى أنه ابن الله هي أنه كان يخبر عن المغيبات ويأتي بخوارق العادات كإحياء الأموات فقيل لهم ﴿ لن يستنكف المسيح ﴾ بسبب هذا القدر من العلم والقدرة عن عبودية الله  فإن الملائكة المقربين أعلى حالاً منه لأنهم مطلعون علىاللوح المحفوظ، وقد حمل العرش مع عظمته ثمانية منهم ثم إنهم لم يستنكفوا عن كونهم عباداً لله  فكيف يستنكف المسيح عن ذلك أي يمتنع ويأنف؟

والتركيب يدور على التنحية والإزالة من ذلك نكفت الدمع أنكفه إذا نحيته عن خدك بأصبعك، ونكفت عن الشيء أي عدلت.

والقائلون بأفضلية الملائكة استدلوا بهذه الآية وقد تقدم الاستدلال بها والجواب عنها والبحث عليها في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وَإذ قلنا للملائكة اسجدوا  ﴾ / الآية.

أما قوله: ﴿ ولا الملائكة ﴾ فإنه معطوف على ﴿ المسيح ﴾ وهو الأظهر، وجوز بعضهم عطفه على الضمير في ﴿ يكون ﴾ أو في ﴿ عبداً ﴾ لمعنى الوصفية فيه فيكون المعنى: أنّ المسيح لا يأنف أن يكون هو ولا الملائكة موصوفين بالعبودية، أو لا يأنف أن يعبد الله هو والملائكة.

وفي المعنيين انحراف عن الغرض فالأول أولى.

والمراد بالملائكة كل واحد منهم حتى يكون خبره أيضاً ﴿ عبداً ﴾ أو يكون الخبر ﴿ عباداً ﴾ وحذف لدلالة ﴿ عبداً ﴾ عليه ﴿ ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه ﴾ أي يجمعهم يوم القيامة إليه حيث لا يملكون لأنفسهم شيئاً.

ثم إنه  لم يذكر ما يفعل بهم بل ذكر أولاً ثواب المؤمنين المطيعين فسئل إن التفصيل غير مطابق للمفصل لأنه اشتمل على الفريقين والمفصل على فريق واحد فأجاب في الكشاف بأن هذا كقولك: جمع الإمام الخوارج فمن لم يخرج عليه كساه وحمله ومن خرج عليه نكل به.

فحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه، ولأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله: ﴿ فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به ﴾ أو قدم ثواب المؤمنين توطئة كأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وسيعاقب مع ذلك بما يصيبهم من العذاب.

أقول: لو جعل الضمير قي قول: ﴿ فسيحشرهم ﴾ راجعاً إلى الناس جميعاً لم يحتج إلى هذه التكلفات ويحصل الربط بسبب العموم ومثله غير عزيز في القرآن كقوله: ﴿ إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً  ﴾ ثم عاد إلى تعميم الخطاب بقوله: ﴿ يا أيها الناس قد جاءكم برهان ﴾ الآية.

فيحتمل أن يراد بالبرهان والنور كليهما القرآن، ويحتمل أن يراد بالبرهان محمد  لأنه يقيم البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل والنور المبين القرآن لأن سبب لوقوع نور الإيمان في القلب.

﴿ فأما الذين آمنوا بالله ﴾ في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه ﴿ واعتصموا به ﴾ تمسكوا بدينه أو لجؤوا إليه في أن يثبتهم على الإيمان ويصونهم عن زيغ الشيطان ﴿ فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ﴾ قال ابن عباس: الرحمة الجنة، والفضل ما يتفضل عليهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ﴿ ويهديهم إليه ﴾ أي إلى عبادته ﴿ صراطاً مستقيماً ﴾ هو الدين الحنيفي والتقدير صراطاً مستقيماً إليه، ويحتمل أن يراد بالرحمة والفضل اللذات الحسية الباقية، وبالهداية اللذات الروحانية الدائمة.

ثم إنه  ختم السورة بنحو مما بدأها به وهو أحكام المواريث فقال: ﴿ يستفتونك ﴾ الآية.

قال أهل العلم: إنّ الله  أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول هذه السورة، والأخرى في الصيف وهي هذه ولهذا تسمى آية الصيف.

/ عن جابر قال: "اشتكيت فدخل عليّ رسول الله  وعندي سبع أخوات فنفخ في وجهي فأفقت فقلت: يا رسول الله أوصي لأخواتي بالثلث.

قال: أحسن.

فقلت: الشطر؟

قال: أحسن.

ثم خرج وتركني قال: ثم دخل فقال: يا جابر إني لا أراك تموت في وجعك هذا وإن الله قد أنزل فبيّن الذي لأخواتك وجعل لأخواتك الثلثين" .

وروي أنه آخر ما نزل من الأحكام "كان رسول الله  في طريق مكة عام حجة الوداع فأتاه جابر بن عبد الله فقال: إن لي أختاً فكم آخذ من ميراثها إن ماتت؟

فنزلت" .

هذا وقد تقدم أن الكلالة اسم يقع على الوارث وهو من عدا الوالد والولد وعلى المورث وهو الذي لا ولد له ولا والدين.

﴿ إن امرؤ هلك ﴾ ارتفع ﴿ امرؤ ﴾ بمضرم يفسره هذا الظاهر، ومحل ﴿ ليس له ولد ﴾ الرفع على الصفة أي إن هلك امرؤ وغير ذي ولد.

اعلم أن ظاهر الآية مطلق ولا بد فيه من تقييدات ثلاثة: الأول أن الولد مطلق والمراد به الابن لأنه هو الذي يسقط الأخت، وأما البنت فلا تسقطها ولكنها تعصبها لما روي عن ابن مسعود "أن النبي  قضى في بنت وبنت ابن وأخت بأن للبنت النصف ولبنت الابن السدس والباقي للأخت" .

فعلى هذا فلو خلف بنتاً وأختاً فللبنت النصف والباقي للأخت بالعصوبة.

الثاني أن ظاهر الآية يقتضي أنه إذا لم يكن للميت ولد فإن الأخت تأخذ النصف وليس كذلك على الإطلاق، بل الشرط أن لا يكون للميت ولد ولا والد لأن الأخت لا ترث مع الوالد بالإجماع.

الثالث قوله: ﴿ وله أخت ﴾ المراد الأخت من الأب والأم أو من الأب لأن الأخت من الأم والأخ من الأم ذكر حكمهما في أول السورة بالإجماع.

ثم قال: ﴿ وهو يرثها ﴾ أي وأخوها يرثها ويستغرق مالها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها ﴿ إن لم يكن لها ولد ﴾ أي ابن كما قلنا لأن الابن يسقط الأخ دون البنت.

وأيضاً إن هذا في الأخ من الأبوين أو من الأب، أما الأخ من الأم فإنه لا يستغرق الميراث.

وأيضاً المراد إن لم يكن لها ولد ولا والد لأن الأب أيضاً مسقط للأخ لقوله  : " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر " والأب أولى من الأخ.

ثم قال: ﴿ وإن كانتا ﴾ يعني من يرث بالإخوة ﴿ اثنتين ﴾ فأنث وثنى باعتبار الخبر كقولهم من كانت أمك وكذا الكلام في قوله: ﴿ وإن كانوا إخوة ﴾ وأراد بالإخوة الإخوة والأخوات لكنه غلب جانب الذكورة.

روي أن الصديق قال في خطبة: ألا إنّ الآيات التي أنزلها الله في سورة النساء في الفرائض أولاها في الوالد والولد، وثانيتها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والتي ختم بها السورة في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والتي ختم بها الأنفال في أولي الأرحام ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ قال البصريون: المضاف محذوف أي كراهة أن تضلوا.

وقال الكوفيون: لئلا تضلوا.

وقال الجرجاني صاحب النظم: يبين الله لكم الضلالة لتعلموا أنها ضلالة فتتجنبوها ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ فيكون بيانه حقاً وتعريفه صدقاً.

ختم / السورة ببيان كمال العلم كما أنه ابتدأها بكمال القدرة فبهما تتم الإلهية ويحصل الترهيب والترغيب للعاصي والمطيع والله المستعان.

التأويل: ﴿ وإن تكفروا فإن لله ما في السموات والأرض ﴾ يعني إن تؤمنوا يكن لكم ماله وإن تكفروا فالكل له ﴿ لا تغلوا في دينكم ﴾ لا تميلوا إلى طرفي التفريط والإفراط.

فاليهود فرطوا في شأنه فلم يقبلوه نبياً وهموا بقتله، والنصارى أفرطوا في حبه فجعلوه ابن الله، وكذلك كل ولي له  يشقى قوم بترك احترامه وطلب أذيته، وقوم بالزيادة في إعظامه حتى يعتقد فيه ما ليس يرضى به كالخوارج والغلاة من الشيعة ولهذا قال رسول الله  : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم " .

﴿ وروح منه ﴾ لأنه تكوّن بأمر كن من غير واسطة أب كما أن الروح تكون كذلك ﴿ قل الروح من أمر ربي  ﴾ ولغلبة جانب الروحانية عليه كان يحيي الأجساد الميتة إذ ينفخ فيها وهذا الاستعداد الروحاني الذي هو من كلمة الله مركوز في جبلة الإنسان؛ فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته في إنسانيته يكون عيسى وقته فيحيي الله  بأنفاسه القلوب الميتة ويفتح به آذاناً صماً وعيوناً عمياً فيكون في قومه كالنبي في أمته ﴿ ولا تقولوا ثلاثة ﴾ يعني نفوسكم والرسول والله.

بل انتهوا بنظر الوحدة عن رؤية الثلاثة فينكشف لكم ﴿ إنما الله إله واحد ﴾  أنه يتولد من وحدانيته شيء له الوجود الحقيقي القائم الدائم أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ ﴿ وكفى بالله وكيلاً ﴾ لكل هالك.

﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً الله ﴾ لأن العبدية وهي حقيقة الإمكان الذاتي واجبة له ولهذا نطق في المهد بقوله: ﴿ إني عبد الله  ﴾ ﴿ ولا الملائكة المقربون ﴾ إنما ذكرهم لأن بعض الكفار كانوا يقولون الملائكة بنات الله كما قالت النصارى المسيح ابن الله.

﴿ قد جاءكم برهان ﴾ جعل نفس النبي برهاناً لأنه برهان بالكلية وبرهان غيره كان في أشياء غير أنفسهم مثل ما كان برهان موسى في عصاه.

فمن ذلك برهان بصره ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ ومنه برهان أنفه " "إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن" ومنه برهان لسانه ﴿ وما ينطق عن الهوى  ﴾ وبرهان بصاقه بصق في العجين وفي البرمة فأكلوا من ذلك وهم ألف حتى تركوه والبرمة تفور كما هي والعجين يخبز.

وبرهان تفله تفل في عين علي كرم الله وجهه وهي ترمد فبرأ بإذن الله وذلك يوم خيبر، وبرهان يده ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ } / [الأنفال:17] وسبح الحصى في يده، وبرهان أصبعه أشار بها إلى القمر فانشق فلقتين، وقد جرى الماء من بين أصابعه حتى شرب ورفع منه خلق كثير، وبرهان صدره كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل.

﴿ ألم نشرح لك صدرك  ﴾ وبرهان قلبه " تنام عيناي ولا ينام قلبي" ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك  ﴾ وبرهان كله ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده  ﴾ اللهم ارزقنا الاقتناص من هذا البرهان والاقتباس من أنوار القرآن إنك أنت الرؤوف المنان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

[قوله - عز وجل -:] ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ ﴾ .

ذكر الاستفتاء، ولم يذكر: فيم استفتوا؟

لكن في الجواب بيان أن الاستفتاء فيم كان، وقال: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ ﴾ .

والكلالة: ما ذكر: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

قال جابر -  -: فيَّ نزلت الآية.

وروي عن عمر -  - أنه قال: "ما سألت النبي  عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، ثم طعن في صدري بأصبعه، فقال: [ألا] يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي في آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟!" ، وفيه دلالة أن قد يترك بيان ما يدرك بالاجتهاد والنظر، ولا يبين؛ ليجتهد، ويدرك بالنظر؛ لأن عمر -  - سأل غير مرة رسول الله  ، ولم يبينه، وأشار إلى الآية التي فيها ذكر ما سأل عنه؛ لينظر ويجتهد؛ ليدرك.

وفيه دليل جواز تأخير البيان؛ لأن عمر -  - سأله غير مرة، ولم يبينه حتى أمره بالنظر في الآية، وعمر -  - لم يكن عرف قبل ذلك؛ فدل على جواز تأخير البيان.

وروي عن أبي بكر الصديق -  - أنه قال: الكلالة: من ليس له ولد ولا والد، وكذلك قال عمر -  - وقال: إني لأستحي من الله أن أرد شيئاً قاله أبو بكر.

وسئل ابن عباس -  - عن الكلالة؟

فقال: من لا ولد له ولا والد.

وروي عن جابر -  - قال: مرضت؛ فأتاني رسول الله  يعودني وأبو بكر الصديق معه؛ فوجدني قد أغمي عليَّ؛ فصبَّ وضوءه عليّ، فأفقت؛ فقلت: يا رسول الله، كيف أصنع في مالي؟

وكان لي تسع أخوات؛ فلم يجبني حتى نزل قوله -  -: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، قال جابر -  -: فِيَّ نزلت الآية.

قال بعض الناس: إذا مات الرجل؛ وترك ابنة وأختاً - فلا شيء للأخت؛ لأن الله -  - قال: ﴿ إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ﴾ والابنة ولد؛ [فلا ميراث] للأخت وللأخ مع الابنة؛ لأنها ولد؛ فيقال: إن الله - عز وجل - جعل للابنة النصف؛ إذا لم يكن معها ابن؛ بقوله  : ﴿ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ  ﴾ ؛ فإذا مات وترك ابنة وأختاً فللابنة النصف، وذلك النصف الباقي إذا لم يُعْطَ للأخت - يرد إلى الابنة؛ فيكون لها كل الميراث، وقد جعل الله -  - ميراثها إذا لم يكن معها ولدٌ ذَكَرُ - النصف، أو لا يردّ إلى الابنة؛ فيجب أن ينظر أيهما أحق بذلك النصف الباقي؛ فجاء في بعض الأخبار: أن الأخوات مع البنات عَصَبَة؛ لذلك كانت الأخت أَوْلَى بذلك النصف الباقي، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ﴾ .

ذكر للاثنتين الثلثين، ولم يذكر ما للثلاث فصاعداً منهن، وذكر في الابنة الواحدة النصف في أول السورة بقوله: ﴿ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ﴾ ولم يذكر ما للبنتين؛ ولكن ذكر الثلاث فصاعداً بقوله  : ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ  ﴾ فترك بيان الحق في الابنتين؛ لبيانه في الأختين، وترك البيان للأخوات؛ لبيانه في البنات؛ ففيه دليل القياس: حيث اكتفى ببيان البعض عن الآخر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ ﴾ .

دل قوله  : ﴿ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً ﴾ أن اسم الإخوة بجميع الإناث والذكور جميعاً؛ لأنه ذكر إخوة، ثم فسر الرجال والنساء؛ فهو دليل لنا في قوله  : ﴿ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ ﴾ أنهم يحجبون الأم عن الثلث، ذكوراً كانوا أو إناثاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ ﴾ .

قيل: ألا تضلوا.

قال الكسائي: العرب تقول للرجل: أطعمتك أن تجوع، وأغنيتك أن تفتقر؛ على معنى ألا تجوع ولا تفتقر، وفي القرآن كثير مثل هذا.

ثم قوله: ﴿ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ ﴾ قيل: ألا تضلوا في قسمة المواريث.

وقيل: ألا تخطئوا.

وقيل: ألا تخلطوا، وهو واحد.

﴿ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .

وعيد، وبالله الحول والقوة، [والله المستعان].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يسألونك -أيها الرسول- أن تفتيهم بشأن ميراث الكلالة، وهو من يموت ولم يترك أبًا ولا ولدًا، قل: الله يبين الحكم بشأنها: إن مات شخص ليس له والد ولا ولد، وله أخت شقيقة أو أخت لأبيه فلها نصف ما ترك من المال فرضًا، وأخوه الشقيق أو لأب يرث ما ترك من مال تعصيبًا إن لم يكن معه صاحب فرض، فإن كان معه صاحب فرض ورث الباقي بعده، فإن تعددت الأخوات الشقيقات أو لأب -بأن كانتا اثنتين فأكثر- ورثتا أو ورثن الثلثين فرضًا، وإن كان الإخوة الأشقاء أو لأب فيهم الذكور والإناث ورثوا بالتعصيب تبعًا لقاعدة: اللذكر مثل حظ الأنثيين) بأن يُضعف نصيب الذكر منهم على نصيب الأنثى.

يبين الله لكم حكم الكلالة وغيره من أحكام الميراث حتى لا تضلوا في أمرها، والله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء.

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر