الآية ١٧٥ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٧٥ من سورة النساء

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِهِۦ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍۢ مِّنْهُ وَفَضْلٍۢ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا ١٧٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 49 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧٥ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧٥ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به ) أي : جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله في جميع أمورهم .

وقال ابن جريج : آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن .

رواه ابن جرير .

( فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ) أي : يرحمهم فيدخلهم الجنة ويزيدهم ثوابا ومضاعفة ورفعا في درجاتهم ، من فضله عليهم وإحسانه إليهم ، ( ويهديهم إليه صراطا مستقيما ) أي : طريقا واضحا قصدا قواما لا اعوجاج فيه ولا انحراف .

وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة ، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات ، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات .

وفي حديث الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " القرآن صراط الله المستقيم وحبل الله المتين " .

وقد تقدم الحديث بتمامه في أول التفسير ولله الحمد والمنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فأما الذين صدَّقوا الله وأقرّوا بوحدانيته، وما بعث به محمدًا صلى الله عليه وسلم من أهل الملل=" واعتصموا به "، يقول: وتمسكوا بالنور المبين الذي أنـزله إلى نبيه، (24) كما:- 10863- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " واعتصموا به "، قال: بالقرآن.

* * * =" فسيدخلهم في رحمة منه وفضل "، يقول: فسوف تنالهم رحمته التي تنجيهم من عقابه، وتوجب لهم ثوابه ورحمته وجنته، (25) ويلحَقهم من فضله ما لَحِق أهل الإيمان به والتصديق برسله (26) =" ويهديهم إليه صراطًا مستقيمًا "، يقول: ويوفقهم لإصابة فضله الذي تفضل به على أوليائه، ويسدِّدهم لسلوك منهج من أنعم عليه من أهل طاعته، ولاقتفاء آثارهم واتباع دينهم.

وذلك هو " الصراط المستقيم "، وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده، وهو الإسلام .

(27) * * * ونصب " الصراط المستقيم " على القطع من " الهاء " التي في قوله: " إليه ".

(28) * * * --------------- الهوامش: (24) انظر تفسير"الاعتصام" فيما سلف 7 : 62 ، 70 / 9 : 341.

(25) قوله: "وجنته" ليست في المخطوطة.

(26) في المطبوعة: "ما ألحق أهل الإيمان" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(27) انظر تفسير"الصراط المستقيم" فيما سلف 1 : 170- 177 / 3 : 140 ، 141 / 6 : 441 / 8 : 529.

(28) "القطع" الحال ، أو باب منه ، انظر ما سلف من فهارس المصطلحات.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيماقوله تعالى : فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به أي بالقرآن عن معاصيه ، وإذا اعتصموا بكتابه فقد اعتصموا به وبنبيه .

وقيل : اعتصموا به أي بالله .

والعصمة الامتناع ، وقد تقدم .

ويهديهم أي : وهو يهديهم فأضمر هو ليدل على أن الكلام مقطوع مما قبله .

إليه أي إلى ثوابه .

وقيل : إلى الحق ليعرفوه .

صراطا مستقيما أي دينا مستقيما .

و " صراطا " منصوب بإضمار فعل دل عليه " ويهديهم " التقدير ؛ ويعرفهم صراطا مستقيما .

وقيل : هو مفعول ثان على تقدير ؛ ويهديهم إلى ثوابه صراطا مستقيما .

وقيل : هو [ ص: 388 ] حال .

والهاء في إليه قيل : هي للقرآن ، وقيل : للفضل ، وقيل للفضل والرحمة ؛ لأنهما بمعنى الثواب .

وقيل : هي لله عز وجل على حذف المضاف كما تقدم من أن المعنى ويهديهم إلى ثوابه .

أبو علي : الهاء راجعة إلى ما تقدم من اسم الله عز وجل ، والمعنى ويهديهم إلى صراطه ؛ فإذا جعلنا صراطا مستقيما نصبا على الحال كانت الحال من هذا المحذوف .

وفي قوله : " وفضل " دليل على أنه تعالى يتفضل على عباده بثوابه ؛ إذ لو كان في مقابلة العمل لما كان فضلا .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

انقسم الناس -بحسب الإيمان بالقرآن والانتفاع به- قسمين: { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ } أي: اعترفوا بوجوده واتصافه بكل وصف كامل، وتنزيهه من كل نقص وعيب.

{ وَاعْتَصَمُــوا بِـهِ } أي: لجأوا إلى الله واعتمدوا عليه وتبرأوا من حولهم وقوتهم واستعانوا بربهم.

{ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ } أي: فسيتغمدهم بالرحمة الخاصة، فيوفقهم للخيرات ويجزل لهم المثوبات، ويدفع عنهم البليات والمكروهات.

{ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا } أي: يوفقهم للعلم والعمل، معرفة الحق والعمل به.

أي: ومن لم يؤمن بالله ويعتصم به ويتمسك بكتابه، منعهم من رحمته، وحرمهم من فضله، وخلى بينهم وبين أنفسهم، فلم يهتدوا، بل ضلوا ضلالا مبينا، عقوبة لهم على تركهم الإيمان فحصلت لهم الخيبة والحرمان، نسأله تعالى العفو والعافية والمعافاة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به ) امتنعوا به من زيغ الشيطان ، ( فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ) يعني الجنة ، ( ويهديهم إليه صراطا مستقيما )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا» طريقا «مستقيما» هو دين الإسلام.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فأمَّا الذين صدَّقوا بالله اعتقادًا وقولا وعملا واستمسكوا بالنور الذي أُنزل إليهم، فسيدخلهم الجنة رحمة منه وفضلا ويوفقهم إلى سلوك الطريق المستقيم المفضي إلى روضات الجنات.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المستجيبين للحق ، السالكين الطريق المستقيم ، فقال : ( فَأَمَّا الذين آمَنُواْ بالله واعتصموا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ) .أى : أن الله - تعالى - قد ارسل إلى الناس رسوله وأنزل عليهم بواسطته قرآنه ، فمنهم من آمن واهتدى ، ومنهم من كفر وغوى ، فأما الذين آمنوا بالله - تعالى - حق الإِيمان ، واعتصموا به - سبحانه - مما يضرهم ويؤذيهم ، فلم يستجيروا إلا به ، ولم يخضعوا إلا له ، ولم يعتمدوا إلا عليه .هؤلاء الذين فعلوا ذلك سيدخلهم الله - تعالى - فى رحمة منه وفضل أى سيدخلهم فى جنته ورضوانه ، ويضفى عليهم من فضله وإحسانه بما يشرح صدورهم ، ويبهج نفوسهم ، ويصلح بالهم .وقوله ( وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ) أى : ويوفقهم فى دنياهم إلى سلوك الطريق الحق وهو طريق الإِسلام ، الذى يفضى بهم فى آخرتهم إلى السعادة والأمان والفوز برضا الله - عز وجل - .وقد ذكرت الآية ثواب الذين آمنوا بالله واعتصموا به ، ولم تذرك عقاب الذين كفروا إهمالا لهم ، لأنهم فى حيز الطرد والطرح ، أو لأن عاقبتهم السيئة معروفة لكل عاقل بسب كفرهم وسوقهم عن أمر الله .والسين فى قوله ( فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ ) للتأكيد .

أى فسيدخلهم فى رحمة كائنة منه وفى فضل عظيم من عنده إدخالا لا شك فى حصوله ووقوعه .وقوله ( صِرَاطاً ) مفعول ثان ليهدى لتضمنه معنى يعرفهم .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت أهل الكتاب عن المغالاة فى شأن عيسى - عليه السلام - ، وعرفتهم حقيقته ، ودعتهم إلى الإِيمان بوحدانية الله ، وبينت لهم ولغيرهم أن عيسى وغيره من الملائكة المقربين لن يستنكفوا عن عبادة الله ، وان من امتنع عن عابدة الله فسيحاسبه - سبحانه - حسابا عسيرا ، ويجازيه بما يستحقه من عقاب .

أما من آمن بالله - تعالى - واتبع الحق الذى أنزله على رسله ، فسينال منه - سبحانه - الرحمة الواسعة ، والفضل العظيم ، والسعادة التى ليست بعدها سعادة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى: لما أورد الحجة على جميع الفرق من المنافقين والكفار واليهود والنصارى وأجاب عن جميع شبهاتهم عمم الخطاب.

ودعا جميع الناس إلى الاعتراف برسالة محمد عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿ يَأَيُّهَا الناس قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ والبرهان هو محمد عليه الصلاة والسلام، وإنما سماه برهاناً لأن حرفته إقامة البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل، والنور المبين هو القرآن، وسماه نوراً لأنه سبب لوقوع نور الإيمان في القلب، ولما قرر على كل العالمين كون محمد رسولاً وكون القرآن كتاباً حقاً أمرهم بعد ذلك أن يتمسكوا بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ووعدهم عليه بالثواب فقال: ﴿ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ بالله واعتصموا بِهِ ﴾ والمراد آمنوا بالله في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه واعتصموا به أي بالله في أن يثبتهم على الإيمان ويصونهم عن نزع الشيطان ويدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً، فوعد بأمور ثلاثة: الرحمة والفضل والهداية.

قال ابن عباس: الرحمة الجنة، والفضل ما يتفضل به عليهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ﴿ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صراطا مُّسْتَقِيماً ﴾ يريد ديناً مستقيماً.

وأقول: الرحمة والفضل محمولان على ما في الجنة من المنفعة والتعظيم، وأما الهداية فالمراد منها السعادات الحاصلة بتجلي أنوار عالم القدس والكبرياء في الأرواح البشرية وهذا هو السعادة الروحانية، وأخر ذكرها عن القسمين الأولين تنبيهاً على أن البهجة الروحانية أشرف من اللذات الجسمانية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: التفصيل غير مطابق للمفصل؛ لأنه اشتمل على الفريقين، والمفصل على فريق واحد.

قلت: هو مثل قولك: جمع الإمام الخوارج، فمن لم يخرج عليه كساه وحمله، ومن خرج عليه نكل به، وصحة ذلك لوجهين، أحدهما: أن يحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه، ولأنّ ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني، كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله عقيب هذا ﴿ فَأَمَّا الذين بالله واعتصموا بِهِ ﴾ والثاني، وهو أن الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم، فكان داخلاً في جملة التنكيل بهم فكأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر، فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب الله.

البرهان والنور المبين: القرآن.

أو أراد بالبرهان دين الحق أو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبالنور المبين: ما يبينه ويصدقه من الكتاب المعجز ﴿ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ ﴾ في ثواب مستحق وتفضل ﴿ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ ﴾ إلى عبادته ﴿ صراطا مُّسْتَقِيماً ﴾ وهو طريق الإسلام.

والمعنى: توفيقهم وتثبيتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا ﴾ عَنى بِالبُرْهانِ المُعْجِزاتِ وبِالنُّورِ القُرْآنَ، أيْ قَدْ جاءَكم دَلائِلُ العَقْلِ وشَواهِدُ النَّقْلِ ولَمْ يَبْقَ لَكم عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ، وقِيلَ: البُرْهانُ الدِّينُ أوْ رَسُولُ اللَّهِ  أوِ القُرْآنُ.

﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ ﴾ في ثَوابٍ قَدْرُهُ بِإزاءِ إيمانِهِ وعَمَلِهِ رَحْمَةً مِنهُ لا قَضاءً لِحَقٍّ واجِبٍ ﴿ وَفَضْلٍ ﴾ إحْسانٍ زائِدٍ عَلَيْهِ ﴿ وَيَهْدِيهِمْ إلَيْهِ ﴾ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

وقِيلَ إلى المَوْعُودِ.

﴿ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ هو الإسْلامُ والطّاعَةُ في الدُّنْيا، وطَرِيقُ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ.

يَسْتَفْتُونَكَ أيْ في الكَلالَةِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ الجَوابِ عَلَيْهِ.

رُوِيَ « (أنَّ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كانَ مَرِيضًا فَعادَهُ رَسُولُ اللَّهِ  فَقالَ: إنِّي كَلالَةٌ فَكَيْفَ أصْنَعُ في مالِي فَنَزَلَتْ،» وهي آخِرُ ما نَزَلَ مِنَ الأحْكامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا بِهِ} بالله أو بالقرآن {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ} أي جنة {وَفَضَّلَ} زيادة النعمة {وَيَهْدِيهِمْ} ويرشدهم {إِلَيْهِ} إلى الله أو إلى الفضل أو إلى صراطه {صراطا مُّسْتَقِيماً} فصراطا حال من المضاف المحذوف

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ﴾ حَسْبَما يُوجِبُهُ البُرْهانُ الَّذِي جاءَهم ﴿ واعْتَصَمُوا بِهِ ﴾ أيْ: عَصَمُوا بِهِ سُبْحانَهُ أنْفُسَهم مِمّا يُرْدِيها مِن زَيْغِ الشَّيْطانِ وغَيْرِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، أعْنِي النُّورَ المُبِينَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ ﴾ أيْ: ثَوابٍ عَظِيمٍ قَدْرُهُ بِإزاءِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمْ رَحْمَةً مِنهُ سُبْحانَهُ لا قَضاءً لِحَقٍّ واجِبٍ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ المُرادَ بِالرَّحْمَةِ الجَنَّةُ، فَعَلى الأوَّلِ التَّجَوُّزُ في كَلِمَةِ ( في ) لِتَشْبِيهِ عُمُومِ الثَّوابِ وشُمُولِهِ بِعُمُومِ الظَّرْفِ، وعَلى الثّانِي التَّجَوُّزُ في المَجْرُورِ دُونَ الجارِّ، قالَهُ الشِّهابُ، والبَحْثُ في ذَلِكَ شَهِيرٌ، و( مِنهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً مُشَرِّفَةً لِـ( رَحْمَةٍ ﴿ وفَضْلٍ ﴾ أيْ: إحْسانٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، زائِدٍ عَلى ذَلِكَ.

﴿ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ ﴾ أيْ: إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -والمُرادُ في المَشْهُورِ إلى عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى جَمِيعِ ما قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَوْعُودٌ، وقِيلَ: عَلى الفَضْلِ ﴿ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ هو الإسْلامُ والطّاعَةُ في الدُّنْيا، وطَرِيقُ الجَنَّةِ في الأُخْرى، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الوَعْدِ بِالإدْخالِ في الرَّحْمَةِ الثَّوابَ أوِ الجَنَّةَ عَلى الوَعْدِ بِهَذِهِ الهِدايَةِ لِلْمُسارَعَةِ إلى التَّبْشِيرِ بِما هو المَقْصِدُ الأصْلِيُّ.

وفِي وجْهِ انْتِصابِ ( صِراطًا ) أقْوالٌ، فَقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: يُعَرِّفُهم صِراطًا، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ( يَهْدِيهِمْ ) بِاعْتِبارِ تَضْمِينِهِ مَعْنى ( يُعَرِّفُهم ) وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ بِناءً عَلى أنَّ الهِدايَةَ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ حَقِيقَةً.

ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ( إلَيْهِ ) مُتَعَلِّقًا بِمُقَدَّرٍ، أيْ: مُقَرَّبِينَ إلَيْهِ، أوْ مُقَرِّبًا إيّاهم إلَيْهِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ حالًا مِن ( صِراطًا ) ثُمَّ قالَ: لَيْسَ لِقَوْلِنا: ( يَهْدِيهِمْ ) طَرِيقَ الإسْلامِ إلى عِبادَتِهِ كَبِيرُ مَعْنًى، فالأوْجَهُ أنْ يُجْعَلَ ( صِراطًا ) بَدَلًا مِن ( إلَيْهِ ) وتَعَقَّبَهُ عِصامُ المِلَّةِ والدِّينِ بِأنَّ قَوْلَنا: ( يَهْدِيهِمْ ) طَرِيقَ الإسْلامِ مُوَصِّلًا إلى عِبادَتِهِ مَعْناهُ واضِحٌ، ولا وجْهَ لَكَوْنِ ( صِراطًا ) بَدَلًا مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ، فافْهَمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي بياناً من ربكم وحجة من ربكم، وهو محمد  والقرآن وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً أي بياناً من العمى وبيان الحلال من الحرام، وهو القرآن.

قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ أي صدقوا بوحدانية الله تعالى وَاعْتَصَمُوا بِهِ أي تمسكوا بدينه فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ يعني الجنة وَفَضْلٍ أي الثواب وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ أي يرشدهم إلى دينه، ويوفقهم لذلك.

وفي الآية تقديم وتأخير فكأنه يقول: يهديهم في الدنيا صِراطاً مُسْتَقِيماً أي ديناً لا عوج فيه، ويثيبهم على ذلك ويدخلهم في الآخرة في رحمة منه وفضل وهو الجنة والكرامة.

قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ يعني يسألونك في حكم الميراث قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ روي عن قتادة أنه قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد، وكذلك قال ابن عباس: وروي عن أبي بكر الصديق  أنه قال: أنى قد رأيت رأياً فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمن نفسي ومن الشيطان: الكلالة ما عدا الوالد والولد.

وعن عمر بن الخطاب  أنه قال: ثلاث لا يكون رسول الله  بينهن لنا كان أحب إلي من الدنيا وما فيها: الكلالة، والخلافة، وأبواب الربا.

وروي عن النبي  أنه سئل عن الكلالة فقال: «أَلَمْ تَرَ الآيةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ» يعني هذا تفسير الكلالة.

وهذه الآية نزلت في شأن جابر بن عبد الله، سأل رسول الله  فقال: إن لي أختاً فما لي من ميراثها؟

فنزلت هذه الآية، فبيّن ميراث جابر أولاً ثم ميراث أخته، فصارت الآية عامة لجميع الناس.

قال: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ يعني إن مات رجل لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ مَا تَرَكَ من المال وَهُوَ يَرِثُها يعني إذا ماتت الأخت والأخ حيّ ورثها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ وقد ذكرت الآية حكم الأخ والأخت إذا لم يكن لهما ولد، ولم يبين أنه لو كان لأحدهما ولد فمات أحدهما فما حكمه؟

ولكن بيّن على لسان رسوله  أن للابنة النصف، وما بقي فللأخت وإن كانت الأخت هي التي ماتت وتركت ابنة وأخاً، فللابنة النصف وما بقي فللأخ.

وفي هذا إجماع وفي الأول اختلاف قال ابن عباس: لا ترث الأخت مع الابنة شيئاً، وخالفه جميع الصحابة وقالوا كلهم: الأخوات مع البنات عصبة.

ثم قال تعالى: فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ يعني: إذا كان للميت أختان أو أكثر فلهما الثلثان إذا كانتا اثنتين، وإن كنَّ أكثر من ذلك فلهنَّ الثلثان أيضاً بالإجماع.

ثم قال: وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً يعني إخوة وأخوات فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يعني لكل أخٍ سهمان ولكل أخت سهم، هذا إذا كانت الإخوة والأخوات من الأب والأم أو من الأب خاصة، فأما إذا كانوا من قبل الأم فهم شركاء في الثلث، ليس لهم أكثر من ذلك كما ذكرنا في أول السورة، وهذا بالإجماع.

ثم قال عز وجل: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا أي يبين الله لكم قسمة المواريث لكي لا تضلوا ولا تخطئوا في قسمتها.

وقد يحذف لا فيراد به إثباته كقوله وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [سورة لقمان: 10] يعني أن لا تميد بكم، وقد يذكر لا ويراد حذفه كقوله قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [سورة الأعراف: 12] يعني أن تسجد وكقوله لا أُقْسِمُ [سورة القيامة: 1] أقسم ثم قال تعالى: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من قسمة المواريث وغيره، أي اتبعوا مَا أَنزَلَ الله تعالى وبيّن لكم في كتابه، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ ...

الآية: إشارة إلى نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والبرهانُ: الحجة النَّيِّرة الواضحةُ الَّتي تُعْطِي اليقينَ التَّامَّ، والنُّورُ المُبِينُ: يعني القُرآن لأنَّ فيه بيانَ كُلِّ شيء، وفي «صحيح مسلم» ، عن زيدٍ بْنِ أرقَمَ، قال: قَامَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يَوْماً فِينَا خَطِيباً، فَحَمِدَ اللَّهَ تعالى، وأثنى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي، فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثِقْلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الهدى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّه، واستمسكوا» ، فَحَثَّ على كِتَاب اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُم اللَّهَ ثَلاَثاً فِي أَهْلِ بَيْتِي ...

» «١» الحديث، وفي روايةٍ: «كِتَابُ اللَّهِ فيهِ الهدى والنُّورُ مَنِ استمسك بِهِ، وَأَخَذَ بِهِ، كَانَ عَلَى الهدى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ، ضَلَّ» ، وفي رواية: «أَلاَ وَإنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثِقْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ، مَنِ اتبعه كَانَ عَلَى الهدى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ على ضَلاَلَةٍ» .

انتهى.

وقوله سبحانه: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ/ وَاعْتَصَمُوا بِهِ: أي: اعتصموا باللَّهِ، ويحتمل: اعتصموا بالقُرآن كما قال- عليه السلام-: «القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ عُصِمَ» «٢» ، والرحمة والفضل: الجنّة ونعيمها، ويَهْدِيهِمْ: معناه: إلى الفضل، وهذه هدايةُ طريقِ الجِنَانِ كما قال تعالى: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ...

[محمد: ٥] الآية لأنَّ هداية الإرشادِ قَدْ تقدَّمت، وتحصَّلت حينَ آمنوا باللَّه واعتصموا بكتابِهِ، فيهدِيهِمْ هنا بمعنى: يُعَرِّفهم، وباقي الآية بيّن.

وقوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ، قد تقدَّم القولُ في تفسير «الكَلاَلَةِ» في صَدْر السورةِ، وكان أمر الكَلاَلَةِ عنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب (رضي اللَّه عنه) مُشْكِلاً، واللَّه أعلم، ما الذي أَشْكَلَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لَهُ: «تَكْفِيكَ مِنْهَا آيَةُ الصَّيْفِ» «١» الَّتِي نَزَلَتْ فِي آخرِ سُورة «النساء» بيانٌ فيه كفايةٌ، قال كثيرٌ من الصحابة: هذه الآية هي من آخر ما نَزَلَ.

وقوله سبحانه: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا: التقدير: لئلاَّ تضِلُّوا، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، سبحانه، وصلَّى اللَّه على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ، وسلَّم تسليما.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْتَصَمُوا بِهِ ﴾ أيِ: اسْتَمْسَكُوا وفي هاءِ "بِهِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى النُّورِ وهو القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: تَعُودُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وفي "الرَّحْمَةِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الجَنَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها نَفْسُ الرَّحْمَةِ، والمَعْنى: سَيَرْحَمُهم، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

وفي "الفَضْلِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الرِّزْقُ في الجَنَّةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ الإحْسانُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ أيْ: يُوَفِّقُهم لِإصابَةِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ.

وقالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: دِينُ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا  ﴾ ﴿ يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا ﴾ ﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ .

هَذا وعِيدٌ لِلْمُسْتَنْكِفِينَ؛ الَّذِينَ يَدَعُونَ عِبادَةَ اللهِ أنَفَةً؛ وتَكَبُّرًا؛ وهَذا الِاسْتِنْكافُ إنَّما يَكُونُ مِنَ الكُفّارِ عَنِ اتِّباعِ الأنْبِياءِ؛ وما جَرى مُجْراهُ؛ كَفِعْلِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ؛ وأخِيهِ أبِي ياسِرٍ؛ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وكَفِعْلِ أبِي جَهْلٍ؛ وغَيْرِهِ؛ وإلّا فَإذا فَرَضْتَ أحَدًا مِنَ البَشَرِ عَرَفَ اللهَ تَعالى ؛ فَمُحالٌ أنْ تَجِدَهُ يَكْفُرُ بِهِ تَكَبُّرًا عَلَيْهِ؛ والعِنادُ المُجَوَّزُ إنَّما يَسُوقُ إلَيْهِ الِاسْتِكْبارُ عَنِ البَشَرِ؛ ومَعَ تَقارُبِ المَنازِلِ في ظَنِّ المُتَكَبِّرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ اَلْآيَةَ؛ إشارَةٌ إلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والبُرْهانُ: اَلْحُجَّةُ النَيِّرَةُ؛ الواضِحَةُ؛ الَّتِي تُعْطِي اليَقِينَ التامَّ؛ والمَعْنى: قَدْ جاءَكم مُقْتَرِنًا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بُرْهانٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى صِحَّةٍ ما يَدْعُوكم إلَيْهِ؛ وفَسادِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ النِحَلِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا ﴾ ؛ يَعْنِي القُرْآنَ؛ فِيهِ بَيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ؛ وهو الواعِظُ الزاجِرُ؛ الناهِي الآمِرُ.

ثُمَّ وعَدَ - تَبارَكَ وتَعالى - المُؤْمِنِينَ بِاللهِ؛ المُعْتَصِمِينَ بِهِ؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ؛ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "نُورًا مُبِينًا"؛ ﴾ والِاعْتِصامُ بِهِ: اَلتَّمَسُّكُ بِسَبَبِهِ؛ وطَلَبُ النَجاةِ والمَنَعَةِ بِهِ؛ فَهو يَعْصِمُ كَما تَعْصِمُ المَعاقِلُ؛ وهَذا قَدْ فَسَّرَهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "اَلْقُرْآنُ حَبْلُ اللهِ المَتِينُ؛ مَن تَمَسَّكَ بِهِ عُصِمَ".» والفَضْلُ: اَلْجَنَّةُ؛ ونَعِيمُها؛ و"يَهْدِيهِمْ"؛ مَعْناهُ: إلى الفَضْلِ؛ وهَذِهِ هِدايَةُ طَرِيقِ الجِنانِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ  ﴾ ؛ لِأنَّ هِدايَةَ الإرْشادِ قَدْ تَقَدَّمَتْ؛ وتَحَصَّلَتْ حِينَ آمَنُوا بِاللهِ تَعالى ؛ واعْتَصَمُوا بِكِتابِهِ.

و"صِراطًا"؛ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "يَهْدِيهِمْ"؛ تَقْدِيرُهُ: فَيُعَرِّفُهُمْ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ كالمَفْعُولِ الثانِي؛ إذْ "وَيَهْدِيهِمْ"؛ في مَعْنى: "يُعَرِّفُهُمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى ظَرْفِيَّةٍ ما؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "إلَيْهِ"؛ وقِيلَ: مِن "وَفَضْلٍ"؛ والصِراطُ: اَلطَّرِيقُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

فذلكة للكلام السابق بما هو جامع للأخذ بالهدى ونبذ الضلال، بما اشتمل عليه القرآن من دلائل الحقّ وكبح الباطل.

فالجملة استئناف وإقبال على خطاب النّاس كلّهم بعد أن كان الخطاب موجّهاً إلى أهل الكتاب خاصّة.

والبرهان: الحجّة، وقد يخصّص بالحجّة الواضحة الفاصلة، وهو غالب ما يقصد به في القرآن، ولهذا سمّى حكماء الإسلام أجَلّ أنواع الدليل، بُرهاناً.

والمراد هنا دلائل النبوءة.

وأمّا النور المبين فهو القرآن لقوله: ﴿ وأنزلنا ﴾ والقول في ﴿ جاءكم ﴾ كالقوللِ في نظيره المتقدّم في قوله: ﴿ قد جاءكم الرّسول بالحقّ من ربّكم ﴾ [النساء: 170]؛ وكذلك القول في ﴿ أنزلنا إليكم ﴾ .

و (أمّا) في قوله: ﴿ فأما الذين آمنوا بالله ﴾ يجوز أن يكون للتفصيل: تفصيلاً لِمَا دَلّ عليه ﴿ يا أيها الناس ﴾ من اختلاف الفرق والنزعات: بين قابل للبرهان والنّور، ومكابر جاحد، ويكون مُعادل هذا الشقّ محذوفاً للتهويل، أي: وأمَّا الذين كفروا فلا تسل عنهم، ويجوز أن يكون (أمّا) لمجرد الشرط دون تفصيل، وهو شرط لِعموم الأحوال، لأنّ (أمّا) في الشرط بمعنى (مَهما يكُنْ من شيء) وفي هذه الحالة لا تفيد التفصيل ولا تطلب معادلاً.

والاعتصام: اللوْذ، والاعتصام بالله استعارة لللوذ بدينه، وتقدّم في قوله ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ﴾ في سورة آل عمران (103).

والإدخال في الرحمة والفضل عبارة عن الرضى.

وقوله: ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً } : تعلَّق الجار والمجرور ب (يهدي) فهو ظرف لَغو، و ﴿ صراطاً ﴾ مفعول (يهدي)، والمعنى يهديهم صراطاً مستقيماً ليصلوا إليه، أي إلى الله، وذلك هو متمنّاهم، إذ قد علموا أنّ وعدهم عنده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ هو النَّبِيُّ  ، لِما مَعَهُ مِنَ المُعْجِزِ الَّذِي يَشْهَدُ بِصِدْقِهِ.

﴿ وَأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ سُمِّيَ نُورًا لِأنَّهُ يَظْهَرُ بِهِ الحَقُّ، كَما تَظْهَرُ المَرْئِيّاتُ بِالنُّورِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اعْتَصَمُوا بِالقُرْآنِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: اعْتَصَمُوا بِاللَّهِ مِن زَيْغِ الشَّيْطانِ وهَوى الإنْسانِ.

﴿ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ في الهِدايَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يُعْطِيَهم في الدُّنْيا ما يُؤَدِّيهِمْ إلى نَعِيمِ الآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: هو الأخْذُ بِهِمْ في الآخِرَةِ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ البَصْرِيِّينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن مسعود.

أنه كان إذا تحرك من الليل قال: ﴿ يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً ﴾ .

وأخرج ابن عساكر عن سفيان الثوري عن أبيه عن رجل لا يحفظ اسمه في قوله: ﴿ قد جاءكم برهان من ربكم ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً ﴾ قال: الكتاب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ برهان من ربكم ﴾ قال: حجَّة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ قد جاءكم برهان من ربكم ﴾ قال: بيِّنة ﴿ وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً ﴾ قال: هذا القرآن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ واعتصموا به ﴾ قال: القرآن.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ ﴾ الظاهر أن الكناية في (به) تعود على اسم الله.

وقال ابن جريج: الكناية تعود على النور الذي هو القرآن (١) وهذا قريب من الأول في المعنى، لأن الاعتصام بالقرآن اعتصام بالله تعالى.

قال ابن عباس: ﴿ وَاعْتَصَمُوا بِهِ ﴾ يريد امتنعوا به (٢) قال أهل المعاني: الاعتصام بالقرآن: الامتناع به من معاصي الله، والاعتصام بالله: الامتناع به من زيغ الشيطان وهوى الإنسان بطاعته وطلب مرضاته (٣) وقوله تعالى: ﴿ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد الجنة (٤) ﴿ وَفَضْلٍ ﴾ قال: يريد يتفضل عليهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا ما يوصف (٥) ﴿ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا  ﴾ ، قال: يريد دينًا مستقيمًا (٦) (١) أخرجه الطبري 6/ 39، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 547، و"الدر المنثور" 2/ 441.

(٢) لم أقف عليه.

(٣) انظر: "النكت والعيون" 1/ 547.

(٤) انظر: "زاد المسير" 2/ 264، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 105.

(٥) لم أقف عليه.

(٦) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 105 <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ﴾ لن يأنف كذلك، ومعناه حيث وقع ﴿ وَلاَ الملائكة ﴾ فيه دليل لمن قال: إنّ الملائكة أفضل من الأنبياء، لأن المعنى لن يستنكف عيسى ومن فوقه ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ برهان ﴾ هو القرآن، وهو أيضاً النور المبين، ويحتمل أن يريد بالبرهان الدلائل والحجج، وبالنور النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه سمّاه سراجاً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فسنحشرهم ﴾ بالنون: المفضل.

الباقون بالياء.

الوقوف: ﴿ خيراً لكم ﴾ ط.

﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ إلاّ الحق ﴾ ط.

﴿ وكلمته ﴾ ج للاستئناف مع اتحاد المقصود.

﴿ وروح منه ﴾ ز لعطف المختلفين ولكن فاء التعقيب توجب تعجيل الإيمان مع تمام البيان.

﴿ ورسله ﴾ ط.

﴿ ثلاثة ﴾ ط ﴿ خيراً لكم ﴾ ط ﴿ إله واحد ﴾ ط.

﴿ ولد ﴾ ج لأن المنفي منه مطلق الولد ولو وصل أوهم أن المنفي ولد موصوف بأنه له ما في السموات وما في الأرض.

﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ المقربون ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه.

﴿ من فضله ﴾ ج ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ ولا نصيراً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ وفضل ﴾ لا للعطف.

﴿ مستقيماً ﴾ ه ﴿ يستفتونك ﴾ ط.

﴿ الكلالة ﴾ ط ﴿ ما ترك ﴾ ج لأن ما بعده مبتدأ ولكن الكلام متحد البيان.

﴿ لها ولد ﴾ ط لأن جملة الشرط تعود إلى قوله: ﴿ فلها نصف ﴾ وبينهما عارض ﴿ مما ترك ﴾ ط لابتداء حكم جامع للصنفين ﴿ الأنثيين ﴾ ط ﴿ أن تضلوا ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: لما بينّ فساد طريقة اليهود وأجاب عن شبههم عمم الخطاب فقال: ﴿ يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق ﴾ أي بالقرآن والقرآن معجز فيكون حقاً أو بالدعوة إلى عبادة الله والإعراض عن غيره وهو الحق الذي تشهد له العقول السليمة ﴿ فآمنوا خيراً لكم ﴾ انتصابه بمضمر وكذا في ﴿ انتهوا خيراً لكم ﴾ لأنه لما بعثهم على الإيمان والانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر.

فالمعنى: اقصدوا وأتوا خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث وهو الإيمان والتوحيد، فإن الإيمان لا شك أنه أحمد عاقبة من الكفر بل العاقبة كلها له.

وقيل: إنه منصوب على خبرية "كان" أي يكن الإيمان خيراً لكم والأول أصح لئلا يلزم الحذف من غير قرينة ﴿ وإن تكفروا ﴾ فإن الله غني عنكم لأنه مالك الكل، أو هو قادر على إنزال العذاب لأن الكل تحت قهره وتسخيره، أو له عبيد أخر يعبدونه غيركم ﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأحوال العباد ﴿ حكيماً ﴾ لا يضيع أجر المحسن ولا يهمل جزاء المسيء.ثم لما أجاب عن شبه اليهود خاطب النصارى ومنعهم عن الغلو في الدين وهو الإفراط في شأن المسيح إلى أن اعتقدوه إلهاً لا نبياً، وحثهم على أن لا يقولوا على الله إلاّ الحق الذي يحق ويجب وصفه به وهو تنزيهه عن الحلول في بدن إنسان والاتحاد بروحه واتخاذه لصاحبة وولد ﴿ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ﴾ وجد بأمره من غير واسطة أب ولا نطفة ﴿ ألقاها ﴾ أي الكلمة ﴿ إلى مريم ﴾ أي أوصلها إليها وحصلها فيها ﴿ وروح منه ﴾ أي إنه ظاهر نظيف بمنزلة الروح كما يقال: هذه نعمة من الله، أو سمي بذلك لأنه سبب حياة الأرواح أو كمالها كما سمي القرآن روحاً في قوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ وقيل: أي رحمة منه كقوله: ﴿ وأيدهم بروح منه  ﴾ / ولا شك أن وجود النبي  رحمة للأمة قال  : ﴿ وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين  ﴾ وقال  : " "إنما أنا رحمة مهداة" وقيل: الروح هو الريح يعني أن النفخ من جبريل كان بأمر الله  فهو منه والتنكير للتعظيم أي روح من الأرواح الشريفة القدسية العالية.

وقوله: ﴿ منه ﴾ إضافة لذلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف.

﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ أي آمنوا به كإيمانكم بسائر الرسل ولا تجعلوه إلهاً ﴿ ولا تقولوا ثلاثة ﴾ هي خبر مبتدأ محذوف أي الله ثلاثة إن كان معتقدهم أن الذات جوهر واحد وأنه ثلاثة بالصفات ويسمونها الأقانيم أقنوم الأب أقنوم الأب وأقنوم روح القدس، وربما يقولون أقنوم الذات وأقنوم العلم وأقنوم الحياة، أو الآلهة ثلاثة إن كان في اعتقادهم أنها ذوات قائمة بأنفسها الأب والأم والابن.

ولعل القولين مرجعهما إلى واحد لأنهم إذا جوزوا على الصفات الانتقال والحلول في عيسى وفي مريم فقد جعلوها مستقلة بأنفسها ولهذا لزم الكفر والشرك، وإلا فمجرد إثبات الصفات لله  لا يوجب الشرك.

فالأشاعرة أثبتوا لله  ثمان صفات قدماء.

﴿ انتهوا ﴾ عن التثليث واقصدوا ﴿ خيراً لكم إنما الله إله واحد ﴾ لا تركيب فيه بوجه من الوجوه {  أن يكون له ولد} أسبحه تسبيحاً وأنزهه تنزيهاً من أن يكون له ولد فلا يتصل به عيسى اتصال الأبناء بالآباء ولكن من حيث إنه عبده ورسوله موجود بأمره جسداً حياً من غير أب ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ فكيف يكون بعض ملكه جزءاً منه على أن الجزء إنما يصح في المنقسم عقلاً أو حساً، وإنه لا ينقسم بجهة من الجهات لا العقلية ولا الحسية ﴿ وكفى بالله وكيلاً ﴾ وإذا كان كافياً في تدبير المخلوقات وحفظ المحدثات فلا حاجة معه إلى القول بإثبات إله آخر مستقل أو مشارك.

قال الكلبي: "إن وفد نجران قالوا: يا محمد لم تعيب صاحبنا؟

قال: ومن صاحبكم؟

قالوا: عيسى.

قال: وأي شيء أقول فيه؟

قالوا: تقول إنه عبد الله ورسوله.

فقال هلم: إنه ليس بعار لعيسى أن يكون عبدالله.

قالوا: بلى.

فنزل ﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ﴾ " والتحقيق أن الشبهة التي عليها يعوّلون في دعوى أنه ابن الله هي أنه كان يخبر عن المغيبات ويأتي بخوارق العادات كإحياء الأموات فقيل لهم ﴿ لن يستنكف المسيح ﴾ بسبب هذا القدر من العلم والقدرة عن عبودية الله  فإن الملائكة المقربين أعلى حالاً منه لأنهم مطلعون علىاللوح المحفوظ، وقد حمل العرش مع عظمته ثمانية منهم ثم إنهم لم يستنكفوا عن كونهم عباداً لله  فكيف يستنكف المسيح عن ذلك أي يمتنع ويأنف؟

والتركيب يدور على التنحية والإزالة من ذلك نكفت الدمع أنكفه إذا نحيته عن خدك بأصبعك، ونكفت عن الشيء أي عدلت.

والقائلون بأفضلية الملائكة استدلوا بهذه الآية وقد تقدم الاستدلال بها والجواب عنها والبحث عليها في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وَإذ قلنا للملائكة اسجدوا  ﴾ / الآية.

أما قوله: ﴿ ولا الملائكة ﴾ فإنه معطوف على ﴿ المسيح ﴾ وهو الأظهر، وجوز بعضهم عطفه على الضمير في ﴿ يكون ﴾ أو في ﴿ عبداً ﴾ لمعنى الوصفية فيه فيكون المعنى: أنّ المسيح لا يأنف أن يكون هو ولا الملائكة موصوفين بالعبودية، أو لا يأنف أن يعبد الله هو والملائكة.

وفي المعنيين انحراف عن الغرض فالأول أولى.

والمراد بالملائكة كل واحد منهم حتى يكون خبره أيضاً ﴿ عبداً ﴾ أو يكون الخبر ﴿ عباداً ﴾ وحذف لدلالة ﴿ عبداً ﴾ عليه ﴿ ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه ﴾ أي يجمعهم يوم القيامة إليه حيث لا يملكون لأنفسهم شيئاً.

ثم إنه  لم يذكر ما يفعل بهم بل ذكر أولاً ثواب المؤمنين المطيعين فسئل إن التفصيل غير مطابق للمفصل لأنه اشتمل على الفريقين والمفصل على فريق واحد فأجاب في الكشاف بأن هذا كقولك: جمع الإمام الخوارج فمن لم يخرج عليه كساه وحمله ومن خرج عليه نكل به.

فحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه، ولأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله: ﴿ فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به ﴾ أو قدم ثواب المؤمنين توطئة كأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وسيعاقب مع ذلك بما يصيبهم من العذاب.

أقول: لو جعل الضمير قي قول: ﴿ فسيحشرهم ﴾ راجعاً إلى الناس جميعاً لم يحتج إلى هذه التكلفات ويحصل الربط بسبب العموم ومثله غير عزيز في القرآن كقوله: ﴿ إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً  ﴾ ثم عاد إلى تعميم الخطاب بقوله: ﴿ يا أيها الناس قد جاءكم برهان ﴾ الآية.

فيحتمل أن يراد بالبرهان والنور كليهما القرآن، ويحتمل أن يراد بالبرهان محمد  لأنه يقيم البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل والنور المبين القرآن لأن سبب لوقوع نور الإيمان في القلب.

﴿ فأما الذين آمنوا بالله ﴾ في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه ﴿ واعتصموا به ﴾ تمسكوا بدينه أو لجؤوا إليه في أن يثبتهم على الإيمان ويصونهم عن زيغ الشيطان ﴿ فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ﴾ قال ابن عباس: الرحمة الجنة، والفضل ما يتفضل عليهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ﴿ ويهديهم إليه ﴾ أي إلى عبادته ﴿ صراطاً مستقيماً ﴾ هو الدين الحنيفي والتقدير صراطاً مستقيماً إليه، ويحتمل أن يراد بالرحمة والفضل اللذات الحسية الباقية، وبالهداية اللذات الروحانية الدائمة.

ثم إنه  ختم السورة بنحو مما بدأها به وهو أحكام المواريث فقال: ﴿ يستفتونك ﴾ الآية.

قال أهل العلم: إنّ الله  أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول هذه السورة، والأخرى في الصيف وهي هذه ولهذا تسمى آية الصيف.

/ عن جابر قال: "اشتكيت فدخل عليّ رسول الله  وعندي سبع أخوات فنفخ في وجهي فأفقت فقلت: يا رسول الله أوصي لأخواتي بالثلث.

قال: أحسن.

فقلت: الشطر؟

قال: أحسن.

ثم خرج وتركني قال: ثم دخل فقال: يا جابر إني لا أراك تموت في وجعك هذا وإن الله قد أنزل فبيّن الذي لأخواتك وجعل لأخواتك الثلثين" .

وروي أنه آخر ما نزل من الأحكام "كان رسول الله  في طريق مكة عام حجة الوداع فأتاه جابر بن عبد الله فقال: إن لي أختاً فكم آخذ من ميراثها إن ماتت؟

فنزلت" .

هذا وقد تقدم أن الكلالة اسم يقع على الوارث وهو من عدا الوالد والولد وعلى المورث وهو الذي لا ولد له ولا والدين.

﴿ إن امرؤ هلك ﴾ ارتفع ﴿ امرؤ ﴾ بمضرم يفسره هذا الظاهر، ومحل ﴿ ليس له ولد ﴾ الرفع على الصفة أي إن هلك امرؤ وغير ذي ولد.

اعلم أن ظاهر الآية مطلق ولا بد فيه من تقييدات ثلاثة: الأول أن الولد مطلق والمراد به الابن لأنه هو الذي يسقط الأخت، وأما البنت فلا تسقطها ولكنها تعصبها لما روي عن ابن مسعود "أن النبي  قضى في بنت وبنت ابن وأخت بأن للبنت النصف ولبنت الابن السدس والباقي للأخت" .

فعلى هذا فلو خلف بنتاً وأختاً فللبنت النصف والباقي للأخت بالعصوبة.

الثاني أن ظاهر الآية يقتضي أنه إذا لم يكن للميت ولد فإن الأخت تأخذ النصف وليس كذلك على الإطلاق، بل الشرط أن لا يكون للميت ولد ولا والد لأن الأخت لا ترث مع الوالد بالإجماع.

الثالث قوله: ﴿ وله أخت ﴾ المراد الأخت من الأب والأم أو من الأب لأن الأخت من الأم والأخ من الأم ذكر حكمهما في أول السورة بالإجماع.

ثم قال: ﴿ وهو يرثها ﴾ أي وأخوها يرثها ويستغرق مالها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها ﴿ إن لم يكن لها ولد ﴾ أي ابن كما قلنا لأن الابن يسقط الأخ دون البنت.

وأيضاً إن هذا في الأخ من الأبوين أو من الأب، أما الأخ من الأم فإنه لا يستغرق الميراث.

وأيضاً المراد إن لم يكن لها ولد ولا والد لأن الأب أيضاً مسقط للأخ لقوله  : " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر " والأب أولى من الأخ.

ثم قال: ﴿ وإن كانتا ﴾ يعني من يرث بالإخوة ﴿ اثنتين ﴾ فأنث وثنى باعتبار الخبر كقولهم من كانت أمك وكذا الكلام في قوله: ﴿ وإن كانوا إخوة ﴾ وأراد بالإخوة الإخوة والأخوات لكنه غلب جانب الذكورة.

روي أن الصديق قال في خطبة: ألا إنّ الآيات التي أنزلها الله في سورة النساء في الفرائض أولاها في الوالد والولد، وثانيتها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والتي ختم بها السورة في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والتي ختم بها الأنفال في أولي الأرحام ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ قال البصريون: المضاف محذوف أي كراهة أن تضلوا.

وقال الكوفيون: لئلا تضلوا.

وقال الجرجاني صاحب النظم: يبين الله لكم الضلالة لتعلموا أنها ضلالة فتتجنبوها ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ فيكون بيانه حقاً وتعريفه صدقاً.

ختم / السورة ببيان كمال العلم كما أنه ابتدأها بكمال القدرة فبهما تتم الإلهية ويحصل الترهيب والترغيب للعاصي والمطيع والله المستعان.

التأويل: ﴿ وإن تكفروا فإن لله ما في السموات والأرض ﴾ يعني إن تؤمنوا يكن لكم ماله وإن تكفروا فالكل له ﴿ لا تغلوا في دينكم ﴾ لا تميلوا إلى طرفي التفريط والإفراط.

فاليهود فرطوا في شأنه فلم يقبلوه نبياً وهموا بقتله، والنصارى أفرطوا في حبه فجعلوه ابن الله، وكذلك كل ولي له  يشقى قوم بترك احترامه وطلب أذيته، وقوم بالزيادة في إعظامه حتى يعتقد فيه ما ليس يرضى به كالخوارج والغلاة من الشيعة ولهذا قال رسول الله  : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم " .

﴿ وروح منه ﴾ لأنه تكوّن بأمر كن من غير واسطة أب كما أن الروح تكون كذلك ﴿ قل الروح من أمر ربي  ﴾ ولغلبة جانب الروحانية عليه كان يحيي الأجساد الميتة إذ ينفخ فيها وهذا الاستعداد الروحاني الذي هو من كلمة الله مركوز في جبلة الإنسان؛ فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته في إنسانيته يكون عيسى وقته فيحيي الله  بأنفاسه القلوب الميتة ويفتح به آذاناً صماً وعيوناً عمياً فيكون في قومه كالنبي في أمته ﴿ ولا تقولوا ثلاثة ﴾ يعني نفوسكم والرسول والله.

بل انتهوا بنظر الوحدة عن رؤية الثلاثة فينكشف لكم ﴿ إنما الله إله واحد ﴾  أنه يتولد من وحدانيته شيء له الوجود الحقيقي القائم الدائم أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ ﴿ وكفى بالله وكيلاً ﴾ لكل هالك.

﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً الله ﴾ لأن العبدية وهي حقيقة الإمكان الذاتي واجبة له ولهذا نطق في المهد بقوله: ﴿ إني عبد الله  ﴾ ﴿ ولا الملائكة المقربون ﴾ إنما ذكرهم لأن بعض الكفار كانوا يقولون الملائكة بنات الله كما قالت النصارى المسيح ابن الله.

﴿ قد جاءكم برهان ﴾ جعل نفس النبي برهاناً لأنه برهان بالكلية وبرهان غيره كان في أشياء غير أنفسهم مثل ما كان برهان موسى في عصاه.

فمن ذلك برهان بصره ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ ومنه برهان أنفه " "إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن" ومنه برهان لسانه ﴿ وما ينطق عن الهوى  ﴾ وبرهان بصاقه بصق في العجين وفي البرمة فأكلوا من ذلك وهم ألف حتى تركوه والبرمة تفور كما هي والعجين يخبز.

وبرهان تفله تفل في عين علي كرم الله وجهه وهي ترمد فبرأ بإذن الله وذلك يوم خيبر، وبرهان يده ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ } / [الأنفال:17] وسبح الحصى في يده، وبرهان أصبعه أشار بها إلى القمر فانشق فلقتين، وقد جرى الماء من بين أصابعه حتى شرب ورفع منه خلق كثير، وبرهان صدره كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل.

﴿ ألم نشرح لك صدرك  ﴾ وبرهان قلبه " تنام عيناي ولا ينام قلبي" ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك  ﴾ وبرهان كله ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده  ﴾ اللهم ارزقنا الاقتناص من هذا البرهان والاقتباس من أنوار القرآن إنك أنت الرؤوف المنان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ ﴾ .

جعل الاعتصام به ما به ينال رحمته وفضله.

والاعتصام: هو أن يلتجأ إليه في كل الأمور، وبه يوكل، لا يلتجأ بمن دونه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ﴾ .

كأنه - والله أعلم - على التقديم والتأخير: "فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به، ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً؛ فسيدخلهم في رحمة منه"، يعني: الجنة "وفضل"؛ كقوله  : ﴿ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فأما الذين آمنوا بالله وتمسكوا بالقرآن الذي أنزل على نبيهم فسيرحمهم الله بدخول الجنة، ويزيدهم ثوابًا ورَفْع درجات، ويوفقهم لسلوك الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وهو الطريق الموصل إلى جنات عدن.

من فوائد الآيات بيان أَن المسيح بشر، وأن أمه كذلك، وأن الضالين من النصارى غلوا فيهما حتى أخرجوهما من حد البشرية.

بيان بطلان شرك النصارى القائلين بالتثليث، وتنزيه الله تعالى عن أن يكون له شريك أو شبيه أو مقارب، وبيان انفراده -سبحانه- بالوحدانية في الذات والأسماء والصفات.

إثبات أن عيسى -  - والملائكة جميعهم عباد مخلوقون لا يستكبرون عن الاعتراف بعبوديتهم لله تعالى والانقياد لأوامره، فكيف يسوغ اتخاذهم آلهة مع كونهم عبيدًا لله تعالى؟!

في الدين حجج وبراهين عقلية تدفع الشبهات، ونور وهداية تدفع الحيرة والشهوات.

<div class="verse-tafsir" id="91.3pW54"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل