الآية ٢ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٢ من سورة النساء

وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًۭا كَبِيرًۭا ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 199 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة ، وينهى عن أكلها وضمها إلى أموالهم; ولهذا قال : ( ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) قال سفيان الثوري ، عن أبي صالح : لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الرزق الحلال الذي قدر لك .

وقال سعيد بن جبير : لا تبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم ، يقول : لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام .

وقال سعيد بن المسيب والزهري : لا تعط مهزولا وتأخذ سمينا .

وقال إبراهيم النخعي والضحاك : لا تعط زائفا وتأخذ جيدا .

وقال السدي : كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ، ويجعل فيها مكانها الشاة المهزولة ، ويقول شاة بشاة ، ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف ، ويقول : درهم بدرهم .

وقوله : ( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ) قال مجاهد ، وسعيد بن جبير ، ومقاتل بن حيان ، والسدي ، وسفيان بن حسين : أي لا تخلطوها فتأكلوها جميعا .

وقوله : ( إنه كان حوبا كبيرا ) قال ابن عباس : أي إثما كبيرا عظيما .

وقد رواه ابن مردويه ، عن أبي هريرة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله : ( حوبا كبيرا ) قال : " إثما كبيرا " .

ولكن في إسناده محمد بن يونس الكديمي وهو ضعيف وهكذا روي عن مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وابن سيرين ، وقتادة ، والضحاك ، ومقاتل بن حيان ، وأبي مالك ، وزيد بن أسلم ، وأبي سنان مثل قول ابن عباس .

وفي الحديث المروي في سنن أبي داود : " اغفر لنا حوبنا وخطايانا " .

وروى ابن مردويه بإسناده إلى واصل ، مولى أبي عيينة ، عن محمد بن سيرين ، عن ابن عباس : أن أبا أيوب طلق امرأته ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أبا أيوب ، إن طلاق أم أيوب كان حوبا " قال ابن سيرين : الحوب الإثم .

ثم قال ابن مردويه : حدثنا عبد الباقي ، حدثنا بشر بن موسى ، أخبرنا هوذة بن خليفة ، أخبرنا عوف ، عن أنس : أن أبا أيوب أراد طلاق أم أيوب ، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إن طلاق أم أيوب لحوب فأمسكها " ثم رواه ابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث علي بن عاصم ، عن حميد الطويل ، سمعت أنس بن مالك يقول : أراد أبو طلحة أن يطلق أم سليم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن طلاق أم سليم لحوب " فكف .

والمعنى : إن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم وخطأ كبير فاجتنبوه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره أوصياءَ اليتامى.

يقول لهم: وأعطوا يا معشر أوصياء اليتامى: [اليتامى] أموالهم إذا هم بلغوا الحلم، (24) وأونس منهم الرشد (25) = " ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب "، يقول: ولا تستبدلوا الحرام عليكم من أموالهم بأموالكم الحلال لكم، كما:- 8436 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: " ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب "، قال: الحلال بالحرام.

8437 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

8438 - حدثني سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: " ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب "، قال: الحرام مكان الحلال.

* * * قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل التأويل في صفة تبديلهم الخبيث كان بالطيب، الذي نهوا عنه، ومعناه.

(26) فقال بعضهم: كان أوصياء اليتامى يأخذون الجيِّد من ماله والرفيعَ منه، ويجعلون مكانه لليتيم الرديء والخسيس، فذلك تبديلهم الذي نهاهم الله تعالى عنه.

* ذكر من قال ذلك: 8439 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم: " ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب "، قال: لا تعط زيفًا وتأخذ جيِّدًا.

8440 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن السدي= وعن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب= ومعمر عن الزهري، قالوا: يعطي مهزولا ويأخذ سمينًا.

8441 - وبه عن سفيان، عن رجل، عن الضحاك قال: لا تعط فاسدًا، وتأخذ جيدًا.

8442 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب "، كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل مكانها الشاة المهزولة، ويقول: " شاة بشاة "!

ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف، ويقول: " درهم بدرهم "!!

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: لا تستعجل الرزق الحرام فتأكله قبل أن يأتيك الذي قُدِّر لك من الحلال.

* ذكر من قال ذلك: 8443 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب "، قال: لا تعجِّل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي قدِّر لك.

8444 - وبه عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح مثله.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك، كالذي:- 8445 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب "، قال: كان أهل الجاهلية لا يورِّثون النساءَ ولا يورِّثون الصغار، يأخذه الأكبر= وقرأ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ قال: إذا لم يكن لهم شيء: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ [سورة النساء: 127]، لا يورثونهم.

(27) قال: فنصيبه من الميراث طيِّب، وهذا الذي أخذه خبيث.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، قول من قال: تأويل ذلك: ولا تتبدلوا أموال أيتامكم -أيها الأوصياء- الحرامَ عليكم الخبيثَ لكم، فتأخذوا رفائعها وخيارَها وجيادَها.

بالطيب الحلال لكم من أموالكم= [أي لا تأخذوا] الرديء الخسيس بدلا منه.

(28) وذلك أنّ" تبدل الشيء بالشيء " في كلام العرب: أخذ شيء مكان آخر غيره، يعطيه المأخوذ منه أو يجعله مكان الذي أخذ.

(29) * * * فإذْ كان ذلك معنى " التبدل " و " الاستبدال "، (30) فمعلوم أنّ الذي قاله ابن زيد= من أن معنى ذلك: هو أخذ أكبرِ ولد الميت جميع مال ميِّته ووالده، دون صغارهم، إلى ماله- قولٌ لا معنى له.

لأنه إذا أخذ الأكبر من ولده جميع ماله دون الأصاغر منهم، فلم يستبدل مما أخذ شيئًا.

فما " التبدل " الذي قال جل ثناؤه: " ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب "، ولم يتبدَّل الآخذ مكان المأخوذ بدلا؟

* * * وأما الذي قاله مجاهد وأبو صالح من أن معنى ذلك: لا تتعجل الرزق الحرام قبل مجيء الحلال= فإنهما أيضًا، إن لم يكونا أرادا بذلك نحو القول الذي روي عن ابن مسعود أنه قال: " إن الرجل ليحرم الرزق بالمعصية يأتيها "، ففساده نظير فساد قول ابن زيد.

لأن من استعجل الحرام فأكله، ثم آتاه الله رزقه الحلال، فلم يبدِّل شيئًا مكان شيء.

وإن كانا قد أرادا بذلك، (31) أن الله جل ثناؤه نهى عباده أن يستعجلوا الحرام فيأكلوه قبل مجيء الحلال، فيكون أكلُهم ذلك &; 7-528 &; سببًا لحرمان الطيِّب منه فذلك وجه معروف، ومذهب معقول.

يحتمله التأويل.

غير أن أشبه [القولين] في ذلك بتأويل الآية، ما قلنا؛ (32) لأن ذلك هو الأظهر من معانيه، لأن الله جل ثناؤه إنما ذكر ذلك في قصة أموال اليتامى وأحكامها، فلأن يكون ذلك من جنس حُكمِ أول الآية وآ خرها، [أولى] من أن يكون من غير جنسه.

(33) * * * القول في تأويل قوله : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ولا تخلِطوا أموالهم -يعني: أموال اليتامى بأموالكم- فتأكلوها مع أموالكم، (34) كما:- 8446 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم "، يقول: لا تأكلوا أموالكم وأموالهم، تخلطوها فتأكلوها جميعًا.

8447 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن مبارك، عن الحسن قال: لما نـزلت هذه الآية في أموال اليتامى، كرهوا أن يخالطوهم، وجعل وليُّ اليتيم يعزل مالَ اليتيم عن ماله، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ [سورة البقرة: 220] قال: فخالطوهم واتقوا.

(35) * * * القول في تأويل قوله : إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره [بقوله]: (36) " إنه كان حوبًا كبيرًا "، إن أكلكم أموال أيتامكم، حوبٌ كبير.

* * * و " الهاء " في قوله: " إنه " دالة على اسم الفعل، أعني" الأكل ".

* * * وأما " الحوب "، فإنه الإثم، يقال منه: " حاب الرجل يَحُوب حَوبًا وحُوبًا وحِيَابة "، ويقال منه: " قد تحوَّب الرجل من كذا "، إذا تأثم منه، ومنه قول أمية بن الأسكر الليثي: (37) وَإنَّ مُهَـــــاجِرَيْنِ تَكنَّفَـــــاهُ غَدَاتَئِــذٍ لقَــدْ خَطَئَــا وحَابَــا (38) ومنه قيل: " نـزلنا بحَوبة من الأرض، وبحِيبَةٍ من الأرض "، إذا نـزلوا بموضع سَوْءٍ منها.

* * * و " الكبير " العظيم.

(39) * * * فمعنى ذلك: إنّ أكلكم أموال اليتامى مع أموالكم، إثم عند الله عظيم.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 8448 - حدثني محمد بن عمرو وعمرو بن علي قالا حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " حوبًا كبيرًا " قال: إثمًا.

8449 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

8450 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " إنه كان حوبًا كبيرًا "، قال: إثمًا عظيما.

8451 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " كان حوبًا " أما " حوبا " فإثمًا.

8452 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " حوبًا "، قال: إثمًا.

8453 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " إنه كان حوبًا كبيرًا " يقول: ظلمًا كبيرًا.

8454 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله: " إنه كان حوبًا كبيرًا " قال: ذنبا كبيرًا= وهي لأهل الإسلام.

8455 - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا قرة بن خالد قال، سمعت الحسن يقول: " حوبًا كبيرًا "، قال: إثمًا والله عظيمًا.

------------------------ الهوامش : (24) في المخطوطة والمطبوعة ، أسقط ما وضعته بين القوسين ، ولكن السياق يقتضي إثباتها ، وكأن الناسخ غره التكرار ، فأسقط إحداهما ، فأساء.

(25) انظر تفسير"آتى" في فهارس اللغة ، وتفسير"اليتامى" فيما سلف 2: 292 / 3: 345 / 4: 295.

(26) في المطبوعة: "في صفة تبديلهم الخبيث بالطيب" ، أسقط الناشر"كان" لأن عربيته أنكرت عربية أبي جعفر!!

وهي الصواب المحض ، فأثبتها.

(27) في المطبوعة والمخطوطة: "لا يورثوهم" ، والصواب ما أثبت.

(28) هذا الذي زدته بين القوسين ، استظهار من تأويله الآتي.

والجملة بغير هذه الزيادة لا تكاد تستقيم.

ثم انظر تفسير"الخبيث" فيما سلف 5: 559 / 7: 424 = وتفسير"الطيب" فيما سلف 3: 301 / 5: 555 / 6: 361 / 7: 424.

(29) انظر تفسير"تبدل" و"استبدل" فيما سلف 2: 112 ، 130 ، 494.

(30) في المطبوعة: "التبديل" ، وأثبت الصواب من المخطوطة.

(31) في المطبوعة: "وإن كانا أراد بذلك" بحذف"قد" وفي المخطوطة: "وإن كان قال أراد بذلك" وهو فساد من عجلة الناسخ ، ولكن صواب قراءتها ما أثبت.

(32) في المطبوعة: "غير أن الأشبه في ذلك بتأويل الآية ما قلنا" ، وهو غير جيد ، وفي المخطوطة: "غير أن أشبه في ذلك بتأويل الآية ما قلنا" ، وبين أن الناسخ عاد فسها ، فأسقط"القولين" وهو ما أثبته ما بين القوسين.

(33) في المطبوعة: "فلا يكون ذلك من جنس حكم أول الآية ، فأخرجها من أن يكون من غير جنسه" جعل"وآخرها" ، "فأخرجها" ، فأنزل الكلام منزلة من الفساد لا مخرج منها.

وأما المخطوطة فكان سياقها: "فلا يكون ذلك من جنس حكم أول الآية وآخرها من أن يكون من غير جنسه" ، وهو سهو من الناسخ وعجلته أفسد الجملة ، صواب"فلا يكون""فلأن يكون" ، والصواب أيضًا زيادة"أولى" التي وضعتها بين القوسين.

(34) انظر تفسير"أكل الأموال" فيما سلف 3: 548 ، 549 = وتفسير"إلى" بمعنى"مع" فيما سلف 1: 299 / 6: 443 ، 444.

(35) الأثر: 8447- هذا الأثر لم يروه أبو جعفر في تفسير آية سورة البقرة 4: 349- 355 ، وهو من الدلائل على اختصاره تفسيره هذا.

(36) الذي بين القوسين زيادة لا يستقيم الكلام بغيرها.

(37) في المطبوعة والمخطوطة: "بن الأسكن" ، وهو خطأ صرف.

(38) مضى البيت وتخريجه في 2: 110 ، وسيأتي في 13: 37 (بولاق) ، وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 13 ، ولم أثبتت هناك ، مواضع تكراره في التفسير ، فليقيد هناك ، وروايته هناك: "لعمر الله قد خطئا وخابا" بالخاء ، وأرجح أن أجود الروايتين ، روايته في هذا الموضع ، بالحاء المهملة؛ وإن كانت أكثر الكتب قد أثبتها بالخاء المعجمة ، وأرجح أيضًا أنه تصحيف قديم ، ومعنى رواية أبي جعفر أشبه بسياق الشعر إن شاء الله.

(39) انظر تفسير"كبير" فيما سلف 2: 15 / 3: 166 / 4: 300.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرافيه خمس مسائل :الأولى قوله تعالى : وآتوا اليتامى أموالهم وأراد باليتامى الذين كانوا أيتاما ؛ كقوله : وألقي السحرة ساجدين ولا سحر مع السجود ، فكذلك لا يتم مع البلوغ .

وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم : " يتيم أبي طالب " استصحابا لما كان .

وآتوا أي أعطوا .

والإيتاء الإعطاء .

ولفلان أتو ، أي عطاء .

أبو زيد : أتوت الرجل آتوه إتاوة ، وهي الرشوة .

واليتيم من لم يبلغ الحلم ، وقد تقدم في " البقرة " مستوفى .

وهذه الآية خطاب للأولياء والأوصياء .

نزلت - في قول مقاتل والكلبي - في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم ، فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه ؛ فنزلت ، فقال العم : نعوذ بالله من الحوب الكبير !

ورد المال .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من يوق شح نفسه ورجع به هكذا فإنه يحل داره يعني جنته .

فلما قبض الفتى المال أنفقه في سبيل الله ، فقال عليه السلام : ثبت الأجر وبقي الوزر .

فقيل : كيف يا رسول الله ؟

فقال : ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده لأنه كان مشركا .[ ص: 10 ] الثانية : وإيتاء اليتامى أموالهم يكون بوجهين :أحدهما - إجراء الطعام والكسوة ما دامت الولاية ؛ إذ لا يمكن إلا ذلك لمن لا يستحق الأخذ الكلي والاستبداد كالصغير والسفيه الكبير .الثاني - الإيتاء بالتمكن وإسلام المال إليه ، وذلك عند الابتلاء والإرشاد ، وتكون تسميته مجازا ، المعنى : الذي كان يتيما ، وهو استصحاب الاسم ؛ كقوله تعالى : وألقي السحرة ساجدين أي الذين كانوا سحرة .

وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم : " يتيم أبي طالب " .

فإذا تحقق الولي رشده حرم عليه إمساك ماله عنه وكان عاصيا .

وقال أبو حنيفة : إذا بلغ خمسا وعشرين سنة أعطي ماله كله على كل حال ، لأنه يصير جدا .قلت : لما لم يذكر الله تعالى في هذه الآية إيناس الرشد وذكره في قوله تعالى : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم .

قال أبو بكر الرازي الحنفي في أحكام القرآن : لما لم يقيد الرشد في موضع وقيد في موضع وجب استعمالهما ، فأقول : إذا بلغ خمسا وعشرين سنة وهو سفيه لم يؤنس منه الرشد ، وجب دفع المال إليه ، وإن كان دون ذلك لم يجب ، عملا بالآيتين .

وقال أبو حنيفة : لما بلغ أشده صار يصلح أن يكون جدا فإذا صار يصلح أن يكون جدا فكيف يصح إعطاؤه المال بعلة اليتم وباسم اليتيم ؟

!

وهل ذلك إلا في غاية البعد ؟

.

قال ابن العربي : وهذا باطل لا وجه له ؛ لا سيما على أصله الذي يرى المقدرات لا تثبت قياسا وإنما تؤخذ من جهة النص ، وليس في هذه المسألة .

وسيأتي ما للعلماء في الحجر إن شاء الله تعالى .الثالثة : قوله تعالى : ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب أي لا تتبدلوا الشاة السمينة من مال اليتيم بالهزيلة ، ولا الدرهم الطيب بالزيف .

وكانوا في الجاهلية لعدم الدين لا يتحرجون عن أموال اليتامى ، فكانوا يأخذون الطيب والجيد من أموال اليتامى ويبدلونه بالرديء من أموالهم ؛ ويقولون : اسم باسم ورأس برأس ؛ فنهاهم الله عن ذلك .

هذا قول سعيد بن المسيب والزهري والسدي والضحاك وهو ظاهر الآية .

وقيل : المعنى لا تأكلوا أموال اليتامى وهي محرمة خبيثة وتدعوا الطيب وهو مالكم .

وقالمجاهد وأبو صالح وباذان : لا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله .

وقال ابن زيد : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان ويأخذ الأكبر الميراث .

عطاء : لا تربح على يتيمك الذي [ ص: 11 ] عندك وهو غر صغير .

وهذان القولان خارجان عن ظاهر الآية ؛ فإنه يقال : تبدل الشيء بالشيء أي أخذه مكانه .

ومنه البدل .الرابعة : قوله تعالى : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم قال مجاهد : وهذه الآية ناهية عن الخلط في الإنفاق ؛ فإن العرب كانت تخلط نفقتها بنفقة أيتامها فنهوا عن ذلك ، ثم نسخ بقوله وإن تخالطوهم فإخوانكم .

وقال ابن فورك ، عن الحسن : تأول الناس في هذه الآية النهي عن الخلط فاجتنبوه من قبل أنفسهم ، فخفف عنهم في آية البقرة .

وقالت طائفة من المتأخرين : إن إلى بمعنى مع ، كقوله تعالى : من أنصاري إلى الله .

وأنشد القتبي :يسدون أبواب القباب بضمر إلى عنن مستوثقات الأواصروليس بجيد .

وقال الحذاق : إلى على بابها وهي تتضمن الإضافة ، أي لا تضيفوا أموالهم وتضموها إلى أموالكم في الأكل .

فنهوا أن يعتقدوا أموال اليتامى كأموالهم فيتسلطوا عليها بالأكل والانتفاع .الخامسة : قوله تعالى : إنه كان حوبا كبيرا " إنه " أي الأكل كان حوبا كبيرا أي إثما كبيرا ؛ عن ابن عباس والحسن وغيرهما .

يقال : حاب الرجل يحوب حوبا إذا أثم .

وأصله الزجر للإبل ؛ فسمي الإثم حوبا ؛ لأنه يزجر عنه وبه .

ويقال في الدعاء : اللهم اغفر حوبتي ؛ أي إثمي .

والحوبة أيضا الحاجة .

ومنه في الدعاء : إليك أرفع حوبتي ؛ أي حاجتي .

والحوب الوحشة ؛ ومنه قوله عليه السلام لأبي أيوب : إن طلاق أم أيوب لحوب .

وفيه ثلاث لغات " حوبا " بضم الحاء وهي قراءة العامة ولغة أهل الحجاز .

وقرأ الحسن " حوبا " بفتح الحاء .

وقال الأخفش : وهي لغة تميم .

مقاتل : لغة الحبش .والحوب المصدر ، وكذلك الحيابة .

والحوب الاسم .

وقرأ أبي بن كعب " حابا " على المصدر مثل القال .

ويجوز أن يكون اسما مثل الزاد .

والحوأب ( بهمزة بعد الواو ) .

المكان الواسع .

والحوأب ماء أيضا .

ويقال : ألحق الله به الحوبة أي المسكنة والحاجة ؛ ومنه قولهم : بات بحيبة سوء .

وأصل الياء الواو .

وتحوب فلان أي تعبد وألقى الحوب عن نفسه .

والتحوب أيضا التحزن .

وهو أيضا الصياح الشديد ؛ كالزجر ، وفلان يتحوب من كذا أي يتوجع وقال طفيل :[ ص: 12 ]فذوقوا كما ذقنا غداة محجر من الغيظ في أكبادنا والتحوب

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وقوله تعالى: { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا } هذا أول ما أوصى به من حقوق الخلق في هذه السورة.

وهم اليتامى الذين فقدوا آباءهم الكافلين لهم، وهم صغار ضعاف لا يقومون بمصالحهم.

فأمر الرءوف الرحيم عباده أن يُحسنوا إليهم، وأن لا يقربوا أموالهم إلا بالتي هي أحسن، وأن يؤتوهم أموالهم إذا بلغوا ورشدوا، كاملة موفرة، وأن لا { تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ } الذي هو أكل مال اليتيم بغير حق.

{ بِالطَّيِّبِ } وهو الحلال الذي ما فيه حرج ولا تبعة.

{ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ } أي: مع أموالكم، ففيه تنبيه لقبح أكل مالهم بهذه الحالة، التي قد استغنى بها الإنسان بما جعل الله له من الرزق في ماله.

فمن تجرأ على هذه الحالة، فقد أتى { حُوبًا كَبِيرًا } أي: إثمًا عظيمًا، ووزرًا جسيمًا.

ومن استبدال الخبيث بالطيب أن يأخذ الولي من مال اليتيم النفيس، ويجعل بدله من ماله الخسيس.

وفيه الولاية على اليتيم، لأن مِنْ لازم إيتاء اليتيم ماله، ثبوت ولاية المؤتي على ماله.

وفيه الأمر بإصلاح مال اليتيم، لأن تمام إيتائه ماله حفظه والقيام به بما يصلحه وينميه وعدم تعريضه للمخاوف والأخطار.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وآتوا اليتامى أموالهم ) قال مقاتل والكلبي : نزلت في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم ، فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية ، فلما سمعها العم قال : أطعنا الله وأطعنا الرسول نعوذ بالله من الحوب الكبير ، فدفع إليه ماله فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره " ، يعني : جنته ، فلما قبض الفتى ماله أنفق في سبيل الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ثبت الأجر وبقي الوزر " فقالوا : كيف بقي الوزر؟

فقال : " ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده " .

وقوله ( وآتوا ) خطاب للأولياء والأوصياء ، واليتامى : جمع يتيم ، واليتيم : اسم لصغير لا أب له ولا جد ، وإنما يدفع المال إليهم بعد البلوغ ، وسماهم يتامى هاهنا على معنى أنهم كانوا يتامى .

( ولا تتبدلوا ) أي : لا تستبدلوا ، ( الخبيث بالطيب ) أي : مالهم الذي هو حرام ، عليكم بالحلال من أموالكم ، واختلفوا في هذا التبدل ، قال سعيد بن المسيب والنخعي والزهري والسدي : كان أولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتيم ويجعلونه مكان الرديء ، فربما كان أحدهما يأخذ الشاة السمينة من مال اليتيم ويجعل مكانها المهزولة ، ويأخذ الدرهم الجيد ويجعل مكانه =الزيف ، ويقول : درهم بدرهم ، فنهوا عن ذلك .

وقيل : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان ويأخذ الأكبر الميراث ، فنصيبه من الميراث طيب ، وهذا الذي يأخذه خبيث ، وقال مجاهد : لا تتعجل الرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال .

( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ) أي : مع أموالكم ، كقوله تعالى : ( من أنصاري إلى الله ) أي : مع الله ، ( إنه كان حوبا كبيرا ) أي : إثما عظيما .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل في يتيم طلب من وليه ماله فمنعه: «وآتوا اليتامى» الصغار الذين لا أب لهم «أموالهم» إذا بلغوا «ولا تتبدلوا الخبيث» الحرام «بالطيب» الحلال أي تأخذوه بدله كما تفعلون من أخذ الجيد من مال اليتيم وجعل الرديء من مالكم مكانه «ولا تأكلوا أموالهم» مضمومة «إلى أموالكم إنه» أي أكلها «كان حوبا» ذنبا «كبيرا» عظيما ولما نزلت تحرجوا من ولاية اليتامى وكان فيهم من تحته العشر أو الثمان من الأزواج فلا يعدل بينهن فنزل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأعطوا مَن مات آباؤهم وهم دون البلوغ، وكنتم عليهم أوصياء، أموالهم إذا وصلوا سن البلوغ، ورأيتم منهم قدرة على حفظ أموالهم، ولا تأخذوا الجيِّد من أموالهم، وتجعلوا مكانه الرديء من أموالكم، ولا تخلطوا أموالهم بأموالكم؛ لتحتالوا بذلك على أكل أموالهم.

إن من تجرأ على ذلك فقد ارتكب إثمًا عظيمًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم شرع - سبحانه - فى تفصيل موارد الاتقاء ومظانه ، فابتدأ بأحق الناس بالرحمة والمودة ، وهم اليتامى فقال - تعالى - : ( وَآتُواْ .

.

.

أَلاَّ تَعُولُواْ )والأمر فى قوله ( وَآتُواْ ) يتناول كل من له ولاية أو وصاية أو صله باليتيم ، كما يتناول الجماعة الإِسلامية بصفة عامة ، لكى تتكاتف وتتعاون على تمكين اليتيم من وصول حقه إليه بدون بخس أو مماطلة .و ( اليتامى ) جمع يتيم وهو الصغير الذى مات أبوه ، مأخوذ من اليتم بمعنى الانفراد .

ومنه الدرة اليتيمية .قال صاحب الكشاف وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء ، إلا أنه قد غلب ان يسموا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال ، فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم عليهم ، وانتصبوا كفاة يكفلون غيرهم ويقومون عليهم ، زال عنهم هذا الاسم .

وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يتيم أبى طالب؛ إما على القياس ، وإما حكاية للحال التى كان عليها صغيرا في حجر عمه .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم " لا يتم بعد الحلم " فهو تعليم شريعة لا لغة .

أى أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار " .والمراد باليتامى هنا الصغار ، والمراد بإيتائهم أموالهم حفظها لهم وعدم الطمع فى شىء منها لا من قبل الورثة ولا من قبل الأوصياء ولا من قبل غيرهم وعلى هذا المعنى يكون لفظ الإِيتاء قد أول بلازم معناه وهو الحفظ والرعاية لمال اليتامى ، لا تسليم المال إليهم لأنه من المعروف شرعا ألا يسلم المال إليهم إلا بعد البلوغ ، إذ هم فى حال الصغر لا يصلحون للتصرف .ويكون هذا التعبير من باب الكناية بإطلاق اللازم - وهو الإِيتاء ، وإرادة الملزوم وهو الحفظ ، أو من باب المجاز بالمآل إذ الحفظ يؤول إلى الإِيتاء .ويرى بعضهم أن المراد باليتامى هنا الكبار الذين أونس منهم الرشد وأن المراد بالإِيتاء دفع أموالهم إليهم على سبيل الحقيقة .ويكون التعبير عنهم باليتامى - مع أنهم كبار - باعتبار ان اسم اليتيم يتناول لغة كل من فقد أباه ، أو باعتبار قرب عهدهم بالصغر ، أو باعتبار ما كان أى الذين كانوا يتامى .

قالوا : وفى التعبير عنهم باليتامى مع أنهم كبار ، إشارة إلى وجوب المسارعة فى تسليم أموالهم إليهم متى أونس منهم الرشد ، حتى لكأن اسم اليتيم ما زال باقيا عليهم ، غير منفصل عنهم :ويبدو لنا أن الرأى الأول أولى ، لأن الأمر بدفع أموال اليتامى إليهم .

بعد بلوغهم قد جاء صريحا فى قوله - تعالى - بعد ذلك : ( وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ) فكان حمل الآية التى معنا على أن المراد باليتامى : الصغار ، وبإيتاء أموالهم حفظها لهم ، أولى وأقرب إلى المنطق ، لأنه على الرأى الأول يكون الأمر وما يذكر به تأسيسات أحكام ، وعلى الرأى الثانى يكون ما فى الآية الثانية مؤكدا لما فى الآية التى معنا .والتأسيس أولى من التأكيد .ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك فى الآية التى معنا ( وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ ) - إنما هو تحذير للأوصياء والأولياء من الطمع فى مال اليتيم أو إضاعته ما دام المال فى أيديهم واليتيم فى حجرهم ، وهذا يؤيد هذا الرأى الأول القائل بن المراد باليتامى : الصغار ، وبإيتاء أموالهم : حفظها ورعايتها حتى تسلم إليهم عند بلوغهم كاملة غير منقوصة .وقوله ( وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب ) معناه : لا تجعلوا ردىء المال لهم بدل الجيد ، بأن تأخذوا لأنفسكم كرائم الأموال ونفائسها ، وتتركوا لهم الخسيس منها .قال القرطبى : وكانوا فى الجاهلية لعدم الدين لا يتحرجون عن أموال اليتامى فكانوا يأخذون الطيب من أموال اليتامى ويبدلونه بالردىء من أموالهم ويقولون اسم باسم ، ورأس برأس ، فنهاهم الله عن ذلك .

وهذا قول سعيد بن المسيب والزهرى والسدى والضحاك وهو ظاهر الآية ، إذ التبديل جعل شىء بدل شىء " .ويرى صاحب الكشاف أن المراد بالخبث : الحرام ، وبالطيب : الحلال فقد قالوا : ( وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب ) أى : ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم وما ابيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث فى الأرض فتأكلوه مكانه ، أو لا تستبدلوا الأمر الخبث وهو اختزال أموال اليتامى بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها " .وقوله - تعالى - ( وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ ) نهى آخر عن الاعتداء على أموال اليتامى عن طريق خلط أموال اليتامى بأموال الأوصياء ، و المراد من الأكل : مطلق الانتفاع والتصرف وخص الأكل بالذكر ، لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف .والمعنى : ولا تضموا أيها الأوصياء أموال اليتامى إلى أموالكم في الإِنفاق فتأكلوها مع أموالكم ، وتسووا بينهما فى الانتفاع ، لأن أموالكم احل الله لكم أكلها ، أما أموال اليامى فقد جرم الله عليكم أكلها .فالآية الكريمة صريحة فى النهى عن خلط مال اليتيم القاصر بمال الوصى عليه بقصد أكله ، لأن هذا لون من ألوان الاستيلاء المحرم على أموال اليتامى ، كما أنها تتضمن النهى عن خلط مال اليتيم بمال الوصى عليه ولو لم يقصد أكله ، لأن هذا الخلط قد يؤدى إلى ضياعه وعدم تميزه فقد يموت الوصى فلا يعرف مال اليتيم من ماله ، فيؤدى الأمر إلى أكله وإن لم يكن مقصودا ، ولذا قال الفقهاء : إذا مات الوصى على اليتيم مجهلاً مال اليتيم اعتبر مستهلكا له .والخلاصة أن الآية الكريمة تحرم على الأولياء والأوصياء وغيرهم أن تصرفوا في أموال اليتامى أى تصرف يؤدى إلى الإِضرار بها ، بل عليهم أن يحفظوها لهم حتى يدفعوها إليهم سالمة عند البلوغ .هذا ، وليس قيد " إلى أموالكم " محط النهى ، بل النهى واقع على أكل أموال اليتامى مطلقا ، سواء أكان للآكل مال يضم إليه مال اليتيم أم لم يكن .ولكن لما كان الغالب وجود أموال للأوصياء ، وأنهم يريدون من أكل أموال اليتامى التكثير أو توفير أموالهم ، جىء بهذا القيد رعاية لهذا الغالب ، وليكون ذمهم على جشعهم وضعف دينهم أشد وأشنع حيث أكلوا حقوق اليتامى مع أنهم فى غنى عنها بما رزهم الله من أموال .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : قد حرم عليهم أكل مال اليتامى وحده ومع أموالهم فلم ورد النهى عن أكله معها؟

قلت : لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من مال حلال - وهم مع ذلك يطمعون فيها - كان القبح أبلغ والذم أحق ، ولأنهم كانوا يفعلون ذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم " .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ) .والحوب : اسم مصدر من حاب يحوب حوبا : إذا اكتسب إثما .

يقال : فلان يتحوب أى يتأثم .

والحوباء : النفس المرتكبة للإِثم .

ويقال فى الدعاء : اللهم اغفر حوبتى ، أى إثمى ، وأصله الزجر للإبل ، فسمى الإِثم حوبا لأنه يزجر عنه وبه .والضمير فى قوله ( إِنَّهُ ) يعود إلى أكل مال اليتيم بأى طريق محرم .والمعنى : إن أكل مال اليتيم بأى طريقة من الطرق المحرمة كان إثما كبيراً ، وذنبا عظيما ، لأن هذا الأكل اعتداء على نفس ضعيفة فقدت من يعولها ومن يدافع عنها ، ومن اعتدى على نفس ضعيفة ، وضيع حقها ، وخان الأمانة كان مرتكبا لذنب عظيم يؤدى به إلى العقوبة والعذاب الأليم .والجملة بمنزلة التعليل للنهى عن أكل مال اليتيم ، وعن الطمع بدون وجه حق فيها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه لما افتتح السورة بذكر ما يدل على أنه يجب على العبد أن يكون منقادا لتكاليف الله سبحانه، محترزا عن مساخطه، شرع بعد ذلك في شرح أقسام التكاليف.

فالنوع الأول: ما يتعلق بأموال اليتامى، وهو هذه الآية، وأيضا أنه تعالى وصى في الآية السابقة بالأرحام، فكذلك في هذه الآية وصى بالأيتام، لأنهم قد صاروا بحيث لا كافل لهم ولا مشفق شديد الإشفاق عليهم، ففارق حالهم حال من له رحم ماسة عاطفة عليه لمكان الولادة أو لمكان الرحم فقال: ﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: اليتامى الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم، واليتم الانفراد، ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة، وقيل: اليتم في الأناسي من قبل الآباء، وفي البهائم من قبل الأمهات.

قال: وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء الانفراد عن الآباء، إلا أن في العرف اختص هذا الاسم بمن لم يبلغ مبلغ الرجال، فاذا صار بحيث يستغني بنفسه في تحصيل مصالحه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره، زال عنه هذا الاسم، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يتيم أبي طالب، إما على القياس، وإما على حكاية الحال التي كان عليها حين كان صغيرا ناشئا في حجر عمه توضيعا له.

وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يتم بعد حلم» فهو تعليم الشريعة لا تعليم اللغة، يعني إذا احتلم فإنه لا تجرى عليه أحكام الصغار.

وروى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن أن جده كتب إلى ابن عباس يسأله عن اليتيم متى ينقطع يتمه؟

فكتب إليه: إذا أونس منه الرشد انقطع يتمه، وفي بعض الروايات: أن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعد، فأخبر ابن عباس أن اسم اليتيم قد يلزمه بعد البلوغ اذا لم يؤنس منه الرشد، ثم قال أبو بكر: واسم اليتيم قد يقع على المرأة المفردة عن زوجها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تستأمر اليتيمة» وهي لا تستأمر إلا وهي بالغة، قال الشاعر: ان القبور تنكح الأيامى *** النسوة الأرامل اليتامى فالحاصل من كل ما ذكرنا أن اسم اليتيم بحسب أصل اللغة يتناول الصغير والكبير، إلا أنه بحسب العرف مختص بالصغير.

المسألة الثانية: هاهنا سؤال وهو أن يقال: كيف جمع اليتيم على يتامى؟

واليتيم فعيل، والفعيل يجمع على فعلى، كمريض ومرضى وقتيل وقتلى وجريح وجرحى، قال صاحب الكشاف: فيه وجهان: أحدهما: أن يقال: جمع اليتيم يتمى، ثم يجمع فعلى على فعالى، كأسير وأسرى وأسارى، والثاني: أن يقال: جمع يتيم يتائم، لأن اليتيم جار مجرى الأسماء نحو صاحب وفارس، ثم يقلب اليتائم يتامى.

قال القفال رحمه الله: ويجوز يتيم ويتامى، كنديم وندامى، ويجوز أيضا يتيم وأيتام كشريف وأشراف.

المسألة الثالثة: هاهنا سؤال ثان: وهو أنا ذكرنا أن اسم اليتيم مختص بالصغير، فما دام يتيما لا يجوز دفع ماله اليه، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيما، فكيف قال: ﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم ﴾ والجواب عنه على طريقين: الأول: أن نقول المراد من اليتامى الذين بلغوا أو كبروا ثم فيه وجهان: أحدهما: أنه تعالى سماهم يتامى على مقتضى أصل اللغة، والثاني: أنه تعالى سماهم باليتامى لقرب عهدهم باليتم وإن كان قد زال في هذا الوقت كقوله تعالى: ﴿ فَأُلْقِىَ السحرة ساجدين  ﴾ أي الذين كانوا سحرة قبل السجود، وأيضاً سمى الله تعالى مقاربة انقضاء العدة، بلوغ الأجل في قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ  ﴾ والمعنى مقاربة البلوغ، ويدل على أن المراد من اليتامى في هذه الآية البالغون قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ  ﴾ والإشهاد لا يصح قبل البلوغ وإنما يصح بعد البلوغ.

الطريق الثاني: أن نقول: المراد باليتامى الصغار، وعلى هذا الطريق ففي الآية وجهان: أحدهما: أن قوله: ﴿ وآتُواْ ﴾ أمر، والأمر إنما يتناول المستقبل، فكان المعنى أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتم عنهم أموالهم، وعلى هذا الوجه زالت المناقضة.

والثاني: المراد: وآتوا اليتامى حال كونهم يتامى ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم، والفائدة فيه أنه كان يجوز أن يظن أنه لا يجوز إنفاق ماله عليه حال كونه صغيرا، فأباح الله تعالى ذلك، وفيه إشكال وهو أنه لو كان المراد ذلك لقال: وآتوهم من أموالهم، فلما أوجب إيتاءهم كل أموالهم سقط ذلك.

المسألة الرابعة: نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم وعزلوا أموال اليتامى عن أموالهم، فشكوا ذلك الى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وإن تخالطوهم فإخوانكم  ﴾ قال أبو بكر الرازي: وأظن أنه غلط من الراوي، لأن المراد بهذه الآية إيتاؤهم أموالهم بعد البلوغ وإنما غلط الراوي بآية أخرى، وهو ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أنزل الله ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ  ﴾ و ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً  ﴾ ذهب من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فاشتد ذلك على اليتامى، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وإن تخالطوهم فاخوانكم ﴾ فخلطوا عند ذلك طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.

قال المفسرون: الصحيح أنها نزلت في رجل من غطفان، كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه، فتراجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير، ودفع ماله اليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره» أي جنته، فلما قبض الصبي ماله أنفقه في سبيل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثبت الأجر وبقي الوزر» فقالوا: يا رسول الله لقد عرفنا أنه ثبت الأجر، فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟

فقال: ثبت أجر الغلام وبقي الوزر على والده.

المسألة الخامسة: احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على أن السفيه، لا يحجر عليه بعد الخمس والعشرين، قال لأن قوله: ﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم ﴾ مطلق يتناول السفيه أونس منه الرشد أو لم يؤنس ترك العمل به قبل الخمس والعشرين سنة لاتفاق العلماء على أن إيناس الرشد قبل بلوغ هذا السن، شرط في وجوب دفع المال إليه، وهذا الإجماع لم يوجد بعد هذا السن، فوجب إجراء الأمر بعد هذا السن على حكم ظاهر هذه الآية.

أجاب أصحابنا عنه: بأن هذه الآية عامة، لأنه تعالى ذكر اليتامى فيها جملة، ثم إنهم ميزوا بعد ذلك بقوله: ﴿ وابتلوا اليتامى  ﴾ وبقوله: ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم  ﴾ حرم بهاتين الآيتين إيتاءهم أموالهم إذا كانوا سفهاء، ولا شك أن الخاص مقدم على العام.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب ﴾ .

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: ولا تتبدلوا، أي ولا تستبدلوا، والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز، ومنه التعجل بمعنى الاستعجال، والتأخر بمعنى الاستئخار.

وقال الواحدي رحمه الله: يقال: تبدل الشيء بالشيء إذا أخذه مكانه.

المسألة الثانية: في تفسير هذا التبدل وجوه: الوجه الأول: قال الفراء والزجاج: لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى، بالحلال وهو مالكم الذي أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض، فتأكلوه مكانه.

الثاني: لا تستبدلوا الأمر الخبيث، وهو اختزال أموال اليتامى، بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع منها وهو قول الأكثرين أنه كان ولي اليتيم يأخذ الجيد من ماله ويجعل مكانه الدون، يجعل الزائف بدل الجيد، والمهزول بدل السمين، وطعن صاحب الكشاف في هذا الوجه، فقال: ليس هذا بتبدل إنما هو تبديل إلا أن يكارم صديقا له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي.

الرابع: هو أن هذا التبدل معناه: أن يأكلوا مال اليتيم سلفا مع التزام بدله بعد ذلك، وفي هذا يكون متبدلا الخبيث بالطيب.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم ﴾ وفيه وجهان: الأول: معناه ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم في الإنفاق حتى تفرقوا بين أموالكم وأموالهم في حل الانتفاع بها.

والثاني: أن يكون إلى بمعنى مع قال تعالى: ﴿ مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله  ﴾ أي مع الله، والأول: أصح.

واعلم أنه تعالى وإن ذكر الأكل، فالمراد به التصرف لأن أكل مال اليتيم كما يحرم، فكذا سائر التصرفات المهلكة لتلك الأموال محرمة، والدليل عليه أن في المال ما لا يصح أن يؤكل، فثبت أن المراد منه التصرف، وإنما ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف.

فإن قيل: إنه تعالى لما حرم عليهم أكل أموال اليتامى ظلما في الآية الأولى المتقدمة دخل فيها أكلها وحدها وأكلها مع غيرها، فما الفائدة في إعادة النهي عن أكلها مع أموالهم؟

قلنا: لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من حلال وهم مع ذلك يطمعون في أموال اليتامى، كان القبح أبلغ والذم أحق.

واعلم أنه تعالى عرف الخلق بعد ذلك أن أكل مال اليتيم من جميع الجهات المحرمة إثم عظيم فقال: ﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ﴾ قال الواحدي رحمه الله: الكناية تعود إلى الأكل، وذلك لأن قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ ﴾ دل على الأكل والحوب الإثم الكبير.

قال عليه الصلاة والسلام: «إن طلاق أم أيوب لحوب» وكذلك الحوب والحاب ثلاث لغات في الاسم والمصدر قال الفراء: الحوب لأهل الحجاز، والحاب لتميم، ومعناه الاثم قال عليه الصلاة والسلام: «رب تقبل توبتي واغسل حوبتي» قال صاحب الكشاف: الحوب والحاب كالقول والقال.

قال القفال: وكأن أصل الكلمة من التحوب وهو التوجع، فالحوب هو ارتكاب ما يتوجع المرتكب منه، وقال البصريون: الحوب بفتح الحاء مصدر، والحوب بالضم الاسم، والحوبة، المرة الواحدة، ثم يدخل بعضها في البعض كالكلام فإنه اسم، ثم يقال: قد كلمته كلاما فيصير مصدرا.

قال صاحب الكشاف: قرأ الحسن حوبا، وقرئ: حابا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ اليتامى ﴾ الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم.

واليتم الانفراد.

ومنه: الرملة اليتيمة والدرّة اليتيمة.

وقيل: اليتم في الأناسي من قبل الآباء.

وفي البهائم من قبل الأمهات.

فإن قلت: كيف جمع اليتيم وهو فعيل كمريض على يتامى؟

قلت: فيه وجهان: أن يجمع على يتمى كأسرى، لأنّ اليتم من وادي الآفات والأوجاع، ثم يجمع فعلى على فعالى كأسارى.

ويجوز أن يجمع على فعائل لجري اليتم مجرى الأسماء، نحو صاحب وفارس، فيقال: يتائم، ثم يتامى على القلب.

وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء، إلا أنه قد غلب أن يسموا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال، فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم عليهم وانتصبوا كفاة يكفلون غيرهم ويقومون عليهم، زال عنهم هذا الاسم، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يتيم أبي طالب، إمّا على القياس وإما حكاية للحال التي كان عليها صغيراً ناشئاً في حجر عمه توضيعاً له.

وأمّا قوله عليه السلام: «لا يتم بعد الحلم» فما هو إلا تعليم شريعة لا لغة، يعني أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار.

فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم ﴾ ؟

قلت: إما أن يراد باليتامى الصغار، وبإتيانهم الأموال: أن لا يطمع فيها الأولياء والأوصياء وولاة السوء وقضاته ويكفوا عنها أيديهم الخاطفة، حتى تأتي اليتامى إذا بلغوا سالمة غير محذوفة.

وإمّا أن يراد الكبار تسمية لهم يتامى على القياس، أو لقرب عهدهم إذا بلغوا بالصغر، كما تسمى الناقة عشراء بعد وضعها.

على أنّ فيه إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عن حد البلوغ، ولا يمطلوا إن أونس منهم الرشد، وأن يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار.

وقيل: هي في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فنزلت، فلما سمعها العمُّ قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع ماله إليه؛ فقال النبي عليه السلام: «ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره.

يعني جنته فلما قبض ألفوا ماله أنفقه في سبيل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ثبت الأجر، ثبت الأجر وبقي الوزر، قالوا: يا رسول الله، قد عرفنا أنه ثبت الأجر كيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟

فقال: ثبت أجر الغلام، وبقي الوزر على والده» .

﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب ﴾ ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه.

أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث وهو اختزال أموال اليتامى بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع منها والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز.

منه التعجل بمعنى الاستعجال، والتأخر بمعنى الاستئخار.

قال ذو الرمّة: فَيَا كَرَمَ السَّكْنِ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا ** عَنِ الدَّارِ وَالْمُسْتَخْلَفِ الْمُتَبَدَّلِ أراد: ويا لؤم ما استخلفته الدال واستبدلته.

وقيل: هو أن يعطي رديئاً ويأخذ جيداً.

وعن السدي: أن يجعل شاة مهزولة مكان سمينة، وهذا ليس بتبدل، وإنما هو تبديل إلا أن يكارم صديقاً له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم ﴾ ولا تنفقوها معها.

وحقيقتها: ولا تضموها إليها في الإنفاق، حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم قلة مبالاة بما لا يحل لكم.

وتسوية بينه وبين الحلال.

فإن قلت: قد حرم عليهم أكل مال اليتامى وحده ومع أموالهم، فلمَ ورد النهي عن أكله؟

معها قلت: لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من مال حلال وهم على ذلك يطمعون فيها كان القبح أبلغ والذم أحق ولأنهم كانوا يفعلون كذلك قنعى عليهم فعلهم وَسَمّع َبهم، ليكون أزجر لهم.

والحوب: الذنب العظيم.

ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «إن طلاق أم أيوب لحوب» فكأنه قيل: إنه كان ذنباً كبيراً.

وقرأ الحسن ﴿ حوبا ﴾ بفتح الحاء وهو مصدر حاب حوبا.

وقرئ: ﴿ حابا ﴾ .

ونظير الحوب والحاب: القول والقال.

والطرد والطرد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ ﴾ أيْ إذا بَلَغُوا، واليَتامى جَمْعُ يَتِيمٍ وهو الَّذِي ماتَ أبُوهُ، مِنَ اليُتْمِ وهو الِانْفِرادُ.

وَمِنهُ الدُّرَّةُ اليَتِيمَةُ، إمّا عَلى أنَّهُ لَمّا جَرى مَجْرى الأسْماءِ كَفارِسٍ وصاحِبٍ جُمِعَ عَلى يَتائِمَ، ثُمَّ قُلِبَ فَقِيلَ يَتامى أوْ عَلى أنَّهُ جُمِعَ عَلى يَتْمى كَأسْرى لِأنَّهُ مِن بابِ الآفاتِ.

ثُمَّ جُمِعَ يَتْمى عَلى يَتامى كَأسْرى وأسارى، والِاشْتِقاقُ يَقْتَضِي وُقُوعَهُ عَلى الصِّغارِ والكِبارِ، لَكِنَّ العُرْفَ خَصَّصَهُ بِمَن لَمْ يَبْلُغْ.

ووُرُودُهُ في الآيَةِ إمّا لِلْبالِغِ عَلى الأصْلِ أوِ الِاتِّساعِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالصِّغَرِ، حَثًّا عَلى أنْ يَدْفَعَ إلَيْهِمْ أمْوالَهم أوَّلَ بُلُوغِهِمْ قَبْلَ أنْ يَزُولَ عَنْهم هَذا الِاسْمُ إنْ أُونِسَ مِنهُمُ الرُّشْدُ، ولِذَلِكَ أمَرَ بِابْتِلائِهِمْ صِغارًا أوْ لِغَيْرِ البَلْغِ والحُكْمُ مُقَيَّدٌ فَكَأنَّهُ قالَ وَآتَوْهم إذا بَلَغُوا.

ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما رُوِيَ: «أنَّ رَجُلًا مِن غَطَفانَ كانَ مَعَهُ مالٌ كَثِيرٌ لِابْنِ أخٍ لَهُ يَتِيمٍ فَلَمّا بَلَغَ طَلَبَ المالَ مِنهُ فَمَنَعَهُ فَنَزَلَتْ.

فَلَمّا سَمِعَها العَمُّ قالَ: أطَعْنا اللَّهَ ورَسُولَهُ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الحُوبِ الكَبِيرِ.» ﴿ وَلا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ﴾ ولا تَسْتَبْدِلُوا الحَرامَ مِن أمْوالِهِمْ بِالحَلالِ مِن أمْوالِكُمْ، أوِ الأمْرَ الخَبِيثَ وهو اخْتِزالُ أمْوالِهِمْ بِالأمْرِ الطَّيِّبِ الَّذِي هو حِفْظُها.

وقِيلَ ولا تَأْخُذُوا الرَّفِيعَ مِن أمْوالِهِمْ وتُعْطُوا الخَسِيسَ مَكانَها، وهَذا تَبْدِيلٌ ولَيْسَ بِتَبَدُّلٍ.

﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ ﴾ ولا تَأْكُلُوها مَضْمُومَةً إلى أمْوالِكُمْ، أيْ لا تُنْفِقُوهُما مَعًا ولا تُسَوُّوا بَيْنَهُما، وهَذا حَلالٌ وذاكَ حَرامٌ وهو فِيما زادَ عَلى قَدْرِ أجْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ ﴿ إنَّهُ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْأكْلِ.

﴿ كانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ ذَنْبًا عَظِيمًا.

وقُرِئَ حَوْبًا وهو مَصْدَرٌ حابَ حَوْبًا وحابًا كَقالَ قَوْلًا وقالًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وآتوا اليتامى أموالهم} يعني الذين ماتت آباؤهم فانفردوا عنهم واليتم الانفراد ومنه الدرة اليتيمة وقيل اليتم في الأناسي من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء إلا أنه قد غلب أن يسموا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم عليهم زال هذا الاسم عنهم وقوله عليه السلام لا يتم بعد الحلم تعليم شريعة لا لغة يعني أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار والمعنى وآتوا اليتامى أموالهم بعد

البلوغ وسماهم يتامى لقرب عهدهم إذا بلغوا بالصغر وفيه إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عن حد البلوغ أن أونس منهم الرشد وأن يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب} ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم أو لاتستبدلوا الأمر الخبيث وهو اختزال أموال اليتامى بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز ومنه التعجل بمعنى الاستعجال {وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم} إلى متعلقة بمحذوف وهو في موضع الحال أي مضافة إلى أموالكم المعنى ولا تضموها إليها فى الإنفاق حتى لاتفرقوا بين أموالكم وأموالهم قلة مبالاة بمالا يحل لكم وتسوية بينه وبن الحلال {إنّهُ} إن أكلها {كَانَ حُوباً كَبِيراً} ذنبا عظيما

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ مَوارِدِ الِاتِّقاءِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وبَدَأ بِما يَتَعَلَّقُ بِاليَتامى؛ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِمْ، ولِمُلابَسَتِهِمْ بِالأرْحامِ؛ إذِ الخِطابُ لِلْأوْصِياءِ والأوْلِياءِ، وقَلَّما تُفَوَّضُ الوِصايَةُ لِأجْنَبِيٍّ.

واليَتِيمُ - مِنَ الإنْسانِ: مَن ماتَ أبُوهُ، ومِن سائِرِ الحَيَواناتِ: فاقِدُ الأُمِّ- مِنَ اليُتْمِ: وهو الِانْفِرادُ، ومِن هُنا يُطْلَقُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عَزَّ نَظِيرُهُ، ومِنهُ الدُّرَّةُ اليَتِيمَةُ، وجُمِعَ عَلى يَتامى مَعَ أنَّ فَعِيلًا لا يُجْمَعُ عَلى فَعالى، بَلْ عَلى- فِعالٍ: كَكَرِيمٍ وكِرامٍ.

وفُعَلاءَ: كَكَرِيمٍ وكُرَماءَ.

وفُعُلٍ: كَنَذِيرٍ ونُذُرٍ.

وفَعْلى: كَمَرِيضٍ ومَرْضى- إمّا لِأنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى الأسْماءِ، ولِذا قَلَّما يَجْرِي عَلى مَوْصُوفٍ، فَجُمِعَ عَلى يَتايِمَ كَأفِيلٍ وأفايِلَ، ثُمَّ قُلِبَ فَقِيلَ: يَتامِي بِالكَسْرِ، ثُمَّ خُفِّفَ بِقَلْبِ الكَسْرَةِ فَتْحَةً، فَقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا، وقَدْ جاءَ عَلى الأصْلِ في قَوْلِهِ: أأطْلالُ حُسْنٍ بِالبَرّاقِ اليَتايِمِ سَلامٌ عَلى أحْجارٍ كُنَّ القَدايِمَ أوْ لِأنَّهُ جُمِعَ أوَّلًا عَلى يُتْمى ثُمَّ جُمِعَ عَلى يَتامى؛ إلْحاقًا لَهُ بِبابِ الآفاتِ والأوْجاعِ، فَإنَّ فَعِيلًا فِيها يُجْمَعُ عَلى فَعْلى، وفَعْلى يُجْمَعُ عَلى فُعالى كَما جُمِعَ أسِيرٌ عَلى أسْرى، ثُمَّ عَلى أُسارى، ووَجْهُ الشَّبَهِ ما فِيهِ مِنَ الذُّلِّ والانْكِسارِ المُؤْلِمِ وقِيلَ: ما فِيهِ مِن سُوءِ الأدَبِ المُشَبَّهِ بِالآفاتِ، والاشْتِقاقُ يَقْتَضِي صِحَّةَ اِطْلاقِهِ عَلى الصِّغارِ والكِبارِ لَكِنَّ الشَّرْعَ - وكَذا العُرْفُ - خَصَّصَهُ بِالصِّغارِ، وحَدِيثُ:”«لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ“» تَعْلِيمٌ لِلشَّرِيعَةِ لا تَعْيِينٌ لِمَعْنى اللَّفْظِ والمُرادُ بِإيتاءِ أمْوالِهِمْ تَرْكُها سالِمَةً غَيْرَ مُتَعَرَّضٍ لَها بِسُوءٍ فَهو مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ؛ لِأنَّها لا تُؤْتِي إلّا إذا كانَتْ كَذَلِكَ، والنُّكْتَةُ في هَذا التَّعْبِيرِ الإشارَةُ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن تَرَكِ التَّعَرُّضِ إيصالَ الأمْوالِ إلى مَن ذُكِرَ لا مُجَرَّدَ تَرْكِ التَّعَرُّضِ لَها، وعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِاليَتامى الصِّغارُ عَلى ما هو المُتَبادِرُ، والأمْرُ خاصٌّ بِمَن يَتَوَلّى أمْرَهم مِنَ الأوْلِياءِ والأوْصِياءِ، وشُمُولُ حُكْمِهِ لِأوْلِياءِ مَن كانَ بالِغًا عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ دُونَ العِبارَةِ، ويَصِحُّ أنْ يُرادَ مَن جَرى عَلَيْهِ اليُتْمُ في الجُمْلَةِ مَجازًا أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ عِنْدَ النُّزُولِ أوْ بالِغًا فالأمْرُ شامِلٌ لِأوْلِياءِ الفَرِيقَيْنِ صِيغَةٌ مُوجِبٌ عَلَيْهِمْ ما ذَكَرَ مِن كَفِّ الكَفِّ عَنْها، وعَدَمِ فَكِّ الفَكِّ لِأكْلِها، وأمّا وُجُوبُ الدَّفْعِ إلى الكِبارِ فَمُسْتَفادٌ مِمّا سَيَأْتِي مِنَ الأمْرِ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الإيتاءِ الإعْطاءُ بِالفِعْلِ، واليَتامى إمّا بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ الأصْلِيِّ فَهو حَقِيقَةٌ وارِدٌ عَلى أصْلِ اللُّغَةِ، وإمّا مُجازٌ بِاعْتِبارِ ما كانَ أوْثَرَ لِقُرْبِ العَهْدِ بِالصِّغَرِ، والإشارَةُ إلى وُجُوبِ المُسارَعَةِ إلى دَفْعِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ حَتّى كَأنَّ اسْمَ اليَتِيمِ باقٍ بَعْدُ غَيْرُ زائِلٍ، وهَذا المَعْنى يُسَمّى في الأُصُولِ بِإشارَةِ النَّصِّ، وهو أنْ يُساقَ الكَلامُ لِمَعْنى ويُضَمَّنُ مَعْنًى آخَرَ، وهَذا في الكَوْنِ نَظِيرُ المُشارَفَةِ في الأوَّلِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِاليَتامى الصِّغارُ، ولا مَجازَ بِأنْ يُجْعَلَ الحُكْمُ مُقَيَّدًا كَأنَّهُ قِيلَ: وآتُوهم إذا بَلَغُوا، ورُدَّ بِأنَّهُ قالَ في التَّلْوِيحِ: إنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ ﴾ وقْتُ البُلُوغِ بِاعْتِبارِ ما كانَ، فَإنَّ العِبْرَةَ بِحالِ النِّسْبَةِ لا بِحالِ التَّكَلُّمِ فالوُرُودُ لِلْبالِغِ عَلى كُلِّ حالٍ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: تَقْدِيرُ القَيْدِ لا يُغْنِي عَنِ التَّجَوُّزِ إذِ الحُكْمُ عَلى ما عَبَّرَ عَنْهُ بِالصِّفَةِ يُوجِبُ اتِّصافَهُ بِالوَصْفِ حِينَ تَعَلَّقَ الوَصْفُ وحِينَ تَعَلَّقَ الإيتاءُ بِهِ يَكُونُ يَتِيمًا فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ بِما مَرَّ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ وإنْ كانَتْ مَذْكُورَةً في التَّلْوِيحِ لَكِنَّها لَيْسَتْ مُسَلَّمَةً، وقَدْ تَرَدَّدَ فِيها الشَّرِيفُ في حَواشِيهِ، والتَّحْقِيقُ أنَّ في مِثْلِ ذَلِكَ نِسْبَتَيْنِ: نِسْبَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ وهي التَّعْلِيقِيَّةُ وهي واقِعَةٌ الآنَ، ولا تَتَوَقْفُ عَلى وُجُودِهِما في الخارِجِ، ونِسْبَةٌ إسْنادِيَّةٌ في كُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ - وهي غَيْرُ واقِعَةٍ في الحالِ بَلْ مُسْتَقْبَلَةٌ - والمَقْصُودُ الأُولى، وفي زَمانِ تِلْكَ النِّسْبَةِ كانُوا يَتامى حَقِيقَةً، ألا تَراهم قالُوا في نَحْوِ - عَصَرْتُ هَذا الخَلَّ في السَّنَةِ الماضِيَةِ - أنَّهُ حَقِيقَةٌ ؟

مَعَ أنَّهُ في حالِ العَصْرِ عَصِيرٌ لا خَلٌّ لِأنَّ المَقْصُودَ النِّسْبَةُ الَّتِي هي تَبَعِيَّةٌ فِيما بَيْنَ اسْمِ الإشارَةِ وتابِعِهِ، لا النِّسْبَةُ الإيقاعِيَّةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ العَصْرِ كَما حَقَّقَهُ بَعْضُ الفُضَلاءِ - وقَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ في أوائِلِ البَقَرَةِ، فَتَأمَّلْهُ فَإنَّهُ دَقِيقٌ.

وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الإيتاءِ ما هو أعَمُّ مِنَ الإيتاءِ حالًا أوْ مَآلًا، ومِنَ اليَتامى ما يَعُمُّ الصِّغارَ والكِبارَ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، والخِطابُ عامٌّ لِأوْلِياءِ الفَرِيقَيْنِ عَلى أنَّ مَن بَلَغَ مِنهم فَوَلِيُّهُ مَأْمُورٌ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ بِالفِعْلِ، وإنَّ مَن لَمْ يَبْلُغْ بَعْدُ فَوَلِيُّهُ مَأْمُورٌ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ عِنْدَ بُلُوغِهِ رَشِيدًا، ورَجَّحَ غَيْرُ واحِدٍ الوَجْهَ الأوَّلَ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ آياتِ: ﴿ وابْتَلُوا اليَتامى ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّ الآيَةَ الأُولى في الحَضِّ عَلى حِفْظِها لَهم لِيُؤْتُوها عِنْدَ بُلُوغِهِمْ ورُشْدِهِمْ، والثّانِيَةَ: في الحَضِّ عَلى الإيتاءِ الحَقِيقِيِّ عِنْدَ حُصُولِ البُلُوغِ والرُّشْدِ، ويُلَوِّحُ بِذَلِكَ التَّعْبِيرِ بِالإيتاءِ هُنا وبِالدَّفْعِ هُناكَ، وأيْضًا تَعْقِيبُ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ ﴾ يُقَوِّي ذَلِكَ، فَهَذا كُلُّهُ تَأْدِيبٌ لِلْوَصِيِّ ما دامَ المالُ بِيَدِهِ واليَتِيمُ في حِجْرِهِ، وأمّا عَلى سائِرِ الوُجُوهِ فَيَكُونُ مُؤَدّى هَذِهِ الآيَةِ وما سَيَأْتِي بَعْدُ كالشَّيْءِ الواحِدِ مِن حَيْثُ إنَّ فِيهِما الأمْرَ بِالإيتاءِ حَقِيقَةٌ، ومَن قالَ بِذَلِكَ جَعَلَ الأُولى كالمُجْمَلَةِ والثّانِيَةَ كالمُبَيِّنَةِ لِشَرْطِ الإيتاءِ مِنَ البُلُوغِ وإيناسِ الرُّشْدِ، ويَرُدُّ عَلى آخِرِ الوُجُوهِ أيْضًا أنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا لا يَخْفى، ولا يَرُدُّ عَلى الوَجْهِ الرّاجِحِ أنَّ ابْنَ أبِي حاتِمٍ أخْرَجَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ رَجُلًا مِن غَطَفانَ كانَ مَعَهُ مالٌ كَثِيرٌ لِابْنِ أخٍ لَهُ يَتِيمٍ فَلَمّا بَلَغَ طَلَبَ المالَ فَمَنَعَهُ عَمُّهُ فَخاصَمَهُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ ﴿ وآتُوا اليَتامى ﴾ إلَخْ، فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالإيتاءِ الإعْطاءُ بِالفِعْلِ لا سِيَّما وقَدْ رَوى الثَّعْلَبِيُّ، والواحِدِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ، والكَلْبِيُّ أنَّ العَمَّ لَمّا سَمِعَها قالَ: أطَعْنا اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الحُوبِ الكَبِيرِ لِما أنَّهم قالُوا: العِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، ولَعَلَّ العَمَّ لَمْ يَفْهَمِ الأمْرَ بِالإعْطاءِ حَقِيقَةً بِطْرِيقِ العِبارَةِ بَلْ بِشَيْءٍ آخَرَ فَقالَ ما قالَ، هَذا وتَبَدُّلُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ واسْتِبْدالُهُ بِهِ أخْذُ الأوَّلِ بَدَلَ الثّانِي بَعْدَ أنْ كانَ حاصِلًا لَهُ أوْ في شَرَفِ الحُصُولِ يُسْتَعْمَلانِ أبَدًا بِإفْضائِهِما إلى الحاصِلِ بِأنْفُسِهِما وإلى الزّائِلِ بِالباءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ ﴾ إلَخْ، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ ﴾ وأمّا التَّبْدِيلُ فَيُسْتَعْمَلُ تارَةً كَذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ﴾ الَخْ، وأُخْرى بِالعَكْسِ كَما في قَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ بِالخاتَمِ إذْ أذَبْتَها وجَعَلْتَها خاتَمًا، وبَدَّلْتُ الخاتَمَ بِالحَلْقَةِ إذا أذَبْتَهُ وجَعَلْتَهُ حَلْقَةً، واقْتَصَرَ الدَّمِيرِيُّ عَلى الأوَّلِ، ونَقَلَ الأزْهَرِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ الثّانِيَ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الطُّفَيْلِ لَمّا أسْلَمَ: وبَدَّلَ طالِعِي نَحْسِي بِسَعْدِي وتارَةً أُخْرى بِإفْضائِهِ إلى مَفْعُولَيْهِ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ ، ﴿ فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ ﴾ بِمَعْنى يَجْعَلُ الحَسَناتِ بَدَلَ السَّيِّئاتِ ويُعْطِيهِما بَدَلَ ما كانَ لَهُما خَيْرًا مِنهُ، ومَرَّةً يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ مِثْلَ بَدَّلْتُ الشَّيْءَ أيْ غَيَّرْتُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ ﴾ وذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّ مَعْنى التَّبْدِيلِ التَّغْيِيرُ وهو عامٌّ في أخْذِ شَيْءٍ وإعْطاءِ شَيْءٍ، وفي طَلَبِ ما لَيْسَ عِنْدَهُ وتَرْكِ ما عِنْدَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الجَوْهَرِيِّ: تَبْدِيلُ الشَّيْءِ تَغْيِيرُهُ وإنْ لَمْ يَأْتِ بِبَدَلٍ، ومَعْنى التَّبَدُّلِ الِاسْتِبْدالُ، والِاسْتِبْدالُ طَلَبُ البَدَلِ فَكُلُّ تَبَدُّلٍ تَبْدِيلٌ ولَيْسَ كُلُّ تَبْدِيلٍ تَبَدُّلًا، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ التَّبْدِيلِ والإبْدالِ بِأنَّ الأوَّلَ تَغْيِيرُ الشَّيْءِ مَعَ بَقاءِ عَيْنِهِ والثّانِي رَفْعُ الشَّيْءِ ووَضْعُ غَيْرِهِ مَكانَهُ فَيُقالُ: أبْدَلْتُ الخاتَمَ بِالحَلْقَةِ إذا نَحَّيْتَ هَذا وجَعَلْتَ هَذِهِ مَكانَهُ وقَدْ أطالُوا الكَلامَ في هَذا المَقامِ وفِيما ذُكِرَ كِفايَةٌ لِما نَحْنُ بِصَدَدِهِ.

والمُرادُ بِالخَبِيثِ والطَّيِّبِ إمّا الحَرامُ والحَلالُ، والمَعْنى لا تَسْتَبْدِلُوا أمْوالَ اليَتامى بِأمْوالِكم أوْ لا تَذَرُوا أمْوالَكُمُ الحَلالَ وتَأْكُلُوا الحَرامَ مِن أمْوالِهِمْ فالمَنهِيُّ عَنْهُ اسْتِبْدالُ مالِ اليَتِيمِ بِمالِ أنْفُسِهِمْ مُطْلَقًا، أوْ أكْلُ مالِهِ مَكانَ مالِهِمُ المُحَقَّقِ أوِ المُقَدَّرِ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وقِيلَ: المَعْنى لا تَسْتَبْدِلُوا الأمْرَ الخَبِيثَ وهو اخْتِزالُ مالِ اليَتِيمِ بِالأمْرِ الطَّيِّبِ وهو حِفْظُ ذَلِكَ المالِ وأيًّا ما كانَ فالتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالخَبِيثِ والطَّيِّبِ لِلتَّنْفِيرِ عَمّا أخَذُوهُ والتَّرْغِيبِ فِيما أعْطَوْهُ وإمّا الرَّدِيءُ والجَيِّدُ، ومَوْرِدُ النَّهْيِ حِينَئِذٍ ما كانَ الأوْصِياءُ عَلَيْهِ مِن أخْذِ الجَيِّدِ مِن مالِ اليَتِيمِ وإعْطاءِ الرَّدِيءِ مِن مالِ أنْفُسِهِمْ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ أحَدُهم يَأْخُذُ الشّاةَ السَّمِينَةَ مِن غَنَمِ اليَتِيمِ ويَجْعَلُ في مَكانِها الشّاةَ المَهْزُولَةَ، ويَقُولُ: شاةٌ بِشاةٍ، ويَأْخُذُ الدِّرْهَمَ الجَيِّدَ ويَضَعُ مَكانَهُ الزّائِفَ، ويَقُولُ: دِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ وإلى هَذا ذَهَبَ النَّخَعِيُّ والزُّهْرِيُّ وابْنُ المُسَيِّبِ؛ وتَخْصِيصُ هَذِهِ المُعامَلَةِ بِالنَّهْيِ لِخُرُوجِها مَخْرَجَ العادَةِ لا لِإباحَةِ ما عَداها فَلا مَفْهُومَ لِانْخِرامِ شَرْطِهِ عَنْهُ القائِلِ بِهِ.

واعْتُرِضَ هَذا بِأنَّ المُناسِبَ حِينَئِذٍ التَّبْدِيلُ أوْ تَبَدُّلُ الطَّيِّبِ بِالخَبِيثِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الكَلامُ السّابِقُ.

وأُجِيبُ بِأنَّهُ إذا أعْطى الوَصِيَّ رَدِيئًا وأخَذَ جَيِّدًا مِن مالِ اليَتِيمِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَبَدَّلَ الرَّدِيءَ بِالجَيِّدِ لِلْيَتِيمِ وبَدَّلَ لِنَفْسِهِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ أُرِيدَ التَّبَدُّلُ لِلْيَتِيمِ لِأنَّ الأوْصِياءَ هُمُ المُتَصَرِّفُونَ في أمْوالِ اليَتامى فَنُهُوا عَنْ بَيْعٍ بِوَكْسٍ مِن أنْفُسِهِمْ ومِن غَيْرِهِمْ وما ضاهاهُ، ولا يَضُرُّ تَبَدُّلٌ لِنَفْسِهِ أيْضًا بِاعْتِبارٍ آخَرَ لِأنَّ المُتَبادَرَ إلى الفَهْمِ النَّهْيُ عَنْ تَصَرُّفٍ لِأجْلِ اليَتِيمِ ضارٍّ سَواءٌ عامَلَ الوَصِيُّ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ، ومَن غَفَلَ عَنِ اخْتِلافِ الِاعْتِبارِ كالزَّمَخْشَرِيِّ أوَّلَ بِما لا إشْعارَ لِلَّفْظِ بِهِ، وعَلى العِلّاتِ المُرادُ مِنَ الآيَةِ النَّهْيُ عَنْ أخْذِ مالِ اليَتِيمِ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ بَعْدَ النَّهْيِ الضِّمْنِيِّ عَنْ أخْذِهِ عَلى الإطْلاقِ، والمُرادُ مِنَ الأكْلِ في النَّهْيِ الأخِيرِ مُطْلَقُ الِانْتِفاعِ والتَّصَرُّفِ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْهُ لِأنَّهُ أغَلَبَ أحْوالِهِ، والمَعْنى لا تَأْكُلُوا أمْوالَهم مَضْمُومَةً إلى أمْوالِكم أيْ تُنْفِقُوهُما مَعًا ولا تُسَوُّوا بَيْنَهُما، وهَذا حَلالٌ وذاكَ حَرامٌ، فَإلى مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ يَتَعَدّى بِها، وقَدْ وقَعَ حالًا، وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ مُضافَةً، ويَجُوزُ تَعَلُّقُها بِالأكْلِ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الضَّمِّ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَها بِمَعْنى مَعَ كَما في «الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ إبِلٌ»، والمُرادُ بِالمَعِيَّةِ مُجَرَّدُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ المالَيْنِ في الِانْتِفاعِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ عَلى الِانْفِرادِ، أوْ مَعَ أمْوالِهِمْ، ويُفْهَمُ مِن «الكَشّافِ» أنَّ المَعِيَّةَ تَدُلُّ عَلى غايَةِ قُبْحِ فِعْلِهِمْ حَيْثُ أكَلُوا أمْوالَهم مَعَ الغِنى عَنْها، وفي ذَلِكَ تَشْهِيرٌ لَهم بِما كانُوا يَصْنَعُونَ فَلا يَلْزَمُ القائِلَ بِمَفْهُومِ المُخالَفَةِ جَوازُ أكْلِ أمْوالِهِمْ وحْدَها، ويَنْدَفِعُ السُّؤالُ بِذَلِكَ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السُّؤالَ لا يَرِدُ لِيَحْتاجَ إلى الجَوابِ إذا فُسِّرَ تَبَدُّلُ الخَبِيثِ بِالطَّيِّبِ بِاسْتِبْدالِ أمْوالِ اليَتامى بِمالِهِ وأكْلِها مَكانَهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ نَهْيًا عَنْ أكْلِها وحْدَها وهَذا عَنْ ضَمِّها، ولَيْسَ الأوَّلُ مُطْلَقًا حَتّى يَرِدَ سُؤالٌ بِأنَّهُ أيُّ فائِدَةٍ في هَذا بَعْدَ وُرُودِ النَّهْيِ المُطْلَقِ، وفي «الكَشْفِ» لَوْ حُمِلَ الِانْتِهاءُ في إلى عَلى أصْلِهِ عَلى أنَّ النَّهْيَ عَنْ أكْلِها مَعَ بَقاءِ مالِهِمْ لِأنَّ أمْوالَهم جُعِلَتْ غايَةً لَحَصَلَتِ المُبالَغَةُ، والتَّخَلُّصُ عَنِ الِاعْتِذارِ، وظاهِرُ هَذا النَّهْيِ عَدَمُ جَوازِ أكْلِ شَيْءٍ مِن أمْوالِ اليَتامى وقَدْ خُصَّ مِن ذَلِكَ مِقْدارُ أجْرِ المِثْلِ عِنْدَ كَوْنِ الوَلِيِّ فَقِيرًا، وكَوْنِ ذَلِكَ مِن مالِ اليَتِيمِ مِمّا لا يَكادُ يَخْفى، فالقَوْلُ بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى التَّخْصِيصِ لِأنَّ ما يَأْخُذُهُ الأوْلِياءُ مِنَ الأُجْرَةِ فَهو ما لَهم ولَيْسَ أكْلُهُ أكْلَ مالِهِمْ مَعَ مالِهِمْ لا يَخْلُو عَنْ خَفاءٍ.

﴿ إنَّهُ ﴾ أيِ الأكْلَ المَفْهُومَ مِنَ النَّهْيِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلتَّبَدُّلِ، وقِيلَ: لَهُما وهو مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اسْمِ الإشارَةِ في ذَلِكَ ﴿ كانَ حُوبًا ﴾ أيْ إثْمًا أوْ ظُلْمًا وكِلاهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهُما مُتَقارِبانِ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ أنَّ رافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ الحُوبِ، فَقالَ: هو الإثْمُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، فَقالَ: فَهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟

فَقالَ: نَعَمْ أما سَمِعْتَ قَوْلَ الأعْشى: فَإنِّي وما كَلَّفْتُمُونِي مِن أمْرِكم ∗∗∗ لَيُعْلَمُ مَن أمْسى أعَقَّ وأحْوَبا وخَصَّهُ بَعْضُهم بِالذَّنْبِ العَظِيمِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ حَوْبًا بِفَتْحِ الحاءِ وهو مَصْدَرُ حابَ يَحُوبُ حَوْبًا.

وقُرِئَ حابًا وهو أيْضًا مَصْدَرٌ كالقَوْلِ والقالِ، وهو عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ اسْمٌ لا مَصْدَرَ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ حُوبًا عَظِيمًا، ووُصِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ لِلْمُبالَغَةِ في تَهْوِيلِ أمْرِ المَنهِيِّ عَنْهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ مِن كِبارِ الذُّنُوبِ العَظِيمَةِ لا مِن أفَنائِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ يقول للأولياء آتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ التي عندكم إذا بلغوا النكاح، يعني الحلم وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ يعني الحرام بِالطَّيِّبِ يعني بالحلال من أموالكم يقول: لا تذروا أموالكم الحلال، وتأكلوا الحرام من أموال اليتامى.

ويقال: لا تخلطوا الخبيث بالطيب.

ويقال: لا تخلطوا من مالكم الرديء، وتأخذوا الجيد من مال اليتيم.

يعني أن يرسل شاة عجفاء في غنمه ويأخذ مكانها شاة سمينة، وفي الحبوب كذلك.

ويقال: لا تجعلوا أموالهم وقاية لأموالكم.

ثم قال تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ يعني مع أموالكم إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً يعني: إثماً عظيماً قرأ الحسن «حوباً» بنصب الحاء.

قال مقاتل: هو بلغة الحبش.

قال القتبي: الحُوب والحَوْب واحد، وهو الإثم.

وقال مقاتل: نزلت في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخيه، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه العم، فنزلت الآية فقرأها عليه النبيّ  فقال الرجل: أطعنا الله ورسوله، ونعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع إليه ماله، فلما قبض الفتى ماله أنفقه فِى سَبِيلِ الله.

فقال النبيّ  : «لَقَدْ أصَابَ الأَجْرَ وَبَقِيَ الوِزْرُ» فقالوا كيف بقي الوزر وقد أنفقه فِى سَبِيلِ الله؟

فقال: «أصَابَ الغُلامُ الأجْرَ وَبَقِيَ الوِزْرُ عَلَى وَالِدِهِ» .

قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى يعني: ألا تعدلوا في أموال اليتامى، يقال في اللغة: أقسط الرجل إذا عدل، وقسط إذا جار.

وقال  : «المُقْسِطُونَ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .

يعني العادلون.

قال الله تعالى: أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً [الجن: 15] يعني الجائرون.

ثم قال تعالى: فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ وذلك أنهم كانوا يسألون عن أمر اليتامى ويخافون ألا يعدلوا، وكانوا يتزوجون من النساء ما شاؤوا، فنزلت هذه الآية وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يعني فكما خفتم ألا تعدلوا في اليتامى، فخافوا في النساء إذا اجتمعن عندكم ألا تعدلوا بينهن.

وروى عروة عن عائشة  ا أنها قالت: كان الناس يتزوجون اليتامى ولا يعدلون بينهن، ولم يكن لهم أحد يخاصم عنهن، فنهى الله المؤمنين عن ذلك فقال: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى الآية.

ويقال: إنهم كانوا يتزوجون امرأة لها أولاد أيتام، وكانوا لا يحسنون النظر إليهم، فنزل وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ يعني بغير ولد مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ.

ثم قال تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا في القسم والنفقة فَواحِدَةً يقول: تزوجوا امرأة واحدة، وإن خفتم ألا تعدلوا في الواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني الإماء، ويقال إن خفتم ألا تعدلوا في القسم بين النساء فواحدة، أي واشتروا الإماء لأن الواحدة لا تحتاج إلى القسمة، والإماء لا يحتاج فيهن إلى القسمة.

وقال بعض الروافض بظاهر هذه الآية أنه يجوز نكاح تسع نسوة، لأنه قال مثنى وثلاث وَرُبَاعَ، فيكون ذلك تسعاً.

ولكن أجمع المفسرون أن المراد به التفصيل لا الاجتماع، ومعناه مثنى أو ثلاث أو رباع، وبذلك جاءت الآثار، وهو حديث غيلان بن سلمة أنه أسلم ومعه عشر نسوة، فخيّره النبيّ  فاختار أربعاً وفارق البواقي.

وروي عن الكلبي ومقاتل أن قيس بن الحارث كان عنده ثمان نسوة حرائر، فلما نزلت هذه الآية أمره رسول الله  أن يطلق أربعاً ويمسك أربعاً.

وروى محمد بن الحسن في كتاب السير الكبير، أن ذلك كان الحارث بن قيس الأسدي، وهذا هو المعروف عند الفقهاء.

ثم قال تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا أي أحرى ألا تميلوا ولا تجوروا ولا تظلموا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الكلام عليه في قوله تعالى: وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: ٢١٧] انتهى، وهو حسنٌ، ونحوه للإمام الفَخْر «١» .

وفي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً: ضرْبٌ من الوعيدِ، قال المُحَاسِبِيُّ:

سألتُ أبا جَعْفَرٍ محمدَ بْنَ موسى، فقلْتُ: أجمل حالاتِ العارفين ما هِيَ؟

فقال: إن الحال التي تَجْمَعُ لك الحالاتِ المَحْمُودةَ كلَّها في حالةٍ واحدةٍ هي المراقبةُ، فَألْزِمْ نفْسَكَ، وقَلْبَكَ دَوَامَ العِلْمِ بنَظَرِ اللَّه إليك في حركَتِك، وسكونِكِ، وجميعِ أحوالِكِ/ فإنَّك بعَيْنِ اللَّهِ (عزَّ وجلَّ) في جميعِ تقلُّباتك، وإنَّك في قبضته حيث كُنْتَ، وإنَّ عين اللَّه على قلبك، ونَاظِرٌ إلى سِرِّك وعلانيتِكَ، فهذه الصفةُ، يا فتى، بحْرٌ ليس له شطٌّ، بَحْر تجري منْه السواقِي والأنهارُ، وتسيرُ فيه السُّفُن إلى معادِنِ الغنيمةِ.

انتهى من كتاب «القصد إلى الله سبحانه» .

وقوله سبحانه: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ...

الآية: قال ابنُ زَيْدٍ: هذه مخاطبةٌ لِمَنْ كانَتْ عادتُهُ من العَرَب ألاَّ يَرِثَ الصَّغيرُ من الأولاد «٢» ، وقالتْ طائفة: هذه مخاطبةٌ للأوصياءِ.

قال ابنُ العَرَبِيِّ «٣» : وذلك عند الابتلاء والإرشاد.

انتهى.

وقوله: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ، قال ابن المسيِّب وغيره: هو ما كان يفعله بعضهم من إبدال الشاة السَّمينة مِنْ مال اليتيم بالهَزِيلة مِنْ ماله، والدِّرْهَمِ الطَّيِّبِ بالزِّائِفِ، وقيل «٤» : المراد: لا تأكلوا أموالهم خبيثًا، وتَدَعُوا أموالكم طيبًا، وقيل غيرُ هذا.

والطَّيِّب هنا: الحلالُ، والخبيث: الحرام.

وقوله: إِلى أَمْوالِكُمْ: التقدير: ولا تُضِيفُوا أموالهم إلى أموالكم في الأكْل، والضميرُ في «إنَّهُ» : عائدٌ على الأَكْلِ، والحُوبُ: الإثم قاله ابن عباس وغيره «١» وتَحَوَّبَ الرَّجُلُ، إذا ألْقى الحُوبَ عن نَفْسه، وكذلك تَحَنَّثَ وَتَأَثَّمَ وَتَحَرَّجَ فَإن هذه الأربعة بخلافِ «تَفَعَّلَ» كلِّه لأنَّ «تَفَعَّلَ» معناه: الدُّخُول في الشَّيْء ك «تَعَبَّد» ، و «تَكَسَّبَ» ، وما أشبهه ويلحق بهذه الأربعةِ «تَفَكَّهُونَ» في قوله تعالى: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ [الواقعة: ٦٥] أي: تطرّحون الفاكهة عَنْ أنفسكم.

وقوله تعالى: كَبِيراً: نصٌّ على أنَّ أكل مال اليتيم مِنَ الكَبَائر.

وقوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى ...

الآية: قال أبو عبيدة: خفتم هاهنا بمعنى أيْقَنْتُمْ.

قال ع «٢» : وما قاله غيرُ صحيحٍ، ولا يكون الخَوْفُ بمعنى اليَقِينِ بوجْهٍ، وإنما هو من أَفْعَالِ التوقُّع، إلاَّ أنه قد يَمِيلُ فيه الظنُّ إلى إحدى الجِهَتَيْنِ قُلْتُ: وكذا رَدَّ الدَّاوُودِيُّ على أبي عْبَيْدة، ولفظه: وعن أبي عُبَيْدة: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا: مجازه:

أيْقَنْتُمْ «٣» ، قال أبو جعفر «٤» : بل هو على ظاهر الكلمة.

انتهى.

وتُقْسِطُوا: معناه: تَعْدِلُوا يقال: أَقْسَطَ الرَّجُلُ إذا عَدَلَ، وقَسَطَ إذا جَار قالتْ عائشةُ (رضي اللَّه عنها) : نزَلَتْ هذه الآيةُ في أولياء اليتامَى الَّذِينَ يُعْجِبُهم جمالُ وليَّاتهم، فيريدُونَ أنْ يبخَسُوهُنَّ في المَهْر لمكانِ وَلاَيَتِهِمْ عَلَيْهِنَّ، فقيل لهم: اقسطوا في مهورِهِنَّ، فمَنْ خَافَ ألاَّ يُقْسطَ، فليتزوَّج ما طَابَ له مِنَ الأجنبيَّات اللَّوَاتِي يُكَايِسْنَ «٥» في حقوقِهِنَّ، وقاله ربيعة.

قال الحسَنُ وغيره: ما طابَ: معناه «٦» ما حلّ.

وقيلَ: «ما» ظرفيةٌ، أي: ما دُمْتُم تستحسنُون النِّكَاحَ، وضُعِّفَ قُلْتُ: وفي تضعيفه نَظَرٌ، فتأمَّله.

قال الإمام الفَخْر: وفي تفسير «١» مَا طابَ بِما حَلَّ- نَظَرٌ وذلك أنَّ قوله تعالى:

فَانْكِحُوا: أمْرُ إباحةٍ، فلو كان المرادُ بقوله: مَا طابَ لَكُمْ، أي: ما حَلَّ لكم- لتنزَّلت الآية منزلةَ ما يُقَالُ: أبَحْنَا لكم نِكَاحَ مَنْ يكون نكاحُها مباحاً لكم، وذلك يُخْرِجُ الآيةَ عن الفائدةِ، ويصيِّرها مُجْمَلَةً لا محالةَ، أما إذا حَمَلْنا «طَابَ» على استطابةِ النَّفْسِ، ومَيْلِ القلبِ، كانَتِ الآيةُ عامَّة دخَلَها التخْصيصُ، وقد ثَبَتَ في أصول الفقْهِ أنه إذا وقع التعارُضُ بَيْن الإجمال/ والتَّخْصِيص، كان رَفْع الإجمال أولى لأنَّ العامَّ المخصَّص حُجَّةٌ في غَيْر محلِّ التخصيص «٢» ، والمُجْمَلُ لا يكونُ حجّة أصلا.

انتهى، وهو حسن،

و

مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ: موضعها من الإعراب نَصْبٌ على البدل من «مَا طَابَ» ، وهي نكراتٌ لا تنصرف لأنها معدولة وصفة.

وقوله: فَواحِدَةً، أي: فانكحوا واحدةً أو ما ملَكَتْ أيْمَانُكُم، يريد به الإماءَ، والمعنى: إنْ خَافَ ألاَّ يَعْدِلَ في عِشْرةٍ واحدةٍ، فما ملكت يمينه، وأسند المِلْكَ إلى اليمين إذ هي صفةُ مَدْحٍ، واليمينُ مخصوصةٌ بالمحاسِنِ أَلاَ ترى أنّها المنفقة كما قال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ رَجُلًا مِن غَطْفانَ كانَ مَعَهُ مالٌ كَثِيرٌ لِابْنِ أخٍ لَهُ يَتِيمٌ، فَلَمّا بَلَغَ، طَلَبَ مالَهُ فَمَنَعَهُ، فَخاصَمَهُ إلى النَّبِيِّ  فَنَزَلَتْ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَآتُوا ﴾ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما سُمُّوا يَتامى بَعْدَ البُلُوغِ، بِالِاسْمِ الَّذِي كانَ لَهم، وقَدْ كانَ يُقالُ لِلنَّبِيِّ  : يَتِيمُ أبِي طالِبٍ.

قَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ﴾ قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "تَبَدَّلُوا" بِتاءٍ واحِدَةٍ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إبْدالُ حَقِيقَةٍ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أخْذُ الجِيدِ، وإعْطاءُ الرَّدِيءِ مَكانَهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، والضَّحّاكُ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، والسُّدِّيُّ.

قالَ السُّدِّيُّ: كانَ أحَدُهم يَأْخُذُ الشّاةَ السَّمِينَةَ مِن غَنَمِ اليَتِيمِ، ويَجْعَلُ مَكانَها المَهْزُولَةَ، ويَأْخُذُ الدَّراهِمَ الجِيادَ، ويَطْرَحُ مَكانَها الزُّيُوفَ.

والثّانِي: أنَّهُ الرِّبْحُ عَلى اليَتِيمِ، واليَتِيمُ غِرٌّ لا عِلْمَ لَهُ، قالَهُ عَطاءُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ بِإبْدالِ حَقِيقَةٍ، وإنَّما هو أخَذَهُ مُسْتَهْلِكًا، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا لا يُورِّثُونَ النِّساءَ والصِّغارَ، وإنَّما يَأْخُذُ المِيراثَ الأكابِرُ مِنَ الرِّجالِ، فَنَصِيبُ الرَّجُلِ مِنَ المِيراثِ طَيِّبٌ، وما أخَذَهُ مِن حَقِّ اليَتِيمِ خَبِيثٌ، هَذا قَوْلُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ أكَلَ مالَ اليَتِيمِ بَدَلًا مِن أكْلِ أمْوالِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

و"إلى" بِمَعْنى: "مَعَ" والحُوبُ: الإثْمُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ، بِفَتْحِ الحاءِ.

قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: حُوبٌ بِالضَّمِّ، وتَمِيمٌ يَقُولُونَهُ بِالفَتْحِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقالَ الفَرّاءُ: المَضْمُومُ الِاسْمُ، والمَفْتُوحُ المَصْدَرُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وفِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: حَوْبٌ، وحُوبٌ، وحابٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكم إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أو ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ اليَتامى: جَمْعُ يَتِيمٍ ويَتِيمَةٍ، واليَتِيمُ في كَلامِ العَرَبِ: مَن فَقَدَ الأبَ قَبْلَ البُلُوغِ، وقالَ النَبِيُّ  « "لا يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ"،» وهو في البَهِيمَةِ فَقْدُ الأُمِّ في حالِ الصِغَرِ، وحُكِيَ: اليَتِيمُ في الإنْسانِ مِن جِهَةِ الأُمِّ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ المُخاطَبَةُ هي لِمَن كانَتْ عادَتُهُ مِنَ العَرَبِ ألّا يَرِثَ الصَغِيرُ مِنَ الأولادِ مَعَ الكَبِيرِ، فَقِيلَ لَهُمْ: ورِّثُوهم أمْوالَهُمْ، ولا تَتْرُكُوا أيُّها الكِبارُ حُظُوظَكم حَلالًا طَيِّبًا وتَأْخُذُوا الكُلَّ ظُلْمًا حَرامًا خَبِيثًا، فَيَجِيءُ فِعْلُكم ذَلِكَ تَبَدُّلًا.

وقالَتْ طائِفَةٌ: هَذِهِ المُخاطَبَةُ هي لِأوصِياءِ الأيْتامِ، والمَعْنى: إذا بَلَغُوا وأُونِسَ مِنهُمُ الرُشْدُ.

وسَمّاهم يَتامى وهم قَدْ بَلَغُوا اسْتِصْحابًا لِلْحالَةِ الأُولى الَّتِي قَدْ ثَبَتَتْ لَهم مِنَ اليُتْمِ.

﴿ "وَلا تَتَبَدَّلُوا" ﴾ قِيلَ: المُرادُ: ما كانَ بَعْضُهم يَفْعَلُ مِن أنْ يُبَدِّلَ الشاةَ السَمِينَةَ مِن مالِ اليَتِيمِ بِالهَزِيلَةِ مِن مالِهِ، والدِرْهَمَ الطَيِّبَ بِالزائِفِ مِن مالِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ والزُهْرِيُّ والسُدِّيُّ والضَحّاكُ.

وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ: لا تَأْكُلُوا أمْوالَهم خَبِيثًا، وتَدْعُوا أمْوالَكم طَيِّبًا.

وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَتَعَجَّلُوا أكْلَ الخَبِيثِ مِن أمْوالِهِمْ، وتَدَّعُوا انْتِظارَ الرِزْقِ الحَلالِ مِن عِنْدِ اللهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ.

والخَبِيثُ والطَيِّبُ: إنَّما هو هُنا بِالتَحْلِيلِ والتَحْرِيمِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أنَّهُ قَرَأ: "تَّبَدَّلُوا" بِإدْغامِ التاءِ، في التاءِ وجازَ في ذَلِكَ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، لِأنَّ أحَدَهُما حَرْفُ مَدٍّ ولِينٍ يُشْبِهُ الحَرَكَةَ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ ﴾ اسْتَوى الأيْتامُ في النَهْيِ عن أكْلِ "أمْوالِهِمْ"، كانُوا ورَثَةً مَمْنُوعِينَ مِنَ المِيراثِ ومَحْجُورِينَ، والآيَةُ نَصٌّ في قَصْدِ مالِ اليَتِيمِ بِالأكْلِ والتَمَوُّلِ عَلى جَمِيعِ وُجُوهِهِ.

ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ ناهِيَةٌ عَنِ الخَلْطِ في الإنْفاقِ، فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ تَخْلِطُ نَفَقَتَها بِنَفَقَةِ أيْتامِها فَنُهُوا عن ذَلِكَ، ثُمَّ نَسَخَ مِنهُ النَهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ  ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقالَ ابْنُ فُورَكٍ عَنِ الحَسَنِ: إنَّهُ تَأوَّلَ الناسُ مِن هَذِهِ الآيَةِ النَهْيَ عَنِ الخَلْطِ فاجْتَنَبُوهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، فَخَفَّفَ عنهم في آيَةِ البَقَرَةِ، وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ: "إلى" بِمَعْنى "مَعَ"، وهَذا غَيْرُ جَيِّدٍ.

ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم مَعَ أمْوالِكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَقْرِيبٌ لِلْمَعْنى، لا أنَّهُ أرادَ أنَّ الحَرْفَ بِمَعْنى الآخَرِ.

وقالَ الحُذّاقُ: "إلى" هي عَلى بابِها وهي تَتَضَمَّنُ الإضافَةَ، التَقْدِيرُ: لا تُضِيفُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكم في الأكْلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ مَن أنْصارِي إلى اللهِ  ﴾ أيْ: مَن يَنْضافُ إلى اللهِ في نُصْرَتِي؟

والضَمِيرُ فِي: "إنَّهُ" عائِدٌ عَلى الأكْلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الفِعْلُ الظاهِرُ، والحُوبُ: الإثْمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وغَيْرُهُما، تَقُولُ: حابَ الرَجُلُ يَحُوبُ حُوبًا وحابًا إذا أثِمَ، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ الأسْكَرِ.

وإنَّ مُهاجِرَيْنِ تَكَنَّفاهُ غَداةَ إذٍ لَقَدْ خَطِئا وحابا وقَرَأ الحَسَنُ: "حَوْبًا" بِفَتْحِ الحاءِ، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، وقِيلَ: هو بِفَتْحِ الحاءِ المَصْدَرُ وبِضَمِّها الِاسْمُ.

وتَحَوَّبَ الرَجُلُ إذا ألْقى الحُوبَ عن نَفْسِهِ، وكَذَلِكَ تَحَنَّثَ وتَأثَّمَ وتَحَرَّجَ، فَإنَّ هَذِهِ الأرْبَعَةَ بِخِلافِ "تَفَعَّلَ" كُلِّهِ، لِأنَّ تَفَعَّلَ مَعْناهُ: الدُخُولُ في الشَيْءِ كَتَعَبَّدَ وتَكَسَّبَ وما أشْبَهَهُ، ويَلْحَقُ بِهَذِهِ الأرْبَعَةِ تَفَكَّهُونَ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ  ﴾ أيْ: تَطْرَحُونَ الفُكاهَةَ عن أنْفُسِكُمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ إنّا لَمُغْرَمُونَ  ﴾ ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ  ﴾ أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: "كَبِيرًا" نَصٌّ عَلى أنَّ أكْلَ مالِ اليَتِيمِ مِنَ الكَبائِرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خِفْتُمْ هُنا بِمَعْنى: أيْقَنْتُمْ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشاعِرِ:: فَقُلْتُ لَهم خافُوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ ∗∗∗........................

وما قالَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، ولا يَكُونُ الخَوْفُ بِمَعْنى اليَقِينِ بِوَجْهٍ وإنَّما هو مِن أفْعالِ التَوَقُّعِ، إلّا أنَّهُ قَدْ يَمِيلُ الظَنُّ فِيهِ إلى إحْدى الجِهَتَيْنِ.

وأمّا أنْ يَصِلَ إلى حَدِّ اليَقِينِ فَلا.

و"تُقْسِطُوا" مَعْناهُ تَعْدِلُوا، يُقالُ: أقْسَطَ الرَجُلُ إذا عَدَلَ، وقَسَطَ إذا جارَ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والنَخْعِيُّ: "ألّا تَقْسِطُوا" بِفَتْحِ التاءِ مِن "قَسَطَ" عَلى تَقْدِيرِ زِيادَةِ "لا" كَأنَّهُ قالَ: وإنْ خِفْتُمْ أنْ تَجُورُوا.

واخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ الآيَةِ؛ فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: نَزَلَتْ في أولِياءِ اليَتامى الَّذِينَ يُعْجِبُهم جَمالُ ولِيّاتِهِمْ، فَيُرِيدُونَ أنْ يَبْخَسُوهُنَّ في المَهْرِ لِمَكانِ وِلايَتِهِمْ عَلَيْهِنَّ، فَقِيلَ لَهُمْ: أقْسِطُوا في مُهُورِهِنَّ، فَمَن خافَ ألّا يُقْسِطَ فَلْيَتَزَوَّجْ ما طابَ لَهُ مِنَ الأجْنَبِيّاتِ اللَواتِي يُكايِسْنَ في حُقُوقِهِنَّ، وقالَهُ رَبِيعَةُ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّ الرَجُلَ مِنهم كانَ يَتَزَوَّجُ العَشْرَ وأكْثَرَ وأقَلَّ، فَإذا ضاقَ مالُهُ مالَ عَلى مالِ يَتِيمِهِ فَتَزَوَّجَ مِنهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: إنْ خِفْتُمْ عَجْزَ أمْوالِكم حَتّى تَجُورُوا في اليَتامى فاقْتَصِرُوا.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُدِّيُّ وقَتادَةُ وابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ العَرَبَ كانَتْ تَتَحَرَّجُ في أمْوالِ اليَتامى، ولا تَتَحَرَّجُ في العَدْلِ بَيْنَ النِساءِ، كانُوا يَتَزَوَّجُونَ العَشْرَ وأكْثَرَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، أيْ كَما تَخافُونَ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى،، فَكَذَلِكَ فَتَحَرَّجُوا في النِساءِ، وانْكِحُوا عَلى هَذا الحَدِّ الَّذِي يَبْعُدُ الجَوْرُ عنهُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما الآيَةُ تَحْذِيرٌ مِنَ الزِنى وزَجْرٌ عنهُ، أيْ: كَما تَتَحَرَّجُونَ في مالِ اليَتامى فَكَذَلِكَ فَتَحَرَّجُوا مِنَ الزِنى، وانْكِحُوا عَلى ما حَدَّ لَكم.

قالَ الحَسَنُ وأبُو مالِكٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ما طابَ مَعْناهُ: ما حَلَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ المُحَرَّماتِ مِنَ النِساءِ كَثِيرٌ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، "مَن طابَ" عَلى ذِكْرِ مَن يَعْقِلُ، وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّ "ما" في هَذِهِ الآيَةِ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ ما دُمْتُمْ تَسْتَحْسِنُونَ النِكاحَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا المَنزَعِ ضَعْفٌ: وقالَ: "ما" ولَمْ يَقُلْ "مَن" لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَعْيِينَ مَن يَعْقِلُ، وإنَّما أرادَ النَوْعَ الَّذِي هو الطَيِّبُ مِن جِهَةِ التَحْلِيلِ، فَكَأنَّهُ قالَ: فانْكِحُوا الطَيِّبَ.

وهَذا الأمْرُ بِالنِكاحِ هو نَدْبٌ لِقَوْمٍ وإباحَةٌ لِآخَرِينَ بِحَسَبِ قَرائِنِ المَرْءِ، والنِكاحُ في الجُمْلَةِ والأغْلَبِ مَندُوبٌ إلَيْهِ، قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "مَنِ اسْتَطاعَ مِنكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ".» و"مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ": مَوْضِعُها مِنَ الإعْرابِ نَصْبٌ عَلى البَدَلِ مِن ما طابَ، وهي نَكِراتٌ لا تَنْصَرِفُ لِأنَّها مَعْدُولَةٌ وصِفَةٌ، كَذا قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقالَ غَيْرُهُ: هي مَعْدُولَةٌ في اللَفْظِ وفي المَعْنى، وأيْضًا فَإنَّها مَعْدُولَةٌ وجَمْعٌ، وأيْضًا فَإنَّها مَعْدُولَةٌ مُؤَنَّثَةٌ، قالَ الطَبَرِيُّ: هي مَعارِفُ لِأنَّها لا تَدْخُلُها الألِفُ واللامُ، وخَطَّأ الزَجّاجُ هَذا القَوْلَ، وهي مَعْدُولَةٌ عَنِ اثْنَيْنِ وثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ، إلّا أنَّها مُضَمَّنَةٌ تَكْرارَ العَدَدِ إلى غايَةِ المَعْدُودِ، وأنْشَدَ الزَجّاجُ لِشاعِرٍ: ولَكِنَّما أهْلِي بِوادٍ أنِيسُهُ ذِئابٌ ∗∗∗ تَبَغّى الناسَ مَثْنىً ومَوْحَدُ فَإنَّما مَعْناهُ: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وواحِدًا واحِدًا، وكَذَلِكَ قَوْلُكَ: جاءَ الرِجالُ مَثْنى وثُلاثَ، فَإنَّما مَعْناهُ: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وثَلاثَةً ثَلاثَةً.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابَ وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَرُبَعَ" ساقِطَةَ الألِفِ، وتِلْكَ لُغَةٌ مَقْصِدُها التَخْفِيفُ كَما قالَ الشاعِرُ: عَلى لِسانِ الضَبِّ: لا أشْتَهِي أنْ أرِدا ∗∗∗ إلّا عَرادًا عَرِدا وصِلِيّانًا بَرِدا ∗∗∗ وعنكَثًا مُلْتَبِدا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أو ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ قالَ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ: المَعْنى ألّا تَعْدِلُوا في المَيْلِ والمَحَبَّةِ والجِماعِ والعِشْرَةِ بَيْنَ الأرْبَعِ أوِ الثَلاثِ أوِ الاثْنَتَيْنِ، ويَتَوَجَّهُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّها نَزَلَتْ فِيمَن يَخافُ أنْ يُنْفِقَ مالَ اليَتامى في نِكاحاتِهِ، أنْ يَكُونَ المَعْنى: ألّا تَعْدِلُوا في نِكاحِ الأرْبَعِ والثَلاثِ حَتّى تُنْفِقُوا فِيهِ أمْوالَ يَتاماكُمْ، أيْ: فَتَزَوَّجُوا واحِدَةً بِأمْوالِكُمْ، أو تَسَرَّوْا مِنها.

ونُصِبَ "واحِدَةً" بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: فانْكِحُوا واحِدَةً.

وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ والحَسَنُ: "فَواحِدَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وتَقْدِيرُ الخَبَرِ: فَواحِدَةٌ كافِيَةٌ، أو ما أشْبَهَهُ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عن أبِي عَمْرٍو.

و"ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ" يُرِيدُ بِهِ الإماءَ، والمَعْنى: إنْ خافَ ألّا يَعْدِلَ في عِشْرَةِ واحِدَةٍ فَما مَلَكَتْ يَمِينُهُ.

وأسْنَدَ المِلْكَ إلى اليَمِينِ إذْ هي صِفَةُ مَدْحٍ، واليَمِينُ مَخْصُوصَةٌ بِالمَحاسِنِ لِتَمَكُّنِها، ألا تَرى أنَّها المُنْفِقَةُ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "حَتّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ"» وهي المُعاهِدَةُ المُبايِعَةُ، وبِها سُمِّيَتِ الألِيَّةُ يَمِينًا، وهي المُتَلَقِّيَةُ لِكِتابِ النَجاةِ ولِراياتِ المَجْدِ وقَدْ نَهى عَلَيْهِ السَلامُ عَنِ اسْتِعْمالِها في الِاسْتِنْجاءِ وأمَرَ المَرْءَ بِالأكْلِ بِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

مناسبة عطف الأمر على ماقبله أنّه من فروع تقوى الله في حقوق الأرحام، لأنّ المتصرّفين في أموال اليتامى في غالب الأحوال هم أهل قرابتهم، أو من فروع تقوى الله الذي يتساءلون به وبالأرحام فيجعلون للأرحام من الحظّ ما جعلهم يقسمون بها كما يقسمون بالله.

وشيء هذا شأنه حقيق بأن تُراعى أواصره ووشائجه وهم لم يرقبوا ذلك.

وهذا ممَّا أشار إليه قوله تعالى: ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء...

﴾ [النساء: 1].

والإيتاء حقيقته الدفع والإعطاء الحسي، ويطلق على تخصيص الشيء بالشيء وجعله حقّاً له، مثل إطلاق الإعطاء في قوله تعالى: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ [الكوثر: 1] وفي الحديث: «رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هَلَكَتِه في الحقّ ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها».

واليتامى جمع يتيم وجمع يتيمة، فإذا جمعت به يتيمة فهو فعائل أصله يَتَائِم، فوقع فيه قلب مَكَانِيّ فقالوا يَتَامِئ ثم خفّفوا الهمزة فصارت ألفاً وحرّكت الميم بالفتح، وإذا جمع به يتيم فهو إمّا جَمْع الجمع بأن جمع أوّلاً على يَتْمَى، كما قالوا: أسير وأسْرى، ثم جمع على يتامى مثل أسارى بفتح الهمزة، أو جمع فعيل على فعائل لكونه صار اسماً مثل أفيل وأفائل، ثم صنع به من القلب ما ذكرناه آنفاً.

وقد نطقت العرب بجمع يتيمة على يتائم، وبجمع فعيل على فعائل في قول بشر النجدي: أأطْلالَ حُسْن في البِراق اليَتَائِم *** سَلام على أطلالِكُنّ القَدَائِم واشتقاق اليتيم من الإنفراد، ومنه الدرّة اليتيمة أي المنفردة بالحسن، وفعله من باب ضرب وهو قاصر، وأطلقه العرب على من فُقد أبوه في حال صغره كأنّه بقي منفرداً لا يجد من يدفع عنه، ولم يعتدّ العرب بفقد الأمّ في إطلاق وصف اليتيم إذ لا يعدم الولد كافلة، ولكنّه يعدم بفقد أبيه من يدافع عنه وينفقه.

وقد ظهر ممّا راعَوه في الاشتقاق أنّ الذي يبلغ مبلغ الرجال لا يستحقّ أن يسمّى يتيماً إذ قد بلغ مبلغ الدفع عن نفسه، وذلك هو إطلاق الشريعة لا سم اليتيم، والأصل عدم النقل.

وقيل: هو في اللغة من فُقد أبوه، ولو كان كبيراً، أو كان صغيراً وكَبر، ولا أحسب هذا الإطلاق صحيحاً.

وقد أريد باليتامى هنا ما يشمل الذكور والإناث وغُلب في ضمير التذكير في قوله: ﴿ أموالهم ﴾ .

وظاهر الآية الأمر بدفع المال لليتيم، ولا يجوز في حكم الشرع أن يدفع المال له ما دام مطلقاً عليه اسم اليتيم، إذ اليتيم خاصّ بمن لم يبلغ، وهو حينئذ غير صالح للتصرّف في ماله، فتعيّن تأويل الآية إمّا بتأويل لفظ الإيتاء أو بتأويل اليتيم، فلنا أن نؤوّل ﴿ آتوا ﴾ بغير معنى ادفعوا.

وذلك بما نقل عن جابر بن زيد أنّه قال: نزلت هذه الآية في الذين لا يُورّثون الصغار مع وجود الكبار في الجاهلية، فيكون ﴿ آتوا ﴾ بمعنى عيّنوا لهم حقوقهم، وليكون هذا الأمر وما يذكر بعده تأسيسات أحكام، لا تأكيد بعضها لبعض، أو تقييد بعضها لبعض.

وقال صاحب «الكشاف»: «يراد بإيتائهم أموالهم أن لا يطمع فيها الأولياء والأوصياء وولاة السوء وقضاته ويكفّوا عنها أيديهم الخاطفة حتّى تأتي اليتامى إذا بلغوا سالمة» فهو تأويل للإيتاء بلازمه وهو الحفظ الذي يترتّب عليه الإيتاء كناية بإطلاق اللازم وإرادة الملزوم، أو مجاز بالمآل إذ الحفظ يؤول إلى الإيتاء، وعليه فيكون هو معنى قوله تعالى: ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ .

وعلى هذين الوجهين فالمراد هنا الأمر بحفظ حقوق اليتامى من الإضاعة لا تسليم المال إليهم وهو الظاهر من الآية إذ سيجيء في قوله: ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ [النساء: 6] الآية.

ولنا أن نؤوّل اليتامى بالذين جاوزوا حدّ اليُتْم ويبقى الإيتاء بمعنى الدفع، ويكون التعبير عنهم باليتامى للإشارة إلى وجوب دفع أموالهم إليهم في فور خروجهم من حدّ اليتيم، أو يبقى على حاله ويكون هذا الإطلاق مقيّداً بقوله الآتي: ﴿ حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ [النساء: 6].

ومن الناس من قال: اليتيم يطلق على الصغير والكبير لأنّه مشتقّ من معنى الانفراد أي انفراده عن أبيه، ولا يخفى أنّ هذا القول جمود على توهّم أنّ الانفراد حقيقيّ وإنّما وضع اللفظ للانفراد المجازي، وهو انعدام الأب المنزّل منزلة بقاء الولد منفرداً وما هو بمنفرد فإنّ له أمّا وقوماً.

قيل: نزلت هذه الآية في رجل من غطفان كان له ابن أخ في حجره، فلمّا بلغ طلب ماله، فمنعه عمّه، فنزلت هذه الآية، فرَدّ المال لابن أخيه، وعلى هذا فهو المراد من قوله تعالى: ﴿ ولا تأكلوا أموالهم ﴾ .

وقوله: ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ أي لا تأخذوا الخبيث وتعطوا الطيّب.

والقول في تعدية فعل تبدّل ونظائره مضى عند قوله تعالى في سورة فالبقرة (61) قال: ﴿ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ﴾ وعلى ما تقرّر هناك يتعيّن أن يكون الخبيث هو المأخوذ، والطيّب هو المتروك.

والخبيث والطيّب أريد بهما الوصف المعنوي دون الحسي، وهما استعارتان؛ فالخبيث المذموم أو الحرام، والطيّب عكسه وهو الحلال: وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ﴾ في البقرة (168).

فالمعنى: ولا تكسبوا المال الحرام وتتركوا الحلال أي لو اهتممتم بإنتاج أموالكم وتوفيرها بالعمل والتجر لكان لكم من خلالها ما فيه غنية عن الحرام، فالمنهي عنه هنا هو ضدّ المأمور به من قبل تأكيداً للأمر، ولكنّ النهي بيَّن ما فيه من الشناعة إذا لم يمتثل الأمر، وهذا الوجه ينبئ عن جعل التبدّل مجازاً والخبيث والطيّب كذلك، ولا ينبغي حمل الآية على غير هذا المعنى وهذا الاستعمال.

وعن السديّ ما يقتضي خلاف هذا المعنى وهو غير مرضي.

وقوله: ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} نهي ثالث عن أخذ أموال اليتامى وضمّها إلى أموال أوليائهم، فينتسق في الآية أمر ونهيان: أمروا أن لا يمنعوا اليتامى من مواريثهم ثم نهوا عن اكتساب الحرام، ثم نهوا عن الاستيلاء على أموالهم أو بعضها، والنهي والأمر الأخير تأكيدان للأمر الأول.

والأكل استعارة للانتفاع المانع من انتفاع الغير وهو الملك التامّ، لأنّ الأكل هو أقوى أحوال الاختصاص بالشيء لأنّه يحرزه في داخل جسده، ولا مطمع في إرجاعه، وضمّن (تأكلوا) معنى تضمّوا فلذلك عدي بإلى أي: لا تأكلوها بأن تضمّوها إلى أموالكم.

وليس قيد ﴿ إلى أموالكم ﴾ محطّ النهي، بل النهي واقع على أكل أموالهم مطلقاً سواء كان للآكل مال يَضُمّ إليه مالَ يتيمه أم لم يكن، ولكن لمّا كان الغالب وجود أموال للأوصياء، وأنّهم يريدون من أكل أموال اليتامى التكثّر، ذكر هذا القيد رعياً للغالب، ولأنّه أدخل في النهي لما فيه من التشنيع عليهم حيث يأكلون حقوق الناس مع أنّهم أغنياء؛ على أنّ التضمين ليس من التقييد بل هو قائم مقام نهيين، ولذلك روي: أنّ المسلمين تجنّبوا بعد هذه الآية مخالطة أموال اليتامى فنزلت آية البقرة (220): ﴿ وإن تخالطوهم فإخوانكم ﴾ فقد فهموا أنّ ضمّ مال اليتيم إلى مال الوصيّ حرام، مع علمهم بأنّ ذلك ليس مشمولاً للنهي عن الأكل ولكن للنهي عن الضمّ.

وهما في فهم العرب نهيان، وليس هو نهياً عن أكل الأغنياء أموال اليتامى حتى يكون النهي عن أكل الفقراء ثابتاً بالقياس لا بمفهوم الموافقة إذ ليس الأدْوَنُ بصالح لأن يكون مفهوم موافقة.

والحُوب بضمّ الحاء لغة الحجاز، وبفتحها لغة تميم، وقيل: هي حبشية، ومعناه الإثم، والجملة تعليل للنهي: لموقع إنّ منها، أي نهاكم الله عن أكل أموالهم لأنّه إثم عظيم.

ولكون إنّ في مثله لمجرد الاهتمام لتفيد التعليل أكِّد الخبر بكان الزائدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الحَرامُ بِالحَلالِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: هو أنْ يَجْعَلَ الزّائِفَ بَدَلَ الجَيِّدِ، والمَهْزُولَ بَدَلَ السَّمِينِ ويَقُولَ: دِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ، وشاةٌ بِشاةٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ المُسَيِّبِ والزُّهْرِيِّ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: هو اسْتِعْجالُ أكْلِ الحَرامِ قَبْلَ إتْيانِ الحَلالِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ الصِّغارَ والنِّساءَ ويَأْخُذُهُ الرَّجُلُ الأكْبَرُ، فَكانَ يَسْتَبْدِلُ الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ لِأنَّ نَصِيبَهُ مِنَ المِيراثِ طَيِّبٌ، وأخْذَهُ الكُلَّ خَبِيثٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ ﴾ أيْ مَعَ أمْوالِكم، وهو أنْ يَخْلِطُوها بِأمْوالِهِمْ لِتَصِيرَ في ذِمَّتِهِمْ فَيَأْكُلُوا رِبْحَها.

﴿ إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ والحُوبُ: الإثْمُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: تَحَوَّبَ فُلانٌ مِن كَذا، إذا تَوَقّى، قالَ الشّاعِرُ: فَإنَّ مُهاجِرَيْنِ تَكَنَّفاهُ غَداةَ إذٍ لَقَدْ خَطِئا وحابا قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أمْوالِ اليَتامى كَرِهُوا أنْ يُخالِطُوهم وجَعَلَ ولِيُّ اليَتِيمِ يَعْزِلُ مالَهُ عَنْ مالِهِ فَشَكُوا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ  ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ ﴾ » [البَقَرَةِ: ٢٢٠] أيْ فَخالِطُوهم واتَّقُوا إثْمَهُ.

﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي إنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا في نِكاحِ اليَتامى، فانْكِحُوا ما حَلَّ لَكم مِن غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّساءِ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَخافُونَ ألّا يَعْدِلُوا في أمْوالِ اليَتامى، ولا يَخافُونَ أنْ لا يَعْدِلُوا في النِّساءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، يُرِيدُ كَما خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا في أمْوالِ اليَتامى، فَهَكَذا خافُوا ألّا تَعْدِلُوا في النِّساءِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ، وقَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَوَقَّوْنَ أمْوالَ اليَتامى ولا يَتَوَقَّوْنَ الزِّنى، فَقالَ: كَما خِفْتُمْ في أمْوالِ اليَتامى، فَخافُوا الزِّنى، وانْحِكُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِها، أنَّ قُرَيْشًا في الجاهِلِيَّةِ كانَتْ تُكْثِرُ التَّزْوِيجَ بِغَيْرِ عَدَدٍ مَحْصُورٍ، فَإذا كَثُرَ عَلى الواحِدِ مِنهم مُؤَنُ زَوْجاتِهِ، وقَلَّ مالُهُ، مَدَّ يَدَهُ إلى ما عِنْدَهُ مِن أمْوالِ الأيْتامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ إلى النِّساءِ وتَقْدِيرُهُ: فانْحِكُوا مِنَ النِّساءِ ما حَلَّ.

وَهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ إلى النِّكاحِ وتَقْدِيرُهُ: فانْحِكُوا النِّساءَ نِكاحًا طَيِّبًا.

وَهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ تَقْدِيرًا لِعَدَدِهِنَّ وحَصْرًا لِمَن أُبِيحَ نِكاحُهُ مِنهُنَّ وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ مَعْدُولٌ بِهِ عَنِ اثْنَيْنِ وثَلاثٍ وأرْبَعٍ، وكَذَلِكَ أُحادُ ومَوْحَدُ، وثُناءُ ومَثْنى، وثُلاثُ ومَثْلَثُ، ورُباعُ ومَرْبَعُ، وهو اسْمٌ لِلْعَدَدِ مَعْرِفَةٌ، وقَدْ جاءَ الشِّعْرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، قالَ تَمِيمُ بْنُ أبِي مُقْبِلٍ: تَرى العَثَراتِ الزُّرْقَ تَحْتَ لَبانِهِ ∗∗∗ أُحادَ ومَثْنى أضْعَفَتْها كَواهِلُهُ وَقالَ آخَرُ: قَتَلْنا بِهِ مِن بَيْنِ مَثْنى ومَوْحَدٍ ∗∗∗ بِأرْبَعَةٍ مِنكم وآخَرَ خامِسِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولَمْ يُسْمَعْ مِنَ العَرَبِ صَرْفُ ما جاوَزَ الرُّباعَ والمَرْبَعَ عَنْ جِهَتِهِ إلّا في بَيْتٍ لِلْكُمَيْتِ، فَإنَّهُ قالَ في العَشَرَةِ عُشارُ وهو قَوْلُهُ فَلَمْ يَسْتَرِيثُوكَ حَتّى رَمِدْ ∗∗∗ تَ فَوْقَ الرِّجالِ خِصالًا عُشارا وَقالَ أبُو حاتِمٍ: بَلْ قَدْ جاءَ في كَلامِهِمْ مِنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ضَرَبْتُ خُماسَ ضَرْبَةَ عَبْشَمِيٍّ ∗∗∗ أدارَ سُداسَ ألّا يَسْتَقِيما ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا ﴾ يَعْنِي في الأرْبَعِ، ( فَواحِدَةً ) يَعْنِي مِنَ النِّساءِ.

﴿ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ يَعْنِي في الإماءِ.

﴿ ذَلِكَ أدْنى ألا تَعُولُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ألّا يَكْثُرَ مَن تَعُولُونَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

والثّانِي: مَعْناهُ ألّا تَضِلُّوا، وهو قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ، ورَواهُ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: ألّا تَمِيلُوا عَنِ الحَقِّ وتَجُورُوا وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ.

وَأصْلُ العَوْلِ الخُرُوجُ عَنِ الحَدِّ ومِنهُ عَوْلُ الفَرائِضِ لِخُرُوجِها عَنْ حَدِّ السِّهامِ المُسَمّاةِ، وأنْشَدَ عِكْرِمَةُ بَيْتًا لِأبِي طالِبٍ: بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَخِيسُ شَعِيرَةً ∗∗∗ ووازِنِ صِدْقٍ وزْنُهُ غَيْرُ عائِلِ أيْ غَيْرُ مائِلٍ.

وَكَتَبَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ إلى أهْلِ الكُوفَةِ في شَيْءٍ عاتَبُوهُ فِيهِ: إنِّي لَسْتُ بِمِيزانِ قِسْطٍ لا أعُولُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن تَوَجَّهَ إلَيْهِ هَذا الخِطابُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى الأزْواجِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى الأوْلِياءِ، لِأنَّهم كانُوا يَتَمَلَّكُونَ في الجاهِلِيَّةِ صَداقَ المَرْأةِ، فَأمَرَ اللَّهُ بِدَفْعِ صَدُقاتِهِنَّ إلَيْهِنَّ، وهو قَوْلُ أبِي صالِحٍ.

وَأمّا النِّحْلَةُ فَهي العَطِيَّةُ مِن غَيْرِ بَدَلٍ، وسُمِّيَ الدِّينُ نِحْلَةً، لِأنَّهُ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ، وفي تَسْمِيَهِ النَّحْلِ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُمِّيَ نَحْلًا لِما يُعْطِي مِنَ العَسَلِ.

والثّانِي: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَحَلَهُ عِبادَهُ.

وَفي المُرادِ بِالنِّحْلَةِ في الصَّداقِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي فَرِيضَةً مُسَمّاةً، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّهُ نِحْلَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَهُنَّ بَعْدَ أنْ كانَ مِلْكًا لِلْأوْلِياءِ، وهو قَوْلُ أبِي صالِحٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَهْيٌ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِن خِطْبَةِ الشِّغارِ، والنِّكاحِ بِغَيْرِ صَداقٍ، وهو قَوْلُ سُلَيْمانَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أبِي المُعْتَمِرِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ أنْ يَطِيبُوا نَفْسًا بِدَفْعِهِ، كَما يَطِيبُونَ نَفْسًا بِالنَّحْلِ والهِبَةِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.

﴿ فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا ﴾ يَعْنِي الزَّوْجاتِ إنْ طِبْنَ نَفْسًا عَنْ شَيْءٍ مِن صَداقِهِنَّ لِأزْواجِهِنَّ في قَوْلِ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلْأزْواجِ، ولِأوْلِيائِهِنَّ في قَوْلِ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلْأوْلِياءِ.

﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ الهَنِيءُ ما أعْقَبَ نَفْعًا وشِفاءً، ومِنهُ هَنَأ البَعِيرُ لِلشِّفاءِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ مُتَبَدِّلًا تَبْدُو مَحاسِنُهُ ∗∗∗ يَضَعُ الهَناءَ مَواضِعَ النُّقُبِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عنه، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

فنزلت ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ يعني الأوصياء يقول: أعطوا اليتامى أموالهم ﴿ ولا تتبدَّلوا الخبيث بالطيب ﴾ يقول: لا تتبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم.

يقول: لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن مجاهد ﴿ ولا تتبدَّلوا الخبيث بالطيب ﴾ قال: الحرام بالحلال.

لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي قدر لك ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ قال: لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم تخلطونها فتأكلونها جميعاً ﴿ إنه كان حوباً كبيراً ﴾ قال: إثماً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب ﴿ ولا تتبدَّلوا الخبيث بالطيب ﴾ قال: لا تعط مهزولاً وتأخذ سميناً.

وأخرج ابن جرير عن الزهري.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم في الآية قال: لا تُعْطِ زائفاً وتأخذ جيداً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل فيها مكانها الشاة المهزولة، ويقول: شاة بشاة.

ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف، ويقول: درهم بدرهم.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء، ولا يورثون الصغار.

يأخذه الأكبر فنصيبه من الخيرات طيب، وهذا الذي يأخذه خبيث.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ قال: مع أموالكم.

وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى، كرهوا أن يخالطوهم، وجعل ولي اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله.

فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم ﴾ قال: فخالطوهم واتقوا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ حوباً كبيراً ﴾ قال: إثماً عظيماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس حوباً قال: ظلماً.

وأخرج الطستي في مسائله وابن الأنباري في الوقف والإبتداء والطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ حوباً ﴾ قال: إثماً بلغة الحبشة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الأعشى الشاعر: فإني وما كلفتموني من أمركم ** ليعلم من أمسى أعق وأحوبا وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه كان يقرأ حوباً برفع الحاء.

وأخرج عن الحسن أنه كان يقرؤها ﴿ حوباً ﴾ بنصب الحاء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ﴾ .

قال المفسرون: الخطاب للأوصياء وأولياء اليتامى (١) (٢) ﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46)  ﴾ ، أي: الذين كانوا سحرة قبل السجود.

وقد كان يقال للنبي  يتيمُ أبي طَالِب (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ﴾ .

يقال: تبدل الشيء بالشيء إذا أخذه مكانَه (٤) مَن إِنْ تَبَدَّلتُ بِلادِي آدُر (٥) قال أكثر المفسرين: كان ولي اليتيم يأخذ الجيّد من ماله ويجعل مكانَه الرديء، بجعل الزائف بدل الجيد، والمهزول بدل السمين، فنهى الله تعالى عن ذلك (٦) قال مجاهد وبَاذَان (٧) (٨) ومعنى هذا ما قال الفراء والزجاج: يقول: لا تأكلوا أموالَ اليتامى بدل أموالكم، وأموالهُم عليكم حرام، وأموالكم حلال (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ﴾ .

قال أكثر المفسرين: لا (تضيفوا) (١٠) (١١) قال عطاء: يريد تَربَح على يتيمك، بأن يَهوَى دابة عندك أو ثوبًا فتبيعه منه بأكثر من ثمنه، وهو غِرّ (١٢) (١٣) وهذا الذي ذكره عطاء هو نوع من أكل مال اليتيِم، ولا يجوز ذلك بأي وجهٍ كان.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا  ﴾ الكناية تعود إلى الأكل، ودل (تأكلوا) على المصدر (١٤) (١٥) قال الفراء: الحُوب لأهل الحجاز، والحَوب لتميم، ومعناهما الإثم (١٦) وقال أمية بن الأسكر الليثي (١٧) (١٨) وإنَّ مُهَاجِرَينِ تَكنَّفَاهُ ...

غَدَاتَئِذٍ لَقَد خَطِئَا وَحَابَا (١٩) (٢٠)  : "رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي" (٢١) (٢٢) (٢٣) وهو عندي: كل حرمة تأثم الإنسان بتركها وتضييعها من أُمّ أو أُخت أو بِنت أو غيرهن (٢٤) ويقال (٢٥) (٢٦) قال الكُميت: وصُبَّ له شَولٌ من الماء غَائرٌ (٢٧) (٢٨) والحِيبَة ما يُتأثم منه، يصف ذِئبًا سقاه وأطعمه (٢٩) قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ الآية.

الإقساط: العَدل، يقال أَقسط الرجل إذا عدل (٣٠) ﴿ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ  ﴾ .

والقسط: العدل والنصفة (٣١) ﴿ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ  ﴾ .

قال الزجاجي: وأصل قَسَط وأَقْسَط جميعًا من القِسط، وهو النصيب، فإذا قالوا: قسط بمعنى: جار، أرادوا أنه ظلم صاحبه في قِسطه الذي يصيبه.

ألا ترى أنهم قالوا: قاسطته فقسطتُه إذا غلبته على قِسطه، فبني قَسَط على بناء ظلم وجار وعسف وغلب، وإذا قالوا: أقسط، فالمراد به أنه صار ذا قسط وعدل، فبُني على بناء أنصف، إذا أتى بالنَّصف والعدل في قوله، وفعله، وقسمه (٣٢) واختلف أقوال أهل التأويل في هذه الآية، فرُوي عن عروة أنه قال: قلت لعائشة: قول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ﴾ ؟

فقالت يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حَجرِ وليّها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، فنُهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأُمِروا أن يَنكحوا ما سِواهن من النساء (٣٣) وعلى هذا التفسير تقدير الآية: وإن خفتم ألا تُقسطوا في نكاح اليتامى، أي: الإناث منهم، فحذف المضاف؛ لأن قوله بعد: ﴿ فَانْكِحُوا ﴾ يدل على النكاح (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ أي: من غيرهن، وذلك أن قوله: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ بعد ذكر خوف الحَرج مِن نِكاح اليتامى، يدل على أن المراد به من غيرهن (٣٥) هذا وجه ما رُوي عن عائشة  ا في هذه الآية.

وقال ابن عباس في رواية الوالبي (٣٦) (٣٧) وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، والربيع، والضحاك، والسدي (٣٨) (٣٩) وشرح ابن قتيبة هذا القول، فقال: المعنى: أن الله -جل وعز- قال لنا: فكما تخافون أن لا تعدلوا بين اليتامى إذا أكلفتموهم (٤٠) (٤١) وقال ابن عباس: قُصِر الرجالُ على أربع، مِنْ أجل اليتامى (٤٢) وكان (٤٣) وقال مجاهد: معنى الآية: إن تحرجتم من ولاية اليتامى وأموالهم إيمانًا وتصديقًا فكذلك تحرجوا مِن الزنا، فانكحوا النساء الحلال نكاحًا طيبًا ثم بين لهم عددًا محصورًا، وكانوا يتزوجون ما شاءوا من غير عدد (٤٤) (٤٥) وهذه أوجهٌ صحيحةٌ من التأويل لهذه الآية (٤٦) وقوله تعالى: ﴿ مَا طَابَ ﴾ ولم يقل: (من) الأصل أن (من) لما يعقل، و (ما) لما لا يعقل (٤٧) ولأهل العربية في هذا قولان: أحدهما: أن (ما) ههنا عبارة عن المصدر، فقال الفراء: معناه فانكحوا الطيب لكم من النساء (٤٨) وقال مجاهد: فانكحوا النكاح الذي طاب لكم من النساء (٤٩) قال الفراء: وهذا كما تقول في الكلام: خُذ من عبيدي ما شئت، أي: مشيئتك فإن قلت: مَن شئت، فمعناه: خذ الذي شئت (٥٠) فعلى هذا (ما طاب) بمنزلة الطيب.

والقول الثاني: أن (ما) و (من) ربما يتعاقبان، قال الله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا  ﴾ ، وقال: ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ ﴾ (٥١) وحكى أبو عَمْرو بن العلاء (٥٢) (٥٣) ومعنى قوله (طاب) أي: حلّ (٥٤) ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ  ﴾ إلى آخر الآية (٥٥) وقوله تعالى: ﴿ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾ .

بدل مما طاب، ومعناه: اثنتَين، وثلاثًا (ثلاثًا (٥٦) (٥٧) قال أبو إسحاق (٥٨) (٥٩) قال أصحابنا (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) وقد أخطا لي (٦٧) (٦٨) وثانيًا: لأنك تلفظ بكلمة وتريد بها كلمة على لفظ آخر، ألا ترى أنك تريد بعُمَر وزُفَر (عَامِرًا وَزافِرًا) (٦٩) وقول أبي إسحاق: إن مثنى لا ينصرف لجهتين: وهو أنه معدول عن اثنتين اثنتين، وأنه عُدِل عن تأنيث، مراده بهذا أنه لما عدل عن التأنيث كان ذلك ثقلًا آخر لما لم يكن المعدول عنه هو الأول المذكر، فزاد بذلك ثقلًا انضم إلى المعنى الأول فلم ينصرف.

إلى هذا الوجه ذهب أبو إسحاق، ولو سُلِّم له أنه عُدِل عن تانيث لم يكن ثقلًا مانعًا من الصرف يدل على ذلك أن التعريف ثانٍ، كما أن التأنيث كذلك، ولم يكن العدل عن التعريف ثقلًا معتدًا في منع الصرف، ألا ترى أنه لو كان مُعتَدًا به لوجب أن لا ينصرف (عُمر) في النكرة في قول جميع الناس، دلالة على أن العدل عن التعريف غير معتد به ثقلًا، على أنا لا نسلم أنه معدول عن تأنيث.

وقوله في ذلك دعوى لا دلالة عليها، ألا ترى أنه لا يجد فصلًا بينه وبين من قَلَب هذا عليه، فقال: إنه معدول عن التذكير هو أقرب إلى الصواب؛ لأن الأصل التذكير حتى يُعلم التأنيث، ولم نعلم التأنيث هنا.

فإن قال: عَلِمنا التأنيث بقوله: ﴿ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى ﴾ فجرى على النساء وهي مؤنثة، قيل: لا يدل هذا على أنّ العدل عن التأنيث، بل العدل يكون عن التذكير، وإنما جرى على النساء، من حيث كان تأنيثها تأنيث الجمع، وهذا الضرب من التأنيث ليس بحقيقي، ألا ترى أنك تقول: هي الرجال، كما تقول: هي النساء، فلما كان تأنيث النساء تأنيث الجمع جرى عليه هذه الأسماء كما جرى على غير النساء مما تأنيثه تأنيث جمع؛ لأنّ تأنيث الجمع ليس بحقيقي، إنما هي من أجل اللفظ، فهو مثل: الدار، والنار، وما أشبه ذلك.

ولو جاز لقائل أن يقول: مثنى وبابُه معدول عن مؤنث لما جرى على النساء وواحدتهن مؤنثة، لجاز لآخر أن يقول: إنه مذكر؛ لأنه جرى صفة على الأجنحة في قوله: ﴿ أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى  ﴾ ، وواحدها مُذكّر.

وهذا هو القول والوجه لما بينّا أنّ تأنيث الجمع ليس بحقيقي، على أن هذه الأسماء قد جرت المذكر الحقيقي، قال: ولقد قتلتكم (٧٠) (٧١) فأما ذكره في قول: قال: إنه اجتمع فيه علتان، أنه عَدْل وأنه نكرة، الفصل إلى آخره، فاعلم أنه غلط بين في الحكاية عنهم، وإنما يذهبون في امتناعه من الانصراف إلى أنه معدول، وأنه صفة.

وهذا لفظ سيبويه، قال (٧٢) (٧٣) وحكى الخليل، عن أبي عمرو أنه قال في قوله: ﴿ أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ  ﴾ : أنها صفة (٧٤) فقد نصوا على الصفة كما ترى، ونحو هذا قال أبو الحسن (٧٥) (٧٦) ومن النحويين (٧٧) (٧٨) وأما الأعداد غير المعدولة، فإنما الغرض فيها الإخبار عن مقدار المعدود (دون (٧٩) (٨٠) والواو في قوله: ﴿ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾ دالة على تفرّق الأنواع، وتجنيس المُباح من الزوجات، فمن تزوج مثنى لم يضم إليهما ثلاثًا، وكذلك من تزوج ثلاثًا لم يضم إليهن أربعًا.

قال الشاعر: ولَكِنَّمَا أَهْلِي بوادٍ أَنيسُه ...

ذئابٌ تَبَغَّى الناس مثْنَى وَموْحَدا (٨١) وقال ابن الأنباري: الواو هنا معناها التفرّق، وليست واوًا جامعة، فإذا كانت بهذه الصفة قُدِّر الفعل بعدها، وكان التأويل: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وانكحوا ثلاثًا في غير الحال الأول، وانكحوا رباع في غير الحالين (٨٢) وهذا معنى قول النحويين: أن الواو ههنا للبدل (٨٣) (٨٤) وقال صاحب النظم (٨٥) (٨٦) ولا تدل هذه الآية على إباحة التسع (٨٧) (٨٨) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾ ، أي: في الأربع، بالحب والجماع (٨٩) ﴿ فَوَاحِدَةً ﴾ أي: فلينكح كل واحد منكم واحدة (٩٠) ومن قرأ بالرفع (٩١) (٩٢) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ .

يريد من الجواري (٩٣) (٩٤) ومعنى الأيمان ههنا بيان، تقديره: أو ما ملكتم (٩٥) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا  ﴾ الإشارة في ﴿ ذَلِك ﴾ تعود إلى قوله: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ ﴾ (٩٦) ومعنى ﴿ تَعُولُوا ﴾ : تميلوا (وتجورا) (٩٧) (٩٨) روت عائشة، عن النبي  في قوله: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ﴾ قال: "لا تجوروا".

ورُوي: "أن لا تميلوا" (٩٩) (١٠٠) قال ابن المظفر: العَول المَيل في الحكم إلى الجور (١٠١) وقال أبو عبيدة، عن الأصمعي: وعال الميزان إذا مال، وإنما هو مأخوذ من الجور (١٠٢) (١٠٣) (١٠٤) وقال الفراء: عال الرجل يعول عَولًا وعِيالةً، إذا مال وجار (١٠٥) وعلى هذا القول ابن عباس، والحسن، وإبراهيم، وقتادة، والربيع، والسدي، وأبو مالك (١٠٦) وعكرمة (١٠٧) (١٠٨) (١٠٩) (١١٠) (١١١) وأخبرني العروضي قراءةً، وسعيد بن العباس القرشي كتابةً، عن الأزهري، قال: أخبرني عبد الملك (١١٢) (١١٣)  (١١٤) (١١٥) وإلى هذا القول ذهب من المفسرين عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (١١٦) (١١٧) (١١٨) (١١٩) قال الكسائي: وهي لغة فصيحة سمعتُها من العرب (١٢٠) قال الأزهري (١٢١) (١٢٢) قال (١٢٣) (١٢٤) (١٢٥) (١٢٦) وقال ابن الأنباري: وهذا القول -على قلة القائلين به- له مخرج في اللغة، وهو أن العرب تقول: قد عالت الفريضة، إذا زادت سهامها، وأعلتها أنا (إذ أردت (١٢٧) (١٢٨) ﴿ أَلَّا تَعُولُوا ﴾ معناه ألا يزداد عيالكم فتضيعوا الواجب والمفترض لهم (١٢٩) وهذا القول وإن صح، فالاختيار القول الأول (١٣٠) ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ فأطلق الآية من ملك اليمين، والأقل والأكثر منها (١٣١) (١٣٢) ودليل آخر، وهو أنه قال: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾ ولم يقل: أن تفتقروا، فكان الجواب معطوفًا على هذا الشرط، ولا يكون جوابه إلا بضد العدل وهو الجور، لا لكثرة العيال.

ذكر هذا صاحب النظم (١٣٣) ورُوي عن مجاهد أنه قال: معنى قوله: ﴿ أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾ ألا تضلوا (١٣٤) (١٣٥) قوله تعالى: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن هذا خطاب لأولياء النساء، وذلك أنّ العرب كانت في الجاهلية لا تُعطي النساء من مهورها شيئًا، ولذلك كانوا يقولون لمن وُلدت له ابنة: هنيئًا لك النافجة.

ومعناه أنك تأخذ مهرها إبلًا فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك، أي تعظمه (١٣٦) وقال ابن الأعرابي: النافجة ما يأخذه الرجل إذا زَوّج ابنته من الحُلوان فنهى الله عز وجل عن ذلك، وأمر بدفع الحق إلى أهله (١٣٧) وهذا قول الكلبي (١٣٨) (١٣٩) (١٤٠) (١٤١) القول الثاني: أن الخطاب للأزواج، أُمِروا بإيفاء النساء مهورهن.

وهذا قول إبراهيم (١٤٢) (١٤٣) (١٤٤) (١٤٥) والصدقات والمهور، واحدتها صَدُقَة، وفيها لغات هذه أعلاها وهي لغة أهل الحجاز (١٤٦) وذكرنا أن موضوع (ص د ق) على هذا الترتيب، للإكمال والصحة في قوله: ﴿ لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ ﴾ (١٤٧) وقوله تعالى: ﴿ نِحْلَةً ﴾ .

قال ابن عباس (١٤٨) (١٤٩) (١٥٠) قال الزجاج، عن بعضهم في قوله: ﴿ نِحْلَةً ﴾ أي: ديانة (١٥١) (١٥٢) (١٥٣) (١٥٤) فقوله: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ ﴾ أي آتوهن مهورهن، فإنها نِحلة، أي دين وشريعة ومذهب في الدين، وما هو ديانة فهو فريضة.

قال ابن الأنباري: يقال: فلان (مُنْتَحِلٌ (١٥٥) (١٥٦) وقال الكلبي: أي: عطية وهبة (١٥٧) (١٥٨) ومعنى هذا القول: أن الله تعالى جعل الصداق نِحلةً للنساء، بأن جعل على الرجال الصداق، ولم يجعل على المرأة شيئًا من الغُرم، فتلك نحلة من الله -عز وجل- للنساء.

وهذا القول اختيار الفراء (١٥٩) وقال أبو عبيدة: معنى قوله: ﴿ نِحْلَةً ﴾ أي: عن طيب نفس (١٦٠) (١٦١) قال ابن الأنباري: وهذا القول هو المختارة لأن النَّحلة بالهبة أشهر منها بالفريضة، وحمل الشيء على الأشهر والأعرف فيه أولى (١٦٢) وانتصابها على المصدر في قوله (١٦٣) (١٦٤) (١٦٥) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا ﴾ .

قال الفراء (١٦٦) (١٦٧) (١٦٨) ووحد النفس (١٦٩) (١٧٠) قال الفراء: ولو جمعت كان صوابًا (١٧١) ﴿ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ مِنْهُ ﴾ (مِن) ليست ههنا للتبعيض، بل هي للتجنيس، والتقدير: عن شيء من هذا الجنس الذي هو مهر، كقوله: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ  ﴾ ، وذلك أن المرأة لو طابت نفسُها عن جميع المهر حل للزوج أخذه كله.

والخطاب في: ﴿ لَكُمْ ﴾ يجوز أن يكون للأولياء، ويجوز أن يكون للأزواج، على ما ذكرنا من القولين في قوله: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ ﴾ (١٧٢) وقوله تعالى: ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ .

قال الفراء (١٧٣) (١٧٤) (١٧٥) (١٧٦) وقيل: إن أصل الهنيء من الهناء وهو معالجة الجَرَب بالقَطران (١٧٧) (١٧٨) قال المفسرون: معنى الهنيء: الطيب المَساغ الذي لا يُنغِّصه شيء، والمريء: المحمود العاقبة التامّ الهضم الذي لا يضر ولا يُؤذي.

يقول: لا تخافون في الدنيا به مطالبة، ولا في الآخرة تبعة (١٧٩) ورُوي عن ابن عباس، عن النبي  : أنه سئل عن هذه الآية، فقال: "إذا جادت لزوجها بالمهر طائعة، غير مُكرَهة لا يَقْضي به عليه سلطان، ولا يؤاخذه الله به في الآخرة" (١٨٠) قال الحضرمي (١٨١) ﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ (١٨٢) (١) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 228، "تفسير البغوي" 2/ 159.

(٢) اليتيم هو الذي مات أبوه ويسمى بذلك حتى يبلغ فإذا بلغ زال عنه اسم اليتيم.

هذا من ناحية الأحكام الشرعية، أما من الناحية اللغوية فيبقى الاسم لمن مات أبوه وإن كان بالغًا، لأن اليتيم لغة مأخوذ من الانفراد ومنه الدرة اليتيمة: أي المنفردة.

انظر "تهذيب اللغة" 4/ 3973، 340 (يتم).

(٣) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 7، "تهذيب اللغة" 4/ 3973 (يتم)، "تفسير القرطبي" 5/ 8 ،9، والمقصود أنه كان يقال ذلك بعدما كبر  .

(٤) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 294 (بدل).

(٥) لم أجده في "ديوان العجاج" برواية الأصمعي وشرحه.

(٦) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 229 - 230، "زاد المسير" 2/ 5، "تفسير ابن كثير" 1/ 487، "الدر المنثور" 2/ 207 - 208.

(٧) باذان ويقال: باذام -بالميم- هو أبو صالح مولى أم هانىء، تقدمت ترجمته.

(٨) في "تفسير مجاهد" 1/ 143 يقول: لا تتبدلوا الحرام من أموال اليتامى بالحال من أموالكم.

وأخرج الأثر عن مجاهد وباذان (أبي صالح) ابن جرير في "تفسيره" 4/ 231 بنحوه، انظر "الكشف والبيان" 4/ 4 ب، "تفسير القرطبي" 5/ 9، "الدر المنثور" 2/ 208.

(٩) هذا نص كلام الفراء في "معاني القرآن" 1/ 253، ونحو كلام الزجاج في "معانيه" 2/ 7.

(١٠) في (د): (تضيعوا) بالعين.

(١١) نص كلام الزجاج في "معانيه" 2/ 7، وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 111، "تفسير الطبري" 4/ 230.

(١٢) كأنها في النسختين: (عن) والمُرجَّح ما أثبته لما عند الثعلبي في الحاشية التالية.

(١٣) من "الكشف والبيان" 4/ 4 ب بتصرف، وانظر: "زاد المسير" 2/ 5، "القرطبي" 5/ 10.

(١٤) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 230، "الدر المصون" 3/ 557.

(١٥) انظر: "معاني الفراء" 1/ 253، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 113، "تفسير ابن جرير" 4/ 230، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 392، "مقاييس اللغة" 2/ 113، "اللسان" 2/ 1036 (حوب).

(١٦) ليس في "المعاني"، فقد يكون في كتابه المصادر، وهو مفقود.

(١٧) أمية بن حُرثان بن الأسْكَر -بالسين المهملة على الصحيح- الكناني الليثي، شاعر مخضرم، له صحبة، كان سيدًا في قومه، توفي  سنة 20 هـ.

انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 190، "الإصابة" 1/ 64 - 65، "الأعلام" 2/ 22.

(١٨) ابن أمية هو كلاب، وقصته أنه خرج وأخٌ له في زمن عمر بن الخطاب  وتركا أباهما أمية وهو شيخ كبير وكان لا يصبر عن كلاب، فاشتكى أمية إلى عمر وأنشده قصيدةً كان البيت التالي منها، فكتب عمر إلي سعد بن أبي وقاص أن رحل كلاب ابن أمية فرحله، فلما قدم المدينة جمعه عمر بأبيه فجعل أميهَ يشَمُّ ابنَه ويبكي.

انظر: "ذيل الأمالي والنوادر" للقالي ص 108، 109، "الإصابة" 1/ 64 - 65.

(١٩) البيت في "مجار القرآن" 1/ 113، "تفسير الطبري" 4/ 230، 7/ 529 لكن عجزه في الموضع الأول: لعمر الله قد خطئا وحابا، "ذيل الآمالي والنوادر" ص 109،== وعجزه فيه: ليترك شيخه خطئا وخابا "الإصابة" 1/ 65 وجل ألفاظه مغايرة، حيث إنه جاء: أتاه مهاجران فرنَّخاه ...

عباد الله قد عَقَّا وخَابا والشاهد: حابا أي أثما.

(٢٠) في "معاني القرآن" 1/ 253.

(٢١) جزء من دعاء للنبي  في حديث أخرجه أحمد من حديث ابن عباس -  ما- 1/ 227، وأبو داود (1510) كتاب الوتر، باب: ما يقول الرجل إذا سَلَّم، والترمذي (3551) كتاب الدعوات، باب: في دعاء النبي  (٢٢) في "غريب الحديث" 1/ 220 وقد أخذ عنه المؤلف بتصرف.

(٢٣) جزء من حديث اختصره المؤلف وسياق أبي عبيد: أن رجلًا أتى إلى النبي  فقال: إني أتيتك لأجاهد معك.

فقال: "ألك حوبة؟

" فقال: نعم.

قال: "ففيها فجاهد".

يُروى عن أشعث ابن عبد الرحمن عن الحسن يرفعه.

"غريب الحديث" 1/ 220.

ولم أقف على هذا الحديث في دواوين السنة.

(٢٤) "غريب الحديث" 1/ 220، 221 بتصرف.

(٢٥) الظاهر أنه من قول أبي عبيد، وليس في "غريب الحديث" وإنما في "تهذيب اللغة" 1/ 690 (حاب)، وفي "الغريب" 1/ 221: وقد يكون التحوب التعبد والتجنب للمأثم.

(٢٦) انتهى أخذه عن أبي عبيد، وانظر "تهذيب اللغة" 1/ 690 - 691 (حاب).

(٢٧) في النسختين: (عابر) بالباء، ولعلها تصحفت عن: غابر.

(٢٨) البيت في "تهذيب اللغة" 1/ 691 (حاب)، "اللسان" 2/ 1036.

والشَّول: هو الماء القليل.

انظر "مقاييس اللغة" 3/ 230.

والشاهد: المُتَحوَّب أي المتعبَّد.

(٢٩) من "تهذيب اللغة" 13/ 691 (حاب).

(٣٠) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 541، "تهذيب اللغة" 3/ 2959 (قسط).

(٣١) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2959، "مقاييس اللغة" 5/ 85 (قسط).

(٣٢) الظاهر أن هذا نهاية كلام الزجاجي، ولم أعثر عليه فيما بين يديَ من مصنفاته.

انظر "جمهرة اللغة" 2/ 836، "تهذيب اللغة" 3/ 2959 (قسط).

(٣٣) أخرجه البخاري بنحوه (2494) كتاب الشركة، باب: شركة اليتيم وأهل الميراث، ومسلم (3013) كتاب التفسير، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 145، والنسائي في "تفسيره" 1/ 360، 361، والطبري 7/ 531، وغيرهم.

(٣٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 8 (٣٥) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 232، "تفسير البغوي" 2/ 160.

(٣٦) هو أبو الحسن علي بن أبي طلحة، تقدمت ترجمته.

(٣٧) من "الكشف والبيان" 4/ 5 ب، 6 أ، وأشار الثعلبي إلى أن هذه رواية الوالبي عن == ابن عباس، ولم أجد رواية عطاء، وقد أخرجه ابن جرير بمعناه من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في "تفسير الطبري" 4/ 233، وانظر "أسباب النزول" للمؤلف 146 - 147، "زاد المسير" 2/ 6، "الدر المنثور" 2/ 209.

(٣٨) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 233، "الكشف والبيان" 4/ 5 ب، 6 أ، "أسباب النزول" 146 - 147، "زاد المسير" 2/ 6، "الدر المنثور" 2/ 209.

(٣٩) انظر: "معاني القرآن" 1/ 253، واختار القول أيضًا ابن جرير في "تفسيره" 4/ 233.

(٤٠) هكذا في (أ)، (د) والظاهر أن هذه الكلمة مُصحّفة من (كفلتموهم) بتقديم الفاء على اللام كما عند ابن قتيبة في "مشكل القرآن" ص 72 على أن المعنى يصح على ما هو مذكور في المتن، أي: كلفتم أمرهن والقيام على مصالحهن.

(٤١) انتهى من "مشكل القرآن" ص 72، والواقع أن المؤلف حذف جملة مهمة من صدر الكلام وذلك أن ابن قتيبة قال: والمعنى: أن الله تعالى قصر الرجال على أربع نسوة وحرّم عليهم أن ينكحوا أكثر منهن، لأنه لو أباح لهم أن ينكحوا من الحرائر ما أباح من ملك اليمين لم يستطيعوا العدل عليهن بالتسوية بينهن، فقال لنا: فكما تخافون ..

إلى آخر ما نقله المؤلف.

(٤٢) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" من رواية طاوس 4/ 233، وفيه: من أجل أموال اليتامى، والثعلبي 4/ 5 ب، وانظر "الدر المنثور" 2/ 209.

(٤٣) هكذا العبارة، ولعل الصواب: ولما كان العدل ..

(٤٤) الأثر بنحوه في "تفسير مجاهد" 1/ 144.

وأخرجه ابن جرير 4/ 236، والأثر عنده إلى (نكاحًا طيبًا) وقد أخذه المؤلف من الثعلبي 4/ 6 أ، وانظره في: "معاني الزجاج" 2/ 8، "معالم التنزيل" 2/ 161، وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 2/ 210.

(٤٥) لم أر اختيارًا للزجاج لهذا القول الأخير الذي ذهب إليه مجاهد، وإنما ساق أقوالاً، وذكر هذا القول في مقدمتها.

انظر: "معاني الزجاج" 2/ 8 (٤٦) هذا رأي المؤلف، وبعض المفسرين ساق هذه الأقوال دون ترجيح كالزجاج في المصدر السابق، والبغوي في "معالم التنزيل" 1/ 391، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 12، مما يؤيد احتمال الآية لهذه الأوجه.

لكن ابن جرير -كما تقدم- اختار القول الثاني حيث قال: وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بتأويل الآية قول من قال: تأويلها: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء فلا تنكحوا منهن إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيه منهن ..

"تفسير الطبري" 4/ 235، وقد علل لاختياره كعادته.

(٤٧) انظر: "المقتضب" 3/ 63، 4/ 217، "معاني الزجاج" 2/ 8، "حروف المعاني" للزجاجي 54، 55، "شرح شذور الذهب" 189 - 190.

(٤٨) هذا مُؤدَّى رأي الفراء، وليس بنصه.

انظر: "معاني الفراء" 1/ 253، 254.

(٤٩) الذي ظهر لي أن هذا معنى كلام مجاهد في الأثر المتقدم عنه قريبًا ص 88 من قوله: (فانكحوا النساء الحلال نكاحا طيبا) لأني لم أجد له هذا الكلام الذي أورده المؤلف هنا بنصه، وانظر: "تفسير الطبري" 4/ 236 - 237 ففيه ما يؤيد أن هذا معنى كلامه.

(٥٠) "معاني القرآن" للفراء 1/ 254 - بتصرف-، وانظر: "تفسير الطبري" 4/ 236 - 237، "معاني القرآن" للزجاج 2/ 8، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 434.

(٥١) انظر: "المقتضب" 4/ 185، 218، "معالم التنزيل" 1/ 161، "الإملاء بهامش الفتوحات" 2/ 185، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 12، "الدر المصون" 3/ 561.

وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 3/ 162: وقرأ ابن أبي عبلة (من طاب) وقرأ الجمهور (ما طاب) فقيل (ما) بمعنى من، وهذا مذهب من يُجَوَّز وقوعَ ما على أحاد العقلاء، وهو مرجوح.

(٥٢) هو زبان بن العلاء بن عمار التميمي البصري أحد القراء السبعة، تقدمت ترجمته.

(٥٣) من "الكشف والبيان" 4/ 6 ب.

وقد نسب المبرد فى "المقتضب" 4/ 285 هذا القول لأبي زيد.

وانظر: "تفسير القرطبي" 5/ 13.

(٥٤) انظر: "الطبري" 4/ 236، "معاني القرآن" للزجاج 2/ 8، "معالم التنزيل" 2/ 161.

(٥٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 8، 9، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 393.

(٥٦) هذا التكرير ليس في (د).

والكلام من أوله للزجاج في "معاني القرآن" 2/ 9.

(٥٧) هذا التكرير ليس في (د).

والكلام من أوله للزجاج في "معاني القرآن" 2/ 9.

(٥٨) أي الزجاج في "معانيه" 2/ 9.

(٥٩) عند الزجاج في "المعاني": اثنين اثنين بالتذكير.

(٦٠) لا يزال الكلام لأبي إسحاق الزجاج، والظاهر أنه يقصد البصريين من النحاة.

(٦١) في "معاني الزجاج" أنه عُدِل عن تأنيث.

(٦٢) عند الزجاج: الأسماء.

(٦٣) عند الزجاج: بهذا.

(٦٤) عند الزجاج: نخففه وهو أولى.

(٦٥) في (د): (نوعًا)، وما أثبته هو الموافق لما في "معاني الزجاج".

(٦٦) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 9.

(٦٧) قد تكون: (لي) زيادة من الناسخ.

(٦٨) كلام أبي علي من كتابه "الإغفال" فيما أغفله الزجاج 2/ ل 63.

(٦٩) فى (د): (زافرًا وعامرًا).

(٧٠) في النسختين: (قبلتكم) بالموحدة التحتية، وما أثبته حسب "الإغفال" والمصادر الآتية.

(٧١) البيت لصَخر بن عمرو بن الشّريد السُلمي.

انظر: "مجاز القرآن" 1/ 115، "أدب الكاتب" ص 458، "تفسير الطبري" 4/ 237، لكن عند أبي عبيدة وابن جرير قافيته: كأمس المدبر، ومال إلى ذلك محمود شاكر في حاشيته على ابن جرير.

والشاهد منه كما في "مجاز القرآن" أنه اخرج اثني مخرج ثلاث.

(٧٢) أي سيبويه في "الكتاب" 3/ 225.

(٧٣) في "الكتاب" محدودًا.

(٧٤) انتهى أخذ أبي علي من سيبويه في "الكتاب" 2/ 225، وانظر: "الطبري" 4/ 237.

(٧٥) إن كان يريد الأخفش -وهو الظاهر- فإن رأيه مغاير لما ذكر كما سيأتي.

(٧٦) من "الإغفال" 2/ ل 63 - 67 بتصرف.

(٧٧) كالأخفش في "معاني القرآن" 1/ 431، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 393 - 394، وقد تبعهم في ذلك أبو حيان في "البحر المحيط" 3/ 151، والسمين الحلبي في "الدر المصون" 3/ 563، وعبارة الأخيرين لا تختلف عن عبارة المؤلف إلا يسيرًا فيحتمل إفادتهما منه.

(٧٨) في "البحر"، و"الدر" (تستعمل) بالتاء.

(٧٩) في (د): (عن)، وما أثبته مطابق لـ"البحر"، و"الدر".

(٨٠) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 431، 432، "البحر المحيط" 3/ 151، "الدر المصون" 3/ 563.

(٨١) البيت لساعدة بن جُؤيّة الهذلي كما في "ديوان الهذليين" 1/ 237، "الكتاب" == 3/ 226، "اللسان" 1/ 321 (بغا).

وهو من شواهد "مجاز القرآن" 1/ 114، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 432، "المقتضب"، "معاني القرآن" للزجاج 2/ 10.

وقد اختلفت الرواية في قافية البيت بين الرفع والنصب، فجاءت: موحدا كما عند المؤلف في "مجاز القرآن" "معاني القرآن" للأخفش، "اللسان".

وجاءت موحد في "الديوان"، "الكتاب"، "المقتضب"، "معاني القرآن" للزجاج، ولعل هذه أرجح لموافقتها قوافي القصيدة، انظر "ديوان الهذليين" 1/ 236 - 242.

أما معنى البيت فجاء في شرحه في "الديوان": يقول: أهلي بواد ليس به أنيس: هم مع السباع والوحش في بلد مقفر.

مثنى: اثنان اثنان.

وموحدت واحد واحد، ومعنى تبغّى: تطلب.

كما في "اللسان".

(٨٢) لم أقف على كلام ابن الأنباري فيما بين يديّ من مصنفاته.

(٨٣) إذا كان المؤلف -وهو الظاهر- يقصد أن (مثنى وثلاث ورباع) بدل مما قبلها، فهي في موضع نصب على البدل من (ما) في (ما طاب) عند بعض النحاة.

انظر "إعراب القرآن" للنحاس (393)، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 189، "غرائب التفسير" للكرماني 1/ 281، "الدر المصون" 3/ 562.

وإن كان غير ذلك فإني لم أجد -فيما اطلعت عليه من كتب التفسير وإعراب القرآن ومعاني الحروف- أن الواو تأتي بمعنى البدل، والله أعلم.

(٨٤) انظر: "القرطبي" 5/ 17.

(٨٥) أي مصنف كتاب "نظم القرآن" وهو أبو علي الجرجاني.

(٨٦) انظر: الطبري 4/ 238، "الكشف والبيان" للثعلبي 4/ 6 ب، "معالم التنزيل" 2/ 161، "غرائب التفسير" 1/ 282، واستبعد أبو حيان أن تكون أو بمنزلة الواو، لأن أو لأحد الشيئين أو الأشياء، والواو لمطلق الجمع فيأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها على طريق الجمع.

انظر: "البحر" 3/ 163.

وما ذكره المؤلف حول الواو هنا أقوال متقاربة من حيث المعنى.

(٨٧) يشير المؤلف إلى بطلان رأي الشيعة الرافضة في ذلك.

وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 10، والبغوي 2/ 161، والقرطبي 5/ 17، و"البحر المحيط" 3/ 163، وابن كثير 1/ 488.

(٨٨) من "معاني القرآن" للزجاج 2/ 10 بتصرف.

وانظر: "غرائب التفسير" للكرماني 1/ 282.

(٨٩) هذا رأي الضحاك كما عند الطبري 4/ 239، والفراء في "معاني القرآن" 1/ 255.

انظر: القرطبي 5/ 20.

والظاهر أن العدل إنما هو بالنفقة والقسمة ونحوهما، وليس الزوج مُطالبًا بالعدل في الأمور القلبية والنفسية كالحب، ويدل على ذلك أن الله -عز وجل- يقول: ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ  ﴾ ، قال الطبري 5/ 313 في معناه: لن تطيقوا أيها الرجال أن تسووا بين نسائكم وأزواجكم في حبهن بقلوبكم حتى تعدلوا بينهن في ذلك، فلا يكون في قلوبكم لبعضهن من المحبة إلا مثل ما لصواحبها؛ لأن ذلك مما لا تملكونه وليس إليكم.== وعن عائشة -  ا- قالت: كان رسول الله  يقسم فيعدل، ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك.

قال أبو داود: يعني القلب أخرجه أبو داود (2134) كتاب: النكاح، باب: في القسم بين النساء، والنسائي 7/ 64 كتاب: عشرة النساء، باب: ميل الرجل إلى بعض نسائه، والترمذي (1140) كتاب النكاح، باب: ما جاء في التسوية بين الضرائر، وابن ماجه (1971) كتاب النكاح، باب: القسمة بين النساء، وابن حبان في "صحيحه" 10/ 5 (4205).

وأشار ابن حجر إلى أن فيه مقالًا، انظر: "التلخيص الحبير" 3/ 139.

(٩٠) هذا التقدير على قراءة النصب وهي قراءة الجمهور من العشرة انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 394، "المبسوط" / 153، "النشر" 2/ 247، "إتحاف فضلاء البشر" ص 186.

(٩١) وهو أبو جعفر وحده من العشرة.

انظر: "المبسوط" / 153، "النشر" 2/ 247، "الإتحاف" / 186.

(٩٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 255، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 394، "الإتحاف" ص 186.

(٩٣) أخرج الطبري 4/ 239 عن السدي أنه قال: السراري، وانظر: القرطبي 5/ 20.

(٩٤) من "الكشف والبيان" 4/ 7 أبتصرف.

وهذا ما دلت عليه الآية أنه لا يجب للإماء ما يجب للحرائر، ولكن الظاهر أنه يستحب.

انظر: البغوي 2/ 162، القرطبي 5/ 20، ابن كثير 1/ 490.

(٩٥) "الكشف والبيان" 4/ 7 أ، وانظر: "تفسير البغوي" 2/ 162.

(٩٦) لعل هذا وهم من المؤلف، فالذي يظهر أنّ اسم الإشارة يعود إلى قوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ ، يؤيد هذا بقية كلامه.

وانظر: الطبري 4/ 238.

(٩٧) هكذا في (أ)، (د).

والصواب: (تجوروا).

(٩٨) سيأتي تفصيلٌ وتعدادٌ لمن ذهب إلى ذلك من أهل التفسير والعربية قريبًا عند المؤلف، وارجع إلى مظانه هناك.

(٩٩) أخرج الحديث بالروايتين الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 27، قال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث خطأ، الصحيح، عن عائشة موقوف، "تفسير القرآن العظيم" لابن أبي حاتم 3/ 860 بتحقيق حكمت بشير بابين (رسالة دكتوراه في أم القرى)، وانظر "تفسير ابن كثير" 1/ 490.

(١٠٠) في (أ): (كلى).

(١٠١) "تهذيب اللغة" 3/ 2288 (عال)، وابن المظفر هو المعروف بالليث، وتقدمت ترجمته.

(١٠٢) من "تهذيب اللغة" 3/ 2288 (عال)، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 117.

(١٠٣) هو عبد مناف بن قصي بن هاشم القرشي، أبن عم النبي  تقدمت ترجمته.

(١٠٤) البيت من قصيدة طويلة مشهورة بيّن فيها أبو طالب وقوفه مع النبي  لما خشي قومه ودهماء العرب كما في "سيرة ابن هشام" 1/ 286 - 298، وهو في الطبري 4/ 240، "الزاهر" لابن الأنباري 1/ 141، "تهذيب اللغة" 3/ 2288 (عال)، وابن كثير 1/ 490.

وقوله: "لا يعل" يبدو أنه بالغين (يغل) كما عند الطبري، وفي "السيرة": يخس بدل يغل، والمعنى كما في حاشية الطبري: أي: لا ينقص.

و (وزان) عند الطبري وابن الأنباري بلفظ (ووازن).

وعجز هذا البيت في "السيرة"، "تهذيب اللغة"، و"ابن كثير": له شاهد من نفسه غير عائل قال ابن الأنباري: معناه: غير مائل، وهذا هو الشاهد من البيت هنا.

(١٠٥) ليس في "معاني القرآن"، وإنما الذي فيه: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ﴾ : ألا تميلوا، وهو أيضًا في كلام العرب: قد عال يعول.

(١٠٦) هو: غَزوان الغِفاري الكوفي، تقدمت ترجمته.

(١٠٧) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 240، و"البغوي" 1/ 163، و"ابن كثير" 1/ 490، و"الدر المنثور" 2/ 211.

(١٠٨) في "معاني القرآن" 1/ 255.

(١٠٩) في "معاني القرآن" وإعرابه 2/ 1.

(١١٠) في "غريب القرآن" ص 119.

(١١١) انظر: "غريب القرآن" لابن عزيز ص 33.

(١١٢) لم أعرفه.

(١١٣) هو أبو محمد الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المُرادي المَصري المُؤَذَّن، صاحب الشافعي وراوي كتبه، ثقة، أخرج له أصحاب السنن، توفي -رحمه الله- سنة 270 هـ.

انظر: "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص 109، "سير أعلام النبلاء" 12/ 587، "التقريب" ص 206 رقم (1894).

(١١٤) السند من الأزهري إلى الشافعي في "تهذيب اللغة" 3/ 2287 (عال).

(١١٥) "تهذيب اللغة" 3/ 2287 (عال)، وانظر: "تفسير البغوي" 2/ 162، "تفسير القرطبي" 5/ 21.

(١١٦) أخرجه الطبري 1/ 241 بلفظ: أهون عليك في العيال.

وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2287 (عال)، "زاد المسير" 2/ 10، "الدر المنثور" 2/ 211.

(١١٧) السند من أبي عمر إلى آخره في "تهذيب اللغة" 3/ 2287 (عال).

(١١٨) هو أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي.

(١١٩) "تهذيب اللغة" 3/ 2287 (عال).

(١٢٠) هذا القول للكسائي ليس في "تهذيب اللغة".

(١٢١) في "تهذيب اللغة" 3/ 2287 (عال).

(١٢٢) معنى كلام الأزهري وليس نصه.

(١٢٣) أي الأزهري، وهو في "تهذيب اللغة" 3/ 2287 (عال) متقدم على قوله السابق.

(١٢٤) ومال ليس في "التهذيب".

(١٢٥) في "التهذيب": وأعال يعيل.

(١٢٦) انتهى من "تهذيب اللغة" 3/ 2287 (عال).

وانظر: "الزاهر" 1/ 140 ، 141.

(١٢٧) هكذا في (أ)، (د).

ولعل الصواب: إذا زدت.

(١٢٨) انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 396، "تهذيب اللغة" 3/ 2278 (عال).

(١٢٩) لم أقف على قول ابن الأنباري هذا، لكن قال في "الزاهر" 1/ 140: ويقال: قد أعال الرجل يعيل فهو معيل: إذا كثر عياله.

(١٣٠) هذا الأسلوب من الترجيح حسن من المؤلف، لما فيه من التأديب مع أئمة علم الشريعة والعربية، كالشافعي والكسائي، عكس ما نهج الزجاج -رحمه الله- في هذا، حيث رد هذا القول بشدهَ، بل وتجاهل القائلين به فلم يصرح بأسمائهم.

انظر "معاني القرآن" وإعرابه 2/ 11.

(١٣١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 11.

(١٣٢) هكذا ولعل الصواب: عيالكم.

(١٣٣) أي "نظم القرآن" وهو الجرجاني، تقدمت ترجمته.

(١٣٤) رواه الثوري في "تفسيره" ص 87 بسنده عن مجاهد، وأورده الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 7 ب.

انظر: "تفسير البغوي" 2/ 162، "زاد المسير" 2/ 10.

(١٣٥) أي: تميلوا وتجوروا، قال الهواري لما ذكر القولين: وهو واحد، "تفسير كتاب الله العزيز" للهواري 1/ 347.

(١٣٦) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 115، 120، "تهذيب اللغة" (نفج) 4/ 3624، "الكشف والبيان" 4/ 8 أ.

(١٣٧) لم أقف عليه.

(١٣٨) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 8 أ، "معالم التنزيل" 2/ 162.

(١٣٩) أخرج قوله ابن جرير 4/ 241.

(١٤٠) في "معاني القرآن" 1/ 256.

(١٤١) في "غريب القرآن" ص 115.

(١٤٢) لم أقف على قول إبراهيم وهو النخعي.

(١٤٣) انظر: "الدر المنثور" 2/ 213.

(١٤٤) أخرج ابن جرير في "تفسيره" 4/ 241، عن قتادة في معنى (نخلة): يقول فريضة، يعني على الزواج.

(١٤٥) أخرجه ابن جرير 4/ 241 بنحو قول قتادة.

(١٤٦) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 12.

وهذا ما اختاره ابن جرير -رحمه الله- كما في "تفسيره" 4/ 242، والبغوي 2/ 163، وهناك قول ثالث: وهو أن المراد النهي عن نكاح الشَّغار وهو رأي الحضرمي.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 242، "الكشف والبيان" 4/ 8 أ، "معالم التنزيل" 2/ 163.

(١٤٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج، 2/ 12، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 494، "الكشف والبيان" 4/ 8 ب.

(١٤٨) أخرجه ابن جرير بسنده من طريق ابن أبي طلحة 4/ 241.

وانظر: "الدر المنثور" 2/ 212.

(١٤٩) هكذا في (أ)، (د) وقد يكون تصحيفًا كما هو ظاهر، والصواب: وابن زيد.

(١٥٠) أخرج أقوالهم الطبري 4/ 241، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 8 ب، والبغوي 2/ 163، و"الدر المنثور" 2/ 212.

(١٥١) "معاني القرآن" 2/ 12.

(١٥٢) الراوي الأزهري، عن ثعلب، عن ابن الأعرابي.

انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3532 (نحل).

(١٥٣) "تهذيب اللغة" 5/ 65 (نحل).

(١٥٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 12، "تهذيب اللغة" 5/ 64 (نحل).

(١٥٥) في (د): (ينتحل).

(١٥٦) انظر: "الزاهر" 2/ 254.

(١٥٧) "الكشف والبيان" 4/ 8 ب، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 163، "البحر المحيط" 3/ 166، "تنوير المقباس" بهامش المصحف الشريف ص 77.

(١٥٨) انظر: "معاني القرآن" 1/ 256.

(١٥٩) في "معاني القرآن" 1/ 256، وقد حكى الفراء هذا القول ولم يذكر غيره.

(١٦٠) "مجاز القرآن" 1/ 117، وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 115.

(١٦١) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 115 "الزاهر" 2/ 254.

(١٦٢) هذا الترجيح من ابن الأنباري لم أقف عليه، بل وقفت على خلافه حيث قال -بعد أن أشار إلى القولين-: والقولان متقاربان، "الزاهر" 2/ 254.

(١٦٣) هكذا ولعل الصواب: (قول).

(١٦٤) انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 188، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 242، "البحر المحيط" 3/ 166، "الدر المصون" 3/ 571.

(١٦٥) انظر: "البحر المحيط" 3/ 166، "الدر المصون" 3/ 571.

(١٦٦) في "معاني القرآن" 1/ 256.

(١٦٧) من الصدقات زيادة على الفراء.

(١٦٨) ما بين القوسين زيادة على ما عند الفراء.

(١٦٩) عبارة الفراء: ووحد النفس، ولو جمعتَ لكان صوابًا، وقد جاء بقية العبارة عند المؤلف في آخر كلامه كما سيأتي.

(١٧٠) ما بين القوسين زيادة على ما عند الفراء.

(١٧١) انتهى من "معاني الفراء" 1/ 256، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 12، والشاهد بعد ذلك إضافة من المؤلف، والله أعلم.

وانظر "الكف والبيان" 4/ 29.

(١٧٢) من "معاني القرآن" للزجاج 2/ 13 بمعناه.

(١٧٣) ليس في "معاني القرآن".

(١٧٤) هكذا ويبدو أن الصواب: يهنئني.

(١٧٥) انظر: "تفسير الطبري" للطبري 4/ 244، "معاني القرآن" للزجاج 2/ 12، "تهذيب اللغة" 4/ 3803 (هنا)، "الكشف والبيان" 4/ 9 أ.

(١٧٦) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3803 (هنأ).

(١٧٧) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 244، "تهذيب اللغة" 4/ 3803 (هنأ)، "مقاييس اللغة" 6/ 68 (هنأ)، "الكشف والبيان" 4/ 9 أ.

(١٧٨) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 244، "النكت والعيون" للماوردي 1/ 451.

(١٧٩) ما نسبه للمفسرين هو ما حكاه شيخه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 9أ، ب.

(١٨٠) من "الكشف والبيان" 4/ 9 ب، وقد أورده الثعلبي بسنده، ولم أقف عليه عند غيره.

(١٨١) لعله أبو بحر عبد الله بن زيد الحضرمي، انظر التعليق الآتي ص 347.

(١٨٢) أخرجه ابن جرير 4/ 243، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 9 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَآتُواْ اليتامى أموالهم ﴾ خطاب للأوصياء، وقيل: للعرب الذين لا يورثون الصغير مع الكبير أمروا أن يورثوهم، وعلى القول بأنّ الخطاب للأوصياء، فالمراد أن يؤتوا اليتامى من أموالهم ما يأكلون ويلبسون في حال صغرهم، فيكون اليتيم على هذا حقيقة، وقيل: المراد دفع أموالهم إليهم إذا بلغوا، فيكون اليتيم على هذا مجاز، لأن اليتيم قد كبر ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب ﴾ كان بعضهم يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالمهزولة من ماله، والدرهم الطيب بالزائف، فنهوا عن ذلك.

وقيل: المعنى لا تأكلوا أموالهم وهو الخبيث، وتدعوا ما لكم وهو الطيب ﴿ وَلاَ تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ المعنى: نهي أن يأكلوا أموال اليتامى مجموعة إلى أموالهم، وقيل: نهي عن خلط أموالهم بأموال اليتامى، ثم أباح ذلك بقوله وإن تخالطوهم فإخوانكم، وإنما تعدّى الفعل بإلى؛ لأنه تضمن معنى الجمع والضم وقيل: بمعنى مع ﴿ حُوباً ﴾ أي ذنباً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تساءلون ﴾ خفيفاً بحذف التاء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وعباس مخير.

الباقون بالتشديد أي بإدغام تاء التفاعل في السين ﴿ والأرحام ﴾ بالجر حمزة.الباقون بالنصب.

﴿ ما طاب ﴾ بالإمالة: حمزة.

﴿ واحدة ﴾ بالرفع: يزيد: الباقون بالنصب.

﴿ هنيّاً مريّاً ﴾ بالتشديد فيهما: يزيد وحمزة في الوقف على أيهما وقف، وإذا انفرد ﴿ هنيئاً ﴾ / همزها كل القرآن: يزيد.

﴿ قيماً ﴾ ابن عامر ونافع.

الباقون ﴿ قياماً ﴾ ﴿ ضعافاً ﴾ بالإمالة: خلف عن حمزة وابن سعدان والعجلي وخلف لنفسه وقتيبة على أصله.

﴿ وسيصلون ﴾ بضم الياء: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل.

الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ ونساء ﴾ ج.

لأن الجملتين وإن اتفقتا إلا أنه اعترضت المعطوفات ﴿ والأرحام ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ بالطيب ﴾ ص ﴿ إلى أموالكم ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ ورباع ﴾ ج ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ أن لا تعولوا ﴾ ط لابتداء حكم آخر ﴿ نحلة ﴾ ط لأن المشروط خارج عن أصل الشرط الموجب ﴿ مريئاً ﴾ ه ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ النكاح ﴾ ج بناء على أنه ابتداء شرط بعد بلوغ النكاح، أو مجموع الشرط والجواب جواب "إذا" و"حتى" تكون داخلة على جملة شرطية مقدمها حملية، وثالثها شرطية أخرى.

﴿ أموالهم ﴾ ج ﴿ أن يكبروا ﴾ ط لابتداء جملتين متضادتين ﴿ فليستعفف ﴾ ج ﴿ بالمعروف ﴾ ط للعود إلى أصل الموجب بعد وقوع العارض.

﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ والأقربون ﴾ الأول ص ﴿ أو أكثر ﴾ ط بتقدير جعلناه نصيباً مفروضاً ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ خافوا عليهم ﴾ ص ﴿ سديداً ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه.

التفسير: لما كانت هذه السورة مشتملة على تكاليف كثيرة من التعطيف على الأولاد والنساء والأيتام وإيصال حقوقهم إليهم وحفظ أموالهم عليهم، ومن الأمر بالطهارة والصلاة، والجهاد والدية، ومن تحريم المحارم وتحليل غيرهن إلى غير ذلك من السياسات ومكارم الأخلاق التي يناط بها صلاح المعاش والمعاد، افتتح السورة ببعث المكلفين على التقوى.

ومن غرائب القرآن أن فيه سورتين صدرهما ﴿ يا أيها الناس ﴾ إحداهما في النصف الأول وهي الرابعة من سوره، والأخرى في النصف الثاني وهي أيضاً في الرابعة من سوره.

ثم التي في النصف الأول مصدرة بذكر المبدأ ﴿ اتقوا ربكم الذي خلقكم ﴾ والتي في النصف الثاني مصدرة بذكر المعاد ﴿ اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم  ﴾ ثم إنه  علل الأمر بالتقوى بأنه خلقنا من نفس واحدة.

أما القيد الأوّل وهو أنه خلقنا فلا شك أنه علة لوجوب الانقياد لتكاليفه والخشوع لأوامره ونواهيه، لأن المخلوقية هي العبودية ومن شأن العبد امتثال أمر مولاه في كل ما يأمره وينهاه.

وأيضاً الإيجاد غاية الإحسان فيجب مقابلتها بغاية الإذعان، على أن مقابلة نعمته بالخدمة محال لأن توفيق تلك الخدمة نعمة أخرى منه.

وأما القيد الثاني وهو خصوص أنه خلقنا من نفس واحدة، فإنما يوجب علينا الطاعة لأن خلق أشخاص غير محصورة من إنسان واحد مع تغاير أشكالهم وتباين أمزجتهم واختلاف أخلاقهم دليل ظاهر وبرهان باهر على وجود مدبر مختار وحكيم قدير، ولو كان ذلك بالطبيعة أو لعلة موجبة كان كلهم على حد واحد ونسبة واحدة.

ثم في / هذا القيد فوائد أخر منها: أنه يأمر عقبه بالإحسان إلى اليتامى والنسوان، وكونهم متفرعين من أصل واحد وأرومة واحدة أعون على هذا المعنى ولهذا قال  : " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" ومنها أنهم إذا عرفوا ذلك تركوا المفاخرة وأظهروا التواضع وحسن الخلق.

ومنها أن تصوّر ذلك يذكر أمر المعاد فليس الإعادة بأصعب من الإبداء.

ومنها أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزاً للنبي  لأنه لم يقرأ كتاباً.

وأجمع المفسرون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا هو آدم  ، والتأنيث في الوصف نظراً إلى لفظة النفس.

﴿ وخلق منها زوجها ﴾ حواء من ضلع من أضلاعها.

وقال أبو مسلم: المرادوخلق من جنسها زوجها لقوله ﴿ جعل لكم من أنفسكم أزواجاً  ﴾ ولأنه  قادر على خلق حواء من التراب فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم؟

والجواب أن الأمر لو كان كما ذكره أبو مسلم لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة وهو خلاف النص وخلاف ما روي عن النبي  " "أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها" احتج جمع من الطبائعيين بالآية على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة، وإن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال.

والجواب أنه لا يلزم من إحداث شيء في صورة واحدة من المادة لحكمة أن يتوقف الإحداث على المادة في جميع الصور.

قال في الكشاف: قوله: ﴿ وخلق منها ﴾ معطوف على محذوف أي أنشأها وخلق منها، أو معطوف على ﴿ خلقكم ﴾ والخطاب للذين بحضرة رسول الله  أي خلقكم من نفس آدم لأنهم من جنس المفرع منه، وخلق منها أمكم حواء ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾ غيركم من الأمم الفائتة للحصر.

أقول: وإنما التزم الإضمار في الأول والتخصيص في الثاني دفعاً للتكرار، ولا تكرار بالحقيقة إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس خلق زوجها منه ولا خلق الرجال والنساء من الأصلين جميعاً.

نعم لو كان المراد بقوله: ﴿ وخلق منها ﴾ إلى آخره بيان الخلق الأول وتفصيله، لكان الأولى عدم دخول الواو إلا أن المراد وصف ذاته  بالأوصاف الثلاثة جميعاً من غير ترتيب يستفاد من النسق وإلا كان الأنسب أن يقال: "فبث" بالفاء.

فدل العطف بالواو في الجميع على أن المراد هو ما ذكرنا، وأن / التفصيل والترتيب موكول إلى قضية العقل فافهم والله تعالى أعلم.

ومعنى بث فرق ونشر.

وإنما خص وصف الكثرة بالرجال اعتماداً على الفهم، ولأن شهرة الرجال أتم فكانت كثرتهم أظهر.

وفيه تنبيه على أن اللائق بحال الرجال والاشتهار والخروج، واللائق بحال النسوان الاختفاء والخمول.

وإنما يقل الرجال والنساء معرفتين لئلا يلزم كونهما مبثوثين من نفسهما، ثم إن هذا البث معناه محمول على ظاهره عند من يرى أن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر مجتمعين في صلب آدم، وأما عند من ينكر ذلك فالمراد أنه بث منهما أولادهما، ومن أولادهما جمعاً آخرين وهلم جراً، فأضيف الكل إليهما على سبيل المجاز.

﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾ من قرأ بالنصب فللعطف على اسم الله أي واتقوا حق الأرحام فلا تقطعوها وهو اختيار أكثر الأئمة كمجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج.

وأما للعطف على محل الجار والمجرور كقوله: فلسنا بالجبال ولا الحديدا *** وهو اختيار أبى علي الفارسي وعلي بن عيسى.

وقيل: منصوب الإغراء أي والأرحام فاحفظوها وصلوها.

ومن قرأ بالجر فلأجل العطف على الضمير المجرور في ﴿ به ﴾ وهذا وإن كان مستنكراً عند النحاة بدون إعادة الخافض لأن الضمير المتصل من تتمة ما قبله ولا سيما المجرور فأشبه العطف على بعض الكلمة، إلا أن قراءة حمزة مما ثبت بالتواتر عن رسول الله  فلا يجوز الطعن فيها لقياسات نحوية واهية كبيت العنكبوت.

وقد طعن الزجاج فيها من جهة أخرى وهي أنها تقتضي جواز الحلف بالأرحام وقد قال النبي  : " "لا تحلفوا بآبائكم" والجواب أن المنهي عنه هو الحلف بالآباء وههنا حلف أولاً بالله ثم قرن به الرحم فأين أحدهما من الآخر؟

ولئن سلمنا أن الحلف بالرحم أيضاً منهي عنه لكن لا نسلم أنه منهي عنه مطلقاً، وإنما المنهي عنه ما حلف به على سبيل التعظيم، وأما الحلف بطريق التأكيد فلا بأس بها، ولهذا جاء في الحديث "أفلح وأبيه إن صدق" سلمنا أنها منهي عنها مطلقاً لكن المراد ههنا حكاية ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من قولهم في الاستعطاف والتساؤل وهو سؤال البعض البعض: أسألك بالله وبالرحم، وأنشدك الله والرحم.

وقرىء ﴿ والأرحام ﴾ بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف أي والأرحام كذلك أي أنها مما يتقى ويتساءل به.

فإن قيل: لم قال أولاً ﴿ اتقوا ربكم ﴾ ثم قال بعده ﴿ وااتقوا الله ﴾ ؟

قلنا: أما تكرار الأمر فللتأكيد كقولك للرجل: عجل عجل.

وأما تخصيص الرب بالأول والله بالثاني فلأن الغرض في الأول الترغيب بتذكير النعمة والإحسان والتربية، وفي الثاني الترهيب.

ولفظ الله يدل على كمال القدرة والقهر فكأنه قيل: إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته وإلا فإنه شديد العقاب فاتق سخطه.

قال العلماء: في الآية دليل على جواز المسألة بالله.

روى مجاهد عن عمر قال: قال رسول الله  : " "من سألكم بالله فأعطوه" .

وعن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله  بسبع..." منها إبرار القسم.

ولا يخفى ما في الآية من تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها حيث قرن الأرحام باسمه، وقال في سورة البقرة: ﴿ لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى  ﴾ وعن عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله  يقول: قال الله عز وجل: "أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته" وفي الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله  : "الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله" .

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص سمعت رسول الله  يقول: " "ليس الواصل بالمكافىء الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها" عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله  : " الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة " .

فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها، فلهذا بنى أصحاب أبي حنيفة على هذا الأصل مسألتين: إحداهما أن الرجل إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والأخت والعم والخال لأنه لو بقي الملك حل الاستخدام بالإجماع، لكن الاستخدام إيحاش وقطيعة رحم.

والثانية أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها حذراً من / الإيحاش والقطيعة.

ثم إنه ختم الآية بما يتضمن الوعد والوعيد فقال: ﴿ إن الله كان عليكم رقيباً ﴾ مراقباً يحفظ عليكم جميع أعمالكم فيجازيكم بحسبها.

ثم إنه  بعد تقديم موجبات الشفقة على الضعفة ومن له رحم ماسة قال ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وأصل اليتيم الانفراد ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة.

فاليتامى هم الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم.

فاليتيم لغة يتناول الصغير والكبير إلا أنه في عرف الشرع اختص بالذي لم يبلغ الحلم.

قال  : " لا يتم بعد الحلم" .

والمراد أنه إذا احتلم لا تجري عليه أحكام الصغار لأنه في تحصيل مصالحه يستغني بنفسه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره.

فإن قيل: إذا كان اسم اليتيم في الشرع مختصاً بالصغير فما دام يتيماً لا يجوز دفع أمواله إليه، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيماً فكيف قال: ﴿ وآتوا التيامى أموالكم ﴾ ؟

ففي الجواب طريقان: أحدهما أن المراد باليتامى الكبار البالغون، سماهم بذلك على مقتضى اللغة أو لقرب عهدهم باليتم كقوله: ﴿ فألقى السحرة ساجدين  ﴾ أي الذين كانوا سحرة قبل السجود.

ويؤكد هذا الطريق قوله فيما بعد ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ والإشهاد لا يصح قبل البلوغ بل إنما يصح بعد البلوغ.

وقال  : " تستأمر اليتيمة في نفسها " ولا تستأمر إلا وهي بالغة.

وعلى هذا يكون في الآية إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عند حد البلوغ ولا يمطلوا إن أونس منهم الرشد، وأن لا يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار، ويوافقه ما رواه مقاتل والكلبي أنها نزلت "في رجل من غطفان كان معه مال كثير لأبن أخ يتيم.

فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى رسول الله  فنزلت الآية.

فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله.

فقال النبي  : من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره - يعني جنته -.

فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله فقال النبي  : ثبت الأجر وبقي الوزر.

فقالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بيقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟

فقال: ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده" .

قيل: لأنه كان مشركاً.

الطريق الثاني أن المراد بهم الصغار أي الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتيم أموالهم، وآتوهم من أموالهم ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم، والخطاب للأولياء والأوصياء.

﴿ ولا / تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ قال الفراء والزجاج: أي لا تستبدلوا الحرام - وهو مال اليتامى - بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه.

والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز كالتعجل بمعنى الاستعجال والتأخر بمعنى الاستئخار، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث - وهو اختزال أموال اليتامى والاعتزال عنها حتى تتلف - بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها.

وقال كثير من المفسرين: هذا التبدل هو أن يأخذ الجيد من مال اليتيم ويجعل مكانه الرديء، قال صاحب الكشاف: هذا ليس بتبدل وإنما هو تبديل.

يريد أن الباء في بدل تدخل على المأخوذ، وفي تبدل على المعطى.

ولما كان المأخوذ الطيب كان تبديلاً.

ثم وجهه بأنه لعله يكارم صديقاً له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي فيكون الباء في موضعه.

وقيل: معنى الآية أن يأكل مال اليتيم سلفاً مع التزام بدلة بعد ذلك فيكون متبدلاً الخبيث بالطيب.

﴿ ولا تأكلوا أموالهم ﴾ منضمة ﴿ إلى أموالكم ﴾ وفي الانفاق تسوية بين المالين في الحل ﴿ إنه ﴾ أي الأكل ﴿ كان حوباً كبيراً ﴾ ذنباً عظيماً.

والحاب مثله، والتركيب يدور على الضعف، والمراد بالأكل مطلق التصرف إلا أنه خص بالذكر لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف.

وقيل: "إلى" ههنا بمعنى "مع" والفائدة في زيادة قوله: ﴿ إلى أموالكم ﴾ أكل أموال اليتامى محرم على الإطلاق زيادة التقبيح والتوبيخ لأنهم إذا كانوا مستغنين عنها بما لهم من المال الحلال ومع ذلك طمعوا في مال اليتيم كانوا بالذم أحرى، ولأنهم كانوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم.

﴿ وإن خفتم ألاتقسطوا ﴾ أقسط الرجل عدل وقسط جار.

وقال الزجاج: أصلهما جميعاً من القسط وهو النصيب.

فإذا قالوا قسط فمعناه ظلم صاحبه في قسطه من قولهم: قاسطته فقسطته أي غلبته على قسطه.

وإذا قالوا أقسط بالهمز فمعناه صار ذا قسط مثل أنصف إذا أتى بالنصف فيلزمه العدالة والتسوية.

واعلم أن قوله: ﴿ وإن خفتم ﴾ شرط وقوله: ﴿ فانكحوا ﴾ جواب له.

ولا بد من بيان أن هذا الجزاء كيف يتعلق بهذا الشرط وللمفسرين فيه وجوه: الأول ما روي عن عروة "أنه قال: قلت لعائشة: ما معنى قول الله  : ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ﴾ فقالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب الرجل في مالها وجمالها إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها.

ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة ردية لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها.

فقال  وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا غيرهن ما طاب لكم من العدد.

قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله  بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله  ﴿ يستفتونك في النساء  ﴾ الآية." فقوله فيها: ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب / في يتامى النساء  ﴾ المراد منه هذه الآية وهي قوله: ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾ .

وعبر في الكشاف عن هذه الرواية بعبارة أخرى وهي: كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال أو يكون وليها فيتزوجها ضناً بها عن غيره، فربما اجتمعت عنده عشر منهن فيخاف لضعفهن وفقد من يغضب لهن أن يظلمهن حقوقهن ويفرط فيما يجب لهن فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ﴿ ما طاب لكم ﴾ .

الثاني وهو قول سعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي منقولاً عن ابن عباس: لما نزلت الآية المتقدمة وما في أكل أموال اليتامى من الحوب الكبير، خاف الأولياء لحوق الحوب فتحرجوا من ولاية اليتامى.

وكان الرجل منهم ربما كانت تحته العشر من الأزواج وأكثر فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهم فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فكونوا خائفين من ترك العدل بين النساء لأنهن كالتيامى في تعجيز والضعف، فقللوا عدد المنكوحات لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فكأنه غير متحرج.

الثالث: كانوا لا يتحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم ذلك فكونوا خائفين من الزنا أيضاً وانكحوا ما حل لكم من النساء.

الرابع روي عن عكرمة كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام فإذا أنفق مال نفسه على النسوة أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن.

فقيل: إن خفتم أن تظلموا اليتامى بأكل أموالهم عند كثرة الزوجات فقد حظرت لكم أن تنكحوا أكثر من أربع ليزول هذا الخوف، فإن خفتم في الأربع أيضاً فواحدة، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع والناقص وهو الواحدة، ونبه بذلك على ما بينهما فكأنه قيل: إن خفتم الأربع فثلاثاً وإن خفتم فاثنتين وإن خفتم فواحدة.

قال الظاهريون: النكاح واجب لقوله: ﴿ فانكحوا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب.

وعورض بقوله  : ﴿ ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم  ﴾ ولو سلم فالوجوب بحالة الخوف فلا يلزم منه الوجوب على الإطلاق وأيضاً الآية سيقت لبيان وجوب تقليل الأزواج لا لأصل الوجوب وإنما قال: ﴿ ما طاب ﴾ ولم يقل من طاب لأنه أراد به الجنس.

تقول: ما عندك؟

فيقال: رجل أو امرأة.

تريد ما ذلك الشيء الذي عندك أو ما تلك الحقيقة.

ولأن الإناث من العقلاء تنزل منزلة غير العقلاء ومنه قوله  : ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ ولأن "ما" و"من" يتعاقبان.

قال  ﴿ والسماء وما بناها  ﴾ ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ {النور:45].

قال المفسرون: معنى ﴿ ما طاب لكم ﴾ أي ما حل لكم من النساء لأن فيهن من يحرم نكاحها كما سيجيء.

واعترض عليه الإمام بأن قوله: ﴿ فانكحوا ﴾ أمر إباحة فيؤول المعنى إلى قوله: أبحت لكم نكاح من هي مباحة لكم وهذا كلام مستدرك سلمناه، لكن الآية تصير مجملة لأن أسباب الحل والإباحة غير مذكورة في هذه الآية.

وإذا حملنا الطيب / عن استطابة النفس وميل القلب كانت الآية عامة دخلها التخصيص وأنه أولى من الإجمال عند التعارض لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجمل لا يكون حجة أصلاً، والجواب عن الأول أن ذكر الشيء ضمناً ثم صريحاً لا يعد تكراراً بدليل قوله: ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ } [البقرة:57] وعن الثاني أن قوله: ﴿ ما طاب لكم ﴾ بمعنى ما حل لكم إذا كان إشارة إلى ما بقي بعد ما أخرجته آية التحريم فلا إجمال.

وأما قوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ ولم يوجد في كلام الفصحاء إلا هذه، وأحاد وموحد وجوّزوا إلى عشار ومعشر قياساً على قول الكميت: ولم يستر يثوك حتى رميت *** فوق الرجال خصالاً عشارا فاتفق النحويون على أن فيها عدلاً محققاً.

وذلك أن فائدتها تقسيم أمر ذي أجزاء على عدد معين، ولفظ المقسوم عليه في غير العدد مكرر على الإطراد في كلام العرب نحو: قرأت الكتاب جزءاً جزءاً، وجاءني القوم رجلاً رجلاً وجماعة جماعة.

وكان القياس في باب العدد أيضاً التكرير عملاً بالاستقراء وإلحاقاً للفرد المتنازع فيه بالأعم الأغلب، فلما وجد ثلاث مثلاً غير مكرر لفظاً حكم بأن أصله لفظ مكرر وليس إلأ ثلاثة ثلاثة.

فعند سيبويه منع صرف مثل هذا للعدل والوصف الأصلي، فإن هذا التركيب لم يستعمل إلا وصفاً بخلاف المعدول عنه.

وقيل: إن فيه عدلاً مكرراً من حيث اللفظ لأن أصله كان ثلاثة ثلاثة مرتين فعدل إلى واحد ثم إلى لفظ ثلاث أو مثلث.

وقيل: إن فيه العدل والتعريف إذ لا يدخله اللام خلافاً لما في الكشاف.

وإذا جرى على النكرة فمحمول على البدل، وضعف بعدم جريانه على المعارف ولوقوعه حالاً.

فمعنى الآية فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثاً وثلاثاً وأربعاً أربعاً، فإن خفتم أن لا تعدلوا بين هذه الأعداد فواحدة.

فمن قرأ بالنصب أراد: فاختاروا أو انكحوا أو الزموا واحدة، ومن قرأ بالرفع أراد: فكفت واحدة أو فحسبكم واحدة وذروا الجمع رأساً فإن الأمر كله يدور مع العدل فأينما وجدتموه فعليكم به.

ثم قال: ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ فسوّى في السهولة بين الحرة الواحدة وبين ما شاء من الإماءة لأنهن أقل تبعة وأخف مؤنة من المهائر لا على المرء أكثر منهن أو أقل، عدل بينهن في القسم أم لم يعدل، عزل عنهن أم لم يعزل، ولما كانت التسوية بينها وبينهن احتج بها الشافعي في بيان أن نوافل العبادات أفضل من النكاح وذلك للإجماع على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري، فوجب أن يكون أفضل من النكاح لأن الزائد على أحد المتساويين يكون زائداً على المساوي الآخر، ولمانع أن يمنع التسوية فإن قول الطبيب مثلاً / للمريض: كل التفاح أو الرمان يحتمل أن يكون للتسوية بينهما وقد يكون للمقاربة أي إن لم تجد التفاح فكل الرمان فإنه قريب منه في دفع الحاجة للضرورة، ومع وجود هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال على أن فضل الحرة على الأمة معلوم شرعاً وعقلاً.

وههنا مسألتان: الأولى أكثر الفقهاء على أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد، لأن هذا الخطاب إنما يتناول إنساناً متى طابت له امرأة قدر على نكاحها والعبد ليس كذلك لأنه لا يمكن من النكاح إلا بإذن مولاه.

وأيضاً إنه قال بعد ذلك ﴿ فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ﴾ وهذا لا يكون إلا للأحرار، فكذا الخطاب الأوّل لأن هذه الخطابات وردت متتالية على نسق واحد فيبعد أن يدخل التقييد في اللاحق دون السابق.

وكذا قوله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ والعبد لا يأكل فيكون لسيده.

وقال مالك: يحل للعبد أن يتزوج بالأربع تمسكاً بظاهر الآية.

ومن الفقهاء من سلم أن ظاهر الآية يتناول العبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس.

قالوا: أجمعنا على أن الرق له تأثير في نقصان حقوق النكاح كالطلاق والعدة، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر.

الثانية ذهب جماعة إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد لأن قوله: ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ إطلاق في جميع الأعداد لصحة استثناء كل عدد منه، وقوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ لا يصلح مخصصاً لذلك العموم لأن تخصيص بعض الأعداد بالذكر لا ينافي ثبوت الحكم في الباقي، بل نقول: ذكرها يدل على نفي الحرج والحجر مطلقاً، فإن من قال لولده افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدرسة وإلى البستان كان تصريحاً في أن زمام الاختيار بيده ولا يكون تخصيصاً.

وايضاً ذكر جميع الأعداد متعذر، فذكر بعضها تنبيه على حصول الإذن في جميعها.

ولئن سلمنا لكن الواو للجمع المطلق فيفيد الإذن في جمع تسعة بل ثمانية عشر لتضعيف كل منها.

وأما السنة فلما ثبت بالتواتر أنه  مات عن تسع وقد أمرنا باتباعه في قوله: ﴿ فاتبعوه  ﴾ وأقل مراتب الأمر الإباحة، وقد قال  " "فمن رغب عن سنتي فليس مني" والمعتمد عند الجمهور في جوابهم أمران: أحدهما الخبر كنحو ما روي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال  : " أمسك أربعاً وفارق واحدة" وزيف بأن القرآن دل على عدم الحصر، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز، وبأن الأمر بمفارقة الزائدة قد يكون لمانع النسب أو الرضاع.

وأقول: إن القرآن لم / يدل على عدم الحصر، غايته أنه لم يدل على الحصر فيكون مجملاً.

وبيان المجمل بخبر الواحد جائز, وأيضاً قوله "أمسك أربعاً" على الإطلاق وكذا "فارق واحدة" دليل على أن المانع هو الزيادة على الأربع لا غيرها، وكذا في نظائر هذا الحديث.

وثانيهما إجماع فقهاء الأمصار.

وضعف بأن الإجماع مع وجود المخالف لا ينعقد، وبتقدير التسليم فإن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به.

والجواب أن المخالف إذا كان شاذاً فلا يعبأ به، والقرآن لم يدل على عدم الحصر حتى يلزم نسخ الإجماع إياه ولكن الإجماع دل على وجود مبين في زمان الرسول  .

ولئن سلم أن القرآن دل على عدم الحصر فالإجماع يكشف عن وجود ناسخ في عهده وذلك جائز بالاتفاق.

لا يقال: فعلى تقدير الحصر كان ينبغي أن يقال مثنى أو ثلاث أو رباع بأو الفاصلة، لأنا نقول: يلزم حينئذٍ أن لا يجوز النكاح إلا على أحد هذه الأقسام، فلا يجوز لبعضهم أن يأتي بالتثنية، ولفريق ثان بالتثليث، والآخرين بالتربيع، فيذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو.

﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ أي اختيار الواحدة أو التسري أقرب من أن لا تميلوا أو لا تجوروا.

وكلا اللفظين مروي عن عائشة عن النبي  من قولهم: عال الميزان عولاً إذا مال.

وعال الحاكم في حكمه إذا جار.

ومنه عالت الفريضة إذا زادت سهامها.

وفيه الميل عن الاعتدال.

وقيل: معناه أن لا تفتقروا.

ورجل عائل أي فقير وذلك أنه إذا قل عياله قلت نفقاته فلم يفتقر.

ونقل عن الشافعي أنه قال: معناه أن لا تكثروا عيالكم.

وطعن فيه بعض القاصرين بأن هذا في اللغة معنى "تعيلوا" لا معنى "تعولوا" يقال: أعال الرجل إذا كثر عياله.

ومنه قراءة طاوس ﴿ أن لا تعيلوا ﴾ وأيضاً إنه لا يناسب أول الآية ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾ وأيضاً هب أنه يقل العيال في اختيار الحرة الواحدة، فكيف يقل عند اختيار التسري ولا حصر لهن؟

والجواب عن الأوّل أن الشافعي لم يذهب إلى تفسير اللغة وإنما زعم أنه  أشار إلى الشيء بذكر لازمه أي جعل الميل والجور كناية عن كثرة العيال، لأن كثرة العيال لا تنفك عن الميل والجور.

وقرر الكناية في الكشاف على وجه آخر، وهو أنه جعل قوله  : ﴿ أن لا تعولوا ﴾ من عال الرجل عياله يعولهم كقولك: مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم.

ولا شك أن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما تصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال.

فالحاصل أنه ذكر اللازم وهو الإنفاق وأراد الملزوم وهو كثرة العيال.

والحاصل على ما قلنا أنه ذكر اللازم وهو الميل والجور وأراد الملزوم وهو كثرة العيال.

والجواب عن الثاني أن حمل الكلام على ما لا يلزم منه تكرار أولي وبتقدير التسليم فتفسير الشافعي أيضاً يؤل إلى تفسير الجمهور لكن بطريق الكناية كما قررنا.

وعن الثالث أن / الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب فينفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضاً فكأنه لا عيال.

وأيضاً إذا عجز المولى باعهن وتخلّص منهن بخلاف المهائر فإن الخلاص عنهن يفتقر إلى تسليم المهر إليهن.

وقال في الكشاف: العزل عن السراري جائز بغير إذنهن فكن مظان قلة الولد بالإضافة إلى التزوج.

﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ أي مهورهن.

والخطاب للأزواج وهو قول علقمة وقتادة والنخعي واختيار الزجاج لأن ما قبله خطاب للناكحين.

وقيل: خطاب للأولياء لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي البنات من مهورهن شيئاً، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له ابنة: هينئاً لك النافجة - يعنون أنك تأخذ مهرها إبلاً فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه.

وقال ابن الأعرابي: النافجة ما يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته.

فنهى الله عن ذلك وأمر بدفع الحق إلى أهله، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة.

قال القفال: يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة فيكونوا قد أمروا بدفع المهور التي سموها لهن، ويحتمل أن يراد الالتزام كقوله: ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يد  ﴾ أي حتى يضمنوها ويلتزموها.

فيكون المعنى أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلتزم سواء سمي ذلك أو لم يسم إلا ما خص به الرسول  من الموهوبة.

قال: ويجوز أن يراد الوجهان جميعاً.

أما قوله نحلة فقد قال ابن عباس وقتادة ابن جريج وابن زيد: أي شريعة وديانة.

فيكون مفعولاً له، أو حالاً من الصدقات أي ديناً من الله شرعه وفرضه.

وقال الكلبي: أي عطية وهبة فيكون نصباً على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، أو الحال على من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء من غير مطالبة منهن، لأن ما يؤخذ بالمطالبة لا يسمى نحلة، أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيب نفس، وإنما سميت عطية من الزوج لأن الزوج لا يملك بدله شيئاً، لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله.

وإنما الذي استحقه الزوج هو الاستباحة لا الملك.

والنحلة العطية من غير بدل.

وقال قوم: إن الله  جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركاً بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر وكان ذلك عطية من الله  ابتداء.

ثم لما أمرهم بإيتاء الصدقات أباح لهم جواز قبول إبرائها وهبتها.

وانتصب ﴿ نفساً ﴾ على التمييز وإنما وحد لأنه لا يلبس أن النفس لهن لأنهن أنفس ولو جمعت لجاز، والضمير في ﴿ منه ﴾ للصداق أو للمذكور في قوله: ﴿ طبن ﴾ وبناء الكلام على الإبهام ثم التمييز دون أن يقول سمحن أو وهبن.

وفي قوله: ﴿ عن شيء منه ﴾ دون أن يقول عنه تنبيه على أن قبول ذلك إنما يحل إذا طابت نفوسهن بالهبة من غير اضطرار وسوء معاشرة من الزوج يحملهن على ذلك وبعث لهن على تقليل الموهوب، / ولهذا ذكر الضمير في ﴿ منه ﴾ لينصرف إلى الصداق الواحد فيكون متناولاً بعضه، ولو أنث لتناول ظاهرة هبة الصداق كله لأن بعض الصدقات واحدة منها أو أكثر.

ومن هذا التقرير يظهر أن "من" في قوله: ﴿ منه ﴾ للتبعيض إخراجاً للكلام مخرج الغالب مع فائدة البحث المذكور لأنه لا يجوز هبة كل الصداق إذا طابت نفسها عن المهر بالكلية، ومن غفل عن هذه الدقيقة زعم أن "من" للتبيين والمعنى عن شيء هو هذا الجنس يعني الصداق.

﴿ فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه.

وقيل: الهنيء ما يستلذه الآكل، والمريء ما تحمد عاقبته.

وقيل: هو ما ينساغ في مجراه ومنه يقال: المريء لمجرى الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة.

وقيل: أصله من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران.

فالهنيء شفاء من الجرب.

وبالجملة فهو عبارة عن التحلل أو المبالغة في إزالة التبعة في الدنيا والآخرة.

وهما صفتان للمصدر أي أكلاً هنياً مريئاً، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء.

وقد يوقف على قوله: ﴿ فكلوه ﴾ ويبتدأ ﴿ هنيئاً مريئاً ﴾ على الدعاء أو على أنهما قاما مقام مصدريهما أي هنأ مرأ.

والمراد بالأكل التصرف الشامل للعين والدين.

قال بعض العلماء: إن وهبت ثم طلبت علم أنها لم تطب عنه نفساً.

وعن عمر أنه كتب إلى قضاته أن النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها.

وعن ابن عباس "أن رسول الله  سئل عن هذه الآية فقال: إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهه لا يقضي به عليكم سلطان ولا يؤاخذكم الله به في الآخرة" .

ثم إنه  لما أمر بإيتاء اليتامى أموالهم ويدفع صدقات النساء إليهن، استثنى منهم خفاف الأحلام وإن بلغوا أوان التكليف فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ أكثر العلماء على أن هذا الخطاب للأولياء.

فورد أن الأنسب أن لو قيل لأموالهم.

وأجيب بأنه إنما حسنت إضافة الأموال إلى المخاطبين إجراء للوحدة النوعية مجرى الوحدة الشخصية كقوله: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم  ﴾ ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه ولكن كان بعضهم يقتل بعضاً فقيل: "أنفسكم" لأن الكل من نوع واحد فكذا هنا المال شيء ينتفع به الإنسان ويحتاج إليه، فلهذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم، ويحتمل أن يضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه بل لأنهم ملكوا التصرف فيه، ويكفي في حسن الإضافة أدنى سبب.

وقيل: خطاب للآباء نهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم سفهاء أن يدفعوا أموالهم أو بعضها إليهم.

فعلى هذا تكون إضافة الأموال إليهم حقيقة.

والغرض الحث على حفظ المال وأنه إذا قرب أجله يجب عليه أن يوصي بماله إلى أمين يحفظه على ورثته.

وقد يرجح القول بأن ظاهر النهي للتحريم، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله.

وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السفهاء أموالهم، وأيضاً قوله: ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ هذه الأوامر تناسب حال الأولياء لا الآباء.

وأقول: لا يبعد حمل الآية على كلا القولين، لأن الإضافة في أموالكم لا تفيد إلا الاختصاص سواء كان اختصاص الملكية أو اختصاص التصرف.

واختلفوا في السفهاء فعن مجاهد والضحاك أنها النساء أزواجاً كن أو أمهات أو بنات، وهو مذهب ابن عمرو يدل عليه ما روى أبو أمامة عن النبي  : "ألا إنما خلقت النار للسفهاء" يقولها ثلاثاً.

وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيمها.

وقد جمع فعيلة على فعلاء كفقيرة وفقراء.

وقال الزهري وابن زيد: هم الأولاد الخفاف العقول.

وعن ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحداً منهما على ماله.

والصحيح أن المراد بالسفهاء كل من ليس له عقل يفي بحفظ المال ولا يد له بإصلاحه وتثميره والتصرف فيه، ويدخل فيه النساء والصبيان والأيتام والفساق وغيرهم مما لا وزن لهم عند أهل الدين والعلم بمصالح الدارين، فيضع المال فيما لا ينبغي ويفسده.

ومعنى ﴿ جعل الله لكم قياماً ﴾ أنه لا يحصل قيامكم وانتعاشكم إلا به.

سماه بالقيام إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.

ومن قرأ ﴿ قيماً ﴾ فعلى حذف الألف من ﴿ قياماً ﴾ وهو مصدر قام وأصله قوام قلبت الواو ياء لإعلال فعله.

فإن لم يكن مصدراً لم يعل كقوام لما يقام به.

وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالاً يحاسبني الله عليه خير من أحتاج إلى الناس.

وقال عبد الله بن عباس: الدراهم والدنيانير خواتيم الله في الأرض لا تؤكل ولا تشرب حيث قصدت بها قضيت حاجتك.

وقال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حمداً ومجداً فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال.

وقيل لأبي الزناد: لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟

قال: هي وإن أدنتني فقد صانتني عنها.

وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه.

وربما رأوا رجلاً في تشييع جنازة فقالوا له: اذهب إلى مكانك.

وقال بعض الحكماء: من أضاع ماله فقد ضارّ الأكرمين: الدين العرض.

وفي منثور الحكم: من استغنى كرم على أهله.

وفيه: الفقر مخذلة، والغنى مجدلة، والبؤس مرذلة، والسؤال مبذلة.

وكان يقال: الدراهم مراهم لأنها تداوي كل جرح ويطيب بها كل صلح.

وقال أبو العتاهية: أجلك قوم حين صرت إلى الغنى *** وكل غني في العيون جليل إذا مالت الدنيا على المرء رغبت *** إليه ومال الناس حيث تميل وليس الغنى إلا غنى زين الفتى *** عشية يقرى أو غداة ينيل وقد اختلف أقوال الناس في تفضيل الغنى والفقر مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم.

فذهب قوم إلى تفضيل الغنى على الفقر، لأن الغني مقتدر والفقير عاجز والقدرة أفضل من العجز.

وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة.

وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر على الغنى، لأن الفقير تارك والغنى ملابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها وهذا قول من غلب عليه حب السلامة.

وقال الباقون: خير الأمر أوساطها، والفضل للاعتدال بين الفقر والغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين، ويسلم من مذمة الحالين.

ومن كلفته النفس فوق كفافها *** فما ينقضي حتى الممات عناؤه والحاصل أن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بمصالح الدارين، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال، فبذلك يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار ولهذا رغب الله  في حفظه ههنا.

وفي آية المداينة حيث أمر بالكتاب والشهادة والرهان المقبوضة، فمن أراد الدنيا لهذا الغرض فنعمت المعونة هي، ومن أرادها لعينها فيا لها من حسرة وندامة.

ثم إنه  أمر بعد ذلك بثلاثة أشياء وذلك قوله: ﴿ وارزقوهم فيها ﴾ وإنما لم يقل"منها" كيلا يكون أمراً بجعل بعض أموالهم رزقاً لهم فيأكلها الإنفاق، بل أمر بأن يجعلوها مكاناً لرزقهم بأن يتجروا فيها ويربحوها حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من أصول الأموال وصلبها ﴿ واكسوهم ﴾ كل من الرزق والكسوة بحسب المصلحة وكما يليق بحال أمثالهم ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ قال ابن جريج ومجاهد: هو عدة جميلة من البر والصلة.

وقال ابن عباس: هو مثل أن يقول: إذا ربحت في سفري هذا فعلت بك ما أنت أهله، وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً.

وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن وجبت نفقته عليك فقل: عافانا الله وإياك وبارك الله فيك.

وقال الزجاج: علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم بما يتعلق بالعلم والعمل.

وقال القفال: إن كان صبياً فالوالي يعرّفه أن المال ماله وأنه إذا زال صباه فإن يرّد المال إليه كقوله: ﴿ فأما اليتيم فلا تقهر  ﴾ أي لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد وإن كان سفيهاً، وعظه ونصحه وحثه على الصلاة وعرفه أن عاقبة الإسراف فقر واحتياج.

وبالجملة فكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنة عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل فهو معروف، وما نفرت من لقبحه فمنكر، ثم بيّن أن السفهاء متى يؤتون أموالهم فشرط في ذلك شرطين: أحدهما بلوغ النكاح والثاني إيناس / الرشد منهم.

فبلوغ النكاح أن يحتمل لأنه يصلح للنكاح عنده، ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد ومناط الاحتلام خروج المني، ويدخل وقت إمكانه باستكمال تسع سنين قمرية أو يبلغ خمس عشرة سنة تامة قمرية عند الشافعي، وثماني عشرة عند أبي حنيفة.

وهذان مشتركان بين الغلام والجارية ولها أمارتان أخريان: الحيض أو الحبل، ولطفل الكفار أمارة زائدة هي إنبات الشعر الخشن على العانة.

وأما الإيناس ففي اللغة الإبصار.

والمراد في الآية التبين والعرفان.

والرشد خلاف الغيّ.

ومعنى قوله: ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ اختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل البلوغ، ومن هنا قال أبو حنيفة: تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة لأن الابتلاء المأمور به قبل بلوغهم إنما يحصل إذا إذن له في البيع والشراء.

وقال الشافعي: الابتلاء قبل البلوغ لا يقتضي الإذن في التصرف لأن الإذن يتوقف على دفع المال إليهم، ولكن لا يصح دفع المال إليهم لأنه موقوف على الشرطين.

بل المراد بالابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله حسبما يليق بكل طائفة.

فولد التاجر يختبر في البيع والشراء بحضوره، ثم باستكشاف ذلك البيع والشراء منه وما فيهما من المصالح والمفاسد.

وقد يدفع إليه شيئاً ليبيع أو يشتري فيعرف بذلك مقدار فهمه وعقله، ثم الولي بعد ذلك يتم العقد لو أراد.

وولد الزارع يختبر في أمر المزارعة والإنفاق على القوّام بها، وولد المحترف فيما يتعلق بحرفته، والمرأة في أمر القطن والغزل وحفظ الأقمشة وصون الأطعمة عن الهرة والفأرة وما أشبهها.

ولا يكفي المرة الواحدة في الاختبار بل لا بد من مرتين وأكثر على ما يليق بالحال ويفيد غلبة الظن أنه رشد نوعاً من الرشد يختص بحاله، لا الرشد من جميع الوجوه وعلى أكمل ما يمكن ولهذا ورد منكراً.

وقد ظهر مما ذكرنا أنه لا بد بعد البلوغ من الرشد فيما يتعلق بصلاح ماله بحيث لا يقدر الغير على خديعته.

ثم إن أبا حنيفة قال: إذا بلغ مهتدياً إلى وجوه مصالح الدنيا فهو رشيد يدفع إليه ماله.

وقال الشافعي: لا بد مع ذلك من الاهتداء لمصالح الدين، فإن الفاسق لا يخلو من إتلاف المال في الوجوه الفاسدة المحرمة، وقد نفى الله  الرشد عن فرعون في قوله ﴿ وما أمر فرعون برشيد  ﴾ مع أنه كان يراعي مصالح الدنيا.

ويتفرع على القولين أن الشافعي يرى الحجر على الفاسق وأبا حنيفة لا يراه.

ثم إنه إذا بلغ غير رشيد واستمر على ذلك لم يدفع إليه ماله بالاتفاق إلى خمس وعشرين سنة، وفيما وراء ذلك خلاف.

فعند أصحاب أبي حنيفة وعند الشافعي لا يدفع إليه أبداً إلا بإيناس الرشد كما هو مقتضى الآية.

وعند أبي حنيفة يدفع لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة، فإيذا زادت عليها سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لقوله  : "مروهم بالصلاة لسبع" دفع إليه ماله، أونس منه رشد أو لم يؤنس.

ثم قال: ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ﴾ مصدران في موضع الحال أي مسرفين ومبادرين كبرهم، أو مفعول لهما أي لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم، والإسراف التبذير ضد القصد والإمساك.

والكبر في السن وقد كبر الرجل بالكسر يكبر بالفتح كبراً أي أسن، وكبر بالضم يكبر كبراً وكبارة أي عظم.

نهاهم عن الإفراط في الإنفاق كما يشتهون قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيديهم ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ﴾ فليمتنع منه وليتركه.

وفي السين زيادة مبالغة كأنه طلب مزيد العفة ﴿ ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ وللعلماء خلاف في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم؟

قال الشافعي: له أن يأخذ قدر ما يحتاج إليه وبقدر أجرة عمله، لأن النهي في الآية عن الإسراف مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة، ولا سيما إذا كان فقيراً، ولما روي عن النبي  "أن رجلاً قال له: إن في حجري يتيماً أفآكل من ماله؟

قال: بالمعروف غير متأثل مالاً ولا واق مالك بماله.

قال: أفأضربه؟

قال: مما كنت ضارباً منه ولدك" وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف: سلام عليكم.

أما بعد فإني قد رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار، وربعها لعبد الله بن مسعود، وربعها لعثمان ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله منزلة والي مال اليتيم، ﴿ من كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ .

وأيضاً قياساً على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها فإنه يضرب له في تلك الصدقات بسهم، فكذا هنا.

وعن سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه قرضاً، ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه.

وأكثر العلماء على أن هذا الافتراض إنما جاء في أصول الأموال من الذهب والفضة وغيرهما.

وأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب فمباح له إذا كان غير مضر بالمال.

وقال أبو بكر الرازي: الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذه لا على سبيل القرض ولا على سبيل الابتداء، سواء كان غنياً أو فقيراً، واحتج بقوله  ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وأجيب بأنها عامة.

وقوله: ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ خاص والخاص مقدم على العام.

قال: ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ وأجيب بأن محل النزاع هو أن أكل الوصي مال اليتيم ظلم أو لا؟

قال: ﴿ وأن تقوموا لليتامى بالقسط ﴾ وهو أيضاً عين النزاع.

ثم اعلم أن الأئمة اتفقوا على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه رشيداً فالأولى والأحوط أن يشهد عليه إظهاراً / للأمانة وبراءة من التهمة.

ولكن اختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه فهل هو مصدق؟

فقال أبو حنيفة وأصحابه: يصدق بيمينه كسائر الأمناء.

وقال مالك والشافعي: لا يصدق إلا بالبينة لأنه  نص على الإشهاد فقال: ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ وظاهر الأمر للوجوب، ولأنه أمين من جهة الشرع لا من جهة اليتيم، وليس له نيابة عامة كالقاضي، ولا كمال الشفقة كالأب.

نعم يصدق في قدر النفقة وفي عدم التقتير والإسراف لعسر إقامة البينة على ذلك وتنفيره الناس عن قبول الوصاية ﴿ وكفى بالله حسيباً ﴾ أي كافياً في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو محاسباً كالشريب بمعنى المشارب، وفيه تهديد للولي ولليتم أن يتصادقوا ولا يتكاذبوا.

والباء في ﴿ بالله ﴾ زائدة نظراً إلى أصل المعنى وهي كفى الله.

و ﴿ حسيباً ﴾ نصب على التمييز، ويحتمل الحال.

ثم من ههنا شرع في بيان المواريث والفرائض.

قال ابن عباس: "إن أوس بن ثابت الانصاري توفي وترك امرأة يقال لها أم كجة وثلاث بنات له منها.

فقام رجلان - هما ابنا عم الميت ووصياه سويد وعرفجة - فأخذا ماله ولم يعيطيا امرأته ولا بناته شيئاً، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكراً، إنما يورثون الرجال الكبار وكانوا يقولون لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة، قال: فجاءت أم كجة إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله، إن أوس بن ثابت مات وترك لي بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالاً حسناً وهو عند سويد وعرفجة ولم يعطياني ولا بناته من المال شيئاً.

فدعاهما رسول الله صلى الله وسلم فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً، ولا يحمل كلاً، ولا ينكي عدوّاً.

فقال رسول الله  : انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن.

فانصرفوا فأنزل الله ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ الآية.

فبعث إليهما لا تقربا من مال أوس شيئاً فإن الله قد جعل لهن نصيباً، ولم يبين حتى يتبين فنزلت ﴿ يوصيكم الله ﴾ فأعطى أم كجة الثمن، والبنات الثلثين، والباقي ابني العم" .

وسبب الإجمال في الآية ثم التفصيل فيما بعد، هو أن الفطام من المألوف شديد، والتدرج في الأمور دأب الحكيم، وهكذا قد نزل الأحكام والتكاليف شيئاً بعد شيء إلى أن كملت الشريعة الحقة وتم الدين الحنيفي ﴿ مما قل منه أو كثر ﴾ بدل ﴿ مما ترك ﴾ تكرير العامل و ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ نصب على الاختصاص تقديره أعني نصيباً ومقطوعاً مقدراً لا بد لهم أن يحوزوه، أو على المصدر المؤكد كأنه قيل: قسمة مفروضة.

احتج بعض أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام كالعمات والخالات والأخوال وأولاد البنات، لأن الكل من الأقربين.

غاية ما في الباب أن مقدار أنصبائهم غير مذكور ههنا إلا أنا / نثبت بالآية استحقاقهم لأصل النصيب، ونستفيد المقادير من سائر الدلائل.

وأجيب بأنه  قال: ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ وبالإجمال ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر.

وايضاً الواجب عندهم ما علم ثبوته بدليل مظنون، والمفروض ما علم بدليل قاطع، وتوريث ذوي الأرحام ليس من هذا القبيل بالاتفاق، فعرفنا أنه غير مراد من الآية.

وأيضاً ليس المراد بالأقربين من له قرابة ما وإن كانت بعيدة وإلا دخل جميع أولاد آدم فيه.

فالمراد إذن أقرب الناس إلى الوارث، وما ذاك إلا الوالدين والأولاد.

ودخول الوالدين في الأقربين يكون كدخول النوع في الجنس، فلا يلزم تكرار والله  أعلم.

قال المفسرون: أنه  لما ذكر في الآية للنساء أسوة بالرجال في أن لهن حظاً من الميراث، وعلم أن في الأقارب من يرث وفيهم من لا يرث وربما حضروا القسمة فلا يحسن حرمانهم قال: ﴿ وإذا حضر القسمة أولو القربى ﴾ الآية.

ثم منهم من قال بوجوبه ومنهم من قال باستحبابه.

وعلى الوجوب فعن سعيد بن المسيب والضحاك أنها منسوخة بآية المواريث، وعن أبي موسى الأشعري وإبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير أنها محكمة لكنها مما تهاون به الناس، قال الحسن: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات واليتامى والمساكين من الورق والذهب، فإذا آل الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولاً معروفاً.

كانوا يقولون لهم: ارجعوا بورك فيكم.

وعلى الاستحباب وهو مذهب فقهاء الأمصار اليوم قالوا: إن هذا الرضخ يستحب إذا كانت الورثة كباراً، أما إذا كانوا صغاراً فليس إلا القول المعروف كأن يقول الولي: إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعرفون ما عليهم من الحق، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم.

والضمير في ﴿ منه ﴾ إما أن يعود إلى ما ترك، وإما إلى الميراث بدليل ذكر القسمة.

وقيل: المراد قسمة الوصية.

وإذا حضرها من لا يرث من الأقرباء واليتامة والمساكين، أمر الله الموصي أن يجعل لهم نصيباً من تلك الوصية ويقول لهم مع ذلك قولاً معروفاً.

وقيل: أولو القربى الوارثون واليتامى والمساكين الذين لا يرثون.

وقوله: ﴿ وقولوا لهم ﴾ راجع إلى هؤلاء الذين لا يرثون.

ويحكى هذا القول عن سعيد بن جبير.

﴿ وليخش الذين لو تركوا ﴾ الجملة الشرطية وهي "لو" مع ما في حيزه صلة الذين.

والمعنى ليخشى الذين من صفتهم وحالهم أنهم لو تركوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم, وأما المخشى فغير منصوص عليه.

قال بعض المفسرين: هم الأوصياء أمروا بأن يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً، أو أمروا بأن يخشوا على اليتامى من الضياع كما يخشون على أولادهم لو تركوهم، وعلى هذا فيكون القول السديد أي الصواب.

القصد أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالقول الجميل ويدعوهم بيا بني ويا ولدي، وهذا القول أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام.

نبههم الله على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها ليكون ذلك أجدر ما يدعوهم إلى حفظ مال اليتيم كما قال القائل: لقد زاد الحياة إليّ حباً *** بناتي إنهن من الضعاف أحاذر أن يرين البؤس بعدي *** وأن يشربن رنقاً بعد صافي وقيل: هم الذين يجلسون إلى المريض فيقولون: إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئاً.

فقدِّم مالك، ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن يستغرق المال بالوصايا.

فأمروا بأن يخشوا ربهم ويخشوا على أولاد المريض خوفهم على أولاد أنفسهم لو كانوا.

وعلى هذا تكون الآية نهياً للحاضرين عن الترغيب في الوصية.

والقول السديد أن يقولوا للمريض لا تسرف في الوصية فتجحف بأولادك مثل قول رسول الله  لسعد: "الثلث كثير" .

وكان الصحابة  م يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث وإن الخمس أفضل من الربع والربع من الثلث.

وقيل: يجوز أن تتصل الآية بما قبلها فيكون أمراً للورثة بالشفقة على الذين يحضرون القسمة من الضعفاء، وأن يتصوروا أنهم لو كانوا أولادهم خافوا عليهم الحرمان.

وعن حبيب بن ثابت سألت مقسماً عن الآية.

فقال: هو الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب فيقول له من كان عنده: اتق الله وأمسك على ولدك مالك.

مع أن ذلك الإنسان يحب أن يوصي له.

وعلى هذا يكون نهياً عن الوصية ولا يساعده قوله: ﴿ لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ﴾ ثم أكد الوعيد في باب إهمال مال اليتيم فقال ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ أي ظالمين أو على وجه الظلم من ولاة السوء وقضاته لا بالمعروف ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ﴾ أي ملء بطونهم ناراً أي ما يجر إلى النار وكأنه نار في الحقيقة.

وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه، فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا.

وعن أبي سعيد الخدري أن النبي  قال: "رأيت ليلة أسري بي قوماً لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من النار يخرج من أسافلهم فقال جبريل: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً" ﴿ وسيصلون ﴾ من قرأ بفتح الياء فهو من صلى فلان النار بالكسر يصلى صلياً احترق.

ومن قرأ بالضم فمعناه الإلقاء في النار لأجل الإحراق من الإصلاء.

وقد يشدد من التصلية والمعنى واحد.

والسعير النار، وسعرت النار والحرب هيجتها وألهبتها فهي سعير أي مسعورة.

والتنكير للتعظيم أي ناراً مبهمة الوصف لا يعلم شدتها إلا خالقها.

قالت المعتزلة: لا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد آكل اليسير من / ماله، بل لا بد أن يكون مقدار خمسة دراهم لأنه القدر الذي وقع عليه الوعيد في آية الكنز في منع الزكاة ولا بد مع ذلك من عدم التوبة.

فقيل لهم: إنكم خالفتم هذا العموم من وجهين: من جهة شرط عدم التوبة، ومن جهة شرط عدم كونه صغيرة، فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو؟

وههنا نكتة وهي أنه أوعد مانع الزكاة بالكي، وآكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار.

ولا شك أن هذا الوعيد أشد، والسبب فيه أن الفقير غير مالك لجزء من النصاب حتى يملكه المالك، واليتيم مالك لماله فكان منع اليتيم أشنع.

وأيضاً الفقير يقدر على الاكتساب من وجه آخر أو على السؤال، واليتيم عاجز عنهما فكان ضعفه أظهر وهذا من كمال عنايته  بالضعفاء فنرجو أن يرحم ذلنا وضعفنا بعزته وقوته.

التأويل: ذكر الناسين بدء خلقهم بالأشباح والأرواح فخلقوا بالأشباح من آدم، وبالأرواح من روح محمد  .

قال: أول ما خلق الله روحي فهو أبو الأرواح.

وخلق من الروح زوجه وهي النفس، خلقها من أدنى شعاع من أشعة أنوار روح محمد  ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ﴾ أرواحاً كاملين ﴿ ونساء ﴾ أرواحاً ناقصات ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به ﴾ أي اتقوه أن تساءلوا به غيره ﴿ والأرحام ﴾ ولا تقطعوا رحم رحمتي بصلة غيري ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ تزكية عن آفة الحرص والحسد والدناءة والخسة والطمع وتحلية بالقناعة والمروءة وعلو الهمة والعافية ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ تزكية عن آفة الخيانة والخديعة وتحلية بالأمانة وسلامة الصدر ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ تزكية عن الجور وتحلية بالعدل، فإن اجتماع هذه الرذائل كان حوباً كبيراً حجاباً عظيماً ﴿ فانكحوا ما طاب لكم ﴾ تزكية عن الفاحشة وتحلية بالعفة ﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ تزكية عن الحدة والغضب، وتحلية بالسكون والحلم ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ تزكية عن البخل والغدر وتحلية بالوفاء والكرم ﴿ فكلوه هنيئاً ﴾ تزكية عن الكبر والأنفة وتحلية بالتواضع والشفقة.

فهذه كلها إشارات إلى تربية يتامى القلوب والنفوس بإيتاء حقوق تزكيتهم عن هذه الأوصاف وتحليتهم بهذه الأخلاق.

ثم نهى عن إيتاء النفوس الأمارة حظوظها فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء ﴾ وإنما قال: ﴿ أموالكم ﴾ لأن الخطاب مع العقلاء والصلحاء وقد خلق الله الدنيا لأجلهم أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.

﴿ وارزقوهم فيها ﴾ قدر ما يسد الجوعة ﴿ واكسوهم ﴾ ما يستر العورة وما زاد فإسراف في حق النفس ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ كنحو: أكلت رزق الله فأدّي شكر نعمته بامتثال أوامره نواهيه وإلا أذيبي طعامك بذكر الله كما قال  : " "أذيبوا طعامكم بذكر الله " .

﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ أي قلوب السائرين بأدنى توسع في المعيشة بعد أن كانوا محجورين عن التصرف ﴿ حتى إذا بلغوا ﴾ مبلغ الرجال البالغين ﴿ فإن آنستم منهم / رشداًَ ﴾ بأن استمروا بذلك التوسع على السير وزادوا في اجتهادهم وجدهم كما قال الجنيد: أشبع الزنجي وكدّه ﴿ فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ فالعبد في هذا المقام يكون جائز التصرف في مماليك سيده كالعبد المأذون، ولهذا قال ههنا ﴿ أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً ﴾ أي فإن آنستم يا أولياء الطريقة من المريدين البالغين رشد التصرف في أصحاب الإرادة فادفعوا إليهم عنان التصرف بإجازة الشيخوخية، ولا تجعلوا الشيخوخية مأكلة لكم غيرة وغبطة عليهم أن يكبروا بالشيخوخة.

﴿ ومن كان غنياً ﴾ بالله من قوة الولاية مستظهراً بالعناية ﴿ فليستعفف ﴾ عن الانتفاع بصحبتهم، ﴿ ومن كان فقيراً ﴾ مفتقراً إلى ولاية المريد ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ فلينتفع بإعانته وليجزله بالشيخوخية مع الإمداد في الظاهر والباطن ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم ﴾ سلمتم إليهم مقام الشيخوخية ﴿ فأشهدوا عليهم ﴾ الله ورسوله وأرواح المشايخ وأوصوهم برعاية حقوقها مع الله والخلق.

ثم أخبر عن نصيب كل نسيب فقال: ﴿ للرجال ﴾ وهم الأقوياء من الطلبة ﴿ وللنساء ﴾ وهم الضعفاء ﴿ نصيب مما ترك الولدان والأقربون ﴾ وهم المشايخ والإخوان في الله وتركتهم بركتهم وأنوارهم ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ على قدر استعدادهم ﴿ وإذا حضر القسمة ﴾ أي في محافل صحبتهم ومجالس ذكرهم ﴿ أولو القربى ﴾ المنتمون إليهم المقتبسون من أنوارهم والمقتفون لآثارهم ﴿ فارزقوهم ﴾ من مواهب بركاتهم ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ في التشويق وإرشاد الطريق وتقرير هوان الدنيا عند الله، وعزة أهل الله في الدارين.

﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعفاً ﴾ من متوسطي المريدين أو المبتدئين ﴿ خافوا عليهم ﴾ آفات المفارقة بسفر أو موت ﴿ فليتقوا الله ﴾ أي يوصونهم بالتقوى وأن يقولوا قولاً سديداً هو لا إله إلاَّ الله.

فإن التقوى ومداومة الذكر خطوتان يوصلان العبد إلى الله ﴿ إن الذين يأكلون ﴾ يضيعون أطفال الطريقة بعدم التربية ورعاية وظائف النصيحة ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ﴾ نار الحسرة والغرامة يوم لا تنفع الندامة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله -  -: ﴿ وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ﴾ يحتمل هذا وجهين: أحدهما: احفظوا أموالهم إلى أن يخرجوا من اليتم، فإذا خرجوا من اليتم أعطوهم أموالهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ﴾ ، أي: أنفقوا عليهم من أموالهم، ووسعوا عليهم النفقة ولا تضيقوها لينظروا إلى أموال غيرهم.

﴿ وَآتُواْ ﴾ ، بمعنى: آتوا لوقت الخروج من اليتم، أي: احفظوا؛ لتؤتوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ﴾ أي: لا تأخذوا الخبيث فتتركوا لهم ما وعد لكم في الآخرة بحفظ أموالهم.

وقيل: لا تأخذوا الجياد من ماله وتعطى الدون من ماله؛ فذلك تبديل الخبيث بالطيب.

وقيل: لا تأكلوا الخبيث: وهو أموال اليتامى، وتذروا الطيب: وهو أموالكم؛ إشفاقاً على أموالكم أن [تفنى].

وقيل: لا تأكلوا الحرام مكان الحلال؛ لأن أكل مال اليتيم حرامٌ، وأكل ماله حلال؛ فنهي أن يبدلوا الخبيث بالطيب.

ويحتمل: لا تأخذ ماله - وهو خبيث - ليؤخذ منك الذي لك وهو طيب.

ويحتمل: لا تأكلوا ذلك؛ إبقاء لأموالكم التي طيبها الله -  - لكم، بما جعل الله لكم خبيثاً.

ويحتمل: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ في الدنيا؛ فتكون هي ناراً تأكلونها؛ فتتركون الموعود لكم في إبقاء الخبيث؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً...

﴾ \[الآية\] [النساء: 10].

وقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ﴾ يحتمل هذا - والله أعلم - وجهين: يحتمل قوله: ﴿ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ﴾ ، أي: مع أموالكم، أي: لا تخلطوا أموالهم مع أموالكم فتأكلوها؛ ففيه نهي عن الخلط والجمع.

ويحتمل: ﴿ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ﴾ ، أي: بأموالكم؛ ففيه النهي عن أكل أموالهم بأموال أنفسهم تبعاً؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ﴾ بمعنى: لا تجمعوها إليها فتأكلونهما معاً.

ويحتمل: مع أموالكم، والله أعلم.

وقوله - جل وعز -" ﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ﴾ قيل: جوراً.

وقيل: الحوب: الإثم، وهو واحد.

وقيل: خطأ.

وقيل: ذنباً كبيراً.

وقيل إثماً؛ وكذلك روي عن ابن عباس،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ﴾ .

اختلف في تأويله: فقيل: إنهم كانوا يخافون من أموال اليتامى ويتحرجون منها؛ لكثرة ما جاء من الوعيد فيها؛ فنزل هذا: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ وتحرجتم من أموال اليتامى؛ فكذا فتحرجوا من الزنا: ﴿ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ...

﴾ الآية.

عن عائشة -  ا - أنها قالت: نزلت في يتامى [من يتامى] النساء كُنَّ عند الرجال؛ فتكون اليتيمة الشوهاء عند الرجل - وهي ذات مال - فلا ينكحها؛ لشوهتها، ولا يُنْكِحُهَا؛ ضنّاً بمالها؛ لتموتَ فيرثَها، وإن نكحها أمسكها على غير عدل منه في أداء حقها إليها، ولا ولي لها سواه يطالبه بحقها؛ فأنزل الله -  -: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ ﴾ فذروهن، ولا تنكحوهن، ﴿ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ .

وروي عنها - أيضاً - أنها سئلت عن هذه الآية؟

فقالت: نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها، وينقص من صداقها؛ فنهوا عن نكاحهن، إلا أن يقسطوا في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء.

قالت عائشة -  ا -: واستفتى الناس رسول الله  [بعد ذلك]؛ فأنزل الله: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ...

﴾ [إلى قوله: ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ  ﴾ فأنزل الله -  - لهم في هذه الآية: أن اليتيمة إذا كانت ذات جمالٍ ومال رغبوا فيها - في نكاحها - وسنتها في إكمال الصداق، وإذا كانت مرغوباً عنها في شوهتها، وقلة مالها؛ تركوها وأخذوا غيرها من النساء.

قالت: فكما تتركونها حين ترغبون عنها؛ فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق.

وقيل: لما أنزل الله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً...

﴾ الآية [النساء: 10]، ترك المؤمنون مخالطة اليتامى، وتنزهوا عنها؛ فشق ذلك عليهم؛ فاستفتوا رسول الله  في مخالطتهم، وكان يكون عند الرجل عدد من النساء ثم لا يعدل بينهن؛ فأنزل الله -  -: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ الجور في مخالطة اليتامى؛ فكذلك خافوا جمع النساء وترك التسوية بينهن في النفقة والجماع.

ثم من الناس من يبيح نكاح التسع بقوله  : ﴿ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ﴾ فذلك تسع.

وأما عندنا: فإنه لا يحتمل ذلك؛ لأن معنى قوله -  -: ﴿ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ﴾ : مثنى أو ثلاث أو رباع؛ لأنه قال: ﴿ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً ﴾ : استثنى الواحدة إذا خاف ألا يعدل بينهن، فلو كان ما ذكر؛ لكان لا معنى لاستثناء واحدة منهن، ولكن يقول: "وإن خفتم ألا تعدلوا" بين التسع؛ فثمان، أو سبع، أو ست؛ فلمَّا لم يستثن إلا واحدة دل أن التأويل ما ذكرنا: مثنى أو ثلاث أو رباع، على الانفراد.

والثاني: ما ذكر في القصة: أنه كان عند الرجل عدد من النساء عشر أو أكثر أو أقل، فخرج ذلك على بيان ما يحل من العدد، وذلك أربعة.

وروي "أن رجلا أسلم وتحته ثماني نسوة، فأسلمن، فقال له رسول الله  : اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبعاً، وفَارِقِ الْبَوَاقِي" والخبر في بيان منتهى ما يحل من العدد دون وجه الحل؛ فاحتمل أن يختار أربعاً على استقبال النكاح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ...

﴾ الآية: قيل فيه بوجوه: أحدها: أنه قال: إذا خفتم الجور في كفالة اليتامى فاتقيتموها؛ فخافوا في كفالة النساء؛ فلا تكثروا منهن.

والثاني: أنكم إذا خفتم في أموال اليتامى؛ فتحرجتم ضم أموالهم إليكم؛ إشفاقا على أنفسكم أن تأكلوا منها - فخافوا النساء مواقعتهن من وجهٍ يحرم عليكم؛ فانكحوهن.

والثالث: أنه إذا خفتم الجور في يتامى النساء لو تزوجتموهن من حيث ليس معهن من يمنعكم من ظلمهن، فانكحوهن من غيرهن ممن إذا جُرْتُمْ فيهن مُنِعْتُمْ من ذلك.

لكنه معلوم أن الحد في عدد النساء؛ لخوف الجور، وبما علم الله من عجز البشر على ما جُبِل عليه، أخبر أنه لا يقوم بوفاء الحق في أكثر [من] ما ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً ﴾ .

ليس على الحكم والحتم؛ ولكنه أدب؛ لأنه وإن خاف ألا يعدل فتزوج أربعاً - جاز، وهو مثل الذي نهى - في الإصرار - المراجعة، وأمر بالقصد فيها والعدل، فإن فعل ذلك أثم ورجعته صحيحة، وكذلك كالأمر بالطلاق في العدة، والنهي [عنه] في غير العدة، ثم إذا طلق في غير العدة وقع؛ فكذلك [الأول.

وقوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ﴾ : في القسم والجماع والنفقة.

﴿ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ﴾ [إن خفتم ألا تعدلوا في واحدة؛ لأنه ليس للإماء قِبَلَ سادتهن حقُّ الجماع والقسم؛ ينكح ما شاء؛ كأنه قال هذا؛ لما ليس لأكثرهن غاية؛ فله أن يجمع ما شاء من الإماء في ملكه، وليس له أن يجمع بالنكاح أكثر من أربع، ولو كان التأويل ما ذهب إليه لم يكن لقوله: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ﴾ وجهٌ.

وفيه إذن بتكثير العيال، مع ما أن كثرة العيال معدودة من الكرم؛ إذا أحسن إليهم لم يحتمل أن يزهد فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ : قال بعضُ أهل العلم: إن قوله -  -: ﴿ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ﴾ : من كثرة العيال، وهو قول الشافعي - رحمه الله  - ولكن هذا لا يستقيم في اللغة؛ لأنه يقال من كثرة العيال: أعال يُعِيل إعالة؛ فهو معيل، ولا يقال: عال يعول، وإنما يقال ذلك في الجور.

فإن قيل: روي في الخبر عن النبي  أنه قال: "ابْدَاْ بِمَنْ تَعُولُ" لكن تأويله - والله أعلم -: ابدأ بمن يلزمُك نفقته، أي: ابدأ بمن تصير جائراً بترك النفقة عليه، وكذلك يقال: عال يعول عولا؛ إذا أنفق على عياله، وليس من كثرة العيال في شيء، ألا ترى أن على الرجل أن يبدأ بمن يعول؛ فلو كان قوله: ﴿ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ من العيال؛ لكان المتزوج واحدة ذا عيال، وإن قول الله -  -: ﴿ أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ ، والمتزوج واحدة يعولها؛ فدل بما ذكرنا أن قوله: ﴿ أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ ، أي: لا تجوروا ولا تميلوا؛ على ما قيل.

وعن عائشة -  ا -: ﴿ أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ : ألا تميلوا.

وعن ابن عباس -  - مثله.

والعول: هو المجاوزة عن الحد؛ ولذلك سمى الحساب الذي ازداد على أصله عولا؛ لمجاوزته الحد؛ فعلى ذلك العول هاهنا هو: المجاوزة عن الحد الذي جعل له، وهو الجور.

وقوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً ﴾ : ليس بشرط؛ ليتفق القول، ولأنه لا وجه لمعرفة حد الخوف الذي يجعل شرطا للجواز، وكل عدل يخاف أدنى خوف، بل جميع أمور الدين هي على الخوف والرجاء.

ولأنه يوجب جهل النساء بمن يحل لهن النكاح ويحرم؛ إذ لا يعرفن ذلك، ومتى حرم عليه حرم عليها، ولا يحتمل أن يجعل للحل شرطاً لا يوصل إلى حقيقته، ولظهور الجور في الأمة على الإبقاء على النكاح؛ فضلاً عن خوفه؛ [كذا] مع ما في قوله: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ...

﴾ الآية [النساء: 129] دلالة ظاهرة، وكذلك في قوله: ﴿ وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا  ﴾ ، ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأعطوا -أيها الأوصياء- اليتامى (وهم: من فقدوا آباءهم ولم يبلغوا الحُلم) أموالِهم كاملة إذا بلغوا وكانوا راشدين، ولا تتبدّلوا الحرام بالحلال؛ بأن تأخذوا الجيِّد النفيس من أموال اليتامى، وتدفعوا بدله الرديء الخسيس من أموالكم، ولا تأخذوا أموال اليتامى مضمومة إلى أموالكم، إن ذلك كان ذنبًا عظيمًا عند الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.Q5vE0"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قلنا إن الكلام في أوائل هذه السورة في الأهل والأقارب والأزواج وهو يتسلسل في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا  ﴾ الآية، ولذلك افتتحها بالتذكير بالقرابة والأخوة العامة، وهي كون الأمة من نفس واحدة ثم طفق يبين حقوق الضعفاء من الناس كاليتامى، والنساء، والسفهاء، ويأمر بالتزامها فقال: ﴿ وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ  ﴾ واليتيم لغة من مات أبوه مطلقًا، وفي عرف الفقهاء من مات أبوه وهو صغير فمتى بلغ زال يتمه، إلا إذا بلغ سفيهًا فإنه يبقى في حكم اليتيم ولا يزول عنه الحجر.

ومعنى إيتاء اليتامى أموالهم هو جعلها لهم خاصة وعدم أكل شيء منها بالباطل، أي أنفقوا عليهم من أموالهم حتى يزول يتمهم بالرشد كما يأتي في آية ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى  ﴾ فعند ذلك يدفع إليهم ما بقي لهم بعد النفقة عليهم في زمن اليتم والقصور.

فهذه الآية في إعطاء اليتامى أموالهم في حالتي اليتم والرشد، كل حالة بحسبها، وتلك خاصة بحال الرشد، وليس في هذه تجوز كما قالوا فإن نفقة ولي اليتيم عليه من ماله يصدق عليه أنه إيتاء مال اليتيم لليتيم.

والمقصود من هذه الآية ظاهر وهو المحافظة على مال اليتيم وجعله له خاصة وعدم هضم شيء منه لأن اليتيم ضعيف لا يقدر على حفظه والدفاع عنه ولذلك قال: ﴿ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ  ﴾ المراد بالخبيث الحرام، وبالطيب الحلال، أي لا تتمتعوا بمال اليتيم في المواضع والأحوال التي من شأنكم أن تتمتعوا فيها بأموالكم.

يعني أن الإنسان إنما يباح له التمتع بمال نفسه في الطرق المشروعة فإذا عرض له استمتاع فعليه أن يجعله من مال نفسه لا من مال اليتيم الذي هو قيم ووصي عليه، فإذا استمتع بمال اليتيم فقد جعل مال اليتيم في هذا الوضع بدلًا من ماله، وبهذا يظهر معني التبدل والاستبدال.

وقوله: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ  ﴾ أي لا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم، وهذا صريح فيما إذا كان للولي مال يضم مال اليتيم إليه، ويمكن أن يقال إن أكله مفردًا غير مضموم إلى مال الولي أولى بالتحريم وهو داخل في عموم قوله: ﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ  ﴾ وقيل يفهم من هذا القيد جواز أكل الوصي الفقير الذي لا مال له شيئًا من مال اليتيم.

وسيأتي التصريح بذلك في الآية السادسة.

﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا  ﴾ أي إن أكل مال اليتيم، أو تبدل الخبيث بالطيب منه، أو ما ذكر من مجموع الأمرين، وكانت تفعله الجاهلية، كان في حكم الله حوبًا كبيرًا أي إثمًا عظيمًا.

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا  ﴾ .

جاء ذكر تعدد الزوجات في سياق الكلام على اليتامى، والنهي عن أكل أموالهم ولو بواسطة الزوجية، فقال إن أحسستم من أنفسكم الخوف من أكل مال الزوجة اليتيمة فعليكم أن لا تتزوجوا بها فإن الله تعالى جعل لكم مندوحة عن اليتامى بما أباحه لكم من التزوج بغيرهن إلى أربع نسوة، ولكن إن خفتم أن لا تعدلوا بين الزوجات، أو الزوجتين فعليكم أن تلتزموا واحدة فقط، والخوف من عدم العدل يصدق بالظن والشك فيه بل يصدق بتوهمه أيضًا، ولكن الشرع قد يغتفر الوهم لأنه قلما يخلو منه علم بمثل هذه الأمور فالذي يباح له أن يتزوج ثانية أو أكثر هو الذي يثق من نفسه بالعدل بحيث لا يتردد فيه، أو يظن ذلك ويكون التردد فيه ضعيفًا.

ولما قال: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً  ﴾ علله بقوله: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا  ﴾ أي أقرب من عدم الجور والظلم فجعل البعد من الجور سببًا في التشريع، وهذا مؤكد لاشتراط العدل ووجوب تحريه، ومنبه إلى أن العدل عزيز.

وقد قال تعالى في آية أخرى من هذه السورة ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ  ﴾ وقد يحمل هذا على العدل في ميل القلب ولولا ذلك لكان مجموع الآيتين منتجًا عدم جواز التعدد بوجه ما، ولما كان يظهر وجه قوله بعد ما تقدم من الآية ﴿ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ  ﴾ والله يغفر للعبد ما لا يدخل تحت طاقته من ميل قلبه، وقد كان النبي  يميل في آخر عهده إلى عائشة أكثر من سائر نسائه ولكنه لا يخصها بشيء دونهن، أي بغير رضاهن وإذنهن، وكان يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك".

أي من ميل القلب.

فمن تأمل الآيتين علم أن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام أمر مضيق فيه أشد التضييق، كأنه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها بشرط الثقة بإقامة العدل والأمن من الجور، وإذا تأمل المتأمل مع هذا التضييق ما يترتب على التعدد في هذا الزمان من المفاسد جزم بأنه لا يمكن لأحد أن يربي أمة فشا فيها تعدد الزوجات، فإن البيت الذي فيه زوجتان لزوج واحد لا تستقيم له حال ولا يقوم فيه نظام، بل يتعاون الرجل مع زوجاته على إفساد البيت كأن كل واحد منهم عدو للآخر، ثم يجيء الأولاد بعضهم لبعض عدو، فمفسدة تعدد الزوجات تنتقل من الأفراد إلى البيوت ومن البيوت إلى الأمة.

كان للتعدد في صدر الإسلام فوائد أهمها صلة النسب والصهر الذي تقوى به العصبية، ولم يكن له من الضرر مثل ما له الآن لأن الدين كان متمكنًا في نفوس النساء والرجال، وكان أذى الضرة لا يتجاوز ضرتها، أما اليوم فإن الضرر ينتقل من كل ضرة إلى ولدها إلى والده إلى سائر أقاربه فهي تغري بينهم العداوة والبغضاء، تغري ولدها بعداوة إخوته، وتغري زوجها بهضم حقوق ولده من غيرها، وهو بحماقته يطيع أحب نسائه اليه فيدب الفساد في العائلة كلها، ولو شئت تفصيل الرزايا والمصائب المتولدة من تعدد الزوجات لأتيت بما تقشعر منه جلود المؤمنين فمنها السرقة، والزنا، والكذب، والخيانة، والجبن، والتزوير بل منها القتل حتى قتل الولد والده، والوالد ولده، والزوجة زوجها، والزوج زوجته، كل ذلك واقع ثابت في المحاكم.

وناهيك بتربية المرأة التي لا تعرف قيمة الزوج ولا قيمة الولد، وهي جاهلة بنفسها وجاهلة بدينها، لا تعرف منه إلا خرافات وضلالات تلقفتها من أمثالها، يتبرأ منها كل كتاب منزل وكل نبي مرسل، فلو تربي النساء تربية دينية صحيحة يكون بها الدين هو صاحب السلطان الأعلى على قلوبهن بحيث يكون هو الحاكم على الغيرة لما كان هنالك ضرر على الأمة من تعدد الزوجات، وإنما كان يكون ضرره قاصرًا عليهن في الغالب.

أما والأمر على ما نرى ونسمع فلا سبيل إلى تربية الأمة مع فشو تعدد الزوجات فيها، فيجب على العلماء النظر في هذه المسألة، خصوصًا الحنفية منهم الذين بيدهم الأمر وعلى مذهبهم الحكم، فهم لا ينكرون أن الدين أنزل لمصلحة الناس وخيرهم، وأن من أصوله منع الضرر والضرار، فإذا ترتب على شيء مفسدة في زمن لم تكن تلحقه فيما قبله فلا شك في وجوب تغير الحكم وتطبيقه على الحال الحاضرة يعني على قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وبهذا يعلم أن تعدد الزوجات محرم قطعًا عند الخوف من عدم العدل.

تقدم أن إباحة تعدد الزوجات مضيقة قد اشترط فيها ما يصعب تحققه فكأنه نهى عن كثرة الأزواج، وتقدم أنه يحرم على من خاف عدم العدل أن يتزوج أكثر من واحدة ولا يفهم منه كما فهم بعض المجاورين أنه لو عقد في هذه الحالة يكون العقد باطلًا أو فاسدًا، فإن الحرمة عارضة لا تقتضي بطلان العقد فقد يخاف الظلم وقد يظلم ثم يتوب فيعدل فيعيش عيشة حلالًا.

أما قوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  ﴾ فهو معطوف على قوله: ﴿ فَوَاحِدَةً  ﴾ أي فالزموا زوجًا واحدة وأمسكوا زوجًا واحدة مع العدل -وهذا فيمن كان متزوجًا كثيرات- أو الزموا ما ملكت أيمانكم واكتفوا بالتسري بهن بغير شرط، ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا  ﴾ أي أقرب إلى عدم العول وهو الجور، فإن العدل بين الإماء في الفراش غير واجب إذ لا حق لهن فيه وإنما لهن الحق في الكفاية بالمعروف، وهذا لا يفيد حل ما جرى عليه المسلمون منذ قرون كثيرة من الإسراف في التمتع بالجواري المملوكات بحق أو بغير حق مهما ترتب على ذلك من المفاسد، كما شوهد ولا يزال يشاهد في بعض البلاد إلى الآن.

﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً  ﴾ الصدقات جمع صدقة بضم الدال وفيه لغات منها الصداق وهو ما يعطى للمرأة قبل الدخول عن طيب نفس، وينبغي أن يلاحظ في هذا العطاء معنى أعلى من المعنى الذي لاحظه الذين يسمون أنفسهم الفقهاء من أن الصداق والمهر بمعنى العوض عن البضع والثمن له، كلا إن الصلة بين الزوجين أعلى وأشرف من الصلة بين الرجل وفرسه أو جاريته ولذلك قال "نحلة"، فالذي ينبغي أن يلاحظ هو أن هذا العطاء آية من آيات المحبة وصلة القربى وتوثيق عرى المودة والرحمة، وأنه واجب حتم لا تخيير فيه كما يتخير المشتري والمستأجر، وترى عرف الناس جاريًا على عدم الاكتفاء بهذا العطاء بل يشفعه الزوج بالهدايا والتحف.

﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا  ﴾ لا يجوز للرجل أن يأكل شيئًا من مال امرأته إلا إذا علم أن نفسها طيبة به، فإذا طلب منها شيئًا فحملها الخجل أو الخوف على إعطائه ما طلب فلا يحل له، وعلامات الرضا وطيب النفس لا تخفى على أحد، وإن كان اللابسون لباس الصالحين المتحلين بعقود السبح الذين يحركون شفاههم ويلوكون ألسنتهم بما يسمونه ذكرًا يستحلون أكل أموال نسائهم إذا أعطينها، أو أجزن أخذها بالترهيب أو الخداع أو الخجل، ويقولون إنهن أعطيننا ولنا الظاهر والله يتولى السرائر.

وقد قال تعالى في آية آتية ﴿ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا  ﴾ فإذا شدد هذا التشديد في طور المفارقة فكيف يكون الحكم في طور الاجتماع والمعاشرة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل