الآية ٢٠ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٢٠ من سورة النساء

وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍۢ مَّكَانَ زَوْجٍۢ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًۭا فَلَا تَأْخُذُوا۟ مِنْهُ شَيْـًٔا ۚ أَتَأْخُذُونَهُۥ بُهْتَـٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا ٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 122 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ) أي : إذا أراد أحدكم أن يفارق امرأة ويستبدل مكانها غيرها ، فلا يأخذن مما كان أصدق الأولى شيئا ، ولو كان قنطارا من مال .

وقد قدمنا في سورة آل عمران الكلام على القنطار بما فيه كفاية عن إعادته هاهنا .

وفي هذه الآية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل ، وقد كان عمر بن الخطاب نهى عن كثرة الإصداق ، ثم رجع عن ذلك كما قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، حدثنا سلمة بن علقمة ، عن محمد بن سيرين ، قال : نبئت عن أبي العجفاء السلمي قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : ألا لا تغلوا في صداق النساء ، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم ، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية ، وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه ، وحتى يقول : كلفت إليك علق القربة ، ثم رواه أحمد وأهل السنن من طرق ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي العجفاء - واسمه هرم بن مسيب البصري - وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .

طريق أخرى عن عمر : قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدثني محمد بن عبد الرحمن ، عن المجالد بن سعيد ، عن الشعبي ، عن مسروق ، قال : ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله ثم قال : أيها الناس ، ما إكثاركم في صدق النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك .

ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها .

فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم قال : ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت : يا أمير المؤمنين ، نهيت الناس أن يزيدوا النساء صداقهم على أربعمائة درهم ؟

قال : نعم .

فقالت : أما سمعت ما أنزل الله في القرآن ؟

قال : وأي ذلك ؟

فقالت : أما سمعت الله يقول : ( وآتيتم إحداهن قنطارا [ فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ] ) [ النساء : 20 ] قال : فقال : اللهم غفرا ، كل الناس أفقه من عمر .

ثم رجع فركب المنبر فقال : إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهن على أربعمائة درهم ، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب .

قال أبو يعلى : وأظنه قال : فمن طابت نفسه فليفعل .

إسناده جيد قوي .

طريق أخرى : قال ابن المنذر : حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق ، عن قيس بن ربيع ، عن أبي حصين ، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : قال عمر بن الخطاب : لا تغالوا في مهور النساء .

فقالت امرأة : ليس ذلك لك يا عمر ، إن الله تعالى يقول : " وآتيتم إحداهن قنطارا من ذهب " .

قال : وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود : " فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئا " فقال عمر : إن امرأة خاصمت عمر فخصمته .

طريق أخرى : عن عمر فيها انقطاع : قال الزبير بن بكار حدثني عمي مصعب بن عبد الله عن جدي قال : قال عمر بن الخطاب لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي الغصة - يعني يزيد بن الحصين الحارثي - فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال .

فقالت امرأة - من صفة النساء طويلة ، في أنفها فطس - : ما ذاك لك .

قال : ولم ؟

قالت : لأن الله [ تعالى ] قال : ( وآتيتم إحداهن قنطارا ) الآية .

فقال عمر : امرأة أصابت ورجل أخطأ .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج "، وإن أردتم، أيها المؤمنون، نكاح امرأة مكان امرأة لكم تطلقونها (1) =" وآتيتم إحداهن "، يقول: وقد أعطيتم التي تريدون طلاقها من المهر (2) =" قنطارًا ".

* * * = و " القنطار " المال الكثير.

وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف أهل التأويل في مبلغه، والصوابَ من القول في ذلك عندنا.

(3) * * * =" فلا تأخذوا منه شيئًا "، يقول: فلا تضرُّوا بهن إذا أردتم طلاقهن ليفتدين منكم بما آتيتموهن، كما:- 8912 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج "، طلاق امرأة مكان أخرى، فلا يحل له من مال المطلقة شيء وإن كثر.

8913 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

* * * القول في تأويل قوله: أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: " أتأخذونه "، أتأخذون ما آتيتموهن من مهورهن =" بهتانا "، يقول: ظلمًا بغير حق =" وإثما مبينًا "، يعني: وإثمًا قد أبان أمرُ آخذه أنه بأخذه إياه لمن أخذَه منه ظالم.

(4) ---------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"الاستبدال" فيما سلف 2: 130 ، 494 / 7: 527.

(2) انظر تفسير"الإيتاء" في فهارس اللغة ، فيما سلف.

(3) انظر تفسير"القنطار" فيما سلف 6: 244-250.

(4) انظر تفسير"مبين" فيما سلف 3: 300 / 4: 258 / 7: 370.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينافيه مسائل :الأولى : لما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي سببه المرأة ، وأن للزوج أخذ المال منها عقب ذلك بذكر الفراق الذي سببه الزوج ، وبين أنه إذا أراد الطلاق من غير نشوز وسوء عشرة فليس له أن يطلب منها مالا .الثانية : واختلف العلماء إذا كان الزوجان يريدان الفراق وكان منهما نشوز وسوء عشرة ؛ فقال مالك رضي الله عنه : للزوج أن يأخذ منها إذا تسببت في الفراق ولا يراعى تسببه هو .

وقال جماعة من العلماء : لا يجوز له أخذ المال إلا أن تنفرد هي بالنشوز وتطلبه في ذلك .الثالثة : قوله تعالى : وآتيتم إحداهن قنطارا الآية فيها دليل على جواز المغالاة في المهور ؛ لأن الله تعالى لا يمثل إلا بمباح .

وخطب عمر رضي الله عنه فقال : ألا لا تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية .

فقامت إليه امرأة فقالت : يا عمر ، [ ص: 88 ] يعطينا الله وتحرمنا !

أليس الله سبحانه وتعالى يقول : وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ؟

فقال عمر : أصابت امرأة وأخطأ عمر .

وفي رواية فأطرق عمر ثم قال : كل الناس أفقه منك يا عمر !

.

وفي أخرى : امرأة أصابت ورجل أخطأ .

وترك الإنكار .

أخرجه أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي العجفاء السلمي قال : خطب عمر الناس ، فذكره إلى قوله : اثنتي عشرة أوقية ، ولم يذكر : فقامت إليه امرأة .

إلى آخره .

وأخرجه ابن ماجه في سننه عن أبي العجفاء ، وزاد بعد قوله : أوقية .

وإن الرجل ليثقل صدقة امرأته حتى تكون لها عداوة في نفسه ، ويقول : قد كلفت إليك علق القربة - أو عرق القربة ؛ وكنت رجلا عربيا مولدا ما أدري ما علق القربة أو عرق القربة .

قال الجوهري : وعلق القربة لغة في عرق القربة .

قال غيره : ويقال علق القربة عصامها الذي تعلق به .

يقول كلفت إليك حتى عصام القربة .

وعرق القربة ماؤها ؛ يقول : جشمت إليك حتى سافرت واحتجت إلى عرق القربة ، وهو ماؤها في السفر .

ويقال : بل عرق القربة أن يقول : نصبت لك وتكلفت حتى عرقت عرق القربة ، وهو سيلانها .

وقيل : إنهم كانوا يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه فيشق على الظهر ؛ ففسر به اللفظان : العرق والعلق .

وقال الأصمعي : عرق القربة كلمة معناها الشدة .

قال : ولا أدري ما أصلها .

قال الأصمعي : وسمعت ابن أبي طرفة وكان من أفصح من رأيت يقول : سمعت شيخاننا يقولون : لقيت من فلان عرق القربة ، يعنون الشدة .

وأنشدني لابن الأحمر :ليست بمشتمة تعد وعفوها عرق السقاء على القعود اللاغبقال أبو عبيد : أراد أنه يسمع الكلمة تغيظه وليست بشتم فيؤخذ صاحبها بها ، وقد أبلغت إليه كعرق القربة ، فقال : كعرق السقا لما لم يمكنه الشعر ؛ ثم قال : على القعود اللاغب ، وكان معناه أن تعلق القربة على القعود في أسفارهم .

وهذا المعنى شبيه بما كان الفراء يحكيه ؛ زعم أنهم كانوا في المفاوز في أسفارهم يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه ؛ فكان في ذلك تعب ومشقة على الظهر .

وكان الفراء يجعل هذا التفسير في علق القربة باللام .

وقال قوم : لا تعطي الآية جواز المغالاة بالمهور ؛ لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة ؛ كأنه قال : وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد .

وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم : من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة .

ومعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص قطاة .

وقد قال صلى الله عليه وسلم لابن أبي حدرد وقد جاء يستعينه في مهره ، فسأله عنه فقال : مائتين ؛ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة أو جبل .[ ص: 89 ] فاستقرأ بعض الناس من هذا منع المغالاة بالمهور ؛ وهذا لا يلزم ، وإنكار النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الرجل المتزوج ليس إنكارا لأجل المغالاة والإكثار في المهور ، وإنما الإنكار لأنه كان فقيرا في تلك الحال فأحوج نفسه إلى الاستعانة والسؤال ، وهذا مكروه باتفاق .

وقد أصدق عمر أم كلثوم بنت علي من فاطمة رضوان الله عليهم أربعين ألف درهم .

وروى أبو داود عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل : أترضى أن أزوجك فلانة ؟

قال : نعم .

وقال للمرأة : أترضين أن أزوجك فلانا ؟

قالت : نعم .

فزوج أحدهما من صاحبه ؛ فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا ، وكان ممن شهد الحديبية وله سهم بخيبر ؛ فلما حضرته الوفاة قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني فلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا ، وإني أشهدكم أني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر ؛ فأخذت سهمها فباعته بمائة ألف .

وقد أجمع العلماء على ألا تحديد في أكثر الصداق ؛ لقوله تعالى : وآتيتم إحداهن قنطارا واختلفوا في أقله ، وسيأتي عند قوله تعالى : أن تبتغوا بأموالكم .

ومضى القول في تحديد القنطار في " آل عمران " .

وقرأ ابن محيصن " وآتيتم إحداهن " بوصل ألف إحداهن وهي لغة ؛ ومنه قول الشاعر :وتسمع من تحت العجاج لها ازملاوقول الآخر :إن لم أقاتل فالبسوني برقعاالرابعة : قوله تعالى : فلا تأخذوا منه شيئا قال بكر بن عبد الله المزني : لا يأخذ الزوج من المختلعة شيئا ؛ لقول الله تعالى : فلا تأخذوا ، وجعلها ناسخة لآية " البقرة " .وقال ابن زيد وغيره : هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا .

والصحيح أن هذه الآيات محكمة وليس فيها ناسخ ولا منسوخ وكلها يبنى بعضها على بعض .

قال الطبري : هي محكمة ، ولا معنى لقول بكر : إن أرادت هي العطاء ؛ فقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم لثابت أن يأخذ من زوجته ما ساق إليها .بهتانا : مصدر في موضع الحال ، وإثما : معطوف عليه ، مبينا : من نعته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

بل متى { أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ } أي: تطليقَ زوجة وتزوجَ أخرى.

أي: فلا جناح عليكم في ذلك ولا حرج.

ولكن إذا { آتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ } أي: المفارقة أو التي تزوجها { قِنْطَارًا } أي: مالا كثيرا.

{ فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا } بل وفروه لهن ولا تمطلوا بهن.

وفي هذه الآية دلالة على عدم تحريم كثرة المهر، مع أن الأفضل واللائق الاقتداءُ بالنبي صلى الله عليه وسلم في تخفيف المهر.

ووجه الدلالة أن الله أخبر عن أمر يقع منهم، ولم ينكره عليهم، فدل على عدم تحريمه لكن قد يُنهى عن كثرة الصداق إذا تضمن مفسدة دينية وعدم مصلحة تقاوم ثم قال: { أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا } فإن هذا لا يحل ولو تحيلتم عليه بأنواع الحيل، فإن إثمه واضح.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ) أراد بالزوج الزوجة ولم يكن من قبلها نشوز ولا فاحشة ، ( وآتيتم إحداهن قنطارا ) وهو المال الكثير ، صداقا ، ( فلا تأخذوا منه ) من القنطار ، ( شيئا أتأخذونه ) استفهام بمعنى التوبيخ ، ( بهتانا وإثما مبينا ) انتصابهما من وجهين أحدهما بنزع الخافض ، والثاني بالإضمار تقديره : تصيبون في أخذه بهتانا وإثما ثم قال:

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج» أي أخذها بدلها بأن طلقتموها «و» قد «آتيتم إحداهن» أي الزوجات «قنطارا» مالا كثيرا صداقا «فلا تأخذوا منه شيئا أتأخُذُونهُ بهتانا» ظلما «وإثما مبينا» بينا ونصبهما على الحال، والاستفهامُ للتوبيخ وللإنكار في قوله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإن أردتم استبدال زوجة مكان أخرى، وكنتم قد أعطيتم مَن تريدون طلاقها مالا كثيرًا مهرًا لها، فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئًا، أتأخذونه كذبًا وافتراءً واضحًا؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - أنه يجوز لرجل أن يأخذ من المرأة بعض ما أعاطاها من صداق إذا أتت بفاحشة مبينة .

.

عقب ذلك بببيان الحكم فيما إذا كان الفراق من جانب الزوج دون أن تكون المرأة قد أتت بفاحشة فقال - تعالى - ( وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ) والاستبدال : طلب البدل ، بأن يطلق الرجل امرأة ويتزوج بأخرى .والقنطار : أصله من قنطرت الشئ إذا رفعته .

ومنه القنطرة ، لأنها بناء مرتفع مشيد .

والمراد به هنا المال الكثيرة الذى هو أقصى ما يتصور من مهر يدفعه الرجل للمرأة .والمعنى : وإن أردتم أيها الأزواج ( استبدال زَوْجٍ ) أى تزوج امرأة ترغبون فيها " مكان زوج " أى مكان امرأة لا ترغبون فيها ، بل ترغبون فى طلاقها ( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ) أى أعطى أحدكم إحدى الزوجات التى تريدون طلاقها مالا كثيراً على سبيل الصداق لها ( فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ) أى فلا نأخذوا من المال الكثير الذى أعطيتموه لهن شيئا أياً كان هذا الشئ ، لأن فراقهن كان بسبب من جانبكم لا من جانبهن .وعبر - سبحانه - ب ( إِنْ ) التى تفيد الشك فى وقوع الفعل؛ للتنبيه على ان الإِرادة قد تكون غير سليمة ، وغير مبنية قوية ، فعلى الزوج أن يتريث ويتثبت ويحسن التدبر فى عواقب الأمور .والمراد بالزوج فى قوله ( استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ ) الجنس الذى يصدق على جميع الأزواج .والمراد من الإِيتاء فى قوله ( وَآتَيْتُمْ ) الالتزام والضمان .

أى : التزمتم وضمنتم أن تؤتوا إحداهن هذا المال الكثير .والجملة حالية بتقدير قد .

أي : وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وحال أنكم قد آتيتم التى تريدون أن تطلقوها قنطاراً فلا تأخذونها منه شيئا .والاستفهام فى قوله ( أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ) للإِنكار والتوبيخ ، والبهتان : هو الكذب الذى يدهش ويحير لفظاعته .

ويطلق على كل أمر كاذب يتحير العقل فى إدراك سببه أو لا يعرف مبررا لوقوعه ، كمن يعتدى على الناس ويتقول عليهم الأقاويل ، مع أنه ليست هناك عداوة سابقة بينه وبينهم .قال صاحب الكشاف : والبهتان : أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو برئ منه ولأنه يبهت عند ذلك .

أى يتحير .والإِثم : هو الذنب العظيم الذى يبعد صاحبه عن رضا الله - تعالى - ( والمبين ) هو الشئ الواضح الذى يعلن عن نفسه بدون لبس أو خفاء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى في الآية الأولى لما أذن في مضارة الزوجات إذا أتين بفاحشة، بين في هذه الآية تحريم المضارة في غير حال الفاحشة فقال: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ ﴾ روي أن الرجل منهم إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجة نفسه بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج المرأة التي يريدها قال تعالى: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ ﴾ الآية والقنطار المال العظيم، وقد مر تفسيره في قوله تعالى: ﴿ والقناطير المقنطرة مِنَ الذهب والفضة  ﴾ .

المسألة السادسة: قالوا: الآية تدل على جواز المغالاة في المهر، روي أن عمر رضي الله عنه قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم، فقامت امرأة فقالت: يا ابن الخطاب الله يعطينا وأنت تمنع وتلت هذه الآية، فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر، ورجع عن كراهة المغالاة.

وعندي أن الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة لأن قوله: ﴿ وآتيتم إحداهن قنطارا ﴾ لا يدل على جواز إيتاء القنطار كما أن قوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا  ﴾ لا يدل على حصول الآلهة، والحاصل أنه لا يلزم من جعل الشيء شرطا لشيء آخر كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع، وقال عليه الصلاة والسلام: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين».

ولم يلزم منه جواز القتل، وقد يقول الرجل: لو كان الاله جسما لكان محدثا، وهذا حق، ولا يلزم منه ان قولنا: الاله جسم حق.

المسألة الثالثة: هذه الآية يدخل فيها ما اذا آتاها مهرها وما إذا لم يؤتها، وذلك لأنه أوقع العقد على ذلك الصداق في حكم الله، فلا فرق فيه بين ما اذا آتاها الصداق حساً، وبين ما إذا لم يؤتها.

المسألة الرابعة: احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على أن الخلوة الصحيحة تقرر المهر، قال وذلك لأن الله تعالى منع الزوج من أن يأخذ منها شيئا من المهر، وهذا المنع مطلق ترك العمل به قبل الخلوة، فوجب أن يبقى معمولا به بعد الخلوة قال: ولا يجوز أن يقال انه مخصوص بقوله تعالى: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ  ﴾ وذلك لأن الصحابة اختلفوا في تفسير المسيس فقال علي وعمر: المراد من المسيس الخلوة، وقال عبدالله: هو الجماع، واذا صار مختلفا فيه امتنع جعله مخصصا لعموم هذه الآية.

والجواب: ان هذه الآية المذكورة هاهنا مختصة بما بعد الجماع بدليل قوله تعالى: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ وإفضاء بعضهم إلى البعض هو الجماع على قول أكثر المفسرين وسنقيم الدلائل على صحة ذلك.

المسألة الخامسة: اعلم أن سوء العشرة اما أن يكون من قبل الزوج، وإما أن يكون من قبل الزوجة، فان كان من قبل الزوج كره له أنه يأخذ شيئا من مهرها لأن قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾ صريح في أن النشوز إذا كان من قبله فانه يكون منهيا عن أن يأخذ من مهرها شيئا، ثم ان وقعت المخالعة ملك الزوج بدل الخلع، كما ان البيع وقت النداء منهي عنه، ثم انه يفيد الملك، واذا كان النشوز من قبل المرأة فهاهنا يحل أخذ بدل الخلع؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ أَتَأْخُذُونَهُ بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: البهتان في اللغة الكذب الذي يواجه الإنسان به صاحبه على جهة المكابرة، وأصله من بهت الرجل إذا تحير، فالبهتان كذب يحير الإنسان لعظمته، ثم جعل كل باطل يتحير من بطلانه ﴿ بهتانا ﴾ ، ومنه الحديث: «إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته».

المسألة الثانية: في أنه لم انتصب قوله: ﴿ بهتانا ﴾ وجوه: الأول: قال الزجاج: البهتان هاهنا مصدر وضع موضع الحال، والمعنى: أتأخذونه مباهتين وآثمين.

الثاني: قال صاحب الكشاف: يحتمل أنه انتصب لأنه مفعول له وإن لم يكن غرضاً في الحقيقة، كقولك: قعد عن القتال جبنا.

الثالث: انتصب بنزع الخافض، أي ببهتان.

الرابع: فيه اضمار تقديره: تصيبون به بهتانا وإثما.

المسألة الثالثة: في تسمية هذا الأخذ بهتانا وجوه: الأول: أنه تعالى فرض لها ذلك المهر فمن استرده كان كأنه يقول: ليس ذلك بفرض فيكون بهتانا.

الثاني: أنه عند العقد تكفل بتسليم ذلك المهر اليها، وأن لا يأخذه منها، فاذا أخذه صار ذلك القول الأول بهتانا.

الثالث: أنا ذكرنا أنه كان من دأبهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تخاف وتشتري نفسها منه بذلك المهر، فلما كان هذا الأمر واقعا على هذا الوجه في الأغلب الأكثر، جعل كأن أحدهما هو الآخر.

الرابع: أنه تعالى ذكر في الآية السابقة: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ ﴾ والظاهر من حال المسلم أنه لا يخالف أمر الله، فاذا أخذ منها شيئاً أشعر ذلك بأنها قد أتت بفاحشة مبينة، فاذا لم يكن الأمر كذلك في الحقيقة صح وصف ذلك الأخذ بأنه بهتان، من حيث أنه يدل على إتيانها بالفاحشة مع أن الأمر ليس كذلك.

وفيه تقرير آخر وهو أن أخذ المال طعن في ذاتها وأخذ لمالها، فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر، فكان ذلك معصية عظيمة من أمهات الكبائر.

الخامس: أن عقاب البهتان والاثم المبين كان معلوماً عندهم فقوله: ﴿ أَتَأْخُذُونَهُ بهتانا ﴾ معناه أتأخذون عقاب البهتان فهو كقوله: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً  ﴾ .

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ أَتَأْخُذُونَهُ ﴾ استفهام على معنى الانكار والاعظام، والمعنى أن الظاهر أنكم لا تفعلون مثل هذا الفعل مع ظهور قبحه في الشرع والعقل.

واعلم أنه تعالى ذكر في علة هذا المنع أمورا: أحدهما: أن هذا الأخذ يتضمن نسبتها إلى الفاحشة المبينة، فكان ذلك بهتانا والبهتان من أمهات الكبائر.

وثانيها: أنه إثم مبين لأن هذا المال حقها فمن ضيق الأمر عليها ليتوسل بذلك التشديد والتضييق وهو ظلم، إلى أخذ المال وهو ظلم آخر، فلا شك أن التوسل بظلم إلى ظلم آخر يكون إثما مبينا.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أصل أفضى من الفضاء الذي هو السعة يقال: فضا يفضو وفضاء إذا اتسع، قال الليث: أفضى فلان إلى فلان، أي وصل اليه، وأصله أنه صار في فرجته وفضائه، وللمفسرين في الافضاء في هذه الآية قولان: أحدهما: أن الافضاء هاهنا كناية عن الجماع وهو قول ابن عباس ومجاهد والسدي واختيار الزجاج وابن قتيبة ومذهب الشافعي؛ لأن عنده الزوج إذا طلق قبل المسيس فله أن يرجع في نصف المهر، وإن خلا بها.

والقول الثاني: في الافضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها، قال الكلبي: الافضاء أن يكون معها في لحاف واحد، جامعها أو لم يجامعها، وهذا القول اختيار الفراء ومذهب أبي حنيفة رضي الله عنه.

لأن الخلوة الصحيحة تقرر المهر.

واعلم أن القول الأول أولى، ويدل عليه وجوه: الأول: أن الليث قال: أفضى فلان إلى فلانة أي صار في فرجتها وفضائها، ومعلوم أن هذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع، أما في غير وقت الجماع فهذا غير حاصل.

الثاني: أنه تعالى ذكر هذا في معرض التعجب، فقال: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الافضاء سببا قويا في حصول الألفة والمحبة، وهو الجماع لا مجرد الخلوة، فوجب حمل الافضاء عليه.

الثالث: وهو أن الافضاء اليها لابد وأن يكون مفسرا بفعل منه ينتهي اليه، لأن كلمة إلى لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليس كذلك، لأن عند الخلوة المحضة لم يصل فعل من أفعال واحد منهما إلى الآخر، فامتنع تفسير قوله: ﴿ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ بمجرد الخلوة.

فان قيل: فاذا اضطجعا في لحاف واحد وتلامسا فقد حصل الافضاء من بعضهم إلى بعض فوجب أن يكون ذلك كافيا.

وأنتم لا تقولون به.

قلنا: القائل قائلان، قائل يقول: المهر لا يتقرر إلا بالجماع، وآخر: انه يتقرر بمجرد الخلوة وليس في الأمة أحد يقول إنه يتقرر بالملامسة والمضاجعة، فكان هذا القول باطلا بالاجماع، فلم يبق في تفسير إفضاء بعضهم إلى بعض إلا أحد أمرين: إما الجماع، وإما الخلوة، والقول بالخلوة باطل لما بيناه، فبقي أن المراد بالافضاء هو الجماع.

الرابع: أن المهر قبل الخلوة ما كان متقرراً، والشرع قد علق تقرره على إفضاء البعض إلى البعض، وقد اشتبه الأمر في أن المراد بهذا الافضاء، هو الخلوة أو الجماع، وإذا وقع الشك وجب بقاء ما كان على ما كان، وهو عدم التقرير، فبهذه الوجوه ظهر ترجيح مذهب الشافعي والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ كلمة تعجب، أي لأي وجه ولأي معنى تفعلون هذا؟

فانها بذلت نفسها لك وجعلت ذاتها لذتك وتمتعك، وحصلت الألفة التامة والمودة الكاملة بينكما، فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها شيئاً بذله لها بطبية نفسه؟

إن هذا لا يليق ألبتة بمن له طبع سليم وذوق مستقيم.

الوجه الرابع: من الوجوه التي جعلها الله مانعا من استرداد المهر قوله: ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً ﴾ في تفسير هذا الميثاق الغليظ وجوه: الأول: قال السدي وعكرمة والفراء: هو قولهم زوجتك هذه المرأة على ما أخذه الله للنساء على الرجال، من إمساك بمعروف أو تسريح باحسان، ومعلوم أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فما سرحها بالاحسان، بل سرحها بالاساءة.

الثاني: قال ابن عباس ومجاهد: الميثاق الغليظ كلمة النكاح المعقودة على الصداق، وتلك الكلمة كلمة تستحل بها فروج النساء، قال صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله في النساء فانكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله».

الثالث: قوله: ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً ﴾ أي أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقا غليظا، وصفه بالغلظة لقوته وعظمته، وقالوا: صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج.

النوع الخامس: من الأمور التي كلف الله تعالى بها في هذه الآية من الأمور المتعلقة بالنساء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وكان الرجل إذا طمحت عينه إلى استطراف امرأة؟

بهت التي تحته ورماها بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوّج غيرها.

فقيل: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ ﴾ الآية.

والقنطار: المال العظيم، من قنطرت الشيء إذا رفعته، ومنه القنطرة، لأنها بناء مشيد.

قال: كَقَنْطَرَةِ الرُّومِيِّ أَقْسَمَ رَبُّهَا ** لَتُكْتَنَفَنْ حَتَّى تُشَادَ بِقِرْمِدِ وعن عمر رضي الله عنه أنه قام خطيباً فقال: أيها الناس، لا تغالوا بصُدُق النساء، فلو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أصدق امرأة من نسائه أكثر من اثني عشر أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت له: يا أمير المؤمنين، لِمَ تمنعنا حقاً جعله الله لنا والله يقول: ﴿ وَءَاتَيْتُمْ إحداهن قِنطَاراً ﴾ فقال عمر: كل أحد أعلم من عمر ثم قال لأصحابه: تسمعونني أقول مثل هذا القول فلا تنكرونه عليّ حتى تردّ عليّ امرأة ليست من أعلم النساء والبهتان: أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو بريء منه، لأنه يبهت عند ذلك، أي يتحير.

وانتصب ﴿ بهتانا ﴾ على الحال، أي باهتين وآثمين، أو على أنه مفعول له وإن لم يكن غرضاً، كقولك: قعد عند القتال جبناً.

والميثاق الغليظ: حق الصحبة والمضاجعة، كأنه قيل: وأخذن به منكم ميثاقاً غليظاً، أي بإفضاء بعضكم إلى بعض.

ووصفه بالغلظ لقوّته وعظمه، فقد قالوا: صحبة عشرين يوماً قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟

وقيل: هو قول الوليّ عند العقد: أنكحتك على ما في كتاب الله من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان في أيديكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ﴾ تَطْلِيقَ امْرَأةٍ وتَزَوُّجَ أُخْرى.

﴿ وَآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ ﴾ أيْ إحْدى الزَّوْجاتِ، جَمَعَ الضَّمِيرَ لِأنَّهُ أرادَ بِالزَّوْجِ الجِنْسَ.

﴿ قِنْطارًا ﴾ مالًا كَثِيرًا.

﴿ فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا ﴾ أيْ مِن قِنْطارٍ.

﴿ أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ، أيْ تَأْخُذُونَهُ باهِتِينَ وآثِمِينَ، ويَحْتَمِلُ النَّصْبَ عَلى العِلَّةِ كَما في قَوْلِكَ: قَعَدْتُ عَنِ الحَرْبِ جُبْنًا، لِأنَّ الأخْذَ بِسَبَبِ بُهْتانِهِمْ واقْتِرافِهِمُ المَآثِمَ.

قِيلَ كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا أرادَ امْرَأةً جَدِيدَةً بَهَتَ الَّتِي تَحْتَهُ بِفاحِشَةٍ حَتّى يُلْجِئَها إلى الِافْتِداءِ مِنهُ بِما أعْطاها لِيَصْرِفَهُ إلى تَزَوُّجِ الجَدِيدَةِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ والبُهْتانُ الكَذِبُ الَّذِي يَبْهَتُ المَكْذُوبُ عَلَيْهِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الفِعْلِ الباطِلِ ولِذَلِكَ فُسِّرَ هاهُنا بِالظُّلْمِ.

﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ ﴾ إنْكارٌ لِاسْتِرْدادِ المَهْرِ والحالُ أنَّهُ وصَلَ إلَيْها بِالمُلامَسَةِ ودَخَلَ بِها وتَقَرَّرَ المَهْرُ.

﴿ وَأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ عَهْدًا وثِيقًا، وهو حَقُّ الصُّحْبَةِ والمُمازَحَةِ، أوْ ما أوْثَقَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في شَأْنِهِنَّ بِقَوْلِهِ: فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ أوْ ما أشارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ  بِقَوْلِهِ: «أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمانَةِ اللَّهِ، واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ».» <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)

وكان الرجل إذا رأى امرأة فأعجبته بهت التي تحته ورماها بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها فقيل {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ} أي تطليق امرأة وتزوج أخرى {وآتيتم إحداهن} وأعطيتم إحدى الزوجات فالمراد بالزوج الجمع لأن الخطاب لحماعة الرجال {قنطارا} مالا عظيما كما مر فى آل عمران وقال عمر رضى الله عنه على المنبر لا تغالوا بصدقات النساء فقالت امرأة أنتبع قولك أم قول الله وآتيتم إحداهن قنطار فقال عمر كل أحد أعلم من عمر تزوجوا على ماشئتم {فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ} من القنطار {شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً} أي بيناً والبهتان أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو برئ منه لأنه يبهت عند ذلك أي يتحير وانتصب بهتاناً على الحال أي باهتين وآثمين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنْ أرَدْتُمُ ﴾ أيُّها الأزْواجُ ﴿ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ ﴾ إقامَةَ امْرَأةٍ تَرْغَبُونَ فِيها ﴿ مَكانَ زَوْجٍ ﴾ أيِ امْرَأةٍ تَرْغَبُونَ عَنْها بِأنْ تُطَلِّقُوها ﴿ وآتَيْتُمْ ﴾ أيْ أعْطى أحَدُكم ﴿ إحْداهُنَّ ﴾ أيْ إحْدى الزَّوْجاتِ، فَإنَّ المُرادَ مِنَ الزَّوْجِ هو الجِنْسُ الصّادِقُ مَعَ المُتَعَدِّدِ المُناسِبِ لِخِطابِ الجَمْعِ، والمُرادُ مِنَ الإيتاءِ كَما قالَ الكَرْخِيُّ: الِالتِزامُ والضَّمانُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ ﴾ أيْ ما التَزَمْتُمْ وضَمِنتُمْ، ومَفْهُومُ الشَّرْطِ غَيْرُ مُرادٍ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وإنَّما ذُكِرَ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ قَدْ يُتَوَهَّمُ فِيها الأخْذُ فَنَبِّهُوا عَلى حُكْمِ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ لا مَعْطُوفَةٌ عَلى الشَّرْطِ أيْ وقَدْ آتَيْتُمُ الَّتِي تُرِيدُونَ أنْ تُطَلِّقُوها وتَجْعَلُوا مَكانَها غَيْرَها ﴿ قِنْطارًا ﴾ أيْ مالًا كَثِيرًا وقَدْ تَقَدَّمَتِ الأقْوالُ فِيهِ ﴿ فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ ﴾ أيْ مِنَ القِنْطارِ المُؤْتى ﴿ شَيْئًا ﴾ يَسِيرًا أيْ فَضْلًا عَنِ الكَثِيرِ.

﴿ أتَأْخُذُونَهُ ﴾ أيِ الشَّيْءَ ﴿ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ النَّهْيِ والِاسْتِفْهامِ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والمَصْدَرانِ مَنصُوبانِ عَلى الحالِيَّةِ بِتَأْوِيلِ الوَصْفِ أيْ أتَأْخُذُونَهُ باهِتِينَ وآثِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مَنصُوبَيْنِ عَلى العِلَّةِ ولا فَرْقَ في هَذا البابِ بَيْنَ أنْ تَكُونَ عِلَّةً غائِيَّةً وأنْ تَكُونَ عِلَّةً باعِثَةً وما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الثّانِي نَحْوَ قَعَدْتُ عَنِ الحَرْبِ جُبْنًا لِأنَّ الأخْذَ بِسَبَبِ بُهْتانِهِمْ واقْتِرافِهِمُ المَآثِمَ فَقَدْ قِيلَ: كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا أرادَ جَدِيدَةً بَهَتَ الَّتِي تَحْتَهُ بِفاحِشَةٍ حَتّى يُلْجِئَها إلى الِافْتِداءِ مِنهُ بِما أعْطاها لِيَصْرِفَهُ إلى تَزَوُّجِ الجَدِيدَةِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، والبُهْتانُ الكَذِبُ الَّذِي يَبْهَتُ المَكْذُوبَ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: الباطِلُ الَّذِي يَتَحَيَّرُ مِن بُطْلانِهِ، وفُسِّرَ هُنا بِالظُّلْمِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الإثْمُ فَعُطِفَ الإثْمُ عَلَيْهِ لِلتَّفْسِيرِ كَما في قَوْلِهِ: وألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا وقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا إنْكارُ التَّمْلِيكِ والمُبِينُ البَيْنُ الظّاهِرُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً قال ابن عباس: كانوا في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا مات الرجل وله امرأة وله ولد من غيرها، أو له وارث غير الابن فألقى ثوبه عليها ورث نكاحها بالصداق الأول.

ويقول: أنا ولي زوجك فورثتك.

فإن كانت جميلة أمسكها، وإن لم تكن جميلة طول عليها لتفتدي منه، فنزلت هذه الآية.

وقال في رواية الضحاك: كان الرجل عنده عجوز ونفسه تتوق إلى الشابة، فيكره فراق العجوز لمالها، فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدي منه بمالها أو تموت، فيرث مالها، فنزلت هذه الآية، وأمر الزوج بأن يطلقها إن كره صحبتها فلا يمسكها كرهاً.

فذلك قوله تعالى: لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً قرأ عاصم وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ونافع: (كَرهاً) بنصب الكاف.

وقرأ حمزة والكسائي: (كُرها) بالضم.

قال القتبي: (الكَره) بالنصب بمعنى الإكراه، (والكُره) بالرفع المشقة، ويقال: ليفعل ذلك طوعا أو كرها، يعني طائعاً أو مكرهاً.

ثم قال تعالى: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ أي لا تمنعوهن من الأزواج لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ من المهر وغيره إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وهي المعصية في النشوز على زوجها، فيحل له ما أخذ منها.

ويقال: إلا أن تزني فيحل له أن يفتدي منها، يعني إذا كانت بطيبة نفسها.

قرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر (بفاحشة مبيَنة) بنصب الياء، وقرأ الباقون (مبِّيِنة) بكسر الياء.

فمن قرأ بالكسر يعني الفعل الفاحشة يعني فاحشة ظاهرة تبين منها نفسها.

ومن قرأ بالنصب يكون بمعنى المفعول.

قال مقاتل: نزلت هذه الآية في محصن بن أبي قيس، وامرأته هند بنت المغيرة وفي جماعة.

وقال الكلبي: نزلت في حصن بن أبي قيس وامرأته كبشة بنت معن.

ثم قال تعالى: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي صاحبوهن بالجميل فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ أي كرهتم صحبتهن فَعَسى يقول فلعل أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً من صحبتكم إياهن وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً يعني في صحبتهم يرزق لكم ولداً صالحاً، وهذا كقوله عز وجل وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ويقال وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً لعله إن أمسكها فيعطفه الله عليها من بعد ذلك، وأما أن يخلي سبيلها فيزوجها الله زوجاً غيره، فيرزقها الله منه الولد.

ثم قال: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ يعني تغيير زوج مَكانَ زَوْجٍ يعني إذا أراد الرجل أن يطلق زوجته ولم يكن منها نشوز، وأراد أن يتزوج غيرها وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً من الذهب في المهر.

قال مجاهد: القنطار سبعون ألف دينار.

وقال عطاء: سبعة آلاف دينار.

وقال الحسن: ألف دينار أو اثني عشرة ألف درهم.

وقال قتادة: كان يقال القنطار مائة رطل من الذهب، أو ثمانون ألفاً من ورق.

وروي عن عبد الوهاب بن عطاء عن الكلبي قال: كل ما لم أسنده لكم فهو كله عن أبي صالح عن ابن عباس.

قال: القنطار ألف مثقال مما كان من ذهب أو فضة.

ثم قال تعالى فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أي فلا تستحلوا أن تأخذوا مما أعطيتم شيئاً إذا لم يكن النشوز من قبلها.

ثم قال: أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً يقول: أتستحلون أخذه ظلماً وَإِثْماً مُبِيناً أي ذنباً ظاهراً.

ثم قال تعالى: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ يقول: كيف تستحلون أخذه، يعني أخذ مهورهن وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ يقول: قد اجتمعا في لحاف واحد.

قال الفراء: الإفضاء أن يخلو الرجل والمرأة إن لم يجامعها، أو جامعها وقد وجب المهر.

وقال الكلبي: الإفضاء إذا كان معها في لحاف واحد، جامعها أو لم يجامعها، فقد وجب المهر.

وروى عوف الأعرابي عن زرارة بن أبي أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أن من أغلق باباً وأرخى ستراً، فقد وجب المهر والعدة.

وقال مقاتل: الإفضاء الجماع.

وبهذا القول قال بعض الناس: وأما علماؤنا رحمهم الله قالوا: إذا خلا بها خلوة صحيحة يجب كمال المهر والعدة، دخل بها أو لم يدخل بها.

ثم قال: وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً يقول: أوجبن عليكم عقداً وثيقاً بالنكاح.

وهو قوله تعالى فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [البقرة: 229] فصار ذلك على الرجال ميثاقاً غليظاً من النساء ثم بيّن ما يحل للرجال من النساء وما لا يحل فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأَعْتَدْنا معناه: يسّرناه وأحضرناه.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١)

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً ...

الآية: قال ابن عَبَّاس: كانوا في الجاهليَّة، إذا مات الرجُلُ كانَ أولياؤه أحَقَّ بامرأته من أهلها، إن شاءوا تزوّجها أحدهم، وإن شاءوا زوّجوها من غيرهم، وإن شاءوا مَنَعُوهَا الزَّوَاج، فنزلَتِ الآيةُ في ذلِكَ «١» .

وقال بعضُ المتأوِّلين: معنى الآية: لا يحلُّ لكم عَضْل النساءِ اللواتِي أنْتُم أولياء لهنَّ، وإمساكُهُنَّ دون تزويجٍ حتى يَمُتْنَ، فتورَثُ أموالُهُنَّ.

قال ع «٢» : فعلى هذا القولِ: فالموروث مالُهَا، لا هِيَ وروي نَحْوَ هذا عن ابْنِ عَبَّاس «٣» .

وقوله تعالى: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ ...

الآية: قال ابنُ عبَّاس وغيره: هي أيضاً في أولئك الأولياء الذين كَانُوا يَرِثُون المرأةَ، لأنهم كانوا يتزوَّجونها إذا كانَتْ جميلةً، ويمسِكُونها حتى تموتَ إذا كانت دميمةً «٤» وقال نحوَهُ الحَسَن، وعِكْرِمَة، وقال ابنُ عبَّاس أيضاً: هي في الأزواج في الرَّجُل يُمْسِكُ المرأَةَ، ويسيءُ عِشْرتها حتى تَفْتَدِيَ منه فذلك لا يحلُّ له «٥» ، وقَالَ مثلَهُ قتادةَ «٦» ، وهو أقوى الأقوال ودليل ذلك: قوله:

إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ، وإذا أتَتْ بفاحشةٍ، فليس للوليِّ حَبْسُهَا حتَّى يذهب بمالِهَا إجماعاً من الأُمَّة، وإنما ذلك للزَّوْج على ما سنبيِّنه الآن (إن شاء اللَّه) ، وكذلك قوله:

عاشِرُوهُنَّ ...

إلى آخر الآية، يظهر منه تقويةُ ما ذكرته.

واختلِفَ في معنى «الفَاحِشَةِ» هنا، فقال الحسَنُ بنُ أبي الحَسَن: هو الزِّنَا «١» ، قال أبو قِلاَبَةَ: إذا زنَتِ امرأة الرجُلِ، فلا بأس أنْ يُضارَّها، ويَشُقَّ عليها حتى تَفْتَدِيَ منْه، وقال السُّدِّيُّ: إذا فعلْنَ ذلك، فَخُذُوا مهورَهُنَّ «٢» .

قلْتُ: وحديثُ المتلاعنَيْن يضعِّف هذا القول لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «فَذَاكَ بِمَا استحللت مِنْ فَرْجِهَا ...

» الحديث «٣» .

وقال ابنُ عبَّاس وغيره: الفاحشةُ في هذه الآية: البُغْضُ والنُّشُوز فإذا نَشَزَتْ، حلَّ له أنْ يأخذ مالَهَا «٤» .

قال ع «٥» : وهو مذهبُ مالكٍ.

وقال قوم: الفاحشةُ: البَذَاء باللِّسان، وسوءُ العِشْرة قولاً وفعلاً، وهذا في معنَى النُّشُوز.

قال ع «٦» : والزنا أصعَبُ علَى الزَّوْج من النُّشُوز والأذى، وكُلُّ ذلك فاحشةٌ تُحِلُّ أَخْذَ المالِ.

وقوله تعالى: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ: أمرٌ يعمُّ الأزواجَ والأولياءَ، ولكنَّ المتلبِّس في الأغلب بهذا الأمر الأزواجُ، والعِشْرَةُ: المخالطةُ والممازجة.

وقوله تعالى: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً،

قال السُّدِّيُّ: الخيرُ الكثيرُ في المرأة الولَدُ «١» ، وقال نحوَهُ ابْنُ عَباس» .

قال ع «٣» : ومِنْ فصاحة القرآن العمومُ الذي في لفظَةِ «شَيْء» لأنه يطَّرد هذا النَّظَرُ في كلِّ ما يكرهه المرءُ ممَّا يجمُلُ الصبْرُ عليه، ويحسُنُ، إذ عاقبةُ الصَّبْرِ إلى خيرٍ، إذا أريد به وَجْهُ اللَّهِ.

وقوله تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ...

الآية: لما مضى في الآية المتقدِّمة حُكْمُ الفِرَاقِ الذي سبَبَهُ المرأةُ، وأنَّ للزوج أخْذَ المالِ منْها، عَقَّبَ ذلك بِذكْرِ الفِراقِ الذي سبَبَه الزَّوْجُ، والمَنْع من أخْذ مالها مع ذلك.

وقال بعضُ النَّاس: يؤخَذُ من الآية جوازُ المُغَالاة بالمُهُور، وقال قوم: لا تُعْطِي الآيةُ ذلك لأن التمثيل إنما جاء على جهة المبالغةِ «٤» .

والبُهْتان: مصدر في موضعِ الحالِ، ومعناه: مُبْهتاً، ثم وعظ تعالى عباده، وأَفْضى: معناه: بَاشَرَ، وقال مجاهدٌ وغيره: الإفْضَاءُ في هذه الآية: الجماعُ «٥» ، قال ابنُ عَبَّاس: ولكنَّ اللَّه كريمٌ يَكْنِي «٦» .

واختلف في المراد بالميثاقِ الغَليظِ.

فقال الحسن وغيره: / هو قوله تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ «٧» [البقرة: ٢٢٩] وقال مجاهدٌ، وابنُ زَيْدٍ: الميثاقُ الغليظُ: عُقْدةُ النِّكاحِ «٨» ، وقول الرّجل:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ ﴾ هَذا الخِطابُ لِلرِّجالِ.

والزَّوْجُ: المَرْأةُ.

وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ "القِنْطارِ" في (آلِ عِمْرانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا ﴾ إنَّما ذَلِكَ في حَقِّ مَن وطِئَها، أوْ خَلا بِها، وقَدْ بَيَّنَتْ ذَلِكَ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَها.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وإنَّما خُصَّ النَّهْيُ عَنْ أخْذِ شَيْءٍ مِمّا أعْطى بِحالِ الِاسْتِبْدالِ، وإنْ كانَ المَنعُ عامًا، لِئَلّا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّهُ لَمّا عادَ البِضْعُ إلى مِلْكِها، وجَبَ أنْ يُسْقِطَ حَقَّها مِنَ المَهْرِ، أوْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَ الثّانِيَةَ أوْلى بِالمَهْرِ مِنها، لِقِيامِها مَقامَها.

وَفِي البُهْتانِ قَوْلانِ.

.

أحَدُهُما: أنَّهُ الظُّلْمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: الباطِلُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

ومَعْنى الكَلامِ: أتَأْخُذُونَهُ مُباهِتِينَ آثِمِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا ﴾ ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ لَمّا مَضى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حُكْمُ الفِراقِ الَّذِي سَبَبُهُ المَرْأةُ، وأنَّ لِلزَّوْجِ أخْذَ المالِ مِنها، عَقِبَ ذَلِكَ ذَكَرَ الفِراقَ الَّذِي سَبَبُهُ الزَوْجُ، والمَنعَ مِن أخْذِ مالِها مَعَ ذَلِكَ، فَهَذا الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هو الَّذِي يَخْتَصُّ الزَوْجُ بِإرادَتِهِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ: إذا كانَ الزَوْجانِ يُرِيدانِ الفِراقَ، وكانَ مِنهُما نُشُوزٌ وسُوءُ عِشْرَةٍ، فَقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: لِلزَّوْجِ أنْ يَأْخُذَ مِنها إذا سَبَّبَتِ الفِراقَ، ولا يُراعى تَسْبِيبُهُ هُوَ، وَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: لا يَجُوزُ لَهُ أخْذُ المالِ إلّا أنْ تَنْفَرِدَ هي بِالنُشُوزِ وبِظُلْمِهِ في ذَلِكَ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: يَخْرُجُ في هَذِهِ الآيَةِ جَوازُ المُغالاةِ بِالمُهُورِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ مَثَّلَ بِقِنْطارٍ، ولا يُمَثِّلُ تَعالى إلّا بِمُباحٍ.

وخَطَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: ألا لا تُغالُوا بِمُهُورِ نِسائِكُمْ، فَإنَّ الرَجُلَ يُغالِي حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ عَداوَةً لِلْمَرْأةِ، يَقُولُ: تَجَشَّمْتُ إلَيْكِ عَلَقَ القِرْبَةِ أو عَرَقَ القِرْبَةِ، فَيُرْوى أنَّ امْرَأةً كَلَّمَتْهُ مِن وراءِ الناسِ فَقالَتْ: كَيْفَ هَذا؟

واللهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ وَآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا ﴾ قالَ: فَأطْرَقَ عُمَرُ ثُمَّ قالَ: "كُلُّ الناسِ أفْقَهُ مِنكَ يا عُمَرُ".

ويُرْوى أنَّهُ قالَ: "امْرَأةٌ أصابَتْ ورَجُلٌ أخْطَأ"، واللهُ المُسْتَعانُ، وتَرَكَ الإنْكارَ.

وقالَ قَوْمٌ: لا تُعْطِي الآيَةُ جَوازَ المُغالاةِ بِالمُهُورِ لِأنَّ التَمْثِيلَ جاءَ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، كَأنَّهُ قالَ: وآتَيْتُمْ هَذا القَدْرَ العَظِيمَ الَّذِي لا يُؤْتِيهِ أحَدٌ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ: « "مَن بَنى لِلَّهِ مَسْجِدًا ولَوْ كَمَفْحَصِ قَطاةٍ "لِبَيْضِها" بَنى اللهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ"» فَمَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَكُونُ مَسْجِدٌ كَمَفْحَصٍ، وقَدْ «قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِابْنِ أبِي حَدْرَدٍ -وَقَدْ جاءَ يَسْتَعِينُهُ في مَهْرِهِ- فَسَألَهُ عَنِ المَهْرِ، فَقالَ: مِائَتَيْنِ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ  وقالَ: "كَأنَّكم تَقْطَعُونَ الذَهَبَ والفِضَّةَ مِن عَرْضِ الحَرَّةِ أو جَبَلٍ"...» الحَدِيثُ فاسْتَقْرَأ بَعْضُ الناسِ مِن هَذا مَنعَ المُغالاةِ بِالمُهُورِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يَلْزَمُ، لِأنَّ هَذا أحْوَجَ نَفْسَهُ إلى الِاسْتِعانَةِ والسُؤالِ، وذَلِكَ مَكْرُوهٌ بِاتِّفاقٍ، وإنَّما المُغالاةُ المُخْتَلَفُ فِيها مَعَ الغِنى وسَعَةِ المالِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِوَصْلِ ألِفِ "احْداهُنَّ" وهي لُغَةٌ تُحْذَفُ عَلى جِهَةِ التَخْفِيفِ.

ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ...................

وتَسْمَعُ مِن تَحْتِ العَجاجِ لَها ازْمِلا وَقَوْلُ الآخَرِ: إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبِسُونِي بُرْقُعًا وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في قَدْرِ القِنْطارِ في سُورَةِ [آلِ عِمْرانَ]، وقَرَأ أبُو السَمّالِ "مِنهُ شَيَئًا" بِفَتْحِ الياءِ والتَنْوِينِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ.

والبُهْتانُ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ: مُبْهَتًا مُحَيَّرًا لِشُنْعَتِهِ وقُبْحِ الأُحْدُوثَةِ والفَعْلَةِ فِيهِ.

ثُمَّ وعَظَ تَعالى عِبادَهُ مُذَكِّرًا لَهم بِالمَوَدَّةِ الَّتِي بَيْنَ الزَوْجَيْنِ المُوجِبَةِ لِحِياطَةِ مالِ المَرْأةِ، إذْ قَدْ أُخِذَ مِنها العِوَضُ عَمّا أُعْطِيَتْهُ، و"كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ وأفْضى مَعْناهُ: باشَرَ وجاوَزَ أقْصى المُجاوَزَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بِلىً وثَأىً أفْضى إلى كُلِّ كَتْبَةٍ ∗∗∗ بَدا سَيْرُها مِن ظاهِرٍ بَعْدَ باطِنِ وفِي المَثَلِ "الناسُ فَوْضى فَضًا"، أيْ: مُخْتَلِطُونَ يُباشِرُ بَعْضُهم أمْرَ بَعْضٍ، وتَقُولُ: أفْضَتِ الحالُ إلى كَذا أيْ: صارَتْ إلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمُ: الإفْضاءُ في هَذِهِ الآيَةِ: الجِماعُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَكِنَّ اللهَ كَرِيمٌ يُكَنِّي.

واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالمِيثاقِ الغَلِيظِ؛ فَقالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ وقَتادَةُ والضَحّاكُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أو تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ  ﴾ وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: المِيثاقُ الغَلِيظُ: عُقْدَةُ النِكاحِ، وقَوْلُ الرَجُلِ: نَكَحْتَ ومَلَكْتَ النِكاحَ ونَحْوُهُ، فَهَذِهِ الَّتِي بِها تُسْتَحَلُّ الفُرُوجُ.

«وَقالَ عِكْرِمَةُ والرَبِيعُ، المِيثاقُ الغَلِيظُ يُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : "اسْتَوْصُوا بِالنِساءِ خَيْرًا، فَإنَّهُنَّ عَوانٌ عِنْدَكُمْ، أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمانَةِ اللهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلامِ اللهِ"» وقالَ قَوْمٌ: المِيثاقُ الغَلِيظُ: الوَلَدُ.

ومِن شاذِّ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ المُزْنِيَّ قالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُؤْخَذَ مِنَ المُخْتَلِعَةِ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ، وإنْ كانَتْ هي المُرِيدَةَ لِلطَّلاقِ، ومِنها أنَّ ابْنَ زَيْدٍ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في [سُورَةِ البَقَرَةِ] ﴿ وَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللهِ  ﴾ ...الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الآياتِ ناسِخٌ ولا مَنسُوخٌ، وكُلُّها يَنْبَنِي بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لا جرم أنّ الكراهية تعقبها إرادة استبدال المكروه بضدّه، فلذلك عطف الشرط على الذي قبله استطراداً واستيفاء للأحكام.

فالمراد بالاستبدال طلاق المرأة السابقة وتزوّج امرأة أخرى.

والاستبدال: التبديل.

وتقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿ قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ﴾ في سورة البقرة (61) أي إن لم يكن سبب للفراق إلاّ إرادة استبدال زوج بأخرى فيُلجِيء التي يريد فراقها، حتّى تخالعه، ليجد ما لا يعطيه مهراً للتي رغب فيها، نهى عن أن يأخذوا شيئاً ممّا أعطوه أزواجهم من مهر وغيره والقنطار هنا مبالغة في مقدار الماللِ المُعطى صداقاً أي ما لا كثيراً، كثرة غير متعارفة.

وهذه المبالغة تدلّ على أنّ إيتاء القنطار مباح شرعاً لأنّ الله لا يمثّل بما لا يَرضى شرعه مثل الحرام، ولذلك لمّا خطب عمر بن الخطاب فنهَى عن المغالاة في الصدُقات، قالت له امرأة من قريش بعد أن نزل يا أمير المؤمنين كتاب الله أحقّ أن يُتبع أوْ قولك قال: بل كتاب الله بم ذَلك؟

قالت: إنّك نهيت الناس آنفاً أن يغالوا في صداق النساء، والله يقول في كتابه ﴿ وآتيتم إحداهنّ قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً ﴾ [النساء: 20] فقال عمر «كلّ أحد أفقهُ من عُمر».

وفي رواية قال «امرأة أصَابتْ وأمير أخطَأ واللَّهُ المستعان» ثم رجع إلى المنبر فقال: «إنّي كنت نهيتكم أن تَغَالَوْا في صدقات النساء فليفعل كلّ رجل في ماله ما شاء».

والظاهر من هذه الرواية أنّ عمر رجع عن تحجير المباح لأنّه رآه ينافي الإباحة بمقتضى دلالة الإشارة وقد كان بَدَا له من قبل أنّ في المغالاة علّة تقتضي المنع، فيمكن أن يكون نسي الآية بناء على أنّ المجتهد لا يلزمه البحث عن المعارض لدليللِ اجتهاده، أو أن يكون حملها على قصد المبالغة فرأى أنّ ذلك لا يدلّ على الإباحة، ثم رجع عن ذلك أو أن يكون رأى لنفسه أن يحجّر بعض المباح للمصلحة ثمّ عدل عنه لأنّه ينافي إذن الشرع في فعله أو نحو ذلك.

وضمير: ﴿ إحداهن ﴾ راجع إلى النساء.

وهذه هي المرأة التي يراد طلاقها.

وتقدّم الكلام على القنطار عند تفسير قوله تعالى: ﴿ والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ﴾ في سورة آل عمران (14).

والاستفهام في أتأخذونه إنكاري.

والبهتان مصدر كالشُّكران والغُفْران، مصدر بهَتَه كمَنَعَه إذا قال عليه ما لم يَفْعَل، وتقدّم البهت عند قوله تعالى: ﴿ فبهت الذي كفر ﴾ في سورة البقرة (258).

وانتصب بهتاناً على الحال من الفاعل في (تأخذونه) بتأويله باسم الفاعل، أي مباهتين.

وإنّما جعل هذا الأخذ بهتانا لأنّهم كان من عادتهم إذا كرهوا المرأة وأرادوا طلاقها، رموها بسوء المعاشرة، واختلقوا عليها ما ليس فيها، لكي تخشى سوء السمعة فتبذل للزوج ما لا فداء ليطلّقها، حكى ذاك فخر الدين الرازي، فصار أخذ المال من المرأة عند الطلاق مظِنَّة بأنَّها أتت ما لا يُرضي الزوج، فقد يصدّ ذلك الراغبين في التزوّج عن خطبتها، ولذلك لمّا أذن الله للأزواج بأخذ المال إذا أتت أزواجهم بفاحشة، صار أخذ المال منهنّ بدون ذلك يُوهم أنّه أخذه في محل الإذن بأخذه، هذا أظهر الوجوه في جعل هذا الأخذ بهتاناً.

وأمّا كونه إثماً مبّينا فقد جُعل هنا حالا بعد الإنكار، وشأن مثل هذا الحال أن تكون معلومة الانتساب إلى صاحبها حتّى يصبح الإنكار باعتبارها، فيحتمل أنّ كونها إثماً مبيّنا قد صار معلوماً للمخاطبين من قوله: ﴿ فلا تأخذوا منه شيئاً ﴾ ، أو من آية البقرة (229) ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله ﴾ أو ممّا تقرّر عندهم من أنّ حكم الشريعة في الأموال أن لا تحلّ إلاّ عن طيب نفس.

وقوله: وكيف تأخذونه استفهام تعجيبي بعد الإنكار، أي ليس من المروءة أن تطمعوا في أخذ عوض عن الفراق بعد معاشرة امتزاج وعهد متين.

والإفضاء الوصول، مشتقّ من الفضاء، لأنّ في الوصول قطع الفضاء بين المتواصلين والميثاق الغليظ عقدة النكاح على نيّة إخلاص النيّة ودوام الألفة، والمعنى أنّكم كنتم على حال مودة وموالاة، فهي في المعنى كالميثاق على حسن المعاملة.

والغليظ صفة مُشَبَّهة من غَلُظ بضمّ اللام إذا صلب، والغلظة في الحقيقة صَلابة الذوات، ثم استعيرت إلى صعوبة المعاني وشدّتها في أنواعها، قال تعالى: ﴿ قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ﴾ [التوبة: 123].

وقد ظهر أنّ مناط التحريم هو كون أخذ المال عند طلب استبدال الزوجة بأخرى، فليس هذا الحكم منسوخاً بآية البقرة خلافاً لجابر بن زيد إذ لا إبطال لمدلول هذه الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ﴾ وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ في الجاهِلِيَّةِ كانُوا إذا ماتَ أحَدُهم عَنْ زَوْجَةٍ، كانَ ابْنُهُ وقَرِيبُهُ أوْلى بِها مِن غَيْرِهِ ومِنها بِنَفْسِها، فَإنْ شاءَ نَكَحَها كَأبِيهِ بِالصَّداقِ الأوَّلِ، وإنْ شاءَ زَوَّجَها ومَلَكَ صَداقَها، وإنْ شاءَ عَضَلَها عَنِ النِّكاحِ حَتّى تَمُوتَ فَيَرِثَها أوْ تَفْتَدِيَ مِنهُ نَفْسَها بِصَداقِها، إلى أنْ تُوُفِّيَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ عَنْ زَوْجَتِهِ كُبَيْشَةَ بِنْتِ مَعْنِ بْنِ عاصِمٍ فَأرادَ ابْنُهُ أنْ يَتَزَوَّجَها فَجاءَتْ إلى النَّبِيِّ  فَقالَتْ يا نَبِيَّ اللَّهِ، لا أنا ورِثْتُ زَوْجِي، ولا أنا تُرِكْتُ فَأُنْكَحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

﴿ وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ خِطابٌ لِوَرَثَةِ الأزْواجِ أنْ [لا] يَمْنَعُوهُنَّ مِنَ التَّزْوِيجِ كَما ذَكَرْنا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ أنْ [لا] يَعْضِلُوا نِساءَهم بَعْدَ الطَّلاقِ، كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُ في الجاهِلِيَّةِ وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ أنْ [لا] يَحْبِسُوا النِّساءَ كَرْهًا لِيَفْتَدِينَ نُفُوسَهُنَّ أوْ يَمُتْنَ فَيَرِثَهُنَّ الزَّوْجُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والشَّعْبِيِّ، والضَّحّاكِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأوْلِياءِ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

﴿ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ فِيها هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الزِّنى، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وأبِي قِلابَةَ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّها النُّشُوزُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها البَذاءُ والأذى.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مِقْسَمٍ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلّا أنْ يُفْحِشْنَ).

﴿ فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي الوَلَدَ الصّالِحَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا ﴾ يَعْنِي أنَّهُنَّ قَدْ مَلَكْنَ الصَّداقَ، ولَيْسَ مِلْكُهُنَّ لِلصَّداقِ مَوْقُوفًا عَلى التَّمَسُّكِ بِهِنَّ، بَلْ ذَلِكَ لَهُنَّ مَعَ إمْساكِهِنَّ، وفِراقِهِنَّ.

﴿ أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ظُلْمًا بِالبُهْتانِ.

والثّانِي: أنْ يَبْهَتَها أنْ جَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَرْجِعَهُ مِنها.

وَإنَّما مَنَعَ مِن ذَلِكَ مَعَ الِاسْتِبْدالِ بِهِنَّ وإنْ كانَ مَمْنُوعًا مِنهُ وإنْ لَمْ يَسْتَبْدِلْ بِهِنَّ أيْضًا لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّهُ يَجُورُ مَعَ اسْتِبْدالِ غَيْرِها بِها أنْ يَأْخُذَ ما دَفَعَهُ إلَيْها لِيَدْفَعَهُ إلى مَنِ اسْتَبْدَلَ بِها مِنهُ وإنْ كانَ ذَلِكَ عُمُومًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ (الإفْضاءَ الجِماعُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ الخَلْوَةُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.

﴿ وَأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَقْدُ النِّكاحِ الَّذِي اسْتُحِلَّ بِهِ الفَرْجُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ إمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، والحَسَنِ، وابْنِ سِيرِينَ، وقَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما رَواهُ مُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ صُعْدَةَ بْنِ يَسارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: « (أيُّها النّاسُ، إنَّ النِّساءَ عِنْدَكم عَوانٌ أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمانَةِ اللَّهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ فَلَكم عَلَيْهِنَّ حَقٌّ ولَهُنَّ عَلَيْكم حَقٌّ، ومِن حَقِّكم عَلَيْهِنَّ ألّا يُوطِئْنَ فَرُشَكم أحَدًا ولا يَعْصِينَكم في مَعْرُوفٍ، فَإنْ فَعَلْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ)» .

واخْتُلِفَ في ثُبُوتِ حُكْمِها أوْ نَسْخِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مُحْكَمَةٌ، لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِنها شَيْئًا مِمّا أعْطاها سَواءٌ كانَتْ هي المُرِيدَةَ لِلطَّلاقِ أوْ هو، وهو قَوْلُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ.

والثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

وَقالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ: حُكْمُها ثابِتٌ إلّا عِنْدَ خَوْفِ النُّشُوزِ فَيَجُوزُ أنْ يُفادِيَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يَخْلُفُونَ الآباءَ عَلى نِسائِهِمْ، فَجاءَ الإسْلامُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ وعَفا عَمّا كانَ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ أنْ يُؤاخَذُوا بِهِ إذا اجْتَنَبُوهُ في الإسْلامِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ.

والثّانِي: يَعْنِي لا تَنْكِحُوا كَنِكاحِ آبائِكم في الجاهِلِيَّةِ عَلى الوَجْهِ الفاسِدِ، إلّا ما سَلَفَ مِنكم في جاهِلِيَّتِكم فَإنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ إذا كانَ مِمّا يَجُوزُ الإقْرارُ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ التّابِعِينَ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ: ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ بِالنِّكاحِ الجائِزِ، إلّا ما قَدْ سَلَفَ مِنهم بِالزِّنى والسِّفاحِ، فَإنَّ نِكاحَهُنَّ حَلالٌ لَكم، لِأنَّهُنَّ لَمْ يَكُنَّ حَلالًا، وإنَّما كانَ نِكاحُهُنَّ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: إلّا ما قَدْ سَلَفَ فَدَعُوهُ فَإنَّكم تُؤاخَذُونَ بِهِ، قالُوهُ وهَذا مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ بِمَعْنى لَكِنْ.

﴿ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا ﴾ والمَقْتُ شِدَّةُ البُغْضِ لِقُبْحِ مُرْتَكِبِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: قَدْ مَقَتَهُ النّاسُ إذا أبْغَضُوهُ، ورَجُلٌ مَقِيتٌ، وكانَ يُقالُ لِوَلَدِ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأةِ أبِيهِ المَقْتِيُّ.

﴿ وَساءَ سَبِيلا ﴾ يَعْنِي طَرِيقًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ﴾ قال: إن كرهت امرأتك وأعجبك غيرها فطلقت هذه وتزوجت تلك، فأعط هذه مهرها وإن كان قنطارا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ﴾ قال: طلاق امرأة ونكاح أخرى، فلا يحل له من مال المطلقة شيء وإن كثر.

وأخرج ابن جرير عن أنس «عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وآتيتم إحداهن قنطاراً ﴾ قال: ألفاً ومائتين يعني ألفين» .

وأخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى بسند جيد عن مسروق قال: ركب عمر بن الخطاب المنبر ثم قال: أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو مكرمة لم تسبقوهم إليها، فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم.

ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت له: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم؟

قال: نعم.

فقالت: أما سمعت ما أنزل الله يقول ﴿ وآتيتم إحداهن قنطاراً ﴾ فقال: اللهم غفرانك...

!

كل الناس أفقه من عمر.

ثم رجع فركب المنبر فقال: يا أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال عمر بن الخطاب: لا تغالوا في مهور النساء.

فقالت امرأة ليس ذلك لك يا عمر، إن يقول ﴿ وآتيتم إحداهن قنطاراً ﴾ من ذهب.

قال: وكذلك هي في قراءة ابن مسعود فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته.

وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبد الله بن مصعب قال: قال عمر: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال.

فقالت امرأة: ما ذاك لك...

قال: ولم...؟

قالت: لأن الله يقول ﴿ وآتيتم إحداهن قنطاراً...

﴾ الآية.

فقال عمر: امرأة أصابت، ورجل أخطأ.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن بكر بن عبد الله المزني قال: قال عمر: خرجت وأنا أريد أن أنهاكم عن كثرة الصداق، فعرضت لي آية من كتاب الله ﴿ وآتيتم إحداهن قنطاراً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ بهتاناً ﴾ قال: إثماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ مبيناً ﴾ قال: البين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الإفضاء.

الجماع ولكن الله يكني.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ قال: مجامعة النساء.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ قال: الميثاق الغليظ ﴿ إمساك بمعروف أوتسريح بإحسان ﴾ [ البقرة: 229] .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ميثاقاً غليظاً ﴾ قال: هو ما أخذ الله تعالى للنساء على الرجال فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان قال: وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح (آلله عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرحن بإحسان).

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن أبي مليكة أن ابن عمر كان إذا أنكح قال: أنكحك على ما أمر الله به ﴿ إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عوف قال: كان أنس بن مالك إذا زوّج امرأة من بناته أو امرأة من بعض أهله قال لزوجها: أُزَوِّجُك تمْسِكْ بمعروف أو تُسَرِّحَ بإحسان.

وأخرج ابن أبي شيبة عن حبيب بن أبي ثابت أن ابن عباس كان إذا زَوَّجَ اشتَرط ﴿ إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ قال: ﴿ إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن يحيى بن أبي كثير.

مثله.

أخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ قال: عقدة النكاح.

قال: قد أنكحتك.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة ومجاهد ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ قال: أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ قال: هو قول الرجل ملَّكت.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ميثاقاً غليظاً ﴾ قال: كلمة النكاح التي تستحل بها فروجهن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك ﴿ ميثاقاً غليظاً ﴾ يعني شديداً.

وأخرج ابن جرير عن بكير أنه سئل عن المختلعة أنأخذ منها شيئاً؟

قال: لا ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ .

وأخرج عن ابن زيد في الآية قال: ثم رخص بعد ﴿ فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ﴾ [ البقرة: 229] قال: فنسخت هذه تلك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ ﴾ الآية.

قال المفسرون: لما ذكر الله تعالى في الآية الأولى مُضارّة الزوجات إذا أتين بفاحشة، بَيّن في هذه الآية تحريم المضُارة في غير حال الفاحشة، ونهى عن بَخس (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا ﴾ .

فيه دليل على جواز المُغالاة في المهر (٣)  قال على المنبر: ألا لا تُغالوا في مُهور نسائكم.

فقامت امرأة وقالت: يا ابنَ الخطاب: الله يُعطينا وأنت تمنع، وتلت هذه الآية، فقال عمر: كُلّ الناس أفقه من عمر، ورجع عن كراهة المُغالاة (٤) وقوله تعالى: ﴿ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا ﴾ .

البهتان في اللغة الكذب الذي يواجه به صاحبه على جهة المُكابرة له، وأصله من قولهم: بُهِت الرجل، إذا تحيّر، فالبهتان كذب يُحيِّر الإنسان لعِظَمه، ثم جُعل كل باطل يتحيّر من بطلانه بهتانًا، وهو اسم من البَهت، يقال: بَهَته، أي (٥) (٦) (٧) قال الزجاج: البهتان ههنا مصدر وضع موضع الحال، المعنى: أتأخذونه مباهتين وآثمين (٨) وقال ابن عباس في هذه الآية: يريد أن أخذك إياه بعدما دخلت بها بهتان وإثم عظيم (٩) (١٠) (١) في (د): (يحسن).

(٢) هذا من اهتمام المؤلف -رحمه الله- ببيان التناسب بين الآيات، وقليل من المتقدمين من اهتم بذلك.

انظر: "البحر المحيط" 3/ 205.

(٣) زيادة المهر وكثرته شيء، والمغالاة بمعنى التنافس في زيادته شيء آخر، والآية دلت على جواز الأول دون الثاني، والله أعلم.

(٤) أخرجه بنحوه أبو يعلى بإسناد جيد قوي، وابن المنذر، انظر: "تفسير ابن كثير"، 1/ 508، "الدر المنثور" 2/ 237.

(٥) في (د): (إذا).

(٦) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 48، "تهذيب اللغة" 1/ 400، "مقاييس اللغة" 1/ 307، "الصحاح" 1/ 224، "اللسان" 1/ 368 (بهت).

(٧) لعله يريد حديث الغيبة، وفيه: "وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته".

أخرجه الإمام أحمد 2/ 230، عن أبي هريرة -  - وكذلك مسلم (2589) كتاب البر، باب: تحريم الغيبة، وغيرهما، انظر: "المعجم المفهرس" 1/ 226 (بهت) (٨) "معاني الزجاج" 2/ 31 بتصرف، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 400 (بهت).

(٩) أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 415، ولم أقف على من خرّجه.

(١٠) ممن فسره بذلك ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص 122، والهواري في "تفسيره" 1/ 361، والطبري في "تفسيره" 4/ 314، وعزاه ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 43، إلى ابن عباس ولم أقف عليه عنه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ ﴾ الآية: معناها المنع من أن يأخذ الرجل من المرأة فدية على الطلاق إن أراد أن يبدلها بأخرى، وعلى هذا جرى مذهب مالك وغيره في المنع من الفدية إذا كان الضرر وأرادت الفراق من الزوج، فقال قوم: إنّ هذه الآية منسوخة بقوله في البقرة: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ ﴾ [الآية: 229]، وقال قوم: هي ناسخة، والصحيح أنها غير ناسخة ولا منسوخة، فإنّ جواز الفدية على وجه ومنعها على وجه، فلا تعارض ولا نسخ ﴿ قِنْطَاراً ﴾ مثال على جهة المبالغة في الكثرة، وقد استدلت به المرأة على جواز المغالاة في المهر حين نهى عمر بن الخطاب عن ذلك فقال عمر رضي الله عنه: امرأة أصابت، ورجل أخطأ، كل الناس أفقه منك يا عمر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ واحدة ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع.

الباقون: بالنصب.

﴿ فلأمه ﴾ وما بعده / بكسر الهمزة لأجل كسرة ما قبلها: حمزة وعلي.

الباقون بالضم ﴿ يوصي ﴾ وما بعد مبنياً للمفعول: ابن كثير وابن عامر ويحيى وحماد والمفضل وافق الأعشى في الأولى وحفص في الثانية.

الباقون: مبنياً للفاعل.

﴿ ندخله ﴾ بالنون في الحرفين: نافع وابن عامر وأبو جعفر.

الباقون بالياء.

وكذلك في سورة الفتح والتغابن والطلاق.

﴿ واللذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير، وكذلك قوله: ﴿ هذان  ﴾ و ﴿ هاتان ﴾ و ﴿ أرنا اللذين  ﴾ وأشباه ذلك.

وأما قوله ﴿ فذانك ﴾ فابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وعباس مخير.

الباقون: بالتخفيف ﴿ كرهاً ﴾ بالضم وكذلك في التوبة، حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالفتح ﴿ مبينة ﴾ ﴿ مبينات ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو بكر وحماد.

وقرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ مبينة ﴾ بالكسر ﴿ مبينات ﴾ بالفتح.

الباقون كلها بالكسر.

الوقوف: ﴿ الأنثيين ﴾ ج ﴿ ما ترك ﴾ ج ﴿ فلها النصف ﴾ ط لانتهاء حكم الأولاد ﴿ إن كان له ولد ﴾ ج ﴿ فلأمه الثلث ﴾ ج ﴿ أو دين ﴾ ط ﴿ وأبناؤكم ﴾ ج لتقديرهم أبناؤكم، ولاحتمال كون آباؤكم مبتدأ وخبره.

﴿ لا تدرون ﴾ ﴿ نفعاً ﴾ ج ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ لم يكن لهن ولد ﴾ ج ﴿ دين ﴾ ط ﴿ منهما السدس ﴾ ج ﴿ دين ﴾ ط لأن غير حال عامله ﴿ يوصى ﴾ ﴿ مضار ﴾ ج لاحتمال نصب وصية به كما يجيء ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ط لأن ﴿ تلك ﴾ مبتدأ ﴿ حدود الله ﴾ ط ﴿ خالدين فيها ﴾ ط لأن ما بعده اعتراض مقرر للجزاء.

﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ خالداً فيها ﴾ ص لأن ما بعده من تتمة الجزاء.

﴿ مهين ﴾ ه ﴿ أربعة منكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع الفاء.

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ فآذوهما ﴾ ج ﴿ عنهما ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ السيئات ﴾ ط لأن حتى إذا تصلح للابتداء وجوابه ﴿ قال إني تبت  ﴾ وتصلح انتهاء لعمل السيئات ﴿ وهم كفار ﴾ ط ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط للعدول عن الإخبار إلى النهي ﴿ مبينة ﴾ ج للعارض بين المتفقين ﴿ بالمعروف ﴾ ج ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ غليظاً ﴾ ط ﴿ ومقتاً ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما بين حكم مال الأيتام وما على الأولياء فيه، بيَّن أن اليتيم كيف يملك المال إرثاً ولم يكن ذلك إلا بيان جملة أحكام الميراث.

أو نقول: أجمل حكم الميراث في قوله: ﴿ للرجال نصيب ﴾ و ﴿ للنساء نصيب ﴾ ثم فصل ذلك بقوله ﴿ يوصيكم الله ﴾ أي يعهد إليكم ويأمركم في أولادكم في شأن ميراثهم.

واعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين: النسب والعهد.

أما النسب فكانوا يورثون الكبار به ولا يورثون الصغار والإناث كما مر، وأما العهد فالحلف أو التبني كما سيجيء في تفسير قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم  ﴾ وكان التوريث بالعهد مقرر في أول الإسلام مع زيادة سببين آخرين: أحدهما الهجرة.

فكان المهاجر يرث من المهاجر وإن كان أجنبياً عنه إذا كان بينهما مزيد مخالطة ومخالصة، ولا يرثه غيره وإن كان من أقاربه.

والثاني المؤاخاة.

كان رسول الله  يؤاخي بين كل اثنين منهم فيكون سبباً للتوارث.

والذي تقرر عليه الأمر في الإسلام إن أسباب التوريث ثلاثة: قرابة ونكاح وولاء.

والمراد من الولاء أن المعتق يرث بالعصوبة من المعتق.

روي "أن رسول الله  ورث بنت حمزة من مولى لها" .

ووراء هذه الأسباب سبب عام وهو الإسلام، فمن مات ولم يخلف من يرثه بالأسباب الثلاثة فماله لبيت المال يرثه المسلمون بالعصوبة كما يحملون عنه الدية.

قال  : " أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه " وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يوضع ماله في بيت المال على سبيل المصلحة لا إرثاً، لأنه لا يخلو عن ابن عم وإن بعد فألحق بالمال الضائع الذي لا يرجى ظهور مالكه.

وإنما بدأ  بذكر ميراث الأولاد لأن تعلق الإنسان بولده أشد التعلقات، ثم للأولاد حال انفراد وحال اجتماع مع أبوي الميت.

أما حال الانفراد فثلاث ذكور وإناث معاً، أو إناث فقط، أو ذكور فقط.

أما الحالة الأولى فبيانها قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ أي للذكر منهم، فحذف الراجع للعلم به وفيه أحكام ثلاثة: أحدها: خلف ذكراً واحداً وأنثى واحدة فله سهمان ولها واحد.

وثانيها: خلف ذكوراً وإناثاً لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم.

وثالثها: خلف مع الأولاد جمعاً آخرين كالزوجين، فهم يأخذون سهامهم والباقي بين الأولاد لكل ذكر مثل نصيب أنثيين.

وإنما لم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر إشعاراً بفضيلته كما ضوعف حظه لذلك، ولأن الابتداء بما ينبىء عن فضل أحد أدخل في الأدب من الابتداء بما ينبىء عن النقص، ولأنهم كانوا يورّثون الذكور دون الإناث فكأنه قيل لهم: كفى الذكور تضعيف من النصيب، فيقطعوا الطمع عن الزيادة.

وأما الحكمة في أنه  جعل نصيب النساء من المال أقل من نصيب الرجال، فلنقصان عقلهن ودينهن كما جاء في الحديث، ولأن احتياجهن إلى المال أقل لأن أزواجهن ينفقون عليهن، أو لكثرة الشهوة فيهن فقد يصير المال سبباً لزيادة فجورهن كما قيل: إن الشباب والفراغ والجده *** مفسدة للمرء أي مفسده.

فيكف حال المرأة؟

وعن جعفر الصادق  أن حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها، ثم أخذت حفنة أخرى ورفعتها إلى آدم.

فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل.

وأما الحالة الثانية فهن أكثر من اثنتين أو اثنتان أو واحدة.

وحكم / القسم الأول مبين في قوله: ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ﴾ وحكم القسم الثالث في قوله: ﴿ وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ فمن قرأ بالرفع على "كان" التامة فظاهر، ومن قرأ بالنصب فالضمير في كانت إما أن يعود إلى النساء وجاز لعدم الإلباس بدليل واحدة، وإما أن يعود إلى غائب حكمي أي إن كانت البنت أو المولودة.

وقراءة النصب أوفق لقوله: ﴿ فإن كن نساء ﴾ وقراءة الرفع أيضاً حسنة لئلا يحتاج إلى التكلف في عود الضمير.

وجوّز صاحب الكشاف أن يكون الضمير في ﴿ كن ﴾ و ﴿ كانت ﴾ مبهمة وتكون ﴿ نساء ﴾ و ﴿ واحدة ﴾ تفسيراً لهما على أن "كان" تامة.

وأما القسم الثاني وهو حكم البنتين فغير مذكور في الآية صريحاً فلهذا اختلف العلماء فيه.

فعن ابن عباس أن فرضهما النصف كما في الواحدة، لأن الثلثين فرض البنات بشرط كونهن فوق اثنتين، فإذا لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط.

وعورض بأن النصف أيضاً مشروط بالوحدة.

أقول: ولعله نظر إلى أن الاثنتين أقرب إلى الواحد من الأعداد غير المحصورة التي فوق الإثنتين سوى الثلاثة، والحمل على الأقرب أولى.

وقال الأكثرون من الصحابة وغيرهم: إن فرضهما الثلثان لأن من مات وخلف ابناً وبنتاً فللبنت الثلث بالآية، فيلزم أن يكون للبنتين الثلثان.

وأيضاً نصيب البنت مع الولد الذكر الثلث، فلأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى هو الثلث أولى لأن الذكر أقوى من الأنثى.

وعلى هذا فكان قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ دالاً على أنثيين، فذكر بعد ذلك أنهن وإن بلغن ما بلغن من العدد لم يتجاوز الثلثين.

وقيل: إن البنتين أمس رحماً بالميت من الأختين، لكنه  يقول في آخر السورة ﴿ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ﴾ فالبنتان أولى وهذا قياس جلي، ومما يؤيده أنه  لم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة ليقاس ميراثهن على ميراث البنات الكثيرة كما يقاس ميراث البنتين على الأختين.

وقيل: لفظ ﴿ فوق ﴾ وهو صفة نساء أو خبر بعد خبر للتأكيد، أو ليخرج أقل الجمع وهو اثنان زائد كقوله: ﴿ فاضربوا فوق الأعناق  ﴾ وقيل: فيه تقديم وتأخير والمراد: فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما.

وعن جابر بن عبد الله قال: "جاءت امرأة بابنتين لها فقالت: يا رسول الله، هاتان بنتا ثابت بن قيس، أو قالت: سعد بن الربيع، قتل معك يوم أحد وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما.

فقال: يقضي الله في ذلك ونزلت هذه الآية.

فقال لي رسول الله  : ادع لي المرأة وصاحبها.

فقال لعمهما: أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فلك" .

وأما الحالة الثالثة وهو ما إذا كان الأولاد ذكوراً فقط فلم يذكر في الآية، لأنه لما علم أن للذكر مثل حظ الأنثيين وقد تبين أن للبنت الواحدة النصف، علم منه أن للابن الواحد الكل، وإذا كان للواحد الكل، فإذا كانوا أكثر من واحد لم يحسن حرمان بعضهم ولا / ترجيح بعضهم فيكون المال مشتركاً بينهم بالسوية.

وأيضاً قال  : " وما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر" ولا نزاع في أن الابن عصبة ذكر، فإذا لم يكن معه صاحب فرض فله كل المال لا محالة.

والنص: سألت عن ولد الولد فقيل: اسم الولد يقع على ولد الابن أيضاً لقوله  : ﴿ يا بني آدم  ﴾ ﴿ يا بني إسرائيل  ﴾ .

وقيل: قيس ولد الولد على الولد لما أنه كولد الصلب في الإرث والتعصيب، ولكنه لا يستحق شيئاً مع أولاد الصلب على وجه الشركة، وإنما يستحق إذا لم يوجد ولد الصلب رأساً، أو لا يأخذ كما في مسألة بنت واحدة وبنت ابن فإنهما يأخذان الثلثين.

واعلم أن عموم قوله  ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ مخصوص بصور منها: أن العبد والحر لا يتوارثان.

ومنها أن القاتل لا يرث.

ومنها أن لا يتوارث أهل ملتين والمرتد ماله فيء لبيت المال سوءا اكتسب في الإسلام أو في الردة.

وعند أبي حنيفة: ما اكتسب في الإسلام يرثه أقاربه المسلمون.

ومنها أن الأنبياء لا يورثون خلافاً للشيعة.

روي أن فاطمة  ا لما طلبت الميراث احتجوا بقوله  : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" واحتجت بقوله  حكاية عن زكريا ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب  ﴾ وبقوله: ﴿ وورث سليمان داود  ﴾ ، والأصل في التوريث للمال، ووراثة العلم أو الدين مجاز.

وبعموم قوله: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ ولأن المحتاج إلى هذه المسألة ما كان إلا علياً وفاطمة والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء في الدين.

وأما أبو بكر فإنه ما كان محتاجاً إلى معرفة هذه المسألة البتة لأنه ما كان يخطر بباله أنه يرث الرسول عليه الصلاة والسلام، فكيف يليق بالرسول  أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة؟

وأيضاً يحتمل أن يكون قوله: "ما تركناه صدقة" صلة لقوله: "لا نورث" والمراد أن الشيء الذي تركناه صدقة فذلك الشيء لا يورث ولعل فائدة تخصيص الأنبياء بذلك أنهم إذا عزموا على التصدق بشيء فمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم فلا يرثه وارثهم عنهم.

أجابوا بأن فاطمة  ا رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة وانعقد الإجماع على ما ذهب إليه أبو بكر.

واعلم أن جميع ما ذكرنا إنما هو في حالة انفراد الأولاد، أما حالة اجتماعهم بالأبوين فذلك قوله: ﴿ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ﴾ والمراد بالأبوين الأب والأم.

فغلب جانب الأب لشرفه، ومثله من التغليب في التثنية "القمران" و"العمران" و "الخافقان".

/ والضمير في ﴿ أبويه ﴾ يعود إلى الميت المعلوم من سياق الكلام في الميراث و ﴿ لكل واحد منهما ﴾ بدل من ﴿ لأبويه ﴾ بتكرير العامل.

وفائدة هذا البدل أنه لو قيل: ولأبويه السدس لأوهم اشتراكهما فيه.

ولو قيل: ولأبويه السدسان لأوهم قسمة السدسين عليهما بالتساوي أو بالتفاوت.

ولو قيل: ولكل واحد من أبويه السدس لفاتت فائدة الإجمال والتفصيل والإبهام والتفسير.

فقوله: ﴿ السدس ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ لأبويه ﴾ وقد توسط البدل بينهما للبيان.

واعلم أن للأبوين ثلاث أحوال: الأولى أن يحصل معهما ولد ولا نزاع أن اسم الولد يقع على الذكر وعلى الأنثى فههنا ثلاثة أوجه: أحدها أن يحصل معهما ولد ذكر واحد أو أكثر فللأبوين لكل واحد منهما السدس.

والباقي للأولاد بالسوية.

وثانيها أن يحصل معهما بنتان أو أكثر، فالحكم كما ذكر.

وثالثها أن يكون معهما بنت واحدة فههنا للبنت النصف وللأم السدس وللأب السدس بحكم الآية، والباقي للأب بحكم التعصيب.

فإن قيل: إن حق الوالدين على الولد مما لا يخفى فما الحكمة في أنه  جعل نصيب الأولاد أكثر ونصيب الوالدين أقل؟

فالجواب - والله أعلم - أن الوالدين ما بقي من عمرهما إلا القليل غالباً، أما الأولاد فهم في زمان الصبا فاحتياجهم إلى المال أكثر وأيضاً كأنهما قالا بلسان الحال للأطفال: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً.

وأيضاً ولد الولد ولد، وترفيه حال الولد أهم عند الوالدين من ترفيه حالهما.

الحالة الثانية أن لا يكون معهما أحد من الأولاد ولا وارث سواهما وهو المراد بقوله: ﴿ فإن لم يكن له ولد وروثه أبواه ﴾ أي فقط ﴿ فلأمه الثلث ﴾ ويعلم منه أن الباقي يكون للأب فيكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ويحصل للاب السدس بالفرضية، والنصف بالعصوبة، ولأنه  قيد فرضية الثلث للأم بأن يكون الوارث منحصراُ في الأبوين اختلف العلماء في أنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فكيف يكون فرض الأم؟

فقال ابن عباس: يدفع إلى الزوج نصيبه أو إلى الزوجة نصيبها، وللأم الثلث بحالة والباقي للأب.

وذهب الأكثرون إلى أن الزوج أو الزوجة لهما نصيبهما، ثم يدفع ثلث ما بقي إلى الأم والباقي للأب ليكون للذكر مثل حظ الأنثيين كما هو قاعدة الميراث عند اجتماع الذكر والأنثى، فيكون الأبوان كشريكين بينهما مال، فإذا صار شيء منه مستحقاً بقي الباقي بينهما على قدر الاستحقاق الأوّل.

وأيضاً الزوج إنما يأخذ سهمه بحكم عقد النكاح لا بحكم القرابة فأشبه الوصية في قسمة الباقي.

وعن ابن سيرين أنه وافق ابن عباس في الزوجة والأبوين.

فإنا إذا دفعنا الربع إلى الزوجة، والثلث إلى الأم بقي للأب الثلث ونصف السدس أكثر ما للأم، وخالفه في الزوج والأبوين لأنه إذا دفع إلى الزوج النصف وإلى الأم الثلث يبقى للأب السدس فيكون للأنثى مثل حظ الذكرين.

هذا عكس قوله  : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ الحالة الثالثة أن يوجد معها الإخوة والأخوات وذلك قوله: ﴿ فإن كان له إخوة فلأمه السدس ﴾ واتفقوا على أن واحداً من الإخوة أو الأخوات لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس، واتفقوا على أن ثلاثة منهم يحجبون لكن الاثنين مختلف فيهما.

فالأكثرون من الصحابة ذهبوا إلى إثبات الحجب بهما كما في الثلاثة بناء على أن الاثنين جمع لوجود التعدد في التثنية فما فوقها، فصح أن يتناول الأخوة للأخوين واستقراء باب الميراث يؤيد ذلك، فإنه جعل نصيب البنتين الثلثين مثل نصيب البنات وكذلك للأختين والأخوات.

وذكر الشيخ الكامل محيي الدين بن العربي في الفتوحات أنه رأى رسول الله  في المنام فسأله عن خلاف الأئمة في أن أقل الجمع اثناء أو ثلاثة، فعلمه أن أقل الجمع في الشفع اثنان وفي الوتر ثلاثة.

وقال  : " الاثنان فما فوقهما جماعة " وقد احتج ابن عباس بذلك على عثمان فقال: كيف تردّها إلى السدس بالأخوين وليسا بإخوة؟

فقال عثمان: لا أستطيع رد شيء كان قبلي ومضى في البلدان.

فأشار إلى إجماعهم قبل أن يظهر ابن عباس الخلاف.

ثم إن الاثنين أو الثلاثة إذا حجبوا الأم عن السدس، فذلك السدس يكون لهم حتى يبقى للأب الثلثان، أو لا يكون لهم شيء من الميراث ويكون خمسة الأسداس للأب.

ذهب ابن عباس إلى الأوّل، وذهب الجمهور إلى الثاني إذ لا يلزم من كون الشخص حاجباً كونه واراثاً ولم يرد لهم ذكرإلا بالحجب فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين.

ثم ذكر أن هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء من بعد وصية يوصى بها أو دين.

حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق.

وإذا لم يكن أو كان لكنه قضى وفضل بعده شيء.

فإن أوصى الميت وصية أخرجت من ثلث ما فضل ثم قسم الباقي ميراثاً على فرائض الله  .

عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "إنكم لتقرؤن الوصية قبل الدين وإن الرسول  قضى بالدين قبل الوصية" .

والمراد أنه لا عبرة بالتقديم في الذكر لأن كلمة أو لا تفيد الترتيب ألبتة، وإنما استفيد الترتيب من السنة عكس الترتيب في اللفظ.

وفائدة هذا العكس أن الوصية تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فكان أدواؤها مظنة التفريط بخلاف الدين، فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه فكان في تقديمها ترغيب لهم في أدائها، ولهذا جيء بكلمة أو دلالة على التسوية بينهما في الوجوب، ولأن كل مال ليس يحصل فيه الأمران فجيء بأو الفاصلة ليدل على أنه إن كان أحدهما فالميراث بعده، وكذلك إن كان كلاهما فالوصية تشبه الدين من جهة أن سهام أهل المواريث معتبرة بعد كل منهما.

ولكنها تفارق الدين من جهة / أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية كما في الإرث بخلاف الدين فإنه يبقى بحاله.

ثم قال: ﴿ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً ﴾ قال أبو البقاء ﴿ أيهم ﴾ مبتدأ و ﴿ أقرب ﴾ خبره، والجملة في موضع نصب بـ ﴿ تدرون ﴾ وهي معلقة عن العمل لفظاً لأنها من أفعال القلوب.

وأقول: من الجائز أن لا تكون من أفعال القلوب بل تكون بمعنى المعرفة، وكان ﴿ أيهم ﴾ مفعولة مبنياً لحذف صدر الصلة نحو ﴿ لننزعن من كل شيعة أيهم أشد  ﴾ قال المفسرون: هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم، وبين قوله: ﴿ فريضة من الله ﴾ ومن حق الاعتراض أن يناسب ما اعترض بينه ويؤكده.

فقيل: هذا من تمام الوصية أي لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون، من أوصى منهم أم من لم يوص.

يعني أن من أوصى ببعض ماله فعرّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعاً وأحضر جدوى ممن ترك الوصية عليكم عرض الدنيا وجعل الثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا ذهاباً إلى حقيقة الأمر، لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلاً قريباً في الصورة إلا أنه فانٍ فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى، وثواب الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باقٍ فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى.

وقيل: عن ابن عباس أن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة سأل أن يرفع أبوه إليه فيرفع, وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه سأل أن يرفع ابنه إليه.

فأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعاً لأن أحدهما لا يعرف أن انتفاعة في الجنة بهذا اكثر أم بذلك.

وقيل: قد فرض الله الفرائض على ما هو عند حكمة، والعقول لا تهتدي إلى كمية تلك التقديرات.

فلو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع فوضعتم أنتم الأموال في غير موضعها.

وقيل: المراد كيفية انتفاع بعضهم ببعض في الدنيا من جهة الإنفاق والذب عنه، فلا يدري أن الابن سيحتاج إلى أن ينفق الأب عليه أو الأب سيفتقر إلى الابن.

وقيل: المقصود جواز أن يموت هذا قبل: ذلك فيرثه وبالضد، والقول هو الأوّل.

﴿ فريضة من الله ﴾ نصبت على أنها صفة تقوم مقام المصدر المؤكد أي فرض الله ذلك فرضاً ﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بكل المعلومات فيكون عالماً بما في قسمة المواريث من المصالح والمفاسد ﴿ حكيماً ﴾ لا يأمر إلا بما هو الأحسن الأصلح.

قال الخليل: "كان" ههنا منخلع عن اعتبار الاقتران بالزمان، لأنه  منزه عن الدخول تحت الزمان ولكنه من الأزل إلى الأبد عليم حكيم.

وقال سيبويه: إن القوم لما شاهدوا علماً وحكمة تعجبوا فقيل لهم: إن الله كان كذلك أي لم يزل موصوفاً بهذه الصفات.

هذا واعلم أن الوارث إما أن يكون متصلاً يالميت بغير واسطة أو بواسطة.

وعلى الأول فسبب الاتصال / إما أن يكون هو النسب أو الزوجية.

فهذه ثلاثة أقسام: الأوّل قرابة التوالد الفروع والأصول وهو أشرف الاتصالات لعدم الواسطة ولكثرة المخالطة ولغاية الألفة والشفقة، ولهذا قدّم في الذكر.

ويتلوه في الشرف القسم الثاني لمثل ما قلنا ولهذا أردفه بالقسم الأول وذلك قوله: ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ إلى قوله ﴿ توصون بها أو دين ﴾ ثم بيَّن أحوال القسم الثالث وهو الكلالة في قوله: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة ﴾ فما أحسن هذا النسق.

ولما جعل في الموجب النسبيّ حظ الرجل مثل حظ الأنثيين، فكذلك جعل في الموجب السببي وهو الزوجية حظ الزوج ضعف حظ الزوجة.

وقد نبه في الآية على فضل الرجال حيث ذكرهم على سبيل المخاطبة ثمان مرات، وذكرهن على الغيبة أقل من ذلك.

ثم الواحدة والجماعة سواء في الربع والثمن، ولا فرق في الولد بين الذكر والأنثى، ولا بين الابن وابن الابن، ولا بين البنت وبنت الابن، ويخرج منه ولد البنت لأنه لا يرث.

وههنا مسألة.

قال الشافعي: يجوز للزوج غسل زوجته لأنها بعد الموت زوجته بدليل قوله  : ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأنها ليست زوجته، ولو كانت زوجته لحل له وطؤها لقوله: ﴿ إلا على أزواجكم ﴾ \[المؤمون: 6\] وأجيب بأنه لو كانت زوجته له لكان قوله ﴿ ما ترك أزواجكم ﴾ مجازاً.

ولو كانت زوجة مع أنه لا يحل له وطؤها لزم التخصيص وإذا تعارض المجاز والتخصيص فالتخصيص أولى كما بين في أصول الفقه.

وكيف لا وقد علم في صور كثيرة حصول الزوجية مع حرمة الوطء كزمان الحيض والنفاس ونهار رمضان وعند اشتغالها بالصلاة المفروضة والحج المفروض وعند كونها في العدّة عن الوطء بالشبهة.

وأيضاً حل الوطء ثابت على خلاف الأصل لما فيه من المصالح، وعند الموت لم يبق شيء من تلك المصالح فعاد إلى أصل الحرمة، أما حل الغسل ففيه مصالح فوجب القول ببقائه.

واختلفوا في تفسير الكلالة فعن أبي بكر الصديق  أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول فيه برأيي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه.

الكلالة ما خلا الوالد والولد.

وعن عمر  : الكلالة من لا ولد له فقط.

وعنه في رواية أخرى التوقف.

وكان يقول: ثلاثة لأن يكون بينهم الرسول  لنا أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها: الكلالة والخلافة والربا.

وقيل: الكلالة القرابة من غير جهة الولد والوالد.

ومنه قولهم: ما ورث المجد عن كلالة كما تقول: ما صمت عن عيّ.

قال الفرزدق: ورثتم قناة الملك لا عن كلالة *** عن ابني مناف عبد شمس وهاشم والمختار الصحيح من الأقوال قول أبي بكر لأن الكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوّة من الإعياء.

قال الأعشى: فآليت لا أرثي لها من كلالة *** ولا من وجى حتى تلاقي محمداً فاستعيرت للقرابة من غير جهة الوالد والولد لأنها بالإضافة إلى قرابة الأصول والفروع كلالة ضعيفة.

ويحتمل أن يقال: هي من الإكليل لأنهم يحيطون بالإنسان إحاطة الإكليل بالرأس بخلاف قرابة الولادة فإنها تذهب على الاستقامة كما قال: نسب تتابع كابراً عن كابر *** كالرمح أنبوباً على أنبوب وأيضاً فإنه  قال في آخر السورة ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة إنْ امرؤا هلك ليس له ولد  ﴾ فاحتج عمر بذلك.

والجواب أنه  حكم في تلك الآية بتوريث الإخوة والإخوات حال كون الميت كلالة.

ولا شك أن الإخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين، فيلزم أن لا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين.

وأيضاً إنه  ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات المتقدمة، ثم أتبعها ذكر الكلالة.

وهذا الترتيب يقتضي أن يكون الكلالة من عدا الوالدين والولد، ثم الكلالة قد يجعل وصفاً للمورث.

والمراد الذي يرثه من سوى الوالدين والأولاد، ويمكن أن يحمل عليه بيت الفرزدق أي ما ورثتم الملك عن الأعمام بل عن الآباء، فسمىالعم كلالة وهو ههنا مورث لا وارث.

وقد يجعل وصفاً للوارث ومنه قول جابر: "مرضت مرضاً أشفيت منه على الموت فأتاني النبي  فقلت: يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة" وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد.

ويقال: رجل كلالة وامرأة كلالة وقوم كلالة لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر كالدلالة والجلالة، وإذا جعلت صفة للوارث أو المورث كانت بمعنى ذي كلالة كما يقال: فلان من قرابتي أي من ذوي قرابتي.

ويجوز أن يكون صفة كالهجاجة والفقاقة يقال: رجل هجاجة وفقاقة كلاهما بالتخفيف أي أحمق.

وقوله  : ﴿ وإن كان رجل يورث ﴾ فيه احتمالان: الأول وهو قول عطاء والضحاك: أن يكون مأخوذاً من ورث الرجل يرث فيكون الرجل هو الموروث منه، وينتصب كلالة على الحال أو على أنه خبر "كان" و ﴿ يورث ﴾ صفة رجل.

ويجوز أن يكون مفعولاً له أي يورث لأجل كونه كلالة.

والثاني وهو قول سعيد بن جبير أن يكون مبنياً للمفعول من أورث فالرجل حينئذٍ هو الوارث، وينتصب كلالة على الوجوه المذكورة.

قيل: ما السبب في أنه قال: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ﴾ ثم قال: ﴿ وله أخ ﴾ فكنى عن الرجل ولم يكن عن المرأة؟

والجواب أنه إذا جاء حرفان في معنى واحد جاز إسناد التفسير / إلى أيهما أريد، وجاز إسناد إليهما أيضاً.

تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله أو فليصلها.

والترجيح بالتذكير للشرف معارض بالتأنيث للقرب.

وإن قلت: فليصلهما جاز أيضاً.

ولعل التوحيد والتذكير في الآية أولى إما لأن الرجال في الأحكام أصل والنساء تبع لهم، وإما بتأويل أحد المذكورين.

ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد من الأخ والأخت ههنا الأخ والأخت من الأم، ويدل عليه ما نسب إلى أبيّ وسعد بن أبي وقاص: ﴿ وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما ﴾ أي من الأخ والأخت ﴿ السدس ﴾ من غير مفاضلة الذكر على الأنثى.

هذا على الاحتمال الأوّل وهو أن الرجل مورث منه.

وأما على الاحتمال الثاني وهو أن الرجل وارث فالضمير عائد إلى الرجل وإلى واحد من أخيه أو أخته.

والمعنى مثل الأوّل، لأنك إذا قلت السدس له أو لواحد من الأخ أو الأخت على التخيير فقد سوّيت بين الذكر والأنثى.

ثم قال ﴿ فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ﴾ فبيّن أن نصيبهم كيفما كانوا لا يزداد على الثلث.

وقد يسند الإجماع إلى هذا بيانه أنه قال في آخر السورة ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة  ﴾ وأثبت للأختين الثلثين وللإخوة كل المال، وههنا أثبت للإخوة، والأخوات السدس عند الانفراد، والثلث عند الاجتماع، فعلم أن المراد من الإخوة والأخوات ههنا غير المراد من الإخوة والأخوات في تلك الآية.

فالمراد ههنا الإخوة والأخوات من الأم وهم الأخياف، وهناك الإخوة والأخوات من الأب والأم وهم الأعيان، أو من الأب وهم أولاد العلات.

فالكلالة وإن كانت عامة لمن عدا الوالد والولد إلا أنها في الآية خاصة كما بيَّنا ﴿ غير مضار ﴾ حال أي يوصي بها وهو غير مضارّ لورثته.

ومن قرأ ﴿ يوصى ﴾ مبنياً للمفعول فعامل الحال محذوف يدل عليهالمذكور أي يوصى إذا علم أن ثمة موصياً والضمير فيه وهو ذو الحال يعود إلى رجل على تقدير أنه المورث، أو إلى الميت الدال عليه سياق الكلام أي إن كان الرجل وارثاً وضرار الورثة بأن يوصي بأزيد من الثلث أو بالثلث فما دونه ونيته مضارة الورثة ومغاضبتهم وقطع الميراث عنهم لا وجه الله.

وقد يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه، أو يبيع شيئاً بثمن بخس، أو يشتري شيئاً بثمن غال، كل ذلك لئلا يصل المال إلى الورثة.

قال العلماء: الأولى بالإنسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف، ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فإن كان في المال قلة وفي الورثة كثرة لم يوص، وإن كان بالعكس أوصى على قانون العدالة, وقد روي عن عكرمة عن ابن عباس: أن الإضرار في الوصية من الكبائر، ويروى مرفوعاً وعن شهر بن حوشب عن أبي هريرة عن النبي  : " أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة فإذا أوصى وحاف في وصيته ختم له بشر عمله فيدخل النار.

وإن الرجل / ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة" وعنه " من قطع ميراثاً فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة " ﴿ وصية من الله ﴾ نصب على المصدر المؤكد أو على أنه مفعول ﴿ مضار ﴾ أي لا يضار وصية من الله وهو الثلث فما دونه بزيادته على الثلث، أو وصية من الله بالأولاد لا يدعهم عالة بإسرافه في الوصية ﴿ والله عليم ﴾ بمن جار في وصيته أو عدل ﴿ حليم ﴾ عن الجائر لا يعاجله بالعقوبة، وفيه من الوعيد ما لا يخفى.

ثم أكد الوعيد بالترغيب والترهيب فقال: ﴿ تلك حدود الله ﴾ وهو إشارة إلى جميع ما ذكر في السورة من أحكام اليتامى والوصايا والمواريث وغيرها، وهي الشرائع التي لا يجوز للمكلف أن يتجاوزها ويتخطاها إلى ما ليس له بحق.

وقوله: ﴿ ومن يطع الله ﴾ ﴿ ومن يعص الله ﴾ عام في هذه التكاليف وفي غيرها، كما أن الوالد يقبل على ولده ويؤدبه في أمر مخصوص، ثم يقول احذر مخالفتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور.

وإنما قيل: ﴿ يدخله ﴾ و ﴿ خالدين ﴾ حملاً على لفظ "من" ومعناه.

وانتصب ﴿ خالدين ﴾ و ﴿ خالداً ﴾ على الحال.

ولا يجوز أن يكونا صفتين لـ ﴿ جنات ﴾ و ﴿ ناراً ﴾ لأنهم جريا على غير من هماله، فكان يلزم حينئذٍ أن يقال: خالدين هم فيها وخالداً هو فيها.

قالت المعتزلة: الآية تدل على القطع بوعيد الفساق وخلودهم وذلك أن التعدي في جميع حدود الله محال، لأن من حدوده ترك اليهودية والنصرانية والمجوسية، والتعدي فيها هو الإتيان بجميعها وذلك محال.

فإن المراد تعدّي أي حدّ كان، ولأن الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكون المراد التعدي في هذه الحدود، وأجيب بما مر من أن ذلك مشروط عندكم بعدم التوبة، فأي مانع لنا من أن نزيد فيه شرطاً آخر وهو عدم العفو.

وبأن الآية لعلها مخصوصة بالكافر لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ أي: ومن يعص الله في كذا وفي كذا.

وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر.

نعم يخرج منه ما يخصصه دليل عقلي كما ذكرتم من استحالة الجمع بين اليهودية والنصرانية، ومما يؤكد كون الآية مخصوصة بالكافر أن قوله: ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ يفيد كونه فاعلاً للمعاصي.

فلو كان المراد من قوله: ﴿ ويتعد حدوده ﴾ أيضاً ذلك لزم التكرار فوجب حمله على الكفر.

وإن سلم أن المراد هو التعدي في حدود المواريث فلعل المراد من التعدي هو اعتقاد كونها لا على وجه الحكمة والصواب ويلزم منه الكفر والله أعلم بمراده.

قوله عم طوله: ﴿ واللاتي يأتين / الفاحشة ﴾ الآية.

وجه النظم فيه أن التغيلظ عليهم في باب الفاحشة من جملة الإحسان إليهن المأمور به في الآيات المتقدمة.

وفيه أن مدار الشرع على العدل والإنصاف والاحتراز في كل باب من طرفي التفريط والإفراط،، فلا ينبغي أن يصير الإحسان إليهن سبباً لترك إقامة الحدود عليهن.

واللاتي جمع التي وفيه لغات: اللائي بالهمزة، واللواتي واللواتي فكأنهما جمعا الجمع.

وقد تحذف الياآت من الأربعة، وقد تسهل همزة اللائي بين الهمزة والياء لكونها مكسورة لقراءة ورش ﴿ واللائي يئسن من المحيض  ﴾ وقد يقال: اللاي بياء ساكنة بعد الألف من غير همز، وقد يقال: اللوا بحذف التاء والياء معاً.

وقد يقال: اللاآت كاللامات.

قال ابن الأنباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان التي، ومن الحيوان اللاتي كقوله: ﴿ أموالكم التي جعل الله لكم قياماً  ﴾ وقال في هذه الآية ﴿ واللاتي ﴾ لأن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد بخلاف جمع الحيوان فإن كل واحد منهما متميز عن غيره بخواص وصفات.

ومن العرب من يلغي هذا الفرق.

والفاحشة الفعلة المتزايدة في القبح مصدر كالعافية.

وأجمعوا على أنها الزنا ههنا.

قال المحققون: خصص هذا العمل بالفاحشة لأن القوى البدنية نطقية وغضبية وشهوية، وفساد الأولى الكفر والبدعة وأمثالها، وفساد الثانية القتل بغير حق ونحوه، وفساد الثالثة الزنا واللواط والسحق وما أشبهها وهذه أخص الجميع.

ومعنى ﴿ من نسائكم ﴾ من زوجاتكم أو من الحرائر أو من نسائكم المؤمنات والثيبات أقوال.

﴿ فاستشهدوا عليهم أربعة منكم ﴾ احتياطاَ لأمر الزنا.

والمراد بقوله: ﴿ منكم ﴾ أي من رجالكم.

قال الزهري: مضت السنة من رسول الله  والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود فإن شهدوا مفصلاً مفسراً كقولهم: رأيناه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة، أو كالرشاء في البئر.

ولا بد مع ذلك من الوصف بالتحريم لا بمعنى عرضي كالحيض، ولا مع تحليل عالم كالمتعة، ولا بشبهة ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ خلدوهن محبوسات في بيوتكم ﴿ حتى يتوفاهن الموت ﴾ أي ملائكة الموت أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بالنكاح أو بالحد.

﴿ واللذان يأتيانها منكم ﴾ يعني الزاني والزانية أو اللائط والملوط ﴿ فآذوهما ﴾ فوبخوهما وقولوا لهما أما استحييتما أما خفتما الله أما لكما في النكاح مندوحة عن هذه؟

﴿ فإن تابا وأصلحا ﴾ وغيرا الحال ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ فاقطعوا التوبيخ والذم، أو خوطب الشهود الذين عثروا على سرهما أن يهددوهما بالرفع إلى الإمام والحد فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فأعرضوا عن العرض على الإمام.

واعلم أن للعلماء خلافاً في الآيتين.

فعن الحسن أن الثانية مقدمة في النزول.

أمروا بإيذاء الزانيين أولاً ثم أمروا بإمساك النساء في / البيوت إلى أن يتبين أحوالهن.

وقال السدي: المراد بهذه الآية البكر من الرجال والنساء، وبالآية الأولى الثيب.

وعن أبي مسلم أن الآية الأولى في السحاقات وحدّها الحبس إلى الموت إلا أن يخلصهن الله، والثاني في اللائطين وحدّهما الأذى بالقول والفعل.

والدليل على ذلك تذكير اللذان ولفظ منكم أي من رجالكم كما في قوله: ﴿ أربعة منكم ﴾ وأما الزنا من الرجل والمرأة فذلك في سورة النور وحدّه في البكر الجلد وفي المحصن الرجم، وعلى هذا لايلزم نسخ شيء من الآيات ولا تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين.

وزيف قول أبي مسلم بأنه قول لم يقل به أحد، وبأن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواطة ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية.

وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم دليل على أن الآية ليست في اللواطة.

وأجاب أبو مسلم بأنه قول مجاهد - وهو من أكابر المفسرين - على أنه بيّن في الأصول أن استنباط تأويل جديد جائز، وأيضاً كان مطلوب الصحابة معرفة حدّ اللوطيّ وكمية ذلك وليس في الآية دلالة عليه بالنفي والإثبات، ومطلق الإيذاء لا يصلح للحد.

وجمهور المفسرين على أن الآيتين في الزنا وأنهما منسوختان لما روى مسلم في كتابه عن عبادة بن الصامت "كان نبي الله  إذا أنزل عليه كرب لذلك وتربد له وجهه فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك، فلما سري عنه قال: خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" .

ثم استقر الأمر آخراً على أن البكر يجلد ويغرّب والثيب يرجم فقط.

وقيل: إن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجلد.

وعن أصحاب أبي حنيفة أن آية الحبس نسخت بالحديث، والحديث منسوخ بآية الجلد، وآية الجلد نسخت بدلائل الرجم.

وقال في الكشاف: من الجائز أن لا تكون الآية منسوخة بأن يترك ذكر الحد لكونه معلوماً بالكتاب والسنة ويوصي بإمساكهن في البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال.

وقال الشيخ أبو سليمان الخطابي في معالم السنن: إنه لم يحصل النسخ في الآية ولا في الحديث.

وذلك أن الآية تدل على أن إمساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلاً.

ثم إن ذلك السبيل كان مجملاً، فلما قال  : خذوا عني الثيب يرجم والبكر يجلد وينفى.

صار في هذا الحديث بياناً لتلك الآية لا ناسخاً لها، وصار أيضاً مخصصاً لعموم آية الجلد والله  عليم.

ثم أخبر عن المستحقين لقبول التوبة وعن المستحقين لعدم القبول فقال: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ واجبة وجوب الوعد والكرم لا وجوباً يستحق بتركه الدم ﴿ للذين يعملون السوء بجهالة ﴾ قال أكثر المفسرين: كل من عصى فهو جاهل وفعله جهالة.

ولهذا قال موسى: ﴿ أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين  ﴾ لأنه حيث لم / يستعمل ما معه من العلم بالعقاب والثواب فكأنه لا علم له.

وبهذا التفسير تكون المعصية مع العلم بأنها معصية جهالة.

وقيل: المراد أنه جاهل بعقاب المعصية.

وقيل: المراد أن يكون جاهلاً بكونها معصية لكنه يكون متمكناً من تحصيل العلم بكونها معصية، ولهذا أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته العقاب وإن كان لا يعلم كون اليهودية معصية لأنه متمكن من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنباً ومعصية، وأن النائم أو الساهي لا يستحق العقاب لأنه أتى بالقبيح غير متمكن من العلم بكونه قبيحاً.

أما المتعمد فإنه لا يكون داخلاً تحت الآية وإنما يعرف حاله بطريق القياس، وإنه لما كانت التوبة على هذا الجاهل واجبة فلأن تكون واجبة على العامد أولى لأنه عالم بقبح تلك المعصية.

أما قوله: ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ فقد أجمعوا على أن المراد من هذا القرب قبل حضور زمان الموت ونزول سلطانه ومعاينة أهواله.

وإنما كان ذلك الزمان قريباً لأن الأجل آتٍ وكل ما هو آتٍ قريب، ولأن مدة عمر اإنسان وإن طالت إذا قيست إلى طرفي الأزل والأبد كانت كالعدم، ولأن الإنسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به، وما هذا حاله فإنه يوصف بالقرب.

و"من" في ﴿ من قريب ﴾ إما لابتداء الغاية أي يجعل مبتدأ توبته من زمان قريب من المعصية، أو للتبعيض أي يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زماناً قريباً لما قلنا ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب وإلا فهو تائب من بعيد ألا ترى إلى قوله: ﴿ حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة، فبقي ما وراء ذلك في حكم القرب.

ومثله قوله  : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " والفائدة في قوله: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ بعد قوله: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ أن الأوّل إعلام بأنه يجب على الله قبولها لزوم الكرم والفضل والإحسان, والثاني إخبار بأنه سيفعل ذلك.

أو المراد بالأوّل توفيق التوبة والإعانة عليها، وبالثاني قبولها ﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأنه إنما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة والغضب والجهالة عليه ﴿ حكيماً ﴾ يجب في كرمه قبول توبتة العبد إذا تاب من قريب.

قال المحققون: قرب الموت وهو وقوعه في الشدائد بحيث يغلب على ظنه نزول الموت كما في القولنج، وفي حالة الطلق، وعند تلاطم الأمواج مع انكسار السفينة لا يمنع من قبول التوبة، بل التوبة حينئذٍ أولى بالقبول لقوله: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه  ﴾ وإنما المانع من قبوله معاينة سلطان الموت ومشاهدة أحواله وأهواله بحيث تصير معرفته بالله ضرورية كما لأهل الآخرة، وحينئذٍ يسقط التكليف عنه إذ لم يبق في يده زمام الاختيار، وأفضى الأمر إلى حد الإلجاء والإجبار.

وههنا بحث للأشاعرة وهو أن أهل القيامة لا يشاهدون إلا أنهم صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتاً، ويشاهدون أيضاً أهوال القيامة فيستدلون بها على وجود الفاعل، فكيف يكون ذلك العلم ضرورياً؟

وبتقدير كونه ضرورياً فلم يمنع ذلك صحة التكليف؟

وذلك أن العبد مع علمه الضروري بوجود الإله المثيب المعاقب قد يقدم على المعصية لعلمه بأنه كريم وأنه لا تنفعه طاعة العبد ولا يضره ذنبه وأيضا العلم النظري هو الذي لا يكون معه تجويز نقيضه، وعلى هذا فلا فرق بينه وبين الضروري ألبتة، وعلى هذا فكيف يصير النظري موجباً للتكليف، والضروري مانعاً من التكليف؟

فثبت ضعف هذا الفرق، وأنه  يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فهو بفضله وعد وقبل التوبة في بعض الأوقات، وبعدله أخبر عن عدم قبول التوبة في وقت آخر، وله أن يقلب الأمر فيجعل المقبول مردوداً والمردود مقبولاً ﴿ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون  ﴾ وأقول: التحقيق فيه أنه مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء، وقوله صدق وأمره حق، وقد عين لعبيده حالين: دنيا وعقبى.

وقد أخبر أنه جعل الدنيا دار العمل، والعقبة دار الجزاء، وليس لأحد عليه اعتراض أنه لم يعكس الأمر.

ثم إن لليقين مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، وليس ببعيد أن لا يكون عليم اليقين منافياً للتكليف، ويكون عين اليقين منافياً له.

ثم عطف قوله: ﴿ ولا الذين يموتون ﴾ على ﴿ للذين يعملون السيئات ﴾ تسوية بين الذين سوّفوا توبتهم إلى حضرة الموت، وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم لأن حضرة الموت أوّل أحوال الآخرة، فكما إن المائت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، فكذلك المسوّف إلى حضرة الموت لمجاوزة كل منهما الحد المضروب للتوبة.

أو المعنى أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت، كذلك الإيمان لا يقبل عند القريب من الموت، أو المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم.

﴿ أولئك أعتدنا لهم ﴾ أي أعددنا الوعيد نظير قوله: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ في الوعد ليتبين أن الأمرين كائنان لا محالة.

قالت الوعيدية: المعطوف مغاير للمعطوف عليه.

لكن الطائفة الثانية كفار فالأوّلون فساق لكنهما مشتركان في العذاب الأليم، فثبت أن حكمهما واحد.

وأجيب بأن ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أقرب المذكورين، ويعضده أن الكفار أشنع قولاً من الفساق، أو الطائفة الأولى هم الذين عاشوا على الكفر ثم تابوا في حضرة الموت كفرعون، والثانية هم الذين عاشوا على الكفر وماتوا عليه كنمرود مثلاً.

/ قوله  : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ من ههنا شروع في النهي عما كانوا عليه في الجاهلية من إيذاء النساء بصنوف من العذاب وضروب من البلاء وذلك أنواع: الأول قوله: ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا ﴾ وفيه قولان: أحدهما الوراثة تعود إلى المال أي لا يحل لكم أن تمسكوهن حتى ترثون أموالهن وهن كارهات لإمساككم، وثانيهما أنها ترجع إلى أعيانهن.

وكانوا إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه عليها وقال: ورثت امرأته كما ورثت ماله.

فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوّجها بغير صداق إلا الصداق الأوّل الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها من إنسان آخر وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئاً فنزلت.

النوع الثاني: ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ قال أكثر المفسرين: كان الرجل منهم يكره زوجته ويريد مفارقتها فيسيء العشرة معها ويضيق الأمر عليها حتى تفتدي منه بمالها وتختلع فنهوا عن ذلك.

وقيل: إنه خطاب للوراث بأن يترك منعها من التزوّج بمن شاءت وأرادت لتبذل امرأة الميت ما أخذت من الميراث كما كان يفعله أهل الجاهلية.

وقيل: إنه نهي للأولياء عن عضل المرأة، أو للأزواج كما مر في سورة البقرة.

قال في الكشاف: إعراب ﴿ تعضلوهن ﴾ النصب عطفاً على ﴿ أن ترثوا ﴾ ولا لتأكيد النفي.

قلت: الظاهر أنه النهي لعطف الأمر وهو قوله: ﴿ وعاشروهن ﴾ عليه وصاحب الكشاف نظر إلى ما قبله وذهل عما بعده ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ من قرأ بالفتح فلأن الفاحشة لا فعل لها في الحقيقة وإنما الله  هو الذي بينها، أو الشهود الأربعة هم بينوها.

ومن قرأ بالكسر فلأنها إذا تبينت وظهرت صارت أسباباً للبيان كقوله: ﴿ إنهن أضللن كثيراً من الناس  ﴾ لما صرن أسباباً للضلال.

ثم إنه استثناء مماذا؟

قيل: من أخذ المال أي لا يحل له أن يحبسها ضراراً لتفتدي إلا إذا زنت فحينئذٍ حل لزوجها أن يسألها الخلع.

وكان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها.

وقيل: استثناء من العضل نهوا عن حبسهن في بيوت الأولياء والأزواج إلا بعد وجود الفاحشة.

ومن هؤلاء القائلين من زعم أن هذا الحكم منسوخ بآية الجلد.

وقيل: الفاحشة هي النشوز وشكاسة الخلق أي إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فإنهم معذورون حينئذٍ في طلب الخلع.

النوع الثالث من التكاليف المتعلقة بأحوال النساء ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ وهو الإجمال في القول والإنصاف في المبيت والنفقة ﴿ فإن كرهتموهن ﴾ ورغبتم في فراقهن ﴿ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ﴾ فههنا قد يميل طبعكم إلى المفارقة ويكون الخير في الاستمرار على المواصلة، منه الثناء في الدنيا بحسن الوفاء وكرم الخلق، ومنه الثواب في العقبى بالصبر على خلاف الهوى، ومنه حصول / ولد نجيب ومال كثير لليمن في صحبتها، قال  : " الشؤم في المرأة والفرس والدار" وقيل: المعنى إن رغبتم في مفارقتهن فربما جعل الله  في تلك المفارقة لهن خيراً كثيراً بأن تتخلص من زوج سيىء العشرة وتجد زوجاً آخر أوفق منه.

النوع الرابع من التكليف ﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ﴾ وذلك أنه لما أذن في مضارتهن إذا أتين بفاحشة بين تحريم الضرار في غير حالة الفاحشة.

يروى أن الرجل منهم كان إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجته الأولى بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوّج المرأة روي يريدها فنهوا عنه.

والقنطار المال العظيم, وفيه دليل على جواز المغالاة في المهر.

روي أن عمر قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم.

فقامت امرأة وقالت: يا ابن الخطاب، الله يعطينا وأنت تمنع وتلت هذه الآية.

فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر ورجع عن ذلك.

ويحتمل أن يقال: ذكر إيتاء القنطار وارد على سبيل المبالغة والفرض لا الرخصة.

وهو في موضع الحال أي وقد آتيتم.

ومعنى الإيتاء الالتزام ووقوع العقد عليه سواء أدّى المال إليها أم لا.

واعلم أن النشوز إن كان من قبل الزوجة حل أخذ مال الخلع، وإن كان من قبل الزوج لم يحل إلا أنه يفيد الملك لو خالع، كما أن البيع وقت النداء منهي عنه، ثم إنه يفيد الملك.

﴿ أتأخذونه ﴾ استفهام بطريق الإنكار ﴿ بهتاناً ﴾ وهو أن يستقبل الرجل بأمر قبيح يقذفه به وهو بريء منه لأنه يبهت عند ذلك أي يتحير.

وفي الحديث " "إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته " وهو مصدر في موضع الحال أي باهتين وآثمين، أو على أنه مفعول له مثل: قعدت جبناً.

وقيل: بنزع الخافض أي ببهتان.

وقيل: بمضمر أي تصيبون بهتاناً.

وسبب تسيمة هذا الأخذ بهتاناً أنه  فرض لها ذلك المهر فمن استردّه فكأنه يقول ليس ذلك بفرض فيكون بهتاناً، أو أنه عند العقد تكفل بتسليم ذلك المهر إليها وأن لا يأخذه منها فإذا أخذه منها صار القول الأوّل بهتاناً أي باطلاً، أو كان من عادتهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تفتدي، فلما كان هذا الأمر واقعاً على هذا الوجه في الأغلب سيق الكلام على ذلك.

وبالحقيقة أن أخذ هذا المال طعن في ذاتها من حيث إنه مشعر بأنها قد أتت بفاحشة وقبض على مالها فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر.

وقيل: المراد عقاب البهتان والإثم كقوله: ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ناراً  ﴾ ثم عجب من الأخذ مستفهماً فقال: ﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ عن ابن عباس ومجاهد والسدي واختاره الزجاج وابن قتيبة وإليه ذهب الشافعي أن المراد بالإفضاء الجماع إذ الفضاء الساحة ويقال: أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء.

وهذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع.

وقيل: الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها وهو قول الكلبي واختاره الفراء، ويوافقه مذهب أبي حنيفة أن الخلوة الصحيحة تقرر المهر.

ورجح مذهب الشافعي بأن الكلام ورد في معرض التعجب وهو إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سبباً قريباً في حصول الألفة والمودّة وذلك هو الجماع لا مجرد الخلوة، وأيضاً الإفضاء لا بد أن يكون مفسراً بفعل ينتهي منه إليها لأن كلمة "إلى" لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليس كذلك إذا لم يحصل فعل من أفعال أحدهما إلى الآخر.

فإن قيل: على هذا يجب أن يكون التلامس والاضطجاع في لحاف واحد كافياً في تحقيق الإفضاء، وأنتم لا تقولون به؟

فالجواب أنه باطل بالإجماع إذ القائل قائلان: قائل بتفسير الإفضاء بالجماع، وقائل بتفسيره بمجرد الخلوة.

وأيضاً الشرع قد علق تقرر المهر بتحقيق الإفضاء، وقد اشتبه معناه أنه الخلوة أو الجماع فوجب الرجوع إلى ما قبل زمان الخلوة.

ومقتضى ذلك عدم تقرر المهر.

ثم أكد المنع من استرداد المهر بقوله: ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ قال السدي وعكرمة والفراء: هو قولكم زوّجتك هذه المرأة على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

ومعلوم أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فقد سرحها بالإساءة.

وقال ابن عباس ومجاهد: الميثاق الغليظ كلمة النكاح المعقودة على الصداق وإليها أشار في الحديث: " "واستحللتم فروجهن بكلمة الله " وقال آخرون: أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقاً غليظاً وصفه بالغلظ لقوّته قد قالوا: صحبة عشرين يوماً قرابة فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟

النوع الخامس من التكاليف المتعلقة بأمور النساء قوله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ قال ابن عباس وجمهور المفسرين: كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا عن ذلك.

وههنا مسألة خلافية قال أبو حنيفة: يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه، وقال الشافعي: لا يحرم.

حجة أبي حنيفة أن النكاح عبارة عن الوطء لقوله: ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره  ﴾ وبالاتفاق / لا يحصل التحليل بمجرد العقد.

ولقوله: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح  ﴾ اي الوطء لأن أهلية العقد حاصلة أبداً.

ولقوله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية  ﴾ ولقوله  : " "ناكح اليد ملعون " فيدخل في الآية المزنية لأنها منكوحة أي موطوأة.

وعورض بالآيات الدالة على أن النكاح هو العقد كقوله: ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم  ﴾ ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء  ﴾ وبقوله  : " النكاح سنتي" ولا شك أن الوطء من حيث إنه وطء ليس سنة له.

وبقوله: " "ولدت من نكاح لا من سفاح " وبأن من حلف في أولاد الزنا إنهم ليسوا من أولاد النكاح لم يحنث.

سلمنا أن الوطء سمي بالنكاح لكن العقد أيضاً مسمى به، فلم كان حمل الآية على ما ذكره أولى من حملها على ما ذكرنا مع إجماع المفسرين على أن سبب نزول الآية هو العقد لا الوطء؟

قالوا: حقيقة في الوطء مجاز في العقد لأنه في اللغة الضم، وهذا المعنى حاصل في الوطء لا في العقد.

وإنما أطلق النكاح على العقد إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، والحمل على الحقيقة أولى أو مشترك بينهما.

ويجوز استعماله في مفهوميه معاً، فتكون الآية نهياً عن الوطء وعن العقد معاً، أو لا يجوز استعماله في المفهومين فيكون نهياً عن القدر المشترك بينهما وهو الضم.

والنهي عن المشترك يكون نهياً عن القسمين، فإن النهي عن التلوين يكون نهياً عن التسويد والتبييض لا محالة، وأجيب بأنه خلاف إجماع المفسرين، وبأن استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه غير جائز، وبأن معنى الضم لا يتصوّر في العقد.

سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء ولكن ما في قوله: ﴿ ما نكح ﴾ لا نسلم أنها موصولة لأنها حقيقة في غير العقلاء وإنما هي مصدرية والتقدير: ولا تنكحوا نكاح آبائكم فإن أنكحتهم كانت بغير ولي وشهود وكانت مرفية ومهرية فنهوا عن مثل هذه الأنكحة.

قال محمد بن جرير الطبري.

سلمنا أن المراد لا تنكحوا من نكح آباؤكم ولكنا لا نسلم أن "من" تفيد العموم وإذا لم تفد العموم لم تتناول محل النزاع.

لكن لم قلتم إن النهي للتحريم لا للتنزيه؟

سلمنا أن النهي للتحريم لكن لا نسلم أنه غير صحيح لأن النهي عندكم لا يدل على الفاسد كما في البيع الفاسد وفي صوم يوم النحر.

وإذا كان منعقداً صحيحاً.

ثم إنا نستدل على جواز نكاح مزنية الأب بقوله تعالى: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن  ﴾ نهى عن نكاحهن إلى غاية نفي إيمانهن، وهذا يقتضي جواز نكاحهن بعد تلك الغاية على الإطلاق مزنية كانت أو غيرها، إلا ماأخرجه الدليل، وهكذا سائر العمومات كقوله: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم  ﴾ وكقوله  " إذا جاءكم من ترضون دينه فزوّجوه" " وقوله: " زوّجوا أبناءكم / الأكفاء" وبقوله  : " الحرام لا يحرّم الحلال" ودخول التخصيص فيه بما لو وقع قطرة من الخمر في إناء من الماء فتحرمه لا يمنع من الاستدلال به في غيره، وقد ناظر الشافعي محمد بن الحسن في هذه المسألة فوقع ختم الكلام على قول الشافعي وطء حدت به ووطء رجمت به فكيف يشتبهان؟

أما قوله  : ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ فللمفسرين فيه وجوه: أحسنها ما ذكره السيد صاحب حل العقد أنه على طريق المعنى.

فإن النهي يدل على المؤاخذة بارتكاب المنهي عنه فكأنه قيل: انتم مؤاخذون بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف قبل نزول آية التحريم فإنه معفوّ عنه.

وقال في الكشاف: هذا كما استثنى "غير أن سيوفهم" من قوله: "ولا عيب فيهم" يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فإنه لا يحل لكم غيره وذلك غير ممكن.

والغرض المبالغة في تحريمه كقوله: ﴿ حتى يلج الجمل في سم الخياط  ﴾ وقولهم: حتى يبيض القار.

وقيل: استثناء منقطع لأنه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل.

والمعنى لكن ما قد سلف فإن الله قد تجاوز عنه.

وقيل: "إلا" بمعنى"بعد" كقوله: ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى  ﴾ أي بعد موتتهم الأولى.

وقيل: إلا ما قد سلف فإنكم مقرّون عليه.

قالوا: إنه  أقرهم عليهن مدة ثم أمر بمفارقتهن وإنما فعل ذلك ليكون صرفهم عن هذه العادة على سبيل التدريج.

وزيف بعضهم هذا القول وقال ما أقرّ أحداً على نكاح امرأة أبيه وإن كان في الجاهلية.

وروي "أنه  بعث أبا بردة إلى رجل عرّس بامرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله" إنه أي إن هذا النكاح كان قبل النهي فاحشة، أعلم الله  أن هذا الفعل كان أبداً ممقوتاً عند العرب، وهذا النكاح بعد النهي فاحشة في الإسلام لأنه كان في علم الله وحكمه موصوفاً بهذا الوصف، والمقت عبارة عن بغض مقرون باستحقار.

حصل ذلك بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه، وهو من الله  في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار.

قال بعضهم: مراتب القبح ثلاث: في العقول وفي الشرع وفي العادة.

فالفاحشة إشارة إلى القبح العقلي لأن زوجة الأب تشبه الأم، والمقت إشارة إلى القبح الشرعي.

﴿ وساء سبيلاً ﴾ إشارة إلى القبح العادي وساء فعل ذم وفاعله ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده والله  أعلم.

التأويل: الوراثة الدينية أيضاً سبب ونسب.

فالسبب هو الإرادة بلبس خرقة المشايخ والتشبه بهم، والنسب هو الصحبة معهم بالتسليم لتصرفات ولا يتهم ظاهراً وباطناً مستسلماً لأحكام التسليل والتربية ليتولد السالك بالنشأة الثانية من صلب ولايتهم.

ومن هنا قال  : / " الأنبياء إخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد " وإنما يتوارث أهل الدين على قدر تعلقاتهم السببية والنسبية والذكورة والأنوثة في الجدّ والاجتهاد وحسن الاستعداد وبتوارثهم العلوم الدينية واللدنية كقوله  : " العلماء ورثة الأنبياء " وقول موسى للخضر ﴿ هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً  ﴾ ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ هي النفوس الأمارات بالسوء ﴿ فاستشهدوا عليهم أربعة منكم ﴾ أي من خواص العناصر الأربعة التي أنتم منها مركبون وهي التراب ومن خواصه الخسة والذلة، والماء ومن خواصه اللين والأنوثة والشرة، والهواء ومن خواصه الحرص والحسد والبخل والشهوة، والنار ومن خواصها الكبر والغضب وحب الرياسة ﴿ فإن شهدوا ﴾ بأن يظهر بعض هذه الصفات من النفوس ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ في سجن الدينا وأغلقوا عليهم أبواب الحواس الخمس حتى تموت النفس بالانقطاع عن حظوظها دون حقوقها ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بانفتاح روزنة القلوب إلى عالم الغيب ﴿ واللذان يأتيانها ﴾ أي النفس والقالب يأتيان من الفواحش ظاهراً في الأعمال وباطناً في الأحوال والأخلاق ﴿ فأذوهما ﴾ ظاهراً بالحدود وباطناً بالرياضات وترك الحظوظ ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ باللطف بعد العنف، وباليسر بعد العسر ﴿ بجهالة ﴾ أي بصفة الجهولية وهي داخلة في الظلومية لأن لا ظلومية تقتضي المعصية والإصرار عليها، والجهولية تقتضي المعصية فحسب.

فالعمل السوء إذا كان مصدره الجهولية فحسب يكون على عقيبة التوبة كما قال: ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ أي عقيب المعصية.

قال  : " أتبع السيئة السنة تمحها" " والحسنة التوبة.

ويحتمل أن يقال: من قريب أي قبل أن يموت القلب بالإصرار فإن الله لا يقبل التوبة من قلب ميت لأنها تكون اضطرارية باللسان لا اختيارية بالجنان ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ فيه إشارة إلى النهي عن التصرف في السفليات التي هي الأمهات المتصرفة فيها آباؤكم العلوية ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ من التدبير الإلهي في ازدواج الأرواح لضرورة اكتساب الكمالات، فإن الركون إلى العالم السفلي يوجب مقت الحق والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ﴾ والقنطار: قيل: مائة رطل.

وقيل في حرف ابن مسعود: "قنطاراً من الذهب".

وعن ابن عباس -  - قال: إن كرهت امرأتك أو أعجبتك غيرها؛ فطلقت هذه وتزوجت تلك، فأعط هذه مهرها وإن كان قنطاراً.

والقنطار: اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار.

وقيل: القنطار ألف ومائتا دينار، فهذا على التمثيل، ليس على التقدير، ووجه النهي والوعيد في ذلك - والله أعلم - ما روي عن رسول الله  أنه قال: "إِنَّ النِّسَاءَ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ، اتَّخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ - تَعَالَى - وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ تَعَالَى" فوعد - عز وجل - الأزواج في غير آي من القرآن عن أخذ مهور النساء وغيرها من الأموال؛ لضعفهن في أنفسهن، والرجال هم القوامون عليهن؛ لئلا يبسط الأزواج في أموالهن؛ إشفاقاً عليهن، أو لما إذا أخذ منها مهرها تبقى تلك المنفعة بلا بدل، وذلك زنا؛ وعلى هذا يجيء ألا يجوز له أن يخلطها؛ لأنه إذا أخذ منها مهرها بقيت له المنفعة بلا بدل، لكنه أجيز له ذلك؛ لأنه تقلب في الملك، وكل من تقلب في ملكه ببدل يأخذه جاز له ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً ﴾ .

قيل: ظلماً بغير حق.

وقيل: إذا أراد طلاقها لا يضارها بكذب لتفتدي منه مهرها.

﴿ وَإِثْماً مُّبِيناً ﴾ : ويحتمل أن يكون البهتان والإثم واحداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ ﴾ .

قيل: الإفضاء: هو الجماع.

والأشبه أن يكون الإفضاء: الاجتماع؛ لأنه أضاف إليهما جميعاً، فهو بالاجتماع أشبه وإليه أقرب؛ فيجب المهر بالاجتماع والخلوة بها، والجماع فعل الزوج، يضاف إليه خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ .

قيل: عقدة النكاح.

وقيل: هو ما ذكرنا في قوله -  -: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ  ﴾ .

وقيل: الميثاق الغليظ ما ذكر أن النبي  كان يقول: "اتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمُوهُنَّ بِأمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلمِةَ اللهِ، وَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ لاَ يَمْلِكْنَ مِنْ أَمْرِهِنَّ شَيْئاً" وقال النبي  : "يَأَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقّاً، وَإِنَّ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقّاً، وَإِنَّ مِنْ حِقِّكُمْ عَلَيهِنَّ أَلاَّ يُوطِئنَّ فُرُشَكُمْ، وَلاَ يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لأِحَدٍ تَكْرَهُونَهُ، وَلاَ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مبُيَنِّةٍ، فَإِنْ هُنَّ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَقَدْ أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ - يعني: غير شائن - وَإِنَّ مِنْ حَقِّهِنَّ عَلَيْكُمُ الكُسْوَةَ والنَّفَقَةَ بِالْمَعْرُِوفِ" وقيل: "إن رجلا سأل رسول الله  : ماذا يحل لنا من نسائنا؟

وما يحرك علينا منهم؟

فقال رسول الله  : حَرْثُكَ، فَأْتِهِ أَنَّى شِئْتَ، وَلاَ تَضْرِبِ الوَجْهَ، وَلاَ تُقَبِّحْهُ، وَلاَ تَهْجُرْهَا إِلاَّ فِي بَيْتِهَا، وَأَطْعِمْهَا إِذَا أَكَلْتَ، وَاكْسُهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ" وقيل: الميثاق الغليظ: ما أقروا به من قول الله: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ حرم - الله  - على الأبناء نكاح نساء الآباء، وذلك أنهم كانوا يعملون في الجاهلية ما قيل في القصة: أن أبا قيس توفي فعمد ابنه - يقال له: محصن - فتزوج امرأة أبيه، فنهي الله -  - عن ذلك، فقال - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ .

وقيل: إن رجلاً من أصحاب رسول الله  خرج سالاً سيفه؛ فقيل له: ما شأنك؟

فقال: إن رجلاً تزوج بامرأة أبيه، فهذا إذا تزوجها مستحلاً لها، فهو يكفر لذلك: كأن قصد قتله؛ وكذلك حرم الله -  وتعالى - على الآباء نكاح نساء الأبناء بقوله -  -: ﴿ وَحَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً ﴾ : أي: إنكم إذا انتهيتم عن ذلك في الائتناف يغفر لكم ما قد سلف، وإن كان فاحشة.

وقيل: ﴿ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ قبل: التحريم.

﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ﴾ أي: صار فاحشة في الإسلام: ﴿ وَمَقْتاً ﴾ قيل: بغضاً.

﴿ وَسَآءَ سَبِيلاً ﴾ أي: بئس المسلك تزوج نساء الآباء.

ويحتمل أن تكون الآية في الطلاق؛ إذ كان الرجل يطلق امرأته ثمّ يندم على طلاقها، فيتزوجها ابنه، فيمقت ذلك الأب ويبغض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَآءَ سَبِيلاً ﴾ : أي: بئس السبيل نكاح امرأة أبيه، حيث مقت أبيه وبئس مقت أبيه المسلك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن أردتم -أيها الأزواج- تطليق امرأة، واستبدال غيرها بها؛ فلا حرج عليكم في ذلك، وإن كنتم أعطيتم التي عزمتم على فراقها مالًا كثيرًا مهرًا لها؛ فلا يجوز لكم أخذ شيء منه، فإنَّ أَخْذ ما أعطيتموهن يُعدُّ افتراءً مبينًا وإثمًا واضحًا!

<div class="verse-tafsir" id="91.Janjy"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

وجه الاتصال ظاهر وهو أن الكلام من أول السورة في النساء والبيوت وإنما جاء ذكر التوبة استطرادًا.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا  ﴾ كانت العرب تحتقر النساء وتعدهن من قبيل المتاع والعروض، حتى كان الأقربون يرثون زوجة من يموت منهم كما يرثون ماله فحرم الله هذا العمل من أعمال الجاهلية، ولفظ الكره هنا ليس قيدًا وإنما هو بيان للواقع الذي كانوا عليه فإنهم كانوا يرثونهن بغير رضاهن.

﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ  ﴾ ليس معنى العضل هنا ما قاله المفسر (الجلال) من أنه المنع من زواج الغير، بل معناه لا تضاروهن ولا تضيقوا عليهن ليكرهنكم ويضطررن إلى الافتداء منكم، فقد كانوا يتزوجون من يعجبهم حسنها، ويزوجون من لا تعجبهم أو يمسكونها حتى تفتدى بما كانت ورثت من قريب الوارث أو ما كانت أخذت من صداق ونحوه أو المجموع من هذا وذاك، وربما كلفوها الزيادة إن علموا أنها تستطيعها، وذلك هو الفضل المحرم منها.

﴿ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ  ﴾ روي عن بعض مفسري السلف أن الفاحشة هنا هي الزنا، وعن بعضهم أنها النشوز، وعن بعضهم أنها الفحش بالقول.

والصواب عدم تعيينها وتخصيصها بأحد هذه الأمور بل تبقى على إطلاقها فتصدق بالسرقة أيضًا فإنها من الأمور الفاحشة الممقوتة عند الناس، ولكن يعتبر فيها الوصف المنصوص وهو أن تكون مبينة أي ظاهرة فاضحة لصاحبها، وإنما اشترط هذا القيد لئلا يظلم الرجل المرأة بإصابتها الهفوة واللمم، أو بمجرد سوء الظن والتهم، فمن الرجال الغيور السيء الظن يؤاخذ المرأة بالهفوة فيعدها فاحشة.

وقد حرم الله المضارة لأجل أن يأخذ الرجل منها بعض ما كان آتاها من صداق أو غيره فعلم منه أن المضارة لأخذ جميع ذلك أو أكثر منه حرام بالأولى، وإنما أُبيح للرجل أن يضيق على امرأته إذا أتت بالفاحشة المبينة، لأن المرأة قد تكره الرجل وتميل إلى غيره فتؤذيه بفحش من القول أو الفعل ليملها ويسأم معاشرتها فيطلقها فتأخذ ما كان آتاها وتتزوج آخر تتمتع معه بمال الأول، وربما فعلت معه بعد ذلك كما فعلت بالأول.

وإذا علم النساء أن العضل والتضييق بيد الرجال مما أبيح لهم إذا هن أهنهم بارتكاب الفاحشة المبينة فإن ذلك يكفهن عن ارتكابها والاحتيال بها على أرذل الكسب.

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ  ﴾ المدار في المعروف على ما تعرفه المرأة ولا تستنكره وما يليق به وبها بحسب طبقتهما في الناس.

﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا  ﴾ إن ذكر إرادة الاستبدال مبني على الغالب في مثل هذه الحالة وليس شرطًا لعدم حل أخذ شيء من مال المرأة، فإذا طلقها وهو لا يريد تزوج غيرها وإنما كره عشرتها، أو اختار الوحدة وعدم التقيد بالنساء أو غير ذلك فإنه لا يحل له أخذ شيء من مالها كما يعلم من اشتراط الإتيان بفاحشة مبينة.

﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ  ﴾ ، نكتة التعبير بقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ  ﴾ أي مع كون الظاهر أن يقول وقد أفضيتم إليهن أو أفضى أحدكم إلى الآخر، هي الإشارة إلى كون كل واحد من الزوجين بمنزلة جزء الآخر وبعضه المتمم لوجوده، فكأن بعض الحقيقة كان منفصلًا عن بعضها الآخر فوصل إليه بهذا الإفضاء واتحد به.

ثم قال: ﴿ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا  ﴾ إن هذا الميثاق الذي أخذه النساء من الرجال لابد أن يكون مناسبًا لمعنى الإفضاء في كون كل منهما من شؤون الفطرة السليمة وهو، ما أشارت غليه الآية الكريمة: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً  ﴾ فهذه آية من آيات الفطرة الإلهية هي أقوى ما تعتمد عليه المرأة في ترك أبويها وإخوتها وسائر أهلها والرضا بالاتصال برجل غريب عنها تساهمه السراء والضراء، فمن آيات الله تعالى في هذا الإنسان أن تقبل المرأة بالانفصال من أهلها ذوي الغيرة عليها لأجل الاتصال بالغريب تكون زوجًا له، ويكون زوجًا لها، تسكن إليه ويسكن إليها، ويكون بينهما من المودة والرحمة أقوى من كل ما يكون بين ذوي القربى، فكأنه يقول إن المرأة لا تقدم على الزوجية وترضى بأن تترك جميع أنصارها وأحبائها لأجل زوجها إلا وهي واثقة بأن تكون صلتها به أقوى من كل صلة، وعيشتها معه أهنأ من كل عيشة، وهذا ميثاق فطري من أغلظ المواثيق وأشدها إحكامًا.

وإنما يفقه هذا المعنى الإنسان الذي يحس إحساس الإنسان، فليتأمل تلك الحالة التي ينشئها الله تعالى بين الرجل وامرأته يجد أن المرأة أضعف من الرجل وأنها تقبل عليه وتسلم نفسها إليه مع علمها بأنه قادر على هضم حقوقها، فعلى أي شيء تعتمد في هذا الإقبال والتسليم؟

وما هو الضمان الذي تأخذه عليه والميثاق الذي تواثقه به؟

ماذا يقع في نفس المرأة إذا قيل لها إنك ستكونين زوجًا لفلان؟

إن أول شيء يخطر في بالها عند سماع مثل هذا القول أو التفكر فيه وإن لم تسأل عنه هو أنها ستكون عنده على حال أفضل من حالها عند أبيها وأمها، وما ذلك إلا لشيء استقر في فطرتها وراء الشهوة، ذلك الشيء هو عقل إلهي وشعور فطري أودع فيها ميلًا إلى صلة مخصوصة لم تعهدها من قبل، وثقة مخصوصة لا تجدها في أحد من الأهل، وحنوًا مخصوصًا لا تجد له موضعًا إلا البعل، فمجموع ذلك هو الميثاق الغليظ الذي أخذته من الرجل بمقتضى نظام الفطرة الذي يوثق به ما لا يوثق بالكلام الموثق بالعهود والإيمان، وبه تعتقد المرأة أنها بالزواج قد أقبلت على سعادة ليس وراءها سعادة في هذه الحياة وإن لم تر من رضيت به زوجًا، ولم تسمع له من قبل كلامًا، فهذا ما علمنا الله تعالى إياه وذكرنا به -وهو مركوز في أعماق نفوسنا- بقوله إن النساء قد أخذن من الرجال بالزواج ميثاقًا غليظًا، فما هي قيمة من لا يفي بهذا الميثاق وما هي مكانته من الإنسانية؟!.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله