الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٢٣ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 361 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٣ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
هذه الآية الكريمة هي آية تحريم المحارم من النسب ، وما يتبعه من الرضاع والمحارم بالصهر ، كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان بن حبيب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : حرمت عليكم سبع نسبا ، وسبع صهرا ، وقرأ : ( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ) الآية .
وحدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد ، حدثنا أبو أحمد ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء عن عمير مولى ابن عباس ، عن ابن عباس قال : يحرم من النسب سبع ومن الصهر سبع ، ثم قرأ : ( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ) فهن النسب .
وقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني عليه بعموم قوله تعالى : ( وبناتكم ) ; فإنها بنت فتدخل في العموم ، كما هو مذهب أبي حنيفة ، ومالك ، وأحمد بن حنبل .
وقد حكي عن الشافعي شيء في إباحتها; لأنها ليست بنتا شرعية ، فكما لم تدخل في قوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم ) فإنها لا ترث بالإجماع ، فكذلك لا تدخل في هذه الآية .
والله أعلم .
وقوله : ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ) أي كما تحرم عليك أمك التي ولدتك ، كذلك يحرم عليك أمك التي أرضعتك; ولهذا روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث مالك بن أنس ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة " ، وفي لفظ لمسلم : " يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب " .
وقد قال بعض الفقهاء : كما يحرم بالنسب يحرم بالرضاع إلا في أربع صور .
وقال بعضهم : ست صور ، هي مذكورة في كتب الفروع .
والتحقيق أنه لا يستثنى شيء من ذلك; لأنه يوجد مثل بعضها في النسب ، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر ، فلا يرد على الحديث شيء أصلا البتة ، ولله الحمد .
ثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرمة ، فذهب ذاهبون إلى أنه يحرم مجرد الرضاع لعموم هذه الآية .
وهذا قول مالك ، ويحكى عن ابن عمر ، وإليه ذهب سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، والزهري .
وقال آخرون : لا يحرم أقل من ثلاث رضعات لما ثبت في صحيح مسلم ، من طريق هشام بن عروة عن أبيه ، عن عائشة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تحرم المصة والمصتان " .
وقال قتادة ، عن أبي الخليل ، عن عبد الله بن الحارث ، عن أم الفضل قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان ، والمصة ولا المصتان " ، وفي لفظ آخر : " لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان " رواه مسلم .
وممن ذهب إلى هذا القول الإمام أحمد بن حنبل ، وإسحاق ابن راهويه ، وأبو عبيد ، وأبو ثور .
ويحكى عن علي ، وعائشة ، وأم الفضل ، وابن الزبير ، وسليمان بن يسار ، وسعيد بن جبير ، رحمهم الله .
وقال آخرون : لا يحرم أقل من خمس رضعات ، لما ثبت في صحيح مسلم من طريق مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمرة عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : كان فيما أنزل [ الله ] من القرآن : عشر رضعات معلومات يحرمن .
ثم نسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله صلى لله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن .
وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة نحو ذلك .
وفي حديث سهلة بنت سهيل : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن ترضع مولى أبي حذيفة خمس رضعات وكانت عائشة تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يرضع خمس رضعات .
وبهذا قال الشافعي ، رحمه الله [ تعالى ] وأصحابه .
ثم ليعلم أنه لا بد أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور .
وكما قدمنا الكلام على هذه المسألة في سورة البقرة ، عند قوله : ( يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ) [ الآية : 233 ] .
واختلفوا : هل يحرم لبن الفحل ، كما هو قول جمهور الأئمة الأربعة وغيرهم ؟
وإنما يختص الرضاع بالأم فقط ، ولا ينتشر إلى ناحية الأب كما هو لبعض السلف ؟
على قولين ، تحرير هذا كله في كتاب " الأحكام الكبير " .
وقوله : ( وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ) أما أم المرأة فإنها تحرم بمجرد العقد على ابنتها ، سواء دخل بها أو لم يدخل .
وأما الربيبة وهي بنت المرأة فلا تحرم بمجرد العقد على أمها حتى يدخل بها ، فإن طلق الأم قبل الدخول بها جاز له أن يتزوج بنتها ، ولهذا قال : ( وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ) [ أي ] في تزويجهن ، فهذا خاص بالربائب وحدهن .
وقد فهم بعضهم عود الضمير إلى الأمهات [ و ] الربائب فقال : لا تحرم واحدة من الأم ولا البنت بمجرد العقد على الأخرى حتى يدخل بها; لقوله : ( فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ) وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى ، عن سعيد عن قتادة ، عن خلاس بن عمرو ، عن علي ، رضي الله عنه ، في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها ، أيتزوج أمها ؟
قال : هي بمنزلة الربيبة .
وحدثنا ابن بشار حدثنا يحيى بن سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن زيد بن ثابت قال : إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوج أمها .
وفي رواية عن قتادة ، عن سعيد ، عن زيد بن ثابت ; أنه كان يقول : إذا ماتت عنده وأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها ، فإذا طلقها قبل أن يدخل بها فإن شاء فعل .
وقال ابن المنذر : حدثنا إسحاق ، عن عبد الرزاق ، عن ابن جريج قال : أخبرني أبو بكر بن حفص ، عن مسلم بن عويمر الأجدع أن بكر بن كنانة أخبره أن أباه أنكحه امرأة بالطائف قال : فلم أجامعها حتى توفي عمي عن أمها ، وأمها ذات مال كثير ، فقال أبي : هل لك في أمها ؟
قال : فسألت ابن عباس وأخبرته الخبر فقال : انكح أمها .
قال : فسألت ابن عمر فقال : لا تنكحها .
فأخبرت أبي ما قال ابن عباس وما قال ابن عمر ، فكتب إلى معاوية وأخبره في كتابه بما قال ابن عمر وابن عباس فكتب معاوية : إني لا أحل ما حرم الله ، ولا أحرم ما أحل [ الله ] وأنت وذاك والنساء سواها كثير .
فلم ينه ولم يأذن لي ، فانصرف أبي عن أمها فلم ينكحها .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن سماك بن الفضل ، عن رجل ، عن عبد الله بن الزبير قال : الربيبة والأم سواء ، لا بأس بها إذا لم يدخل بالمرأة .
وفي إسناده رجل مبهم لم يسم .
وقال ابن جريج أخبرني عكرمة بن خالد أن مجاهدا قال له : ( وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم ) أراد بهما الدخول جميعا فهذا القول مروي كما ترى عن علي ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن الزبير ، ومجاهد ، وابن جبير وابن عباس ، وقد توقف فيه معاوية ، وذهب إليه من الشافعية أبو الحسن أحمد بن محمد بن الصابوني ، فيما نقله الرافعي عن العبادي .
[ وقد خالفه جمهور العلماء من السلف والخلف ، فرأوا أن الربيبة لا تحرم بمجرد العقد على الأم ، وأنها لا تحرم إلا بالدخول بالأم ، بخلاف الأم فإنها تحرم بمجرد العقد على الربيبة ] .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا جعفر بن محمد بن هارون بن عزرة حدثنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أنه كان يقول إذا طلق الرجل امرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها ، أنه قال : إنها مبهمة ، فكرهها .
ثم قال : وروي عن ابن مسعود ، وعمران بن حصين ، ومسروق ، وطاوس ، وعكرمة ، وعطاء ، والحسن ، ومكحول ، وابن سيرين ، وقتادة ، والزهري نحو ذلك .
وهذا مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة ، وجمهور الفقهاء قديما وحديثا ، ولله الحمد والمنة .
قال ابن جرير : والصواب ، أعني قول من قال : " الأم من المبهمات " ; لأن الله لم يشرط معهن الدخول كما شرط ذلك مع أمهات الربائب ، مع أن ذلك أيضا إجماع من الحجة التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به متفقة عليه .
وقد روي بذلك أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر ، غير أن في إسناده نظرا ، وهو ما حدثني به المثنى ، حدثنا حبان بن موسى ، حدثنا ابن المبارك ، أخبرنا المثنى بن الصباح ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها ، دخل بالبنت أو لم يدخل ، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها ، فإن شاء تزوج الابنة .
ثم قال : وهذا الخبر ، وإن كان في إسناده ما فيه ، فإن في إجماع الحجة على صحة القول به مستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره .
وأما قوله : ( وربائبكم اللاتي في حجوركم ) فجمهور الأئمة على أن الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره ، قالوا : وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب ، فلا مفهوم له كقوله تعالى : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ) [ النور : 33 ] وفي الصحيحين أن أم حبيبة قالت : يا رسول الله ، انكح أختي بنت أبي سفيان - وفي لفظ لمسلم : عزة بنت أبي سفيان - قال : " أو تحبين ذلك ؟
" قالت : نعم ، لست لك بمخلية ، وأحب من شاركني في خير أختي .
قال : " فإن ذلك لا يحل لي " .
قالت : فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة .
قال بنت أم سلمة ؟
" قالت نعم .
قال : إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي ، إنها لبنت أخي من الرضاعة ، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن " .
وفي رواية للبخاري : " إني لو لم أتزوج أم سلمة ما حلت لي " .
فجعل المناط في التحريم مجرد تزويجه أم سلمة وحكم بالتحريم لذلك ، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجمهور الخلف والسلف .
وقد قيل بأنه لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجر الرجل ، فإذا لم يكن كذلك فلا تحرم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، أنبأنا هشام - يعني ابن يوسف - عن ابن جريج ، حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة ، أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان قال : كانت عندي امرأة فتوفيت ، وقد ولدت لي ، فوجدت عليها ، فلقيني علي بن أبي طالب فقال : مالك ؟
فقلت : توفيت المرأة .
فقال علي : لها ابنة ؟
قلت : نعم ، وهي بالطائف .
قال : كانت في حجرك ؟
قلت : لا هي بالطائف قال : فانكحها .
قلت : فأين قول الله [ عز وجل ] ( وربائبكم اللاتي في حجوركم ) قال : إنها لم تكن في حجرك ، إنما ذلك إذا كانت في حجرك .
هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب ، على شرط مسلم ، وهو قول غريب جدا ، وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه .
وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك ، رحمه الله ، واختاره ابن حزم ، وحكى لي شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي أنه عرض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية ، رحمه الله ، فاستشكله ، وتوقف في ذلك ، والله أعلم .
وقال ابن المنذر : حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا الأثرم ، عن أبي عبيدة قوله : ( اللاتي في حجوركم ) قال : في بيوتكم .
وأما الربيبة في ملك اليمين فقد قال الإمام مالك بن أنس ، عن ابن شهاب : أن عمر بن الخطاب سئل عن المرأة وبنتها من ملك اليمين توطأ إحداهما بعد الأخرى ؟
فقال عمر : ما أحب أن أخبرهما جميعا .
يريد أن أطأهما جميعا بملك يميني .
وهذا منقطع .
وقال سنيد بن داود في تفسيره : حدثنا أبو الأحوص ، عن طارق بن عبد الرحمن عن قيس قال : قلت لابن عباس : أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له ؟
فقال : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، ولم أكن لأفعله .
قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر ، رحمه الله : لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وابنتها من ملك اليمين ، لأن الله حرم ذلك في النكاح ، قال : ( وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم ) وملك اليمين هم تبع للنكاح ، إلا ما روي عن عمر وابن عباس ، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم .
وروى هشام عن قتادة : بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح وإن كانت أسفل ببطون كثيرة .
وكذا قال قتادة عن أبي العالية .
ومعنى قوله تعالى : ( اللاتي دخلتم بهن ) أي : نكحتموهن .
قاله ابن عباس وغير واحد .
وقال ابن جريج عن عطاء : هو أن تهدى إليه فيكشف ويفتش ويجلس بين رجليها .
قلت : أرأيت إن فعل ذلك في بيت أهلها .
قال : هو سواء ، وحسبه قد حرم ذلك عليه ابنتها .
وقال ابن جرير : وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا يحرم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها أو قبل النظر إلى فرجها بشهوة ، ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع .
وقوله : ( وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ) أي : وحرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم ، يحترز بذلك عن الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية ، كما قال تعالى : ( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم [ إذا قضوا منهن وطرا ] ) الآية [ الأحزاب : 37 ] .
وقال ابن جريج : سألت عطاء عن قوله : ( وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ) قال : كنا نحدث ، والله أعلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد ، قال المشركون بمكة في ذلك ، فأنزل الله [ عز وجل ] ( وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ) ونزلت : ( وما جعل أدعياءكم أبناءكم ) [ الأحزاب : 4 ] .
ونزلت : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ) [ الأحزاب : 40 ] .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، حدثنا الجرح بن الحارث ، عن الأشعث ، عن الحسن بن محمد أن هؤلاء الآيات مبهمات : ( وحلائل أبنائكم ) ( أمهات نسائكم ) ثم قال : وروي عن طاوس وإبراهيم والزهري ومكحول نحو ذلك .
قلت : معنى مبهمات : أي عامة في المدخول بها وغير المدخول ، فتحرم بمجرد العقد عليها ، وهذا متفق عليه .
فإن قيل : فمن أين تحرم امرأة ابنه من الرضاعة ، كما هو قول الجمهور ، ومن الناس من يحكيه إجماعا وليس من صلبه ؟
فالجواب من قوله صلى الله عليه وسلم : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " .
وقوله : ( وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف [ إن الله كان غفورا رحيما ] ) أي : وحرم عليكم الجمع بين الأختين معا في التزويج ، وكذا في ملك اليمين إلا ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عن ذلك وغفرناه .
فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل ولا استثناء فيما سلف ، كما قال : ( لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ) [ الدخان : 56 ] فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدا .
وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديما وحديثا على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح ، ومن أسلم وتحته أختان خير ، فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة .
قال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة عن أبي وهب الجيشاني عن الضحاك بن فيروز ، عن أبيه قال : أسلمت وعندي امرأتان أختان ، فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أطلق إحداهما .
ثم رواه الإمام أحمد ، والترمذي ، وابن ماجه ، من حديث ابن لهيعة .
وأخرجه أبو داود والترمذي أيضا من حديث يزيد بن أبي حبيب ، كلاهما عن أبي وهب الجيشاني .
قال الترمذي : واسمه ديلم بن الهوشع ، عن الضحاك بن فيروز الديلمي ، عن أبيه ، به وفي لفظ للترمذي : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اختر أيتهما شئت " .
ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن .
وقد رواه ابن ماجه أيضا بإسناد آخر فقال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة ، عن أبي وهب الجيشاني عن أبي خراش الرعيني قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي أختان تزوجتهما في الجاهلية ، فقال : " إذا رجعت فطلق إحداهما " .
قلت : فيحتمل أن أبا خراش هذا هو الضحاك بن فيروز ، ويحتمل أن يكون غيره ، فيكون أبو وهب قد رواه عن اثنين ، عن فيروز الديلمي ، والله أعلم .
وقال ابن مردويه : حدثنا عبد الله بن يحيى بن محمد بن يحيى ، حدثنا أحمد بن يحيى الخولاني حدثنا هيثم بن خارجة ، حدثنا يحيى بن إسحاق ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن رزيق بن حكيم ، عن كثير بن مرة ، عن الديلمي قال : قلت : يا رسول الله ، إن تحتي أختين ؟
قال : " طلق أيهما شئت " .
فالديلمي المذكور أولا هو الضحاك بن فيروز الديلمي [ رضي الله عنه ] قال أبو زرعة الدمشقي : كان يصحب عبد الملك بن مروان ، والثاني هو أبو فيروز الديلمي ، رضي الله عنه ، وكان من جملة الأمراء باليمن الذين ولوا قتل الأسود العنسي المتنبئ لعنه الله .
وأما الجمع بين الأختين في ملك اليمين فحرام أيضا لعموم الآية ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عبد الله بن أبي عنبة - أو عتبة عن ابن مسعود : أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين ، فكرهه ، فقال له - يعني السائل - : يقول الله عز وجل : ( إلا ما ملكت أيمانكم ) فقال له ابن مسعود : وبعيرك مما ملكت يمينك .
وهذا هو المشهور عن الجمهور والأئمة الأربعة وغيرهم ، وإن كان بعض السلف قد توقف في ذلك .
قال الإمام مالك ، عن ابن شهاب ، عن قبيصة بن ذؤيب : أن رجلا سأل عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين ، هل يجمع بينهما ؟
فقال عثمان : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، وما كنت لأصنع ذلك ، فخرج من عنده فلقي رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فسأله عن ذلك فقال : لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا .
قال مالك : قال ابن شهاب : أراه علي بن أبي طالب : قال : وبلغني عن الزبير بن العوام مثل ذلك .
قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري ، رحمه الله ، في كتابه " الاستذكار " : إنما كنى قبيصة بن ذؤيب عن علي بن أبي طالب ، لصحبته عبد الملك بن مروان ، وكانوا يستثقلون ذكر علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه .
ثم قال أبو عمر ، رحمه الله : حدثني خلف بن أحمد ، رحمه الله ، قراءة عليه : أن خلف بن مطرف حدثهم : حدثنا أيوب بن سليمان وسعيد بن سليمان ومحمد بن عمر بن لبابة قالوا : حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم ، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري عن موسى بن أيوب الغافقي ، حدثني عمي إياس بن عامر قال : سألت علي بن أبي طالب [ رضي الله عنه ] فقلت : إن لي أختين مما ملكت يميني ، اتخذت إحداهما سرية فولدت لي أولادا ، ثم رغبت في الأخرى ، فما أصنع ؟
فقال علي ، رضي الله عنه : تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الأخرى .
قلت : فإن ناسا يقولون : بل تزوجها ثم تطأ الأخرى .
فقال علي : أرأيت إن طلقها زوجها أو مات عنها أليس ترجع إليك ؟
لأن تعتقها أسلم لك .
ثم أخذ علي بيدي فقال لي : إنه يحرم عليك ما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله عز وجل من الحرائر إلا العدد - أو قال : إلا الأربع - ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب .
ثم قال أبو عمر : هذا الحديث رحلة لو لم يصب الرجل من أقصى المشرق أو المغرب إلى مكة غيره لما خابت رحلته .
قلت : وقد روي عن علي نحو ما تقدم عن عثمان ، وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن العباس ، حدثني محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي حدثنا عبد الرحمن بن غزوان ، حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال لي علي بن أبي طالب : حرمتهما آية وأحلتهما آية - يعني الأختين - قال ابن عباس : يحرمهن علي قرابتي منهن ، ولا يحرمهن على قرابة بعضهن من بعض - يعني الإماء - وكانت الجاهلية يحرمون ما تحرمون إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين ، فلما جاء الإسلام أنزل الله [ عز وجل ] ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ) ( وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ) يعني : في النكاح .
ثم قال أبو عمر : روى الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا محمد بن سلمة ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن ابن مسعود قال : يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد .
وعن ابن سيرين والشعبي مثل ذلك .
قال أبو عمر ، رحمه الله : وقد روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف ، منهم : ابن عباس ، ولكنهم اختلف عليهم ، ولم يلتفت إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار والحجاز ولا بالعراق ولا ما وراءهما من المشرق ولا بالشام ولا المغرب ، إلا من شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس ، وقد ترك من يعمل ذلك ما اجتمعنا عليه ، وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء ، كما لا يحل ذلك في النكاح .
وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله [ تعالى ] ( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم [ وعماتكم وخالاتكم ] ) إلى آخر الآية : أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء ، فكذلك يجب أن يكون نظرا وقياسا الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب .
وكذلك هو عند جمهورهم ، وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها ، والله المحمود .
القول في تأويل قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23) قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: حُرّم عليكم نكاح أمهاتكم = فترك ذكر " النكاح "، اكتفاءً بدلالة الكلام عليه.
وكان ابن عباس يقول في ذلك ما:- 8944 - حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن الثوري، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: حُرّم من النسب سبعٌ، ومن الصِّهر سبعٌ.
ثم قرأ: " حُرّمت عليكم أمهاتكم " حتى بلغ: " وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف "، قال: والسابعة: وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ .
8945 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: يحرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع.
ثم قرأ: " حُرّمت عليكم أمهاتكم " إلى قوله: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ .
8946 - حدثنا ابن بشار مرة أخرى قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس مثله.
(38) 8947 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري بنحوه.
8948 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: حرم عليكم سبع نَسَبًا، وسبعٌ صهرًا." حُرّمت عليكم أمهاتكم " الآية.
(39) 8949 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن علي بن صالح، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم " قال: حَرّم الله من النسب سبعًا ومن الصهر سبعًا.
ثم قرأ: " وأمهات نسائكم وربائبكم "، الآية.
8950 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مطرِّف، عن عمرو بن سالم مولى الأنصار قال، حُرّم من النسب سبع، ومن الصهر سبع: " حُرِّمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت " = ومن الصهر: " أمهاتكم اللاتي أرضَعْنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم &; 8-143 &; وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جُناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف " = ثم قال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ = وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ .
(40) * * * قال أبو جعفر: فكل هؤلاء اللواتي سَمَّاهن الله تعالى وبيَّن تحريمَهن في هذه الآية، مُحَرَّمات، غيرُ جائز نكاحُهن لمن حَرَّم الله ذلك عليه من الرجال، بإجماع جميع الأمة، لا اختلاف بينهم في ذلك: إلا في أمهات نسائِنا اللواتي لم يدخُلْ بهن أزواجُهن، فإن في نكاحهن اختلافًا بين بعض المتقدِّمين من الصحابة: إذا بانت الابنة قبلَ الدخول بها من زوجها، هل هُنّ من المُبْهمات، أم هنّ من المشروط فيهن الدخول ببناتهنّ؟
فقال جميع أهل العلم متقدمهم ومتأخرهم: من المُبهمات، (41) وحرام على من &; 8-144 &; تزوَّج امرأةً أمُّها، (42) دخل بامرأته التي نكحها أو لم يدخل بها.
وقالوا: شرطُ الدخول في الرَّبيبة دون الأم، فأما أمُّ المرأة فمُطْلقة بالتحريم.
قالوا: ولو جاز أن يكون شرطُ الدخول في قوله: " وربائبكم اللاتي في حُجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن "، يرجع موصولا به قوله: " وأمهات نسائكم "، (43) جاز أن يكون الاستثناء في قوله: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ من جميع المحرّمات بقوله: " حرّمت عليكم "، الآية.
قالوا: وفي إجماع الجميع على أنّ الاستثناء في ذلك إنما هو مما وَلِيَه من قوله: وَالْمُحْصَنَاتُ ، أبينُ الدِّلالة على أن الشرط في قوله: " من نسائكم اللاتي دخلتم بهن "، مما وَليه من قوله: " وربائبكم اللاتي في حجوركم من نِسَائكم اللاتي دخلتم بهن "، دون أمَّهات نسائنا.
* * * وروي عن بعض المتقدِّمين أنه كان يقول: حلالٌ نكاح أمَّهات نسائنا اللواتي لم ندخل بهن، وأنّ حكمهن في ذلك حكم الربائب.
*ذكر من قال ذلك: 8951 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي رضي الله عنه: في رجل &; 8-145 &; تزوّج امرأة فطلّقها قبل أن يدخل بها، أيتزوَّج أمها؟
قال: هي بمنـزلة الربيبة.
8952 - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد قال، حدثنا قتادة، عن خلاس، عن علي رضي الله عنه قال: هي بمنـزلة الربيبة.
(44) 8953 - حدثنا حميد قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد قال، حدثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت: أنه كان يقول: إذا ماتت عنده وأخذَ ميراثها، كُرِه أن يخلُف على أمِّها.
وإذا طلَّقها قبل أن يدخُل بها، فإن شاءَ فعل.
8954 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت قال: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخُل بها، فلا بأس أن يتزوج أمَّها.
8955 - حدثنا القاسم قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني عكرمة بن خالد: أن مجاهدًا قال له: " وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم "، أريد بهما الدُّخُول جميعًا.
(45) * * * قال أبو جعفر: والقول الأول أولى بالصواب، أعني قولَ من قال: " الأمّ من المبهمات ".
لأن الله لم يشرط معهن الدخول ببناتهن، كما شرط ذلك مع &; 8-146 &; أمهات الرَّبائب، مع أن ذلك أيضًا إجماعٌ من الحجة التي لا يجوز خِلافُها فيما جاءت به متفقة عليه.
وقد روي بذلك أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرٌ، غيرَ أنَّ في إسناده نظرًا، وهو ما:- 8956 - حدثنا به المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا نكح الرجلُ المرأة، فلا يحل له أن يتزوج أمَّها، دخل بالابنة أم لم يدخل.
وإذا تزوج الأمَّ فلم يدخل بها ثم طلقها، فإن شاء تزوَّج الابنة.
(46) * * * قال أبو جعفر: وهذا خبر، وإن كان في إسناده ما فيه، فان في إجماع الحجة على صحة القول به، مستغنًى عن الاستشهاد على صِحَّته بغيره.
8957 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال لعطاء: الرجل ينكح المرأة لم يَرَها ولم يجامعها حتى يطلقها، (47) &; 8-147 &; أيحل له أمها؟
قال: لا هي مُرسلة.
قلت لعطاء: أكان ابن عباس يقرأ: " وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن "؟
قال: " لا "، تترى = (48) قال حجاج، قلت لابن جريج: ما " تترى " = (49) ؟
قال: كأنه قال: لا!
لا!
(50) * * * وأما " الربائب " فإنه جمع " ربيبة "، وهي ابنة امرأة الرجل.
قيل لها " ربيبة " لتربيته إياها، وإنما هي" مربوبة " صرفت إلى " ربيبة "، كما يقال: " هي قتيلة " من " مقتولة ".
(51) وقد يقال لزوج المرأة: " هو ربيب ابن امرأته "، يعني به: " هو رَابُّه "، كما يقال: " هو خابر، وخبير " و " شاهد، وشهيد ".
(52) * * * واختلف أهل التأويل في معنى قوله: " من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ".
فقال بعضهم: معنى " الدخول " في هذا الموضع، الجماعُ.
*ذكر من قال ذلك: 8958 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية &; 8-148 &; بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " من نسائكم اللاتي دخلتم بهن "، والدخول النكاح.
* * * وقال آخرون: " الدخول " في هذا الموضع: هو التَّجريد.
*ذكر من قال ذلك: 8959 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قلت لعطاء: قوله: " اللاتي دخلتم بهن "، ما " الدّخول بهن "؟
قال: أن تُهْدَى إليه فيكشف ويَعْتسَّ، ويجلس بين رجليها.
(53) قلت: أرأيت إن فعل ذلك في بيتِ أهلها؟
قال: هو سواءٌ، وَحسْبُه!
قد حرَّم ذلك عليه ابنتَها.
قلت: تحرم الربيبة مِمَّن يصنع هذا بأمها؟
ألا يحرُم عليَّ من أمَتي إن صنعته بأمها؟
(54) قال: نعم، سواء.
قال عطاء: إذا كشف الرجل أَمته وجلس بين رجليها، أنهاه عن أمِّها وابنتها.
* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين عندي بالصواب في تأويل ذلك، ما قاله ابن عباس، من أنّ معنى: " الدخول " الجماع والنكاح.
لأن ذلك لا يخلو معناه من أحد أمرين: إما أن يكون على الظاهر المتعارَف من معاني" الدخول " في الناس، وهو الوصول إليها بالخلوة بها = أو يكون بمعنى الجماع.
وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا يحرِّم عليه ابنتها إذا طلِّقها قبل مَسِيسها ومُباشرتها، أو قبل النَّظر إلى فرجها بالشهوة، ما يدلُّ على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع.
وإذْ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الصحيح من التأويل في ذلك ما قلناه.
* * * وأما قوله: " فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم "، فإنه يقول: فإن لم تكونوا، أيها الناس، دخلتم بأمهات ربائبكم اللاتي في حجوركم فجامعتموهن حتى طلقتموهن =" فلا جناح عليكم "، يقول: فلا حرج عليكم في نكاح من كان من ربائبكم كذلك.
(55) * * * وأما قوله: " وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم "، فإنه يعني: وأزواج أبنائكم الذين من أصلابكم.
* * * وهي جمع " حليلة " وهي امرأته.
وقيل: سميت امرأة الرجل " حليلته "، لأنها تحلُّ معه في فراش واحد.
* * * ولا خلاف بين جميع أهل العلم أن حليلة ابن الرجل، حرامٌ عليه نكاحها بعقد ابنه عليها النكاح، دخل بها أو لم يدخل بها.
* * * فإن قال قائل: فما أنت قائلٌ في حلائل الأبناء من الرضاع، فإن الله تعالى إنما حرم حلائل أبنائِنا من أصلابنا؟
قيل: إن حلائل الأبناء من الرضاع، وحلائل الأبناء من الأصلاب، سواء في التحريم.
وإنما قال: " وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم "، لأن معناه: وحلائل أبنائكم الذين ولدتموهم، دون حلائل أبنائكم الذين تبنيتموهم، كما:- 8960 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: قوله: " وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم "، &; 8-150 &; قال: كنا نُحدَّث، (56) والله أعلم، أنها نـزلت في محمد صلى الله عليه وسلم.
حين نكح امرأة زَيْد بن حارثة، قال المشركون في ذلك، فنـزلت: " وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم "، ونـزلت: وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ [سورة الأحزاب: 4]، ونـزلت: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ [سورة الأحزاب: 40] * * * وأما قوله: " وأن تجمعوا بين الأختين " فإن معناه: وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين عندكم بنكاح = ف " أن " في موضع رفع، كأنه قيل: والجمع بين الأختين.
(57) * * * =" إلا ما قد سلف " لكن ما قد مضى منكم (58) =" إن الله كان غفورًا " (59) لذنوب عباده إذا تابوا إليه منها =" رحيما " بهم فيما كلَّفهم من الفرائض، وخفَّف عنهم فلم يحمِّلهم فوق طاقتهم.
يخبر بذلك جل ثناؤه: أنه غفور لمن كان جمع بين الأختين بنكاح في جاهليته، وقبلَ تحريمه ذلك، إذا اتقى الله تبارك وتعالى بعدَ تحريمه ذلك عليه، فأطاعه باجتنابه = رحيمٌ به وبغيره من أهل طاعته من خَلْقِه.
* * * --------------- الهوامش : (38) الآثار: 8944 - 8946 -"إسماعيل بن رجاء بن ربيعة الزبيدي" ، روى له مسلم والأربعة.
ثقة ، كان يجمع صبيان المكاتب ويحدثهم لكي لا ينسى حديثه!
و"عمير مولى ابن عباس" هو: عمير بن عبد الله الهلالي ، مولى أم الفضل.
ثقة.
وروى خبر ابن عباس ، الحاكم في المستدرك 2: 304 من طريق: محمد بن كثير ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء ، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
وأشار إليه الحافظ في الفتح 5: 133 ، ونسبه للطبراني.
وابن كثير في التفسير 2: 390.
(39) الأثر: 8948 - رواه بهذا الإسناد البخاري في صحيحه (الفتح 5: 132) بغير هذا اللفظ ، ورواه بلفظه البيهقي في السنن الكبرى 7: 158 ، ولفظ البخاري: "حرم من النسب سبع ، ومن الصهر سبع" كالخبر السالف ، وانظر تفسير ابن كثير 2: 390.
(40) الأثر: 8950 -"عمرو بن سالم" ، هو : "أبو عثمان الأنصاري" قاضي مرو ، مختلف فيه وفي اسم أبيه اختلاف كثير.
وقيل: "اسمه كنيته" ، وهو مشهور بكنيته ، ولكن الطبري جاء به غير مكنى باسمه واسم أبيه.
(41) "المبهمات" هن من المحرمات: ما لا يحل بوجه ولا سبب كتحريم الأم والأخت وما أشبهه.
وقال القرطبي في تفسيره (5: 107): "وتحريم الأمهات عام في كل حال ، لا يتخصص بوجه من الوجوه ، ولهذا يسميه أهل العلم: (المبهم) ، أي لا باب فيه ولا طريق إليه ، لانسداد التحريم وقوته".
وسأسوق لك ما قاله الأزهري في تفسيرها قال: "رأيت كثيرًا من أهل العلم يذهبون بهذا إلى إبهام الأمر واستبهامه ، وهو إشكاله = وهو غلط.
قال: وكثير من ذوي المعرفة لا يميزون بين المبهم وغير المبهم من ألوان الخيل الذي لا شية فيه تخالف معظم لونه.
قال: ولما سئل ابن عباس عن قوله: "وأمهات نسائكم" ولم يبين الله الدخول بهن ، أجاب فقال: هذا من مبهم التحريم ، الذي لا وجه فيه غير التحريم ، سواء دخلتم بالنساء أو لم تدخلوا بهن.
فأمهات نسائكم حرمن عليكم من جميع الجهات.
وأما قوله: "وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن" ، فالربائب ههنا لسن من المبهمات ، لأن لهن وجهين مبينين: أحللن في أحدهما ، وحرمن في الآخر.
فإذا دخل بأمهات الربائب حرمت الربائب ، وإن لم يدخل بأمهات الربائب لم يحرمن" فهذا تفسير"المبهم" الذي أراده ابن عباس فافهمه".
وعقب على هذا ابن الأثير فقال: "هذا التفسير من الأزهري ، إنما هو للربائب والأمهات ، لا الحلائل ، وهو في أول الحديث إنما جعل سؤال ابن عباس عن الحلائل لا عن الربائب" ، وهو تعقيب غير جيد.
ثم انظر"الإنصاف" للبطليوسي: 28 ، 29.
(42) يعني: والذي تزوج امرأة فحرام عليه أمها.
(43) في المخطوطة: "موضع موصولا به" ، ولا معنى لها ، وفي المطبوعة: "فوضع موصولا به" ولا معنى لها أيضًا ، واستظهرت صحتها"يرجع موصولا به" ، أي أن الشرط راجع إلى أمهات النساء والربائب جميعًا.
(44) الأثران: 8951 ، 8952 -"خلاس بن عمرو الهجري" ثقة ، تكلموا في سماعه من علي ، وأن حديثه عنه من صحيفة كانت عنده ، ونص البخاري على ذلك في التاريخ الكبير 2 / 1 / 208.
فمن أجل ذلك قال القرطبي في هذا الأثر: "وحديث خلاس عن علي لا تقوم به حجة ، ولا تصح روايته عند أهل العلم بالحديث ، والصحيح عنه مثل قول الجماعة".
(45) الأثر: 8955 -"عكرمة بن خالد بن العاص بن هشام المخزومي" ، روى عن أبيه وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر وغيرهم.
وهو ثقة.
وقال بعضهم: "منكر الحديث" وإنما خلط بينه وبين"عكرمة بن خالد بن سلمة بن العاص بن هشام المخزومي" ، وهما مختلفان.
وانظر ما قاله ابن كثير في هذا الباب من تفسيره 2: 392-394 ، وذكر هذه الآثار.
(46) الحديث: 8956 - المثنى بن الصباح الأبناوي المكي: مضت له ترجمة في: 4611.
ونزيد هنا أنا نرى أن حديثه حسن ، لأنه اختلط أخيرًا ، كما فصلنا في شرح المسند ، في الحديث: 6893.
ومن أجل الكلام فيه ذهب الطبري إلى أن في إسناد هذا الحديث نظرًا.
وقد رواه البيهقي أيضًا في السنن الكبرى 7: 160 ، من طريق ابن المبارك ، عن المثنى بن الصباح.
ثم قال البيهقي: "مثنى بن الصباح: غير قوي".
ولكن المثنى لم ينفرد بروايته.
فقد رواه البيهقي أيضًا - عقب رواية المثنى - من طريق ابن لهيعة ، عن عمر بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه ، فهذه متابعة قوية للمثنى ، ترفع ما قد يظن من خطئه في روايته.
والحديث نقله ابن كثير عن رواية الطبري هذه 2: 394 ، ضمن ما نقله من كلام الطبري في هذا الموضع.
وذكره السيوطي 2: 135 وزاد نسبته لعبد الرزاق ، وعبد بن حميد.
ونص على أن البيهقي رواه من طريقين وهما اللتان ذكرناهما.
(47) في المخطوطة والمطبوعة: "لم يرها ولا يجامعها حتى يطلقها" ، وأثبت ما في الدر المنثور 2: 135 ، فهو أجود ، وقد مضى في الأثر رقم: 8941 ، "ثم لا يراها حتى يطلقها" ، وانظر تخريج الأثر.
(48) في المطبوعة: "لا تبرأ" ، ثم في الذي يليه"ما تبرأ" ، وهو خطأ ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، وفيها: "تترى" غير منقوطة.
وصواب قراءتها ما أثبت.
وقوله: "تترى" ، أي: متتابعة ، واحدة بعد واحدة ، وقد جاء السؤال عن"تترى" أيضًا في حديث رواه ابن سعد 2 / 2 / 131 ، عن قباث بن أشيم الليثي ، وجاء تفسيرها فيه"متفرقين".
(49) في المطبوعة: "لا تبرأ" ، ثم في الذي يليه"ما تبرأ" ، وهو خطأ ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، وفيها: "تترى" غير منقوطة.
وصواب قراءتها ما أثبت.
وقوله: "تترى" ، أي: متتابعة ، واحدة بعد واحدة ، وقد جاء السؤال عن"تترى" أيضًا في حديث رواه ابن سعد 2 / 2 / 131 ، عن قباث بن أشيم الليثي ، وجاء تفسيرها فيه"متفرقين".
(50) الأثر: 8597 - مضى هذا الأثر مختصرًا بإسناده ، وبغير هذا اللفظ فيما سلف قريبًا رقم: 8941 ، وانظر التعليق عليه هناك.
(51) في المطبوعة والمخطوطة: "قبيلة من مقبولة" بالباء الموحدة ، وليس صوابا ، بل الصواب ما أثبت ، ولعل الناسخ كتب ما كتب ، لأنهم قالوا: "رجل قتيل ، وامرأة قتيل" ، فهذا هو المشهور ، ولكنه أغفل أنهم إذا تركوا ذكر المرأة قالوا: "هذه قتيلة بني فلان" وقالوا: "مررت بقتيلة" ، ولم يقولوا في هذا"مررت بقتيل".
(52) في المطبوعة: "جابر وجبير" بالجيم ، وفي المخطوطة ، أهمل نقط الأولى ، ونقط الثانية جيما ، وهو خطأ ، ليس في العربية شيء من ذلك ، بل الصواب ما أثبت و"الخابر والخبير": العالم بالخبر.
(53) في المطبوعة: "يعس" ، وفي المخطوطة"يعيس" ، وصواب قراءتها ما أثبت.
يقال: "اعتس الشيء" ، لمسه ورازه ليعرف خبره.
وهو من الألفاظ التي لم تبين معناها كتب اللغة ، ولكن معناها مفرق في أثناء كلامها.
(54) في المطبوعة والمخطوطة: "ألا ما يحرم علي من أمتي" ، وهو غير مستقيم ، وكأن الصواب المحض ما أثبته.
(55) انظر تفسير"الجناح" فيما سلف 3: 230 ، 231 / 4: 162 ، 566 / 5: 70 ، 117 ، 138.
(56) في المخطوطة والمطبوعة: "كنا نتحدث" ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبت ، لأن عطاء يروي ما سمعه من أهل العلم من شيوخه.
وانظر ابن كثير 2: 396.
(57) انظر معاني القرآن للفراء 1: 260.
(58) انظر تفسير"إلا" ، وتفسير"سلف" فيما سلف قريبًا: 137 ، 138 ، تعليق: 50.
(59) في المخطوطة والمطبوعة: "فإن الله" ، فأثبتها على منهجه في التفسير ، بذكر نص الآية.
قوله تعالى : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما [ ص: 93 ]فيه إحدى وعشرون مسألة :الأولى : قوله تعالى : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم أي نكاح أمهاتكم ونكاح بناتكم ؛ فذكر الله تعالى في هذه الآية ما يحل من النساء وما يحرم ، كما ذكر تحريم حليلة الأب .
فحرم الله سبعا من النسب وستا من رضاع وصهر ، وألحقت السنة المتواترة سابعة ؛ وذلك الجمع بين المرأة وعمتها ، ونص عليه الإجماع .
وثبتت الرواية عن ابن عباس قال : حرم من النسب سبع ومن الصهر سبع ، وتلا هذه الآية .
وقال عمرو بن سالم مولى الأنصار مثل ذلك ، وقال : السابعة قوله تعالى : والمحصنات .
فالسبع المحرمات من النسب : الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات ، وبنات الأخ وبنات الأخت .
والسبع المحرمات بالصهر والرضاع : الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة ، وأمهات النساء والربائب وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين ، والسابعة ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم .
قال الطحاوي : وكل هذا من المحكم المتفق عليه ، وغير جائز نكاح واحدة منهن بإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن أزواجهن ؛ فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الأم تحرم بالعقد على الابنة ، ولا تحرم الابنة إلا بالدخول بالأم ؛ وبهذا قول جميع أئمة الفتوى بالأمصار .
وقالت طائفة من السلف : الأم والربيبة سواء ، لا تحرم منهما واحدة إلا بالدخول بالأخرى .قالوا : ومعنى قوله : وأمهات نسائكم أي اللاتي دخلتم بهن .
وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن .
وزعموا أن شرط الدخول راجع إلى الأمهات والربائب جميعا ؛ رواه خلاس عن علي بن أبي طالب .
وروي عن ابن عباس وجابر وزيد بن ثابت ، وهو قول ابن الزبير ومجاهد .
قال مجاهد : الدخول مراد في النازلتين ؛ وقول الجمهور مخالف لهذا وعليه الحكم والفتيا ، وقد شدد أهل العراق فيه حتى قالوا : لو وطئها بزنى أو قبلها أو لمسها بشهوة حرمت عليه ابنتها .
وعندنا وعند الشافعي إنما تحرم بالنكاح الصحيح ؛ والحرام لا يحرم الحلال على ما يأتي .
وحديث خلاس عن علي لا تقوم به حجة ، ولا تصح روايته عند أهل العلم بالحديث ، والصحيح عنه مثل قول الجماعة .
قال ابن جريج : قلت لعطاء الرجل ينكح المرأة ثم لا يراها ولا يجامعها حتى يطلقها أوتحل له أمها ؟
قال : لا ، هي [ ص: 94 ] مرسلة دخل بها أو لم يدخل .
فقلت له : أكان ابن عباس يقرأ : وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن ؟
قال : لا ، لا .
وروى سعيد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى : وأمهات نسائكم قال : هي مبهمة لا تحل بالعقد على الابنة ؛ وكذلك روى مالك في موطئه عن زيد بن ثابت ، وفيه : " فقال زيد لا ، الأم مبهمة ليس فيها شرط وإنما الشرط في الربائب " .
قال ابن المنذر : وهذا هو الصحيح ؛ لدخول جميع أمهات النساء في قوله تعالى : وأمهات نسائكم .
ويؤيد هذا القول من جهة الإعراب أن الخبرين إذا اختلفا في العامل لم يكن نعتهما واحدا ؛ فلا يجوز عند النحويين مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات ، على أن تكون " الظريفات " نعتا لنسائك ونساء زيد ؛ فكذلك الآية لا يجوز أن يكون اللاتي من نعتهما جميعا ؛ لأن الخبرين مختلفان ، ولكنه يجوز على معنى أعني .
وأنشد الخليل وسيبويه :إن بها أكتل أو رزاما خويربين ينقفان الهاماخويربين يعني لصين ، بمعنى أعني .
وينقفان : يكسران ؛ نقفت رأسه كسرته .
وقد جاء صريحا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم : إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج البنت أخرجه في الصحيحينالثانية : وإذا تقرر هذا وثبت فاعلم أن التحريم ليس صفة للأعيان ، والأعيان ليست موردا للتحليل والتحريم ولا مصدرا ، وإنما يتعلق التكليف بالأمر والنهي بأفعال المكلفين من حركة وسكون ؛ لكن الأعيان لما كانت موردا للأفعال أضيف الأمر والنهي والحكم إليها وعلق بها مجازا على معنى الكناية بالمحل عن الفعل الذي يحل به .الثالثة : قوله تعالى : أمهاتكم تحريم الأمهات عام في كل حال لا يتخصص بوجه من الوجوه ؛ ولهذا يسميه أهل العلم المبهم ، أي لا باب فيه ولا طريق إليه لانسداد التحريم وقوته ؛ وكذلك تحريم البنات والأخوات ومن ذكر من المحرمات .
والأمهات جمع أمهة ؛ يقال : أم وأمهة بمعنى واحد ، وجاء القرآن بهما .
وقد تقدم في الفاتحة بيانه .
وقيل : إن أصل أم أمهة على وزن فعلة مثل قبرة وحمرة لطيرين ، فسقطت وعادت في الجمع .
قال الشاعر : [ ص: 95 ]أمهتي خندف والدوس أبيوقيل : أصل الأم أمة ، وأنشدوا :تقبلتها عن أمة لك طالما تثوب إليها في النوائب أجمعاويكون جمعها أمات .
قال الراعي :كانت نجائب منذر ومحرق أماتهن وطرقهن فحيلافالأم اسم لكل أنثى لها عليك ولادة ؛ فيدخل في ذلك الأم دنية ، وأمهاتها وجداتها وأم الأب وجداته وإن علون .
والبنت اسم لكل أنثى لك عليها ولادة ، وإن شئت قلت : كل أنثى يرجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات ؛ فيدخل في ذلك بنت الصلب وبناتها وبنات الأبناء وإن نزلن .
والأخت اسم لكل أنثى جاورتك في أصليك أو في أحدهما والبنات جمع بنت ، والأصل بنية ، والمستعمل ابنة وبنت .
قال الفراء : كسرت الباء من بنت لتدل الكسرة على الياء ، وضمت الألف من أخت لتدل على حذف الواو ، فإن أصل أخت أخوة ، والجمع أخوات .
والعمة اسم لكل أنثى شاركت أباك أو جدك في أصليه أو في أحدهما .
وإن شئت قلت : كل ذكر رجع نسبه إليك فأخته عمتك .
وقد تكون العمة من جهة الأم ، وهي أخت أب أمك .
والخالة اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها أو في أحدهما .
وإن شئت قلت : كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة فأختها خالتك .
وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك .
وبنت الأخ اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة بواسطة أو مباشرة ؛ وكذلك بنت الأخت .
فهذه السبع المحرمات من النسب .
وقرأ نافع - في رواية أبي بكر بن أبي أويس - بتشديد الخاء من الأخ إذا كانت فيه الألف واللام مع نقل الحركة .الرابعة : قوله تعالى : وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وهي في التحريم مثل من ذكرنا ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب .
وقرأ عبد الله " وأمهاتكم اللائي " بغير تاء ؛ كقوله تعالى : واللائي يئسن من المحيض قال الشاعر :من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ولكن ليقتلن البريء المغفلا[ ص: 96 ] " أرضعنكم " : فإذا أرضعت المرأة طفلا حرمت عليه لأنها أمه ، وبنتها لأنها أخته ، وأختها لأنها خالته ، وأمها لأنها جدته ، وبنت زوجها صاحب اللبن لأنها أخته ، وأخته لأنها عمته ، وأمه لأنها جدته ، وبنات بنيها وبناتها لأنهن بنات إخوته وأخواته .الخامسة : قال أبو نعيم عبيد الله بن هشام الحلبي : سئل مالك عن المرأة أيحج معها أخوها من الرضاعة ؟
قال : نعم .
قال أبو نعيم : وسئل مالك عن امرأة تزوجت فدخل بها زوجها .
ثم جاءت امرأة فزعمت أنها أرضعتهما ؛ قال : يفرق بينهما ، وما أخذت من شيء له فهو لها ، وما بقي عليه فلا شيء عليه .
ثم قال مالك : إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مثل هذا فأمر بذلك ؛ فقالوا : يا رسول الله ، إنها امرأة ضعيفة ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أليس يقال إن فلانا تزوج أخته ؟السادسة : التحريم بالرضاع إنما يحصل إذا اتفق الإرضاع في الحولين ؛ كما تقدم في " البقرة " .
ولا فرق بين قليل الرضاع وكثيره عندنا إذا وصل إلى الأمعاء ولو مصة واحدة .
واعتبر الشافعي في الإرضاع شرطين : أحدهما خمس رضعات ؛ لحديث عائشة قالت : كان فيما أنزل الله عشر رضعات معلومات يحرمن ، ثم نسخن بخمس معلومات ، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ من القرآن .
موضع الدليل منه أنها أثبتت أن العشر نسخن بخمس ، فلو تعلق التحريم بما دون الخمس لكان ذلك نسخا للخمس .
ولا يقبل على هذا خبر واحد ولا قياس ؛ لأنه لا ينسخ بهما .
وفي حديث سهلة أرضعيه خمس رضعات يحرم بهن .
الشرط الثاني : أن يكون في الحولين ، فإن كان خارجا عنهما لم يحرم ؛ لقوله تعالى : حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة .
وليس بعد التمام والكمال شيء .
واعتبر أبو حنيفة بعد الحولين ستة أشهر .
ومالك الشهر ونحوه .
وقال زفر : ما دام يجتزئ باللبن ولم يفطم فهو رضاع وإن أتى عليه ثلاث سنين .
وقال الأوزاعي : إذا فطم لسنة واستمر فطامه فليس بعده رضاع .
وانفرد الليث بن سعد من بين العلماء إلى أن رضاع الكبير يوجب التحريم ؛ وهو قول عائشة رضي الله عنها ؛ وروي عن أبي موسى الأشعري ، وروي عنه ما يدل على رجوعه عن ذلك ، وهو ما رواه أبو حصين عن أبي عطية قال : قدم رجل بامرأته من المدينة فوضعت وتورم ثديها ، فجعل يمصه ويمجه فدخل في بطنه جرعة منه ؛ فسأل أبا موسى فقال : بانت منك ، وائت ابن مسعود [ ص: 97 ] فأخبره ، ففعل ؛ فأقبل بالأعرابي إلى أبي موسى الأشعري وقال : أرضيعا ترى هذا الأشمط !
إنما يحرم من الرضاع ما ينبت اللحم والعظم .
فقال الأشعري : لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم .
فقوله : " لا تسألوني " يدل على أنه رجع عن ذلك .
واحتجت عائشة بقصة سالم مولى أبي حذيفة وأنه كان رجلا .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لسهلة بنت سهيل : أرضعيه خرجه الموطأ وغيره .
وشذت طائفة فاعتبرت عشر رضعات ؛ تمسكا بأنه كان فيما أنزل : عشر رضعات .
وكأنهم لم يبلغهم الناسخ .
وقال داود : لا يحرم إلا بثلاث رضعات ؛ واحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحرم الإملاجة والإملاجتان .
خرجه مسلم .
وهو مروي عن عائشة وابن الزبير ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ، وهو تمسك بدليل الخطاب ، وهو مختلف فيه .
وذهب من عدا هؤلاء من أئمة الفتوى إلى أن الرضعة الواحدة تحرم إذا تحققت كما ذكرنا ؛ متمسكين بأقل ما ينطلق عليه اسم الرضاع .
وعضد هذا بما وجد من العمل عليه بالمدينة وبالقياس على الصهر ؛ بعلة أنه معنى طارئ يقتضي تأبيد التحريم فلا يشترط فيه العدد كالصهر .
وقال الليث بن سعد : وأجمع المسلمون على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر الصائم .
قال أبو عمر .
لم يقف الليث على الخلاف في ذلك .قلت : وأنص ما في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم : لا تحرم المصة ولا المصتان أخرجه مسلم في صحيحه .
وهو يفسر معنى قوله تعالى : وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم أي أرضعنكم ثلاث رضعات فأكثر ؛ غير أنه يمكن أن يحمل على ما إذا لم يتحقق وصوله إلى جوف الرضيع ؛ لقوله : " عشر رضعات معلومات .
وخمس رضعات معلومات " .
فوصفها بالمعلومات إنما هو تحرز مما يتوهم أو يشك في وصوله إلى الجوف .
ويفيد دليل خطابه أن الرضعات إذا كانت غير معلومات لم تحرم .
والله أعلم .
وذكر الطحاوي أن حديث الإملاجة والإملاجتين لا يثبت ؛ لأنه مرة يرويه ابن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ومرة يرويه عن عائشة ، ومرة يرويه عن أبيه ؛ ومثل هذا الاضطراب يسقطه .
وروي عن عائشة أنه لا يحرم إلا سبع رضعات .
وروي عنها أنها أمرت أختها " أم كلثوم " أن ترضع سالم بن عبد الله عشر رضعات .
وروي عن [ ص: 98 ] حفصة مثله ، وروي عنها ثلاث ، وروي عنها خمس ؛ كما قال الشافعي رضي الله عنه ، وحكي عن إسحاق .السابعة : قوله تعالى : وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم استدل به من نفى لبن الفحل ، وهو سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وقالوا : لبن الفحل لا يحرم شيئا من قبل الرجل .
وقال الجمهور : قوله تعالى : وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم يدل على أن الفحل أب ؛ لأن اللبن منسوب إليه فإنه در بسبب ولده .
وهذا ضعيف ؛ فإن الولد خلق من ماء الرجل والمرأة جميعا ، واللبن من المرأة ولم يخرج من الرجل ، وما كان من الرجل إلا وطء هو سبب لنزول الماء منه ، وإذا فصل الولد خلق الله اللبن من غير أن يكون مضافا إلى الرجل بوجه ما ؛ ولذلك لم يكن للرجل حق في اللبن ، وإنما اللبن لها ، فلا يمكن أخذ ذلك من القياس على الماء .
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب يقتضي التحريم من الرضاع ، ولا يظهر وجه نسبة الرضاع إلى الرجل مثل ظهور نسبة الماء إليه والرضاع منها .
نعم ، الأصل فيه حديث الزهري وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها : أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها ، وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب .
قالت : فأبيت أن آذن له ؛ فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته فقال : ليلج عليك فإنه عمك تربت يمينك .
وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة رضي الله عنها ؛ وهذا أيضا خبر واحد .
ويحتمل أن يكون " أفلح " مع أبي بكر رضيعي لبان فلذلك قال : ليلج عليك فإنه عمك .
وبالجملة فالقول فيه مشكل والعلم عند الله ، ولكن العمل عليه ، والاحتياط في التحريم أولى ، مع أن قوله تعالى : وأحل لكم ما وراء ذلكم يقوي قول المخالف .الثامنة : قوله تعالى : وأخواتكم من الرضاعة وهي الأخت لأب وأم ، وهي التي أرضعتها أمك بلبان أبيك ؛ سواء أرضعتها معك أو ولدت قبلك أو بعدك .
والأخت من الأب دون الأم ، وهي التي أرضعتها زوجة أبيك .
والأخت من الأم دون الأب ، وهي التي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر .
ثم ذكر التحريم بالمصاهرة فقال تعالى : وأمهات نسائكم والصهر أربع : أم المرأة وابنتها وزوجة الأب وزوجة الابن .
فأم المرأة تحرم بمجرد العقد الصحيح على ابنتها على ما تقدم[ ص: 99 ] التاسعة : قوله تعالى : وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن هذا مستقل بنفسه .
ولا يرجع قوله : من نسائكم اللاتي دخلتم بهن إلى الفريق الأول ، بل هو راجع إلى الربائب ، إذ هو أقرب مذكور كما تقدم .
والربيبة : بنت امرأة الرجل من غيره ؛ سميت بذلك لأنه يربيها في حجره فهي مربوبة ، فعيلة بمعنى مفعولة .
واتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم ، وإن لم تكن الربيبة في حجره .
وشذ بعض المتقدمين وأهل الظاهر فقالوا : لا تحرم عليه الربيبة إلا أن تكون في حجر المتزوج بأمها ؛ فلو كانت في بلد آخر وفارق الأم بعد الدخول فله أن يتزوج بها ؛ واحتجوا بالآية فقالوا : حرم الله تعالى الربيبة بشرطين : أحدهما : أن تكون في حجر المتزوج بأمها .
والثاني : الدخول بالأم ؛ فإذا عدم أحد الشرطين لم يوجد التحريم .
واحتجوا بقوله عليه السلام : لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة فشرط الحجر .
ورووا عن علي بن أبي طالب إجازة ذلك .
قال ابن المنذر والطحاوي : أما الحديث عن علي فلا يثبت ؛ لأن راويه إبراهيم بن عبيد عن مالك بن أوس عن علي ، وإبراهيم هذا لا يعرف ، وأكثر أهل العلم قد تلقوه بالدفع والخلاف .
قال أبو عبيد : ويدفعه قوله : فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن فعم .
ولم يقل : اللائي في حجري ، ولكنه سوى بينهن في التحريم .
قال الطحاوي : وإضافتهن إلى الحجور إنما ذلك على الأغلب مما يكون عليه الربائب ؛ لا أنهن لا يحرمن إذا لم يكن كذلك .العاشرة : قوله تعالى : فإن لم تكونوا دخلتم بهن يعني بالأمهات .
فلا جناح عليكم يعني في نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم .
وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حل له نكاح ابنتها .
واختلفوا في معنى الدخول بالأمهات الذي يقع به تحريم الربائب ؛ فروي عن ابن عباس أنه قال : الدخول الجماع ؛ وهو قول طاوس وعمرو بن دينار وغيرهما .
واتفق مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والليث على أنه إذا مسها بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها وحرمت على الأب والابن ، وهو أحد قولي الشافعي .
واختلفوا في النظر ؛ فقال مالك : إذا نظر إلى شعرها أو صدرها أو شيء من محاسنها للذة حرمت عليه أمها وابنتها .
وقال الكوفيون : إذا نظر إلى فرجها للشهوة كان بمنزلة اللمس للشهوة .
وقال الثوري : يحرم إذا نظر إلى فرجها متعمدا أو لمسها ؛ ولم يذكر الشهوة .
وقال ابن أبي ليلى : لا تحرم بالنظر حتى يلمس ؛ وهو قول الشافعي .
والدليل على أن [ ص: 100 ] بالنظر يقع التحريم أن فيه نوع استمتاع فجرى مجرى النكاح ؛ إذ الأحكام تتعلق بالمعاني لا بالألفاظ .
وقد يحتمل أن يقال : إنه نوع من الاجتماع بالاستمتاع ؛ فإن النظر اجتماع ولقاء ، وفيه بين المحبين استمتاع ؛ وقد بالغ في ذلك الشعراء فقالوا :أليس الليل يجمع أم عمرو وإيانا فذاك بنا تداننعم ، وترى الهلال كما أراه ويعلوها النهار كما علانيفكيف بالنظر والمجالسة والمحادثة واللذة .الحادية عشرة : قوله تعالى : وحلائل أبنائكم الحلائل جمع حليلة ، وهي الزوجة .
سميت حليلة لأنها تحل مع الزوج حيث حل ؛ .
فهي فعيلة بمعنى فاعلة .
وذهب الزجاج وقوم إلى أنها من لفظة الحلال ؛ فهي حليلة بمعنى محللة .
وقيل : لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه .الثانية عشرة : أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء ، وما عقد عليه الأبناء على الآباء ، كان مع العقد وطء أو لم يكن ؛ لقوله تعالى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء وقوله تعالى : وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ؛ فإن نكح أحدهما نكاحا فاسدا حرم على الآخر العقد عليها كما يحرم بالصحيح ؛ لأن النكاح الفاسد لا يخلو : إما أن يكون متفقا على فساده أو مختلفا فيه .
فإن كان متفقا على فساده لم يوجب حكما وكان وجوده كعدمه .
وإن كان مختلفا فيه فيتعلق به من الحرمة ما يتعلق بالصحيح ؛ لاحتمال أن يكون نكاحا فيدخل تحت مطلق اللفظ .
والفروج إذا تعارض فيها التحريم والتحليل غلب التحريم .
والله أعلم .
قال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من علماء الأمصار على أن الرجل إذا وطئ امرأة بنكاح فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه وعلى أجداده وولد ولده .
وأجمع العلماء وهي المسألة :الثالثة عشرة : على أن عقد الشراء على الجارية لا يحرمها على أبيه وابنه ؛ فإذا اشترى الرجل جارية فلمس أو قبل حرمت على أبيه وابنه ، لا أعلمهم يختلفون فيه ؛ فوجب تحريم ذلك تسليما لهم .
ولما اختلفوا في تحريمها بالنظر دون اللمس لم يجز ذلك لاختلافهم .
قال ابن المنذر : ولا يصح عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلناه .[ ص: 101 ] وقال يعقوب ومحمد : إذا نظر رجل في فرج امرأة من شهوة حرمت على أبيه وابنه ، وتحرم عليه أمها وابنتها .
وقال مالك : إذا وطئ الأمة أو قعد منها مقعدا لذلك وإن لم يفض إليها ، أو قبلها أو باشرها أو غمزها تلذذا فلا تحل لابنه .
وقال الشافعي : إنما تحرم باللمس ولا تحرم بالنظر دون اللمس ؛ وهو قول الأوزاعي :الرابعة عشرة : واختلفوا في الوطء بالزنى هل يحرم أم لا ؛ فقال أكثر أهل العلم : لو أصاب رجل امرأة بزنى لم يحرم عليه نكاحها بذلك ؛ وكذلك لا تحرم عليه امرأته إذا زنى بأمها أو بابنتها ، وحسبه أن يقام عليه الحد ، ثم يدخل بامرأته .
ومن زنى بامرأة ثم أراد نكاح أمها أو ابنتها لم تحرما عليه بذلك .
وقالت طائفة : تحرم عليه .
روي هذا القول عن عمران بن حصين ؛ وبه قال الشعبي وعطاء والحسن وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي ، وروي عن مالك ؛ وأن الزنى يحرم الأم والابنة وأنه بمنزلة الحلال ، وهو قول أهل العراق .
والصحيح من قول مالك وأهل الحجاز : أن الزنى لا حكم له ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال : وأمهات نسائكم وليست التي زنى بها من أمهات نسائه ، ولا ابنتها من ربائبه .
وهو قول الشافعي وأبي ثور .
لأنه لما ارتفع الصداق في الزنى ووجوب العدة والميراث ولحوق الولد ووجوب الحد ارتفع أن يحكم له بحكم النكاح الجائز .
وروى الدارقطني من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل زنى بامرأة فأراد أن يتزوجها أو ابنتها فقال : لا يحرم الحرام الحلال إنما يحرم ما كان بنكاح .
ومن الحجة للقول الآخر إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن جريج وقوله : يا غلام من أبوك قال : فلان الراعي .
فهذا يدل على أن الزنى يحرم كما يحرم الوطء الحلال ؛ فلا تحل أم المزني بها ولا بناتها لآباء الزاني ولا لأولاده ؛ وهي رواية ابن القاسم في المدونة .
ويستدل به أيضا على أن المخلوقة من ماء الزنى لا تحل للزاني بأمها ، وهو المشهور .
قال عليه السلام : لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها ولم يفصل بين الحلال والحرام .
وقال عليه السلام : لا ينظر الله إلى من كشف قناع امرأة وابنتها .
قال ابن خويز منداد : ولهذا قلنا إن القبلة وسائر وجوه الاستمتاع ينشر الحرمة .
وقال عبد الملك الماجشون : إنها تحل ؛ وهو الصحيح لقوله تعالى : وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا يعني بالنكاح الصحيح ، على ما يأتي في " الفرقان " بيانه .
ووجه التمسك من الحديث على تلك [ ص: 102 ] المسألتين أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حكى عن جريج أنه نسب ابن الزنى للزاني ، وصدق الله نسبته بما خرق له من العادة في نطق الصبي بالشهادة له بذلك ؛ وأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم عن جريج في معرض المدح وإظهار كرامته ؛ فكانت تلك النسبة صحيحة بتصديق الله تعالى وبإخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ؛ فثبتت البنوة وأحكامها .فإن قيل : فيلزم على هذا أن تجري أحكام البنوة والأبوة من التوارث والولايات وغير ذلك ، وقد اتفق المسلمون على أنه لا توارث بينهما فلم تصح تلك النسبة ؟فالجواب : إن ذلك موجب ما ذكرناه .
وما انعقد عليه الإجماع من الأحكام استثنيناه ، وبقي الباقي على أصل ذلك الدليل ، والله أعلم .الخامسة عشرة : واختلف العلماء أيضا من هذا الباب في مسألة اللائط ؛ فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم : لا يحرم النكاح باللواط .
وقال الثوري : إذا لعب بالصبي حرمت عليه أمه ؛ وهو قول أحمد بن حنبل .
قال : إذا تلوط بابن امرأته أو أبيها أو أخيها حرمت عليه امرأته .
وقال الأوزاعي : إذا لاط بغلام وولد للمفجور به بنت لم يجز للفاجر أن يتزوجها ؛ لأنها بنت من قد دخل به .
وهو قول أحمد بن حنبل .السادسة عشرة : قوله تعالى : الذين من أصلابكم تخصيص ليخرج عنه كل من كانت العرب تتبناه ممن ليس للصلب .
ولما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم امرأة زيد بن حارثة قال المشركون : تزوج امرأة ابنه !
وكان عليه السلام تبناه ؛ على ما يأتي بيانه في " الأحزاب " .
وحرمت حليلة الابن من الرضاع وإن لم يكن للصلب - بالإجماع المستند إلى قوله عليه السلام : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب .السابعة عشرة : قوله تعالى : وأن تجمعوا بين الأختين موضع أن رفع على العطف على حرمت عليكم أمهاتكم .
والأختان لفظ يعم الجميع بنكاح وبملك يمين .وأجمعت الأمة على منع جمعهما في عقد واحد من النكاح لهذه الآية ، وقوله عليه السلام : لا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن .
واختلفوا في الأختين بملك اليمين ؛ فذهب كافة العلماء إلى أنه لا يجوز الجمع بينهما بالملك في الوطء ، وإن كان يجوز الجمع بينهما في الملك بإجماع ؛ وكذلك المرأة وابنتها صفقة واحدة .
واختلفوا في عقد النكاح على أخت الجارية التي وطئها ؛ فقال الأوزاعي : إذا وطئ جارية له بملك اليمين لم يجز له أن يتزوج أختها .
وقال الشافعي : ملك اليمين لا يمنع نكاح الأخت .
قال أبو عمر : من جعل عقد النكاح كالشراء أجازه ، ومن جعله كالوطء لم يجزه .
وقد أجمعوا على أنه لا يجوز العقد [ ص: 103 ] على أخت الزوجة ؛ لقول الله تعالى : وأن تجمعوا بين الأختين يعني الزوجتين بعقد النكاح .
فقف على ما اجتمعوا عليه وما اختلفوا فيه يتبين لك الصواب إن شاء الله .
والله أعلم .الثامنة عشرة : شذ أهل الظاهر فقالوا : يجوز الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء ؛ كما يجوز الجمع بينهما في الملك .
واحتجوا بما روي عن عثمان في الأختين من ملك اليمين : " حرمتهما آية وأحلتهما آية " .
ذكره عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب أن عثمان بن عفان سئل عن الأختين مما ملكت اليمين فقال : لا آمرك ولا أنهاك أحلتهما آية وحرمتهما آية .
فخرج السائل فلقي رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال معمر : أحسبه قال علي - قال : وما سألت عنه عثمان ؟
فأخبره بما سأله وبما أفتاه ؛ فقال له : لكني أنهاك ، ولو كان لي عليك سبيل ثم فعلت لجعلتك نكالا .
وذكر الطحاوي والدارقطني عن علي وابن عباس مثل قول عثمان .
والآية التي أحلتهما قوله تعالى : وأحل لكم ما وراء ذلكم .
ولم يلتفت أحد من أئمة الفتوى إلى هذا القول ؛ لأنهم فهموا من تأويل كتاب الله خلافه ، ولا يجوز عليهم تحريف التأويل .
وممن قال ذلك من الصحابة : عمر وعلي وابن مسعود وعثمان وابن عباس وعمار وابن عمر وعائشة وابن الزبير ؛ وهؤلاء أهل العلم بكتاب الله ، فمن خالفهم فهو متعسف في التأويل .
وذكر ابن المنذر أن إسحاق بن راهويه حرم الجمع بينهما بالوطء ، وأن جمهور أهل العلم كرهوا ذلك ، وجعل مالكا فيمن كرهه .
ولا خلاف في جواز جمعهما في الملك ، وكذلك الأم وابنتها .
قال ابن عطية : ويجيء من قول إسحاق أن يرجم الجامع بينهما بالوطء ، وتستقرأ الكراهية من قول مالك : إنه إذا وطئ واحدة ثم وطئ الأخرى وقف عنهما حتى يحرم إحداهما ؛ فلم يلزمه حدا .
قال أبو عمر : ( أما قول علي لجعلته نكالا ) ولم يقل لحددته حد الزاني ؛ فلأن من تأول آية أو سنة ولم يطأ عند نفسه حراما فليس بزان بإجماع وإن كان مخطئا ، إلا أن يدعي من ذلك ما لا يعذر بجهله .
وقول بعض السلف في الجمع بين الأختين بملك اليمين : ( أحلتهما آية وحرمتهما آية ) معلوم محفوظ ؛ فكيف يحد حد الزاني من فعل ما فيه مثل هذا من الشبهة القوية ؟
وبالله التوفيق .التاسعة عشرة : واختلف العلماء إذا كان يطأ واحدة ثم أراد أن يطأ الأخرى ؛ فقال علي وابن عمر والحسن البصري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق : لا يجوز له وطء [ ص: 104 ] الثانية حتى يحرم فرج الأخرى بإخراجها من ملكه ببيع أو عتق ، أو بأن يزوجها .
قال ابن المنذر : وفيه قول ثان لقتادة ، وهو أنه إذا كان يطأ واحدة وأراد وطء الأخرى فإنه ينوي تحريم الأولى على نفسه وألا يقربها ، ثم يمسك عنهما حتى يستبرئ الأولى المحرمة ، ثم يغشى الثانية .
وفيه قول ثالث : وهو إذا كان عنده أختان فلا يقرب واحدة منهما .
هكذا قال الحكم وحماد ؛ وروي معنى ذلك عن النخعي .
ومذهب مالك : إذا كان أختان عند رجل بملك فله أن يطأ أيتهما شاء ، والكف عن الأخرى موكول إلى أمانته .
فإن أراد وطء الأخرى فيلزمه أن يحرم على نفسه فرج الأولى بفعل يفعله من إخراج عن الملك : إما بتزويج أو بيع أو عتق إلى أجل أو كتابة أو إخدام طويل .
فإن كان يطأ إحداهما ثم وثب على الأخرى دون أن يحرم الأولى وقف عنهما ، ولم يجز له قرب إحداهما حتى يحرم الأخرى ؛ ولم يوكل ذلك إلى أمانته ؛ لأنه متهم فيمن قد وطئ ؛ ولم يكن قبل متهما إذ كان لم يطأ إلا الواحدة .
ومذهب الكوفيين في هذا الباب : الثوري وأبي حنيفة وأصحابه أنه إن وطئ إحدى أمتيه لم يطأ الأخرى ؛ فإن باع الأولى أو زوجها ثم رجعت إليه أمسك عن الأخرى ؛ وله أن يطأها ما دامت أختها في العدة من طلاق أو وفاة .
فأما بعد انقضاء العدة فلا ، حتى يملك فرج التي يطأ غيره ؛ وروي معنى ذلك عن علي رضي الله عنه .
قالوا : لأن الملك الذي منع وطء الجارية في الابتداء موجود ، فلا فرق بين عودتها إليه وبين بقائها في ملكه .
وقول مالك حسن ؛ لأنه تحريم صحيح في الحال ولا يلزم مراعاة المال ؛ وحسبه إذا حرم فرجها عليه ببيع أو بتزويج أنها حرمت عليه في الحال .
ولم يختلفوا في العتق ؛ لأنه لا يتصرف فيه بحال ؛ وأما المكاتبة فقد تعجز فترجع إلى ملكه .
فإن كان عند رجل أمة يطؤها ثم تزوج أختها ففيها في المذهب ثلاثة أقوال في النكاح .
الثالث : في المدونة أنه يوقف عنهما إذا وقع عقد النكاح حتى يحرم إحداهما مع كراهية لهذا النكاح ؛ إذ هو عقد في موضع لا يجوز فيه الوطء .
وفي هذا ما يدل على أن ملك اليمين لا يمنع النكاح ؛ كما تقدم عن الشافعي .
وفي الباب بعينه قول آخر : أن النكاح لا ينعقد ؛ وهو معنى قول الأوزاعي .
وقال أشهب في كتاب الاستبراء : عقد النكاح في الواحدة تحريم لفرج المملوكة .الموفية عشرين : وأجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها أنه ليس له أن ينكح أختها أو أربعا سواها حتى تنقضي عدة المطلقة .
واختلفوا إذا طلقها طلاقا لا يملك رجعتها ؛ فقالت طائفة : ليس له أن ينكح أختها ولا رابعة حتى تنقضي عدة التي طلق ؛ وروي عن علي وزيد بن ثابت ، وهو مذهب مجاهد وعطاء بن أبي رباح والنخعي ، وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي .
وقالت طائفة : له أن ينكح [ ص: 105 ] أختها وأربعا سواها ؛ وروي عن عطاء ، وهي أثبت الروايتين عنه ، وروي عن زيد بن ثابت أيضا ؛ وبه قال سعيد بن المسيب والحسن والقاسم وعروة بن الزبير وابن أبي ليلى والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد .
قال ابن المنذر : ولا أحسبه إلا قول مالك وبه نقول .الحادية والعشرون : قوله تعالى : إلا ما قد سلف يحتمل أن يكون معناه معنى قوله : إلا ما قد سلف في قوله : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف .
ويحتمل معنى زائدا وهو جواز ما سلف ، وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحا ، وإذا جرى في الإسلام خير بين الأختين ؛ على ما قاله مالك والشافعي ، من غير إجراء عقود الكفار على موجب الإسلام ومقتضى الشرع ؛ وسواء عقد عليهما عقدا واحدا جمع به بينهما أو جمع بينهما في عقدين .
وأبو حنيفة يبطل نكاحهما إن جمع في عقد واحد .
وروى هشام بن عبد الله عن محمد بن الحسن أنه قال : كان أهل الجاهلية يعرفون هذه المحرمات كلها التي ذكرت في هذه الآية إلا اثنتين ؛ إحداهما نكاح امرأة الأب ، والثانية ، الجمع بين الأختين ؛ ألا ترى أنه قال : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف .
وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ولم يذكر في سائر المحرمات إلا ما قد سلف .
والله أعلم .
هذه الآيات الكريمات مشتملات على المحرمات بالنسب، والمحرمات بالرضاع، والمحرمات بالصهر، والمحرمات بالجمع، وعلى المحللات من النساء.
فأما المحرمات في النسب فهن السبع اللاتي ذكرهن الله.
الأم يدخل فيها كل من لها عليك ولادة، وإن بعدت، ويدخل في البنت كل من لك عليها ولادة، والأخوات الشقيقات، أو لأب أو لأم.
والعمة: كل أخت لأبيك أو لجدك وإن علا.
والخالة: كل أخت لأمك، أو جدتك وإن علت وارثة أم لا.
وبنات الأخ وبنات الأخت أي: وإن نزلت.
فهؤلاء هن المحرمات من النسب بإجماع العلماء كما هو نص الآية الكريمة وما عداهن فيدخل في قوله: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } وذلك كبنت العمة والعم وبنت الخال والخالة.
وأما المحرمات بالرضاع فقد ذكر الله منهن الأم والأخت.
وفي ذلك تحريم الأم مع أن اللبن ليس لها، إنما هو لصاحب اللبن، دل بتنبيهه على أن صاحب اللبن يكون أبا للمرتضع فإذا ثبتت الأبوة والأمومة ثبت ما هو فرع عنهما كإخوتهما وأصولهم وفروعهم وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" فينتشر التحريم من جهة المرضعة ومن له اللبن كما ينتشر في الأقارب، وفي الطفل المرتضع إلى ذريته فقط.
لكن بشرط أن يكون الرضاع خمس رضعات في الحولين كما بينت السنة.
وأما المحرمات بالصهر فهن أربع.
حلائل الآباء وإن علوا، وحلائل الأبناء وإن نزلوا، وارثين أو محجوبين.
وأمهات الزوجة وإن علون، فهؤلاء الثلاث يحرمن بمجرد العقد.
والرابعة: الربيبة وهي بنت زوجته وإن نزلت، فهذه لا تحرم حتى يدخل بزوجته كما قال هنا { وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } الآية.
وقد قال الجمهور: إن قوله: { اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ } قيد خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، فإن الربيبة تحرم ولو لم تكن في حجره ولكن للتقييد بذلك فائدتان: إحداهما: فيه التنبيه على الحكمة في تحريم الربيبة وأنها كانت بمنزلة البنت فمن المستقبح إباحتها.
والثانية: فيه دلالة على جواز الخلوة بالربيبة وأنها بمنزلة من هي في حجره من بناته ونحوهن.
والله أعلم.
وأما المحرمات بالجمع فقد ذكر الله الجمع بين الأختين وحرمه وحرم النبي صلى الله عليه وسلم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، فكل امرأتين بينهما رحم محرم لو قدر إحداهما ذكرًا والأخرى أنثى حرمت عليه فإنه يحرم الجمع بينهما، وذلك لما في ذلك من أسباب التقاطع بين الأرحام.
قوله تعالى : ( حرمت عليكم أمهاتكم ) الآية ، بين الله تعالى في هذه الآية المحرمات بسبب الوصلة ، وجملة المحرمات في كتاب الله تعالى أربع عشرة : سبع بالنسب ، وسبع بالسبب .
فأما السبع بالسبب فمنها اثنتان بالرضاع وأربع بالصهرية والسابعة المحصنات ، وهن ذوات الأزواج .
وأما السبع بالنسب فقوله تعالى : ( حرمت عليكم أمهاتكم ) وهي جمع أم فيدخل فيهن الجدات وإن علون من قبل الأم ومن قبل الأب ، ( وبناتكم ) جمع : البنت ، فيدخل فيهن بنات الأولاد وإن سفلن ، ( وأخواتكم ) جمع الأخت سواء كانت من قبل الأب والأم أو من قبل أحدهما ، ( وعماتكم ) جمع العمة ، ويدخل فيهن جميع أخوات آبائك وأجدادك وإن علون ، ( وخالاتكم ) جمع خالة ، ويدخل فيهن جميع أخوات أمهاتك وجداتك ، ( وبنات الأخ وبنات الأخت ) ويدخل فيهن بنات أولاد الأخ والأخت وإن سفلن ، وجملته : أنه يحرم على الرجل أصوله وفصوله وفصول أول أصوله وأول فصل من كل أصل بعده ، والأصول هي الأمهات والجدات ، والفصول البنات وبنات الأولاد ، وفصول أول أصوله هي الأخوات وبنات الإخوة والأخوات ، وأول فصل من كل أصل بعده هن العمات والخالات وإن علون .
وأما المحرمات بالرضاع فقوله تعالى : ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ) وجملته : أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب ، أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن سليمان بن يسار عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة " .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، قال : أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها أخبرتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة ، فقالت عائشة رضي الله عنها فقلت : يا رسول الله لو كان فلان حيا - لعمها من الرضاعة - أيدخل علي؟
فقال رسول الله صلى الله نعم إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة .
وإنما تثبت حرمة الرضاع بشرطين أحدهما : أن يكون قبل استكمال المولود حولين ، لقوله تعالى " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين " ( البقرة - 233 ) وروي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء " .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم " ، وإنما يكون هذا في حال الصغر .
وعند أبي حنيفة رضي الله عنه : مدة الرضاع ثلاثون شهرا ، لقوله تعالى : " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " ( الأحقاف - 15 ) ، وهو عند الأكثرين لأقل مدة الحمل ، وأكثر مدة الرضاع وأقل مدة الحمل ستة أشهر .
والشرط الثاني أن يوجد خمس رضعات متفرقات ، يروى ذلك عن عائشة رضي الله عنها ، وبه قال عبد الله بن الزبير وإليه ذهب الشافعي رحمه الله تعالى .
وذهب أكثر أهل العلم إلى أن قليل الرضاع وكثيره يحرم ، وهو قول ابن عباس وابن عمر ، وبه قال سعيد بن المسيب وإليه ذهب سفيان الثوري ، ومالك ، والأوزاعي وعبد الله بن المبارك وأصحاب الرأي .
واحتج من ذهب إلى أن القليل لا يحرم بما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، أنا أنس بن عياض ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تحرم المصة من الرضاع والمصتان " هكذا روى بعضهم هذا الحديث ، ورواه عبد الله بن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو الصحيح .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت : كان فيما أنزل الله في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ، ثم نسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن .
وأما المحرمات بالصهرية فقوله : ( وأمهات نسائكم ) وجملته : أن كل من عقد النكاح على امرأة تحرم على الناكح أمهات المنكوحة وجداتها وإن علون من الرضاعة والنسب بنفس العقد .
( وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) والربائب جمع : ربيبة : وهي بنت المرأة ، سميت ربيبة لتربيته إياها ، وقوله : ( في حجوركم ) أي : في تربيتكم ، يقال : فلان في حجر فلان إذا كان في تربيته ، ( دخلتم بهن ) أي : جامعتموهن .
ويحرم عليه أيضا بنات المنكوحة وبنات أولادها ، وإن سفلن من الرضاع والنسب بعد الدخول بالمنكوحة ، حتى لو فارق المنكوحة قبل الدخول بها أو ماتت جاز له أن ينكح بنتها ، [ ولا يجوز له أن ينكح أمها ] لأن الله تعالى أطلق تحريم الأمهات وقال في تحريم الربائب .
( فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ) يعني : في نكاح بناتهن إذا فارقتموهن أو متن ، وقال علي رضي الله عنه : أم المرأة لا تحرم إلا بالدخول بالبنت كالربيبة .
( وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ) يعني : أزواج أبنائكم ، واحدتها : حليلة ، والذكر حليل ، سميا بذلك لأن كل واحد منهما [ حلال لصاحبه ، وقيل : سميا بذلك لأن كل واحد منهما ] يحل حيث يحل صاحبه من الحلول وهو النزول ، وقيل : إن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه من الحل وهو ضد العقل .
وجملته : أنه يحرم على الرجل حلائل أبنائه وأبناء أولاده وإن سفلوا من الرضاع والنسب بنفس العقد ، وإنما قال " من أصلابكم " ليعلم أن حليلة المتبنى لا تحرم على الرجل الذي تبناه ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة زيد بن حارثة ، وكان زيد تبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والرابع من المحرمات بالصهرية : حليلة الأب والجد وإن علا فيحرم على الولد وولد الولد بنفس العقد سواء كان الأب من الرضاع أو من النسب ، لقوله تعالى : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) وقد سبق ذكره .
وكل امرأة تحرم عليك بعقد النكاح تحرم بالوطء في ملك اليمين ، والوطء بشبهة النكاح ، حتى لو وطئ امرأة بالشبهة أو جارية بملك اليمين فتحرم على الواطئ أم الموطوءة وابنتها وتحرم الموطوءة على أب الواطئ وعلى ابنه .
ولو زنى بامرأة فقد اختلف فيه أهل العلم : فذهبت جماعة إلى أنه لا تحرم على الزاني أم المزني بها وابنتها ، وتحرم الزانية على أب الزاني وابنه ، وهو قول علي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما ، وبه قال سعيد بن المسيب وعروة والزهري ، وإليه ذهب مالك والشافعي رحمهم الله تعالى .
وذهب قوم إلى التحريم ، يروى ذلك عن عمران بن حصين وأبي هريرة رضي الله عنهما ، وبه قال جابر بن زيد والحسن وهو قول أصحاب الرأي .
ولو لمس امرأة بشهوة أو قبلها ، فهل يجعل ذلك كالدخول في إثبات حرمة المصاهرة؟
وكذلك لو لمس امرأة بشهوة فهل يجعل كالوطء في تحريم الربيبة؟
فيه قولان ، أصحهما وهو قول أكثر أهل العلم : أنه تثبت به الحرمة ، والثاني : لا تثبت كما لا تثبت بالنظر بالشهوة .
قوله تعالى : ( وأن تجمعوا بين الأختين ) لا يجوز للرجل أن يجمع بين الأختين في النكاح سواء كانت الأخوة بينهما بالنسب أو بالرضاع ، فإذا نكح امرأة ثم طلقها بائنا جاز له نكاح أختها ، وكذلك لو ملك أختين بملك اليمين لم يجز له أن يجمع بينهما في الوطء ، فإذا وطئ إحداهما لم يحل له وطء الأخرى حتى يحرم الأولى على نفسه .
وكذلك لا يجوز أن يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ، لما أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يجمع بين المرأة وعمتها ، ولا بين المرأة وخالتها " .
قوله تعالى : ( إلا ما قد سلف ) يعني : لكن ما مضى فهو معفو عنه ، لأنهم كانوا يفعلونه قبل الإسلام ، وقال عطاء والسدي : إلا ما كان من يعقوب عليه السلام فإنه جمع بين ليا أم يهوذا وراحيل أم يوسف ، وكانتا أختين .
( إن الله كان غفورا رحيما ) .
(حرمت عليكم أمهاتكم) أن تنكحوهن وشملت الجدات من قبل الأب أو الأم (وبناتكم) وشملت بنات الأولاد وإن سفلن (وأخواتكم) من جهة الأب أو الأم (وعماتكم) أي أخوات آبائكم وأجدادكم (وخالاتكم) أي أخوات أمهاتكم وجداتكم (وبنات الأخ وبنات الأخت) ويدخل فيهن أولادهم (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) قبل استكمال الحولين خمس رضعات كما بينه الحديث (وأخواتكم من الرضاعة) ويلحق بذلك بالسنة البنات منها وهن من أرضعتهم موطوأته والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت منها لحديث: "" يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب "" رواه البخاري ومسلم (وأمهات نسائكم وربائبكم) جمع ربيبة وهي بنت الزوجة من غيره (اللاتي في حجوركم) تربونهن.
صفة موافقة للغالب فلا مفهوم لها (من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) أي جامعتموهن (فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم) في نكاح بناتهن إذا فارقتموهن (وحلائل) أزواج (أبنائكم الذين من أصلابكم) بخلاف من تبنيتموهم فلكم نكاح حلائلهم (وأن تجمعوا بين الأختين) من نسب أو رضاع بالنكاح ويلحق بهما بالسنة الجمع بينها وبين عمتها أو خالتها ويجوز نكاح كل واحدة على الانفراد وملكهما معا ويطأ واحدة (إلا) لكن (ما قد سلف) في الجاهلية من نكاحهم بعض ما ذكر فلا جناح عليكم فيه (إن الله كان غفورا) لما سلف منكم قبل النهي (رحيما) بكم في ذلك.
حرَّم الله عليكم نكاح أمهاتكم، ويدخل في ذلك الجدَّات مِن جهة الأب أو الأم، وبناتكم: ويشمل بنات الأولاد وإن نزلن، وأخواتكم الشقيقات أو لأب أو لأم، وعماتكم: أخوات آبائكم وأجدادكم، وخالاتكم: أخوات أمهاتكم وجداتكم، وبنات الأخ، وبنات الأخت: ويدخل في ذلك أولادهن، وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة -وقد حرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاع ما يحرم من النسب- وأمهات نسائكم، سواء دخلتم بنسائكم، أم لم تدخلوا بهن، وبنات نسائكم من غيركم اللاتي يتربَّيْنَ غالبًا في بيوتكم وتحت رعايتكم، وهن مُحرَّمَات فإن لم يكنَّ في حجوركم، ولكن بشرط الدخول بأمهاتهن، فإن لم تكونوا دخلتم بأمهاتهن وطلقتموهن أو متْنَ قبل الدخول فلا جناح عليكم أن تنكحوهن، كما حرَّم الله عليكم أن تنكحوا زوجات أبنائكم الذين من أصلابكم، ومن أُلحق بهم مِن أبنائكم من الرضاع، وهذا التحريم يكون بالعقد عليها، دخل الابن بها أم لم يدخل، وحرَّم عليكم كذلك الجمع في وقت واحد بين الأختين بنسب أو رضاع إلا ما قد سلف ومضى منكم في الجاهلية.
ولا يجوز كذلك الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها كما جاء في السنة.
إن الله كان غفورًا للمذنبين إذا تابوا، رحيمًا بهم، فلا يكلفهم ما لا يطيقون.
ثم بين - سبحانه - بعد من يحرم نكاحن من الأقارب فقال تعالى : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت ) وليس المراد بقوله ( حُرِّمَتْ ) تحريم ذاتهن ، لأن الحرمة لا تتعلق بالذوات وإنما تتعلق بأفعال المكلفين .
فالكلام على حذف مضاف أى حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم .
.
الخ وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله ، معنى ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ) تحريم نكاحن لقوله .
( وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء ) ولأن تحريم نكاحن هو الذى يفهم من تحريمهن ، كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها .
ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله .وقد ذكر - سبحانه - فى هذه الحملة الكريمة أربع طوائف من الأقارب يحرم نكاحهن .أما الطائفة الأولى : طائفة الأمهات من النسب .
أى حرم الله عليكم نكاح أمهاتكم من النسب ، ويعم هذا التحريم أيضا الجدات سواء أكن من جهة الأب أم من جهة الأم ، لأنه إذا كان يحرم نكاح العمة أو الخالة فمن الأولى أن يكون نكاح الجدة محرما ، إذ الأم هى طريق الوصول فى القرابة إلى هؤلاء .
وقد أجمع المسلمون على تحريم نكاح الجدات .والطائفة الثانية : هى طائفة الفروع من النساء ، وقد عبر القرآن عن ذلك بقوله ( وَبَنَاتُكُمْ ) بالعطف على أمهاتكم .أى حرم الله عليكم نكاح أمهاتكم ونكاح بناتكم .والبنت هى كل امرأة لك عليها ولادة سواء أكانت بنتا مباشرة أم بواسطة فتشمل حرمة النكاح البنات وبنات الأبناء وبنات البنات وإن نزلن .وقد انعقد الإِجمال على تحريم الفروع من النساء مهما تكن طبقتهن .والطائفة الثالثة : هى طائفة فروع الأبوين .
وقد عبر القرآن عن ذلك بقوله ( وَأَخَوَاتُكُمْ ) ثم بقوله ، ( وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت ) بالعطف على ( وَأُمَّهَاتُكُمُ ) .أى وحرم الله عليكم نكاح أخواتكم سواء أكن شقيقات أم غير شقيقات وحرم عليكم أيضا نكاح بنات إخوانكم وبنات أخواتكم من أى وجه يكن .والطائفة الرابعة : هى طائفة العمات والخالات .
وقد ثبت تحريم نكاحهن بقوله - تعالى - ( وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ ) بالعطف على ( أُمَّهَاتُكُمْ ) .أى حرم الله عليكم نكاح عماتكم وخالاتكم كما حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم .والعمة : هى كل امرأة شاركت أباك مهما علا فى أصليه أو فى أحدهما .والخالة : هى كل امرأة شاركت أمك مهما علت فى أصليها أو فى أحدهما .وإذن فالعمات والخالات يشملن عمات الأب والأم ، وخالات الأب والأم ، وعمات الجد والجدة ، وخالات الجد والجدة ، لأن هؤلاء يطلق عليهن عرفا اسم العمة والخالة .تلك هى الطوائف الأربع اللاتى يحرم نكاحهن من الأقارب ، وإن هذا التحريم يتناسب مع الفطرة التى فطر الله الناس عليها ، ويتفق مع العقول السليمة التى تحب مكارم الأخلاق ، وذلك لأن شريعة الإِسلام قد نوهت بمنزلة القرابة القريبة للإِنسان ، وأضفت عليها الكثيرة من ألوان الوقار والاحترام؛ والزواج وما يصاحبه من شهوات ومداعبات ورضا واختلاف يتنافى مع ما أسبغه الله - تعالى - على هذه القوابة القريبة من وقار ومن عواطف شريفه .ولأن التجارب العلمية قد أثبتت أن التلاقح بين سلائل متباعدة الأصول غالبا ما ينتج نسلا قويا ، أما التلاقح بين السلائل المتحدة فى أصولها القريبة فإنه غالبا ما ينتج نسلا ضعيفا .ثم بين - سبحانه - النساء اللائي يحرم الزواج بهن لأسباب أخرى سوى القرابة فقال - تعالى - ( وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرضاعة ) .أى : وحرم الله - عليكم نكاح أمهاتكم اللاتى أرضعنكم ، وحرم عليكم - أيضا نكاح أخواتكم من الرضاعة .والأم من الرضاع : هى كل امرأة أرضعتك؛ وكذلك كل امرأة انتسبت إلى تلك المرضعة بالأمومة من جهة النسب أو من جهة الرضاع .والأخت من الرضاع : هى التى التقيت انت وهى على ثدى واحد .قال القرطبى : وهى الأخت لأب وأم .
وهى التى أرضعتها أمك بلبان أبيك ، سواء أرضعتها معك أو رضعت قبلك أو بعدك والأخت من الأب دون الأم ، وهى التى أرضعتها زوجة أبيك .
والأخت من الأم دون الأب وهى التى أرضعتها أمك بلبان رجل آخر .هذا ، وظاهر قوله - تعالى - ( وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرضاعة ) يقتضى أن مطلق الرضاع محرم للنكاح .
وبذلك قال المالكية والأحناف :ويرى الشافعية والحنابلة أن الرضاع المحرم هو الذى يبلغ خمس رضعات .
واستدلوا بما رواه مسلم وغيره عن عائشة - رضى الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تحرم المصة ولا المصتان " وفى رواية عنها انه قال :" لا تحرم الرضعة والرضعتان ، والمصة والمصتان " .كذلك ظاهر هذه الجملة الكريمة يقتضى أن الرضاع يحرم النكاح ولو فى سن الكبر ، إلا أن جمهور العلماء يرون أن الرضاع المحرم هو ما كان قبل بلوغ الحولين أما ما كان بعد بلوغ الحولين فلا يحرم ولا يكون الرضيع ابنا من الرضاعة وذلك لقوله - تعالى - ( والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ) وأخرج الترمذى عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء ، وكان قبل الفطام " .قال ابن كثير عند تفسيره لقوله - تعالى - ( وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرضاعة ) .أى : كما يحرم عليك نكاح أمك التى ولدتك كذلك يحرم عليك نكاح أمك التى أرضعتك .ولهذا ثبت فى الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة " وفى لفظ المسلم : " يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب " .ومن الحكم التى ذكرها العلماء من وراء تحريم النكاح بسبب الرضاعة : أن المولود يتكون جسمه من جسم المرأة التى أرضعته فيكون جزءاً منها ، كما أنه جزء من أمه التى حملته .
وإذا كانت هذه قد غذته بدمها وهو فى بطنها فإن تلك قد غذته بلبانها وهو فى حجرها ، فكان من التكريم لهذه الأم من الرضاع أن تعامل معاملة الحقيقة ، وأن يعامل كل من التقيا على ثدى امرأة واحدة معاملة الإِخوة من حيث التكريم وحرمة النكاح بينهم .هذا ، ومن أراد المزيد من المعرفة لأحكام الرضاع فليرجع الى كتب الفقه .ثم ذكر - سبحانه - نوعا ثالثا من المحرمات لغير سبب القرابة فقال : ( وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ ) .أى : وكذلك حرم الله عليكم نكاح أمهات زوجاتكم سواء أكن أمهات مباشرات أم جدات ، لأن كلمة الأم تشمل الجدات ، ولإِجماع الفقهاء على ذلك .قال الآلوسى : والمراد بالنساء المعقود عليهن وعلى الإِطلاق ، سواء أكن مدخولا بهن أم لا .
وهو مجمع عليه عند الأئمة الأربعة ، لكن يشترط أن يكون النكاح صحيحا .
أما إذا كان فاسدا فلا تحرم الأم إلا إذا وطئ ابنتها .
فقد أخرج البيهقى فى سننه وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالابنة أو لم يدخل .
وإذا تزوج الأم ولم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الإِبنة " .ثم بين - سبحانه - نوعا رابعا من المحرمات لغير سبب القرابة فقال تعالى - ( وَرَبَائِبُكُمُ اللاتي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ) .وقوله ( وَرَبَائِبُكُمُ ) جمع ربيبة .
وهى بنت أمرأة الرجل من غيره .
وسميت بذلك لأن الزوج فى أغلب الأحوال يربها أى يربيها فى حجره ويعطف عليها .والحجور : جمع حجر - بالفتح والكسر مع سكون الجيم - وهو ما يحويه مجتمع الرجلين للجالس المتربع .
والمراد به هنا معنى مجازى وهو الحضانة والكفالة والعطف .
يقال : فلان فى حجر فلان أى فى كنفه ومنعته ورعايته .ومقتضى ظاهر الجملة الكريمة أن الربيبة لا يحرم نكاحها على زوج أمها إلا بشرطين :أولهما : كونها فى حجره .وثانيهما : أن يكون الزوج قد دخل بأمها .أما عن الشرط الأول فلم يأخذ به جمهور العلماء ، وقالوا : إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب والعادة ، إذ الغالب كون البنت مع الأم عند الزوج ، لا أنه شرط فى التحريم فهم يرون أن نكاح الربيبة حرام على زوج أمها سواء أكانت فى حجره أم لم تكن قالوا : وفائدة هذا القيد تقوية علة الحرمة أو أنه ذكر للتشنيع عليهم ، إذ أن نكاحها محرم عليهم فى جميع الصور إلا أنه يكون أشد قبحا فى حالة وجودها فى حجره هذا رأى عامة الصحابة والفقهاء .ولكنه هناك رواية عن مالك بن أوس عن على بن أبى طالب أنه قال : الربيبة لا يحرم نكاحها على زوج الأم إلا إذا كانت فى حجره أخذا بظاهر الآية الكريمة .
وقد أخذ بذلك داود الظاهرى وأشياعه .وأصحاب الرأى الأول لم يعثدوا بهذه الرواية المروية عن على - رضى الله عنه - وأما عن الشرط الثانى - وهو أن يكون الزوج قد دخل بأم الربيبة - فقد أخذ به العلماء إلا أنهم اختلفوا فى معنى الدخول فقال بعضهم : معناه الوطء والجماع .
وقال بعضهم : معناه التمتع كاللمس والقبلة ، فلو حصل منه مع الأم ما يشبه ذلك حرم عليه نكاح ابنتها من غيره .قال القرطبى ما ملخصه : اتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم ، وإن لم تكن الربيبة فى حجره .
وشذ بعض المتقدمين وأهل الظاهر فقالوا : لا تحرم عليه الربيبة إلا أن تكون فى حجر المتزوج بأمها .
ثم قال وقوله - تعالى - ( فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ) يعنى الأمهات ( فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ) يعنى فى نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم .وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حل له نكاح ابنتها .
وإختلفوا فى معنى الدخول بالأمهات الذى يقع به التحريم للربائب .
فروى عن ابن عباس أنه قال : الدخول : الجماع .
واتفق مالك والثورى وأبو حنيفة على أنه إذا مسها بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها وحرمت على الأب والإبن ، وهو أحد قولى الشافعى .
.
.والحكمة فى تحريم الربائب على أزواج أمهاتهن أنهن حينئذ يشبهن البنات الصلبيات بالنسبة لهؤلاء الأزواج ، بسبب ما يجدنه منهم من رعاية وتربية فى العادة ، ولأنه لو أبيح للرجل أن يتزوج ببنت امرأته التى دخل بها ، لأدى ذلك إلى تقطيع الأرحام بين الأمر وابنتها .ولأدى ذلك أيضا إلى الانصراف عن رعاية هؤلاء الربائب خشية الرغبة فى الزواج بواحدة منهن .ثم بين - سبحانه - نوعا خامسا من المحارم فقال .
تعالى - : ( وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أَصْلاَبِكُمْ ) .والحلائل : جمع حليلة وهى الزوجة .
وسميت بذلك لحلها للزوج وحل الزوج لها ، فكلاهما حلال لصاحبه .
ويقال للزوج حليل .أى : وحرم الله - تعالى - عليكم نكاح زوجات أبنائكم الذين هم من أصلابكم .
أى : من ظهوركم .وقال - سبحانه - ( وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ) بدون تقييد بالدخول .
للاشارة إلى أن حليلة الابن تحرم على الأب بمجرد عقد الابن عليها .قال القرطبى : أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء ، وما عقد عليه الأبناء على الآباء سواء أكان مع العقد وطء أو لم يكن : لقوله - تعالى - : ( وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء ) وقوله - تعالى - : ( وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أَصْلاَبِكُمْ ) .
وقيد الله الأبناء بالذين هم من الأصلاب ، ليخرج الابن المتبنى .
فهذا تحل زوجته للرجل الذى تبناه .وقد كان العرب يعتبرون الابن بالتبنى كأولادهم من ظهورهم ، ويحرمون زوجة الابن بالتبنى على من تبناه .
وقد سمى القرآن الأبناء بالتبنى أدعياء فقال - تعالى - :( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ والله يَقُولُ الحق وَهُوَ يَهْدِي السبيل ادعوهم لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله فَإِن لَّمْ تعلموا آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدين وَمَوَالِيكُمْ ) ثم أبطل القرآن ما كان عليه أهل الجاهلية فى شأن الابن المتبنى ، فأباح للرجل أن يتزوج من زوجة الابن الذى تبناه بعد فراقه عنها .وقد أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوج بزينب بنت جحش بعد أن طلقها زوجها زيد بن حارثة ، وكان زيد قد تبناه النبي صلى الله عليه وسلم فقال المشركون : تزوج محمد امرأة ابنه فأنزل الله - تعالى - ( فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ) فإن قيل : إن قيد ( مِنْ أَصْلاَبِكُمْ ) .
يخرج الابن من الرضاع كما أخرج الابن بالتبنى؟
فالجواب على ذلك : أن الابن بالرضاع حرمت حليلته على أبيه من الرضاع بقول النبى صلى الله عليه وسلم : " يرحم من الرضاع ما يرحم من النسب " .ثم بين - سبحانه - نوعا سادسا من المحرمات فقال - تعالى - : ( وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختين إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ) .قال ابن كثير والمعنى : وحرم عليكم الجمع بين الأختين معا فى التزويج إلا ما كان منكم فى جاهليتكم فقد عفونا عنه وغفرناه .فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل لأنه استثنى مما سلف وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديما وحديثا على أنه يرحم الجمع بين الأختين فى النكاح .
ومن أسلم وتحت أختام خير فيمسك إحداهما ويطل الأخرى لا محالة ، فقد روى الإِمام أحمد عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال : أسلمت وعندى امرأتان أختان فأمرنى النبى صلى الله عليه وسلم أن أطلق إحداهما .وكما أنه يحرم الجمع بين الأختين فى عصمة رجل واحد ، فكذلك يحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها أو ابنة أخيها أو ابنة أختها لنهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقد جاء فى صحيح مسلم وفى سنن أبى داود والترمذى والنسائى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ، ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها " .وفى رواية الطبرانى أنه قال : " فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم " .والسر فى تحريم هذا النوع من النكاح أنه يؤدى إلى تقطيع الأرحام - كما جاء فى الحديث الشريف - إذا من شأن الضرائر أن يكون بينهن من الكراهية وتبادل الأذى ما هو مشاهد ومعلوم .
فكان من رحمة الله بعباده أن حرم عليهم هذه الأنواع من الأنكحة السابقة صيانة للأسرة من التمزق والتشتت ، وحماية لها من الضعف والوهن ، وسمواً بها عن مواطن الريبة والغيرة والفساد وقد عفا - سبحانه - عما حدث من هذه الأنكحة الفاسدة فى الجاهلية أو قبل نزول هذه الآية الكريمة بتحريمها ، لأنه - سبحانه - كان وما زال غفارا للذنوب ، ستارا للعيوب ، رحيما بعباده ، ومن رحمته بهم أنه يعذبهم من غير نذير ، ولا يؤاخذهم على ما اكتسبوا إلا بعد بيان واضح .
قوله تعالى: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت ﴾ .
اعلم أنه تعالى نص على تحريم أربعة عشر صنفا من النسوان: سبعة منهن من جهة النسب، وهن الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.
وسبعة أخرى لا من جهة النسب: الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء وبنات النساء بشرط أن يكون قد دخل بالنساء، وأزواج الابناء والآباء، إلا أن أزواج الأبناء مذكورة هاهنا، وأزواج الآباء مذكورة في الآية المتقدمة، والجمع بين الأختين.
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ذهب الكرخي إلى أن هذه الآية مجملة قال: لأنه أضيف التحريم فيها إلى الأمهات والبنات، والتحريم لا يمكن إضافته إلى الاعيان، وإنما يمكن إضافته إلى الأفعال، وذلك الفعل غير مذكور في الآية، فليست إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفعال التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات، أولى من بعض، فصارت الآية مجملة من هذا الوجه.
والجواب عنه من وجهين: الأول: أن تقديم قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ يدل على أن المراد من قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ تحريم نكاحهن.
الثاني: أن من المعلوم بالضرورة من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن المراد منه تحريم نكاحهن، والأصل فيه أن الحرمة والاباحة إذا أضيفتا إلى الاعيان، فالمراد تحريم الفعل المطلوب منها في العرف، فاذا قيل: حرمت عليكم الميتة والدم، فهم كل أحد أن المراد تحريم أكلهما، وإذا قيل: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم، فهم كل أحد أن المراد تحريم نكاحهن، ولما قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا لإحدى معان ثلاث».
فهم كل أحد أن المراد لا يحل إراقة دمه.
وإذا كانت هذه الأمور معلومة بالضرورة كان إلقاء الشبهات فيها جاريا مجرى القدح في البديهيات وشبه السوفسطائية، فكانت في غاية الركاكة، والله أعلم.
بلى عندي فيه بحث من وجوه أخرى: أحدها: أن قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ﴾ مذكور على ما لم يسم فاعله، فليس فيه تصريح بأن فاعل هذا التحريم هو الله تعالى، وما لم يثبت ذلك لم تفد الآية شيئا آخر، ولا سبيل اليه إلا بالاجماع، فهذه الآية وحدها لا تفيد شيئا، بل لابد معها من الاجماع على هذه المقدمة.
وثانيها: أن قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ﴾ ليس نصا في ثبوت التحريم على سبيل التأييد، فان القدر المذكور في الآية يمكن تقسيمه الى المؤبد، والى المؤقت، كأنه تعالى تارة قال: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم الى الوقت الفلاني فقط، وأخرى: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم مؤبدا مخلدا، واذا كان القدر المذكور في الآية صالحا لأن يجعل موردا للتقسيم بهذين القسمين، لم يكن نصا في التأييد، فاذن هذا التأييد لا يستفاد من ظاهر الآية، بل من دلالة منفصلة.
وثالثها: أن قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ خطاب مشافهة فيخصص بأولئك الحاضرين، فاثبات هذا التحريم في حق الكل إنما يستفاد من دليل منفصل.
ورابعها: أن قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ إخبار عن ثبوت هذا التحريم في الماضي، وظاهر اللفظ غير متناول للحاضر والمستقبل فلا يعرف ذلك إلا بدليل منفصل.
وخامسها: أن ظاهر قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ يقتضي أنه قد حرم على كل أحد جميع أمهاتهم وجميع بناتهم، ومعلوم أنه ليس كذلك، بل المقصود أنه تعالى قابل الجمع بالجمع، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد، فهذا يقتضي أن الله تعالى قد حرم على كل أحد أمه خاصة، وبنته خاصة، وهذا فيه نوع عدول عن الظاهر.
وسادسها: أن قوله: ﴿ حرمات ﴾ يشعر ظاهره بسبق الحل، إذ لو كان أبدا موصوفا بالحرمة لكان قوله: ﴿ حرمات ﴾ تحريماً لما هو في نفسه حرام، فيكون ذلك إيجاد الموجود وهو محال، فثبت أن المراد من قوله: ﴿ حرمات ﴾ ليس تجديد التحريم حتى يلزم الاشكال المذكور، بل المراد الاخبار عن حصول التحريم، فثبت بهذه الوجوه أن ظاهر الآية وحده غير كاف في إثبات المطلوب، والله أعلم.
المسألة الثانية: اعلم أن حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم عليه السلام إلى هذا الزمان، ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأديان الالهية، بل ان زرداشت رسول المجوس قال بحله، إلا أن أكثر المسلمين اتفقوا على انه كان كذابا.
أما نكاح الاخوات فقد نقل أن ذلك كان مباحا في زمن آدم عليه السلام، وإنما حكم الله باباحة ذلك على سبيل الضرورة، ورأيت بعض المشايخ أنكر ذلك، وقال: انه تعالى كان يبعث الحواري من الجنة ليزوج بهن أبناء آدم عليه السلام وهذا بعيد، لأنه إذا كان زوجات أبنائه وأزواج بناته من أهل الجنة، فحينئذ لا يكون هذا النسل من أولاد آدم فقط، وذلك بالاجماع باطل.
وذكر العلماء أن السبب لهذا التحريم: أن الوطء إذلال وإهانة، فان الإنسان يستحي من ذكره ولا يقدم عليه إلا في الموضع الخالي، وأكثر أنواع الشتم لا يكون إلا بذكره، وإذا كان الأمر كذلك وجب صون الأمهات عنه لأن إنعام الأم على الولد أعظم وجوه الانعام، فوجب صونها عن هذا الاذلال، والبنت بمنزلة جزء من الإنسان وبعض منه، قال عليه الصلاة والسلام: «فاطمة بضعة مني».
فيجب صونها عن هذا الاذلال، لأن المباشرة معها تجري مجرى الاذلال، وكذا القول في البقية والله أعلم.
ولنشرع الآن في التفاصيل فنقول: النوع الأول: من المحرمات: الأمهات، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: الأمهات جمع الأم والأم في الأصل أمهة فأسقط الهاء في التوحيد قال الشاعر: أمهتى خندف والياس أبي *** وقد تجمع الأم على أمات بغير هاء وأكثر ما يستعمل في الحيوان غير الآدمي قال الراعي: كانت نجائب منذر ومحرق *** أماتهن وطرقهن فحيلا المسألة الثانية: كل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو بدرجات، بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك.
ثم هاهنا بحث وهو أن لفظ الأم لا شك أنه حقيقة في الأم الأصلية، فأما في الجدات فإما أن يكون حقيقة أو مجازا، فإن كان لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية وفي الجدات، فإما أن يكون لفظا متواطئا أو مشتركا، فإن كان لفظا متواطئا أعني أن يكون لفظ الأم موضوعا بإزاء قدر مشترك بين الأم الأصلية وبين سائر الجدات فعلى هذا التقدير يكون قوله تعالى: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ نصا في تحريم الأم الأصلية وفي تحريم جميع الجدات، وأما إن كان لفظ الأم مشتركا في الأم الأصلية وفي الجدات، فهذا يتفرع على أن اللفظ المشترك بين أمرين هل يجوز استعماله فيهما معا أم لا؟
فمن جوزه حمل اللفظ هاهنا على الكل، وحينئذ يكون تحريم الجدات منصوصا عليه، ومن قال: لا يجوز، فالقائلون بذلك لهم طريقان في هذا الموضع: أحدهما: أن لفظ الأم لا شك أنه أريد به هاهنا الأم الأصلية، فتحريم نكاحها مستفاد من هذا الوجه، وأما تحريم نكاح الجدات فغير مستفاد من هذا النص، بل من الاجماع.
والثاني: أنه تعالى تكلم بهذه الآية مرتين، يريد في كل مرة مفهوما آخر، أما إذا قلنا: لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية مجاز في الجدات، فقد ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد دفعة واحدة في حقيقته ومجازه معا، وحينئذ يرجع الطريقان اللذان ذكرناهما فيما إذا كان لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية، وفي الجدات.
المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله: إذا تزوج الرجل بأمه ودخل بها يلزمه الحد، وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يلزمه.
حجة الشافعي أن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة، فكان هذا الوطء زنا محضا فيلزمه الحد لقوله تعالى: ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ إنما قلنا: إن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة لأنه تعالى قال: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ وقد علم بالضرورة من دين محمد عليه الصلاة والسلام أن مراد الله تعالى من هذه الآية: تحريم نكاحها وإذا ثبت هذا فنقول: الموجود ليس إلا صيغة الايجاب والقبول، فلو حصل هذا الانعقاد، فإما أن يقال: إنه حصل في الحقيقة أو في حكم الشرع والأول باطل، لأن صيغة الايجاب والقبول كلام وهو عرض لا يبقى، والقبول لا يوجد إلا بعد الايجاب، وحصول الانعقاد بين الموجود والمعدوم محال.
والثاني: باطل، لأن الشرع بين في هذه الآية بطلان هذا العقد قطعا، ومع كون هذا العقد باطلا قطعا في حكم الشرع، كيف يمكن القول بأنه منعقد شرعا؟
فثبت أن وجود هذا العقد وعدمه بمثابة واحدة، وإذا ثبت ذلك فباقي التفريع والتقرير ما تقدم.
النوع الثاني: من المحرمات: البنات، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: كل أنثى يرجع نسبها اليك بالولادة بدرجة أو بدرجات، باناث أو بذكور فهي بنتك، وأما بنت الابن وبنت البنت فهل تسمى بنتا حقيقة أو مجازا؟
فالبحث فيه عين ما ذكرناه في الأمهات.
المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه الله: البنت المخلوقة من ماء الزنا لا تحرم على الزاني.
وقال أبو حنيفة: تحرم.
حجة الشافعي أنها ليست بنتاً له فوجب أن لا تحرم، إنما قلنا: إنها ليست بنتا لوجوه: الأول: أن أبا حنيفة إما أن يثبت كونها بنتا له بناء على الحقيقة، وهي كونها مخلوقة من مائه، أو بناء على حكم الشرع بثبوت هذا النسب، والأول باطل على مذهبه طردا وعكسا، أما الطرد فهو أنه إذا اشترى جارية بكرا وافتضها وحبسها في داره فأتت بولد، فهذا الولد معلوم أنه مخلوق من مائه مع أن أبا حنيفة قال: لا يثبت نسبها إلا عند الاستلحاق، ولو كان السبب هو كون الولد متخلقا من مائه لما توقف في ثبوت هذا النسب بغير الاستلحاق، وأما العكس فهو أن المشرقي إذا تزوج بالمغربية وحصل هناك ولد، فأبو حنيفة أثبت النسب هنا مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه، فثبت أن القول بجعل التخليق من مائه سببا للنسب باطل طردا وعكسا على قول أبي حنيفة، وأما إذا قلنا: النسب إنما يثبت بحكم الشرع، فهاهنا أجمع المسلمون على أنه لا نسب لولد الزنا من الزاني، ولو انتسب إلى الزاني لوجب على القاضي منعه من ذلك الانتساب، فثبت أن انتسابها اليه غير ممكن، لا بناء على الحقيقة، ولا بناء على حكم الشرع.
الوجه الثاني: التمسك بقوله عليه الصلاة والسلام: «الولد للفراش وللعاهر الحجر».
فقوله: «الولد للفراش» يقتضي حصر النسب في الفراش.
الوجه الثالث: لو كانت بنتاً له لأخذت الميراث لقوله تعالى: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ ولثبتت له ولاية الاجبار، لقوله عليه السلام: «زوجوا بناتكم الأكفاء» ولوجب عليه نفقتها وحضانتها، ولحلت الخلوة بها، فلما لم يثبت شيء من ذلك علمنا انتفاء البنتية، وإذا ثبت أنها ليست بنتاً له وجب أن يحل التزوج بها، لأن حرمة التزوج بها إما للبنتية، أو لأجل أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة، وهذا الحصر ثابت بالاجماع.
والبنتية باطلة كما ذكرنا، وحرمة المصاهرة بسبب الزنا أيضا باطلة كما تقدم شرح هذه المسألة، فثبت أنها غير محرمة على الزاني والله أعلم.
النوع الثالث: من المحرمات: الأخوات: ويدخل فيه الأخوات من الأب والأم معا، والأخوات من الأب فقط، والأخوات من الأم فقط.
النوع الرابع والخامس: العمات والخالات.
قال الواحدي رحمه الله: كل ذكر رجع نسبك اليه فأخته عمتك، وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أبي أمك، وكل أنثى رجع نسبك اليها بالولادة فأختها خالتك، وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك.
النوع السادس والسابع: بنات الأخ وبنات الأخت: والقول في بنات الأخ وبنات الأخت كالقول في بنات الصلب.
فهذه الأقسام السبعة محرمة في نص الكتاب بالانساب والارحام.
قال المفسرون: كل امرأة حرم الله نكاحها للنسب والرحم، فتحريمها مؤبد لا يحل بوجه من الوجوه، وأما اللواتي يحل نكاحهن ثم يصرن محرمات بسبب طارئ، فهن اللاتي ذكرن في باقي الآية.
النوع الثامن والتاسع: قوله تعالى: ﴿ وأمهاتكم الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم مّنَ الرضاعة ﴾ .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: المرضعات سماهن أمهات لأجل الحرمة، كما أنه تعالى سمى أزواج النبي عليه السلام أمهات المؤمنين في قوله: ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ لأجل الحرمة.
المسألة الثانية: أنه تعالى نص في هذه الآية على حرمة الأمهات والأخوات من جهة الرضاعة إلا أن الحرمة غير مقصورة عليهن، لأنه صلى الله عليه وسلم قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وإنما عرفنا أن الأمر كذلك بدلالة هذه الآيات، وذلك لأنه تعالى لما سمى المرضعة أماً، والمرضعة أختا، فقد نبه بذلك على أنه تعالى أجرى الرضاع مجرى النسب، وذلك لأنه تعالى حرم بسبب النسب سبعا: اثنتان منها هما المنتسبتان بطريق الولادة، وهما الأمهات والبنات، وخمس منها بطريق الأخوة، وهو الأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، ثم أنه تعالى لما شرع بعد ذلك في أحوال الرضاع ذكر من هذين القسمين صورة واحدة تنبيها بها على الباقي، فذكر من قسم قرابة الولادة الأمهات، ومن قسم قرابة الاخوة الأخوات، ونبه بذكر هذين المثالين من هذين القسمين على أن الحال في باب الرضاع كالحال في النسب، ثم انه عليه السلام أكد هذا البيان بصريح قوله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب فصار صريح الحديث مطابقاً لمفهوم الآية، وهذا بيان لطيف.
المسألة الثالثة: أم الأنسان من الرضاع هي التي أرضعته، وكذلك كل امرأة انتسبت الى تلك المرضعة بالأمومة، إما من جهة النسب أو من جهة الرضاع، والحال في الأب كما في الأم، واذا عرفت الأم والأب فقد عرفت البنت أيضا بذلك الطريق، وأما الأخوات فثلاثة: الأولى أختك لأبيك وأمك، وهي الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلبن أبيك، سواء أرضعتها معك أو مع ولد قبلك أو بعدك، والثانية أختك لأبيك دون أمك، وهي التي أرضعتها زوجة أبيك بلبن أبيك، والثالثة أختك لأمك دون أبيك، وهي التي أرضعتها أمك بلبن رجل آخر، واذا عرفت ذلك سهل عليك معرفة العمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.
المسألة الرابعة: قال الشافعي رحمة الله عليه: الرضاع يحرم بشرط أن يكون خمس رضعات، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: الرضعة الواحدة كافية، وقد مرت هذه المسألة في سورة البقرة، واحتج أبو بكر الرازي بهذه الآية فقال: انه تعالى علق هذا الاسم يعني الأمومة والاخوة بفعل الرضاع، فحيث حصل هذا الفعل وجب أن يترتب عليه الحكم، ثم سأل نفسه فقال: ان قوله تعالى: ﴿ وأمهاتكم الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ ﴾ بمنزلة قول القائل: وأمهاتكم اللاتي أعطينكم، وأمهاتكم اللاتي كسونكم، وهذا يقتضي تقدم حصول صفة الأمومة والأختية على فعل الرضاع، بل لو أنه تعالى قال: اللاتي أرضعنكم هن أمهاتكم لكان مقصودكم حاصلا.
وأجاب عنه بأن قال: الرضاع هو الذي يكسوها سمة الأمومة، فلما كان الاسم مستحقا بوجود الرضاع كان الحكم معلقا به، بخلاف قوله وأمهاتكم اللاتي كسونكم، لأن اسم الأمومة غير مستفاد من الكسوة، قال ويدل على أن ذلك مفهوم من هذه الآية ما روي أنه جاء رجل الى ابن عمر رضي الله عنهما فقال: قال ابن الزبير: لا بأس بالرضعة ولا بالرضعتين، فقال ابن عمر: قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير، قال الله تعالى: ﴿ وأخواتكم مّنَ الرضاعة ﴾ قال: فعقل ابن عمر من ظاهر اللفظ التحريم بالرضاع القليل.
واعلم أن هذا الجواب ركيك جداً، أما قوله: ان اسم الأمومة إنما جاء من فعل الرضاع فنقول: وهل النزاع الا فيه، فإن عندي أن اسم الأمومة إنما جاء من الرضاع خمس مرات، وعندك إنما جاء من أصل الرضاع، وأنت إنما تمسكت بهذه الآية لاثبات هذا الأصل، فاذا أثبت التمسك بهذه الآية على هذا الأصل كنت قد أثبت الدليل بالمدلول وإنه دور وساقط، وأما التمسك بأن ابن عمر فهم من الآية حصول التحريم بمجرد فعل الرضاع، فهو معارض بما أن ابن الزبير ما فهمه منه، وكان كل واحد منهما من فقهاء الصحابة ومن العلماء بلسان العرب، فكيف جعل فهم أحدهما حجة ولم يجعل فهم الآخر حجة على قول خصمه.
ولولا التعصب الشديد المعمي للقلب لما خفي ضعف هذه الكلمات، ثم ان أبا بكر الرازي أخد يتمسك في إثبات مذهبه بالأحاديث والأقيسة، ومن تكلم في أحكام القرآن وجب أن لا يذكر إلا ما يستنبطه من الآية، فأما ما سوى ذلك فانما يليق بكتب الفقه.
النوع العاشر: من المحرمات.
قوله تعالى: ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: يدخل في هذه الآية الأمهات الأصلية وجميع جداتها من قبل الأب والأم كما بينا مثله في النسب.
المسألة الثانية: مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين أن من تزوج بامرأة حرمت عليه أمها سواء دخل بها أو لم يدخل، وزعم جمع من الصحابة أن أم المرأة إنما تحرم بالدخول بالبنت كما أن الربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها، وهو قول علي وزيد وابن عمر وابن الزبير وجابر، وأظهر الروايات عن ابن عباس، وحجتهم أنه تعالى ذكر حكمين وهو قوله: ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِي حُجُورِكُمْ ﴾ ثم ذكر شرطا وهو قوله: ﴿ مّن نِّسَائِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ فوجب أن يكون ذلك الشرط معتبرا في الجملتين معا، وحجة القول الأول أن قوله تعالى: ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ ﴾ جملة مستقلة بنفسها ولم يدل الدليل على عود ذلك الشرط اليه، فوجب القول ببقائه على عمومه، وإنما قلنا إن هذا الشرط غير عائد لوجوه: الأول: وهو أن الشرط لابد من تعليقه بشيء سبق ذكره فاذا علقناه باحدى الجملتين لم يكن بنا حاجة إلى تعليقه بالجملة الثانية، فكان تعليقه بالجملة الثانية تركا للظاهر من غير دليل، وانه لا يجوز.
الثاني: وهو أن عموم هذه الجملة معلوم، وعود الشرط اليه محتمل، لأنه يجوز أن يكون الشرط مختصاً بالجملة الأخيرة فقط، ويجوز أن يكون عائدا إلى الجملتين معا، والقول بعود هذا الشرط إلى الجملتين ترك لظاهر العموم بمخصص مشكوك، وانه لا يجوز.
الثالث: وهو أن هذا الشرط لو عاد إلى الجملة الأولى، فاما أن يكون مقصورا عليها، وإما أن يكون متعلقا بها وبالجملة الثانية أيضاً، والأول باطل، لأن على هذا التقدير يلزم القول بتحريم الربائب مطلقا، وذلك باطل بالاجماع، والثاني باطل أيضا، لأن على هذا التقدير يصير نظم الآية هكذا وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فيكون المراد بكلمة من هاهنا التمييز ثم يقول: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فيكون المراد بكلمة من هاهنا ابتداء الغاية كما يقول: بنات الرسول من خديجة، فيلزم استعمال اللفظ الواحد المشترك في كلا مفهوميه وانه غير جائز، ويمكن أن يجاب عنه فيقال: إن كلمة من للاتصال كقوله تعالى: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «ما أنا من دد ولا الدد مني» ومعنى مطلق الاتصال حاصل في النساء والربائب معا.
الوجه الرابع: في الدلالة على ما قلناه: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها، دخل بالبنت أو لم يدخل، واذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فان شاء تزوج البنت» وطعن محمد بن جرير الطبري في صحة هذا الحديث.
وكان عبدالله بن مسعود يفتي بنكاح أم المرأة اذا طلق بنتها قبل المسيس وهو يومئذ بالكوفة، فاتفق أن ذهب الى المدينة فصادفهم مجمعين على خلاف فتواه، فلما رجع الى الكوفة لم يدخل داره حتى ذهب إلى ذلك الرجل وقرع عليه الباب وأمره بالنزول عن تلك المرأة.
وروى قتادة عن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت قال: الرجل إذا طلق امرأته قبل الدخول وأراد أن يتزوج أمها فإن طلقها قبل الدخول تزوج أمها، وإن ماتت لم يتزوج أمها، واعلم أنه إنما فرق بين الموت والطلاق في التحريم، لأن الطلاق قبل الدخول لا يتعلق به شيء من أحكام الدخول، ألا ترى أنه لا يجب عليها عدة، وأما الموت فلما كان في حكم الدخول في باب وجوب العدة، لا جرم جعله الله سببا لهذا التحريم.
النوع الحادي عشر: من المحرمات.
قوله تعالى: ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِي حُجُورِكُمْ مّن نِّسَائِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: الربائب: جمع رَبيبَة، وهي بنتُ امرأة الرجل من غيره، ومعناها مَرْبوبَة، لأن الرجل هو يربها يقال: ربيت فلانا أربه: وربيته أربيه بمعنى واحد، والحجور جمع حجر، وفيه لغتان قال ابن السِّكِّيْت: حجر الإنسان وحجره بالفتح والكسر، والمراد بقوله: ﴿ فِى حُجُورِكُمْ ﴾ أي في تربيتكم، يقال: فلان في حجر فلان اذا كان في تربيته، والسبب في هذه الاستعارة أن كل من ربى طفلا أجلسه في حجره، فصار الحجر عبارة عن التربية، كما يقال: فلان في حضانة فلان، وأصله من الحضن الذي هو الابط، وقال أبو عبيدة: في حجوركم أي في بيوتكم.
المسألة الثانية: روى مالك بن أوس بن الحدثان عن علي رضي الله عنه أنه قال: الربيبة اذا لم تكن في حجر الزوج وكانت في بلد آخر، ثم فارق الأم بعد الدخول فانه يجوز له أن يتزوج الربيبة، ونقل أنه رضوان الله عليه احتج على ذلك بأنه تعالى قال: ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِي حُجُورِكُمْ ﴾ شرط في كونها ربيبة له، كونها في حجره، فاذا لم تكن في تربيته ولا في حجره فقد فات الشرط، فوجب أن لا تثبت الحرمة، وهذا استدلال حسن.
وأما سائر العلماء فانهم قالوا: إذا دخل بالمرأة حرمت عليه ابنتها سواء كانت في تربيته أو لم تكن، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ علق رفع الجناح بمجرد عدم الدخول، وهذا يقتضي أن المقتضى لحصول الجناح هو مجرد الدخول.
وأما الجواب عن حجة القول الأول فهو أن الأعم الأغلب أن بنت زوجة الإنسان تكون في تربيته، فهذا الكلام على الأعم، لا أن هذا القيد شرط في حصول هذا التحريم.
المسألة الثالثة: تمسك أبو بكر الرازي في إثبات أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة بقوله تعالى: ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِي حُجُورِكُمْ مّن نِّسَائِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ قال: لأن الدخول بها اسم لمطلق الوطء سواء كان الوطء نكاحا أو سفاحا، فدل هذا على أن الزنا بالأم يوجب تحريم البنت، وهذا الاستدلال في نهاية الضعف، وذلك لأن هذه الآية مختصة بالمنكوحة لدليلين: الأول: أن هذه الآية إنما تناولت امرأة كانت من نسائه قبل دخوله بها والمزني بها ليست كذلك، فيمتنع دخولها في الآية بيان الأول من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ مّن نِّسَائِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ يقتضي أن كونها من نسائه يكون متقدما على دخوله بها، والثاني: أنه تعالى قسم نساءهم إلى من تكون مدخولا بها، وإلى من لا تكون كذلك، بدليل قوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ وإذا كان نساؤهم منقسمة إلى هذين القسمين علمنا أن كون المرأة من نسائه أمر مغاير للدخول بها، وأما بيان أن المزنية ليست كذلك، فذلك لأن في النكاح صارت المرأة بحكم العقد من نسائه سواء دخل بها أو لم يدخل بها، أما في الزنا فانه لم يحصل قبل الدخول بها حالة أخرى تقتضي صيرورتها من نسائه، فثبت بهذا أن المزنية غير داخلة في هذه الآية.
الثاني: لو أوصى لنساء فلان، لا تدخل هذه الزانية فيهن، وكذلك لو حلف على نساء بني فلان، لا يحصل الحنث والبر بهذه الزانية، فثبت ضعف هذا الاستدلال والله أعلم.
النوع الثاني عشر: من المحرمات.
قوله تعالى: ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي-رحمه الله-: لا يجوز للأب أن يتزوج بجارية ابنه، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إنه يجوز، احتج الشافعي فقال: جارية الابن حليلة، وحليلة الابن محرمة على الأب، أما المقدمة الأولى فبيانها بالبحث عن الحليلة فنقول: الحليلة فعيلة فتكون بمعنى الفاعل أو بمعنى المفعول، ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون مأخوذا من الحل الذي هو الاباحة، فالحليلة تكون بمعنى المحلة أي المحللة، ولا شك أن الجارية كذلك فوجب كونها حليلة له.
الثاني: أن يكون ذلك مأخوذا من الحلول، فالحليلة عبارة عن شيء يكون محل الحلول، ولا شك أن الجارية موضع حلول السيد، فكانت حليلة له، أما إذا قلنا: الحليلة بمعنى الفاعل ففيه وجهان أيضاً: الأول: أنها لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر كأنهما يحلان في ثوب واحد وفي لحاف واحد وفي منزل واحد ولا شك أن الجارية كذلك.
الثاني: ان كل واحد منهما كأنه حال في قلب صاحبه وفي روحه لشدة ما بينهما من المحبة والالفة، فثبت بمجموع ما ذكرناه أن جارية الابن حليلة، وأما المقدمة الثانية وهي أن حليلة الابن محرمة على الأب لقوله تعالى: ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين ﴾ لا يقال: إن أهل اللغة يقولون: حليلة الرجل زوجته لأنا نقول: إنا قد بينا بهذه الوجوه الأربعة من الاشتقاقات الظاهرة أن لفظ الحليلة يتناول الجارية، فالنقل الذي ذكرتموه لا يلتفت اليه.
فكيف وهو شهادة على النفي؟
فانا لا ننكر أن لفظ الحليلة يتناول الزوجة، ولكنا نفسره بمعنى يتناول الزوجة والجارية، فقول من يقول: إنه ليس كذلك شهادة على النفي ولا يلتفت إليه.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ احترازاً عن المتبني، وكان المتبني في صدر الاسلام بمنزلة الابن، ولا يحرم على الإنسان حليلة من ادعاه ابنا إذا لم يكن من صلبه، نكح الرسول صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش الأسدية وهي بنت أميمة بنت عبد المطلب، وكانت زينب ابنة عمة النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن كانت زوجة زيد بن حارثة، فقال المشركون: إنه تزوج امرأة ابنه فأنزل الله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ﴾ وقال: ﴿ لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ ﴾ المسألة الثالثة: ظاهر قوله: ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ لا يتناول حلائل الأبناء من الرضاعة، فلما قال في آخر الآية: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ لزم من ظاهر الآيتين حل التزوج بأزواج الأبناء من الرضاع، إلا أنه عليه السلام قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فاقتضى هذا تحريم التزوج بحليلة الابن من الرضاع لأن قوله: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ يتناول الرضاع وغير الرضاع، فكان قوله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب أخص منه، فخصصوا عموم القرآن بخبر الواحد والله أعلم.
المسألة الرابعة: اتفقوا على أن حرمة التزوج بحليلة الابن تحصل بنفس العقد كما أن حرمة التزوج بحليلة الأب تحصل بنفس العقد، وذلك لأن عموم الآية يتناول حليلة الابن، سواء كانت مدخولا بها أو لم تكن.
أما ما روي ان ابن عباس سئل عن قوله: ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ أنه تعالى لم يبين أن هذا الحكم مخصوص بما إذا دخل الابن بها.
أو غير مخصوص بذلك، فقال ابن عباس: أبهموا ما أبهمه الله، فليس مراده من هذا الابهام كونها مجملة مشتبهة، بل المراد من هذا الابهام التأييد.
ألا ترى أنه قال في السبعة المحرمة من جهة النسب: انها من المبهمات، أي من اللواتي تثبت حرمتهن على سبيل التأبيد، فكذا هاهنا، والله أعلم.
المسألة الخامسة: اتفقوا على أن هذه الآية تقتضي تحريم حليلة ولد الولد على الجَدّ، وهذا يدل على أن ولد الولد يطلق عليه أنه من صُلْب الجَدّ، وفيه دلالة على أن ولد الولد منسوب إلى الجد بالولادة.
النوع الثالث عشر: من المحرمات.
قوله تعالى: ﴿ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين ﴾ في محل الرفع، لأن التقدير: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم والجمع بين الأختين.
المسألة الثانية: الجمع بين الأختين يقع على ثلاثة أوجه: إما أن ينكحهما معا، أو يملكهما معاً، أو ينكح إحداهما ويملك الاخرى، أما الجمع بين الأختين في النكاح.
فذلك يقع على وجهين: أحدهما: أن يعقد عليهما جميعا، فالحكم هاهنا: إما الجمع، أو التعيين، أو التخيير، أو الابطال، أما الجمع فباطل بحكم هذه الآية هكذا قالوا، إلا أنه مشكل على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه، لأن الحرمة لا تقتضي الابطال على قول أبي حنيفة، ألا ترى أن الجمع بين الطلقات حرام على قوله، ثم انه يقع، وكذا النهي عن بيع الدرهم بالدرهمين لم يمنع من انعقاد هذا العقد، وكذا القول في جميع المبايعات الفاسدة، فثبت أن الاستدلال بالنهي على الفساد لا يستقيم على قوله.
فان قالوا: وهذا يلزمكم أيضا لأن الطلاق في زمان الحيض وفي طهر جامعها فيه منهيٌ عنه، ثم انه يقع.
قلنا: بين الصورتين فرق دقيق لطيف ذكرناه في الخلافيات، فمن أراده فليطلب ذلك الكتاب، فثبت أن الجمع باطل.
وأما أن التعيين أيضا باطل، فلأن الترجيح من غير مرجح باطل، وأما أن التخيير أيضا باطل، فلأن القول بالتخيير يقتضي حصول العقد وبقاءه إلى أوان التعيين.
وقد بينا بطلانه، فلم يبق إلا القول بفساد العقدين جميعا.
الصورة الثانية: من صور الجمع: وهي أن يتزوج إحداهما، ثم يتزوج الأخرى بعدها، فهاهنا يحكم ببطلان نكاح الثانية، لأن الدفع أسهل من الرفع، وأما الجمع بين الأختين بملك اليمين، أو بأن ينكح إحداهما ويشتري الأخرى، فقد اختلفت الصحابة فيه، فقال علي وعمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر: لا يجوز الجمع بينهما: والباقون جوزوا ذلك.
أما الأولون فقد احتجوا على قولهم بأن ظاهر الآية يقتضي تحريم الجمع بين الأختين مطلقا، فوجب أن يحرم الجمع بينهما على جميع الوجوه، وعن عثمان أنه قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، والتحليل أولى، فالآية الموجبة للتحليل هي قوله: ﴿ والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ وقوله: ﴿ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم ﴾ .
والجواب عنه من وجهين: الأول: أن هذه الآيات دالة على تحريم الجمع أيضا، لأن المسلمين أجمعوا على أنه لا يجوز الجمع بين الأختين في حل الوطء، فنقول: لو جاز الجمع بينهما في الملك لجاز الجمع بينهما في الوطء لقوله تعالى: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَٰفِظُونَ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ لكنه لا يجوز الجمع بينهما في الملك، فثبت أن هذه الآية بأن تكون دالة على تحريم الجمع بينهما في الملك، أولى من أن تكون دالة على الجواز.
الوجه الثاني: إن سلمنا دلالتها على جواز الجمع، لكن نقول: الترجيح لجانب الحرمة، ويدل عليه وجوه: الأول: قوله عليه الصلاة والسلام: «ما اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام الحلال».
الثاني: أنه لا شك أن الاحتياط في جانب الترك فيجب، لقوله عليه الصلاة والسلام: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».
الثالث: أن مبنى الابضاع في الأصل على الحرمة، بدليل أنه إذا استوت الامارات في حصول العقد مع شرائطه وفي عدمه وجب القول بالحرمة، ولأن النكاح مشتمل على المنافع العظيمة، فلو كان خاليا عن جهة الاذلال والضرر، لوجب أن يكون مشروعا في حق الأمهات لأن إيصال النفع اليهن مندوب لقوله تعالى: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ ولما كان ذلك محرما علمنا اشتماله على وجه الاذلال والمضارة، وإذا كان كذلك كان الأصل فيه هو الحرمة، والحل إنما ثبت بالعارض، وإذا ثبت هذا ظهر أن الرجحان لجانب الحرمة، فهذا هو تقرير مذهب علي رضي الله عنه في هذا الباب.
أما إذا أخذنا بالمذهب المشهور بين الفقهاء، وهو أنه يجوز الجمع بين أمتين أختين في ملك اليمين، فاذا وطئ إحداهما حرمت الثانية، ولا تزول هذه الحرمة ما لم يزل ملكه عن الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة أو تزويج.
المسألة الثالثة: قال الشافعي رضي الله عنه: نكاح الأخت في عدة الأخت البائن جائز، وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: لا يجوز.
حجة الشافعي: أنه لم يوجد الجمع فوجب أن لا يحصل المنع، إنما قلنا: إنه لم يوجد الجمع لأن نكاح المطلقة زائل، بدليل أنه لا يجوز له وطؤها، ولو وطئها يلزمه الحد، وإنما قلنا: انه لما لم يوجد الجمع وجب أن لا يحصل المنع، لقوله تعالى بعد تقرير المحرمات: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ ولا شبهة في انتفاء جميع تلك الموانع، إلا كونه جمعا بين أختين، فاذا ثبت بالدليل أن الجمع منتف وجب القول بالجواز.
فان قيل: النكاح باق من بعض الوجوه بدليل وجوب العدة ولزوم النفقة عليها.
قلنا: النكاح له حقيقة واحدة، والحقيقة الواحدة يمتنع كونها موجودة معدومة معا، بل لو انقسمت هذه الحقيقة الى نصفين حتى يكون أحدهما موجودا والآخر معدوما صح ذلك، أما إذا كانت الحقيقة الواحدة غير قابلة للتنصيف كان هذا القول فاسدا.
وأما وجوب العدة ولزوم النفقة، فاعلم أنه ان حصل النكاح حصلت القدرة على حبسها، وهذا لا ينتج أنه حصلت القدرة على حبسها للنكاح؛ لأن استثناء عين التالي لا ينتج، فبالجملة: فاثبات حق الحبس بعد زوال النكاح بطريق آخر معقول في الجملة، فاما القول ببقاء النكاح حال القول بعدمه، فذلك مما لا يقبله العقل، وتخريج أحكام الشرع على وفق العقول، أولى من حملها على ما يعرف بطلانها في بداهة العقول، والله أعلم.
المسألة الرابعة: قال الشافعي رحمة الله عليه: إذا أسلم الكافر وتحته أختان اختار أيتهما شاء وفارق الأخرى.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إن كان قد تزوج بهما دَفعةً واحدةً فرق بينه وبينهما، وان كان قد تزوج باحداهما أولا وبالأخرى ثانيا، اختار الأولى وفارق الثانية، واحتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بقوله: ﴿ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين ﴾ قال: هذا خطاب عام فيتناول المؤمن والكافر، وإذا ثبت أنه تناول الكافر وجب أن يكون النكاح فاسدا، لأن النهي يدل على الفساد.
فيقال له: انك بنيت هذا الاستدلال على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع وعلى أن النهي يدل على الفساد، وأبو حنيفة لا يقول بواحد من هذين الأصلين، فان قال: فهما صحيحان على قولكم: فكان هذا الاستدلال لازما عليكم فنقول: قولنا: الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لا نعني به في أحكام الدنيا، فانه ما دام كافرا لا يمكن تكليفه بفروع الاسلام، وإذا أسلم سقط عنه كل ما مضى بالاجماع، بل المراد منه أحكام الآخرة، وهو أن الكافر يعاقب بترك فروع الاسلام كما يعاقب على ترك الاسلام، إذا عرفت هذا فنقول: أجمعنا على أنه لو تزوج الكافر بغير ولي ولا شهود، أو تزوج بها على سبيل القهر، فبعد الاسلام يقر ذلك النكاح في حقه، فثبت أن الخطاب بفروع الشرائع لا يظهر أثره في الأحكام الدنيوية في حق الكافر، وحجة الشافعي: أن فيروزاً الديلمي أسلم على ثمان نسوة، فقال عليه الصلاة والسلام: «اختر أربعا وفارق سائرهن» خيره بينهن، وذلك ينافي ما ذكرتم من الترتيب والله أعلم.
المسألة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ فيه الاشكال المشهور: وهو أن تقدير الآية حرمت عليكم أمهاتكم وكذا وكذا الا ما قد سلف، وهذا يقتضي استنثاء الماضي من المستقبل، وإنه لا يجوز، وجوابه بالوجوه المذكورة في قوله: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ النساء إِلاَّ مَا قَدْ مَا سَلَفَ ﴾ والمعنى أن ما مضى مغفور بدليل قوله: ﴿ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ ؟
النوع الرابع عشر: من المحرمات.
<div class="verse-tafsir"
وكانوا ينكحون روابهم، وناس منهم يمقتونه من ذي مروآتهم، ويسمونه نكاح المقت.
وكان المولود عليه يقال له المقتي.
ومن ثم قيل: ﴿ وَمَقْتاً ﴾ كأنه قيل: هو فاحشة في دين الله بالغة في القبح، قبيح ممقوت في المروءة ولا مزيد على ما يجمع القبحين.
وقرئ: ﴿ لا تحل لكم ﴾ بالتاء، على أن ترثوا بمعنى الوراثة.
وكرها بالفتح، والضم من الكراهة والإكراه.
وقرئ ﴿ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ ﴾ [النساء: 19] من أبانت بمعنى تبينت أو بينت، كما قرئ ﴿ مبيّنة ﴾ بكسر الياء وفتحها.
و ﴿ يَجْعَلُ الله ﴾ بالرفع، على أنه في موضع الحال: ﴿ وَءَاتَيْتُمْ إحداهن ﴾ بوصل همزة إحداهن.
كما قرئ ﴿ فلا إثم عليه ﴾ [البقرة: 173] .
فإن قلت: تعضلوهن، ما وجه إعرابه؟
قلت: النصب عطفاً على أن ترثوا.
و(لا) لتأكيد النفي.
أي لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن.
فإن قلت: أي فرق بين تعدية ذهب بالباء، وبينها بالهمزة؟
قلت: إذا عدي بالباء فمعناه الأخذ والاستصحاب، كقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ ﴾ [يوسف: 15] وأما الإذهاب فكالإزالة.
فإن قلت: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ ﴾ [النساء: 19] ما هذا الاستثناء؟
قلت: هو استثناء من أعم عام الظرف أو المفعول له، كأنه قيل: ولا تعضلوهن في جميع الأوقات إلا وقت أن يأتين بفاحشة.
أو: ولا تعضلوهنّ لعلة من العلل إلا لأن يأتين بفاحشة.
فإن قلت: من أي وجه صح قوله: ﴿ فعسى أَن تَكْرَهُواْ ﴾ جزاء للشرط؟
قلت: من حيث أنّ المعنى: فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة، فلعل لكم فيما تكرهونه خيراً كثيراً ليس فيما تحبونه فإن قلت كيف استثنى ما قد سلف مما نكح آباؤكم؟
قلت: كما استثنى (غير أن سيوفهم) من قوله: (ولا عيب فيهم) يعني: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف، فانكحوه، فلا يحل لكم غيره.
وذلك غير ممكن.
والغرض المبالغة في تحريمه وسدّ الطريق إلى إباحته، كما يعلق بالمحال في التأبيد نحو قولهم: حتى يبيض القار، وحتى يلج الجمل في سم الخياط.
معنى ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ تحريم نكاحهن لقوله: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ النساء ﴾ [النساء: 22] ولأن تحريم نكاحهن هو الذي يفهم من تحريمهن، كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها، ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله.
وقرئ ﴿ وبنات الأخت ﴾ بتخفيف الهمزة.
وقد نزّل الله الرضاعة منزلة النسب، حتى سمى المرضعة أمًّا للرضيع، والمراضعة أختاً، وكذلك زوج المرضعة أبوه وأبواه جداه، وأخته عمته، وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم إخوته وأخواته لأبيه.
وأم المرضعة جدّته، وأختها خالته، وكل من ولد لها من هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه، ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأمه.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وقالوا: تحريم الرضاع كتحريم النسب إلا في مسألتين: إحداهما أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أخت ابنه من النسب ويجوز أن يتزوّج أخت ابنه من الرضاع، لأن المانع في النسب وطؤه أمها.
وهذا المعنى غير موجود في الرضاع.
والثانية: لا يجوز أن يتزوج أم أخيه من النسب، ويجوز في الرضاع، لأن المانع في النسب وطء الأب إياها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع ﴿ مّن نِّسَائِكُمُ ﴾ متعلق بربائبكم.
ومعناه أن الربيبة من المرأة المدخول بها محرمة على الرجل حلال له إذا لم يدخل بها.
فإن قلت: هل يصح أن يتعلق بقوله: ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ ﴾ ؟
قلت: لا يخلو إمّا أن يتعلق بهن وبالربائب، فتكون حرمتهن وحرمة الربائب غير مبهمتين جميعاً، وإما أن يتعلق بهن بدون الربائب فتكون حرمتهن غير مبهمة وحرمة الربائب مبهمة فلا يجوز الأوّل، لأن معنى (من) مع أحد المتعلقين، خلاف معناه مع الآخر.
ألا تراك أنك إذا قلت: وأمّهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ فقد جعلت (من) لبيان النساء.
وتمييز المدخول بهنّ من غير المدخول بهنّ.
وإذا قلت وربائبكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ فإنك جاعل (من) لابتداء الغاية، كما تقول: بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم من خديجة، وليس بصحيح أن يعني بالكلمة الواحدة في خطاب واحد معنيان مختلفان.
ولا يجوز الثاني لأن ما يليه هو الذي يستوجب التعليق به، ما لم يعترض أمر لا يرد، إلا أن تقول: أعلقه بالنساء والربائب، وأجعل (من) للاتصال، كقوله تعالى: ﴿ المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ ﴾ [التوبة: 67] فإني لست منك ولست مني.
ما أنا من دد ولا الدد مني: وأمهات النساء متصلات بالنساء لأنهنّ أمهاتهنّ كما أن: الربائب متصلات بأمهاتهن لأنهنّ بناتهنّ.
هذا وقد اتفقوا على أن تحريم أمهات النساء مبهم دون تحريم الربائب، على ما عليه ظاهر كلام الله تعالى.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها أنه قال: «لا بأس أن يتزوج ابنتها، ولا يحل له أن يتزوج أمها» ، وعن عمر وعمران بن الحصين رضي الله عنهما: أن الأم تحرم بنفس العقد، وعن مسروق: هي مرسلة فأرسلوا ما أرسل الله.
وعن ابن عباس: أبهموا ما أبهم الله، إلا ما روي عن علي وابن عباس وزيد وابن عمر وابن الزبير: أنهم قرءوا: ﴿ وأمّهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴾ .
وكان ابن عباس يقول: والله ما نزل إلا هكذا.
وعن جابر روايتان.
وعن سعيد بن المسيب عن زيد: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها، كره أن يخلف على أمّها.
وإذا طلقها قبل أن يدخل بها فإن شاء فعل: أقام الموت مقام الدخول في ذلك، كما قام مقامه في باب المهر.
وسمى ولد المرأة من غير زوجها ربيباً وربيبة، لأنه يربهما كما يرب ولده في غالب الأمر، ثم اتسع فيه فسميا بذلك وإن لم يربهما.
فإن قلت: ما فائدة قوله في حجوركم؟
قلت: فائدته التعليل للتحريم، وأنهن لاحتضانكم لهن أو لكونهن بصدد احتضانكم، وفي حكم التقلب في حجوركم إذا دخلتم بأمّهاتهن، وتمكن بدخولكم حكم الزواج وثبتت الخلطة والألفة، وجعل الله بينكم المودة والرحمة، وكانت الحال خليقة بأن تجروا أولادهن مجرى أولادكم، كأنكم في العقد على بناتهن عاقدون على بناتكم.
وعن علي رضي الله عنه: أنه شرط ذلك في التحريم.
وبه أخذ داود.
فإن قلت: ما معنى ﴿ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ ؟
قلت: هي كناية عن الجماع، كقولهم: بنى عليها وضرب عليها الحجاب يعني أدخلتموهن الستر.
والباء للتعدية واللمس.
ونحوه؛ يقوم مقام الدخول عند أبي حنيفة.
وعن عمر رضي الله عنه أنه خلا بجارية فجردها، فاستوهبها ابن له فقال: إنها لا تحلّ لك.
وعن مسروق أنه أمر أن تباع جاريته بعد موته وقال: أما إني لم أصب منها إلا ما يحرمها على ولدي من اللمس والنظر.
وعن الحسن في الرجل يملك الأمة فيغمزها لشهوة أو يقبلها أو يكشفها: أنها لا تحل لولده بحال وعن عطاء وحماد بن أبي سليمان: إذا دخل بالأم فعرّاها ولمسها بيده وأغلق الباب وأرخى الستر، فلا يحلّ له نكاح ابنتها.
وعن ابن عباس وطاوس وعمرو بن دينار: أن التحريم لا يقع إلا بالجماع وحده ﴿ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ دون من تبنيتم.
وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش الأسدية بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب حين فارقها زيد بن حارثة، وقال عزّ وجلّ: ﴿ لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 37] .
﴿ وَأَن تَجْمَعُواْ ﴾ في موضع الرفع عطف على المحرمات، أي وحرّم عليكم الجمع بين الأختين.
والمراد حرمة النكاح، لأنّ التحريم في الآية تحريم النكاح وأما الجمع بينهما في ملك اليمين، فعن عثمان وعلي رضي الله عنهما أنهما قالا: أحلتهما آية وحرّمتهما آية يعنيان هذه الآية وقوله: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ [النساء: 3] فرجح عليُّ التحريم، وعثمانُ التحليل.
﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ ولكن ما مضى مغفور بدليل قوله: ﴿ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ ﴾ لَيْسَ المُرادُ تَحْرِيمَ ذَواتِهِنَّ بَلْ تَحْرِيمَ نِكاحِهِنَّ لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما يُقْصَدُ مِنهُنَّ، ولِأنَّهُ المُتَبادَرُ إلى الفَهْمِ كَتَحْرِيمِ الأكْلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ ﴾ ولِأنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ في النِّكاحِ، وأُمَّهاتُكم تَعُمُّ مَن ولَدَتْكَ أوْ ولَدَتْ مَن ولَدَكَ وإنْ عَلَتْ، وبَناتِكم تَتَناوَلُ مَن ولَدْتَها أوْ ولَدْتَ مَن ولَدَها وإنْ سَفُلَتْ، وأخَواتِكُمُ الأخَواتُ مِنَ الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ.
وكَذَلِكَ الباقِياتُ والعَمَّةُ كُلُّ أُنْثى ولَدُها مَن وُلِدَ ذَكَرًا ولَدَكَ والخالَةُ كُلُّ أُنْثى ولَدُها مَن وُلِدَ أُنْثى ولَدَتْكَ قَرِيبًا أوْ بَعِيدًا، وبَناتِ الأخِ وبَناتِ الأُخْتِ تَتَناوَلُ القُرْبى والبُعْدى.
﴿ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ ﴾ نَزَّلَ اللَّهُ الرَّضاعَةَ مَنزِلَةَ النَّسَبِ حَتّى سَمّى المُرْضِعَةَ أُمًّا والمُرْضَّعَةَ أُخْتًا، وأمْرُها عَلى قِياسِ النِّسَبِ بِاعْتِبارِ المُرْضَعَةِ ووالِدُ الطِّفْلِ الَّذِي دَرَّ عَلَيْهِ اللَّبَنَ.
قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ».» واسْتِثْناءُ أُخْتِ ابْنِ الرَّجُلِ وأُمِّ أخِيهِ مِنَ الرِّضاعِ مِن هَذا الأصْلِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإنَّ حُرْمَتَهُما مِنَ النَّسَبِ بِالمُصاهَرَةِ دُونَ النَّسَبِ.
﴿ وَأُمَّهاتُ نِسائِكم ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ ذَكَرَ أوَّلًا مُحَرَّماتِ النَّسَبِ ثُمَّ مُحَرَّماتِ الرَّضاعَةِ، لِأنَّ لَها لُحْمَةً كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، ثُمَّ مُحَرَّماتِ المُصاهَرَةِ فَإنَّ تَحْرِيمَهُنَّ عارِضٌ لِمَصْلَحَةِ الزَّواجِ، والرَّبائِبُ جُمَعُ رَبِيبَةٍ.
والرَّبِيبُ ولَدُ المَرْأةِ مِن آخَرَ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ يُرَبِّهُ كَما يُرَبِّ ولَدَهُ في غالِبِ الأمْرِ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وإنَّما لَحِقَهُ التّاءَ لِأنَّهُ صارَ اسْمًا ومِن نِسائِكم مُتَعَلِّقٌ بِرَبائِبِكُمْ، واللّاتِي بِصِلَتِها صِفَةٌ لَها مُقَيِّدَةٌ لِلَّفْظِ والحُكَمُ بِالإجْماعِ قَضِيَّةٌ لِلنُّظُمِ، ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُها بِالأُمَّهاتِ أيْضًا لِأنَّ مَن إذا عَلَّقْتَها بِالرَّبائِبِ كانَتِ ابْتِدائِيَّةً، وإذا عَلَّقْتَها بِالأُمَّهاتِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ بَلْ وجَبَ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِنِسائِكم والكَلِمَةُ الواحِدَةُ لا تُحْمَلُ عَلى مَعْنَيَيْنِ عِنْدَ جُمْهُورِ الأُدَباءِ اللَّهُمَّ إذا جَعَلْتَها لِلِاتِّصالِ كَقَوْلِهِ: إذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا ∗∗∗ فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي عَلى مَعْنى أنَّ أُمَّهاتِ النِّساءِ وبَناتِهِنَّ مُتَّصِلاتٌ بِهِنَّ، لَكِنَّ الرَّسُولَ فَرَّقَ بَيْنَهُما فَقالَ في رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً وطَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها: «إنَّهُ لا بَأْسَ أنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَها ولا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها».» وَإلَيْهِ ذَهَبَ عامَّةُ العُلَماءِ، غَيْرَ أنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَقْيِيدُ التَّحْرِيمِ فِيهِما.
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ الثّانِي صِفَةً لِلنِّساءَيْنِ لِأنَّ عامِلَهُما مُخْتَلِفٌ، وفائِدَةُ قَوْلِهِ في حُجُورِكم تَقْوِيَةُ العِلَّةِ وتَكْمِيلُها، والمَعْنى أنَّ الرَّبائِبَ إذا دَخَلْتُمْ بِأُمَّهاتِهِنَّ وهُنَّ في احْتِضانِكم أوْ بِصَدَدِهِ تَقَوّى الشَّبَهُ بَيْنَها وبَيْنَ أوْلادِكم وصارَتْ أحِقّاءَ بِأنْ تُجْرُوها مَجْراهم لا تَقْيِيدَ الحُرْمَةِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ جَعَلَهُ شَرْطًا، والأُمَّهاتُ والرَّبائِبُ يَتَناوَلانِ القَرِيبَةَ والبَعِيدَةَ، وقَوْلُهُ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أيْ دَخَلْتُمْ مَعَهُنَّ السَّتْرَ وهي كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، ويُؤَثِّرُ في حُرْمَةِ المُصاهَرَةِ ما لَيْسَ بِزِنًا كالوَطْءِ بِشُبْهَةٍ، أوْ مِلْكِ يَمِينٍ.
وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ لَمْسُ المَنكُوحَةِ ونَحْوُهُ كالدُّخُولِ.
﴿ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ تَصْرِيحٌ بَعْدَ إشْعارٍ دَفْعًا لِلْقِياسِ.
﴿ وَحَلائِلُ أبْنائِكُمُ ﴾ زَوْجاتُهُمْ، سُمِّيَتِ الزَّوْجَةُ حَلِيلَةً لِحِلِّها أوْ لِحُلُولِها مَعَ الزَّوْجِ.
﴿ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ ﴾ احْتِرازٌ عَنِ المُتَبَنِّينَ لا عَنْ أبْناءِ الوَلَدِ ﴿ وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَطْفًا عَلى المُحَرَّماتِ، والظّاهِرُ أنَّ الحُرْمَةَ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى النِّكاحِ فَإنَّ المُحَرَّماتِ المَعْدُودَةَ كَما هي مُحَرَّمَةٌ في النِّكاحِ فَهي مُحَرَّمَةٌ في مِلْكِ اليَمِينِ، ولِذَلِكَ قالَ عُثْمانُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: حَرَّمَتْهُما آيَةٌ وأحَلَّتْهُما آيَةٌ، يَعْنِيانِ هَذِهِ الآيَةَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ فَرَجَّحَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ التَّحْرِيمَ، وعُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ التَّحْلِيلَ.
وَقَوْلُ عَلِيٍّ أظْهَرُ لِأنَّ آيَةَ التَّحْلِيلِ مَخْصُوصَةٌ في غَيْرِ ذَلِكَ، ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ما اجْتَمَعَ الحَلالُ والحَرامُ إلّا غَلَبَ الحَرامَ».» ﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن لازِمِ المَعْنى، أوْ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ مَغْفُورٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ <div class="verse-tafsir"
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)
ولما ذكر في أول السورة نكاح ما طاب أي حل من النساء وذكر بعض ما حرم قبل هذا وهو نساء الآباء ذكر المحرمات الباقيات وهن سبع من النسب وسبع من السبب وبدأ بالنسب فقال {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم} والمراد تحريم نكاحهن عند البعض وقد ذكرنا المختار في شرح المنار والجدة من قبل الأم أو الأب ملحقة بهن {وبناتكم} وبنات الابن وبنات البنت ملحقات بهن والأصل أن الجمع إذا قوبل بالجمع ينقسم الآحاد على الآحاد فتحرم على كل واحد أمه وبنته
{وإخوانكم} لأب وأم أو لأب أو لأم {وعماتكم} من الأوجه الثلاثة {وخالاتكم} كذلك {وَبَنَاتُ الأخ} كذلك {وَبَنَاتُ الأخت} كذلك ثم شرع في السبب فقال {وأمهاتكم اللاتي أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم مِّنَ الرضاعة} الله تعالى نزل الرضاعة منزلة النسب فسمى المرضعة أما للرضيع والمراضعة أختاً وكذلك زوج المرضعة أبوه وأبواه جداه وأخته عمته وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم أخوته وأخواته لأبيه وأم المرضعة جدته وأختها وأخواته لأبيه وأمه ومن ولدلها من غيره فهم إخوته وأخواته لأم وأصله قوله عليه السلام يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب {وأمهات نِسَائِكُمْ} وهن محرمات بمجرد العقد {وَرَبَائِبُكُمُ} سمى ولد المرأة من غير زوجها ربيباً وربيبة لأنه يربّهما كما يرب ولده في غالب الأمر ثم اتسع فيه فسميابذلك وإن لم يربهما {اللاتي في حجوركم} قال داود إذا لم تكن في حجره لا تحرم قلنا ذكر الحجر على غلبة الحال دون الشرط وفائدته التعليل للتحريم وأنهن لاحتضانكم لهن أو لكونهن بصدد احتضانكم كأنكم في العقد على بناتهن عاقدون على بناتكم {مّن نِّسَائِكُمُ اللاتي دخلتم بهن}
متعلق بربائبكم أي الربيبة من المرأة المدخول بها حرام على الرجل حلال له إذا لم يدخل بها والدخول بهن كناية عن الجماع كقولهم بنى عليها وضرب عليها الحجاب أي أدخلتموهن الستر والباء للتعدية واللمس ونحوه يقوم مقام الدخول وقد جعل بعض العلماء اللاى دخلتم بهن وصفاً للنساء المتقدمة والمتأخرة وليس كذلك لأن الوصف الواحد لا يقع على موصوفين مختلفي العامل وهذا لأن النساء
الأولى مجرورة بالإضافة والثانية بمن ولا يجوز أن تقول مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات على أن تكون الظريفات نعتاً لهؤلاء النساء وهؤلاء النساء كذا قال الزجاج وغيره وهذا أولى مما قاله صاحب الكشاف فيه {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} فلا حرج عليكم فى أن تتزوجزا بناتهن إذا فارقتموهن أومتن {وحلائل أَبْنَائِكُمُ} جمع حليلة وهي الزوجة لأن كل واحد منهما يحل للآخر أو يحل فراش الآخر من الحل أو من الحلول {الذين مِنْ أصلابكم} دون من تبنيتم فقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب حين فارقها زيد وقال الله تعالى {لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ فِي أزواج أدعيائهم} وليس هذا لنفي الحرمة عن حليلة الابن من الرضاع {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختين} أي في النكاح وهو في موضع الرفع عطف على المحرمات أي وحرم عليكم الجمع بين الأختين {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} ولكن ما مضى مغفور بدليل قوله {إِنَّ الله كَانَ غفورا رحيما} وعن محمد بن الحسن رحمه الله أن أهل الجاهلية كانوا يعرفون هذه المحرمات إلا نكاح امرأة الأب ونكاح الأختين فلذا قال فيهما إلا ما قد سلف
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ ﴾ لَيْسَ المُرادُ تَحْرِيمَ ذاتِهِنَّ لِأنَّ الحُرْمَةَ وأخَواتِها إنَّما تَتَعَلَّقُ بِأفْعالِ المُكَلَّفِينَ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ بِدَلالَةِ العَقْلِ، والمُرادُ تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما يُقْصَدُ مِنهُنَّ ولِأنَّهُ المُتَبادَرُ إلى الفَهْمِ ولِأنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ في النِّكاحِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ هَذا كَأنْ تَخَلَّلَ أجْنَبِيٌّ بَيْنَهُما مِن غَيْرِ نُكْتَةٍ فَلا إجْمالَ في الآيَةِ خِلافًا لِلْكَرْخِيِّ، والجُمْلَةُ إنْشائِيَّةٌ ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنها الإخْبارَ عَنِ التَّحْرِيمِ في الزَّمانِ الماضِي؛ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا مانِعَ مِن كَوْنِها إخْبارِيَّةً والفِعْلُ الماضِي فِيها مِثْلُهُ في التَّعارِيفِ نَحْوَ الِاسْمِ ما دَلَّ عَلى مَعْنًى في نَفْسِهِ ولَمْ يَقْتَرِنْ بِأحَدِ الأزْمِنَةِ، والفِعْلُ ما دَلَّ واقْتَرَنَ، فَإنَّهم صَرَّحُوا أنَّ الجُمْلَةَ الماضَوِيَّةَ هُناكَ خَبَرِيَّةٌ وإلّا لَما صَحَّ كَوْنُها صِلَةَ المَوْصُولِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ مِنَ الفِعْلِ فِيها الدَّلالَةَ عَلى الزَّمانِ الماضِي فَقَطْ، وإلّا لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ حالُ المُعَرَّفِ في الزَّمانِ الحالَ والمُسْتَقْبَلَ لَيْسَ ذَلِكَ الحالَ، وبَنى الفِعْلَ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لِأنَّهُ لا يُشْتَبَهُ أنَّ المُحَرَّمَ هو اللَّهُ تَعالى.
و ﴿ أُمَّهاتُكُمْ ﴾ تَعُمُّ الجَدّاتِ كَيْفَ كُنَّ إذِ الأُمُّ هي الأصْلُ في الأصْلِ كَأُمِّ الكِتابِ وأُمِّ القُرى فَتَثْبُتُ حُرْمَةُ الجَدّاتِ بِمَوْضُوعِ اللَّفْظِ وحَقِيقَتِهِ لِأنَّ الأُمَّ عَلى هَذا مِن قَبِيلِ المُشَكِّكِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ إطْلاقَ الأُمِّ عَلى الجَدَّةِ مَجازٌ، وأنَّ إثْباتَ حُرْمَةِ الجَدّاتِ بِالإجْماعِ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الأُمَّ مُرادٌ بِهِ الأصْلُ عَلى كُلِّ حالٍ لِأنَّهُ إنِ اسْتُعْمِلَ فِيهِ حَقِيقَةً فَظاهِرٌ، وإلّا فَيَجِبُ أنْ يُحْكُمَ بِإرادَتِهِ مَجازًا فَتَدْخُلُ الجَدّاتُ في عُمُومِ المَجازِ والمُعَرِّفُ لِإرادَةِ ذَلِكَ في النَّصِّ الإجْماعُ عَلى حُرْمَتِهِنَّ.
/ والمُرادُ بِالبَناتِ مَن ولَدَتْها أوْ ولَدَتْ مَن ولَدَها؛ وتَسْمِيَةُ الثّانِيَةِ بِنْتًا حَقِيقَةً بِاعْتِبارِ أنَّ البِنْتَ يُرادُ بِهِ الفَرْعُ كَما قِيلَ بِهِ فَيَتَناوَلُها النَّصُّ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا عِنْدَ البَعْضِ، أوْ عِنْدَ الكُلِّ، ومَن مَنَعَ إطْلاقَ البِنْتِ عَلى الفَرْعِ مُطْلَقًا قالَ: إنَّ ثُبُوتَ حُرْمَةِ بَناتِ الأوْلادِ بِالإجْماعِ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلى تَحْرِيمِ الجَدّاتِ وبَناتِ الأوْلادِ بِدَلالَةِ النَّصِّ المُحَرِّمِ لِلْعَمّاتِ والخالاتِ وبَناتِ الأخِ والأُخْتِ، فَفي الأوَّلِ: لِأنَّ الأشِقّاءَ مِنهُنَّ أوْلادُ الجَدّاتِ فَتَحْرِيمُ الجَدّاتِ وهُنَّ أقْرَبُ أوْلى، وفي الثّانِي: لِأنَّ بَناتَ الأوْلادِ أقْرَبُ مِن بَناتِ الإخْوَةِ، ثُمَّ ظاهِرُ النَّصِّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُحَرَّمُ لِلرَّجُلِ بِنْتُهُ مِنَ الزِّنا لِأنَّها بِنْتُهُ، والخِطابُ إنَّما هو بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ ما لَمْ يَثْبُتْ نَقْلٌ كَلَفْظِ الصَّلاةِ ونَحْوِهِ فَيَصِيرُ مَنقُولًا شَرْعِيًّا، وفي ذَلِكَ خِلافُ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَدْ قالَ: إنَّ المَخْلُوقَةَ مِن ماءِ الزِّنا تَحِلُّ لِلزّانِي لِأنَّها أجْنَبِيَّةٌ عَنْهُ إذْ لا يَثْبُتُ لَها تَوارُثٌ ولا غَيْرُهُ مِن أحْكامِ النِّسَبِ، ولِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الوَلَدُ لِلْفِراشِ»» وهو يَقْتَضِي حَصْرَ النَّسَبِ في الفِراشِ.
وقالَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ: تَحْرُمُ إنْ أخْبَرَهُ نَبِيٌّ كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقْتَ نُزُولِهِ بِأنَّها مِن مائِهِ، ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الشّارِعَ قَطَعَ نَسَبَها عَنْهُ كَما تَقَرَّرَ فَلا نَظَرَ لِكَوْنِها مِن ماءِ سِفاحِهِ، واعْتَرَضُوا عَلى القائِلِينَ بِالحُرْمَةِ بِأنَّهم إمّا أنْ يُثْبِتُوا كَوْنَها بِنْتًا لَهُ بِناءً عَلى الحَقِيقَةِ لِكَوْنِها مَخْلُوقَةً مِن مائِهِ، أوْ بِناءً عَلى حُكْمِ الشَّرْعِ، والأوَّلُ: باطِلٌ عَلى مَذْهَبِهِمْ طَرْدًا وعَكْسًا، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ لَوِ اشْتَرى بِكْرًا وافْتَضَّها وحَبَسَها إلى أنْ تَلِدَ فَهَذا الوَلَدُ مَخْلُوقٌ مِن مائِهِ بِلا شُبْهَةٍ مَعَ أنَّهُ لا يَثْبُتُ نَسَبُهُ إلّا عِنْدَ الِاسْتِلْحاقِ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ المَشْرِقِيَّ لَوْ تَزَوَّجَ مَغْرِبِيَّةً وحَصَلَ هُناكَ ولَدٌ مِنها مَعَ عَدَمِ اجْتِماعِها مَعَ زَوْجِها وحَيْلُولَةِ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بَيْنَهُما فَإنَّهُ يُثْبِتُ النَّسَبَ مَعَ القَطْعِ بِأنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِن مائِهِ، والثّانِي: باطِلٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّهُ لا نَسَبَ لِوَلَدِ الزِّنا مِنَ الزّانِي ولَوِ انْتَسَبَ إلَيْهِ وجَبَ عَلى القاضِي مَنعُهُ، وأُجِيبُ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الأوَّلِ إذْ لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ اللِّسانِ في أنَّ المَخْلُوقَةَ مِن ماءِ إنْسانٍ بِنْتُهُ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الماءُ ماءَ حَلالٍ أوْ سِفاحٍ والجُزْئِيَّةُ ثابِتَةٌ في الصُّورَتَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّها هي مَبْدَأُ حُرْمَةِ النِّكاحِ، ألا تَرى كَيْفَ حُرِّمَ عَلى المَرْأةِ ولَدُها مِنَ الزِّنا إجْماعًا، والتَّفْرِقَةُ بَيْنَ المَسْألَتَيْنِ بِأنَّ الوَلَدَ في المَسْألَةِ الثّانِيَةِ بَعْضُها، وانْفَصَلَ مِنها إنْسانًا، ولا كَذَلِكَ البِنْتُ في المَسْألَةِ الأُولى لِأنَّها انْفَصَلَتْ مِنهُ مَنِيًّا لا تُفِيدُ سِوى أنَّ البَعْضِيَّةَ في المَسْألَةِ الثّانِيَةِ أظَهَرُ، وأمّا إنَّها تَنْفِي البَعْضِيَّةَ في المَسْألَةِ الأُولى فَلا لِأنَّهم يُطْلِقُونَ البُضْعَةَ وهي تَقْتَضِي البَعْضِيَّةَ عَلى الوَلَدِ المُنْفَصِلِ مَنِيًّا مِن أبِيهِ، فَيَقُولُونَ: فُلانٌ بُضْعَةٌ وفُلانَةٌ بُضْعَةٌ مِن فُلانٍ، وإنْكارُ وُجُودِ الجُزْئِيَّةِ في المَسْألَتَيْنِ مُكابَرَةٌ، وعَدَمُ ثُبُوتِ التَّوارُثِ مَثَلًا بَيْنَ المَخْلُوقَةِ مِن ماءِ الزِّنا وصاحِبِ الماءِ لَيْسَ لِعَدَمِ الجُزْئِيَّةِ وكَوْنِها لَيْسَتْ بِنْتَهُ حَقِيقَةً بَلْ لِلْإجْماعِ عَلى ذَلِكَ، ولَوْلاهُ لَوَرِثَتْ كَما يَرِثُ ولَدُ الزِّنا أُمَّهُ.
وما ذُكِرَ في بَيانِ إبْطالِ الطَّرْدِ مِن أنَّهُ لَوِ اشْتَرى بِكْرًا فافْتَضَّها وحَبَسَها فَوُلِدَتْ فالوَلَدُ مَخْلُوقٌ مِن مائِهِ قَطْعًا مَعَ أنَّهُ لا يَثْبُتُ نَسَبُهُ إلّا بِالِاسْتِلْحاقِ أخَذَهُ مِن قَوْلِ الفُقَهاءِ في الأُمَّةِ إذا وُلِدَتْ عِنْدَ المَوْلى أنَّهُ لا يَثْبُتُ نَسَبُ ولَدِها مِنهُ إلّا أنْ يَعْتَرِفَ بِهِ، ولا يَكْفِيَ أنَّهُ وطَأها فَوَلَدَتْ، لَكِنْ في «الهِدايَةِ» وغَيْرِها إنَّ هَذا حُكْمٌ، فَأمّا الدِّيانَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى فالمُرْوى عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ إنْ كانَ حِينَ وطِئَها لَمْ يُعْزَلْ عَنْها وحَصَنَها عَنْ مَظانِّ رِيبَةِ الزِّنا يَلْزَمُهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى أنَّ يَدَّعِيَهُ بِالإجْماعِ لِأنَّ الظّاهِرَ والحالَ هَذِهِ كَوْنُهُ مِنهُ، والعَمَلُ بِالظّاهِرِ واجِبٌ، وإنْ كانَ عَزَلَ عَنْها حَصَنَها أوَّلًا أوْ لَمْ يَعْزِلْ.
ولَكِنْ لَمْ يُحْصِنْها فَتَرَكَها تَدْخُلُ وتَخْرُجُ بِلا رَقِيبٍ مَأْمُونٍ جازَ لَهُ أنْ يَنْفِيَهُ لِأنَّ هَذا الظّاهِرَ وهو كَوْنُهُ مِنهُ بِسَبَبِ أنَّ الظّاهِرَ عَدَمُ زِنا المُسْلِمَةِ يُعارِضُهُ ظاهِرٌ آخَرُ وهو كَوْنُهُ مِن غَيْرِهِ لِوُجُودِ أحَدِ الدَّلِيلَيْنِ عَلى ذَلِكَ، وهُما العَزْلُ أوْ عَدَمُ التَّحْصِينِ، وفِيهِ رِوايَتانِ أُخْرَيانِ عَنْ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ ذَكَرَهُما في «المَبْسُوطِ» فَقالَ: وعَنْ أبِي يُوسُفَ إذا وطِئَها ولَمْ يَسْتَبْرِئَها بَعْدَ ذَلِكَ حَتّى جاءَتْ بِوَلَدٍ فَعَلَيْهِ أنْ يَدَّعِيَهُ سَواءٌ عَزَلَ عَنْها أوْ لَمْ يَعْزِلْ حَصَنَها أوْ لَمْ يُحْصِنْها تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِها وحَمْلًا لِأمْرِها عَلى الصَّلاحِ ما لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلافُهُ، وهَذا كَمَذْهَبِ الجُمْهُورِ لِأنَّ ما ظَهَرَ بِسَبَبِهِ يَكُونُ حالًا بِهِ عَلَيْهِ حَتّى يَتَبَيَّنَ خِلافُهُ وعَنْ مُحَمَّدٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَدَّعِيَ ولَدَها إذا لَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ مِنهُ ولَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُعْتِقَ الوَلَدَ، وفي «الإيضاحِ» ذِكْرُهُما بِلَفْظِ الِاسْتِحْبابِ، فَقالَ: قالَ أبُو يُوسُفَ: أُحِبُّ أنْ يَدَّعِيَهُ، وقالَ مُحَمَّدٌ: أُحِبُّ أنْ يُعْتِقَ الوَلَدَ، وقالَ في «الفَتْحِ» بَعْدَ كَلامٍ: وعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ لَوِ اعْتَرَفَ فَقالَ: كُنْتُ أطَأُ لِقَصْدِ الوَلَدِ عِنْدَ مَجِيئِها بِالوَلَدِ أنْ يُثْبِتَ نَسَبَ ما أتَتْ بِهِ وإنْ لَمْ يَقُلْ هو ولَدِي لِأنَّ ثُبُوتَهُ بِقَوْلِهِ: هو ولَدِي بِناءً عَلى أنَّ وطْأهُ حِينَئِذٍ لِقَصْدِ الوَلَدِ، وعَلى هَذا قالَ بَعْضُ فُضَلاءِ الدَّرْسِ: يَنْبَغِي أنَّهُ لَوْ أقَرَّ أنَّهُ كانَ لا يَعْزِلُ عَنْها وحَصَنَها أنْ يَثْبُتَ نَسَبُهُ مِن غَيْرِ تَوَقُّفِ دَعْواهُ، وإنْ كُنّا نُوجِبُ عَلَيْهِ في هَذِهِ الحالَةِ الِاعْتِرافَ بِهِ فَلا حاجَةَ إلى أنْ نُوجِبَ عَلَيْهِ الِاعْتِرافَ لِيَعْتَرِفَ فَيَثْبُتَ نَسَبُهُ بَلْ يَثْبُتَ نَسَبُهُ ابْتِداءً، وأظُنُّ أنْ لا بُعْدَ في أنْ يُحْكَمَ عَلى المَذْهَبِ بِذَلِكَ انْتَهى، وفي «المَبْسُوطِ» أنَّهُ إذا تَطاوَلَ الزَّمانُ أُلْحِقَ بِهِ لِأنَّ التَّطاوُلَ دَلِيلُ إقْرارِهِ لِأنَّهُ يُوجَدُ مِنهُ حِينَئِذٍ ما يَدُلُّ عَلى الإقْرارِ مِن قَبُولِ التَّهْنِئَةِ ونَحْوِهِ فَيَكُونُ كالتَّصْرِيحِ بِإقْرارِهِ.
ومِن مَجْمُوعِ ما ذُكِرَ يُعْلَمُ ما في كَلامِ المُعْتَرِضِ، وأنَّ لِلْخَصْمِ عَدَمَ تَسْلِيمِهِ لَكِنْ ذُكِرَ في «البَحْرِ» مُتَعَقِّبًا: ظَنَّ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُحْكَمَ عَلى المَذْهَبِ بِهِ لِتَصْرِيحِ أهْلِهِ بِخِلافِهِ، ونُقِلَ نَصُّ «البَدائِعِ» في ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ فَإنْ أرادَ الثُّبُوتَ عِنْدَ القاضِي ظاهِرًا فَقَدْ صَرَّحُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الدَّعْوَةِ مُطْلَقًا، وإنْ أرادَ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ صَرَّحَ في «الهِدايَةِ» وغَيْرِها بِأنَّ ما ذَكَرْناهُ مِنِ اشْتِراطِ الدَّعْوَةِ إنَّما هو في القَضاءِ إلى آخِرِ ما ذَكَرْناهُ لَكِنْ في «المُجْتَبى» لا يَصِحُّ إعْتاقُ المَجْنُونِ وتَدْبِيرُهُ ويَصِحُّ اسْتِيلادُهُ، فَهَذا إنْ صَحَّ يُسْتَثْنى مِنَ الحُكْمِ وهو مُشْكِلٌ انْتَهى، وعَلى هَذا يُقالُ في المَسْألَةِ الَّتِي ذَكَرَها المُعْتَرِضُ: المَوْلُودُ ولَدٌ لِلْمَوْلى في نَفْسِ الأمْرِ لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن مِائِهِ ووَلَدُ الزِّنا كَذَلِكَ وزِيادَةٌ حَيْثُ انْضَمَّ إلى ذَلِكَ الإقْرارِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ مَناطَ الحُرْمَةِ البُنُوَّةَ وهي مُتَحَقِّقَةٌ في مَسْألَتِنا فَكَيْفَ يَحِلُّ النِّكاحُ في نَفْسِ الأمْرِ، وعَدَمُ ثُبُوتِ التَّوارُثِ ونَحْوِهِ كَما قُلْنا كانَ إجْماعًا، وعَدَمُ الِاسْتِلْحاقِ قَضاءً إلّا بِالدَّعْوى أمْرٌ آخَرُ وراءَ تَحَقُّقِ البُنُوَّةِ في نَفْسِ الأمْرِ، فَكَمْ مُتَحَقِّقٌ في نَفْسِ الأمْرِ لا يُقْضى بِهِ وكَمْ مَقْضِيٌّ بِهِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ في نَفْسِ الأمْرِ كَما في خَبَرِ «الفَرَسِ الَّتِي اشْتَراها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الأعْرابِيِّ وشَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ لَمّا أنْكَرَ الأعْرابِيُّ البَيْعَ» وقَدْ حُقِّقَ الكَلامُ في بَحْثِ الِاسْتِيلادِ في «فَتْحِ القَدِيرِ» وغَيْرِهِ مِن مَبْسُوطاتِ كُتُبِ القَوْمِ، وما ذُكِرَ في إبْطالِ العَكْسِ مِن مَسْألَةِ تَزَوُّجِ المَشْرِقِيِّ بِمَغْرِبِيَّةٍ فَلا نُسَلِّمُ القَطْعَ فِيها بِأنَّ الوَلَدَ لَيْسَ مَخْلُوقًا مِن مائِهِ لِثُبُوتِ كَراماتِ الأوْلِياءِ والِاسْتِخْداماتِ فَيُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ الزَّوْجُ صاحِبَ خُطْوَةٍ أوْ جِنِّيٌّ، وأنَّهُ ذَهَبَ إلى المَغْرِبِ فَجامَعَها، ولَوْلا قِيامُ هَذا الِاحْتِمالِ مَعَ قِيامِ النِّكاحِ لَمْ يَلْحَقِ الوَلَدُ بِهِ، ألا تَرى كَيْفَ قالَ الأصْحابُ: لَوْ جاءَتِ امْرَأةُ الصَّبِيِّ بِوَلَدٍ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنهُ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ ذَلِكَ هُناكَ والتَّصَوُّرُ شَرْطٌ، وقِيامُ الفِراشِ وحْدَهُ غَيْرُ كافٍ عَلى الصَّحِيحِ، ولَعَلَّ اعْتِبارَ هَذِهِ البُنُوَّةِ قَضاءًا وإلّا فَحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الوَلَدُ مَخْلُوقًا مِن مائِهِ لا يُقالُ لَهُ ولَدُ الزَّوْجِ في نَفْسِ الأمْرِ وإنَّما اعْتَبَرُوا ذَلِكَ مَعَ ضَعْفِ الِاحْتِمالِ سَتْرًا لِلْحَرائِرِ وصِيانَةً لِلْوَلَدِ عَنِ الضَّياعِ، وقَرِيبٌ مِن هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ ومالِكٌ وأحْمَدُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى في بابِ الِاسْتِيلادِ أنَّ الجارِيَةَ إذا ولَدَتْ يَثْبُتُ نَسَبُ الوَلَدِ مِنَ المَوْلى إذا أقَرَّ بِوَطْئِها مَعَ العَزْلِ كَما يَثْبُتُ مَعَ عَدَمِ العَزْلِ بَلْ لَوْ وطِئَها في دُبُرِها يَلْزَمُهُ الوَلَدُ عِنْدَ مالِكٍ ومِثْلُهُ عَنْ أحْمَدَ، وهو وجْهٌ مُضْعِفٌ لِلشّافِعِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ بَيْنَ هَذِهِ المَسْألَةِ ومَسْألَةِ تَزْوِيجِ المَشْرِقِيِّ بِمَغْرِبِيَّةٍ بُعْدًا كَبُعْدِ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لِأنَّ الوَطْءَ هُنا مُتَحَقِّقٌ في الجُمْلَةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى قَطْعِ بَرارِي وقِفارٍ ولا كَذَلِكَ هُناكَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
والبَناتُ جَمْعُ بِنْتٍ في المَشْهُورِ وصُحِّحَ أنَّ لامَها واوٌ كَأُخْتٍ وإنَّما رُدَّ المَحْذُوفُ في أخَواتٍ ولَمْ يُرَدَّ في بَناتٍ حَمْلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الجَمْعَيْنِ عَلى مُذَكِّرِهِ، فَمُذَكَّرُ بَناتٍ لَمْ يُرَدَّ إلَيْهِ المَحْذُوفُ بَلْ قالُوا فِيهِ بِنُونٍ، ومُذَكَّرُ أخَواتٍ رُدَّ فِيهِ مَحْذُوفُهُ فَقالُوا في جَمْعِ أخٍ: إخْوَةٌ وأخَواتٌ، وقَدْ نَظَّمَ الدَّنَوْشَرِيُّ السُّؤالَ فَقالَ: أيُّها الفاضِلُ اللَّبِيبُ تَفَضَّلْ بِجَوابٍ بِهِ يَكُونُ رَشادِي لَفْظُ أُخْتٍ ولَفْظُ بِنْتٍ إذا ما ∗∗∗ جُمِعا جَمْعَ صِحَّةٍ لا فَسادِ فَلِأُخْتٍ تُرَدُّ لِأُمٍّ وأمّا ∗∗∗ لَفْظُ بِنْتٍ فَلا فَأوْضِحْ مُرادِي مَعَ تَعْوِيضِهِمْ مِنَ اللّامِ تاءً ∗∗∗ فِيهِما لا بَرِحْتُ أهْلَ اعْتِمادِي وقَدْ أجابَ هو رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لَفْظُ أُخْتٍ لَهُ انْضِمامٌ بِصَدْرٍ ∗∗∗ ناسَبَ الواوَ فاكْتَسى بِالمَعادِ وقالَ أبُو البَقاءِ: التّاءُ فِيها لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثٍ لِأنَّ تاءَ التَّأْنِيثِ لا يُسَكَّنُ ما قَبْلَها، وتُقْلَبُ هاءً في الوَقْفِ فَبَناتٌ لَيْسَ بِجَمْعِ بِنْتٍ بَلْ بِنْهٍ، وكُسِرَتِ الباءُ تَنْبِيهًا عَلى المَحْذُوفِ قالَهُ الفَرّاءُ، وقالَ غَيْرُهُ: أصْلُها الفَتْحُ وعَلى ذَلِكَ جاءَ جَمْعُها، ومُذَكَّرُها وهو بَنُونَ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ، وأمّا أُخْتٌ فالتّاءُ فِيها بَدَلٌ مِنَ الواوِ لِأنَّها مِنَ الإخْوَةِ، والأخَواتُ يَنْتَظِمْنَ الأخَواتِ مِنَ الجِهاتِ الثَّلاثِ، وكَذا الباقِياتُ لِأنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُ الكُلَّ ويَدْخُلُ في العَمّاتِ والخالاتِ أوْلادُ الأجْدادِ والجَدّاتِ وإنْ عَلَوْا، وكَذا عَمَّةُ جَدِّهِ وخالَتِهِ وعَمَّةُ جَدَّتِهِ وخالاتِها لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأبٍ أوْ لِأُمٍّ وذَلِكَ كُلُّهُ بِالإجْماعِ، وفي «الخانِيَةِ» وعَمَّةُ العَمَّةِ لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأبٍ كَذَلِكَ، وأمّا عَمَّةُ العَمَّةِ لِأُمٍّ فَلا تَحْرُمُ، وفي «المُحِيطِ»: وأمّا عَمَّةُ العَمَّةِ فَإنْ كانَتِ العَمَّةُ القُرْبى عَمَّةً لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأبٍ فَعَمَّةُ العَمَّةِ حَرامٌ لِأنَّ القُرْبى إذا كانَتْ أُخْتَ أبِيهِ لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأبٍ فَإنَّ عَمَّتَها تَكُونُ أُخْتَ جَدَّةِ أبِ الأبِ وأُخْتُ أبِ الأبِ حَرامٌ لِأنَّها عَمَّتُهُ وإنْ كانَتِ القُرْبى عَمَّةً لِأُمٍّ فَعَمَّةُ العَمَّةِ لا تَحْرُمُ عَلَيْهِ لِأنَّ أبَ العَمَّةِ يَكُونُ زَوْجَ أُمِّ أبِيهِ فَعَمَّتُها تَكُونُ أُخْتَ زَوْجِ الجَدَّةِ أُمِّ الأبِ، وأُخْتُ زَوْجِ الأُمِّ لا تَحْرُمُ، فَأُخْتُ زَوْجِ الجَدَّةِ أوْلى أنْ لا تَحْرُمَ، وأمّا خالَةُ الخالَةِ فَإنْ كانَتِ الخالَةُ القُرْبى خالَةً لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأُمٍّ فَخالَتُها تَحْرُمُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَتِ القُرْبى خالَةً لِأبٍ فَخالَتُها لا تَحْرُمُ عَلَيْهِ لِأنَّ أُمَّ الخالَةِ القُرْبى تَكُونُ امْرَأةَ الجَدِّ أبِ الأُمِّ لا أُمِّ أُمِّهِ، فَأُخْتُها تَكُونُ أُخْتَ امْرَأةِ الأبِ وأُخْتُ امْرَأةِ الجَدِّ لا تَحْرُمُ عَلَيْهِ.
انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّهُ كَما يَحْرُمُ عَلى الرَّجُلِ أنْ يَتَزَوَّجَ بِمَن ذُكِرَ يَحْرُمُ عَلى المَرْأةِ التَّزَوُّجُ بِنَظِيرِ مَن ذُكِرَ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ لَمْ يَثْبُتْ في جَمِيعِ المَذْكُوراتِ في سائِرِ الأدْيانِ، نَعَمْ ذَكَرُوا أنَّ حُرْمَةَ الأُمَّهاتِ والبَناتِ كانَتْ ثابِتَةً حَتّى في زَمانِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَثْبُتْ حِلُّ نِكاحِهِنَّ في شَيْءٍ مِنَ الأدْيانِ، وقِيلَ: إنَّ زَرادُشْتَ نَبِيَّ المَجُوسِ بِزَعْمِهِمْ قالَ بِحَلِّهِ، وأكْثَرُ المُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ كانَ كَذّابًا، وعَدَمُ إيذاءِ الصُّفْرِ المُذابِ لَهُ لِأدْوِيَةٍ كانَ يُلَطِّخُ بِها جَسَدَهُ وقَدْ شاهَدْنا مَن يَحْمِلُ النّارَ بِيَدِهِ بَعْدَ لَطْخِها بِأدْوِيَةٍ مَخْصُوصَةٍ ولا تُؤْذِيهِ وحِينَئِذٍ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً.
وأمّا حِلُّ نِكاحِ الأخَواتِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ مُباحًا في زَمانِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلضَّرُورَةِ وكانَتْ حَوّاءُ عَلَيْها السَّلامُ تَلِدُ في كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرًا وأُنْثى فَيَأْخُذُ ذَكَرُ البَطْنِ الثّانِيَةِ أُنْثى البَطْنِ الأُولى، وبَعْضُ المُسْلِمِينَ يُنْكِرُ ذَلِكَ ويَقُولُ: إنَّهُ بَعَثَ الحُورَ مِنَ الجَنَّةِ حَتّى تَزَوَّجَ بِهِنَّ أبْناءُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ هَذا النَّسْلَ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ مَحْضَ أوْلادِ آدَمَ وذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ.
﴿ وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ ﴾ عَطْفٌ عَلى سابِقِهِ والرَّضاعَةُ بِفَتْحِ الرّاءِ مَصْدَرُ رَضَعَ كَسَمِعَ وضَرَبَ، ومِثْلُهُ الرِّضاعَةُ بِالكَسْرِ، والرُّضْعُ بِسُكُونِ الضاءِ وفَتْحِها، والرَّضاعُ كالسَّحابِ، والرَّضِعُ كالكَتِفِ، وحَكَوْا رَضُعَ كَكَرُمَ، ورِضاعًا كَقِتالٍ، وقَدْ تُبَدَّلُ ضادُهُ تاءًا، ورُضاعًا كَسُؤالٍ لَكِنَّ المَضْمُومَ كالمُراضَعَةِ تَقْتَضِي الشَّرِكَةَ، ويُقالُ: أرْضَعَتِ المَرْأةُ فَهي مُرْضِعٌ إذا كانَ لَها ولَدٌ تُرْضِعُهُ فَإنْ وصَفْتَها بِإرْضاعِ الوَلَدِ قُلْتَ: مُرْضِعَةٌ، ومَعْناها لُغَةً مَصُّ الثَّدْيِ، وشَرْعًا مَصُّ الرَّضِيعِ مِن ثَدْيِ الآدَمِيَّةِ في وقْتٍ مَخْصُوصٍ، وأرادُوا بِذَلِكَ وصُولَ اللَّبَنِ مِن ثَدْيِ المَرْأةِ إلى جَوْفِ الصَّغِيرِ مِن فَمِهِ أوْ أنْفِهِ في المَدَّةِ الآتِيَةِ سَواءٌ وُجِدَ مَصٌّ أوْ لَمْ يُوجَدْ، وإنَّما ذَكَرُوا المَصَّ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْوُصُولِ فَأطْلَقُوا السَّبَبَ وأرادُوا المُسَبَّبَ، وقَدْ صَرَّحَ في «الخانِيَةِ» أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المَصِّ والسُّعُوطِ ونَحْوِهِ، وقَيَّدُوا بِالآدَمِيَّةِ لِيَخْرُجَ الرَّجُلُ والبَهِيمَةُ، وتَفَرَّدَ الإمامُ البُخارِيُّ وهو سَبَبُ فِتْنَتِهِ في قَوْلٍ فَذَهَبَ فِيما إذا ارْتَضَعَ صَبِيٌّ وصِبْيَةٌ مِن ثَدْيِ شاةٍ إلى وُقُوعِ الحُرْمَةِ بَيْنَهُما، وأًطْلِقَتْ لِتَشْمَلَ البِكْرَ والثَّيِّبَ الحَيَّةَ والمَيِّتَةَ، وقَيَّدْنا بِالفَمِ والأنْفِ لِيَخْرُجَ ما إذا وصَلَ بِالإقْطارِ في الأُذُنِ والإحْلِيلِ والجائِفَةِ والآمَّةِ بِالحُقْنَةِ في ظاهِرِ الرِّوايَةِ، وخَرَجَ بِالوُصُولِ ما لَوْ أدْخَلَتِ المَرْأةُ حَلَمَةَ ثَدْيِها في فَمٍ رَضِيعٍ ولا تَدْرِي أدَخَلَ اللَّبَنُ في حَلْقِهِ أمْ لا، لا يُحَرَّمُ النِّكاحُ لِأنَّ في المانِعِ شَكًّا.
وقَدْ نَزَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرَّضاعَةَ مَنزِلَةَ النَّسَبِ حَتّى سَمّى المُرْضِعَةَ أُمًّا لِلرَّضِيعِ، والمُراضِعَةِ أُخْتًا، وكَذَلِكَ زَوْجُ المُرْضِعَةِ أبُوهُ وأبَواهُ جَدّاهُ وأُخْتُهُ عَمَّتُهُ، وكُلُّ ولَدٍ وُلِدَ لَهُ مِن غَيْرِ المُرْضِعَةِ قَبْلَ الرِّضاعِ وبَعْدَهُ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأبِيهِ، وأُمُّ المُرْضِعَةِ جَدَّتُهُ، وأُخْتُها خالَتُهُ، وكُلُّ ولَدٍ لَها مِن هَذا الزَّوْجِ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأبِيهِ وأُمِّهِ، ومَن وُلِدَ لَها مَن غَيْرِهِ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأُمِّهِ، ومِن هُنا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم: ««يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ»» .
وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ كَمَوْلانا شَيْخِ الإسْلامِ وغَيْرِهِ إلى أنَّ الحَدِيثَ جارٍ عَلى عُمُومِهِ وأمّا أُمُّ أخِيهِ لِأبٍ وأُخْتُ ابْنِهِ لِأُمٍّ وأُمُّ أمِّ ابْنِهِ وأُمُّ عَمِّهِ وأُمُّ خالِهِ لِأبٍ فَلَيْسَتْ حُرْمَتُهُنَّ مِن جِهَةِ النَّسَبِ حَتّى تَخِلَّ بِعُمُومِهِ ضَرُورَةُ حَلِّهِنَّ في صُورَةِ الرِّضاعِ بَلْ مِن جِهَةِ المُصاهَرَةِ، ألا يَرى أنَّ الأُولى: مَوْطُوأةُ أبِيهِ.
والثّانِيَةَ: بِنْتُ مَوْطُوأتِهِ.
والثّالِثَةُ: أُمُّ مَوْطُوأتِهِ.
والرّابِعَةُ: مَوْطُوأةِ جَدِّهِ الصَّحِيحِ.
والخامِسَةُ: مَوْطُوأةُ جَدِّهِ الفاسِدِ، ووَقَعَ في عِبارَةِ بَعْضِهِمُ اسْتِثْناءٌ صُوِّرَ بَعْدَ سَوْقِ الحَدِيثِ، وأنْهى في «البَحْرِ» المَسائِلَ المُسْتَثْنَياتِ إلى إحْدى وثَمانِينَ مَسْألَةً، وأطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ، وأتى بِالعَجَبِ العُجابِ.
وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ الرِّضاعِ وهو ما يُعْلَمُ وُصُولُهُ إلى الجَوْفِ وكَثِيرِهِ في التَّحْرِيمِ، وأمّا خَبَرُ مُسْلِمٍ «لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ والمَصَّتانِ» وما دَلَّ عَلى التَّقْدِيرِ فَمَنسُوخٌ صَرَّحَ بِنَسْخِهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حِينَ قِيلَ لَهُ: إنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: إنَّ الرَّضْعَةَ لا تُحَرِّمُ فَقالَ: كانَ ذَلِكَ ثُمَّ نُسِخَ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: آلَ أمْرُ الرِّضاعِ إلى أنَّ قَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ يُحَرِّمُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ القَلِيلَ يُحَرِّمُ، وعَنْهُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ الزُّبَيْرَ يَقُولُ: لا بَأْسَ بِالرَّضْعَةِ والرَّضْعَتَيْنِ فَقالَ: قَضاءُ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ مِن قَضاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وتَلا الآيَةَ، وقالَ الشّافِعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ عَلى ما نَقَلَهُ أصْحابُنا عَنْهُ لا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ إلّا بِخَمْسِ رَضَعاتٍ مُشْبِعاتٍ في خَمْسَةِ أوْقاتٍ مُتَفاصِلَةٍ عُرْفًا، وعَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ كَقَوْلِنا وكَقَوْلِهِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ حِبّانَ في «صَحِيحِهِ» مِن حَدِيثِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قالَ: قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ والمَصَّتانِ ولا الإمْلاجَةُ والإمْلاجَتانِ ”» ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ بِأنَّ المَصَّةَ داخِلَةٌ في المَصَّتَيْنِ والإمْلاجَةَ في الإمْلاجَتَيْنِ، فَحاصِلُهُ لا تُحَرِّمُ المَصَّتانِ ولا الإمْلاجَتانِ فَنُفِيَ التَّحْرِيمُ عَلى أرْبَعٍ فَلَزِمَ أنْ يَثْبُتَ بِخَمْسٍ.
واعْتَرَضَهُ ابْنُ الهُمامِ «بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ لَيْسَ التَّحْرِيمَ بِخَمْسِ مَصّاتٍ بَلْ بِخَمْسٍ شَبِعاتٍ في أوْقاتٍ، وأما ثانِيًا: فَلِأنَّ المَصَّةَ فِعْلُ الرَّضِيعِ والإمْلاجَةُ الإرْضاعَةُ فِعْلُ المُرْضِعَةِ، فَحاصِلُ المَعْنى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَفى كَوْنَ الفِعْلَيْنِ مُحَرِّمَيْنِ مِنهُ ومِنها ثُمَّ حَقَّقَ أنَّ ما في هَذِهِ الرِّوايَةِ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حَدِيثًا واحِدًا بِأنَّ الإمْلاجَ لَيْسَ حَقِيقَةَ المُحَرِّمِ بَلْ لازَمَهُ مِنَ الِارْتِضاعِ فَنُفِيَ تَحْرِيمُ الإمْلاجِ نَفْيَ تَحْرِيمٍ لازَمَهُ فَلَيْسَ الحاصِلُ مَن: لا تُحَرِّمُ الإمْلاجَتانِ إلّا لا يُحَرِّمُ لازِمُهُما أعْنِي المَصَّتَيْنِ فَلَوْ جَمَعا في حَدِيثٍ كانَ الحاصِلُ لا تُحَرِّمُ المَصَّتانِ“ ولا المَصَّتانِ ”فَلَزِمَ أنْ لا يَصِحَّ أنْ يُرادَ إلّا المَصَّتانِ لا الأرْبَعُ، وعَلى هَذا يَجِبُ كَوْنُ الرّاوِي وهو الزُّبَيْرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أرادَ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ ألْفاظِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّتِي سَمِعَها مِنهُ في وقْتَيْنِ كَأنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ والمَصَّتانِ» وقالَ أيْضًا: ««لا تُحَرِّمُ الإمْلاجَةُ والإمْلاجَتانِ»» .
وقِيلَ في وجْهِ الِاسْتِدْلالِ طَرِيقٌ آخَرُ، وهو أنَّ الحَدِيثَ نافٍ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ الأعْظَمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَيَثْبُتُ بِهِ مَذْهَبُ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى لِعَدَمِ القائِلِ بِالفَصْلِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ القائِلَ بِالفَصْلِ أبُو ثَوْرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وداوُدُ وأبُو عُبَيْدٍ، وهَؤُلاءِ أئِمَّةُ الحَدِيثِ قالُوا: المُحَرِّمُ ثَلاثُ رَضَعاتِ، والقَوْلُ بِعَدَمِ اعْتِبارِ قَوْلِهِمْ في حَيِّزِ المَنعِ لِقُوَّةِ وجْهِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى وجْهِ قَوْلِ الشّافِعِيِّ.
واسْتَدَلَّ بَعْضُ أصْحابِهِ عَلى هَذا المَطْلَبِ بِما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «كانَ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسِ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرِّمْنَ فَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ وهي فِيما يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ.
.».
وفي رِوايَةٍ «أنَّهُ كانَ في صَحِيفَةٍ تَحْتَ سَرِيرِي فَلَمّا ماتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَشاغَلْنا بِمَوْتِهِ فَدَخَلَتْ دَواجِنُ فَأكَلَتْها.
.».
وبِما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أيْضًا قالَتْ: «جاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ امْرَأةُ أبِي حُذَيْفَةَ إلى النَّبِيِّ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أرى في وجْهِ أبِي حُذَيْفَةَ مِن دُخُولِ سالِمٍ وهو حَلِيفُهُ فَقالَ :“ أرْضِعِي سالِمًا خَمْسًا تَحْرُمِي بِها عَلَيْهِ ”» والجَوابُ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مَنسُوخٌ كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما مَرَّ.
ويَدُلُّ عَلى نَسْخِ ما في خَبَرِ عائِشَةَ الأوَّلِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَنسُوخًا لَزِمَ ضَياعُ بَعْضِ القُرْآنِ الَّذِي لَمْ يُنْسَخْ واللَّهُ تَعالى قَدْ تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ، وما في الرِّوايَةِ لا يُنافِي النَّسْخَ لِجَوازِ أنْ يُقالَ: إنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أرادَتْ أنَّهُ كانَ مَكْتُوبًا ولَمْ يُغَسَّلْ بَعْدُ لِلْقُرْبِ حَتّى دَخَلَتِ الدَّواجِنُ فَأكْلَتْهُ، والقَوْلُ بِأنَّ ما ذُكِرَ إنَّما يَلْزَمُ مِنهُ نَسْخُ التِّلاوَةِ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ التِّلاوَةُ مَنسُوخَةً مَعَ بَقاءِ الحُكْمِ كالشَّيْخِ والشَّيْخَةِ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ادِّعاءَ بَقاءِ حُكْمِ الدّالِّ بَعْدَ نَسْخِهِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ وإلّا فالأصْلُ أنَّ نَسْخَ الدّالِّ يَرْفَعُ حُكْمَهُ، وما نُظِرَ بِهِ لَوْلا ما عُلِمَ بِالسُّنَّةِ، والإجْماعُ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ، ثُمَّ الَّذِي نَجْزِمُ بِهِ في حَدِيثِ سَهْلَةَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يُرِدْ أنْ يُشْبِعَ سالِمًا خَمْسَ رَضَعاتٍ في خَمْسَةِ أوْقاتٍ مُتَفاصِلاتٍ جائِعًا لِأنَّ الرَّجُلَ لا يُشْبِعُهُ مِنَ اللَّبَنِ رِطْلٌ ولا رِطْلانِ فَأيْنَ تَجِدُ الآدَمِيَّةُ في ثَدْيِها قَدْرَ ما يُشْبِعُهُ، هَذا مُحالٌ عادَةً، فالظّاهِرُ أنَّ مَعْدُودَ خَمْسٍ فِيهِ إنْ صَحَّ أنَّها مِنَ الخَبَرِ“ المَصّاتُ ثُمَّ كَيْفَ جازَ أنْ يُباشِرَ عَوْرَتَها بِشَفَتَيْهِ فَلَعَلَّ المُرادَ أنْ تَحْلِبَ لَهُ شَيْئًا مِقْدارُهُ مِقْدارَ خَمْسِ رَضَعاتٍ فَيَشْرَبُهُ كَما قالَ القاضِي وإلّا فَهو مُشْكِلٌ، ”وقَدْ يُقالُ“: هو مَنسُوخٌ مِن وجْهٍ آخَرَ» لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّضاعَ في الكِبَرِ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ لِأنَّ سالِمًا كانَ إذْ ذاكَ رَجُلًا وهَذا مِمّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ فَإنَّ مُدَّةَ الرَّضاعِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ ثَلاثُونَ شَهْرًا عِنْدَ الإمامِ الأعْظَمِ، وسَنَتانِ عِنْدَ صاحِبَيْهِ ومُسْتَنَدُهُما قَوِيٌّ جِدًّا، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ، وعَنْ مالِكٍ: سَنَتانِ وشَهْرٌ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى شَهْرانِ، وفي أُخْرى سَنَتانِ وأيّامٌ، وفي أُخْرى ما دامَ مُحْتاجًا إلى اللَّبَنِ غَيْرَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ، وقالَ زُفَرُ: ثَلاثَ سِنِينَ، نَعَمْ قالَ بَعْضُهم: خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقالَ آخَرُونَ: أرْبَعُونَ سَنَةً، وقالَ داوُدُ: الإرْضاعُ في الكِبَرِ مُحَرِّمٌ أيْضًا، ولا حَدَّ لِلْمُدَّةِ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وكانَتْ إذا أرادَتْ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْها أحَدٌ مِنَ الرِّجالِ أمَرَتْ أُخْتَها أُمَّ كُلْثُومٍ أوْ بَعْضَ بَناتِ أُخْتِها أنْ تُرْضِعَهُ، ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وسائِرِ أزْواجِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُنَّ خالَفْنَ عائِشَةَ في هَذا، وعُمْدَةُ مَن رَأى رَأْيَها في هَذا البابِ خَبَرُ سَهْلَةَ مَعَ أنَّ الآثارَ الصَّحِيحَةَ عَلى خِلافِهِ، فَقَدْ صَحَّ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا «لا رِضاعَ إلّا ما كانَ في حَوْلَيْنِ» وفي «المُوَطَّأِ» .
و«سُنَنِ أبِي داوُدَ» عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ «أنَّ رَجُلًا سَألَ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ فَقالَ: إنِّي مَصَصْتُ مِنِ امْرَأتِي ثَدْيَها لَبَنًا فَذَهَبَ في بَطْنِي فَقالَ: أبُو مُوسى لا أراها إلّا قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ انْظُرْ ما تُفْتِي بِهِ الرَّجُلَ فَقالَ أبُو مُوسى: فَما تَقُولُ أنْتَ؟
فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لا رِضاعَ إلّا في حَوْلَيْنِ، فَقالَ أبُو مُوسى: لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ ما دامَ هَذا الحَبْرُ بَيْنَ أظْهُرِكم، وفِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ جاءَ رَجُلٌ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: كانَتْ لِي ولِيدَةٌ فَكُنْتُ أُصِيبُها فَعَمَدَتِ امْرَأتِي إلَيْها فَأرْضَعَتْها فَدَخَلَتْ عَلَيْها فَقالَتْ: دُونَكَ قَدْ واللَّهِ أرْضَعْتُها قالَ عُمَرُ: أرْجِعْها وأْتِ جارِيَتَكَ فَإنَّما الرَّضاعَةُ رَضاعَةُ الصِّغَرِ، ورَوى التِّرْمِذِيُّ وقالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِن حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّهُ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ إلّا فَتْقُ الأمْعاءِ في الثَّدْيِ وكانَ قَبْلَ الفِطامِ» ”وفي «سُنَنِ أبِي داوُدَ» مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَرْفَعُهُ ««لا يَحْرُمُ مِنَ الرِّضاعِ إلّا ما أنْبَتَ اللَّحْمَ وأنْشَزَ العَظْمَ» حَتّى إنَّ عائِشَةَ نَفْسَها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها رَوَتْ ما يُخالِفُ عَمَلَها، فَفي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْها أنَّها قالَتْ: ««دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وعِنْدِي رَجُلٌ فَقالَ: يا عائِشَةُ، مَن هَذا؟
فَقُلْتُ: أخِي مَنِ الرَّضاعَةِ فَقالَ: يا عائِشَةُ انْظُرْنَ مَن إخْوانُكم إنَّما الرَّضاعَةُ مِنَ المَجاعَةِ»» واعْتُبِرَ مَرْوِيُّها دُونَ رَأْيِها لِظُهُورِ غَفْلَتِها فِيهِ وعَدَمِ وُقُوعِ اجْتِهادِها عَلى المَحَزِّ، ولِهَذا قِيلَ: يُشْبِهُ أنَّها رَجَعَتْ كَما رَجَعَ أبُو مُوسى لَمّا تَحَقَّقَ عِنْدَها النَّسْخُ؛ وحَمَلَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ حَدِيثَ سَهْلَةَ عَلى أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِها وبِسالِمٍ، وجَعَلُوا أيْضًا العَفْوَ عَنْ مُباشَرَةِ العَوْرَةِ مِنَ الخَواصِّ.
هَذا ومِن غَرائِبِ ما وقَفَتْ عَلَيْهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ مِن مَقامَةٍ لِلْعَلّامَةِ السُّيُوطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى سَمّاها «الدَّوَرانَ الفَلَكِيَّ عَلى ابْنِ الكُرْكِيِّ» وفِيها يُخاطِبُ الفاضِلَ المَذْكُورَ بِما نَصُّهُ: ماذا صَنَعْتَ بِالسُّؤالِ المُهِمِّ الَّذِي دارَ في البَلَدِ ولَمْ يُجِبْ عَنْهُ أحَدٌ، وهو الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ ﴾ وبَيْنَ ما لَوْ قِيلَ: واللّاتِي أرْضَعْنَكم أُمَّهاتُكم حَيْثُ رُتِّبَ عَلى الأوَّلِ خَمْسُ رَضَعاتٍ وارِدَةٍ، ولَوْ قِيلَ: الثّانِي لاكْتَفى بِرَضْعَةٍ واحِدَةٍ، ولَقَدْ ورَدَ عَلَيَّ وسِيقَ إلَيَّ فَلَمْ أكْتُبْ عَلَيْهِ مَعَ أنَّ جَوابَهُ نَصْبُ عَيْنِي، وعَتِيدٌ لَدَيَّ لا يَحُولُ شَيْءٌ بَيْنَهُ وبَيْنِي لِأنْظُرَ هَلْ مِن رَجُلٍ رَشِيدٍ أوْ أحَدٍ لَهُ في العِلْمِ قَصْرٌ مَشِيدٌ هَلّا أبْدَعْتَ فِيهِ جَوابًا مُسَدَّدًا، ونَوَّعَتْ فِيهِ طَرائِقَ قِدَدًا، واتَّخَذَتْ بِذَلِكَ عَلى دَعْوى العِلْمِ ساعِدًا وعَضُدًا، وها لَهُ نَحْوُ عامَيْنِ ما حَلّاهُ أحَدٌ بِحَرْفٍ، ولا رَمَقَهُ ناظِرٌ بِطَرَفٍ ولا أوْدَعَهُ ذُو ظُرْفٍ بِظُرْفٍ، ولَوْ شِئْتُ أنا لَكَتَبْتُ عَلَيْهِ عِدَّةَ مُؤَلَّفاتٍ وأسْطَرْتُ فِيهِ خَمْسَ مُصَنَّفاتٍ، بَسِيطٌ حَرِيزٌ، ووَسِيطٌ غَرِيزٌ، ومُخْتَصَرٌ وجِيزٌ، ومَنظُومَةٌ ذاتُ تَطْرِيزٍ، ومَقامَةُ إنْشاءٍ كَأنَّها ذَهَبٌ إبْرِيزٌ انْتَهى كَلامُهُ.
وأقُولُ: لَعَلَّ الفَرْقَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ ( أُمَّهاتُكم ) في هَذِهِ الآيَةِ مَعْطُوفًا عَلى ما تَقَدَّمَ في الآيَةِ السّابِقَةِ وفِيها تَحْرِيمُ الأُمَّهاتِ بَقِيَ الذِّهْنُ مُشْرَئِبًّا إلى بَيانِ الفارِقِ بَيْنَ هَذِهِ الأُمَّهاتِ وتِلْكَ الأُمَّهاتِ فَأتى سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ ﴾ بَيانًا لِذَلِكَ دافِعًا لِتَوِهُّمِ التَّكْرارِ فَكانَ قَيْدَ الإرْضاعِ الواقِعِ صِلَةً مُعْتَنًا بِهِ أتَمَّ اعْتِناءٍ، ومِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى هَذا الِاعْتِناءِ اعْتِبارُهُ أيْنَما لُوحِظَ، وقَدْ لُوحِظَ في الآيَةِ خَمْسُ مَرّاتٍ الأُولى: حِينَ أتى بِهِ فِعْلًا، والثّانِيَةُ: حِينَ أُسْنِدَ إلى الفاعِلِ أعْنِي ضَمِيرَ النِّسْوَةِ، والثّالِثَةُ: حِينَ تَعَلَّقَ بِالمَفْعُولِ أعْنِي ضَمِيرَ المُخاطَبِينَ، والرّابِعَةُ: حِينَ جُعِلَ جُزْءُ الجُمْلَةِ الواقِعَةَ صِلَةَ المَوْصُولِ، والخامِسَةُ: حِينَ جُعِلَ اللّاتِي صِفَةَ أُمَّهاتِكم لِأنَّ وصْفِيَّتَهُ لَها بِاعْتِبارِ الصِّلَةِ بِلا شُبْهَةٍ فَهَذِهِ خَمْسُ مُلاحَظاتٍ لِلْإرْضاعِ في هَذا التَّرْكِيبِ تُشِيرُ إلى أنَّ ما بِهِ تَحْصُلُ الأُمُومَةُ خَمْسُ رَضَعاتٍ، وهَذا أحَدُ الأسْرارِ لِاخْتِيارِ هَذا التَّرْكِيبِ مَعَ إمْكانِ تَراكِيبَ غَيْرِهِ لَعَلَّ بَعْضَها أخْصَرُ مِنهُ، وكَثِيرًا ما وقَعَ في القُرْآنِ تَراكِيبُ وتَعْبِيراتٌ يُشارُ بِها إلى أُمُورٍ واقِعِيَّةٍ بَيْنَها وبَيْنَ ما في تِلْكَ التَّعْبِيراتِ مُناسَبَةٌ مِثْلَ ما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾ مِنَ الِاحْتِباكِ المُشِيرِ إلى ما بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الِائْتِلافِ، وما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ ﴾ مِنَ الإدْغامِ في يُمِلَّ المُشِيرِ إلى حالِ الفاعِلِ وهو الأخْرَسُ المَعْقُودُ اللِّسانِ في كَثِيرٍ مِنَ الأقْوالِ، وما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلٌّ في فَلَكٍ ﴾ مِن عَدَمِ الِاسْتِحالَةِ بِالِانْعِكاسِ المُشِيرِ إلى كُرِّيَّةِ الأفْلاكِ في رَأْيٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً.
ولَيْسَ هَذا مِن بابِ الِاسْتِدْلالِ بَلْ مِن بابِ الإشارَةِ المُقَوِّيَةِ لَهُ، ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يَسْتَدِلَّ أحَدٌ مِمَّنْ ذَهَبَ إلى اشْتِراطِ الخَمْسِ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَكِنِ اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِوُرُودِ الخَمْسِ في الأخْبارِ، وإلى ذَلِكَ تُشِيرُ عِبارَةُ الجَلالِ السُّيُوطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وهَذِهِ الإشارَةُ مَفْقُودَةٌ في القَوْلِ المَفْرُوضِ أعْنِي واللّاتِي أرْضَعْنَكم أُمَّهاتُكم، لِأنَّ العَطْفَ فِيهِ لا يُوهِمُ التَّكْرارَ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ نَظِيرِهِ فَلا يُشْرَأبُّ الذِّهْنُ إلى ما يُذْكَرُ بَعْدُ كَما اشْرَأبَّ فِيما ذُكِرَ قَبْلُ، فَلا داعِيَ لِاعْتِبارِهِ أيْنَما لُوحِظَ كَما كانَ كَذَلِكَ هُناكَ بَلْ يَكْفِي اعْتِبارُهُ مَرَّةً واحِدَةً وهي أدْنى ما تَتَحَقَّقُ بِهِ الماهِيَّةُ لا سِيَّما وقَدْ ذُكِرَ بَعْدَ أُمَّهاتِكم عَلى أنَّهُ بَدَلٌ والبَدَلُ كَما قالُوا: هو المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ المُفِيدِ لِتَقْرِيرِ مَعْنى الكَلامِ وتَوْكِيدِهِ، وهَذا التَّوْكِيدُ أيْضًا مُشْعِرٌ بِوَحْدَةِ الإرْضاعِ لِأنَّ التَّحْرِيمَ بِالرَّضْعَةِ الواحِدَةِ مِمّا يَكادُ يُسْتَبْعَدُ فَيَحْتاجُ إلى تَوْكِيدِهِ بِخِلافِ الرَّضَعاتِ العَدِيدَةِ.
وقَدْ رَأيْتُ في بَعْضِ نُسَخِ «شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ» لِلْإمامِ النَّوَوِيِّ بَعْدَ ذِكْرِ اسْتِدْلالِ الإمامِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى دَعْوى ثُبُوتِ الحُرْمَةِ بِرَضْعَةٍ واحِدَةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ ﴾ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا ما نَصُّهُ: «واعْتَرَضَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ عَلى المالِكِيَّةِ فَقالُوا: إنَّما كانَتْ تَحْصُلُ الدَّلالَةُ لَكم لَوْ كانَتِ الآيَةُ واللّاتِي أرْضَعْنَكم أُمَّهاتِكم» انْتَهى، ولَمْ يُصَرِّحْ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ الآيَةَ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها المالِكِيَّةُ مُشْعِرَةٌ بِالخَمْسِ بَلِ اقْتَصَرَ عَلى أنَّ الدَّلالَةَ عَلى الواحِدَةِ لا تَحْصُلُ بِها وأرادَ أنَّ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِنَ الإشْعارِ القَوِيِّ إلى التَّعَدُّدِ يَأْبى حَمْلَ الماهِيَّةِ عَلى أقَلِّ ما تَتَحَقَّقُ فِيهِ، وفي بَعْضِ نُسَخِ ذَلِكَ الشَّرْحِ واعْتَرَضَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ عَلى المالِكِيَّةِ فَقالُوا: إنَّما كانَتْ تَحْصُلُ لَكُمُ الدَّلالَةُ لَوْ كانَتِ الآيَةُ واللّاتِي أرْضَعْنَكم وأُمَّهاتِكم بِواوٍ بَيْنَ أرْضَعْنَكم وبَيْنَ أُمَّهاتِكم والظّاهِرُ أنَّها غَلَطٌ مِنَ النّاسِخِ، والتِزامُ تَوْجِيهِها تَعَسُّفٌ رَأيْنا تَرْكَهُ رِبْحًا.
هَذا ما ظَهَرَ لِنَظَرِي القاصِرِ وفِكْرِي الفاتِرِ، ولَقَدْ سَألْتُ بِالرِّفْقِ عَنْ هَذا الفَرْقِ جَمْعًا مِن عُلَماءِ عَصْرِي، وراجَعْتُ لِشَرْحِ ذَلِكَ المَتْنِ جَمِيعَ الفُضَلاءِ الَّذِينَ تَضَمَّنَتْهم حَواشِي مِصْرِيٍّ فَلَمْ أرَ مَن نَطَقَ بِبِنْتِ شَفَةٍ ولا مَنِ ادَّعى في حَلِّ ذَلِكَ الإشْكالِ مَعْرِفَةً مَعَ أنَّ مِنهم مَن خَضَعَتْ لَهُ الأعْناقُ، وطَبَقَتْ فَضائِلُهُ الآفاقَ، وما رَأيْتُ مِنَ المُرُوءَةِ أنْ أُمْهِلَهم حَتّى يُنْقَرَ في النّاقُورِ أوْ أنْتَظِرُ بَناتَ أفْكارِهِمْ إلى أنْ يَلِدَ البَغْلُ العاقُورُ الباقُورُ؛ فَكَتَبْتُ ما تَرى ولَسْتُ عَلى يَقِينٍ أنَّهُ الأوْلى والأحْرى فَتَأمَّلْ، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ والحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ.
﴿ وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ المُحَرَّماتِ مِن جِهَةِ المُصاهَرَةِ إثْرَ بَيانِ المُحَرَّماتِ مِن جِهَةِ الرَّضاعَةِ الَّتِي لَها لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ.
والمُرادُ بِالنِّساءِ المَنكُوحاتُ عَلى الإطْلاقِ سَواءٌ كُنَّ مَدْخُولًا بِهِنَّ أوْ لا وهو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ النِّكاحُ صَحِيحًا أمّا إذا كانَ فاسِدًا فَلا تُحَرَّمُ الأُمُّ إلّا إذا وطِئَ بِنْتَها، أخَرَجَ البَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» .
وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «“ إذا نَكَحَ الرَّجُلُ المَرْأةَ فَلا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها دَخَلَ بِالِابْنَةِ أوْ لَمْ يَدْخُلْ وإذا تَزَوَّجَ الأُمَّ ولَمْ يَدْخُلْ بِها ثُمَّ طَلَّقَها فَإنْ شاءَ تَزَوَّجَ الِابْنَةَ» وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَتانِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «النِّساءُ مُبْهَمَةٌ إذا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها أوْ ماتَتْ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّها» .
وأخْرَجَ هو أيْضًا عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عُوَيْمِرٍ أنَّهُ قالَ: نَكَحْتُ امْرَأةً فَلَمْ أدْخُلْ بِها حَتّى تُوُفِّيَ عَمِّي عَنْ أُمِّها فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: انْكِحْ أُمَّها، وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أيْضًا رِوايَتانِ، فَقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً فَفارَقَها قَبْلَ أنْ يَمَسَّها هَلْ تَحِلُّ لَهُ أُمُّها؟
فَقالَ: لا الأُمُّ مُبْهَمَةٌ لَيْسَ فِيها شَرْطٌ إنَّما الشَّرْطُ في الرَّبائِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا ماتَتْ عِنْدَهُ فَأخَذَ مِيراثَها كُرِهَ أنْ يُخْلِفَ عَلى أُمِّها، وإذا طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها فَلا بَأْسَ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كانَ يُفْتِي بِحِلِّ أُمِّ المَرْأةِ إذا لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِبِنْتِها ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ عَنْهُ أنَّهُ اسْتُفْتِيَ بِالكُوفَةِ عَنْ نِكاحِ الأُمِّ بَعْدَ البِنْتِ إذا لَمْ تَكُنِ البِنْتُ مُسَّتْ فَأرْخَصَ في ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ قَدِمَ المَدِينَةَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأخْبَرَ أنَّهُ لَيْسَ كَما قالَ، وإنَّ الشَّرْطَ في الرَّبائِبِ فَرَجَعَ إلى الكُوفَةِ فَلَمْ يَصِلْ إلى بَيْتِهِ حَتّى أتى الرَّجُلَ الَّذِي أفْتاهُ بِذَلِكَ فَأمَرَهُ أنْ يُفارِقَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ سُئِلَ في الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ المَرْأةَ ثُمَّ يُطَلِّقُها أوْ تَمُوتُ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها هَلْ تَحِلُّ لَهُ أُمُّها؟
فَقالَ: هي بِمَنزِلَةِ الرَّبِيبَةِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ، ويَدْخُلُ في لَفْظِ الأُمَّهاتِ الجَدّاتُ مِن قِبَلِ الأبِ والأُمِّ وإنْ عَلَوْنَ وإنْ كانَتِ امْرَأةُ الرَّجُلِ أمَةً فَلا تَحْرُمُ أُمُّها إلّا بِالوَطْءِ أوْ دَواعِيهِ لِأنَّ لَفْظَ النِّساءِ إذا أُضِيفَ إلى الأزْواجِ كانَ المُرادُ مِنهُ الحَرائِرَ كَما في الظِّهارِ والإيلاءِ، وقُرِئَ وأُمَّهاتُ نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ.
﴿ ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكُمْ ﴾ الرَّبائِبُ جَمْعُ رَبِيبَةٍ ورَبَّ ورَبى بِمَعْنًى، والرَّبِيبُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، ولَمّا أُلْحِقَ بِالأسْماءِ الجامِدَةِ جازَ لُحُوقُ التّاءِ لَهُ وإلّا فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّ التّاءَ لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ، والرَّبِيبُ ولَدُ المَرْأةِ مِن آخَرَ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ يِرُبُّهُ غالِبًا كَما يَرُبُّ ولَدَهُ، والحُجُورُ جَمْعُ حَجْرٍ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وهو في اللُّغَةِ حِضْنُ الإنْسانِ أعْنِي ما دُونُ إبِطِهِ إلى الكَشْحِ، وقالُوا: فُلانٌ في حَجْرِ فُلانٍ أيْ في كَنَفِهِ ومَنعَتِهِ وهو المُرادُ في الآيَةِ، ووَصْفُ الرَّبائِبِ بِكَوْنِهِنَّ في الحُجُورِ مُخْرَجٌ مَخْرَجَ الغالِبِ والعادَةُ إذِ الغالِبُ كَوْنُ البِنْتِ مَعَ الأُمِّ عِنْدَ الزَّوْجِ، وفائِدَتُهُ تَقْوِيَةُ عِلَّةِ الحُرْمَةِ، كَما أنَّها النُّكْتَةُ في إيرادِهِنَّ بِاسْمِ الرَّبائِبِ دُونَ بَناتِ النِّساءِ، وقِيلَ: ذُكِرَ ذَلِكَ لِلتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ نَحْوَ ﴿ أضْعافًا مُضاعَفَةً ﴾ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً ﴾ ولَوْلا ما ذُكِرَ لَثَبَتَتِ الإباحَةُ عِنْدَ انْتِفائِهِ بِدَلالَةِ اللَّفْظِ في غَيْرِ مَحَلِّ النُّطْقِ عِنْدَ مَن يَعْتَبِرُ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ وبِالرُّجُوعِ إلى الأصْلِ وهو الإباحَةُ عِنْدَ مَن لا يَعْتَبِرُ المَفْهُومَ لِأنَّ الخُرُوجَ عَنْهُ إلى التَّحْرِيمِ مُقَيَّدٌ بِقَيْدٍ فَإذا انْتَفى القَيْدُ رَجَعَ إلى الأصْلِ لا بِدَلالَةِ اللَّفْظِ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ يَقُولُ بِحِلِّ الرَّبِيبَةِ إذا لَمْ تَكُنْ في الحَجْرِ؛ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أوْسٍ قالَ: «كانَتْ عِنْدِي امْرَأةٌ فَتُوُفِّيَتْ وقَدْ ولَدَتْ لِي فَوَجَدْتُ عَلَيْها فَلَقِيَنِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَقالَ: ما لَكَ؟
فَقُلْتُ: تُوُفِّيَتِ المَرْأةُ فَقالَ: لَها بِنْتٌ؟
قُلْتُ: نَعَمْ وهي بِالطّائِفِ قالَ: كانَتْ في حِجْرِكَ؟
قُلْتُ: لا قالَ: أنْكِحْها قُلْتُ: فَأيْنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكُمْ ﴾ ؟
قالَ: إنَّها لَمْ تَكُنْ في حِجْرِكَ إنَّما ذَلِكَ إذا كانَتْ في حِجْرِكَ» وإلى هَذا ذَهَبَ داوُدُ، والأوَّلُ مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وإلَيْهِ رَجَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ويَدْخُلُ في الحُرْمَةِ بَناتُ الرَّبِيبَةِ والرَّبِيبِ وإنْ سَفُلْنَ لِأنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُهُنَّ بِخِلافِ الأبْناءِ والآباءِ لِأنَّهُ اسْمٌ خاصٌّ بِهِنَّ فَلِذا جازَ التَّزَوُّجُ بِأُمِّ زَوْجَةِ الِابْنِ وبِنْتِها، وجازَ لِلِابْنِ التَّزَوُّجُ بِأُمِّ زَوْجَةِ الأبِ وبِنْتِها.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ثُبُوتَ حُرْمَةِ المَذْكُوراتِ بِالإجْماعِ.
﴿ مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ الجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( رَبائِبُكم ) أوْ مِن ضَمِيرِها المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ أيِ اللّاتِي اسْتَقْرَرْنَ في حُجُورِكم كائِناتٍ مِن نِسائِكُمُ إلَخْ، و( اللّاتِي ) صِفَةٌ لِلنِّساءِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وهي لِلتَّقْيِيدِ إذْ رَبِيبَةُ الزَّوْجَةِ الغَيْرِ المَدْخُولِ بِها لَيْسَتْ بِحَرامٍ ولا يَجُوزُ كَوْنُ الجارِّ حالًا مِن أُمَّهاتٍ أيْضًا، أوْ مِمّا أُضِيفَتْ هي إلَيْهِ ضَرُورَةَ أنَّ الحالِيَّةَ مِن رَبائِبِكم أوْ مِن ضَمِيرِهِ يَقْتَضِي كَوْنَ مِنِ ابْتِدائِيَّةً وحالِيَّتُهُ مِن أُمَّهاتٍ، أوْ مِن نِسائِكم يَسْتَدْعِي كَوْنَها بَيانِيَّةً، وادِّعاءُ كَوْنِها اتِّصالِيَّةً كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى»» وقَوْلِهِ: إذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا ∗∗∗ فَلَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي وهُوَ مَعْنًى يَنْتَظِمُ الِابْتِداءُ والبَيانُ فَيَتَناوَلُ اتِّصالَ الأُمَّهاتِ بِالنِّساءِ لِأنَّهُنَّ والِداتٌ، وبِالرَّبائِبِ لِأنَّهُنَّ مَوْلُوداتٌ، أوْ جَعَلَ المَوْصُولَ صِفَةً لِلنَّسّاءَيْنِ مَعَ اخْتِلافِ عامِلَيْهِما لِأنَّ النِّساءَ المُضافَ إلَيْهِ أُمَّهاتٌ مَخْفُوضٌ بِالإضافَةِ، والمَجْرُورُ بِمِن بِها بَعِيدٌ جِدًّا بَلْ يَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ ساحَةُ التَّنْزِيلِ عَنْهُ، وأمّا القِراءَةُ فَضَعِيفَةُ الرِّوايَةِ، وعَلى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ مَحْمُولَةٌ عَلى النَّسْخِ كَما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، والباءُ مِن ( بِهِنَّ ) لِلتَّعْدِيَةِ، وفِيها مَعْنى المُصاحِبَةِ أوْ بِمَعْنى مَعَ أيْ دَخَلْتُمْ مَعَهُنَّ السِّتْرَ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ كَبُنى عَلَيْها، وضَرَبَ عَلَيْها الحِجابَ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَقُولُ: بَنى بِها، ووَهَمَهُمُ الحَرِيرِيُّ وهو وهْمٌ.
واللَّمْسُ ونَظائِرُهُ في حُكْمِ الجِماعِ عِنْدَ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، قالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: واعْتُرِضَ بِأنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ لا مَجالَ لَهُ لِأنَّ صَرِيحَ الآيَةِ غَيْرُ مُرادٍ قَطْعًا بَلْ ما اشْتُهِرَ مِن مَعْناها الكِنائِيِّ فَما قالَهُ إنْ أُثْبِتَ بِالقِياسِ فَهو مُخالِفٌ لِصَرِيحِ مَعْنى الشَّرْطِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ تَعالى بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وإنْ أُثْبِتَ بِالحَدِيثِ وهو غَيْرُ مَشْهُورٍ لَمْ يُوافِقْ أُصُولَهُ، ويُدْفَعُ بِأنَّهُ مِن صَرِيحِ النَّصِّ لِأنَّ باءَ الإلْصاقِ صَرِيحَةٌ فِيهِ لِأنَّهُ يُقالُ: دَخَلَ بِها إذا أمْسَكَها وأدْخَلَها البَيْتَ فَإنْ قُلْتَ: هَبْ أنَّ الكِنايَةَ لا يُشْتَرَطُ فِيها القَرِينَةُ المانِعَةُ عَنْ إرادَةِ الحَقِيقَةِ لَكِنْ تَلْزَمُ إرادَتُهُ كَما حَقَّقَ في المَعانِي فَلا دَلالَةَ لِلْآيَةِ عَلَيْهِ أُجِيبُ: بِأنَّهُ وإنْ لَمْ يَلْزَمْ إرادَتَهُ لَكِنْ لا مانِعَ مِنهُ عِنْدَ قِيامِ قَرِينَةٍ عَلى إرادَتِهِ، وكَفى بِالآثارِ قَرِينَةٌ، ومِنها ما رُوِيَ مِن طَرِيقِ ابْنِ وهْبٍ عَنْ أبِي أيُّوبَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ««أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ في الَّذِي يَتَزَوَّجُ المَرْأةَ فَيَغْمِزُ لا يَزِيدُ عَلى ذَلِكَ لا يَتَزَوَّجُ ابْنَتَها»» وهو مُرْسَلٌ ومُنْقَطِعٌ إلّا أنَّ هَذا لا يَقْدَحُ عِنْدَنا إذا كانَتِ الرِّجالُ ثِقاتٍ فَلِذا أدْرَجُوهُ في مَدْلُولِ النَّظْمِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: «إذا جامَعَ الرَّجُلُ المَرْأةَ أوْ قَبَّلَها أوْ لَمَسَها بِشَهْوَةٍ أوْ نَظَرَ إلى فَرْجِها بِشَهْوَةٍ حُرِّمَتْ عَلى أبِيهِ وابْنِهِ وحُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمُّها وبِنْتُها.
فَإنْ قُلْتَ هَبْ أنَّهُ يُدْخِلُ اللَّمْسَ في صَرِيحِهِ فَكَيْفَ يَدْخُلُ نَظِيرُهُ فِيهِ؟
أُجِيبُ بِأنَّهُ داخِلٌ بِدَلالَةِ النَّصِّ، وما ذُكِرَ مِن مُخالَفَةِ صَرِيحِ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِبارِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ، ونَحْنُ لا نَقُولُ بِهِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ عامٍّ، وبِتَقْدِيرِ عُمُومِهِ لا يَبْعُدُ القَوْلُ بِالتَّخْصِيصِ فَتَدَبَّرْ.
والزِّنا في الفَرْجِ مُحَرَّمٌ عِنْدَنا فَمَن زَنى بِامْرَأةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِنْتُها خِلافًا لِلشّافِعِيِّ حَيْثُ ذَهَبَ إلى أنَّ الزِّنا لا يُوجِبُ حُرْمَةَ المُصاهَرَةِ لِأنَّها نِعْمَةٌ فَلا تُنالُ بِمَحْظُورٍ، ولِقَوْلِهِ : «لا يُحَرِّمُ الحَرامُ الحَلالَ» ولَنا أنَّ الوَطْءَ سَبَبٌ لِلْوَلَدِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ قِياسًا عَلى الوَطْءِ الحَلالِ، ووَصْفُ الحَلِّ لا دَخْلَ لَهُ في المَناطِ فَإنَّ وطْءَ الأمَةِ المُشْتَرِكَةِ وجارِيَةِ الِابْنِ والمُكاتَبَةِ والمُظاهَرِ مِنها وأمَتِهِ المَجُوسِيَّةِ والحائِضِ والنُّفَساءِ ووَطْءَ المُحْرِمِ والصّائِمِ كُلُّهُ حَرامٌ، وتَثْبُتُ بِهِ الحُرْمَةُ المَذْكُورَةُ، ويَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ في الأصْلِ هو ذاتُ اِلْوَطْءِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ لِكَوْنِهِ حَلالًا أوْ حَرامًا.
ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْتُ بِامْرَأةٍ في الجاهِلِيَّةِ أفَأنْكَحُ ابْنَتَها فَقالَ : ”لا أرى ذَلِكَ ولا يَصْلُحُ أنْ تَنْكِحَ امْرَأةً تَطَّلِعُ مِنِ ابْنَتِها عَلى ما تَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنها“»، وهَذا وإنْ كانَ فِيهِ إرْسالٌ وانْقِطاعٌ لَكِنْ جِئْنا بِهِ في مُقابَلَةِ خَبَرِهِمْ وقَدْ طَعَنَ فِيهِ المُحَدِّثُونَ، وذَكَرَهُ عَبْدُ الحَقِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ قالَ: في إسْنادِهِ إسْحاقُ بْنُ أبِي فَرْوَةَ وهو مَتْرُوكٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُجْرًى عَلى ظاهِرِهِ، أرَأيْتَ لَوْ بالَ أوْ صَبَّ خَمْرًا في ماءٍ قَلِيلٍ ألَمْ يَكُنْ حَرامًا مَعَ أنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمالُهُ فَيَجِبُ كَوْنُ المُرادِ مِنهُ أنَّ الحَرامَ لا يَحْرُمُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ حَرامًا وحِينَئِذٍ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ إذْ لَمْ نَقُلْ بِإثْباتِ الزِّنا حُرْمَةُ المُصاهَرَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ زِنًا بَلْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ وطْءً، وأجابَ صاحِبُ «الهِدايَةِ» عَنْ قَوْلِهِمْ في تَعْلِيلِ كَوْنِ الزِّنا لا يُوجِبُ حُرْمَةَ المُصاهَرَةِ بِأنَّها نِعْمَةٌ فَلا تُنالُ بِمَحْظُورٍ «بِأنَّ الوَطْءَ يُحَرَّمُ مِن حَيْثُ إنَّهُ سَبَبُ لِلْوَلَدِ لا مِن حَيْثُ ”ذاتُهُ ولا مِن حَيْثُ“ إنَّهُ زِنًا»، وفي «فَتْحِ القَدِيرِ» أنَّ هَذا القَوْلَ «مَغْلَطَةٌ فَإنَّ النِّعْمَةَ لَيْسَتِ التَّحْرِيمَ مِن حَيْثُ هو تَحْرِيمٌ لِأنَّهُ تَضْيِيقٌ ولِذا اتَّسَعَ الحِلُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ”نِعْمَةً“ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بَلْ مِن حَيْثُ هو يَتَرَتَّبُ عَلى المُصاهَرَةِ فَحَقِيقَةُ النِّعْمَةِ هي المُصاهَرَةُ لِأنَّها الَّتِي تُصَيِّرُ الأجْنَبِيَّ قَرِيبًا ”عَضُدًا وساعِدًا يُهِمُّهُ ما أهُمَّكَ ولا مُصاهَرَةَ بِالزِّنا، فالصِّهْرُ زَوْجُ البِنْتِ مَثَلًا لا مِن زِنًا بِبِنْتِ الإنْسانِ فانْتَفَتِ الصَّهْرِيَّةُ وفائِدَتُها أيْضًا إذِ الإنْسانُ يَنْفِرُ مِنَ الزّانِي بِبِنْتِهِ فَلا يَتَعَرَّفُ بِهِ بَلْ يُعادِيهِ فَأنّى يَنْتَفِعُ بِهِ،“ والمَنقُولاتُ مُتَكافِئَةٌ فالمَرْجِعُ القِياسُ، وقَدْ بَيَّنّا فِيهِ إلْغاءَ وصْفٍ زائِدٍ عَلى كَوْنِهِ وصْفًا»، وتَمامُ الكَلامِ في المَبْسُوطاتِ مِن كُتُبِ أئِمَّتِنا.
﴿ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا ﴾ أيْ فِيما قَبْلُ ﴿ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ أيْ بِأُولَئِكَ النِّساءِ أُمَّهاتِ الرَّبائِبِ ﴿ فَلا جُناحَ ﴾ أيْ فَلا إثْمَ ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ أصْلًا في نِكاحِ بَناتِهِنَّ إذا طَلَّقْتُمُوهُنَّ أوْ مِتْنَ، وهَذا تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ ما قَبْلَهُ، وفِيهِ دَفْعُ تَوَهُّمٍ أنَّ قَيْدَ الدُّخُولِ كَقَيْدِ الكَوْنِ في الحُجُورِ، والفاءُ الأُولى لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها عَلى طَرْزِ ما مَرَّ، وفي الِاقْتِصارِ في بَيانِ نَفْيِ الحُرْمَةِ عَلى نَفْيِ الدُّخُولِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُعْتَبَرَ في الحُرْمَةِ إنَّما هو الدُّخُولُ دُونَ كَوْنِ الرَّبائِبِ في الحُجُورِ، وإلّا لَقِيلَ: فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ولَسْنَ في حُجُورِكم أوْ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أوْ لَسْنَ في حُجُورِكم جَرْيًا عَلى العادَةِ في إضافَةِ نَفْيِ الحُكْمِ إلى نَفْيٍ تَمامِ العِلَّةِ المُرَكَّبَةِ أوْ أحَدِ جُزْأيْها الدّائِرِ، وإنْ صَحَّ إضافَتُهُ إلى نَفْيِ جُزْئِها المُعَيَّنِ لَكِنَّهُ خِلافَ المُسْتَمِرِّ مِنَ الِاسْتِعْمالِ.
﴿ وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ ﴾ أيْ زَوْجاتُهم جَمْعُ حَلِيلَةٍ سُمِّيَتِ الزَّوْجَةُ بِذَلِكَ لِأنَّها تَحِلُّ مَعَ زَوْجِها في فِراشٍ واحِدٍ، أوْ لِأنَّها تَحِلُّ مَعَهُ حَيْثُ كانَ فَهي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ، وكَذا يُقالُ لِلزَّوْجِ حَلِيلٌ.
وقِيلَ: اشْتِقاقُهُما مِنَ الحَلِّ لِحَلِّ كُلٍّ مِنهُما إزارَ صاحِبِهِ، وقِيلَ: مِنَ الحِلِّ إذْ كَلٌّ مِنهُما حَلالٌ لِصاحِبِهِ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، والتّاءُ في حَلِيلَةٍ لِإجْرائِها مَجْرى الجَوامِدِ ولَوْ جُعِلَ فَعِيلٌ في جانِبِ الزَّوْجِ بِمَعْنى فاعِلٍ، وفي جانِبِ الزَّوْجَةِ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كانَ فِيهِ نَوْعُ لَطافَةٍ لا تَخْفى، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ فَقَطْ، وأمّا حُرْمَةُ مَن وطِئَها الِابْنُ مِمَّنْ لَيْسَ بِزَوْجَةٍ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ، وقالَ ابْنُ الهُمامِ: «إنِ اعْتُبِرَ الحَلِيلَةُ مِن حُلُولِ الفِراشِ أوْ حَلِّ الإزارِ تَناوَلَ المَوْطُوأةَ بِمِلْكِ اليَمِينِ أوْ شُبْهَةٍ أوْ زِنًا فَيَحْرُمُ الكُلُّ عَلى الآباءِ وهو الحُكْمُ الثّابِتُ عِنْدَنا.
.
.
ولا يَتَناوَلُ المَعْقُودَ عَلَيْها لِلِابْنِ أوْ بَنِيهِ وإنْ سَفُلُوا قَبْلَ الوَطْءِ والفَرْضِ أنَّها بِمُجَرَّدِ العَقْدِ تَحْرُمُ عَلى الآباءِ وذَلِكَ بِاعْتِبارِهِ مِنَ الحِلِّ بِالكَسْرِ، وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى حُرْمَةِ المَزْنِيِّ بِها لِلِابْنِ عَلى الأبِ فَيَجِبُ اعْتِبارُهُ في أعَمَّ مِنَ الحِلِّ والحَلِّ، ثُمَّ يُرادُ بِالأبْناءِ الفُرُوعُ فَتَحْرُمُ حَلِيلَةُ الِابْنِ السّافِلِ عَلى الجَدِّ الأعْلى» وكَذا ابْنُ البِنْتِ وإنْ سَفُلَ، والظّاهِرُ مِن كَلامِ اللُّغَوِيِّينَ أنَّ الحَلِيلَةَ الزَّوْجَةُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، واخْتارَ بَعْضُهم إرادَةَ المَعْنى الأعَمِّ الشّامِلِ لِمِلْكِ اليَمِينِ لِيَكُونَ السِّرُّ في التَّعْبِيرِ بِها هُنا دُونَ الأزْواجِ أوِ النِّساءِ أنَّ الرَّجُلَ رُبَّما يَظُنُّ أنَّ مَمْلُوكَةَ ابْنِهِ مَمْلُوكَةٌ لَهُ بِناءًا عَلى أنَّ الوَلَدَ ومالَهُ لِأبِيهِ فَلا يُبالِي بِوَطْئِها وإنْ وطِئَها الِابْنُ فَنَبَّهُوا عَلى تَحْرِيمِها بِعُنْوانٍ صادِقٍ عَلَيْها وعَلى الزَّوْجَةِ صِدْقَ العامِّ عَلى أفْرادِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما فَتَدَبَّرْ، وحُكْمُ المَمْسُوساتِ ونَحْوِهِنَّ حُكْمُ اللّاتِي وطِئَهُنَّ الأبْناءُ.
﴿ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ ﴾ صِفَةٌ لِلْأبْناءِ، وذُكِرَ لِإسْقاطِ حَلِيلَةِ المُتَبَنّى، وعَنْ عَطاءٍ أنَّها نَزَلَتْ حِينَ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ امْرَأةَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ المُشْرِكُونَ في ذَلِكَ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ إسْقاطُ حَلِيلَةِ الِابْنِ مِنَ الرِّضاعِ فَإنَّها حَرامٌ أيْضًا كَحَلِيلَةِ الِابْنِ مِنَ النَّسَبِ.
وذَكَرَ بَعْضُهم فِيهِ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والمَشْهُورُ عَنْهُ الوِفاقُ في ذَلِكَ.
﴿ وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ ﴾ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ المُحَرَّماتِ، والمُرادُ جَمْعُهُما في النِّكاحِ لا في مِلْكِ اليَمِينِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِما أُخْتَيْنِ مِنَ النَّسَبِ أوِ الرَّضاعَةِ حَتّى قالُوا: لَوْ كانَ لَهُ زَوْجَتانِ رَضِيعَتانِ أرْضَعَتْهُما أجْنَبِيَّةٌ فَسَدَ نِكاحُهُما.
وحُكِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ يَفْسُدُ نِكاحُ الثّانِيَةِ فَقَطْ ولا يَحْرُمُ الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ في مِلْكِ اليَمِينِ، نَعَمْ جَمَعَهُما في الوَطْءِ بِمِلْكِ اليَمِينِ مُلْحَقٌ بِهِ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ لِاتِّحادِهِما في المَدارِ فَيَحْرُمُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وعَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، فَأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ لَهُ أُمَتانِ أُخْتانِ وطِئَ إحْداهُما ثُمَّ أرادَ أنْ يَطَأ الأُخْرى قالَ: لا حَتّى يُخْرِجَها مِن مِلْكِهِ،وأخْرَجا مِن طَرِيقِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الأُخْتَيْنِ المَمْلُوكَتَيْنِ أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ ولا آمُرُ ولا أنْهى ولا أُحَلِّلُ ولا أُحَرِّمُ ولا أفْعَلُهُ أنا ولا أهْلُ بَيْتِي، ورَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الجَمْعَ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، وحُكِيَ مِثْلُهُ عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما أُحِبُّ أنْ أُجِيزَ الجَمْعَ ونَهى السّائِلُ عَنْهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الظّاهِرَ أنَّ القائِلَ بِالحِلِّ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم رَجَعَ إلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وإنْ قُلْنا بِعَدَمِ الرُّجُوعِ فالإجْماعُ اللّاحِقُ يَرْفَعُ الخِلافَ السّابِقَ، وإنَّما يَتِمُّ إذا لَمْ يُعْتَدَّ بِخِلافِ أهْلِ الظّاهِرِ وبِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ فالمُرَجَّحُ التَّحْرِيمُ عِنْدَ المُعارَضَةِ، وإذا تَزَوَّجَ أُخْتَ أمَتِهِ المَوْطُوأةِ صَحَّ النِّكاحُ وحَرُمَ وطْءُ واحِدَةٍ مِنهُما حَتّى يُحَرِّمَ المَوْطُوأةَ عَلى نَفْسِهِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ فَحِينَئِذٍ يَطَأُ المَنكُوحَةَ لِعَدَمِ الجَمْعِ -كالبَيْعِ كُلًّا أوْ بَعْضًا - والمُتَزَوِّجُ الصَّحِيحُ والهِبَةُ مَعَ التَّسْلِيمِ والإعْتاقُ كُلًّا أوْ بَعْضًا والكِتابَةُ ولَوْ تَزَوَّجَ الأُخْتَ نِكاحًا فاسِدًا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ أمَتُهُ المَوْطُوأةُ إلّا إذا دَخَلَ بِالمَنكُوحَةِ فَحِينَئِذٍ تَحْرُمُ المَوْطُوأةُ لِوُجُودِ الجَمْعِ بَيْنَهُما حَقِيقَةً، ولا يُؤَثِّرُ الإحْرامُ والحَيْضُ والنِّفاسُ والصَّوْمُ وكَذا الرَّهْنُ والإجارَةُ والتَّدْبِيرُ لِأنَّ فَرْجَها لا يَحْرُمُ بِهَذِهِ الأسْبابِ، وإذا عادَتِ المَوْطُوأةُ إلى مِلْكِهِ بَعْدَ الإخْراجِ سَواءٌ كانَ بِفَسْخٍ أوْ شِراءٍ جَدِيدٍ لَمْ يَحِلَّ وطْءُ واحِدَةٍ مِنهُما حَتّى يُحَرِّمَ الأمَةَ عَلى نَفْسِهِ بِسَبَبٍ كَما كانَ أوَّلًا، وظاهِرُ قَوْلِهِمْ: لا يَحِلُّ الوَطْءُ حَتّى يَحْرُمَ أنَّ النِّكاحَ صَحِيحٌ، وقَدْ نَصُّوا عَلى ذَلِكَ وعَلَّلُوهُ بِصُدُورِهِ عَنْ أهْلِهِ مُضافًا إلى مَحَلِّهِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ المَنكُوحَةَ مَوْطُوأةٌ حُكْمًا بِاعْتِرافِهِمْ فَيَصِيرُ بِالنِّكاحِ جامِعًا وطْءً حُكْمًا وهو باطِلٌ، ومِن هُنا ذَهَبَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ إلى عَدَمِ الصِّحَّةِ، وأُجِيبُ بِأنَّ لُزُومَ الجَمْعِ بَيْنَهُما وطْءً حُكْمًا لَيْسَ بِلازِمٍ لِأنَّ بِيَدِهِ إزالَتَهُ فَلا يَضُرُّ بِالصِّحَّةِ ويَمْنَعُ مِنَ الوَطْءِ بَعْدَها لِقِيامِهِ إذْ ذاكَ، وإسْنادُ الحُرْمَةِ إلى الجَمْعِ لا إلى الثّانِيَةِ بِأنْ يُقالَ: وأخَواتُ نِسائِكم لِلِاحْتِرازِ عَنْ إفادَةٍ الحُرْمَةِ المُؤَبَّدَةِ كَما في المُحَرَّماتِ السّابِقَةِ، ولِكَوْنِهِ بِمَعْزِلٍ عَنْ إفادَةِ حُرْمَةِ الجَمْعِ عَلى سَبِيلِ المَعِيَّةِ، ويَشْتَرِكُ في هَذا الجَمْعُ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها أوْ خالَتِها ونَظائِرُ ذَلِكَ فَإنَّ مَدارَ حُرْمَةِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إفْضاؤُهُ خِلافًا لِما في «المَبْسُوطِ» إلى قَطْعِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِوَصْلِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أرْحامَكم» وما رَواهُ أبُو داوُدَ في «مَراسِيلِهِ» عَنْ عِيسى بْنِ طَلْحَةَ قالَ: «نَهى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ تُنْكَحَ المَرْأةُ عَلى قَرابَتِها مَخافَةَ القَطِيعَةِ»» وذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ في الجَمْعِ بَيْنَ مَن ذَكَرْنا بَلْ أوْلى فَإنَّ العَمَّةَ والخالَةَ بِمَنزِلَةِ الأُمِّ فَقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُبالِغًا في بَيانِ التَّحْرِيمِ: ”«لا تَنْكِحُ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها ولا عَلى خالَتِها ولا عَلى ابْنَةِ أُخْتِها ولا عَلى ابْنَةِ أخِيها“» مِن قَبِيلِ بَيانِ التَّفْسِيرِ لا بَيانِ التَّعْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ.
وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الحَدِيثَ مَشْهُورٌ فَقَدْ ثَبَتَ في «صَحِيحَيْ مُسْلِمٍ وابْنِ حِبّانَ»، ورَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وتَلَقّاهُ الصَّدْرُ الأوَّلُ بِالقَبُولِ مِنَ الصَّحابَةِ، والتّابِعِينَ، ورَواهُ الجَمُّ الغَفِيرُ مِنهم أبُو هُرَيْرَةَ وجابِرٌ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، فَيَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ ﴾ بَلْ لَوْ كانَ مِن أخْبارِ الآحادِ جازَ التَّخْصِيصُ بِهِ غَيْرَ مُتَوَقِّفٍ عَلى كَوْنِهِ مَشْهُورًا، وقالَ ابْنُ الهُمامِ: الظّاهِرُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنِ ادِّعاءِ الشُّهْرَةِ لِأنَّ الحَدِيثَ مَوْقِعُهُ النَّسْخُ لا التَّخْصِيصُ، وبَيْنَهُ في «فَتْحِ القَدِيرِ» فارْجِعْ إلَيْهِ.
﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ.
وقَصْدُ المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ هُنا غَيْرُ مُناسِبٍ لِلتَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ لِأنَّ الغُفْرانَ والرَّحْمَةَ لا يُناسِبُ تَأْكِيدَ التَّحْرِيمِ.
والمُرادُ مِمّا سَلَفَ ما مَضى قَبْلَ النَّهْيِ فَإنَّهم كانُوا يَجْمَعُونَ بِهِ الأُخْتَيْنِ، أخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ «عَنْ فَيْرُزَ الدَّيْلَمِيِّ أنَّهُ أدْرَكَهُ الإسْلامُ وتَحْتَهُ أُخْتانِ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ : «طَلِّقْ أيَّتَهُما شِئْتَ»»، وقالَ عَطاءٌ والسُّدِّيُّ: مَعْناهُ إلّا ما كانَ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ جَمَعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، لَيّا أُمِّ يَهُودا وراحِيلَ أُمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا يُساعِدُهُ التَّذْيِيلُ لِما أنَّ ما فَعَلَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ صَحَّ كانَ حَلالًا في شَرِيعَتِهِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى إلّا امْرَأةَ الأبِ والجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ وأنَّهُ قالَ: ألا يُرى أنَّهُ قَدْ عَقَّبَ النَّهْيَ عَنْ كُلٍّ مِنهُما بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ وهَذا كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ يُشِيرُ إلى كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ فِيهِما عَلى سَنَنٍ واحِدٍ ويَأْباهُ اخْتِلافُ ما بَعْدَهُما.
الجُزْءُ الرّابِعُ مِن تَفْسِيرِ رُوحِ المَعانِي، ويَتْلُوهُ الجُزْءُ الخامِسُ أوَّلُهُ: ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ ﴾ <div class="verse-tafsir"
فقال تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ يعني: لا تتزوجوا من قد تزوج آباؤكم من النساء، ويقال: اسم النكاح يقع على الجماع والتزوج، فإن كان الأب تزوج امرأة أو وطئها بغير نكاح، حرمت على ابنه.
وقوله: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ يقول: لا تفعلوا ما قد فعلتم في الجاهلية، وكان الناس يتزوج الرجل منهم امرأة الأب برضاها بعد نزول قوله لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً حتى نزلت هذه الآية وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ الآية.
فصار حراماً في الأحوال كلها.
ويقال: إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ، يعني ولا ما قد سلف كقوله تعالى وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً [النساء: 92] ولا خطأ.
وقد قيل: إن في الآية تقديماً وتأخيراً، ومعناه ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء، فإنكم إن فعلتم تؤاخذون وتعاقبون إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ، إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ.
وقد قيل: إن في الآية إضماراً تقول: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ من النساء، فإنكم إن فعلتم تعاقبون وتؤاخذون إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ.
ثم قال: إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً أي معصية وَمَقْتاً أي بغضاً وَساءَ سَبِيلًا أي بئس المسلك حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ أي نكاح أمهاتكم، فذكر الأمهات والمراد منه الأمهات والجدات وَبَناتُكُمْ ذكر البنات، والمراد به البنات والحفيدات أي بنات الأولاد.
ثم قال تعالى: وَأَخَواتُكُمْ يعني من النسب وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ.
ثم قال تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ يعني أن نكاح أمهات نسائكم حرام عليكم، سواء دخل بالابنة أو لم يدخل بها.
هكذا روي عن ابن عباس وعن جماعة من الصحابة أنهم قالوا ذلك.
ثم قال: وَرَبائِبُكُمُ يعني حرام عليكم نكاح بنات نسائكم اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ يعني التي يربيها في حجره، حرام عليه إذا دخل بأمها مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يعني: إن لم يكن دخل بأمها فهي حلال له أن يتزوجها، وقد اتفقوا على أن كونها في الحجر ليس بشرط، غير قول روي عن بعض المتقدمين، وإنما ذكر الحجر لتعارفهم فيما بينهم، وتسميتهم بذلك الاسم.
ثم قال تعالى: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ يعني حرام عليكم نساء أَبْنَآئِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ يقال: إنما اشترط الذين من الأصلاب لزوال الاشتباه، لأن القوم كانوا يتبنون في ذلك الوقت ويجعلون الابن المتبنى بمنزلة ابن الصلب في الميراث والحرمة.
وتبنى رسول الله زيد بن حارثة، فتزوج زيد بن حارثة امرأة ثم طلقها، فتزوجها رسول الله ، فعيّره المشركون بذلك وقالوا: تزوج امرأة ابنه، فنزل قوله تعالى مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ [الأحزاب: 40] وذكر في هذه الآية فقال: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ لكي لا يظن أحد أن امرأة الابن المتبنى تحرم عليه.
ثم قال تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ أي حرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين في النكاح في حالة واحدة، ثم قال تعالى: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ يقول: إلا ما قد مضى في الجاهلية.
وروى هشام بن عبيد الله، عن محمد بن الحسن أنه قال: كان أهل الجاهلية يعرفون هذه المحرمات كلها التي ذكر في هذه الآية، إلا اثنتين أحدهما نكاح امرأة الأب، والثانية الجمع بين الأختين.
ألا ترى أنه قال تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ولم يذكر في سائر المحرمات إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ.
ويقال: إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ، يعني: دع ما قد مضى إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً لما كان في الجاهلية، رَحِيماً بما كان في الإسلام إن تاب من ذلك.
ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"
بالذمِّ محذوفٌ، أي: سبيلُ هذا النكاحِ كقوله تعالى: بِئْسَ الشَّرابُ [الكهف: ٢٩] ، أي:
ذلِكَ الماءُ انتهى.
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣)
وقوله سبحانه: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ ...
الآية: حُكْمٌ حرَّم اللَّه به سبعاً من النَّسَب، وسِتًّا من بَيْنِ رضاعٍ وصهْرٍ، وأَلْحَقَتِ السنةُ المتواترةُ سابِعَةً، وهي الجَمْعُ بَيْنَ المرأةِ وعَمَّتها «١» ، ومضى عليه الإجماع، وروي عن ابْنِ عَبَّاس أنه قال: حرّم من النّسب
سَبْعٌ، ومن الصِّهْرَ سَبْعٌ، وتلا هذه الآية «١» ، وقال عمرو بن سالم مِثْلَ ذلك، وجعل السابعةَ قولَهُ تعالى: وَالْمُحْصَناتُ «٢» [النساء: ٢٤] .
وقوله تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ، أي: سواءٌ دَخَلَ بالبنْتِ، أو لم يَدْخُلْ، فبالعَقْدِ علَى البنْتِ حُرِّمَتِ الأُمُّ هذا الذي عليه الجمهورُ «٣» .
وقوله تعالى: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ذَكَرَ الأغلَبَ من هذه الأمور إذ هذه
حالةُ الرَّبِيبَةِ في الأكْثَر، وهي محرَّمة، وإن لم تكُنْ في الحِجْرِ، ويقالُ: حِجْرٌ (بكسر الحاء، وفَتْحِها) ، وهو مقدَّم ثَوْبِ الإنسان وما بَيْنَ يديه منه، ثم استعملت اللفظةُ في الحفظ والسّتر.
وقوله: اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، قال ابن عبَّاس وغيره: الدخُولُ هنا الجماع «١» ،
وجمهورُ العلماءِ يقُولُون: إنَّ جميعَ أنواعِ التلذُّذ بالأُمِّ يُحَرِّمُ الإبنةَ كما يحرِّمها الجماعُ، والحلائلُ: جمع حليلة لأنها تحلّ مع الزَّوْج حيث حَلَّ، فهي فَعِيلَةٌ بمعنى فَاعِلَةٍ، وذهب الزَّجَّاج «١» وقومٌ إلى أنَّها مِنْ لفظة «الحَلاَلِ» ، فهي حليلةٌ بمعنى مُحَلَّلَةٍ.
وقوله تعالى: الَّذِينَ/ مِنْ أَصْلابِكُمْ يخرُج مَنْ كانَتِ العربُ تتبنَّاه مِمَّنْ ليس للصُّلْب، وحُرِّمَتْ حليلةُ الابن مِنَ الرَّضَاعِ، وإنْ لم يكُنْ للصُّلْب بالإِجماع المستند إلى قوله صلّى الله عليه وسلّم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» «٢» .
وقوله تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ: لفظٌ يعمُّ الجمْعَ بنكاحٍ وبملك يمين، وأجمعتِ الأمَّة على مَنْع جَمْعِهِمَا بنكاحٍ، ولا خلافَ في جواز جمعهما بالملك «٣» ،
ومذْهَبُ مالكٍ أنَّ له أنْ يَطَأَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ، والكَفُّ عن الأخرى موكولٌ إلى أمانَتِهِ، فإن أراد وطْءَ الأخرى، فيلزمه أنْ يحرِّم فَرْجَ الأولى بعتْقٍ، أو كتابةٍ، أو غَيْرِ ذلك وثبت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أنه نهى أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» «١» ، وأجمعت الأُمَّة على ذلك.
وقوله تعالى: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ: استثناء منقطعٌ، معناه: لكنْ ما قد سَلَفَ من ذلك، ووقع وأزالَهُ الإِسلام، فإن اللَّه تعالى يغفره، والإسلام يجبّه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ في أُمَّهاتٍ: أماتَ، ولَكِنَّ الهاءَ زِيدَتْ مُؤَكِّدَةً، كَما زادُوها فِي: أهْرَقْتُ الماءَ، وإنَّما أصْلُهُ: أرَقْتُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ ﴾ إنَّما سُمِّينَ أُمَّهاتٍ، لِمَوْضِعِ الحُرْمَةِ.
واخْتَلَفُوا: هَلْ يُعْتَبَرُ في الرَّضاعِ العَدَدُ، أمْ لا؟
فَنَقَلَ حَنْبَلٌ، عَنْ أحْمَدَ: أنَّهُ يَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِالرَّضْعَةِ الواحِدَةِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وعَلِيَّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، والحَسَنِ، وطاوُوسَ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخْعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، ومالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ.
ونَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ العَبّاسِ، عَنْ أحْمَدَ: أنَّهُ يَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِثَلاثِ رَضَعاتٍ.
ونَقَلَ أبُو الحارِثِ، عَنْ أحْمَدَ: لا يَتَعَلَّقُ بِأقَلِّ مِن خَمْسِ رَضَعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ﴾ أُمَّهاتُ النِّساءِ: يَحْرُمْنَ بِنَفْسِ العَقْدِ عَلى البِنْتِ، سَواءٌ دَخَلَ بِالبِنْتِ، أوْ لَمْ يَدْخُلْ، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ، وعِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، ومَسْرُوقٍ، وعَطاءٍ، وطاوُوسَ، والحَسَنِ والجُمْهُورِ.
وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ: لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَبائِبُكُمُ ﴾ الرَّبِيبَةُ: بِنْتُ امْرَأةِ الزَّوْجِ مِن غَيْرِهِ، ومَعْنى الرَّبِيبَةُ: مَرْبُوبَةٌ، لِأنَّ الرَّجُلَ يُرَبِّيها، وخَرَجَ الكَلامُ عَلى الأعَمِّ مِن كَوْنِ التَّرْبِيَةِ في حِجْرِ الرَّجُلِ، لا عَلى الشَّرْطِ.
قَوْلُهُ: ﴿ وَحَلائِلُ أبْنائِكُمُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحَلائِلُ: الأزْواجُ.
وحَلِيلَةٌ: بِمَعْنى: مُحَلَّةٌ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الحَلالِ.
وقالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأنَّها تَحِلُّ مَعَهُ أيْنَما كانَ.
وقَرَأْتٌ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: الحَلِيلُ: الزَّوْجُ، والحَلِيلَةُ: المَرْأةُ، وسُمِّيا بِذَلِكَ، إمّا لِأنَّهُما يَحِلّانِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُحالُ صاحِبُهُ، أيْ: يُنازِلُهُ، أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَحِلُّ إزارَ صاحِبِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ ﴾ قالَ عَطاءٌ: إنَّما ذَكَرَ الأصْلابَ، لِأجْلِ الأدْعِياءِ.
والكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في الآَيَةِ الَّتِي قَبْلَها.
وقَدْ زادُوا في هَذا قَوْلَيْنِ آَخَرِينَ.
أحَدُهُما: إلّا ما قَدْ سَلَفَ مِن أمْرِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ أُمِّ يُوسُفَ وأُخْتِها، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ، والسُّدِّيِّ، وفِيهِ ضَعْفٌ لِوَجْهَيْنِ.
أحَدِهِما: أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ يَتَعَلَّقُ بِشَرِيعَتِنا، ولَيْسَ كُلُّ الشَّرائِعِ تَتَّفِقُ، ولا وجْهَ لِلْعَفْوِ عَنّا فِيما فَعَلَهُ غَيْرُنا.
والثّانِي: أنَّهُ لَوْ طُولِبَ قائِلُ هَذا بِتَصْحِيحِ نَقْلِهِ، لَعُسِرِ عَلَيْهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ فائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّ العُقُودَ المُتَقَدِّمَةَ عَلى الأُخْتَيْنِ لا تَنْفَسِخُ، ويَكُونُ لِلْإنْسانِ أنْ يَخْتارَ إحْداهُما، ومِنهُ حَدِيثُ «فَيْرُوزَ الدَّيْلِمِيِّ قالَ: أسْلَمَتُ وعِنْدِي أُخْتانِ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ فَقالَ: "طَلِّقْ إحْداهُما"» ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلا ﴾ ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَضاعَةِ وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ العَرَبِ في مُدَّةِ نُزُولِ الآيَةِ، ومَعْنى الآيَةِ والتَحْرِيمِ الَّذِي بَعْدَها مُسْتَقِرٌّ عَلى المُؤْمِنِينَ أجْمَعُ.
وسَبَبُ الآيَةِ أنَّ العَرَبَ كانَ مِنهم قَبائِلُ قَدِ اعْتادَتْ أنْ يَخْلُفَ الرَجُلُ عَلى امْرَأةِ أبِيهِ، عَلى ما ذَكَرْناهُ مِن أمْرِ أبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، ومِن ذَلِكَ خَبَرُ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ، ومِن ذَلِكَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، تَزَوَّجَ بَعْدَ أبِيهِ فاخِتَةَ بِنْتَ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ بْنِ أسَدٍ، وكانَتِ امْرَأةَ أبِيهِ قُتِلَ عنها، ومِن ذَلِكَ مَنظُورُ بْنُ زَبّانَ، خَلَفَ عَلى مُلَيْكَةَ بِنْتِ خارِجَةَ، وكانَتْ عِنْدَ أبِيهِ زَبّانَ بْنِ سَيّارٍ، إلى كَثِيرٍ مِن هَذا.
وقَدْ كانَ في العَرَبِ مَن تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ، وهو حاجِبُ بْنُ زُرارَةَ، تَمَجَّسَ وفَعَلَ هَذِهِ الفَعْلَةَ، ذَكَرَ ذَلِكَ النَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ في كِتابِ المَثالِبِ، فَنَهى اللهُ المُؤْمِنِينَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم مِن هَذِهِ السِيَرِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ ما يَحْرُمُ، إلّا امْرَأةَ الأبِ والجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مُقْتَضى ألْفاظِ الآيَةِ فَقالَ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: "ما نَكَحَ" يُرادُ بِهِ النِساءُ، أيْ: لا تَنْكِحُوا النِساءَ اللَواتِي نَكَحَ آباؤُكُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ مَعْناهُ: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ فَدَعُوهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ فَهو مَعْفُوٌّ عنكم لِمَن كانَ واقَعَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: "وَلا تَفْعَلُوا حاشا ما قَدْ سَلَفَ"، فَـ "ما" عَلى هَذا القَوْلِ واقِعَةٌ عَلى مَن يَعْقِلُ مِن حَيْثُ هَؤُلاءِ النِساءُ صِنْفٌ مِن أصْنافِ مَن يَعْقِلُ، و"ما" تَقَعُ لِلْأصْنافِ والأوصافِ مِمَّنْ يَعْقِلُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: "ما نَكَحَ" يُرادُ بِهِ فِعْلُ الآباءِ، أيْ: لا تَنْكِحُوا كَما نَكَحَ آباؤُكم مِن عُقُودِهِمُ الفاسِدَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ مَعْناهُ: إلّا ما تَقَدَّمَ مِنكم ووَقَعَ مِن تِلْكَ العُقُودِ الفاسِدَةِ فَمُباحٌ لَكُمُ الإقامَةُ عَلَيْهِ في الإسْلامِ، إذا كانَ مِمّا يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ القَرابَةِ، ويُجَوِّزُهُ الشَرْعُ إنْ لَوِ ابْتُدِئَ نِكاحُهُ في الإسْلامِ عَلى سُنَّتِهِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ أيْ: فَهو مَعْفُوٌّ عنكم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"ما" عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إلّا ما قَدْ سَلَفَ إلّا مَن تابَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ حَكاهُ أبُو عَمْرٍو الدانِي.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: النَهْيُ عن أنْ يَطَأ الرَجُلُ امْرَأةً وطِئَها الآباءُ، إلّا ما قَدْ سَلَفَ مِنَ الآباءِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الزِنى، لا عَلى وجْهِ المُناكَحَةِ، فَذَلِكَ جائِزٌ لَكم زَواجُهم في الإسْلامِ، لِأنَّ ذَلِكَ الزِنى كانَ فاحِشَةً، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَزادَ في هَذِهِ الآيَةِ المَقْتَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ: كُلُّ امْرَأةٍ تَزَوَّجَها أبُوكَ أوِ ابْنُكَ دَخَلَ أو لَمْ يَدْخُلْ فَهي عَلَيْكَ حَرامٌ.
و"كانَ" في هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي الماضِيَ والمُسْتَقْبَلَ، وقالَ المُبَرِّدُ: هي زائِدَةٌ، وذَلِكَ خَطَأٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ وُجُودُ الخَبَرِ مَنصُوبًا؛ والمَقْتُ: البُغْضُ والِاحْتِقارُ بِسَبَبِ رَذِيلَةٍ يَفْعَلُها، فَسَمّى تَعالى هَذا النِكاحَ مَقْتًا إذْ هو ذُو مَقْتٍ يَلْحَقُ فاعِلَهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الوَلَدَ الَّذِي يَجِيءُ مِن زَوْجِ الوالِدِ المَقْتِيَّ، وقَوْلُهُ: "وَساءَ سَبِيلًا" أيْ: بِئْسَ الطَرِيقُ والمَنهَجُ لِمَن يَسْلُكُهُ، إذْ عاقِبَتُهُ إلى عَذابِ اللهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ"....
الآيَةُ، حُكْمٌ حَرَّمَ اللهُ بِهِ سَبْعًا مِنَ النَسَبِ، وسِتًّا مِن بَيْنِ رَضاعٍ وصِهْرٍ، وألْحَقَتِ السُنَّةُ المَأْثُورَةُ سابِعَةً، وذَلِكَ الجَمْعُ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها، ومَضى عَلَيْهِ الإجْماعُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: حُرِّمَ مِنَ النَسَبِ سَبْعٌ، ومِنَ الصِهْرِ سَبْعٌ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ عَمْرُو بْنُ سالِمٍ مَوْلى الأنْصارِ: مِثْلَ ذَلِكَ، وجَعَلَ السابِعَةَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النِساءِ ﴾ .
وتَحْرِيمُ الأُمَّهاتِ عامٌّ في كُلِّ حالٍ لا يَتَخَصَّصُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ويُسَمِّيهِ أهْلُ العِلْمِ "المُبْهَمَ" أيْ لا بابَ فِيهِ، ولا طَرِيقَ إلَيْهِ لِانْسِدادِ التَحْرِيمِ وقُوَّتِهِ، وكَذَلِكَ تَحْرِيمُ البَناتِ والأخَواتِ، فالأُمُّ كُلُّ مَن ولَدَتِ المَرْءَ وإنْ عَلَتْ، والبِنْتُ كُلُّ مَن ولَدَها وإنْ سَفَلَتْ، أمّا الأُخْتُ لِأبَوَيْنِ أو لِأبٍ أو لِأُمٍّ فَهي الَّتِي قَدْ جَمَعَهُ وإيّاها صُلْبٌ أو بَطْنٌ، والعَمَّةُ أُخْتُ الأبِ، والخالَةُ أُخْتُ الأُمِّ، كَذَلِكَ فِيهِما العُمُومُ والإبْهامُ، وكَذَلِكَ عَمَّةُ الأبِ وخالَتُهُ، وعَمَّةُ الأُمِّ وخالَتُها، وكَذَلِكَ عَمَّةُ العَمَّةِ، وأمّا خالَةُ العَمَّةِ فَيَنْظُرُ، فَإنْ كانَتِ العَمَّةُ أُخْتَ أبٍ لِأُمٍّ أو لِأبٍ وأُمٍّ فَلا تَحِلُّ خالَةُ العَمَّةِ، لِأنَّها أُخْتُ الجَدَّةِ، وإنْ كانَتِ العَمَّةُ إنَّما هي أُخْتُ أبٍ لِأبٍ فَقَطْ فَخالَتُها أجْنَبِيَّةٌ مِن بَنِي أخِيها، تَحِلُّ لِلرِّجالِ، ويُجْمَعُ بَيْنَها وبَيْنَ النِساءِ؛ وكَذَلِكَ عَمَّةُ الخالَةِ يَنْظُرُ، فَإنْ كانَتِ الخالَةُ أُخْتَ أُمٍّ لِأبٍ، فَعَمَّتُها حَرامٌ، لِأنَّها أُخْتُ جَدٍّ، وإنْ كانَتِ الخالَةُ أُخْتَ أُمٍّ لِأُمٍّ فَقَطْ فَعَمَّتُها أجْنَبِيَّةٌ مِن بَنِي أُخْتِها، وكَذَلِكَ في بَناتِ الأخِ وبَناتِ الأُخْتِ العُمُومُ والإبْهامُ، سَواءٌ كانَتِ الأُخُوَّةُ أشِقّاءَ، أو لِأبٍ أو لِأُمٍّ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "مِنَ الرِضاعَةِ" بِكَسْرِ الراءِ.
والرَضاعُ يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ النَسَبُ، والمُرْضِعَةُ أُمٌّ، وما تَقَدَّمَ مِن أولادِها وتَأخَّرَ إخْوَةٌ، وفَحْلُ اللَبَنِ أبٌ، وما تَقَدَّمَ مِن أولادِهِ وتَأخَّرَ إخْوَةٌ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "اللايِ" بِكَسْرِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: "وَأُمَّهاتُكُمُ الَّتِي" بِالإفْرادِ، كَأنَّهُ مِن جِهَةِ الإبْهامِ يَقَعُ مَعَ الواحِدِ والجَماعَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ﴾ : فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: هي تامَّةُ العُمُومِ فِيمَن دَخَلَ بِها أو لَمْ يَدْخُلْ، فَبِالعَقْدِ عَلى الِابْنَةِ حُرِّمَتِ الأُمُّ، وهَذا مَذْهَبُ جُمْلَةِ الصَحابَةِ والتابِعِينَ وفُقَهاءِ الأمْصارِ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ في رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً فَطَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها أيَتَزَوَّجُ أُمَّها؟
قالَ: نَعَمْ، هي بِمَنزِلَةِ الرَبِيبَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ شَرْطٌ في هَذِهِ وفي الرَبِيبَةِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عنهُ كَقَوْلِ الجُمْهُورِ.
ورُوِيَ عن زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا ماتَتْ عِنْدَهُ فَأخَذَ مِيراثَها كُرِهَ أنْ يَخْلُفَ عَلى أُمِّها، وإنْ طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها، فَإنْ شاءَ فَعَلَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الدُخُولُ مُرادٌ في النازِلَتَيْنِ، وقَوْلُ جُمْهُورِ الناسِ مُخالِفٌ لِهَذا القَوْلِ.
ورُوِيَ في ذَلِكَ عن زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: ( أُمَّهاتُ نِسائِكم ) مُبْهَمَةٌ، وإنَّما الشَرْطُ في الرَبائِبِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: أكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: "وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ" ؟
فَقالَ: لا تَتَرَأَّ، قالَ حَجّاجٌ: قُلْتُ لِابْنِ جُرَيْجٍ: ما تَتَرَأَّ؟
قالَ: كَأنَّهُ قالَ: لا لا.
ويَرُدُّ هَذا القَوْلَ مِن جِهَةِ الإعْرابِ أنَّ المَجْرُورَيْنِ إذا اخْتَلَفا لَمْ يَكُنْ نَعْتُهُما واحِدًا، ومَعْناهُ: إذا اخْتَلَفا في العامِلِ، وهَذِهِ الآيَةُ قَدِ اخْتَلَفَ فِيها جِنْسُ العامِلِ.
*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَرَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكم وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ إنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ .
الرَبِيبَةُ: بِنْتُ امْرَأةِ الرَجُلِ مِن غَيْرِهِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُرَبِّيها في حِجْرِهِ فَهي مَرْبُوبَتُهُ.
ورَبِيبَةٌ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللاتِي في حُجُورِكُمْ ﴾ ذَكَرَ الأغْلَبَ في هَذِهِ الأُمُورِ، إذْ هي حالَةُ الرَبِيبَةِ في الأكْثَرِ، وهي مُحَرَّمَةٌ وإنْ كانَتْ في غَيْرِ الحِجْرِ، لِأنَّها في حُكْمِ أنَّها في الحِجْرِ، إلّا ما رُوِيَ عن عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: تَحِلُّ إذا لَمْ تَكُنْ في الحِجْرِ وإنْ دَخَلَ بِالأُمِّ، إذا كانَتْ بَعِيدَةً عنهُ، ويُقالُ: حَجْرٌ بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِها، وهو مُقَدَّمُ ثَوْبِ الإنْسانِ وما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنهُ في حالَةِ اللُبْسِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتِ اللَفْظَةُ في الحِفْظِ والسَتْرِ، لِأنَّ اللابِسَ إنَّما تَحْفَظُ طِفْلًا وما أشْبَهَهُ بِذَلِكَ المَوْضِعِ مِنَ الثَوْبِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وطاوُسُ وابْنُ دِينارٍ: الدُخُولُ في هَذا المَوْضِعِ: الجِماعُ، فَإنْ طَلَّقَ الرَجُلُ بَعْدَ البِناءِ وقَبْلَ الوَطْءِ فَإنَّ ابْنَتَها لَهُ حَلالٌ.
وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ مِنهم مالِكُ بْنُ أنَسٍ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وغَيْرُهُمْ: إنَّ التَجْرِيدَ والتَقْبِيلَ والمُضاجَعَةَ وجَمِيعَ أنْواعِ التَلَذُّذِ يُحَرِّمُ الِابْنَةَ كَما يُحَرِّمُها الوَطْءُ؛ والحَلائِلُ: جَمْعُ حَلِيلَةٍ، وهي الزَوْجَةُ، لِأنَّها تَحِلُّ مَعَ الرَجُلِ حَيْثُ حَلَّ، فَهي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ.
وذَهَبَ الزَجّاجُ وقَوْمٌ إلى أنَّها مِن لَفْظَةِ الحَلالِ، فَهي حَلِيلَةٌ بِمَعْنى مُحَلَّلَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ ﴾ تَخْصِيصٌ لِيَخْرُجَ عنهُ كُلُّ مَن كانَتِ العَرَبُ تَتَبَنّاهُ مِمَّنْ لَيْسَ لِلصُّلْبِ، وكانَ عِنْدَهم أمْرًا كَثِيرًا قَوِيَّ الحُكْمِ.
قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: يُتَحَدَّثُ واللهُ أعْلَمُ أنَّها نَزَلَتْ في مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ تَزَوَّجَ امْرَأةَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وحُرِّمَتْ حَلِيلَةُ الِابْنِ مِنَ الرَضاعِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلصُّلْبِ؛ بِالإجْماعِ المُسْتَنِدِ إلى قَوْلِهِ : « "يَحْرُمُ مِنَ الرَضاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَسَبِ"» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ الجَمْعَ بِنِكاحٍ وبِمِلْكِ يَمِينٍ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى مَنعِ جَمْعِهِما بِنِكاحٍ، وأمّا بِمِلْكِ يَمِينٍ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ، وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ.
فَأمّا أنا في خاصَّةِ نَفْسِي فَلا أرى الجَمْعَ بَيْنَهُما حَسَنًا.
ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، وذَكَرَ أنَّ إسْحاقَ بْنَ راهَوَيْهِ حَرَّمَ الجَمْعَ بَيْنَهُما بِالوَطْءِ، وأنَّ جُمْهُورَ أهْلِ العِلْمِ كَرِهُوا ذَلِكَ، وجَعَلَ مالِكًا فِيمَن كَرِهَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا خِلافَ في جَوازِ جَمْعِهِما في المِلْكِ، وكَذَلِكَ الأُمُّ وبِنْتُها، ويَجِيءُ مِن قَوْلِ إسْحاقَ أنْ يُرْجَمَ الجامِعُ بَيْنَهُما بِالوَطْءِ، وتُسْتَقْرَأُ الكَراهِيَةُ مِن قَوْلِ مالِكٍ: إنَّهُ إذا وطِئَ واحِدَةً ثُمَّ وطِئَ أُخْرى؛ وقَفَ عنهُما حَتّى يُحَرِّمَ إحْداهُما، فَلَمْ يُلْزِمْهُ حَدًّا.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ بَعْدَ القَوْلِ بِالمَنعِ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَهُما بِالوَطْءِ، إذا كانَ يَطَأُ واحِدَةً ثُمَّ أرادَ أنْ يَطَأ الأُخْرى؛ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ البَصْرِيُّ والأوزاعِيُّ والشافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: لا يَجُوزُ لَهُ وطْءُ الثانِيَةِ حَتّى يُحَرِّمَ فَرْجَ الأُخْرى بِإخْراجِها مِن مِلْكِهِ، بِبَيْعٍ أو عِتْقٍ أو بِأنْ يُزَوِّجَها.
قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وفِيها قَوْلٌ ثانٍ لِقَتادَةَ، وهو أنَّهُ إنْ كانَ يَطَأُ واحِدَةً وأرادَ وطْءَ الأُخْرى فَإنَّهُ يَنْوِي تَحْرِيمَ الأُولى عَلى نَفْسِهِ وألّا يَقْرَبَها، ثُمَّ يُمْسِكُ عنها حَتّى يَسْتَبْرِئَ الأُولى المُحَرَّمَةَ، ثُمَّ يَغْشى الثانِيَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ: إذا كانَ أُخْتانِ عِنْدَ رَجُلٍ يَمْلِكُ، فَلَهُ أنْ يَطَأ أيَّتَهُما شاءَ، والكَفُّ عَنِ الأُخْرى مَوْكُولٌ إلى أمانَتِهِ، فَإنْ أرادَ وطْءَ الأُخْرى فَيَلْزَمُهُ أنْ يُحَرِّمَ عَلى نَفْسِهِ فَرْجَ الأُولى بِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ، مِن إخْراجٍ عَنِ المِلْكِ أو تَزْوِيجٍ أو عِتْقٍ إلى أجَلٍ أو إخْدامٍ طَوِيلٍ، فَإنْ كانَ يَطَأُ إحْداهُما ثُمَّ وثَبَ عَلى الأُخْرى دُونَ أنْ يُحَرِّمَ الأُولى وُقِفَ عنهُما ولَمْ يَجُزْ لَهُ قُرْبُ إحْداهُما حَتّى يُحَرِّمَ الأُخْرى، ولَمْ يُبْقَ ذَلِكَ إلى أمانَتِهِ، لِأنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيمَن قَدْ وطِئَ، ولَمْ يَكُنْ قَبْلُ مُتَّهَمًا إذْ كانَ لَمْ يَطَأْ إلّا الواحِدَةَ.
وإنْ كانَتْ عِنْدَ رَجُلِ أمَةٌ يَطَؤُها ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَها، فَفِيها في المَذْهَبِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: في النِكاحِ الثالِثِ مِنَ المُدَوَّنَةِ أنَّهُ يُوقَفُ عنهُما إذا وقَعَ عَقْدُ النِكاحِ حَتّى يُحَرِّمَ إحْداهُما مَعَ كَراهِيَتِهِ لِهَذا النِكاحِ، إذْ هو عَقْدٌ في مَوْضِعٍ لا يَجُوزُ فِيهِ الوَطْءُ، وذَلِكَ مَكْرُوهٌ إلّا في الحَيْضِ، لِأنَّهُ أمْرٌ غالِبٌ كَثِيرٌ، وفي البابِ بِعَيْنِهِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّ النِكاحَ لا يَنْعَقِدُ.
وقالَ أشْهَبُ في كِتابِ الِاسْتِبْراءِ: عَقْدُ النِكاحِ في الواحِدَةِ تَحْرِيمٌ لِفَرْجِ المَمْلُوكَةِ؛ وثَبَتَ عَنِ النَبِيِّ «أنَّهُ نَهى أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها، وبَيْنَ المَرْأةِ وخالَتِها،» وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى ذَلِكَ؛ وقَدْ رَأى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ هَذا الحَدِيثَ ناسِخٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ ﴾ وذَلِكَ الحَدِيثُ مِنَ المُتَواتِرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: « "يَحْرُمُ مِنَ الرَضاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَسَبِ"» قِيلَ أيْضًا: إنَّهُ ناسِخٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، مَعْناهُ: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ مِن ذَلِكَ ووَقَعَ وأزالَهُ الإسْلامُ فَإنَّ اللهَ يَغْفِرُهُ، والإسْلامَ يَجُبُّهُ.
<div class="verse-tafsir"
تخلّص إلى ذكر المحرّمات بمناسبة ذكر تحريم نكاح ما نكح الآباء وغُيِّر أسلوب النهي فيه لأنّ (لا تفعل) نهي عن المضارع الدالّ على زمن الحال فيؤذن بالتلبّس بالمنهي، أو إمكان التلبّس به، بخلاف ﴿ حرمت ﴾ فيدلّ على أنّ تحريمه أمر مقرّر، ولذلك قال ابن عباس: «كان أهل الجاهلية يحرّمون ما يحرّم الإسلام إلا امرأة الأب والجمعَ بين الأختين» فمن أجل هذا أيضاً نجد حكم الجمع بين الأختين عُبّر فيه بلفظ الفعل المضارع فقيل: ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ .
وتعلُّقُ التحريم بأسماء الذوات يُحمل على تحريم ما يُقصد من تلك الذات غالباً فنحو ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ إلخ معناه حُرّم أكلها، ونحو: حرّم الله الخمر، أي شربها، وفي ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ معناه تزوجهنّ.
والأمّهات جمع أُمَّةٍ أو أُمَّهةٍ، والعرب أماتوا أمَّهة وأمَّه وأبقوا جمعه، كما أبْقوا أُمّ وأماتوا جمعه، فلم يسم منهم الأمَّا، وورد أُمَّة نادراً في قول قول شاعر أنشده ابن كيسان: تقبلتَها عن أمَّةٍ لكَ طَالما *** تُنوزعَ في الأسواق منها خمارُها وورد أمهة نادراً في بيت يُعزى إلى قصي بن كلاب: عند تناديهم بهَاللٍ وهَبي *** أمَّهَتي خِندفُ وإليَاسُ أبي وجاء في الجمع أمَّهات بكثرة، وجاء أمَّات قليلاً في قول جرير: لقد ولدَ الأخيطلَ أمُّ سوء *** مقلَّدة من الأمَّات عارا وقيل: إنّ أمَّات خاصّ بما لا يعقل، قال الراعي: كانت نَجَائبُ مُنْذِر ومُحَرّق *** أمَّاتهنّ وطرقُهُنّ فَحيلا فيحتمل أنّ أصل أم أمَّا أو أمَّها فوقع فيه الحذف ثمّ أرجعوها في الجمع.
ومن غريب الاتّفاق أنّ أسماء أعضاء العائلة لم تجر على قياس مثل أب، إذ كان على حرفين، وأخ، وابن، وابنة، وأحسب أنّ ذلك من أثر أنّها من اللُّغة القديمة التي نطق بها البشر قبل تهذيب اللغة، ثمّ تطوّرت اللُّغةُ عليها وهي هي.
والمراد من الأمهات وما عطف عليها الدنيا وما فوقها، وهؤلاء المحرّمات من النسب، وقد أثبت الله تعالى تحريم مَنْ ذكَرَهنّ، وقد كنّ محرّمات عند العرب في جاهليتها، تأكيداً لذلك التحريم وتغليظاً له، إذ قد استقرّ ذلك في الناس من قبل، فقد قالوا ما كانت الأمّ حلالا لابنها قطّ من عهد آدم عليه السلام، وكانت الأخت التوأمة حراماً وغيرُ التوامة حلالا، ثمّ حرّم الله الأخوات مطلقاً من عهد نوح عليه السلام، ثم حرّمت بنات الأخ، ويوجد تحريمهنّ في شريعة موسى عليه السلام، وبقي بنات الأخت حلالا في شريعة موسى، وثبت تحريمهنّ عند العرب في جاهليتها فيما روى ابن عطية في تفسيره، عن ابن عباس: أنّ المحرّمات المذكورات هنا كانت مُحرّمة في الجاهلية، إلاّ امرأة الأب، والجمعَ بين الأختين.
ومثله نقله القرطبي عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة مع زيادة توجيه ذكر الاستثناء بقوله: ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ في هذبن خاصة، وأحسب أن هذا كلّه توطئة لتأويل الاستثناء في قول ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ بأنّ معناه: إلاّ ما سلف منكم في الجاهلية فلا إثم عليكم فيه، كما سيأتي، وكيف يستقيم ذلك فقد ذكر فيهنّ تحريم الربائب والأخوات من الرضاعة، ولا أحسبهنّ كنّ محرّمات في الجاهلية.
واعلم أنّ شريعة الإسلام قد نوّهت ببيان القرابة القريبة، فغرست لها في النفوس وقارا ينزّه عن شوائب الاستعمال في اللَّهو والرفث، إذ الزواج، وإن كانّ غرضاً صالحاً باعتبار غايته، إلاّ أنّه لا يفارق الخاطرَ الأوّل الباعث عليه، وهو خاطر اللهو والتلذّذ.
فوقار الولادة، أصلا وفرعا، مانع من محاولة اللهو بالوالدة أو المولودة، ولذلك اتّفقت الشرائع على تحريمه، ثم تلاحق ذلك في بنات الإخوة وبنات الأخوات، وكيف يسري الوقار إلى فرع الأخوات ولا يثبت للأصل، وكذلك سرى وَقار الآباء إلى أخوات الآباء، وهنّ العمّات، ووقار الأمّهات إلى أخواتهنّ وهنّ الخالات، فمرجع تحريم هؤلاء المحرّمات إلى قاعدة المروءة التابعة لكليّة حفظ العِرض، من قسم المناسب الضروري، وذلك من أوائل مظاهر الرقي البشري.
و(ال) في قوله: ﴿ وبنات الأخ وبنات الأخت ﴾ عوض عن المضاف إليه أي بنات أخيكم وبنات أختكم.
وقوله: ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ﴾ سمّى المراضع أمهّات جريا على لغة العرب، وما هنّ بأمّهات حقيقة.
ولكنهنّ تنزّلن منزلة الأمّهات لأنّ بلبانهنّ تغذّت الأطفال، ولما في فطرة الأطفال من محبّة لمرضعاتهم محبّة أمّهاتهم الوالدات، ولزيادة تقرير هذا الإطلاق الذي اعتبره العرب ثم ألحق ذلك بقوله: ﴿ الاتي أرضعنكم ﴾ دفعاً لتوهّم أنّ المراد الأمّهات إذ لو لا قصد إرادة المرضعات لما كان لهذا الوصف جدوى.
وقد أجملت هنا صفةُ الإرضاع ومدّتُه وعدَده إيكالا للناس إلى متعارفهم.
وملاك القول في ذلك: أنّ الرضاع إنّما اعتبرت له هذه الحرمة لمعنى فيه وهو أنّه الغذاء الذي لا غذاء غيره للطفل يعيش به، فكان له من الأثر في دوام حياة الطفل ما يماثل أثَر الأمّ في أصل حياة طفلها.
فلا يعتبر الرضاع سبباً في حرمة المرضع على رضيعها إلاّ ما استوفى هذا المعنى من حصول تغذية الطفل وهو ما كان في مدّة عدم استغناء الطفل عنه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم «إنّما الرضاعة من المجاعة».
وقد حدّدت مدّة الحاجة إلى الرضاع بالحولين لقوله تعالى: ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ وقد تقدّم في سورة البقرة (233).
ولا اعتداد بالرضاع الحاصل بعد مضي تجاوز الطفل حولين من عمره، بذلك قال عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عباس، والزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، والثوري، وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة: المدّة حولان وستّة أشهر.
وروى ابن عبد الحكم عن مالك: حولان وأيّام يسيرة.
وروى ابن القاسم عنه: حولان وشهران.
وروى عنه الوليدُ بن مسلم: والشهران والثلاثة.
والأصحّ هو القول الأوّل؛ ولا اعتداد برضاع فيما فوق ذلك، وما روي أنّ النبي أمر سَهْلَة بنتَ سُهيل زوجةَ أبي حُذيفة أن ترضع سالماً مولى أبي حذيفة لمّا نزلت آية ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ﴾ [الأحزاب: 4] إذ كان يدخل عليها كما يدخل الأبناء على أمّهاتهم، فتلك خصوصيّة لها، وكانت عائشة أمّ المؤمنين إذا أرادت أن يدخل عليها أحد الحجابَ أرضعتْه، تأوّلت ذلك من إذن النبي صلى الله عليه وسلم لِسَهْلة زوج أبي حذيفة، وهو رأي لم يوافقها عليه أمّهات المؤمنين، وأبَيْن أن يدخل أحد عليهنّ بذلك، وقال به الليث بن سعد، بإعمال رضاع الكبير.
وقد رجع عنه أبو موسى الأشعري بعد أن أفتى به.
وأمَّا مقدار الرضاع الذي يحصل به التحريم، فهو ما يصدق عليه اسم الرضاع وهو ما وصل إلى جوف الرضيع في الحولين ولو مصَّة واحدة عند أغلب الفقهاء، وقد كان الحكم في أوّل أمر التحريم أن لا تقع الحرمة إلاّ بعشر رضعات ثمّ نسخن بخمس، لحديث عائشة «كان فيما أنزل الله عشرُ رضعات معلومات يحرّمْن ثمّ نسخن بخمس معلومات فتوفيّ رسول الله وهي فيما يقرأ من القرآن» وبه أخذ الشافعي.
وقال الجمهور: هو منسوخ، وردّوا قولها (فتوفّي رسول الله وهي فيما يُقرأ) بنسبة الراوي إلى قلّة الضبط لأنّ هذه الجملة مسترابة إذ أجمع المسلمون على أنها لا تقرأ ولا نسخ بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا فطم الرضيع قبل الحولين فظاما استغنى بعده عن لبن المرضع بالطعام والشراب لم تحرم عليه من أرضعته بعد ذلك.
وقوله تعالى: ﴿ وأخواتكم من الرضاعة ﴾ إطلاق اسم الأخت على التي رضعت من ثدي مرضعة من أضيفت أخت إليه جرى على لغة العرب، كما تقدّم في إطلاق الأمّ على المرضع.
والرضاعة بفتح الراء اسم مصدر رضع، ويجوز كسر الراء ولم يقرأ به.
ومحلّ ﴿ من الرضاعة ﴾ حال من ﴿ أخواتكم ﴾ و(من) فيه للتعليل والسببية، فلا تعتبر أخوَّة الرضاعة إلاّ برضاعة البنت من المرأة التي أرضعت الولد.
وقوله: ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ هؤلاء المذكورات إلى قوله: ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ هنّ المحرّمات بسبب الصِّهر، ولا أحسب أنّ أهل الجاهلية كانوا يحرّمون شيئاً منها، كيف وقد أباحوا أزواج الآباء وهنّ أعظم حرمة من جميع نساء الصهر، فكيف يظنّ أنهم يحرّمون أمّهات النساء والربائب وقد أشيع أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يتزوّج دُرّةَ بنتَ أبي سَلَمة وهي ربيبته إذ هي بنت أمّ سلمة، فسألته إحدى أمّهات المؤمنين فقال: " لو لم تكن ربيبتي لما حلّت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبَا سَلَمة ثويبة " وكذلك حلائل الأبناء إذ هنّ أبعدُ من حلائل الآباء، فأرى أنّ هذا من تحريم الإسلام وأنّ ما حكى ابن عطية عن ابن عباس ليس على إطلاقه.
وتحريم هؤلاء حكمته تسهيل الخلطة، وقطع الغيرة، بين قريب القرابة حتّى لا تفضي إلى حزازات وعداوات، قال الفخر: «لو لم يدخل على المرأة أبو الرجل وابنه، ولم تدخل على الرجل امرأتُه وابنتها، لبقيت المرأة كالمحبوسة.
ولتعطّل على الزوج والزوجة أكثر المصالح، ولو كان الإذن في دخول هؤلاء دون حكم المحرمية فقد تمتدّ عين البعض إلى البعض وتشتدّ الرغبة فتحصل النفرة الشديدة بينهنّ، والإيذاء من الأقارب أشدّ إيلاماً، ويترتّب عليه التطليق، أمّا إذا حصلت المحرمية انقطعت الأطماع، وانحبست الشهوة، فلا يحصل ذلك الضرر، فيبقى النكاح بين الزوجين سليماً عن هذه المفسدة» قلت: وعليه فَتحريم هؤلاء من قسم الحاجيّ من المناسب.
والربائب جمع ربيبة، وهي فعلية بمعنى مفعولة، من ربَّه إذا كفله ودبّر شؤونه، فزوج الأمّ رابٌّ وابنتها مربوبة له، لذلك قيل لها ربيبة.
والحُجور جمع حِجْر بفتح الحاء وكسرها مع سكون الجيم وهو ما يحويه مجتمع الرّجلين للجالس المتربّع.
والمراد به هنا معنى مجازي وهو الحضانة والكفالة، لأنّ أوّل كفالة الطفل تكون بوضعه في الحَجر، كما سمّيت حضانة، لأنّ أوّلها وضع الطفل في الحضن.
وظاهر الآية أنّ الربيبة لا تحرم على زوج أمّها إلاّ إذا كانت في كفالته، لأن قوله ﴿ اللاتي في حجوركم ﴾ وصف والأصل فيه إرادة التقييد كما أريد من قوله: ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ﴾ فظاهر هذا أنّها لو كانت بعيدة عن حضانته لم تحرم.
ونسب الأخذ بهذا الظاهر إلى علي بن أبي طالب، رواه ابن عطية، وأنكر ابن المنذر والطحاوي صحّة سند النقل عن علي، وقال ابن العربي: إنّه نَقْل باطل.
وجزم ابن حزم في المحلَّى بصحّة نسبة ذلك إلى علي بن أبي طالب وعمرَ بن الخطاب.
وقال بذلك الظاهرية، وكأنّهم نظروا إلى أنّ علّة تحريمها مركّبة من كونها ربيبة وما حدث من الوقار بينها وبين حاجرها إذا كانت في حجره وأمّا جمهور أهل العلم فجعلوا هذا الوصف بيانا للواقع خارجاً مخرج الغالب، وجعلوا الربيبة حراماً على زوج أمّها، ولو لم تكن هي في حجره.
وكأنّ الذي دعاهم إلى ذلك هو النظر إلى علّة تحريم المحرّمات بالصهر، وهي التي أشار إليها كلام الفخر المتقدّم.
وعندي أنّ الأظهر أنّ يكون الوصف هنا خرج مخرج التعليل: أي لأنهنّ في حجوركم، وهو تعليل بالمظنّة فلا يقتضي اطّراد العلّة في جميع مواقع الحكم.
وقوله: ﴿ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴾ ذكر قوله: ﴿ من نسائكم ﴾ ليُبنى عليه ﴿ اللاتي دخلتم بهن ﴾ وهو قيد في تحريم الربائب بحيث لا تحرم الربيبة إلاّ إذا وقع البناء بأمّها، ولا يحرّمها مجرّد العقد على أمّها، وهذا القيد جرى هنا ولم يجر على قوله: ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ بل أطلق الحكم هناك، فقال الجمهور هناك: أمّهات نسائكم معناه أمّهات أزواجكم، فأمّ الزوجة تحرم بمجرد عقد الرجل على ابنتها لأنّ العقد يصيرّها امرأته، ولا يلزم الدخول ولم يحْمِلوا المطلق منه على المقيَّد بعده، ولا جعلوا الصفة راجعة للمتعاطفات لأنّها جرت على موصوف مُتعيِّننٍ تعلّقه بأحد المتعاطفات، وهو قوله: ﴿ من نسائكم ﴾ المتعلق بقوله: وربائبكم ولا يصلح تعلّقه ب ﴿ أمّهات نسائكم ﴾ .
وقال علي بن أبي طالب، وزيدُ بن ثابت، وابنُ عمر، وعبد الله بن عبّاس، ومجاهد، وجابر، وابن الزبير: لا تحرم أمّ المرأة على زوج ابنتها حتّى يدخل بابنتها حملا للمطلق على المقيّد، وهو الأصحّ مَحملاً.
ولم يستطع الجمهور أن بوجّهوا مذهبهم بعلّة بيّنة، ولا أن يستظهروا عليه بأثر.
وعلّة تحريم المرأة على زوج ابنتها تساوي علّة تحريم ربيبة الرجل عليه، ويظهر أنّ الله ذكر أمّهات النساء قبل أن يذكر الربائب، فلو أراد اشتراط الدخول بالأمّهات في تحريمهنّ على أزواج بناتهنّ لذكره في أوّل الكلام قبل أن يذكره مع الربائب.
وهنالك رواية عن زيد بن ثابت أنّه قال: إذا طلّق الأمّ قبل البناء فله التزوّج بابنتها، وإذا ماتت حَرُمت عليه ابنتُها.
وكأنّه نظر إلى أنّ الطلاق عدول عن العقد، والموت أمر قاهر، فكأنّه كان ناوياً الدخول بها، ولا حظّ لهذا القول.
وقوله: ﴿ وحلائل أبنائكم ﴾ الحلائل جمع الحليلة فعيلة بمعنى فاعلة، وهي الزوجة، لأنّها تحِلّ معه، وقال الزجّاج: هي فعيلة بمعنى مفعولة، أي محلّلة إذ أباحها أهلها له، فيكون من مجيء فعيل للمفعول من الرباعي في قولهم حكيم، والعدول عن أن يقال: ومَا نكح أبناؤكم أو ونساء أبنائكم إلى قوله: ﴿ وحلائل أبنائكم ﴾ تفنّن لتجنّب تكرير أحد اللفظين السابقين وإلاّ فلا فرق في الإطلاق بين الألفاظ الثلاثة.
وقد سُمي الزوج أيضاً بالحليل وهو يحتمل الوجهين كذلك.
وتحريم حليلة الابن واضح العلّة، كتحريم حليلة الأب.
وقوله: ﴿ الذين من أصلابكم ﴾ تأكيد لمعنى الأبناء لدفع احتمال المجاز، إذ كانت العرب تسمّي المتبنَّى ابناً، وتجعل له ما للابن، حتّى أبطل الإسلام ذلك وقوله تعالى: ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ [الأحزاب: 5] فما دُعي أحد لمتبنّيه بعدُ، إلاّ المقداد بن الأسود وعُدّت خصوصيّة.
وأكّد الله ذلك بالتشريع الفعلي بالإذن لرسوله صلى الله عليه وسلم بتزوّج زينب ابنة جحش، بعد أن طلّقها زيد بن حارثة الذي كان تبنّاه، وكان يُدعى زيد بن محمد.
وابن الابن وابن البنت، وإن سفلا، أبناء من الأصلاب لأنّ للجدّ عليهم ولادة لا محالة.
وقوله: ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ هذا تحريم للجمع بين الأختين فحكمته دفع الغيرة عمّن يريد الشرع بقاء تمام المودّة بينهما، وقد علم أنّ المراد الجمع بينهما فيما فيه غيرة، وهو النكاح أصالة، ويلحق به الجمع بينهما في التسرّي بملك اليمين، إذ العلّة واحدة فقوله تعالى: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ﴾ وقوله: ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ [النساء: 24] يخصّ بغير المذكورات.
وروي عن عثمان بن عفّان: أنّه سئل عن الجمع بين الأختين في التسري فقال: «أحلتهما» آية يعني قوله تعالى: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ وحرّمتهما آية يعني هذه الآية، أي فهو متوقّف.
وروي مثله عن علي، وعن جمع من الصحابة، أنّ الجمع بينهما في التسرّي حرام، وهو قول مالك.
قال مالك «فإن تسرّى بإحدى الأختين ثمّ أراد التسرّي بالأخرى وقف حتى يحرّم الأولى بما تحرم به من بيع أو كتابة أو عتق ولا يحدّ إذا جمع بينهما».
وقال الظاهرية: يجوز الجمع بين الأختين في التسرّي لأنّ الآية واردة في أحكام النكاح، أمّا الجمع بين الأختين في مجرَّد الملك فلا حظر فيه.
وقوله: ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ هو كنظيره السابق، والبيان فيه كالبيان هناك، بيد أنّ القرطبي قال هنا: ويحتمل معنى زائداً وهو جواز ما سلف وأنّه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحاً وإذا جرى الجمع في الإسلام خيّر بين الأختين من غير إجراء عقود الكفّار على مقتضى الإسلام، ولم يعزُ القول بذلك لأحد من الفقهاء.
وقوله: ﴿ إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ يناسب أن يكون معنى ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ تقرير ما عقدوه من ذلك في عهد الجاهلية، فالمغفرة للتجاوز عن الاستمرار عليه، والرحمة لبيان سبب ذلك التجاوز.
الجزء الخامس <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ يَعْنِي ذَواتَ الأزْواجِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم بِالسَّبْيِ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي قِلابَةَ، والزُّهْرِيِّ، ومَكْحُولٍ، وابْنِ زَيْدٍ.
وَقَدْ رَوى عُثْمانُ البَتِّيُّ عَنْ أبِي خَلِيلٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «لَما سَبى رَسُولُ اللَّهِ أهْلَ أوْطاسَ، قُلْنا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ نَقَعُ عَلى نِساءٍ قَدْ عَرَفْنا أنْسابَهُنَّ وأزْواجَهُنَّ؟
قالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ والثّانِي: أنَّ المُحْصَناتِ ذَواتُ الأزْواجِ حَرامٌ عَلى غَيْرِ أزْواجِهِنَّ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِنَ الإماءِ، إذا اشْتَراها مُشْتَرٍ بَطَلَ نِكاحُها وحَلَّتْ لِمُشْتَرِيها ويَكُونُ بَيْعُها طَلاقَها، وهَذا قَوْلُابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، وابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والحَسَنِ، قالَ الحَسَنُ: طَلاقُ الأمَةِ يُثْبِتُ نَسَبَها، وبَيْعَها، وعِتْقَها، وهِبَتَها، ومِيراثَها، وطَلاقَ زَوْجِها.
الثّالِثُ: أنَّ المُحْصَناتِ مِنَ النِّساءِ العَفائِفُ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم بِعَقْدِ النِّكاحِ، أوْ مِلْكِ اليَمِينِ، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي العالِيَةِ، وعَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ، وعَطاءٍ، والسُّدِّيِّ.
والرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في نِساءٍ كُنَّ هاجَرْنَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ولَهُنَّ أزْواجٌ، فَتَزَوَّجَهُنَّ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ قَدِمَ أزْواجُهُنَّ مُهاجِرِينَ، فَنُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنْ نِكاحِهِنَّ، وهَذا قَوْلُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.
وَأصْلُ الإحْصانِ المَنعُ، ومِنهُ حِصْنُ البَلَدِ، لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ العَدُوِّ، ودِرْعٌ حَصِينَةٌ أيْ مَنِيعَةٌ، وفَرَسٌ حِصانٌ، لِأنَّ صاحِبَهُ يَمْتَنِعُ بِهِ مِنَ الهَلَكَةِ، وامْرَأةٌ حَصانٌ، وهي العَفِيفَةُ لِأنَّها تَمْتَنِعُ مِنَ الفاحِشَةِ، ومِنهُ ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها ﴾ .
﴿ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: حُرِّمَ ذَلِكَ عَلَيْكم كِتابًا مِنَ اللَّهِ.
والثّانِي: مَعْناهُ الزَمُوا كِتابَ اللَّهِ.
والثّالِثُ: أنَّ كِتابَ اللَّهِ قَيِّمٌ عَلَيْكم فِيما تَسْتَحِلُّونَهُ وتُحَرِّمُونَهُ.
﴿ وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ ما دُونَ الخُمُسِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: ما وراءَ ذَواتِ المَحارِمِ مِن أقارِبِكم، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.
والثّالِثُ: ما وراءَ ذَلِكم مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
﴿ أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ ﴾ يَعْنِي أنْ تَلْتَمِسُوا بِأمْوالِكم إمّا شِراءً بِثَمَنٍ، أوْ نِكاحًا بِصَداقٍ.
﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ﴾ يَعْنِي مُتَناكِحِينَ غَيْرَ زانِينَ، وأصْلُ السِّفاحِ صَبُّ الماءِ، ومِنهُ سَفَحَ الدَّمْعَ إذا صَبَّهُ، وسَفْحُ الجَبَلِ أسْفَلُهُ لِأنَّهُ مَصَبُّ الماءِ فِيهِ، وسِفاحُ الزِّنى لِصَبِّ مائِهِ حَرامًا.
﴿ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ أيْ آتُوهُنَّ صَدُقاتِهِنَّ مَعْلُومَةً، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والحَسَنِ، وأحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها المُتْعَةُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى مِن غَيْرِ نِكاحٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ كانَ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: فَمًا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ إلى أجَلٍ مُسَمّى، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ كَذَلِكَ يَقْرَأُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، وقالَ الحَكَمُ: قالَ عَلِيٌّ: لَوْلا أنَّ عُمَرَ نَهى عَنِ المُتْعَةِ ما زَنى إلّا شَقِيٌّ، وهَذا لا يَثْبُتُ، والمَحْكِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خِلافُهُ، وأنَّهُ تابَ مِنَ المُتْعَةِ ورِبا النَّقْدِ.
﴿ وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ لا حَرَجَ عَلَيْكم أيُّها الأزْواجُ إنْ أُعْسِرْتُمْ بَعْدَ أنْ فَرَضْتُمْ لِنِسائِكم مَهْرًا عَنْ تَراضٍ أنْ يَنْقُصْنَكم مِنهُ ويَتْرُكْنَكم، وهَذا قَوْلُ سُلَيْمانَ بْنِ المُعْتَمِرِ.
والثّانِي: لا جُناحَ عَلَيْكم أيُّها النّاسُ فِيما تَراضَيْتُمْ أنْتُمْ والنِّساءُ اللَّواتِي اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِنَّ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، إذا انْقَضى الأجَلُ بَيْنَكم أنْ يَزِدْنَكم في الأجَلِ وتَزِيدُوهُنَّ في الأجْرِ قَبْلَ أنْ يَسْتَبْرِئْنَ أرْحامَهُنَّ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّالِثُ: لا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ ودَفَعْتُمُوهُ أنْ يَعُودَ إلَيْكم عَنْ تَراضٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: كانَ عَلِيمًا بِالأشْياءِ قَبْلَ خَلْقِها، حَكِيمًا في تَقْدِيرِهِ وتَدْبِيرِهِ لَها، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: أنَّ القَوْمَ شاهَدُوا عِلْمًا وحِكْمَةً فَقِيلَ لَهُمْ: إنْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَزَلْ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.
والثّالِثُ: أنَّ الخَبَرَ عَنِ الماضِي يَقُومُ مَقامَ الخَبَرِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق والفريابي والبخاري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عباس قال: حُرِّم من النسب سبع ومن الصهر سبع، ثم قرأ ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ إلى قوله: ﴿ وبنات الأخت ﴾ هذا من النسب، وباقي الآية من الصهر.
والسابعة ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عباس قال: سبع صهر وسبع نسب، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
أما قوله تعالى: ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ﴾ .
أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة» .
وأخرج مالك وعبد الرزاق عن عائشة قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات فَنُسِخْنَ بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن.
وأخرج عبد الرزاق عن عائشة قالت: لقد كانت في كتاب الله عشر رضعات ثم رُدَّ ذلك إلى خمس، ولكن من كتاب الله ما قبض مع النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن ماجه وابن الضريس عن عائشة قالت: كان مما نزل من القرآن سقط لا يحرم إلا عشر رضعات أو خمس معلومات.
وأخرج ابن ماجه عن عائشة قالت: لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً، ولقد كان في صحيفة تحت سريري.
فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر: أنه بلغه عن ابن الزبير أنه يأثر عن عائشة في الرضاعة لا يحرم منها دون سبع رضعات.
قال: الله خير من عائشة، إنما قال الله تعالى ﴿ وأخواتكم من الرضاعة ﴾ ولم يقل رضعة ولا رضعتين.
وأخرج عبد الرزاق عن طاوس.
أنه قيل له: إنهم يزعمون أنه لا يحرم من الرضاعة دون سبع رضعات ثم صار ذلك إلى خمس.
قال: قد كان ذلك فحدث بعد ذلك أمر، جاء التحريم، المرة الواحدة تحرم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: المرة الواحدة تحرم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: المصة الواحدة تحرم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم أنه سئل عن الرضاع فقال: إن علياً وعبد الله بن مسعود كانا يقولان: قليله وكثيره حرام.
وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال: اشترط عشر رضعات.
ثم قيل: إن الرضعة الواحدة تحرم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال: لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة.
مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما الرضاعة من المجاعة» .
أما قوله تعالى: ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ .
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريقين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوّج أمها دخل بالإبنة أو لم يدخل، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الإبنة» .
وأخرج مالك عن زيد بن ثابت أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ففارقها قبل أن يمسها هل تحل له أمها؟
فقال: لا.
الأم مبهمة ليس فيها شرط، إنما الشرط في الربائب.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: الرجل ينكح المرأة ولم يجامعها حتى يطلقها، أتحل له أمها؟
قال: لا، هي مرسلة قلت: أكان ابن عباس يقرأ ﴿ وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴾ قال: لا.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ قال: هي مبهمة، إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي عن عمران بن حصين، في ﴿ أمهات نسائكم ﴾ قال: هي مبهمة.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في سننه عن أبي عمرو الشيباني أن رجلاً من بني شمخ تزوج امرأة ولم يدخل بها، ثم رأى أمها فأعجبته، فاستفتى ابن مسعود، فأمره أن يفارقها ثم يتزوج أمها، ففعل وولدت له أولاداً، ثم أتى ابن مسعود فسأل عمر.
وفي لفظ فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: لا تصلح.
فلما رجع إلى الكوفة قال للرجل: إنها عليك حرام ففارقها.
وأخرج مالك عن ابن مسعود.
أنه استفتي وهو بالكوفة عن نكاح الأم بعد البنت، إذا لم تكن البنت مُسَّتْ فارخص ابن مسعود في ذلك، ثم إن ابن مسعود قدم المدينة فسأل عن ذلك، فأخبر أنه ليس كما قال، وإن الشرط في الربائب، فرجع ابن مسعود إلى الكوفة، فلم يصل إلى بيته حتى أتى الرجل الذي أفتاه بذلك فأمره أن يفارقها.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبيهقي عن مسروق.
أنه سئل عن أمهات نسائكم؟
قال: هي مبهمة، فأرسلوا ما أرسل الله، واتبعوا ما بين ذلك.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في الرجل يتزوّج المرأة ثم يطلقها، أو ماتت قبل أن يدخل بها هل تحل له أمها؟
قال: هي بمنزلة الربيبة.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن زيد بن ثابت.
أنه كان يقول: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، وإذا طلقها قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوّج أمها.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد.
أنه قال: في قوله: ﴿ وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم ﴾ أريد بهما الدخول جميعاً.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر عن مسلم بن عويمر الأجدع قال: نكحت امرأة فلم أدخل بها حتى توفي عمي عن أمها، فسألت ابن عباس فقال: أنكح أمها.
فسألت ابن عمر فقال: لا تنكحها.
فكتب أبي إلى معاوية فلم يمنعني ولم يأذن لي.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عبدالله بن الزبير قال: الربيبة والأم سواء، لا بأس بهما إذا لم يدخل بالمرأة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هانئ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمها ولا ابنتها» .
قوله تعالى: ﴿ وربائبكم ﴾ .
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن داود أنه قرأ في مصحف ابن مسعود «وربائبكم اللاتي دخلتم بأمهاتهم» .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم بسند صحيح عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: كانت عندي امرأة فتوفيت وقد ولدت لي، فوجدت عليها، فلقيني علي بن أبي طالب فقال: ما لك...؟
فقلت توفيت المرأة فقال علي: لها ابنة؟
قلت: نعم، وهي بالطائف.
قال: كانت في حجرك؟
قلت: لا.
قال: فأنكحها.
قلت: فأين قول الله: ﴿ وربائبكم اللاتي في حجوركم ﴾ ؟
قال: إنها لم تكن في حجرك، إنما ذلك إذا كانت في حجرك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: الدخول.
الجماع.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن طاوس قال: الدخول.
الجماع.
وأخرج ابن المنذر عن أبي العالية قال: بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح، وإن كانت أسفل لسبعين بطناً.
قوله تعالى: ﴿ وحلائل أبنائكم ﴾ .
أخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء في قوله: ﴿ حلائل أبنائكم ﴾ قال: كنا نتحدث أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد قال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله: ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ﴾ ونزلت ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ﴾ [ الأحزاب: 4] ونزلت ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ﴾ [ الأحزاب: 40] .
وأخرج ابن المنذر من وجه آخر عن ابن جريج قال: لما نكح النبي صلى الله عليه وسلم امرأة زيد قالت قريش: نكح امرأة ابنه فنزلت ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن الحسن ومحمد قالا: إن هؤلاء الآيات مبهمات ﴿ وحلائل أبنائكم ﴾ و ﴿ ما نكح آباؤكم ﴾ [ النساء: 22] ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: الرجل ينكح المرأة لا يراها حتى يطلقها، تحل لأبيه؟
قال: هي مرسلة ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ﴾ .
أما قوله تعالى: ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ .
أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه عن فيروز الديلمي «أنه أدركه الإسلام وتحته أختان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم طلق أيتهما شئت» .
وأخرج عن قيس قال: قلت لابن عباس: أيقع الرجل على المرأة وابنتها مملوكتين له؟
فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله.
وأخرج ابن المنذر من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ قال: يعني في النكاح.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس.
أنه كان لا يرى بأساً أن يجمع بين الأختين المملوكتين.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ قال: ذلك في الحرائر، فأما في المماليك فلا بأس.
وأخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب.
أن رجلاً سال عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين، هل يجمع بينهما؟
فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك.
فخرج من عنده فلقي رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أراه علي بن أبي طالب فسأله عن ذلك فقال: لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحداً فعل ذلك لجعلته نكالاً.
وأخرج ابن عبد البر في الاستذكار عن اياس بن عامر قال: سألت علي بن أبي طالب فقلت: إن لي أختين مما ملكت يميني، اتخذت إحداهما سرية وولدت لي أولاداً، ثم رغبت في الأخرى فما أصنع؟
قال: تعتق التي كنت تطأ، ثم تطأ الأخرى، ثم قال: إنه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله من الحرائر إلا العدد.
أو قال: إلا الأربع، ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي عن علي أنه سئل عن رجل له أمتان أختان وطئ إحداهما ثم أراد أن يطأ الأخرى.
قال: لا.
حتى يخرجها من ملكه قيل: فإن زوجها عبده؟
قال: لا.
حتى يخرجها من ملكه.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود.
أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين الأمتين فكرهه.
فقيل: يقول الله: ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ [ النساء: 24] فقال: وبعيرك أيضاً مما ملكت يمينك.
وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن عمار بن ياسر قال: ما حرم الله من الحرائر شيئاً إلا قد حرمه من الإماء إلا العدد.
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق أبي صالح عن علي بن أبي طالب قال في الأختين المملوكتين: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولا آمر ولا أنهى، ولا أحل ولا أحرم، ولا أفعله أنا ولا أهل بيتي.
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن عكرمة قال: ذكر عند ابن عباس قول علي في الأختين من ملك اليمين؟
فقالوا: إن علياً قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية.
قال ابن عباس عند ذلك: أحلتهما آية وحرمتهما آية، إنما يحرمهن علي قرابتي منهن ولا يحرمهن عليّ قرابة بعضهن من بعض، لقول الله: ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ [ النساء: 24] .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبيهقي عن ابن عمر قال: إذا كان للرجل جاريتان أختان، فغشي إحداهما فلا يقرب الأخرى حتى يخرج الذي غشي عن ملكه.
وأخرج ابن المنذر عن القاسم بن محمد.
أن حياً سألوا معاوية عن الأختين مما ملكت اليمين يكونان عند الرجل يطؤهما؟
قال: ليس بذلك بأس.
فسمع بذلك النعمان بن بشير فقال: أفتيت بكذا وكذا...؟
قال: نعم.
قال: أرأيت لو كان عند الرجل أخته مملوكة يجوز له أن يطأها؟
قال: أما والله لربما وددتني أدرك، فقل لهم اجتنبوا ذلك فإنه لا ينبغي لهم فقال: إنما هي الرحم من العتاقة وغيرها.
وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها» .
وأخرج البيهقي عن مقاتل بن سليمان قال: إنما قال الله في نساء الآباء ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ لأن العرب كانوا ينكحون نساء الآباء، ثم حرَّم النسب والصهر فلم يقل ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ لأن العرب كانت لا تنكح النسب والصهر.
وقال في الأختين ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ لأنهم كانوا يجمعون بينهما فحرم جمعهما جميعاً إلا ما قد سلف قبل التحريم ﴿ إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ لما كان من جماع الأختين قبل التحريم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن وهب بن منبه.
أنه سئل عن وطء الأختين الأمتين؟
فقال: أشهد أنه فيما أنزل الله على موسى عليه السلام، أنه ملعون من جمع بين الأختين.
وأخرج مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عمر بن الخطاب.
أنه سئل عن المرأة وابنتها من ملك اليمين هل توطأ إحداهما بعد الأخرى؟
فقال عمر: ما أحب أن أجيزهما جميعاً ونهاه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس.
أنه سئل عن الرجل يقع على الجارية وابنتها يكونان عنده مملوكتين، فقال: حرمتهما آية وأحلتهما آية، ولم أكن لأفعله.
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي.
أنه سئل عن ذلك؟
فقال: إذا أحلت لك آية وحرمت عليك أخرى، فإن أملكهما آية الحرام ما فصل لنا حرتين ولا مملوكتين.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن الضريس عن وهب بن منبه قال: في التوراة ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها ما فصل لنا حرة ولا مملوكة.
وأخرج عبد الرزاق عن إبراهيم النخعي قال: من نظر إلى فرج امرأة وابنتها لم ينظر الله إليه يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ الآية.
الأُمَّهات جمع أمّ، وأم في الأصل أُمَّهَة، مثل: قُبَّرة وحُمَّرة، وأسقطت الهاء في التوحيد (١) أُمَّهَتي خِنْدِفُ (وإِليَاسُ (٢) (٣) وقد يُجمع الأم: أمات (٤) (٥) (٦) كانَتْ نَجَائِبَ مُنذِرٍ ومُحَرِّقٍ ...
أُمَّاتُهُنّ وطَرْقُهُنّ فَحِيلا (٧) وقولهم أمهات، بالجمع، الهاء فيها زيادة، ووزنها فعلهات، وقول الشاعر: أُمّهَتيِ خِندِفُ وإِليَاسُ أَبِي (٨) أي: أمي، والهاء زائدة (٩) وأجاز أبو بكر أن تكون الهاء أصلية، وتكون أمَّهة وزنها فُعَّلَة، وهو في هذا القول بمنزلة: تُرهَة، وأُبَّهَة، وعُلّفة، وقُبَّرة.
ويقول (١٠) (١١) ويزيد في قوة ذلك قول الشاعر: إذا الأُمَّهاتُ قَبَحْنَ الوُجوهَ ...
فَرجْتَ الظَّلامَ (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) فأما قول من قال: تأمّهت أمًّا، فيظهره مما يعارضه قولهم: أمّ بيّنة الأُمومة، بحذف الهاء، فرواية برواية، وبقي النظرة (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وذهب ابن الأنباري إلى أن الأصل: أُمّ، ثم يقال في النداء: يا أُمّاه، فيدخلون هاء السكت.
ثم إن بعض العرب يُسقط الألف وُيَشبَّه هاء السكتة بتاء التأنيث وتقدير بالإضافة بعدها، فيقول: يا أمّت كما قالوا: يا أَبَت، ثم قد تُستعمل التاء في أمّ في غير النداء، ولم يُستعمل ذلك في الأب، وهو قوله: تَقَبّلتَها من أُمَّةٍ لك طَالَمَا ...
(بت (٢٠) (٢١) وقالت العرب: هؤلاء أُمَّات زيد، وأُمّهات زيد، فأَجْرَوا الهاء الأصلية، وأصل زيادتها في باب النداء، وقد قال بعضهم: هذه أمّهتك، قال: أُمَّهَتِي خِنْدَفُ وإلياسُ أَبِي فزيدت ههنا دخولها للسكت، ثم شُبَّهت بالأصلية، وزيدت بعدها؛ لأنها شبهت بتاء التأنيث.
وكل امرأة رجع نسبُك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو بدرجات، وبإناث رَجَعتَ إليها أو ذكور، فهن أمك (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ وَبَنَاتُكُمْ ﴾ .
قد ذكرنا الكلام في أصل البنت والأخت عند قوله: ﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ ﴾ (٢٣) وتحريم هاتين مؤبد لم تَزالا، ولم تَحِلا قط لأحد.
وقوله تعالى: ﴿ وَأَخَوَاتُكُمْ ﴾ .
كل أنثى وَلَدَها شخصٌ وَلَدَك في الدرجة الأولى فهي أُختُك.
وقوله تعالى: ﴿ وَعَمَّاتُكُمْ ﴾ .
هي جمع العمَّة، وكل ذَكَرٍ رجع نسبُك إليه فأخته عمّتك، وقد تكون العمة من جهة الأم، وهي أخت أبي أمك.
وقوله تعالى: ﴿ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ ﴾ .
مضى الكلام في الأخ والأخت عند قوله: ﴿ .يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ ﴾ .
والتحديد في بنات الأخ وبنات الأخت كالتحديد في بنت الصلب، وهؤلاء محرمات بالأنساب والأرحام.
قال المفسرون وأهل العلم: كل امرأة حرّم الله نِكاحها للنسب والرحم فتحريمها مُبهم، والمُبهمة لا تحلّ بوجهٍ من الوجوه.
والتي كانت تحلّ ثُمّ حُرمت بسبب حَدَث، وهن اللواتي ذكرن في باقي الآية، فليست مُبهمة (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ﴾ .
هؤلاء سمين أمهات للحُرمة، كأزواج النبي سماهن الله تعالى أمهات المؤمنين في قوله: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ .
وكل أنثى انتسبتَ باللبن إليها فهي أمك، فالتي أرضَعَتْكَ أو رجلًا (٢٥) وإنما يحرم الرضاع بشرطين: أحدهما: أن يكون خمس رضعات (٢٦) والثاني: أن يكون في الحولين (٢٧) (٢٨) : "لا رضاع بعد الحولين" (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ﴾ .
وأخوات الرضاعة ثلاث الأولى: أختك لأبيك وأمك وهي الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلِبان أبيك، سواءٌ أرضعَتها معك أو مع ولدٍ قبلك أو بعدك.
والثانية: أختك لأبيك دون أمك، وهي التي أرضعَتها زوجةُ أبيك بلِبان أبيك.
والثالثة: أختك لأمك دون أبيك، وهي التي أرضَعَتها أمك بلبان رجل آخر.
وهاتان المرأتان -أعني: أمَّ الرضاعة وأخت الرضاعة- لولا الرضاعة لم يَحرُما، وكان الرضاع تحريمها (٣٠) (٣١) وروت عائشة ا، عن النبي قال: "يحرمُ من الرضاعةِ ما يحرمُ من النسبِ" (٣٢) فعلمنا من هذا أن السبع المحرمات بالنسب على التفصيل والبيان الذي ذكرنا محرمات باللبن، وقال أولو التحقيق من ذوي العلم: إن الحد الذي ذكره رسول الله في حديث عائشة معلوم من الآية ومستنبط عنها؛ وذلك أن الله تعالى لما ذكر حُرمة الرَّضاع ذكر طريقة الوِلادة بذكر الأمهات، وطريقة الأخُوّة بذكر الأخوات، وكل امرأة حُرمَت بالنَسَب حُرمَت بإحدى هاتين؛ لأن الأم والبنت حرمتا بالولادة، والخمس الباقيات من المحرمات بالنسب حَرُمْنَ بطريق الأخُوّة.
وقوله تعالى: ﴿ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ﴾ .
حد أم امرأتك كحد أمك، سواءٌ كانت من اللبن أو من النسب، فهي حرام عليك بنفس العقد على ابنتها؛ لأن الله تعالى أطلقَ التحريم ولم يُقيِّده بالدخول.
هذا إجماع الأمة اليوم (٣٣) وكان جماعة من الصحابة يذهبون إلى أن المرأة إنما تحرم بالدخول بالبنت، كالربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها، وهو قول علي وزيد (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) -، ورُوي ذلك عن ابن عباس (٣٨) -: الأمّ والابنة بمنزلة، إن لم يدخل بهذه تزوج هذه، وإن لم يدخل بهذه تزوج هذه (٣٩) وهؤلاء يجعلون قول: ﴿ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ منتظمًا للربائب وأمهات النساء، ويقول: أمهات النساء اللاتي لم يُدخَل بهن غيره (٤٠) والصحيح ما عليه الجماعة، روى عَمرو بن شُعَيب (٤١) ، قال: "إذا نكح الرجلُ المرأةَ فلا يَحلّ له أن يتزوج أمها، دخل بالبنت أو لم يدخل، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج البنت" (٤٢) وقال ابن جريج: قلت لعطاء: الرجل ينكح المرأة ثم (٤٣) (٤٤) وكان عبد الله بن مسعود أفتى بنكاح أم المرأة إذا طلّق بنتها قبل المسيس، وهو يومئذ بالكوفة، فاتفق له دخول المدينة فصادفهم مجتمعين على خلاف فتواه، فلما رجع إلى الكوفة لم يدخُل داره حتى حضر ذلك الرجل وقرع عليه الباب، وأمره بالنزول عن تلك المرأة (٤٥) وقال صاحب النظم: في نظم هذه الآية دليل على أن الشرط بالدخول مختص به الربائب دون أمهات النساء؛ لأن قوله: ﴿ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ﴾ لفظ قائم بنفسه في المعنى المعقود في ظاهره، وليس من نظم العرب في كلامها الجاري المستعمل بينهم أن يقال: أمهات نسائي من نسائي اللاتي دخلت بهن، كما لا يقال في واحدتها: أمّ امرأتي من امرأتي التي دخلت بها، وعادتهم الجارية بينهم في هذا أن يقولوا: أم امرأتي التي دخلت بها، وأمهات نسائي اللاتي دخلت بهن.
فقولك في هذا: من نسائي ومن امرأتي زيادة لا حاجة بقيام المعنى إليها، فلما لم يَجُز أن يكون قوله: ﴿ مِنْ نِسَائِكُمُ ﴾ طِبقًا لقوله: ﴿ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ﴾ لم يَجُز أن يكون شرطًا مُرصَدًا، ولا معطوفًا عليه، وصار هذا الشرط مخصوصًا بذكر الربائب ومقصورًا عليه، دون ذكر أمهات النساء.
وقال محمد بن يزيد بن عبد الأكبر (٤٦) ﴿ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ نعت للنساء اللواتي من أمهات الربائب لا غير، والدليل على ذلك إجماع الناس أن الربيبة تحلّ إذا لم يدخل بأمها، فمن أجاز أن يكون قوله تعالى: ﴿ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ نعتًا لقوله: ﴿ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُم ﴾ بقيت الربائب مطلقة، وخرج أن يكون ﴿ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِن ﴾ لأمهات الربائب، وحينئذٍ لا يجوز تَزوُّج الربيبة إذا لم يدخل بأمها.
قال الزجاج: والدليل على أن ما قال أبو العباس هو الصحيح أن الخبرين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحدًا.
لا يجيز النحويون: مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات.
على أن يكون الظريفات نعتًا (للفريقين من النساء) (٤٧) وقوله تعالى: ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ﴾ .
الربائب جمع الربيبة، وهي بنت امرأة الرجل من غيره، ومعناها: مربوبة؛ لأن الرجل هو يربّيها.
يقال: رَبَبْتُ فلانًا أربُّه، وربّبته أُرَبِّبُه، وربّيته أُربِّيه، وربته فأنا أربته.
كله معنى واحد، قاله الأصمعي (٤٨) (٤٩) وقال الراجز: والقبُر صهر ضَامنٌ زِمَّيتُ ...
ليس لمنَ ضُمَّنَه تَربيتُ (٥٠) وقوله تعالى: ﴿ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ﴾ .
قال المفسرون: يقول: اللاتي ربيتموهن في حجوركم.
وهي جمع حِجر، وفيه لغتان، قال ابن السكيت: حَجْرُ الإنسان وحِجْرُه بالفتح والكسر (٥١) قال أهل المعاني: المراد بقوله: ﴿ فِي حُجُورِكُمْ ﴾ أي في ضمانكم وتربيتكم، ويقال: فلان في حِجر فلان، إذا كان يلي تربيته (٥٢) (٥٣) وقال أبو عبيدة: ﴿ فِي حُجُورِكُمْ ﴾ أي: في بيوتكم (٥٤) (٥٥) وحد الربيبة في رجوعها إلى زوجتك مثل حد بنتك في رجوعها إليك، وهي لا تَحرُم بمجرد العقد على الأم، وإنما تحرم بالدخول، والدخول هو الجماع ههنا بالإجماع (٥٦) وقوله تعالى: ﴿ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ ﴾ .
قال الليث: الحليل والحليلة الزوج والمرأة، سميا به (٥٧) (٥٨) (٥٩) وقال أبو عبيدة (٦٠) (٦١) ولستُ بأطلس الثوبين يُصبِي ...
حليلتَه إذا هَدَأ النِّيَامُ (٦٢) قال: لم يُرِد بالحليلة ههنا امرأته، إنما أراد جارته؛ لأنها تُحالّه في المنزل.
قال: ويقال: إنما سميت الزوجة حليلة؛ لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه، على معنى أنه يَحِلُّ له (٦٣) (٦٤) (٦٥) وقيل: لأن كل واحد منهما يحل إزاره صاحبه (٦٦) وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ ﴾ .
فيه احتراز عن المُتبنَّى، وكان المتَبنّى في صدر الإسلام بمنزلة الابن.
قال عطاء: وليس يحرم عليك حليلة ابن ادعيته وليس هو من صُلبِك، ونكح رسول الله امرأة زيد بن حارثة (٦٧) ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ﴾ ، وقال: ﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ ﴾ (٦٨) قال أهل العلم: وحليلة الابن من الرضاع ملحقةٌ في التحريم بحليلة ابن الصلب بالسنة (٦٩) : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٧٠) وهذا التحريم يحصل بنفس العقد، كحليلة الأب لا خلاف في هذا (٧١) فأما ما رُوي أن ابن عباس سئل عن قوله: ﴿ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ ﴾ ولم يبين أدخل بها الابن أم لا؟
فقال ابن عباس: أبهموا ما أبهم الله (٧٢) ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ ﴾ (٧٣) ﴿ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ﴾ وعن قوله: ﴿ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ ﴾ ولم يبين أنهن مدخول بهن أم لا، أجاب فقال: هذا من المبهم، أي: مما لا وجه فيه غير التحريم، سواء دخل بهن أو لم يدخل بهن.
وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ﴾ .
أن في محل الرفع؛ لأنه بمعنى: والجمع بين الأختين، عطف على ما قبله (٧٤) ويحرم على الرجل أن يجمع في النكاح أختين بالنسب أو باللبن.
ويجوز الجمع بين أختين أمتين بملك اليمين، فإذا وطئ إحداهما حَرُمَت الثانية عليه، ولا يحل له ما لم يزل ملكه عن الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة (٧٥) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
فيه قولان: قال عطاء: يريد إلا ما قد مضى في الأمم ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا ﴾ لما مضى، ﴿ رَحِيمًا ﴾ بمن أطاعه.
قال: ويذكرون أن يعقوب جمع بين ليا أم يهوذا (٧٦) (٧٧) (٧٨) (٧٩) وهذا قول السدي في رواية أسباط (٨٠) (٨١) وقال الكلبي: ﴿ إِلَّا مَا قَدْ سَلَف ﴾ مضى منكم في الجاهلية فلا، تؤاخذون به بعد الإسلام (٨٢) وهو قول مقاتل (٨٣) (٨٤) ﴿ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ قال: لأنهم كانوا يجمعون بينهما (٨٥) قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين (٨٦) وقال أبو إسحاق: المعنى: سِوى ما سلف فإنه مغفور لكم (٨٧) قال أبو بكر: وهذا من الاستثناء المنقطع ﴿ إِلَّا ﴾ بمعنى: لكن، كأنه قيل: لكن ما قد سلف فأنتم غير مؤاخذين به (٨٨) ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ .
واعلم أن المحرمات بالنسب سبعة أصناف، ذُكِرت نسقًا في أول الآية.
والمحرمات بالسبب صنفان: صنف يحرم بالرضاع، وهو الأمهات والأخوات، على ما ذكرنا من التفصيل، وصنف يحرم بسبب المصاهرة، وهو أم المرأة وحليلة الأب وحليلة الابن والربائب، على التفصيل الذي ذكرنا، وحليلة الأب لم تُذكر في هذه الآية، إنما ذكرت في قوله: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ﴾ .
فأما الجمع بين الأختين فإنه تحريم الجمع (٨٩) (٩٠) قال: "لا تُنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها لا (٩١) (٩٢) وقال أهل العلم في حد ما يَحْرُم الجمع بينه: كل امرأتين بينهما قرابة أو لبن لو كان ذلك بينك وبين امرأة لم يَجُز لك نكاحُها لم يجز لك الجمع بينهما.
فأما ملك اليمين فكل امرأة حَرُم عليك نكاحها بنسب أو لبن أو صهر، فإذا وجد ذلك المعنى في مملوكة حَرُم عليك وطؤها بملك اليمين، وكل امرأتين حرم عليك الجمع بينهما بقرابة موجودة بينهما أو بلبن، فإذا ملكت أمَتَين وبينهما مثل ذلك المعنى حَرُم عليك وطؤهما بملك اليمين، فإذا وَطِئت إحداهما لم يكن لك وطء الثانية ما لم تُحَرِّم الأولى على نفسك بإزالة الملك عنها بِبَيع أو عِتق أو هِبَة، أو بإزالة الملك عن بعضها (٩٣) واعلم أن التحريم الحاصل بالمُصاهرة يحصل بنكاح صحيح، فلو زنى بامرأة لم تحرم عليه أمها ولا بنتها، ولا تحرم المزنيّ بها على آباء الواطئ، ولا أبنائه، وإنما تتعلق هذه الحُرمة بنكاح صحيح، أو فاسد يجب به الصَّداق والعِدّة ويُلحق به الولد، ولا يتعلّق بالسفاح الصريح.
وهذا قول عُروة، وسعيد، ومجاهد، والزهري، ومذهب مالك، والشافعي وفقهاء الحجاز (٩٤) وقال أهل العراق: الزنا يتعلق به تحريم المصاهرة، حتى لو زنى الأب بامرأة ابنِه انفسخ نكاحها، وكذلك نكاح الأب إن زنى الابن بامرأته.
وقالوا: لو قَبّل الأب امرأة الابن ولمسها بالشهوة انفسخ نكاح الابن، ولو قبل أجنبية أو لمسها أو وطئها فيما دون الفرج حصل تحريم المصاهرة.
وهذا قول الشعبي والنخعي ومذهب أبي حنيفة (٩٥) والآية حجة ظاهرة عليهم؛ لأن الله تعالى حرم أمهات النساء والربائب وحلائل الأبناء، وهذه الأسماء لا تثبت بوجود الزنا، فإنّ أم المزنيّ بها لا تكون أم امرأته، ولا بنتها ربيته، وإذا زنى الابن بامرأةٍ لم تَصِر حليلته حتى تحرم على الأب (٩٦) وقد قال ابن عباس: الحرام لا يحرم الحلال (٩٧) (١) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 202 (أم).
(٢) في (أ)، (د): والدَّوس، والتصويب من مصادر عدة ستأتي في عزو البيت وإيضاحه.
(٣) البيت لقُصَيّ بن كِلاب جد النبي كما في "جمهرة اللغة" 3/ 1308 (له)، وصدر هذا الرجز عنده: عِنَد تَنَاديهم بِهالٍ وهَبِيج وهال كلمة زجر للخيل.
وإلياس هو ابن مضر أحد أجداد قُصَيّ، وخِنْدِفُ زوجته أم مُدركة، وهذا لقب لها من الخندفة، وهو المشي بسرعة، واسمها ليلى بنت حلوان ابن عمران ابن الحاف من قضاعة انظر "الاشتقاق" لابن دريد ص 30، 42.
وقد استُشهِد بالبيِت دون نسبة في "الأمالي" للقالي 2/ 301، "تهذيب اللغة" 1/ 202 (أم)، "المحتسب" 2/ 224.
(٤) في (د): (أمهات).
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 202 (أم)، "الصحاح" 5/ 1863 (أمم).
(٦) هو أبو جَندل عُبيد بن حُصين النميري، والراعي لقبه.
(٧) البيت في "جمهرة اللغة" 2/ 176 (حفل).
قال ابن دريد: أي الذي طرق أمهاتهن كان فحلًا نجيبًا، والطرق الفحل، وكذلك في "تهذيب اللغة" 3/ 2747 (فحل)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 565.
(٨) تقدم قريبًا.
(٩) من "سر صناعة الإعراب" 2/ 563، 564 بتصرف.
(١٠) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: وُيقوّي كما في "سر صناعة الإعراب" 2/ 564.
(١١) في (د) (أمهت) وما أثبته هو الموافق لـ"سر صناعة الإعراب"، ومعنى تأمهت: اتّخذت.
(١٢) في (أ)، (د) الكلام، والتصويب من "العين" 8/ 434، "التهذيب" 1/ 202 (أم)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 564 وهو الأصل.
(١٣) البيت منسوب لمروان بن الحكم كما ذكر في "معجم شواهد العربية"، "شرح شواهد الشافعية" ص 308، وهو من "شواهد العين" 8/ 434، "تهذيب اللغة" 1/ 202، "اللسان" 1/ 136 (أمم).
معنى البيت: إذا قَبَحت الأمهات بفجورهن وجوه أولادهن عند الناس كشفت الظلام بضياء أفعال أمهاتك وطهارتهن.
(١٤) الكلام من قوله: وأجاز أبو بكر إلى هنا من "سر صناعة الإعراب" 2/ 564 بتصرف يسير، ولم أجد ما ذكره في "العين" سوى البيت كما مر في عزوه.
(١٥) "سر صناعة الإعراب" 2/ 565، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 202، "الصحاح" 5/ 1863 (أم).
(١٦) قد يكون الصواب: النظر بدون هاء كما في "سر صناعة الإعراب"2/ 568.
(١٧) في "سر صناعة الإعراب" نظار جلد.
(١٨) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: فأعرض كما في "سر صناعة الإعراب" 2/ 568.
(١٩) انتهى من "سر صناعة الإعراب" 2/ 566 - 568 بتصرف بالحذف لا باللفظ، وهذا من العجيب حيث أتى المؤلف بكلام أبي الفتح ابن جني الذي لقي أبا علي الفارسي وذاكره، وكأنه هو المذاكر حيث لم يعز الكلام لقائله!
(٢٠) هكذا في (أ)، (د)، ولعلها: تُنوزع، كما في "التهذيب" 1/ 202، "اللسان" 1/ 136 (أم).
(٢١) لم أعرف قائله وهو من شواهد الأزهري في "التهذيب" 1/ 202.
(٢٢) لى أجد من ذكر هذه القاعدة من المفسرين أو اللغويين، ولعل هذا من براعة المؤلف في التقصيد والتعبير، فإن هذه قاعدة تبين وتحدد الأمهات.
(٢٣) ذكر المؤلف فيما أشار إليه أصل اشتتاق لفظ بنت وأخت، ووزنهما وجمعهما، وعلامة التأنيث في كلام طويل.
(٢٤) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 33، "معاني النحاس" 2/ 52، ولعل الإبهام هنا بمعنى: التأبيد، فالمُبهمة المحرمة على الأبد، وعكسها غير المبهمة.
(٢٥) أي: أو أرضعت رجلًا.
(٢٦) هذا مذهب الشافعي -رحمه الله- وأصحابه، والصحيح في مذهب أحمد؛ يدل عليه ما ثبت عن عائشة - ا- قالت: كان فيما أنُزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن.
ثم نُسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي وهن فيما يقرأ من القرآن.
أخرجه مسلم (1452) كتاب الرضاع، باب: التحريم بخمس == رضعات وغيره انظر: "المغني" 310، 311، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" 34/ 33، 34، "تفسير ابن كثير" 511 - 512.
(٢٧) هذا الشرط عند جمهور العلماء.
انظر: "مجموع الفتاوى" 34/ 35، "تفسير ابن كثير" 511 - 512.
(٢٨) أفاد المؤلف هذين الشرطين من الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 34 ب.
(٢٩) لم أجده مرفوعًا، وإنما جاء نحوه موقوفًا على ابن عباس وابن مسعود كما في "موطأ مالك" ص 373 (4) كتاب الرضاع، باب: رضاعة الصغير، وباب: الرضاعة عند الكبر ص 375 (ح 14)، وقد جاء في معناه حديث مرفوع، فعن أم سلمة قالت: قال رسول الله : "لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام".
أخرجه الترمذي (1152) كتاب الرضاع، باب: ما جاء ما ذكر أن الرضاعة لا يحرم إلا في الصغَر دون الحولين، وقال الترمذي.
هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم.
أن الرضاعة لا تُحَرِّم إلا ما كان دون الحولين وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يُحَرِّم شيئًا.
(٣٠) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: يحرمهما.
(٣١) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: يحرمهما.
(٣٢) متفق عليه، أخرجه البخاري رقم (2644) كتاب الشهادات، باب: الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض، ومسلم بنحو رقم (1444) كتاب الرضاع، باب: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة وغيرهما.
(٣٣) انظر: "الطبري" 4/ 320 - 321.
(٣٤) هو أبو سعيد أو أبو ثابت، زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد، استُصغر يوم بدر وشهد أحدًا، وكان رأسًا في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض.
توفي - - سنة 45هـ وقيل قبلها.
انظر "الاستيعاب" 2/ 111، "أسد الغابة" 2/ 278، "الإصابة" 1/ 561.
(٣٥) انظِر: "الطبري" 8/ 145، "الكشف والبيان" 4/ 35 ب، "زاد المسير" 2/ 47.
(٣٦) هو أبو بكر أو أبو خبيب عبد الله بن الزُّبيرُ بن العوام القرشي الأسدي، أحد العبادلة، ومن كبار فقهاء الصحابة، ولي الخلافة تسع سنين إلى أن قتل - - سنة 73 هـ.
انظر: "الاستيعاب" 3/ 39، "أسد الغابة" 3/ 242، "الإصابة" 2/ 308، "التقريب" ص303 رقم (3320).
(٣٧) "الكشف والبيان" 4/ 35 ب.
(٣٨) انظر المرجع السابق.
(٣٩) عند ابن جرير من طريق قتادة عن خلاس بن عمرو عن علي في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، أيتزوج أمها؟
قال: هي بمنزلة الربيبة.
"جامع البيان" 4/ 321.
لكن تكلم في ثبوت هذا القول عن علي، انظر تعليق أحمد شاكر على "جامع البيان"، "تفسير القرطبي" 5/ 112.
(٤٠) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: غير بدون الضمير.
(٤١) هو أبو إبراهيم عَمرو بن شُعَيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، تقدمت ترجمته.
(٤٢) أخرجه الطبري 8/ 146، وقال عَقِبه: وهذا خبر وإن كان في إسناده ما فيه، فإن إجماع الحجة على صحة القول به، مُستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره، وحسن الحديث أحمد شاكر في تحقيقه للطبري.
== وقد أورد الحديث الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 35، وابن كثير 1/ 513، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 242، وعزاه أيضًا إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في "سننه".
(٤٣) في (د): بدون (ثم).
(٤٤) أخرجه ابن جرير 4/ 322 إلى قوله: مرسلة، وذكره الثعلبي كاملًا في "تفسيره" 4/ 35، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 242.
(٤٥) أخرجه بنحوه مالك في كتاب النكاح، باب: مالا يجوز من نكاح الرجل امرأته ص 330 (ح 23)، وانظر: "الدر المنثور" 242.
(٤٦) هو المبرَّد تقدمت ترجمته رحمه الله، وكلامه هذا في "معاني الزجاج" 2/ 34.
(٤٧) انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 34، وما بين القوسين عند الزجاج: لهؤلاء النساء وهؤلاء النساء.
(٤٨) لم أقف على قول الأصمعي بنصه كاملًا، وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1338، "الصحاح" 1/ 131 ، 132، "اللسان" 3/ 1549 (ربب).
(٤٩) البيت لأبي تمام: في "ديوانه" ص405، و"ثمار القلوب" ص 267، و"دلائل الإعجاز" ص 309، و"محاضرات الراغب" 2/ 709 بلفظ "مرتعة".
(٥٠) من "شواهد الصحاح" 1/ 249 (ربت)، "اللسان" 3/ 1552 (ربت، زمت) ، وزميت -في "اللسان"- بمعنى: الساكن، وتربيت من التربية.
(٥١) "تهذيب اللغة" 1/ 747 (حجر).
(٥٢) من الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 35ب.
(٥٣) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 850 (حضن).
(٥٤) "مجاز القرآن" 1/ 121.
(٥٥) "تهذيب اللغة" 1/ 747 (حجر).
(٥٦) دعوى الإجماع هنا لا تتم، فقد قيل: إن المراد بالدخول التجريد.
انظر "جامع البيان" 4/ 322 - 323.
(٥٧) في (د): (بها).
(٥٨) في (د): (والجمع)، وما أثبته هو الموافق لما في "العين".
(٥٩) "العين" 3/ 27 (حل).
(٦٠) في (أ): هكذا، والصواب: أبو عبيد.
انظر: "غريب الحديث" 1/ 343، "اللسان" 2/ 973 (حلل).
(٦١) في (د): (جاز لك).
(٦٢) البيت لأوس بن حجر في "ديوانه" ص 75، وبغير عزو في "الزاهر" 1/ 185، و"غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 247، و"أمالي القالي" 1/ 20، و"مقاييس اللغة" (حل)، وهو من شواهد "اللسان" 5/ 2689 (طلس).
ومعنى أطلس الثوبين أي: وسخهما وهو كناية عن الفاحشة والقبح، ويُصبي حليلته أي: يريد جارته التي تُحالّه في حِلته بسوء.
(٦٣) الظاهر أن هذا نهاية كلام أبي عبيد.
انظر "غريب الحديث" 1/ 344.
(٦٤) عند الزجاج: بمعنى.
(٦٥) "معاني الزجاج" 2/ 35.
(٦٦) "الكشف والبيان" 4/ 36 أ.
(٦٧) هو زيد بن حارثة بن شَراحيل الكَعْبي، كان مولى وَهَبته خديجة للنبي وُيدعى زيد بن محمد حتى نزلت: ﴿ ادعُوُهمْ لَأِبَائِهِمْ ﴾ وكان حبّ رسول الله هو وابنه أسامة، وقد روى عنه الحديث جماعة من الصحابة.
توفي سنة 8 هـ.
انظر: "أسد الغابة" 2/ 281، "الإصابة" 1/ 563، "الأعلام" 3/ 57.
(٦٨) عند الطبري من طريق حجاج، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: قوله: ﴿ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ ﴾ قال: كنا نحدث والله أعلم أنه نزلت في محمد حين نكح امرأة زيد بن حارثة قال المشركون في ذلك، فنزلت ﴿ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ ﴾ ونزلت: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ﴾ ، ونزلت: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ ، "جامع البيان" 4/ 323.
وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 36 أ.
(٦٩) انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 379، والقرطبي 5/ 116، وقد حكى القرطبي الإجماع في هذه المسألة.
(٧٠) تقدم تخريجه، وهو صحيح.
(٧١) انظر: "الطبري" 4/ 323، و"البغوي" 2/ 191، و"القرطبي" 5/ 113.
(٧٢) لم أقف على شيء من ذلك عن ابن عباس، لكن قال السيوطي: وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن الحسن ومحمد قالا: إن هؤلاء الآيات مبهمات ﴿ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ ﴾ ، ﴿ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ﴾ ، ﴿ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ﴾ .
"الدر المنثور" 2/ 243.
(٧٣) في (د): ﴿ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ ﴾ .
(٧٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 260، والطبري 4/ 323، "معاني الزجاج" 2/ 35 ، "إعراب النحاس" 1/ 405.
(٧٥) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 36 أ، "أحكام القرآن" للهراسي 2/ 250، و"البغوي" 2/ 191.
(٧٦) في (د): (يهود).
(٧٧) في "الكشف والبيان" 4/ 36 أ: وكانتا أختين.
(٧٨) في (أ): (فحرم).
(٧٩) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 36 أمختصرًا، وكذلك البغوي 2/ 192.
(٨٠) هو أبو يوسف أو أبو نصر أسباط بن نصر الهمذاني، مفسر، واختلفوا في توثيقه، قال ابن حجر: صدوق، كثير الخطأ يغرب، من الثامنة، وحديثه عند مسلم والأربعة.
انظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 157، "التقريب" ص 98 رقم (321) "الأعلام" 1/ 292.
(٨١) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 36 أ، "معالم التنزيل" 2/ 192.
(٨٢) لم أقف عليه.
(٨٣) هو مقاتل بن سليمان، ويأتي تخريج قوله بعد الحاشية التالية.
(٨٤) الزجاج كما سيأتي.
(٨٥) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 245، مطولًا، وانظر: "تفسير مقاتل" 1/ 366.
(٨٦) انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 515، وذكر السمرقندي والقرطبي نحوه عن محمد بن الحسن.
انظر: "بحر العلوم" 1/ 344، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 119.
(٨٧) "معاني الزجاج" 2/ 35.
(٨٨) الظاهر أنه يقصد أبا بكر بن الأنباري، ولم أقف على كلامه، وقد أشار غير واحد من الأئمة أنه من الاستثناء المنقطع.
انظر: الطبري 4/ 323، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 405.
(٨٩) انظر: الطبري 4/ 323.
(٩٠) لفظ (د): (لا تنكح المرأة على خالتها أو عمتها ولا على خالتها لا) وفيه اضطراب.
(٩١) أخرجه البخاري (5108) كتاب النكاح، باب: لا تنكح المرأة على عمتها؛ ومسلم (1408) كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح.
(٩٢) هذه رواية أبي داود (2065) والترمذي (1126)، وأحمد (9500) من حديث أبي هريرة، وقد علقه البخاري في الباب نفسه (5108).
(٩٣) في (أ): (بضعها).
(٩٤) انظر: "الأم" 5/ 25، والقرطبي 5/ 114، 115.
(٩٥) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 35 أ، والقرطبي 5/ 114، 115.
(٩٦) انظر: "الأم" 5/ 26، والقرطبي 5/ 115.
(٩٧) لم أجده عن ابن عباس، وانظر "الكشف والبيان" 4/ 35 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ الآية.
معناها تحريم ما ذكر من النساء، والنساء محرمات على التأبيد ثلاثة أصناف؛ بالنسب، وبالرضاع، وبالمصاهرة.
فأما النسب فيحرم به سبعة أصناف؛ وهي المذكورة في هذه الآية، وضابطها أنه يحرم على الرجل فصوله ما سفلت، وأصوله ما علت، وفصول أبويه ما سفلت وأول فصل من كل أصل متقدم على أبويه ﴿ أمهاتكم ﴾ يدخل فيه الوالدة والجدة من قبل الأم والأب ما علَوْن ﴿ وبناتكم ﴾ يدخل فيه البنت وبنت الابن وبنت البنت ما سفلن ﴿ وأخواتكم ﴾ يدخل فيه الأخت الشقيقة؛ أو لأب أو لأم ﴿ وعماتكم ﴾ يدخل فيه أخت الوالد، وأخت الجد ما علا، سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم ﴿ وخالاتكم ﴾ يدخل فيه أخت الأم وأخت الجدّ ما علت سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم ﴿ وَبَنَاتُ الأخ ﴾ يدخل فيه كل من تناسل من الأخ الشقيق أو لأب أو لأم ﴿ وَبَنَاتُ الأخت ﴾ يدخل فيه كل ما تناسل من الأخت الشقيقة أو لأب أو لأم ﴿ وأمهاتكم اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم مِّنَ الرضاعة ﴾ ذكر تعالى صنفين من الرضاعة وهم: الأم والأخت.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ، فاقتضى ذلك تحيرم الأصناف السبعة التي تحرم من النسب، وهي الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت وتفصيل ذلك يطول، وفي الرضاع مسائل لم نذكرها لأنها ليس لها تعلق بألفاظ الآية: ﴿ وأمهات نِسَآئِكُمْ ﴾ المحرمات بالمصاهرة أربع: وهن زوجة الأب، وزوجة الابن، وأم الزوجة، وبنت الزوجدة، فأما الثلاث الأول فتحرم بالعقد دخل بها أم لم يدخل بها، وأما بنت الزوجة فلا تحرم إلاّ بعد الدخول بأمها، فإن وطئها حرمت عليه بنتها بالإجماع، وإن تلذذ بها بما دون الوطء فحرّمها مالك والجمهور وإن عقد عليها ولم يدخل بها: لم تحرم بنتها إجماعاً، وتحرم هذه الأربع بالرضاع كما تحرم بالنسب ﴿ وربائبكم اللاتي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ﴾ الربيبة هي بنت امرأة الرجل من غيره: سميت بذلك لأنه يربيها فلفظها فعيلة بمعنى مفعولة، وقوله: ﴿ اللاتي فِي حُجُورِكُمْ ﴾ على غالب الأمر إذ الأكثر أن تكون الربيبة في حجر زوج أمها، وهي محرّمة سواء كانت في حجره أم لا، هذا عند الجمهور من العلماء إلاّ ما روي عن على بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أجاز نكاحها إن لم تكن في حجره ﴿ اللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ اشتُرِطَ الدخول في تحريم بنت الزوجة، ولم يشترط في غيرها، وعلى ذلك جمهور العلماء: إلاّ ما روي عن علي بن أبي طالب أنه اشترط الدخول في تحريم الجميع، وقد انعقد الإجماع بعد ذلك ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ ﴾ الحلائل جمع حليلة وهي الزوجة ﴿ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ تخصيص ليخرج عنه زوجة الابن يتبناه الرجل، وهو أجنبي عنه؛ كتزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش، امرأة زيد بن حارثة الكلبي الذي كان يقال له: زيد بن محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختين ﴾ يقتضي تحريم الجمع بين الأختين سواء كانتا شقيقتين أو لأب أو لأم وذلك في الزوجتين، وأما الجمع بين الأختين المملوكتين في الوطء فمنعه مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم، ورأوا أنه داخل في عموم لفظ الأختين، وأجازه الظاهرية لأنهم قصروا الآية على الجمع بعقد النكاح، وأما الجمع بين الأختين في الملك دون الوطء فمنعه مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم، ورأوا أنه داخل في عموم لفظ الأختين، وأجازه الظاهرية لأنهم قصروا الآية على الجمع بعقد النكاح، وأما الجمع بين الأختين في الملك دون وطء فجائز باتفاق ﴿ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ المعنى: إلاّ ما فعلتم من ذلك في الجاهلية وانقطع بالإسلام؛ فقد عفى عنكم فلا تؤاخذون به، وهذا أرجح الأقوال حسبما تقدم في الموضع الأول.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والمحصنات ﴾ في كل القرآن بكسر الصاد إلاّ قوله: ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ على الباقون بالفتح ﴿ وأحل ﴾ مبنياً للمفعول: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون: مبنياً للفاعل ﴿ أحصن ﴾ بفتح الهمزة والصاد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.
الباقون: ﴿ أحصن ﴾ بضم الهمزة وكسر الصاد.
﴿ تجارة ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.
الباقون: بالرفع.
الوقوف: ﴿ دخلتم بهن ﴾ الأولى (ز) لابتداء الشرط مع اتحاد المقصود ﴿ فلا جناح عليكم ﴾ (ز) لذلك فإن جملة الشرط معترضة ﴿ أصلابكم ﴾ (لا) للعطف ﴿ سلف ﴾ (ط) / ﴿ رحيماً ﴾ (ه) لا للعطف ﴿ أيمانكم ﴾ (ج) لأن ﴿ كتاب الله ﴾ يحتمل أن يكون مصدر التحريم لأنه في معنى الكتابة، ويحتمل أن يكون مصدر محذوف أي كتب الله كتاباً، والأحسن أن يكون مفعولاً له أي حرمت لكتاب الله.
من قرأ ﴿ وأحل ﴾ بالفتح لم يحسن الوقف له على ﴿ عليكم ﴾ للعطف على "كتب"، ومن قرأ ﴿ وأحل ﴾ بالضم عطفاً على ﴿ حرمت ﴾ جاز له الوقف لطول الكلام ﴿ مسافحين ﴾ (ط) لابتداء حكم المتعة ﴿ فريضة ﴾ (ط) ﴿ الفريضة ﴾ (ه) ﴿ حكيماً ﴾ (ه) ﴿ فتياتكم المؤمنات ﴾ (ط) ﴿ بإيمانكم ﴾ (ط) ﴿ من بعض ﴾ (ج) لعطف المختلفين ﴿ أخدان ﴾ (ج) لذلك ﴿ من العذاب ﴾ (ط) ﴿ العنت منكم ﴾ (ط) ﴿ خير لكم ﴾ (ط) ﴿ رحيم ﴾ (ه) ﴿ ويتوب عليكم ﴾ (ط) ﴿ حكيم ﴾ (5) ﴿ عظيماً ﴾ (ه) ﴿ يخفف عنكم ﴾ (ج) لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى أي يخفف لضعفكم ﴿ ضعيفاً ﴾ (ه) ﴿ أنفسكم ﴾ (ط) ﴿ رحيماً ﴾ (ه) ﴿ ناراً ﴾ (ط) ﴿ يسيراً ﴾ (ه).
التفسير: إنه نص على تحريم أربعة عشر صنفاً من النسوان، سبعة من جهة النسب: الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، وسبعة أخرى لا من جهة النسب: الأمهات من الرضاعة، والأخوات من الرضاعة، وأمهات النساء، وبنات النساء بشرط الدخول بالنساء، وأزواج الأبناء والآباء - وهذه في الآية المتقدمة - والجمع بين الأختين، والمحصنات من النساء.
وذهب الكرخي إلى أن هذه الآية مجملة لأنه أضيف التحريم فيها إلى الأمهات والبنات، والتحريم لا يمكن إضافته إلى الأعيان وإنما يمكن إضافته إلى الأفعال وذلك غير مذكور في الآية، فليست إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفعال التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات أولى من بعض وهذا معنى الإجمال.
والجواب من المعلوم بالضرورة من دين محمد أن المراد منه تحريم نكاحهن لا سيما وقد تقدم قوله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ ومثله قوله : "لا يحل دم امرىء مسلم إلاّ لإحدى خصال ثلاث " فإنه لا يشتبه أن المراد لا يحل إراقة دمه.
ثم إنّ قوله: ﴿ حرمت ﴾ إنشاء للتحريم كقول القائل "بعت" أو "طلقت" لا إخبار عن التحريم في الزمان الماضي ولا يشتبه أن المحرم هو الله كقوله: ﴿ بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور ﴾ والخطاب لأولئك الحاضرين بالذات ولمن عداهم من الأمة بالتبعية.
والأصل في كل حكم هو الاستمرار والتأبيد ما لم ينسخه ناسخ، والقرينة / تدل على أن المراد أنه حرم على كل أحد أمه خاصة وبنته خاصة.
واعلم أنّ حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمان آدم إلى هذا الزمان، ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأديان، بل إنّ زرادشت نبي المجوس بزعمهم قال بحله إلاّ أن أكثر المسلمين اتفقوا على أنه كان كذاباً.
أما نكاح الأخوات فقد نقل أن ذلك كان مباحاً في زمان آدم وذلك للضرورة، وبعض المسلمين ينكره ويقول: إنه بعث الحور من الجنة حتى تزوج بهن أبناء آدم، ويرد عليه أنّ هذا النسل حينئذ لا يكون محض أولاد آدم وذلك بالإجماع باطل.
قال العلماء: السبب في تحريم الأمهات والبنات أن الوطء إذلال وإهانة فلا يليق بالأصل والجزء.
والأمهات جمع الأم والهاء زائدة.
ووزن أم "فعل" أو أصلية ووزنه "فع".
وقد يجيء جمعه على "أمات" وقد يقال الأمهات للإنسان، والأمات لغيره، وكل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو درجات بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك.
ولا شك أن لفظ الأم حقيقة في التي ولدتك، أما في الجدة فيحتمل أن يكون حقيقة أيضاً وحينئذٍ يكون اللفظ متواطئاً فيها إن كان موضوعاً بإزاء قدر مشترك بينهما، وتكون الآية نصاً في تحريمها أو يكون مشتركاً بينهما.
وحينئذٍ إن جوز استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه فالآية نص في تحريمها أيضاً وإلا فطريقان: أحدهما أن تحريم الجدات مستفاد من الإجماع، والثاني أنه تكلم بهذه الآية مرتين لكل من المفهومين.
وكذا الكلام إن قلنا إنّ الأم حقيقة في الوالدة مجاز في الجدات.
قال الشافعي: إذا تزوج الرجل بأمه ودخل بها يلزمه الحد.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه.
حجة الشافعي أن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة لكونه محرّماً قطعاً في حكم الشرع فيكون وطؤها زناً محضاً.
الصنف الثاني من المحرمات البنات ويراد بهن كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات بإناث أو بذكور.
والكلام في أن إطلاق لفظ البنت على بنت الابن وبنت البنت حقيقة أو مجاز كما مر في الأمهات.
قال أبو حنيفة: البنت المخلوقة من ماء الزنا تحرم على الزاني.
وقال الشافعي: لا تحرم لأنها ليست بنتاً له شرعاً لقوله : " "الولد للفراش" وهذا يقتضي حصر النسب في الفراش، ولأنها لو كانت بنتاً له لأخذت الميراث ولثبت له ولاية الإجبار عليها، ولوجب عليه نفقتها وحضانتها، ولحل الخلوة بها، لكن التوالي باطلة بالاتفاق فكذا المقدم.
وأيضاً إنّ أبا حنيفة إما أن يثبت كونها بنتاً له على الحقيقة وهي كونها مخلوقة من مائه، أو بناء على حكم الشرع والأول باطل على مذهبه طرداً وعكساً.
أما الطرد فهو أنه إذا اشترى جارية بكراً وافتضها وحبسها ي داره إلى أن تلد فهذا الولد معلوم أنه مخلوق من مائة قطعاً مع أنه لا يثبت نسبه إلاّ عند الاستلحاق، وأما العكس فهو أن المشرقي إذا تزوج بالمغربية وحصل هناك ولد فإنه يثبت النسب مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه.
والثاني أيضاً باطل بإجماع المسلمين على أنه لا نسب لولد الزاني من الزاني، ولو انتسب إليه وجب على القاضي منعه.
الصنف الثالث: الأخوات ويشمل الأخوات من الأب والأم، ومن الأب فقط، ومن الأم فقط، الصنف الرابع والخامس العمات والخالات.
قال الواحدي: كل ذكر رجع نسبك إليه فأخته عمتك وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أبي أمك، وكل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة فأختها خالتك.
وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك، ولاتحرم أولاد العمات وأولاد الخالات.
الصنف السادس والسابع: بنات الأخ وبنات الأخت، والقول فيهما كالقول في بنت الصلب.
الثامن والتاسع: قوله: ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ﴾ سمى المرضعات أمهات تفخيماً لشأنهن كما سمى أزواج النبي أمهات لحرمتهن.
وليس قوله: ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ﴾ كقول القائل: وأمهاتكم اللاتي كسونكم أو أطعمنكم.
وإلاّ كان تكراراً لقوله: ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ بل المراد أن الرضاع هو الذي تستحق هي بسببه الأمومة ويعلم من تسمية المرضعة.
أما والراضعة أختاً إنه أجرى الرضاع مجرى النسب لأن المرحمات بسبب النسب سبع: اثنتان بالولادة وهما الأمهات والبنات، والباقية بطريق الإخوة وهو الأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، فذكر من كل واحد من القسمين صورة واحدة تنبيهاً بها على الباقي منهما.
فذكر من قسم الولادة الأمهات، ومن قسم الإخوة الأخوات.
ثم إنه أكد هذا البيان بصريح قوله: " "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " فصار صريح الحديث مطابقاً لمفهوم الآية.
وهذا بيان لطيف فأمك من الرضاع كل أنثى أرضعتك، أو أرضعت من أرضعتك، أو أرضعت من ولدك من الآباء والأمهات، أو ولدت المرضعة، أو الفحل الذي منه اللبن بواسطة أو بغير واسطة.
وبنتك من الرضاع كل أنثى أرضعت بلبنك، أو أرضعت بلبن من ولدت من الأبناء أو البنات.
وأختك من الرضاع كل أنثى أرضعتها أمك أو أرضعت بلبن أبيك، أو ولدتها المرضعة أو الفحل الذي جر لبنه على المرضعة.
وعمتك كل أنثى من الرضاع من جهة الأب، وكل أنثى أرضعت بلبن واحد من أجدادك، أو كانت أخت الفحل الذي ارضعت / بلبنه.
ومن جهت الأم كل أنثى هي أخت ذكر أرضعت أمك بلبنه بواسطة أو بغير واسطة.
وخالتك من الرضاع من جهة الأم كل أنثى هي أخت أمك من الرضاع، أو أخت من ارضعتك من النسب أو الرضاع.
ومن جهة الأب كل أنثى هي أخت أنثى أرضعت أباك من الرضاع أو النسب.
وبنات الإخوة والأخوات من الرضاع كل أنثى ولدها ابن مرضعتك أو بنتها أو ولدها ابن الفحل الذي منه اللبن، أو بنته من الرضاع أو النسب، أو أرضعتها أختك أو أرضعت بلبن أخيك.
وكذلك حكم بنات أولاد من أرضعته أختك أو أرضعت بلبن أخيك من الرضاع أو النسب، وكذلك بنات من أرضعته أمك أو أرضع بلبن أبيك وبنات أولادهما من الرضاع أو النسب.
والرضاع المحرّم قد يسبق النكاح فيمنع انعقاده، وقد يطرأ عليه فيقطعه.
وللرضاع أركان: أحدها المرضع ويجب أن تكون امرأة، فلبن البهيمة لا يثبت تحريماً بين الذكر والأنثى للذين شربا منه وكذا لبن الرجل، وأن تكون حية.
وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد يتعلق بلبن الميتة التحريم، وأن تكون محتملة للولادة بأن بلغت تسع سنين.
وثانيها اللبن ويتعلق به التحريم ولو تغيّر بحموضة أو انعقاد أو إغلاء أو اتخذ منه جبن أو زيد أو مخيض أو أقط أو ثرد فيه طعام أو عجن به دقيق وخبز أو خلط بمائع حلال أو حرام.
وثالثها المحل وهو معدة الصبي الحي فلا أثر للحقنة، ولا بعد الحولين الهلاليين، ولا للوصول إلى معدة الصبي الميت.
ولا بد مع ذلك من خمس رضعات لقوله : " لا تحرم المصة والمصتان ولا الرضعة والرضعتان" ولما روت عائشة " خمس رضعات يحرّمن " وعند أبي حنيفة: الرضعة الواحدة كافية.
الصنف العاشر قوله: ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ ويدخل فيه الجدات من قبل الأب والأم.
الحادي عشر ﴿ وربائبكم اللاتي في حجوركم ﴾ والربائب جمع ربيبة وهي بنت امرأة الرجل من غيره، ومعناها مربوبة لأنّ الرجل يربها.
والحجور جمع حجر بالفتح والكسر.
وكونها في حجرة عبارة عن تربيته وهو بناء للكلام على الغالب ومثله هو في حضانة فلان وأصله من الحضن الذي هو الإبط.
وقال أبو عبيد: في حجوركم أي في بيوتكم.
وعن علي أنه جعل كونها ربيبة له وكونها في حجرة شرطاً في التحريم وهو استدلال حسن.
وأما سائر العلماء فذهبوا إلى / أنّ الكلام أخرج مخرج الأعم الأغلب، وأنه إذا دخل بالمرأة حرمت ابنتها عليه سواء كانت في تربيته أو لم تكن.
أما اشتراط الدخول بأمها فلقوله: ﴿ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴾ وهو متعلق بربائبكم كا تقول: بنات رسول الله من خديجة.
وأما عدم اشتراط التربية فلقوله: ﴿ فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ﴾ علق رفع الجناح بمجرد عدم الدخول، وهذا يقتضي أن السبب لحصول الجناح هو مجرد الدخول.
وذهب جمع من الصحابة أن أم المرأة إنما تحرم بالدخول بالبنت كما أن الربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها وهو قول علي وزيد وابن عمر وابن الزبير وجابر وأظهر الروايات عن ابن عباس.
وحجتهم أنه تعالى ذكر جملتين وهو قوله: ﴿ وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم ﴾ ثم ذكر شرطاً وهو قوله: ﴿ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴾ فوجب أن يكون ذلك الشرط معتبراً في الجملتين معاً.
وأما الأكثرون من الصحابة والتابعين فعلى أن قوله: ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ جملة مستقلة بنفسها ولم يدل دليل على عود ذلك الشرط إليه إذ الظاهر تعلق الشرط بالثانية، وإذا تعلق الشرط بالثانية أو تعلق بإحدى الجمليتين فلا حاجة إلى تعليقه بأخرى.
وأيضاً عود الشرط إلى الجملة الأولى وحدها باطل بالإجماع وكذا عوده إليهما معاً، لأنّ معنى "من" مع الأولى البيان، ومعناها مع الثانية ابتداء الغاية، واستعمال اللفظ المشترك في مفهومية معاً غير جائز.
نعم لو جعل "من" للاتصال كقوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ﴾ أمكن اعتبار الاتصال في النساء والربائب معاً، فأمهات النساء متصلات بالنساء لأنهن أمهاتهن، كما أن الربائب متصلات بأمهاتهن لأنهن بناتهن.
إلاّ أن هذا التفسير فيه خلل من جهة اللفظ ومن جهة المعنى.
أما اللفظ فلأن قوله: ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ وكذا ربائبكم يكون حينئذٍ مبتدأ وقوله ﴿ من نسائكم ﴾ خبراً ويقع بين المعطوفات فاصلة لأن قوله: ﴿ وحلائل أبنائكم ﴾ وما بعده معطوف على فاعل ﴿ حرمت ﴾ .
وأما من جهة المعنى فلأن الحكم بالاتصال والاتحاد يقتضي التحليل لا التحريم ظاهراً.
ومما يدل على أن الجملة الأولى مرسلة ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي أنه قال: " إذا نكح الرجل امرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل، وإذا تزوج بالأم فلم يدخل بها ثم طلّقها فإن شاء تزوّج البنت " وكان عبد الله بن مسعود يفتي بنكاح أم المرأة إذا طلق بنتها فبل المسيس وهو يومئذٍ بالكوفة.
فاتفق أن ذهب إلى المدينة فصادفهم مجميعن على خلاف فتواه، فلما رجع إلى الكوفة لم يدخل داره حتى ذهب إلى ذلك الرجل وقرع عليه الباب وأمره بالنزول عن تلك المرأة.
وعن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت قال: إنّ الرجل إذا طلق امرأته قبل الدخول وأراد أن يتزوج أمها فله ذلك، وإن ماتت عنده لم يتزوّج أمها أقام الموت مقام الدخول في التحريم كما قام مقامه في باب المهر.
والدخول بهن كناية عن الجماع كقولهم: بنى عليها أو ضرب عليها الحجاب.
يعني أدخلتموهن الستر، والباء للتعدية، وقد تقدم أن الخلوة الصحيحة عند أبي حنيفة تقوم مقام الدخول في التحريم، وقد تمسك أبو بكر الرازي بالآية في إثبات أن الزنى يوجب حرمة المصاهرة.
قال: لأنّ الدخول بها اسم لمطلق الوطء من نكاح كان أو سفاح, ورد بأنّ تقديم قوله: ﴿ من نسائكم ﴾ يوجب تخصيص الوطء بالحلال.
الصنف الثاني عشر ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ﴾ فيخرج المتبنى وكان في صدر الإسلام بمنزلة الابن إلى أن نزل: ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ﴾ ﴿ لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم ﴾ وحكم الابن من الرضاع حكم الابن من النسب في تحريم حليلته على أبيه لقوله : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" وإن كان ظاهراً قوله: ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ﴾ وظاهر قوله: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ يقتضي الحل فههنا قد تخصص عموم القرآن بخبر الواحد.
واتفقوا على أنّ حرمة التزوّج بحليلة الابن تحصل بنفس العقد ولا تتوقف الحرمة على الدخول.
وما روي عن ابن عباس أنه قال: أبهموا ما أبهم الله أراد به التأبيد.
ألا ترى أنه قال في السبع المحرّمات من جهة النسب إنها من المبهمات أي من اللواتي تثبت حرمتهن على التأبيد؟
واتفقوا أيضاً على تحريم حليلة ولد الولد على الجد.
أما جارية الابن فقد قال أبو حنيفة: يجوز للأب أن يتزوّج بها.
وقال الشافعي: لا يجوز لأنّ الحليلة فعيله إما بمعنى المفعول من الحل أي المحللة، أو من الحلول بمعنى أن السيد يحل فيها، وإما بمعنى الفاعل لأنهما يحلاّن في لحاف واحد، أو يحل كل واحد منهما في قلب صاحبه لما بينهما من الإلفة والمودّة.
وعلى التقادير يصدق على جارية الإبن أنها حليلته كما يصدق على زوجته أنها حليلته فتناولها الحرمة بالآية.
الصنف الثالث عشر ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ أي حرمت عليكم الجمع بينهما والتأنيث للتغليب أو للاكتساب أو بتأويل الخصلة.
ويمكن أن يقال: الواو نائب عن الفعل المطلق من غير اعتبار تذكيره أو تأنيثه، والجمع يكون إما بالنكاح أو بالملك أو بهما.
أما النكاح فلو عقد عليهما معاً فنكاحهما باطل، وعلى الترتيب بطل الثاني / لأنّ الدفع أسهل من الرفع، وأما الجمع بينهما بملك اليمين أو بأن ينكح إحداهما ويشتري الأخرى فقد اختلف الصحابة فيه؛ فقال علي وعمرو بن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر: لا يجوز الجمع بينهما لإطلاق الآية، ولأنه لو لجاز الجمع بينهما في الملك لجاز وطؤهما معاً لقوله : ﴿ إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون:6\] ولأن الأصل في الإبضاع الحرمة، فلو سلم أن الآية تدل على الجواز فالأحوط جانب الترك.
وأما سائر الصحابة والفقهاء فقد قالوا: النهي وارد عن نكاحهما، فلو جمع بينهما في الملك جاز إلاّ أنه إذا وطىء إحداهما حرّم وطء الثانية عليه، ولا تزول هذه الحرمة ما لم يزل ملكه عن الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة أو تزويج.
قال أبو حنيفة ههنا: لا يجوز نكاح الأخت في عدّة الأخت البائن لأنّ النكاح الأول كأنه باق بدليل وجوب العدة ولزوم النفقة.
وقال الشافعي: يجوز لأن نكاح المطلّقة زائل بدليل لزوم الحد بوطئها.
وأما وجوب العدة ولزوم النفقة فنقول: متى حصل النكاح حصلت القدرة على حبسها، ولا يلزم من حصول القدرة على حبسها حصول النكاح لأن استثناء عين التالي لا ينتج.
وإذا أسلم الكافر وتحته أختان فقد قال الشافعي: اختار أيتهما شاء وفارق الأخرى سواء تزوّج بهما معاً أو على الترتيب، لأنّ الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشرائع في أحكام الدنيا إذ لا يتصوّر تكليفه بالفروع ما دام كافراً.
نعم يعاقب بترك الفروع في الآخرة كما يعاقب على ترك الإسلام ومما يؤيّد قول الشافعي ما روي أن فيروزاً الديلي أسلم على ثمان نسوة فقال : " اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن" أطلق ولم يتفحص عن الترتيب.
وقال أبو حنيفة: إن تزوّج بهما معاً تركهما أو على الترتيب فارق الثانية، لأنّ الخطاب في قوله: ﴿ وأن تجمعوا ﴾ عام فيتناول المؤمن والكافر فخالف أصليه حيث جعل النهي دالاً على الفساد، والكافر مخاطباً بالفروع.
ومما يدل على أن الخطاب الفروع لا يظهر أثر في حق الكافر في الأحكام الدنيوية الإجماع على أنه لو تزوج بغير وليّ وشهود أو على سبيل القهر والغصب فبعد الإسلام يقرّر ذلك النكاح، أما قوله : ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ فمعناه أن ما مضى مغفور بدليل قوله: ﴿ إنّ الله كان غفوراً رحيماً ﴾ وقد مرّ نظيره.
واعلم أنّ رسول الله ألحق بالأختين جميع المحارم حيث قال: " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" وضبط العلماء ذلك بأنّ كل شخصين بينهما قرابة أو رضاع / لو كان أحدهما ذكراً والآخر أنثى حرّم النكاح بينهما فلا يجوز الجمع بينهما، فيحرم الجمع بين المرأة وبنت أخيها وبنات أولاد أخيها.
وكذلك بين المرأة وبنت أختها وبنات أولاد أختها سواء كانت العمومة والخؤولة من النسب أوالرضاع.
ولا يحرم نكاح المرأة وأم زوجها، ولا نكاح المرأة وبنت زوجها لأنه لا توجد الحرمة على تقدير ذكورة كل واحدة منهما، وإنما توجد على تقدير ذكورة أم الزوج أو بنته فقط لمكان المصاهرة حينئذٍ بخلاف ما لو فرضت المرأة ذكراً فإنه لا يكون بينهما قرابة ولا رضاع.
وقد يضبط تحريم الجمع بعبارتين أخريين: إحداهما يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع يقتضي المحرمية، والثانية يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما وصلة قرابة أو رضاع لو كانت تلك الوصلة بينك وبين امرأة لحرمت عليك.
الصنف الرابع عشر ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ وقد ورد الإحصان في القرآن بمعان: أحدها الحرية ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ وثانيها العفة ﴿ محصنات غير مسافحات ﴾ أحصنت فرجها.
وثالثها الإسلام ﴿ فإذا أحصن ﴾ قيل في تفسيره إذا أسلمن.
ورابعها كونها بذات زوج ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ أي ذوات الأزواج منهن.
والوجوه كلها مشتركة في أصل المعنى اللغوي وهو المنع.
يقال: مدينة حصينة ودرع حصينة مانعة صاحبها من الآفات والجراحات.
والحرية سبب لمنع الإنسان من نفاذ حكم الغير فيه، والعفة مانعة من ارتكاب المناهي، وكذا الإسلام والزوج مانع لزوجته من كثير من الأمور، والزوجة مانعة للزوج من الوقوع في الزنا، قرىء بكسر الصاد لأنهن أحصن فروجهن بالتزوج.
ومعنى قوله: ﴿ إلاّ ما ملكت أيمانكم ﴾ أن اللاتي سبين ولهن أزواج في دار الكفر فهن حلال لغزاة المسلمين؛ وهكذا إذا سبى الزوجان معاً خلافاً لأبي حنيفة قياساً على شراء الأمة واتهابها وارثها فإن كلاً منها لا يوجب الفرقة.
وأجيب بأنّ الحاصل عند السبي إحداث الملك فيها، وعند البيع نقل الملك من شخص إلى شخص، والأول أقوى فظهر الفرق.
وقيل: المعنى أن ذوات لأزواج حرام عليكم إلاّ إذا ملكتموهن بنكاح جديد بعد وقوع الفراق بينهن وبين أزواجهنّ.
وقيل: المحصنات الحرائر.
والمعنى حرمت عليكم الحرائر إلاّ العدد الذي جعله الله ملكاً لكم وهو الأربع، أو إلاّ ما أثبت الله لكم ملكاً عليهن لحصول الشرائط المعتبرة من حضور الولي والشهود وغير ذلك، والقول هو الأول لما روي عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي فنزلت: ﴿ والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت أيمانكم ﴾ فاستحللناهن.
ثم أكد تحريم المذكورات بقوله: ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ قال الزجاج: يحتمل أن يكون منصوباً باسم فعل ويكون ﴿ عليكم ﴾ مفسراً له أي الزموا كتاب الله ﴿ وأحلّ لكم ما وراء ذلكم ﴾ أي ما وراء هذه المذكورات سواء كن / مذكورات بالقول الصريح أو بدلالة جلية أو خفية أو ببيان النبي كما قلنا في تحريم الجمع بين الأختين وغيرهما.
وقد دخل بعد هذه العناية في الآية تخصيصات أخر منها: أنّ المطلقة ثلاثاً لا تحل ودليل ذلك قوله: ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ ومنها الحربية والمرتدة بدليل قوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ ومنها المعتدة بدليل قوله: ﴿ والمطلّقات يتربصن ﴾ ومنها أن من في نكاحه حرة لم يجز له أن ينكح أمة بالاتفاق.
وعند الشافعي القادر على طول الحرة لا يجوز له نكاح الأمة بدليل ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ ومنها الخامسة بدليل ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ ومنها الملاعنة لقوله : " المتلاعنان لا يجتمعان أبداً" وقوله: ﴿ أن تبتغوا ﴾ مفعول له أي بين لكم ما يحل مما يحرم إرادة أن يكون ابتغاؤكم بأموالكم في حال كونكم محصنين ولا في حال كونكم مسافحين، لئلاّ تضيّعوا أموالكم التي جعل الله لكم قياماً فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم.
ويجوز أن يكون ﴿ تبتغوا ﴾ بدلاً من ﴿ ما وراء ذلك ﴾ ومفعول ﴿ تبتغوا ﴾ مقدر وهو النساء.
والأجود أن لا يقدر لأنّه مفهوم منسوق الكلام وكأنه قيل: أن تخرجوا أموالكم.
ومعنى محصنين متعففين عن الزنا وسمي الزنا سفاحاً لأنّه لا غرض للزاني إلاّ سفح النطفة أي صبّها.
قال أبو حنيفة: لا يجوز المهر بأقل من عشرة دراهم لأنّه قيد التحليل بالابتغاء بالأموال والدرهم والدرهمان لا يسمى أموالاً.
وقال الشافعي: يجوز بالقليل والكثير لأنّ قوله: ﴿ بأموالكم ﴾ مقابلة الجمع بالجمع فيقتضي توزع الفرد على الفرد، فيتمكن كل واحد من ابتغاء النكاح بما يسمى مالاً، والقليل والكثير في هذه الحقيقة سواء.
وعن جابر عن النبي أنه قال: " من أعطى امرأة في نكاح كف دقيق أو سويق فقد استحل " وقال أبو حنيفة: لو تزوّج بها على تعليم سورة من القرآن لم يكن ذلك مهراً ولها مهر مثلها، لأنّ الابتغاء بالمال شرط والمال اسم للأعيان لا للمنافع، وكذا قوله ﴿ وآتوا النساء صدقاتهم نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه ﴾ والإيتاء والأكل من صفة الأعيان.
ولو تزوّج امرأة على خدمة سنة وإن كان حراً فلها مهر مثلها، وإن كان عبداً فلها خدمة سنة، وقال الشافعي: الآية تدل على أن الابتغاء بالمال جائز وليس فيه أن الابتغاء بغيره جائز أو لا.
وأيضاً قد خرج الخطاب مخرج الأعم الأغلب فلا يدل على نفي ما سواه.
ومما يدل على جواز جعل المنفعة صداقاً قوله في قصة شعيب ﴿ على أن تأجرني ثماني حجج ﴾ والأصل في شرع من قبلنا البقاء إلى أن يظهر الناسخ.
وأيضاً التي وهبت نفسها لما لم يجد الرجل الذي أراد التزوّج بها شيئاً قال : "هل معك شيء من القرآن؟
قال: نعم، سورة كذا وكذا.
فقال: زوّجتكها / بما معك من القرآن" .
ومنه يعلم جواز عتق الأمة صداقاً لها لا سيما وقد روي عن النبي "أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها" وكونه من خواصه ممنوع.
﴿ فما استمتعتم به منهن ﴾ أي فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو عقد عليهن أو خلوة صحيحة عند أبي حنيفة ﴿ فآتوهن أجورهن ﴾ أي عليه فأسقط الراجع للعلم به.
ويجوز أن يراد بما النساء "ومن" للتبعيض أو البيان لا لابتداء الاستمتاع، ويكون رجوع الضمير إليه في ﴿ به ﴾ على اللفظ وفي ﴿ فآتوهن ﴾ على المعنى.
والأجور المهور لأنّ المهر ثواب على البضع كما يسمى بدل منافع الدار والدابة أجراً.
و ﴿ فريضة ﴾ حال من الأجور بمعنى مفروضة، أو أقيمت مقام إيتاء لأنّ الإيتاء مفروض، أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة.
ولا يخفى أنه إن استمتع بها بدخول بها يجب تمام المهر، وإن استمتع بعقد النكاح فقط فالأجر نصف المهر.
قال أكثر علماء الأمة: إنّ الآية في النكاح المؤبد.
وقيل: المراد بها حكم المتعة وهي أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معلوم ليجامعها، سميت متعة لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها.
واتفقوا على أنها كانت مباحة في أول الإسلام، ثم السواد الأعظم من الأمة على أنها صارت منسوخة.
وذهب الباقون ومنهم الشيعة إلى أنها ثابتة كما كانت، ويروى هذا عن ابن عباس وعمران بن الحصين.
قال عمارة: "سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟
قال: لا سفاح ولا نكاح.
قلت: فما هي؟
قال: هي متعة كما يقال.
قال: قلت هل لها عدة؟
قال: نعم، عدّتها حيضة.
قلت: هل يتواراثان؟
قال: لا" .
وفي رواية أخرى عنه أن الناس لما ذكروا الأشعار في فتيا ابن عباس في المتعة قال: "قاتلهم الله إني ما أفتيت بإباحتها على الإطلاق لكني قلت: إنها تحل للمضطر كما تحل الميتة والدم ولحم الخنزير" ، ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال: اللهم إني أتوب إليك من قولي في الصرف والمتعة.
وأما عمران بن الحصين فإنه قال: "نزلت آية المتعة في كتاب الله ولم ينزل بعدها آية تنسخها وأمرنا بها رسول الله وتمتعنا معه ومات ولم ينهنا عنها، ثم قال رجل برأيه ما شاء" - يريد أن عمر نهى عنها - وروى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن علي أنه قال: "لولا أن عمرو نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي" .
حجة الجمهور على حرمة المتعة أنّ الوطء لا يحل إلاّ في الزوجة أو المملوكة لقوله : ﴿ إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون:6\] وهذه المرأة ليست بمملوكة ولا بزوجة وإلاّ لحصل التوارث ولثبت النسب ولوجبت العدة عليها بالأشهر والتوالي باطلة بأسرها بالاتفاق.
وروي عن عمر أنه نهى عن المتعة على المنبر بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم، فلو سكتوا لعلمهم بحرمتها فذاك، ولو سكتوا لجهلهم / بحلها وحرمتها فمحال عادة لشدة احتياجهم إلى البحث عن أمور النكاح، ولو سكتوا مع علمهم بحلها فإخفاء الحق مداهنة وكفر وبدعة وذلك محال منهم، وما روي عن عمر أنه قال: "لا أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته" .
ثم إنّ الصحابة لم ينكروا عليه مع أنّ الرجم لا يجوز في المتعة فلعله ذكر ذلك على سبيل التهديد والسياسة ومثل ذلك جائز للإمام عند المصلحة.
ألا ترى أنه قال " من منع منا الزكاة فإنا آخذوها منه وشطر ماله" مع أن أخذ شطر المال من مانعي الزكاة غير جائز إلاّ للسياسة، وروى الواحدي في البسيط عن مالك عن الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي "أن رسول الله نهى عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الإنسية" .
قال: وروى الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال: "غدوت على رسول الله فإذا هو قائم بين الركن والمقام مسند ظهره إلى الكعبة يقول: يا أيها الناس إني أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا وإن الله قد حرمه عليكم إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً" .
القائلون بإباحة المتعة قالوا: الابتغاء بالأموال يتناول الاستمتاع بالمرأة على سبيل التأبيد وعلى سبيل التوقيت، بل الآية مقصورة على نكاح المتعة لما روي أن أبي بن كعب كان يقرأ ﴿ فما استمتعتم به منهم إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن ﴾ وبه قرأ ابن عباس أيضاً، والصحابة ما أنكروا عليهما فكان إجماعاً.
وأيضاً أمر بإيتاء الأجور لمجرد الاستمتاع أي التلذذ وهذا في المتعة، وأما في النكاح المطلق فيلزم الأجر بالعقد.
وأيضاً قال في أول السورة: ﴿ فانكحوا ﴾ فناسب أن تحمل هذه الآية على نكاح المتعة لئلاّ يلزم التكرار في سورة واحدة، والحمل على حكم جديد أولى.
ومما يدل على ثبوت المتعة ما جاء في الروايات أنّ النبي "نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر" .
وأكثر الروايات أنه "أباح المتعة في حجة الوداع وفي يوم الفتح" .
وذلك أنّ أصحابه شكوا إليه يومئذٍ طول العزوبة فقال: "استمتعوا من هذه النساء" .
وقول من قال إنه حصل التحليل مراراً والنسخ مراراً ضعيف لم يقل به أحد من المعتبرين إلاّ الذين أرادوا إزالة التناقض عن هذه الروايات.
ونهي عمر يدل على أنه كان ثابتاً في عهد الرسول، وما كان ثابتاً في عهده لم يمكن نسخه بقول عمر كما أشار إليه عمران بن الحصين.
وأجيب بأنّ المراد من قول عمر "وأنا أنهي عنها" أنه قد ثبت عندي نسخها في زمان الرسول وقد سلموا له ذلك فكان إجماعاً.
﴿ ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ﴾ الذين حملوا الآية على بيان / حكم النكاح قالوا: المراد أنه إذا كان المهر مقدّراً بمقدار معين فلا حرج في أن تحط عنه شيئاً أو تبرّئه عنه بالكلية كقوله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء ﴾ وقال الزجاج: لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها أو يهب الزوج للمرأة تمام المهر، إذا طلّقها قبل الدخول.
قال أبو حنيفة: إلحاق الزيادة بالصداق جائز لأنّ التراضي قد يقع على الزيادة وقد يقع على النقصان وهي ثابتة إن دخل بها أو مات عنها، أما إذا طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة وكان لها نصف المسمى في العقد.
وقال الشافعي: الزيادة بمنزلة الهبة.
فإن أقبضها ملكته بالقبض وإن لم يقبضها بطلت، والدليل على بطلان هذه الزيادة أنها لو التحقت بالأصل فإما أن ترفع العقد الأول وتحدث عقداً ثانياً وهو باطل بالإجماع، وإما أن تحصل عقداً مع بقاء العقد الأول وهو تحصيل الحاصل.
والذين حملوا الآية على حكم المتعة قالوا: المراد أنه ليس للرجل سبيل على المرأة من بعد الفريضة وهي المقدار المفروض من الأجر والأجل، فإن قال لها زيدي في الأيام وأزيد في الأجر فهي بالخيار.
﴿ إنّ الله كان عليماً حكيماً ﴾ لا يشرع الأحكام إلاّ على وفق الحكمة والصواب.
ثم وسع الأمر على عبادة فقال: ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ فضلاً في المال وسعة ومنه الطول في الجسم لأنه زيادة فيه كما أن القصر قصور فيه ونقصان.و ﴿ أن ينكح ﴾ متعلق بـ ﴿ طولاً ﴾ يقال: طال على الأمر إذا غلبه فتمكن من فعله.
والمحصنات ههنا الحرائر، والمعنى ومن لم يقدر على نكاح الحرة فلينكح من الإماء التي ملكتها أيمانكم.
قال ابن عباس: يريد جارية أخيك فإنّ الإنسان لا يجوز له أن يتزوّج بجارية نفسه والفتيات المملوكات.
تقول العرب للأمة فتاة وللعبد فتى.
عن النبي : "لا يقولن أحدكم عبدي ولكن ليقل فتاي وفتاتي" وقال الشافعي: إنّ الله شرط في نكاح الإماء ثلاث شرائط: اثنتان في الناكح الأولى فقد طول الحرة وهو عبارة عن عدم ما ينكح به الحرة كما يقول الرجل: لا أستطيع أن أحج إذا كان لا يجد ما يحج به.
فإذا كان كذلك جاز له التزوّج بالأمة لأنّ العادة في الإماء تخفيف مهورهن ونفقتهن لاشتغالهن بخدمة ساداتهن.
والثانية خشية العنت كما يجيء في آخر الآية.
والثالثة في المنكوحة وهي أن تكون الأمة لمسلم ومع ذلك تكون مؤمنة لا كافرة لقوله: ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ فالقيد الأول مستفاد من قوله: ﴿ من فتياتكم ﴾ أي من فتيات المسلمين لا من فتيات غيركم وهم المخالفون في الدين، والقيد الثاني من وصف الفتيات بالمؤمنات.
أما فائدة القيد الأول فهي أن الولد تابع / للأم في الحرية والرق، وحينئذٍ يعلق الولد رقيقاً على ملك الكافر.
إلاّ أن هذا القيد ألغاه أكثر الأئمة لأنّ الولد إذا رق للكافر بيع عليه في الحال.
وأما فائدة القيد الثاني فالحذر من اجتماع النقصانين الكفر والرق.
وهذا قول مجاهد وسعيد والحسن ومذهب مالك والشافعي.
أما أبو حنيفة فإنه يقول: الغني والفقير سواء في جواز نكاح الأمة.
وذلك أنه يحمل النكاح في الآية على الوطء ويقول: المراد أن من لم يملك فراش الحرة فله أن ينكح أمة.
ثم الأمة لو كانت كتابية جاز له نكاحها ولكن نكاح الأمة المؤمنة أفضل فحمل التقييد في الآية على الفضل لا على الوجوب قياساً على جواز نكاح الحرة الكتابية بالإجماع مع وصف الحرائر أيضاً بالمؤمنات.
وأجيب بالفرق وهو اجتماع النقصانين.
ومن الناس من قال: لا يجوز التزوّج بالكتابيات ألبتة ولا شك أن في الآية دلالة على الحذر عن نكاح الإماء وأن الإقدام عليه لا يجوز إلاّ عند الضرورة وذلك لتباعة الولد الأم في الرق، ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة فربما تعوّدت بسبب ذلك فجوراً وقحة، ولما للمولى عليها من حق الاستخدام فلا تخلص لخدمة الزوج، ولأنّ السيد قد يبيعها فتصير مطلقة عند من يقول بذلك، ولأنّ مهرها ملك لمولاها فلا تقدر على هبة مهرها من زوجها ولا على إبرائه.
﴿ والله أعلم بإيمانكم ﴾ قال الزجاج: أي اعملوا على الظاهر في الإيمان فإنكم مكلفون بظواهر الأمور والله أعلم بما في الصدور.
﴿ بعضكم من بعض ﴾ كلكم أولاد آدم فلا يتداخلكم أنفة من التزوّج بالإماء عند الضرورة، أو كلكم مشتركون في الإيمان وهو أعظم المقاصد فإذا حصل الاشتراك فيه فما وراءه غير ملتفت إليه.
وفيه توهين ما كانوا عليه في الجاهلية من الفخر بالأنساب والأحساب وتأنيس بنكاح الإماء إذا كن مؤمنات.
ثم شرح كيفية هذا النكاح فقال: ﴿ فانكحوهن بإذن أهلهن ﴾ فلذلك اتفقوا على أنّ نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل لأنّ نكاحهن غير واجب فيتوجه الأمر إلى اشتراط الإذن، ولأنّ التزوّج بها يعطل على السيد أكثر منافعها فوجب أن لا يجوز إلاّ بإذنه.
ولفظ القرآن مقتصر على الأمة.
وأما العبد فقد ثبت ذلك في حقه بالحديث.
روى جابر عن النبي : " "إذا تزوّج العبد بغير إذن سيده فهو عاهر" واستدل الشافعي بالآية على أنّ المرأة البالغة العاقلة لا يصح نكاحها إلاّ بإذن الولي لأنّ قوله: ﴿ فانكحوهن ﴾ الضمير فيه يعود إلى الإماء.
والأمة ذات موصوفة بصفة الرق، وصفة الرق صفة زائلة، والإشارة إلى ذات موصوفة بصفة عرضية زائلة تبقى بعد زوال تلك الصفة بدليل أنه لو حلف لم يتكلم مع هذا الشاب فصار شيخاً ثم تكلم معه / يحنث في يمينه.
فعند زوال الرق عنها وهي حرة عاقلة بالغة يتوقف جواز نكاحها على إذن وليها، وإذا ثبت الحكم في هذه الصورة ثبت في سائر الصورة ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
واعترض على قول الشافعي بأنّ ظاهر الآية يدل على الاكتفاء بحصول إذن أهلها وعنده لا يجوز للمرأة أن تزوّج أمتها.
وأجيب بأن المراد بالإذن الرضا، وعندنا أن رضا المولى لا بد منه.
فإما أنه كاف فليس في الآية دليل عليه، وأيضاً إن أهلهن عبارة عمن يقدر على إنكاحهن وهو المولى إن كان رجلاً أو ولي المولى إن كان امرأة.
سلمنا أن الأهل هو المولى لكنه عام يخصصه قوله : " العاهر هي التي تنكح نفسها " إذ يلزمه أن لا يكون لها عبارة في نكاح مملوكها ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
قلت: الإنصاف أن استدلال الشافعي لا يتم.
فلقائل أن يقول: لا نسلم أن صفة الرق للأمة عرضية من حيث إنها أمة، وإن سلمنا ذلك فلا نسلم أن الإشارة إلى ذات الأمة في الآية تبقى بعد زوال صفة الرق.
فكونها مثل قول القائل لا أتكلم مع هذا الشاب ممنوع.
فمن المعلوم عرفاً أن المراد به ذات الشاب من حيث هو ولكنه كقول الحالف: لا أكلم شاباً.
فحينئذٍ لو كلّم زيداً وزيد شاب حنث فإذا صار شيخاً ثم كلمه لم يحنث.
﴿ وآتوهن أجورهن ﴾ أي مهورهن وفيه دلالة على وجوب مهرها إذا نكحها - سمى لها المهر أو لم يسم - وفي قوله: ﴿ بالمعروف ﴾ دلالة على أنه مبني على الاجتهاد وغالب الظن في المعتاد المتعارف وهو مهر المثل، أو المراد بغير مطل وضرار وإحواج إلى الاقتضاء.
وقيل: الأجور النفقة عليهن لأن المهر مقدر فلا معنى لاشتراط المعروف فيه فكأنه بيَّن أن كونها أمة لا يقدح في وجوب نفقتها وكفايتها كما في حق الحرة إذا حصلت التخلية من المولى بينه وبينها على العادة.
وعن بعض أصحاب مالك أنّ الأمة هي المستحقة لقبض مهرها، وأنّ المولى إذا آجرها للخدمة كان هو المستحق للأجرة دونها واحتجوا في المهر بظاهر قوله: ﴿ وآتوهن أجورهن ﴾ وأما الجمهور فعلى أن مهرها لمولاها لقوله : ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ وهذا ينفي كون المملوكة مالكة لشيء أصلاً، ولأنّ منافعها كانت مملوكة للسيد وقد أباحها للزوج بعقد النكاح فوجب أن يستحق بدلها.
وأما ظاهر الآية فلو حملنا لفظ الأجور على النفقة فلا إشكال، ولو حملناه على المهور فالجواب أنها ثمن أبضاعهن فلذلك أضيف الأجور إليهن.
وليس في قوله: ﴿ وآتوهن ﴾ ما يوجب كون المهر ملكاً لهن.
وهب أن المهر ملك لهن ولكنه قال: " العبد وما يملكه لمولاه " أو المراد وآتوا مواليهن فحذف المضاف ﴿ محصنات ﴾ قال ابن عباس: أي عفائف وهو حال من قوله: / ﴿ فانكحوهن ﴾ وظاهره يقتضي حرمة نكاح الزواني لكن الأكثرون على أنه يجوز فالآية محمولة على الندب والاستحباب.
﴿ غير مسافحات ﴾ قال أكثر المفسرين: المسافحة هي التي تؤاجر نفسها أي رجل أرادها، ومتخذة الخدن هي التي لها صديق معيّن.
وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين وما كانوا يحكمون على ذات الخدن بكونها زانية، فلما كان هذا الفرق معتبراً عندهم فلا جرم أفردهما الله بالذكر تنصيصاً على حرمتهما معاً.
والأخدان جمع خدن كالأتراب جمع ترب.
والخدن الذي يخادنك أي يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن، يقع على الذكر والأنثى.
﴿ فإذا أحصن ﴾ بالتزوّج وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد، أو بالإسلام وهو قول عمر وابن مسعود والشعبي والنخعي والسدي.
وكأنه ذكر حال إيمانهن في النكاح في قوله: ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ ثم كرر ذلك في حكم ما يجب عليهن عند إقدامهن على الفاحشة.
وههنا إشكال وهو أن المحصنات في قوله: ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ أريد بها الحرائر المتزوجات أو الحرائر الأبكار.
وعلى الأول يجب عليهن نصف الرجم وتنصيف الرجم محال، وعلى الثاني يجب عليهن خمسون جلدة وهذا القدر واجب في زنا الأمة محصنة كانت أو لم تكن، وقد علق ذلك في الآية بمجموع الأمرين: الإحصان والزنا.
والجواب أنا نختار القسم الأول ويسقط الرجم عنهن بالدليل العقلي لأن الرجم لا يتنصف، أو الثاني والمراد بيان تخفيف عذابهن.
وذلك أن حد الزنا يغلظ عند التزوج فهذه إذا زنت وقد تزوّجت فحدها خمسون جلدة لا يزيد عليها، فلأن يكون قبل التزوّج هذا القدر أولى.
واعلم أن الخوارج اتفقوا على إنكار الرجم واحتجوا بأنّ الآية تدل على أنّ عذاب الأمة نصف عذاب الحرة المحصنة، فلو كان على الحرة الرجم لزم تنصيف الرجم في حق الأمة وهو محال.
والجواب ما مرّ أن المخصص في حق الأمة دليل عقلي، والفقهاء جعلوا الآية أصلاً في نقصان حكم العبد عن حكم الحرة في غير الحد وإن كان من الأمور ما لا يجب ذلك فيه كالصلاة والصوم وغيرهما.
﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى نكاح الإماء بالاتفاق ﴿ لمن خشي العنت منكم ﴾ وقد عرفت فيما مرّ أن معناه الوقوع في أمر شاق.
وللمفسرين ههنا قولان: أحدهما أن الشبق الشديد والغلمة العظيمة ربما تدعو إلى الزنا فيقع في الحد في الدنيا وفي العذاب الأليم في الآخرة، والثاني أن الشبق قد يفضي إلى الأمراض الشديدة كأوجاع الوركين والظهر والوسواس وكاختناق الرحم للنساء، والأول أليق ببيان القرآن وعليه أكثر العلماء.
﴿ وأن تصبروا ﴾ أي صبركم عن نكاح الإماء بعد شروطه المبيحة متعففين خير لكم لما فيه من المفاسد المذكورة.
وعن النبي : " الحرائر صلاح البيت / والإماء هلاك البيت" ﴿ والله غفور رحيم ﴾ تأكيد لما ذكره من أن الأولى ترك النكاح إلاّ أنه أباحه لاحتياج المكلفين فهو من باب المغفرة والرحمة ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ أقيمت اللام مقام "أن" في قولك أريد أن يقوم.
وقيل: زيدت اللام وقدر "أن" وذلك لتأكيد إرادة التبيين كما زيدت في "لا أبا لك" لتأكيد إضافة الأب.
وقيل: في الآية إضمار والأصل يريد الله إنزال هذه الأحكام ليبين لكم دينكم وشرعكم وما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم ويهديكم مناهج من كان قبلكم.
قيل: المراد أن كل ما بيّن لنا من التحريم والتحليل في شأن النساء فقد كان الحكم كذلك في جميع الشرائع والملل.
وقيل: بل المراد أن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في نفسها إلاّ أنها متفقة في باب المصالح، وقيل: المعنى سنن من كان قبلكم من أهل الحق لتقتدوا بهم ويتوب عليكم.
قال القاضي: معناه كما أراد منا نفس الطاعة فلا جرم بينها وأزاح الشبه عنها، كذلك يريد أن يتوب علينا إن وقع تقصير وتفريط.
وفي الآية إشعار بأنه هو الذي يخلق التوبة فينا، فيرد عليه أنه إذا أراد التوبة منا وجب أن تحصل التوبة لكلنا وليس كذلك.
وأجيب بأنّ المراد التوبة في باب نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيات المذكورة في هذه الآيات وقد حصلت هذه التوبة، وكذا الكلام في قوله: ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ وقالت المعتزلة: يريد أن تفعلوا ما تستوجبون به أن يتوب عليكم ﴿ ويريد ﴾ الفجرة ﴿ الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ﴾ عن الحق والقصد ﴿ ميلاً عظيماً ﴾ وقيل: هم اليهود، وقيل: المجوس كانوا يحلون نكاح الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرمهن الله قالوا: فإنكم تحلّون بنت الخالة والعمة والخالة والعمة حرام عليكم فانكحوا بنات الأخ والأخت فنزلت.
يقول: يريدون أن تكونوا زناة مثلهم.
﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ بإحلال نكاح الأمة وغيره من الرخص.
﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً ﴾ فلضعفه خفف تكليفه ولم يثقل.
أما ضعف خلقته بالنسبة إلى كثير من المخلوقات بل الحيوانات فظاهر ولهذا اشتد احتياجه إلى التعاون والتمدن والأغذية والأدوية والمساكن والملابس والذخائر والمعاملات إلى غير ذلك من الضرورات، وأما ضعف عزائمه ودواعيه فأظهر ولهذا لا يصبر على مشاق الطاعات ولا عن الشهوات ولا سيما عن النساء.
عن سعيد بن المسيب: ما أيس الشيطان من بني آدم قط إلاّ أتاهم من قبل النساء، لقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشو بالأخرى وإن أخوف ما أخاف علي النساء.
عن ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت.
﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ ﴿ ويريد الله أن يتوب عليكم ﴾ ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ ﴿ من يعمل سوءاً / أو يظلم نفسه ﴾ ﴿ ما يفعل الله بعذابكم ﴾ اللهم لا تحرمنا مواعيدك إنك لا تخلف الميعاد.
ثم إنه لما ذكر ابتغاء النكاح بالأموال وأمر بإيفاء المهر والنفقات بيَّن عقيب ذلك أنه كيف يتصرف في الأموال فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ بما لا يبيحه الشرع بوجه وقد مر تفسيره في البقرة في قوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ ﴿ إلاّ أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴾ وقد سبق مثله في آخر البقرة.
وخص التجارة بالذكر وإن كان غير ذلك من الأموال المستفادة بنحو الهبة والإرث وأخذ الصدقات والمهور وأروش الجنايات حلالاً، لأنّ أكثر أسباب الرزق يتعلق بالتجارة.
ويدخل تحت هذا النهي أكل مال الغير بالباطل، وأكل مال نفسه بالباطل كما أن قوله : ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ يدل على النهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه.
قال أبو حنيفة: النهي في المعاملات لا يدل على البطلان.
وقال الشافعي: يدل لأن الوكيل إذا تصرف على خلاف قول المالك فذلك غير منعقد بالإجماع فالتصرف الواقع على خلاف قول المالك الحقيقي وهو الله أولى أن يكون باطلاً.
وأي فرق بين قوله: "لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين" وبين قوله: "لا تبيعو الحر" وإذا كان الثاني غير منعقد بالاتفاق فكذا الأول.
وقال أبو حنيفة: خيار المجلس غير ثابت في عقود المعاوضات المحضة لأن التراضي المذكور في الآية قد حصل.
وقال الشافعي: لا شك أن هذا التراضي يقتضي الحل إلاّ أنا نثبت بعد ذلك للمتبايعين الخيار بقوله : " "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ من كان من جنسكم من المؤمنين لأنّ المؤمنين كنفس واحدة، أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة حينما يعرضه غم أو خوف أو مرض شديد يرى قتل نفسه أسهل عليه.
عن الحسن البصري قال: حدثنا جندب بن عبد الله أن رسول الله قال: " كان رجل جرح فقتل نفسه فقال الله: بدرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة " وعن أبي هريرة قال: "شهدنا مع رسول الله خيبر فقال لرجل ممن يدعي الإسلام: هذا من أهل النار.
فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالاً شديداً فأصابته جراح.
فقيل له: يا رسول الله الذي قلت له آنفاً إنه من أهل النار فإنه قاتل اليوم قتالاً شديداً وقد مات.
فقال النبي إلى / النار.
فكاد بعض المسلمين أن يرتاب.
فبيناهم على ذلك إذ قيل له: إنه لم يمت ولكن به جراحات شديدة، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه فأخبر النبي فقال: الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله" .
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : " "من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً.
ومن تحسى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً.
ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً " وعن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزاة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صلّيت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي فقال: يا عمرو صلّيت بأصحابك وأنت جنب؟
فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ فضحك رسول الله ولم يقل شيئاً.
وقيل: معنى الآية لا تفعلوا ما تستحقون به القتل من القتل والردة والزنا بعد الإحصان ﴿ إنّ الله كان بكم رحيماً ﴾ ولأجل رحمته نهاكم عما يضركم عاجلاً وآجلاً.
وقيل من رحمته أنه لم يأمركم بقتل أنفسكم كما أمر بني إسرائيل بذلك توبة لهم وتمحيصاً لخطاياهم.
﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ القتل ﴿ عدواناً وظلماً ﴾ لا خطأ ولا قصاصاً.
هذا قول عطاء.
وقال الزجاج: ذلك إشارة إلى القتل والأكل بالباطل.
وعن ابن عباس أنه عائد إلى كل ما نهى الله عنه من أول السورة.
وتنكير النار للتعظيم أو للنوع.
﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ مثل على وفق المتعارف كقوله: ﴿ وهو أهون عليه ﴾ وإلاّ فلا مانع له عن حكمه ولا منازع له في ملكه.
التأويل: ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ الآية كلها إشارات إلى نهي التعليق ومنع التصرف في الأمهات السفليات والمتوالدات من أوصاف الإنسان وصفات الحيوان.
﴿ إنّ الله كان غفوراً ﴾ بأنواع غفرانه ظلمات الصفات الإنسانية التي تتولد من تصرفات الحواس في المحسوسات عند الضرورات بالأمر لا بالطبع ﴿ رحيماً ﴾ بالمؤمنين فيما اضطرهم إليه من التصرفات بقدر الحاجة الضرورية.
﴿ والمحصنات من النساء ﴾ هي الدنيا التي تصرف فيها العلويات ﴿ إلاّ ما ملكت أيمانكم ﴾ بإذن الله حيث قال: ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴾ ﴿ محصنين ﴾ حرائر من الدنيا وما فيها ﴿ غير مسافحين ﴾ في الطلب مياه وجوهكم.
﴿ فما استمتعتم به منهن ﴾ من الضروريات فأعطوا حقوق تلك الحظوظ بالطاعة والشكر والذكر.
ثم إنّ الله أحب نزاهة قلب المؤمن عن دنس حب الدنيا كما أحب / نزاهة فراشه فقال: ﴿ ومن لم يستطع ﴾ أي من لم يقدر أن يسخر عجوز الدنيا الصالحة بأسرها ويجعلها منكوحة له ويحصنها بتصرّف شرائع الإسلام بحيث لا يكون لها تصرف في قلبه بوجه ما، فليتصرف في القدر الذي ملكت يمين قلبه من الدنيا ولم تملك قلبه لأنها مأمورة بخدمته وهي مؤمنة له بالخدمة كما قال حكاية عن الله : " يا دنيا اخدمي من خدمني واستخدمي من خدمك" ﴿ محصنات ﴾ بالصدق والإخلاق ﴿ غير مسافحات ﴾ بالتبذير والإسراف ﴿ ولا متخذات أخدان ﴾ من النفس والهوى ﴿ فإذا أحصن ﴾ بالإخلاص في العطاء والمنع والأخذ والدفع ﴿ فإن أتين بفاحشة ﴾ هي غلبات شهواتها على القلب فليبذل نصف ما ملكت يمينه من الدنيا في الله جناية وغرامة فهو حدها كما أن حدّ عجوز الدنيا إذا أحصنها ذوو الطول من الرجال فأتت بفاحشة إهلاكها بالكلية بالبذل في الله كما كان حال سليمان إذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجياد لما شغلته عن الصلاة وأتت بفاحشة حب الخيل فطفق مسحاً بالسوق والأعناق ﴿ ذلك ﴾ التصرف في قدر من الدنيا ﴿ لمن خشي ﴾ ضعف النفس وقلة صبرها على ترك الدنيا وامتناعها عن قبول الأوامر والنواهي ﴿ وأن تصبروا ﴾ عن التصرّف في الدنيا بالكلية ﴿ خير لكم ﴾ كما قال : " "يا طالب الدنيا لتبر فتركها خير وأبر " ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ فلكم المعونة ولغيركم المؤونة.
قال إبراهيم: ﴿ إني ذاهب إ لى ربي ﴾ وأخبر عن حال موسى بقوله: ﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا ﴾ وعن حال نبينا بقوله: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ وعن حال هذه الأمة بقوله: ﴿ سنريهم آياتنا ﴾ والمعونة هي الجذبة التي توازي عمل الثقلين، فلا جرم كان لغير نبيّنا الوصول إلى السموات فقط، وكان لنبيّنا الوصول إلى مقام قاب قوسين أو أدنى، ولأمته التقرّب: " "لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه" والفرق بين النبي والولي، أنّ النبي مستقل بنفسه والولي لا يمكنه السير إلاّ في متابعة النبي وتسليكه.
﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً ﴾ ولهذا أعين بالخدمة حتى يتصل بقوّة ذلك إلى مقام لا يصل إليه الثقلان بسعيهم إلى الأبد، وضعفه بالنسبة إلى جلال الله وكماله وإلاّ فهو أقوى في حمل الأمانة من سائر المخلوقات، وايضاً من ضعفه أنه لا يصبر عن الله لحظة فإنه يحبهم ويحبونه.
الصبر يحمد في المواطن كلها *** إلاّ عليك فإنه لا يحمد وكان أبو الحسن الخرقاني يقول: لو لم ألق نفساً لم أبق.
وغير الإنسان يصبر عن الله / لعدم المحبة.
ومن ضعفه أنه لا يصبر مع الله عند غلبات سطوات التجلي كما أنه كان يغان على قلبه وكان يقول حينئذٍ: كلميني يا حميراء.
وكان الشبلي يقول: لا معك قرار ولا منك فرار، المستغاث بك منك إليك.
ضعف الإنسان سبب كماله وسعادته، فساعة يتصف بصفات البهيمة، وساعة يتسم بسمات الملك، وليس لغيره هذا الاستعداد فلهذا جاء في الحديث الرباني: " أنا ملك حي لا أموت أبداً فأطعني عبدي لعلك تكون ملكاً حياً لا تموت أبداً " ﴿ إلا أن تكون تجارة ﴾ أي تجارة تنجيكم من عذاب أليم.
﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ بصرف أموالكم في شهواتها فإن ذلك سمها القاتل ﴿ إن الله كان بكم رحيماً ﴾ إذ بيّن لكم هذه الآفات ودلكم على هذه التجارات.
﴿ ومن يفعل ﴾ صرف المال إلى الهوى تعدياً عن أمر الله وظلماً على نفسه.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَٰتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ ﴾ إلى آخره، يحتمل وجهين: يحتمل: أي: حرم عليكم الاستمتاع بأمهاتكم وبناتكم وأخواتكم...
وما ذكر، والجماع بهن.
ويحتمل: حرمة النكاح، أي: حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم، فإن كان هذا أراد، فلا يحرم النكاح لنفس النكاح، ولكن يحرم النكاح؛ لما به يوصل إلى الاستمتاع بالنساء، وإليه يقصد؛ فدل أنه يحرم الجمع بين الأختين في الاستمتاع في ملك اليمين، ولا يحرم الجمع بينهما في العقد.
ثم ذكر الحرمة في الأمهات والبنات والأخوات، ولم يذكر في الجدات فهن محرمات وإن علون، ولم يذكر في بنات البنات، فهن محرمات وإن سفلن.
فعندنا: أن ذكر الحرمة في الأمهات والبنات ذكر في الجدات وإن علون، وفي بنات البنات وإن سفلن؛ لأنه ذكر الحرمة في العمات والخالات، والعمات من ولد الجدّ، والخالات من ولد الجدات، فإنما ذكرت في الأولاد الحرمة، ثبت حرمة الجدات والأجداد، وكذلك ذكر الحرمة في الأخوات وبنات الأخوات، فالحرمة في بنات الأخ والأخوات لحرمة في الأخوات والإخوة، فعلى ذلك ذكر في الأمهات ذكر الحرمة في النبات وبنات البنات، لما ذكرنا.
أو [أن] يقال: إن بنات البنات بناتٌ وإن سفلن، فدخلن في ذكر الحرمة نصّاً، وكذلك أم الأم [أمٌّ] وإن علت، فدخلت في الخطاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ ﴾ .
ذكر الأمهات من الرضاعة والأخوات، ولم يذكر البنات، قال بشر: إنما لم يذكر البنات من الرضاعة؛ لأنه لا يمكن من الرضاعة البنات؛ لذلك لم يذكر، وذلك اختلاف بيننا وبينه في لبن الفحل، فعندنا لبن الفحل محرم، وعند بشر لا يحرم لبن الفحل، ذكر الله - وتعالى - الحرمة في النسب بيننا وبَيَّنَ بيان إحاطة وحقيقة، وذكر الحرمة في الرضاع، وبين بيان كفاية لا بيان إحاطة؛ فإما أن [تركه] للاجتهاد والاستنباط من المذكور، وقد أجمعوا جميعاً أن بنات الإخوة والأخوات من الرضاع كالذكر في أولادها؛ فعلى ذلك يجب أن يكون ذكر الحرمة في الأمهات من الرضاعة ذكراً في بناتها، أو ترك بيان ذلك للسنة: روي عن رسول الله قال: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" ، وما روي عن عائشة - ا - قالت: "جاء عمّي من الرضاعة، فاستأذن عليَّ، فأبيت أن آذن له حتى أسأل رسول الله ، فجاء رسول الله ، فسألته [عن ذلك]؟
فقال: إنَّه عَمُّكِ، فَأْذَني لَهُ فقلت: يا رسول الله، إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل؟!
فقال [رسول الله ]: إِنَّهُ عَمُّكِ، فَلْيلِجْ عَلَيْكِ فقالت عائشة - ا -: وذلك بعد أن ضرب علينا الحجاب" .
وعن ابن عباس - - سئل عن رجل له امرأتان، أو جارية وامرأة، فأرضعت هذه جارية وهذه غلاماً، هل يصلح للغلام أن يتزوج الجارية؟
فقال: لا؛ اللقاح واحد.
وعن عمرة، عن عائشة - ا -: "أنها أخبرتها أن رسول الله كان عندها، وأنها سمعت رجلا يستأذن في بيت حفصة - ا - قالت عائشة - ا -: فقلت: يا رسول الله، هذا رجل يستأذن في بيتك، فقال رسول الله : أُرَاهُ فُلاَناً - لعم حفصة من الرضاعة - فقالت عائشة - ا -: يا رسول الله، لو كان فلانا حيّاً - لعمها من الرضاعة - دخل عليَّ؟
فقال رسول الله : نَعَمْ؛ إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الوِلاَدَةُ" وعن علي - - قال: لا تنكح من أرضعته امرأة أبيك، ولا امرأة أخيك، ولا امرأة ابنك.
وعن عائشة - ا -: أن أفلح أخا أبي القعيس جاء فاستأذن عليها - وهو عمها من الرضاعة - بعد أن نزل الحجاب، قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله أخبرته بالذي صنعت، فأمرني بأن آذن له عليَّ.
وحجة أخرى من النظر: بأن الله - - حرم الابنة على أبيها، وعلى جدها، والابنة حدثت عن ماء الأب بعينه، ولم تحدث عن ماء الجدّ، ولكن الجدّ سبب ماء الأب الذي حدثت عنه الابنة، قال: فاللبن - وإن كان حدوثه من الأمّ - فإن سبب كونه هو الأب؛ فيجب أن تحرم المرأة التي أرضعتها امرأته عليه؛ إذا كان سبباً لذلك اللبن، كما يحرم المرضع إذا كان سبباً على التي أرضعته.
ثم بقيت مسألتان: إحداهما: في التقدير، والأخرى في الحدّ.
أمّا في التقدير: فعموم قوله - -: ﴿ وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ ﴾ لم يخص قدراً دون قدر.
وروي عن علي وعبد الله قالا: قليل الرضاع وكثيره سواء.
وعن ابن عباس كذلك.
وعن عبد الله بن عمر قال: الرضعة الواحدة تحرم.
فإن قيل: روي عن عائشة - ا - أنها قالت كان فيما نزل عشر رضعات، ثم صرن إلى خمس، فتوفي النبي وهو فيما يقرأ.
فإن قيل: لسنا نجد في القرآن آية الناسخ ولا آية المنسوخ، ولا يجوز أن يقال من القرآن شيء؛ فلا نترك ما نجده ثابتاً [في القرآن]، محفوظاً برواية لعلها قد غلطت فيها.
وروي عنها أنها قالت: يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم والدم.
وروي عنها [- أيضاً -] أنها قالت: لا تحرم المصّة والمصّتان، ولا الإملاجة ولا الإملاجتان: فذكر ذلك لابن عمر - - فقال: حكم الله أولى وخير، أو كلام نحو هذا من حكمها.
وعن عمرو بن دينار قال: سألت ابن عمر - ما - فذكر شيئاً من الرضاع، فقال: لا نعلم إلا أن الله - - حرم الأختين من الرضاعة، قال: فقلت: إن أمير المؤمنين ابن الزبير يقول: لا تحرم المصة والمصتان قال: فقضاء الله خير من قضائك وقضاء أمير المؤمنين.
مع ما يحتمل قوله: لا تحرم المصة والمصتان، ولا الإملاجة ولا الإملاجتان؛ لما لم يتحقق بالمصة والمصتين أن اللبن قد صار في جوف الصبي ووصل إليه؛ فلذلك لم يحرم به.
وأما المسألة في الحد: أن الرضاع في الكبر لا يحرم عندنا، [و] ما روي في خبر عائشة - ا - "أنه دخل عليها، فرأى عندها رجلا، فتغير وجه رسول الله فقال: مَنْ هَذَا؟
قالت: إنه عمي من الرضاعة، فقال: انْظُري مَا الرَّضَاعَةُ؟
إِنَّمَا الرَّضَاعةُ مَنْ المَجَاعَةِ" .
وما روي عن رسول الله قال: "الرَّضَاعُ مَا أَنْبتَ اللَّحْمَ، وَأَنْشَز الَعَظْمَ" ، وما روي عنه قال: "الرَّضَاعُ مَا فَتَّقَ الأَمْعَاءَ" وفتق الأمعاء، إنما يكون في الصغر؛ لأن أمعاء الصبي تكون ضيقَة لا تحتمل الطعام لضيقها، وأما فتقها باللبن على ما وصفه - عز وجل - لبناً خالصاً سائغاً للشاربين، فإذا كان غذاؤه إنما يكون باللبن - للمعنى الذي وصفنا - كانت كفاية مجاعته به؛ وكان هذا معنى قوله : "إِنَّمَا الرَّضَاعةُ مِنَ المَجَاعَةِ" وكذلك ما روي: "الرَّضَاعُ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ العَظْمَ" وفي الكبر لا ينبت اللحم، ولا ينشز العظم.
وروى زاذان عن علي بن أبي طالب - - قال: سمعت رسول الله يقول: "الجَرْعَةُ تُحَرِّمُ كَمَا يُحَرِّمُ حَوْلاَنِ كَامِلاَنِ" فإن ثبت هذا فهو الأصل في ذلك، والمعتمد عليه، فإن عورض بما في خبر سالم، حيث قال لها رسول الله "أَرْضِعِي سَالِماً خَمْسَ رَضَعَاتٍ تَحْرُمِي عَلَيْهِ" قيل: هذا يحتمل وجهين: يحتمل: أن يكون ذلك لسالم خاصة دون غيره من الناس، فإذا كان كذلك لا يقاس عليه غيره.
ويحتمل: أن يكون منسوخاً بما روينا من الأخبار المرفوعة والموقوفة بإيجاب الحرمة بالقليل منه والكثير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ...
﴾ الآية.
اجتمع أهل العلم في "الربيبة" على أنها لا تحرم على الرجل الذي كان تزوج أمها وطلقها قبل الدخول بها أو ماتت، وإنما تحرم عليه إذا دخل بها.
واختلف في أم المرأة إذا لم يدخل بالابنة حتى بانت منه: قال أصحابنا - رحمهم الله -: هي حرام عليه، كان دخل بالأم أو لم يدخل بها.
وقال آخرون: شرط الدخول في آخر القصة راجع إلى الربيبة والأم جميعاً، فما لم يدخل بواحدة منهما حل له أن يتزوج بالأخرى إذا فارقها، وهو القياس الظاهر في الكتاب في أمر الشرط والثنيا أن يكون الشرط فيهما جميعاً؛ لأنه قال - -: ﴿ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ ذكر أمهات النساء وربائب النساء، ثم شرط الدخول بهن، فيجب أن يكون الشرط لاحقاً بهما جميعاً.
وكذلك روي عن علي - - قال: هي بمنزلة الربيبة.
وعن جابر قال: ينكح أمها إن شاء.
وعن ابن مسعود - - أنه أفتى في امرأة تزوجها رجل فطلقها قبل أن يدخل بها أو ماتت، قال: لا بأس أن يتزوج أمّها، فلما أتى المدينة رجع، فأتاهم فنهاهم عن ذلك، فقيل: إنها ولدت أولاداً، فقال: ولو ولدت.
إلى هذا يذهبون أولئك، وهو الظاهر من الآية.
واحتج بعض أصحابنا في ذلك أن الثنيا الملحق في آخر الكلام ربما يلحق الكل، على ما تقدم من الكلام، وربما يقع على ما يليه، فلما كان غير ملحق على الكل من المذكور، وقع على ما يليه.
فإن قيل: يلحق على ما تقدم من الذكر ما يحتمل ليس على ما يحتمل؛ ألا ترى أن الله - - قال: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ لم يلحق الكل، ولا وقع على ما يليه خاصة، ولكنه لحق على ما احتمل عليه، فعلى ذلك في هذا لم يلحق الكل؛ لأنه لا يحتمل، ووقع على الأمّ والرّبيبة؛ لأنه يحتمل.
واحتج أصحابنا - رحمهم الله أيضاً - أن الحرمة قد تثبت بقوله - عز وجل -: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَٰتُكُمْ...
﴾ إلى قوله - -: ﴿ وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ ﴾ فلا تستحل بالشك، وفي الربيبة لم تثبت إلا بالشرط؛ فلا تحرم بالشك.
وقيل: - أيضاً -: إن الدخول لو كان شرطاً في الأم والربيبة جميعاً لاكتفي بذكر نساء الأمهات والربائب، فنقول: أمهات نسائكم من ربائبكم اللاتي دخلتم بهن، ولم يَحْتَجْ إلى أن يذكر ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ على ما اكتفى بذكر الحرمة في الأنساب والرضاع في الأصول عن الشعوب، فلما لم يكتف بذلك، دل أن الربائب مخصوصات بالشرط دون الأمهات، ومما يبين ذلك أن الربيبة لو لم تذكر لم يجز أن يبقى من الكلام: وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن ولو لم يذكر الأمهات، فبقي من الكلام: ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ - كان كلاماً [تامّاً]؛ فدل ذلك على أن قوله - -: ﴿ مِّن نِّسَآئِكُمُ ﴾ إنما هو في الربائب دون الأمهات.
وأصله: ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده [أنه] قال: قال رسول الله : "أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَوْ مَاتَتْ عِنْدَهُ، فَلاَ بَاْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَهَا.
وَأَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَطَلَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَوْ مَاتَتْ عِنَدَهُ فَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا" وعن ابن عباس وعمران بن حصين في "أمهات نسائكم" قالا: هي مبهمة.
وقال أكثر أهل العلم: إذا تزوج الرجل امرأة ودخل بها، لم يجز له أن يتزوج ابنتها، وإن لم تكن ربيبة وفي بيته وحجره، وهي في ذلك بمنزلتها لو كانت في حجره يربيها.
وأجمعوا جميعاً: أن الجمع بين المراة وأمّها وابنتها في الجماع في ملك اليمين حرام.
وكذلك روي عن عمر - - أنه سئل عن ذلك؟
فقال: ما أحب ذلك.
فإن قال قائل: إن الخطاب - كما ذكرت - يدل على أن الشرط في الدخول بالأمهات إنما هو بسبب الربائب، فما تنكر أن يكون حكم الأمّهات حكم الربائب كما كان حكم حلائل الأبناء حكم نساء الآباء؟
قيل: لا يجوز أن يقاس المنصوصات بعضها على بعض، وإنما يقاس ما لا نصّ فيه على المنصوص؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
ثم يجب أن ننظر أي حكمة أوجبت تحريم الجمع بين المحارم بين محارم الرجال ومحارم النساء؟
وروي عن أنس قال: إن أصحاب رسول الله كانوا يكرهون الجمع بين القرائب في النكاح، وقالوا: لأنه يورث الضغائن، أو كلام نحو هذا؛ فقيل له: يا أبا حمزة، من منهم؟
فقال: أبو بكر وعمر وعثمان، م.
وروي مرفوعاً أنه قال: لا ينكح كذا على كذا، ولا كذا على كذا، فإنهن يتقاطعن.
ونراه قال: "لاَ تُنْكَحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، ولاَ عَلَى خَالَتِهَا" وروي في بعضها أنه يوجب القطيعة.
وروي عن ابن مسعود - - أنه كره الجمع بين ابنتي عمّ، وقال: لا أحرم، ولكن أكره؛ لأنه يوجب القطيعة.
فلم يحرم؛ لأن صلة القرابة فيما بينهما ليست بمفترضة، والصلة بين المحارم مفترضة، فإذا كانت مفترضة فالجمع بينهما يحمل على القطيعة؛ فحرم، وعلى ذلك في نساء الآباء وحلائل الأبناء إذا فارق واحد من هؤلاء امرأته فلعله يندم على ذلك؛ فيريد العود إليها، فإذا تزوجها أبوه أو ابنه، أورث ذلك فيما بينهما الضغائن والقطيعة؛ لذلك حرم، والله أعلم.
وكذلك هذا المعنى في الابنة؛ إذا طلقها ثم تزوج بأمّها، حملها ذلك على الضغينة فيما بينهما.
وأمّا إذا تزوج الأم، ثم فارقها قبل أن يدخل بها، حل له أن يتزوج بابنتها؛ لأن الأم تُؤثر ابنتها على نفسها في المتعارف؛ فلا يحمل ذلك على القطيعة، والابنة لا تؤثر أمها على نفسها، بل تؤثر نفسها على أمّها، كذلك كان ما ذكر.
وأمّا إذا دخل بالأم لم يحل له أن ينكح بالابنة؛ لأنه يذكر استمتاع هذه في استمتاع هذه؛ فيكون جامعاً بينهما في الاستمتاع؛ لذلك حرم.
ثم اختلف في الجماع والدخول بها إذا كان من غير رشد؛ قال أصحابنا - رحمهم الله - يحرم كما يحرم الحلال، ويمنع نكاح الربيبة كما يمنع الحلال.
وقال قوم: لا يحرم، ولا يمنع نكاح الربيبة، واستدلوا في ذلك بقول الله - -: ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ﴾ لأن الله - - حرم ربائب النساء إذا دخل بالأمهات، والمزني بها ليست بزوجة للزاني؛ فلا تحرم ابنتها، لكنه لا حجة لهم في ذلك؛ وذلك أن الله - - ذكر الدخول بهن، ولم يذكر النكاح، ولا خص الدخول في النكاح، بل ذكر الدخول، وهو على كل دخول، رشداً كان أو سفاحاً، والسفاح أحق في الحرمة من الحلال؛ إذ حكمه أغلظ وأشد؛ فعلى ذلك في إيجاب الحرمة من الحلال يجيء أن يكون أشد وأغلظ، ولو كان ذكر الدخول - هاهنا - في النكاح لم يكن فيه ما يمنع وجوب الحرمة إذا كان في غير النكاح؛ ألا ترى إلى قول الله - -: ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ ﴾ والربيبة التي لا تكون في حجر الرجل مثلها في الحرمة، ولم يجعل قوله - -: ﴿ فِي حُجُورِكُمْ ﴾ خصوصاً فيها دون ما أشبهها، وكذلك يجوز ألا يجعل قوله: ﴿ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ خصوصاً الدخول بالزوجات دون ما أشبههن - وهن الموطوءات - مع ما ذكرنا أن ليس في الآية ذكر نسائنا؛ لذلك لم يكن فيه دليل الحظر في غيره.
وبعد: فإنا قد ذكرنا فيما تقدم أن ليس في حظر شيء في حال حظره في غير تلك الحال، والحرمة من ذلك الاستمتاع أنه إذا استمتع بإحداهما لم يكن له الاستمتاع بالأخرى، ولا يحل أن يتزوج بالأخرى؛ ألا ترى إلى ما روي عن رسول الله أنه قال: "مَلْعُونٌ مَنْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا" ومعلوم أنه لا ينظر إلى فرجهما في وقت واحد، وإنما ينظر في وقتين، فهو - والله أعلم - إذا نظر إلى فرج إحداهما ثم نظر إلى فرج أخرى يذكر نظره في فرجها في وقت نظره في فرج هذه، فهو كالقاضي وطره فيهما، كذلك في الزنا كهو في النكاح، والله أعلم.
على أنهم أجمعوا: أن من وطىء أمة لم يكن له أن يتزوج ابنتها؛ فدل أن الدخول بها في النكاح وفي غير النكاح سواء، وأنه محرم، وما أجمعوا عليه - أيضاً - أنه إذا وطىء امرأة في النكاح الفاسد لشبهة حرمت ابنتها عليه، وهو وطء حرام؛ فدل هذا على أن التحريم إنما يكون بالاستمتاع بها لا غير.
وروي - أيضاً - عن رسول الله أنه قال: "مَنْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّهَا وَلاَ ابْنَتُهَا" وعن عمران بن حصين في رجل زنى بأم امرأته قال: حرمت عليه امرأته.
وعن عبد الله قال: لا ينظر الله في رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها.
إلى هذه الأخبار ذهب أصحابنا، رحمهم الله.
وقوله - -: ﴿ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ...
﴾ الآية.
الأصل: أن الله - وتعالى - بين المحرمات في الأنساب بيان الإبلاغ، وفي غير الأنساب بيان الكفاية؛ إذ بين في الأنساب الحرمة في الطرفين: في اللواتي علون وسفلن: نحو الأمهات والبنات، ثم في اللواتي يتصلن بالآباء والأمهات: نحو العمات والخالات، ثم في اللواتي يشركن الطرفين بالاسم: كالأخوات.
وذكر في الرضاع من الأنفس أحد الطرفين، وفي الشعوب ما يشركن الطرفين؛ على الاكتفاء بذكر طرف من الأنفس عن الطرف الآخر، وبذكر المشتركات من الشعوب؛ اكتفاء عن ذكر المنفردات؛ فعلى ذلك أمر الأنفس في خطاب الحرمات، فلما ذكر في ذلك الأمهات والبنات جميعا على ما ذكر في الواحد فيما كان المذكور في نوعه بحق الكفاية من البيان، لا بحق الإبلاغ؛ دل أن ذلك لما أريد به التفريق في الأمرين وأيد ذلك خبر عبد الله بن عمر - - عن رسول الله وأقاويل جماعة الصحابة مع ما كان في ذلك إمكان شبهة محضة؛ إذ لو اقتصر على إبداء الآيةِ الحُرْمَة بالعقد لا يزال ذلك بالشك، على أن وجه الاعتبار الاستواء في الحرمة قبل الدخول؛ لتكون حرمة الابنة على الأم في زوجها حرمة الأم عليها على ما عليهما أمر الابن من الأب في زوجته، لكن فرق من حيث إساءة الرجل في الاختيار إذ اختار الأم على الابنة إن علم، أو الغفلة إن لم يكن علم، وحق مثله الزجر عنه، والتوبة عن مثله، فجعل له مفارقتها لابنتها، وقد يعلم بذلك قبل الدخول، على أن الدخول مذكر له ما كان بها في حال الاستمتاع بها، وقد حرم ذلك الجمع حرمة أبدية ما ينبغي أن يجعل بما يذكر، وسبيل الحظر بالقلب، والله أعلم.
وليس أمر الابن والأب هذا؛ إذ إليهما في الابتداء الاختيار والإيثار، وكل يؤثر الذي له على الذي هو لغيره، وفي النساء إنما يجب بعد الخطاب، وليس منهن عرض، لذلك لم يعتبر حالهن على أن الأمهات في العرف يؤثرن لَذَّات بناتهن على لَذَّاتهن؛ فلا يلحقهن في الفراق لأجل البنات غضاضة، ويلحق للبنات، فلذلك فرق.
وأمّا بعد الدخول فهو موجب الحرمة، لا من حيث الإيثار؛ إذ من جهة حرام أو حلال يوجب ذلك؛ فلذلك اختلف الأمر أن قال بشر: دل تخصيص ذكر الأصلاب في حلائل الأبناء على رفع حرمة الرضاع، أو على ألا يكون الابن إلا من الصلب، ونحن نقول: لا دلالة فيه على ما ذكرنا، لو استدل به على الكون كان أقرب؛ إذا خص ذكر الأصلاب ولو لم يكن الابن إلا من الصلب لكان القول بحلائل أبنائكم كافياً عن ذكر الأصلاب، مع ما فيه وجوب الإلحاق بقوله: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ..." ، ومعلوم أن الحرمة من الولادة تلحقه وإن لم يكن منه حقيقة الولادة بما كان سبباً له، فكذلك يصير مرضعاً لما كانت هي مرضعة، وإن لم يكن منه حقيقة الإرضاع؛ لما كان هو سبب لما به ورود اللبن، وأيد ذلك أمر حلائل أبناء الأبناء، بل حلائل أبناء البنات، وإن لم يكونوا للصلب؛ للاتصال به بالنسب على البعد عما ذكرنا أحق، والله أعلم، مع ما يجوز أن يقال: صار الرضاع ولاداً في الحكم بالخبر؛ فيصير للصلب بالحكم نحو قوله: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ ﴾ .
ثم قد يعتبر فيهم الولاء في الحجاب؛ لما جاء: "إِنَّ الوَلاَءَ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ" ، ويصير ذو نسب ورحم في الحكم ما ذكر من الخبر، فمثله الأول، مع ما قد قيل: إن فائدة ذكر الصلب ألا تتحقق حرمة حلائل أبناء التبني بالأصلاب؛ ولذلك قال - والله أعلم - ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ ﴾ وقوله - -: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ ﴾ إلى قوله - -: ﴿ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ ﴾ ؛ إذ يحتمل الجمع في العقد، والجمع في الملك، والجمع في الاستمتاع ويحتمل الجمع في جنس الاستمتاع.
ويحتمل ألا يرجع المراد إلى معنى من ذلك، ولكن يرجع إلى الكل، ثم كان الاستمتاع بهما مرة واحدة غير ممكن، فإن كانت فيه حرمة فهو لمعنى هنالك يوجد في حال الجمع، لا أن الخطاب يأخذه؛ إذ هو غير ممكن وجوده، ولا يتهيأ احتماله؛ ليقصد بالخطاب نحوه، ولكن من خاطب يجوز أن يخاطب [بما] يجعل فيه تحريمه وإن لم ينص عليه في الخطاب، ثم الملك المطلق أو العقد المطلق قد يوجدان غير محرمين نحو عقده به ملك ملك يمين؛ فثبت أن المقصود لو كان ملكاً أو عقداً فهو مقيد؛ نحو ملك النكاح، أو عقد ملك النكاح، وقد أجمع على دخول هذا في حق الخطاب؛ إذ قد أجمع على أن من جمع بين الأختين في النكاح أنه لا يصح، وأجمعوا أنه لو تزوج بعقدين: أن نكاح الثانية فاسد من غير أن كان جمع في العقد، بل في الملك لو ثبت العقد في الثانية، وإذا ثبتت الحرمة بهذا العقد والملك لم يكن لعقد ملك اليمين ولا تملكه [ثبت أنها لمعنى في ذلك، لا لنفس ملك أو عقد.
وبعد: فإنهما في إيجاب الحل واحدة، ثبت أن ذلك ليس للحل نفسه، ولا للملك]، ولا للعقد؛ إذ كل ذلك على الانفراد لا يعمل هذا العمل؛ فيجب أن يكون المعنى من ذلك الاستمتاع، والجمع في الفعل به غير ممكن؛ فثبت أنه لمعنى قد وصف الجمع بالاستمتاع وذلك على وجوه: أحدها: عقد الاستمتاع، وهو عقد النكاح؛ إذ عقد ملك اليمين قد يوجد ولا يوجب حق الاستمتاع، وملك النكاح؛ إذ هو لا يخلو من أن يوجب ذلك الحق، ثم كان نفس الاستمتاع بحقه أحق من الأسباب الموجبة له، والعدة مما يوجب الاستمتاع نفسه؛ فهي أحق أن تكون شرطاً للمنع، بل هي أولى؛ إذ قد يمنع الاستمتاع بملك اليمين، ولا يمنع لحل ولا لملك ولا لسبب، فإذا وجب المنع في النكاح لما هو سبب له فهو لأن يجب بحقيقته أحق، وإن شئت قلت: إن لم يتفرد الخلق لنوع من السبب دون أن يشاركه غيره من الأسباب لزم أن يكون حقيقة السبب مجهولا، لا يطلق ما قد يثبت الحرمة إلا بيقين، والله أعلم.
وأيضاً أن عقدة النكاح قد حرم عليه وعليها، لكن الذي حرم عليه في محارمها عليها في الكل.
ثم معلوم أن يملك الزوج فيها ما به يحل لغيره من الفراق حضرة فعله، فلما دخل عجز [عن] ذلك بما أحدث له فيها الاستمتاع بها حقّاً بعد الفراق أبقاها على ما سبق من الوصل بلا فراق؛ فعلى ذلك ما فيه من الحق؛ إذ ذلك واجب بما فيه الشرك على أنها في بقية ملك له بنكاح عملت فيها بقية ملكه عمل صلة ملكه فمثله فيه، وقد ألحق بعض من أنكر حرمة الجمع في العدة بالوطء حرمة ما نزل منها من اللبن على احتمال درور دونه، ودون الولد بما كان هو سبباً في ذلك كانت حرمة العدة أحق بذلك.
فالأصل: أن الحرمة قد ثبتت بالنكاح، فلما وقعت الفرقة أشكل زوالها؛ فلا يزال بالشك مع ما في الإزالة تعليق الحرمة بالحل أو بالملك خاصة، وقد بينا وجوبها لا لتلك الوجوه.
ثم الأصل في النكاح: أن المقصود منه الاستمتاع، وبحله يحل هو، وبحرمته يحرم؛ فيجب أن يكون هو الأصل للتحريم والتحليل، وعلى هذا [يحرم كثير] من الإماء في حق الاستمتاع بهن، وإن لم يحرم فيهن الملك، ويحرم بالاستمتاع في ذلك، وإن كان الملك لا يوجب الحرمة؛ فإذا ثبت أن الاستمتاع أحق في التحريم، والعدة حق الاستمتاع - أوجبها، فيجب أن تكون هي محرمة؛ لذلك لم يجز نكاح الأخت فيها مع ما كانت موجبة الحرمة فيها أكثر مما يوجب في ملك اليمين، ثم كان الاستمتاع بملك اليمين يحرم الاستمتاع بالأخت، فالعدة التي هي مجعولة لتأكيد الحرمات وقطع المجعول للحل خاصّة أحق أن يمنع، والله أعلم.
وعلى ما بينا إذا ثبت أن الاستمتاع هو الأصل في التحريم، سواء له وقع من وجه يحل أو لا فيهن الحرمة حرمة الأنفس، لا حرمة الجمع؛ إذ لا أثر يقع له جمع.
ثم الأصل في ذلك أن تعلق الحرمات بالمحرم من الأعيان أظهر منه بالمحللة منها، ثم كان الاستمتاع بالأعيان المحللة توجب حرمة الأمهات والبنات فهو في المحرم أحق مع ما لا يخلو أن تكون الحرمة لا تجب إلا فيما يحل، فيجب ألا يجب في النكاح الفاسد، ولا في وطء جارية بعد وطء الابن، أو الملك فيهما أيضاً زائل بالنسب، فيجب ألا تجب الحرمة فيما لا يكون منه نسب، أو في وقت لا يتمكن، أو بإيجاب الحقوق، فيجب ألا تجب في مماسة الأمة دون الفرج، أو للاستمتاع خاصة؛ فيجب استواء حال السفاح والنكاح.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ .
قال بعضهم: هو كناية عن الجماع.
لكنه عندنا: الدخول بها: هو أخذه يدها في إدخالها في موضع الخلوة والجماع، لا نفس الجماع، كما يقال: فلان دخل بفلان موضع كذا، لا يراد به عين الدخول به المعروف، وهو أخذ اليد والدخول فيه؛ لذلك قلنا بأنه إذا أدخلها في موضع وخلا بها، وجب كمال المهر بظاهر الآية، ووجبت الحرمة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل - أيضاً: ﴿ ٱلَّٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ كنى به عن الجماع من حيث لا يكون الجماع إلا بالدخول بها مكاناً يسترهما، وإلا فحقيقة الدخول بآخر ليس بجماع، ولا يصلح القول به مطلقاً دون ذكر المكان، إلا في المرأة بما يعلم أنها لماذا يدخل؟
وفيم يدخل؟
فجائز أن يكون في الحرمة على حق الكناية، والمراد منه الجماع، وجائز على حقيقة الدخول بها مكاناً لذلك؛ إذ هو الظاهر، وهذا الثاني يكون بأخذ يدها أو شيء منها؛ ليكون هو الداخل بها لا هي، ووجوده لا يكون إلا للشهوة؛ فيكون هو المذكور للحرمة، فإذا لم يظهر حقيقة المراد يجب الاحتياط في إيجاب الحرمة من كل وجه، أو تحقيق هذا؛ إذ هو أظهر له، وله أدلة ثلاثة.
أحدها: ما روي "مَلْعُونٌ مَنْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا" أنه أوجب اللعن بالنظر، فلولا أن نظر الأول قد حرم الثاني لم يلحقه به اللعن، ثم النظر دون اللمس في العبادات والأحكام، فاللمس أحق في إيجاب الحرمة.
والثاني: ما بينا أن علة الحرمة الاستمتاع، ومعلوم أن معناه في القبلة والمباشرة أعلى منه في السبب الذي يقضى به الاستمتاع، وهو النكاح، وقد أوجب له، فالقبلة أحق أن يوجب لها، وذلك كما أوجب بسبب الحدث - وهو النوم - حكمه، ثم لا يجب إلا في حال دون حال، وقد يجب لنفس الحدث على كل حال، فمثله سبب الاستمتاع من حقيقته، والله أعلم.
والثالث: أن كل أنواع الاستمتاع في الحرمة والحل متصل بالجماع، وبخاصة في حقوق الأملاك؛ فعلى ذلك في فسخ الأملاك وتحريمها، على أنه يبعد أن يكون المرء يستمتع بالمرأة عاما ثم يستمتع بها ولدها، وكذلك بابنتها دون الفرج، أو أن يكون من لا يقدر على الإيلاج لِعِنَّةٍ أو جبٍّ يرتفع عنه الحرمة أبداً، فيشتري أمّاً وابنة ويستمتع بهما أبداً، وذلك بعيد؛ فيجب الحرمة من الوجه الذي ذكرت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ ﴾ .
يحتمل ذكر الصلب وجوهاً: أحدها: يحتمل أن يكون ذكر الصلب؛ ليعلم أن الحرمة في حليلة الولد كهو في الولد الصلب، وكذلك الحرمة في حليلة ابن الرضاع كهي في حليلة ابن الصلب؛ على ما كانت في محارم الرضاع، وإن لم يذكر: نحو أن ذكر أمّهات الرضاع وأخواته، ولم يذكر غيرها، ثم دخل ما دون ذلك في الحرمة؛ فعلى ذلك هذا.
وقال بشر: دل تخصيص الأصلاب على فسخ حرمة حليلة الابن عن الرضاعة؛ إذ لا يكون من الرضاع ابن.
قلنا: لو لم يكن من الرضاع ابن لم يكن لذكر الصلب للابن معنى ولا فائدة؛ دل أنه يكون من الرضاع ابن على ما يكون من النسب، وأن الحرمة من الرضاع كهي في النسب، وإن كانوا في الحقوق مختلفين: نحو العتاق، يعتق بعض على بعض، ويوجب لبعض في أموال بعض النفقة، وحقوق بمثلها لا توجب في محارم الرضاع، وذلك - والله أعلم - أن الرضاع انتفاع، والنسب حدوث نفس بعضهم من بعض، فإذا كان كذلك لم يوجب الرضاع إلا حرمة الانتفاع خاصّة، وهو الاستمتاع، وأمّا النسب فهو كون الولد منه، وحدوث نفسه منه؛ فأوجب مع ذلك حقوقاً، ولأن في إقرار بعضهم في يد بعض - مماليك وعبيداً - قهراً وغلبة لم يوجب ذلك؛ فما لم يحصل لبعضهم قهر بعض، لذلك كان الجواب ما ذكر.
وقيل: إنه ذكر أبناء الأصلاب؛ وذلك أن النبي تزوج امرأة زيد بن حارثة بعد ما طلقها، و قد كان تبناه، فعابه المنافقون على ذلك، وقالوا: تزوج رسول الله امرأة ابنه، فأنزل الله - -: ﴿ وَحَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
يحتمل قوله - وتعالى -: ﴿ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ ﴾ وجوهاً.
يحتمل الجمع بينهما في العقد، وقد أجمعوا: أنه إذا لم يجمع بينهما بالعقد ولكنه تزوج إحداهما، ثم تزوج أخرى، لم يحل له نكاح الأخرى؛ دل أنه لم يرد به الجمع في العقد.
أو يحتمل الجمع في الملك، وقد أجمعوا - أيضاً -: أن له الجمع بينهما في ملك اليمين؛ فدل أنه إنما أراد الجمع بينهما في الاستمتاع، وإذا استمتع بإحداهما بنكاح، ثم فارقها، لم يحل أن يتزوج أختها، والأولى في عدة منه من طلاق بائن؛ لأن الاستمتاع هو الذي حبسها عن الأزواج، فكان كالجمع بينهما في الاستمتاع، ولأن المعنى الذي به حرم الجمع في ملك النكاح، ذلك إذا كانت في عدة منه موجود، وهو خوف القطيعة فيما بينهما، والله أعلم.
ولأن أكثر أحكام الزوجات قائم فيما بينهما: نحو الإسكان، والإنفاق عليها، وإلحاق الولد، وغير ذلك من الحقوق.
وعن علي - - أنه سئل عن رجل طلق امرأته، فلم تنقض عدتها حتى تزوج أختها، ففرق عليٌّ بينهما، وجعل لها الصداق بما استحل من فرجها، وقال: تكمل الأخرى عدتها، وهو خاطب.
وعن زيد بن ثابت أنه سئل عن رجل تحته أربع نسوة، فطلق إحداهن ثلاثاً، أيتزوج رابعة؟
فقال: لا، حتى تنقضي عدة التي طلق.
وعن عائشة - ا - مثله.
واختلف في الجمع بين الأختين من ملك اليمين: عن عمر - - أنه سئل عن المرأة وأختها من ملك اليمين، هل توطأ بعد الأخرى؟
قال: ما أحب أن أجيزها جميعاً، ونهي عنه.
وعن ابن مسعود - -: أنه حنث في الأختين من ملك اليمين، فقال: حمل أحدكم ملك اليمين.
وعن ابن مسعود - - قال: يحرم من جمع الإماء ما يحرم من جمع الحرائر إلا العدد.
وعن ابن عمر - ما - أنه سئل عن رجل له أمتان أختان، وقع على إحداهما أيقع على الأخرى؟
قال: لا؛ ما دامت في ملكه.
وأجمعوا - أيضاً - على أنه إن تزوج بامرأة فاشترى أختها لم يحل له أن يطأها؛ إلى هذا ذهب أصحابنا؛ رحمهم الله.
ثم إذا طلق امرأته وانقضت عدتها أو ماتت، حل له أن يتزوج أختها، ولم يحل له أن يتزوج بأمها، وذلك - والله أعلم - بأن الحرمة في الأخت في نفسها وليس في ولدها، والحرمة في الأم والابنة في أنفسهما، وفي ولدها، فإذا كانت الحرمة في الأخت من وجه، وفي الأم من وجهين، ففيما كانت الحرمة من وجه كانت حرمة الجمع لا حرمة تأبيد، وفيما كانت من وجهين حرمة جمع وحرمة تأبيد؛ لأنها تأدت إلى أولادها، وفي الأخت لم يتأد؛ لذلك اختلفا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ .
يحتمل إلا ما قد سلف قبل التحريم في الجاهلية، فإنهم إذا انتهوا عن ذلك في الإسلام، يغفر الله لهم.
ويحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ وإن كان محرماً في ذلك الوقت فإنهم إذا انتهوا عن ذلك بعد الإسلام يغفر ذلك لهم، ويتجاوز عنهم، فهم كما ذكرنا في قوله: ﴿ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ﴾ .
يحتمل: كان في ذلك الوقت فاحشة.
ويحتمل: كان فاحشة، أي: صار فاحشة في الإسلام.
<div class="verse-tafsir"
حَرَّم الله عليكم نكاح أمهاتكم وإن عَلَوْن؛ أي أم الأم وجدتها من جهة الأب أو الأم، وبناتكم وإن نزلن؛ أي بنتها وبنت بنتها، وكذلك بنات الابن وبنات البنت وإن نزلن، وأخواتكم من أبويكم أو من أحدهما، وعماتكم، وكذلك عمات آبائكم وأمهاتكم وإن عَلَوْن، وخالاتكم، وكذلك خالات أمهاتكم وآبائكم وإن علَوْن، وبنات الأخ وبنات الأخت، وأولادهن وإن نزلوا، وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة، وأمهات زوجاتكم سواء دخلتم بهن أو لم تدخلوا بهن، وبنات زوجاتكم من غيركم اللاتي ينشأن ويتربين في بيوتكم غالبًا، وكذلك إذا لم يتربين فيها، إن كنتم دخلتم بأمهاتهن، وأما إذا لم تدخلوا بهن فلا حرج عليكم في نكاح بناتهن، وحرم عليكم نكاح زوجات أبنائكم الذين من أصلابكم، ولو لم يدخلوا بهن، ويدخل في هذا الحكم زوجات أبنائكم من الرضاعة، وحرم عليكم الجمع بين الأختين من النسب أو الرضاعة إلا ما مضى من ذلك في الجاهلية فقد عفا الله عنه، إن الله كان غفورًا لعباده التائبين إليه، رحيمًا بهم.
وثبت في السُّنَّة تحريم الجمع كذلك بين المرأة وعمتها أو خالتها.
من فوائد الآيات إذا دخل الرجل بامرأته فقد ثبت مهرها، ولا يجوز له التعدي عليه أو الطمع فيه، حتى لو أراد فراقها وطلاقها.
حَرَّم الله تعالى نكاح زوجات الآباء؛ لأنه فاحشة تمقتها العقول الصحيحة والفطر السليمة.
بيَّن الله تعالى بيانًا مفصلًا من يحل نكاحه من النساء ومن يحرم، سواء أكان بسبب النسب أو المصاهرة أو الرضاع، تعظيمًا لها، وصيانة لها من الاعتداء.
<div class="verse-tafsir" id="91.wvl5b"
﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ : إن النكاح له إطلاقان يطلق على عقد الزوجية وعلى ما وراء العقد وما يقصد به، أي على مجموعهما وهو المراد هناك، وقد صرح الفقهاء بأنه يطلق على العقد وعلى الوطء واختلفوا في أي من الإطلاقين هو الحقيقي وأيهما المجازي.
والظاهر أنه لا يطلق شرعًا على الوطء من غير عقد وإنما كمال معناه الشرعي العقد وما وراءه كما قلنا وقد يطلق على العقد وحده وهو الذي تمكن معرفته وتبنى عليه الأحكام في الغالب بخلاف ما قاله الحنفية من أن حقيقته الوطء.
﴿ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ : إن هذا النكاح وإن كان سبيلًا مسلوكًا إلا أنه سبيل سيء لم يزده السير فيه إلا قبحًا ومقتًا.
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ الآية.
إن الله تعالى جعل بين الناس ضروبًا من الصلة يتراحمون بها ويتعاونون على دفع المضار وجلب المنافع، وأقوى هذه الصلات صلة القرابة وصلة الصهر، ولكل واحدة من هاتين الصلتين درجات متفاوتة، فأما صلة القرابة فأقواها ما يكون بين الأولاد والوالدين من العاطفة والأريحية، فمن اكتنه السر في عطف الأب على ولده يجد في نفسه داعية فطرية تدفعه إلى العناية بتربيته إلى أن يكون رجلًا مثله، فهو ينظر إليه كنظره إلى بعض أعضائه، ويعتمد عليه في مستقبل أيامه، ويجد في نفس الوالد شعورًا بأن أباه كان منشأ وجوده وممد حياته، وقوام تأديبه وعنوان شرفه، وبهذا الشعور يحترم الابن أباه، وبتلك الرحمة والأريحية يعطف الأب على ابنه ويساعده.
وأما الإخوة والأخوات فالصلة بينهما تشبه الصلة بين الوالدين والأولاد من حيث أنهم كأعضاء الجسم الواحد، فإن الأخ والأخت من أصل واحد يستويان في النسبة إليه من غير تفاوت بينهما، ثم إنهما ينشآن في حجر واحد على طريقة واحدة في الغالب، وعاطفة الأخوة بينهما متكافئة، ليست أقوى في أحدهما منها في الآخر كقوة عاطفة الأمومة والأبوة على عاطفة البنوة، فلهذه الأسباب يكون أنس أحدهما بالآخر أنس مساواة لا يضاهيه أنس آخر، إذ لا يوجد بين البشر صلة أخرى فيها هذا النوع من المساواة الكاملة، وعواطف الود والثقة المتبادلة.
ويحكى أن امرأة شفعت عند الحجاج في زوجها وابنها وأخيها، وكان يريد قتلهم، فشفعها في واحد مُبهم منهم، وأمرها أن تختار من يبقى، فاختارت أخاها، فسألها عن سبب ذلك فقالت: إن الأخ لا عوض عنه وقد مات الوالدان، وأما الزوج والولد فيمكن الاعتياض عنهما بمثلهما، فأعجبه هذا الجواب وعفا عن الثلاثة، وقال: لو اختارت الزوج لما أبقى لها أحدًا.
وجملة القول أن صلة الأخوة صلة فطرية قوية، وإن الإخوة والأخوات لا يشتهي بعضهم التمتع ببعض، لأن عاطفة الأخوة تكون هي المسئولية على النفس، بحيث لا يبقى لسواها موضع ما سلمت الفطرة، فقضت حكمة الشريعة بتحريم نكاح الأخت حتى لا يكون لمعتلي الفطرة منفذ لاستبدال داعية الشهوة بعاطفة الأخوة.
وأما العمات والخالات فهن من طينة الأب والأم، وفي الحديث: "عم الرجل صنو أبيه" أي هما كالصنوان يخرجان من أصل النخلة، وتقدم هذا في تفسير ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﴾ فعدوا إسماعيل من آبائه لأنه أخ لإسحاق، فكأنه هو.
ولهذا المعنى- الذي كانت به صلة العمومة من صلة الأبوة، وصلة الخؤولة من صلة الأمومة- قالوا: إن تحريم الجدات مندرج في تحريم الأمهات وداخل فيه، فكان من محاسن دين الفطرة المحافظة على عاطفة صلة العمومة والخؤولة والتراحم والتعاون بها، وأن لا تنزو الشهوة عليها، وذلك بتحريم نكاح العمات والخالات.
وأما بنات الأخ وبنات الأخت فهما من الإنسان بمنزلة بناته من حيث إن أخاه وأخته كنفسه، وصاحب الفطرة السليمة يجد لهما هذه العاطفة من نفسه، وكذا صاحب الفطرة السقيمة، إلا أن عاطفة هذا تكون سقيمة.
نعم إن عطف الرجل على بنته يكون أقوى، لكونها بضعة منه، نمت وترعرت بعنايته ورعايته، وأنسه بأخيه وأخته يكون أقوى من أنسه ببناتهما، كما تقدم.
وأما الفرق بين العمات والخالات، وبين بنات الإخوة والأخوات، فهو أن الحب لهؤلاء حب عطف وحنان، والحب لأولئك حب تكريم واحترام، فهما من حيث البعد عن مواقع الشهوة متكافئان، وإنما قدم في النظم الكريم ذكر العمات والخالات لأن الإدلاء بهما من الآباء والأمهات، فصلتهما أشرف وأعلى من صلة الإخوة والأخوات.
هذه هي أنواع القرابة القريبة التي يتراحم الناس بها ويتعاطفون، ويتوادون ويتعاونون، بما جعل الله لها في النفوس من الحب والحنان، والعطف والاحترام، فحرم الله فيها النكاح لأجل أن تتوجه عاطفة الزوجية ومحبتها إلى من ضعفت الصلة الطبيعية أو النسبية بينهم كالغرباء والأجانب، والطبقات البعيدة من سلالات الأقارب، كأولاد الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وبذلك تتجدد بين البشر قرابة الصهر، التي تكون في المودة والرحمة كقرابة النسب، فتتسع دائرة المحبة والرحمة بين الناس، فهذه حكمة الشرع الروحية في محرمات القرابة.
<div class="verse-tafsir"