الآية ٣ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٣ من سورة النساء

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 287 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ) أي : إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف ألا يعطيها مهر مثلها ، فليعدل إلى ما سواها من النساء ، فإنهن كثير ، ولم يضيق الله عليه .

وقال البخاري : حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا هشام ، عن ابن جريج ، أخبرني هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة; أن رجلا كانت له يتيمة فنكحها ، وكان لها عذق .

وكان يمسكها عليه ، ولم يكن لها من نفسه شيء فنزلت فيه : ( وإن خفتم ألا تقسطوا [ في اليتامى ] ) أحسبه قال : كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله .

ثم قال البخاري : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب قال : أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ) قالت : يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق ، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن .

قال عروة : قالت عائشة : وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية ، فأنزل الله [ تعالى ] ( ويستفتونك في النساء ) قالت عائشة : وقول الله في الآية الأخرى : ( وترغبون أن تنكحوهن ) [ النساء : 127 ] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال .

فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من يتامى النساء إلا بالقسط ، من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال .

وقوله : ( مثنى وثلاث ورباع ) أي : انكحوا ما شئتم من النساء سواهن إن شاء أحدكم ثنتين ، [ وإن شاء ثلاثا ] وإن شاء أربعا ، كما قال تعالى : ( جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ) [ فاطر : 1 ] أي : منهم من له جناحان ، ومنهم من له ثلاثة ، ومنهم من له أربعة ، ولا ينفي ما عدا ذلك في الملائكة لدلالة الدليل عليه ، بخلاف قصر الرجال على أربع ، فمن هذه الآية كما قاله ابن عباس وجمهور العلماء; لأن المقام مقام امتنان وإباحة ، فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره .

قال الشافعي : وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة .

وهذا الذي قاله الشافعي ، رحمه الله ، مجمع عليه بين العلماء ، إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع .

وقال بعضهم : بلا حصر .

وقد يتمسك بعضهم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع كما ثبت في الصحيحين ، وأما إحدى عشرة كما جاء في بعض ألفاظ البخاري .

وقد علقه البخاري ، وقد روينا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج بخمس عشرة امرأة ، ودخل منهن بثلاث عشرة ، واجتمع عنده إحدى عشرة ومات عن تسع .

وهذا عند العلماء من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من الأمة ، لما سنذكره من الأحاديث الدالة على الحصر في أربع .

ذكر الأحاديث في ذلك : قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ومحمد بن جعفر قالا حدثنا معمر ، عن الزهري .

قال ابن جعفر في حديثه : أنبأنا ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه : أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشرة نسوة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : اختر منهن أربعا .

فلما كان في عهد عمر طلق نساءه ، وقسم ماله بين بنيه ، فبلغ ذلك عمر فقال : إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك ولعلك لا تمكث إلا قليلا .

وايم الله لتراجعن نساءك ولترجعن في مالك أو لأورثهن منك ، ولآمرن بقبرك فيرجم ، كما رجم قبر أبي رغال .

وهكذا رواه الشافعي والترمذي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وغيرهم عن اسماعيل بن علية وغندر ويزيد بن زريع وسعيد بن أبي عروبة ، وسفيان الثوري ، وعيسى بن يونس ، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي ، والفضل بن موسى وغيرهم من الحفاظ ، عن معمر - بإسناده - مثله إلى قوله : اختر منهن أربعا .

وباقي الحديث في قصة عمر من أفراد أحمد وهي زيادة حسنة وهي مضعفة لما علل به البخاري هذا الحديث فيما حكاه عنه الترمذي ، حيث قال بعد روايته له : سمعت البخاري يقول : هذا حديث غير محفوظ ، والصحيح ما روى شعيب وغيره ، عن الزهري ، حدثت عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة ، فذكره .

قال البخاري : وإنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه : أن رجلا من ثقيف طلق نساءه ، فقال له عمر : لتراجعن نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال .

وهذا التعليل فيه نظر ، والله أعلم .

وقد رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري مرسلا وهكذا رواه مالك ، عن الزهري مرسلا .

قال أبو زرعة : وهو أصح .

قال البيهقي : ورواه عقيل ، عن الزهري : بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد .

قال أبو حاتم : وهذا وهم ، إنما هو الزهري عن عثمان بن أبي سويد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكره .

قال البيهقي : ورواه يونس وابن عيينة ، عن الزهري ، عن محمد بن أبي سويد .

وهذا كما علله البخاري .

وهذا الإسناد الذي قدمناه من مسند الإمام أحمد رجاله ثقات على شرط الصحيحين ثم قد روي من غير طريق معمر ، بل والزهري قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو علي الحافظ ، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي ، حدثنا أبو بريد عمرو بن يزيد الجرمي أخبرنا سيف بن عبيد حدثنا سرار بن مجشر ، عن أيوب ، عن نافع وسالم ، عن ابن عمر : أن غيلان بن سلمة كان عنده عشر نسوة فأسلم وأسلمن معه ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعا .

هكذا أخرجه النسائي في سننه .

قال أبو علي بن السكن : تفرد به سرار بن مجشر وهو ثقة ، وكذا وثقه ابن معين .

قال أبو علي : وكذلك رواه السميدع بن واهب عن سرار .

قال البيهقي : وروينا من حديث قيس بن الحارث أو الحارث بن قيس ، وعروة بن مسعود الثقفي ، وصفوان بن أمية - يعني حديث غيلان بن سلمة .

فوجه الدلالة أنه لو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لسوغ له رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرهن في بقاء العشرة وقد أسلمن معه ، فلما أمره بإمساك أربع وفراق سائرهن دل على أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع بحال ، وإذا كان هذا في الدوام ، ففي الاستئناف بطريق الأولى والأحرى ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .

حديث آخر في ذلك : روى أبو داود وابن ماجه في سننهما من طريق محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى ، عن حميضة بن الشمردل - وعند ابن ماجه : بنت الشمردل ، وحكى أبو داود أن منهم من يقول : الشمرذل بالذال المعجمة - عن قيس بن الحارث .

وعند أبي داود في رواية : الحارث بن قيس بن عميرة الأسدي قال : أسلمت وعندي ثمان نسوة ، فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : " اختر منهن أربعا " .

وهذا الإسناد حسن ، ومجرد هذا الاختلاف لا يضر مثله ، لما للحديث من الشواهد .

حديث آخر في ذلك : قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ، رحمه الله ، في مسنده : أخبرني من سمع ابن أبي الزناد يقول : أخبرني عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن عن عوف بن الحارث ، عن نوفل بن معاوية الديلي ، رضي الله عنه ، قال : أسلمت وعندي خمس نسوة ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اختر أربعا أيتهن شئت ، وفارق الأخرى " ، فعمدت إلى أقدمهن صحبة عجوز عاقر معي منذ ستين سنة ، فطلقتها .

فهذه كلها شواهد بصحة ما تقدم من حديث غيلان كما قاله الحافظ أبو بكر البيهقي ، رحمه الله .

وقوله : ( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ) أي : فإن خشيتم من تعداد النساء ألا تعدلوا بينهن ، كما قال تعالى : ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ) [ النساء : 129 ] فمن خاف من ذلك فيقتصر على واحدة ، أو على الجواري السراري ، فإنه لا يجب قسم بينهن ، ولكن يستحب ، فمن فعل فحسن ، ومن لا فلا حرج .

وقوله : ( ذلك أدنى ألا تعولوا ) قال بعضهم : [ أي ] أدنى ألا تكثر عائلتكم .

قاله زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة والشافعي ، رحمهم الله ، وهذا مأخوذ من قوله تعالى : ( وإن خفتم عيلة ) أي فقرا ( فسوف يغنيكم الله من فضله ) [ التوبة : 28 ] وقال الشاعر فما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل وتقول العرب : عال الرجل يعيل عيلة ، إذا افتقر ولكن في هذا التفسير هاهنا نظر; فإنه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر ، كذلك يخشى من تعداد السراري أيضا .

والصحيح قول الجمهور : ( ذلك أدنى ألا تعولوا ) أي : لا تجوروا .

يقال : عال في الحكم : إذا قسط وظلم وجار ، وقال أبو طالب في قصيدته المشهورة : بميزان قسط لا يخيس شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل وقال هشيم : عن أبي إسحاق قال : كتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه : إني لست بميزان لا أعول .

رواه ابن جرير .

وقد روى ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبو حاتم ابن حبان في صحيحه ، من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم ، حدثنا محمد بن شعيب ، عن عمر بن محمد بن زيد ، عن عبد الله بن عمر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ذلك أدنى ألا تعولوا ) قال : " لا تجوروا " .

قال ابن أبي حاتم : قال أبي : هذا حديث خطأ ، والصحيح : عن عائشة .

موقوف .

وقال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن عباس ، وعائشة ، ومجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، وأبي مالك وأبي رزين والنخعي ، والشعبي ، والضحاك ، وعطاء الخراساني ، وقتادة ، والسدي ، ومقاتل بن حيان : أنهم قالوا : لا تميلوا وقد استشهد عكرمة ، رحمه الله ، ببيت أبي طالب الذي قدمناه ، ولكن ما أنشده كما هو المروي في السيرة ، وقد رواه ابن جرير ، ثم أنشده جيدا ، واختار ذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: وإن خفتم، يا معشر أولياء اليتامى، أن لا تقسطوا في صداقهن فتعدلوا فيه، وتبلغوا بصداقهنَّ صدقات أمثالهنّ، فلا تنكحوهن، ولكن انكحوا غيرَهن من الغرائب اللواتي أحلّهن الله لكم وطيبهن، من واحدة إلى أربع، وإن خفتم أن تجوروا= إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة= فلا تعدلوا، فانكحوا منهن واحدة، أو ما ملكت أيمانكم.

* ذكر من قال ذلك: 8456 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: " وإن خفتم ألا تُقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طابَ لكم من النساء "، فقالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حِجر ولِّيها، فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بأدنى من سُنة صداقها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما سواهُنَّ من النساء.

(40) 8457 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال، أخبرني عروة بن الزبير: أنه سأل عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تبارك وتعالى: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طابَ لكم من النساء "، قالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة، تكون في حجر ولِّيها تُشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها.

فيريد وليها أن يتزوَّجها بغير أن يُقسِط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سُنتَّهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن= قال يونس بن يزيد قال ربيعة في قول الله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى "، قال يقول: اتركوهنّ، فقد أحللت لكم أربعًا.

(41) 8458 - حدثنا الحسن بن الجنيد وأخبرنا سعيد بن مسلمة قالا.

أنبأنا إسماعيل بن أمية، عن ابن شهاب، عن عروة قال: سألت عائشة أم المؤمنين فقلت: يا أم المؤمنين، أرأيت قول الله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء "؟

قالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة صداق نسائها، فنهوا عن ذلك: أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا فيكمِّلوا لهن الصداق، ثم أمروا أن ينكحوا سواهن من النساء إن لم يكملوا لهن الصداق.

(42) 8459 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني يونس، عن ابن شهاب قال، حدثني عروة بن الزبير: أنه سأل عائشة زوجَ النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر مثل حديث يونس، عن ابن وهب.

8460 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري عن عروة، عن عائشة، مثل حديث ابن حميد، عن ابن المبارك.

(43) 8461 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: نـزل= تعني قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى "، الآية= في اليتيمة تكون عند الرجل، وهي ذات مال، فلعله ينكحها لمالها، وهي لا تعجبه، ثم يضربها، ويسيء صحبتها، فوُعظ في ذلك.

(44) * * * قال أبو جعفر: فعلى هذا التأويل، جواب قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا "، قوله: " فانكحوا " .

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: النهي عن نكاح ما فوق الأربع، حِذارًا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم.

(45) وذلك أن قريشًا كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل، فإذا صار معدمًا، مال على مال يتيمه الذي في حجره فأنفقه أو تزوج به.

فنهوا عن ذلك، وقيل لهم: إن أنتم خفتم على أموال أيتامكم أن تنفقوها= فلا تعدلوا فيها، من أجل حاجتكم إليها لما يلزمكم من مُؤن نسائكم، &; 7-535 &; فلا تجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء على أربعٍ= وإن خفتم أيضًا من الأربع أن لا تعدلوا في أموالهم، فاقتصروا على الواحدة، أو على ما ملكت أيمانكم.

ذكر من قال ذلك: 8462 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سماك قال، سمعت عكرمة يقول في هذه الآية: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى "، قال: كان الرجل من قريش يكون عنده النِّسوة، ويكون عنده الأيتام، فيذهب ماله، فيميل على مال الأيتام، قال: فنـزلت هذه الآية: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء " .

8463 - حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة في قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم "، قال: كان الرجل يتزوج الأربع والخمس والستَّ والعشر، فيقول الرجل: " ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان "؟

فيأخذ مال يتيمه فيتزوج به، فنهوا أن يتزوجوا فوق الأربع.

8464 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قصر الرجال على أربعٍ من أجل أموال اليتامى.

8465 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى "، فإن الرجل كان يتزوج بمال اليتيم ما شاء الله تعالى، فنهى الله عن ذلك.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن القوم كانوا يتحوّبون في أموال اليتامى أن لا يعدلوا فيها، ولا يتحوبون في النساء أن لا يعدِلوا فيهن، فقيل لهم: كما خفتم أن &; 7-536 &; لا تعدلوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن، ولا تنكحوا منهن إلا من واحدة إلى الأربع، ولا تزيدوا على ذلك.

وإن خفتم أن لا تعدلوا أيضًا في الزيادة على الواحدة، فلا تنكحوا إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيهن من واحدة أو ما ملكت أيمانكم.

* ذكر من قال ذلك: 8466 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال، كان الناس على جاهليتهم، إلا أن يؤمروا بشيء أو يُنهوا عنه، قال: فذكروا اليتامى، فنـزلت: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم "، قال: فكما خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في النساء.

8467 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) إلى: " أيمانكم "، كانوا يشددون في اليتامى، ولا يشددون في النساء، ينكح أحدُهم النسوة، فلا يعدل بينهن، فقال الله تبارك وتعالى: كما تخافون أن لا تعدلوا بين اليتامى، فخافوا في النساء، فانكحوا واحدة إلى الأربع.

فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم.

8468 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء " حتى بلغ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا ، يقول: كما خفتم الجور في اليتامى وهمَّكم ذلك، فكذلك فخافوا في جمع النساء، (46) وكان الرجل في الجاهلية يتزوج العشرة &; 7-537 &; فما دون ذلك، فأحل الله جل ثناؤه أربعًا، ثم صيَّرهن إلى أربع قوله: (47) " مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة "، يقول، إن خفت أن لا تعدل في أربع فثلاث، وإلا فثنتين، وإلا فواحدة.

وإن خفت أن لا تعدل في واحدة، فما ملكت يمينك.

8469 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، يقول: ما أحل لكم من النساء=" مثنى وثلاث ورباع "، فخافوا في النساء مثل الذي خفتم في اليتامى: أن لا تقسطوا فيهنَّ.

8470 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال: جاء الإسلام والناس على جاهليتهم، إلا أن يؤمروا بشيء فيتّبعوه، أو ينهوا عن شيء فيجتنبوه، حتى سألوا عن اليتامى، فأنـزل الله تبارك وتعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ".

8471 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو النعمان عارم قال، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال، بعث الله تبارك وتعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم والناس على أمر جاهليتهم، إلا أن يؤمروا بشيء أو ينهوا عنه، وكانوا يسألونه عن اليتامى فأنـزل الله تبارك وتعالى: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع "، قال: فكما تخافون أن لا تقسطوا في اليتامى، فخافوا أن لا تقسطوا وتعدِلوا في النساء.

8472 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبدالله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى "، قال: كانوا في الجاهلية ينكحون عشرًا من النساء الأيامى، وكانوا &; 7-538 &; يعظمون شأن اليتيم، فتفقدوا من دينهم شأن اليتيم، وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية، فقال: " وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع "، ونهاهم عما كانوا ينكحون في الجاهلية.

(48) 8473 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، كانوا في جاهليتهم لا يرزأون من مال اليتيم شيئا، وهم ينكحون عشرًا من النساء، وينكحون نساء آبائهم، فتفقدوا من دينهم شأن النساء، فوعظهم الله في اليتامى وفي النساء، فقال في اليتامى: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ إلى إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ووعظهم في شأن النساء فقال: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " الآية، وقال: وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [سورة النساء: 22].

8474 - حدثت عن عمار عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى " إلى " ما ملكت أيمانكم "، يقول: فإن خفتم الجور في اليتامى وغمَّكم ذلك، فكذلك فخافوا في جمع النساء، (49) قال: وكان الرجل يتزوج العشر في الجاهلية فما دون ذلك، وأحل الله أربعًا، وصيَّرهم إلى أربع، يقول: " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة "، وإن خفت أن لا تعدل في واحدة، فما ملكت يمينك.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: فكما خفتم في اليتامى، فكذلك فتخوفوا في النساء أن تَزْنُوا بهن، ولكن انكحوا ما طاب لكم من النساء.

* ذكر من قال ذلك: 8475 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى "، يقول: إن تحرَّجتم في ولاية اليتامى وأكل أموالهم إيمانًا وتصديقًا، فكذلك فتحرّجوا من الزّنا، وانكحوا النساء نكاحًا طيبًا=" مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ".

8476 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى اللاتي أنتم وُلاتهن، فلا تنكحوهن، وانكحوا أنتم ما حل لكم منهن.

* ذكر من قال ذلك: 8477 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى "، قال: نـزلت في اليتيمة تكون عند الرجل، هو وليها، ليس لها ولي غيره، وليس أحد ينازعه فيها، ولا ينكحها لمالها، فيضربها، ويسيء صحبَتها.

(50) 8478 - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا يونس، عن الحسن في هذه الآية: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم " أي: ما حَلّ لكم من يتاماكم من قراباتكم=" مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم " .

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بتأويل الآية، قول من قال: تأويلها: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء، فلا تنكحوا منهن إلا ما لا تخافون أن تجورُوا فيه منهن، من واحدة إلى الأربع، فإن خفتم الجورَ في الواحدة أيضًا، فلا تنكحوها، ولكن عليكم بما ملكت أيمانكم، فإنه أحرى أن لا تجوروا عليهن ".

وإنما قلنا إنّ ذلك أولى بتأويل الآية، لأن الله جل ثناؤه افتتح الآية التي قبلها بالنهي عن أكل أموال اليتامى بغير حقها وخَلطها بغيرها من الأموال، فقال تعالى ذكره: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا .

ثم أعلمهم أنهم إن اتقوا الله في ذلك فتحرّجوا فيه، فالواجب عليهم من اتقاء الله والتحرّج في أمر النساء، مثل الذي عليهم من التحرج في أمر اليتامى، وأعلمهم كيف التخلص لهم من الجور فيهن، (51) كما عرّفهم المخلص من الجور في أموال اليتامى، فقال: انكحوا إن أمنتم الجور في النساء على أنفسكم، ما أبحت لكم منهن وحلّلته، مثنى وثُلاث ورباع، فإن خفتم أيضًا الجور على أنفسكم في أمر الواحدة، بأن لا تقدروا على إنصافها، فلا تنكحوها، &; 7-541 &; ولكن تسرَّوا من المماليك، فإنكم أحرى أن لا تجوروا عليهن، لأنهن أملاككم وأموالكم، ولا يلزمكم لهن من الحقوق كالذي يلزمكم للحرائر، فيكون ذلك أقرب لكم إلى السلامة من الإثم والجور.

ففي الكلام -إذ كان المعنى ما قلنا- متروك استغنى بدلالة ما ظهر من الكلام عن ذكره.

وذلك أن معنى الكلام: وإن خفتم أن لا تقسطوا في أموال اليتامى فتعدلوا فيها، فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في حقوق النساء التي أوجبها الله عليكم، فلا تتزوجوا منهنّ إلا ما أمنتم معه الجور مثنى وثلاث ورباع، وإن خفتم أيضًا في ذلك فواحدة.

وإن خفتم في الواحدة، فما ملكت أيمانكم= فترك ذكر قوله: " فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في حقوق النساء "، بدلالة ما ظهر من قوله تعالى: " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ".

* * * فإن قال قائل: فأين جواب قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى "؟

قيل: قوله " فانكحوا ما طاب لكم "، غير أن المعنى الذي يدل على أن المراد بذلك ما قلنا قوله: " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ".

* * * وقد بينا فيما مضى قبلُ أن معنى " الإقساط" في كلام العرب: العدل والإنصاف= وأن " القسط": الجور والحيف، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(52) * * * وأما " اليتامى "، فإنها جمع لذكران الأيتام وإناثهم في هذا الموضع.

(53) * * * وأما قوله: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، فإنه يعني: فانكحوا ما حلَّ لكم منهن، دون ما حُرِّم عليكم منهنّ، كما:- 8479 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك قوله: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، ما حلّ لكم.

8480 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير في قوله: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، يقول: ما حلَّ لكم.

* * * فإن قال قائل: وكيف قيل: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، ولم يقل: " فانكحوا مَنْ طاب لكم "؟

وإنما يقال: " ما " في غير الناس.

قيل: معنى ذلك على غير الوجه الذي ذهبتَ إليه، وإنما معناه: فانكحوا نكاحًا طيبًا، كما:- 8481 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، فانكحوا النساء نكاحًا طيبًا.

8481م - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

* * * فالمعنيّ بقوله: " ما طاب لكم "، الفعل، دون أعيان النساء وأشخاصهنَّ، فلذلك قيل " ما " ولم يقل " من "، كما يقال: " خذ من رقيقي ما أردت "، إذا عنيت: خذ منهم إرادتك.

ولو أردت: خذ الذي تريد منهم، لقلت: " خذ من رقيقي من أردت منهم ".

(54) وكذلك قوله: " أو ما ملكت أيمانكم "، بمعنى: أو ملك أيمانكم.

* * * وإنما معنى قوله: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع "، فلينكح كل واحد منكم مثنى وثلاث ورباع، كما قيل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [سورة النور: 4].

* * * وأما قوله: " مثنى وثلاث ورباع "، فإنما تُرك إجراؤهن، لأنهن معدولات عن " اثنين " و " ثلاث " و " أربع "، كما عدل " عمر " عن " عامر "، و " زُفرَ" عن " زافِر " فترك إجراؤه، وكذلك،" أحاد " و " ثناء " و " مَوْحد " و " مثنى " و " مَثْلث " و " مَرْبع "، لا يجري ذلك كله للعلة التي ذكرت من العدول عن وجوهه.

ومما يدلّ على أن ذلك كذلك، وأن الذكر والأنثى فيه سواء، ما قيل في هذه السورة و " سورة فاطر "، [1]: " مثنى وثلاث ورباع " يراد به " الجناح "، و " الجناح " ذكر= وأنه أيضًا لا يضاف إلى ما يضاف إليه " الثلاثة " و " الثلاث " وأن " الألف واللام " لا تدخله= فكان في ذلك دليل على أنه اسم للعدد معرفة، ولو كان نكرة لدخله " الألف واللام "، وأضيف كما يضاف " الثلاثة " و " الأربعة ".

(55) ومما يبين في ذلك قول تميم بن أبيّ بن مقبل: تَـرَى النُّعَـرَاتِ الـزُّرْقَ تَحْـتَ لَبَانِهِ أُحَــادَ وَمَثْنَـى أَصْعَقَتْهَـا صَوَاهِلُـهْ (56) فرد " أحاد ومثنى "، على " النعرات " وهي معرفة.

وقد تجعلها العرب نكرة فتجريها، كما قال الشاعر: (57) وَإنَّ الغُـــلامَ المُسْــتَهَامَ بذِكْــرِهِ قَتَلْنَـا بِـهِ مِـنْ بيـن مَثْنًـى وَمَوْحَدِ (58) بِأَرْبَعَــةٍ مِنْكُــمْ وَآخَــرَ خَـامِسٍ وَسَـادٍ مَـعَ الإظْـلامِ فِـي رُمْح مَعْبَدِ ومما يبين أن " ثناء " و " أحاد " غير جاريةٍ، قول الشاعر: (59) وَلَقَــدْ قَتَلْتُكُــمُ ثُنَــاءَ وَمَوْحَــدًا وَتَــرَكْتُ مُـرَّةَ مِثْـلَ أَمْسِ المُدْبِـرِ (60) وقول الشاعر: (61) مَنَــتْ لَــكَ أنْ تُلاقِيَنــي المَنَايَـا أُحَــادَ أُحَــادَ فِـي شَـهْرٍ حَـلالِ (62) ولم يسمع من العرب صرف ما جاوز " الرُّبَّاع " و " المَرْبع " عن جهته.

لم يسمع منها " خماس " ولا " المخْمس "، ولا " السباع " ولا " المسبع "، وكذلك ما فوق " الرباع " إلا في بيت للكميت.

(63) فإنه يروي له في" العشرة "،" عشار " وهو قوله: فَلَــمْ يَسْــتَرِيثُوكَ حَــتَّى رَمَــيْ تَ فَـوْقَ الرِّجَـالِ خِصَـالا عُشَـارَا (64) يريد: " عشرًا، عشرًا "، يقال: إنه لم يسمع غير ذلك.

(65) * * * = وأما قوله: " فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة "، فإن نصب " واحدة "، بمعنى: فإن خفتم أن لا تعدلوا= فيما يلزمكم من العدل ما زاد على الواحدة من النساء عندكم بنكاح، (66) فيما أوجبه الله لهن عليكم= فانكحوا واحدة منهن.

ولو كانت القراءة جاءت في ذلك بالرفع، كان جائزًا، بمعنى: فواحدة كافية، أو: فواحدة مجزئة، كما قال جل ثناؤه: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ (67) [سورة البقرة: 282].

* * * وإن قال لنا قائل: قد علمت أن الحلال لكم من جميع النساء الحرائر، نكاحُ أربع، فكيف قيل: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع "، وذلك في العدد تسع؟

(68) قيل: إن تأويل ذلك: فانكحوا ما طاب لكم من النساء، إما مثنى إن أمنتم الجور من أنفسكم فيما يجب لهما عليكم= وإما ثلاث، إن لم تخافوا ذلك= وإما أربع، إن أمنتم ذلك فيهن.

يدل على صحة ذلك قوله: " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة "، لأن المعنى: فإن خفتم في الثنتين فانكحوا واحدة.

ثم قال: وإن خفتم أن لا تعدلوا أيضًا في الواحدة، فما ملكت أيمانكم.

* * * فإن قال قائل: فإن أمر الله ونهيه على الإيجاب والإلزام حتى تقوم حجة بأن ذلك على التأديب والإرشاد والإعلام، وقد قال تعالى ذكره: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، وذلك أمر، فهل من دليل على أنه من الأمر الذي هو على غير وجه الإلزام والإيجاب؟

قيل: نعم، والدليل على ذلك قوله: " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ".

فكان معلومًا بذلك أن قوله: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، وإن كان مخرجه مخرج الأمر، فإنه بمعنى الدلالة على النهي عن نكاح ما خاف الناكح الجورَ فيه من عدد النساء، لا بمعنى الأمر بالنكاح، فإن المعنيّ به: وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى، فتحرجتم فيهن، فكذلك فتحرّجوا في النساء، فلا تنكحوا إلا ما أمنتم الجورَ فيه منهن، ما أحللته لكم من الواحدة إلى الأربع.

وقد بينا في غير هذا الموضع أن العرب تُخرِج الكلام بلفظ الأمر ومعناها فيه النهي أو التهديد والوعيد، كما قال جل ثناؤه: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [سورة الكهف: 29]، وكما قال: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [سورة النحل: 55 ، سورة الروم: 34]، فخرج ذلك مخرج الأمر، والمقصود به التهديد والوعيدُ والزجر والنهي، (69) فكذلك قوله: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، بمعنى النهي: فلا تنكحوا إلا ما طاب لكم من النساء.

* * * وعلى النحو الذي قلنا في معنى قوله: " أو ما ملكت أيمانكم " قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 8482 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم "، يقول: فإن خفت أن لا تعدل في واحدة، فما ملكت يمينك.

8483 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أو ما ملكت أيمانكم "، السراري.

8484 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم "، فإن خفت أن لا تعدل في واحدة، فما ملكت يمينك.

8485 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا جويبر، عن الضحاك، قوله: " فإن خفتم ألا تعدلوا "، قال: في المجامعة والحب.

* * * القول في تأويل قوله : ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا (3) قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره (70) وإن خفتم أن لا تعدلوا في مثنى أو ثلاث أو رباعَ فنكحتم واحدة، أو خفتم أن لا تعدلوا في الواحدة فتسررتم ملك أيمانكم، فهو " أدنى " يعني: أقرب، (71) =" ألا تعولوا "، يقول: أن لا تجوروا ولا تميلوا.

* * * يقال منه: " عال الرجل فهو يعول عَوْلا وعيالة "، إذا مال وجار.

ومنه: " عَوْل الفرائض "، لأن سهامها إذا زادت دخلها النقص.

وأما من الحاجة، فإنما يقال: " عال الرجل عَيْلة "، وذلك إذا احتاج، كما قال الشاعر: (72) وَمَــا يَــدْرِي الفَقِـيرُ مَتَـى غِنَـاهُ وَمَــا يَــدْرِي الغَنُّـي مَتَـى يَعِيـل (73) بمعنى: يفتقر.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 8486 - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا يونس، عن الحسن: " ذلك أدنى ألا تعولوا "، قال: العوْل الميل في النساء.

8487 - حدثنا ابن حميد قال، حدثني حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله: " ذلك أدنى ألا تعولوا "، يقول: لا تميلوا.

8488 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ذلك أدنى ألا تعولوا "، أن لا تميلوا.

8489 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

8490 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل &; 7-550 &; قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا داود بن أبي هند، عن عكرمة: " ألا تعولوا " قال: أن لا تميلوا= ثم قال: أما سمعت إلى قول أبي طالب: بِمِيزان قِسْطٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ (74) 8491 - حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد بن زيد، عن الزبير، عن حريث، عن عكرمة في هذه الآية: " ألا تعولوا "، قال: أن لا تميلوا= قال: وأنشد بيتًا من شعر زعم أن أبا طالب قاله: بِمــيزَانِ قِسْــطٍ لا يُخِـسُّ شَـعِيرَةً وَوَازِنِ صِــدْقٍ وَزْنُـهُ غَـيْرُ عَـائِلِ (75) * * * قال أبو جعفر ويروي هذا البيت على غير هذه الرواية: بِمِــيزَانِ صِــدْقٍ لا يُغـلُّ شَـعِيرَةً لَـهُ شَـاهِدٌ مِـنْ نَفْسِـهِ غَـيْرُ عَائِلِ (76) * * * 8492 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم في قوله: " ألا تعولوا "، قال: أن لا تميلوا.

8493 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم مثله.

8494 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن أبي إسحاق الكوفي قال: كتب عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه عليه فيه: " إنِّي لست بميزان لا أعول ".

8495 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثّام بن علي قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك في قوله: " أدنى ألا تعولوا "، قال: لا تميلوا.

(77) 8496 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ذلك أدنى ألا تعولوا "، أدنى أن لا تميلوا.

8497 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ألا تعولوا "، قال: تميلوا.

8498 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " ذلك أدنى ألا تعولوا "، يقول: أن لا تميلوا.

8499 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ذلك أدنى ألا تعولوا "، يقول: تميلوا.

8500 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبدالله بن صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " أدنى ألا تعولوا "، يعني: أن لا تميلوا.

8501 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ذلك أدنى ألا تعولوا "، يقول: ذلك أدنى أن لا تميلوا.

8502 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن أبي مالك في قوله: " ذلك أدنى ألا تعولوا "، قال: أن لا تجوروا.

8503 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون، وعارم أبو النعمان قالا حدثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك مثله.

8504 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن يونس، عن أبي إسحاق، عن مجاهد: " ذلك أدنى ألا تعولوا " قال: تميلوا.

(78) 8505 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " ذلك أدنى ألا تعولوا "، ذلك أقل لنفقتك، الواحدة أقل من ثنتين= وثلاث وأربع، وجاريتُك أهون نفقة من حُرة=" أن لا تعولوا "، أهون عليك في العيال.

(79) ------------------ الهوامش : (40) الحديث: 8456- روى الطبري هذا الحديث- مطولا ومختصرًا- بسبعة أسانيد: 8456- 8461 ، 8477.

وهو ثابت صحيح ، في الصحيحين وغيرهما.

وهذا الإسناد: هو من رواية عبد الله بن المبارك ، عن معمر ، عن الزهري.

وسيأتي: 8460 ، من رواية عبد الرزاق ، عن معمر ، دون ذكر لفظه ، إحالة على هذه الرواية.

وقد رواه البخاري في صحيحه اثنتي عشرة مرة ، سنشير إليها ، إن شاء الله.

ورواه البيهقي في السنن الكبرى 7: 141- 142 ، بأسانيد ، من أوجه متعددة.

(41) الحديث: 8457- وهذا من رواية ابن وهب ، عن يونس بن يزيد ، عن الزهري.

وسيأتي: 8459 ، من رواية الليث بن سعد ، عن يونس ، عن الزهري ، دون ذكر لفظه ، إحالة على هذه الرواية.

ورواه البخاري 5: 94- 95 (فتح) ، من طريق الليث ، عن يونس ، عن الزهري.

وقد رواه مسلم 2: 398- 399 ، من طريق ابن وهب ، عن يونس- أطول مما هنا.

لكن ليس فيه ما ذكر في آخره هنا ، من كلام ربيعة الذي رواه عنه يونس.

وليس هذا من صلب الحديث.

ورواه البخاري 9: 91 (فتح) ، من رواية حسان بن إبراهيم ، عن يونس ، عن الزهري- بنحو مما هنا ، مع اختصار قليل.

وليس فيه كلمة ربيعة.

وقوله: "أعلى سنتهن في الصداق"- هذا هو الثابت في صحيح مسلم أيضًا.

وفي المخطوطة"سبيلهن" بدل"سنتهن".

والظاهر أنه تصحيف من الناسخ.

(42) الحديث: 8458- الحسن بن الجنيد بن أبي جعفر البزار البغدادي: ثقة.

أخرج عنه ابن خزيمة في صحيحه.

وترجمه ابن أبي حاتم 1 / 2 / 4 ، فلم يذكر فيه جرحًا والخطيب 7: 292 ، كلاهما في ترجمة"الحسن".

وترجمه الحافظ المزي في التهذيب الكبير باسم"الحسين".

وتبعه الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ، تبعًا لترتيب الكتاب ، ولكنه صرح بأنه"بفتح الحاء والسين" ، يعني"الحسن" ، وهو الصواب.

سعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك بن مروان: ضعيف.

قال البخاري في الكبير 2 / 1 / 473: "فيه نظر".

وذكر أن عنده"مناكير".

وقال في الضعفاء ، ص15: "منكر".

وقال ابن معين: "ليس بشيء".

وقال أبو حاتم: "هو ضعيف الحديث ، منكر الحديث"- ابن أبي حاتم 2 / 1 / 67.

ووقع في المطبوعة هنا: "الحسن بن جنيد وأبو سعيد بن مسلمة" ، وهو خطأ ، كتب"وأبو" بدل"وأنا" اختصار"وأخبرنا".

إسماعيل بن أمية الأموي: مضت ترجمته في: 2615.

وضعف هذا الإسناد ، من أجل سعيد بن مسلمة ، لا يمنع صحة الحديث في ذاته من أوجه أخر ، كما مضى ، وكما سيأتي.

(43) الحديثان: 8459 ، 8460- هما تكرار للحديثين: 8457 ، 8456.

وقد أشرنا إلى كل منهما في موضعه.

(44) الحديث: 8461- القاسم: هو ابن الحسن.

و"الحسين": هو ابن داود الملقب"سنيد".

انظر ما مضى في الإسناد: 8398.

حجاج: هو ابن محمد المصيصي الأعور.

مضت ترجمته في: 1691.

وترجم له أخي السيد محمود ، في ج6 ص548 ، تعليق: 3.

والحديث -من هذا الوجه- رواه البخاري 8: 179 (فتح).

من طريق هشام بن يوسف ، عن ابن جريج ، به ، نحوه.

ولكن سياقه يوهم أنها نزلت في شخص معين.

فقال الحافظ: "والمعروف عن هشام بن عروة التعميم.

وكذلك أخرجه الإسماعيلي ، من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج.

ولفظه: أنزلت في الرجل يكون عنده اليتيمة ، إلخ".

أقول: ورواية حجاج ، هي هذه التي في الطبري أيضًا.

ورواه البخاري أيضًا 8: 199 (فتح) ، من طريق أبي أسامة ، عن هشام بن عروة ، على الصواب.

وكذلك رواه مسلم ، بنحوه 2: 399 ، من طريق أبي أسامة ، عن هشام.

ورواه البخاري أيضًا ، بنحوه 9: 119 ، من طريق عبدة ، وهو ابن سليمان ، عن هشام ابن عروة.

وسيأتي: 8477 ، من رواية وكيع ، عن هشام.

ونخرجه هناك ، إن شاء الله.

ونحن ذاكرون هنا باقي طرقه في الصحيحين -عدا رواية وكيع تتمة للفائدة: فرواه البخاري 5: 94- 95 (فتح) ، ومسلم 2: 399 = كلاهما من طريق صالح ، عن الزهري ، عن عروة.

ورواه البخاري 5: 292 (فتح) ، و 9: 169- 170 و 12: 298 = من طريق شعيب ، عن الزهري.

ورواه أيضًا 9: 117 ، 169- 170= من طريق عقيل ، عن الزهري.

ورواه أيضًا 9: 162 ، من طريق أبي معاوية ، عن هشام بن عروة ، مختصرًا.

وابن كثير ذكر حديث عائشة 2: 342- 343 ، من روايتين من روايات البخاري.

ولم يزد في تخريجه شيئا.

والسيوطي ذكره بثلاثة ألفاظ ، مطولا ومختصرًا 2: 118.

وزاد نسبته لعبد بن حميد ، والنسائي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم.

(45) في المطبوعة: "حذرًا على أموال اليتامى" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(46) في المخطوطة: "جميع النساء" ، والصواب ما في المطبوعة.

(47) في المطبوعة: "ثم الذي صيرهن إلى أربع" ، زاد"الذي" ، وما في المخطوطة صواب جيد.

(48) الحديث: 8472- عبد الله بن صالح ، كاتب الليث بن سعد: مضت ترجمته وتوثيقه في: 186.

معاوية بن صالح الحضرمي: سبق توثيقه في: 186.

وهو مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 / 1 / 335 ، والصغير ، ص: 193 ، وابن سعد 7 / 2 / 207 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 382- 383.

وتاريخ قضاة قرطبة ، ص: 30- 40 ، وقضاة الأندلس للنباهي ، ص: 43.

علي بن أبي طلحة: قد بينا في: 1833 أنه لم يسمع من ابن عباس.

فيكون هذا الإسناد منقطعًا ، ضعيف الإسناد لانقطاعه.

والحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى 7: 150 ، من طريق عثمان بن سعيد ، عن عبد الله بن صالح ، بهذا الإسناد.

وأشار إليه الحافظ في الفتح 8: 179- 180؛ في شرح حديث عائشة؛ قال: "تأويل عائشة هذا؛ جاء عن ابن عباس مثله.

أخرجه الطبري".

وذكره السيوطي 2: 118 ، ونسبه لابن جرير ، وابن أبي حاتم ، فقط.

(49) في المخطوطة والمطبوعة هنا"في جميع النساء" ، والصواب ما أثبت ، وانظر التعليق السالف ص: 536 ، تعليق: 1.

(50) الحديث: 8477- هذا إسناد ضعيف ، لضعف سفيان بن وكيع ، وقد بينا ضعفه مرارًا ، أولها في: 142 ، 143.

ولكن الحديث في ذاته صحيح ، كما مضى في: 8456- 8461 ، وفي الروايات التي خرجناها من الصحيحين.

ثم هو ثابت صحيح من رواية وكيع ، من غير رواية ابنه سفيان عنه.

فرواه البخاري 9: 160 (فتح) ، بأطول مما هنا= عن يحيى ، عن وكيع ، بهذا الإسناد.

ويحيى -شيخ البخاري في هذا الإسناد- قال الحافظ في الفتح: "هو ابن موسى ، أو ابن جعفر.

كما بينته في المقدمة".

والذي في مقدمة الفتح ، ص: 236 ، أن ابن السكن نسبه"يحيى بن موسى".

(51) لعل الأجود أن يقول: "وأعلمهم كيف المخلص لهم" ، كالتي تليها.

(52) انظر ما سلف 6: 77 ، 270.

(53) انظر تفسير"اليتامى" فيما سلف قريبًا ص: 524 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(54) انظر معاني القرآن للفراء 1: 253 ، 254.

(55) انظر معاني القرآن للفراء 1: 254 ، 255.

(56) من قصيدة له طويلة نقلتها قديمًا ، ومعاني القرآن للفراء 1: 255 ، 345 والحيوان 7: 233.

واللسان (نعر) (فرد) (صعق) (ثنى) ، وغيرها ، وسيأتي في التفسير 7: 184 (بولاق).

يصف فرسه ، وبعد البيت.

فَرِيسًــا ومَغْشِــيًّا عَلَيْــه، كأَنَّـه خُيُوطَــةُ مَــارِيٍّ لَــوَاهُنَّ فَاتِلُـهْ ويروى البيت: "النعرات الخضر" ، و"أحاد ومثنى" و"فراد ومثنى".

والنعرات جمع نعرة (بضم النون وفتح العين والراء): وهو ذباب ضخم ، أزرق العين ، أخضر ، له إبرة في طرف ذنبه يلسع بها ذوات الحافر فيؤذيها ، وربما دخل أنف الحمار فيركب رأسه ، فلا يرده شيء.

و"اللبان": الصدر من ذي الحافر: و"أصعقتها": قتلتها.

و"صواهله" جمع صاهلة ، وهو مصدر على"فاعلة" ، بمعنى"الصهيل" ، كما يقال ، "رواغي الإبل" ، أي رغاءها.

وقوله في البيت الثاني: "فريسًا" ، أي قتيلا ، قد افترسه ودقه وأهلكه ، و"الخيوطة" جمع خيط ، كالفحولة والبعولة ، جمع فحل وبعل."والماري": الثوب الخلق.

يصف الذباب المغشى عليه ، كأنه من لينه في تهالكه ، خيوط لواه لاو من ثوب خلق.

(57) لم أعرف قائلهما.

(58) معاني القرآن للفراء 1: 254 ، وقد كان البيت في المطبوعة والمخطوطة: قتلنـا بِـه مِـنْ بيـن مَثْنًـى وموْحَدٍ بأربعــةٍ مِنْكُــمْ وآخــر خـامِسِ وهو كما ترى ملفق من البيتين اللذين أثبتهما من معاني القرآن ، والذي قاله الطبري هنا ، هو نص مقالة الفراء في معاني القرآن.

وقوله: "وساد" أي: سادس ، يقولون: "جاء سادسًا وساديًا وساتًا".

(59) هو صخر بن عمرو السلمي ، أخو الخنساء.

(60) مجاز القرآن 1: 115 ، والأغاني 13: 139 ، والمخصص 7: 124 ، وشرح أدب الكاتب للجواليقي: 394 ، والبطليوسي: 466 ، والخزانة 4: 474.

وسيأتي في التفسير 22: 76 (بولاق) وغيرها ، إلا أن ابن قتيبة في أدب الكاتب رواه"كأمس الدابر" وتابعه ناشر التفسير في هذا الموضع فكتب"كأمس الدابر" ، ولكنه في المخطوطة ، وفي الموضع الآخر من التفسير ، قد جاء على الصواب.

وهما بيتان قالهما في قتله دريد بن حرملة المري ، في خبر مذكور ، وبعده: وَلقَــدْ دَفَعْــتُ إلـى دُرَيْـدٍ طَعْنَـةً نَجْـلاءَ تُـزْغُلُ مِثْـلَ عَـطَّ المَنْحَـرِ والطعنة النجلاء: الواسعة.

و"أزغلت" الطعنة بالدم: دفعته زغلة زغلة ، أي دفعة دفعة.

وعط الثوب عطًا: شقه.

والمنحر: هو نحر البعير ، أي أعلى صدره ، حيث ينحر ، أي: يطعن في نحره ، فيتفجر منه الدم.

وأما رواية"كأمس الدابر" فقد ذكر الجواليقي أبياتًا ليزيد بن عمرو الصعق الكلابي هي: أَعَقَــرْتُمُ جَــمَلِي برَحْــلِيَ قائمًـا ورَمَيْتُــمُ جَــارِي بِسَــهْمٍ نَـاقِرِ فــإِذا ركــبتُمْ فَالْبَسُــوا أَدْرَاعَكُـمْ إنَ الرِّمَــاحَ بَصِــيرَةٌ بالحَاسِــرِ إِذْ تَظْلِمُــون وتــأكُلُونَ صَــدِيقَكُمْ فــالظُّلْمُ تَــارِككُمْ بجَــاثٍ عَـاثِرِ إِنّــي سَــأقتلكُمُ ثُنَــاءَ ومَوْحَـدًا وَتَــركتُ نَـاصِرَكُمْ كَـأمْسِ الدَّابِـرِ (61) هو عمرو ذي الكلب ، أخو بني كاهل ، وكان جارًا لهذيل.

ونسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن لصخر الغي الهذلي ، وهو خطأ.

(62) ديوان الهذليين 3: 117 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 115 ، والمعاني الكبير: 2840 المخصص 17: 124 ، الأغاني 13: 139.

ورواية الديوان"في الشهر الحلال" ، وأخطأ صاحب الأغاني فنسب البيت لصخر بن عمرو ، ورواه"في الشهر الحرام".

قوله: "منت لك" ، أي: قدرت لك منيتك أن تلقاني في شهر حلال ، خلوين ، وحدي ووحدك ، فأصرعك لا محالة.

وذلك أنه كان قد لقيه قبل ذلك في شهر حرام ، فلم يستطع أن يرفع إليه سلاحًا.

ويقول بعده: وَمَــا لَبْــثُ القِتَــالِ إذَا الْتقَيْنَــا سِـوَى لَفْـتِ اليَمِيـنِ عَـلَى الشِّـمَالِ أي: لا يلبث القتال بيني وبينك إلا بمقدار ما ترد يمين إلى شمال.

(63) في المطبوعة: "في بيت الكميت" ، والصواب من المخطوطة.

(64) مجازا القرآن لأبي عبيدة 1: 116 ، والأغاني 3: 139 ، واللسان (عشر) ، والمخصص 17: 125 ، والجواليقي 292 ، 293 ، والبطليوسي: 467 ، والخزانة 1: 82 ، 83 ، من قصيدة للكميت ، يمدح بها أبان بن الوليد بن عبد الملك ، وقبله: رَجَــوْكَ وَلَــم تتكــامَلْ سِـنُوكَ عَشْــرًا، ولا نَبْــتَ فِيــكَ اتِّغَـارَا لأَدْنَـى خَسًـا أَوْ زَكًـا مِـنْ سِـنِيكَ ألــى أَرْبَــعٍ، فَبَقَــوْكَ انْتظــارَا وقوله: "ولا نبت فيك اتغارا" أي: لم تخلف سنًا بعد سن ، فتنبت أسنانك: اتغر الصبي: سقطت أسنانه وأخلف غيرها.

وقوله: "خسا أو زكا" ، أي فردا ، وزوجًا.

قوله: "فبقوك" من قولهم: "بقيت فلانًا بقيًا" انتظرته ورصدته.

و"استراثه": استبطأه.

يقول: تبينوا فيك السؤود لسنة أو سنتين من مولدك ، فرجوا أن تكون سيدًا مطاعًا رفيع الذكر ، فلم تكد تبلغ العشر حتى جازت خصالك خصال السادة من الرجال.

وأما قول أبي جعفر"يريد: عشرًا عشرًا" ، فكأنه يعني كثرة الخصال التي فاق بها الرجال.

(65) انظر هذا الفصل كله في معاني القرآن للفراء 1: 254 ، 255 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 114- 116.

(66) في المطبوعة والمخطوطة: "فيما يلزمكم من العدل ما زاد على الواحدة..." ، وهو لا يستقيم ، صوابه"فيما زاد" كما أثبتها.

(67) انظر معاني القرآن للفراء 1: 255.

(68) انظر الناسخ والمنسوخ ، لأبي جعفر النحاس: 92.

(69) انظر ما سلف 2: 293 ، 294.

(70) في المطبوعة والمخطوطة: "يعني بقوله تعالى ذكره" ، والسياق يقتضي ما أثبت.

(71) انظر تفسير"أدنى" فيما سلف 6: 78.

(72) هو أحيحة بن الجلاح .

(73) جمهرة أشعار العرب: 125 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 255 ، الجمهرة لابن دريد 2: 193 ، وتاريخ ابن الأثير 1: 278 ، اللسان (عيل) ، وسيأتي في التفسير 10: 75 / 30: 149 (بولاق) ، من قصيدته التي قالها في حرب بين قومه من الأوس وبني النجار من الخزرج ، قتل فيها أخوه ، وكانت عنده امرأته سلمى بنت عمرو بن زيد النجارية ، فحذرت قومها مجيء أحيحة وقومه من الأوس ، فضربها حتى كسر يدها وطلقها.

وبعد البيت آخر قرين له: وَمَــا تَــدْرِي، إذَا أَجْـمَعْتَ أَمْـرًا بِــأَيِّ الأَرْضِ يُــدْرِكُكَ المَقِيــلُ وكان في المخطوطة: "لما يدرى الفقير" ، وهو خطأ من الناسخ ، وكأن صوابها"فما يدري".

(74) سيرة ابن هشام 1: 296 ، وغيرها كثير.

من القصيدة التي زعموا أن أبا طالب قالها وواجه بها قريشًا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال فيها إنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تاركه لشيء أبدًا حتى يهلك دونه.

يقول قبل البيت: جَـزَى اللـهُ عَنَّـا عَبْـدَ شَمْسٍ ونَوْفَلا عُقُوبَــةَ شَـرّ عَـاجِلا غَـيْرَ آجِـلِ ويروى البيت بهذه الرواية التي ذكرها أبو جعفر ، ويروى أيضًا: "لا يحص شعيرة" من حص الشعر إذا أذهبه ، و"شعيرة" في هذه الرواية تصغير"شعرة" ، وأما في سائر الروايات فهي"شعيرة" بفتح الشين ، وكسر العين ، وهي واحدة"الشعير" ، وهو الحب المعروف ، وهو أقل موازين الذهب والفضة ، وهو حبة من شعير متوسطة لم تقشر ، وقد قطع من طرفيها ما امتد ، ويسمونه أيضًا"حبة" ، وانظر ما سلف 4: 586 ، تعليق: 2 ، في تفسير"الحبة" ، وهذا معنى لم تقيده كتب اللغة ، فقيده هناك.

وقوله: "لا تخس شعيرة" ، أي لا تنقص مقدار شعيرة.

وقوله: "تغل" من قولهم: "غل يغل غلولا" ، إذا خان أو سرق.

(75) سيرة ابن هشام 1: 296 ، وغيرها كثير.

من القصيدة التي زعموا أن أبا طالب قالها وواجه بها قريشًا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال فيها إنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تاركه لشيء أبدًا حتى يهلك دونه.

يقول قبل البيت: جَـزَى اللـهُ عَنَّـا عَبْـدَ شَمْسٍ ونَوْفَلا عُقُوبَــةَ شَـرّ عَـاجِلا غَـيْرَ آجِـلِ ويروى البيت بهذه الرواية التي ذكرها أبو جعفر ، ويروى أيضًا: "لا يحص شعيرة" من حص الشعر إذا أذهبه ، و"شعيرة" في هذه الرواية تصغير"شعرة" ، وأما في سائر الروايات فهي"شعيرة" بفتح الشين ، وكسر العين ، وهي واحدة"الشعير" ، وهو الحب المعروف ، وهو أقل موازين الذهب والفضة ، وهو حبة من شعير متوسطة لم تقشر ، وقد قطع من طرفيها ما امتد ، ويسمونه أيضًا"حبة" ، وانظر ما سلف 4: 586 ، تعليق: 2 ، في تفسير"الحبة" ، وهذا معنى لم تقيده كتب اللغة ، فقيده هناك.

وقوله: "لا تخس شعيرة" ، أي لا تنقص مقدار شعيرة.

وقوله: "تغل" من قولهم: "غل يغل غلولا" ، إذا خان أو سرق.

(76) سيرة ابن هشام 1: 296 ، وغيرها كثير.

من القصيدة التي زعموا أن أبا طالب قالها وواجه بها قريشًا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال فيها إنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تاركه لشيء أبدًا حتى يهلك دونه.

يقول قبل البيت: جَـزَى اللـهُ عَنَّـا عَبْـدَ شَمْسٍ ونَوْفَلا عُقُوبَــةَ شَـرّ عَـاجِلا غَـيْرَ آجِـلِ ويروى البيت بهذه الرواية التي ذكرها أبو جعفر ، ويروى أيضًا: "لا يحص شعيرة" من حص الشعر إذا أذهبه ، و"شعيرة" في هذه الرواية تصغير"شعرة" ، وأما في سائر الروايات فهي"شعيرة" بفتح الشين ، وكسر العين ، وهي واحدة"الشعير" ، وهو الحب المعروف ، وهو أقل موازين الذهب والفضة ، وهو حبة من شعير متوسطة لم تقشر ، وقد قطع من طرفيها ما امتد ، ويسمونه أيضًا"حبة" ، وانظر ما سلف 4: 586 ، تعليق: 2 ، في تفسير"الحبة" ، وهذا معنى لم تقيده كتب اللغة ، فقيده هناك.

وقوله: "لا تخس شعيرة" ، أي لا تنقص مقدار شعيرة.

وقوله: "تغل" من قولهم: "غل يغل غلولا" ، إذا خان أو سرق.

(77) الأثر: 8495- في المطبوعة: "عباد بن علي" ، وكان كاتب المخطوطة قد كتب"عباد" ثم جعل الدال ميما ، ولم ينقط الكلمة ، فاشتبه الأمر على الناشر ، والصواب"عثام" وهو"عثام بن علي العامري" شيخ أبي كريب ، وقد مضى مئات من المرات ، ومضت ترجمته في رقم: 337.

(78) الأثر: 8504- في المخطوطة والمطبوعة"عن ابن إسحاق ، عن مجاهد" ، وهو خطأ ظاهر ، والصواب"عن أبي إسحاق" ، وهو أبو إسحاق السبيعي ، وقد مضت روايته عن مجاهد في هذا التفسير مئات من المرات.

(79) في المخطوطة: "أهون عليك في القتال" ، والصواب ما في المطبوعة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوافيه أربع عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : وإن خفتم شرط ، وجوابه فانكحوا .

أي إن خفتم ألا تعدلوا في مهورهن وفي النفقة عليهن فانكحوا ما طاب لكم أي غيرهن .

وروى الأئمة واللفظ لمسلم عن عروة بن الزبير ، عن عائشة في قول الله تعالى : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع قالت : يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن .

وذكر الحديث .

وقال ابن خويز منداد : ولهذا قلنا إنه يجوز أن يشتري الوصي من مال اليتيم لنفسه ، ويبيع من نفسه من غير محاباة .

وللموكل النظر فيما اشترى وكيله لنفسه أو باع منها .

وللسلطان النظر فيما يفعله الوصي من ذلك .

فأما الأب فليس لأحد عليه نظر ما لم تظهر عليه المحاباة فيعترض عليه السلطان حينئذ ؛ وقد مضى في " البقرة " القول في هذا .

وقال الضحاك والحسن وغيرهما : إن الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أول الإسلام ؛ من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء ، فقصرتهن الآية على أربع .

وقال ابن عباس وابن جبير وغيرهما : المعنى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء ؛ لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء و " خفتم " من الأضداد ؛ فإنه يكون المخوف منه معلوم الوقوع ، وقد يكون مظنونا ؛ فلذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الخوف .

فقال أبو عبيدة : خفتم بمعنى أيقنتم .

وقال آخرون : خفتم ظننتم .

قال ابن عطية : وهذا الذي اختاره الحذاق ، وأنه على بابه من الظن لا من اليقين .

التقدير من غلب على ظنه التقصير في القسط لليتيمة فليعدل عنها .و " تقسطوا " معناه تعدلوا .

يقال : أقسط الرجل إذا عدل .

وقسط إذا جار وظلم صاحبه .

قال الله تعالى : وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا يعني الجائرون .

وقال عليه [ ص: 13 ] السلام : المقسطون في الدين على منابر من نور يوم القيامة يعني العادلين .

وقرأ ابن وثاب والنخعي " تقسطوا " بفتح التاء من قسط على تقدير زيادة " لا " كأنه قال : وإن خفتم أن تجوروا .الثانية : قوله تعالى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء إن قيل : كيف جاءت ما للآدميين وإنما أصلها لما لا يعقل ؛ فعنه أجوبة خمسة :الأول - أن " من " و " ما " قد يتعاقبان ؛ قال الله تعالى : والسماء وما بناها أي ومن بناها .

وقال فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع .

فما هاهنا لمن يعقل وهن النساء ؛ لقوله بعد ذلك من النساء مبينا لمبهم .

وقرأ ابن أبي عبلة " من طاب " على ذكر من يعقل .الثاني : قال البصريون : " ما " تقع للنعوت كما تقع لما لا يعقل يقال : ما عندك ؟

فيقال : ظريف وكريم .

فالمعنى فانكحوا الطيب من النساء ؛ أي الحلال ، وما حرمه الله فليس بطيب .

وفي التنزيل وما رب العالمين فأجابه موسى على وفق ما سأل ؛ وسيأتي .الثالث : حكى بعض الناس أن ما في هذه الآية ظرفية ، أي ما دمتم تستحسنون النكاح قال ابن عطية : وفي هذا المنزع ضعف .جواب رابع : قال الفراء ما هاهنا مصدر .

وقال النحاس : وهذا بعيد جدا ؛ لا يصح فانكحوا الطيبة .

قال الجوهري : طاب الشيء يطيب طيبة وتطيابا .

قال علقمة :كأن تطيابها في الأنف مشمومجواب خامس : وهو أن المراد بما هنا العقد ؛ أي فانكحوا نكاحا طيبا .

وقراءة ابن أبي عبلة ترد هذه الأقوال الثلاثة .

وحكى أبو عمرو بن العلاء أن أهل مكة إذا سمعوا الرعد قالوا : سبحان ما سبح له الرعد .

أي سبحان من سبح له الرعد .

ومثله قولهم : سبحان ما سخركن لنا .

أي من سخركن .واتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ليس له مفهوم ؛ إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة : اثنتين أو ثلاثا أو أربعا كمن خاف .

فدل على أن الآية نزلت جوابا لمن خاف ذلك ، وأن حكمها أعم من ذلك .[ ص: 14 ] الثالثة : تعلق أبو حنيفة بهذه الآية في تجويزه نكاح اليتيمة قبل البلوغ .

وقال : إنما تكون يتيمة قبل البلوغ ، وبعد البلوغ هي امرأة مطلقة لا يتيمة ؛ بدليل أنه لو أراد البالغة لما نهى عن حطها عن صداق مثلها ؛ لأنها تختار ذلك فيجوز إجماعا .وذهب مالك والشافعي والجمهور من العلماء إلى أن ذلك لا يجوز حتى تبلغ وتستأمر ؛ لقوله تعالى : ويستفتونك في النساء والنساء اسم ينطلق على الكبار كالرجال في الذكور ، واسم الرجل لا يتناول الصغير ؛ فكذلك اسم النساء ، والمرأة لا يتناول الصغيرة .وقد قال : في يتامى النساء والمراد به هناك اليتامى هنا ؛ كما قالت عائشة رضي الله عنها .

فقد دخلت اليتيمة الكبيرة في الآية فلا تزوج إلا بإذنها ، ولا تنكح الصغيرة إذ لا إذن لها ، فإذا بلغت جاز نكاحها لكن لا تزوج إلا بإذنها .

كما رواه الدارقطني من حديث محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : زوجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون ، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها ، فأرغبها في المال وخطبها إليها ، فرفع شأنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال قدامة : يا رسول الله ابنة أخي وأنا وصي أبيها ولم أقصر بها ، زوجتها من قد علمت فضله وقرابته .

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها يتيمة واليتيمة أولى بأمرها فنزعت مني وزوجها المغيرة بن شعبة .

قال الدارقطني : لم يسمعه محمد بن إسحاق من نافع ، وإنما سمعه من عمر بن حسين عنه .

ورواه ابن أبي ذئب ، عن عمر بن حسين ، عن نافع عن عبد الله بن عمر : أنه تزوج بنت خاله عثمان بن مظعون قال : فذهبت أمها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن ابنتي تكره ذلك .

فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفارقها ففارقها .

وقال : ولا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن فإذا سكتن فهو إذنها .

فتزوجها بعد عبد الله بن المغيرة بن شعبة .

فهذا يرد ما يقوله أبو حنيفة من أنها إذا بلغت لم تحتج إلى ولي ، بناء على أصله في عدم اشتراط الولي في صحة النكاح .

وقد مضى في " البقرة " ذكره ؛ فلا معنى لقولهم : إن هذا الحديث محمول على غير البالغة لقوله إلا بإذنها فإنه كان لا يكون لذكر اليتيم معنى والله أعلم .الرابعة : وفي تفسير عائشة للآية من الفقه ما قال به مالك صداق المثل ، والرد إليه فيما فسد من الصداق ووقع الغبن في مقداره ؛ لقولها : ( بأدنى من سنة صداقها ) .

فوجب أن يكون صداق المثل معروفا لكل صنف من الناس على قدر أحوالهم .

وقد قال مالك : للناس مناكح عرفت لهم وعرفوا لها .

أي صدقات وأكفاء .

وسئل مالك عن رجل زوج ابنته من ابن أخ له فقير فاعترضت أمها فقال : إني لأرى لها في ذلك متكلما .

فسوغ لها في ذلك الكلام حتى يظهر هو [ ص: 15 ] من نظره ما يسقط اعتراض الأم عليه .

وروي " لا أرى " بزيادة الألف والأول أصح .

وجائز لغير اليتيمة أن تنكح بأدنى من صداق مثلها ؛ لأن الآية إنما خرجت في اليتامى .

هذا مفهومها وغير اليتيمة بخلافها .الخامسة : فإذا بلغت اليتيمة وأقسط الولي في صداقها جاز له أن يتزوجها ، ويكون هو الناكح والمنكح على ما فسرته عائشة .

وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأبو ثور ، وقاله من التابعين الحسن وربيعة ، وهو قول الليث .

وقال زفر والشافعي : لا يجوز له أن يتزوجها إلا بإذن السلطان ، أو يزوجها منه ولي لها هو أقعد بها منه ؛ أو مثله في القعدد ؛ وأما أن يتولى طرفي العقد بنفسه فيكون ناكحا منكحا فلا .

واحتجوا بأن الولاية شرط من شروط العقد لقوله عليه السلام : لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل .

فتعديد الناكح والمنكح والشهود واجب ؛ فإذا اتحد اثنان منهم سقط واحد من المذكورين .

وفي المسألة قول ثالث ، وهو أن تجعل أمرها إلى رجل يزوجها منه .

روي هذا عن المغيرة بن شعبة ، وبه قال أحمد ، ذكره ابن المنذر .السادسة : قوله تعالى : ما طاب لكم من النساء معناه ما حل لكم ؛ عن الحسن وابن جبير وغيرهما .

واكتفى بذكر من يجوز نكاحه ؛ لأن المحرمات من النساء كثير .

وقرأ ابن إسحاق والجحدري وحمزة " طاب " " بالإمالة " وفي مصحف أبي " طيب " بالياء ؛ فهذا دليل الإمالة .

" من النساء " دليل على أنه لا يقال نساء إلا لمن بلغ الحلم .

وواحد النساء نسوة ، ولا واحد لنسوة من لفظه ، ولكن يقال امرأة .السابعة : قوله تعالى : مثنى وثلاث ورباع وموضعها من الإعراب نصب على البدل من ما وهي نكرة لا تنصرف ؛ لأنها معدولة وصفة ؛ كذا قال أبو علي .

وقال الطبري : هي معارف ؛ لأنها لا يدخلها الألف واللام ، وهي بمنزلة عمر في التعريف ؛ قاله الكوفي .

وخطأ الزجاج هذا القول .

وقيل : لم ينصرف ؛ لأنه معدول عن لفظه ومعناه ، فأحاد معدول عن واحد واحد ، ومثنى معدولة عن اثنين اثنين ، وثلاث معدولة عن ثلاثة ثلاثة ، ورباع عن أربعة أربعة .

وفي كل واحد منها لغتان : فعال ومفعل ؛ يقال أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث [ ص: 16 ] ورباع ومربع ، وكذلك إلى معشر وعشار .

وحكى أبو إسحاق الثعلبي لغة ثالثة : أحد وثنى وثلث وربع مثل عمر وزفر .

وكذلك قرأ النخعي في هذه الآية .

وحكى المهدوي ، عن النخعي وابن وثاب " ثلاث وربع " بغير ألف في ربع فهو مقصور من رباع استخفافا ؛ كما قال :أقبل سيل جاء من عند الله يحرد حرد الجنة المغلهقال الثعلبي : ولا يزاد من هذا البناء على الأربع إلا بيت جاء عن الكميت :فلم يستثيروك حتى رمي ت فوق الرجال خصالا عشارايعني طعنت عشرة .

وقال ابن الدهان : وبعضهم يقف على المسموع وهو من أحاد إلى رباع ولا يعتبر بالبيت لشذوذه .

وقال أبو عمرو بن الحاجب : ويقال أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع .

وهل يقال فيما عداه إلى التسعة أو لا يقال ؟

فيه خلاف أصحها أنه لم يثبت .

وقد نص البخاري في صحيحه على ذلك .وكونه معدولا عن معناه أنه لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الأعداد غير المعدولة ؛ تقول : جاءني اثنان وثلاثة ، ولا يجوز مثنى وثلاث حتى يتقدم قبله جمع ، مثل جاءني القوم أحاد وثناء وثلاث ورباع من غير تكرار .

وهي في موضع الحال هنا وفي الآية ، وتكون صفة ؛ ومثال كون هذه الأعداد صفة يتبين في قوله تعالى : أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع فهي صفة للأجنحة وهي نكرة .

وقال ساعدة بن جؤية :ولكنما أهلي بواد أنيسه ذئاب تبغى الناس مثنى وموحدوأنشد الفراء :قتلنا به من بين مثنى وموحد بأربعة منكم وآخر خامسفوصف ذئابا وهي نكرة بمثنى وموحد ، وكذلك بيت الفراء ؛ أي قتلنا به ناسا ، فلا تنصرف إذا هذه الأسماء في معرفة ولا نكرة .

وأجاز الكسائي والفراء صرفه في العدد على أنه نكرة .

وزعم الأخفش أنه إن سمى به صرفه في المعرفة والنكرة ؛ لأنه قد زال عنه العدل .الثامنة : اعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع ، كما قاله من بعد فهمه للكتاب والسنة ، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة ، وزعم أن الواو جامعة ؛ وعضد ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم نكح تسعا ، وجمع بينهن في عصمته .

والذي صار إلى هذه [ ص: 17 ] الجهالة ، وقال هذه المقالة الرافضة وبعض أهل الظاهر ؛ فجعلوا مثنى مثل اثنين ، وكذلك ثلاث ورباع .

وذهب بعض أهل الظاهر أيضا إلى أقبح منها ، فقالوا بإباحة الجمع بين ثمان عشرة ؛ تمسكا منه بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار والواو للجمع ؛ فجعل مثنى بمعنى اثنين اثنين وكذلك ثلاث ورباع .

وهذا كله جهل باللسان والسنة ، ومخالفة لإجماع الأمة ، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع .

وأخرج مالك في موطئه ، والنسائي والدارقطني في سننهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة : اختر منهن أربعا وفارق سائرهن .

في كتاب أبي داود ، عن الحارث بن قيس ، قال : أسلمت وعندي ثمان نسوة ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : اختر منهن أربعا .

وقال مقاتل : إن قيس بن الحارث كان عنده ثمان نسوة حرائر ؛ فلما نزلت هذه الآية أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق أربعا ويمسك أربعا .

كذا قال : " قيس بن الحارث " ، والصواب أن ذلك كان حارث بن قيس الأسدي كما ذكر أبو داود .

وكذا روى محمد بن الحسن في كتاب السير الكبير : أن ذلك كان حارث بن قيس ، وهو المعروف عند الفقهاء .

وأما ما أبيح من ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فذلك من خصوصياته ؛ على ما يأتي بيانه في " الأحزاب " .

وأما قولهم : إن الواو جامعة ؛ فقد قيل ذلك ، لكن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات .

والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين وثلاثة وأربعة .

وكذلك تستقبح ممن يقول : أعط فلانا أربعة ستة ثمانية ، ولا يقول ثمانية عشر .

وإنما الواو في هذا الموضع بدل ؛ أي انكحوا ثلاثا بدلا من مثنى ، ورباع بدلا من ثلاث ؛ ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو .

ولو جاء بأو لجاز ألا يكون لصاحب المثنى ثلاث ، ولا لصاحب الثلاث رباع .

وأما قولهم : إن مثنى تقتضي اثنين ، وثلاث ثلاثة ، ورباع أربعة ، فتحكم بما لا يوافقهم أهل اللسان عليه ، وجهالة منهم .

وكذلك جهل الآخرين ، بأن مثنى تقتضي اثنين اثنين ، وثلاث ثلاثة ثلاثة ، ورباع أربعة أربعة ، ولم يعلموا أن اثنين اثنين ، وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا ، حصر للعدد .

ومثنى وثلاث ورباع بخلافها .

ففي العدد المعدول عند العرب زيادة معنى ليست في الأصل ؛ وذلك أنها إذا قالت : جاءت الخيل مثنى ، إنما تعني بذلك اثنين اثنين ؛ أي جاءت مزدوجة .

قال الجوهري : وكذلك معدول العدد .

وقال غيره : إذا قلت جاءني قوم مثنى أو ثلاث أو أحاد أو عشار ، فإنما تريد أنهم جاءوك واحدا واحدا ، أو اثنين اثنين ، أو ثلاثة ثلاثة ، أو عشرة عشرة ، وليس هذا المعنى في الأصل ؛ لأنك إذا قلت جاءني قوم ثلاثة ثلاثة ، أو قوم عشرة عشرة ، فقد حصرت عدة القوم بقولك ثلاثة وعشرة .

فإذا قلت : [ ص: 18 ] جاءوني رباع وثناء فلم تحصر عدتهم .

وإنما تريد أنهم جاءوك أربعة أربعة أو اثنين اثنين .

وسواء كثر عددهم أو قل في هذا الباب ، فقصرهم كل صيغة على أقل ما تقتضيه بزعمه تحكم .وأما اختلاف علماء المسلمين في الذي يتزوج خامسة وعنده أربع وهي :التاسعة : فقال مالك والشافعي : عليه الحد إن كان عالما .

وبه قال أبو ثور .

وقال الزهري : يرجم إذا كان عالما ، وإن كان جاهلا أدنى الحدين الذي هو الجلد ، ولها مهرها ويفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا .

وقالت طائفة : لا حد عليه في شيء من ذلك .

هذا قول النعمان .

وقال يعقوب ومحمد : يحد في ذات المحرم ولا يحد في غير ذلك من النكاح .

وذلك مثل أن يتزوج مجوسية أو خمسة في عقدة أو تزوج متعة أو تزوج بغير شهود ، أو أمة تزوجها بغير إذن مولاها .

وقال أبو ثور : إذا علم أن هذا لا يحل له يجب أن يحد فيه كله إلا التزوج بغير شهود .

وفيه قول ثالث قاله النخعي في الرجل ينكح الخامسة متعمدا قبل أن تنقضي عدة الرابعة من نسائه : جلد مائة ولا ينفى .

فهذه فتيا علمائنا في الخامسة على ما ذكره ابن المنذر فكيف بما فوقها .العاشرة : ذكر الزبير بن بكار حدثني إبراهيم الحزامي ، عن محمد بن معن الغفاري ، قال : أتت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؛ فقالت : يا أمير المؤمنين ، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل وأنا أكره أن أشكوه ، وهو يعمل بطاعة الله عز وجل .

فقال لها : نعم الزوج زوجك : فجعلت تكرر عليه القول وهو يكرر عليها الجواب .

فقال له كعب الأسدي : يا أمير المؤمنين ، هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه .

فقال عمر : كما فهمت كلامها فاقض بينهما .

فقال كعب : علي بزوجها ، فأتي به فقال له : إن امرأتك هذه تشكوك .

قال : أفي طعام أم شراب ؟

قال لا .

فقالت المرأة :يا أيها القاضي الحكيم رشده ألهى خليلي عن فراشي مسجدهزهده في مضجعي تعبده فاقض القضا كعب ولا ترددهنهاره وليله ما يرقده فلست في أمر النساء أحمدهفقال زوجها :زهدني في فرشها وفي الحجل أني امرؤ أذهلني ما قد نزلفي سورة النحل وفي السبع الطول وفي كتاب الله تخويف جلل[ ص: 19 ] فقال كعب :إن لها عليك حقا يا رجل نصيبها في أربع لمن عقلفأعطها ذاك ودع عنك العللثم قال : إن الله عز وجل قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع ، فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربك .

فقال عمر : والله ما أدري من أي أمريك أعجب ؟

أمن فهمك أمرهما أم من حكمك بينهما ؟

اذهب فقد وليتك قضاء البصرة .

وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة حدثنا أنس بن مالك قال : أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة تستعدي زوجها ، فقالت : ليس لي ما للنساء ؛ زوجي يصوم الدهر .

قال : لك يوم وله يوم ، للعبادة يوم وللمرأة يوم .الحادية عشرة : قوله تعالى : فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة قال الضحاك وغيره : في الميل والمحبة والجماع والعشرة والقسم بين الزوجات الأربع والثلاث والاثنتينفواحدة فمنع من الزيادة التي تؤدي إلى ترك العدل في القسم وحسن العشرة .

وذلك دليل على وجوب ذلك ، والله أعلم .

وقرئت بالرفع ، أي فواحدة فيها كفاية أو كافية .

وقال الكسائي : فواحدة تقنع .

وقرئت بالنصب بإضمار فعل ، أي فانكحوا واحدة .الثانية عشرة : قوله تعالى : أو ما ملكت أيمانكم يريد الإماء .

وهو عطف على " فواحدة " أي إن خاف ألا يعدل في واحدة فما ملكت يمينه .

وفي هذا دليل على ألا حق لملك اليمين في الوطء ولا القسم ؛ لأن المعنى فإن خفتم ألا تعدلوا في القسم فواحدة أو ما ملكت أيمانكم فجعل ملك اليمين كله بمنزلة واحدة ، فانتفى بذلك أن يكون للإماء حق في الوطء أو في القسم .

إلا أن ملك اليمين في العدل قائم بوجوب حسن الملكة والرفق بالرقيق .

وأسند تعالى الملك إلى اليمين إذ هي صفة مدح ، واليمين مخصوصة بالمحاسن لتمكنها .

ألا ترى أنها المنفقة ؟

كما قال عليه السلام : حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه وهي المعاهدة المبايعة ، وبها سميت الألية يمينا ، وهي المتلقية لرايات المجد ؛ كما قال :إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمينالثالثة عشرة : قوله تعالى : ذلك أدنى ألا تعولوا أي ذلك أقرب إلى ألا تميلوا عن الحق وتجوروا ؛ عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما .

يقال : عال الرجل يعول إذا جار ومال .

ومنه قولهم : عال السهم عن الهدف مال عنه .

قال ابن عمر : إنه لعائل الكيل والوزن ؛ قال الشاعر : [ ص: 20 ]قالوا اتبعنا رسول الله واطرحوا قول الرسول وعالوا في الموازينأي جاروا .

وقال أبو طالب :بميزان صدق لا يغل شعيرة له شاهد من نفسه غير عائليريد غير مائل .

وقال آخر :ثلاثة أنفس وثلاث ذود لقد عال الزمان على عياليأي جار ومال .

وعال الرجل يعيل إذا افتقر فصار عالة .

ومنه قوله تعالى : وإن خفتم عيلة .

ومنه قول الشاعر :وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيلوهو عائل وقوم عيلة ، والعيلة والعالة الفاقة ، وعالني الشيء يعولني إذا غلبني وثقل علي ، وعال الأمر اشتد وتفاقم .

وقال الشافعي : ألا تعولوا ألا تكثر عيالكم .قال الثعلبي : وما قال هذا غيره ، وإنما يقال : أعال يعيل إذا كثر عياله .

وزعم ابن العربي أن عال على سبعة معان لا ثامن لها ، يقال : عال : مال ، الثاني : زاد ، الثالث : جار ، الرابع : افتقر ، الخامس : أثقل ، حكاه ابن دريد .

قالت الخنساء :ويكفي العشيرة ما عالهاالسادس : عال قام بمئونة العيال ؛ ومنه قوله عليه السلام : وابدأ بمن تعول .السابع : عال غلب ؛ ومنه عيل صبره .

أي غلب .

ويقال : أعال الرجل كثر عياله .

وأما عال بمعنى كثر عياله فلا يصح .قلت : أما قول الثعلبي " ما قاله غيره " فقد أسنده الدارقطني في سننه عن زيد بن أسلم ، وهو قول جابر بن زيد ؛ فهذان إمامان من علماء المسلمين وأئمتهم قد سبقا الشافعي إليه .

وأما ما ذكره ابن العربي من الحصر وعدم الصحة فلا يصح .

وقد ذكرنا : عال الأمر اشتد وتفاقم ، حكاه الجوهري .

وقال الهروي في غريبيه : " وقال أبو بكر : يقال عال الرجل في الأرض يعيل فيها أي ضرب فيها .

وقال الأحمر : يقال عالني الشيء يعيلني عيلا ومعيلا إذا أعجزك " .

وأما [ ص: 21 ] عال كثر عياله فذكره الكسائي وأبو عمر الدوري وابن الأعرابي .

قال الكسائي أبو الحسن علي بن حمزة : العرب تقول عال يعول وأعال يعيل أي كثر عياله .وقال أبو حاتم : كان الشافعي أعلم بلغة العرب منا ، ولعله لغة .

قال الثعلبي المفسر : قال أستاذنا أبو القاسم بن حبيب : سألت أبا عمر الدوري عن هذا وكان إماما في اللغة غير مدافع فقال : هي لغة حمير ؛ وأنشد :وإن الموت يأخذ كل حي بلا شك وإن أمشى وعالايعني وإن كثرت ماشيته وعياله .

وقال أبو عمرو بن العلاء : لقد كثرت وجوه العرب حتى خشيت أن آخذ عن لاحن لحنا .

وقرأ طلحة بن مصرف " ألا تعيلوا " وهي حجة الشافعي رضي الله عنه .

قال ابن عطية : وقدح الزجاج وغيره في تأويل عال من العيال بأن قال : إن الله تعالى قد أباح كثرة السراري وفي ذلك تكثير العيال ، فكيف يكون أقرب إلى ألا يكثر العيال .

وهذا القدح غير صحيح ؛ لأن السراري إنما هي مال يتصرف فيه بالبيع ، وإنما العيال القادح الحرائر ذوات الحقوق الواجبة .

وحكى ابن الأعرابي أن العرب تقول : عال الرجل إذا كثر عياله .الرابعة عشرة : تعلق بهذه الآية من أجاز للمملوك أن يتزوج أربعا ، لأن الله تعالى قال : فانكحوا ما طاب لكم من النساء يعني ما حل مثنى وثلاث ورباع ولم يخص عبدا من حر .

وهو قول داود والطبري وهو المشهور عن مالك وتحصيل مذهبه على ما في موطئه ، وكذلك روى عنه ابن القاسم وأشهب .

وذكر ابن المواز أن ابن وهب روى عن مالك أن العبد لا يتزوج إلا اثنتين ؛ قال وهو قول الليث .

قال أبو عمر : قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والليث بن سعد : لا يتزوج العبد أكثر من اثنتين ؛ وبه قال أحمد وإسحاق .

وروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف في العبد لا ينكح أكثر من اثنتين ؛ ولا أعلم لهم مخالفا من الصحابة .

وهو قول الشعبي وعطاء وابن سيرين والحكم وإبراهيم وحماد .

والحجة لهذا القول القياس الصحيح على طلاقه وحده .

وكل من قال حده نصف حد الحر ، وطلاقه تطليقتان ، وإيلاؤه شهران ، ونحو ذلك من أحكامه فغير بعيد أن يقال : تناقض في قوله " ينكح أربعا " والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت حجوركم وولايتكم وخفتم أن لا تقوموا بحقهن لعدم محبتكم إياهن، فاعدلوا إلى غيرهن، وانكحوا { مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء } أي: ما وقع عليهن اختياركم من ذوات الدين، والمال، والجمال، والحسب، والنسب، وغير ذلك من الصفات الداعية لنكاحهن، فاختاروا على نظركم، ومن أحسن ما يختار من ذلك صفة الدين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تنكح المرأة لأربع لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يمينك" وفي هذه الآية - أنه ينبغي للإنسان أن يختار قبل النكاح، بل وقد أباح له الشارع النظر إلى مَنْ يريد تزوجها ليكون على بصيرة من أمره.

ثم ذكر العدد الذي أباحه من النساء فقال: { مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ } أي: من أحب أن يأخذ اثنتين فليفعل، أو ثلاثا فليفعل، أو أربعا فليفعل، ولا يزيد عليها، لأن الآية سيقت لبيان الامتنان، فلا يجوز الزيادة على غير ما سمى الله تعالى إجماعا.

وذلك لأن الرجل قد لا تندفع شهوته بالواحدة، فأبيح له واحدة بعد واحدة، حتى يبلغ أربعا، لأن في الأربع غنية لكل أحد، إلا ما ندر، ومع هذا فإنما يباح له ذلك إذا أمن على نفسه الجور والظلم، ووثق بالقيام بحقوقهن.

فإن خاف شيئا من هذا فليقتصر على واحدة، أو على ملك يمينه.

فإنه لا يجب عليه القسم في ملك اليمين { ذَلِك } أي: الاقتصار على واحدة أو ما ملكت اليمين { أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } أي: تظلموا.

وفي هذا أن تعرض العبد للأمر الذي يخاف منه الجور والظلم، وعدم القيام بالواجب -ولو كان مباحًا- أنه لا ينبغي له أن يتعرض، له بل يلزم السعة والعافية، فإن العافية خير ما أعطي العبد.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

وقوله تعالى : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ) الآية .

اختلفوا في تأويلهم ، فقال بعضهم : معناه إن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن فانكحوا غيرهن من الغرائب مثنى وثلاث ورباع .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري ، قال : كان عروة بن الزبير يحدث أنه سأل عائشة رضي الله عنها ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) قالت : هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها ، فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق ، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء ، قالت عائشة رضي الله عنها : ثم استفتى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى : ( ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ) إلى قوله تعالى ( وترغبون أن تنكحوهن ) .

فبين الله تعالى في هذه الآية أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال أو مال ، رغبوا في نكاحها ولم يلحقوها بسنتها بإكمال الصداق ، وإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء ، قال : فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها الأوفى من الصداق ويعطوها حقها .

قال الحسن : كان الرجل من أهل المدينة يكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له نكاحها فيتزوجها لأجل مالها وهي لا تعجبه كراهية أن =يدخله غريب فيشاركه في مالها ، ثم يسيء صحبتها ويتربص بها أن تموت ويرثها ، فعاب الله تعالى ذلك ، وأنزل الله هذه الآية .

وقال عكرمة : كان الرجل من قريش يتزوج العشر من النساء والأكثر فإذا صار معدما من مؤن نسائه مال إلى مال يتيمه الذي في حجره فأنفقه ، فقيل لهم : لا تزيدوا على أربع حتى لا يحوجكم إلى أخذ أموال اليتامى ، وهذه رواية طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما .

وقال بعضهم : كانوا يتحرجون عن أموال اليتامى ويترخصون في النساء ، فيتزوجون ما شاءوا وربما عدلوا وربما لم يعدلوا ، فلما أنزل الله تعالى في أموال اليتامى ( وآتوا اليتامى أموالهم ) أنزل هذه الآية ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ) يقول كما خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن فلا تتزوجوا أكثر مما يمكنكم القيام بحقهن ، لأن النساء في الضعف كاليتامى ، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والضحاك والسدي ، ثم رخص في نكاح أربع فقال : ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا ) فيهن ( فواحدة ) وقال مجاهد : معناه إن تحرجتم من ولاية اليتامى وأموالهم إيمانا فكذلك تحرجوا من الزنا فانكحوا النساء الحلال نكاحا طيبا ، ثم بين لهم عددا ، وكانوا يتزوجون ما شاءوا من غير عدد ، قوله تعالى : ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) أي : من طاب كقوله تعالى : " والسماء وما بناها " ( الشمس - 5 ) أي ومن بناها " قال فرعون وما رب العالمين " ( الشعراء - 23 ) والعرب تضع " من " و " ما " كل واحدة موضع الأخرى ، كقوله تعالى : " فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين " ( النور - 45 ) ، وطاب أي : حل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ، معدولات عن اثنين ، وثلاث ، وأربع ، ولذلك لا ينصرفن ، والواو بمعنى أو ، للتخيير ، كقوله تعالى : " أن تقوموا لله مثنى وفرادى " ( سبأ - 46 ) : " أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع " ( غافر - 1 ) وهذا إجماع أن أحدا من الأمة لا يجوز له أن يزيد على أربع نسوة ، وكانت الزيادة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ، لا مشاركة معه لأحد من الأمة فيها ، وروي أن قيس بن الحارث كان تحته ثمان نسوة فلما نزلت هذه الآية قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " طلق أربعا وأمسك أربعا " قال فجعلت أقول للمرأة التي لم تلد يا فلانة أدبري والتي قد ولدت يا فلانة أقبلي .

وروي أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أمسك أربعا وفارق سائرهن " .

وإذا جمع الحر بين أربع نسوة حرائر يجوز ، فأما العبد فلا يجوز له أن ينكح أكثر من امرأتين عند أكثر أهل العلم ، أخبرنا عبد الوهاب بن أحمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا سفيان ، عن محمد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة ، عن سليمان بن يسار ، عن عبد الله بن عتبة ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : ينكح العبد امرأتين ويطلق طلقتين وتعتد الأمة بحيضتين ، فإن لم تكن تحيض فبشهرين أو شهر ونصف " وقال ربيعة : يجوز للعبد أن ينكح أربع نسوة كالحر .

( فإن خفتم ) خشيتم ، وقيل : علمتم ، ( ألا تعدلوا ) بين الأزواج الأربع ، ( فواحدة ) أي فانكحوا واحدة .

وقرأ أبو جعفر ( فواحدة ) بالرفع ، ( أو ما ملكت أيمانكم ) يعني السراري لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق ما يلزم في الحرائر ، ولا =قسم لهن ، ولا وقف في عددهن ، وذكر الأيمان بيان ، تقديره : أو ما ملكتم ، وقال بعض أهل المعاني : أو ما ملكت أيمانكم أي : ما ينفذ فيه إقسامكم ، جعله من يمين الحلف ، لا يمين الجارحة ، ( ذلك أدنى ) أقرب ، ( ألا تعولوا ) أي : لا تجوروا ولا تميلوا ، يقال : ميزان عائل ، أي : جائر مائل ، هذا قول أكثر المفسرين ، وقال مجاهد : أن لا تضلوا ، وقال الفراء : أن لا تجاوزوا ما فرض الله عليكم ، وأصل العول : المجاوزة ، ومنه عول الفرائض ، وقال الشافعي رحمه الله : أن لا تكثر عيالكم ، وما قاله أحد ، إنما يقال من كثرة العيال : أعال يعيل إعالة ، إذا كثر عياله .

وقال أبو حاتم : كان الشافعي رضي الله عنه أعلم بلسان العرب منا ولعله لغة ، ويقال : هي لغة حمير ، وقرأ طلحة بن مصرف ( " أن لا تعيلوا .

.

.

" ) وهي حجة لقول الشافعي رضوان الله عليه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإن خفتم أ» ن «لا تُقسطوا» تعدلوا «في اليتامى» فتحرجتم من أمرهم فخافوا أيضا أن لا تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهن «فانكحوا» تزوجوا «ما» بمعنى من «طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع» أي اثنتين وثلاثا وأربعا ولا تزيدوا على ذلك «فإن خفتم أ» ن «لا تعدلوا» فيهن بالنفقة والقسم؟

«فواحدةّ» انكحوها «أو» اقتصروا على «ما ملكت أيمانكم» من الإماء إذ ليس لهن من الحقوق ما للزوجات «ذلك» أي نكاح الأربع فقط أو الواحدة أو التسرَّي «أدنى» أقرب إلى «ألا تعولوا» تجوروا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت أيديكم بأن لا تعطوهن مهورهن كغيرهن، فاتركوهن وانكحوا ما طاب لكم من النساء من غيرهن: اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فإن خشيتم ألا تعدلوا بينهن فاكتفوا بواحدة، أو بما عندكم من الإماء.

ذلك الذي شرعته لكم في اليتيمات والزواج من واحدة إلى أربع، أو الاقتصار على واحدة أو ملك اليمين، أقرب إلى عدم الجَوْرِ والتعدي.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم شرع - سبحانه - فى نهيهم عن منكر آخر كانوا يباشرونه فقال - تعالى .( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ) .وقوله ( وَإِنْ خِفْتُمْ ) شرط ، وجوابه قوله ( فانكحوا ) .والمراد من الخوف : العلم ، وعبر عنه بذلك للأشعار بكون المعلوم مخوفا محذورا .

ويقوم الظن الغالب مقام العلم .وقوله ( تُقْسِطُواْ ) من الإِقساط وهو العدل .

يقال : أقسط الرجل إذا عدل .

قال - تعالى - : ( وأقسطوا إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين ) ويقال : قسط الرجل إذا جار وظلم صاحبه .

قال - تعالى - ( وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً ) والمراد " باليتامى : يتامى النساء .

قال الزمخشرى : ويقال للاناث اليتامى كما يقال للذكور وهو جمع يتيمة .ومعنى ( مَا طَابَ لَكُمْ ) ما مالت إليه نفوسكم واستطابته من النساء اللائى أحل الله لكم نكاحهن .هذا ، وللعلماء أقوال فى تفسير هذه الآية الكريمة منها : ما رواه البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى وغيرهم عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة - رضى الله عنها - عن هذه الآية فقال : يا ابن أختى هى اليتيمة تكون فى حجر وليها تشركه فى ماله ويعحبه مالها وجمالها .فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط فى صداقها ، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره .قال عروة : قالت عائشة : وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية ، فأنزل الله - تعالى - ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النسآء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يَتَامَى النسآء اللاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ) قالت عائشة : وقوله الله - تعالى - ( وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ) رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال .

قالت : فنهوا عن أن ينكحوا من رغبوا فى مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط ، من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال " .وعلى هذه الرواية التى ساقها أئمة المحدثين عن عائشة فى المراد من الآية الكريمة يكون المعنى : وإن علمتم أيها الأولياء على النساء اليتامى أنكم لن تعدلوا فيهن إذا تزوجتم بهن - بأن تسيئوا إليهن فى العشرة ، أو بأن تمتنعوا عن إعطائهن الصداق المناسب لهن - إذا علمتم ذلك فانكحوا غيرهن من النساء الحلائل اللائى تميل إليهن نفوسكم ولا تظلموا هؤلاء اليامى بنكاحهن دون أن تعطوهون حقوقهن؛ فإن الله - تعالى - قد وسع عليكم فى نكاح عيرهن .فالمقصود من الآية الكريمة على هذا المعنى : نهى الأولياء عن نكاح النساء اليتامى اللائى يلونهن عند خوف عدم العدل فيهن ، إلا أنه أوثر التعبير عن ذلك بالأمر بنكاح النساء الأجنبيات ، كراهة للنهى الصريح عن نكاح اليتيمات ، وتلطفا فى صرف المخاطبين عن نكاح التيامى حال العلم بعدم العدل فيهن .فكأنه - سبحانه - يقول : إن علمتم أيها الأولياء الجور والظلم فى نكاح اليتامى اللائى فى ولايتكم فلا تنكحوهن ، وانكحوا غيرهن مما طالب لكم من النساء .وعلى هذا القول الذى أورده المحدثون عن عائشة - رضى الله عنهما - سار كثير من المفسرين في الآية الكريمة .

وبعضهم اقتصر عليه ولم يذكر سواه .قال بعض العلماء : وكلامها هذا أحسن تفسير لهذه الآية .

وهى وإن لم تسند ما قالته إلى رسول الله ، إلا أن سياق كلامها يؤذن بأنه عن توقيف؛ ولذلك أخرجه البخارى فى باب تفسير سورة النساء بسياق الأحاديث المرفوعة ، اعتدادا بأنها ما قالت ذلك إلا عن معاينة حال النزول .لا سيما وقد قالت : ثم إن الناس استفتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وعليه يكون إيجاز لفظ الآية اعتدادا بما فهمه الناس مما يعلمون من أحوالهم ، وتكون قد جمعت إلى جانب حفظ حقوق اليتامى فى أموالهم الموروثة ، حفظ حقوفهم فى الأموال التى يستحقها النساء اليتامى كمهور لهن عند الزوج بهن .

.

" .أما الرأى الثانى فيرى أصحابه أن الآية مسوقة للنهى عن نكاح ما فوق الأربع خوفا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم .وقد حكى هذا القول الإِمام ابن جرير فقال : وقال آخرون بل معنى ذلك : النهى عن نكاح ما فوق الأربع ، حذرا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم وذلك أن قريشا كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل ، فإذا صار معدما مال على مال اليتيمة التى فى حجره فأنفقه ، أو تزوج به ، فنهوا عن ذلك .

وقيل لهم : إن أنتم خفتم على أموال أيتاكم أن تنفقوها فلا تعدلوا فيها من أجل حاجتكم إليها لما يلزمكم من مؤن نسائكم ، - إن خفتم ذلك .

فلا تجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء على أربع .

وإن خفتم أيضاً من الأربع ألا تعدلوا فى أموالهم - أى أموال اليتامى - ، فاقتصروا على الواحدة أو على ما ملكت أيمانكم - أى إن كان زواجكم بالأربع يؤدى إلى الجور فى أموال اليتامى فاقتصروا على الزواج بامرأة واحدة - " .وقد انتصر ابن جرير لهذا القول وعده أرجح الأقوال ، فقال ما ملخصه وإنما قلنا : إن ذلك أولى بتأويل الآية؛ لأن الله - تعالى - افتتح الآية التى قبلها بالنهى عن أكل أموال اليتامى بغير حقها .

ثم أعلمهم - هنا - المخلص من الجور فى أموال اليتامى فقال : انكحوا إن أمنتم الجور فى النساء على أنفسكم ما أبحت لكم منهن وحللته : مثنى وثلاث ورباع .

فإن خفتم أيضاً الجور على أنفسكم فى أمر الواحدة فلا تنكحوها ، ولكن تسروا من المماليك ، فإنكم أحرى ألا تجوروا عليهن ، لأنهن أملاككم وأموال ، ولا يلزمكم لهن من الحقوق كالذى يلزمكم للحرائر ، فيكون ذلك اقرب لكم إلى السلام من الإِثم والجور " .وينسب هذا الرأى إلى ابن عباس وسعيد بن جبير ، والسدى ، وقتادة ، وعكرمة .وقال مجاهد : إن الآية الكريمة مسوقة للنهى عن الزنا .

وقد حكى هذا الرأى صاحب الكشاف فقال : كانوا لا يتحرجون من الزنا .

ويتحرجون من ولاية اليامى .

فقيل لهم : إن خفتم الجور في حق اليتامى ، فخافوا الزنا ، فانكحوا ما حل من النساء ، ولا تحوموا حول المحرمات " .هذه أشهر الأقوال فى معنى الآية الكريمة ، ويبدو لنا أن أرجحها أولها ، لأنه هو الظاهر من معنى الآية ، ولأن الغالب أن السيدة عائشة - رضى الله عنها - ما فسرت الآية بهذا التفسير الذى قالته لابن أختلها إلا عن توقيف ومعاينة لحال النزول ، ولأن الملازمة بين الشرط والجزاء فى الآية على هذا الوجه تكون ظاهرة .

إذ التقدير وإن خفتم أيها الأولياء الجور والظلم فى نكاح اليتامى اللاتى فى ولايتكم فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء .أما على القول الثانى فمحل الملازمة بين الشرط والجزاء إنما هو فيما تفرع عن الجزاء وهو قوله ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) .وعلى قول مجاهد تضعف الملازمة بين الشرط والجزاء .هذا ، والأمر فى قوله ( فانكحوا ) - على التفسير الأول - للإِباحة كما فى قوله - تعالى - ( وكُلُواْ واشربوا .

.

.

) خلافا للظاهرية الذين يرون أنه للوجوب .

و ( مَا ) فى قوله - تعالى - ( مَا طَابَ لَكُمْ ) موصولة أو موصوفة .

وما بعدها صلتها أو صفتها .

وأوثرت على ( مِّنَ ) لأنها أريد بها الصفة وهو الطيب من النساء بدون تحديد لذات معينة ، ولو قال ( فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ ) لتبادر إلى الذهن أن المراد نسوة طيبات معروفات بينهم .وقوله - تعالى - ( مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ) حال من فاعل ( طَابَ ) المستتر أو من مرجعه - وهو ( مَا ) - ، أو بدل منه .وهذه الكلمات الثلاث من ألفاظ العدد .

وتدل كل واحدة منها على المكرر من نوعها .

فمثنى تدل على اثنين اثنين .

وثلاث تدل على ثلاثة ثلاثة .

ورباع تدل على أربعة أربعة .والمراد منها هنا : الإِذن لكل من يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور متفقين فيه ومختلفين .والمعنى : فانكحوا ما طالب لكم من النساء معدودات هذا العدد : ثنتين ثنتين .

وثلاثا ثلاثا .

وأربعا أربعا .

حسبما تريدون وتستطيعون .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : الذى أطلق للنكاح فى الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع .

فما معنى التكرير فى مثنى وثلاث ورباع .قلت : الخطاب للجميع .

فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذى أطلق له .

كما تقول للجماعة : اقتسموا هذا المال - وهو ألف درهم - : درهمين درهمين ، وثلاثة ثلاثة .

وأربعة أربعة .

ولو أفردت لم يكن له معنى .فإن قلت : فلم جاء العطف بالواو دون أو؟قلت : كما جاء بالواو فى المثال الذى حذوته لك .

ولو ذهبت تقول : اقتسموا هذا المال درهمين درهمين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة؛ علمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة .

وليس لهم أن يجمعوا بينها .

فيجعوا بعض القسم على تثنية ، وبعضا على تثليث ، وبعضا على تربيع ، وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذى دلت عليه الواو .وتحريره : أن الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحهن من النساء على طريق الجمع : إن شاؤوا مختلفين فى تلك الأعداد ، وإن شاؤوا متفقين فيها ، محظوراً عليهم ما وراء ذلك " .ثم بين - سببحاه - لعباده ما ينبغى عليهم فعله فى حال توقعهم عدم العدل بين الزوجات فقال - تعالى ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) .فالمراد بالعدل عنا : العدل بين الزوجات المتعددات .أى : فإن علمتم أنكم لا تعدلون بين الأكثر من الزوجة الواحدة فى القسم والنفقة وحقوق الزوجية بحسب طاقتكم ، كما علمتم فى حق اليتامى أنكم لا تعدلون - إذا علمتم ذلك فالزموا زوجة واحدة ، أو أى عدد شئتم من السرارى بالغة ما بلغت .فكأنه - سبحانه - لما وسع عليهم بأن أباح لهم الزواج بالمثنى والثلاث والرباع من النساء ، أتبأهم بأنه قد يلزم من هذه التوسعة خوف الميل وعدم العدل .

فمن الواجب عليهم حينئذ أن يحترزوا بالتقليل من عدد النساء فيقتصروا على الزوجة الواحدة .ومفهومه : إباحة الزيادة على الواحدة إذا أمن الجور بين الزوجات المتعدات .وقوله ( فَوَاحِدَةً ) منصوب بفعل مضمر والتقدير : فالزموا واحدة أو فاختاروا واحدة فإن الأمر كله يدور مع العدل ، فأينما وجدتم العدل فعليكم به .وقرىء بالرفع أى فحسبكم واحدة .

( أَوْ ) للتسوية أى سوى - سبحانه - فى السهولة واليسر بين نكاح الحرة الواحدة وبين السرارى من غير تقييد بعدد ، لقلة تبعتهن ، ولخفة مؤنتهن ، وعدم وجوب القسم فيهن .وقوله ( ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ ) جملة مستأنفة بمنزلة التعليل مما قبلها .واسم الإِشارة " ذلك " يعود إلى اختيار الواحدة أو التسرى .وقوله ( أدنى ) هنا بمعى أقرب .

وهو قرب مجازى .

أى أحق وأعون أن لا تعولوا .وقوله ( تَعُولُواْ ) مأخوذ من العول وهو فى الأصل الميل المحسوس .يقال .

عال الميزان عولا إذا مال .

ثم نقل إلى الميل المعنوى وهو الجور والظلم؛ ومنه عال الحاكم إذا جار ، والمراد هنا الميل المحظور المقابل للعدل .والمعنى : أن ما ذكر من اختيار الزوجة الواحدة والتسرى ، أقرب بالنسبة إلى ما عداهما إلى العدل وإلى عدم الميل المحظور ، لأن من اختار زوجة واحدة فقد انتفى عنه الميل والجور رأسا لانتفاء محله ومن تسرى فقد انتفى عنه خطر الجور والميل .

أما من اخترا عددا من الحرائر فالميل المحظور متوقع منه لتحقق المحل والخطر .ولأن التعدد فى الزوجات يعرض المكلف غالبا للجور وإن بذل جهده فى العدل .وهذا المعنى على تفسير ( تعولوا ) بمعنى تجوروا وتميلوا عن الحق .

وهو اختيار أكثر المفسرين .وقيل : إن معنى ( أَلاَّ تَعُولُواْ ) ألا تكثر عيالكم .

يقال : عال يعول ، إذا كثرت عياله .

وقد حكى صاحب الكشاف هذا المعنى عن الإِمام الشافعى فقال :" والذي يحكى عن الشافعى - رحمه الله - أن فسر ( أن لا تعولوا ) بأن لا تكثر عيالكم .

فوجهه أن يجعل من قولك : عال الرجل عياله يعولهم كقولهم : ما نهم يمونهم إذا أنفق عليهم .

لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم ، وفى ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الكسب وحدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب .ثم قال : وكلام مثله من أعلام العلم ، وأئمة الشرع ، ورءوس المجتهدين ، حقيق بالحمل على الصحة والسداد .وقرأ طاووس : أن لا تعيلوا من أعال الرجل إذا كثر عياله .وهذه القراءة تعضد تفسير الشافعي من حيث المعنى الذى قصده " .هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية أحكاما منها : جواز تعدد الزوجات إلى أربع بحيث لا يجوز الزيادة عليهم مجتمعات ، لأن هذا العدد قد ذكر فى مقام التوسعة على المخاطبين ، ولو كانت تجوز الزيادة على هذا العدد لذكرها الله - تعالى - .وقد أجمع الفقهاء على أنه لا تجوز الزيادة على الأربع ، ولا يقدح فى هذا الإِجماع ما ذهب إليه بعض المبتدعة من جواز الجمع بين ما هو أكثر من الأربع الحرائر ، لأن ما ذهب إليه هؤلاء ، المقتبدعة لا يعتد به .

إذ الإِجماع قد وقع وانقضى عصر المجمعين قبل ظهور هؤلاء المبتدعين المخالين .وقد رد العلماء على هؤلاء المخالفين بما يهدم أقوالهم ، ومن العلماء الذين تولوا الرد عليهم الإِمام القرطبي فقد قال - ما ملخصه - :" أعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع .

كما قاله من بعُد فهمه عن الكتاب والسنة ، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة ، وزعم أن الواو جامعة ، وعضد ذلك بأن النبى صلى الله عليه وسلم نكح تسعا ، وجمع بينهن فى عصمته .

والذى صار إلى هذه الجهالة وقال هذه المقالة الراقضة وبعض أهل الظاهر ، جعلوا مثنى مثل اثنين ، وكذلك ثلاث ورباع .وهذا كله جهل باللسان والسنة ومخالفة لإِجماع الأمة ، إذ لا يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع فى عصمته أكثر من أربع .وأخرج مالك فى الموطأ والنسائى والدارقطنى فى سننهما " أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن أمية الثقفى وقد أسلم وتحته عشر نسوة " اختر منهن أربعا وفارق سائرهن "وأما ما أبيح من ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فذلك من خصوصياته .وأما قولهم إن الواو جامعة .

فقد قيل ذلك ، ولكن الله - تعالى - خاطب العرب بأفصح اللغات .

والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين وثلاثة وأربعة .

وكذلك تستقبح ممن يقول ، أعط فلانا أربعة ، ستة ، ثمانية ، ولا يقول : ثمانية عشر .وإنما الواو فى هذه الموضع بدل ، أى أنكحوا ثلاث بدلا من مثنى ، ورباع بدلا من ثلاث ، ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو .

ولو جاء بأو لجاز ألا يكون لصاحب المثنى ثلاث ، ولا لصاحب الثلاث رباع .وقد قال مالك والشافعى فى الذي يتزوج خامسة وعنده أربع : عليه الحد إن كان عالما .

وقال الزهرى : يرجم إن كان عالما ، وإن كان جاهلا فعليه أدنى الحدين الذى هو الجلد ، ولها مهرها ، ويفرق بينهما ولا يجتمعان أبداً " .كذلك من الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة أن الله تعالى وإن كان قد أباح التعدد وحدد غايته بأربع بحيث لا يجوز الزيادة عليهن ، إلا أنه - سبحانه - قد قيد هذه الإِباحة بالعدل بينهم فيما يستطيع الإِنسان العدل فيه بحسب طاقته البشرية ، بأن يعدل بينهن فى النفقة والكسوة والمعاشرة الزوجية .فإن عجز عن ذلك لم يبح له التعدد .وللإِمام الشيخ محمد عبده كلام حسن فى المعنى ، فقد قال - رحمه الله - " قد أباحت الشريعة الإِسلامية للرجل الاقتران بأربع من النسوة إن علم من نفسه القدرة على العدل بينهن ، وإلا فلا يجوز الاقتران بغير واحدة .

قال - تعالى : ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً ) فإن الرجل إذا لم يستطع إعطاء كل منهن حقبها اختل نظام المنزل ، وساءت معيشة العائلة إذا العماد القويم لتدبير المنزل هو بقاء الاتحاد والتآلف بين أفراد العائلة .وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم ، والخلفاء الراشدون ، والعلماء الصالحون من كل قرن إلى هذا العهد يجمعون بين النسوة مع المحافظة على حدود الله فى العدل بينهن .

فكان صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصالحون من أمته لا يأتون حجرة إحدى الزوجات فى نوبة الأخرى إلا بإذنها .وقد قال صلى الله عليه وسلم : " من كان له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل "وكان صلى الله عليه وسلم يعتذر عن ميله القلبى بقوله : " اللهم هذا - أى العدل فى البيات والعطاء - جهدى فيما أملك ، ولا طاقة لى فيما تملك ولا أملك - يعنى الميل القلبى " وكان يقرع بينهم إذا أراد سفرا .ثم قال فى نهاية حديثه : فعلى العقلاء أن يتبصروا قبل طلب التعدد فى الزوجات فيما يجب عليهم شرعا من العدل وحفظ الألفظ بين الأولاد ، وحفظ النساء من الغوائل التى تؤدى بهن إلى الأعمال التى لا تليق بمسلمة .هذا ، وقد ذكر العلماء حكما كثيرة لمشروعية تعدد الزوجات ، ومن هذه الحكم أن فى هذا التعدد وسيلة إلى تكثير عدد الأمة بازدياد عدد المواليد فيها .

ولا شك أن كثيرا من الأمم الإِسلامية التى اتسعت أرضها ، وتعددت موارد الثروة فيها ، فى حاجة إلى تكثير عدد أفرادها حتى تنتفع بما حباها الله من خيرات ، وتستيطع الدفاع عن نفسها إذا ما طمع فيها الطامعون ، واعتدى عليها المعتدون .ومنها أن التعدد يعين على كفالة النساء وحفظهن وصيانتهن من الوقوع فى الفاحشة ، لا سيما فى أعقاب الحروب التى - تقضى على الكثيرين من الرجال ، ويصبح عدد النساء أكبر بكثير من عدد الرجال .ومنها أن الشريعة الإِسلامية قد حرمت الزنا تحريما قاطعا ، وعاقبت مرتكبه بأقسى أنواعه العقوبات وأزجرها ، بسبب ما يجر إليه من فساد فى الأخلاق والأنساب ونظام الأسر ، فناسب أن توسع على الناس فى تعدد النساء لمن كان من الرجال ميالا للتعدد ، مستطيعا لتكاليفه ومطالبه .ومنها قصد الابتعاد عن الطلاق ، فإن المرأة قد لا تكون قادرة على القيام بالمطالب الزوجية التى تحتمها حياتها مع زوجها بسبب مرضها أو عجزها أو عقمها أو غير ذلك من الأسباب ، فيلجأ زوجها إلى الزواج بأخرى غيرها مع بقاء الزوجة الأولى فى عصمته بدل أن يطلقها فتفقد حياتها الزوجية ، وقد تكون هى فى حاجة إلى هذا الزوج الذى يقوم برعايتها وحمايتها والقيام بشأنها .والخلاصة أن الله - تعالى - قد علم أن مصلحة الرجال والنساء قد تستدعى تعدد الزوجات ، - بل قد توجبه فى بعض الحالات - فأباح لهم هذا التعدد ، وحدد غايته بأربع بحيث لا يجوز الزيادة عليهن ، وقيد - سبحانه - هذه الإِباحة بالعدل بينهن فيما يستطيع الإِنسان العدل فيه بحسب طاقته البشرية ، فإن علم الإِنسان من نفسه عدم القدرة على العدل بينهن لم يبح له التعدد .ولو أن المسلمين ساروا على حسب ما شرع الله لهم لسعدوا فى دنياهم وفى آخرتهم؛ فأن الله - تعالى - ما شرع لهم إلا ما فيه منفعتهم وسعادتهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا من النوع الثاني من الأحكام التي ذكرها في هذه السورة وهو حكم الأنكحة وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: الأقساط العدل، يقال أقسط الرجل إذا عدل، قال الله تعالى: ﴿ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين  ﴾ والقسط العدل والنصفة، قال تعالى: ﴿ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط  ﴾ قال الزجاج: وأصل قسط وأقسط جميعا من القسط وهو النصيب، فاذا قالوا: قسط بمعنى جار أرادوا أنه ظلم صاحبه في قسطه الذي يصيبه، ألا ترى أنهم قالوا: قاسطته إذا غلبته على قسطه، فبنى قسط على بناء ظلم وجار وغلب، وإذا قالوا أقسط فالمراد أنه صار ذا قسط عدل، فبنى على بناء أنصف إذا أتى بالنصف والعدل في قوله وفعله وقسمه.

المسألة الثانية: اعلم أن قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ ﴾ شرط وقوله: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء ﴾ جزاء، ولا بد من بيان أنه كيف يتعلق هذا الجزاء بهذا الشرط، وللمفسرين فيه وجوه: الأول: روي عن عروة أنه قال: قلت لعائشة: ما معنى قول الله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِي اليتامى ﴾ فقالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها، إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها، فقال تعالى: وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء، قالت عائشة رضي الله عنها: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النساء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يتامى النساء  ﴾ قالت: وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يتامى النساء  ﴾ المراد منه هذه الآية وهي قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ ﴾ .

الوجه الثاني: في تأويل الآية: انه لما نزلت الآية المتقدمة في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير، خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك الاقساط في حقوق اليتامى، فتحرجوا من ولايتهم، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج وأكثر، فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهن، فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها، فكونوا خائفين من ترك العدل من النساء، فقالوا عدد المنكوحات، لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب لمثله فكأنه غير متحرج.

الوجه الثالث: في التأويل: أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم في حق اليتامى فكونوا خائفين من الزنا، فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات.

الوجه الرابع: في التأويل: ما روي عن عكرمة أنه قال: كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام، فاذا أنفق مال نفسه على النسوة ولم يبق له مال وصار محتاجا، أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن فقال تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِي أموال اليتامى ﴾ عند كثرة الزوجات فقد حظرت عليكم أن لا تنكحوا أكثر من أربع كي يزول هذا الخوف، فان خفتم في الأربع أيضاً فواحدة، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع، والناقص وهو الواحدة، ونبه بذلك على ما بينهما، فكأنه تعالى قال: فان خفتم من الأربع فثلاث، فان خفتم فاثنتان، فان خفتم فواحدة، وهذا القول أقرب، فكأنه تعالى خوف من الاكثار من النكاح بما عساه يقع من الولي من التعدي في مال اليتيم للحاجة الى الانفاق الكثير عند التزوج بالعدد الكثير.

أما قوله تعالى: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء مثنى وثلاث وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تَعْدِلُواْ فواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ذلك أدنى أَن لا تَعُولُواْ ﴾ .

ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال أصحاب الظاهر: النكاح واجب وتمسكوا بهذه الآية، وذلك لأن قوله: ﴿ فانكحوا ﴾ أمر، وظاهر الأمر للوجوب، وتمسك الشافعي في بيان انه ليس بواجب بقوله تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم  ﴾ الى قوله: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ فحكم تعالى بأن ترك النكاح في هذه الصورة خير من فعله، وذلك يدل على أنه ليس بمندوب، فضلا عن أن يقال إنه واجب.

المسألة الثانية: إنما قال: ﴿ مَا طَابَ ﴾ ولم يقل: من طاب لوجوه: أحدها: أنه أراد به الجنس تقول: ما عندك؟

فيقول رجل أو امرأة، والمعنى ما ذلك الشيء الذي عندك، وما تلك الحقيقة التي عندك.

وثانيها: أن (ما) مع ما بعده في تقدير المصدر، وتقديره: فانكحوا الطيب من النساء.

وثالثها: ان ما ومن ربما يتعاقبان.

قال تعالى: ﴿ والسماء وَمَا بناها  ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ  ﴾ وحكى أبو عمرو بن العلاء: سبحان ما سبح له الرعد، وقال: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على بَطْنِهِ  ﴾ .

ورابعها: إنما ذكر ما تنزيلا للاناث منزلة غير العقلاء.

ومنه: قوله: ﴿ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم  ﴾ .

المسألة الثالثة: قال الواحدي وصاحب الكشاف: قوله: ﴿ مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ أي ما حل لكم من النساء لأن منهن من يحرم نكاحها، وهي الأنواع المذكورة في قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم  ﴾ وهذا عندي فيه نظر، وذلك لأنا بينا أن قوله: ﴿ فانكحوا ﴾ أمر إباحة.

فلو كان المراد بقوله: ﴿ مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ أي ما حل لكم لنزلت الآية منزلة ما يقال: أبحنا لكم نكاح من يكون نكاحها مباحا لكم: وذلك يخرج الآية عن الفائدة، وأيضاً فبتقدير أن تحمل الآية على ما ذكروه تصير الآية مجملة، لأن أسباب الحل والاباحة لما لم تكن مذكورة في هذه الآية صارت الآية مجملة لا محالة، أما إذا حملنا الطيب على استطابة النفس وميل القلب، كانت الآية عاما دخله التخصيص.

وقد ثبت في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين الاجمال والتخصيص كان رفع الاجمال أولى، لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجمل لا يكون حجة أصلا.

المسألة الرابعة: ﴿ مثنى وثلاث وَرُبَاعَ ﴾ معناه: اثنين اثنين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، وهو غير منصرف وفيه وجهان: الأول: أنه اجتمع فيها أمران: العدل والوصف، أما العدل فلأن العدل عبارة عن أنك تذكر كلمة وتريد بها كلمة أخرى، كما تقول: عمر وزفر وتريد به عامراً وزافرا، فكذا هاهنا تريد بقولك: مثنى: ثنتين ثنتين فكان معدولا، وأما أنه وصف، فدليله قوله تعالى: ﴿ أُوْلِى أَجْنِحَةٍ مثنى وثلاث ورباع  ﴾ ولا شك أنه وصف.

الوجه الثاني: في بيان أن هذه الأسماء غير منصرفة أن فيها عدلين لأنها معدولة عن أصولها كما بيناه، وأيضا انها معدولة عن تكررها فانك لا تريد بقولك: مثنى ثنتين فقط، بل ثنتين ثنتين، فاذا قلت: جاءني اثنان أو ثلاثة كان غرضك الاخبار عن مجيء هذا العدد فقط، أما إذا قلت: جاءني القوم مثنى أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين، فثبت أنه حصل في هذه الألفاظ نوعان من العدد فوجب أن يمنع من الصرف، وذلك لأنه إذا اجتمع في الاسم سببان أوجب ذلك منع الصرف، لأنه يصير لأجل ذلك نائبا من جهتين فيصير مشابها للفعل فيمتنع صرفه، وكذا إذا حصل فيه العدل من جهتين فوجب أن يمنع صرفه والله أعلم.

المسألة الخامسة: قال أهل التحقيق: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء ﴾ لا يتناول العبيد وذلك لأن الخطاب إنما يتناول إنسانا متى طابت له امرأة قدر على نكاحها، والعبد ليس كذلك بدليل أنه لا يتمكن من النكاح إلا باذن مولاه، ويدل عليه القرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَيء  ﴾ فقوله: ﴿ لاَّ يَقْدِرُ على شَيء ﴾ ينفي كونه مستقلا بالنكاح، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام: «أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر».

فثبت بما ذكرناه أن هذه الآية لا يندرج فيها العبد.

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: ذهب أكثر الفقهاء إلى أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد، وقال مالك: يحل للعبد أن يتزوج بالأربع وتمسك بظاهر هذه الآية.

والجواب الذي يعتمد عليه: أن الشافعي احتج على أن هذه الآية مختصة بالأحرار بوجهين آخرين سوى ما ذكرناه: الأول: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تَعْدِلُواْ فواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ وهذا لا يكون إلا للأحرار، والثاني: أنه تعالى قال: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً  ﴾ والعبد لا يأكل ما طابت عنه نفس امرأته من المهر، بل يكون لسيده قال مالك: إذا ورد عمومان مستقلان، فدخول التقييد في الأخير لا يوجب دخوله في السابق.

أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن هذه الخطابات في هذه الآيات وردت متوالية على نسق واحد فلما عرف في بعضها اختصاصها بالأحرار عرف أن الكل كذلك، ومن الفقهاء من علم أن ظاهر هذه الآية متناول للعبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس، قالوا: أجمعنا على أن للرق تأثيراً في نقصان حقوق النكاح، كالطلاق والعدة، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر، والجواب الأول أولى وأقوى والله أعلم.

المسألة السادسة: ذهب قوم سدى إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد، واحتجوا بالقرآن والخبر، أما القرآن فقد تمسكوا بهذه الآية من ثلاثة أوجه: الأول: أن قوله: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء ﴾ إطلاق في جميع الأعداد بدليل أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلا.

والثاني: أن قوله: ﴿ مثنى وثلاث وَرُبَاعَ ﴾ لا يصلح تخصيصا لذلك العموم، لأن تخصيص بعض الاعداد بالذكر لا ينفي ثبوت الحكم في الباقي، بل نقول: ان ذكر هذه الأعداد يدل على رفع الحرج والحجر مطلقا، فان الإنسان إذا قال لولده: افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدينة وإلى البستان، كان تنصيصا في تفويض زمام الخيرة اليه مطلقاً، ورفع الحجر والحرج عنه مطلقاً، ولا يكون ذلك تخصيصاً للاذن بتلك الأشياء المذكورة، بل كان إذنا في المذكور وغيره فكذا هاهنا، وأيضاً فذكر جميع الأعداد متعذر، فاذا ذكر بعض الأعداد بعد قوله: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء ﴾ كان ذلك تنبيها على حصول الاذن في جميع الأعداد.

والثالث: أن الواو للجمع المطلق فقوله: ﴿ مثنى وثلاث وَرُبَاعَ ﴾ يفيد حل هذا المجموع، وهو يفيد تسعة، بل الحق أنه يفيد ثمانية عشر، لان قوله: مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط، بل عن اثنين اثنين وكذا القول في البقية.

وأما الخبر فمن وجهين: الأول: أنه ثبت بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم مات عن تسع، ثم ان الله تعالى أمرنا باتباعه فقال: ﴿ فاتبعوه ﴾ وأقل مراتب الأمر الاباحة.

الثاني: أن سنة الرجل طريقته، وكان التزوج بالأكثر من الأربع طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام، فكان ذلك سنة له، ثم انه عليه السلام قال: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».

فظاهر هذا الحديث يقتضي توجه اللوم على من ترك التزوج بأكثر من الأربعة، فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز.

واعلم أن معتمد الفقهاء في إثبات الحصر على أمرين: الأول: الخبر، وهو ما روي ان غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أمسك أربعا وفارق باقيهن»، وروي ان نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال عليه السلام: «أمسك أربعا وفارق واحدة» واعلم أن هذا الطريق ضعيف لوجهين: الأول: أن القرآن لما دل على عدم الحصر بهذا الخبر كان ذلك نسخا للقرآن بخبر الواحد وإنه غير جائز.

والثاني: وهو أن الخبر واقعة حال، فلعله عليه الصلاة والسلام إنما أمره بامساك أربع ومفارقة البواقي لأن الجمع بين الأربعة وبين البواقي غير جائز، إما بسبب النسب، أو بسبب الرضاع، وبالجملة فلهذا الاحتمال قائم في هذا الخبر فلا يمكن نسخ القرآن بمثله.

الطريق الثاني: وهو إجماع فقهاء الامصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع وهذا هو المعتمد، وفيه سؤالان: الأول: أن الاجماع لا ينسخ ولا ينسخ، فكيف يقال: الاجماع نسخ هذه الآية.

الثاني: أن في الأمة أقواما شذاذا لا يقولون بحرمة الزيادة على الأربع، والاجماع مع مخالفة الواحد والاثنين لا ينعقد.

والجواب عن الأول: الاجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن الثاني، أن مخالف هذا الاجماع من أهل البدعة فلا عبرة بمخالفته.

فان قيل: فاذا كان الأمر على ما قلتم فكان الأولى على هذا التقدير أن يقال: مثنى أو ثلاث أو رباع، فلم جاء بواو العطف دون أو؟

قلنا: لو جاء بكلمة أو لكان ذلك يقتضي أنه لا يجوز ذلك الا على أحد هذه الأقسام، وأنه لا يجوز لهم أن يجمعوا بين هذه الأقسام، بمعنى أن بعضهم يأتي بالتثنية، والبعض الآخر بالتثليث والفريق الثالث بالتربيع، فلما ذكره بحرف الواو أفاد ذلك أنه يجوز لكل طائفة أن يختاروا قسما من هذه الأقسام، ونظيره أن يقول الرجل للجماعة: اقتسموا هذا المال وهو ألف، درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، والمراد أنه يجوز لبعضهم أن يأخذ درهمين درهمين، ولبعض آخرين أن يأخذوا ثلاثة ثلاثة، ولطائفة ثالثة أن يأخذوا أربعة أربعة، فكذا هاهنا الفائدة في ترك أو وذكر الواو ما ذكرناه والله أعلم.

المسألة السابعة: قوله: ﴿ مثنى وثلاث وَرُبَاعَ ﴾ محله النصب على الحال مما طاب، تقديره: فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد، ثنتين ثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا.

قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ .

وفيه مسائل: المسألة الأولى: المعنى: فان خفتم أن لا تعدلوا بين هذه الأعداد كما خفتم ترك العدل فيما فوقها، فاكتفوا بزوجة واحدة أو بالمملوكة، سوى في السهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين الاماء من غير حصر، ولعمري إنهن أقل تبعة وأخف مؤنة من المهائر، لا عليك أكثرت منهم أم أقللت، عدلت بينهن في القسم أم لم تعدل، عزلت عنهن أم لم تعزل.

المسألة الثانية: قرئ ﴿ فواحدة ﴾ بنصب التاء والمعنى: فالتزموا أو فاختاروا واحدة وذروا الجمع رأسا، فان الأمر كله يدور مع العدل، فأينما وجدتم العدل فعليكم به، وقرئ ﴿ فواحدة ﴾ بالرفع والتقدير: فكفت واحدة، أو فحسبكم واحدة أو ما ملكت أيمانكم.

المسألة الثالثة: للشافعي رحمه الله أن يحتج بهذه الآية في بيان الاشتغال بنوافل العبادات أفضل من النكاح، وذلك لأن الله تعالى خير في هذه الآية بين التزوج بالواحدة وبين التسري، والتخيير بين الشيئين مشعر بالمساواة بينهما في الحكمة المطلوبة، كما اذا قال الطبيب: كل التفاح أو الرمان، فان ذلك يشعر بكون كل واحد منهما قائما مقام الآخر في تمام الغرض، وكما أن الآية دلت على هذه التسوية، فكذلك العقل يدل عليها، لأن المقصود هو السكن والازدواج وتحصين الدين ومصالح البيت، وكل ذلك حاصل بالطريقين، وأيضاً إن فرضنا الكلام فيما اذا كانت المرأة مملوكة ثم أعتقها وتزوج بها، فهاهنا يظهر جدا حصول الاستواء بين التزوج وبين التسري، واذا ثبت بهذه الآية ان التزوج والتسري متساويان.

فنقول: أجمعنا على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري فوجب أن يكون أفضل من النكاح؛ لان الزائد على أحد المتساويين يكون زائد على المساوي الثاني لا محالة.

ثم قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ أدنى أَن لا تَعُولُواْ ﴾ وفيه مسألتان.

المسألة الأولى: المراد من الادنى هاهنا الاقرب، والتقدير: ذلك أقرب من أن لا تعولوا وحسن حذف من لدلالة الكلام عليه.

المسألة الثانية: في تفسير ﴿ أَن لا تَعُولُواْ ﴾ وجوه: الأول: معناه: لا تجوروا ولا تميلوا، وهذا هو المختار عند أكثر المفسرين، وروي ذلك مرفوعا، روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ قال: (لا تجوروا) وفي رواية أخرى أن لا تميلوا قال الواحدي رحمه الله: كلا اللفظين مروي، وأصل العول الميل يقال: عال الميزان عولا، اذا مال، وعال الحاكم في حكمه اذا جار، لانه اذا جار فقد مال.

وأنشدوا لأبي طالب: بميزان قسط لا يغل شعيرة *** فصل ووزان صدق وزنه غير عائل وروي أن أعرابيا حكم عليه حاكم، فقال له: أتعول علي، ويقال: عالت الفريضة اذا زادت سهامها، وقد أعلتها أنا اذا ازدت في سهامها، ومعلوم أنها اذا زادت سهامها فقد مالت عن الاعتدال فدلت هذه الاشتقاقات على أن أصل هذا اللفظ الميل، ثم اختص بحسب العرف بالميل الى الجور والظلم.

فهذا هو الكلام في تقرير هذا الوجه الذي ذهب اليه الأكثرون.

الوجه الثاني: قال بعضهم: المراد أن لا تفتقروا، يقال: رجل عائل أي فقير، وذلك لأنه اذا قل عياله قلت نفقاته، واذا قلت نفقاته لم يفتقر.

الوجه الثالث: نقل عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: ﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ معناه: ذلك أدنى أن لا تكثر عيالكم، قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: وقد خطأه الناس في ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا خلاف بين السلف وكل من روى تفسير هذه الآية: أن معناه: أن لا تميلوا ولا تجوروا.

وثانيها: أنه خطأ في اللغة لأنه لو قيل: ذلك أدنى أن لا تعيلوا لكان ذلك مستقيما، فأما تفسير ﴿ تَعُولُواْ ﴾ بتعيلوا فانه خطأ في اللغة.

وثالثها: أنه تعالى ذكر الزوجة الواحدة أو ملك اليمين والاماء في العيال بمنزلة النساء، ولا خلاف أن له أن يجمع من العدد من شاء بملك اليمين، فعلمنا أنه ليس المراد كثرة العيال.

وزاد صاحب النظم في الطعن وجها رابعا، وهو أنه تعالى قال في أول الآية: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فواحدة ﴾ ولم يقل أن تفتقروا، فوجب أن يكون الجواب معطوفا على هذا الشرط، ولا يكون جوابه إلا بضد العدل، وذلك هو الجور لا كثرة العيال.

وأنا أقول: أما السؤال الأول: فهو في غاية الركاكة وذلك أنه لم ينقل عن الشافعي رحمة الله عليه أنه طعن في قول المفسرين أن معنى الآية: أن لا تجوروا ولا تميلوا، ولكنه ذكر فيه وجها آخر، وقد ثبت في أصول الفقه أن المتقدمين اذا ذكروا وجها في تفسير الآية فذلك لا يمنع المتأخرين من استخراج وجه آخر في تفسيرها، ولولا جواز ذلك وإلا لصارت الدقائق التي استنبطها المتأخرون في تفسير كلام الله مردودة باطلة، ومعلوم أن ذلك لا يقوله إلا مقلد خلف، وأيضا: فمن الذي أخبر الرازي أن هذا الوجه الذي ذكره الشافعي لم يذكره واحد من الصحابة والتابعين، وكيف لا نقول ذلك، ومن المشهور أن طاوساً كان يقرأ: ذلك أدنى أن لا تعيلوا، واذا ثبت أن المتقدمين كانوا قد جعلوا هذا الوجه قراءة، فبأن يجعلوه تفسيرا كان أولى، فثبت بهذه الوجوه شدة جهل الرازي في هذا الطعن.

وأما السؤال الثاني: فنقول: انك نقلت هذه اللفظة في اللغة عن المبرد، لكنك بجهلك وحرصك على الطعن في رؤساء المجتهدين والاعلام، وشدة بلادتك، ما عرفت ان هذا الطعن الذي ذكره المبرد فاسد، وبيان فساده من وجوه: الأول: أنه يقال: عالت المسألة اذا زادت سهامها وكثرة، وهذا المعنى قريب من الميل لانه اذا مال فقد كثرت جهات الرغبة وموجبات الارادة واذا كان كذلك كان معنى الآية: ذلك أدنى أن لا تكثروا، واذا لم تكثروا لم يقع الإنسان في الجور والظلم لان مطية الجور والظلم هي الكثرة والمخالطة، وبهذا الطريق يرجع هذا التفسير الى قريب من التفسير الأول الذي اختاره الجمهور.

الوجه الثاني: ان الإنسان اذا قال: فلان طويل النجاد كثير الرماد، فاذا قيل له ما معناه؟

حسن أن يقال: معناه أنه طويل القامة كثير الضيافة، وليس المراد منه أن تفسير طويل النجاد هو أنه طويل القامة، بل المراد أن المقصود من ذلك الكلام هو هذا المعنى.

وهذا الكلام تسميه علماء البيان التعبير عن الشيء بالكناية والتعريض، وحاصله يرجع الى حرف واحد وهو الاشارة الى الشيء بذكر لوازمه، فهاهنا كثرة العيال مستلزمة للميل والجور، والشافعي رضي الله عنه جعل كثرة العيال كناية عن الميل والجور، لما أن كثرة العيال لا تنفك عن الميل والجور، فجعل هذا تفسيراً له لا على سبيل الكناية والاستلزام، وهذه طريقة مشهورة في كتاب الله، والشافعي لما كان محيطاً بوجوه أساليب المطابقة، بل على سبيل الكلام العربي استحسن ذكر هذا الكلام، فأما أبو بكر الرازي لما كان بليد الطبع بعيدا عن أساليب كلام العرب، لا جرم لم يعرف الوجه الحسن فيه.

الوجه الثالث: ما ذكره صاحب الكشاف وهو أن هذا التفسير مأخوذ من قولك: عال الرجل عياله يعولهم.

كقولهم: مانهم يمونهم اذا أنفق عليهم، لان من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما تصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب، فثبت بهذه الوجوه أن الذي ذكره إمام المسلمين الشافعي رضي الله عنه في غاية الحسن، وأن الطعن لا يصدر الا عن كثرة الغباوة وقلة المعرفة.

وأما السؤال الثالث: وهو قوله: إن كثرة العيال لا تختلف بأن تكون المرأة زوجة أو مملوكة فجوابه من وجهين: الأول: ما ذكره القفال رضي الله عنه، وهو أن الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب، وإذا اكتسبن أنفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضا، وحينئذ تقل العيال أما اذا كانت المرأة حرة لم يكن الامر كذلك فظهر الفرق.

الثاني: ان المرأة اذا كانت مملوكة فاذا عجز المولى عن الانفاق عليها باعها وتخلص منها، أما اذا كانت حرة فلابد له من الانفاق عليها، والعرف يدل على أن الزوج ما دام يمسك الزوجة فانها لا تطالبه بالمهر، فاذا حاول طلاقها طالبته بالمهر فيقع الزوج في المحنة.

وأما السؤال الرابع: وهو الذي ذكره الجرجاني صاحب النظم، فالجواب عنه من وجهين: الأول: ما ذكره القاضي وهو أن الوجه الذي ذكره الشافعي أرجح، لانه لو حمل على الجور لكان تكراراً لانه فهم ذلك من قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ ﴾ أما اذا حملناه على ما ذكره الشافعي لم يلزم التكرار فكان أولى.

الثاني: أن نقول: هب أن الامر كما ذكرتم لكنا بينا أن التفسير الذي ذكره الشافعي راجع عند التحقيق الى ذكر التفسير الأول، لكن على سبيل الكناية والتعريض، واذا كان الامر كذلك فقد زال هذا السؤال، فهذا تمام البحث في هذا الموضع، وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ولمَّا نزلت الآية في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير، خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك الإقساط في حقوق اليتامى، وأخذوا يتحرّجون من ولايتهم، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج والثمان والست فلا يقوم بحقوقهنّ ولا يعدل بينهن، فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرّجتم منها، فخافوا أيضاً ترك العدل بين النساء فقللوا عدد المنكوحات، لأنّ من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فهو غير متحرّج ولا تائب، لأنه إنما وجب أن يُتحرج من الذنب ويُتاب منه لقبحه، والقبح قائم في كل ذنب، وقيل: كانوا لا يتحرّجون من الزنا وهم يتحرّجون من ولاية اليتامى، فقيل: إن خفتم الجور في حق اليتامى فخافوا الزنا.

فانكحوا ما حلّ لكم من النساء، ولا تحوموا حول المحرّمات.

وقيل: كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال أو يكون وليها، فيتزوجها ضناً بها عن غيره، فربما اجتعمت عنده عشر منهن، فيخاف- لضعفهن وفقد من يغضب لهن- أن يظلمهنّ حقوقهن ويفرط فيما يجب لهنَّ، فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم.

ويقال للإناث اليتامى كما يقال للذكور، وهو جمع يتيمة على القلب، كما قيل: أيامى، والأصل: أيائم ويتائم.

وقرأ النخعي ﴿ تقسطوا ﴾ بفتح التاء على أن لا مزيدة مثلها في ﴿ لّئَلاَّ يَعْلَمَ ﴾ [الحديد: 29] يريد: وإن خفتم أن تجوروا ﴿ مَا طَابَ ﴾ ما حلّ ﴿ لَكُمْ مّنَ النساء ﴾ لأنّ منهن ما حرم كاللاتي في آية التحريم.

وقيل: (ما) ذهاباً إلى الصفة.

ولأن الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير العقلاء: ومنه قوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ ﴿ مثنى وثلاث وَرُبَاعَ ﴾ معدولة عن أعداد مكررة، وإنما منعت الصرف لما فيها من العدلين: عدلها عن صيغها، وعدلها عن تكررها، وهي نكرات يعرّفن بلام التعريف.

تقول: فلان ينكح المثنى والثلاث والرباع، ومحلهن النصب على الحال مما طاب، تقديره: فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد، ثنتين ثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً.

فإن قلت: الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع، فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع؟

(قلت): الخطاب للجميع، فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له، كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال- وهو ألف درهم- درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة.

ولو أفردت لم يكن له معنى.

فإن قلت: فلم جاء العطف بالواو دون أو؟

قلت: كما جاء بالواو في المثال الذي حذوته لك.

ولو ذهبت تقول: اقتسموا هذا المال درهمين درهمين، أو ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة: أعلمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة، وليس لهم أن يجمعوا بينها فيجعلوا بعض القسم على تثنية، وبعضه على تثليث، وبعضه على تربيع.

وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو.

وتحريره: أنّ الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها من النساء على طريق الجمع، إن شاؤوا مختلفين في تلك الأعداد، وإن شاؤوا متفقين فيها، محظوراً عليهم ما وراء ذلك.

وقرأ إبراهيم: وثلث وربع، على القصر من ثلاث ورباع ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ﴾ بين هذه الأعداد كما خفتم ترك العدل فيما فوقها ﴿ فواحدة ﴾ فالزموا: أو فاختاروا واحدة وذروا الجمع رأساً.

فإن الأمر كله يدور مع العدل، فأينما وجدتم العدل فعليكم به.

وقرئ ﴿ فواحدةٌ ﴾ بالرفع على: فالمقنع واحدة، أو فكفت واحدة، أو فحسبكم واحدة ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ سوّى في السُّهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين الإماء، من غير حصر ولا توقيت عدد.

ولعمري أنهنّ أقل تبعة وأقصر شغباً وأخف مؤنة من المهائر، لا عليك أكثرت منهن أم أقللت، عدلت بينهن في القسم أم لم تعدل، عزلت عنهن أم لم تعزل.

وقرأ ابن أبي عبلة.

﴿ من ملكت ﴾ ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى اختيار الواحدة والتسري ﴿ أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ أقرب من أن لا تميلوا، من قولهم: عال الميزان عولاً، إذا مال.

وميزان فلان عائل، وعال الحاكم في حكمه إذا جار.

وروى أن أعرابياً حكم عليه حاكم فقال له: أتعول عليّ.

وقد روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تعولوا: أن لا تجوروا» والذي يحكى عن الشافعي رحمه الله أنه فسر (أن لا تعولوا) أن لا تكثر عيالكم.

فوجهه أن يجعل من قولك: عال الرجل عياله يعولهم، كقولهم: مانهم يمونهم، إذا أنفق عليهم، لأنّ من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الكسب وحدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب.

وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين، حقيقي بالحمل على الصحة والسداد، وأن لا يظنّ به تحريف تعيلوا إلى تعولوا، فقد روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تظنن بكلمة خرجت من فِي أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً.

وكفى بكتابنا المترجم بكتاب (شافي العيِّ، من كلام الشافعي) شاهداً بأنه كان أعلى كعباً وأطول باعاً في علم كلام العرب، من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكن للعلماء طرقاً وأساليب.

فسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات.

فإن قلت: كيف يقل عيال من تسرى، وفي السرائر نحو ما في المهائر؟

قلت: ليس كذلك، لأن الغرض بالتزوّج التوالد والتناسل بخلاف التسري، ولذلك جاز العزل عن السراري بغير أذنهن، فكان التسري مظنة لقلة الولد بالإضافة إلى التزوج، كتزوّج الواحدة بالإضافة إلى تزوج الأربع.

وقرأ طاوس: ﴿ أن لا تعيلوا ﴾ ، من أعال الرجل إذا كثر عياله.

وهذه القراءة تعضد تفسير الشافعي رحمه الله من حيث المعنى الذي قصده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ أيْ إنْ خِفْتُمْ أنْ لا تَعْدِلُوا في يَتامى النِّساءِ إذا تَزَوَّجْتُمْ بِهِنَّ، فَتَزَوَّجُوا ما طابَ لَكم مِن غَيْرِهِنَّ.

إذْ كانَ الرَّجُلُ يَجِدُ يَتِيمَةً ذاتَ مالٍ وجَمالٍ فَيَتَزَوَّجُها ضَنًّا بِها، فَرُبَّما يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ مِنهُنَّ عَدَدٌ ولا يَقْدِرُ عَلى القِيامِ بِحُقُوقِهِنَّ.

أوْ إنْ خِفْتُمْ أنْ لا تَعْدِلُوا في حُقُوقِ اليَتامى فَتَحَرَّجْتُمْ مِنها فَخافُوا أيْضًا أنْ لا تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ فانْكِحُوا مِقْدارًا يُمْكِنُكُمُ الوَفاءُ بِحَقِّهِ، لِأنَّ المُتَحَرِّجَ مِنَ الذَّنْبِ يَنْبَغِي أنْ يَتَحَرَّجَ مِنَ الذُّنُوبِ كُلِّها عَلى ما رُوِيَ: «أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظُمَ أمْرُ اليَتامى تَحَرَّجُوا مِن وِلايَتِهِمْ وما كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن تَكْثِيرِ النِّساءِ وإضاعَتِهِنَّ فَنَزَلَتْ.» وَقِيلَ: كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن وِلايَةِ اليَتامى ولا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الزِّنى، فَقِيلَ لَهم إنْ خِفْتُمْ أنْ لا تَعْدِلُوا في أمْرِ اليَتامى فَخافُوا الزِّنى، فانْكِحُوا ما حَلَّ لَكم.

وَإنَّما عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِما ذَهابًا إلى الصِّفَةِ أوْ إجْراءِ لَهُنَّ مَجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ لِنُقْصانِ عَقْلِهِنَّ، ونَظِيرُهُ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكم وقُرِئَ «تَقْسِطُواْ» بِفَتْحِ التّاءِ عَلى أنَّ «لا» مَزِيدَةٌ أيْ إنْ خِفْتُمْ أنْ تَجُورُوا.

﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ مَعْدُولَةٌ عَنْ أعْدادٍ مُكَرَّرَةٍ وهِيَ: ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ، وثَلاثًا ثَلاثًا، وأرْبَعًا أرْبَعًا.

وهي غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ لِلْعَدْلِ والصِّفَةِ فَإنَّها بُنِيَتْ صِفاتٍ وإنْ كانَتْ أُصُولُها لَمْ تُبْنَ لَها.

وقِيلَ لِتَكْرِيرِ العَدْلِ فَإنَّها مَعْدُولَةٌ بِاعْتِبارِ الصِّفَةِ والتَّكْرِيرِ، مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ طابَ ومَعْناها: الإذْنُ لِكُلِّ ناكِحٍ يُرِيدُ الجَمْعَ أنْ يَنْكِحَ ما شاءَ مِنَ العَدَدِ المَذْكُورِ مُتَّفِقِينَ فِيهِ ومُخْتَلِفِينَ كَقَوْلِكَ: اقْتَسَمُوا هَذِهِ البُدْرَةَ دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ، وثَلاثَةً ثَلاثَةً، ولَوْ أُفْرِدَتْ كانَ المَعْنى تَجْوِيزَ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الأعْدادِ دُونَ التَّوْزِيعِ ولَوْ ذُكِرَتْ بِأوْ لَذَهَبَ تَجْوِيزُ الِاخْتِلافِ في العَدَدِ.

﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا ﴾ بَيْنَ هَذِهِ الأعْدادِ أيْضًا.

﴿ فَواحِدَةً ﴾ فاخْتارُوا أوْ فانْكِحُوا واحِدَةً وذَرُوا الجَمْعَ.

وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ مَحْذُوفٌ أوْ خَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ فَتَكْفِيكم واحِدَةٌ، أوْ فالمُقْنِعُ واحِدَةٌ.

﴿ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ سِوى بَيْنِ الواحِدَةِ مِنَ الأزْواجِ والعَدَدِ مِنَ السَّرارِي لِخِفَّةِ مُؤَنِهِنَّ وعَدَمِ وُجُوبِ القَسَمِ بَيْنَهُنَّ ﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ التَّقْلِيلُ مِنهُنَّ أوِ اخْتِيارُ الواحِدَةِ أوِ التَّسَرِّي.

﴿ أدْنى ألا تَعُولُوا ﴾ أقْرَبُ مِن أنْ لا تَمِيلُوا، يُقالُ عالَ المِيزانُ إذا مالَ وعالَ الحاكِمُ إذا جارَ، وعَوْلُ الفَرِيضَةِ المَيْلُ عَنْ حَدِّ السِّهامِ المُسَمّاةِ.

وفُسِّرَ بِأنْ لا تَكْثُرَ عِيالُكم عَلى أنَّهُ مِن عالَ الرَّجُلُ عِيالَهُ يَعُولُهم إذا مانَهُمْ، فَعَبَّرَ عَنْ كَثْرَةِ العِيالِ بِكَثْرَةِ المُؤَنِ عَلى الكِنايَةِ.

ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ «أنْ لا تَعِيلُوا» مِن أعالَ الرَّجُلُ إذا كَثُرَ عِيالُهُ، ولَعَلَّ المُرادَ بِالعِيالِ الأزْواجُ وإنْ أُرِيدَ الأوْلادُ فَلِأنَّ التَّسَرِّيَ مَظِنَّةُ قِلَّةِ الوَلَدِ بِالإضافَةِ إلى التَّزَوُّجِ لِجَوازِ العَزْلِ فِيهِ كَتَزَوُّجِ الواحِدَةِ بِالإضافَةِ إلى تَزَوُّجِ الأرْبَعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ} أي لا تعدلوا أقسط أي عدل {فِى اليتامى} يقال للإناث اليتامى كما يقال للذكور وهو جمع يتيمة ويتيم وأما أيتام فجمع يتيم لا غير {فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ} ما حل لكم {من النساء} لأن منهن ما حرم الله

النساء (٣ _ ٤)

كاللاتى فى آية التحريم وقيل ماذهابا إلى الصفة لأن ما يجئ في صفات من يعقل فكأنه قيل الطيبات من النساء ولأن الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير العقلاء ومنه قوله تعالى {أو ما ملكت أيمانكم} قبل كانوا لا يتحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى فقيل إن خفتم الجور في حق اليتامى فخافوا الزنا فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات اوكانوا يتحرجون من الولاية في أموال اليتامى ولا يتحرجون من الاستكثار من النسار مع أن الجور يقع بينهن إذا كثرن فكأنه قيل إذا تحرجتم من هذا فتحرجوا من ذلك وقيل وإن خفتم أن لا تقسطوا في نكاح اليتامى فانكحوا من البالغات يقال طابت الثمرة

أي أدركت {مثنى وثلاث وَرُبَاعَ} نكرات وإنما منعت الصرف للعدل والوصف وعليه دل كلام سيبويه ومجلهن النصب على الحال من النساء أو مما طاب تقديره فانكحوا الطيات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثاً ثلاثا وأربعا أربعا فإن قالت الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين اثنتين أو ثلاث أو أربع فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع قلت الخطاب للجميع فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له كما تقول للجماعة اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة ولو أفردت لم يكن له معنى وجئ بالواو لتدل على تجويز الجمع بين الفرق ولو جئ بأو مكانها لذهب معنى التجويز {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ} بين هذه الأعداد {فواحدة} فالزموا أو فاختاروا واحدة {أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم} سوّى في اليسر بين الحرة الواحدة وبين الإماء من غير حصر {ذلك} إشارة إلى اختيار الواحدة والتسري {أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ} أقرب من أن لا تميلوا أو لا تجوروا يقال علا الميزان عولاً إذا مال وعال الحاكم في حكمه إذا جار ويحكى عن الشافعى رحمه الله نه فسر أن لا تعولوا أن لا تكثر عيالكم واعترضوا عليه بأنه يقال أعال يعيل إذا كثر عياله وأجيب بأن يجعل من قولك عال الرجل عياله يعولهم كقولك مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال وكلام مثله من أعلام العلم حفيق بالحمل على السداد وأن لا يظن به تحريف تعيلوا إلى تعولوا كأنه سلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ شُرُوعٌ في النَّهْيِ عَنْ مُنْكَرٍ آخَرَ كانُوا يُباشِرُونَهُ مُتَعَلِّقٍ بِأنْفُسِ اليَتامى أصالَةً وبِأمْوالِهِمْ تَبَعًا عَقِيبَ النَّهْيِ عَمّا يَتَعَلَّقُ بِأمْوالِهِمْ خاصَّةً، وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ لِقِلَّةِ وُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الأمْوالِ ونُزُولِهِ مِنهُ مَنزِلَةَ المُرَكَّبَ مِنَ المُفْرَدِ مَعَ كَوْنِ المُرادِ مِنَ اليَتامى هُنا صِنْفًا مِمّا أُرِيدَ مِنهُ فِيما تَقَدَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَزَوَّجُونَ مَن تَحِلُّ لَهم مِن يَتامى النِّساءِ اللّاتِي يَلُونَهم لَكِنْ لا رَغْبَةَ فِيهِنَّ بَلْ في مالِهِنَّ ويُسِيئُونَ صُحْبَتَهُنَّ ويَتَرَبَّصُونَ بِهِنَّ أنْ يَمُتْنَ فَيَرِثُوهُنَّ فَوُعِظُوا في ذَلِكَ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، وأخْرَجَ هَؤُلاءِ مِن طَرِيقٍ آخَرَ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَتْ: يا ابْنَ أُخْتِي هَذِهِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ ولَيِّها يَشْرَكُها في مالِها ويُعْجِبُهُ مالُها وجَمالُها فَيُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَها مِن غَيْرِ أنْ يَقْسِطَ في صَداقِها فَيُعْطِيَها مِثْلَ ما يُعْطِيها غَيْرُهُ فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ ويَبْلُغُوا بِهِنَّ أعْلى سَنَتِهِنَّ في الصَّداقِ وأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا ما طابَ لَهم مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ، فالمُرادُ مِنَ اليَتامى المُتَزَوَّجِ بِهِنَّ والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ الجَوابِ فَإنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ والرَّبْطُ يَقْتَضِيهِ ومِنَ النِّساءِ غَيْرُ اليَتامى كَما صَرَّحَتْ بِهِ الحُمَيْراءُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لِدَلالَةِ المَعْنى وإشارَةِ لَفْظِ النِّساءِ إلَيْهِ، والإقْساطُ العَدْلُ والإنْصافُ، وجَعَلَ بَعْضَ الهَمْزَةِ فِيهِ لِلْإزالَةِ فَأصْلُ مَعْناهُ حِينَئِذٍ إزالَةُ القُسُوطِ أيِ الظُّلْمِ والحَيْفِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ تَقْسِطُوا بِفَتْحِ التّاءِ فَقِيلَ: هو مِن قَسَطَ بِمَعْنى جارَ وظَلَمَ، ومِنهُ ﴿ وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴾ ولا مَزِيدَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ ﴾ ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى أقْسَطَ فَإنَّ الزَّجّاجَ حَكى أنَّ قَسَطَ بِلا هَمْزٍ تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ أقْسَطَ.

واليَتامى جَمْعُ يَتِيمَةٍ عَلى القَلْبِ كَما قِيلَ أيامى والأصْلُ أيائِمُ ويَتائِمُ وهو كَما يُقالُ لِلذُّكُورِ يُقالُ لِلْإناثِ، والمُرادُ مِنَ الخَوْفِ العِلْمُ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ إيذانًا بِكَوْنِ المَعْلُومِ مَخُوفًا مَحْذُورًا لا مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ لِأنَّ الَّذِي عَلِقَ بِهِ الجَوابُ هو العِلْمُ بِوُقُوعِ الجَوْرِ المُخَوِّفِ لا الخَوْفُ مِنهُ وإلّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ شامِلًا لِمَن يَصْبِرُ عَلى الجَوْرِ ولا يَخافُهُ، وإنَّ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ فَإنْ لَمْ تُقَدَّرْ مَن كانَ مَنصُوبًا وكانَ الفِعْلُ واصِلًا إلَيْهِ بِنَفْسِهِ وإنْ قُدِّرَتْ جازَ فِيهِ أمْرانِ: النَّصْبُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجَرُّ عِنْدَ الخَلِيلِ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ وما بَعْدَها صِلَتُها أوْ صِفَتُها، وأُوثِرَتْ عَلى مَن ذَهابًا إلى الوَصْفِ مِنَ البِكْرِ أوِ الثَّيِّبِ مَثَلًا، وما تَخْتَصُّ أوْ تَغْلِبُ في غَيْرِ العُقَلاءِ فِيما إذا أُرِيدَ الذّاتُ، وأمّا إذا أُرِيدَ الوَصْفُ فَلا كَما تَقُولُ: ما زَيْدٌ؟

في الِاسْتِفْهامِ، أيْ أفاضِلٌ أمْ كَرِيمٌ؟

وأكْرِمْ ما شِئْتَ مِنَ الرِّجالِ تَعْنِي الكَرِيمَ أوِ اللَّئِيمَ.

وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّها هُنا مَصْدَرِيَّةٌ وأنَّ المَصْدَرَ المُقَدَّرَ بِها وبِالفِعْلِ مُقَدَّرٌ بِاسْمِ الفاعِلِ أيْ أنْكِحُوا الطَّيِّبَ مِنَ النِّساءِ وهو تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّ إيثارَها عَلى مِن بِناءً عَلى أنَّ الإناثَ مِنَ العُقَلاءِ يُجْرِينَ مَجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ لِما رُوِيَ في حَقِّهِنَّ أنَّهُنَّ ناقِصاتُ عَقْلٍ ودِينٍ، وفِيهِ أنَّهُ مُخِلٌّ بِمَقامِ التَّرْغِيبِ فِيهِنَّ، ومِن بَيانِيَّةٌ، وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ، والمُرادُ مِمّا طابَ لَكم ما مالَتْ لَهُ نُفُوسُكم واسْتَطابَتْهُ، وقِيلَ: ما حَلَّ لَكم، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْعائِشَةَ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو مالِكٍ، واعْتَرَضَهُ الإمامُ بِأنَّهُ في قُوَّةِ أُبِيحُ المُباحَ، وأيْضًا يَلْزَمُ الإجْمالُ حَيْثُ لا يُعْلَمُ المُباحُ مِنَ الآيَةِ، وآثَرَ الحَمْلَ عَلى الأوَّلِ ويَلْزَمُ التَّخْصِيصُ وجَعَلَهُ أوْلى مِنَ الإجْمالِ، وأجابَ المُدَقِّقُ في «الكَشْفِ» بِأنَّ المُبَيَّنَ تَحْرِيمُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ ﴾ إلَخْ إنْ كانَ مُقَدَّمَ النُّزُولِ فَلا إجْمالَ ولا تَخْصِيصَ لِأنَّ المَوْصُولَ جارٍ مَجْرى المُعَرَّفِ بِاللّامِ، والحَمْلُ عَلى العَهْدِ في مِثْلِهِ هو الوَجْهُ وإلّا فالإجْمالُ المُؤَخَّرُ بَيانُهُ أوْلى مِنَ التَّخْصِيصِ بِغَيْرِ المُقارَنِ لِأنَّ تَأْخِيرَ بَيانِ المُجْمَلِ جائِزٌ عِنْدَ الفَرِيقَيْنِ، وتَأْخِيرُ بَيانِ التَّخْصِيصِ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ أكْثَرِ الحَنَفِيَّةِ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ما طابَ لَكم ما لا تُحْرَجُ مِنهُ لِأنَّهُ في مُقابِلِ المُتَحَرِّجِ مِنهُ مِنَ اليَتامى ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وكَيْفَما كانَ فالتَّعْبِيرُ عَنِ الأجْنَبِيّاتِ بِهَذا العُنْوانِ فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في الِاسْتِمالَةِ إلَيْهِنَّ والتَّرْغِيبِ فِيهِنَّ ما لا يَخْفى، والسِّرُّ في ذَلِكَ الِاعْتِناءُ بِصَرْفِ المُخاطَبِينَ عَنْ نِكاحِ اليَتامى عِنْدَ خَوْفِ عَدَمِ العَدْلِ رِعايَةً لِيُتْمِهِنَّ وجَبْرًا لِانْكِسارِهِنَّ ولِهَذا الِاعْتِناءِ أُوثِرَ الأمْرُ بِنِكاحِ الأجْنَبِيّاتِ عَلى النَّهْيِ عَنْ نِكاحِهِنَّ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ وذَلِكَ لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ اللُّطْفِ في اسْتِنْزالِهِمْ فَإنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلى الحِرْصِ عَلى ما مَنَعَتْ مِنهُ، ووَجْهُ النَّهْيِ الضِّمْنِيِّ إلى النِّكاحِ المُتَرَقَّبِ مَعَ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ هو النِّكاحُ المُحَقَّقُ عَلى ما فَهْمِهِ البَعْضُ مِنَ الأخْبارِ، ودَلَّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَها وكانَ لَها عَذْقٌ فَكانَ يُمْسِكُها عَلَيْهِ ولَمْ يَكُنْ لَها مِن نَفْسِهِ شَيْءٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وإنْ خِفْتُمْ ﴾ » إلَخْ لِما فِيهِ مِنَ المُسارَعَةِ إلى دَفْعِ الشَّرِّ قَبْلَ وُقُوعِهِ فَرُبَّ واقِعٍ لا يُرْفَعُ، والمُبالَغَةُ في بَيانِ حالِ النِّكاحِ المُحَقَّقِ فَإنَّ مَحْظُورِيَّةَ المُتَرَقِّبِ حَيْثُ كانَ لِلْجَوْرِ المُتَرَقَّبِ فِيهِ فَمَحْظُورِيَّةُ المُحَقِّقِ مَعَ تَحَقُّقِ الجَوْرِ فِيهِ أوْلى، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ مَن طابَ وفي بَعْضِ المَصاحِفِ كَما في «الدُّرِّ المَنثُورِ» ما طِيبَ لَكم بِالياءِ، وفي الآيَةِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ دَلِيلٌ لِجَوازِ نِكاحِ اليَتِيمَةِ وهي الصَّغِيرَةُ إذْ يَقْتَضِي جَوازُهُ إلّا عِنْدَ خَوْفِ الجَوْرِ.

وقَدْ بَسُطَ الكَلامُ في كُتُبِ الفِقْهِ عَلى ولِيِّ النِّكاحِ، ومَذْهَبُ الإمامِ مالِكٍ أنَّ اليَتِيمَةَ الصَّغِيرَةَ لا تُزَوَّجُ إذْ لا إذَنْ لَها وعِنْدَهُ خِلافٌ في تَزْوِيجِ الوَصِيِّ لَها إذا جَعَلَ لَهُ الأبُ الإجْبارَ أوْ فَهم عَنْهُ ذَلِكَ، والمَشْهُورُ أنَّ لَهُ ذَلِكَ فَيَحْمِلُ اليَتامى في الآيَةِ عَلى الحَدِيثاتِ العَهْدِ بِالبُلُوغِ، واسْمُ اليَتِيمِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ.

﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ مَنصُوبَةً عَلى الحالِ مِن فاعِلِ طابَ المُسْتَتِرِ، أوْ مِن مَرْجِعِهِ، وجَوَّزَ العَلامَةُ كَوْنَها حالًا مِنَ النِّساءِ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ مِن بَيانِيَّةً، وذَهَبَ أبُو البَقاءِ إلى كَوْنِها بَدَلًا مِن ما وإلى الحالِيَّةِ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ وهو المَذْهَبُ المُخْتارُ، والكُوفِيُّونَ لَمْ يُجَوِّزُوا ذَلِكَ لِأنَّها مَعارِفُ عِنْدِهِمْ، وأوْجَبُوا في هَذا المَقامِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو البَقاءِ، وهي مَمْنُوعَةٌ مِنَ الصَّرْفِ عَلى الصَّحِيحِ، وجَوَّزَ الفَرّاءُ صَرْفَها والمَذاهِبُ المَنقُولَةُ في عِلَّةِ مَنعِ صَرْفِها أرْبَعَةٌ: أحَدُها: قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ وأبِي عَمْرٍو: إنَّهُ العَدْلُ والوَصْفُ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ الوَصْفِيَّةَ في أسْماءِ العَدَدِ عارِضَةٌ وهي لا تَمْنَعُ الصَّرْفُ، وأُجِيبُ بِأنَّها وإنَّ عَرَضَتْ في أصْلِها فَهي نَقَلَتْ عَنْها بَعْدَ مُلاحَظَةِ الوَصْفِ العارِضِ فَكانَ أصْلِيًّا في هَذِهِ دُونَ أصْلِها ولا يَخْلُو عَنْ نَظَرٌ، والثّانِي قَوْلُ الفَرّاءِ: إنَّها مُنِعَتْ لِلْعَدْلِ والتَّعْرِيفِ بِنِيَّةِ الألِفِ واللّامِ ولِذا لَمْ تَجُزْ إضافَتُها ولا دُخُولُ ألْ عَلَيْها، والثّالِثُ: ما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّها مَعْدُولَةٌ عَنِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وثَلاثَةٍ ثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ أرْبَعَةٍ، فَعَدَلَتْ عَنْ ألْفاظِ العَدَدِ وعَنِ المُؤَنَّثِ إلى المُذَكَّرِ فَفِيها عَدْلانِ وهُما سَبَبانِ، والرّابِعُ: ما نَقَلَهُ أبُو الحَسَنِ عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ العِلَّةَ المانِعَةَ مِنَ الصَّرْفِ تَكْرارُ العَدْلِ فِيهِ لِأنَّ مَثْنى مَثَلًا عُدِّلَتْ عَنْ لَفْظِ اثْنَيْنِ ومَعْناهُ لِأنَّها لا تُسْتَعْمَلُ في مَوْضِعٍ تُسْتَعْمَلُ فِيهِ إذْ لا تَلِي العَوامِلَ وإنَّما تَقَعُ بَعْدَ جَمْعٍ إمّا خَبَرًا أوْ حالًا أوْ وصْفًا، وشَذَّ أنْ تَلِيَ العَوامِلَ وأنْ تُضافَ، وزادَ السَّفاقِسِيُّ في عِلَّةِ المَنعِ خامِسًا: وهو العَدْلُ مِن غَيْرِ جِهَةِ العَدْلِ لِأنَّ بابَ العَدْلِ أنْ يَكُونَ في المَعارِفِ وهَذا عَدْلٌ في النَّكِراتِ، وسادِسًا: وهو العَدْلُ والجَمْعُ لِأنَّهُ يَقْتَضِي التَّكْرارَ فَصارَ في مَعْنى الجَمْعِ، وقالَ: زادَ هَذَيْنِ ابْنُ الصّائِغِ في «شَرْحِ الجُمَلِ»، وجاءَ آحادٌ ومُوَحَّدٌ، وثُناءٌ ومَثْنى، وثُلاثٌ ومَثْلَثٌ، ورُباعٌ ومَرْبَعٌ، ولَمْ يَسْمَعْ فِيما زادَ عَلى ذَلِكَ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ إلّا في قَوْلِ الكُمَيْتِ: ولَمْ يَسْتُرْ يَثُوكَ حَتّى رَمَيْتَ فَوْقَ الرِّجالِ خِصالًا ”عِشارًا“ ومِن هُنا أعابُوا عَلى المُتَنَبِّيِّ قَوْلَهُ: أُحادٌ أمْ ”سُداسٌ“ في أُحادٍ ∗∗∗ لِيَيْلَتِنا المَنُوطَةِ بِالتَّنادِ ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ خُماسٌ ومُخَمَّسٌ إلى آخِرِ العَقْدِ قِياسًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ، واخْتِيرَ التَّكْرارُ والعَطْفُ بِالواوِ لِتَفَهُّمِ الآيَةِ أنَّ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ أنْ يَخْتارَ مِن هَذِهِ الأعْدادِ المَذْكُورَةِ أيَّ عَدَدٍ شاءَ إذْ هو المَقْصُودُ لا أنَّ بَعْضَها لِبَعْضٍ مِنهم والبَعْضَ الآخَرِ لِآخَرَ، ولَوْ أفْرَدْتَ الأعْدادَ لَفُهِمَ مِن ذَلِكَ تَجْوِيزُ الجَمْعِ بَيْنَ تِلْكَ الأعْدادِ دُونَ التَّوْزِيعِ ولَوْ ذُكِرَتْ بِكَلِمَةِ أوْ لَفاتَ تَجْوِيزُ الِاخْتِلافِ في العَدَدِ بِأنْ يَنْكِحَ واحِدٌ اثْنَتَيْنِ، وآخَرُ ثَلاثًا أوْ أرْبَعًا وما قِيلَ: إنَّهُ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ الذِّهْنُ لِأنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ لِأنَّ الكَلامَ في الظّاهِرِ الَّذِي هو نُكْتَةُ العُدُولِ؛ وادَّعى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لَوْ أتى مِنَ الأعْدادِ بِما لا يَدُلُّ عَلى التَّكْرارِ لَمْ يَصِحَّ جَعْلُهُ حالًا مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأنَّ جَمِيعَ الطَّيِّباتِ لَيْسَ حالُها أنَّها اثْنانِ ولا حالُها أنَّها ثَلاثَةٌ، وكَذا لَوْ قِيلَ: اقْتَسِمُوا هَذا المالَ الَّذِي هو ألْفُ دِرْهَمٍ دِرْهَمًا واثْنَيْنِ وثَلاثَةً وأرْبَعَةً لَمْ يَصِحَّ جَعْلُ العَدَدِ حالًا مِنَ المالِ الَّذِي هو ألْفُ دِرْهَمٍ لِأنَّ حالَ الألْفِ لَيْسَ ذَلِكَ بِخِلافِ ما إذا كُرِّرَ فَإنَّ المَقْصُودَ حِينَئِذٍ التَّفْصِيلُ في حُكْمِ الِانْقِسامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فانْكِحُوا الطَّيِّباتِ لَكم مُفَصَّلَةً ومُقَسَّمَةً إلى ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ، وثَلاثًا ثَلاثًا، وأرْبَعًا أرْبَعًا، واقْتَسِمُوا هَذا المالَ الَّذِي هو ألْفُ دِرْهَمٍ مُفَصَّلًا ومُقَسَّمًا إلى دِرْهَمٍ دِرْهَمٍ، واثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وثَلاثَةٍ ثَلاثَةٍ، وأرْبَعَةٍ أرْبَعَةٍ، وبِهَذا يَظْهَرُ فَسادُ ما قِيلَ: مِن أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ ومَثْنى في صِحَّةِ الحالِيَّةِ لِأنَّ انْفِهامَ الِانْقِسامِ ظاهِرٌ مِنَ الثّانِي دُونَ الأوَّلِ كَما لا يَخْفى، وأنَّهُ إنَّما أتى بِالواوِ دُونَ أوْ لِيُفِيدَ الكَلامَ أنْ تَكُونَ الأقْسامُ عَلى هَذِهِ الأنْواعِ غَيْرَ مُتَجاوِزٍ إيّاها إلى ما فَوْقَها لا أنْ تَكُونَ عَلى أحَدِ هَذِهِ الأنْواعِ غَيْرِ مَجْمُوعٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنها وذَلِكَ بِناءًا عَلى أنَّ الحالَ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الفِعْلِ، والقَيْدُ في الكَلامِ نَفْيٌ لِما يُقابِلُهُ والواوُ لَيْسَتْ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ أوِ الأُمُورِ كَأوْ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ مِن جَوازِ التِّسْعِ تَمَسُّكًا بِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ فَيَجُوزُ الثُّنَّتانِ والثَّلاثُ والأرْبَعُ وهي تِسْعٌ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن نَكَحَ الخَمْسَ أوْ ما فَوْقَها لَمْ يُحافِظْ عَلى القَيْدِ أعْنِي كَيْفِيَّةَ النِّكاحِ وهي كَوْنُهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّفْصِيلِ بَلْ جاوَزَهُ إلى ما فَوْقَهُ، ولَعَلَّ هَذا مُرادُ القُطْبِ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَتَمَ الأعْدادَ عَلى الأرْبَعَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ الزِّيادَةُ عَلَيْها وإلّا لَكانَ نِكاحُهم خَمْسًا خَمْسًا؛ فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: اللُّزُومُ مَمْنُوعٌ لِعَدَمِ دَلالَةِ الكَلامِ عَلى الحَصْرِ فَإنَّ الإنْسانَ إذا قالَ لِوَلَدِهِ: افْعَلْ ما شِئْتَ اذْهَبْ إلى السُّوقِ وإلى المَدْرَسَةِ وإلى البُسْتانِ كانَ هَذا تَنْصِيصًا في تَفْوِيضِ زِمامِ الِاخْتِيارِ إلَيْهِ مُطْلَقًا ورَفْعِ الحَجَرِ عَنْهُ ولا يَكُونُ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لِلْإذْنِ بِتِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ بَلْ كانَ إذْنًا في المَذْكُورِ وغَيْرِهِ فَكَذا هُنا؛ وأيْضًا ذِكْرُ جَمِيعِ الأعْدادِ مُتَعَذِّرٌ فَإذا ذُكِرَ بَعْضُ الأعْدادِ بَعْدَ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى حُصُولِ الإذْنِ في جَمِيعِ الأعْدادِ كَلامٌ لَيْسَ في مَحَلِّهِ، وفَرْقٌ ظاهِرٌ بَيْنَ ما نَحْنُ فِيهِ والمِثالِ الحادِثِ.

وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ شَبَهَ المُجَوَّزِينَ التَّزَوُّجَ بِأيِّ عَدَدٍ أُرِيدَ، وأطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِما يَشْرَحُ الصَّدْرَ ويُرِيحُ الفِكْرَ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: «إنَّ قَوْمًا شُذّاذًا ذَهَبُوا إلى جَوازِ التَّزَوُّجِ بِأيِّ عَدَدٍ واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والخَبَرِ، أمّا القُرْآنُ فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ بِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ إطْلاقٌ في جَمِيعِ الأعْدادِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لا عَدَدَ إلّا ويَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ مِنهُ، وحُكْمُ الِاسْتِثْناءِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَكانَ داخِلًا، والثّانِي: أنَّ ( ﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ ) لا يَصْلُحُ مُخَصَّصًا لِذَلِكَ العُمُومِ لِأنَّ التَّخْصِيصَ بِالبَعْضِ لا يَنْفِي ثُبُوتَ الحُكْمِ في الباقِي، والثّالِثُ: أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ المُطْلَقِ فَمَثْنى وثُلاثُ ورُباعُ يُفِيدُ حَلَّ المَجْمُوعِ وهو تِسْعٌ بَلْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ.

وأمّا الخَبَرُ فَمِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ماتَ عَنْ تِسْعٍ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا بِاتِّباعِهِ فَقالَ: (واتَّبِعُوهُ) وأقَلُّ مَراتِبِ الأمْرِ الإباحَةُ، الثّانِي: أنَّ سُنَّةَ الرَّجُلِ طَرِيقَتُهُ والتَّزَوُّجُ بِالأكْثَرِ مِنَ الأرْبَعِ طَرِيقَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَكانَ ذَلِكَ سُنَّةً لَهُ ثُمَّ إنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وظاهِرُ الحَدِيثِ يَقْتَضِي تَوَجُّهَ الذَّمِّ عَلى مَن تَرَكَ التَّزَوُّجَ بِالأكْثَرِ مِنَ الأرْبَعِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَثْبُتَ أصْلُ الجَوازِ، ثُمَّ قالَ: واعْلَمْ أنَّ مُعْتَمَدَ الفُقَهاءِ في إثْباتِ الحَسْرِ عَلى أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: الخَبَرُ، وهو ما رُوِيَ «أنَّ غَيْلانَ أسْلَمَ وتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”أمْسِكْ أرْبَعًا وفارِقْ سائِرَهُنَّ“» وهَذا الطَّرِيقُ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ الأوَّلُ: أنَّ القُرْآنَ لَمّا دَلَّ عَلى عَدَمِ الحَصْرِ ”فَلَوْ أثْبَتْنا الحَصْرَ“ بِهَذا الخَبَرِ كانَ ذَلِكَ نَسْخًا لِلْقُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، والثّانِي: أنَّهُ  لَعَلَّهُ إنَّما أمَرَ بِإمْساكِ أرْبَعٍ ومُفارَقَةِ البَواقِي لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأرْبَعِ والبَواقِي غَيْرُ جائِزٍ إمّا بِسَبَبِ النَّسَبِ أوْ بِسَبَبِ الرِّضاعِ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذا الِاحْتِمالُ قائِمٌ في هَذا الخَبَرِ فَلا يُمْكِنُ نَسْخُ القُرْآنِ بِمِثْلِهِ، والأمْرُ الثّانِي هو إجْماعُ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلى الأرْبَعِ وهَذا هو المُعْتَمَدُ لَكِنْ فِيهِ سُؤالانِ: الأوَّلُ: أنَّ الإجْماعَ لا يُنْسَخُ بِهِ، فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّ الإجْماعَ نَسَخَ هَذِهِ الآيَةَ، الثّانِي: أنَّ في الأُمَّةِ أقْوامًا شُذّاذًا لا يَقُولُونَ بِحُرْمَةِ الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ والإجْماعُ عِنْدَ مُخالَفَةِ الواحِدِ والِاثْنَيْنِ لا يَنْعَقِدُ.

وأُجِيبُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ أنَّ الإجْماعَ يَكْشِفُ عَنْ حُصُولِ النّاسِخِ في زَمانِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَنِ الثّانِي أنَّ مُخالِفَ هَذا الإجْماعِ مِن أهْلِ البِدْعَةِ فَلا اعْتِبارَ بِمُخالَفَتِهِ ”فَلا تَضُرُّ في انْعِقادِ الإجْماعِ“» انْتَهى.

ولا يَخْفى ما في احْتِجاجِ الشُّذّاذِ بِالآيَةِ مِنَ النَّظَرِ، ويُعْلَمُ ذَلِكَ مِنَ التَّأمُّلِ فِيما ذَكَرْنا.

وأمّا الِاحْتِجاجُ بِالخَبَرِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ أيْضًا لِأنَّ الإجْماعَ قَدْ وقَعَ عَلى أنَّ الزِّيادَةَ عَلى الأرْبَعِ مِن خُصُوصِيّاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونَحْنُ مَأْمُورُونَ بِاتِّباعِهِ والرَّغْبَةِ في سُنَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في غَيْرِ ما عُلِمَ أنَّهُ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ أمّا فِيما عُلِمَ أنَّهُ مِنها فَلا، وأمّا الأمْرانِ اللَّذانِ اعْتَمَدَ عَلَيْهِما الفُقَهاءُ في هَذا المَقامِ فَفي غايَةِ الإحْكامِ.

والوَجْهُ الأوَّلُ في تَضْعِيفِ الأمْرِ الأوَّلِ مِنهُما يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَ الإمامِ فِيهِ: إنَّ القُرْآنَ لَمّا دَلَّ عَلى عَدَمِ الحَصْرِ إلَخْ مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وقَدْ تَقَدَّمَ ما يُفْهَمُ مِنهُ دَلالَتُهُ عَلى الحَصْرِ؟

وبِتَقْدِيرِ عَدَمِ دَلالَتِهِ عَلى الحَصْرِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الحَصْرِ بَلْ غايَةُ الأمْرِ أنَّهُ يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ الحَصْرَ وعَدَمَهُ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مُجْمَلًا، وبَيانُ المُجْمَلِ بِخَبَرِ الواحِدِ جائِزٌ كَما بُيِّنَ في الأُصُولِ، وما ذُكِرَ في الوَجْهِ الثّانِي مِن وجْهَيِ التَّضْعِيفِ بِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَعَلَّهُ إنَّما أمَرَ بِإمْساكِ أرْبَعٍ ومُفارَقَةِ البَواقِي لِأنَّ الجَمْعَ غَيْرُ جائِزٍ إمّا بِسَبَبِ النَّسَبِ أوْ بِسَبَبِ الرِّضاعِ مِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ مَعَ تَنْكِيرِ أرْبَعًا وثُبُوتِ ««اخْتَرْ مِنهُنَّ أرْبَعًا»» كَما في بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ في حَدِيثِ غَيْلانَ، وكَذا في الحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والنَّحّاسُ عَنْ قَيْسِ بْنِ الحَرْثِ الأسَدِيِّ أنَّهُ قالَ: «أسْلَمْتُ وكانَ تَحْتِي ثَمانُ نِسْوَةٍ فَأخْبَرْتُ النَّبِيَّ  فَقالَ: ”اخْتَرْ مِنهُنَّ أرْبَعًا وخَلِّ سائِرَهُنَّ فَفَعَلْتُ“» فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ دَلالَةً لا مِرْيَةَ فِيها أنَّ المَقْصُودَ إبْقاءُ أيِّ أرْبَعٍ لا أرْبَعٍ مُعَيَّناتٍ، فالِاحْتِمالُ الَّذِي ذَكَرَهُ الإمامُ قاعِدٌ لا قائِمٌ، ولَوِ اعْتُبِرَ مِثْلُهُ قادِحًا في الدَّلِيلِ لَمْ يَبْقَ دَلِيلٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ، نَعَمِ الحَدِيثُ مُشْكِلٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ الأعْظَمُ عَلى ما نَقَلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِيمَن أسْلَمَ وتَحْتَهُ أكْثَرُ مِن أرْبَعِ نِسْوَةٍ مِن أنَّهُ إنْ كانَ العَقْدُ وقَعَ عَلَيْهِنَّ في حالَةٍ واحِدَةٍ فَهو باطِلٌ، وإنْ كانَ في عُقُودٍ صَحَّ النِّكاحُ في الأرْبَعِ الأوائِلِ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ لا اخْتِيارَ، وخالَفَهُ في ذَلِكَ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ وهو بَحْثٌ آخَرُ لَسْنا بِصَدَدِهِ.

وأقْوى الأمْرَيْنِ المُعْتَمَدِ عَلَيْهِما في الحَصْرِ الإجْماعُ فَإنَّهُ قَدْ وقَعَ وانْقَضى عَصْرُ المُجْمِعِينَ قَبْلَ ظُهُورِ المُخالِفِ، ولا يُشْتَرَطُ في الإجْماعِ اتِّفاقُ كُلِّ الأُمَّةِ مِن لَدُنْ بِعْثَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى قِيامِ السّاعَةِ كَما يُوهِمُهُ كَلامُ الإمامِ الغَزالِيِّ، وإلّا لا يُوجَدُ إجْماعٌ أصْلًا، وبِهَذا يُسْتَغْنى عَمّا ذَكَرَهُ الإمامُ الرّازِيُّ وهو أحَدُ مَذاهِبَ في المَسْألَةِ مِن أنَّ مُخالِفَ هَذا الإجْماعِ مِن أهْلِ البِدْعَةِ فَلا اعْتِبارَ بِمُخالَفَتِهِ، فالحَقُّ الَّذِي لا مَحِيصَ عَنْهُ أنَّهُ يُحَرَّمُ الزِّيادَةُ عَلى الأرْبَعِ وبِهِ قالَ الإمامِيَّةُ ورَوَوْا عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يَحِلُّ لِماءِ الرَّجُلِ أنْ يَجْرِيَ في أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أرْحامٍ، وشاعَ عَنْهم خِلافُ ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ قَوْلٌ شاذٌّ عِنْدَهم.

ثُمَّ إنَّ مَشْرُوعِيَّةَ نِكاحِ الأرْبَعِ خاصَّةٌ بِالأحْرارِ، والعَبِيدُ غَيْرُ داخِلِينَ في هَذا الخِطابِ لِأنَّهُ إنَّما يَتَناوَلُ إنْسانًا مَتى طابَتْ لَهُ امْرَأةٌ قَدَرَ عَلى نِكاحِها والعَبْدُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ نِكاحُهُ إلّا بِإذْنِ مَوْلاهُ لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذَنْ مَوْلاهُ فَهو عاهِرٌ» ولِأنَّ في تَنْفِيذِ نِكاحِهِ تَعَيُّبًا لَهُ إذِ النِّكاحُ عَيْبٌ فِيهِ فَلا يَمْلِكُهُ بِدُونِ إذْنِ المَوْلى، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ لا يُمْكِنُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ العَبِيدُ لِعَدَمِ المِلْكِ فَحَيْثُ لَمْ يَدْخُلُوا في هَذا الخِطابِ لَمْ يَدْخُلُوا في الخِطابِ الأوَّلِ لِأنَّ هَذِهِ الخِطاباتِ ورَدَتْ مُتَتالِيَةً عَلى نَسَقٍ واحِدٍ فَبَعِيدٌ أنْ يَدْخُلَ في الخِطابِ السّابِقِ ما لا يَدْخُلُ في اللّاحِقِ وكَذا لا يُمْكِنُ دُخُولُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ لِأنَّ العَبْدَ لا يَأْكُلُ فَيَكُونُ لِسَيِّدِهِ، وخالَفَ في ذَلِكَ الإمامُ مالِكٌ فَأدْخَلَ العَبِيدَ في الخِطابِ، وجَوَّزَ لَهم أنْ يَنْكِحُوا أرْبَعًا كالأحْرارِ ولا يَتَوَقَّفَ نِكاحُهم عَلى الإذْنِ لِأنَّهم يَمْلِكُونَ الطَّلاقَ فَيَمْلِكُونَ النِّكاحَ، ومِنَ الفُقَهاءِ مَنِ ادَّعى أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَتَناوَلُهم إلّا أنَّهُ خَصَّصَ هَذا العُمُومَ بِالقِياسِ لِأنَّ الرِّقَّ لَهُ تَأْثِيرٌ في نُقْصانِ حُقُوقِ النِّكاحِ كالطَّلاقِ والعِدَّةِ، ولَمّا كانَ العَدَدُ مِن حُقُوقِ النِّكاحِ وجَبَ أنْ يُجْعَلَ لِلْعَبْدِ نِصْفُ ما لِلْحُرِّ فِيهِ أيْضًا.

واخْتَلَفُوا في الأمْرِ بِالنِّكاحِ فَقِيلَ لِلْإباحَةِ ولا يَلْغُو ( ﴿ طابَ ﴾ ) إذا كانَ بِمَعْنى حَلَّ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى أُبِيحَ لَكم ما أُبِيحَ هُنا لِأنَّ مَناطَ الفائِدَةِ القَيْدُ وهو العَدَدُ المَذْكُورُ، وقِيلَ: لِلْوُجُوبِ أيْ وُجُوبِ الِاقْتِصارِ عَلى هَذا العَدَدِ لا وُجُوبِ أصْلِ النِّكاحِ فَقَدْ قالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ: «لا يُعْلَمُ أحَدٌ أوْجَبَ النِّكاحَ إلّا داوُدُ ومَن وافَقَهُ مِن أهْلِ الظّاهِرِ، ورِوايَةً عَنْ أحْمَدَ فَإنَّهم قالُوا: يَلْزَمُهُ إذا خافَ العَنَتَ أنْ يَتَزَوَّجَ أوْ يَتَسَرّى قالُوا: وإنَّما يَلْزَمُهُ في العُمْرِ مَرَّةً واحِدَةً ولَمْ يَشْرُطْ بَعْضُهم خَوْفَ العَنَتَ، وقالَ أهْلُ الظّاهِرِ: إنَّما يَلْزَمُهُ التَّزَوُّجُ فَقَطْ ولا يَلْزَمُهُ الوَطْءُ.

.

.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في الأفْضَلِ مِنَ النِّكاحِ وتَرْكِهِ.

وذَكَرَ الإمامُ النَّوَوِيُّ أنَّ النّاسَ في ذَلِكَ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: قِسْمٌ تَتُوقُ إلَيْهِ نَفْسُهُ ويَجِدُ المُؤَنَ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ النِّكاحُ، وقِسْمٌ لا تَتُوقُ ولا يَجِدُ المُؤَنَ فَيُكْرَهُ لَهُ، وقِسْمٌ تَتُوقُ ولا يَجِدُ المُؤَنَ فَيُكْرَهُ لَهُ أيْضًا، وهَذا مَأْمُورٌ بِالصَّوْمِ لِدَفْعِ التَّوَقانِ، وقِسْمٌ يَجِدُ المُؤَنَ ولا تَتُوقُ نَفْسُهُ، فَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وجُمْهُورِ الشّافِعِيَّةِ أنَّ تَرْكَ النِّكاحِ لِهَذا والتَّخَلِّيَ لِلتَّحَلِّي بِالعِبادَةِ أفْضَلُ، ولا يُقالُ النِّكاحُ مَكْرُوهٌ بَلْ تَرْكُهُ أفْضَلُ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وبَعْضِ أصْحابِ مالِكٍ والشّافِعِيِّ أنَّ النِّكاحَ لَهُ أفْضَلُ.

انْتَهى المُرادُ مِنهُ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَذْكُورَ في كُتُبِ ساداتِنا الحَنَفِيَّةِ مُتُونًا وشُرُوحًا مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ هَذا الإمامُ في تَحْقِيقِ مَذْهَبِ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَفي «تَنْوِيرِ الأبْصارِ» وشَرْحِهِ «الدُّرِّ المُخْتارِ» في كِتابِ النِّكاحِ ما نَصُّهُ: «ويَكُونُ واجِبًا عِنْدَ التَّوَقانِ فَإنْ تَيَقَّنَ الزِّنا إلّا بِهِ فُرِضَ كَما في «النِّهايَةِ» وهَذا إنْ مَلَكَ المَهْرَ والنَّفَقَةَ وإلّا فَلا إثْمَ بِتَرْكِهِ كَما في البَدائِعِ»، ويَكُونُ سَنَةً مُؤَكَّدَةً في الأصَحِّ فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ ويُثابُ إنْ نَوى تَحْصِينًا ووَلَدًا حالَ الِاعْتِدالِ أيِ القُدْرَةِ عَلى وطْءٍ ومَهْرٍ ونَفَقَةٍ.

ورُجِّحَ في «النَّهْرِ» وُجُوبُهُ لِلْمُواظَبَةِ عَلَيْهِ، والإنْكارُ عَلى مَن رَغِبَ عَنْهُ، ومَكْرُوهًا لِخَوْفِ الجَوْرِ فَإنْ تَيَقَّنَهُ حَرُمَ» انْتَهى؛ لَكِنَّ في دَلِيلِ الوُجُوبِ عَلى ما ذَكَرَهُ صاحِبُ «النَّهْرِ» مَقالًا لِلْمُخالِفِينَ، وتَمامُ الكَلامِ في مَحَلِّهِ.

هَذا وقَدْ قِيلَ: في تَفْسِيرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُرادَ مِنَ النِّساءِ اليَتامى أيْضًا، وأنَّ المَعْنى وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى المُرَبّاةِ في حُجُورِكم فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِن يَتامى قَراباتِكم، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُبّائِيُّ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ في اليَتامى وما في أكْلِ أمْوالِهِمْ مِنَ الحُوبِ الكَبِيرِ أخَذَ الأوْلِياءُ يَتَحَرَّجُونَ مِن وِلايَتِهِمْ خَوْفًا مِن لُحُوقِ الحَوْبِ بِتَرْكِ الإقْساطِ مَعَ أنَّهم كانُوا لا يَتَحَرَّجُونَ مِن تَرْكِ العَدْلَ في حُقُوقِ النِّساءِ حَيْثُ كانَ تَحْتَ الرَّجُلِ مِنهم عَشْرٌ مِنهُنَّ فَقِيلَ لَهم: إنْ خِفْتُمْ تَرْكَ العَدْلِ في حُقُوقِ اليَتامى فَتَحَرَّجْتُمْ مِنها فَخافُوا أيْضًا تَرْكَ العَدْلِ بَيْنَ النِّساءِ وقَلِّلُوا عَدَدَ المَنكُوحاتِ لِأنَّ مَن تَحَرَّجَ مِن ذَنْبٍ أوْ تابَ عَنْهُ وهو مُرْتَكِبٌ مِثْلَهُ فَهو غَيْرُ مُتَحَرِّجٍ ولا تائِبٍ عَنْهُ، وإلى نَحْوٍ مِن هَذا ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ والضَّحّاكُ وابْنُ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ، وقِيلَ: كانُوا لا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الزِّنا وهم يَتَحَرَّجُونَ مِن وِلايَةِ اليَتامى فَقِيلَ: إنْ خِفْتُمُ الحَوْبَ في حَقِّ اليَتامى فَخافُوا الزِّنا فانْكِحُوا ما حَلَّ لَكم مِنَ النِّساءِ ولا تَحُومُوا حَوْلَ المُحَرَّماتِ، ونَظِيرُهُ ما إذا داوَمَ عَلى الصَّلاةِ مَن لا يُزَكِّي فَتَقُولُ لَهُ: إنْ خِفْتَ الإثْمَ في تَرْكِ الصَّلاةِ فَخَفْ مِن تَرْكِ الزَّكاةِ، وإلى قَرِيبٍ مِن هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ.

وتَعَقَّبَ هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ العَلّامَةُ شَيْخُ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ: ولا يَخْفى أنَّهُ لا يُساعِدُهُما جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِابْتِنائِهِما عَلى تَقَدُّمِ نُزُولِ الآيَةِ الأُولى وشُيُوعِها بَيْنَ النّاسِ وظُهُورِ تَوَقُّفِ حُكْمِها عَلى ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أيْضًا أنَّ الأظْهَرَ في الآيَةِ ما رَواهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها دُونَ هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ لِأنَّ الآيَةَ عَلى تِلْكَ الرِّوايَةِ تَتَنَزَّلُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾ فَيَتَطابَقُ الآيَتانِ ولا يَتَأتّى ذَلِكَ عَلى القَوْلَيْنِ بَلْ لا ارْتِباطَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ عَلَيْهِما لِأنَّ مُقْتَضاهُما أنَّ الكَلامَ في مُطْلَقِ اليَتامى لا في يَتامى النِّساءِ، ثُمَّ يُبْعِدُهُما أنَّ الشَّرْطَ لا يَرْتَبِطُ مَعَهُما بِالجَوابِ إلّا مِن وجْهٍ عامٍّ، أمّا الأوَّلُ: فَمِن حَيْثُ إنَّ الجَوْرَ عَلى النِّساءِ في الحُرْمَةِ كالجَوْرِ عَلى اليَتامى في أنَّ كُلًّا مِنهُما جَوْرٌ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ الزِّنا مُحَرَّمٌ كَما أنَّ الجَوْرَ عَلى اليَتامى مُحَرَّمٌ وكَمْ مِن مُحَرَّمٍ يُشارِكُهُما في التَّحْرِيمِ فَلَيْسَ ثَمَّ خُصُوصِيَّةٌ تَرْبُطُ الشَّرْطَ والجَوابَ كالخُصُوصِيَّةِ الرّابِطَةِ بَيْنَهُما هُناكَ، ثُمَّ الظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ أنَّهُ وارِدٌ بِصِيغَةِ التَّوْسِعَةِ عَلَيْهِمْ بِنَوْعٍ مِنَ التَّقْيِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ خِفْتُمْ مِن نِكاحِ اليَتامى فَفي غَيْرِهِنَّ مُتَّسَعٌ إلى كَذا، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مِنَ القَوْلَيْنِ يَكُونُ المُرادُ التَّضْيِيقَ لِأنَّ حاصِلَهُ إنْ خِفْتُمُ الجَوْرَ عَلى النِّساءِ فاحْتاطُوا بِأنْ تُقَلِّلُوا عَدَدَ المَنكُوحاتِ وهو خِلافُ ما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ مِنَ التَّوْسِعَةِ وبَعِيدٌ عَنْ جَزالَةِ التَّنْزِيلِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ كانَ يَتَزَوَّجُ الأرْبَعَ والخَمْسَ والسِّتَّ والعَشْرَ ويَقُولُ: ما يَمْنَعُنِي أنْ أتَزَوَّجَ كَما تَزَوَّجَ فُلانٌ فَإذا فَنِيَ مالُهُ مالَ عَلى مالِ اليَتِيمِ الَّذِي في حِجْرِهِ فَأنْفَقَهُ فَنُهِيَ أوْلِياءُ اليَتامى عَلى أنْ يَتَجاوَزُوا الأرْبَعَ لِئَلّا يَحْتاجُوا إلى أخْذِ مالِ اليَتِيمِ، ونُسِبَ هَذا إلى ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ مِنَ اليَتامى أعَمَّ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ وكَذا عَلى القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ.

وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ جَوازُ الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ لِمَن لا يَحْتاجُ إلى أخْذِ مالِ اليَتِيمِ وهو خِلافُ الإجْماعِ، وأيْضًا يَكُونُ المُرادُ مِن هَذا الأمْرِ التَّضْيِيقَ وهو كَما عَلِمْتَ خِلافُ ما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ المُؤَكَّدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً ﴾ كَأنَّهُ لَمّا وسَّعَ عَلَيْهِمْ أنْبَأهم أنَّهُ قَدْ يَلْزَمُ مِنَ الِاتِّساعِ خَوْفُ المَيْلِ فالواجِبُ حِينَئِذٍ أنْ يَحْتَرِزُوا بِالتَّقْلِيلِ فَيَقْتَصِرُوا عَلى الواحِدَةِ، والمُرادُ فَإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تَعْدِلُوا فِيما بَيْنَ هَذِهِ المَعْدُوداتِ ولَوْ في أقَلِّ الأعْدادِ المَذْكُورَةِ كَما خِفْتُمُوهُ في حَقِّ اليَتامى، أوْ كَما لَمْ تَعْدِلُوا في حَقِّهِنَّ فاخْتارُوا، أوِ الزَمُوا واحِدَةً واتْرُكُوا الجَمِيعَ بِالكُلِّيَّةِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ وثُلُثَ ورُبُعَ عَلى القَصْرِ مِن ثُلاثَ ورُباعَ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( فَواحِدَةٌ ) بِالرَّفْعِ أيْ فالمُقْنِعُ واحِدَةٌ، أوْ فَكَفَتْ واحِدَةٌ أوْ فَحَسْبُكم واحِدَةٌ أوْ فالمَنكُوحَةُ واحِدَةٌ.

﴿ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ أيْ مِنَ السَّرارِي بالِغَةً ما بَلَغَتْ كَما يُؤْخَذُ مِنَ السِّياقِ، ومُقابَلَةُ الواحِدَةِ وهو عَطْفٌ عَلى واحِدَةٍ عَلى أنَّ اللُّزُومَ والِاخْتِيارَ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّسَرِّي لا بِطَرِيقِ النِّكاحِ كَما فِيما عُطِفَ عَلَيْهِ لِاسْتِلْزامِهِ وُرُودَ مِلْكِ النِّكاحِ عَلى مِلْكِ اليَمِينِ بِمُوجِبِ اتِّحادِ المُخاطَبِينَ في المَوْضِعَيْنِ، وقَدْ قالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يَتَزَوَّجَ المَوْلى أمَتَهُ ولا المَرْأةُ عَبْدَها لِأنَّ النِّكاحَ ما شُرِعَ إلّا مُثْمِرًا بِثَمَراتٍ مُشْتَرِكَةٍ بَيْنَ المُتَناكِحَيْنِ والمَمْلُوكِيَّةُ تُنافِي المالِكِيَّةَ فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُ الثَّمَرَةِ عَلى الشَّرِكَةِ، وهَذا بِخِلافِ ما سَيَأْتِي بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ ﴾ فَإنَّ المَأْمُورَ بِالنِّكاحِ هُناكَ غَيْرُ المُخاطِبِينَ بِمِلْكِ اليَمِينِ، وبَعْضُهم يُقَدِّرُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ فانْكِحُوا لِدَلالَةِ أوَّلِ الكَلامِ عَلَيْهِ، ويُعْطَفُ هَذا عَلَيْهِ عَلى مَعْنى اقْتَصِرُوا عَلى ما مَلَكَتْ، والكَلامُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا، وأوْ لِلتَّسْوِيَةِ وسُوِّيَ في السُّهُولَةِ واليُسْرَةِ بَيْنَ الحُرَّةِ الواحِدَةِ والسَّرارِي مِن غَيْرِ حَصْرٍ لِقِلَّةِ تَبِعَتِهِنَّ وخِفَّةِ مُؤْنَتِهِنَّ وعَدَمِ وُجُوبِ القَسَمِ فِيهِنَّ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى النِّساءِ أيْ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ أوْ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم ولا يَخْفى بُعْدَهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ مَن مَلَكَتْ، وعَبَّرَ بِما في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ ذَهابًا لِلْوَصْفِ ولِكَوْنِ المَمْلُوكِ لِبَيْعِهِ وشِرائِهِ والمَبِيعِ أكْثَرُهُ ما لا يَعْقِلُ كانَ التَّعْبِيرُ بِما فِيهِ أظْهَرَ، وإسْنادُ المِلْكِ لِلْيَمِينِ لِما أنَّ سَبَبَهُ الغالِبَ هو الصَّفْقَةُ الواقِعَةُ بِها، وقِيلَ: لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَكُونُ بِسَبَبِ الجِهادِ والأسْرِ، وذَلِكَ مُحْتاجٌ إلى أعْمالِها وقَدِ اشْتُهِرَ ذَلِكَ في الأرِقّاءِ لا سِيَّما في إناثِهِمْ كَما هو المُرادُ هُنا رِعايَةً لِلْمُقابَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مِلْكِ النِّكاحِ الوارِدِ عَلى الحَرائِرِ، وقِيلَ: إنَّما قِيلَ لِلرَّقِيقِ مِلْكُ اليَمِينِ لِأنَّها مَخْصُوصَةٌ بِالمَحاسِنِ وفِيها تَفاؤُلٌ بِاليُمْنِ أيْضًا، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ أعْرابِيًّا سُئِلَ لِمَ حَسَّنْتُمْ أسْماءَ مُوالِيكم دُونَ أسْماءِ أبْنائِكُمْ؟

فَقالَ: أسْماءُ مُوالِينا لَنا وأسْماءُ أبْنائِنا لِأعْدائِنا فَلْيُفْهَمْ.

وادَّعى ابْنُ الفَرَسِ أنَّ في الآيَةِ رَدًّا عَلى مَن جَعَلَ النِّكاحَ واجِبًا عَلى العَيْنِ لِأنَّهُ تَعالى «خَيَّرَ فِيها بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّسَرِّي ولا يَجِبُ التَّسَرِّي بِالِاتِّفاقِ ولَوْ كانَ النِّكاحُ واجِبًا لَما ”خَيَّرَ“ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّسَرِّي لِأنَّهُ لا يَصِحُّ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ واجِبٍ وغَيْرِهِ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى إبْطالِ حَقِيقَةِ الواجِبِ وأنَّ تارِكَهُ لا يَكُونُ آثِمًا»، ولا يَرُدُّ هَذا عَلى مَن يَقُولُ: الواجِبُ أحَدُ الأمْرَيْنِ، ويَمْنَعُ الِاتِّفاقُ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ التَّسَرِّي في الجُمْلَةِ فَتَدَبَّرْ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ فِيها دَلِيلًا عَلى مَنعِ نِكاحِ الجِنِّيّاتِ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّ النِّساءَ بِالذِّكْرِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ عِنْدَ القائِلِ بِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ هُنا لِظُهُورِ نُكْتَةِ تَخْصِيصِ النِّساءِ بِالذِّكْرِ وفائِدَتِهِ.

وادَّعى الإمامُ السُّيُوطِيُّ أنَّ فِيها إشارَةً إلى حَلِّ النَّظَرِ قَبْلَ النِّكاحِ لِأنَّ الطَّيِّبَ إنَّما يُعْرَفُ بِهِ، ولا يَخْفى أنَّ الإشارَةَ رُبَّما تَسْلَمُ إلّا أنَّ الحَصْرَ مَمْنُوعٌ وهَذا الحَلُّ ثَبَتَ في غَيْرِ ما حَدِيثٍ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أنَّهُ  قالَ لِلْمُتَزَوِّجِ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ: ”أنَظَرْتَ إلَيْها؟

قالَ: لا، قالَ: فاذْهَبْ وانْظُرْ إلَيْها فَإنَّ في أعْيُنِ الأنْصارِ شَيْئًا“» وهو مَذْهَبُ جَماهِيرِ العُلَماءِ، وحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ كَراهَتُهُ وهم مَحْجُوجُونَ بِالحَدِيثِ والإجْماعِ عَلى جَوازِ النَّظَرِ لِلْحاجَةِ عِنْدَ البَيْعِ والشِّراءِ والشَّهادَةِ ونَحْوِها، ثُمَّ إنَّهُ إنَّما يُباحُ لَهُ النَّظَرُ إلى الوَجْهِ والكَفَّيْنِ، وقالَ الأوْزاعِيُّ: إلى مَواضِعِ اللَّحْمِ.

وقالَ داوُدُ: إلى جَمِيعِ بَدَنِها وهو خَطَأٌ ظاهِرٌ مُنابِذُ لِأُصُولِ السُّنَّةِ والإجْماعِ، وهَلْ يُشْتَرَطُ رِضا المَرْأةِ أمْ لا؟

الجُمْهُورُ عَلى عَدَمِ الِاشْتِراطِ بَلْ لِلرَّجُلِ النَّظَرُ مَعَ الغَفْلَةِ وعَدَمِ الرِّضا، وعَنْ مالِكٍ كَراهَةُ النَّظَرِ مَعَ الغَفْلَةِ، وفي رِوايَةٍ ضَعِيفَةٍ عَنْهُ لا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْها إلّا بِرِضاها، واسْتَحْسَنَ كَثِيرٌ كَوْنَ هَذا النَّظَرِ قَبْلَ الخِطْبَةِ حَتّى إنْ كَرِهَها تَرَكَها مِن غَيْرِ إيذاءٍ بِخِلافِ ما إذا تَرَكَها بَعْدَ الخُطْبَةِ كَما لا يَخْفى.

وقالَ بَعْضُهم: إنَّ فِيها إشارَةً أيْضًا إلى اسْتِحْبابِ الزِّيادَةِ عَلى الواحِدَةِ لِمَن لَمْ يَخَفْ عَدَمَ العَدْلِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قَدَّمَ الأمْرَ بِالزِّيادَةِ وعَلَّقَ أمْرَ الواحِدَةِ بِخَوْفِ عَدَمِ العَدْلِ، ويا ما أحِيلِي الزِّيادَةَ إنِ ائْتَلَفَتِ الزَّوْجاتُ وصَحَّ جَمْعُ المُؤَنَّثِ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ مُعْرَبًا بِالضَّمِّ مِن بَيْنِ سائِرِ الحَرَكاتِ، وهَذا لَعَمْرِي أبْعَدُ مِنَ العَيُّوقِ وأعَزُّ مِنَ الكِبْرِيتِ الأحْمَرِ وبَيْضِ الأنُوقِ: ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرْءُ يُدْرِكُهُ ∗∗∗ تَجْرِي الرِّياحُ بِما لا تَشْتَهِي السُّفُنُ ﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ اخْتِيارُ الواحِدَةِ أوِ التَّسَرِّي أوِ الجَمِيعُ وهو الأوْلى وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ أبِي زَيْدٍ ﴿ أدْنى ألا تَعُولُوا ﴾ العَوْلُ في الأصْلِ المَيْلُ المَحْسُوسُ يُقالُ: عالَ المِيزانُ عَوْلًا إذا مالَ، ثُمَّ نُقِلَ إلى المَيْلِ المَعْنَوِيِّ وهو الجَوْرُ، ومِنهُ عالَ الحاكِمُ إذا جارَ، والمُرادُ هَهُنا المَيْلُ المَحْظُورُ المُقابِلُ لِلْعَدْلِ أيْ ما ذُكِرَ مِنِ اخْتِيارِ الواحِدَةِ والتَّسَرِّي أقْرَبُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَداهُما مِن أنْ لا تَمِيلُوا مَيْلًا مَحْظُورًا لِانْتِفائِهِ رَأْسًا بِانْتِفاءِ مَحَلِّهِ في الأوَّلِ، وانْتِفاءِ خَطَرِهِ في الثّانِي بِخِلافِ اخْتِيارِ العَدَدِ في المَهائِرِ، فَإنَّ المَيْلَ المَحْظُورَ مُتَوَقَّعٌ فِيهِ لِتَحَقُّقِ المَحَلِّ والخَطَرِ.

وإلى هَذا ذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ؛ وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الإشارَةِ إلى ثَلاثَةِ أُمُورٍ: التَّقْلِيلِ مِنَ الأزْواجِ واخْتِيارِ الواحِدَةِ والتَّسَرِّي، أيْ هَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ أدْنى مِن جَمِيعِ ما عَداها، والأوَّلُ أظْهَرُ.

وقَدْ حُكِيَ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ ألا تَعُولُوا ﴾ بِأنْ لا تَكْثُرَ عِيالُكم.

وقَدْ ذَكَرَ الشِّهابُ أنَّهُ خَطَّأهُ وحاشاهُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ لِأنَّهُ إنَّما يُقالُ لِمَن كَثُرَتْ عِيالُهُ: أعالَ يُعِيلُ إعالَةً ولَمْ يَقُولُوا عالَ يَعُولُ.

وأُجِيبُ بِأنَّ الإمامَ الشّافِعِيَّ سَلَكَ في هَذا التَّفْسِيرِ سَبِيلَ الكِنايَةِ فَقَدْ جَعَلَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الفِعْلَ في الآيَةِ مِن عالَ الرَّجُلُ عِيالَهُ يَعُولُهم كَقَوْلِكَ: مانَهم يَمُونُهم إذا أنْفَقَ عَلَيْهِمْ، ومَن كَثُرَتْ عِيالُهُ لَزِمَهُ أنْ يَعُولَهم فاسْتَعْمَلَ الإنْفاقَ وأرادَ لازِمَ مَعْناهُ وهو كَثْرَةُ اِلْعِيالِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ عالَ بِمَعْنى مانَ وأنْفَقَ لا دَلالَةَ لَهُ عَلى كَثْرَةِ المُؤْنَةِ حَتّى يُكَنّى بِهِ عَنْ كَثْرَةِ العِيالِ، وأُجِيبُ بِأنَّ الرّاغِبَ ذَكَرَ أنَّ أصْلَ مَعْنى العَوْلِ الثِّقْلُ يُقالُ: عالَهُ أيْ تَحَمَّلَ ثِقْلَ مُؤْنَتِهِ، والثِّقْلُ إنَّما يَكُونُ في كَثِيرِ الإنْفاقِ لا في قَلِيلِهِ فَيُرادُ مَن لا تَعُولُوا كَثْرَةَ الإنْفاقِ بِقَرِينَةِ المَقامِ والسِّياقِ لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ نَفْيَ المُؤْنَةِ والعِيالِ مِن أصْلِهِ إذْ مَن تَزَوَّجَ واحِدَةً كانَ عائِلًا وعَلَيْهِ مُؤْنَةٌ، فالكَلامُ كالصَّرِيحِ فِيهِ واسْتِعْمالُ أصْلِ الفِعْلِ في الزِّيادَةِ فِيهِ غَيْرُ عَزِيزٍ فَلا غُبارَ، وذُكِرَ في «الكَشْفِ» أنَّهُ لا حاجَةَ إلى أصْلِ الجَوابِ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنَّ الكِسائِيَّ نَقَلَ عَنْ فُصَحاءِ العَرَبِ عالَ يَعُولُ إذا كَثُرَ عِيالُهُ ومِمَّنْ نَقَلَهُ الأصْمَعِيُّ والأزْهَرِيُّ وهَذا التَّفْسِيرُ نَقَلَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وهو مِن أجِلَّةِ التّابِعِينَ، وقِراءَةُ طاوُسٍ أنْ لا تُعِيلُوا مُؤَيِّدَةٌ لَهُ فَلا وجْهَ لِتَشْنِيعِ مَن شَنَّعَ عَلى الإمامِ جاهِلًا بِاللُّغاتِ والآثارِ، وقَدْ نَقَلَ الدُّورِيُّ إمامُ القُرّاءِ أنَّها لُغَةُ حِمْيَرَ وأنْشَدَ: وإنَّ المَوْتَ يَأْخُذُ كُلَّ حَيٍّ ∗∗∗ بِلا شَكٍّ وإنْ أمْشى ”وعالا“ أيْ وإنْ كَثُرَتْ ماشِيَتُهُ وعِيالُهُ، وأمّا ما قِيلَ: إنَّ عالَ بِمَعْنى كَثُرَتْ عِيالُهُ يائِيٌّ وبِمَعْنى جارَ واوِيٌّ فَلَيْسَتِ التَّخْطِئَةُ في اسْتِعْمالِ عالَ في كَثْرَةِ العِيالِ بَلْ في عَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ المادَّتَيْنِ، فَرُدَّ أيْضًا بِما اقْتَضاهُ كَلامُ البَعْضِ مِن أنَّ عالَ لَهُ مَعانٍ: مالَ وجارَ وافْتَقَرَ وكَثُرَتْ عِيالُهُ ومانَ وأنْفَقَ وأعْجَزَ، يُقالُ: عالَنِي الأمْرُ أيْ أعْجَزَنِي ومُضارِعُهُ يُعِيلُ ويَعُولُ فَهو مِن ذَواتِ الواوِ والياءِ عَلى اخْتِلافِ المَعانِي، ثُمَّ المُرادُ بِالعِيالِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأزْواجَ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وعَدَمَ كَثْرَةِ الأزْواجِ في اخْتِيارِ الواحِدَةِ وكَذا في التَّقْلِيلِ إنْ قُلْنا إنَّهُ داخِلٌ في المُشارِ إلَيْهِ ظاهِرٌ، وأمّا عَدَمُ كَثْرَتِهِنَّ في التَّسَرِّي فَبِاعْتِبارِ أنَّ ذَلِكَ صادِقٌ عَلى عَدَمِهِنَّ بِالكُلِّيَّةِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأوْلادَ وعَدَمَ كَثْرَتِهِمْ في اخْتِيارِ الواحِدَةِ وكَذا في التَّقْلِيلِ ظاهِرٌ أيْضًا، وأمّا عَدَمُ كَثْرَتِهِمْ في التَّسَرِّي فَبِاعْتِبارِ أنَّهُ مَظِنَّةُ قِلَّةِ الأوْلادِ إذِ العادَةُ عَلى أنْ لا يَتَقَيَّدَ المَرْءُ بِمُضاجَعَةِ السَّرارِيِّ ولا يَأْبى العَزْلَ عَنْهُنَّ بِخِلافِ المَهائِرِ فَإنَّ العادَةَ عَلى تَقَيُّدِ المَرْءِ بِمُضاجَعَتِهِنَّ وإباءِ العَزْلِ عَنْهُنَّ، وإنْ كانَ العَزْلُ عَنْهُنَّ كالعَزْلِ عَنِ السَّرارِيِّ جائِزًا شَرْعًا بِإذْنٍ وبِغَيْرِ إذْنٍ في المَشْهُورِ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، وفي بَعْضِ شُرُوحِ «الكَشّافِ» ما يَدُلُّ عَلى أنَّ في ذَلِكَ خِلافًا عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ فَمَنعُهُ بَعْضَهم كَما هو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ ألا تَعُولُوا ﴾ بِأنْ لا تَفْتَقِرُوا، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ عالَ يَجِيءُ بِمَعْنى افْتَقَرَ، ومِن وُرُدِهِ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَمًا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى ”يَعِيلُ“ إلّا أنَّ الفِعْلَ في البَيْتِ يائِيٌّ لا واوِيٌّ كَما في الآيَةِ، والأمْرُ فِيهِ سَهْلٌ كَما عَرَفْتَ، وعَلى سائِرِ التَّفاسِيرِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ جارِيَةٌ مِمّا قَبْلَها مَجْرى التَّعْلِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ يقول للأولياء آتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ التي عندكم إذا بلغوا النكاح، يعني الحلم وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ يعني الحرام بِالطَّيِّبِ يعني بالحلال من أموالكم يقول: لا تذروا أموالكم الحلال، وتأكلوا الحرام من أموال اليتامى.

ويقال: لا تخلطوا الخبيث بالطيب.

ويقال: لا تخلطوا من مالكم الرديء، وتأخذوا الجيد من مال اليتيم.

يعني أن يرسل شاة عجفاء في غنمه ويأخذ مكانها شاة سمينة، وفي الحبوب كذلك.

ويقال: لا تجعلوا أموالهم وقاية لأموالكم.

ثم قال تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ يعني مع أموالكم إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً يعني: إثماً عظيماً قرأ الحسن «حوباً» بنصب الحاء.

قال مقاتل: هو بلغة الحبش.

قال القتبي: الحُوب والحَوْب واحد، وهو الإثم.

وقال مقاتل: نزلت في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخيه، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه العم، فنزلت الآية فقرأها عليه النبيّ  فقال الرجل: أطعنا الله ورسوله، ونعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع إليه ماله، فلما قبض الفتى ماله أنفقه فِى سَبِيلِ الله.

فقال النبيّ  : «لَقَدْ أصَابَ الأَجْرَ وَبَقِيَ الوِزْرُ» فقالوا كيف بقي الوزر وقد أنفقه فِى سَبِيلِ الله؟

فقال: «أصَابَ الغُلامُ الأجْرَ وَبَقِيَ الوِزْرُ عَلَى وَالِدِهِ» .

قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى يعني: ألا تعدلوا في أموال اليتامى، يقال في اللغة: أقسط الرجل إذا عدل، وقسط إذا جار.

وقال  : «المُقْسِطُونَ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .

يعني العادلون.

قال الله تعالى: أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً [الجن: 15] يعني الجائرون.

ثم قال تعالى: فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ وذلك أنهم كانوا يسألون عن أمر اليتامى ويخافون ألا يعدلوا، وكانوا يتزوجون من النساء ما شاؤوا، فنزلت هذه الآية وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يعني فكما خفتم ألا تعدلوا في اليتامى، فخافوا في النساء إذا اجتمعن عندكم ألا تعدلوا بينهن.

وروى عروة عن عائشة  ا أنها قالت: كان الناس يتزوجون اليتامى ولا يعدلون بينهن، ولم يكن لهم أحد يخاصم عنهن، فنهى الله المؤمنين عن ذلك فقال: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى الآية.

ويقال: إنهم كانوا يتزوجون امرأة لها أولاد أيتام، وكانوا لا يحسنون النظر إليهم، فنزل وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ يعني بغير ولد مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ.

ثم قال تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا في القسم والنفقة فَواحِدَةً يقول: تزوجوا امرأة واحدة، وإن خفتم ألا تعدلوا في الواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني الإماء، ويقال إن خفتم ألا تعدلوا في القسم بين النساء فواحدة، أي واشتروا الإماء لأن الواحدة لا تحتاج إلى القسمة، والإماء لا يحتاج فيهن إلى القسمة.

وقال بعض الروافض بظاهر هذه الآية أنه يجوز نكاح تسع نسوة، لأنه قال مثنى وثلاث وَرُبَاعَ، فيكون ذلك تسعاً.

ولكن أجمع المفسرون أن المراد به التفصيل لا الاجتماع، ومعناه مثنى أو ثلاث أو رباع، وبذلك جاءت الآثار، وهو حديث غيلان بن سلمة أنه أسلم ومعه عشر نسوة، فخيّره النبيّ  فاختار أربعاً وفارق البواقي.

وروي عن الكلبي ومقاتل أن قيس بن الحارث كان عنده ثمان نسوة حرائر، فلما نزلت هذه الآية أمره رسول الله  أن يطلق أربعاً ويمسك أربعاً.

وروى محمد بن الحسن في كتاب السير الكبير، أن ذلك كان الحارث بن قيس الأسدي، وهذا هو المعروف عند الفقهاء.

ثم قال تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا أي أحرى ألا تميلوا ولا تجوروا ولا تظلموا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الكلام عليه في قوله تعالى: وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: ٢١٧] انتهى، وهو حسنٌ، ونحوه للإمام الفَخْر «١» .

وفي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً: ضرْبٌ من الوعيدِ، قال المُحَاسِبِيُّ:

سألتُ أبا جَعْفَرٍ محمدَ بْنَ موسى، فقلْتُ: أجمل حالاتِ العارفين ما هِيَ؟

فقال: إن الحال التي تَجْمَعُ لك الحالاتِ المَحْمُودةَ كلَّها في حالةٍ واحدةٍ هي المراقبةُ، فَألْزِمْ نفْسَكَ، وقَلْبَكَ دَوَامَ العِلْمِ بنَظَرِ اللَّه إليك في حركَتِك، وسكونِكِ، وجميعِ أحوالِكِ/ فإنَّك بعَيْنِ اللَّهِ (عزَّ وجلَّ) في جميعِ تقلُّباتك، وإنَّك في قبضته حيث كُنْتَ، وإنَّ عين اللَّه على قلبك، ونَاظِرٌ إلى سِرِّك وعلانيتِكَ، فهذه الصفةُ، يا فتى، بحْرٌ ليس له شطٌّ، بَحْر تجري منْه السواقِي والأنهارُ، وتسيرُ فيه السُّفُن إلى معادِنِ الغنيمةِ.

انتهى من كتاب «القصد إلى الله سبحانه» .

وقوله سبحانه: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ...

الآية: قال ابنُ زَيْدٍ: هذه مخاطبةٌ لِمَنْ كانَتْ عادتُهُ من العَرَب ألاَّ يَرِثَ الصَّغيرُ من الأولاد «٢» ، وقالتْ طائفة: هذه مخاطبةٌ للأوصياءِ.

قال ابنُ العَرَبِيِّ «٣» : وذلك عند الابتلاء والإرشاد.

انتهى.

وقوله: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ، قال ابن المسيِّب وغيره: هو ما كان يفعله بعضهم من إبدال الشاة السَّمينة مِنْ مال اليتيم بالهَزِيلة مِنْ ماله، والدِّرْهَمِ الطَّيِّبِ بالزِّائِفِ، وقيل «٤» : المراد: لا تأكلوا أموالهم خبيثًا، وتَدَعُوا أموالكم طيبًا، وقيل غيرُ هذا.

والطَّيِّب هنا: الحلالُ، والخبيث: الحرام.

وقوله: إِلى أَمْوالِكُمْ: التقدير: ولا تُضِيفُوا أموالهم إلى أموالكم في الأكْل، والضميرُ في «إنَّهُ» : عائدٌ على الأَكْلِ، والحُوبُ: الإثم قاله ابن عباس وغيره «١» وتَحَوَّبَ الرَّجُلُ، إذا ألْقى الحُوبَ عن نَفْسه، وكذلك تَحَنَّثَ وَتَأَثَّمَ وَتَحَرَّجَ فَإن هذه الأربعة بخلافِ «تَفَعَّلَ» كلِّه لأنَّ «تَفَعَّلَ» معناه: الدُّخُول في الشَّيْء ك «تَعَبَّد» ، و «تَكَسَّبَ» ، وما أشبهه ويلحق بهذه الأربعةِ «تَفَكَّهُونَ» في قوله تعالى: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ [الواقعة: ٦٥] أي: تطرّحون الفاكهة عَنْ أنفسكم.

وقوله تعالى: كَبِيراً: نصٌّ على أنَّ أكل مال اليتيم مِنَ الكَبَائر.

وقوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى ...

الآية: قال أبو عبيدة: خفتم هاهنا بمعنى أيْقَنْتُمْ.

قال ع «٢» : وما قاله غيرُ صحيحٍ، ولا يكون الخَوْفُ بمعنى اليَقِينِ بوجْهٍ، وإنما هو من أَفْعَالِ التوقُّع، إلاَّ أنه قد يَمِيلُ فيه الظنُّ إلى إحدى الجِهَتَيْنِ قُلْتُ: وكذا رَدَّ الدَّاوُودِيُّ على أبي عْبَيْدة، ولفظه: وعن أبي عُبَيْدة: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا: مجازه:

أيْقَنْتُمْ «٣» ، قال أبو جعفر «٤» : بل هو على ظاهر الكلمة.

انتهى.

وتُقْسِطُوا: معناه: تَعْدِلُوا يقال: أَقْسَطَ الرَّجُلُ إذا عَدَلَ، وقَسَطَ إذا جَار قالتْ عائشةُ (رضي اللَّه عنها) : نزَلَتْ هذه الآيةُ في أولياء اليتامَى الَّذِينَ يُعْجِبُهم جمالُ وليَّاتهم، فيريدُونَ أنْ يبخَسُوهُنَّ في المَهْر لمكانِ وَلاَيَتِهِمْ عَلَيْهِنَّ، فقيل لهم: اقسطوا في مهورِهِنَّ، فمَنْ خَافَ ألاَّ يُقْسطَ، فليتزوَّج ما طَابَ له مِنَ الأجنبيَّات اللَّوَاتِي يُكَايِسْنَ «٥» في حقوقِهِنَّ، وقاله ربيعة.

قال الحسَنُ وغيره: ما طابَ: معناه «٦» ما حلّ.

وقيلَ: «ما» ظرفيةٌ، أي: ما دُمْتُم تستحسنُون النِّكَاحَ، وضُعِّفَ قُلْتُ: وفي تضعيفه نَظَرٌ، فتأمَّله.

قال الإمام الفَخْر: وفي تفسير «١» مَا طابَ بِما حَلَّ- نَظَرٌ وذلك أنَّ قوله تعالى:

فَانْكِحُوا: أمْرُ إباحةٍ، فلو كان المرادُ بقوله: مَا طابَ لَكُمْ، أي: ما حَلَّ لكم- لتنزَّلت الآية منزلةَ ما يُقَالُ: أبَحْنَا لكم نِكَاحَ مَنْ يكون نكاحُها مباحاً لكم، وذلك يُخْرِجُ الآيةَ عن الفائدةِ، ويصيِّرها مُجْمَلَةً لا محالةَ، أما إذا حَمَلْنا «طَابَ» على استطابةِ النَّفْسِ، ومَيْلِ القلبِ، كانَتِ الآيةُ عامَّة دخَلَها التخْصيصُ، وقد ثَبَتَ في أصول الفقْهِ أنه إذا وقع التعارُضُ بَيْن الإجمال/ والتَّخْصِيص، كان رَفْع الإجمال أولى لأنَّ العامَّ المخصَّص حُجَّةٌ في غَيْر محلِّ التخصيص «٢» ، والمُجْمَلُ لا يكونُ حجّة أصلا.

انتهى، وهو حسن،

و

مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ: موضعها من الإعراب نَصْبٌ على البدل من «مَا طَابَ» ، وهي نكراتٌ لا تنصرف لأنها معدولة وصفة.

وقوله: فَواحِدَةً، أي: فانكحوا واحدةً أو ما ملَكَتْ أيْمَانُكُم، يريد به الإماءَ، والمعنى: إنْ خَافَ ألاَّ يَعْدِلَ في عِشْرةٍ واحدةٍ، فما ملكت يمينه، وأسند المِلْكَ إلى اليمين إذ هي صفةُ مَدْحٍ، واليمينُ مخصوصةٌ بالمحاسِنِ أَلاَ ترى أنّها المنفقة كما قال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى ﴾ اخْتَلَفُوا في تَنْزِيلِها، وتَأْوِيلِها عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ القَوْمَ كانُوا يَتَزَوَّجُونَ عَدَدًا كَثِيرًا مِنَ النِّساءِ في الجاهِلِيَّةِ، ولا يَتَحَرَّجُونَ مِن تَرْكِ العَدْلَ بَيْنَهُنَّ، وكانُوا يَتَحَرَّجُونَ في شَأْنِ اليَتامى، فَقِيلَ لَهُمْ: بِهَذِهِ الآيَةِ: احْذَرُوا مَن تَرْكِ العَدْلِ بَيْنَ النِّساءِ، كَما تَحْذَرُونَ مَن تَرْكِهِ في اليَتامى، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّ أوْلِياءَ اليَتامى كانُوا يَتَزَوَّجُونَ النِّساءَ بِأمْوالِ اليَتامى، فَلَمّا كَثُرَ النِّساءُ، مالُوا عَلى أمْوالِ اليَتامى، فَقَصَرُوا عَلى الأرْبَعِ حِفْظًا لِأمْوالِ اليَتامى.

وَهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وعِكْرِمَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناها: وإنْ خِفْتُمْ يا أوْلِياءَ اليَتامى أنْ لا تَعْدِلُوا في صَدَقاتِ اليَتامى إذا نَكَحْتُمُوهُنَّ، فانْكِحُوا سِواهُنَّ مِنَ الغَرائِبِ اللَّواتِي أحَلَّ اللَّهُ لَكم، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ عائِشَةَ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْناها: وإنْ خِفْتُمْ يا أوْلِياءَ اليَتامى أنْ لا تَعْدِلُوا في نِكاحِهِنَّ، وحَذِرْتُمْ سُوءَ الصُّحْبَةِ لَهُنَّ، وقِلَّةَ الرَّغْبَةِ فِيهِنَّ، فانْكِحُوا غَيْرَهُنَّ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ عائِشَةَ أيْضًا، والحَسَنِ.

والخامِسُ: أنَّهم كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن وِلايَةِ اليَتامى، فَأُمِرُوا بِالتَّحَرُّجِ مِنَ الزِّنى أيْضًا، ونُدِبُوا إلى النِّكاحِ الحَلّالِ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ.

والسّادِسُ: أنَّهم تَحَرَّجُوا مِن نِكاحِ اليَتامى، كَما تَحَرَّجُوا مِن أمْوالِهِمْ، فَرَخَّصَ اللَّهُ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ، وقَصَرَهم عَلى عَدَدٍ يُمْكِنُ العَدْلُ فِيهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: وإنْ خِفْتُمْ يا أوْلِياءَ اليَتامى أنْ لا تَعْدِلُوا فِيهِنَّ، فانْكِحُوهُنَّ، ولا تَزِيدُوا عَلى أرْبَعٍ لِتَعْدِلُوا، فَإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تَعْدِلُوا فِيهِنَّ، فَواحِدَةٌ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى قَوْلِهِ: وإنْ خِفْتُمْ، أيْ: [فَإنْ] عَلِمْتُمْ أنَّكم لا تَعْدِلُونَ، [بَيْنَ اليَتامى] يُقالُ: أقْسَطَ الرَّجُلُ: إذا عَدَلَ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  « "المُقْسِطُونَ في الدُّنْيا عَلى مَنابِرَ مِن لُؤْلُؤٍ يَوْمَ القِيامَةِ"» ويُقالُ: قَسَطَ الرَّجُلُ: إذا جارَ ومِنهُ قَوْلُ اللَّهِ" ﴿ وَأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴾ وفي مَعْنى العَدْلِ في اليَتامى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في نِكاحِ اليَتامى، والثّانِي: في أمْوالِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ ﴾ أيْ: ما حَلَّ لَكم.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "ما طابَ لَكُمْ" ﴾ ، الفِعْلَ دُونَ أعْيانِ النِّساءِ، ولِذَلِكَ قالَ: "ما" ولَمْ يَقِلْ: "مِن" واخْتَلَفُوا: هَلِ النِّكاحُ مِنَ اليَتامى، أوْ مَن غَيْرِهِنَّ؟

عَلى قَوْلَيْنِ قَدْ سَبَقا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو بَدَلٌ مِن "ما طابَ لَكُمْ" ومَعْناهُ: اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وثَلاثًا ثَلاثًا، وأرْبَعًا أرْبَعًا، وإنَّما خاطَبَ اللَّهُ العَرَبَ بِأفْصَحِ اللُّغاتِ، ولَيْسَ مِن شَأْنِ البَلِيغِ أنْ يُعَبِّرَ في العَدَدِ عَنِ التِّسْعَةِ بِاثْنَتَيْنِ، وثَلاثٍ، وأرْبَعٍ، لِأنَّ التِّسْعَةَ قَدْ وُضِعَتْ لِهَذا العَدَدِ، فَيَكُونُ عِيًّا في الكَلامِ.

وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذِهِ الواوُ مَعْناها التَّفَرُّقُ، ولَيْسَتْ جامِعَةً، فالمَعْنى: فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى، وانْكِحُوا ثُلاثَ في غَيْرِ الحالِ الأُولى، وانْكِحُوا رُباعَ في غَيْرِ الحالَيْنِ.

وَقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: الواوُ هاهُنا: لِإباحَةِ أيِّ الأعْدادِ شاءَ، لا لِلْجَمْعِ، وهَذا العَدَدُ إنَّما هو لِلْأحْرارِ، لا لِلْعَبِيدِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ.

وَقالَ مالِكٌ: هم كالأحْرارِ.

ويَدُلُّ عَلى قَوْلِنا: أنَّهُ قالَ: فانْكِحُوا، فَهَذا مُنْصَرِفٌ إلى مَن يَمْلِكُ النِّكاحَ، والعَبْدُ لا يَمْلِكُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وقالَ في سِياقِها ﴿ فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ ، والعَبْدُ لا مِلْكَ لَهُ، فَلا يُباحُ لَهُ الجَمْعُ إلّا بَيْنَ اثْنَتَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

.

أحَدُهُما: عَلِمْتُمْ، والثّانِي: خَشِيتُمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَعْدِلُوا ﴾ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: أرادَ العَدْلَ في القَسْمِ بَيْنَهُنَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَواحِدَةً ﴾ أيْ: فانْكِحُوا واحِدَةً، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، وحُمَيْدٌ: " فَواحِدَةٌ " بِالرَّفْعِ، المَعْنى، فَواحِدَةٌ تُقْنِعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ يَعْنِي: السَّرارِيَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآَيَةِ: فَكَما تَخافُونَ أنْ لا تَعْدِلُوا بَيْنَ اليَتامى إذا كَفَلْتُمُوهم، فَخافُوا [أيْضًا] أنْ لا تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ إذا نَكَحْتُمُوهُنَّ، فَقَصَرَهم عَلى أرْبَعٍ، لِيَقْدِرُوا عَلى العَدْلِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تَعْدِلُوا بَيْنَ هَؤُلاءِ الأرْبَعِ، فانْكِحُوا واحِدَةً، واقْتَصِرُوا عَلى مِلْكِ اليَمِينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ أدْنى ﴾ أيْ: أقْرَبُ.

وفي مَعْنى ﴿ تَعُولُوا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُهُما: تَمِيلُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ، وإبْراهِيمُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، وقالَ أبُو مالِكٍ، وأبُو عُبَيْدٍ: تَجُورُوا.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: تَجُورُوا وتَمِيلُوا بِمَعْنًى واحِدٍ.

واحْتَكَمَ رَجُلانِ مِنَ العَرَبِ إلى رَجُلٍ، فَحَكَمَ لِأحَدِهِما، فَقالَ: المَحْكُومُ عَلَيْهِ: إنَّكَ واللَّهِ تَعُولُ عَلَيَّ، أيْ: تَمِيلُ وتَجُورُ.

والثّانِي: تَضِلُّوا، قالَهُ مُجاهِدٌ، والثّالِثُ: تَكْثُرُ عِيالُكم، قالَ ابْنُ زَيْدٍ، ورَواهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ في "تَفْسِيرِهِ" عَنِ الشّافِعِيِّ، ورَدَّهُ الزَّجّاجُ: فَقالَ: جَمِيعُ أهْلِ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: هَذا القَوْلُ خَطَأٌ، لِأنَّ الواحِدَةَ يَعُولُها، وإباحَةُ مِلْكِ اليَمِينِ أزْيَدُ في العِيالِ مِن أرْبَعٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكم إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أو ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ اليَتامى: جَمْعُ يَتِيمٍ ويَتِيمَةٍ، واليَتِيمُ في كَلامِ العَرَبِ: مَن فَقَدَ الأبَ قَبْلَ البُلُوغِ، وقالَ النَبِيُّ  « "لا يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ"،» وهو في البَهِيمَةِ فَقْدُ الأُمِّ في حالِ الصِغَرِ، وحُكِيَ: اليَتِيمُ في الإنْسانِ مِن جِهَةِ الأُمِّ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ المُخاطَبَةُ هي لِمَن كانَتْ عادَتُهُ مِنَ العَرَبِ ألّا يَرِثَ الصَغِيرُ مِنَ الأولادِ مَعَ الكَبِيرِ، فَقِيلَ لَهُمْ: ورِّثُوهم أمْوالَهُمْ، ولا تَتْرُكُوا أيُّها الكِبارُ حُظُوظَكم حَلالًا طَيِّبًا وتَأْخُذُوا الكُلَّ ظُلْمًا حَرامًا خَبِيثًا، فَيَجِيءُ فِعْلُكم ذَلِكَ تَبَدُّلًا.

وقالَتْ طائِفَةٌ: هَذِهِ المُخاطَبَةُ هي لِأوصِياءِ الأيْتامِ، والمَعْنى: إذا بَلَغُوا وأُونِسَ مِنهُمُ الرُشْدُ.

وسَمّاهم يَتامى وهم قَدْ بَلَغُوا اسْتِصْحابًا لِلْحالَةِ الأُولى الَّتِي قَدْ ثَبَتَتْ لَهم مِنَ اليُتْمِ.

﴿ "وَلا تَتَبَدَّلُوا" ﴾ قِيلَ: المُرادُ: ما كانَ بَعْضُهم يَفْعَلُ مِن أنْ يُبَدِّلَ الشاةَ السَمِينَةَ مِن مالِ اليَتِيمِ بِالهَزِيلَةِ مِن مالِهِ، والدِرْهَمَ الطَيِّبَ بِالزائِفِ مِن مالِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ والزُهْرِيُّ والسُدِّيُّ والضَحّاكُ.

وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ: لا تَأْكُلُوا أمْوالَهم خَبِيثًا، وتَدْعُوا أمْوالَكم طَيِّبًا.

وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَتَعَجَّلُوا أكْلَ الخَبِيثِ مِن أمْوالِهِمْ، وتَدَّعُوا انْتِظارَ الرِزْقِ الحَلالِ مِن عِنْدِ اللهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ.

والخَبِيثُ والطَيِّبُ: إنَّما هو هُنا بِالتَحْلِيلِ والتَحْرِيمِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أنَّهُ قَرَأ: "تَّبَدَّلُوا" بِإدْغامِ التاءِ، في التاءِ وجازَ في ذَلِكَ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، لِأنَّ أحَدَهُما حَرْفُ مَدٍّ ولِينٍ يُشْبِهُ الحَرَكَةَ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ ﴾ اسْتَوى الأيْتامُ في النَهْيِ عن أكْلِ "أمْوالِهِمْ"، كانُوا ورَثَةً مَمْنُوعِينَ مِنَ المِيراثِ ومَحْجُورِينَ، والآيَةُ نَصٌّ في قَصْدِ مالِ اليَتِيمِ بِالأكْلِ والتَمَوُّلِ عَلى جَمِيعِ وُجُوهِهِ.

ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ ناهِيَةٌ عَنِ الخَلْطِ في الإنْفاقِ، فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ تَخْلِطُ نَفَقَتَها بِنَفَقَةِ أيْتامِها فَنُهُوا عن ذَلِكَ، ثُمَّ نَسَخَ مِنهُ النَهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ  ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقالَ ابْنُ فُورَكٍ عَنِ الحَسَنِ: إنَّهُ تَأوَّلَ الناسُ مِن هَذِهِ الآيَةِ النَهْيَ عَنِ الخَلْطِ فاجْتَنَبُوهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، فَخَفَّفَ عنهم في آيَةِ البَقَرَةِ، وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ: "إلى" بِمَعْنى "مَعَ"، وهَذا غَيْرُ جَيِّدٍ.

ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم مَعَ أمْوالِكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَقْرِيبٌ لِلْمَعْنى، لا أنَّهُ أرادَ أنَّ الحَرْفَ بِمَعْنى الآخَرِ.

وقالَ الحُذّاقُ: "إلى" هي عَلى بابِها وهي تَتَضَمَّنُ الإضافَةَ، التَقْدِيرُ: لا تُضِيفُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكم في الأكْلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ مَن أنْصارِي إلى اللهِ  ﴾ أيْ: مَن يَنْضافُ إلى اللهِ في نُصْرَتِي؟

والضَمِيرُ فِي: "إنَّهُ" عائِدٌ عَلى الأكْلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الفِعْلُ الظاهِرُ، والحُوبُ: الإثْمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وغَيْرُهُما، تَقُولُ: حابَ الرَجُلُ يَحُوبُ حُوبًا وحابًا إذا أثِمَ، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ الأسْكَرِ.

وإنَّ مُهاجِرَيْنِ تَكَنَّفاهُ غَداةَ إذٍ لَقَدْ خَطِئا وحابا وقَرَأ الحَسَنُ: "حَوْبًا" بِفَتْحِ الحاءِ، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، وقِيلَ: هو بِفَتْحِ الحاءِ المَصْدَرُ وبِضَمِّها الِاسْمُ.

وتَحَوَّبَ الرَجُلُ إذا ألْقى الحُوبَ عن نَفْسِهِ، وكَذَلِكَ تَحَنَّثَ وتَأثَّمَ وتَحَرَّجَ، فَإنَّ هَذِهِ الأرْبَعَةَ بِخِلافِ "تَفَعَّلَ" كُلِّهِ، لِأنَّ تَفَعَّلَ مَعْناهُ: الدُخُولُ في الشَيْءِ كَتَعَبَّدَ وتَكَسَّبَ وما أشْبَهَهُ، ويَلْحَقُ بِهَذِهِ الأرْبَعَةِ تَفَكَّهُونَ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ  ﴾ أيْ: تَطْرَحُونَ الفُكاهَةَ عن أنْفُسِكُمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ إنّا لَمُغْرَمُونَ  ﴾ ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ  ﴾ أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: "كَبِيرًا" نَصٌّ عَلى أنَّ أكْلَ مالِ اليَتِيمِ مِنَ الكَبائِرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خِفْتُمْ هُنا بِمَعْنى: أيْقَنْتُمْ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشاعِرِ:: فَقُلْتُ لَهم خافُوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ ∗∗∗........................

وما قالَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، ولا يَكُونُ الخَوْفُ بِمَعْنى اليَقِينِ بِوَجْهٍ وإنَّما هو مِن أفْعالِ التَوَقُّعِ، إلّا أنَّهُ قَدْ يَمِيلُ الظَنُّ فِيهِ إلى إحْدى الجِهَتَيْنِ.

وأمّا أنْ يَصِلَ إلى حَدِّ اليَقِينِ فَلا.

و"تُقْسِطُوا" مَعْناهُ تَعْدِلُوا، يُقالُ: أقْسَطَ الرَجُلُ إذا عَدَلَ، وقَسَطَ إذا جارَ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والنَخْعِيُّ: "ألّا تَقْسِطُوا" بِفَتْحِ التاءِ مِن "قَسَطَ" عَلى تَقْدِيرِ زِيادَةِ "لا" كَأنَّهُ قالَ: وإنْ خِفْتُمْ أنْ تَجُورُوا.

واخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ الآيَةِ؛ فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: نَزَلَتْ في أولِياءِ اليَتامى الَّذِينَ يُعْجِبُهم جَمالُ ولِيّاتِهِمْ، فَيُرِيدُونَ أنْ يَبْخَسُوهُنَّ في المَهْرِ لِمَكانِ وِلايَتِهِمْ عَلَيْهِنَّ، فَقِيلَ لَهُمْ: أقْسِطُوا في مُهُورِهِنَّ، فَمَن خافَ ألّا يُقْسِطَ فَلْيَتَزَوَّجْ ما طابَ لَهُ مِنَ الأجْنَبِيّاتِ اللَواتِي يُكايِسْنَ في حُقُوقِهِنَّ، وقالَهُ رَبِيعَةُ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّ الرَجُلَ مِنهم كانَ يَتَزَوَّجُ العَشْرَ وأكْثَرَ وأقَلَّ، فَإذا ضاقَ مالُهُ مالَ عَلى مالِ يَتِيمِهِ فَتَزَوَّجَ مِنهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: إنْ خِفْتُمْ عَجْزَ أمْوالِكم حَتّى تَجُورُوا في اليَتامى فاقْتَصِرُوا.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُدِّيُّ وقَتادَةُ وابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ العَرَبَ كانَتْ تَتَحَرَّجُ في أمْوالِ اليَتامى، ولا تَتَحَرَّجُ في العَدْلِ بَيْنَ النِساءِ، كانُوا يَتَزَوَّجُونَ العَشْرَ وأكْثَرَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، أيْ كَما تَخافُونَ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى،، فَكَذَلِكَ فَتَحَرَّجُوا في النِساءِ، وانْكِحُوا عَلى هَذا الحَدِّ الَّذِي يَبْعُدُ الجَوْرُ عنهُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما الآيَةُ تَحْذِيرٌ مِنَ الزِنى وزَجْرٌ عنهُ، أيْ: كَما تَتَحَرَّجُونَ في مالِ اليَتامى فَكَذَلِكَ فَتَحَرَّجُوا مِنَ الزِنى، وانْكِحُوا عَلى ما حَدَّ لَكم.

قالَ الحَسَنُ وأبُو مالِكٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ما طابَ مَعْناهُ: ما حَلَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ المُحَرَّماتِ مِنَ النِساءِ كَثِيرٌ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، "مَن طابَ" عَلى ذِكْرِ مَن يَعْقِلُ، وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّ "ما" في هَذِهِ الآيَةِ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ ما دُمْتُمْ تَسْتَحْسِنُونَ النِكاحَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا المَنزَعِ ضَعْفٌ: وقالَ: "ما" ولَمْ يَقُلْ "مَن" لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَعْيِينَ مَن يَعْقِلُ، وإنَّما أرادَ النَوْعَ الَّذِي هو الطَيِّبُ مِن جِهَةِ التَحْلِيلِ، فَكَأنَّهُ قالَ: فانْكِحُوا الطَيِّبَ.

وهَذا الأمْرُ بِالنِكاحِ هو نَدْبٌ لِقَوْمٍ وإباحَةٌ لِآخَرِينَ بِحَسَبِ قَرائِنِ المَرْءِ، والنِكاحُ في الجُمْلَةِ والأغْلَبِ مَندُوبٌ إلَيْهِ، قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "مَنِ اسْتَطاعَ مِنكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ".» و"مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ": مَوْضِعُها مِنَ الإعْرابِ نَصْبٌ عَلى البَدَلِ مِن ما طابَ، وهي نَكِراتٌ لا تَنْصَرِفُ لِأنَّها مَعْدُولَةٌ وصِفَةٌ، كَذا قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقالَ غَيْرُهُ: هي مَعْدُولَةٌ في اللَفْظِ وفي المَعْنى، وأيْضًا فَإنَّها مَعْدُولَةٌ وجَمْعٌ، وأيْضًا فَإنَّها مَعْدُولَةٌ مُؤَنَّثَةٌ، قالَ الطَبَرِيُّ: هي مَعارِفُ لِأنَّها لا تَدْخُلُها الألِفُ واللامُ، وخَطَّأ الزَجّاجُ هَذا القَوْلَ، وهي مَعْدُولَةٌ عَنِ اثْنَيْنِ وثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ، إلّا أنَّها مُضَمَّنَةٌ تَكْرارَ العَدَدِ إلى غايَةِ المَعْدُودِ، وأنْشَدَ الزَجّاجُ لِشاعِرٍ: ولَكِنَّما أهْلِي بِوادٍ أنِيسُهُ ذِئابٌ ∗∗∗ تَبَغّى الناسَ مَثْنىً ومَوْحَدُ فَإنَّما مَعْناهُ: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وواحِدًا واحِدًا، وكَذَلِكَ قَوْلُكَ: جاءَ الرِجالُ مَثْنى وثُلاثَ، فَإنَّما مَعْناهُ: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وثَلاثَةً ثَلاثَةً.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابَ وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَرُبَعَ" ساقِطَةَ الألِفِ، وتِلْكَ لُغَةٌ مَقْصِدُها التَخْفِيفُ كَما قالَ الشاعِرُ: عَلى لِسانِ الضَبِّ: لا أشْتَهِي أنْ أرِدا ∗∗∗ إلّا عَرادًا عَرِدا وصِلِيّانًا بَرِدا ∗∗∗ وعنكَثًا مُلْتَبِدا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أو ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ قالَ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ: المَعْنى ألّا تَعْدِلُوا في المَيْلِ والمَحَبَّةِ والجِماعِ والعِشْرَةِ بَيْنَ الأرْبَعِ أوِ الثَلاثِ أوِ الاثْنَتَيْنِ، ويَتَوَجَّهُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّها نَزَلَتْ فِيمَن يَخافُ أنْ يُنْفِقَ مالَ اليَتامى في نِكاحاتِهِ، أنْ يَكُونَ المَعْنى: ألّا تَعْدِلُوا في نِكاحِ الأرْبَعِ والثَلاثِ حَتّى تُنْفِقُوا فِيهِ أمْوالَ يَتاماكُمْ، أيْ: فَتَزَوَّجُوا واحِدَةً بِأمْوالِكُمْ، أو تَسَرَّوْا مِنها.

ونُصِبَ "واحِدَةً" بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: فانْكِحُوا واحِدَةً.

وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ والحَسَنُ: "فَواحِدَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وتَقْدِيرُ الخَبَرِ: فَواحِدَةٌ كافِيَةٌ، أو ما أشْبَهَهُ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عن أبِي عَمْرٍو.

و"ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ" يُرِيدُ بِهِ الإماءَ، والمَعْنى: إنْ خافَ ألّا يَعْدِلَ في عِشْرَةِ واحِدَةٍ فَما مَلَكَتْ يَمِينُهُ.

وأسْنَدَ المِلْكَ إلى اليَمِينِ إذْ هي صِفَةُ مَدْحٍ، واليَمِينُ مَخْصُوصَةٌ بِالمَحاسِنِ لِتَمَكُّنِها، ألا تَرى أنَّها المُنْفِقَةُ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "حَتّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ"» وهي المُعاهِدَةُ المُبايِعَةُ، وبِها سُمِّيَتِ الألِيَّةُ يَمِينًا، وهي المُتَلَقِّيَةُ لِكِتابِ النَجاةِ ولِراياتِ المَجْدِ وقَدْ نَهى عَلَيْهِ السَلامُ عَنِ اسْتِعْمالِها في الِاسْتِنْجاءِ وأمَرَ المَرْءَ بِالأكْلِ بِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اشتمال هذه الآية على كلمة ﴿ اليتامى ﴾ يؤذن بمناسبتها للآية السابقة، بيد أنّ الأمر بنكاح النساء وعددهنّ في جواب شرط الخوف من عدم العدل في اليتامى ممّا خفي وجهُه على كثير من علماء سلف الأمة، إذ لا تظهر مناسبة أي ملازمة بين الشرط وجوابه.

واعلم أنّ في الآية إيجازاً بديعاً إذ أطلق فيها لفظ اليتامى في الشرط وقوبل بلفظ النساء في الجزاء فعلم السامع أنّ اليتامى هنا جمع يتيمة وهي صنف من اليتامى في قوله السابق: ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ [النساء: 2].

وعلم أنّ بين عدم القسط في يتامى النساء، وبين الأمر بنكاح النساء، ارتباطاً لا محالة وإلاّ لكان الشرط عبثاً.

وبيانه ما في «صحيح البخاري»: أنّ عروة بن الزبير سأل عائشة عن هذه الآية فقالت: «يابنَ أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها تشرَكه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوجها بغير أن يُقسط في صداقها فلا يعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنُهوا أن ينكحوهنّ إلاّ أن يقسطوا لهنّ ويبلغوا بهنّ أعلى سنتهنّ في الصداق فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء غيرهنّ.

ثم إنّ الناس استفتوا رسول الله بعد هذه الآية فأنزل الله: ﴿ ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء التي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ﴾ [النساء: 127].

فقول الله تعالى: ﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ [النساء: 127] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا عن أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلاّ بالقسط من أجل رغبتهم عنهنّ إذا كنّ قليلات المال والجمال».

وعائشة لم تسند هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن سياق كلامها يؤذن بأنّه عن توقيف، ولذلك أخرجه البخاري في باب تفسير سورة النساء بسياق الأحاديث المرفوعة اعتداداً بأنها ما قالت ذلك إلاّ عن معاينة حال النزول، وأَفهام المسلمين التي أقرّها الرسول عليه السلام، لا سيما وقد قالت: ثمّ إنّ الناس استفتوا رسول الله، وعليه فيكون إيجاز لفظ الآية اعتداداً بما فهمه الناس ممّا يعلمون من أحوالهم، وتكون قد جمعت إلى حكم حفظ حقوق اليتامى في أموالهم الموروثة حفظ حقوقهم في الأموال التي يستحقّها البنات اليتامى من مهور أمثالهنّ، وموعظة الرجال بأنّهم لمّا لم يجعلوا أواصر القرابة شافعة النساء اللاتي لا مرغِّب فيهنّ لهم فيرغبون عن نكاحهنّ، فكذلك لا يجعلون القرابة سبباً للإجحاف بهنّ في مهورهنّ.

وقولها: ثمّ إنّ الناس استفتوا رسول الله، معناه استفتوه طلباً لإيضاح هذه الآية.

أو استفتوه في حكم نكاح اليتامى، وله يهتدوا إلى أخذه من هذه الآية، فنزل قوله: ﴿ ويستفتونك في النساء ﴾ الآية، وأنّ الإشارة بقوله: ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء ﴾ أي ما يتلى من هذه الآية الأولى، أي كان هذا الاستفتاء في زمن نزول هذه السورة.

وكلامها هذا أحسن تفسير لهذه الآية.

وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدّي، وقتادة: كانت العرب تتحرّج في أموال اليتامى ولا تتحّرج في العدل بين النساء، فكانوا يتزوّجون العشر فأكثر فنزلت هذه الآية في ذلك، وعلى هذا القول فمحلّ الملازمة بين الشرط والجزاء إنّما هو فيما تفرّع عن الجزاء من قوله: ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ﴾ ، فيكون نسج الآية قد حيك على هذا الأسلوب ليدمج في خلاله تحديد النهاية إلى الأربع.

وقال عكرمة: نزلت في قريش، كان الرجل يتزوّج العشر فأكثر فإذا ضاق ماله عن إنفاقهنّ أخذ مال يتيمه فتزوّج منه، وعلى هذا الوجه فالملازمة ظاهرة، لأنّ تزوّج ما لا يستطاع القيام به صار ذريعة إلى أكل أموال اليتامى، فتكون الآية دليلاً على مشروعية سدّ الذرائع إذا غلبت.

وقال مجاهد: الآية تحذير من الزنا، وذلك أنّهم كانوا يتحرّجون من أكل أموال اليتامى ولا يتحرّجون من الزنا، فقيل لهم: إن كنتم تخافون من أموال اليتامى فخافوا الزنا، لأنّ شأن المتنسّك أن يهجر جميع المآثم لا سيما ما كانت مفسدته أشدّ.

وعلى هذا الوجه تضعف الملازمة بين الشرط وجوابه ويكون فعل الشرط ماضياً لفظاً ومعنى.

وقيل في هذا وجوه أخر هي أضعف ممّا ذكرنا.

ومعنى ﴿ ما طاب ﴾ ما حسن بدليل قوله: ﴿ لكم ﴾ ويفهم منه أنّه ممّا حلّ لكم لأن الكلام في سياق التشريع.

وما صَدْقُ ﴿ ما طاب ﴾ النساء فكان الشأن أن يؤتى ب (مَن) الموصولة لكن جيء ب (ما) الغالبة في غير العقلاء، لأنّها نُحِي بها مَنْحى الصفة وهو الطيّب بِلا تعيين ذات، ولو قال (مَنْ) لتبادر إلى إرادة نسوة طيّبات معروفات بينهم، وكذلك حال (ما) في الاستفهام، كما قال صاحب «الكشاف» وصاحب «المفتاح».

فإذا قلت: ما تزوجت؟

فأنت تريد ما صفتها أبكرا أم ثيّباً مثلاً، وإذا قلت: مَن تزوجت؟

فأنت تريد تعيين اسمها ونسبها.

والآية ليست هي المثبتة لمشروعية النكاح، لأنّ الأمر فيها معلّق على حالة الخوف من الجور في اليتامى، فالظاهر أنّ الأمر فيها للإرشاد، وأنّ النكاح شرع بالتقرير للإباحة الأصلية لما عليه الناس قبل الإسلام مع إبطال ما لا يرضاه الدين كالزيادة على الأربع، وكنكاح المقت، والمحرّمات من الرضاعة، والأمر بأن لا يُخْلوه عن الصداق، ونحو ذلك.

وقوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ أحوال من ﴿ طاب ﴾ ولا يجوز كونها أحوالاً من النساء لأنّ النساء أريد به الجنس كلّه لأن (مِنْ) إمَّا تبعيضية أو بيانية وكلاهما تقتضي بقاء البيان على عمومه، ليصلح للتبعيض وشبهه، والمعنى: أنّ الله وسّع عليكم فلكم في نكاح غير أولئك اليتامى مندوحة عن نكاحهنّ مع الإضرار بهنّ في الصداق، وفي هذا إدماج لحكم شرعي آخر في خلال حكم القسط لليتامى إلى قوله: ﴿ ذلك أدنى ألا تعولوا ﴾ .

وصيغة مَفْعَل وفُعَال في أسماء الأعداد من واحد إلى أربعة، وقيل إلى ستة وقيل إلى عشرة، وهو الأصح، وهو مذهب الكوفيّين، وصحّحه المعرّي في «شرح ديوان المتنبيّ» عند قول أبي الطّيب: أُحَاد أم سُدَاسٌ في آحاد *** لُيَبْلَتُنَا المَنوطةُ بالتنادي تدُلّ كلّها على معنى تكرير اسم العدد لقصد التوزيع كقوله تعالى: ﴿ أولي أجنحة مَثْنَى وثُلاث ورُباع ﴾ [فاطر: 1] أي لطائفة جناحان، ولطائفة ثلاثة، ولطائفة أربعة.

والتوزيع هنا باعتبار اختلاف المخاطبين في السعة والطَّول، فمنهم فريق يستطيع أن يتزوّجوا اثنتين، فهؤلاء تكون أزواجهم اثنتين اثنتين، وهلمّ جرّا، كقولك لجماعة: اقتسِموا هذا المال درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، على حسب أكبركم سنّاً.

وقد دل على ذلك قوله بعد: ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ﴾ .

والظاهر أنّ تحريم الزيادة على الأربع مستفاد من غير هذه الآية لأنّ مجرّد الاقتصار غير كاف في الاستدلال ولكنّه يُستأنس به، وأنّ هذه الآية قرّرت ما ثبت من الاقتصار، على أربع زوجات كما دلّ على ذلك الحديث الصحيح: إنّ غيلان بن سلمة أسلم على عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أمسك أربعاً وفارق سائرهنّ ".

ولعلّ الآية صدرت بذكر العدد المقرّر من قبل نزولها، تمهيداً لشرع العدل بين النساء، فإنّ قوله: ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ﴾ صريح في اعتبار العدل في التنازل في مراتب العدد ينزل بالمكلّف إلى الواحدة.

فلا جرم أن يكون خوفه في كلّ مرتبة من مراتب العدد ينزل به إلى التي دونها.

ومن العجيب ما حكاه ابن العربي في الأحكام عن قوم من الجهّال لم يعيّنهم أنّهم توهّموا أنّ هذه الآية تبيح للرجال تزوّج تسع نساء توهّما بأنّ مثنَى وثُلاث ورُباع مرادفة لاثنين وثلاثاً وأربعاً، وأنّ الواو للجمع، فحصلت تسعة وهي العدد الذي جمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين نسائه، وهذا جهل شنيع في معرفة الكلام العربي.

وفي «تفسير القرطبي» نسبة هذا القول إلى الرافضة، وإلى بعض أهل الظاهر، ولم يعيّنه.

وليس ذلك قولاً لداوود الظاهري ولا لأصحابه، ونسبه ابن الفرس في أحكام القرآن إلى قوم لا يعبأ بخلافهم، وقال الفخر: هم قوم سُدى، ولم يذكر الجصّاص مخالفاً أصلاً.

ونسب ابن الفرس إلى قوم القول بأنّه لا حصر في عدد الزوجات وجعلوا الاقتصار في الآية بمعنى: إلى ما كان من العدد، وتمسّك هذان الفريقان بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسع نسوة، وهو تمسّك واه، فإنّ تلك خصوصية له، كما دلّ على ذلك الإجماع، وتطلُّب الأدلّة القواطع في انتزاع الأحكام من القرآن تطلّب لما يقف بالمجتهدين في استنباطهم موقف الحيرة، فإنّ مبنى كلام العرب على أساس الفطنة.

ومسلكه هو مسلك اللمحة الدالّة.

وظاهر الخطاب للناس يعم الحرّ والعبد، فللعبد أن يتزوّج أربع نسوة على الصحيح، وهو قول مالك، ويعزى إلى أبي الدرداء، والقاسم بن محمد، وسالم، وربيعة بن أبي عبد الرحمان، ومجاهد، وذهب إليه داوود الظاهري.

وقيل: لا يتزوّج العبد أكثر من اثنتين، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وينسب إلى عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وابن سيرين، والحسن.

وليس هذا من مناسب التنصيف للعبيد، لأنّ هذا من مقتضى الطبع الذي لا يختلف في الأحرار والعبيد.

ومن ادّعى إجماع الصحابة على أنّه لا يتزوّج أكثر من اثنتين فقد جازف القول.

وقوله: ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ﴾ ، أي فواحدة لكلّ من يخاف عدم العدل.

وإنّما لم يقل فأُحاد أو فمَوْحَد لأنّ وزن مَفعل وفُعال في العدد لا يأتي إلاّ بعد جمع ولم يجر جمع هنا.

وقرأ الجمهور: فواحدة بالنصب، وانتصب واحدة على أنّه مفعول لمحذوف أي فانكحوا واحدة.

وقرأه أبو جعفر بالرفع على أنه مبتدأ وخبره محذوف أي كفاية.

وخوف عدم العدل معناه عدم العدل بين الزوجات، أي عدم التسوية، وذلك في النفقة والكسوة والبشاشة والمعاشرة وترك الضرّ في كلّ ما يدخل تحت قدرة المكلّف وطوقه دون ميل القلب.

وقد شرع الله تعدّد النساء للقادر العادل لِمصالح جمّة: منها أنّ في ذلك وسيلة إلى تكثير عدد الأمة بازدياد المواليد فيها، ومنها أنّ ذلك يعين على كفالة النساء اللائي هنّ أكثر من الرجال في كلّ أمّة لأنّ الأنوثة في المواليد أكثر من الذكورة، ولأنّ الرجال يعرض لهم من أسباب الهلاك في الحروب والشدائد ما لا يعرض للنساء، ولأنّ النساء أطول أعماراً من الرجال غالباً، بما فطرهنّ الله عليه، ومنها أنّ الشريعة قد حرّمت الزنا وضيّقت في تحريمه لمّا يجرّ إليه من الفساد في الأخلاق والأنساب ونظام العائلات، فناسب أن توسّع على الناس في تعدّد النساء لمن كان من الرجال ميّالاً للتعدّد مجبولاً عليه، ومنها قصد الابتعاد عن الطلاق إلاّ لضرورة.

ولم يكن في الشرائع السالفة ولا في الجاهلية حدّ للزوجات، ولم يثبت أن جاء عيسى عليه السلام بتحديد للتزوّج، وإن كان ذلك توهّمه بعض علمائنا مثل القرافي، ولا أحسبه صحيحاً، والإسلام هو الذي جاء بالتحديد، فأمّا أصل التحديد فحكمته ظاهرة: من حيث إنّ العدل لا يستطيعه كلّ أحد، وإذا لم يقم تعدّدُ الزوجات على قاعدة العدل بينهنّ اختلّ نظام العائلة، وحدثت الفتن فيها، ونشأ عقوق الزوجات أزواجهنّ، وعقوق الأبناء آباءهم بأذاهم في زوجاتهم وفي أبنائهم، فلا جرم أن كان الأذى في التعدّد لمصلحة يجب أن تكون مضبوطة غير عائدة على الأصل بالإبطال.

وأمّا الانتهاء في التعدّد إلى الأربع فقد حاول كثير من العلماء توجيهه فلم يبلغوا إلى غاية مرضية، وأحسب أنّ حكمته ناظرة إلى نسبة عدد النساء من الرجال في غالب الأحوال، وباعتبار المعدّل في التعدّد فليس كلّ رجل يتزوّج أربعاً، فلنفرض المعدّل يكشف عن امرأتين لكلّ رجل، يدلّنا ذلك على أنّ النساء ضعف الرجال.

وقد أشار إلى هذا ما جاء في «الصحيح»: أنه يكثر النساء في آخر الزمان حتّى يكون لخمسين امرأةً القيِّم الواحد.

وقوله: ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ إن عطف على قوله: ﴿ فواحدة ﴾ ، فقد خيّر بينه وبين الواحدة باعتبار التعدّد، أي فواحدة من الأزواج أو عدد ممّا ملكت أيمانكم، وذلك أنّ المملوكات لا يشترط فيهنّ من العدل ما يشترط في الأزواج، ولكن يشترط حسن المعاملة وترك الضرّ، وإن عطفتَه على قوله: ﴿ فانكحوا ما طاب ﴾ كان تخييراً بين التزوّج والتسرّي بحسب أحوال الناس، وكان العدل في الإماء المتّخذات للتسرّي مشروطاً قياساً على الزوجات، وكذلك العدد بحسب المقدرة غير أنّه لا يمتنع في التسرّي الزيادة على الأربع لأنّ القيود المذكورة بين الجمل ترجع إلى ما تقدّم منها.

وقد منع الإجماع من قياس الإماء على الحراير في نهاية العدد، وهذا الوجه أدخل في حكمة التشريع وأنظم في معنى قوله: ﴿ ذلك أدنى ألا تعولوا ﴾ والإشارة بقوله ﴿ ذلك أدنى ألا تعولوا ﴾ إلى الحكم المتقدّم، وهو قوله: ﴿ فانكحوا ما طاب لكم ﴾ إلى قوله: ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ باعتبار ما اشتمل عليه من التوزيع على حسب العدل.

وإفراد اسم الإشارة باعتبار المذكور كقوله تعالى: ﴿ ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ﴾ .

و (أدنى) بمعنى أقرب، وهو قرب مجازي أي أحقّ وأعون على أن لا تعُولوا، و«تعولوا» مضارع عال عَوْلاً، وهو فعل واوي العين، بمعنى جار ومال، وهو مشهور في كلام العرب، وبه فسّر ابن عباس وجمهور السلف، يقال: عَال الميزان عَولاً إذا مال، وعال فلان في حكمه أي جار، وظاهر أنّ نزول المكلّف إلى العدد الذي لا يخاف معه عدم العدل أقرب إلى عدم الجور، فيكون قوله: ﴿ أدنى ألا تعولوا ﴾ في معنى قوله: ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا ﴾ فيفيد زيادة تأكيد كراهية الجور.

ويجوز أن تكون الإشارة إلى الحكم المتضمّن له قوله: ﴿ فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ﴾ أي ذلك أسلم من الجور، لأنّ التعدّد يعرّض المكلّف إلى الجور وإن بذل جهده في العدل، إذ للنفس رغبات وغفلات، وعلى هذا الوجه لا يكون قوله: ﴿ أدنى ألا تعولوا ﴾ تأكيداً لمضمون ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا ﴾ ويكون ترغيباً في الاقتصار على المرأة الواحدة أو التعدّد بملك اليمين، إذ هو سدّ ذريعة الجور، وعلى هذا الوجه لا يكون العدل شرطاً في ملك اليمين، وهو الذي نحاه جمهور فقهاء الأمصار في ملك اليمين.

وقيل: «معنى ألا تعولوا» أن لا تكثر عيالكم، مأخوذ من قولهم عال الرجل أهله يعولهم بمعنى مالهم، يعني فاستعمل نفي كثرة العيال على طريق الكناية لأنّ العول يستلزم وجود العيال، والإخبار عن الرجل بأنّه يعول يستلزم كثرة العيال، لأنّه إخبار بشيء لا يخلو عنه أحد فما يخبر المخبر به إلاّ إذا رآه تجاوز الحدّ المتعارف.

كما تقول فلان يأكل، وفلان ينام، أي يأكل كثيراً وينام كثيراً، ولا يصحّ أن يراد كونه معنى لعال صريحاً، لأنّه لا يقال عال بمعنى كثرت عياله، وإنّما يقال أعال.

وهذا التفسير مأثور عن زيد بن أسلم، وقاله الشافعي، وقال به ابن الأعرابي من علماء اللغة وهو تفسير بعيد، وكناية خفيّة، لا يلائم إلاّ أن تكون الإشارة بقوله: ﴿ ذلك ﴾ إلى ما تضمنّه قوله: ﴿ فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ﴾ ويكون في الآية ترغيب في الاقتصار على الواحدة لخصوص الذي لا يستطيع السعة في الإنفاق، لأنّ الاقتصار على الواحدة يقلل النفقة ويقلّل النسل فيُبقي عليه مالَه، ويدفع عنه الحاجة، إلاّ أنّ هذا الوجه لا يلائم قوله: ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ لأنّ تعدّد الإماء يفضي إلى كثرة العيال في النفقة عليهنّ وعلى ما يتناسل منهنّ، ولذلك ردّ جماعة على الشافعي هذا الوجه بين مُفرط ومقتصد.

وقد أغلظ في الردّ أبو بكر الجصّاص في أحكامه حتّى زعم أنّ هذا غلط في اللغة، اشتبه به عال يَعيل بعال يَعُول.

واقتصد ابن العربي في ردّ هذا القول في كتاب الأحكام.

وانتصر صاحب «الكشاف» للشافعي، وأُورد عليهم أنّ ذلك لا يلاقي قوله تعالى: ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ فإن تعدّد الجواري مثل تَعدّد الحرائر فلا مفرّ من الإعالة على هذا التفسير.

وأجيب عنه بجواب فيه تكلّف.

وحكم هذه الآية ممّا أشار إليه قوله: ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾ [النساء: 1].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الحَرامُ بِالحَلالِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: هو أنْ يَجْعَلَ الزّائِفَ بَدَلَ الجَيِّدِ، والمَهْزُولَ بَدَلَ السَّمِينِ ويَقُولَ: دِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ، وشاةٌ بِشاةٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ المُسَيِّبِ والزُّهْرِيِّ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: هو اسْتِعْجالُ أكْلِ الحَرامِ قَبْلَ إتْيانِ الحَلالِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ الصِّغارَ والنِّساءَ ويَأْخُذُهُ الرَّجُلُ الأكْبَرُ، فَكانَ يَسْتَبْدِلُ الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ لِأنَّ نَصِيبَهُ مِنَ المِيراثِ طَيِّبٌ، وأخْذَهُ الكُلَّ خَبِيثٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ ﴾ أيْ مَعَ أمْوالِكم، وهو أنْ يَخْلِطُوها بِأمْوالِهِمْ لِتَصِيرَ في ذِمَّتِهِمْ فَيَأْكُلُوا رِبْحَها.

﴿ إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ والحُوبُ: الإثْمُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: تَحَوَّبَ فُلانٌ مِن كَذا، إذا تَوَقّى، قالَ الشّاعِرُ: فَإنَّ مُهاجِرَيْنِ تَكَنَّفاهُ غَداةَ إذٍ لَقَدْ خَطِئا وحابا قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أمْوالِ اليَتامى كَرِهُوا أنْ يُخالِطُوهم وجَعَلَ ولِيُّ اليَتِيمِ يَعْزِلُ مالَهُ عَنْ مالِهِ فَشَكُوا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ  ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ ﴾ » [البَقَرَةِ: ٢٢٠] أيْ فَخالِطُوهم واتَّقُوا إثْمَهُ.

﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي إنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا في نِكاحِ اليَتامى، فانْكِحُوا ما حَلَّ لَكم مِن غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّساءِ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَخافُونَ ألّا يَعْدِلُوا في أمْوالِ اليَتامى، ولا يَخافُونَ أنْ لا يَعْدِلُوا في النِّساءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، يُرِيدُ كَما خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا في أمْوالِ اليَتامى، فَهَكَذا خافُوا ألّا تَعْدِلُوا في النِّساءِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ، وقَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَوَقَّوْنَ أمْوالَ اليَتامى ولا يَتَوَقَّوْنَ الزِّنى، فَقالَ: كَما خِفْتُمْ في أمْوالِ اليَتامى، فَخافُوا الزِّنى، وانْحِكُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِها، أنَّ قُرَيْشًا في الجاهِلِيَّةِ كانَتْ تُكْثِرُ التَّزْوِيجَ بِغَيْرِ عَدَدٍ مَحْصُورٍ، فَإذا كَثُرَ عَلى الواحِدِ مِنهم مُؤَنُ زَوْجاتِهِ، وقَلَّ مالُهُ، مَدَّ يَدَهُ إلى ما عِنْدَهُ مِن أمْوالِ الأيْتامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ إلى النِّساءِ وتَقْدِيرُهُ: فانْحِكُوا مِنَ النِّساءِ ما حَلَّ.

وَهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ إلى النِّكاحِ وتَقْدِيرُهُ: فانْحِكُوا النِّساءَ نِكاحًا طَيِّبًا.

وَهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ تَقْدِيرًا لِعَدَدِهِنَّ وحَصْرًا لِمَن أُبِيحَ نِكاحُهُ مِنهُنَّ وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ مَعْدُولٌ بِهِ عَنِ اثْنَيْنِ وثَلاثٍ وأرْبَعٍ، وكَذَلِكَ أُحادُ ومَوْحَدُ، وثُناءُ ومَثْنى، وثُلاثُ ومَثْلَثُ، ورُباعُ ومَرْبَعُ، وهو اسْمٌ لِلْعَدَدِ مَعْرِفَةٌ، وقَدْ جاءَ الشِّعْرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، قالَ تَمِيمُ بْنُ أبِي مُقْبِلٍ: تَرى العَثَراتِ الزُّرْقَ تَحْتَ لَبانِهِ ∗∗∗ أُحادَ ومَثْنى أضْعَفَتْها كَواهِلُهُ وَقالَ آخَرُ: قَتَلْنا بِهِ مِن بَيْنِ مَثْنى ومَوْحَدٍ ∗∗∗ بِأرْبَعَةٍ مِنكم وآخَرَ خامِسِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولَمْ يُسْمَعْ مِنَ العَرَبِ صَرْفُ ما جاوَزَ الرُّباعَ والمَرْبَعَ عَنْ جِهَتِهِ إلّا في بَيْتٍ لِلْكُمَيْتِ، فَإنَّهُ قالَ في العَشَرَةِ عُشارُ وهو قَوْلُهُ فَلَمْ يَسْتَرِيثُوكَ حَتّى رَمِدْ ∗∗∗ تَ فَوْقَ الرِّجالِ خِصالًا عُشارا وَقالَ أبُو حاتِمٍ: بَلْ قَدْ جاءَ في كَلامِهِمْ مِنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ضَرَبْتُ خُماسَ ضَرْبَةَ عَبْشَمِيٍّ ∗∗∗ أدارَ سُداسَ ألّا يَسْتَقِيما ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا ﴾ يَعْنِي في الأرْبَعِ، ( فَواحِدَةً ) يَعْنِي مِنَ النِّساءِ.

﴿ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ يَعْنِي في الإماءِ.

﴿ ذَلِكَ أدْنى ألا تَعُولُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ألّا يَكْثُرَ مَن تَعُولُونَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

والثّانِي: مَعْناهُ ألّا تَضِلُّوا، وهو قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ، ورَواهُ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: ألّا تَمِيلُوا عَنِ الحَقِّ وتَجُورُوا وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ.

وَأصْلُ العَوْلِ الخُرُوجُ عَنِ الحَدِّ ومِنهُ عَوْلُ الفَرائِضِ لِخُرُوجِها عَنْ حَدِّ السِّهامِ المُسَمّاةِ، وأنْشَدَ عِكْرِمَةُ بَيْتًا لِأبِي طالِبٍ: بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَخِيسُ شَعِيرَةً ∗∗∗ ووازِنِ صِدْقٍ وزْنُهُ غَيْرُ عائِلِ أيْ غَيْرُ مائِلٍ.

وَكَتَبَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ إلى أهْلِ الكُوفَةِ في شَيْءٍ عاتَبُوهُ فِيهِ: إنِّي لَسْتُ بِمِيزانِ قِسْطٍ لا أعُولُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن تَوَجَّهَ إلَيْهِ هَذا الخِطابُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى الأزْواجِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى الأوْلِياءِ، لِأنَّهم كانُوا يَتَمَلَّكُونَ في الجاهِلِيَّةِ صَداقَ المَرْأةِ، فَأمَرَ اللَّهُ بِدَفْعِ صَدُقاتِهِنَّ إلَيْهِنَّ، وهو قَوْلُ أبِي صالِحٍ.

وَأمّا النِّحْلَةُ فَهي العَطِيَّةُ مِن غَيْرِ بَدَلٍ، وسُمِّيَ الدِّينُ نِحْلَةً، لِأنَّهُ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ، وفي تَسْمِيَهِ النَّحْلِ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُمِّيَ نَحْلًا لِما يُعْطِي مِنَ العَسَلِ.

والثّانِي: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَحَلَهُ عِبادَهُ.

وَفي المُرادِ بِالنِّحْلَةِ في الصَّداقِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي فَرِيضَةً مُسَمّاةً، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّهُ نِحْلَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَهُنَّ بَعْدَ أنْ كانَ مِلْكًا لِلْأوْلِياءِ، وهو قَوْلُ أبِي صالِحٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَهْيٌ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِن خِطْبَةِ الشِّغارِ، والنِّكاحِ بِغَيْرِ صَداقٍ، وهو قَوْلُ سُلَيْمانَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أبِي المُعْتَمِرِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ أنْ يَطِيبُوا نَفْسًا بِدَفْعِهِ، كَما يَطِيبُونَ نَفْسًا بِالنَّحْلِ والهِبَةِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.

﴿ فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا ﴾ يَعْنِي الزَّوْجاتِ إنْ طِبْنَ نَفْسًا عَنْ شَيْءٍ مِن صَداقِهِنَّ لِأزْواجِهِنَّ في قَوْلِ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلْأزْواجِ، ولِأوْلِيائِهِنَّ في قَوْلِ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلْأوْلِياءِ.

﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ الهَنِيءُ ما أعْقَبَ نَفْعًا وشِفاءً، ومِنهُ هَنَأ البَعِيرُ لِلشِّفاءِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ مُتَبَدِّلًا تَبْدُو مَحاسِنُهُ ∗∗∗ يَضَعُ الهَناءَ مَواضِعَ النُّقُبِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله: ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ﴾ قالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في مالها ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره.

فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن، وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية.

فأنزل الله: ﴿ ويستفتونك في النساء ﴾ [ البقرة: 220] قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى ﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ [ النساء: 127] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال.

فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من باقي النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال.

وأخرج البخاري عن عائشة.

أن رجلاً كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عذق فكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء.

فنزلت فيه ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ﴾ أحسبه قال كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عائشة قالت: نزلت هذه الآية في اليتيمة تكون عند الرجل وهي ذات مال، فلعله ينكحها لمالها وهي لا تعجبه، ثم يضربها ويسيء صحبتها.

فوعظ في ذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: كان الرجل من قريش يكون عند النسوة ويكون عند الأيتام، فيذهب ماله فيميل على مال الأيتام.

فنزلت هذه الآية ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة في الآية قال: كان الرجل يتزوّج الأربع والخمس والست والعشر فيقول الرجل: ما يمنعني أن أتزوّج كما تزوّج فلان!

فيأخذ مال يتيمة فيتزوّج به، فنهوا أن يتزوّجوا فوق الأربع.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: كان الرجل يتزوج بمال اليتيم ما شاء الله تعالى، فنهى الله عن ذلك.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قصر الرجال على أربع نسوة من أجل أموال اليتامى.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم والناس على أمر جاهليتهم إلا أن يؤمروا بشيء وينهوا عنه، فكانوا يسألون عن اليتامى ولم يكن للنساء عدد ولا ذكر، فأنزل الله: ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم...

﴾ الآية.

وكان الرجل يتزوج ما شاء فقال: كما تخافون أن لا تعدلوا في اليتامى فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن.

فقصرهم على الأربع.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: كانوا في الجاهلية ينكحون عشراً من النساء الأيامى، وكانوا يعظمون شأن اليتيم، فتفقدوا من دينهم شأن اليتامى، وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية قال: كما خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى فخافوا أن لا تعدلوا في النساء إذا جمعتموهن عندكم.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في الآية قال: كانوا في الجاهلية لا يرزؤن من مال اليتيم شيئاً وهم ينكحون عشراً من النساء وينكحون نساء آبائهم، فتفقدوا من دينهم شأن النساء.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق محمد بن أبي موسى الأشعري عن ابن عباس في الآية يقول: فإن خفتم الزنا فانكحوهن يقول: كما خفتم في أموال اليتامى أن لا تقسطوا فيها كذلك فخافوا على أنفسكم ما لم تنكحوا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية يقول: إن تحرجتم في ولاية اليتامى وأكل أموالهم إيماناً وتصديقاً فكذلك فتحرجوا من الزنا، وانكحوا النساء نكاحاً طيباً مثنى وثلاث ورباع.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن إدريس قال أعطاني الأسود بن عبد الرحمن بن الأسود مصحف علقمة فقرأت ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ بالألف، فحدثت به الأعمش فأعجبه، وكان الأعمش لا يكسرها.

لا يقرأ ﴿ طيب ﴾ بمال، وهي في بعض المصاحف بالياء ﴿ طيب لكم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك ﴿ ما طاب لكم ﴾ قال: ما أحل لكم.

وأخرج ابن جرير عن الحسن وسعيد بن جبير ﴿ ما طاب لكم ﴾ قال: ما حل لكم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عائشة ﴿ ما طاب لكم ﴾ يقول: ما أحللت لكم.

قوله تعالى: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ .

أخرج الشافعي وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن ماجة والنحاس في ناسخه والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر.

أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اختر منهن» - وفي لفظ- «أمسك أربعا وفارق سائرهن» .

وأخرج ابن أبي شيبة والنحاس في ناسخه عن قيس بن الحارث قال: أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: «اختر منهن أربعاً وخل سائرهن» ففعلت.

وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين قال: قال عمر: من يعلم ما يحل للمملوك من النساء؟

قال رجل: أنا.

امرأتين فسكت.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في سننه عن الحكم قال: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن المملوك لا يجمع من النساء فوق اثنتين.

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في ﴿ فإن خفتم أن ألا تعدلوا ﴾ الآية يقول إن خفت أن لا تعدل في أربع فثلاث، وإلا فاثنتين، وإلا فواحدة، فإن خفت أن لا تعدل في واحدة فما ملكت يمينك.

وأخرج ابن جرير عن الربيع.

مثله.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا ﴾ قال في المجامعة والحب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ قال: السراري.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ فكانوا في حلال مما ملكت أيمانكم من الإماء كلهن.

ثم أنزل الله بعد هذا تحريم نكاح المرأة وأمها، ونكاح ما نكح الآباء والأبناء، وأن يجمع بين الأخت والأخت من الرضاعة، والأم من الرضاعة، والمرأة لها زوج حرم الله ذلك حر من حرةٍ أو أمة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ذلك أدنى ألا تعولوا ﴾ قال: أن لا تجوروا قال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث خطأ، والصحيح عن عائشة موقوف.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألا تعولوا ﴾ قال: أن لا تميلوا.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ ذلك أدنى ألا تعولوا ﴾ قال: أجدر أن لا تميلوا.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر: إنا تبعنا رسول الله واطرحوا ** قول النبي وعالوا في الموازين وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والمنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ ألا تعولوا ﴾ قال: أن لا تميلوا.

ثم قال: أما سمعت قول أبي طالب: بميزان قسط لا تخيس سعيرة ** ووازن صدق وزنه غير عائل وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي إسحاق الكوفي قال: كتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: إني لست بميزان لا أعول.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الرحمن وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ألا تعولوا ﴾ قال: أن لا تميلوا.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رزين وأبي مالك والضحاك.

مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال: ﴿ ذلك أدنى ﴾ أن لا يكثر من تعولوا.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: ذلك أقل لنفقتك.

الواحدة أقل من عدد، وجاريتك أهون نفقة من حرة، أهون عليك في العيال.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة ﴿ ألا تعولوا ﴾ قال: أن لا تفتقروا.

والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا ﴾ الآية، ويبخسوهن في الصداق لمكان ولايتهم عليهم، فقيل لهم: أقسطوا في مهورهن، فمن خاف أن لا يقسط فليتزوّج بما طاب له من الأجنبيات اللاتي يوفِّيهن حقوقهن، وقال ابن عباس: إن العرب كانت تتحرج في أموال اليتامى ولا تتحرج في العدل بين النساء، فنزلت الآية في ذلك أي كما تخافون أن لا تقسطوا في اليتامى: كذلك خافوا النساء، وقيل: إن الرجل منهم كان يتزوج العشرة أو أكثر، فإذا ضاق ماله أخذ مال اليتيم، فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فاقتصروا في النساء على ما طاب: أي ما حل، وإنما قال ما، ولم يقل من: لأنه أراد الجنس، وقال الزمخشري: لأن الإناث من العقلاء يجري مجرى غير العقلاء، ومنه قوله: ﴿ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ لا ينصرف للعدل والوصف، وهي حال من ما طاب، وقال ابن عطية: بدل، وهي عدوله عن أعداد مكررة، ومعنى التكرار فيها أن الخطاب لجماعة، فيجوز لكل واحد منهم أن ينكح ما أراد من تلك الأعداد، فتكررت الأعداد بتكرار الناس، والمعنى انكحوا اثنتين أو ثلاث أو أربعاً في ذلك منع لما كان في الجاهلية من تزوج ما زاد على الأربع، وقال قوم لا يعبأ بقولهم: إنه يجوز الجمع بين تسع لأن مثنى وثلاث ورباع: يجمع فيه تسعة، وهذا خطأ، لأن المراد التخيير بين تلك الأ'داد لا الجمع، ولو أراد الجمع لقال تسع ولم يعدل عن ذلك إلى ما هو أطول منه وأقل بياناً، وأيضاً قد انعقد الإجماع على تحريم ما زاد على الرابعة ﴿ فَوَاحِدَةً ﴾ أي إن خفتم أن لا تعدلوا بين الاثنين أو الثلاث أو الأربع: فاقتصروا على واحدة، أو على ملكت أيمانكم من قليل أو كثير.

رغبة في العدول.

وانتصاب واحدةً بفعل مضمر تقديره: فانكحوا واحدة ﴿ ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ الإشارة إلى الاقتصار على الواحدة، والمعنى: أن ذلك أقرب إلى أن لا تعولوا ومعنى تعولوا: تميلوا، وقيل يكثر عيالكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تساءلون ﴾ خفيفاً بحذف التاء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وعباس مخير.

الباقون بالتشديد أي بإدغام تاء التفاعل في السين ﴿ والأرحام ﴾ بالجر حمزة.الباقون بالنصب.

﴿ ما طاب ﴾ بالإمالة: حمزة.

﴿ واحدة ﴾ بالرفع: يزيد: الباقون بالنصب.

﴿ هنيّاً مريّاً ﴾ بالتشديد فيهما: يزيد وحمزة في الوقف على أيهما وقف، وإذا انفرد ﴿ هنيئاً ﴾ / همزها كل القرآن: يزيد.

﴿ قيماً ﴾ ابن عامر ونافع.

الباقون ﴿ قياماً ﴾ ﴿ ضعافاً ﴾ بالإمالة: خلف عن حمزة وابن سعدان والعجلي وخلف لنفسه وقتيبة على أصله.

﴿ وسيصلون ﴾ بضم الياء: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل.

الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ ونساء ﴾ ج.

لأن الجملتين وإن اتفقتا إلا أنه اعترضت المعطوفات ﴿ والأرحام ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ بالطيب ﴾ ص ﴿ إلى أموالكم ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ ورباع ﴾ ج ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ أن لا تعولوا ﴾ ط لابتداء حكم آخر ﴿ نحلة ﴾ ط لأن المشروط خارج عن أصل الشرط الموجب ﴿ مريئاً ﴾ ه ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ النكاح ﴾ ج بناء على أنه ابتداء شرط بعد بلوغ النكاح، أو مجموع الشرط والجواب جواب "إذا" و"حتى" تكون داخلة على جملة شرطية مقدمها حملية، وثالثها شرطية أخرى.

﴿ أموالهم ﴾ ج ﴿ أن يكبروا ﴾ ط لابتداء جملتين متضادتين ﴿ فليستعفف ﴾ ج ﴿ بالمعروف ﴾ ط للعود إلى أصل الموجب بعد وقوع العارض.

﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ والأقربون ﴾ الأول ص ﴿ أو أكثر ﴾ ط بتقدير جعلناه نصيباً مفروضاً ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ خافوا عليهم ﴾ ص ﴿ سديداً ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه.

التفسير: لما كانت هذه السورة مشتملة على تكاليف كثيرة من التعطيف على الأولاد والنساء والأيتام وإيصال حقوقهم إليهم وحفظ أموالهم عليهم، ومن الأمر بالطهارة والصلاة، والجهاد والدية، ومن تحريم المحارم وتحليل غيرهن إلى غير ذلك من السياسات ومكارم الأخلاق التي يناط بها صلاح المعاش والمعاد، افتتح السورة ببعث المكلفين على التقوى.

ومن غرائب القرآن أن فيه سورتين صدرهما ﴿ يا أيها الناس ﴾ إحداهما في النصف الأول وهي الرابعة من سوره، والأخرى في النصف الثاني وهي أيضاً في الرابعة من سوره.

ثم التي في النصف الأول مصدرة بذكر المبدأ ﴿ اتقوا ربكم الذي خلقكم ﴾ والتي في النصف الثاني مصدرة بذكر المعاد ﴿ اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم  ﴾ ثم إنه  علل الأمر بالتقوى بأنه خلقنا من نفس واحدة.

أما القيد الأوّل وهو أنه خلقنا فلا شك أنه علة لوجوب الانقياد لتكاليفه والخشوع لأوامره ونواهيه، لأن المخلوقية هي العبودية ومن شأن العبد امتثال أمر مولاه في كل ما يأمره وينهاه.

وأيضاً الإيجاد غاية الإحسان فيجب مقابلتها بغاية الإذعان، على أن مقابلة نعمته بالخدمة محال لأن توفيق تلك الخدمة نعمة أخرى منه.

وأما القيد الثاني وهو خصوص أنه خلقنا من نفس واحدة، فإنما يوجب علينا الطاعة لأن خلق أشخاص غير محصورة من إنسان واحد مع تغاير أشكالهم وتباين أمزجتهم واختلاف أخلاقهم دليل ظاهر وبرهان باهر على وجود مدبر مختار وحكيم قدير، ولو كان ذلك بالطبيعة أو لعلة موجبة كان كلهم على حد واحد ونسبة واحدة.

ثم في / هذا القيد فوائد أخر منها: أنه يأمر عقبه بالإحسان إلى اليتامى والنسوان، وكونهم متفرعين من أصل واحد وأرومة واحدة أعون على هذا المعنى ولهذا قال  : " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" ومنها أنهم إذا عرفوا ذلك تركوا المفاخرة وأظهروا التواضع وحسن الخلق.

ومنها أن تصوّر ذلك يذكر أمر المعاد فليس الإعادة بأصعب من الإبداء.

ومنها أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزاً للنبي  لأنه لم يقرأ كتاباً.

وأجمع المفسرون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا هو آدم  ، والتأنيث في الوصف نظراً إلى لفظة النفس.

﴿ وخلق منها زوجها ﴾ حواء من ضلع من أضلاعها.

وقال أبو مسلم: المرادوخلق من جنسها زوجها لقوله ﴿ جعل لكم من أنفسكم أزواجاً  ﴾ ولأنه  قادر على خلق حواء من التراب فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم؟

والجواب أن الأمر لو كان كما ذكره أبو مسلم لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة وهو خلاف النص وخلاف ما روي عن النبي  " "أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها" احتج جمع من الطبائعيين بالآية على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة، وإن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال.

والجواب أنه لا يلزم من إحداث شيء في صورة واحدة من المادة لحكمة أن يتوقف الإحداث على المادة في جميع الصور.

قال في الكشاف: قوله: ﴿ وخلق منها ﴾ معطوف على محذوف أي أنشأها وخلق منها، أو معطوف على ﴿ خلقكم ﴾ والخطاب للذين بحضرة رسول الله  أي خلقكم من نفس آدم لأنهم من جنس المفرع منه، وخلق منها أمكم حواء ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾ غيركم من الأمم الفائتة للحصر.

أقول: وإنما التزم الإضمار في الأول والتخصيص في الثاني دفعاً للتكرار، ولا تكرار بالحقيقة إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس خلق زوجها منه ولا خلق الرجال والنساء من الأصلين جميعاً.

نعم لو كان المراد بقوله: ﴿ وخلق منها ﴾ إلى آخره بيان الخلق الأول وتفصيله، لكان الأولى عدم دخول الواو إلا أن المراد وصف ذاته  بالأوصاف الثلاثة جميعاً من غير ترتيب يستفاد من النسق وإلا كان الأنسب أن يقال: "فبث" بالفاء.

فدل العطف بالواو في الجميع على أن المراد هو ما ذكرنا، وأن / التفصيل والترتيب موكول إلى قضية العقل فافهم والله تعالى أعلم.

ومعنى بث فرق ونشر.

وإنما خص وصف الكثرة بالرجال اعتماداً على الفهم، ولأن شهرة الرجال أتم فكانت كثرتهم أظهر.

وفيه تنبيه على أن اللائق بحال الرجال والاشتهار والخروج، واللائق بحال النسوان الاختفاء والخمول.

وإنما يقل الرجال والنساء معرفتين لئلا يلزم كونهما مبثوثين من نفسهما، ثم إن هذا البث معناه محمول على ظاهره عند من يرى أن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر مجتمعين في صلب آدم، وأما عند من ينكر ذلك فالمراد أنه بث منهما أولادهما، ومن أولادهما جمعاً آخرين وهلم جراً، فأضيف الكل إليهما على سبيل المجاز.

﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾ من قرأ بالنصب فللعطف على اسم الله أي واتقوا حق الأرحام فلا تقطعوها وهو اختيار أكثر الأئمة كمجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج.

وأما للعطف على محل الجار والمجرور كقوله: فلسنا بالجبال ولا الحديدا *** وهو اختيار أبى علي الفارسي وعلي بن عيسى.

وقيل: منصوب الإغراء أي والأرحام فاحفظوها وصلوها.

ومن قرأ بالجر فلأجل العطف على الضمير المجرور في ﴿ به ﴾ وهذا وإن كان مستنكراً عند النحاة بدون إعادة الخافض لأن الضمير المتصل من تتمة ما قبله ولا سيما المجرور فأشبه العطف على بعض الكلمة، إلا أن قراءة حمزة مما ثبت بالتواتر عن رسول الله  فلا يجوز الطعن فيها لقياسات نحوية واهية كبيت العنكبوت.

وقد طعن الزجاج فيها من جهة أخرى وهي أنها تقتضي جواز الحلف بالأرحام وقد قال النبي  : " "لا تحلفوا بآبائكم" والجواب أن المنهي عنه هو الحلف بالآباء وههنا حلف أولاً بالله ثم قرن به الرحم فأين أحدهما من الآخر؟

ولئن سلمنا أن الحلف بالرحم أيضاً منهي عنه لكن لا نسلم أنه منهي عنه مطلقاً، وإنما المنهي عنه ما حلف به على سبيل التعظيم، وأما الحلف بطريق التأكيد فلا بأس بها، ولهذا جاء في الحديث "أفلح وأبيه إن صدق" سلمنا أنها منهي عنها مطلقاً لكن المراد ههنا حكاية ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من قولهم في الاستعطاف والتساؤل وهو سؤال البعض البعض: أسألك بالله وبالرحم، وأنشدك الله والرحم.

وقرىء ﴿ والأرحام ﴾ بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف أي والأرحام كذلك أي أنها مما يتقى ويتساءل به.

فإن قيل: لم قال أولاً ﴿ اتقوا ربكم ﴾ ثم قال بعده ﴿ وااتقوا الله ﴾ ؟

قلنا: أما تكرار الأمر فللتأكيد كقولك للرجل: عجل عجل.

وأما تخصيص الرب بالأول والله بالثاني فلأن الغرض في الأول الترغيب بتذكير النعمة والإحسان والتربية، وفي الثاني الترهيب.

ولفظ الله يدل على كمال القدرة والقهر فكأنه قيل: إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته وإلا فإنه شديد العقاب فاتق سخطه.

قال العلماء: في الآية دليل على جواز المسألة بالله.

روى مجاهد عن عمر قال: قال رسول الله  : " "من سألكم بالله فأعطوه" .

وعن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله  بسبع..." منها إبرار القسم.

ولا يخفى ما في الآية من تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها حيث قرن الأرحام باسمه، وقال في سورة البقرة: ﴿ لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى  ﴾ وعن عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله  يقول: قال الله عز وجل: "أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته" وفي الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله  : "الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله" .

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص سمعت رسول الله  يقول: " "ليس الواصل بالمكافىء الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها" عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله  : " الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة " .

فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها، فلهذا بنى أصحاب أبي حنيفة على هذا الأصل مسألتين: إحداهما أن الرجل إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والأخت والعم والخال لأنه لو بقي الملك حل الاستخدام بالإجماع، لكن الاستخدام إيحاش وقطيعة رحم.

والثانية أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها حذراً من / الإيحاش والقطيعة.

ثم إنه ختم الآية بما يتضمن الوعد والوعيد فقال: ﴿ إن الله كان عليكم رقيباً ﴾ مراقباً يحفظ عليكم جميع أعمالكم فيجازيكم بحسبها.

ثم إنه  بعد تقديم موجبات الشفقة على الضعفة ومن له رحم ماسة قال ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وأصل اليتيم الانفراد ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة.

فاليتامى هم الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم.

فاليتيم لغة يتناول الصغير والكبير إلا أنه في عرف الشرع اختص بالذي لم يبلغ الحلم.

قال  : " لا يتم بعد الحلم" .

والمراد أنه إذا احتلم لا تجري عليه أحكام الصغار لأنه في تحصيل مصالحه يستغني بنفسه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره.

فإن قيل: إذا كان اسم اليتيم في الشرع مختصاً بالصغير فما دام يتيماً لا يجوز دفع أمواله إليه، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيماً فكيف قال: ﴿ وآتوا التيامى أموالكم ﴾ ؟

ففي الجواب طريقان: أحدهما أن المراد باليتامى الكبار البالغون، سماهم بذلك على مقتضى اللغة أو لقرب عهدهم باليتم كقوله: ﴿ فألقى السحرة ساجدين  ﴾ أي الذين كانوا سحرة قبل السجود.

ويؤكد هذا الطريق قوله فيما بعد ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ والإشهاد لا يصح قبل البلوغ بل إنما يصح بعد البلوغ.

وقال  : " تستأمر اليتيمة في نفسها " ولا تستأمر إلا وهي بالغة.

وعلى هذا يكون في الآية إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عند حد البلوغ ولا يمطلوا إن أونس منهم الرشد، وأن لا يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار، ويوافقه ما رواه مقاتل والكلبي أنها نزلت "في رجل من غطفان كان معه مال كثير لأبن أخ يتيم.

فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى رسول الله  فنزلت الآية.

فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله.

فقال النبي  : من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره - يعني جنته -.

فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله فقال النبي  : ثبت الأجر وبقي الوزر.

فقالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بيقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟

فقال: ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده" .

قيل: لأنه كان مشركاً.

الطريق الثاني أن المراد بهم الصغار أي الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتيم أموالهم، وآتوهم من أموالهم ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم، والخطاب للأولياء والأوصياء.

﴿ ولا / تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ قال الفراء والزجاج: أي لا تستبدلوا الحرام - وهو مال اليتامى - بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه.

والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز كالتعجل بمعنى الاستعجال والتأخر بمعنى الاستئخار، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث - وهو اختزال أموال اليتامى والاعتزال عنها حتى تتلف - بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها.

وقال كثير من المفسرين: هذا التبدل هو أن يأخذ الجيد من مال اليتيم ويجعل مكانه الرديء، قال صاحب الكشاف: هذا ليس بتبدل وإنما هو تبديل.

يريد أن الباء في بدل تدخل على المأخوذ، وفي تبدل على المعطى.

ولما كان المأخوذ الطيب كان تبديلاً.

ثم وجهه بأنه لعله يكارم صديقاً له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي فيكون الباء في موضعه.

وقيل: معنى الآية أن يأكل مال اليتيم سلفاً مع التزام بدلة بعد ذلك فيكون متبدلاً الخبيث بالطيب.

﴿ ولا تأكلوا أموالهم ﴾ منضمة ﴿ إلى أموالكم ﴾ وفي الانفاق تسوية بين المالين في الحل ﴿ إنه ﴾ أي الأكل ﴿ كان حوباً كبيراً ﴾ ذنباً عظيماً.

والحاب مثله، والتركيب يدور على الضعف، والمراد بالأكل مطلق التصرف إلا أنه خص بالذكر لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف.

وقيل: "إلى" ههنا بمعنى "مع" والفائدة في زيادة قوله: ﴿ إلى أموالكم ﴾ أكل أموال اليتامى محرم على الإطلاق زيادة التقبيح والتوبيخ لأنهم إذا كانوا مستغنين عنها بما لهم من المال الحلال ومع ذلك طمعوا في مال اليتيم كانوا بالذم أحرى، ولأنهم كانوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم.

﴿ وإن خفتم ألاتقسطوا ﴾ أقسط الرجل عدل وقسط جار.

وقال الزجاج: أصلهما جميعاً من القسط وهو النصيب.

فإذا قالوا قسط فمعناه ظلم صاحبه في قسطه من قولهم: قاسطته فقسطته أي غلبته على قسطه.

وإذا قالوا أقسط بالهمز فمعناه صار ذا قسط مثل أنصف إذا أتى بالنصف فيلزمه العدالة والتسوية.

واعلم أن قوله: ﴿ وإن خفتم ﴾ شرط وقوله: ﴿ فانكحوا ﴾ جواب له.

ولا بد من بيان أن هذا الجزاء كيف يتعلق بهذا الشرط وللمفسرين فيه وجوه: الأول ما روي عن عروة "أنه قال: قلت لعائشة: ما معنى قول الله  : ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ﴾ فقالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب الرجل في مالها وجمالها إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها.

ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة ردية لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها.

فقال  وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا غيرهن ما طاب لكم من العدد.

قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله  بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله  ﴿ يستفتونك في النساء  ﴾ الآية." فقوله فيها: ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب / في يتامى النساء  ﴾ المراد منه هذه الآية وهي قوله: ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾ .

وعبر في الكشاف عن هذه الرواية بعبارة أخرى وهي: كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال أو يكون وليها فيتزوجها ضناً بها عن غيره، فربما اجتمعت عنده عشر منهن فيخاف لضعفهن وفقد من يغضب لهن أن يظلمهن حقوقهن ويفرط فيما يجب لهن فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ﴿ ما طاب لكم ﴾ .

الثاني وهو قول سعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي منقولاً عن ابن عباس: لما نزلت الآية المتقدمة وما في أكل أموال اليتامى من الحوب الكبير، خاف الأولياء لحوق الحوب فتحرجوا من ولاية اليتامى.

وكان الرجل منهم ربما كانت تحته العشر من الأزواج وأكثر فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهم فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فكونوا خائفين من ترك العدل بين النساء لأنهن كالتيامى في تعجيز والضعف، فقللوا عدد المنكوحات لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فكأنه غير متحرج.

الثالث: كانوا لا يتحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم ذلك فكونوا خائفين من الزنا أيضاً وانكحوا ما حل لكم من النساء.

الرابع روي عن عكرمة كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام فإذا أنفق مال نفسه على النسوة أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن.

فقيل: إن خفتم أن تظلموا اليتامى بأكل أموالهم عند كثرة الزوجات فقد حظرت لكم أن تنكحوا أكثر من أربع ليزول هذا الخوف، فإن خفتم في الأربع أيضاً فواحدة، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع والناقص وهو الواحدة، ونبه بذلك على ما بينهما فكأنه قيل: إن خفتم الأربع فثلاثاً وإن خفتم فاثنتين وإن خفتم فواحدة.

قال الظاهريون: النكاح واجب لقوله: ﴿ فانكحوا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب.

وعورض بقوله  : ﴿ ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم  ﴾ ولو سلم فالوجوب بحالة الخوف فلا يلزم منه الوجوب على الإطلاق وأيضاً الآية سيقت لبيان وجوب تقليل الأزواج لا لأصل الوجوب وإنما قال: ﴿ ما طاب ﴾ ولم يقل من طاب لأنه أراد به الجنس.

تقول: ما عندك؟

فيقال: رجل أو امرأة.

تريد ما ذلك الشيء الذي عندك أو ما تلك الحقيقة.

ولأن الإناث من العقلاء تنزل منزلة غير العقلاء ومنه قوله  : ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ ولأن "ما" و"من" يتعاقبان.

قال  ﴿ والسماء وما بناها  ﴾ ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ {النور:45].

قال المفسرون: معنى ﴿ ما طاب لكم ﴾ أي ما حل لكم من النساء لأن فيهن من يحرم نكاحها كما سيجيء.

واعترض عليه الإمام بأن قوله: ﴿ فانكحوا ﴾ أمر إباحة فيؤول المعنى إلى قوله: أبحت لكم نكاح من هي مباحة لكم وهذا كلام مستدرك سلمناه، لكن الآية تصير مجملة لأن أسباب الحل والإباحة غير مذكورة في هذه الآية.

وإذا حملنا الطيب / عن استطابة النفس وميل القلب كانت الآية عامة دخلها التخصيص وأنه أولى من الإجمال عند التعارض لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجمل لا يكون حجة أصلاً، والجواب عن الأول أن ذكر الشيء ضمناً ثم صريحاً لا يعد تكراراً بدليل قوله: ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ } [البقرة:57] وعن الثاني أن قوله: ﴿ ما طاب لكم ﴾ بمعنى ما حل لكم إذا كان إشارة إلى ما بقي بعد ما أخرجته آية التحريم فلا إجمال.

وأما قوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ ولم يوجد في كلام الفصحاء إلا هذه، وأحاد وموحد وجوّزوا إلى عشار ومعشر قياساً على قول الكميت: ولم يستر يثوك حتى رميت *** فوق الرجال خصالاً عشارا فاتفق النحويون على أن فيها عدلاً محققاً.

وذلك أن فائدتها تقسيم أمر ذي أجزاء على عدد معين، ولفظ المقسوم عليه في غير العدد مكرر على الإطراد في كلام العرب نحو: قرأت الكتاب جزءاً جزءاً، وجاءني القوم رجلاً رجلاً وجماعة جماعة.

وكان القياس في باب العدد أيضاً التكرير عملاً بالاستقراء وإلحاقاً للفرد المتنازع فيه بالأعم الأغلب، فلما وجد ثلاث مثلاً غير مكرر لفظاً حكم بأن أصله لفظ مكرر وليس إلأ ثلاثة ثلاثة.

فعند سيبويه منع صرف مثل هذا للعدل والوصف الأصلي، فإن هذا التركيب لم يستعمل إلا وصفاً بخلاف المعدول عنه.

وقيل: إن فيه عدلاً مكرراً من حيث اللفظ لأن أصله كان ثلاثة ثلاثة مرتين فعدل إلى واحد ثم إلى لفظ ثلاث أو مثلث.

وقيل: إن فيه العدل والتعريف إذ لا يدخله اللام خلافاً لما في الكشاف.

وإذا جرى على النكرة فمحمول على البدل، وضعف بعدم جريانه على المعارف ولوقوعه حالاً.

فمعنى الآية فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثاً وثلاثاً وأربعاً أربعاً، فإن خفتم أن لا تعدلوا بين هذه الأعداد فواحدة.

فمن قرأ بالنصب أراد: فاختاروا أو انكحوا أو الزموا واحدة، ومن قرأ بالرفع أراد: فكفت واحدة أو فحسبكم واحدة وذروا الجمع رأساً فإن الأمر كله يدور مع العدل فأينما وجدتموه فعليكم به.

ثم قال: ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ فسوّى في السهولة بين الحرة الواحدة وبين ما شاء من الإماءة لأنهن أقل تبعة وأخف مؤنة من المهائر لا على المرء أكثر منهن أو أقل، عدل بينهن في القسم أم لم يعدل، عزل عنهن أم لم يعزل، ولما كانت التسوية بينها وبينهن احتج بها الشافعي في بيان أن نوافل العبادات أفضل من النكاح وذلك للإجماع على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري، فوجب أن يكون أفضل من النكاح لأن الزائد على أحد المتساويين يكون زائداً على المساوي الآخر، ولمانع أن يمنع التسوية فإن قول الطبيب مثلاً / للمريض: كل التفاح أو الرمان يحتمل أن يكون للتسوية بينهما وقد يكون للمقاربة أي إن لم تجد التفاح فكل الرمان فإنه قريب منه في دفع الحاجة للضرورة، ومع وجود هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال على أن فضل الحرة على الأمة معلوم شرعاً وعقلاً.

وههنا مسألتان: الأولى أكثر الفقهاء على أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد، لأن هذا الخطاب إنما يتناول إنساناً متى طابت له امرأة قدر على نكاحها والعبد ليس كذلك لأنه لا يمكن من النكاح إلا بإذن مولاه.

وأيضاً إنه قال بعد ذلك ﴿ فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ﴾ وهذا لا يكون إلا للأحرار، فكذا الخطاب الأوّل لأن هذه الخطابات وردت متتالية على نسق واحد فيبعد أن يدخل التقييد في اللاحق دون السابق.

وكذا قوله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ والعبد لا يأكل فيكون لسيده.

وقال مالك: يحل للعبد أن يتزوج بالأربع تمسكاً بظاهر الآية.

ومن الفقهاء من سلم أن ظاهر الآية يتناول العبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس.

قالوا: أجمعنا على أن الرق له تأثير في نقصان حقوق النكاح كالطلاق والعدة، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر.

الثانية ذهب جماعة إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد لأن قوله: ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ إطلاق في جميع الأعداد لصحة استثناء كل عدد منه، وقوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ لا يصلح مخصصاً لذلك العموم لأن تخصيص بعض الأعداد بالذكر لا ينافي ثبوت الحكم في الباقي، بل نقول: ذكرها يدل على نفي الحرج والحجر مطلقاً، فإن من قال لولده افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدرسة وإلى البستان كان تصريحاً في أن زمام الاختيار بيده ولا يكون تخصيصاً.

وايضاً ذكر جميع الأعداد متعذر، فذكر بعضها تنبيه على حصول الإذن في جميعها.

ولئن سلمنا لكن الواو للجمع المطلق فيفيد الإذن في جمع تسعة بل ثمانية عشر لتضعيف كل منها.

وأما السنة فلما ثبت بالتواتر أنه  مات عن تسع وقد أمرنا باتباعه في قوله: ﴿ فاتبعوه  ﴾ وأقل مراتب الأمر الإباحة، وقد قال  " "فمن رغب عن سنتي فليس مني" والمعتمد عند الجمهور في جوابهم أمران: أحدهما الخبر كنحو ما روي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال  : " أمسك أربعاً وفارق واحدة" وزيف بأن القرآن دل على عدم الحصر، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز، وبأن الأمر بمفارقة الزائدة قد يكون لمانع النسب أو الرضاع.

وأقول: إن القرآن لم / يدل على عدم الحصر، غايته أنه لم يدل على الحصر فيكون مجملاً.

وبيان المجمل بخبر الواحد جائز, وأيضاً قوله "أمسك أربعاً" على الإطلاق وكذا "فارق واحدة" دليل على أن المانع هو الزيادة على الأربع لا غيرها، وكذا في نظائر هذا الحديث.

وثانيهما إجماع فقهاء الأمصار.

وضعف بأن الإجماع مع وجود المخالف لا ينعقد، وبتقدير التسليم فإن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به.

والجواب أن المخالف إذا كان شاذاً فلا يعبأ به، والقرآن لم يدل على عدم الحصر حتى يلزم نسخ الإجماع إياه ولكن الإجماع دل على وجود مبين في زمان الرسول  .

ولئن سلم أن القرآن دل على عدم الحصر فالإجماع يكشف عن وجود ناسخ في عهده وذلك جائز بالاتفاق.

لا يقال: فعلى تقدير الحصر كان ينبغي أن يقال مثنى أو ثلاث أو رباع بأو الفاصلة، لأنا نقول: يلزم حينئذٍ أن لا يجوز النكاح إلا على أحد هذه الأقسام، فلا يجوز لبعضهم أن يأتي بالتثنية، ولفريق ثان بالتثليث، والآخرين بالتربيع، فيذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو.

﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ أي اختيار الواحدة أو التسري أقرب من أن لا تميلوا أو لا تجوروا.

وكلا اللفظين مروي عن عائشة عن النبي  من قولهم: عال الميزان عولاً إذا مال.

وعال الحاكم في حكمه إذا جار.

ومنه عالت الفريضة إذا زادت سهامها.

وفيه الميل عن الاعتدال.

وقيل: معناه أن لا تفتقروا.

ورجل عائل أي فقير وذلك أنه إذا قل عياله قلت نفقاته فلم يفتقر.

ونقل عن الشافعي أنه قال: معناه أن لا تكثروا عيالكم.

وطعن فيه بعض القاصرين بأن هذا في اللغة معنى "تعيلوا" لا معنى "تعولوا" يقال: أعال الرجل إذا كثر عياله.

ومنه قراءة طاوس ﴿ أن لا تعيلوا ﴾ وأيضاً إنه لا يناسب أول الآية ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾ وأيضاً هب أنه يقل العيال في اختيار الحرة الواحدة، فكيف يقل عند اختيار التسري ولا حصر لهن؟

والجواب عن الأوّل أن الشافعي لم يذهب إلى تفسير اللغة وإنما زعم أنه  أشار إلى الشيء بذكر لازمه أي جعل الميل والجور كناية عن كثرة العيال، لأن كثرة العيال لا تنفك عن الميل والجور.

وقرر الكناية في الكشاف على وجه آخر، وهو أنه جعل قوله  : ﴿ أن لا تعولوا ﴾ من عال الرجل عياله يعولهم كقولك: مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم.

ولا شك أن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما تصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال.

فالحاصل أنه ذكر اللازم وهو الإنفاق وأراد الملزوم وهو كثرة العيال.

والحاصل على ما قلنا أنه ذكر اللازم وهو الميل والجور وأراد الملزوم وهو كثرة العيال.

والجواب عن الثاني أن حمل الكلام على ما لا يلزم منه تكرار أولي وبتقدير التسليم فتفسير الشافعي أيضاً يؤل إلى تفسير الجمهور لكن بطريق الكناية كما قررنا.

وعن الثالث أن / الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب فينفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضاً فكأنه لا عيال.

وأيضاً إذا عجز المولى باعهن وتخلّص منهن بخلاف المهائر فإن الخلاص عنهن يفتقر إلى تسليم المهر إليهن.

وقال في الكشاف: العزل عن السراري جائز بغير إذنهن فكن مظان قلة الولد بالإضافة إلى التزوج.

﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ أي مهورهن.

والخطاب للأزواج وهو قول علقمة وقتادة والنخعي واختيار الزجاج لأن ما قبله خطاب للناكحين.

وقيل: خطاب للأولياء لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي البنات من مهورهن شيئاً، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له ابنة: هينئاً لك النافجة - يعنون أنك تأخذ مهرها إبلاً فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه.

وقال ابن الأعرابي: النافجة ما يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته.

فنهى الله عن ذلك وأمر بدفع الحق إلى أهله، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة.

قال القفال: يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة فيكونوا قد أمروا بدفع المهور التي سموها لهن، ويحتمل أن يراد الالتزام كقوله: ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يد  ﴾ أي حتى يضمنوها ويلتزموها.

فيكون المعنى أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلتزم سواء سمي ذلك أو لم يسم إلا ما خص به الرسول  من الموهوبة.

قال: ويجوز أن يراد الوجهان جميعاً.

أما قوله نحلة فقد قال ابن عباس وقتادة ابن جريج وابن زيد: أي شريعة وديانة.

فيكون مفعولاً له، أو حالاً من الصدقات أي ديناً من الله شرعه وفرضه.

وقال الكلبي: أي عطية وهبة فيكون نصباً على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، أو الحال على من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء من غير مطالبة منهن، لأن ما يؤخذ بالمطالبة لا يسمى نحلة، أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيب نفس، وإنما سميت عطية من الزوج لأن الزوج لا يملك بدله شيئاً، لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله.

وإنما الذي استحقه الزوج هو الاستباحة لا الملك.

والنحلة العطية من غير بدل.

وقال قوم: إن الله  جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركاً بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر وكان ذلك عطية من الله  ابتداء.

ثم لما أمرهم بإيتاء الصدقات أباح لهم جواز قبول إبرائها وهبتها.

وانتصب ﴿ نفساً ﴾ على التمييز وإنما وحد لأنه لا يلبس أن النفس لهن لأنهن أنفس ولو جمعت لجاز، والضمير في ﴿ منه ﴾ للصداق أو للمذكور في قوله: ﴿ طبن ﴾ وبناء الكلام على الإبهام ثم التمييز دون أن يقول سمحن أو وهبن.

وفي قوله: ﴿ عن شيء منه ﴾ دون أن يقول عنه تنبيه على أن قبول ذلك إنما يحل إذا طابت نفوسهن بالهبة من غير اضطرار وسوء معاشرة من الزوج يحملهن على ذلك وبعث لهن على تقليل الموهوب، / ولهذا ذكر الضمير في ﴿ منه ﴾ لينصرف إلى الصداق الواحد فيكون متناولاً بعضه، ولو أنث لتناول ظاهرة هبة الصداق كله لأن بعض الصدقات واحدة منها أو أكثر.

ومن هذا التقرير يظهر أن "من" في قوله: ﴿ منه ﴾ للتبعيض إخراجاً للكلام مخرج الغالب مع فائدة البحث المذكور لأنه لا يجوز هبة كل الصداق إذا طابت نفسها عن المهر بالكلية، ومن غفل عن هذه الدقيقة زعم أن "من" للتبيين والمعنى عن شيء هو هذا الجنس يعني الصداق.

﴿ فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه.

وقيل: الهنيء ما يستلذه الآكل، والمريء ما تحمد عاقبته.

وقيل: هو ما ينساغ في مجراه ومنه يقال: المريء لمجرى الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة.

وقيل: أصله من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران.

فالهنيء شفاء من الجرب.

وبالجملة فهو عبارة عن التحلل أو المبالغة في إزالة التبعة في الدنيا والآخرة.

وهما صفتان للمصدر أي أكلاً هنياً مريئاً، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء.

وقد يوقف على قوله: ﴿ فكلوه ﴾ ويبتدأ ﴿ هنيئاً مريئاً ﴾ على الدعاء أو على أنهما قاما مقام مصدريهما أي هنأ مرأ.

والمراد بالأكل التصرف الشامل للعين والدين.

قال بعض العلماء: إن وهبت ثم طلبت علم أنها لم تطب عنه نفساً.

وعن عمر أنه كتب إلى قضاته أن النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها.

وعن ابن عباس "أن رسول الله  سئل عن هذه الآية فقال: إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهه لا يقضي به عليكم سلطان ولا يؤاخذكم الله به في الآخرة" .

ثم إنه  لما أمر بإيتاء اليتامى أموالهم ويدفع صدقات النساء إليهن، استثنى منهم خفاف الأحلام وإن بلغوا أوان التكليف فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ أكثر العلماء على أن هذا الخطاب للأولياء.

فورد أن الأنسب أن لو قيل لأموالهم.

وأجيب بأنه إنما حسنت إضافة الأموال إلى المخاطبين إجراء للوحدة النوعية مجرى الوحدة الشخصية كقوله: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم  ﴾ ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه ولكن كان بعضهم يقتل بعضاً فقيل: "أنفسكم" لأن الكل من نوع واحد فكذا هنا المال شيء ينتفع به الإنسان ويحتاج إليه، فلهذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم، ويحتمل أن يضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه بل لأنهم ملكوا التصرف فيه، ويكفي في حسن الإضافة أدنى سبب.

وقيل: خطاب للآباء نهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم سفهاء أن يدفعوا أموالهم أو بعضها إليهم.

فعلى هذا تكون إضافة الأموال إليهم حقيقة.

والغرض الحث على حفظ المال وأنه إذا قرب أجله يجب عليه أن يوصي بماله إلى أمين يحفظه على ورثته.

وقد يرجح القول بأن ظاهر النهي للتحريم، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله.

وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السفهاء أموالهم، وأيضاً قوله: ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ هذه الأوامر تناسب حال الأولياء لا الآباء.

وأقول: لا يبعد حمل الآية على كلا القولين، لأن الإضافة في أموالكم لا تفيد إلا الاختصاص سواء كان اختصاص الملكية أو اختصاص التصرف.

واختلفوا في السفهاء فعن مجاهد والضحاك أنها النساء أزواجاً كن أو أمهات أو بنات، وهو مذهب ابن عمرو يدل عليه ما روى أبو أمامة عن النبي  : "ألا إنما خلقت النار للسفهاء" يقولها ثلاثاً.

وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيمها.

وقد جمع فعيلة على فعلاء كفقيرة وفقراء.

وقال الزهري وابن زيد: هم الأولاد الخفاف العقول.

وعن ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحداً منهما على ماله.

والصحيح أن المراد بالسفهاء كل من ليس له عقل يفي بحفظ المال ولا يد له بإصلاحه وتثميره والتصرف فيه، ويدخل فيه النساء والصبيان والأيتام والفساق وغيرهم مما لا وزن لهم عند أهل الدين والعلم بمصالح الدارين، فيضع المال فيما لا ينبغي ويفسده.

ومعنى ﴿ جعل الله لكم قياماً ﴾ أنه لا يحصل قيامكم وانتعاشكم إلا به.

سماه بالقيام إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.

ومن قرأ ﴿ قيماً ﴾ فعلى حذف الألف من ﴿ قياماً ﴾ وهو مصدر قام وأصله قوام قلبت الواو ياء لإعلال فعله.

فإن لم يكن مصدراً لم يعل كقوام لما يقام به.

وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالاً يحاسبني الله عليه خير من أحتاج إلى الناس.

وقال عبد الله بن عباس: الدراهم والدنيانير خواتيم الله في الأرض لا تؤكل ولا تشرب حيث قصدت بها قضيت حاجتك.

وقال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حمداً ومجداً فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال.

وقيل لأبي الزناد: لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟

قال: هي وإن أدنتني فقد صانتني عنها.

وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه.

وربما رأوا رجلاً في تشييع جنازة فقالوا له: اذهب إلى مكانك.

وقال بعض الحكماء: من أضاع ماله فقد ضارّ الأكرمين: الدين العرض.

وفي منثور الحكم: من استغنى كرم على أهله.

وفيه: الفقر مخذلة، والغنى مجدلة، والبؤس مرذلة، والسؤال مبذلة.

وكان يقال: الدراهم مراهم لأنها تداوي كل جرح ويطيب بها كل صلح.

وقال أبو العتاهية: أجلك قوم حين صرت إلى الغنى *** وكل غني في العيون جليل إذا مالت الدنيا على المرء رغبت *** إليه ومال الناس حيث تميل وليس الغنى إلا غنى زين الفتى *** عشية يقرى أو غداة ينيل وقد اختلف أقوال الناس في تفضيل الغنى والفقر مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم.

فذهب قوم إلى تفضيل الغنى على الفقر، لأن الغني مقتدر والفقير عاجز والقدرة أفضل من العجز.

وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة.

وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر على الغنى، لأن الفقير تارك والغنى ملابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها وهذا قول من غلب عليه حب السلامة.

وقال الباقون: خير الأمر أوساطها، والفضل للاعتدال بين الفقر والغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين، ويسلم من مذمة الحالين.

ومن كلفته النفس فوق كفافها *** فما ينقضي حتى الممات عناؤه والحاصل أن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بمصالح الدارين، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال، فبذلك يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار ولهذا رغب الله  في حفظه ههنا.

وفي آية المداينة حيث أمر بالكتاب والشهادة والرهان المقبوضة، فمن أراد الدنيا لهذا الغرض فنعمت المعونة هي، ومن أرادها لعينها فيا لها من حسرة وندامة.

ثم إنه  أمر بعد ذلك بثلاثة أشياء وذلك قوله: ﴿ وارزقوهم فيها ﴾ وإنما لم يقل"منها" كيلا يكون أمراً بجعل بعض أموالهم رزقاً لهم فيأكلها الإنفاق، بل أمر بأن يجعلوها مكاناً لرزقهم بأن يتجروا فيها ويربحوها حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من أصول الأموال وصلبها ﴿ واكسوهم ﴾ كل من الرزق والكسوة بحسب المصلحة وكما يليق بحال أمثالهم ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ قال ابن جريج ومجاهد: هو عدة جميلة من البر والصلة.

وقال ابن عباس: هو مثل أن يقول: إذا ربحت في سفري هذا فعلت بك ما أنت أهله، وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً.

وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن وجبت نفقته عليك فقل: عافانا الله وإياك وبارك الله فيك.

وقال الزجاج: علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم بما يتعلق بالعلم والعمل.

وقال القفال: إن كان صبياً فالوالي يعرّفه أن المال ماله وأنه إذا زال صباه فإن يرّد المال إليه كقوله: ﴿ فأما اليتيم فلا تقهر  ﴾ أي لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد وإن كان سفيهاً، وعظه ونصحه وحثه على الصلاة وعرفه أن عاقبة الإسراف فقر واحتياج.

وبالجملة فكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنة عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل فهو معروف، وما نفرت من لقبحه فمنكر، ثم بيّن أن السفهاء متى يؤتون أموالهم فشرط في ذلك شرطين: أحدهما بلوغ النكاح والثاني إيناس / الرشد منهم.

فبلوغ النكاح أن يحتمل لأنه يصلح للنكاح عنده، ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد ومناط الاحتلام خروج المني، ويدخل وقت إمكانه باستكمال تسع سنين قمرية أو يبلغ خمس عشرة سنة تامة قمرية عند الشافعي، وثماني عشرة عند أبي حنيفة.

وهذان مشتركان بين الغلام والجارية ولها أمارتان أخريان: الحيض أو الحبل، ولطفل الكفار أمارة زائدة هي إنبات الشعر الخشن على العانة.

وأما الإيناس ففي اللغة الإبصار.

والمراد في الآية التبين والعرفان.

والرشد خلاف الغيّ.

ومعنى قوله: ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ اختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل البلوغ، ومن هنا قال أبو حنيفة: تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة لأن الابتلاء المأمور به قبل بلوغهم إنما يحصل إذا إذن له في البيع والشراء.

وقال الشافعي: الابتلاء قبل البلوغ لا يقتضي الإذن في التصرف لأن الإذن يتوقف على دفع المال إليهم، ولكن لا يصح دفع المال إليهم لأنه موقوف على الشرطين.

بل المراد بالابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله حسبما يليق بكل طائفة.

فولد التاجر يختبر في البيع والشراء بحضوره، ثم باستكشاف ذلك البيع والشراء منه وما فيهما من المصالح والمفاسد.

وقد يدفع إليه شيئاً ليبيع أو يشتري فيعرف بذلك مقدار فهمه وعقله، ثم الولي بعد ذلك يتم العقد لو أراد.

وولد الزارع يختبر في أمر المزارعة والإنفاق على القوّام بها، وولد المحترف فيما يتعلق بحرفته، والمرأة في أمر القطن والغزل وحفظ الأقمشة وصون الأطعمة عن الهرة والفأرة وما أشبهها.

ولا يكفي المرة الواحدة في الاختبار بل لا بد من مرتين وأكثر على ما يليق بالحال ويفيد غلبة الظن أنه رشد نوعاً من الرشد يختص بحاله، لا الرشد من جميع الوجوه وعلى أكمل ما يمكن ولهذا ورد منكراً.

وقد ظهر مما ذكرنا أنه لا بد بعد البلوغ من الرشد فيما يتعلق بصلاح ماله بحيث لا يقدر الغير على خديعته.

ثم إن أبا حنيفة قال: إذا بلغ مهتدياً إلى وجوه مصالح الدنيا فهو رشيد يدفع إليه ماله.

وقال الشافعي: لا بد مع ذلك من الاهتداء لمصالح الدين، فإن الفاسق لا يخلو من إتلاف المال في الوجوه الفاسدة المحرمة، وقد نفى الله  الرشد عن فرعون في قوله ﴿ وما أمر فرعون برشيد  ﴾ مع أنه كان يراعي مصالح الدنيا.

ويتفرع على القولين أن الشافعي يرى الحجر على الفاسق وأبا حنيفة لا يراه.

ثم إنه إذا بلغ غير رشيد واستمر على ذلك لم يدفع إليه ماله بالاتفاق إلى خمس وعشرين سنة، وفيما وراء ذلك خلاف.

فعند أصحاب أبي حنيفة وعند الشافعي لا يدفع إليه أبداً إلا بإيناس الرشد كما هو مقتضى الآية.

وعند أبي حنيفة يدفع لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة، فإيذا زادت عليها سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لقوله  : "مروهم بالصلاة لسبع" دفع إليه ماله، أونس منه رشد أو لم يؤنس.

ثم قال: ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ﴾ مصدران في موضع الحال أي مسرفين ومبادرين كبرهم، أو مفعول لهما أي لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم، والإسراف التبذير ضد القصد والإمساك.

والكبر في السن وقد كبر الرجل بالكسر يكبر بالفتح كبراً أي أسن، وكبر بالضم يكبر كبراً وكبارة أي عظم.

نهاهم عن الإفراط في الإنفاق كما يشتهون قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيديهم ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ﴾ فليمتنع منه وليتركه.

وفي السين زيادة مبالغة كأنه طلب مزيد العفة ﴿ ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ وللعلماء خلاف في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم؟

قال الشافعي: له أن يأخذ قدر ما يحتاج إليه وبقدر أجرة عمله، لأن النهي في الآية عن الإسراف مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة، ولا سيما إذا كان فقيراً، ولما روي عن النبي  "أن رجلاً قال له: إن في حجري يتيماً أفآكل من ماله؟

قال: بالمعروف غير متأثل مالاً ولا واق مالك بماله.

قال: أفأضربه؟

قال: مما كنت ضارباً منه ولدك" وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف: سلام عليكم.

أما بعد فإني قد رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار، وربعها لعبد الله بن مسعود، وربعها لعثمان ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله منزلة والي مال اليتيم، ﴿ من كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ .

وأيضاً قياساً على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها فإنه يضرب له في تلك الصدقات بسهم، فكذا هنا.

وعن سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه قرضاً، ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه.

وأكثر العلماء على أن هذا الافتراض إنما جاء في أصول الأموال من الذهب والفضة وغيرهما.

وأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب فمباح له إذا كان غير مضر بالمال.

وقال أبو بكر الرازي: الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذه لا على سبيل القرض ولا على سبيل الابتداء، سواء كان غنياً أو فقيراً، واحتج بقوله  ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وأجيب بأنها عامة.

وقوله: ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ خاص والخاص مقدم على العام.

قال: ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ وأجيب بأن محل النزاع هو أن أكل الوصي مال اليتيم ظلم أو لا؟

قال: ﴿ وأن تقوموا لليتامى بالقسط ﴾ وهو أيضاً عين النزاع.

ثم اعلم أن الأئمة اتفقوا على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه رشيداً فالأولى والأحوط أن يشهد عليه إظهاراً / للأمانة وبراءة من التهمة.

ولكن اختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه فهل هو مصدق؟

فقال أبو حنيفة وأصحابه: يصدق بيمينه كسائر الأمناء.

وقال مالك والشافعي: لا يصدق إلا بالبينة لأنه  نص على الإشهاد فقال: ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ وظاهر الأمر للوجوب، ولأنه أمين من جهة الشرع لا من جهة اليتيم، وليس له نيابة عامة كالقاضي، ولا كمال الشفقة كالأب.

نعم يصدق في قدر النفقة وفي عدم التقتير والإسراف لعسر إقامة البينة على ذلك وتنفيره الناس عن قبول الوصاية ﴿ وكفى بالله حسيباً ﴾ أي كافياً في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو محاسباً كالشريب بمعنى المشارب، وفيه تهديد للولي ولليتم أن يتصادقوا ولا يتكاذبوا.

والباء في ﴿ بالله ﴾ زائدة نظراً إلى أصل المعنى وهي كفى الله.

و ﴿ حسيباً ﴾ نصب على التمييز، ويحتمل الحال.

ثم من ههنا شرع في بيان المواريث والفرائض.

قال ابن عباس: "إن أوس بن ثابت الانصاري توفي وترك امرأة يقال لها أم كجة وثلاث بنات له منها.

فقام رجلان - هما ابنا عم الميت ووصياه سويد وعرفجة - فأخذا ماله ولم يعيطيا امرأته ولا بناته شيئاً، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكراً، إنما يورثون الرجال الكبار وكانوا يقولون لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة، قال: فجاءت أم كجة إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله، إن أوس بن ثابت مات وترك لي بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالاً حسناً وهو عند سويد وعرفجة ولم يعطياني ولا بناته من المال شيئاً.

فدعاهما رسول الله صلى الله وسلم فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً، ولا يحمل كلاً، ولا ينكي عدوّاً.

فقال رسول الله  : انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن.

فانصرفوا فأنزل الله ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ الآية.

فبعث إليهما لا تقربا من مال أوس شيئاً فإن الله قد جعل لهن نصيباً، ولم يبين حتى يتبين فنزلت ﴿ يوصيكم الله ﴾ فأعطى أم كجة الثمن، والبنات الثلثين، والباقي ابني العم" .

وسبب الإجمال في الآية ثم التفصيل فيما بعد، هو أن الفطام من المألوف شديد، والتدرج في الأمور دأب الحكيم، وهكذا قد نزل الأحكام والتكاليف شيئاً بعد شيء إلى أن كملت الشريعة الحقة وتم الدين الحنيفي ﴿ مما قل منه أو كثر ﴾ بدل ﴿ مما ترك ﴾ تكرير العامل و ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ نصب على الاختصاص تقديره أعني نصيباً ومقطوعاً مقدراً لا بد لهم أن يحوزوه، أو على المصدر المؤكد كأنه قيل: قسمة مفروضة.

احتج بعض أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام كالعمات والخالات والأخوال وأولاد البنات، لأن الكل من الأقربين.

غاية ما في الباب أن مقدار أنصبائهم غير مذكور ههنا إلا أنا / نثبت بالآية استحقاقهم لأصل النصيب، ونستفيد المقادير من سائر الدلائل.

وأجيب بأنه  قال: ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ وبالإجمال ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر.

وايضاً الواجب عندهم ما علم ثبوته بدليل مظنون، والمفروض ما علم بدليل قاطع، وتوريث ذوي الأرحام ليس من هذا القبيل بالاتفاق، فعرفنا أنه غير مراد من الآية.

وأيضاً ليس المراد بالأقربين من له قرابة ما وإن كانت بعيدة وإلا دخل جميع أولاد آدم فيه.

فالمراد إذن أقرب الناس إلى الوارث، وما ذاك إلا الوالدين والأولاد.

ودخول الوالدين في الأقربين يكون كدخول النوع في الجنس، فلا يلزم تكرار والله  أعلم.

قال المفسرون: أنه  لما ذكر في الآية للنساء أسوة بالرجال في أن لهن حظاً من الميراث، وعلم أن في الأقارب من يرث وفيهم من لا يرث وربما حضروا القسمة فلا يحسن حرمانهم قال: ﴿ وإذا حضر القسمة أولو القربى ﴾ الآية.

ثم منهم من قال بوجوبه ومنهم من قال باستحبابه.

وعلى الوجوب فعن سعيد بن المسيب والضحاك أنها منسوخة بآية المواريث، وعن أبي موسى الأشعري وإبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير أنها محكمة لكنها مما تهاون به الناس، قال الحسن: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات واليتامى والمساكين من الورق والذهب، فإذا آل الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولاً معروفاً.

كانوا يقولون لهم: ارجعوا بورك فيكم.

وعلى الاستحباب وهو مذهب فقهاء الأمصار اليوم قالوا: إن هذا الرضخ يستحب إذا كانت الورثة كباراً، أما إذا كانوا صغاراً فليس إلا القول المعروف كأن يقول الولي: إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعرفون ما عليهم من الحق، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم.

والضمير في ﴿ منه ﴾ إما أن يعود إلى ما ترك، وإما إلى الميراث بدليل ذكر القسمة.

وقيل: المراد قسمة الوصية.

وإذا حضرها من لا يرث من الأقرباء واليتامة والمساكين، أمر الله الموصي أن يجعل لهم نصيباً من تلك الوصية ويقول لهم مع ذلك قولاً معروفاً.

وقيل: أولو القربى الوارثون واليتامى والمساكين الذين لا يرثون.

وقوله: ﴿ وقولوا لهم ﴾ راجع إلى هؤلاء الذين لا يرثون.

ويحكى هذا القول عن سعيد بن جبير.

﴿ وليخش الذين لو تركوا ﴾ الجملة الشرطية وهي "لو" مع ما في حيزه صلة الذين.

والمعنى ليخشى الذين من صفتهم وحالهم أنهم لو تركوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم, وأما المخشى فغير منصوص عليه.

قال بعض المفسرين: هم الأوصياء أمروا بأن يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً، أو أمروا بأن يخشوا على اليتامى من الضياع كما يخشون على أولادهم لو تركوهم، وعلى هذا فيكون القول السديد أي الصواب.

القصد أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالقول الجميل ويدعوهم بيا بني ويا ولدي، وهذا القول أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام.

نبههم الله على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها ليكون ذلك أجدر ما يدعوهم إلى حفظ مال اليتيم كما قال القائل: لقد زاد الحياة إليّ حباً *** بناتي إنهن من الضعاف أحاذر أن يرين البؤس بعدي *** وأن يشربن رنقاً بعد صافي وقيل: هم الذين يجلسون إلى المريض فيقولون: إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئاً.

فقدِّم مالك، ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن يستغرق المال بالوصايا.

فأمروا بأن يخشوا ربهم ويخشوا على أولاد المريض خوفهم على أولاد أنفسهم لو كانوا.

وعلى هذا تكون الآية نهياً للحاضرين عن الترغيب في الوصية.

والقول السديد أن يقولوا للمريض لا تسرف في الوصية فتجحف بأولادك مثل قول رسول الله  لسعد: "الثلث كثير" .

وكان الصحابة  م يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث وإن الخمس أفضل من الربع والربع من الثلث.

وقيل: يجوز أن تتصل الآية بما قبلها فيكون أمراً للورثة بالشفقة على الذين يحضرون القسمة من الضعفاء، وأن يتصوروا أنهم لو كانوا أولادهم خافوا عليهم الحرمان.

وعن حبيب بن ثابت سألت مقسماً عن الآية.

فقال: هو الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب فيقول له من كان عنده: اتق الله وأمسك على ولدك مالك.

مع أن ذلك الإنسان يحب أن يوصي له.

وعلى هذا يكون نهياً عن الوصية ولا يساعده قوله: ﴿ لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ﴾ ثم أكد الوعيد في باب إهمال مال اليتيم فقال ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ أي ظالمين أو على وجه الظلم من ولاة السوء وقضاته لا بالمعروف ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ﴾ أي ملء بطونهم ناراً أي ما يجر إلى النار وكأنه نار في الحقيقة.

وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه، فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا.

وعن أبي سعيد الخدري أن النبي  قال: "رأيت ليلة أسري بي قوماً لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من النار يخرج من أسافلهم فقال جبريل: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً" ﴿ وسيصلون ﴾ من قرأ بفتح الياء فهو من صلى فلان النار بالكسر يصلى صلياً احترق.

ومن قرأ بالضم فمعناه الإلقاء في النار لأجل الإحراق من الإصلاء.

وقد يشدد من التصلية والمعنى واحد.

والسعير النار، وسعرت النار والحرب هيجتها وألهبتها فهي سعير أي مسعورة.

والتنكير للتعظيم أي ناراً مبهمة الوصف لا يعلم شدتها إلا خالقها.

قالت المعتزلة: لا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد آكل اليسير من / ماله، بل لا بد أن يكون مقدار خمسة دراهم لأنه القدر الذي وقع عليه الوعيد في آية الكنز في منع الزكاة ولا بد مع ذلك من عدم التوبة.

فقيل لهم: إنكم خالفتم هذا العموم من وجهين: من جهة شرط عدم التوبة، ومن جهة شرط عدم كونه صغيرة، فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو؟

وههنا نكتة وهي أنه أوعد مانع الزكاة بالكي، وآكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار.

ولا شك أن هذا الوعيد أشد، والسبب فيه أن الفقير غير مالك لجزء من النصاب حتى يملكه المالك، واليتيم مالك لماله فكان منع اليتيم أشنع.

وأيضاً الفقير يقدر على الاكتساب من وجه آخر أو على السؤال، واليتيم عاجز عنهما فكان ضعفه أظهر وهذا من كمال عنايته  بالضعفاء فنرجو أن يرحم ذلنا وضعفنا بعزته وقوته.

التأويل: ذكر الناسين بدء خلقهم بالأشباح والأرواح فخلقوا بالأشباح من آدم، وبالأرواح من روح محمد  .

قال: أول ما خلق الله روحي فهو أبو الأرواح.

وخلق من الروح زوجه وهي النفس، خلقها من أدنى شعاع من أشعة أنوار روح محمد  ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ﴾ أرواحاً كاملين ﴿ ونساء ﴾ أرواحاً ناقصات ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به ﴾ أي اتقوه أن تساءلوا به غيره ﴿ والأرحام ﴾ ولا تقطعوا رحم رحمتي بصلة غيري ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ تزكية عن آفة الحرص والحسد والدناءة والخسة والطمع وتحلية بالقناعة والمروءة وعلو الهمة والعافية ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ تزكية عن آفة الخيانة والخديعة وتحلية بالأمانة وسلامة الصدر ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ تزكية عن الجور وتحلية بالعدل، فإن اجتماع هذه الرذائل كان حوباً كبيراً حجاباً عظيماً ﴿ فانكحوا ما طاب لكم ﴾ تزكية عن الفاحشة وتحلية بالعفة ﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ تزكية عن الحدة والغضب، وتحلية بالسكون والحلم ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ تزكية عن البخل والغدر وتحلية بالوفاء والكرم ﴿ فكلوه هنيئاً ﴾ تزكية عن الكبر والأنفة وتحلية بالتواضع والشفقة.

فهذه كلها إشارات إلى تربية يتامى القلوب والنفوس بإيتاء حقوق تزكيتهم عن هذه الأوصاف وتحليتهم بهذه الأخلاق.

ثم نهى عن إيتاء النفوس الأمارة حظوظها فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء ﴾ وإنما قال: ﴿ أموالكم ﴾ لأن الخطاب مع العقلاء والصلحاء وقد خلق الله الدنيا لأجلهم أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.

﴿ وارزقوهم فيها ﴾ قدر ما يسد الجوعة ﴿ واكسوهم ﴾ ما يستر العورة وما زاد فإسراف في حق النفس ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ كنحو: أكلت رزق الله فأدّي شكر نعمته بامتثال أوامره نواهيه وإلا أذيبي طعامك بذكر الله كما قال  : " "أذيبوا طعامكم بذكر الله " .

﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ أي قلوب السائرين بأدنى توسع في المعيشة بعد أن كانوا محجورين عن التصرف ﴿ حتى إذا بلغوا ﴾ مبلغ الرجال البالغين ﴿ فإن آنستم منهم / رشداًَ ﴾ بأن استمروا بذلك التوسع على السير وزادوا في اجتهادهم وجدهم كما قال الجنيد: أشبع الزنجي وكدّه ﴿ فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ فالعبد في هذا المقام يكون جائز التصرف في مماليك سيده كالعبد المأذون، ولهذا قال ههنا ﴿ أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً ﴾ أي فإن آنستم يا أولياء الطريقة من المريدين البالغين رشد التصرف في أصحاب الإرادة فادفعوا إليهم عنان التصرف بإجازة الشيخوخية، ولا تجعلوا الشيخوخية مأكلة لكم غيرة وغبطة عليهم أن يكبروا بالشيخوخة.

﴿ ومن كان غنياً ﴾ بالله من قوة الولاية مستظهراً بالعناية ﴿ فليستعفف ﴾ عن الانتفاع بصحبتهم، ﴿ ومن كان فقيراً ﴾ مفتقراً إلى ولاية المريد ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ فلينتفع بإعانته وليجزله بالشيخوخية مع الإمداد في الظاهر والباطن ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم ﴾ سلمتم إليهم مقام الشيخوخية ﴿ فأشهدوا عليهم ﴾ الله ورسوله وأرواح المشايخ وأوصوهم برعاية حقوقها مع الله والخلق.

ثم أخبر عن نصيب كل نسيب فقال: ﴿ للرجال ﴾ وهم الأقوياء من الطلبة ﴿ وللنساء ﴾ وهم الضعفاء ﴿ نصيب مما ترك الولدان والأقربون ﴾ وهم المشايخ والإخوان في الله وتركتهم بركتهم وأنوارهم ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ على قدر استعدادهم ﴿ وإذا حضر القسمة ﴾ أي في محافل صحبتهم ومجالس ذكرهم ﴿ أولو القربى ﴾ المنتمون إليهم المقتبسون من أنوارهم والمقتفون لآثارهم ﴿ فارزقوهم ﴾ من مواهب بركاتهم ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ في التشويق وإرشاد الطريق وتقرير هوان الدنيا عند الله، وعزة أهل الله في الدارين.

﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعفاً ﴾ من متوسطي المريدين أو المبتدئين ﴿ خافوا عليهم ﴾ آفات المفارقة بسفر أو موت ﴿ فليتقوا الله ﴾ أي يوصونهم بالتقوى وأن يقولوا قولاً سديداً هو لا إله إلاَّ الله.

فإن التقوى ومداومة الذكر خطوتان يوصلان العبد إلى الله ﴿ إن الذين يأكلون ﴾ يضيعون أطفال الطريقة بعدم التربية ورعاية وظائف النصيحة ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ﴾ نار الحسرة والغرامة يوم لا تنفع الندامة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله -  -: ﴿ وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ﴾ يحتمل هذا وجهين: أحدهما: احفظوا أموالهم إلى أن يخرجوا من اليتم، فإذا خرجوا من اليتم أعطوهم أموالهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ﴾ ، أي: أنفقوا عليهم من أموالهم، ووسعوا عليهم النفقة ولا تضيقوها لينظروا إلى أموال غيرهم.

﴿ وَآتُواْ ﴾ ، بمعنى: آتوا لوقت الخروج من اليتم، أي: احفظوا؛ لتؤتوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ﴾ أي: لا تأخذوا الخبيث فتتركوا لهم ما وعد لكم في الآخرة بحفظ أموالهم.

وقيل: لا تأخذوا الجياد من ماله وتعطى الدون من ماله؛ فذلك تبديل الخبيث بالطيب.

وقيل: لا تأكلوا الخبيث: وهو أموال اليتامى، وتذروا الطيب: وهو أموالكم؛ إشفاقاً على أموالكم أن [تفنى].

وقيل: لا تأكلوا الحرام مكان الحلال؛ لأن أكل مال اليتيم حرامٌ، وأكل ماله حلال؛ فنهي أن يبدلوا الخبيث بالطيب.

ويحتمل: لا تأخذ ماله - وهو خبيث - ليؤخذ منك الذي لك وهو طيب.

ويحتمل: لا تأكلوا ذلك؛ إبقاء لأموالكم التي طيبها الله -  - لكم، بما جعل الله لكم خبيثاً.

ويحتمل: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ في الدنيا؛ فتكون هي ناراً تأكلونها؛ فتتركون الموعود لكم في إبقاء الخبيث؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً...

﴾ \[الآية\] [النساء: 10].

وقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ﴾ يحتمل هذا - والله أعلم - وجهين: يحتمل قوله: ﴿ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ﴾ ، أي: مع أموالكم، أي: لا تخلطوا أموالهم مع أموالكم فتأكلوها؛ ففيه نهي عن الخلط والجمع.

ويحتمل: ﴿ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ﴾ ، أي: بأموالكم؛ ففيه النهي عن أكل أموالهم بأموال أنفسهم تبعاً؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ﴾ بمعنى: لا تجمعوها إليها فتأكلونهما معاً.

ويحتمل: مع أموالكم، والله أعلم.

وقوله - جل وعز -" ﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ﴾ قيل: جوراً.

وقيل: الحوب: الإثم، وهو واحد.

وقيل: خطأ.

وقيل: ذنباً كبيراً.

وقيل إثماً؛ وكذلك روي عن ابن عباس،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ﴾ .

اختلف في تأويله: فقيل: إنهم كانوا يخافون من أموال اليتامى ويتحرجون منها؛ لكثرة ما جاء من الوعيد فيها؛ فنزل هذا: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ وتحرجتم من أموال اليتامى؛ فكذا فتحرجوا من الزنا: ﴿ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ...

﴾ الآية.

عن عائشة -  ا - أنها قالت: نزلت في يتامى [من يتامى] النساء كُنَّ عند الرجال؛ فتكون اليتيمة الشوهاء عند الرجل - وهي ذات مال - فلا ينكحها؛ لشوهتها، ولا يُنْكِحُهَا؛ ضنّاً بمالها؛ لتموتَ فيرثَها، وإن نكحها أمسكها على غير عدل منه في أداء حقها إليها، ولا ولي لها سواه يطالبه بحقها؛ فأنزل الله -  -: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ ﴾ فذروهن، ولا تنكحوهن، ﴿ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ .

وروي عنها - أيضاً - أنها سئلت عن هذه الآية؟

فقالت: نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها، وينقص من صداقها؛ فنهوا عن نكاحهن، إلا أن يقسطوا في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء.

قالت عائشة -  ا -: واستفتى الناس رسول الله  [بعد ذلك]؛ فأنزل الله: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ...

﴾ [إلى قوله: ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ  ﴾ فأنزل الله -  - لهم في هذه الآية: أن اليتيمة إذا كانت ذات جمالٍ ومال رغبوا فيها - في نكاحها - وسنتها في إكمال الصداق، وإذا كانت مرغوباً عنها في شوهتها، وقلة مالها؛ تركوها وأخذوا غيرها من النساء.

قالت: فكما تتركونها حين ترغبون عنها؛ فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق.

وقيل: لما أنزل الله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً...

﴾ الآية [النساء: 10]، ترك المؤمنون مخالطة اليتامى، وتنزهوا عنها؛ فشق ذلك عليهم؛ فاستفتوا رسول الله  في مخالطتهم، وكان يكون عند الرجل عدد من النساء ثم لا يعدل بينهن؛ فأنزل الله -  -: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ الجور في مخالطة اليتامى؛ فكذلك خافوا جمع النساء وترك التسوية بينهن في النفقة والجماع.

ثم من الناس من يبيح نكاح التسع بقوله  : ﴿ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ﴾ فذلك تسع.

وأما عندنا: فإنه لا يحتمل ذلك؛ لأن معنى قوله -  -: ﴿ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ﴾ : مثنى أو ثلاث أو رباع؛ لأنه قال: ﴿ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً ﴾ : استثنى الواحدة إذا خاف ألا يعدل بينهن، فلو كان ما ذكر؛ لكان لا معنى لاستثناء واحدة منهن، ولكن يقول: "وإن خفتم ألا تعدلوا" بين التسع؛ فثمان، أو سبع، أو ست؛ فلمَّا لم يستثن إلا واحدة دل أن التأويل ما ذكرنا: مثنى أو ثلاث أو رباع، على الانفراد.

والثاني: ما ذكر في القصة: أنه كان عند الرجل عدد من النساء عشر أو أكثر أو أقل، فخرج ذلك على بيان ما يحل من العدد، وذلك أربعة.

وروي "أن رجلا أسلم وتحته ثماني نسوة، فأسلمن، فقال له رسول الله  : اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبعاً، وفَارِقِ الْبَوَاقِي" والخبر في بيان منتهى ما يحل من العدد دون وجه الحل؛ فاحتمل أن يختار أربعاً على استقبال النكاح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ...

﴾ الآية: قيل فيه بوجوه: أحدها: أنه قال: إذا خفتم الجور في كفالة اليتامى فاتقيتموها؛ فخافوا في كفالة النساء؛ فلا تكثروا منهن.

والثاني: أنكم إذا خفتم في أموال اليتامى؛ فتحرجتم ضم أموالهم إليكم؛ إشفاقا على أنفسكم أن تأكلوا منها - فخافوا النساء مواقعتهن من وجهٍ يحرم عليكم؛ فانكحوهن.

والثالث: أنه إذا خفتم الجور في يتامى النساء لو تزوجتموهن من حيث ليس معهن من يمنعكم من ظلمهن، فانكحوهن من غيرهن ممن إذا جُرْتُمْ فيهن مُنِعْتُمْ من ذلك.

لكنه معلوم أن الحد في عدد النساء؛ لخوف الجور، وبما علم الله من عجز البشر على ما جُبِل عليه، أخبر أنه لا يقوم بوفاء الحق في أكثر [من] ما ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً ﴾ .

ليس على الحكم والحتم؛ ولكنه أدب؛ لأنه وإن خاف ألا يعدل فتزوج أربعاً - جاز، وهو مثل الذي نهى - في الإصرار - المراجعة، وأمر بالقصد فيها والعدل، فإن فعل ذلك أثم ورجعته صحيحة، وكذلك كالأمر بالطلاق في العدة، والنهي [عنه] في غير العدة، ثم إذا طلق في غير العدة وقع؛ فكذلك [الأول.

وقوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ﴾ : في القسم والجماع والنفقة.

﴿ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ﴾ [إن خفتم ألا تعدلوا في واحدة؛ لأنه ليس للإماء قِبَلَ سادتهن حقُّ الجماع والقسم؛ ينكح ما شاء؛ كأنه قال هذا؛ لما ليس لأكثرهن غاية؛ فله أن يجمع ما شاء من الإماء في ملكه، وليس له أن يجمع بالنكاح أكثر من أربع، ولو كان التأويل ما ذهب إليه لم يكن لقوله: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ﴾ وجهٌ.

وفيه إذن بتكثير العيال، مع ما أن كثرة العيال معدودة من الكرم؛ إذا أحسن إليهم لم يحتمل أن يزهد فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ : قال بعضُ أهل العلم: إن قوله -  -: ﴿ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ﴾ : من كثرة العيال، وهو قول الشافعي - رحمه الله  - ولكن هذا لا يستقيم في اللغة؛ لأنه يقال من كثرة العيال: أعال يُعِيل إعالة؛ فهو معيل، ولا يقال: عال يعول، وإنما يقال ذلك في الجور.

فإن قيل: روي في الخبر عن النبي  أنه قال: "ابْدَاْ بِمَنْ تَعُولُ" لكن تأويله - والله أعلم -: ابدأ بمن يلزمُك نفقته، أي: ابدأ بمن تصير جائراً بترك النفقة عليه، وكذلك يقال: عال يعول عولا؛ إذا أنفق على عياله، وليس من كثرة العيال في شيء، ألا ترى أن على الرجل أن يبدأ بمن يعول؛ فلو كان قوله: ﴿ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ من العيال؛ لكان المتزوج واحدة ذا عيال، وإن قول الله -  -: ﴿ أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ ، والمتزوج واحدة يعولها؛ فدل بما ذكرنا أن قوله: ﴿ أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ ، أي: لا تجوروا ولا تميلوا؛ على ما قيل.

وعن عائشة -  ا -: ﴿ أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ : ألا تميلوا.

وعن ابن عباس -  - مثله.

والعول: هو المجاوزة عن الحد؛ ولذلك سمى الحساب الذي ازداد على أصله عولا؛ لمجاوزته الحد؛ فعلى ذلك العول هاهنا هو: المجاوزة عن الحد الذي جعل له، وهو الجور.

وقوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً ﴾ : ليس بشرط؛ ليتفق القول، ولأنه لا وجه لمعرفة حد الخوف الذي يجعل شرطا للجواز، وكل عدل يخاف أدنى خوف، بل جميع أمور الدين هي على الخوف والرجاء.

ولأنه يوجب جهل النساء بمن يحل لهن النكاح ويحرم؛ إذ لا يعرفن ذلك، ومتى حرم عليه حرم عليها، ولا يحتمل أن يجعل للحل شرطاً لا يوصل إلى حقيقته، ولظهور الجور في الأمة على الإبقاء على النكاح؛ فضلاً عن خوفه؛ [كذا] مع ما في قوله: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ...

﴾ الآية [النساء: 129] دلالة ظاهرة، وكذلك في قوله: ﴿ وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا  ﴾ ، ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن خفتم ألا تعدلوا إذا تزوجتم اليتيمات اللاتي تحت ولايتكم، إما خوفًا من نقص مهرهن الواجب لهن، أو إساءة معاملتهن، فدعوهن وتزوجوا الطيبات من النساء غيرهن، إن شئتم تزوجتم اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فإن خفتم ألا تعدلوا بينهن فاقتصروا على واحدة، أو استمتعوا بما ملكت أيمانكم من الإماء؛ إذ لا يجب لهن مثل ما يجب للزوجات من الحقوق، ذلك الذي ورد في الآية في شأن اليتامى والاقتصار على نكاح واحدة أو الاستمتاع بالإماء أقرب إلى ألا تَجُورُوا وتميلوا.

<div class="verse-tafsir" id="91.oBODr"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قلنا إن الكلام في أوائل هذه السورة في الأهل والأقارب والأزواج وهو يتسلسل في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا  ﴾ الآية، ولذلك افتتحها بالتذكير بالقرابة والأخوة العامة، وهي كون الأمة من نفس واحدة ثم طفق يبين حقوق الضعفاء من الناس كاليتامى، والنساء، والسفهاء، ويأمر بالتزامها فقال: ﴿ وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ  ﴾ واليتيم لغة من مات أبوه مطلقًا، وفي عرف الفقهاء من مات أبوه وهو صغير فمتى بلغ زال يتمه، إلا إذا بلغ سفيهًا فإنه يبقى في حكم اليتيم ولا يزول عنه الحجر.

ومعنى إيتاء اليتامى أموالهم هو جعلها لهم خاصة وعدم أكل شيء منها بالباطل، أي أنفقوا عليهم من أموالهم حتى يزول يتمهم بالرشد كما يأتي في آية ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى  ﴾ فعند ذلك يدفع إليهم ما بقي لهم بعد النفقة عليهم في زمن اليتم والقصور.

فهذه الآية في إعطاء اليتامى أموالهم في حالتي اليتم والرشد، كل حالة بحسبها، وتلك خاصة بحال الرشد، وليس في هذه تجوز كما قالوا فإن نفقة ولي اليتيم عليه من ماله يصدق عليه أنه إيتاء مال اليتيم لليتيم.

والمقصود من هذه الآية ظاهر وهو المحافظة على مال اليتيم وجعله له خاصة وعدم هضم شيء منه لأن اليتيم ضعيف لا يقدر على حفظه والدفاع عنه ولذلك قال: ﴿ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ  ﴾ المراد بالخبيث الحرام، وبالطيب الحلال، أي لا تتمتعوا بمال اليتيم في المواضع والأحوال التي من شأنكم أن تتمتعوا فيها بأموالكم.

يعني أن الإنسان إنما يباح له التمتع بمال نفسه في الطرق المشروعة فإذا عرض له استمتاع فعليه أن يجعله من مال نفسه لا من مال اليتيم الذي هو قيم ووصي عليه، فإذا استمتع بمال اليتيم فقد جعل مال اليتيم في هذا الوضع بدلًا من ماله، وبهذا يظهر معني التبدل والاستبدال.

وقوله: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ  ﴾ أي لا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم، وهذا صريح فيما إذا كان للولي مال يضم مال اليتيم إليه، ويمكن أن يقال إن أكله مفردًا غير مضموم إلى مال الولي أولى بالتحريم وهو داخل في عموم قوله: ﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ  ﴾ وقيل يفهم من هذا القيد جواز أكل الوصي الفقير الذي لا مال له شيئًا من مال اليتيم.

وسيأتي التصريح بذلك في الآية السادسة.

﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا  ﴾ أي إن أكل مال اليتيم، أو تبدل الخبيث بالطيب منه، أو ما ذكر من مجموع الأمرين، وكانت تفعله الجاهلية، كان في حكم الله حوبًا كبيرًا أي إثمًا عظيمًا.

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا  ﴾ .

جاء ذكر تعدد الزوجات في سياق الكلام على اليتامى، والنهي عن أكل أموالهم ولو بواسطة الزوجية، فقال إن أحسستم من أنفسكم الخوف من أكل مال الزوجة اليتيمة فعليكم أن لا تتزوجوا بها فإن الله تعالى جعل لكم مندوحة عن اليتامى بما أباحه لكم من التزوج بغيرهن إلى أربع نسوة، ولكن إن خفتم أن لا تعدلوا بين الزوجات، أو الزوجتين فعليكم أن تلتزموا واحدة فقط، والخوف من عدم العدل يصدق بالظن والشك فيه بل يصدق بتوهمه أيضًا، ولكن الشرع قد يغتفر الوهم لأنه قلما يخلو منه علم بمثل هذه الأمور فالذي يباح له أن يتزوج ثانية أو أكثر هو الذي يثق من نفسه بالعدل بحيث لا يتردد فيه، أو يظن ذلك ويكون التردد فيه ضعيفًا.

ولما قال: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً  ﴾ علله بقوله: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا  ﴾ أي أقرب من عدم الجور والظلم فجعل البعد من الجور سببًا في التشريع، وهذا مؤكد لاشتراط العدل ووجوب تحريه، ومنبه إلى أن العدل عزيز.

وقد قال تعالى في آية أخرى من هذه السورة ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ  ﴾ وقد يحمل هذا على العدل في ميل القلب ولولا ذلك لكان مجموع الآيتين منتجًا عدم جواز التعدد بوجه ما، ولما كان يظهر وجه قوله بعد ما تقدم من الآية ﴿ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ  ﴾ والله يغفر للعبد ما لا يدخل تحت طاقته من ميل قلبه، وقد كان النبي  يميل في آخر عهده إلى عائشة أكثر من سائر نسائه ولكنه لا يخصها بشيء دونهن، أي بغير رضاهن وإذنهن، وكان يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك".

أي من ميل القلب.

فمن تأمل الآيتين علم أن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام أمر مضيق فيه أشد التضييق، كأنه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها بشرط الثقة بإقامة العدل والأمن من الجور، وإذا تأمل المتأمل مع هذا التضييق ما يترتب على التعدد في هذا الزمان من المفاسد جزم بأنه لا يمكن لأحد أن يربي أمة فشا فيها تعدد الزوجات، فإن البيت الذي فيه زوجتان لزوج واحد لا تستقيم له حال ولا يقوم فيه نظام، بل يتعاون الرجل مع زوجاته على إفساد البيت كأن كل واحد منهم عدو للآخر، ثم يجيء الأولاد بعضهم لبعض عدو، فمفسدة تعدد الزوجات تنتقل من الأفراد إلى البيوت ومن البيوت إلى الأمة.

كان للتعدد في صدر الإسلام فوائد أهمها صلة النسب والصهر الذي تقوى به العصبية، ولم يكن له من الضرر مثل ما له الآن لأن الدين كان متمكنًا في نفوس النساء والرجال، وكان أذى الضرة لا يتجاوز ضرتها، أما اليوم فإن الضرر ينتقل من كل ضرة إلى ولدها إلى والده إلى سائر أقاربه فهي تغري بينهم العداوة والبغضاء، تغري ولدها بعداوة إخوته، وتغري زوجها بهضم حقوق ولده من غيرها، وهو بحماقته يطيع أحب نسائه اليه فيدب الفساد في العائلة كلها، ولو شئت تفصيل الرزايا والمصائب المتولدة من تعدد الزوجات لأتيت بما تقشعر منه جلود المؤمنين فمنها السرقة، والزنا، والكذب، والخيانة، والجبن، والتزوير بل منها القتل حتى قتل الولد والده، والوالد ولده، والزوجة زوجها، والزوج زوجته، كل ذلك واقع ثابت في المحاكم.

وناهيك بتربية المرأة التي لا تعرف قيمة الزوج ولا قيمة الولد، وهي جاهلة بنفسها وجاهلة بدينها، لا تعرف منه إلا خرافات وضلالات تلقفتها من أمثالها، يتبرأ منها كل كتاب منزل وكل نبي مرسل، فلو تربي النساء تربية دينية صحيحة يكون بها الدين هو صاحب السلطان الأعلى على قلوبهن بحيث يكون هو الحاكم على الغيرة لما كان هنالك ضرر على الأمة من تعدد الزوجات، وإنما كان يكون ضرره قاصرًا عليهن في الغالب.

أما والأمر على ما نرى ونسمع فلا سبيل إلى تربية الأمة مع فشو تعدد الزوجات فيها، فيجب على العلماء النظر في هذه المسألة، خصوصًا الحنفية منهم الذين بيدهم الأمر وعلى مذهبهم الحكم، فهم لا ينكرون أن الدين أنزل لمصلحة الناس وخيرهم، وأن من أصوله منع الضرر والضرار، فإذا ترتب على شيء مفسدة في زمن لم تكن تلحقه فيما قبله فلا شك في وجوب تغير الحكم وتطبيقه على الحال الحاضرة يعني على قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وبهذا يعلم أن تعدد الزوجات محرم قطعًا عند الخوف من عدم العدل.

تقدم أن إباحة تعدد الزوجات مضيقة قد اشترط فيها ما يصعب تحققه فكأنه نهى عن كثرة الأزواج، وتقدم أنه يحرم على من خاف عدم العدل أن يتزوج أكثر من واحدة ولا يفهم منه كما فهم بعض المجاورين أنه لو عقد في هذه الحالة يكون العقد باطلًا أو فاسدًا، فإن الحرمة عارضة لا تقتضي بطلان العقد فقد يخاف الظلم وقد يظلم ثم يتوب فيعدل فيعيش عيشة حلالًا.

أما قوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  ﴾ فهو معطوف على قوله: ﴿ فَوَاحِدَةً  ﴾ أي فالزموا زوجًا واحدة وأمسكوا زوجًا واحدة مع العدل -وهذا فيمن كان متزوجًا كثيرات- أو الزموا ما ملكت أيمانكم واكتفوا بالتسري بهن بغير شرط، ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا  ﴾ أي أقرب إلى عدم العول وهو الجور، فإن العدل بين الإماء في الفراش غير واجب إذ لا حق لهن فيه وإنما لهن الحق في الكفاية بالمعروف، وهذا لا يفيد حل ما جرى عليه المسلمون منذ قرون كثيرة من الإسراف في التمتع بالجواري المملوكات بحق أو بغير حق مهما ترتب على ذلك من المفاسد، كما شوهد ولا يزال يشاهد في بعض البلاد إلى الآن.

﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً  ﴾ الصدقات جمع صدقة بضم الدال وفيه لغات منها الصداق وهو ما يعطى للمرأة قبل الدخول عن طيب نفس، وينبغي أن يلاحظ في هذا العطاء معنى أعلى من المعنى الذي لاحظه الذين يسمون أنفسهم الفقهاء من أن الصداق والمهر بمعنى العوض عن البضع والثمن له، كلا إن الصلة بين الزوجين أعلى وأشرف من الصلة بين الرجل وفرسه أو جاريته ولذلك قال "نحلة"، فالذي ينبغي أن يلاحظ هو أن هذا العطاء آية من آيات المحبة وصلة القربى وتوثيق عرى المودة والرحمة، وأنه واجب حتم لا تخيير فيه كما يتخير المشتري والمستأجر، وترى عرف الناس جاريًا على عدم الاكتفاء بهذا العطاء بل يشفعه الزوج بالهدايا والتحف.

﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا  ﴾ لا يجوز للرجل أن يأكل شيئًا من مال امرأته إلا إذا علم أن نفسها طيبة به، فإذا طلب منها شيئًا فحملها الخجل أو الخوف على إعطائه ما طلب فلا يحل له، وعلامات الرضا وطيب النفس لا تخفى على أحد، وإن كان اللابسون لباس الصالحين المتحلين بعقود السبح الذين يحركون شفاههم ويلوكون ألسنتهم بما يسمونه ذكرًا يستحلون أكل أموال نسائهم إذا أعطينها، أو أجزن أخذها بالترهيب أو الخداع أو الخجل، ويقولون إنهن أعطيننا ولنا الظاهر والله يتولى السرائر.

وقد قال تعالى في آية آتية ﴿ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا  ﴾ فإذا شدد هذا التشديد في طور المفارقة فكيف يكون الحكم في طور الاجتماع والمعاشرة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد