الآية ٣١ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٣١ من سورة النساء

إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا ٣١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 200 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣١ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣١ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم [ وندخلكم مدخلا كريما ] ) .

أي : إذا اجتنبتم كبائر الآثام التي نهيتم عنها كفرنا عنكم صغائر الذنوب وأدخلناكم الجنة; ولهذا قال : ( وندخلكم مدخلا كريما ) .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا مؤمل بن هشام ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا خالد بن أيوب ، عن معاوية بن قرة ، عن أنس [ يرفعه ] : " الذي بلغنا عن ربنا ، عز وجل ، ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال أن تجاوز لنا عما دون الكبائر ، يقول الله [ تعالى ] ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم [ وندخلكم مدخلا كريما ] ) " .

وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر : قال الإمام أحمد : حدثنا هشيم عن مغيرة ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم ، عن قرثع الضبي ، عن سلمان الفارسي قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : " أتدري ما يوم الجمعة ؟

" قلت : هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم .

قال : " لكن أدري ما يوم الجمعة ، لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره ، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته ، إلا كان كفارة له ما بينه وبين الجمعة المقبلة ، ما اجتنبت المقتلة وقد روى البخاري من وجه آخر عن سلمان نحوه .

وقال أبو جعفر بن جرير : حدثني المثنى [ بن إبراهيم ] حدثنا أبو صالح ، حدثنا الليث ، حدثني خالد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن نعيم المجمر ، أخبرني صهيب مولى العتواري ، أنه سمع من أبي هريرة وأبي سعيد يقولان : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال : " والذي نفسي بيده " - ثلاث مرات - ثم أكب ، فأكب كل رجل منا يبكي ، لا ندري على ماذا حلف عليه ثم رفع رأسه وفي وجهه البشر فكان أحب إلينا من حمر النعم ، فقال [ صلى الله عليه وسلم ] ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ، ويصوم رمضان ، ويخرج الزكاة ، ويجتنب الكبائر السبع ، إلا فتحت له أبواب الجنة ، ثم قيل له : ادخل بسلام " .

وهكذا رواه النسائي ، والحاكم في مستدركه ، من حديث الليث بن سعد ، رواه الحاكم أيضا وابن حبان في صحيحه ، من حديث عبد الله بن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، به .

ثم قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .

تفسير هذه السبع : وذلك بما ثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن بلال ، عن ثور بن زيد ، عن سالم أبي الغيث ، عن أبي هريرة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اجتنبوا السبع الموبقات " قيل : يا رسول الله ، وما هن ؟

قال : " الشرك بالله ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، والسحر ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " .

طريق أخرى عنه : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا فهد بن عوف ، حدثنا أبو عوانة ، عن عمرو بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الكبائر سبع ، أولها الإشراك بالله ، ثم قتل النفس بغير حقها ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم إلى أن يكبر ، والفرار من الزحف ، ورمي المحصنات ، والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة " .

فالنص على هذه السبع بأنهن كبائر لا ينفي ما عداهن ، إلا عند من يقول بمفهوم اللقب ، وهو ضعيف عند عدم القرينة ، ولا سيما عند قيام الدليل بالمنطوق على عدم المفهوم ، كما سنورده من الأحاديث المتضمنة من الكبائر غير هذه السبع ، فمن ذلك ما رواه الحاكم في مستدركه حيث قال : حدثنا أحمد بن كامل القاضي ، إملاء حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد ، حدثنا معاذ بن هانئ ، حدثنا حرب بن شداد ، حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الحميد بن سنان ، عن عبيد بن عمير ، عن أبيه - يعني عمير بن قتادة - رضي الله عنه أنه حدثه - وكانت له صحبة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع : " ألا إن أولياء الله المصلون من يقيم الصلوات الخمس التي كتبت عليه ، ويصوم رمضان ويحتسب صومه ، يرى أنه عليه حق ، ويعطي زكاة ماله يحتسبها ، ويجتنب الكبائر التي نهى الله عنها " .

ثم إن رجلا سأله فقال : يا رسول الله ، ما الكبائر ؟

فقال : " تسع : الشرك بالله ، وقتل نفس مؤمن بغير حق وفرار يوم الزحف ، وأكل مال اليتيم ، وأكل الربا ، وقذف المحصنة وعقوق الوالدين المسلمين ، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا ، ثم قال : لا يموت رجل لا يعمل هؤلاء الكبائر ، ويقيم الصلاة ، ويؤتي الزكاة ، إلا كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في دار أبوابها مصاريع من ذهب " .

وهكذا رواه الحاكم مطولا وقد أخرجه أبو داود والترمذي مختصرا من حديث معاذ بن هانئ ، به وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديثه مبسوطا ثم قال الحاكم : رجاله كلهم يحتج بهم في الصحيحين إلا عبد الحميد بن سنان .

قلت : وهو حجازي لا يعرف إلا بهذا الحديث ، وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات ، وقال البخاري : في حديثه نظر .

وقد رواه ابن جرير ، عن سليمان بن ثابت الجحدري ، عن سلم بن سلام ، عن أيوب بن عتبة ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبيد بن عمير ، عن أبيه ، فذكره .

ولم يذكر في الإسناد : عبد الحميد بن سنان ، فالله أعلم .

حديث آخر في معنى ما تقدم : قال ابن مردويه : حدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن الوليد ، عن المطلب عن عبد الله بن حنطب عن عبد الله بن عمرو قال : صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فقال : " لا أقسم ، لا أقسم " .

ثم نزل فقال : " أبشروا ، أبشروا ، من صلى الصلوات الخمس ، واجتنب الكبائر السبع ، نودي من أبواب الجنة : ادخل " .

قال عبد العزيز : لا أعلمه إلا قال : " بسلام " .

قال المطلب : سمعت من سأل عبد الله بن عمرو : أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرهن ؟

قال : نعم : " عقوق الوالدين ، وإشراك بالله ، وقتل النفس ، وقذف المحصنات ، وأكل مال اليتيم ، والفرار من الزحف ، وأكل الربا " .

حديث آخر في معناه : قال أبو جعفر بن جرير في التفسير : حدثنا يعقوب ، حدثنا ابن علية ، أخبرنا زياد بن مخراق عن طيسلة بن مياس قال : كنت مع النجدات ، فأصبت ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر ، فلقيت ابن عمر فقلت له : إني أصبت ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر قال : ما هي ؟

قلت : أصبت كذا وكذا .

قال : ليس من الكبائر .

قلت : وأصبت كذا وكذا .

قال : ليس من الكبائر قال - بشيء لم يسمه طيسلة - قال : هي تسع وسأعدهن عليك : الإشراك بالله ، وقتل النفس بغير حقها والفرار من الزحف ، وقذف المحصنة ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ظلما ، وإلحاد في المسجد الحرام ، والذي يستسحر وبكاء الوالدين من العقوق .

قال زياد : وقال طيسلة لما رأى ابن عمر : فرقي .

قال : أتخاف النار أن تدخلها ؟

قلت : نعم .

قال : وتحب أن تدخل الجنة ؟

قلت : نعم .

قال : أحي والداك ؟

قلت : عندي أمي .

قال : فوالله لئن أنت ألنت لها الكلام ، وأطعمتها الطعام ، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات .

طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثنا سليمان بن ثابت الجحدري الواسطي ، حدثنا سلم بن سلام ، حدثنا أيوب بن عتبة ، عن طيسلة بن علي النهدي قال : أتيت ابن عمر وهو في ظل أراك يوم عرفة ، وهو يصب الماء على رأسه ووجهه قلت أخبرني عن الكبائر ؟

قال : هي تسع .

قلت : ما هي ؟

قال : الإشراك بالله ، وقذف المحصنة - قال : قلت : قبل القتل ؟

قال : نعم ورغما - وقتل النفس المؤمنة ، والفرار من الزحف ، والسحر ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، وعقوق الوالدين المسلمين ، وإلحاد بالبيت الحرام ، قبلتكم أحياء وأمواتا .

هكذا رواه من هذين الطريقين موقوفا ، وقد رواه علي بن الجعد ، عن أيوب بن عتبة ، عن طيسلة بن علي [ النهدي ] قال : أتيت ابن عمر عشية عرفة ، وهو تحت ظل أراكة ، وهو يصب الماء على رأسه ، فسألته عن الكبائر ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " هن سبع " .

قال : قلت : وما هن ؟

قال : " الإشراك بالله ، وقذف المحصنة - قال : قلت : قبل الدم ؟

قال : نعم ورغما - وقتل النفس المؤمنة ، والفرار من الزحف ، والسحر ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، وعقوق الوالدين ، وإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا " .

وكذا رواه الحسن بن موسى الأشيب ، عن أيوب بن عتبة اليماني - وفيه ضعف - والله أعلم .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا زكريا بن عدي ، حدثنا بقية ، عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان : أن أبا رهم السمعي حدثهم ، عن أبي أيوب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من عبد الله لا يشرك به شيئا ، وأقام الصلاة ، وآتى الزكاة ، وصام رمضان ، واجتنب الكبائر ، فله الجنة - أو دخل الجنة " فسأله رجل : ما الكبائر ؟

فقال الشرك بالله ، وقتل نفس مسلمة ، والفرار يوم الزحف " .

ورواه أحمد أيضا والنسائي ، من غير وجه ، عن بقية .

حديث آخر : روى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره ، من طريق سليمان بن داود اليماني - وهو ضعيف - عن الزهري ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن جده قال : كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسنن والديات ، وبعث به مع عمرو بن حزم ، قال : وكان في الكتاب : " إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة : إشراك بالله وقتل النفس المؤمنة بغير حق ، والفرار في سبيل الله يوم الزحف ، وعقوق الوالدين ، ورمي المحصنة ، وتعلم السحر ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم " .

حديث آخر : فيه ذكر شهادة الزور; قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، حدثني عبيد الله بن أبي بكر قال : سمعت أنس بن مالك قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر - أو سئل عن الكبائر - فقال : " الشرك بالله ، وقتل النفس ، وعقوق الوالدين " .

وقال : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟

" قال : " قول الزور - أو شهادة الزور " .

قال شعبة : أكبر ظني أنه قال " " شهادة الزور " .

أخرجاه من حديث شعبة به .

وقد رواه ابن مردويه من طريقين آخرين غريبين عن أنس ، بنحوه .

حديث آخر : أخرجه الشيخان من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟

" ، قلنا : بلى يا رسول الله ، قال : " الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين " وكان متكئا فجلس فقال : " ألا وشهادة الزور ، ألا وقول الزور " .

فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت .

حديث آخر : فيه ذكر قتل الولد ، وهو ثابت في الصحيحين ، عن عبد الله بن مسعود قال : قلت : يا رسول الله ، أي الذنب أعظم ؟

- وفي رواية : أكبر - قال : " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " قلت : ثم أي ؟

قال : " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك " .

قلت : ثم أي ؟

قال : " أن تزاني حليلة جارك " ثم قرأ : ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر [ ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ] ) إلى قوله : ( إلا من تاب ) [ الفرقان : 68 ] .

حديث ] آخر [ فيه ذكر شرب الخمر .

قال ابن أبي حاتم : أخبرنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، حدثني أبو صخر : أن رجلا حدثه عن عمرة بن حزم أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص وهو بالحجر بمكة وسئل عن الخمر ، فقال : والله إن عظيما عند الله الشيخ مثلي يكذب في هذا المقام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذهب فسأله ثم رجع فقال : سألته عن الخمر فقال : " هي أكبر الكبائر ، وأم الفواحش ، من شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وخالته وعمته " غريب من هذا الوجه .

طريق أخرى : رواها الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن داود بن صالح ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه : أن أبا بكر الصديق ، رضي الله عنه ، وعمر بن الخطاب وأناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورضي الله عنهم أجمعين ، جلسوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكروا أعظم الكبائر ، فلم يكن عندهم ما ينتهون إليه ، فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أسأله عن ذلك ، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر ، فأتيتهم فأخبرتهم ، فأنكروا ذلك ، فوثبوا إليه حتى أتوه في داره ، فأخبرهم أنهم تحدثوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ملكا من بني إسرائيل أخذ رجلا فخيره بين أن يشرب خمرا أو يقتل نفسا ، أو يزاني أو يأكل لحم خنزير ، أو يقتله فاختار شرب الخمر وإنه لما شربها لم يمتنع من شيء أراده منه ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا مجيبا : " ما من أحد يشرب خمرا إلا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ، ولا يموت أحد في مثانته منها شيء إلا حرم الله عليه الجنة فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية " .

هذا حديث غريب من هذا الوجه جدا ، وداود بن صالح هو التمار المدني مولى الأنصار ، قال الإمام أحمد : لا أرى به بأسا .

وذكره ابن حبان في الثقات ، ولم أر أحدا جرحه .

حديث آخر : عن عبد الله بن عمرو وفيه ذكر اليمين الغموس .

قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن فراس ، عن الشعبي ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أكبر الكبائر الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، أو قتل النفس - شعبة الشاك - واليمين الغموس " .

ورواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث شعبة : زاد البخاري وشيبان ، كلاهما عن ، به .

حديث آخر : في اليمين الغموس : " قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو صالح كاتب الليث ، حدثنا الليث بن سعد ، حدثنا هشام بن سعد ، عن محمد بن يزيد بن مهاجر بن قنفذ التيمي ، عن أبي أمامة الأنصاري ، عن عبد الله بن أنيس الجهني ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أكبر الكبائر الشرك بالله ، وعقوق الوالدين ، واليمين الغموس ، وما حلف حالف بالله يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح البعوضة ، إلا كانت وكتة في قلبه إلى يوم القيامة " .

وهكذا رواه ] الإمام [ أحمد في مسنده ، وعبد بن حميد في تفسيره ، كلاهما عن يونس بن محمد المؤدب ، عن الليث بن سعد ، به .

وأخرجه الترمذي ] في تفسيره [ عن عبد بن حميد ] به [ ثم قال : وهذا حديث حسن غريب ، وأبو أمامة الأنصاري هذا هو ابن ثعلبة ، ولا يعرف اسمه .

وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث .

قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي : وقد رواه عبد الرحمن بن إسحاق المدني ، عن محمد بن زيد ، عن عبد الله بن أبي أمامة ، عن أبيه عن عبد الله بن أنيس .

فزاد عبد الله بن أبي أمامة .

قلت : هكذا وقع في تفسير ابن مردويه وصحيح ابن حبان ، من طريق عبد الرحمن بن إسحاق كما ذكره شيخنا ، فسح الله في أجله .

حديث آخر : عن عبد الله بن عمرو ، في التسبب إلى شتم الوالدين .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي ، حدثنا وكيع ، عن مسعر وسفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عمرو - رفعه سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ووقفه مسعر على عبد الله بن عمرو - قال : " من الكبائر أن يشتم الرجل والديه " : قالوا : وكيف يشتم الرجل والديه ؟

قال : " يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ، ويسب أمه فيسب أمه " .

وقد أخرج هذا الحديث البخاري عن أحمد بن يونس ، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه ، عن عمه حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه " .

قالوا : وكيف يلعن الرجل والديه ؟

!

قال : " يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ، ويسب أمه فيسب أمه " .

وهكذا رواه مسلم من حديث سفيان وشعبة ويزيد بن الهاد ، ثلاثتهم عن سعد بن إبراهيم ، به مرفوعا بنحوه .

وقال الترمذي : صحيح .

وثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر " .

حديث آخر في ذلك : قال ابن أبي حاتم : حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة ، حدثنا زهير بن محمد ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أكبر الكبائر عرض الرجل المسلم ، والسبتان والسبة " .

هكذا روي هذا الحديث ، وقد أخرجه أبو داود في كتاب الأدب في سننه ، عن جعفر بن مسافر ، عن عمرو بن أبي سلمة ، عن زهير بن محمد ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق ، ومن الكبائر السبتان بالسبة " .

وكذا رواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن العلاء بن زير عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر مثله .

حديث آخر : في ذكر الجمع بين الصلاتين من غير عذر; قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن حنش عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من جمع بين الصلاتين من غير عذر ، فقد أتى بابا من أبواب الكبائر " .

وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي عن أبي سلمة يحيى بن خلف ، عن المعتمر بن سليمان ، به ثم قال : حنش هو أبو علي الرحبي ، وهو حسين بن قيس ، وهو ضعيف عند أهل الحديث ، ضعفه أحمد وغيره .

وقد روى ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا إسماعيل بن علية ، عن خالد الحذاء ، عن حميد بن هلال ، عن أبي قتادة - يعني العدوي - قال : قرئ علينا كتاب عمر : من الكبائر جمع بين الصلاتين - يعني بغير عذر - والفرار من الزحف ، والنهبة .

وهذا إسناد صحيح : والغرض أنه إذا كان الوعيد فيمن جمع بين الصلاتين كالظهر والعصر تقديما أو تأخيرا ، وكذا المغرب والعشاء هما من شأنه أن يجمع بسبب من الأسباب الشرعية ، فإذا تعاطاه أحد بغير شيء من تلك الأسباب يكون مرتكبا كبيرة ، فما ظنك بمن ترك الصلاة بالكلية ؟

ولهذا روى مسلم في صحيحه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة " وفي السنن عنه ، عليه السلام ، أنه قال : " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر " وقال : " من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله " وقال : " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " .

حديث آخر : فيه اليأس من روح الله ، والأمن من مكر الله .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل ، حدثنا أبي ، حدثنا شبيب بن بشر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متكئا فدخل عليه رجل فقال : ما الكبائر ؟

فقال : " الشرك بالله ، واليأس من روح الله ، والقنوط من رحمة الله ، والأمن من مكر الله ، وهذا أكبر الكبائر " .

وقد رواه البزار ، عن عبد الله بن إسحاق العطار ، عن أبي عاصم النبيل ، عن شبيب بن بشر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ; أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما الكبائر ؟

قال : " الإشراك بالله ، واليأس من روح الله ، والقنوط من رحمة الله عز وجل " .

وفي إسناده نظر ، والأشبه أن يكون موقوفا ، فقد روي عن ابن مسعود نحو ذلك قال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هشيم ، أخبرنا مطرف ، عن وبرة بن عبد الرحمن ، عن أبي الطفيل قال : قال ابن مسعود : أكبر الكبائر الإشراك بالله والإياس من روح الله ، والقنوط من رحمة الله ، والأمن من مكر الله .

وكذا رواه من حديث الأعمش وأبي إسحاق ، عن وبرة ، عن أبي الطفيل ، عن ابن مسعود ، به ثم رواه من طرق عدة ، عن أبي الطفيل ، عن ابن مسعود .

وهو صحيح إليه بلا شك .

حديث آخر : فيه سوء الظن بالله; قال ابن مردويه : حدثنا محمد بن إبراهيم بن بندار ، حدثنا أبو حاتم بكر بن عبدان ، حدثنا محمد بن مهاجر حدثنا أبو حذيفة البخاري ، عن محمد بن عجلان ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه قال : ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ " أكبر الكبائر سوء الظن بالله عز وجل " .

حديث غريب جدا .

حديث آخر : فيه التعرب بعد الهجرة ، قد تقدم في رواية عمرو بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة مرفوعا ، قال أبو بكر بن مردويه : حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا أحمد بن رشدين ، حدثنا عمرو بن خالد الحراني ، حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب ، عن محمد بن سهل بن أبي حثمة عن أبيه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " الكبائر سبع ، ألا تسألوني عنهن ؟

الشرك بالله ، وقتل النفس ، والفرار يوم الزحف ، وأكل مال اليتيم ، وأكل الربا ، وقذف المحصنة ، والتعرب بعد الهجرة " .

وفي إسناده نظر ، ورفعه غلط فاحش والصواب ما رواه ابن جرير : حدثنا تميم بن المنتصر ، أخبرنا يزيد ، أخبرنا محمد بن إسحاق ، عن محمد بن سهيل بن أبي حثمة عن أبيه قال : إني لفي هذا المسجد - مسجد الكوفة - وعلي ، رضي الله عنه ، يخطب الناس على المنبر ، فقال : يا أيها الناس ، الكبائر سبع فأصاخ الناس ، فأعادها ثلاث مرات ، ثم قال : لم لا تسألوني عنها ؟

قالوا : يا أمير المؤمنين ما هي ؟

قال : الإشراك بالله ، وقتل النفس التي حرم الله وقذف المحصنة ، وأكل مال اليتيم ، وأكل الربا ، والفرار يوم الزحف ، والتعرب بعد الهجرة .

فقلت لأبي : يا أبت ، التعرب بعد الهجرة ، كيف لحق هاهنا ؟

قال : يا بني ، وما أعظم من أن يهاجر الرجل ، حتى إذا وقع سهمه في الفيء ، ووجب عليه الجهاد خلع ذلك من عنقه فرجع أعرابيا كما كان .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا هاشم ، حدثنا أبو معاوية - يعني شيبان - عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن سلمة بن قيس الأشجعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : " ألا إنما هن أربع : ألا تشركوا بالله شيئا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا تزنوا ، ولا تسرقوا " .

قال : فما أنا بأشح عليهن مني ، إذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم رواه أحمد أيضا والنسائي وابن مردويه ، من حديث منصور ، بإسناده مثله .

حديث آخر : تقدم من رواية عمر بن المغيرة ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الإضرار في الوصية من الكبائر " .

والصحيح ما رواه غيره ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس [ قوله ] قال ابن أبي حاتم : وهو الصحيح عن ابن عباس من قوله .

حديث آخر في ذلك : " قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ، حدثنا عباد بن عباد ، عن جعفر بن الزبير ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ; أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا الكبائر وهو متكئ ، فقالوا : الشرك بالله ، وأكل مال اليتيم ، وفرار من الزحف ، وقذف المحصنة ، وعقوق الوالدين ، وقول الزور ، والغلول ، والسحر ، وأكل الربا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فأين تجعلون ( الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) [ آل عمران : 77 ] ؟

!

إلى آخر الآية .

في إسناده ضعف ، وهو حسن .

ذكر أقوال السلف في ذلك : قد تقدم ما روي عن أمير المؤمنين عمر وعلي ، رضي الله عنهما ، في ضمن الأحاديث المذكورة .

وقال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن ابن عون ، عن الحسن : أن ناسا سألوا عبد الله بن عمرو بمصر فقالوا : نرى أشياء من كتاب الله ، أمر أن يعمل بها فلا يعمل بها ، فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك ؟

فقدم وقدموا معه ، فلقيه عمر ، رضي الله عنه ، فقال : متى قدمت ؟

فقال : منذ كذا وكذا قال : أبإذن قدمت ؟

قال : فلا أدري كيف رد عليه .

فقال : يا أمير المؤمنين ، إن ناسا لقوني بمصر فقالوا : إنا نرى أشياء من كتاب الله ، أمر أن يعمل بها فلا يعمل بها فأحبوا أن يلقوك في ذلك فقال : اجمعهم لي .

قال : فجمعتهم له - قال ابن عون : أظنه قال : في بهو - فأخذ أدناهم رجلا فقال : نشدتك بالله وبحق الإسلام عليك ، أقرأت القرآن كله ؟

قال : نعم قال فهل أحصيته في نفسك ؟

قال اللهم لا .

قال : ولو قال : نعم لخصمه .

قال : فهل أحصيته في بصرك ؟

فهل أحصيته في لفظك ؟

هل أحصيته في أمرك ؟

ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم .

قال : فثكلت عمر أمه .

أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله ؟

!

قد علم ربنا أنه ستكون لنا سيئات .

قال : وتلا ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ] ) ثم قال : هل علم أهل المدينة - أو قال : هل علم أحد - بما قدمتم ؟

قالوا : لا .

قال : لو علموا لوعظت بكم .

إسناد حسن ومتن حسن ، وإن كان من رواية الحسن عن عمر ، وفيها انقطاع ، إلا أن مثل هذا اشتهر فتكفي شهرته .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا أبو أحمد - يعني الزبيري - حدثنا علي بن صالح ، عن عثمان بن المغيرة ، عن مالك بن جوين ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : الكبائر الإشراك بالله ، وقتل النفس ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنة ، والفرار من الزحف ، والتعرب بعد الهجرة ، والسحر ، وعقوق الوالدين ، وأكل الربا ، وفراق الجماعة ، ونكث الصفقة .

وتقدم عن ابن مسعود أنه قال : أكبر الكبائر الإشراك بالله ، واليأس من روح الله ، والقنوط من رحمة الله ، والأمن من مكر الله ، عز وجل .

وروى ابن جرير ، من حديث الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، والأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، كلاهما عن ابن مسعود قال : الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها .

ومن حديث سفيان الثوري وشعبة ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن زر بن حبيش ، عن ابن مسعود قال : الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها ثم تلا ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه [ نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ] ) وقال ابن أبي حاتم : حدثنا المنذر بن شاذان ، حدثنا يعلى بن عبيد ، حدثنا صالح بن حيان ، عن ابن بريدة ، عن أبيه قال : أكبر الكبائر : الشرك بالله ، وعقوق الوالدين ، ومنع فضول الماء بعد الري ، ومنع طروق الفحل إلا بجعل .

وفي الصحيحين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ " وفيهما عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السبيل " ، وذكر الحديث بتمامه .

وفي مسند الإمام أحمد ، من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده مرفوعا : " من منع فضل الماء وفضل الكلأ منعه الله فضله يوم القيامة " .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسين بن محمد بن شنبة الواسطي ، حدثنا أبو أحمد حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : ما أخذ على النساء من الكبائر .

قال ابن أبي حاتم : يعني قوله : ( على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن [ ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك ] ) الآية [ الممتحنة : 12 ] .

وقال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، حدثنا زياد بن مخراق ، عن معاوية بن قرة قال : أتينا أنس بن مالك ، فكان فيما حدثنا قال : لم أر مثل الذي بلغنا عن ربنا تعالى ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال .

ثم سكت هنية ثم قال : والله لما كلفنا ربنا أهون من ذلك ، لقد تجاوز لنا عما دون الكبائر ، فما لنا ولها ، ثم تلا ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه [ نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ] ) .

أقوال ابن عباس في ذلك : روى ابن جرير ، من حديث المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن طاوس قال : ذكروا عند ابن عباس الكبائر فقالوا : هي سبع ، فقال : هي أكثر من سبع وسبع .

قال سليمان : فما أدري كم قالها من مرة .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا قبيصة ، حدثنا سفيان ، عن ليث ، عن طاوس قال : قلت لابن عباس : ما السبع الكبائر ؟

قال : هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع .

ورواه ابن جرير ، عن ابن حميد ، عن ليث ، عن طاوس قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال : أرأيت الكبائر السبع التي ذكرهن الله ؟

ما هن ؟

قال : هن إلى السبعين أدنى منهن إلى سبع .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن طاوس ، عن أبيه قال : قيل لابن عباس : الكبائر سبع ؟

قال : هن إلى السبعين أقرب ، وكذا قال أبو العالية الرياحي ، رحمه الله .

وقال ابن جرير : حدثنا المثنى ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا شبل ، عن قيس عن سعد ، عن سعيد بن جبير ; أن رجلا قال لابن عباس : كم الكبائر ؟

سبع ؟

قال : هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع ، غير أنه لا كبيرة مع استغفار ، ولا صغيرة مع إصرار .

وكذا رواه ابن أبي حاتم ، من حديث شبل ، به .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) قال : الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب .

ورواه ابن جرير .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن حرب الموصلي ، حدثنا ابن فضيل ، حدثنا شبيب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : الكبائر : كل ما وعد الله عليه النار كبيرة .

وكذا قال سعيد بن جبير والحسن البصري .

وقال ابن جرير : حدثني يعقوب ، حدثنا ابن علية ، أخبرنا أيوب ، عن محمد بن سيرين قال : نبئت أن ابن عباس كان يقول : كل ما نهى الله عنه كبيرة .

وقد ذكرت الطرفة [ فيه ] قال : هي النظرة .

وقال أيضا : حدثنا أحمد بن حازم ، أخبرنا أبو نعيم ، حدثنا عبد الله بن معدان ، عن أبي الوليد قال : سألت ابن عباس عن الكبائر فقال هي كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة .

أقوال التابعين قال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن ابن عون ، عن محمد قال : سألت عبيدة عن الكبائر ، فقال : الإشراك بالله ، وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها ، وفرار يوم الزحف ، وأكل مال اليتيم بغير حقه ، وأكل الربا ، والبهتان .

قال : ويقولون : أعرابية بعد هجرة .

قال ابن عون : فقلت لمحمد : فالسحر ؟

قال : إن البهتان يجمع شرا كبيرا .

وقال ابن جرير : حدثني محمد بن عبيد المحاربي حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم ، عن أبي إسحاق ، عن عبيد بن عمير قال : الكبائر سبع ، ليس منهن كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله : الإشراك بالله منهن : ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح ) [ الحج : 31 ] و ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ) [ النساء : 10 ] ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) [ البقرة : 275 ] و ( إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ) [ النور : 23 ] والفرار من الزحف : ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا [ فلا تولوهم الأدبار ] ) [ الأنفال : 15 ] ، والتعرب بعد الهجرة : ( إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ) [ محمد : 25 ] ، وقتل المؤمن : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) الآية [ النساء : 93 ] .

وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي إسحاق ، عن عبيد ، بنحوه .

وقال ابن جرير : حدثنا المثنى ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء - يعني ابن أبي رباح - قال : الكبائر سبع : قتل النفس ، وأكل الربا وأكل مال اليتيم ، ورمي المحصنة ، وشهادة الزور ، وعقوق الوالدين ، والفرار من الزحف .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن مغيرة قال : كان يقال شتم أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، من الكبائر .

قلت : وقد ذهب طائفة من العلماء إلى تكفير من سب الصحابة ، وهو رواية عن مالك بن أنس ، رحمه الله : وقال محمد بن سيرين : ما أظن أحدا ينتقص أبا بكر ، وعمر ، وهو يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

رواه الترمذي .

وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عبد الله بن عياش ، قال زيد بن أسلم في قول الله عز وجل : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) من الكبائر : الشرك ، والكفر بآيات الله ورسوله ، والسحر ، وقتل الأولاد ، ومن دعا لله ولدا أو صاحبة ، ومثل ذلك من الأعمال ، والقول الذي لا يصلح معه عمل ، وأما كل ذنب يصلح معه دين ، ويقبل معه عمل فإن الله يغفر السيئات بالحسنات .

وقال ابن جرير : حدثنا بشر بن معاذ ، حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) الآية : إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر .

وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " اجتنبوا الكبائر ، وسددوا ، وأبشروا " .

وقد روى ابن مردويه من طرق عن أنس ، وعن جابر مرفوعا : " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " ولكن في إسناده من جميع طرقه ضعف ، إلا ما رواه عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن ثابت ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " .

فإنه إسناد صحيح على شرط الشيخين وقد رواه أبو عيسى الترمذي منفردا به من هذا الوجه ، عن عباس العنبري ، عن عبد الرزاق ثم قال : هذا حديث حسن صحيح وفي الصحيح شاهد لمعناه ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم بعد ذكر الشفاعة : " أترونها للمؤمنين المتقين ؟

لا ولكنها للخاطئين ال متلوثين " .

وقد اختلف علماء الأصول والفروع في حد الكبيرة فمن قائل : هي ما عليه حد في الشرع .

ومنهم من قال : هي ما عليه وعيد لخصوصه من الكتاب والسنة .

وقيل غير ذلك .

قال أبو القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي ، في كتابه " الشرح الكبير " الشهير ، في كتاب الشهادات منه : ثم اختلف الصحابة ، رضي الله [ تعالى ] عنهم ، فمن بعدهم في الكبائر ، وفي الفرق بينها وبين الصغائر ، ولبعض الأصحاب في تفسير الكبيرة وجوه : أحدها : أنها المعصية الموجبة للحد .

والثاني : أنها المعصية التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص كتاب أو سنة .

وهذا أكثر ما يوجد لهم ، وهو وإلى الأول أميل ، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفسير الكبائر .

والثالث : قال إمام الحرمين في " الإرشاد " وغيره : كل جريمة تنبئ بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة ، فهي مبطلة للعدالة .

والرابع : ذكر القاضي أبو سعيد الهروي أن الكبيرة : كل فعل نص الكتاب على تحريمه ، وكل معصية توجب في جنسها حدا من قتل أو غيره ، وترك كل فريضة مأمور بها على الفور ، والكذب في الشهادة ، والرواية ، واليمين .

هذا ما ذكره على سبيل الضبط .

ثم قال : وفصل القاضي الروياني فقال : الكبائر سبع : قتل النفس بغير الحق ، والزنا ، واللواط ، وشرب الخمر ، والسرقة ، وأخذ المال غصبا ، والقذف .

وزاد في " الشامل " على السبع المذكورة : شهادة الزور .

وأضاف إليها صاحب العدة : أكل الربا ، والإفطار في رمضان بلا عذر ، واليمين الفاجرة ، وقطع الرحم ، وعقوق الوالدين ، والفرار من الزحف ، وأكل مال اليتيم ، والخيانة في الكيل والوزن ، وتقديم الصلاة على وقتها ، وتأخيرها عن وقتها ، بلا عذر ، وضرب المسلم بلا حق ، والكذب على النبي صلى الله عليه وسلم عمدا ، وسب أصحابه ، وكتمان الشهادة بلا عذر ، وأخذ الرشوة ، والقيادة بين الرجال والنساء ، والسعاية عند السلطان ، ومنع الزكاة ، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة ، ونسيان القرآن بعد تعلمه ، وإحراق الحيوان بالنار ، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب ، واليأس من رحمة الله ، والأمن من مكر الله ويقال : الوقيعة في أهل العلم وحملة القرآن .

ومما يعد من الكبائر : الظهار ، وأكل لحم الخنزير والميتة إلا عن ضرورة .

ثم قال الرافعي : وللتوقف مجال في بعض هذه الخصال .

قلت : وقد صنف الناس في الكبائر مصنفات ، منها ما جمعه شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي الذي بلغ نحوا من سبعين كبيرة ، وإذا قيل : إن الكبيرة [ هى ] ما توعد الشارع عليها بالنار بخصوصها ، كما قال ابن عباس ، وغيره ، وتتبع ذلك ، اجتمع منه شيء كثير ، وإذا قيل : كل ما نهى الله [ تعالى ] عنه فكثير جدا ، والله [ تعالى ] أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه القول في تأويل قوله تعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } اختلف أهل التأويل في معنى الكبائر التي وعد الله جل ثناؤه عباده باجتنابها تكفير سائر سيئاتهم عنهم , فقال بعضهم : الكبائر التي قال الله تبارك وتعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } هي ما تقدم الله إلى عباده بالنهي عنه من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين منها .

ذكر من قال ذلك : 7281 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن الأعمش , عن أبي الضحى , عن مسروق , عن عبد الله , قال : الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين منها .

* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن حماد , عن إبراهيم , عن عبد الله بمثله .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا حجاج , قال : ثنا حماد , عن إبراهيم , عن ابن مسعود , مثله .

* - حدثنا أبو هشام الرفاعي , قال : ثنا وكيع , قال : ثنا الأعمش , عن إبراهيم , قال : ثني علقمة , عن عبد الله , قال : الكبائر من أول سورة النساء , إلى قوله : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } * - حدثنا الرفاعي , قال : ثنا أبو معاوية وأبو خالد , عن الأعمش , عن إبراهيم , عن علقمة , عن عبد الله قال : الكبائر من أول سورة النساء , إلى قوله : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } * - حدثني أبو السائب , قال : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن مسلم , عن مسروق , قال : سئل عبد الله عن الكبائر , قال : ما بين فاتحة سورة النساء إلى رأس الثلاثين .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن حماد , عن إبراهيم , عن ابن مسعود , قال : الكبائر : ما بين فاتحة سورة النساء إلى ثلاثين آية منها : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } * - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا مغيرة , عن إبراهيم , عن عبد الله , أنه قال : الكبائر من أول سورة النساء إلى الثلاثين منها .

{ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } 7282 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن ابن عون , عن إبراهيم , قال : كانوا يرون أن الكبائر فيما بين أول هذه السورة , سورة النساء , إلى هذا الموضع.

{ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } * - حدثني المثنى , قال : ثنا آدم العسقلاني , قال : ثنا شعبة , عن عاصم بن أبي النجود , عن زر بن حبيش , عن ابن مسعود , قال : الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها.

ثم تلا : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما } * - حدثني المثنى , قال : ثنا ابن وكيع , قال : ثنا مسعر , عن عاصم بن أبي النجود , عن زر بن حبيش , قال : قال عبد الله : الكبائر : ما بين أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين.

وقال آخرون : الكبائر سبع .

ذكر من قال ذلك : 7283 - حدثني تميم بن المنتصر , قال : ثنا يزيد , قال : أخبرنا محمد بن إسحاق , عن محمد بن سهل بن أبي حثمة , عن أبيه , قال : إني لفي هذا المسجد مسجد الكوفة , وعلي رضي الله عنه يخطب الناس على المنبر , فقال : يا أيها الناس إن الكبائر سبع !

فأصاخ الناس , فأعادها ثلاث مرات , ثم قال : ألا تسألوني عنها ؟

قالوا : يا أمير المؤمنين ما هي ؟

قال : الإشراك بالله , وقتل النفس التي حرم الله , وقذف المحصنة , وأكل مال اليتيم , وأكل الربا , والفرار يوم الزحف , والتعرب بعد الهجرة.

فقلت لأبي : يا أبت التعرب بعد الهجرة , كيف لحق ههنا ؟

فقال : يا بني , وما أعظم من أن يهاجر الرجل , حتى إذا وقع سهمه في الفيء ووجب عليه الجهاد , خلع ذلك من عنقه فرجع أعرابيا كما كان .

7284 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي , قال : ثنا أبو الأحوص سلام بن سليم , عن ابن إسحاق , عن عبيد بن عمير , قال : الكبائر سبع ليس منهن كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله , الإشراك بالله منهن : { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء } 22 31 و { الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا } 4 10 و { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } 2 275 و { الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } 24 23 والفرار من الزحف : { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار } 8 15 والتعرب بعد الهجرة : { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى } 47 25 وقتل النفس .

* - حدثنا ابن حميد , قال ثنا جرير , عن منصور عن ابن إسحاق , عن عبيد بن عمير الليثي , قال : الكبائر سبع : الإشراك بالله : { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق } 22 31 وقتل النفس : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم } .

..

4 93 الآية , وأكل الربا : { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } .

..

2 275 الآية , وأكل أموال اليتامى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما }.

..

4 10 الآية , وقذف المحصنة : { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } .

..

24 23 الآية , والفرار من الزحف : { ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة } .

..

8 16 الآية .

والمرتد أعرابيا بعد هجرته : { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى } 47 25 الآية .

7285 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علي , عن ابن عون , عن محمد , قال : سألت عبيدة عن الكبائر , فقال : الإشراك بالله , وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها , وفرار يوم الزحف , وأكل مال اليتيم بغير حقه , وأكل الربا , والبهتان .

قال : ويقولون أعرابية بعد هجرة .

قال ابن عون : فقلت لمحمد فالسحر ؟

قال : إن البهتان يجمع شرا كثيرا.

7286 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا منصور وهشام , عن ابن سيرين , عن عبيدة أنه قال : الكبائر : الإشراك , وقتل النفس الحرام , وأكل الربا , وقذف المحصنة , وأكل مال اليتيم , والفرار من الزحف , والمرتد أعرابيا بعد هجرته .

* - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : ثنا هشام , عن ابن سيرين , عن عبيدة , بنحوه .

وعلة من قال هذه المقالة ما : 7287 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : أخبرني الليث , قال : ثني خالد , عن سعيد بن أبي هلال , عن نعيم المجمر , قال : أخبرني صهيب مولى العتواري أنه سمع من أبي هريرة وأبي سعيد الخدري يقولان : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما , فقال : " والذي نفسي بيده ؟

" ثلاث مرات , ثم أكب , فأكب كل رجل منا يبكي لا يدري على ماذا حلف .

ثم رفع رأسه وفي وجهه البشر , فكان أحب إلينا من حمر النعم , فقال : " ما من عبد يصلي الصلوات الخمس , ويصوم رمضان , ويخرج الزكاة , ويجتنب الكبائر السبع , إلا فتحت له أبواب الجنة , ثم قيل : ادخل بسلام " .

7288 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن عطاء , قال : الكبائر سبع : قتل النفس , وأكل الربا , وأكل مال اليتيم , ورمي المحصنة , وشهادة الزور , وعقوق الوالدين , والفرار يوم الزحف .

وقال آخرون : هي تسع .

ذكر من قال ذلك : 7289 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا زياد بن مخراق , عن طيسلة بن مياس , قال : كنت مع الحدثان , فأصبت ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر , فلقيت ابن عمر , فقلت : إني أصيب ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر , قال : وما هي ؟

قلت : كذا وكذا , قال : ليس من الكبائر - قال : لشيء لم يسمعه طيسلة - قال : هي تسع , وسأعدهن عليك : الإشراك بالله , وقتل النسمة بغير حلها , والفرار من الزحف , وقذف المحصنة , وأكل الربا , وأكل مال اليتيم ظلما , وإلحاد في المسجد الحرام , والذي يستسحر وبكاء الوالدين من العقوق.

قال ابن زياد : وقال طيسلة : لما رأى ابن عمر فرقي , قال : أتخاف النار أن تدخلها ؟

قلت : نعم , قال : وتحب أن تدخل الجنة ؟

قلت : نعم , قال : أحي والدك ؟

قلت : عندي أمي .

قال : فوالله لئن أنت ألنت لها الكلام , وأطعمتها الطعام , لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات .

* - حدثنا سليمان بن ثابت الخراز الواسطي , قال : أخبرنا سلم بن سلام , قال : أخبرنا أيوب بن عتبة , عن طيسلة بن علي النهدي , قال : أتيت ابن عمر , وهو في ظل أراك يوم عرفة , وهو يصب الماء على رأسه ووجهه .

قال : قلت : أخبرني عن الكبائر !

قال : هي تسع , قلت : ما هن ؟

قال : الإشراك بالله , وقذف المحصنة - قال : قلت قبل القتل ؟

قال : نعم , ورغما - وقتل النفس المؤمنة , والفرار من الزحف , والسحر , وأكل الربا , وأكل مال اليتيم , وعقوق الوالدين المسلمين , والإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا.

7290 - حدثنا سليمان بن ثابت الخراز , قال : أخبرنا سلم بن سلام , قال : أخبرنا أيوب بن عتبة , عن يحيى عن عبيد بن عمير , عن أبيه , عن النبي صلى الله عليه وسلم , بمثله , إلا أنه قال : بدأ بالقتل قبل القذف.

وقال آخرون : هي أربع .

ذكر من قال ذلك : 7291 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام بن سلم , عن عنبسة , عن مطرف , عن وبرة , عن ابن مسعود , قال : الكبائر : الإشراك بالله , والقنوط من رحمة الله , والإياس من روح الله , والأمن من مكر الله .

* - حدثني يعقوب بن إبراهيم .

قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا مطرف , عن وبرة بن عبد الرحمن , عن أبي الطفيل , قال : قال عبد الله بن مسعود : أكبر الكبائر : الإشراك بالله , والإياس من روح الله , والقنوط من رحمة الله , والأمن من مكر الله.

* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن وبرة بن عبد الرحمن , قال : قال عبد الله : إن الكبائر : الشرك بالله , والقنوط من رحمة الله , والأمن من مكر الله , والإياس من روح الله .

* - حدثنا أبو كريب وأبو السائب , قالا : ثنا ابن إدريس , قال : سمعت مطرفا عن وبرة , عن أبي الطفيل قال : قال عبد الله : الكبائر أربع : الإشراك بالله , والقنوط من رحمة الله , واليأس من روح الله , والأمن من مكر الله .

7292 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي , قال : ثنا عبد الله , قال : أخبرنا شيبان , عن الأعمش , عن وبرة , عن أبي الطفيل , قال : سمعت ابن مسعود يقول : أكبر الكبائر : الإشراك بالله .

* - حدثني محمد بن عمارة , قال : ثنا عبد الله , قال : أخبرنا إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن وبرة , عن أبي الطفيل , عن عبد الله , بنحوه .

* - حدثني ابن المثنى , قال : ثني وهب بن جرير , قال : ثنا شعبة , عن عبد الملك عن أبي الطفيل , عن عبد الله , قال : الكبائر أربع : الإشراك بالله , والأمن من مكر الله , والإياس من روح الله , والقنوط من رحمة الله.

* - وبه قال : شعبة , عن القاسم بن أبي بزة , عن أبي الطفيل , عن عبد الله , بمثله .

* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن القاسم بن أبي بزة , عن أبي الطفيل , عن عبد الله بن مسعود , بنحوه.

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن عبد العزيز بن رفيع , عن أبي الطفيل , عن ابن مسعود , قال : الكبائر أربع : الإشراك بالله , وقتل النفس التي حرم الله , والأمن لمكر الله , والإياس من روح الله .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن المسعودي , عن فرات القزاز , عن أبي الطفيل , عن عبد الله , قال : الكبائر : القنوط من رحمة الله , والإياس من روح الله , والأمن لمكر الله , والشرك بالله.

وقال آخرون : كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة .

ذكر من قال ذلك : 7293 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا هشيم , عن منصور , عن ابن سيرين , عن ابن عباس , قال : ذكرت عنده الكبائر , فقال : كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة .

7294 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا أيوب , عن محمد , قال : أنبئت أن ابن عباس كان يقول : كل ما نهى الله عنه كبيرة , وقد ذكرت الطرفة , قال : هي النظرة .

7295 - حدثني محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا معتمر , عن أبيه , عن طاوس , قال : قال رجل لعبد الله بن عباس : أخبرني بالكبائر السبع , قال : فقال ابن عباس : هي أكثر من سبع وتسع .

فما أدري كم قالها من مرة .

* - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن سليمان التيمي , عن طاوس , قال : ذكروا عند ابن عباس الكبائر , فقالوا : هي سبع , قال : هي أكثر من سبع وتسع .

قال سليمان : فلا أدري كم قالها من مرة .

7296 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر وابن أبي عدي , عن عوف , قال : قام أبو العالية الرياحي على حلقة أنا فيها , فقال : إن ناسا يقولون : الكبائر سبع , وقد خفت أن تكون الكبائر سبعين , أو يزدن على ذلك .

7297 - حدثنا علي , قال : ثنا الوليد , قال : سمعت أبا عمرو يخبر عن الزهري , عن ابن عباس , أنه سئل عن الكبائر سبع هي ؟

قال : هي إلى السبعين أقرب .

7298 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن قيس بن سعد , عن سعيد بن جبير , أن رجلا قال لابن عباس : كم الكبائر أسبع هي ؟

قال : إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع , غير أنه لا كبيرة مع استغفار , ولا صغيرة مع إصرار .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن ليث , عن طاوس , قال : جاء رجل إلى ابن عباس , فقال : أرأيت الكبائر السبع التي ذكرهن الله ما هن ؟

قال : هن إلى السبعين أدنى منها إلى السبع.

* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن ابن طاوس , عن أبيه , قال : قيل لابن عباس : الكبائر سبع ؟

قال : هي إلى السبعين أقرب.

7299 - حدثنا أحمد بن حازم , قال : أخبرنا أبو نعيم , قال : ثنا عبد الله بن سعدان , عن أبي الوليد , قال : سألت ابن عباس , عن الكبائر , قال : كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة .

وقال آخرون : هي ثلاث .

ذكر من قال ذلك : 7300 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , عن ابن مسعود قال : الكبائر : ثلاث : اليأس من روح الله , والقنوط من رحمة الله , والأمن من مكر الله .

وقال آخرون : كل موجبة وكل ما أوعد الله أهله عليه الناس فكبيرة .

ذكر من قال ذلك : 7301 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : قوله : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } قال : الكبائر : كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب , أو لعنة , أو عذاب .

7302 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا هشام بن حسان , عن محمد بن واسع , قال : قال سعيد بن جبير : كل موجبة في القرآن كبيرة.

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي عن محمد بن مهزم الشعاب , عن محمد بن واسع الأزدي , عن سعيد بن جبير , قال : كل ذنب نسبه الله إلى النار , فهو من الكبائر .

7303 - حدثنا علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , عن سالم أنه سمع الحسن , يقول : كل موجبة في القرآن كبيرة.

7304 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } قال : الموجبات .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

7305 - حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا جويبر , عن الضحاك , قال : الكبائر : كل موجبة أوجب الله لأهلها النار , وكل عمل يقام به الحد فهو من الكبائر.

قال أبو جعفر : والذي نقول به في ذلك ما ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وذلك 7306 - حدثنا به أحمد بن الوليد القرشي , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : ثني عبيد الله بن أبي بكر , قال : سمعت أنس بن مالك قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر , أو سئل عن الكبائر , فقال : " الشرك بالله , وقتل النفس , وعقوق الوالدين " فقال : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟

" قال : " قول الزور " , أو قال : " شهادة الزور " , قال شعبة : وأكبر ظني أنه قال : " شهادة الزور " .

* - حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي , قال : حدثنا خالد بن الحارث , قال : حدثنا شعبة , قال : أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر , عن أنس , عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكبائر , قال : " الشرك بالله , وعقوق الوالدين , وقتل النفس , وقول الزور " .

* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا يحيى بن كثير , قال : ثنا شعبة , عن عبيد الله بن أبي بكر , عن أنس , قال : ذكروا الكبائر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " الإشراك بالله وعقوق الوالدين , وقتل النفس .

ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟

قول الزور " .

7307 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن فراس , عن الشعبي , عن عبد الله بن عمرو , عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال : " أكبر الكبائر : الإشراك بالله , وعقوق الوالدين , أو قتل النفس " شعبة الشاك " واليمين الغموس " .

* - حدثنا أبو هشام الرفاعي , قال : ثنا عبد الله بن موسى , قال : ثنا شيبان , عن فراس , عن الشعبي , عن عبد الله بن عمرو , قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فقال : ما الكبائر , قال : " الشرك بالله " قال : ثم مه ؟

قال : " وعقوق الوالدين ".

قال : ثم مه ؟

قال : " واليمين الغموس " .

قلت للشعبي : ما اليمين الغموس ؟

قال : الذي يقتطع مال امرئ مسلم بيمينه وهو فيها كاذب .

7308 - حدثني المثنى , قال : ثنا ابن أبي السري محمد بن المتوكل العسقلاني , قال : ثنا محمد بن سعد , عن خالد بن معدان , عن أبي رهم , عن أبي أيوب الأنصاري , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أقام الصلاة , وآتى الزكاة وصام رمضان , واجتنب الكبائر , فله الجنة " , قيل : وما الكبائر ؟

قال : " الإشراك بالله , وعقوق الوالدين , والفرار يوم الزحف " .

* - حدثني عباس بن أبي طالب , قال : ثنا سعد بن عبد الحميد , عن جعفر , عن ابن أبي جعفر , عن ابن أبي الزناد , عن موسى بن عقبة , عن عبد الله بن سلمان الأغر , عن أبيه أبي عبد الله سلمان الأغر , قال : قال أبو أيوب خالد بن أيوب الأنصاري , عقبي بدري , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من عبد يعبد الله لا يشرك به شيئا , ويقيم الصلاة , ويؤتي الزكاة , ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر , إلا دخل الجنة ".

فسألوه : ما الكبائر ؟

قال : " الإشراك بالله , والفرار من الزحف , وقتل النفس " .

7309 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أحمد بن عبد الرحمن , قال : ثنا عباد بن عباد , عن جعفر بن الزبير , عن القاسم , عن أبي أمامة : أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا الكبائر , وهو متكئ , فقالوا : الشرك بالله , وأكل مال اليتيم , وفرار من الزحف , وقذف المحصنة , وعقوق الوالدين , وقول الزور , والغلول , والسحر , وأكل الربا .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فأين تجعلون الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا " .

..

إلى آخر الآية .

7310 - حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي , قال : ثنا سفيان , عن أبي معاوية , عن أبي عمرو الشيباني , عن عبد الله , قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم : ما الكبائر ؟

قال : " أن تدعو لله ندا وهو خلقك , وأن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك , وأن تزني بحليلة جارك " .

وقرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم : { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر , ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } 7311 - حدثني هذا الحديث عبد الله بن محمد الزهري , فقال : ثنا سفيان , قال : ثنا أبو معاوية النخعي , وكان على السجن سمعه من أبي عمرو عن عبد الله بن مسعود : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقلت : أي العمل شر ؟

قال : " أن تجعل لله ندا وهو خلقك , وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك , وأن تزني بجارتك " وقرأ علي : { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } قال أبو جعفر : وأولى ما قيل في تأويل الكبائر بالصحة , ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دون ما قاله غيره , وإن كان كل قائل فيها قولا من الذين ذكرنا أقوالهم , قد اجتهد وبالغ في نفسه , ولقوله في الصحة مذهب .

فالكبائر إذن : الشرك بالله , وعقوق الوالدين , وقتل النفس المحرم قتلها , وقول الزور .

وقد يدخل في قول الزور شهادة الزور , وقذف المحصنة , واليمين الغموس , والسحر .

ويدخل في قتل النفس المحرم قتلها : قتل الرجل ولده من أجل أن يطعم معه , والفرار من الزحف , والزنا بحليلة الجار وإذ كان ذلك كذلك صح كل خبر روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى الكبائر , وكان بعضه مصدقا بعضا , وذلك أن الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " هي سبع " يكون معنى قوله حينئذ " هي سبع " على التفصيل , ويكون معنى قوله في الخبر الذي روي عنه أنه قال : " هي الإشراك بالله , وقتل النفس , وعقوق الوالدين , وقول الزور " على الإجمال , إذ كان قوله : " وقول الزور " يحتمل معاني شتى , وأن يجمع جميع ذلك : قول الزور .

وأما خبر ابن مسعود الذي حدثني به الفريابي على ما ذكرت , فإنه عندي غلط من عبيد الله بن محمد , لأن الأخبار المتظاهرة من الأوجه الصحيحة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو الرواية التي رواها الزهري عن ابن عيينة , ولم يقل أحد منهم في حديثه عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر ; فنقلهم ما نقلوا من ذلك عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالصحة من نقل الفريابي .

فمن اجتنب الكبائر التي وعد الله مجتنبها تكفير ما عداها من سيئاته , وإدخاله مدخلا كريما , وأدى فرائضه التي فرضها الله عليه , وجد الله لما وعده من وعد منجزا , وعلى الوفاء به دائبا .نكفر عنكم سيئاتكم وأما قوله : { نكفر عنكم سيئاتكم } فإنه يعني به : نكفر عنكم أيها المؤمنون باجتنابكم كبائر ما ينهاكم عنه ربكم صغائر سيئاتكم , يعني : صغائر ذنوبكم.

كما : 7312 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { نكفر عنكم سيئاتكم } الصغائر .

7313 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن ابن عون , عن الحسن : أن ناسا لقوا عبد الله بن عمرو بمصر , فقالوا : نرى أشياء من كتاب الله أمر أن يعمل بها , لا يعمل بها , فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك ؟

فقدم وقدموا معه , فلقيه عمر رضي الله عنه , فقال : متى قدمت ؟

قال : منذ كذا وكذا , قال : أبإذن قدمت ؟

قال : فلا أدري كيف رد عليه , فقال : يا أمير المؤمنين , إن ناسا لقوني بمصر , فقالوا : إنا نرى أشياء من كتاب الله تبارك وتعالى أمر أن يعمل بها ولا يعمل بها , فأحبوا أن يلقوك في ذلك .

فقال : اجمعهم لي !

قال : فجمعتهم له - قال ابن عون : أظنه قال في نهر - فأخذ أدناهم رجلا , فقال : أنشدكم بالله وبحق الإسلام عليك , أقرأت القرآن كله ؟

قال : نعم , قال : فهل أحصيته في نفسك ؟

قال : اللهم لا.

قال : ولو قال نعم لخصمه .

قال : فهل أحصيته في بصرك ؟

هل أحصيته في لفظك ؟

هل أحصيته في أثرك ؟

قال : ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم , فقال : ثكلت عمر أمه !

أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله ؟

قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات !

قال : وتلا : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما } هل علم أهل المدينة ؟

أو قال : هل علم أحد بما قدمتم ؟

قالوا : لا , قال : لو علموا لوعظت بكم .

7314 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا زياد بن مخراق , عن معاوية بن قرة قال : أتينا أنس بن مالك , فكان فيما حدثنا قال : لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا , ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال .

ثم سكت هنيهة , ثم قال : والله لقد كلفنا ربنا أهون من ذلك , لقد تجاوز لنا عما دون الكبائر , فما لنا ولها ؟

ثم تلا : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } ...

الآية .

7315 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } .

..

الآية , إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر , وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم , قال : " اجتنبوا الكبائر , وسددوا , وأبشروا " 7316 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن رجل , عن ابن مسعود قال : في خمس آيات من سورة النساء لهن أحب إلي من الدنيا جميعا : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } وقوله : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها } 4 40 وقوله : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } 4 48 وقوله : { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما } 4 110 وقوله : { والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما } 4 152 7317 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني أبو النضر , عن صالح المري , عن قتادة , عن ابن عباس , قال : ثمان آيات نزلت في سورة النساء , هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت , أولاهن : { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم } 4 26 والثانية : { والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما } 4 27 والثالثة : { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } 4 28 ثم ذكر مثل قول ابن مسعود سواء , وزاد فيه : ثم أقبل يفسرها في آخر الآية : { وكان الله } للذين عملوا الذنوب { غفورا رحيما }وندخلكم مدخلا كريما وأما قوله : { وندخلكم مدخلا كريما } فإن القراء اختلفت في قراءته , فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض الكوفيين : " وندخلكم مدخلا كريما " بفتح الميم , وكذلك الذي في الحج : { ليدخلنهم مدخلا يرضونه } 22 59 فمعنى : " وندخلكم مدخلا " فيدخلون دخولا كريما .

وقد يحتمل على مذهب من قرأ هذه القراءة أن يكون المعنى في المدخل : المكان والموضع , لأن العرب ربما فتحت الميم من ذلك بهذا المعنى , كما قال الراجز : بمصبح الحمد وحيث يمسي وقد أنشدني بعضهم سماعا من العرب : الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبحنا ربي ومسانا وأنشدني آخر غيره : الحمد لله ممسانا ومصبحنا لأنه من أصبح وأمسى .

وكذلك تفعل العرب فيما كان من الفعل بناؤه على أربعة تضم ميمه في مثل هذا , فتقول : دحرجته مدحرجا فهو مدحرج , ثم تحمل ما جاء على أفعل يفعل على ذلك , لأن يفعل من يدخل , وإن كان على أربعة , فإن أصله أن يكون على يؤفعل : يؤدخل , ويؤخرج , فهو نظير يدحرج .

وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين والبصريين : { مدخلا } بضم الميم , يعني : وندخلكم إدخالا كريما .

قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ ذلك : { وندخلكم مدخلا كريما } بضم الميم لما وصفنا من أن ما كان من الفعل بناؤه على أربعة في فعل فالمصدر منه مفعل , وأن أدخل ودحرج فعل منه على أربعة , فالمدخل مصدره أولى من مفعل مع أن ذلك أفصح في كلام العرب في مصادر ما جاء على أفعل , كما يقال : أقام بمكان فطاب له المقام , إذا أريد به الإقامة , وقام في موضعه فهو في مقام واسع , كما قال جل ثناؤه : { إن المتقين في مقام أمين } 44 51 من قام يقوم , ولو أريد به الإقامة لقرئ : " إن المتقين في مقام أمين " كما قرئ : { وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق } 17 80 بمعنى الإدخال والإخراج , ولم يبلغنا عن أحد أنه قرأ : مدخل صدق , ولا مخرج صدق , بفتح الميم .

وأما المدخل الكريم : فهو الطيب الحسن , المكرم بنفي الآفات والعاهات عنه , وبارتفاع الهموم والأحزان ودخول الكدر في عيش من دخله , فلذلك سماه الله كريما .

كما : 7318 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وندخلكم مدخلا كريما } قال : الكريم : هو الحسن في الجنة .

.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريمافيه مسألتان :الأولى : لما نهى تعالى في هذه السورة عن آثام هي كبائر ، وعد على اجتنابها التخفيف من الصغائر ، ودل هذا على أن في الذنوب كبائر وصغائر .

وعلى هذا جماعة أهل التأويل وجماعة الفقهاء ، وأن اللمسة والنظرة تكفر باجتناب الكبائر قطعا بوعده الصدق وقوله الحق ، لا أنه يجب عليه ذلك .

ونظير الكلام في هذا ما تقدم بيانه في قبول التوبة في قوله تعالى : إنما التوبة على الله ، فالله تعالى يغفر الصغائر باجتناب الكبائر ، لكن بضميمة أخرى إلى الاجتناب وهي إقامة الفرائض .

روى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر .

وروى أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ثم قال : والذي نفسي بيده ثلاث مرات ، ثم سكت فأكب كل رجل منا يبكي حزينا ليمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : ما من عبد يؤدي الصلوات الخمس [ ص: 139 ] ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يوم القيامة حتى إنها لتصفق ثم تلا إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم .

فقد تعاضد الكتاب وصحيح السنة بتكفير الصغائر قطعا كالنظر وشبهه .

وبينت السنة أن المراد ب تجتنبوا ليس كل الاجتناب لجميع الكبائر .

والله أعلم .

وأما الأصوليون فقالوا : لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر ، وإنما محمل ذلك على غلبة الظن وقوة الرجاء والمشيئة ثابتة .

ودل على ذلك أنه لو قطعنا لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض تكفير صغائره قطعا لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بألا تباعة فيه ، وذلك نقض لعرى الشريعة .

ولا صغيرة عندنا .

قال القشيري عبد الرحيم : والصحيح أنها كبائر ولكن بعضها أعظم وقعا من بعض ، والحكمة في عدم التمييز أن يجتنب العبد جميع المعاصي .قلت : وأيضا فإن من نظر إلى نفس المخالفة كما قال بعضهم : - لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر من عصيت - كانت الذنوب بهذه النسبة كلها كبائر ، وعلى هذا النحو يخرج كلام القاضي أبي بكر بن الطيب والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني وأبي المعالي وأبي نصر عبد الرحيم القشيري وغيرهم ؛ قالوا : وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها ، كما يقال الزنى صغيرة بإضافته إلى الكفر ، والقبلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنى ، ولا ذنب عندنا يغفر باجتناب ذنب آخر ، بل كل ذلك كبيرة ومرتكبه في المشيئة غير الكفر ، لقوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء واحتجوا بقراءة من قرأ " إن تجتنبوا كبير ما تنهون عنه " على التوحيد ؛ وكبير الإثم الشرك .

قالوا : وعلى الجمع فالمراد أجناس الكفر .

والآية التي قيدت الحكم فترد إليها هذه المطلقات كلها قوله تعالى : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .

واحتجوا بما رواه مسلم وغيره عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة فقال له رجل : يا رسول الله ، وإن كان شيئا يسيرا ؟

قال : وإن كان قضيبا من أراك .

فقد جاء الوعيد الشديد على اليسير كما جاء على الكثير .

وقال ابن عباس : الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب .

وقال ابن مسعود : الكبائر ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آية ؛ وتصديقه قوله تعالى : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه .

وقال طاوس : قيل لابن عباس الكبائر سبع ؟

قال : هي إلى السبعين أقرب .

وقال سعيد بن جبير : قال رجل لابن عباس الكبائر [ ص: 140 ] سبع ؟

قال : هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع ؛ غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار .

وروي عن ابن مسعود أنه قال : الكبائر أربعة : اليأس من روح الله ، والقنوط من رحمة الله ، والأمن من مكر الله ، والشرك بالله ؛ دل عليها القرآن .وروي عن ابن عمر : هي تسع : قتل النفس ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، ورمي المحصنة ، وشهادة الزور ، وعقوق الوالدين ، والفرار من الزحف ، والسحر ، والإلحاد في البيت الحرام .

ومن الكبائر عند العلماء : القمار والسرقة وشرب الخمر وسب السلف الصالح وعدول الحكام عن الحق واتباع الهوى واليمين الفاجرة والقنوط من رحمة الله وسب الإنسان أبويه - بأن يسب رجلا فيسب ذلك الرجل أبويه - والسعي في الأرض فسادا - ؛ إلى غير ذلك مما يكثر تعداده حسب ما جاء بيانها في القرآن ، وفي أحاديث خرجها الأئمة ، وقد ذكر مسلم في كتاب الإيمان منها جملة وافرة .وقد اختلف الناس في تعدادها وحصرها لاختلاف الآثار فيها ؛ والذي أقول : إنه قد جاءت فيها أحاديث كثيرة صحاح وحسان لم يقصد بها الحصر ، ولكن بعضها أكبر من بعض بالنسبة إلى ما يكثر ضرره ، فالشرك أكبر ذلك كله ، وهو الذي لا يغفر لنص الله تعالى على ذلك ، وبعده اليأس من رحمة الله ؛ لأن فيه تكذيب القرآن ؛ إذ يقول وقوله الحق : ورحمتي وسعت كل شيء وهو يقول : لا يغفر له ؛ فقد حجر واسعا .

هذا إذا كان معتقدا لذلك ؛ ولذلك قال الله تعالى : إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون .

وبعده القنوط ؛ قال الله تعالى : ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون .

وبعده الأمن من مكر الله فيسترسل في المعاصي ويتكل على رحمة الله من غير عمل ؛ قال الله تعالى : أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون .

وقال تعالى : وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين .

وبعده القتل ؛ لأن فيه إذهاب النفوس وإعدام الوجود ، واللواط فيه قطع النسل ، والزنى فيه اختلاط الأنساب بالمياه ، والخمر فيه ذهاب العقل الذي هو مناط التكليف ، وترك الصلاة والأذان فيه ترك إظهار شعائر الإسلام ، وشهادة الزور فيها استباحة الدماء والفروج والأموال ، إلى غير ذلك مما هو بين الضرر ؛ فكل ذنب عظم الشرع التوعد عليه بالعقاب وشدده ، أو عظم ضرره في الوجود كما ذكرنا فهو كبيرة وما عداه صغيرة .

فهذا يربط لك هذا الباب ويضبطه ، والله أعلم .[ ص: 141 ] الثانية : قوله تعالى : وندخلكم مدخلا كريما قرأ أبو عمرو وأكثر الكوفيين " مدخلا " بضم الميم ، فيحتمل أن يكون مصدرا ، أي إدخالا ، والمفعول محذوف أي وندخلكم الجنة إدخالا .

ويحتمل أن يكون بمعنى المكان فيكون مفعولا .

وقرأ أهل المدينة بفتح الميم ، فيجوز أن يكون مصدر دخل وهو منصوب بإضمار فعل ؛ التقدير وندخلكم فتدخلون مدخلا ، ودل الكلام عليه .

ويجوز أن يكون اسم مكان فينتصب على أنه مفعول به ، أي وندخلكم مكانا كريما وهو الجنة .

وقال أبو سعيد بن الأعرابي : سمعت أبا داود السجستاني يقول : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول : المسلمون كلهم في الجنة ؛ فقلت له : وكيف ؟

قال : يقول الله عز وجل : إن تجتبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما يعني الجنة .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي .

فإذا كان الله عز وجل يغفر ما دون الكبائر والنبي صلى الله عليه وسلم يشفع في الكبائر فأي ذنب يبقى على المسلمين .وقال علماؤنا : الكبائر عند أهل السنة تغفر لمن أقلع عنها قبل الموت حسب ما تقدم .

وقد يغفر لمن مات عليها من المسلمين كما قال تعالى : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء والمراد بذلك من مات على الذنوب ؛ فلو كان المراد من تاب قبل الموت لم يكن للتفرقة بين الإشراك وغيره معنى ؛ إذ التائب من الشرك أيضا مغفور له .

وروي عن ابن مسعود أنه قال : خمس آيات من سورة النساء هي أحب إلي من الدنيا جميعا ، قوله تعالى : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه وقوله إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر الآية ، وقوله تعالى : ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه الآية ، وقوله تعالى : وإن تك حسنة يضاعفها ، وقوله تعالى : والذين آمنوا بالله ورسله .

وقال ابن عباس : ثمان آيات في سورة النساء ، هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت : يريد الله ليبين لكم ، والله يريد أن يتوب عليكم ، يريد الله أن يخفف عنكم ، إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ، [ ص: 142 ] الآية ، إن الله لا يغفر أن يشرك به ، إن الله لا يظلم مثقال ذرة ، ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ، ما يفعل الله بعذابكم الآية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا من فضل الله وإحسانه على عباده المؤمنين وعدهم أنهم إذا اجتنبوا كبائر المنهيات غفر لهم جميع الذنوب والسيئات وأدخلهم مدخلا كريما كثير الخير وهو الجنة المشتملة على ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

ويدخل في اجتناب الكبائر فعل الفرائض التي يكون تاركها مرتكبا كبيرة، كالصلوات الخمس، والجمعة، وصوم رمضان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهما ما اجتنبت الكبائر" .

وأحسن ما حُدت به الكبائر، أن الكبيرة ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو نفي إيمان، أو ترتيب لعنة، أو غضب عليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) اختلفوا في الكبائر التي جعل الله اجتنابها تكفيرا للصغائر : أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا محمد بن مقاتل ، أنا النضر ، أخبرنا شعبة ، أنا فراس ، قال : سمعت الشعبي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الكبائر : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وقتل النفس ، واليمين الغموس " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا مسدد ، أنا بشر بن المفضل ، أنا الجريري ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟

" ثلاثا قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : " الإشراك بالله عز وجل ، وعقوق الوالدين ، وجلس وكان متكئا فقال : ألا وقول الزور ألا وقول الزور ، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت " .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار ، أنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي ، أنا محمد بن كثير ، أنا سفيان الثوري ، عن الأعمش ومنصور ، وواصل الأحدب عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله رضي الله عنهما قال : قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟

قال : " أن تجعل لله ندا وهو خلقك ، قلت : ثم أي؟

قال : أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك ، قلت : ثم أي؟

قال : أن تزاني حليلة جارك " ، فأنزل الله تعالى تصديق قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ) الآية .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثني سليمان ، عن ثور بن زيد ، عن أبي الغيث ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اجتنبوا السبع الموبقات : ، قالوا : يا رسول الله وما هن؟

قال : " الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " .

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : أكبر الكبائر : الإشراك بالله والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي ، أنا علي بن الجعد ، أنا شعبة ، عن سعيد بن إبراهيم ، قال : سمعت حميد بن عبد الرحمن يحدث عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من الكبائر أن يسب الرجل والديه ، قالوا : وكيف يسب الرجل والديه؟

قال : يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه " .

وعن سعيد بن جبير : أن رجلا سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن الكبائر : أسبع هي؟

قال : هن إلى السبعمائة أقرب إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار ، وقال : كل شيء عصي الله به فهو كبيرة ، فمن عمل شيئا منها فليستغفر فإن الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلا راجعا عن الإسلام أو جاحدا فريضة أو مكذبا بقدر .

وقال عبد الله بن مسعود : ما نهى الله تعالى عنه في هذه السورة إلى قوله تعالى : " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه " فهو كبيرة .

وقال علي بن أبي طلحة : هي كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب .

وقال الضحاك : ما أوعد الله عليه حدا في الدنيا أو عذابا في الآخرة .

وقال الحسن بن الفضل : ما سماه الله في القرآن كبيرا أو عظيما نحو قوله تعالى : " إنه كان حوبا كبيرا " ( النساء - 2 ) ، " إن قتلهم كان خطئا كبيرا " ( الإسراء - 31 ) ، " إن الشرك لظلم عظيم " ( لقمان - 13 ) ، " إن كيدكن عظيم " ( يوسف - 28 ) " سبحانك هذا بهتان عظيم " ( النور - 16 ) " إن ذلكم كان عند الله عظيما " ( الأحزاب - 53 ) .

قال سفيان الثوري : الكبائر ما كان فيه المظالم بينك وبين العباد ، والصغائر ما كان بينك وبين الله تعالى ، لأن الله كريم يعفو ، واحتج بما أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبد الله بن علي الكرماني ، أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ، أنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعيد ، أنا الحسين بن داؤد البلخي ، أنا يزيد بن هارون ، أنا حميد الطويل ، عن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ينادي مناد من بطنان العرش يوم القيامة : يا أمة محمد إن الله عز وجل قد عفا عنكم جميعا المؤمنين والمؤمنات ، تواهبوا المظالم وادخلوا الجنة برحمتي " .

وقال مالك بن مغول : الكبائر ذنوب أهل البدع ، والسيئات ذنوب أهل السنة .

وقيل : الكبائر ذنوب العمد ، والسيئات الخطأ والنسيان وما أكره عليه ، وحديث النفس المرفوع عن هذه الأمة .

وقيل : الكبائر ذنوب المستحلين مثل ذنب إبليس ، والصغائر ذنوب المستغفرين مثل ذنب آدم عليه السلام .

وقال السدي : الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبائر ، والسيئات مقدماتها وتوابعها مما يجتمع فيه الصالح والفاسق ، مثل النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها .

قال النبي صلى الله عليه وسلم : " العينان تزنيان ، واليدان تزنيان ، والرجلان تزنيان ، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه " .

وقيل : الكبائر ما يستحقره العباد ، والصغائر ما يستعظمونه فيخافون مواقعته ، كما أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا أبو الوليد ، أنا مهدي بن غيلان ، عن أنس قال : إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر ، إن كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات .

وقيل : الكبائر الشرك وما يؤدي إليه ، وما دون الشرك فهو السيئات ، قال الله تعالى : " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " ( النساء - 48 ، 116 ) .

وقوله تعالى : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) أي : من الصلاة إلى الصلاة ومن الجمعة إلى الجمعة ومن رمضان إلى رمضان .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنا عبد الغافر بن محمد ، أنا محمد بن عيسى الجلودي ، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أنا مسلم بن الحجاج ، حدثني هارون بن سعيد الأيلي أنا ابن وهب عن أبي صخر أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر " .

قوله تعالى : ( وندخلكم مدخلا كريما ) أي : حسنا وهو الجنة ، قرأ أهل المدينة ( مدخلا ) بفتح الميم هاهنا وفي الحج ، وهو موضع الدخول ، وقرأ الباقون بالضم على المصدر بمعنى الإدخال .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه» وهي ما ورد عليها وعيد كالقتال والزنا والسرقة وعن ابن عباس هي إلى السبعمائة أقرب «نكفِّر عنكم سيِّئاتكم» الصغائر بالطاعات «وندخلكم مُدخلا» بضم الميم وفتحها أي إدخالا أو موضعا «كريما» هو الجنة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن تبتعدوا -أيها المؤمنون- عن كبائر الذنوب كالإشراك بالله وعقوق الوالدين وقَتْلِ النفس بغير الحق وغير ذلك، نكفِّر عنكم ما دونها من الصغائر، وندخلكم مدخلا كريمًا، وهو الجنَّة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا الوعيد الشديد لكل معتد وظالم ، فتح القرآن الكريم باب الرحمة للناس حتى لا يقنطوا من رحمة الله فقال - تعالى - ( إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً ) .واجتناب الشئ معناه : المباعدة عنه وتركه جانبا بحيث تكون أنت فى جانب وهو فى جانب آخر ولا تلاقى بينكما .وكبائر الذنوب : ما عظم منها ، وعظمت العقوبة عليه .

كالشرك ، وقتل النفس بغير حق ، وأكل مال اليتيم ونحو ذلك من المحرمات .والسيئات : جمع سيئة وهى الفعلة القبيحة ، وسميت بذلك؛ لأنها تسوء صاحبها عاجلا أو آجلا .والمراد بالسيئات هنا : صغائر الذنوب بدليل مقابلتها بالكبائر .والمعنى : إن تتركوا - يا معشر المؤمنين - كبائر الذنوب التى نهاكم الشرع عن اقترافها ، ( نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ) أى نسترها عليكم ، ونمحها عنكم حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل فضلا من الله عليكم ، ورحمة بكم .( وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً ) أى وندخلكم فى الآخرة مدخلا حسنا وهو الجنة التى وعد الله بها عباده الصالحين .

فهى مكان طيب يجد من يحل فيه الكثير من كرم الله ورضاه .والمدخل - بضم الميم - كما قرأه الجمهور مصدر بمعنى الإِدخال ومفعول ندخلكم محذوف أى نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم إدخالا كريما .ويصح أن يكون اسم مكان منصوبا على الظرفية عند سيبويه ، وعلى المفعولية عند الأخفش .وقرأ نافع ( مَّدْخَلاً ) - بفتح الميم - على أنه اسم مكان للدخول ، ويجوز أن يكون مصدرا ميما .

أى ندخلكم مكانا كريما أو ندخلكم دخولا كريما .هذا ، وقد استدل العلماء بهذه الآية على أن صغائر الذنوب يغفرها الله - تعالى - لعباده رحمة منه وكرما متى اجتنبوا كبائر الذنوب ، وصدقوا فى توبتهم إليه .كما استدلوا بها على أن الذنوب منها الكبائر ومنها الصغائر؛ لأن هذه الآية قد فصلت بين كبائر الذنوب وبين ما يكفر باجتنابها وهو صغار الذنوب المعبر عنها بقوله - تعالى - : ( نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ) .

ولأن الله - تعالى - يقول فى موضع آخر ( وَلِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض لِيَجْزِيَ الذين أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى الذين يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المغفرة ) قال الآلوسى ما ملخصه : واختلفوا فى حد الكبيرة على أقوال منها : أنها كل معصية أوجبت الحد .

ومنها : أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين وبضعف ديانته .وقال الواحدى : الصحيح أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به ، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها .

ولكن الله - تعالى - أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا فى اجتناب المنهى عنه رجاء أن تجنب الكبائر .

ونظير ذلك إخفاء الصلاة الوسطى ، وليلة القدر .

وساعة الإِجابة .وذهب جماعة إلى ضبطها بالعد من غير ضبط بحد .

فعن ابن عباس وغيره أنها ما ذكره الله - تعالى - من أول هذه السورة إلى هنا .

وقيل هى سبع بدليل ما جاء فى الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" اجتنبوا السبع الموبقات قالوا : وما هو يا رسول الله؟

قال : الشرك بالله - تعالى - والسحر ، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق ، وأكل ما اليتيم ، وأكل الربا ، والتولى يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " .فإن قيل : جاء فى روايات أخرى أن من الكبائر " اليمين الغموس " و " قول الزور " و " عقوق الوالدين "؟

قلنا فى الجواب : إن ذلك محمول على أنه - صلى الله عليه وسلم - ذكر ما ذكر منها قصدا لبيان المحتاج منها وقت الذكر وليس لحصره الكبائر فيه - فإن النص على هذه السيع بأنهن كبائر لا ينفى ما عداهن .والذى نراه أن الذنوب منها الكبائر ومنها الصغائر ، وأن الصغائر يغفرها الله لعاده متى اجتنبوا الكبائر وأخلصوا دينهم لله ، وأن الكبائر هى ما حذر الشرع من ارتكابها تحذيرا شديدا ، وتوعد مرتكبها بسوء المصير ، كالإشراك بالله ، وقتل النفس بغير حق وغير ذلك من الفواحش التى يؤدى ارتكابها إلى إفساد شأن الأفراد والجماعات والتى ورد النهى عنها فى كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية .

وأن الصغائر ، هى الذنوب اليسيرة التى يتركبها الشخص من غير إصرار عليها ولا استهانة بها أو مداومة عليها ، بل يعقبها بالتوبة الصادقة والعمل الصالح وصدق الله إذ يقول : ( وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ الليل إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ذلك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ ) ولقد فتح الله - تعالى - لعباده باب التوبة من الذنوب صغيرها وكبيرها حتى لا ييأسوا من رحمته فقال - سبحانه - : ( والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ) ثم نهى - سبحانه - عن التحاسد وعن تمنى ما فضل الله به بعض الناس على بعض من المال ونحوه مما يجرى فيه التنافس ، وبين - سبحانه - أنه قد جعل لكم إنسان حقا معينا فيما تركه الوالدان والأقربون فقال - تعالى - : ( وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ .

.

.

شَهِيداً ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر الوعيد أتبعه بتفصيل ما يتعلق به فذكر هذه الآية، وفيه مسائل: المسألة الأولى: من الناس من قال: جميع الذنوب والمعاصي كبائر.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: كل شيء عصى الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئا منها فليستغفر الله، فان الله تعالى لا يخلد في النار من هذه الأمة إلا راجعا عن الاسلام، أو جاحدا فريضة، أو مكذبا بقدر.

واعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه: الحجة الأولى: هذه الآية، فان الذنوب لو كانت بأسرها كبائر لم يصح الفصل بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر.

الحجة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ  ﴾ وقوله: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا  ﴾ .

الحجة الثالثة: ان الرسول عليه الصلاة والسلام نص على ذنوب بأعيانها أنها كبائر، كقوله: الكبائر: الإشراك بالله واليمين الغموس وعقوق الوالدين وقتل النفس وذلك يدل على أن منها ما ليس من الكبائر.

الحجة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان  ﴾ وهذا صريح في أن المنهيات أقسام ثلاثة: أولها: الكفر.

وثانيها: الفسوق.

وثالثها: العصيان، فلابد من فرق بين الفسوق وبين العصيان ليصح العطف، وما ذاك إلا لما ذكرنا من الفرق بين الصغائر وبين الكبائر، فالكبائر هي الفسوق، والصغائر هي العصيان.

واحتج ابن عباس بوجهين: أحدهما: كثرة نعم من عصى.

والثاني: إجلال من عصى، فان اعتبرنا الأول فنعم الله غير متناهية، كما قال: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا  ﴾ وان اعتبرنا الثاني فهو أجل الموجودات وأعظمها، وعلى التقديرين وجب أن يكون عصيانه في غاية الكبر، فثبت أن كل ذنب فهو كبيرة.

والجواب من وجهين: الأول: كما أنه تعالى أجل الموجودات وأشرفها، فكذلك هو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وأغنى الأغنياء عن طاعات المطيعين وعن ذنوب المذنبين، وكل ذلك يوجب خفة الذنب.

الثاني: هب أن الذنوب كلها كبيرة من حيث أنها ذنوب، ولكن بعضها أكبر من بعض، وذلك يوجب التفاوت.

إذا ثبت أن الذنوب على قسمين بعضها صغائر وبعضها كبائر، فالقائلون بذلك فريقان: منهم من قال: الكبيرة تتميز عن الصغيرة في نفسها وذاتها، ومنهم من قال: هذا الامتياز إنما يحصل لا في ذواتها، بل بحسب حال فاعليها، ونحن نشرح كل واحد من هذين القولين.

أما القول الأول: فالذاهبون اليه والقائلون به اختلفوا اختلافا شديداً، ونحن نشير إلى بعضها، فالأول: قال ابن عباس: كل ما جاء في القرآن مقرونا بذكر الوعيد فهو كبيرة، نحو قتل النفس المحرمة وقذف المحصنة والزنا والربا وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف.

الثاني: قال ابن مسعود: افتتحوا سورة النساء، فكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثين آية فهو كبيرة، ثم قال: مصداق ذلك: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ الثالث: قال قوم: كل عمد فهو كبيرة.

واعلم أن هذه الأقوال ضعيفة.

أما الأول: فلأن كل ذنب لابد وأن يكون متعلق الذم في العاجل والعقاب في الآجل، فالقول بأن كل ما جاء في القرآن مقرونا بالوعيد فهو كبيرة يقتضي أن يكون كل ذنب كبيرة وقد أبطلناه.

وأما الثاني: فهو أيضا ضعيف، لأن الله تعالى ذكر كثيراً من الكبائر في سائر السور، ولا معنى لتخصيصها بهذه السورة.

وأما الثالث: فضعيف أيضا، لأنه ان أراد بالعمد أنه ليس بساه عن فعله، فما هذا حاله هو الذي نهى الله عنه، فيجب على هذا أن يكون كل ذنب كبيرة وقد أبطلناه، وان أراد بالعمد أن يفعل المعصية مع العلم بأنها معصية، فمعلوم أن اليهود والنصارى يكفرون بمحمد صلى الله عليه وسلم وهم لا يعلمون أنه معصية، وهو مع ذلك كفر كبير، فبطلت هذه الوجوه الثلاثة.

وذكر الشيخ الغزالي رحمه الله في منتخبات كتاب إحياء علوم الدين فصلا طويلا في الفرق بين الكبائر والصغائر فقال: فهذا كله قول من قال: الكبائر تمتاز عن الصغائر بحسب ذواتها وأنفسها.

وأما القول الثاني: وهو قول من يقول: الكبائر تمتاز عن الصغائر بحسب اعتبار أحوال فاعليها، فهؤلاء الذين يقولون: إن لكل طاعة قدرا من الثواب، ولكل معصية قدرا من العقاب، فاذا أتى الإنسان بطاعة واستحق بها ثوابا، ثم أتى بمعصية واستحق بها عقابا، فهاهنا الحال بين ثواب الطاعة وعقاب المعصية بحسب القسمة العقلية يقع على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتعادلا ويتساويا، وهذا وإن كان محتملا بحسب التقسيم العقلي إلا أنه دل الدليل السمعي على أنه لا يوجد، لأنه تعالى قال: ﴿ فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير  ﴾ ولو وجد مثل هذا المكلف وجب أن لا يكون في الجنة ولا في السعير.

والقسم الثاني: أن يكون ثواب طاعته أزيد من عقاب معصيته، وحينئذ ينحبط ذلك العقاب بما يساويه من الثواب، ويفضل من الثواب شيء، ومثل هذه المعصية هي الصغيرة، وهذا الانحباط هو المسمى بالتكفير.

والقسم الثالث: أن يكون عقاب معصيته أزيد من ثواب طاعته، وحينئذ ينحبط ذلك الثواب بما يساويه من العقاب، ويفضل من العقاب شيء، ومثل هذه المعصية هي الكبيرة، وهذا الانحباط هو المسمى بالاحباط، وبهذا الكلام ظهر الفرق بين الكبيرة وبين الصغيرة.

وهذا قول جمهور المعتزلة.

واعلم أن هذا الكلام مبني علىأصول كلها باطلة عندنا.

أولها: أن هذا مبني على أن الطاعة توجب ثوابا والمعصية توجب عقابا، وذلك باطل لأنا بينا في كثير من مواضع هذا الكتاب أن صدور الفعل عن العبد لا يمكن إلا اذا خلق الله فيه داعية توجب ذلك الفعل، ومتى كان كذلك امتنع كون الطاعة موجبة للثواب، وكون المعصية موجبة للعقاب.

وثانيها: أن بتقدير أن يكون الأمر كذلك، إلا أنا نعلم ببديهة العقل أن من اشتغل بتوحيد الله وتقديسه وخدمته وطاعته سبعين سنة، فان ثواب مجموع هذه الطاعات الكثيرة في هذه المدة الطويلة أكثر بكثير من عقاب شرب قطرة واحدة من الخمر، مع أن الأمة مجمعة على أن شرب هذه القطرة من الكبائر، فان أصروا وقالوا: بل عقاب شرب هذه القطرة أزيد من ثواب التوحيد وجميع الطاعات سبعين سنة فقد أبطلوا على أنفسهم أصلهم، فانهم يبنون هذه المسائل على قاعدة الحسن والقبح العقليين، ومن الأمور المتقررة في العقول أن من جعل عقاب هذا القدر من الجناية أزيد من ثواب تلك الطاعات العظيمة فهو ظالم، فان دفعوا حكم العقل في هذا الموضع فقد أبطلوا على أنفسهم القول بتحسين العقل وتقبيحه، وحينئذ يبطل عليهم كل هذه القواعد.

وثالثها: أن نعم الله تعالى كثيرة وسابقة على طاعات العبيد، وتلك النعم السابقة موجبة لهذه الطاعات، فكان أداء الطاعات أداء لما وجب بسبب النعم السابقة، ومثل هذا لا يوجب في المستقبل شيئاً آخر، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون شيء من الطاعات موجبا للثواب أصلا، وإذا كان كذلك فكل معصية يؤتى بها فان عقابها يكون أزيد من ثواب فاعلها، فوجب أن يكون جميع المعاصي كبائر، وذلك أيضاً باطل.

ورابعها: أن هذا الكلام مبني على القول بالاحباط، وقد ذكرنا الوجوه الكثيرة في إبطال القول بالاحباط في سورة البقرة، فثبت أن هذا الذي ذهبت المعتزلة اليه في الفرق بين الصغيرة والكبيرة قول باطل وبالله التوفيق.

المسألة الثانية: اختلف الناس في أن الله تعالى هل ميز جملة الكبائر عن جملة الصغائر أم لا؟

فالأكثرون قالوا: إنه تعالى لم يميز جملة الكبائر عن جملة الصغائر، لأنه تعالى لما بين في هذه الآية أن الاجتناب عن الكبائر يوجب تكفير الصغائر، فاذا عرف العبد أن الكبائر ليست إلا هذه الأصناف المخصوصة، عرف أنه متى احترز عنها صارت صغائره مكفرة فكان ذلك إغراء له بالاقدام على تلك الصغائر، والاغراء بالقبيح لا يليق بالجملة، أما إذا لم يميز الله تعالى كل الكبائر عن كل الصغائر، ولم يعرف في شيء من الذنوب أنه صغيرة، ولا ذنب يقدم عليه إلا ويجوز كونه كبيرة فيكون ذلك زاجراً له عن الاقدام عليه.

قالوا: ونظير هذا في الشريعة إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات وليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الاجابة في ساعات الجمعة، ووقت الموت في جميع الأوقات.

والحاصل أن هذه القاعدة تقتضي أن لا يبين الله تعالى في شيء من الذنوب أنه صغيرة، وأن لا يبين أن الكبائر ليست إلا كذا وكذا، فانه لو بين ذلك لكان ما عداها صغيرة، فحينئذ تصير الصغيرة معلومة، ولكن يجوز أن يبين في بعض الذنوب أنه كبيرة.

روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما تعدون الكبائر» فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: «الاشراك بالله وقتل النفس المحرمة وعقوق الوالدين والفرار من الزحف والسحر وأكل مال اليتيم وقول الزور وأكل الربا وقذف المحصنات الغافلات» وعن عبدالله بن عمر أنه ذكرها وزاد فيها: استحلال آمين البيت الحرام، وشرب الخمر، وعن ابن مسعود أنه زاد فيها: القنوط من رحمة الله واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر الله.

وذكر عن ابن عباس أنها سبعة، ثم قال: هي إلى السبعين أقرب.

وفي رواية أخرى إلى السبعمائة أقرب، والله أعلم.

المسألة الثالثة: احتج أبو القاسم الكعبي بهذه الآية على القطع بوعيد أصحاب الكبائر فقال: قد كشف الله بهذه الآية الشبهة في الوعيد، لأنه تعالى بعد أن قدم ذكر الكبائر، بين أن من اجتنبها يكفر عن سيآته، وهذا يدل على أنهم إذا لم يجتنبوها فلا تكفر، ولو جاز أن يغفر تعالى لهم الكبائر والصغائر من غير توبة لم يصح هذا الكلام.

وأجاب أصحابنا عنه من وجوه: الأول: أنكم إما أن تستدلوا بهذه الآية من حيث أنه تعالى لما ذكر أن عند اجتناب الكبائر يكفر السيآت، وجب أن عند عدم اجتناب الكبائر لا يكفرها، لأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه وهذا باطل.

لأن عند المعتزلة هذا الأصل باطل، وعندنا انه دلالة ظنية ضعيفة، وإما أن تستدلوا به من حيث أن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء، وهذا أيضا ضعيف، ويدل عليه آيات: إحداها: قوله: ﴿ واشكروا الله إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ  ﴾ فالشكر واجب سواء عبد الله أو لم يعبد.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدّ الذي اؤتمن أمانته  ﴾ وأداء الأمانة واجب سواء ائتمنه أو لم يفعل ذلك.

وثالثها: ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان  ﴾ والاستشهاد بالرجل والمرأتين جائز سواء حصل الرجلان أو لم يحصلا.

ورابعها: ﴿ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فرهان مَّقْبُوضَةٌ  ﴾ والرهن مشروع سواء وجد الكاتب أو لم يجده.

وخامسها: ﴿ وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً  ﴾ والاكراه على البغاء محرم، سواء أردن التحصن أو لم يردن.

وسادسها: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء  ﴾ والنكاح جائز سواء حصل ذلك الخوف أو لم يحصل.

وسابعها: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ  ﴾ والقصر جائز، سواء حصل الخوف أو لم يحصل.

وثامنها: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ  ﴾ والثلثان كما أنه حق الثلاثة فهو أيضاً حق الثنتين.

وتاسعها: قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فابعثوا حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ  ﴾ وذلك جائز سواء حصل الخوف أو لم يحصل.

وعاشرها: قوله: ﴿ إِن يُرِيدَا إصلاحا يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا  ﴾ وقد يحصل التوفيق بدون إرادتيهما، والحادي عشر: قوله: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مّن سَعَتِهِ  ﴾ وقد يحصل الغنى بدون ذلك التفرق، وهذا الجنس من الآيات فيه كثرة، فثبت أن المعلق بكلمة إن على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشيء، والعجب أن مذهب القاضي عبد الجبار في أصول الفقه هو أن المعلق بكملة إن على الشيء لا يكون عدما عند عدم ذلك الشيء، ثم إنه في التفسير استحسن استدلال الكعبي بهذه الآية، وذلك يدل على أن حب الإنسان لمذهبه قد يلقيه فيما لا ينبغي.

الوجه الثاني من الجواب: قال أبو مسلم الاصفهاني: إن هذه الآية إنما جاءت عقيب الآية التي نهى الله فيها عن نكاح المحرمات، وعن عضل النساء وأخذ أموال اليتامى وغير ذلك، فقال تعالى: إن تجتنبوا هذه الكبائر التي نهيناكم عنها كفرنا عنكم ما كان منكم في ارتكابها سالفا.

وإذا كان هذا الوجه محتملا، لم يتعين حمله على ما ذكره المعتزلة.

وطعن القاضي في هذا الوجه من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ عام، فقصره على المذكور المتقدم لا يجوز.

الثاني: أن قوله: إن باجتنابهم في المستقبل هذه المحرمات يكفر الله ما حصل منها في الماضي كلام بعيد؛ لأنه لا يخلو حالهم من أمرين اثنين: إما أن يكونوا قد تابوا من كل ما تقدم، فالتوبة قد أزالت عقاب ذلك لاجتناب هذه الكبائر، أو لا يكونوا قد تابوا من كل ما تقدم، فمن أين أن اجتناب هذه الكبائر يوجب تكفير تلك السيآت؟

هذا لفظ القاضي في تفسيره.

والجواب عن الأول: أنا لا ندعي القطع بأن قوله: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ محمول على ما تقدم ذكره، لكنا نقول: إنه محتمل، ومع هذا الاحتمال لا يتعين حمل الآية على ما ذكروه.

وعن الثاني: أن قولك: من أين أن اجتناب هذا الكبائر يوجب تكفير تلك السيئات؟

سؤال لا استدلال على فساد هذا القسم، وبهذا القدر لا يبطل هذا الاحتمال، وإذا حضر هذا الاحتمال بطل ما ذكرتم من الاستدلال والله أعلم.

الوجه الثالث: من الجواب عن هذا الاستدلال: هو أنا إذا أعطيناهم جميع مراداتهم لم يكن في الآية زيادة على أن نقول: إن من لم يجتنب الكبائر لم تكفر سيآته، وحينئذ تصير هذه الآية عامة في الوعيد، وعمومات الوعيد ليست قليلة، فما ذكرناه جوابا عن سائر العمومات كان جوابا عن تمسكهم بهذه الآية، فلا أعرف لهذه الآية مزيد خاصية في هذا الباب، وإذا كان كذلك لم يبق لقول الكعبي: إن الله قد كشف الشبهة بهذه الآية عن هذه المسألة وجه.

الوجه الرابع: أن هذه الكبائر قد يكون فيها ما يكون كبيرا، بالنسبة إلى شيء، ويكون صغيراً بالنسبة إلى شيء آخر، وكذا القول في الصغائر، إلا أن الذي يحكم بكونه كبيرا على الاطلاق هو الكفر، وإذا ثبت هذا فلم لا يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ الكفر؟

وذلك لأن الكفر أنواع كثيرة: منها الكفر بالله وبأنبيائه وباليوم الآخر وشرائعه، فكان المراد أن من اجتنب عن الكفر كان ما وراءه مغفورا، وهذا الاحتمال منطبق موافق لصريح قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ وإذا كان هذا محتملا، بل ظاهراً سقط استدلالهم بالكلية وبالله التوفيق.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: إن عند اجتناب الكبائر يجب غفران الصغائر، وعندنا أنه لا يجب عليه شيء، بل كل ما يفعله فهو فضل وإحسان، وقد تقدم ذكر دلائل هذه المسألة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ المفضل عن عاصم ﴿ يَكْفُرْ وَيُدْخِلْكُمْ ﴾ بالياء في الحرفين على ضمير الغائب، والباقون بالنون على استئناف الوعد، وقرأ نافع ﴿ مُّدْخَلاً ﴾ بفتح الميم وفي الحج مثله، والباقون بالضم، ولم يختلفوا في ﴿ مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ بالضم، فبالفتح المراد موضع الدخول، وبالضم المراد المصدر وهو الادخال، أي: ويدخلكم إدخالا كريما، وصف الادخال بالكرم بمعنى أن ذلك الادخال يكون مقرونا بالكرم على خلاف من قال الله فيهم: ﴿ الذين يُحْشَرُونَ على وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ  ﴾ المسألة الثانية: أن مجرد الاجتناب عن الكبائر لا يوجب دخول الجنة، بل لابد معه من الطاعات، فالتقدير: ان أتيتم بجميع الواجبات، واجتنبتم عن جميع الكبائر كفرنا عنكم بقية السيئات وأدخلناكم الجنة، فهذا أحد ما يوجب الدخول في الجنة.

ومن المعلوم أن عدم السبب الواحد لا يوجب عدم المسبب، بل هاهنا سبب آخر هو السبب الأصلي القوي، وهو فضل الله وكرمه ورحمته، كما قال: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ  ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ وقرئ: ﴿ كبير ما تنهون عنه ﴾ ، أي ما كبر من المعاصي التي ينهاكم الله عنها والرسول ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم ﴾ نمط ما تستحقونه من العقاب في كل وقت على صغائركم، ونجعلها كأن لم تكن، لزيادة الثواب المستحق على اجتنابكم الكبائر وصبركم عنها، على عقاب السيئات.

والكبيرة والصغيرة إنما وصفتا بالكبر والصغر بإضافتهما إما إلى طاعة أو معصية أو ثواب فاعلهما.

والتكفير: إماطة المستحق من العقاب بثواب أزيد، أو بتوبة.

والإحباط: نقيضه، وهو إماطة الثواب المستحق بعقاب أزيد أو بندم على الطاعة.

وعن علي رضي الله عنه: الكبائر سبع: الشرك، والقتل، والقذف، والزنا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، والتعرُّب بعد الهجرة.

وزاد ابن عمر: السحر، واستحلال البيت الحرام.

وعن ابن عباس: أن رجلاً قال له: الكبائر سبع؟

فقال: هي إلى سبعمائة أقرب، لأنه لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار.

وروى إلى سبعين.

وقرئ: ﴿ يكفر ﴾ ، بالياء.

و ﴿ مَُدْخلاً ﴾ بضم الميم وفتحها، بمعنى المكان والمصدر فيهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ كَبائِرَ الذُّنُوبِ الَّتِي نَهاكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ عَنْها، وقُرِئَ «كَبِيرَ» عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.

﴿ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ ﴾ نَغْفِرْ لَكم صَغائِرَكم ونَمْحُها عَنْكم.

واخْتُلِفَ في الكَبائِرِ، والأقْرَبُ أنَّ الكَبِيرَةَ كُلُّ ذَنْبٍ رَتَّبَ الشّارِعُ عَلَيْهِ حَدًّا أوْ صَرَّحَ بِالوَعِيدِ فِيهِ.

وقِيلَ ما عُلِمَ حُرْمَتُهُ بِقاطِعٍ.

وَعَنِ النَّبِيِّ  «أنَّها سَبْعٌ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والرِّبا، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ».» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: (الكَبائِرُ إلى سَبْعِمِائَةٍ أقْرَبُ مِنها إلى سَبْعِ.

وقِيلَ أرادَ هاهُنا أنْواعَ الشِّرْكِ لِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ وقِيلَ صِغَرُ الذُّنُوبِ وكِبَرُها بِالإضافَةِ إلى ما فَوْقَها وما تَحْتَها، فَأكْبَرُ الكَبائِرِ الشِّرْكُ وأصْغَرُ الصَّغائِرِ حَدِيثُ النَّفْسِ وبَيْنَهُما وسائِطُ يُصَدِّقُ عَلَيْها الأمْرانِ، فَمَن عَنَّ لَهُ أمْرانِ مِنها ودَعَتْ نَفْسُهُ إلَيْهِما بِحَيْثُ لا يَتَمالَكُ فَكَفَّها عَنْ أكْبَرِهِما كَفَّرَ عَنْهُ ما ارْتَكَبَهُ لِما اسْتَحَقَّ مِنَ الثَّوابِ عَلى اجْتِنابِ الأكْبَرِ.

وَلَعَلَّ هَذا مِمّا يَتَفاوَتُ بِاعْتِبارِ الأشْخاصِ والأحْوالِ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى عاتَبَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في كَثِيرٍ مِن خَطَراتِهِ الَّتِي لَمْ تُعَدَّ عَلى غَيْرِهِ خَطِيئَةً فَضْلًا عَنْ أنْ يُؤاخِذَهُ عَلَيْها.

﴿ وَنُدْخِلْكم مُدْخَلا كَرِيمًا ﴾ الجَنَّةَ وما وعَدَ مِنَ الثَّوابِ، أوْ إدْخالًا مَعَ كَرامَةٍ.

وقَرَأ نافِعٌ هُنا وفي الحَجِّ بِفَتْحِ المِيمِ وهو أيْضًا يَحْتَمِلُ المَكانَ والمَصْدَرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} عن ابن مسعود رضى الله عنهما الكبائر كل ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى قوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه وعنه أيضاً الكبائر ثلاث الإشراك بالله واليأس من روح الله والأمن من مكر الله وقيل المراد بها أنواع الكفر بدليل قراءة عبد الله كبير ما تنهون عنه وهو الكفر {وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً} مدخلا مدنى وكلاهما بمعنى المكان والمصدر

النساء (٣١ _ ٣٣)

{كريما} حسنا وعن ابن عباس رضى اله عنهما ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت يريد الله ليبين لكم والله يريد أن يتوب عليكم يريد الله أن

يخفف عنكم إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم إن الله لا يغفر أن يشرك به إن الله لا يظلم مثقال ذرة ومن يعمل سوأ أو يظلم نفسه ما يفعل الله بعذابكم وتشبت المعتزلة بالآية على أن الصغائر واجبة المغفرة باجتناب الكبائر وعلى أن الكبائر غير مغفورة باطل لأن الكبائر والصغائر في مشيئته تعالى سواء إن شاء عذب عليهما وإن شاء عفى عنهما لقوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فقد وعد المغفرة لما دون الشرك وقرنها بمشيئته تعالى وقوله إِنَّ الحسنات يذهبن السيئات فهذه الآية تدل على أن الصغائر والكبائر يجوز أن يذهبا بالحسنات لأن لفظ السيئات ينطلق عليهما

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا ﴾ أيْ: تَتْرُكُوا جانِبًا ﴿ كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ ﴾ أيْ: يَنْهاكُمُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ  -عَنْهُ، أيْ: عَنِ ارْتِكابِهِ مِمّا ذُكِرَ، ومِمّا لَمْ يُذْكَرْ، وقُرِئَ: (كَبِيرَ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، فَيُطابِقُ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الشِّرْكَ ﴿ نُكَفِّرْ ﴾ أيْ: نَغْفِرُ ونَمْحُو، واخْتِيارُ ما يَدُلُّ عَلى العَظَمَةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ ذَلِكَ الغُفْرانِ، وقُرِئَ: (يُغْفَرْ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ ﴿ عَنْكُمْ ﴾ أيُّها المُجْتَنِبُونَ ﴿ سَيِّئاتِكُمْ ﴾ أيْ: صَغائِرَكُمْ، كَما قالَ السُّدِّيُّ، واخْتَلَفُوا في حَدِّ الكَبِيرَةِ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّها ما لَحِقَ صاحِبَها عَلَيْها بِخُصُوصِها وعِيدٌ شَدِيدٌ بِنَصِّ كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ.

والثّانِي: أنَّها كُلُّ مَعْصِيَةٍ أوْجَبَتِ الحَدَّ، وبِهِ قالَ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ.

والثّالِثُ: أنَّها كُلُّ ما نَصَّ الكِتابُ عَلى تَحْرِيمِهِ، أوْ وجَبَ في جِنْسِهِ حَدٌّ.

والرّابِعُ: أنَّها كُلُّ جَرِيرَةٍ تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِراثِ مُرْتَكِبِها بِالدِّينِ، ورِقَّةِ الدِّيانَةِ، وبِهِ قالَ الإمامُ.

والخامِسُ: أنَّها ما أوْجَبَ الحَدَّ، أوْ تَوَجَّهَ إلَيْهِ الوَعِيدُ، وبِهِ قالَ الماوَرْدِيُّ في فَتاوِيهِ.

والسّادِسُ: أنَّها كُلُّ مُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ، مَنهِيٌّ عَنْهُ لِمَعْنًى في نَفْسِهِ، وحُكِيَ ذَلِكَ بِتَفْصِيلٍ مَذْكُورٍ في مَحَلِّهِ عَنِ الحَلِيمِيِّ.

والسّابِعُ: أنَّها كُلُّ فِعْلٍ نَصَّ الكِتابُ عَلى تَحْرِيمِهِ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ.

وقالَ الواحِدِيُّ: الصَّحِيحُ أنَّ الكَبِيرَةَ لَيْسَ لَها حَدٌّ يَعْرِفُها العِبادُ بِهِ، وإلّا لاقْتَحَمَ النّاسُ الصَّغائِرَ واسْتَباحُوها، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أخْفى ذَلِكَ عَنِ العِبادِ؛ لِيَجْتَهِدُوا في اجْتِنابِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ رَجاءَ أنْ تُجْتَنَبَ الكَبائِرُ.

ونَظِيرُ ذَلِكَ إخْفاءُ الصَّلاةِ الوُسْطى ولَيْلَةِ القَدْرِ، وساعَةِ الإجابَةِ، انْتَهى.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ البارِزَيُّ: التَّحْقِيقُ أنَّ الكَبِيرَةَ كُلُّ ذَنْبٍ قُرِنَ بِهِ وعِيدٌ أوْ حَدٌّ أوْ لَعْنٌ بِنَصِّ كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ، أوْ عُلِمَ أنَّ مَفْسَدَتَهُ كَمَفْسَدَةِ ما قُرِنَ بِهِ وعِيدٌ أوْ حَدٌّ أوْ لَعْنٌ، أوْ أكْثَرُ مِن مَفْسَدَتِهِ، أوْ أشْعَرَ بِتَهاوُنِ مُرْتَكِبِهِ في دِينِهِ إشْعارَ أصْغَرِ الكَبائِرِ المَنصُوصِ عَلَيْها بِذَلِكَ، كَما لَوْ قَتَلَ مَعْصُومًا فَظَهَرَ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِدَمِهِ، أوْ وطِئَ امْرَأةً ظانًّا أنَّهُ زانٍ بِها فَإذا هي زَوْجَتُهُ أوْ أمَتُهُ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ ما ذُكِرَ مِنَ الحُدُودِ إنَّما قَصَدُوا بِهِ التَّقْرِيبَ فَقَطْ، وإلّا فَهي لَيْسَتْ بِحُدُودٍ جامِعَةٍ، وكَيْفَ يُمْكِنُ ضَبْطُ ما لا مَطْمَعَ في ضَبْطِهِ؟!

وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى ضَبْطِها بِالعَدِّ مِن غَيْرِ ضَبْطِها بِحَدٍّ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مَن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إلى هُنا، وقِيلَ: هي سَبْعٌ، ويُسْتَدَلُّ لَهُ بِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: ««اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى إلّا بِالحَقِّ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وأكْلُ الرِّبا، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ الغافِلاتِ»» وفي رِوايَةِ لَهُما: ««الكَبائِرُ: الإشْراكُ بِاللَّهِ تَعالى، والسِّحْرُ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ» زادَ البُخارِيُّ: «واليَمِينُ الغَمُوسُ»، ومُسْلِمٌ بَدَّلَها: «وقَوْلُ الزُّورِ»» والجَوابُ أنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ذَكَرَهُ قَصْدًا لِبَيانِ المُحْتاجِ مِنها وقْتَ الذِّكْرِ، لا لِحَصْرِهِ الكَبائِرَ فِيهِ.

ومِمَّنْ صَرَّحَ بِأنَّ الكَبائِرَ سَبْعٌ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وعَطاءٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وقِيلَ: تِسْعٌ؛ لِما أخْرَجَهُ عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أنَّهُ قالَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الكَبائِرِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «هُنَّ تِسْعٌ: الإشْراكُ بِاللَّهِ تَعالى، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، وقَتْلُ النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، والسِّحْرُ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، والإلْحادُ بِالبَيْتِ الحَرامِ قِبْلَتِكم أحْياءً وأمْواتًا»».

ونُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها ثَلاثٌ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّها عَشَرَةٌ، وقِيلَ: أرْبَعَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: خَمْسَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: أرْبَعٌ، ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلِ الكَبائِرُ سَبْعٌ؟

فَقالَ: هي إلى السَّبْعِينَ أقْرَبُ، ورَوى ابْنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ لَهُ: هي إلى السَّبْعِمِائَةِ أقْرَبُ مِنها إلى السَّبْعِ، غَيْرَ أنَّهُ لا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ ولا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ، وأنْكَرَ جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ أنَّ في الذُّنُوبِ صَغِيرَةً، وقالُوا: بَلْ سائِرُ المَعاصِي كَبائِرُ، مِنهُمُ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرايِينِيُّ، والقاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ، وإمامُ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ، وابْنُ القُشَيْرِيِّ في المُرْشِدِ، بَلْ حَكاهُ ابْنُ فُورَكٍ عَنِ الأشاعِرَةِ، واخْتارَهُ في تَفْسِيرِهِ، فَقالَ: مَعاصِي اللَّهِ تَعالى كُلُّها عِنْدَنا كَبائِرُ، وإنَّما يُقالُ لِبَعْضِها: صَغِيرَةٌ وكَبِيرَةٌ بِالإضافَةِ، وأوَّلَ الآيَةَ بِما يَنْبُو عَنْهُ ظاهِرُها، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الذُّنُوبُ عَلى ضَرْبَيْنِ: صَغائِرُ وكَبائِرُ، وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، انْتَهى.

ورُبَّما ادَّعى في بَعْضِ المَواضِعِ اتِّفاقَ الأصْحابِ عَلى ما ذَكَرَهُ، واعْتَمَدَ ذَلِكَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ، وقالَ القاضِي عَبْدُ الوَهّابِ: لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في مَعْصِيَةٍ: إنَّها صَغِيرَةٌ، إلّا عَلى مَعْنى أنَّها تَصْغُرُ عِنْدَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ، ويُوافِقُ هَذا القَوْلَ ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - لَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ - أنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الكَبائِرُ فَقالَ: «كُلُّ ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَهو كَبِيرَةٌ»، وفي رِوايَةٍ: «كُلُّ ما عُصِيَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ فَهو كَبِيرَةٌ» قالَهُ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ، وذَكَرَ أنَّ جُمْهُورَ العُلَماءِ عَلى الِانْقِسامِ، وأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنِ الفَرِيقَيْنِ في المَعْنى، وإنَّما الخِلافُ في التَّسْمِيَةِ، والإطْلاقُ لِإجْماعِ الكُلِّ عَلى أنَّ المَعاصِيَ ما يَقْدَحُ في العَدالَةِ، ومِنها ما لا يَقْدَحُ فِيها، وإنَّما الأوَّلُونَ فَرُّوا مِنَ التَّسْمِيَةِ، فَكَرِهُوا تَسْمِيَةَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى صَغِيرَةً؛ نَظَرًا إلى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وشِدَّةِ عِقابِهِ، وإجْلالًا لَهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ تَسْمِيَةِ مَعْصِيَتِهِ صَغِيرَةً؛ لِأنَّها إلى باهِرِ عَظَمَتِهِ تَعالى كَبِيرَةٌ، وأيُّ كَبِيرَةٍ، ولَمْ يَنْظُرِ الجُمْهُورُ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، بَلْ قَسَّمُوها إلى قِسْمَيْنِ كَما يَقْتَضِيهِ صَرائِحُ الآياتِ والأخْبارِ، لا سِيَّما هَذِهِ الآيَةُ، وكَوْنُ المَعْنى ﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ﴾ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ المَناكَحِ الحَرامِ، وأكْلِ الأمْوالِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ ﴾ ما كانَ مِنِ ارْتِكابِها فِيما سَلَفَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِنَ التَّنْزِيلِ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ ﴾ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ، ولِذَلِكَ قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ: لا يَلِيقُ إنْكارُ الفَرْقِ بَيْنَ الصَّغائِرِ والكَبائِرِ، وقَدْ عُرِفَتا مِن مَدارِكِ الشَّرْعِ، نَعَمْ، قَدْ يُقالُ لِذَنْبٍ واحِدٍ: كَبِيرٌ وصَغِيرٌ بِاعْتِبارَيْنِ؛ لِأنَّ الذُّنُوبَ تَتَفاوَتُ في ذَلِكَ بِاعْتِبارِ الأشْخاصِ والأحْوالِ، ومِن هُنا قالَ الشّاعِرُ: لا يَحْقِرُ الرَّجُلُ الرَّفِيعُ دَقِيقَةً في السَّهْوِ فِيها لِلْوَضِيعِ مَعاذِرُ فَكَبائِرُ الرَّجُلِ الصَّغِيرِ صَغائِرُ ∗∗∗ وصَغائِرُ الرَّجُلِ الكَبِيرِ كَبائِرُ قالَ سَيِّدِي ابْنُ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ: ولَوْ خَطَرَتْ لِي في سِواكَ إرادَةٌ ∗∗∗ عَلى خاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتُ بِرِدَّتِي وأشارَ إلى التَّفاوُتِ مَن قالَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، هَذا، وقَدِ اسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ ما في حَدِيثِ مُسْلِمٍ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الصَّلَواتُ الخَمْسُ مُكَفِّرَةٌ لِما بَيْنَها ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ»» ووَجْهُهُ أنَّ الصَّلَواتِ إذا كَفَّرَتْ لَمْ يَبْقَ ما يُكَفِّرُهُ غَيْرُها، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَضْمُونُ الآيَةِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأجْوِبَةٍ أصَحِّها - عَلى ما قالَهُ الشِّهابُ-: إنَّ الآيَةَ والحَدِيثَ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيهِ: ««ما اجْتُنِبَتْ»» إلَخْ دالٌّ عَلى بَيانِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يُصَلِّ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً، وأيَّ كَبِيرَةٍ، فَتَدَبَّرْ.

﴿ ونُدْخِلْكم مُدْخَلا ﴾ الجُمْهُورُ عَلى ضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ بِفَتْحِها، وهو عَلى الضَّمِّ إمّا مَصْدَرٌ، ومَفْعُولُ (نُدْخِلْكُمْ) مَحْذُوفٌ، أيْ: نُدْخِلُكُمُ الجَنَّةَ إدْخالًا، أوْ مَكانٌ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وعَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عِنْدَ الأخْفَشِ، وهَكَذا كُلُّ مَكانٍ مُخْتَصٍّ بَعْدَ دَخَلَ فِيهِ الخِلافُ، وعَلى الفَتْحِ قِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ أيْ: (نُدْخِلْكُمْ) فَتَدْخُلُونَ مَدْخَلًا، ونُصْبُهُ كَما مَرَّ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ ورُجِّحَ حَمْلُهُ عَلى المَكانِ لِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ كَرِيمًا ﴾ أيْ: حَسَنًا، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ العَظِيمِ وصْفُ المَكانِ بِهِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَقامٍ كَرِيمٍ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ أي بيّن لكم أن الصبر خير لكم من نكاح الإماء، ويقال: يبين لكم إباحة نكاح الأمة عند العذر.

ثم قال تعالى: وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي شرائع الذين من قبلكم بأنه لم يحل لهم تزوج الإماء، وقد أحل لكم ذلك.

وقال مقاتل: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ حكم حلاله وحرامه من النساء، وَيَهْدِيَكُمْ أي يبين لكم شرائع من كان قبلكم.

وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ أي يتجاوز عنكم ما كان منكم قبل التحريم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمن فعله منكم بعد التحريم حَكِيمٌ فيما نهاكم عن نكاح الاماء إن لم يجد طولاً.

والنهي نهي استحباب لا نهي وجوب.

ويقال: إن هذا ابتداء القصة، يريد الله أن يبين لكم كيفية طاعته وَيَهْدِيَكُمْ يعني يعرفكم سنن الذين من قبلكم، يعني أنهم لما تركوا أمري فكيف عاقبتهم؟

وأنتم إذا فعلتم ذلك لا أعاقبكم، ولكني أتوب عليكم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمن تاب حَكِيمٌ حكم بقبول التوبة.

ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ أي يتجاوز عنكم ما كان منكم من قبل التحريم، ويقال: يتجاوز عنكم الزلل والخطايا وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً يعني اليهود والنصارى، ويقال: المجوس.

أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً يعني أن تخطئوا خطأً عظيماً، لأن بعض الكفار كانوا يجيزون نكاح الأخت من الأب، وَبَنَاتُ الاخ، وَبَنَاتُ الاخت، فلما حرم الله تعالى ذلك قالوا للمسلمين: إنكم تنكحون ابنة الخالة والعمة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

ويقال: ويريدون الذين يتبعون الشهوات، ويقال: إن اليهود يريدون أن يقفوا منكم على الزلل والخطايا، يعني: أن الله تعالى قد بين لكم لكي لا يقفوا منكم على الزلل والخطايا.

ثم قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ يقول: يهون عليكم الأمر إذ رخص لكم في نكاح الإماء، وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً أي لا يصبر على النكاح.

وقال الضحاك: يخفف عنكم أي يريد أن يضع عنكم أوزاركم، ويضع عنكم آثامكم.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ يعني بالظلم باليمين الكاذبة ليقطع بها مال أخيه.

ثم استثنى ما استفضل الرجل من مال أخيه في تجارته أنه لا بأس به فقال: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ويقال: إلا ما كان بينهما تجارة، وهو أن يكون مضارباً له، فله أن يأكل من مال المضاربة إذا خرج إلى السفر.

ويقال: إلا ما يأكل الرجل شيئاً عند اشترائه ليذوقه.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم: تِجارَةً بنصب الهاء على معنى خبر تكون.

وقرأ الباقون بالضم على معنى الاسم.

ثم قال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي لا يقتل بعضكم بعضاً، فإنكم أهل دين واحد.

ويقال وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يعني أن يوجب الرجل على نفسه قتل نفسه، فإيجابه باطل.

وقال القتبي: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ يعني لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، ولا يقتل بعضكم بعضاً كقوله: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [سورة الحجرات: 11] أي لا تعيبوا إخوانكم.

ويقال: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي لا تقتلوها بالكسل والبخل إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً إذ نهى عن القتل وعن أخذ الأموال.

قوله تعالى وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً يعني اعتداء ويقال: مستحلاً وَظُلْماً أي وجوراً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً هذا وعيد لهم من الله تعالى، يعني يدخله في الآخرة النار وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً أي عذابه هين عليه.

قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ قال مقاتل: يعني ما نهي عنه من أول هذه السورة إلى هذه الآية وقال في رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس  .

إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ الكبائر كل شيء سمى الله تعالى فيه النار لمن عمل بها، أو شيء نزل فيه حدّ في الدنيا، فمن اجتنب من هذا وهو مؤمن كفر الله عنه ما سواه من الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، وشهر رمضان إلى شهر رمضان إن شاء الله تعالى.

قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، قال: حدثنا وكيع عن الأعمش، عن أبي الضحاك، عن مسروق، عن ابن مسعود قال: الكبائر من أول السورة إلى قوله إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ.

وروي عن ابن مسعود أنه قال: الْكَبَائِرُ أَرْبَعَةٌ: الإياس مِنْ رَوْحِ الله، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ الله، وَالأَمْنُ من مكر الله، والشرك بالله.

وروى عامر الشعبي عن النبي  أنه قال: «ألا أُنْبِئَكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ: الإِشْرَاكُ باللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ» .

وقال ابن عمر الكبائر تسعة: الشرك بالله، وقتل المؤمن متعمداً، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا والسحر، وعقوق الوالدين، واستحلال حرمة البيت الحرام.

ويقال: الكبيرة ما أصر عليها صاحبها.

ويقال: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.

ثم قال تعالى: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يقول: نمحو عنكم ذنوبكم ما دون الكبائر وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً في الآخرة وهي الجنة.

قرأ نافع: مدخلاً بنصب الميم، والباقون بالضم.

فمن قرأ بالنصب فهو اسم الموضع وهو الجنة، ومن قرأ بالضم فهو المصدر والموضع جميعاً.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في نَفْسه ضعيفٌ يستَمِيلُهُ هواه في الأغْلَب.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً ...

الآية: الاستثناء منقطعٌ، المعنى: لكنْ إنْ كانَتْ تجارةً، فكُلُوها، وأخْرَجَ البخاريُّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلاَفَهَا، أَتْلَفَهُ اللَّه» «١» .

انتهى.

وقوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً، أجمع المتأوِّلون على أنَّ المقصودَ بهذه الآية النهْيُ عن أنْ يقتُلَ بعْضُ الناسِ بَعْضاً، ثم لفظها يتناوَلُ أنْ يقتل الرجُلُ نَفْسَهُ بقَصْدٍ منه للقتل، أو بأنْ يحملها على غَرَرٍ، رُبَّمَا ماتَ مِنْهُ، فهذا كلُّه يتناوله النَّهْيُ، وقد احتج عمرو بن العاصي بهذه الآيةِ حين امتنع مِنَ الاغتسال بالمَاءِ الباردِ خَوْفاً على نفسه منه، فقرّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم احتجاجه «٢» .

وقوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً ...

الآية: اختلف في المُشَارِ إلَيْه ب «ذَلِكَ» .

فقال عطاء: «ذَلِكَ» عائدٌ على القَتْل لأنه أقربْ مَذْكُور، وقالتْ فرقةٌ: «ذلك» عائدٌ على أَكْلِ المالِ بالباطِلِ، وقَتْلِ النَّفْسِ، وقالَتْ فرقةٌ: «ذَلِكَ» : عائدٌ على كُلِّ ما نُهِيَ عَنْه مِنْ أوَّل السورةِ، وقال الطبريُّ «١» : «ذَلِكَ» عائدٌ على ما نُهِيَ عنه مِنْ آخر وعيدٍ، وذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [النساء: ١٩] لأنَّ كلَّ ما نهي عنه قبله إلى أول السُّورة، قُرِنَ به وعيدٌ.

قال ابنُ العَرَبيِّ «٢» في «أحكامه» : والقول الأول أصحُّ، وما عداه محتملٌ.

انتهى.

والعدوانُ: تَجَاوُزُ الحَدِّ.

قال ص: عُدْواناً وَظُلْماً: مصدرانِ في مَوْضِعِ الحال، / أي: متعدّين وظالِمِينَ، أبو البقاء: أو مفعولٌ من أجله.

انتهى.

واختلف العلماءُ في «٣» الكبائِرِ.

فقال ابنُ عبَّاس وغيره: الكبائرُ: كلُّ ما وَرَدَ علَيْه وعيدٌ بنارٍ، أو عذابٍ، أو لَعْنَةٍ، أو

ما أشبه ذلك «١» .

وقال ابن عبَّاس أيضاً: كلُّ ما نَهَى اللَّه عنه، فَهُوَ كَبِيرٌ «٢» ، وعلَى هذا القول أئمَّة الكلامِ القاضِي، وأبو المَعَالِي، وغَيْرُهما قالوا: وإِنما قيل: صغيرةٌ بالإِضافة إِلَى أكبر منها، وإِلاَّ فهي في نفسها كبيرةٌ منْ حيْثُ المَعْصِيُّ بالجميع واحدٌ، واختلف العلماءُ في هذه المسألة، فجماعةٌ من الفقهاءِ والمحدِّثين يَرَوْنَ أنَّ باجتنابِ الكبَائرِ تُكَفَّر الصغائرُ قطْعاً، وأما الأصوليُّون، فقَالُوا: مَحْمَلُ ذلك علَى غَلَبة الظَّنَّ، وقُوَّةِ الرجاءِ، لا علَى القَطْع، ومَحْمَلُ الكبائرِ عند الأصوليِّين في هذه الآيةِ أجناسُ الكُفْر، والآيةُ التي قَيَّدت الحُكْمَِ، فتردُّ إِلَيْها هذه المُطْلَقات كلُّها: قوله تعالَى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨ و ١١٦] .

وكَرِيماً: يقتضي كَرَمَ الفضيلةِ، ونَفْيَ العيوب كما تقول: ثَوْبٌ كريمٌ، وهذه آية رجاء، ورَوى أبو حاتم الْبُسْتِيُّ في «المُسْنَدِ الصَّحِيح» له، عن أبي هريرةَ وأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم جَلَسَ علَى المِنْبَرِ، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه» ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثم سَكَتَ، فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي حَزِيناً لِيَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُؤَدِّي الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيَجْتَنِبُ الكَبَائِرَ السَّبْعَ، إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ ثَمانِيَةُ أَبْوَابِ مِنَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى إِنَّها لَتُصَفِّقُ، ثُمَّ تَلاَ: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ...

«٣» الآية» .

انتهى من «التذكرة» للقرطبيِّ، ونحوُهُ ما رواه مُسْلِمٌ، عن أبي هريرةَ، قَالَ: قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةَ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ، إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ» «٤» قال القرطبيُّ «٥» : وعلَى هذا جماعةُ أهل التأويل، وجماعةُ الفقهاءِ، وهو الصحيحُ أنَّ الصغائر تُكَفَّرُ باجتنابِ الكبائرِ قَطْعاً بِوَعْدِ اللَّهِ الصِّدْق، وقولِهِ الحَقِّ سبحانه، وأما الكَبَائِرُ، فلا تكفِّرها إِلا التوبةُ منْهَا.

انتهى.

قلْتُ: وفي «صحيح مُسْلِمٍ» ، عن أبي هريرة (رضي اللَّه عنه) أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ اجْتِنابُ الشَّيْءِ: تَرْكُهُ جانِبًا.

وفي الكَبائِرِ أحَدَ عَشَرَ قَوْلًا.

أحَدُها: أنَّها سَبْعٌ، فَرَوى البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وما هُنَّ؟

قالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفِ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ الغافِلاتِ" .» وَقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مِن طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "الكَبائِرُ سَبْعٌ، الإشْراكُ بِاللَّهِ أوَّلُهُنَّ، وقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقِّها، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ بِدارًا أنْ يَكْبَرُوا، والفِرارُ مِنِ الزَّحْفِ، ورَمْيِ المُحْصَناتِ، وانْقِلابٌ إلى أعْرابِيَّةٍ بَعْدَ هِجْرَةٍ" .» وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: هي سَبْعٌ، فَعَدَّ هَذِهِ.

وَرُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: هي سَبْعٌ، وعَدَّ هَذِهِ، إلّا أنَّهُ ذَكَرَ مَكانَ الإشْراكِ والتَّعَرُّبِ شَهادَةَ الزُّورِ وعُقُوقَ الوالِدَيْنِ.

والثّانِي: أنَّها تِسْعٌ، رَوى عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ أبِيهِ، وكانَ مِنِ الصَّحابَةِ، «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ سُئِلَ ما الكَبائِرُ؟

فَقالَ: "تِسْعٌ، أعْظَمُهُنَّ الإشْراكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ نَفْسِ المُؤْمِنِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والسِّحْرُ، وأكْلُ الرِّبا، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ المُسْلِمَيْنِ، واسْتِحْلالُ البَيْتِ الحَرامِ قِبْلَتِكم أحْياءً وأمْواتًا" .» والثّالِثُ: أنَّها أرْبَعٌ: رَوى البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: " الكَبائِرُ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، واليَمِينُ الغَمُوسُ" .» وَرَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ  الكَبائِرَ، أوْ سُئِلَ عَنْها، فَقالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ" وقالَ: "ألا أُنَبِّئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ؟

قَوْلُ الزُّورِ، أوْ شَهادَةُ الزُّورِ" .» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: الكَبائِرُ أرْبَعٌ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، والأمْنُ لِمَكْرِ اللَّهِ، والقُنُوطُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، والإياسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ.

وعَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوُهُ.

والرّابِعُ: أنَّها ثَلاثٌ، فَرَوى عِمْرانُ بْنُ حُصِينٍ، «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: "ألا أُنَبِّئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ؟

الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، -وَكانَ مُتَّكِئًا فاحْتَفَزَ- قالَ: والزُّورُ" .» ورَوى البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : "ألا أُنَبِّئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ؟

قُلْنا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، -وَكانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ- فَقالَ: وشَهادَةُ الزُّورِ" فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ.» وأخْرَجا في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ  : أيُّ الذَّنْبِ أكْبَرُ؟

قالَ: "أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ تَعالى نِدًّا وهو خَلَقَكَ" .

قُلْتُ: ثُمَّ أيْ؟

قالَ: "ثُمَّ أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ" .

قُلْتُ: ثُمَّ أيْ؟

قالَ: "أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ" .» والخامِسُ: أنَّها مَذْكُورَةٌ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذِهِ الآَيَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ.

والسّادِسُ: أنَّها إحْدى عَشْرَةَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، واليَمِينُ الغَمُوسُ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وأكْلُ الرِّبا، والفِرارُ مِنِ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ، وشَهادَةُ الزُّورِ، والسِّحْرُ، والخِيانَةُ" .

رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا.

والسّابِعُ: أنَّها كُلُّ ذَنْبٍ يَخْتِمُهُ اللَّهُ بِنارٍ، أوْ غَضَبٍ، أوْ لَعْنَةٍ، أوْ عَذابٍ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّامِنُ: أنَّها كُلُّ ما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ النّارَ في الآَخِرَةِ، والحَدَّ في الدُّنْيا، رَوى هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والتّاسِعُ: أنَّها كُلُّ ما عُصِيَ اللَّهَ بِهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُبَيْدَةَ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

والعاشِرُ: أنَّها كُلُّ ذَنْبٍ أوْعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ النّارَ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ في رِوايَةٍ، والزَّجّاجُ.

والحادِي عَشَرَ: أنَّها ثَمانٍ، الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وقَتْلُ المُؤْمِنِ، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، والزِّنا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وقَوْلُ الزُّورِ، واقْتِطاعُ الرَّجُلِ بِيَمِينِهِ وعَهْدِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.

رَواهُ مِحْرِزٌ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ ﴾ رَوى المُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ: "يُكَفِّرْ" "وَيُدْخِلْكُمْ" بِالياءِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ فِيهِما، وقَرَأ نافِعٌ، وأبانٌ، عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيِّ، عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ: "مُدْخَلًا" بِفَتْحِ المِيمِ هاهُنا، وفي (الحَجِّ وضَمَّ الباقُونَ "المِيمَ"، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في ضَمِّ "مِيمِ" ﴿ مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ و ﴿ مُخْرَجَ صِدْقٍ  ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "المُدْخَلُ" مَصْدَرًا، وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَكانًا، سَواءٌ فَتَحَ، أوْ ضَمَّ.

قالَ السُّدِّيُّ: السَّيِّئاتُ هاهُنا: هي الصَّغائِرُ.

والمُدْخَلُ الكَرِيمُ: الجَنَّةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والكَرِيمُ: بِمَعْنى: الشَّرِيفُ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عنهُ نُكَفِّرْ عنكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلا كَرِيمًا ﴾ "تَجْتَنِبُوا" مَعْناهُ: تَدَعُونَ جانِبًا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ "إنْ تَجْتَنِبُوا كَبِيرَ"، وقَرَأ المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ "يُكَفِّرْ"، و"وَيُدْخِلْكُمْ" عَلى عَلامَةِ الغائِبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُونِ، والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "عنكم مِن سَيِّئاتِكُمْ" بِزِيادَةِ "مِن"، وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى نافِعٍ: "مُدْخَلًا" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ: "مَدْخَلًا" بِالفَتْحِ، وقَدْ رَواهُ أيْضًا أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ هاهُنا، وفي الحَجِّ، ولَمْ يُخْتَلَفْ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في "مُدْخَلَ"، "مُخْرَجَ صِدْقٍ" أنَّهُما بِضَمِّ المِيمِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: "مَدْخَلًا" بِالفَتْحِ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، التَقْدِيرُ: ويُدْخِلُكم فَتَدْخُلُونَ مَدْخَلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَكانًا فَيَعْمَلُ فِيهِ الفِعْلُ الظاهِرُ، وكَذَلِكَ يَحْتَمِلُ "مُدْخَلًا" بِضَمِّ المِيمِ لِلْوَجْهَيْنِ، وإذا لَمْ يَعْمَلِ الفِعْلُ الظاهِرُ فَمَعْمُولُهُ الثانِيَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ويُدْخِلْكُمُ الجَنَّةَ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في "الكَبائِرِ"، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "هِيَ سَبْعٌ: الإشْراكُ بِاللهِ، وقَتْلُ النَفْسِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وأكْلُ الرِبا، والفِرارُ يَوْمَ الزَحْفِ، والتَعَرُّبُ بَعْدَ الهِجْرَةِ".

وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "الكَبائِرُ سَبْعٌ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها آيَةٌ في كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ كَقَوْلِ عَلِيٍّ، وجَعَلَ الآيَةَ في التَعَرُّبِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى  ﴾ الآيَةَ.

ووَقَعَ في البُخارِيِّ، في كِتابِ الحُدُودِ، في بابِ رَمْيِ المُحْصَناتِ: « "اتَّقُوا السَبْعَ المُوبِقاتِ، الإشْراكَ بِاللهِ، والسِحْرَ، وقَتْلَ النَفْسِ، وأكْلَ الرِبا، وأكْلَ مالِ اليَتِيمِ، والتَوَلِّي يَوْمَ الزَحْفِ، وقَذْفَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ".» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: "هِيَ تِسْعٌ: الإشْراكُ بِاللهِ، والقَتْلُ، والفِرارُ، والقَذْفُ، وأكْلُ الرِبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وإلْحادٌ في المَسْجِدِ الحَرامِ، والَّذِي يَسْتَسْحِرُ، وبُكاءُ الوالِدَيْنِ مِنَ العُقُوقِ".

قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: هي في جَمِيعِ ما نُهِيَ عنهُ مِن أوَّلِ سُورَةِ النِساءِ إلى ثَلاثِينَ آيَةً مِنها، وهِيَ: "إنْ تَجْتَنِبُوا".

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "هِيَ أرْبَعٌ أيْضًا: الإشْراكُ بِاللهِ، والقُنُوطُ مِن رَحْمَةِ اللهِ، واليَأْسُ مِن رَوْحِ اللهِ، والأمْنُ مِن مَكْرِ اللهِ".

ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "هِيَ ثَلاثٌ: القُنُوطُ، واليَأْسُ، والأمْنُ المُتَقَدِّمَةُ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: "الكَبائِرُ: كُلُّ ما ورَدَ عَلَيْهِ وعِيدٌ بِنارٍ أو عَذابٍ أو لَعْنَةٍ أو ما أشْبَهَ ذَلِكَ".

وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الأُصُولِيِّينَ: هي في هَذا المَوْضِعِ أنْواعُ الشِرْكِ الَّتِي لا تَصْلُحُ مَعَها الأعْمالُ.

وقالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبّاسٍ: أخْبِرْنِي عَنِ الكَبائِرِ السَبْعِ، فَقالَ: "هِيَ إلى السَبْعِينَ أقْرَبُ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "كُلُّ ما نَهى اللهُ عنهُ فَهو كَبِيرٌ"، فَهُنا يَدْخُلُ الزِنى، وشُرْبُ الخَمْرِ، والزُورُ، والغَيْبَةُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا قَدْ نُصَّ عَلَيْهِ في أحادِيثَ لَمْ يُقْصَدِ الحَصْرُ لِلْكَبائِرِ بِها، بَلْ ذُكِرَ بَعْضُها مِثالًا، وعَلى هَذا القَوْلِ أئِمَّةُ الكَلامِ: القاضِي، وأبُو المَعالِي، وغَيْرُهُما، قالُوا: وإنَّما قِيلَ: صَغِيرَةٌ، بِالإضافَةِ إلى أكْبَرَ مِنها، وهي في نَفْسِها كَبِيرَةٌ مِن حَيْثُ المَعْصِيُّ بِالجَمِيعِ واحِدٌ.

وهَذِهِ الآيَةُ يَتَعاضَدُ مَعَها حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ  في كِتابِ الوُضُوءِ مِن مُسْلِمٍ "عن عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ  يَقُولُ: «ما مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَها وخُشُوعَها ورُكُوعَها إلّا كانَتْ كَفّارَةً لِما قَبْلَها مِنَ الذُنُوبِ ما لَمْ يَأْتِ كَبِيرَةً، وذَلِكَ الدَهْرَ كُلَّهُ.".» واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، فَجَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ وأهْلِ الحَدِيثِ يَرَوْنَ أنَّ الرَجُلَ إذا اجْتَنَبَ الكَبائِرَ، وامْتَثَلَ الفَرائِضَ، كُفِّرَتْ صَغائِرُهُ كالنَظَرِ وشَبَهِهِ قَطْعًا بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وظاهِرِ الحَدِيثِ.

وأمّا الأُصُولِيُّونَ فَقالُوا: لا يَجِبُ عَلى القَطْعِ تَكْفِيرُ الصَغائِرِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ، وإنَّما يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى غَلَبَةِ الظَنِّ وقُوَّةِ الرَجاءِ، والمَشِيئَةُ ثابِتَةٌ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ قَطَعْنا لِمُجْتَنِبِ الكَبائِرِ ومُمْتَثِلِ الفَرائِضِ بِتَكْفِيرِ صَغائِرِهِ قَطْعًا لَكانَتْ لَهُ في حُكْمِ المُباحِ الَّذِي يَقْطَعُ بِأنَّهُ لا تِباعَةَ فِيهِ، وذَلِكَ نَقْضٌ لِعُرى الشَرِيعَةِ.

ومَحْمَلُ الكَبائِرِ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ في هَذِهِ الآيَةِ أجْناسُ الكُفْرِ، والآيَةُ الَّتِي قَيَّدَتِ الحُكْمَ فَتُرَدُّ إلَيْها هَذِهِ المُطْلَقاتُ كُلُّها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ  ﴾ "كَرِيمًا" يَقْتَضِي كَرَمَ الفَضِيلَةِ ونَفْيَ العُيُوبِ، كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كَرِيمٌ، وكَرِيمُ المَحْتِدِ.

وهَذِهِ آيَةُ رَجاءٍ.

رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: خَمْسُ آياتٍ مِن سُورَةِ النِساءِ هي أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُنْيا جَمِيعًا، قَوْلُهُ: ﴿ "إنْ تَجْتَنِبُوا" ﴾ الآيَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ  ﴾ الآيَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أو يَظْلِمْ  ﴾ وقَوْلُهُ: أيْضًا: ﴿ يُضاعِفْها"،  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ  ﴾ الآيَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اعتراض ناسب ذكره بعد ذكر ذنبين كبيرين: وهما قتل النفس، وأكل المال بالباطل، على عادة القرآن في التفنّن من أسلوب إلى أسلوب، وفي انتهاز الفرص في إلقاء التشريع عقب المواعظ وعكسه.

وقد دلّت إضافة ﴿ كبائر ﴾ إلى ﴿ ما تنهون عنه ﴾ على أنّ المنهيات قسمان: كبائر، ودونها؛ وهي التي تسمّى الصغائر، وصفا بطريق المقابلة، وقد سمّيت هنا سيّئات.

ووعد بأنّه يغفر السيّئات للذين يجتنبون كبائر المنهيات، وقال في آية النجم (32) ﴿ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللّمم ﴾ فسمّى الكبائر فواحشَ وسمّى مقابلها اللَّمم، فثبت بذلك أنّ المعاصي عند الله قسمان: معاص كبيرة فاحشة، ومعاص دون ذلك يكثر أن يُلمّ المؤمن بها، ولذلك اختلف السلف في تعيين الكبائر.

فعن علي: هي سبع الإشراك بالله، وقتل النفس، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والفرار يوم الزحف، والتعرّب بعد الهجرة.

واستدلّ لجميعها بما في القرآن من أدلّة جازِمِ النهي عنها.

وفي حديث البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم «اتّقوا السبع الموبقات...» فذكر التي ذكرها عليّ إلاّ أنّه جعل السحر عوض التعرّب.

وقال عبد الله بن عمر: هي تسع بزيادة الإلحاد في المسجد الحرام، وعقوق الوالدين.

وقال ابن مسعود: هي ما نُهي عنه من أول سورة النساء إلى هنا.

وعن ابن عبّاس: كلّ ما ورد عليه وعيد نار أو عذاب أو لعنة فهو كبيرة.

وعن ابن عباس: الكبائر ما نهى الله عنه في كتابه.

وأحسن ضبطِ الكبيرة قول إمام الحرمين: هي كلّ جريمة تؤذن بقلّة اكتراث مرتكبها بالدين وبضعف ديانته.

ومن السلف من قال: الذنوب كلّها سواء إن كانت عن عمد.

وعن أبي إسحاق الإسفرائيني أنّ الذنوب كلّها سواء مطلقاً، ونفَى الصغائر.

وهذان القولان واهيان لأنّ الأدلّة شاهدة بتقسيم الذنوب إلى قسمين، ولأنّ ما تشتمل عليه الذنوب من المفاسد متفاوت أيضاً، وفي الأحاديث الصحيحة إثبات نوع الكبائر وأكبر الكبائر.

ويترتّب على إثبات الكبائر والصغائر أحكام تكليفية: منها المخاطبة بتجنّب الكبيرة تجنّبا شديداً، ومنها وجوب التوبة منها عند اقترابها، ومنها أنّ ترك الكبائر يعتبر توبة من الصغائر، ومنها سلب العدالة عن مرتكب الكبائر، ومنها نقض حكم القاضي المتلبّس بها، ومنها جواز هجران المتجاهر بها، ومنها تغيير المنكر على المتلبّس بها.

وتترتّب عليها مسائل في أصول الدين: منها تكفير مرتكب الكبيرة عند طائفة من الخوارج، التي تَفرّق بين المعاصي الكبائر والصغائر؛ واعتباره منزلة بين الكفر والإسلام عند المعتزلة، خلافاً لجمهور علماء الإسلام.

فمن العجائب أن يقول قائل: إنّ الله لم يميّز الكبائر عن الصغائر ليكون ذلك زاجراً للناس عن الإقدام على كلّ ذنب، ونظير ذلك إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات، وليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، هكذا حكاه الفخر في التفسير، وقد تبيّن ذهول هذا القائل، وذهول الفخر عن ردّه، لأنّ الأشياء التي نظَّروا بها ترجع إلى فضائل الأعمال التي لا يتعلّق بها تكليف؛ فإخفاؤها يقصد منه الترغيب في توخّي مَظانّها ليكثر الناس من فعل الخير، ولكن إخفاء الأمر المكلّف به إيقاع في الضلالة، فلا يقع ذلك من الشارع.

والمدخل بفتح الميم اسم مَكان الدخول، ويجوز أن يكون مصدراً ميمياً.

والمعنى: ندخلكم مكانا كريماً، أو ندخلكم دخولاً كريماً.

والكريم هو النفيس في نوعه.

فالمراد إمّا الجنة وإمّا الدخول إليها، والمراد به الجَنّة.

والمُدخل بصمّ الميم كذلك مكانُ أو مَصدرُ أدْخل.

وقرأ نافع، وأبو جعفر: مَدْخلا بفتح الميم وقرأ بقية العشرة بضمّ الميم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الزِّنى، والقِمارُ، والبَخْسُ، والظُّلْمُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: العُقُودُ الفاسِدَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَهى أنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ طَعامَ قِرًى وأمَرَ أنْ يَأْكُلَهُ شِرًى ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النُّورِ: ﴿ وَلا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ  ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ أوْ أشْتاتًا ﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ.

﴿ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ التَّراضِيَ هو أنْ يَكُونَ العَقْدُ ناجِزًا بِغَيْرِ خِيارٍ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ.

والثّانِي: هو أنْ يُخَيِّرَ أحَدُهُما صاحِبَهُ بَعْدَ العَقْدِ وقَبْلَ الِافْتِراقِ، وهو قَوْلُ شُرَيْحٍ، وابْنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ.

وَقَدْ رَوى القاسِمُ بْنُ سُلَيْمانَ الحَنَفِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (البَيْعُ عَنْ تَراضٍ والخِيارُ بَعْدَ الصَّفْقَةِ ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَغُشَّ مُسْلِمًا)» .

﴿ وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ، والسُّدِّيِّ، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّهم أهْلُ دِينٍ واحِدٍ فَصارُوا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ  ﴾ .

والثّانِي: نَهى أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ في حالِ الغَضَبِ والضَّجَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا ﴾ فِيما تَوَجَّهَ إلَيْهِ هَذا الوَعِيدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أكْلُ المالِ بِالباطِلِ، وقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

والثّانِي: أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى كُلِّ ما نَهى عَنْهُ مِن أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا  ﴾ .

﴿ عُدْوانًا وظُلْمًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تَعَدِّيًا واسْتِحْلالًا.

والثّانِي: أنَّهُما لَفْظَتانِ مُتَقارِبَتا المَعْنى فَحَسُنَ الجَمْعُ بَيْنَهُما مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظِ تَأْكِيدًا.

﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ ﴾ في الكَبائِرِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها كُلُّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ مِن أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ إلى رَأْسِ الثَّلاثِينَ مِنها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ في رِوايَةِ مَسْرُوقٍ، وعَلْقَمَةَ، وإبْراهِيمَ.

والثّانِي: أنَّ الكَبائِرَ سَبْعٌ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وأكْلُ الرِّبا، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، والتَّعَرُّبُ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّها تِسْعٌ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، وقَتْلُ النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، والسِّحْرُ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ المُسْلِمَيْنِ، وأكْلُ الرِّبا، وإلْحادٌ بِالبَيْتِ الحَرامِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.

والرّابِعُ: أنَّها أرْبَعٌ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، والقُنُوطُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، واليَأْسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ، والأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ في رِوايَةِ أبِي الطُّفَيْلِ عَنْهُ.

والخامِسُ: أنَّها كُلُّ ما أوْعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ النّارَ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ.

والسّادِسُ: السَّبْعَةُ المَذْكُورَةُ في المَقالَةِ الثّانِيَةِ وزادُوا عَلَيْها الزِّنى، والعُقُوقَ، والسَّرِقَةَ، وسَبَّ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.

والسّابِعُ: أنَّها كُلُّ ما لا تَصِحُّ مَعَهُ الأعْمالُ، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

﴿ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ ﴾ يَعْنِي مِنَ الصَّغائِرِ إذا اجْتَنَبْتُمُ الكَبائِرَ، فَأمّا مَعَ ارْتِكابِ الكَبائِرِ، فَإنَّهُ يُعاقَبُ عَلى الكَبائِرِ والصَّغائِرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور في فضائله وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: إن في سورة النساء خمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها، ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها، قوله تعالى ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ الآية.

وقوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة...

﴾ [ النساء: 40] الآية.

وقوله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به...

﴾ [ النساء: 48] الآية.

وقوله: ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك...

﴾ [ النساء: 64] الآية.

وقوله: ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه...

﴾ [ النساء: 110] الآية.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن أنس بن مالك قال: لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا عز وجل، ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال، أن تجاوز لنا عما دون الكبائر فما لنا ولها.

يقول الله: ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن أنس بن مالك قال: هان ما سألكم ربكم ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ﴾ .

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أنس «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ألا إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، ثم تلا هذه الآية ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم...

﴾ الآية» .

وأخرج النسائي وابن ماجه وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة وأبي سعيد «أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ثم قال: والذي نفسي بيده ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويؤدي الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة، حتى أنها لتصطفق، ثم تلا ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن المنذر عن أنس قال: ما لكم والكبائر، وقد وعدتم المغفرة فيما دون الكبائر.

وأخرج ابن جرير بسند حسن عن الحسن، أن ناساً لقوا عبد الله بن عمرو بمصر فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله أمر أن يعمل بها لا يعمل بها، فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك، فقدم وقدموا معه فلقي عمر فقال: يا أمير المؤمنين إن ناساً لقوني بمصر فقالوا: إنا نرى أشياء من كتاب الله أمر أن يعمل بها لا يعمل بها، فأحبوا أن يلقوك في ذلك فقال: اجمعهم لي.

فجمعهم له، فأخذ أدناهم رجلاً فقال: أنشدك بالله وبحق الإسلام عليك، أقرأت القرآن كله؟

قال: نعم.

قال: فهل أحصيته في نفسك؟

قال: لا.

قال: فهل أحصيته في بصرك؟

هل أحصيته في لفظك؟

هل أحصيته في أثرك؟

ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم قال: فثكلت عمر أمه أتكلفونه على أن يقيم الناس على كتاب الله، قد علم ربنا أنه ستكون لنا سيئات، وتلا ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً ﴾ هل علم أهل المدينة فيما قدمتم؟

قال: لا.

قال: لو علموا لوعظت بكم.

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر، وذكر لنا «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اجتنبوا الكبائر، وسددوا وأبشروا» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس قال: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، وقد ذكرت الطرفة يعني النظرة.

وأخرج ابن جرير عن أبي الوليد قال: سألت ابن عباس عن الكبائر؟

فقال: كل شيء عُصِيَ الله فيه فهو كبيرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كل ما وعد الله عليه النار كبيرة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: كل ذنب نسبه الله إلى النار فهو من الكبائر.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: الكبائر كل موجبة أوجب الله لأهلها النار، وكل عمل يقام به الحدُّ، فهو من الكبائر.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان من طرق عن ابن عباس.

أنه سئل عن الكبائر أَسَبْعٌ هي؟

قال: هي إلى السبعين أقرب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير.

أن رجلاً سأل ابن عباس كم الكبائر؟

سبع هي؟

قال: قال إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار.

وأخرج البيهقي في الشعب من طريق قيس بن سعد قال: قال ابن عباس: كل ذنب أصر عليه العبد كبير، وليس بكبير ما تاب منه العبد.

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات.

قالوا: وما هن يا رسول الله؟

قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» .

وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الكبائر سبع.

أولها الإشراك بالله، ثم قتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم إلى أن يكبر، والفرار من الزحف، ورمي المحصنات، والإنقلاب على الأعراب بعد الهجرة» .

وأخرج علي بن الجعد في الجعديات عن طيسلة قال: سألت ابن عمر عن الكبائر فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هن تسع: الإشراك بالله، وقذف المحصنة، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، والإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً» .

وأخرج ابن راهويه والبخاري في الأدب المفرد وعبد بن حميد وابن المنذر والقاضي إسماعيل في أحكام القرآن وابن المنذر بسند حسن من طريق طيسلة عن ابن عمر قال: «الكبائر تسع: الإشراك بالله، وقتل النسمة، يعني بغير حق، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والذي يستسحر، وإلحاد في المسجد الحرام، وإنكاء الوالدين من العقوق» .

وأخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه عن عمير الليثي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أولياء الله المصلون، ومن يقيم الصلوات الخمس التي كتبها الله على عباده، ومن يؤدي زكاة ماله طيبة بها نفسه، ومن يصوم رمضان يحتسب صومه، ويجتنب الكبائر.

فقال رجل من الصحابة: يا رسول الله وكم الكبائر؟

قال: هن تسع: أعظمهن الإشراك بالله، وقتل المؤمن بغير الحق، والفرار يوم الزحف، وقذف المحصنة، والسحر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً» .

وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى الصلوات الخمس، واجتنب الكبائر السبع، نودي من أبواب الجنة ادخل بسلام.

قيل أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرهن؟

قال: نعم.

عقوق الوالدين، والإشراك بالله، وقتل النفس، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وأكل الربا» .

وأخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عبد الله لا يشرك به شيئاً، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر، فله الجنة.

فسأله رجل ما الكبائر؟

قال: الشرك بالله، وقتل نفس مسلمة، والفرار يوم الزحف» .

وأخرج ابن حبان وابن مردويه عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده قال: «كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم قال: وكان في الكتاب إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس قال: «ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر فقال: الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، قول الزور أو شهادة الزور» .

وأخرج الشيخان والترمذي وابن المنذر عن أبي بكرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟

قلنا: بلى يا رسول الله.

قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور.

ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت» .

وأخرج ابن أبي حاتم «عن ابن عمرو.

أنه سئل عن الخمر فقال: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هي أكبر الكبائر، وأم الفواحش، من شرب الخمر ترك الصلاة، ووقع على أمه وخالته وعمته» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس.

أنه كان يعد الخمر أكبر الكبائر.

وأخرج عبد بن حميد في كتاب الإيمان عن شعبة مولى ابن عباس قال: قلت لابن عباس: إن الحسن بن علي سئل عن الخمر أمن الكبائر هي؟

فقال: لا.

فقال ابن عباس: قد قالها النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا شرب سكر وزنى وترك الصلاة، فهي من الكبائر» .

وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، أو قتل النفس- شك شعبة- واليمين الغموس» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني في الأوسط والبيهقي عن عبد الله بن أنيس الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف بالله يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا جعلت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه.

قالوا: وكيف يلعن الرجل والديه؟

قال: يَسُبُّ أبا الرجل فيسب أباه، ويَسُبُّ أمه فيسب أمه» .

وأخرج أو داود وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق، ومن الكبائر السبتان بالسبة» .

وأخرج الترمذي والحاكم وابن أبي حاتم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من جمع بين الصلاتين من غير عذر، فقد أتى باباً من أبواب الكبائر» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي قتادة العدوي قال: قُرِئَ علينا كتاب عمر، من الكبائر جمع بين الصلاتين.

يعني بغير عذر، والفرار من الزحف، والنميمة.

وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن عباس قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الكبائر؟

فقال: الشرك بالله، واليأس من روح الله، والآمن من مكر الله» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن أبي الدنيا في التوبة عن ابن مسعود قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، والإياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله.

وأخرج ابن المنذر عن علي أنه سئل ما أكبر الكبائر؟

فقال: الأمن لمكر الله، والإياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله.

وأخرج ابن جرير بسند حسن عن أبي أمامة.

أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا الكبائر وهو متكئ فقالوا: الشرك بالله، وأكل مال اليتيم، وفرار يوم الزحف، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين، وقول الزور، والغلول، والسحر، وأكل الربا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأين تجعلون ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ﴾ [ آل عمران: 77] إلى آخر الآية؟» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس مرفوعاً: «الضرار في الوصية من الكبائر» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: الكبائر الشرك بالله، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، والسحر، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة.

وأخرج البزار وابن المنذر بسند ضعيف عن بريدة.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أن أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ومنع فضل الماء، ومنع الفحل» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن بريدة قال: إن أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، ومنع فضول الماء بعد الري، ومنع طروق الفحل إلا بجعل.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة قالت: ما أخذ على النساء فمن الكبائر.

يعني قوله: ﴿ أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين...

﴾ [ المتحنة: 12] الآية.

وأخرج البخاري في الأدب المفرد والطبراني والبيهقي عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرأيتم الزاني، والسارق، وشارب الخمر، ما تقولون فيهم؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: هن فواحش، وفيهن عقوبة، ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟

الإشراك بالله، ثم قرأ ﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً ﴾ [ النساء: 48] وعقوق الوالدين، ثم قرأ ﴿ أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ﴾ [ لقمان: 14] وكان متكئاً فاحتفز فقال: ألا وقول الزور» .

وأخرج عبدُ بن حميد عن ابن مسعود قال: إن من أكبر الذنب عند الله أن يقول لصاحبه اتق الله، فيقول: عليك نفسك من أنت تأمرني.

وأخرج ابن المنذر عن سالم بن عبد الله التمار عن أبيه أن أبا بكر وعمر وأناساً من الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم فيها علم ينتهون إليه، فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أسأله عن ذلك فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر، فأتيتهم فأخبرتهم فأنكروا ذلك، وتواثبوا إليه جميعاً حتى أتوه في داره، فأخبرهم أنهم تحدثوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ملكاً من بني إسرائيل أخذ رجلاً فخيره أن يشرب الخمر، أو يقتل نفساً، أو يزني، أو يأكل لحم خنزير، أو يقتله إن أبى.

فاختار شرب الخمر، وإنه لما شربها لم يمتنع من شيء أراده منه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أحد يشربها فيقبل الله له صلاة أربعين ليلة، ولا يموت وفي مثانته منها شيء إلا حرمت عليه الجنة، وإن مات في الأربعين مات ميتة جاهلية» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: الكبائر الإشراك بالله، لأن الله يقول ﴿ لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ [ يوسف: 87] ، والأمن لمكر الله، لأن الله يقول ﴿ فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ﴾ [ الأعراف: 99] ، وعقوق الوالدين، لأن الله جعل العاق جباراً عصياً، وقتل النفس التي حرم الله، لأن الله يقول ﴿ فجزاؤه جهنم...

﴾ [ النساء: 93] إلى آخر الآية، وقذف المحصنات، لأن الله يقول ﴿ لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ﴾ [ النور: 23] ، وأكل مال اليتيم، لأن الله يقول ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ﴾ [ النساء: 10] ، والفرار من الزحف، لأن الله يقول ﴿ ومن يولهم يومئذ دبره...

﴾ إلى قوله: ﴿ وبئس المصير ﴾ [ الأنفال: 16] ، وأكل الربا، لأن الله يقول ﴿ الذين يأكلون الربا لا يقومون...

﴾ [ البقرة: 275] الآية، والسحر، لأن الله يقول ﴿ ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ﴾ [ البقرة: 102] ، والزنا، لأن الله يقول ﴿ يلق أثاماً ﴾ [ الفرقان: 68] الآية، واليمين الغموس الفاجرة، لأن الله يقول ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم...

﴾ [ آل عمران: 77] الآية، والغلول، لأن الله يقول ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ [ آل عمران: 161] ، ومنع الزكاة المفروضة، لأن الله يقول ﴿ فتكوى بها جباههم...

﴾ [ التوبة: 35] الآية، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، لأن الله يقول ﴿ ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ﴾ [ البقرة: 283] ، وشرب الخمر لأن الله عدل بها الأوثان، وترك الصلاة متعمداً، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ترك الصلاة متعمداً فقد برئ من ذمة الله ورسوله» ونقض العهد، وقطيعة الرحم، لأن الله يقول ﴿ لهم اللعنة ولهم سوء الدار ﴾ [ الرعد: 25] .

وأخرج عبد بن حميد والبزار وابن جرير والطبراني عن ابن مسعود أنه سئل عن الكبائر قال: ما بين أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية منها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود.

أنه سئل عن الكبائر؟

فقال: افتتحوا سورة النساء فكل شيء نهى الله عنه حتى تأتوا ثلاثين آية فهو كبيرة، ثم قرأ مصداق ذلك ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه...

﴾ الآية.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس أنه قرأ من النساء حتى بلغ ثلاثين آية منها، ثم قرأ ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ مما في أول السورة إلى حيث بلغ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم قال: كانوا يرون أن الكبائر فيما بين أول هذه السورة، سورة النساء إلى هذه الموضع ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن الكبائر فقال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها، وفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم بغير حقه، وأكل الربا، والبهتان، ويقولون اعرابية بعد الهجرة.

قيل لابن سيرين: فالسحر...

قال: إن البهتان يجمع شراً كثيراً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مغيرة قال: كان يقال: شَتْمُ أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من الكبائر.

وأخرج ابن أبي الدنيا في التوبة والبيهقي في الشعب عن الأوزاعي قال: كان يقال: من الكبائر أن يعمل الرجل الذنب فيحتقره.

وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: لا كبيرة بكبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة بصغيرة مع الإصرار.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس.

أنه قرأ ﴿ تكفر ﴾ بالتاء ونصب الفاء.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ﴾ قال: إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ نكفر عنكم سيئاتكم ﴾ قال: الصغار ﴿ وندخلكم مدخلاً كريماً ﴾ قال: الكريم: هو الحسن في الجنة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة أنه كان يقول: المدخل الكريم.

هو الجنة.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه قرأ ﴿ مدخلاً ﴾ بضم الميم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ إشارة إلى القتل، لأنه أقرب مذكور، وقيل: إليه وإلى أكمل المال بالباطل، وقيل: إلى كل ما تقدّم من المنهيات من أوّل السورة ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ اختلف الناس في الكبائر ما هي؟

فقال ابن عباس: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو لعنة أو غضب، وقال ابن مسعود: اكلبائر هي الذنوب المذكورة من أول هذه السورة إلى أول هذه الآية، وقال بعض العلماء: كل ما عصيّ الله به، فهو كبيرة، وعدّها بعضهم سبعة عشرة، وفي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا السبع الموبقات: الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات» فلا شك أن هذه من الكبائر للنص عليها في الحديث، وعيد عليها، فمنها عقوق الوالدين، وشهادة الزور، واليمين الغموس، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والنهبة، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، ومنع ابن السبيل الماء، والإلحاد في البيت الحرام، والنميمة، وترك التحرّز من البول، والغلول، واستطالة المرء في عرض أخيه، والجور في الحكم ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ وعد بغفران الذنوب الصغائر إذا اجتنبت الكبائر ﴿ مُّدْخَلاً كَرِيماً ﴾ اسم مكان وهو هنا الجنة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: {يكفر{ و ﴿ يدخلكم ﴾ بياء الغيبة: المفضل.

الباقون بالنون.

﴿ مدخلاً ﴾ بفتح الميم وكذلك في الحج: أبو جعفر ونافع.

الباقون بالضم ﴿ واسئلوا ﴾ وبابه مما دخل عليه واو العطف أو فاؤه بغير همزة: ابن كثير وعلي وخلف وسهل وحمزة في الوقف.

﴿ عقدت ﴾ من العقد: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ عاقدت ﴾ من المعاقدة ﴿ بما حفظ الله ﴾ بالنصب: يزيد.

الباقون بالرفع.

﴿ والجار ﴾ بالإمالة: إبراهيم بن حماد وقتيبة ونصير وأبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو والنجاري عن ورش ﴿ والجار الجنب ﴾ بفتح الجيم وسكون النون: المفضل.

البقاون بضمتين ﴿ بالبخل ﴾ بفتحيتن حيث كان: حمزة وعلي وخلف والمفضل عباس مخير.

الباقون: بضم الباء وسكون الخاء.

﴿ حسنة ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو جعفر ونافع.

الباقون بالنصب ﴿ يضعفها ﴾ بالتشديد: ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب.

الباقون ﴿ يضاعفها ﴾ بالألف.

الوقوف: ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ على بعض ﴾ ط ﴿ مما اكتسبن ﴾ ط ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ والأقربون ﴾ ط بناء على أن ما بعد مبتدأ ﴿ نصيبهم ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ من أموالهم ﴾ ج لأن ما يتلوا مبتدأ ﴿ بما حفظ الله ﴾ ط ﴿ واضربوهن ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ سبيلاً ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ من أهلها ﴾ ج لأن " أن " للشرط مع اتحاد الكلام ﴿ بينهما ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ وابن السبيل ﴾ ط للعطف ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ فخوراً ﴾ ه لا بناء على أن الذين بدل ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ مهيناً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والعطف ﴿ باليوم الآخر ﴾ ط وإن جعل "الذين" مبتدأ لأن خبره محذوف أي فأولئك قرينهم الشيطان ﴿ قريناً ﴾ ه ﴿ رزقهم الله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ذرة ﴾ ط لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى أي لا يظلم بنقص الثواب ومع ذلك يضاعفه ﴿ عظيماً ﴾ ه.

التفسير: هذا كالتفصيل للوعيد المتقدم.

ومن الناس من قال: جميع الذنوب والمعاصي كبائر.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئاً منها فليستغفر الله فإنّ الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلاّ راجعاً عن الإسلام أو جاحداً فريضة أو منكراً لقدر.

وضعف بأن الذنوب لو كانت كلها كبائر لم يبق فرق بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر وبقوله  : ﴿ وكل صغير وكبير مستطر  ﴾ ﴿ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها  ﴾ وبأنه  نص على ذنوب بأعيانها أنها كبائر، وبقوله  : ﴿ وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان  ﴾ ولا بد من فرق بين الفسوق والعصيان.

فالكبائر هي الفسوق، والصغائر العصيان.

حجة المانع ما روي عن ابن عباس: أنّ الذنب إنما يكبر لوجهين: لكثرة نعم من / عصى فيه ولجلالته، ولا شك أن نعمه  غير متناهية وأنه أجل الموجودات فيكون عصيانه كبيراً.

وعورض بأنه أرحم الراحمين وأغنى عن طاعات المطيعين، وكل ذلك يوجب خفة الذنب وإن سلم أن الذنوب كلها كبائر من حيث إنها ذنوب ولكن بعضها أكبر من بعض وذلك يوجب التفاوت.

وإذ قد عرفت أن الذنوب بعضها صغائر وبعضها كبائر فالكبيرة تتميز عن الصغيرة بذاتها أو باعتبار فاعلها.

ذهب إلى كل واحد طائفة.

فمن الأولين من قال: ويروى عن ابن عباس كل ما جاء في القرآن مقروناً بذكر الوعيد فهو كبيرة كالقتل المحرم والزنا وأكل مال اليتيم وغيرها.

وزيف بأنه لا ذنب إلاّ وهو متعلق الذم عاجلاً والعقاب آجلاً فيكون كل ذنب كبيراً وهو خلاف المفروض.

وعن ابن مسعود أن الكبائر هي ما نهى الله  في الآيات المتقدمة، وضعف بأنه  ذكر الكبائر في سائر السور أيضاً فلا وجه للتخصيص.

وقيل: كل عمد فهو كبير.

ورُدّ بأنه إن أراد بالعمد أنه ليس بساهٍ فما هذا حاله فهو الذي نهى الله عنه فيكون كل ذنب كبيراً وقد أبطلناه، وإن أراد بالعمد أن يفعل المعصية مع العلم بأنها معصية فلا يكون كفر اليهود والنصارى كبيراً وهو باطل بالاتفاق.

وأما الذين يقولون الكبائر تمتاز عن الصغائر باعتبار فاعلها، فوجهه أنّ لكل طاعة قدراً من الثواب، ولكل معصية قدراً من العقاب.

فإذا وجد للإنسان طاعة ومعصية فالتعادل بين الاستحقاقين وإن كان ممكناً بحسب العقل إلاّ أنه غير ممكن بحسب السمع وإلاّ لم يكن مثل ذلك المكلف لا في الجنة ولا في النار وقد قال  : ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير  ﴾ فلا بد من ترجيح أحدهما، ويلزم حينئذٍ الإحباط والتكفير.

والحق في هذه المسألة وعليه الأكثرون بعد ما مرّ من إثبات قسمة الذنب إلى الكبير والصغير أنه  لم يميّز جملة الكبائر عن جملة الصغائر لما بين في هذه الآية أن الاجتناب عن الكبائر يوجب تكفير الصغائر.

فلو عرف المكلف جميع الكبائر اجتنبها فقط واجترأ على الإقدام على الصغائر، أما إذا عرف أنه لا ذنب إلاّ ويجوز كونه كبيراً صار هذا المعنى زاجراً له عن الذنوب كلها، ونظير هذا في الشرع إخفاء ليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، ووقت الموت في جملة الأوقات.

هذا ولا مانع من أن يبيّن الشارع في بعض الذنوب أنه كبيرة كما روي أنه  قال: " اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلاّ بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " وذكر عند ابن عباس أنها سبعة / فقال: هي إلى السبعين أقرب.

وفي رواية إلى السبعمائة.

وعن ابن عمر أنه عدّ منها: استحلال آميّن البيت الحرام وشرب الخمر.

وعن ابن مسعود: زيادة القنوط من رحمة الله والأمن من مكره.

وفي بعض الروايات عن النبي  زيادة قول الزور وعقوق الوالدين والسرقة.

وأما قول العلماء في الكبيرة فمنهم من قال: هي التي توجب الحد.

وقيل: هي التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص أو كتاب أو سنة.

وقيل: كل جريرة تؤذن بقلة اكتراث صاحبها بالدين.

وقيل: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار.

ويراد بالإصرار المداومة على نوع واحد من الصغائر، أو الإكثار منها وإن لم تكن من نوع واحد.

احتج أبو القاسم الكعبي بالآية على القطع بوعيد أهل الكبائر لأنها تدل على أنه إذا لم يجتنب الكبائر فلا تكفر عنه.

والجواب عنه أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج ويؤيده قوله تعالى: ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته  ﴾ وأداء الأمانة واجب أمنه أو لم يأمنه.

سلمنا أنّ الآية رجعت إلى قوله من لم يجتنب الكبائر لم يكفر عنه سيّئاته، فغايته أنه يكون عاماً في باب الوعيد.

والجواب عنه هو الجواب عن سائر العمومات، وهو أنه مشروط بعدم العفو عندنا كما أنه مشروط عندكم بعدم التوبة.

ثم قالت المعتزلة: إنّ عند اجتناب الكبائر يجب غفران الصغائر، وعندنا لا يجب على الله شيء بل كل ما يفعله فهو فضل وإحسان.

ويدخل في الاجتناب عن الكبائر الإتيان بالطاعات لأن ترك الواجب أيضاً كبيرة.

﴿ وندخلكم مدخلاً ﴾ فمن فتح الميم أراد مكان الدخول، ومن ضمها أراد الإدخال.

ووصفه بالكرم إشعار بأنه على وجه التعظيم خلاف إدخال أهل النار الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم، أو هو وصف باعتبار صاحبه.

ثم إنه  لما أمرهم بتهذيب أعمال الجوارح وهو أن لا يقدموا على أكل الأموال بالباطل وعلى قتل الأنفس، حثهم على تهذيب الأخلاق في الباطن.

أو نقول: لما نهاهم عن الأكل والقتل ولن يتم ذلك إلاّ بالرضا بالقضاء وتطييب القلب بالمقسوم المقدّر، فلا جرم قال: ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ قالت المعتزلة: التمني قول القائل: "ليته كذا".

وقال أهل السنة: هو عبارة عن إرادة ما يعلم أن يظن أنه لا يكون ولهذا قالوا: إنه  لو أراد من الكافر أن يؤمن مع علمه بأنه لا يؤمن كان متمنياً.

ثم مراتب السعادات إما نفسانية نظرية كالذكاء والحدس وحصول المعارف والحقائق، أو عملية كالأخلاق الفاضلة، وإما بدنية كالصحة والجمال والعمر، وإما خارجية كحصول الأولاد النجباء وكثرة العشائر والأصدقاء والرياسة التامة ونفاذ القول وكونه محبوباً للخلق حسن الذكر مطاع الأمر، فهذه مجامع السعادات.

وبعضها محض عطاء الله  ، وبعضها مما / يظن أنها كسبية.

وبالحقيقة كلها عطاء منه  فإنه لولا ترجيح الدواعي وإزالة العوائق وتحصيل الموجبات وتوفيق الأسباب فلأي سبب يكون السعي والجد مشتركاً فيه، والفوز بالبغية والظفر بالمطلوب غير مشترك فيه؟

وإذا كان كذلك فما الفائدة في الحسد غير الاعتراض على مدبر الأمور وكافل مصالح الجمهور؟

فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علماً بأن ما قسم له هو خير له، ولو كان خلافه لكان وبالاً عليه كما قال: ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض  ﴾ وفي الكلمات القدسية: " من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر نعمائي كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين.

ومن لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليخرج من أرضي وسمائي وليطلب رباً سوائي" قال المحققون: لا يجوز للإنسان أن يقول: اللهم أعطني داراً مثل دار فلان، وزوجة مثل زوجة فلان، وإن كان هذا غبطة لا حسداً، بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحاً لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي.

وعن الحسن: لا يتمن أحد المال فلعل هلاكه في ذلك المال.

أما سبب النزول فعن مجاهد قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من الميراث ضعف ما لنا فنزلت.

وعن قتادة والسدي: لما نزل قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين  ﴾ قال الرجال: نرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث.

وقال النساء: نرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال.

وفي رواية قلن: نحن أحوج لأن ضعفاءهم أقدر على طلب المعاش فنزلت.

وقيل: أتت وافدة النساء إلى الرسول وقالت: رب الرجال والنساء واحد، وأنت الرسول إلينا وإليهم، وأبونا آدم وأمنا حواء فما السبب في أن الله يذكر الرجال ولا يذكرنا؟

فنزلت الآية.

فقالت: وقد سبقنا الرجال بالجهاد فما لنا؟

فقال  : "إن للحامل منكن أجر الصائم القائم، وإذا ضربها الطلق لم يدر أحد ما لها من الأجر، فإن أرضعت كان لها بكل مصة أجر إحياء نفس" .

﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ من نعيم الدنيا وثواب الآخرة فينبغي أن يرضوا بما قسم لهم، وكذا للنساء، أو لكل فريق جزاء ما اكتسب من الطاعات فلا ينبغي أن يضيعه بسبب الحسد المذموم.

وتلخيصه لا تضيع ما لك بتمني ما لغيرك.

أو ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ بسبب قيامهم بالنفقة على النساء ﴿ وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ بحفظ فروجهن وطاعة أزواجهن والقيام بمصالح البيت ﴿ واسئلوا الله من فضله ﴾ فعنده من ذخائر الإنعام ما لا ينفده مطالب الأنام.

و "من" للتبعيض أي شيئاً من خزائن كرمه وطوله ﴿ إنّ الله كان بكل شيء / عليماً ﴾ فهو العالم بما يكون صلاحاً للسائلين، فليقتصر السائل على المجمل وليفوّض التفصيل إليه فإن ذلك أقرب إلى الأدب وأوفق للطلب.

قوله  وتعالى : ﴿ ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ يمكن تفسيره بحيث يكون الوالدان والأقربون وارثين وبحيث يكونان موروثاً منهما.

والمعنى على الأول: لكل أحد جعلنا ورثة في تركته.

ثم إنه كأنه قيل: ومَنْ هؤلاء الورثة؟

فقيل: هم الوالدان والأقربون فيحسن الوقف على قوله: ﴿ مما ترك ﴾ وفيه ضمير كل.

وأما على الثاني، فإما أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي ورثة، وإما أن يكون ﴿ جعلنا موالي ﴾ صفة ﴿ لكل ﴾ بل محذوف والعائد محذوف وكذا المبتدأ والتقدير: ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب مما ترك الوالدان والأقربون كما تقول: لكل من خلقه الله إنساناً من رزق الله.

أي حظ من رزق الله، والمولى لفظ مشترك بين معانٍ: منها المعتق لأنه ولي نعمته في عتقه، ومنها العبد المعتق لاتصال ولاية مولاه في إنعامه عليه، وهذا كما يسمى الطالب غريماً لأن له اللزوم والمطالبة بحقه، ويسمى المطلوب غريماً لكون الدين لازماً له.

ومنها الحليف لأن الحالف يلي أمره بعقد اليمين، ومنها ابن العم لأنه يليه بالنصرة ومنه المولى للناصر قال  : ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا  ﴾ ومنها العصبة وهو المراد في الآية إذ هو الأليق بها كقوله  : " أنا أولى بالمؤمنين من مات وترك مالاً فماله للموالي العصبة، ومن ترك كلاً فأنا وليّه " وأما قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ فإما أن يكون مبتدأ ضمن معنى الشرط، فوقع قوله: ﴿ فآتوهم ﴾ خبره.

وإما أن يكون منصوباً على قولك: "زيداً فاضربه" مما توسط الفاء بين الفعل ومفعول مفسره إيذاناً بتلازمهما وإما أن يكون معطوفاً على ﴿ الوالدان ﴾ والإيمان جمع اليمين اليد أو الحلف.

من الناس من قال: الآية منسوخة.

وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك أي ما يهدر، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف فنسخ بقوله: ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض  ﴾ وبقوله: ﴿ يوصيكم الله  ﴾ وأيضاً: إن الواحد منهم كان يتخذ إنساناً أجنبياً ابناً له وهم الأدعياء، وكان النبي  يؤاخي بين كل رجلين منهم، فكانوا يرثون بالتبني والمؤاخاة فنسخ، ومن المفسرين من زعم أنها غير منسوخة، وقوله: ﴿ والذين ﴾ معطوف على ما / قبله.

والمعنى: أن ما ترك الذين عقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به فلا تدفعوا المال إلى الحليف بل إلى الوارث، فيكون الضمير في ﴿ فآتوهم ﴾ للموالي قاله أبو علي الجبائي.

أو المراد بالذين عاقدت الزوج والزوجة، والنكاح يسمى عقداً بين ميراث الزوج والزوجة بعد ميراث الولد والوالدين كما في قوله: ﴿ يوصيكم الله  ﴾ قاله أبو مسلم.

وقيل: المراد الميراث الحاصل بسبب الولاء.

وقيل: هم الحلفاء.

والمراد بإتياء نصيبهم النصرة والنصيحة والمصافاة.

وقال الأصم: المراد التحفة بالشيء القليل كقوله: ﴿ وإذا حضر القسمة  ﴾ وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يرث المولى الأسفل من الأعلى.

وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أنه قال: يرث، لما روى ابن عباس "أن رجلاً أعتق عبداً له فمات المعتق ولم يترك إلاّ العتيق فجعل رسول الله  ميراثه للغلام" .

والحديث عند الجمهور محمول على أن المال صار لبيت المال ثم دفعه النبي  إلى الغلام لفقره، وقال أبو حنيفة: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح وورث بحق الموالاة، وخالفه الشافعي فيه.

وحكى الأقطع أن هذه المولاة لا تصح عند أبي حنيفة أيضاً إلا بين العرب دون العجم لرخاوة عقدهم في أمورهم، ﴿ إنّ الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ لأنه عالم بجميع الجزئيات والكليات فشهد على الخلق يوم القيامة بكل ما عملوه، وفيه وعيد للعاصين، ووعد للمطيعين.

هذا وقد مر أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهم في الميراث ونحوه، فذكر في هذه الآية ما يشتمل على بعض أسباب التفضيل فقال: ﴿ الرجال قوّامون ﴾ يقال: هذا قيم المرأة وقوّامها بناء مبالغة للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها كما يقوم الوالي على الرعية ومنه سمي الرجال قوّاماً.

والضمير في بعضهم للرجال والنساء جميعاً أي إنما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل الله بعضهم - وهو الرجال - على بعض - وهم النساء.

وقيل: وفيه دليل على أن الولاية إنما تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة والقهر.

وذكروا في فضل الرجال العقل والحزم والعزم والقوة والكتابة في الغالب والفروسية والرمي، وأن منهم الأنبياء والعلماء والحكماء، وفيهم الإمامة الكبرى وهي الخلافة، الصغرى وهو الاقتداء بهم في الصلاة، وأنهم أهل الجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق وفي الأنكحة عند الشافعي، وزيادة السهم في الميراث والتعصيب فيه، والحمالة تحمل الدية في القتل الخطأ، والقسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج وإليهم الانتساب، وكل ذلك يدل على فضلهم، وحاصلهم يرجع إلى العلم والقدرة.

ومنها سبب خارجيّ وذلك أنهم فضلوا عليهن بما أنفقوا أي أخرجوا في نكاحهن من أموالهم مهراً / ونفقة.

عن مقاتل "أن سعد بن الربيع، وكان من نقباء الأنصار، نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فلطمها.

فانطلق بها أبوها إلى رسول الله  وقال: افرشته كريمتي فلطمها.

فقال رسول الله  : لتقتص منه، وكانت قد نزلت آية القصاص، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبي  : ارجعوا هذا جبيرل أتاني وأنزل الله هذه الآية.

فقال النبي  : أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير ورفع القصاص" .

فلهذا قال العلماء: لا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس ولو شَجها ولكن يجب العقل، وقيل: لا قصاص إلاّ في الجرح والقتل، وأما في اللطمة ونحوها فلا.

ثم قسم النساء قسمين، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات مطيعات لله وللزوج حافظات للغيب قائمات بحقوق الزوج في غيبته، والغيب خلاف الشهادة.

ومواجب حفظ غيبة الزوج أن تحفظ نفسها عن الزنا لئلاّ يلحق الزوج العار بسبب زناها، ولئلاّ يلحق به الولد الحاصل من نطفة غيره، وأن تحفظ أسراره عن الإفشاء وماله عن الضياع ومنزلها عما لا ينبغي شرعاً وعرفاً.

عن النبي  : " خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها وتلا الآية" و "ما" في قوله: ﴿ بما حفظ الله ﴾ موصولة والعائد محذوف أي بالذي حفظه الله لهن أي عليهن أن يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن حيث أمرهم بالعدل فيهن في قوله: ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان  ﴾ فقوله: ﴿ بما حفظ الله ﴾ يجري مجرى قولهم "هذا بذاك" أي هذا في مقابلة ذاك، أو مصدرية والمعنى: أنهن حافظات للغيب بحفظ الله إياهن فإنهن لا يتيسر لهن حفظ الغيب إلاّ بتوفيق الله، أو بما حفظهن حين وعدهن الثواب العظيم على الأمانة، وأوعدهن العذاب الشديد على الخيانة.

ومن قرأ ﴿ بما حفظ الله ﴾ بالنصب فـ "ما" أيضاً موصولة أي بالأمر الذي يحفظ حق الله وأمانته وهو التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم، أو مصدرية أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره فإن المرأة لولا أنها تحاول رعاية تكليف الله وتجتهد في حفظ أوامره وإلا لما أطاعت زوجها.

ثم ذكر غير الصالحات منهن فقال: ﴿ واللاتي تخافون ﴾ تعرفون بالقرائن والأمارات ﴿ نشوزهن ﴾ عصيانهن والترفع عليكم بالخلاف من نشز الشيء ارتفع، ومنه نشز للأرض المرتفعة ﴿ فعظوهن ﴾ وهو أن يقول: اتقي الله فإن لي عليك حقاً، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي عليك فرض ونحو ذلك.

﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ أي في المراقد أي لا تداخلوهن تحت اللحف، وقيل: هو أن يوليها ظهره في المضجع.

وقيل: في المضاجع أي ببيوتهن التي يبتن فيها أي لا / تبايتوهن.

وفي ضمن الهجران الامتناع من كلامها.

ولكن ينبغي أن لا يزيد في هجره الكلام على ثلاث، فإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها فتركت النشوز، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران فكان ذلك دليلاً على كمال نشوزها فيباح الضرب وذلك قوله: ﴿ واضربوهن ﴾ والأولى ترك الضرب لما روي أنه  قال: " "لا تضربوا إماء الله فجاء عمر إلى رسول الله  فقال: ذئرت النساء على أزواجهن أي اجترأن فرخص في ضربهن.

فأطاف بآل رسول الله  نساء كثير يشكون أزواجهن فقال رسول الله  : لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم " ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيراً ممن لم يضربوا.

وإذا ضربها وجب أن لا يكون مفضياً إلى الهلاك ألبتة، وأن يكون مفرقاً على بدنها لا يوالي به في موضع واحد، ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن، وأن يكون دون الأربعين.

وقيل: دون عشرين لأنه حد كامل في شرب العبد، ومنهم من لا يرى الضرب بالسياط ولا بالعصا.

وبالجملة فالتخفيف مرعي في هذا الباب ولهذا قال علي بن أبي طالب: يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين.

وقال آخرون: هذا الترتيب مرعي عند خوف النشوز، فأما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل.

وروي عن النبي  : " "علق سوطك حيث يراه أهلك " ﴿ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً ﴾ بالأذى والتوبيخ، واجعلوا ما كان منهم كأن لم يكن ﴿ إن الله كان علياً ﴾ لا بالجهة ﴿ كبيراً ﴾ لا بالجثة ﴿ فاحذروا ﴾ واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على أزواجكم وأرقائكم.

روي "أن أبا مسعود الأنصاري رفع سوطه ليضرب غلاماً له فبصر به رسول الله  فصاح به: أبا مسعود، الله أقدر منك عليه.

فرمى بالسوط وأعتق الغلام" .

وفيه أنه مع علوه وكبرياء سلطانه تعصونه فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو إذا رجع الجاني عليكم، أو أنه مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون فكذلك لا تكلفوهن محبتكم فلعلهن لا يقدرن على ذلك، أو أنه مع علو شأنه وكبريائه يكتفي من العبيد بالظواهر ولا يهتك السرائر فأنتم أجدر بأن لا تفتشوا عما في قلبها من الحب والبغض إذا صلح حالها في الظاهر، أو أنهن إن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم فالله  قادر قاهر ينتصف لهن منكم.

ثم بيّن أنه ليس بعد الضرب إلا المحاكمة فقال: ﴿ وإن خفتم ﴾ قال ابن عباس: أي علمتم وذلك لإصرارها على النشوز حيث لم يؤثر فيها الوعظ والهجران والضرب.

واعترض / عليه الزجاج بأنه إذا علم الشقاق قطعاً فلا حاجة إلى الحكمين.

وأجيب بأن الشقاق معلوم إلاّ أنا لا نعلم أن سبب الشقاق منه أو منها، فالحاجة إلى الحكمين لهذا المعهنى.

أو نقول: المراد إزالة الشقاق في الاستقبال، ومعنى ﴿ شقاق بينهما ﴾ شقاقاً بينهما، فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع وهو إجراء الظرف مجرى المفعول به، أو على جعل البين مشاقاً مثل "نهاره صائم" والضمير للزوجين يدل عليهما مساق الكلام، أو ذكر الرجال والنساء ﴿ فابعثوا حكماً من أهله ﴾ رجلاً مقنعاً رضاً يصلح لحكومة الإصلاح بينهما ويهتدي إلى المقصود من البعث.

ولا بد فيه من العقل والبلوغ والحرية والإسلام، ويستحب أن يكون الحكمان من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن أحوالهما وتسكن إليهما نفوس الزوجين، فيبرزان لهما ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة، وموجبات كل من الأمرين.

وينبغي أن يخلو حكم الرجل بالرجل وحكم المرأة بالمرأة فيعرفان ما عندهما وما فيه رغبتهما، وإذا اجتمعا لم يخف أحدهما عن الآخر ما علم.

ثم المبعوثان وكيلان من جهة الزوجين أو موليان من جهة الحكام المخاطبين بقوله: ﴿ فابعثوا ﴾ فيه للشافعي قولان:- أصحهما وبه قال أبو حنيفة وأحمد - أنهما وكيلان لأن البضع حق الزوج والمال حق الزوجة وهما رشيدان.

والخطاب في قوله: ﴿ فإن خفتم ﴾ وفي ﴿ فابعثوا ﴾ لصالحي الأمة لأنه يجري مجرى دفع الضرر، فلكل أحد أن يقوم به.

وثانيهما - وبه قال مالك - أنهما موليان لأنه  سماهما الحكمين.

ولما روي أن علياً  بعث حكمين من زوجين فقال: أتدريان ما عليكما؟

عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا وإن رأيتما أن تفرّقا ففرقا.

وعلى الأول يوكل الرجل الذي هو من أهله بالطلاق وبقبول العوض في الخلع، والمرأة الآخر ببذل العوض وقبول الطلاق، ولا يجوز بعثهما إلا برضاهما فإن لم يرضيا ولم يتفقا على شيء أدب القاضي الظالم واستوفى حق المظلوم.

وعلى الثاني لا يشترط رضا الزوجين في بعث الحكمين.

﴿ إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما ﴾ فيه أربعة أوجه.

الأول: إن يرد الحكمان خيراً يوفق الله بين الحكمين حتى يتفقا على ما هو خير.

الثاني: إن يرد الزوجان إصلاحاً أبدل الله الزوجين بالشقاق وفاقاً.

الثالث: إن يرد الحكمان إصلاحاً يؤلف الله بين الزوجين.

الرابع: إن يرد الزوجان خيراً يوفق الله بين الحكمين حتى تتفق كلمتاهما ويحصل الغرض، والتوفيق جعل الأسباب موافقة للغرض ولا يستعمل إلا في الخير والطاعة.

وفيه أنه لا يتم شيء من الأغراض إلاّ بتوفيق الله  وتيسيره ﴿ إنّ الله كان عليماً خبيراً ﴾ فيوفق بين المختلفين ويجمع بين المفترقين بمقتضى علمه وإرادته.

وفيه وعيد للزوجين والحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق ووعد على الجد في حسم مادة الخصومة والخشونة.

/ ثم أرشد إلى مجامع الأخلاق الحسنة بقوله: ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ﴾ فإن من عبد الله وأشرك به شيئاً آخر فقد حبط عمله وضل سعيه ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ تقديره وأحسنوا بهما إحساناً.

يقال: أحسن بفلان وإلى فلان.

﴿ وبذي القربى واليتامى والمساكين ﴾ وقد مر تفاسيرها في البقرة.

قال أبو بكر الرازي: إن اضطر إلى قتل أبيه بأن يخاف أن يقتله إن ترك قتله جاز له أن يقتله ﴿ والجار ذي القربى ﴾ الذي قرب جواره ﴿ والجار الجنب ﴾ الذي بعد جواره.

عن النبي  : " لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه، ألا وإن الجوار أربعون داراً " وعن الزهري أنه أراد أربعين من كل جانب.

وقيل: الجار ذي القربى الجار القريب النسب، والجار الجنب الأجنبي.

والتركيب يدل على البعد، ومنه الجانبان للناحيتين، والجنبان لبعد كل منهما عن الآخر، ومنه الجنابة لبعده عن الطهارة وعن حضور الجماعة والمسجد ما لم يغتسل.

ومن قرأ ﴿ الجنب ﴾ فمعناه المجنوب مثل "خلق" بمعنى مخلوق، أو المراد ذي الجنب فحذف المضاف ﴿ والصاحب الجنب ﴾ وهو الذي حصل بجنبك إما رفيقاً في سفر، وإما جاراً ملاصقاً، وإما شريكاً في تعلم أو حرفة، وإما قاعداً إلى جنبك في مجلس، أو في مسجد أو غير ذلك من أدنى صحبة اتفقت بينك وبينه، فعليك أن تراعي ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان، وقيل: الصاحب بالجنب المرأة فإنها تكون معك وتضطجع إلى جنبك ﴿ وابن السبيل ﴾ المسافر الذي انقطع عن بلده، أو الضيف ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ عن علي بن أبي طالب أنه كان آخر كلام رسول الله  ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ وذكر اليمين تأكيد كما يقال: مشيت برجلي.

والإحسان إليهم أن لا يكلفهم فوق طاقتهم ولا يؤذيهم بالكلام الخشن، بل يعاشروهم معاشرة جميلة ويعطيهم من الطعام والكسوة ما يليق بحالهم في كل وقت.

وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الإماء البغاء وهو الكسب بفروجهن، ويضعون على العبيد الخراج الثقيل.

وقيل: كل حيوان فهو مملوك.والإحسان إلى كل نوع بما يليق بحاله طاعة عظيمة ﴿ إنّ الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ﴾ تياهاً جهولاً يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه، وعن الالتفات إلى حالهم والتفقد لهم والتحفي بهم، ويأنف من أقاربه إذا كانوا فقراء ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء.

وأصله من الخيلاء الكبر، والفخور المتطاول الذي يعد مناقبه، وعن ابن عباس هو الذي يفخر على عباد الله  بما أعطاه من أنواع نعمه، ولعل هذا يجوز على سبيل التحدث بالنعم فقط ﴿ الذين يبخلون ﴾ البخل في اللغة منع الإحسان، وفي الشرع منع / الواجب.

وفيه أربع لغات: البخل مثل الفقر، والبخل بضم الباء وسكون الخاء، وبضمهما، وبفتحهما.

وسبب النظم أن الإحسان إلى الأصناف المذكورين إنما يكون في الأغلب بالمال فذم المعرضين عن ذلك الإحسان لحب المال، ويحتمل أن يشمل البخل بالعلم أيضاً، أي يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم مقتاً للسخاء وهذه نهاية البخل.

وفي أمثالهم "أبخل من الضنين بنائل غيره" وقد عابهم بكتمان نعمة الله وما آتاهم من فضل الغنى حتى أوهموا الفقر مع الغنى، والإعسار مع اليسار، والعجز مع الإمكان فخالفوا سنة نبي الله  حيث قال  : " "إنّ الله  يحب أن يرى على عبده أثر نعمته " وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره فنم به عنده، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك فأعجبه كلامه.

ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر مثل أن يظهر الشكاية من الله  ولا يرضى بقضائه فلذلك قال: ﴿ وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ ويحتمل أن يراد كافر النعمة لا كافر الإيمان.

وقال ابن عباس: إنّ الآية في اليهود، كانوا يأتون رجالاً من الأنصار يخالطونهم وينتصحون لهم يقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون.

وأيضاً وإنهم كتموا صفة محمد ولم يبينوها للناس.

ثم لما ذمّ الذين لا ينفقون أموالهم عطف عليهم الذين ينفقون أموالهم ولكن ريا وفخاراً وليقال ما أسخاهم وما أجودهم لا ابتغاء وجه الله، ومثل هذا الإنفاق دليل على أنه لا يؤمن بالله واليوم الآخر وإلاّ أنفق لله أو للآخرة ﴿ ومن يكن الشيطان له قريناً ﴾ في الدنيا آمراً بالبخل والفحشاء ﴿ فساء قريناً ﴾ في الآخرة يقرن به في النار.

ثم استفهم على سبيل الإنكار فقال: ﴿ وماذا عليهم ﴾ أي أيّ تبعة ووبال عليهم؟

أو ما الذي عليهم في باب الإيمان والإنفاق في سبيل الله؟

والمراد التوبيخ وإلاّ فكل منفعة في ذلك كما يقال للمنتقم: ما ضرك لو عفوت؟

وللعاق: ما كان يرزؤك لو كنت باراً؟

﴿ وكان الله بهم عليماً ﴾ بعث على إصلاح أفعال القلوب التي يطلع عيلها علام الغيوب، وردع عن دواعي النفاق والرياء والسمعة والفخار.

احتج القائلون بأن الإيمان يصح على سبيل التقليد بأن قوله: ﴿ وماذا عليهم لو آمنوا ﴾ مشعر بأن الإتيان بالإيمان في غاية السهولة والاستدلال في غاية الصعوبة.

وأجيب بأن الصعوبة في الإيمان الاستدلالي التفصيلي لا الإجمالي.

وقال جمهور المعتزلة: لو كانوا غير قادرين لم يقل: ﴿ وماذا عليهم ﴾ كما لا يقال للمرأة ماذا عليها لو كانت رجلاً، وللقبيح ماذا عليه لو كان جميلاً.

وأجيب بعدم التحسين والتقبيح العقليين وأنه لا يسأل عما يفعل.

/ ثم رغب في الإيمان والطاعة قائلاً: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ والمثقال مفعال من الثقل كالميزان من الوزن.

والذرة النملة الصغيرة.

وعن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها ثم قال: كل واحد من هذه الأشياء ذرة، وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكوّة ذرة.

وانتصاب ﴿ مثقال ﴾ على أنه مفعول ثان أي لا ينقص الناس مثقال ذرة، أو على المصدر أي ظلماً قدر مقدارها، وأراد نفي الظلم رأساً إلا أنه أخرج الكلام على أصغر المتعارف.

وهذه الآية مما يتمسك به المعتزلة في أنه  غير خالق لأعمال العباد وإلا كان ظلمهم منسوباً إليه، وفي أن العبد يستحق الثواب على طاعته وإلا كان منعه عنه ظلماً.

وأجيب بأنه إذا كان متصرفاً في ملكه كيف شاء فلا يتصور منه ظلم أصلاً.

وقد يحتج الأصحاب ههنا على صحة مذهبهم في عدم الإحباط بأن عقاب شرب قطرة من الخمر لو كان مزيلاً لطاعات سبعين سنة كان ظلماً، وفي عدم وعيد الفساق بأن عقاب شرب جرعة من الخمر لو كان دائماً مخلداً لزوم إبطال ثواب إيمان سبعين سنة وهو ظلم.

ثم قال: ﴿ وإن تك ﴾ حذفت النون من هذه الكلمة بعد سقوط الواو بالتقاء الساكنين لأجل التخفيف وكثرة الاستعمال.

من قرأ ﴿ حسنة ﴾ بالرفع فعلى "كان" التامة، ومن قرأ بالنصب فالتأنيث في ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى مؤنث.

والمراد بالمضاعفة ليس هو المضاعفة بالمدة لأن مدة الثواب غير متناهية وتضعيف غير المتناهي محال، بل المراد المضاعفة بحسب المقدار، كأن يستحق عشرة أجزاء من الثواب فيجعله عشرين أو ثلاثين.

عن ابن مسعود أنه قال: "يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأويلن والآخرين: هذا فلان ابن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه، ثم يقال له: أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب ومن أين وقد ذهبت الدنيا؟

فيقول الله لملائكته: انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها الله  لعبده وأدخله الجنة بفضل رحمته" ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ قال الحسن: الوعد بالمضاعفة أحب عند العلماء مما لو قال في الحسنة الواحدة مائة ألف حسنة، لأن هذا يكون مقداره معلوماً، أما على هذه العبارة فلا يعلم كميته إلاّ الله  .

وعن أنس أن رسول الله  قال: " "إنّ الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة.

وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها" أما قوله: ﴿ ويؤت من لدنه أجراً عظيماً ﴾ فإن ﴿ لدن ﴾ بمعنى عند إلا أن لدن أكثر تمكناً.

يقول الرجل: عندي مال وإن كان المال ببلد آخر.

ولا يقول: لديّ مال إلاّ إذا كان بحضرته.

والمعتزلة حملوا / المضاعفة على القدر المستحق وهذا الثاني على الفضل التابع للأجر.

ويمكن أن يقال: الأول إشارة إلى السعادات الجسمانية، والثاني إشارة إلى اللذات الروحانية والله أعلم.

التأويل: جملة الكبائر مندرجة تحت ثلاث: إحداها اتباع الهوى وينشأ منه البدع والضلالات وطلب الشهوات وحظوظ النفس بترك الطاعات، وثانيتها حب الدنيا وينشعب منه القتل والظلم وأكل الحرام، وثالثتها رؤية غير الله وهو الشرك والرياء والنفاق وغيرها.

ثم أخبر أن الدين ليس بالتمني فقال: ﴿ ولا تتمنوا ﴾ فإنه لا يحصل بالتمني ولكن ﴿ للرجال ﴾ المجتهدين في الله ﴿ نصيب ﴾ مما جدوا في طلبه ﴿ وللنساء ﴾ وهم الذين يطلبون من الله غير الله ﴿ نصيب ﴾ على قدر همتهم في الطلب ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ فيه معنيان: سلوه من فضله الخاص وهو العلم اللدني ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً  ﴾ أو سلوه منه ولا تسألوه من غيره ﴿ ولكل جعلنا موالي ﴾ لكل طالب صادق جعلنا استعداداً في الأزل للوراثة مما ترك والداه وأقرباؤه، طلبه لعدم الاستعداد والمشيئة.

والذين جرى بينكم وبينهم عقد الأخوة في الله ﴿ فآتوهم ﴾ بالنصح وحسن التربية والتسليك ﴿ نصيبهم ﴾ الذي قدّر لهم ﴿ الرجال قوّامون على النساء ﴾ بمصالح دينهن ودنياهن بتفضيل الله وهو استعداد الخلافة والوراثة ﴿ وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ أي تجريدهم عن الدنيا وتفريدهم للمولى.

﴿ فالصالحات ﴾ اللاتي يصلحن للكمال ﴿ قانتات ﴾ مطيعات لله لهن قلوب ﴿ حافظات ﴾ لواردات الغيب ﴿ بما حفظ الله ﴾ عليهن حقائق الغيب وأسراره.

﴿ واللاتي تخافون نشوزهن ﴾ إذا دارت عليهن كؤوس الواردات كما قيل: فأسكر القوم دور كاس *** وكان سكري من المدير ﴿ فعظوهن ﴾ باللسان وخوّفوهن بالهجران ليتأدب السكران ﴿ واضربوهن ﴾ بسوط الانفصال وفراق الإخوان كما كان حال الخضر مع موسى حيث قال: ﴿ هذا فراق بيني وبينك  ﴾ هذا قانون أرباب الكمال إذا رأوا من أهل الإرادة إمارات الملال أو عربدة من غلبات الأحوال.

﴿ وإن خفتم ﴾ شقاقاً بين الشيخ الواصل والمريد المتكامل ﴿ فابعثوا ﴾ متوسطين من المشايخ الكاملين ومن السالكين المعتبرين ﴿ إن يريدا إصلاحاً ﴾ بينهما بما رأيا فيه صلاحهما ﴿ يوفق الله بينهما ﴾ بالإرادة وحسن التربية ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ﴾ من الدنيا والعقبى لتتخلقوا بأخلاق الله وتحسنوا إلى الواليدن وغيرهما ﴿ إحساناً ﴾ بلا شرك ورياء وفخر وخيلاء والله ولي والتوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً ﴾ .

الظاهر في الثنيا أنه من غير جنس المستثنى؛ لأنه استثنى التجارة عن تراضٍ من أكل المال بالباطل بينهم، وأكل المال بالباطل ليس من جنس التجارة، ولا التجارة من نوع أكل المال بالباطل، والثنيا في الأصل جعل تحصيل المراد في المجمل من اللفظ؛ فإذا لم يكن من نوعه كيف جاز؟!

لكنه يحتمل - والله أعلم - أن يكون على الابتداء والائتناف؛ كأنه قال: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، ولكن كلوا بتجارة عن تراض منكم؛ وعلى ذلك يخرج قوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً  ﴾ استثنى السلام، والسلام ليس من جنس اللغو، لكن معناه ما ذكرنا: لا يسمعون فيها لغواً، ولكن يسمعون فيها سلاماً.

ويحتمل أن يكون في الثنيا بيان تخصيص المراد في المطلق من الكلام؛ كقوله -  -: ﴿ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ  إِلاَّ آلَ لُوطٍ  ﴾ دل استثناؤه آل لوط على أنه أراد بقوم مجرمين قوم لوط خاصّة؛ لأنه قد كان في قوم إبراهيم -  - وفي غيرهم أقوام مجرمين؛ دل الثنيا على مراد الخصوص؛ فعلى ذلك يدل استثناؤه التجارة عن تراض منهم - على أنه أراد بأكل المال بالباطل تجارة عن غير تراض، وإن كان - في الحقيقة - يصير مال هذا بمال هذا، وهو أن يأخذ مال غيره فيتلفه؛ فيلزمه بدله؛ فيصير ما عوض من بدله بما أتلفه قصاصاً؛ فهو - في الحقيقة - تجارة.

أو يحتمل: أن يكون أكل المال بالباطل بينهم ما لا يجوز ولا يطيب؛ لأن حرف البين لا يستعمل إلا فيما كان البدل من الجانبين؛ فإذا كان ما وصفنا محتملا - كان الثنيا من ذلك من وجه يطيب، ومن وجه لا يجوز ولا يطيب.

وفيه دليل: أن التجارة هي جعل الشيء له ببدل، وترك الشيء بالشيء؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ  ﴾ ذكر الشرى ولم يكن منهم إلا ترك الهدى بالكفر، ثم سمى ذلك تجارة بقوله -  -: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ  ﴾ .

وفيه دلالة: أن البيع يتم بوقوع التراضي بين المتبايعين، وليس كما قال قوم: لا يتم البيع وإن تراضيا على ذلك حتى يتفرقا عن المكان؛ فكانوا تاركين - عندنا - لظاهر هذه الآية، فإن احتجوا بالخبر الذي روي عن رسول الله  أنه قال: "المُتَبَايِعَانِ بِالخَيَارِ مَا لَمْ يَتَفْرَقَا" - لكن معناه عندنا: أن يقول الرجل للرجل: بعتك عبدي بكذا، فلصاحبه أن يقول: قبلت البيع، ما دام في مجلسه.

أو يحتمل: أن يكون إذا قال: بعتك، كان له الرجوع قبل أن يقول الآخر: قبلت.

على أن قوله -  -: "مَا لَمْ يَتَفْرَّقَا" ، لا يوجب أن يكون تفرقاً عن المكان [و] تفرق الأبدان؛ ألا ترى أن الله -  وتعالى - قال: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ﴾ ، ولا يفهم المعنى من ذلك تفرق المكان والأبدان؛ ولكن وقع ذلك على القول والطلاق.

على أن في الآية بيان تمام البيع بوجود التراضي بقوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ ﴾ .

ومما يدل على ذلك - أيضاً -: قوله -  -: ﴿ وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ  ﴾ فلو كان البيع لا يتم بالتراضي؛ فمتى يشهد: قبل التفرق أو بعد التفرق؟

إن أشهد قبل التفرق، فهل المقر صادق في أن لصاحبه عليه الثمن أو كاذب؛ إذ كان البيع لم يتم، وما ينفعه الإشهاد إن كان للمقر أن يبطل إقراره برد السلعة.

وإن كان إنما يشهد بعد التفرق فقد يجوز أن يتلف المال بالتفرق قبل الإشهاد؛ فأين التحصين الذي أمر الله  ؟!

ومما يدل على تأويلنا في الخبر: ما روي عن أبي هريرة -  - قال: قال رسول الله  : "الْبَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا مِنَ بَيْعِهِمَا، أَوْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا خِيَارٌ" ، وما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله  -: "الْبَيعَانِ بالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَلاَ يَحِلُّ لأَِحدٍ أَنْ يُعَجِّلَ فِرَاقَهُ خشية أَنْ يَسْتَقيلَهُ" وقوله: "يستقيله" يدله على أن ليس له أن يرده إلا بأن يقيله صاحبه؛ ويدل قوله  : "مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا مِنْ بَيْعِهِمَا" - على أن التفرق هو الفراغ من عقد البيع لا غيره.

ومما يدل على أن الخيار ليس بواجب: قول عمر -  - إن البيع عن صفقة أو خيار؛ فكان موافقاً لما روى أبو هريرة -  - يقول: دل قوله -  -: ﴿ لاَ تَأْكُلُوۤاْ...

﴾ إلى قوله: ﴿ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ ﴾ - على الإذن في الأكل إذا وجدت التجارة عن تراض من الناس، والتجارة معروفة عند جميع من له عقل، ومعروف أن تفرق المتعاقدين بعد الفراغ من العقد لم يعرف - فيما هو عند الخلق - تجارة، ولكن التفرق بانقضاء ما له الاجتماع والفراغ منه بما ليس من معاقدة العقلاء الوقوف في مكان بلا حاجة؛ فليس التفرق مما يحتمل أن يظنه حكيم أو سفيه من التجارة، وقد أذن في الأكل، والأكل عبارة عن الأخذ وأكل أنواع المنافع بالباطل؛ فثبت أن قد ملك بالفراغ عن التجارة بغير الرضا، وأيّد ذلك قوله: ﴿ وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ  ﴾ والتبايع الذي عليه الإشهاد هو التعاقد، لا التفرق، ومن البعيد أن يكلفوا الإشهاد على التبايع قبل وجوب الواجب من الحق الذي عليه الإشهاد؛ فثبت بذلك وجوب ما جعل البائع بوجوبه دون التفرق؛ وإذن ثبت الذي ذكرنا من أحكام القرآن مع الكفاية بالأمر الذي لا يجوز شذوذ حق لا يسلم عنه بشر عن علم جميع البشر، وكل أهل التبايع به يتعارفون الحق بينهم بالفراغ من العقود، ولا يجوز شذوذ العلم بحقٍّ ذلك محله؛ فيكون اتفاق الخلق على الجهل بالاعتقاد في أمر يعرفه الرسول  ثم أئمة الهدى، لا ينتهون عن ذلك، والله أعلم.

فإذا لزم ذا الولاء المروي من الخيار: أن كل متبايعين بالخيار ما لم يتفرقا، حمل الخبر على ما فيه بعض العلم بحق القرآن، وما عليه أمر الخلق على اتساع لغير ذلك الوجه، بل لعله بغيره أولى، ثم يخرج على وجوه: على إضمار: حُقَّ على المتبايعين أن يكونا كذلك في حق الجعل، لا في حق العبادة عن واجب؛ دليله رواية عبد الله بن عمر -  - أن رسول الله  قال: "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفْرَّقَا" أو لا يحل لأحدهما أن يفارق صاحبه؛ خشية أن يستقيله؛ ثبت أن المعنى بالخيار في حق الجعل لو طلب - كالفسخ في الاستقالة، والله أعلم.

والثاني: أن يريد به: ما داما في التبايع؛ دليل ذلك احتمال اللفظ [في] قوله -  -: ﴿ وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ  ﴾ والإشهاد على التبايع، والتبايع هو فعل اثنين، وقد ثبت منهما مع الفراغ - الإشهاد على التبايع، وهذا أحق بوجوه: أحدها: حق اللغة أنه اسم التفاعل، وهو اسم لفعلهما؛ فيستحقان ذلك في وقت كونهما فيه: كالتضارب، والتقاتل، ونحو ذلك، وبعد الفراغ التسمية تكون بحق الحكاية دون تحقيق الفعل.

والثاني: بما روي عن أبي هريرة -  - أن النبي  قال: "البَيِّعَانِ بِالْخِيَّارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا مِنْ بَيْعِهِمَا، وَبَيْعُهُمَا مَعْرُوفٌ" ، والله أعلم.

والثالث: متفق القول من أهل العقل على رؤية وجوب البيع دون التفرق عن المكان، والله أعلم.

والرابع: أن يجعل ذلك الحد لإصلاح البياعات أنهما ما لم يتفرقا يملكان الاصطلاح، وإذا تفرقا لا، وهو أولى؛ إذ قد جعل التفرق التام شرطاً للفساد ومنع الإصلاح، وقد كان في بعض العقود مما يصلح بالقبض؛ فهو على الوجود قبل التفرق، ثم لا يصلح إذا وجد التفرق؛ فمثله مما كان الصلاح بالقول في الإصلاح؛ وعلى ذلك إذا قال أحد للآخر: اختر - انقطع خياره لو كان تفرقاً من القول، وليس فيه زيادة على ما في قوله: بعت منك، في حق الإصلاح؛ فثبت أن التفرق لقطع الإصلاح، لا للإصلاح - والله أعلم - قوله: إن للناس عرفاً في التبايع من وجهين: أحدهما: في التعاقد.

والثاني: في التقابض؛ فيكون المعنى من الخبر فيما البيع عن تقابض، وهو بيع المداومة إذا ترك كل واحد منهما الآخر يفارقه على ما سلم وقبض كان ذلك بينهما، وجاز ذلك - أيضاً - بحق الآية في الإباحة عن تراض، واسم التجارة قد يقع على تبادل ليس فيه قول البيع؛ كقوله -  -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ  ﴾ وذلك مع قوله -  وتعالى -: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ  ﴾ وفي ذلك أن البيع الموقوف إذا أجيز يباح الأكل؛ لما كان وقت الأكل قد وجدت التجارة عن تراض، وفي ذلك دليل وجوب خيار الرؤية؛ إذ قد جعل الرضا سبباً، وهو بما يجهل غير محق، وإنما يعلم بالرؤية.

وفيه أنه بالقبض يمضي حق العقد؛ إذ التجارة للأكل، ولا يوصل إليه إلا بالقبض، فإذا فات، فات ما له التجارة؛ فيبطل، والله أعلم.

وفي قوله - أيضاً -: "تبايعا" وإن كان اسما لفعل اثنين، فلما يتصل صحة كلام كل واحد منهما إذا كان الآخر حاضراً؛ فكأنهما اشتركا في صحته؛ فصارا به متبايعين، نحو قوله: [حتى يتفرقا]، والتفرق اسم لفعل اثنين، لكن أحدهما إذا فارق مكان البيع والآخر لم يفارقه - فقد وجد حق التفرق من أن ليس أحدهما يجنب الآخر؛ فكأنهما اشتركا في التفرق وإن لم يوجد الفعل من أحدهما، والله أعلم.

وقوله - جل وعز -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ .

يحتمل وجهين: أي: لا يقتل بعضكم بعضاً؛ فإنه إذا قتل آخر يقتل به؛ فكأنه هو الذي قتل نفسه؛ إذ لولا قتله إياه وإلا لم يقتل به.

والثاني: أنه أضاف القتل إلى أنفسهم؛ لأنهم كلهم كنفس واحدة؛ إذ كلهم من جنس واحد، ومن جوهر واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ .

أي: من رحمته: أن جعل لكم فيما بينكم القصاص، وأخذ النفس بالنفس، والمال بالمال، وفي ذلك حياة أنفسكم، وإبقاء أموالكم.

ومن رحمته - أيضاً -: أن جعلكم من جوهر واحد؛ إذ كل ذي جوهر يألف بجوهره، ويسكن إليه، والله أعلم.

ومن رحمته: أرسل إليكم الرسل، وأنزل عليكم الكتب، وأوضح لكم السبل.

ومن رحمته: أن أمهل لكم، وستر عليكم، ودعاكم إلى المتاب.

ومن رحمته: دفع عنكم الآفات، وأوسع لكم الرزق، وبالمؤمنين خاصة برحمته اهتدوا، وسلموا عن كل داء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً  ﴾ عدواناً لمجاوزته حدود الله، وظلماً على صاحبه.

والعدوان هو التعدي والمجاوزة عن حدود الله؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَظُلْماً ﴾ على نفسه؛ كقوله - عز وجل: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ  ﴾ وقوله -  -: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ  ﴾ ، وقوله  : ﴿ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ .

وهذا الوعيد - والله أعلم - لما يفعل ذلك مستخفّاً بحدود الله واستحلالا منه لذلك؛ وإلا لو كان ذلك على غير وجه الاستخفاف بها والاستحلال لها - لم يستوجب هذا الوعيد؛ ألا ترى أنه قال -  -: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ﴾ ثم قال - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ  ﴾ إنما جاء هذا في قتلى العمد، ثم أبقى الأخوة فيما بينهما، وأخبر أن ذلك تخفيف منه ورحمة، وفيما كان الفعل منه فعل الاستخفاف والاستحلال لا يجوز أن يكون فيه منه رحمة، ويخلد في النار؛ وعلى ذلك يخرج قوله -  -: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا  ﴾ إذا قتله مستحلا له مستخفّاً بتحريم الله إياه؛ فاستوجب هذا الوعيد، وأما من فعل على غير الاستحلال والاستخفاف بحدوده فالحكم فيه ما ذكرنا والله أعلم.

وقوله -  ، أيضاً -: ﴿ عُدْوَاناً وَظُلْماً ﴾ يحتمل: الاستحلال؛ دليله قوله - عز وجل -: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ ﴾ ثم قال - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ  ﴾ ، وقال: ﴿ ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ فأبقى الأخوة التي كانت بقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ؛ فثبت أن الإيمان بعدُ باق فأبقى له الرحمة والأخوة، وهاهنا زال؛ لذلك افترقت الآيتان.

والثاني: أنه وعد اختلافهم، ولم يذكر الخلود، وجائز تعذيبه في الحكمة والتنازع في الخلود لا غير.

والأصل في هذا ونحوه: أنه لم يتنازع أن يكون فعله الذي فيه الوعيد إن كان ثَمَّ خلود، فهو الذي يزيل عنه اسم الإيمان، ويبطل عنه حق فعله، وإنما التنازع في إبقاء اسم الإيمان في لزوم الوعيد؛ فهي فيمن لم يبق له الاسم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: كبائر الشرك؛ لأن كبائر الشرك أنواع، منها: الإشراك بالله، ومنها جحود الأنبياء  ، ومنها: الجحود ببعض الرسل، عليهم السلام، ومنها: جحود العبادات، واستحلال المحرمات، وتحرم المحللات، وغير ذلك وكل ذلك شرك بالله.

فقيل أراد بالكبائر كبائر الشرك، فإذا اجتنب كبائر الشرك صارت ما دونها موعوداً لها المغفرة بالمشيئة بقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ  ﴾ وعد المغفرة لما دون الشرك، وقرنها بمشيئته؛ فهو في مشيئة الله -  -: إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، وبالله التوفيق.

وقيل: أراد بالكبائر [كبائر] الإسلام.

ثم يحتمل وجهين بعد هذا: يحتمل: أن تكون الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر.

ويحتمل: أن تكون الصغائر مغفورة بالحسنات؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ ، والتكفير إنما يكون [بالحسنات]؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ  ﴾ أخبر أن من السيئات ما يذهبها الحسنات.

ويحتمل: أن يكون التكفير لها جميعاً وإن لم تجتنب؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾ إلى قوله - عز وجل -: ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ  ﴾ وقال - عز وجل -: ﴿ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ  ﴾ ؛ ألا ترى أنه روي عن أنس -  - قال: قال رسول الله  : "شَفَاعَتِي نَائِلَةٌ لأَِهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمُّتي" وروي عن علي [بن أبي طالب] -  - أنه سمع امرأة تدعو: اللَّهُمَّ اجعلني من أهل شفاعة محمد  فقال: "مَهْ!

فَقُولي: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الفَائِزِينَ؛ فَإِنَّ شَفَاعَةَ مُحَمَّدٍ  لأَِهْلِ الكَبَائِرِ" ثم قرأ: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ...

﴾ الآية.

ثم اختلف في كيفية الكبائر وماهيتها: فقال بعضهم: ما أوجب الحد فهو كبيرة: من نحو الزنا، والسرقة، والقذف، وغير ذلك.

وقال آخرون: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقول البهتان، والفرار من الزحف.

وروي عن عبد الله بن مسعود -  - [أنه سئل عن ذلك؟

فقال: "من أول السور إلى هنا من المحرمات، فهو من الكبائر.

وروي أنه قيل لابن عباس: إن عبد الله بن عمر، يقول: الكبائر تسع.

فقال] ابن عباس -  -: هنّ إلى التسعين أقرب، ولكن لا كبيرة مع توبة، ولا صغيرة مع إصرار.

وروي عن الحسن قال: قال [رسول الله]  : "مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ؟

قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هُنَّ فَوَاحِشُ، وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ ثم قال [رسول الله]  : أَلاَ أُنْبَئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟

قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإِْشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ قال: وكان متكئاً فجلس ثم قال: أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ قاله ثلاثاً" .

وقوله -  -: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ .

ذكر تكفير السيئات إذا اجتنب الكبائر، ولم يذكر الحكم إذا لم يجتنبها؛ فليس فيه أنه إذا لم يجتنب لا يكفر، فهو في مشيئة الله: [إن شاء كفر، وإن شاء عذب]؛ على ما ذكرنا: أن وجوب الحكم لا يوجب إيجاب ذلك الحكم في حال أخرى، حظراً كان أو إحلالا، والله أعلم.

ويقرأ في بعض القراءات: (إن تجتنبوا كبير ما تنهون عنه) فإن ثبت هذا فهو يدل على التأويل الذي ذكرنا آنفاً: أنه أراد بالكبائر كبائر الشرك، [والله أعلم].

قوله - عز وجل -: ﴿ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً ﴾ .

قيل: الجنة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن تبتعدوا -أيها المؤمنون- عن فعل كبائر المعاصي مثل الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وأكل الربا؛ نتجاوز عما ترتكبونه من صغائرها بتكفيرها ومحوها، وندخلكم مكانًا كريمًا عند الله، وهو الجنة.

<div class="verse-tafsir" id="91.1Amoy"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

اختلف العلماء هل في المعاصي صغيرة وكبيرة أم المعاصي كلها كبائر؟

نقلوا عن ابن عباس: أن كل ما عصي الله به فهو كبيرة.

صرح بذلك الباقلاني والاسفراييني وإمام الحرمين، وقالت المعتزلة وبعض الأشاعرة إن من الذنوب كبائر وصغائر، وقال الغزالي إن هذا من البديهيات، وقد اختلف في الصغائر والكبائر فقيل هي سبع لحديث صحيح في ذلك ولكن الأحاديث الصحيحة في عدها مختلفة ومجموعها يزيد على سبع وقد ذكرت على سبيل التمثيل.

إن الذين قسموا المعصية إلى صغيرة وكبيرة وأرادوا بالسيئات الصغائر لم يفهموا الآية وقد قال الله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ  ﴾ ، فجعل أهل السيئات في مقابلة المؤمنين فهم المشركون والكافرون المفسدون، وقال: ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ  ﴾ الآية، وما العهد بتفسيرها ببعيد، ولا يمكن حمل السيئات فيها على الصغائر.

والصواب أن في كل سيئة وفي كل نهي خاطبنا الله تعالى به كبيرة أو كبائر، وصغيرة أو صغائر، وأكبر الكبائر في كل ذنب عدم المبالاة بالنهي والأمر واحترام التكليف ومنه الإصرار، فإن المصر على الذنب لا يكون محترمًا ولا مباليًا بالأمر والنهي.

فالله تعالى يقول: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ  ﴾ أي الكبائر التي يتضمنها كل شيء تنهون عنه ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ  ﴾ أي نكفر عنكم صغيره فلا نؤاخذكم عليه، فإضافة السيئات إلى ضمير المخاطبين يدل على ما قاله جمهور الأشاعرة من أنه لا كبيرة بمعنى أن بعض السيئات يكون كبيرة مطلقًا على الدوام وإن فعل بجهالة عارضة وعدم استهانة، ولا صغيرة مطلقًا وإن فعلت لعدم الاكتراث بالنهي وأصر الفاعل عليها، ويدل على هذا ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما حين قال له الكبائر سبع فقال هي إلى السبعمائة أقرب، ولا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار، أي مع توبة.

فكل ذنب يرتكب لعارض يعرض على النفس من استشاطة غضب، أو غلبة جبن، أو ثورة شهوة وصاحبه متمكن من الدين يخاف الله ولا يستحل محارمه فهو من السيئات التي يكفرها الله تعالى إذا كان لولا ذلك العارض القاهر للنفس لم يكن ليجترحه تهاونًا بالدين، وكان بعد اجتراحه إياه حال كونه مغلوبًا على أمره يندم ويتألم ويتوب ويرجع إلى الله  ويعزم على عدم العودة إلى اقتراف مثله، فهو بعدم إصراره وباستقرار هيبة الله وخوفه في نفسه، يكون أهلًا لأن يتوب الله عليه ويكفر عنه، وكل ذنب يرتكبه الإنسان مع التهاون بالأمر وعدم المبالاة بنظر الله إليه ورؤيته إياه حيث نهاه فهو مهما كان صغيرًا يعد كبيرة.

ومثال ذلك تطفيف الكيل والميزان وإخسارهما فقد قال تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ  ﴾ وهو يصدق بالقليل والكثير ولو حبة، والهمز واللمز فقد قال: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ  ﴾ أي الذين اعتادوا الهمز واللمز وهما عيب الناس والطعن في أعراضهم والويل الهلاك فهو وعيد شديد.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله