الآية ٣٣ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٣٣ من سورة النساء

وَلِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ ۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدًا ٣٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 178 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٣ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٣ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبو صالح ، وقتادة ، وزيد بن أسلم ، والسدي ، والضحاك ، ومقاتل بن حيان ، وغيرهم في قوله : ( ولكل جعلنا موالي ) أي : ورثة .

وعن ابن عباس في رواية : أي عصبة .

قال ابن جرير : والعرب تسمي ابن العم مولى ، كما قال الفضل بن عباس : مهلا بني عمنا مهلا موالينا لا تظهرن لنا ما كان مدفونا قال : ويعني بقوله : ( مما ترك الوالدان والأقربون ) من تركة والديه وأقربيه من الميراث ، فتأويل الكلام : ولكلكم - أيها الناس - جعلنا عصبة يرثونه مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له .

وقوله : ( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) أي : والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة - أنتم وهم - فآتوهم نصيبهم من الميراث ، كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة ، إن الله شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات ، وقد كان هذا في ابتداء الإسلام ، ثم نسخ بعد ذلك ، وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا ، ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة .

قال البخاري : حدثنا الصلت بن محمد ، حدثنا أبو أسامة ، عن إدريس ، عن طلحة بن مصرف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( ولكل جعلنا موالي ) قال : ورثة ، ( والذين عقدت أيمانكم ) كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري ، دون ذوي رحمه; للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم ، فلما نزلت ( ولكل جعلنا موالي ) نسخت ، ثم قال : ( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) من النصر والرفادة والنصيحة ، وقد ذهب الميراث ويوصى له .

ثم قال البخاري : سمع أبو أسامة إدريس ، وسمع إدريس عن طلحة .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا إدريس الأودي ، أخبرني طلحة بن مصرف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( والذين عقدت أيمانكم [ فآتوهم نصيبهم ] ) الآية ، قال : كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري ، دون ذوي رحمه; بالأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ، فلما نزلت هذه الآية : ( ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون ) نسخت .

ثم قال : ( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج - وعثمان بن عطاء ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : ( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل ، يقول : ترثني وأرثك وكان الأحياء يتحالفون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل حلف كان في الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام ، فلا يزيده الإسلام إلا شدة ، ولا عقد ولا حلف في الإسلام " .

فنسختها هذه الآية : ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) [ الأنفال : 75 ] .

ثم قال : وروي عن سعيد بن المسيب ، ومجاهد ، وعطاء ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، وأبي صالح ، والشعبي ، وسليمان بن يسار ، وعكرمة ، والسدي ، والضحاك ، وقتادة ، ومقاتل بن حيان أنهم قالوا : هم الحلفاء .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا شريك ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس - ورفعه - قال : " ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا حدة وشدة " .

وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن شريك ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وحدثنا أبو كريب ، حدثنا مصعب بن المقدام ، عن إسرائيل عن يونس ، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا حلف في الإسلام ، وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة ، وما يسرني أن لي حمر النعم وإني نقضت الحلف الذي كان في دار الندوة " هذا لفظ ابن جرير .

وقال ابن جرير أيضا : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " شهدت حلف المطيبين ، وأنا غلام مع عمومتي ، فما أحب أن لي حمر النعم وأنا أنكثه " .

قال الزهري : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لم يصب الإسلام حلفا إلا زاده شدة " .

قال : " ولا حلف في الإسلام " .

وقد ألف النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار .

وهكذا رواه الإمام أحمد عن بشر بن المفضل عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري ، بتمامه .

وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هشيم ، أخبرني مغيرة ، عن أبيه ، عن شعبة بن التوأم ، عن قيس بن عاصم : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف ، قال : فقال : " ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به ، ولا حلف في الإسلام " .

وكذا رواه أحمد عن هشيم .

وحدثنا أبو كريب حدثنا وكيع ، عن داود بن أبي عبد الله ، عن ابن جدعان ، عن جدته ، عن أم سلمة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا حلف في الإسلام ، وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة " .

وحدثنا أبو كريب ، حدثنا يونس بن بكير حدثنا محمد بن إسحاق ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده قال : لما كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح قام خطيبا في الناس فقال : " يا أيها الناس ، ما كان من حلف في الجاهلية ، لم يزده الإسلام إلا شدة ، ولا حلف في الإسلام " .

ثم رواه من حديث حسين المعلم ، وعبد الرحمن بن الحارث ، عن عمرو بن شعيب ، به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا ابن نمير وأبو أسامة ، عن زكريا ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا حلف في الإسلام ، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة " .

وهكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد ، وهو أبو بكر بن أبي شيبة ، بإسناده ، مثله .

ورواه أبو داود عن عثمان عن محمد بن أبي شيبة ، عن محمد بن بشر وابن نمير وأبي أسامة ، ثلاثتهم عن زكريا - وهو ابن أبي زائدة - بإسناده ، مثله .

ورواه ابن جرير من حديث محمد بن بشر ، به .

ورواه النسائي من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق ، عن زكريا ، عن سعد بن إبراهيم ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا هشيم ، قال : مغيرة أخبرني ، عن أبيه ، عن شعبة بن التوأم ، عن قيس بن عاصم : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف ، فقال : " ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به ، ولا حلف في الإسلام " .

وكذا رواه شعبة ، عن مغيرة - وهو ابن مقسم - عن أبيه ، به .

وقال محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين قال : كنت أقرأ على أم سعد بنت الربيع ، مع ابن ابنها موسى بن سعد - وكانت يتيمة في حجر أبي بكر - فقرأت عليها ( والذين عقدت أيمانكم ) فقالت : لا ولكن : ( والذين عقدت أيمانكم ) قالت : إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن ، حين أبى أن يسلم ، فحلف أبو بكر أن لا يورثه ، فلما أسلم حين حمل على الإسلام بالسيف أمر الله أن يؤتيه نصيبه .

رواه ابن أبي حاتم ، وهذا قول غريب ، والصحيح الأول ، وأن هذا كان في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف ، ثم نسخ وبقي تأثير الحلف بعد ذلك ، وإن كانوا قد أمروا أن يوفوا بالعقود والعهود ، والحلف الذي كانوا قد تعاقدوا قبل ذلك تقدم في حديث جبير بن مطعم وغيره من الصحابة : لا حلف في الإسلام ، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة .

وهذا نص في الرد على ما ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ، ورواية عن أحمد بن حنبل ، رحمه الله .

والصحيح قول الجمهور ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه; ولهذا قال تعالى : ( ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون ) أي : ورثه من أقربائه من أبويه وأقربيه ، وهم يرثونه دون سائر الناس ، كما ثبت في الصحيحين ، عن ابن عباس ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألحقوا الفرائض بأهلها ، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر " أي : اقسموا الميراث على أصحاب الفروض الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض ، فما بقي بعد ذلك فأعطوه العصبة ، وقوله : ( والذين عقدت أيمانكم ) أي : قبل نزول هذه الآية فآتوهم نصيبهم ، أي من الميراث ، فأيما حلف عقد بعد ذلك فلا تأثير له .

وقد قيل : إن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل ، وحكم الماضي أيضا ، فلا توارث به ، كما قال ابن أبي حاتم .

حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا إدريس الأودي ، أخبرني طلحة بن مصرف ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : ( فآتوهم نصيبهم ) قال : من النصرة والنصيحة والرفادة ، ويوصى له ، وقد ذهب الميراث .

ورواه ابن جرير ، عن أبي كريب ، عن أبي أسامة وكذا روي عن مجاهد ، وأبي مالك ، نحو ذلك .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : ( والذين عقدت أيمانكم ) قال : كان الرجل يعاقد الرجل ، أيهما مات ورثه الآخر ، فأنزل الله : ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ) [ الأحزاب : 6 ] .

يقول : إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية فهو لهم جائز من ثلث مال الميت ، وذلك هو المعروف .

وهذا نص غير واحد من السلف : أنها منسوخة بقوله : ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ) وقال سعيد بن جبير : ( فآتوهم نصيبهم ) أي : من الميراث .

قال : وعاقد أبو بكر مولى فورثه .

رواه ابن جرير .

وقال الزهري عن سعيد بن المسيب : أنزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنون رجالا غير أبنائهم ، يورثونهم ، فأنزل الله فيهم ، فجعل لهم نصيبا في الوصية ، ورد الميراث إلى الموالي في ذي الرحم والعصبة وأبى الله للمدعين ميراثا ممن ادعاهم وتبناهم ، ولكن جعل لهم نصيبا من الوصية .

رواه ابن جرير .

وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله : ( فآتوهم نصيبهم ) أي : من النصرة والنصيحة والمعونة ، لا أن المراد فآتوهم نصيبهم من الميراث - حتى تكون الآية منسوخة ، ولا أن ذلك كان حكما ثم نسخ ، بل إنما دلت الآية على الوفاء بالحلف المعقود على النصرة والنصيحة فقط ، فهي محكمة لا منسوخة .

وهذا الذي قاله فيه نظر ، فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونة ، ومنه ما كان على الإرث ، كما حكاه غير واحد من السلف ، وكما قال ابن عباس : كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه ، حتى نسخ ذلك ، فكيف يقول : إن هذه الآية محكمة غير منسوخة ؟

!

والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ يعني جل ثناؤه بقوله: " ولكلّ جعلنا موالي"، ولكلكم، أيها الناس =" جعلنا موالي"، يقول: ورثة من بني عمه وإخوته وسائر عصبته غيرهم.

* * * والعرب تسمي ابن العم " المولى "، ومنه قول الشاعر: (117) وَمَـوْلًى رَمَيْنَـا حَوْلَـهُ وَهُـوَ مُدْغِلٌ بِأَعْرَاضِنَــا وَالْمُنْدِيَــاتِ سَــرُوعُ (118) يعني بذلك: وابن عم رمينا حوله، ومنه قول الفضل بن العباس: مَهْــلا بَنِـي عَمِّنَـا مَهْـلا مَوَالِينَـا لا تُظْهِــرُنَّ لَنَـا مَـا كـانَ مَدْفُونَـا (119) وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 9258 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة قال، حدثنا إدريس قال، حدثنا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: " ولكل جعلنا موالي"، قال: ورثة.

9259 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان "، قال: الموالي، العصبة، يعني = الورثة.

9260 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد في قوله: " ولكل جعلنا موالي"، قال: الموالي، العصبة.

9261 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد قوله: " ولكل جعلنا موالي"، قال: هم الأولياء.

9262 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولكل جعلنا موالي"، يقول: عصبة.

9263 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ولكل جعلنا موالي"، قال: الموالي: أولياء الأب، أو الأخ، (120) أو ابن الأخ، أو غيرهما من العصبة.

9264 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولكل جعلنا موالي"، أما " موالي"، فهم أهل الميراث.

9265 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ولكل جعلنا موالي"، قال: الموالي: العصبة.

هم كانوا في الجاهلية الموالي، فلما دخلت العجم على العرب لم يجدوا لهم اسمًا، فقال الله تبارك وتعالى: فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ [سورة الأحزاب: 5]، فسموا: " الموالي"، قال: و " المولى " اليوم موليان: مَوْلى يرث ويورث، فهؤلاء ذوو الأرحام - وموْلى يورَث ولا يرِث، فهؤلاء العَتَاقة.

(121) وقال: ألا ترون قول زكريا: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي [سورة مريم: 5]؟

فالموالي ههنا الورثة.

* * * ويعني بقوله: " مما ترك الوالدان والأقربون "، مما تركه والده وأقرباؤه من الميراث.

* * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: ولكلكم، أيها الناس، جعلنا عَصبة يرثون به مما ترك والده وأقرباؤه من ميراثهم.

* * * القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ (122) قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه بعضهم: ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) ، بمعنى: والذين عقدت أيمانكم الحلفَ بينكم وبينهم.

وهي قراءة عامة قرأة الكوفيين.

* * * وقرأ ذلك آخرون: ( والذين عاقدت أيمانكم ) ، بمعنى: والذين عاقدت أيمانكم وأيمانهم الحلفَ بينكم وبينهم.

* * * قال أبو جعفر: والذي نقول به في ذلك: إنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قرأة أمصار المسلمين بمعنى واحد.

* * * وفي دلالة قوله: " أيمانكم " على أنها أيمان العاقدين والمعقود عليهم الحلف، مستغنى عن الدلالة على ذلك بقراءة قوله: " عقدت "،" عاقدت ".

وذلك أن الذين قرءوا ذلك: " عاقدت "، قالوا: لا يكون عَقْد الحلف إلا من فريقين، ولا بد لنا من دلالة في الكلام على أن ذلك كذلك.

وأغفلوا موضعَ دلالة قوله: " أيمانكم "، على أن معنى ذلك أيمانكم وأيمانُ المعقود عليهم، وأن العقد إنما هو صفة للأيمان دون &; 8-273 &; العاقدين الحلف، حتى زعم بعضهم أن ذلك إذا قرئ: " عقدت أيمانكم "، فالكلام محتاج إلى ضمير صفة تقي الكلام، (123) حتى يكون الكلام معناه: والذين عقدت لهم أيمانكم = ذهابًا منه عن الوجه الذي قلنا في ذلك، من أن الأيمان معنيٌّ بها أيمان الفريقين.

* * * وأما " عاقدت أيمانكم "، فإنه في تأويل: عاقدت أيمانُ هؤلاء أيمانَ هؤلاء، الحلفَ.

فهما متقاربان في المعنى، وإن كانت قراءة من قرأ ذلك: " عقدت أيمانكم " بغير " ألف "، أصح معنى من قراءة من قرأه: " عاقدت "، للذي ذكرنا من الدلالة المُغنية في صفة الأيمان بالعقد، (124) على أنها أيمان الفريقين = من الدلالة على ذلك بغيره.

(125) * * * وأما معنى قوله: " عقدت أيمانكم "، فإنه: وَصَلت وشَدّت وَوكَّدت = " أيمانكم "، يعني: مواثيقكم التي واثق بعضهم بعضًا (126) =" فآتوهم نصيبهم ".

* * * ثم اختلف أهل التأويل في معنى " النصيب " الذي أمر الله أهل الحلف أن يؤتي بعضهم بعضًا في الإسلام.

(127) فقال بعضهم: هو نصيبه من الميراث، لأنهم في الجاهلية كانوا يتوارثون، فأوجب الله في الإسلام من بعضهم لبعض بذلك الحلف، وبمثله في الإسلام، من الموارثة مثل الذي كان لهم في الجاهلية.

ثم نسخ ذلك بما فرض من الفرائض لذوي الأرحام والقرابات.

*ذكر من قال ذلك: 9266 - حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسن بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري في قوله: " والذين عاقدتْ أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدًا "، (128) قال: كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسبٌ، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ الله ذلك في" الأنفال " فقال: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [سورة الأنفال: 75].

(129) 9267 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قول الله: " والذين عاقدت أيمانكم "، قال: كان الرجل يعاقد الرجل فيرثه، وعاقد أبو بكر رضي الله عنه مولى فورثه.

9268 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم "، فكان الرجل يعاقد الرجل: أيُّهما مات ورثه الآخر.

فأنـزل الله: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا [سورة الأحزاب: 6]، يقول: إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصيةً، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت.

وذلك هو المعروف.

9269 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدًا "، كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول: " دمي دمُك، وهَدَمي هَدَمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك ".

(130) فجعل له السدس من جميع المال في الإسلام، ثم يقسم أهل الميرات ميراثهم.

فنسخ ذلك بعد في" سورة الأنفال " فقال الله: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [سورة الأنفال: 75 ].

9270 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا &; 8-276 &; معمر، عن قتادة: " والذين عاقدت أيمانكم "، قال: كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: " دمي دمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك ".

(131) فلما جاء الإسلام بقي منهم ناس، فأمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث، وهو السدس، ثم نسخ ذلك بالميراث، فقال: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ .

9271 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا همام بن يحيى قال، سمعت قتادة يقول، في قوله: " والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم "، وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجلَ في الجاهلية فيقول: " هدمي هدمك ودمي دمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك "، (132) فجعل له السدس من جميع المال، ثم يقتسم أهل الميراث ميراثهم.

فنسخ ذلك بعد في" الأنفال " فقال: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فصارت المواريث لذوي الأرحام.

9272 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة قال: هذا حِلْفٌ كان في الجاهلية، كان الرجل يقول للرجل: " ترثني وأرثك، وتنصرني وأنصرك، وتَعْقِل عني وأعقل عنك ".

(133) 9273 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، (134) سمعت الضحاك يقول في قوله: " والذين عاقدت أيمانكم "، كان الرجل يتبع الرجل فيعاقده: " إن مِتُّ، فلك مثل ما يرث بعض ولدي"!

وهذا منسوخ.

9274 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم "، فإن الرجل في الجاهلية قد كان يلحق به الرجل فيكون تابعه، فإذا مات الرجل صار لأهله وأقاربه الميراث، وبقي تابعه ليس له شيء، فأنـزل الله: " والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم "، فكان يعطى من ميراثه، فأنـزل الله بعد ذلك: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ .

* * * وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، فكان بعضهم يرث بعضًا بتلك المؤاخاة، ثم نسخ الله ذلك بالفرائض، وبقوله: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ .

*ذكر من قال ذلك: 9275 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة قال، حدثنا إدريس بن يزيد قال، حدثنا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: " والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم "، قال: كان المهاجرون حين قَدِموا المدينة، يرث المهاجريُّ الأنصاريَّ دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم.

فلما نـزلت هذه الآية: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ، نسخت.

(135) 9276 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " والذين عاقدت أيمانكم "، الذين عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم =" فآتوهم نصيبهم "، إذا لم يأت رحمٌ تحول بينهم.

قال: وهو لا يكون اليوم، إنما كان في نفر آخَى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانقطع ذلك.

ولا يكون هذا لأحدٍ إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، كان آخى بين المهاجرين والأنصار، واليوم لا يؤاخَى بين أحد.

* * * وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية في أهل العقد بالحلف، ولكنهم أمروا أن يؤتي بعضهم بعضًا أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك، دون الميراث.

*ذكر من قال ذلك: 9277 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة قال، حدثنا إدريس الأودي قال، حدثنا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم " من النصر والنصيحة والرِّفادة، ويوصي لهم، وقد ذهبَ الميراث.

(136) 9278 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: " والذين عقدت أيمانكم ".

قال: كان حلفٌ في الجاهلية، (137) فأمرُوا في الإسلام أن يعطوهم نصيبهم من العقل والمشورة والنصرة، (138) ولا ميراث.

9279 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: " والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم " من العوْن والنصر والحِلف.

9280 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد في قول الله: " والذين عاقدت أيمانكم "، قال: كان هذا حلفًا في الجاهلية، فلما كان الإسلام، أمروا أن يؤتوهم نصيبهم من النصر والولاء والمشورة، ولا ميراث.

9281 - حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا حجاج، قال ابن جريج: " والذين عاقدت أيمانكم "، أخبرني عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهدا يقول: هو الحلف: " عقدت أيمانكم ".

قال: " فآتوهم نصيبهم "، قال: النصر.

9282 - حدثني زكريا بن يحيى قال، حدثنا حجاج، قال، ابن جريج، أخبرني عطاء قال: هو الحلف.

قال: " فآتوهم نصيبهم "، قال: العقل والنصر.

9283 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " والذين عاقدت أيمانكم "، قال: لهم نصيبهم من النصر والرِّفادة والعقل.

(139) 9284 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.

9285 - حدثنا المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: " والذين عاقدت أيمانكم "، قال: هم الحلفاء.

9286- حدثنا المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا عباد بن العوام، عن خصيف، عن عكرمة مثله.

9287 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم "، أما " عقدت أيمانكم "، فالحلفُ، كالرجل في الجاهلية ينـزل في القوم فيحالفونه على أنه منهم، يواسونه بأنفسهم، (140) فإذا كان لهم حق أو قتال كان مثلهم، وإذا كان له حق أو نصرة خذلوه.

فلما جاء الإسلام سألوا عنه، وأبى اللهُ إلا أن يشدّده.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم يزد الإسلام الحُلفاء إلا شدة ".

* * * وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنون أبناءَ غيرهم في الجاهلية، فأمروا في الإسلام أنْ يوصوا لهم عند الموت وصيةً.

(141) *ذكر من قال ذلك: 9288 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال، حدثني سعيد بن المسيَّب: أن الله قال: " ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم "، قال سعيد بن المسيب: إنما نـزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنَّون &; 8-281 &; رجالا غير أبنائهم ويورِّثونهم، فأنـزل الله فيهم، فجعل لهم نصيبًا في الوصية، وردّ الميراث إلى الموالي في ذي الرحم والعصبة، (142) وأبى الله للمدَّعَيْن ميراثًا ممن ادّعاهم وتبنّاهم، ولكنّ الله جعل لهم نصيبًا في الوصية.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل قوله: " والذين عقدت أيمانكم "، قولُ من قال: " والذين عقدت أيمانكم على المحالفة، وهم الحلفاء ".

وذلك أنه معلوم عند جميع أهل العلم بأيام العرب وأخبارها، أنّ عقد الحلف بينها كان يكون بالأيمان والعهود والمواثيق، على نحو ما قد ذكرنا من الرواية في ذلك.

فإذ كان الله جل ثناؤه إنما وصف الذين عقدت أيمانهم ما عقدوه بها بينهم، دون من لم تعقد عقدًا بينهم أيمانهم (143) = وكانت مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين من آخى بينه وبينه من المهاجرين والأنصار، لم تكن بينهم بأيمانهم، وكذلك التبني = (144) كان معلومًا أن الصواب من القول في ذلك قولُ من قال: " هو الحلف "، دون غيره، لما وصفناه من العلة.

* * * وأما قوله: " فآتوهم نصيبهم "، فإن أولى التأويلين به، ما عليه الجميع مجمعون من حكمه الثابت، وذلك إيتاءُ أهل الحلف الذي كان في الجاهلية دون الإسلام، بعضِهم بعضًا أنصباءَهم من النصرة والنصيحة والرأي، دون الميراث.

وذلك لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية، فلم يزدْهُ الإسلام إلا شدة ".

9289 - حدثنا بذلك أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن شريك، عن &; 8-282 &; سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(145) 9290 - وحدثنا أبو كريب قال، حدثنا مصعب بن المقدام، عن إسرائيل بن يونس، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة.

وما يسرني أنّ لي حُمْر النعم، وأنى نقضتُ الحلف الذي كان في دار الندوة.

(146) 9291 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبيه، عن شعبة بن التوأم الضبيّ: أن قيس بن عاصم سألَ النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف فقال: لا حلف في الإسلام، ولكن تمسكوا بحلف الجاهلية.

&; 8-283 &; 9292 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن أبيه، عن شعبة بن التوأم، عن قيس بن عاصم: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف، قال فقال: ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام.

(147) 9293 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن داود بن أبي عبد الله، عن ابن جُدْعان، عن جدّته، عن أمّ سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدّة ".

(148) 9294 - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا حسين المعلم = وحدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا حسين المعلم = وحدثنا حاتم بن بكر الضبيّ قال، حدثنا عبد الأعلى، عن حسين المعلم = قال، حدثنا أبي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم فتح مكة: " فُوا بحلفٍ، فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا تُحدثوا حلفًا في الإسلام ".

(149) 9295 - حدثنا أبو كريب وعبدة بن عبد الله الصفار قالا حدثنا محمد بن بشر قال، حدثنا زكريا بن أبي زائدة قال، حدثني سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم: أن النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: لا حلف في الإسلام، وأيُّما حِلف كان في الجاهلية، فلم يزده الإسلام إلا شدة.

(150) 9296 - حدثنا حميد بن مسعدة ومحمد بن عبد الأعلى قالا حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق = وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن عبد الرحمن بن إسحاق = عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: شهدت حلف المطيِّبين.

وأنا غلام مع عُمومتي، فما أحبّ أن لي حُمرَ النعم وأني أنْكُثُه = زاد يعقوب في حديثه عن ابن علية.

قال: وقال الزهري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يُصب الإسلام حلفًا إلا زاده شدة.

قال: ولا حلفَ في الإسلام.

قال: وقد ألَّف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قُريش والأنصار.

(151) 9297 - حدثنا تميم بن المنتصر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عامَ الفتح، قام خطيبًا في الناس فقال: " يا أيها الناس، ما كان من حِلف في الجاهلية فإنّ الإسلام لم يزده إلا شدة، ولا حلف في الإسلام ".

9298 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.

9299 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد بن مخلد قال، حدثنا سليمان بن بلال قال، حدثنا عبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.

(152) * * * قال أبو جعفر: فإذ كان ما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحًا = وكانت الآية إذا اختُلف في حكمها منسوخ هو أم غير منسوخ، (153) غير جائز القضاء عليه بأنه منسوخ - مع اختلاف المختلفين فيه، ولوجُوب حكمها وَنفي النسخ عنه وجه صحيحٌ - (154) إلا بحجة يجب التسليم لها، لما قد بينَّا في غير موضع من كتبنا الدلالةَ على صحةِ القول بذلك (155) = (156) فالواجب أن يكون الصحيح من القول في تأويل قوله: " والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم "، هو ما ذكرنا من التأويل، وهو أن قوله: " عقدت أيمانكم " من الحلف، وقوله: " فآتوهم نصيبهم " من النصرة والمعونة والنصيحة والرأي، على ما أمرَ به من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأخبار التي ذكرناها عنه = (157) دون قول من قال: " معنى قوله: فآتوهم نصيبهم، من الميراث "، وان ذلك كان حكما ثم نُسخ بقوله: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، ودونَ ما سِوَى القول الذي قلناه في تأويل ذلك.

(158) وإذْ صَحّ ما قلنا في ذلك، وجب أن تكون الآية محكمة لا منسوخةً.

(159) * * * القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فآتوا الذين عقدت أيمانكم نصيبهم من النصرة والنصيحة والرأي، فإن الله شاهد على ما تفعلون من ذلك، وعلى غيره من أفعالكم، مُرَاعٍ لكل ذلك، حافظٌ، حتى يجازي جميعَكم على جميع ذلك جزاءه، أما المحسنَ منكم المتبع أمري وطاعتي فبالحسنى، وأما المسيءَ منكم المخالفَ أمري ونهيي فبالسوأى.

ومعنى قوله: " شَهيدا "، ذو شهادة على ذلك.

(160) * * * --------------- الهوامش: (117) لم أعرف قائله.

(118) لم أجد البيت في مكان ، وهو في المخطوطة.

بأعواضنــا والممديــات ســروع و"رجل مدغل": ذو خب مفسد بين الناس.

و"المنديات" ، المخزيات ، وأنا بعد ذلك في شك شديد من"بأعراضنا" و"سروع" ، فتركت البيت على حاله حتى أجده ، أو ألتمس له وجهًا صحيحًا.

وقوله: "رمينا حوله" ، أي ناضلنا عنه ، ودافعنا ورامينا من حوله من يراميه.

(119) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 125 ، والكامل 2: 279 والمؤتلف والمختلف ، ومعجم الشعراء: 35 ، 310 ، والحماسة 1: 121 ، والصداقة والصديق: 139 ، واللسان (ولى) وغيرها.

وراويتهم.

لا تَنْبِشُـوا بَيْنَنَـا مَـا كـانَ مَدْفُونَـا وهي أجود الروايتين وأحقهما بمعنى الشعر ، وفي اللسان رواية أخرى لا تقوم.

(120) في المطبوعة: "الأب الأخ" بإسقاط "أو" ، والصواب من المخطوطة.

(121) يقال: "هو مولى عتاقة" ، هو الذي أعتق من الرق ، و"العتاقة" (بفتح العين) مصدر مثل"العتق" (بكسر فسكون) و"عتاق" (بفتح العين).

وقوله: "فهؤلاء العتاقة" ، يعني: فهؤلاء موالي العتاقة ، فإن لا يكن قد سقط من الناسخ"موالي" ، فهو مصدر وصف به ، بمعنى فهؤلاء المعتقون.

(122) لم يذكر في المخطوطة والمطبوعة: "فآتوهم نصيبهم" في هذا الموضع ، ولا فيما بعده ، فأثبتها في مكانها ، لأنه فسرها بعد في هذا الموضع.

(123) في المطبوعة: "إلى ضمير صلة في الكلام" ، وهو خلط لا معنى له.

وأثبت ما في المخطوطة ، وقوله: "ضمير" ، أي: إضمار ، وقد سلف مثل ذلك 1: 427 ، تعليق: 1 / 2: 107 ، تعليق: 1.

وأما قوله: "صفة" فقد سلف مرارًا أن"الصفة" هي حرف الجر ، و"حروف الصفات" ، هي حروف الجر (انظر 6: 329 ، تعليق: 6 ، والمراجع هناك) ، والمعنى: إضمار حرف جر.

وأما قوله: "تقى الكلام" فهذا لفظ غم على معناه ، وهو في المخطوطة كما أثبته ، ولعله أراد أن حرف الجر المتعلق بقوله: "عقدت" يقي الجملة من فساد المعنى.

ولعل ذلك من قديم عبارتهم ، وإن كنت لا أحققه ، وفوق كل ذي علم عليم.

(124) في المطبوعة: "من الدلالة على المعنى - في صفة الأيمان بالعقد" وهو باطل المعنى ، وفي المخطوطة: "من الدلالة على المعنية في صفة الأيمان بالعقد" ، والذي لا شك فيه زيادة"على" في هذه العبارة ، وأن قراءتها"المغنية".

وانظر التعليق التالي.

(125) تداخلت مراجع حروف الجر في هذه الجملة ، وأحببت أن ألين سياقها ، فهو يقول: "للذي ذكرنا من الدلالة المغنية في صفة الأيمان بالعقد...

من الدلالة على ذلك بغيره" ، فقوله: "من الدلالة" متعلق بقوله: "المغنية" ، يعني أن صفة الأيمان بالعقد ، دلالة على أنها أيمان الفريقين ، وأن هذه الدلالة مغنية من الدلالة على ذلك المعنى بدلالة غيرها.

(126) في المخطوطة والمطبوعة: "واثق بعضهم بعضًا" ، والسياق يقتضي أن تكون: "بعضكم" ، كما أثبتها.

(127) انظر تفسير"النصيب" فيما سلف 4: 206 / 6: 288.

(128) ستأتي القراءة مرة"عاقدت" ومرة"عقدت" في الآثار التالية ، فتركتها كما هي في المخطوطة والمطبوعة ، فإن اختلفتا ، أثبت ما في المخطوطة ، دون إشارة إلى ذلك من فعلي.

(129) أثبت تمام الآية في المخطوطة.

(130) قولهم: "دمي دمك" ، أي: إن قتلني إنسان طلبت بدمي كما تطلب دم وليك وأخيك.

و"الهدم" (بسكون الدال وتحريكها) ، فإذا سكنت الدال ، فمعناه: من هدم لي عزًا وشرفًا فقد هدمه منك ، أو: من أهدر دمي فقد أهدر دمك = أو: ما عفوت أنا عنه من الدم ، فعليك أن تعفو عنه.

وأما "الهدم" (بفتح الدال): فأصله: الشيء الذي انهدم ، وهو قريب المعنى من الأول ، ويقال: هو القبر ، أي: أقبر حيث تقبر.

يريدون: لا تفارقني ولا أفارقك في الحياة والممات.

وقولهم: "تطلب بي وأطلب بك" ، أي: تطلب الثأر بي ، إذا أصابني مكروه ، وأفعل ذلك بك.

و"الباء" هنا بمعنى: السبب ، أي بسببي ومن جراء ما أصابني.

وهذه الكلمات كلها توثيق في العهد ، وعقد لازم يوجب على الرجلين أن يتعاونا في الخير والشر ، لا يفارق أحدهما صاحبه في المحنة والبلاء.

(131) انظر التعليق السالف.

(132) انظر التعليق السالف.

(133) "العقل" (بفتح فسكون): الدية."عقل القتيل عقلا": أدى ديته.

و"عقل عنه": أدى جنايته ، وذلك إذا لزمته دية فأعطاها عنه.

(134) في المطبوعة: "عبيد بن سلمان" ، وهو خطأ كثر في هذه المطبوعة ، نبهت عليه مرارًا ، والصواب من المخطوطة ، وهو إسناد دائر في التفسير ، وسأصححه منذ اليوم ثم لا أشير إليه ثانية.

(135) الأثر: 9275 - أخرجه البخاري في صحيحه (الفتح 8: 186) مطولا ، وفرقه الطبري ، فروى بعضه هنا ، وروى سائره برقم: 9277 ، قال الحافظ ابن حجر: "إدريس ، هو ابن يزيد الأودي (بفتح الألف وسكون الواو) والد عبد الله بن إدريس الفقيه الكوفي ، ثقة عندهم ، وما له في البخاري سوى هذا الحديث.

ووقع في رواية الطبري عن أبي كريب ، عن أبي أسامة: حدثنا إدريس بن يزيد" ، وقد وقع في رواية البخاري نقص ، سقط منه"فآتوهم نصيبهم" مع أن قوله: "من النصر" متعلق بقوله: "فآتوهم نصيبهم" لا بقوله: "عاقدت" ، وهو وجه الكلام ، واستدركه الحافظ في الفتح من رواية الطبري هذه.

(136) الأثر: 9277 - هو تمام الأثر السالف رقم: 9275 ، وقد سلف التعليق عليه.

وقد كان في المخطوطة: "وقد الميراث" بينهما بياض ، أتمته المطبوعة على الصواب من رواية البخاري.

وفي البخاري زيادة: "وقد ذهب الميراث ، ويوصى له".

و"الرفادة" (بكسر الراء): الإعانة بالعطية والصلة ، ومنه"الرفادة" التي كانت قريش تترافد بها في الجاهلية ، يخرج كل إنسان مالا بقدر طاقته ، فيجمعون من ذلك مالا عظيما أيام الموسم ، فيشترون به للحاج الجزر والطعام والزبيب ، فلا يزالون يطعمون الناس حتى تنقضي أيام الحج.

وكانت الرفادة والسقاية لبني هاشم.

(137) "كان" هنا تامة ، لا اسم لها ولا خبر.

(138) في المطبوعة والمخطوطة: "من العقل والنصرة والمشورة" ، ولكن المخطوطة وضعت حرف"م" على كل من"النصرة والمشورة" بمعنى تقديم الثاني على الأول.

ففعلت ذلك.

و"العقل": الدية ، كما سلف شرحها قريبًا ص: 276 ، تعليق: 2.

(139) الأثر: 9283 - في المطبوعة: "محمد بن محمد بن عمرو" ، وهو خطأ محض ، صوابه من المخطوطة ، ومع ذلك فهو إسناد كثير الدوران في التفسير ، أقربه: 9239.

وانظر تفسير"العقل" ، و"الرفادة" فيما سلف قريبًا من التعليقات.

(140) "آساه بنفسه وواساه بنفسه" ، جعله"أسوة له".

أي: مثلا له.

ومنها"المواساة" ، وهي المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق.

(141) في المطبوعة: "فأمروا بالإسلام" وهي سقيمة ، صوابها من المخطوطة.

(142) في المطبوعة: "في ذوي الرحم" ، وهي صواب ، والذي أثبته من المخطوطة صواب أيضًا.

(143) في المخطوطة والمطبوعة: "دون من لم يعقد عقد ما بينهم أيمانهم" ، وصواب قراءتها ما أثبت.

ثم قوله بعد: "وكانت مؤاخاة النبي..." معطوف على قوله: "فإذ كان الله...".

(144) قوله: "كان معلومًا" ، جواب قوله: "فإذ كان الله..." وما عطف عليه.

(145) الحديث: 9289 - إسناده صحيح.

ورواه أحمد في المسند: 2911 ، 3046 ، من طريق شريك ، بهذا الإسناد مختصرًا ، ليس فيه قوله"لا حلف في الإسلام".

وهذه الزيادة ثابتة فيه في رواية أبي يعلى.

فقد ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد 8: 173.

كاملا وقال: "رواه أبو يعلى ، وأحمد باختصار.

ورجالهما رجال الصحيح".

وذكره ابن كثير 2: 431-432 ، عن هذا الموضع من الطبري.

وذكره السيوطي 2: 151 ، مختصرًا كرواية المسند.

وقصر في تخريجه جدًا ، إذ لم ينسبه لغير عبد بن حميد.

(146) الحديث: 9290 - وهذا إسناد آخر ، من وجه آخر - لحديث ابن عباس ، بلفظ أطول من الذي قبله.

وهو إسناد صحيح.

محمد بن عبد الرحمن بن عبيد ، مولى آل طلحة: ثقة ، وثقه ابن معين وغيره.

مترجم في التهذيب.

والكبير للبخاري 1 / 1 / 146 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 318.

والزيادة التي هنا -"وما يسرني أن لي حمر النعم"- ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد ، حديثًا مستقلا ، 8: 172 ، وقال: "رواه الطبراني.

وفيه مرزوق بن المرزبان ، ولم أعرفه ، وبقية رجاله رجال الصحيح".

وليس إسناد الطبراني أمامي ، حتى أستطيع أن أقول فيه.

ولكن إسناد الطبري هنا خلا من ذاك الرجل ، فصح الحديث من هذا الوجه.

وذكره ابن كثير 2: 432 ، عن هذا الموضع ، ولم يزد.

"حمر النعم" انظر تفسيرها فيما سلف رقم: 9185.

(147) الحديثان: 9291 ، 9292 - مغيرة: هو ابن مقسم الضبي ، مضى في: 3349.

أبوه: "مقسم الضبي": مترجم في التعجيل ، ص: 409 ترجمة موجزة ، وأنه ذكره ابن حبان في الثقات.

وهو تابعي ، روى عن النعمان بن بشير.

وترجمه البخاري في الكبير 4 / 2 / 33.

وابن أبي حاتم 4 / 1 / 414-415.

ولم يذاكرا فيه جرحًا.

شعبة بن التوأم الضبي ، ويقال"التميمي": تابعي ثقة.

مترجم في التعجيل ، ص: 177-178 ، والإصابة 3: 230 ، والكبير 2 / 2 / 244 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 368.

والحديث رواه الطيالسي: 1084 ، عن جرير بن عبد الحميد ، عن مغيرة ، أي بأول الإسنادين هنا.

ورواه أحمد في المسند 5: 61 (حلبي) عن هشيم ، عن مغيرة.

أي بثانيهما.

ونقله ابن كثير 2: 432 ، عن ثانيهما.

ثم أشار إلى رواية أحمد.

ثم نقله ثانيًا ، ص 433 ، من رواية المسند.

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8: 172.

وقال: "رواه أحمد".

ثم لم يزد!

وأشار إليه ابن أبي حاتم في ترجمة"شعبة بن التوأم" ، فقال: "روى عن قيس بن عاصم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال: لا حلف في الإسلام".

(148) الحديث: 9293 - داود بن أبي عبد الله ، مولى بني هاشم: ثقة ، ذكره ابن حبان في الثقات ، كما في التهذيب.

وترجمه ابن أبي حاتم 1 / 2 / 417 ، فلم يذكر فيه جرحًا.

ابن جدعان: المشهور بذلك عند أهل هذا الشأن ، هو"علي بن زيد بن جدعان".

وقد روى الترمذي 4: 25 ، بهذا الإسناد: "أبو كريب..." - حديث"المستشار مؤتمن".

فظن الحافظ ابن عساكر - في كتاب الأطراف - أنه هو"علي بن زيد".

وتعقبه الحافظ المزي في تهذيب الكمال ، ص: 817-818 (مخطوط مصور) ، فقال: "وذلك وهم منه.

والصواب: جده عبد الرحمن بن محمد بن زيد بن جدعان" - يعني لقوله في الإسناد: "عن ابن جدعان ، عن جدته".

وفي تهذيب الكمال ، وتهذيب التهذيب ، في ترجمة داود ، وفي ترجمة"عبد الرحمن" (3: 191 ، و6: 267 من تهذيب التهذيب) أن البخاري روى في الأدب المفرد حديث"المستشار مؤتمن" - من طريق داود"عن عبد الرحمن بن محمد" هذا.

وأن ذاك هو الدليل على أن المراد ب"ابن جدعان" هو"عبد الرحمن بن محمد".

والذي رأيته في الأدب المفرد (ص: 29) بهذا الإسناد حديث مطول ، ولكن ليس فيه كلمة"المستشار مؤتمن".

فالظاهر أنهما يريدان أصل الحديث.

ولكن رواية البخاري هي التي كشفت عن الصواب في اسم"ابن جدعان".

وجدة ابن جدعان - هذه - مجهولة ، لم يعرف اسمها.

وعندي أن جهالتها لا تضر.

فالغالب - فيما أرى - أنها صحابية.

لأن عبد الرحمن بن محمد تابعي ، روى عن عائشة ، وعن ابن عمر.

فجدته يكلد العارف أن يوقن أنها صحابية ، أو مخضرمة على الأقل.

والنساء في تلك العصور لم يعرفن باصطناع الروايات.

ولذلك قال الذهبي في الميزان (3: 395): "فصل في النسوة المجهولات.

وما علمت في النساء من اتهمت ، ولا من تركوها".

وقوله هنا"عن جدته" - في المطبوعة"عمن حدثه"!

وهو تحريف.

وفي مطبوعة ابن كثير 2: 432- حين نقل هذا الحديث عن الطبري -"عن ابن جدعان ، حدثه"!

وهو تحريف أيضًا.

وصوابه ، كما أثبتنا"عن جدته".

وقد ثبت على الصواب في مخطوطة الأزهر من تفسير ابن كثير (2: 273 نسخة مصورة عندي).

والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8: 173.

وقال: "رواه أبو يعلى ، والطبراني.

وفيه جدة ابن أبي مليكة ، ولم أعرفها.

وبقية رجاله ثقات".

و"جدة ابن أبي مليكة": هي"جدة ابن جدعان" ، لأن ابن جدعان - هنا -: هو"عبد الرحمن بن محمد بن زيد بن جدعان".

فهو ابن أخي"علي بن زيد بن جدعان" ، وقد نسبوا إلى جدهم الأعلى.

إذ"علي بن زيد": هو"علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان".

وإنما الذي اشتهر عند المحدثين باسم"ابن أبي مليكة" - فهو"عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة زهير...".

وهو ابن عم"علي بن زيد".

(149) الحديث: 9294 - حاتم بن بكر الضبي - شيخ الطبري: هكذا ثبت هنا اسم أبيه"بكر".

وقد مضى في: 3222 بالتصغير"بكير".

وبينا هناك أنه ثبت في التقريب والتهذيب"بكر" ، وفي الخلاصة"بكير".

وها هو ذا الاختلاف وقع في موضعين من الطبري.

ثم رجعت إلى النسخة المخطوطة المصورة من تهذيب الكمال ، ص: 214 ، فظهر أن ناسخها أسقط كلمة"بكر" فأثبته"حاتم بن غيلان" ، ممنسوبًا إلى جده.

وهو سهو من الناسخ يقينًا ، لأنه أثبته قبل ترجمة"حاتم بن حريث".

ولو كان أصله"حاتم بن غيلان" لأخره إلى موضعه في حرف الغين في آباء من اسمه"حاتم" ، فيكون موضعه بعد"حاتم بن العلاء".

فبقي الإشكال في اسم أبيه كما هو؟

وهذا الحديث رواه الطبري هنا ، مختصرًا ، بثلاثة أسانيد: عن"حميد بن مسعدة ، عن حسين المعلم".

ثم عن"مجاهد بن موسى ، عن يزيد بن هارون ، عن حسين المعلم".

ثم عن"حاتم بن بكر الضبي ، عن عبد الأعلى ، عن حسين المعلم".

ثم يقول حسين المعلم"حدثنا أبي ، عن عمرو بن شعيب".

وفي هذه الأسانيد إشكالان: أولهما: أن"حميد بن مسعدة" مات سنة 244 ، فمن المحال أن يروى عن"حسين المعلم" ، ويقول -كما هنا -"حدثنا حسين المعلم".

لأن حسينًا مات سنة 145 ، فبين وفاتيهما 99 سنة!!

والراجح عندي أن يكون الناسخون أسقطوا شيخًا بين حميد وحسين.

وثانيهما: أن"حسينًا المعلم": هو"حسين بن ذكوان".

وهو يروي عن عمرو بن شعيب مباشرة.

ولو كان هذا وحده لكان هناك احتمال أن يروي عنه أيضًا بواسطة أبيه.

ولكن الإشكال في أن"ذكوان" والد"حسين المعلم" ليس له ذكر في دوواين الرجال بشيء من الرواية ، ولا ذكر أحد أن ابنه يروي عنه.

فأنا أرجح أيضًا أن يكون قوله هنا"حدثنا أبي" زيادة خطأ من الناسخين.

ويؤيد أن زيادة"حدثنا أبي" تخليط من الناسخين - أن ابن كثير حين أشار إلى هذا الإسناد 2: 432 ، قال: "ثم رواه - يعني الطبري - من حديث حسين المعلم ، وعبد الرحمن بن الحارث ، عن عمرو بن شعيب ، به".

فذكر أن حسينًا رواه عن عمرو بن شعيب.

ولم يذكر أنه"عن حسين عن أبيه".

وأما الحديث نفسه ، فإنه سيأتي معناه ، من رواية محمد بن إسحاق ، عن عمرو بن شعيب: 9297 ، 9298 ، ومن رواية عبد الرحمن بن الحارث ، عن عمرو: 9299.

ويأتي تخريجه هناك ، إن شاء الله.

(150) الحديث: 9295 - زكريا بن أبي زائدة الهمداني الوادعي: ثقة معروف ، من شيوخ شعبة والثوري.

أخرج له الجماعة.

سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، قاضي المدينة: ثقة كثير الحديث ، وهو ثبت لا شك فيه.

أخرج له الجماعة.

أبوه"إبراهيم بن عبد الرحمن": تابعي ثقة ، من كبار التابعين.

مترجم في التهذيب.

والكبير 1 / 1 / 295 ، وابن سعد 5: 39-40 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 111.

"جبير بن مطعم": صحابي معروف ، من قريش ، من بني نوفل.

قدم المدينة في فداء أسارى بدر.

ثم أسلم بعد ذلك.

والحديث رواه أحمد في المسند: 16832ج4 ص83 حلبي ، من طريق زكريا ، وهو ابن أبي زائدة - بهذا الإسناد.

وكذلك رواه مسلم 2: 270 ، والبيهقي 6: 262- كلاهما من طريق زكريا.

وذكره ابن كثير 2: 432-433 ، من رواية المسند.

ثم أشار إلى أنه رواه مسلم ، وأبو داود ، وابن جرير ، والنسائي.

(151) الحديث: 9296 - بشر بن المفضل بن لاحق البصري: ثقة من شيوخ أحمد وإسحاق وابن المديني.

أخرج له الجماعة.

مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1 / 2 / 84 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 366.

وهذا الحديث رواه الطبري بإسنادين من طريق عبد الرحمن بن إسحاق.

وهو: "عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله العامري".

وهو ثقة ، وثقه ابن معين وغيره ، وأخرج له مسلم.

مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1 / 1 / 52 ، وابن سعد 5: 151-152 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 218.

والحديث رواه أحمد: 1655 ، عن بشر بن المفضل ، عن عبد الرحمن بن إسحاق - بهذا الإسناد.

ثم روى له أوله: 1676 ، عن إسماعيل ، وهو ابن علية ، عن عبد الرحمن بن إسحاق.

وكذلك روى البخاري أوله ، في الأدب المفرد ، ص: 83 ، من طريق ابن علية.

ووقع فيه هناك خطأ مطبعي ، يصحح من هذا الموضع.

وهذا الحديث في حقيقته حديثان: أولهما: حديث متصل ، من حديث عبد الرحمن بن عوف.

وثانيهما: حديث مرسل.

وهو قول الزهري: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم..." - إلى آخره.

وقد فصلنا القول في ذلك في المسند: 1655.

(152) الأحاديث: 9297-9299 ، هي ثلاثة أسانيد لحديث واحد.

وقد مضى بنحوه: 9294.

يزيد - في الإسناد الأول: هو يزيد بن هارون.

عبد الرحمن - في الإسناد الثالث: هو عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة.

والحديث رواه أحمد في المسند - ضمن حديث مطول: 6692 ، عن يزيد بن هارون ، عن محمد بن إسحاق.

وأشرنا إلى كثير من أسانيده هناك ، وفي الاستدراك: 2832.

ورواه البخاري في الأدب المفرد ، ص: 83-84 ، مختصرًا كما هنا ، عن خالد بن مخلد ، بالإسناد الأخير هنا.

وذكره ابن كثير 2: 432 ، عن الرواية: 9298 هنا.

ثم أشار إلى الروايتين: 9294 ، 9299.

(153) في المخطوطة والمطبوعة: "منسوخ هي" ، خطأ ، صوابه ما أثبت.

(154) سياق العبارة: "غير جائز القضاء عليه بأنه منسوخ...

إلا بحجة يجب التسليم لها" ، والذي بينهما قيد اعترض به بين طرفي الكلام.

(155) انظر مقالته في: "الناسخ والمنسوخ" فيما سلف: 131 ، والتعليق 1 ، والمراجع هناك.

(156) قوله: "فالواجب..." ، جواب قوله آنفًا: "فإذ كان ما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحًصا".

(157) السياق: "فالواجب أن يكون الصحيح من القول...

هو ما ذكرنا من التأويل...

دون قول من قال".

(158) في المطبوعة والمخطوطة: "دون ما سوى القول" بلا واو عاطفة ، والصواب إثبات"واو العطف" ، عطفًا على قوله آنفًا: "دون قول من قال".

(159) أشكل على ابن كثير هذا الموضع من كلام الطبري فرواه عنه ثم قال: "وفيه نظر ، فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونة ، ومنه ما كان على الإرث ، كما حكاه غير واحد من السلف وكما قال ابن عباس: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه ، حتى نسخ ذلك.

فكيف يقول: إن هذه الآية محكمة غير منسوخة ، والله أعلم".

وهذا الذي تعجب منه ابن كثير ، قد بينه الطبري ، وأقام عليه كل مذهبه ، في كل ناسخ ومنسوخ ، وقد كرره مرات كثيرة في تفسيره ، وقد أعاده هنا عند ذكر الناسخ والمنسوخ فقال: إن الآية إذا اختلف في حكمها منسوخ هو أم غير منسوخ ، واختلف المختلفون في حكمها ، وكان لنفي النسخ عنها وإثبات أنها محكمة وجه صحيح ، لم يجز لأحد أن يقضي بأن حكمها منسوخ ، إلا بحجة يجب التسليم لها.

وقد بين أبو جعفر مرارًا أن الحجة التي يجب التسليم لها هي: ظاهر القرآن ، والخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما تأويل ابن عباس أو غيره من الأئمة ، فليس حجة في إثبات النسخ في آية ، لتأويلها على أنها محكمة وجه صحيح.

فالعجب لابن كثير ، حين عجب من أبي جعفر في تأويله وبيانه.

ولو أنصف لنقض حجة الطبري في مقالته من الناسخ والمنسوخ ، لا أن يحتج عليه ويتعجب منه ، لحجة هي منقوضة عند الطبري ، قد أفاض في نقضها مرارًا في كتابه هذا ، وفي غيرها من كتبه كما قال ، رحم الله أبا جعفر ، وغفر الله لابن كثير.

(160) انظر تفسير"الشهيد" فيما سلف 1: 376-378 / 3: 97.

145 / 6: 60 ، 75 / 7: 243

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدافيه خمس مسائل :الأولى : بين تعالى أن لكل إنسان ورثة وموالي ؛ فلينتفع كل واحد بما قسم الله له من الميراث ، ولا يتمن مال غيره .

وروى البخاري في كتاب الفرائض من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس : " ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم " قال : كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث الأنصاري المهاجري دون ذوي رحمه ؛ للأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ، فلما نزلت ولكل جعلنا موالي قال : نسختها " والذين عاقدت أيمانكم " .

قال أبو الحسن بن بطال : وقع في جميع النسخ ولكل جعلنا موالي قال : نسختها " والذين عاقدت أيمانكم " .

والصواب أن الآية الناسخة ولكل جعلنا موالي والمنسوخة " والذين عاقدت أيمانكم " ، وكذا رواه الطبري في روايته .

وروي عن جمهور السلف أن الآية الناسخة لقوله : " والذين عاقدت أيمانكم " قوله تعالى في " الأنفال " : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض .

روي هذا عن ابن عباس وقتادة والحسن البصري ؛ وهو الذي أثبته أبو عبيد في كتاب " الناسخ والمنسوخ " له .

وفيها قول آخر رواه الزهري عن سعيد بن المسيب قال : أمر الله عز وجل الذين تبنوا غير أبنائهم في الجاهلية وورثوا في الإسلام أن يجعلوا لهم نصيبا في الوصية ورد الميراث إلى ذوي الرحم والعصبة .

وقالت طائفة : قوله تعالى : " والذين عاقدت أيمانكم " محكم وليس بمنسوخ ؛ وإنما أمر الله المؤمنين أن يعطوا الحلفاء أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك ؛ ذكره الطبري عن ابن عباس .

" والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم " من النصرة والنصيحة والرفادة ويوصي لهم وقد ذهب الميراث ؛ وهو قول مجاهد والسدي .[ ص: 146 ] قلت : واختاره النحاس ؛ ورواه عن سعيد بن جبير ، ولا يصح النسخ ؛ فإن الجمع ممكن كما بينه ابن عباس فيما ذكره الطبري ، ورواه البخاري عنه في كتاب التفسير .

وسيأتي ميراث " ذوي الأرحام " في " الأنفال " إن شاء الله تعالى .الثانية : " كل " في كلام العرب معناها الإحاطة والعموم .

فإذا جاءت مفردة فلا بد أن يكون في الكلام حذف عند جميع النحويين ؛ حتى إن بعضهم أجاز مررت بكل ، مثل قبل وبعد .

وتقدير الحذف : ولكل أحد جعلنا موالي ، يعني ورثة .

" والذين عاقدت أيمانكم " يعني بالحلف ؛ عن قتادة .

وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل فيقول : دمي دمك ، وهدمي هدمك ، وثأري ثأرك ، وحربي حربك ، وسلمي سلمك ، وترثني وأرثك ، وتطلب بي وأطلب بك ، وتعقل عني وأعقل عنك ؛ فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف ثم نسخ .الثالثة : قوله تعالى : " موالي " اعلم أن المولى لفظ مشترك يطلق على وجوه ؛ فيسمى المعتق مولى والمعتق مولى .

ويقال : المولى الأسفل والأعلى أيضا .

ويسمى الناصر المولى ؛ ومنه قوله تعالى : وأن الكافرين لا مولى لهم .

ويسمى ابن العم مولى والجار مولى .

فأما قوله تعالى : ولكل جعلنا موالي يريد عصبة ؛ لقوله عليه السلام : ما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر .

ومن العصبات المولى الأعلى لا الأسفل ، على قول أكثر العلماء ؛ لأن المفهوم في حق المعتق أنه المنعم على المعتق ، كالموجد له ؛ فاستحق ميراثه لهذا المعنى .

وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أن المولى الأسفل يرث من الأعلى ؛ واحتج فيه بما روي أن رجلا أعتق عبدا له فمات المعتق ولم يترك إلا المعتق فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلام المعتق .

قال الطحاوي : ولا معارض لهذا الحديث ، فوجب القول به ؛ ولأنه إذا أمكن إثبات الميراث للمعتق على تقدير أنه كان كالموجد له ، فهو شبيه بالأب ؛ والمولى الأسفل شبيه بالابن ؛ وذلك يقتضي التسوية بينهما في الميراث ، والأصل أن الاتصال يعم .

وفي الخبر ( مولى القوم منهم ) .

والذين خالفوا هذا وهم الجمهور قالوا : الميراث .

يستدعي القرابة ولا قرابة ، غير أنا أثبتنا للمعتق الميراث بحكم الإنعام على المعتق ؛ فيقتضي مقابلة الإنعام بالمجازاة ، وذلك لا ينعكس في المولى الأسفل .

وأما الابن فهو أولى الناس بأن يكون خليفة أبيه وقائما مقامه ، وليس المعتق صالحا لأن يقوم مقام معتقه ، وإنما المعتق قد أنعم عليه فقابله [ ص: 147 ] الشرع بأن جعله أحق بمولاه المعتق ، ولا يوجد هذا في المولى الأسفل ؛ فظهر الفرق بينهما والله أعلم .الرابعة : قوله تعالى : " والذين عاقدت أيمانكم " روى علي بن كبشة عن حمزة " عقدت " بتشديد القاف على التكثير .

والمشهور عن حمزة " عقدت أيمانكم " مخففة القاف ، وهي قراءة عاصم والكسائي ، وهي قراءة بعيدة ؛ لأن المعاقدة لا تكون إلا من اثنين فصاعدا ، فبابها فاعل .

قال أبو جعفر النحاس : وقراءة حمزة تجوز على غموض في العربية ، يكون التقدير فيها والذين عقدتهم أيمانكم الحلف ، وتعدى إلى مفعولين ؛ وتقديره : عقدت لهم أيمانكم الحلف ، ثم حذفت اللام مثل قوله تعالى : وإذا كالوهم أي كالوا لهم .

وحذف المفعول الثاني ، كما يقال : كلتك أي كلت لك برا .

وحذف المفعول الأول لأنه متصل في الصلة .الخامسة : قوله تعالى : إن الله كان على كل شيء شهيدا أي قد شهد معاقدتكم إياهم ، وهو عز وجل يحب الوفاء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { وَلِكُلٍّ } من الناس { جَعَلْنَا مَوَالِيَ } أي: يتولونه ويتولاهم بالتعزز والنصرة والمعاونة على الأمور.

{ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ } وهذا يشمل سائر الأقارب من الأصول والفروع والحواشي، هؤلاء الموالي من القرابة.

ثم ذكر نوعا آخر من الموالي فقال: { وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ } أي: حالفتموهم بما عقدتم معهم من عقد المحالفة على النصرة والمساعدة والاشتراك بالأموال وغير ذلك.

وكل هذا من نعم الله على عباده، حيث كان الموالي يتعاونون بما لا يقدر عليه بعضهم مفردا.

قال تعالى: { فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } أي: آتوا الموالي نصيبهم الذي يجب القيام به من النصرة والمعاونة والمساعدة على غير معصية الله.

والميراث للأقارب الأدنين من الموالي.

{ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا } أي: مطلعا على كل شيء بعلمه لجميع الأمور، وبصره لحركات عباده، وسمعه لجميع أصواتهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ولكل جعلنا موالي ) أي : ولكل واحد من الرجال والنساء جعلنا موالي ، أي : عصبة يعطون ( مما ترك الوالدان والأقربون ) والوالدان والأقربون هم المورثون ، [ وقيل : معناه ولكل جعلنا موالي أي : ورثة ، مما ترك أي : من الذين تركهم ويكون " ما " بمعنى ( من ) ، ثم فسر ( الموالي ) فقال : " الوالدان والأقربون " ، هم الوارثون ] .

( والذين عقدت أيمانكم ) قرأ أهل الكوفة ( عقدت ) بلا ألف ، أي : عقدت لهم أيمانكم ، وقرأ الآخرون : " عاقدت أيمانكم " والمعاقدة : المحالفة والمعاهدة ، والأيمان جمع يمين ، من اليد والقسم ، وذلك أنهم كانوا عند المحالفة يأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد .

ومحالفتهم أن الرجل كان في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول : دمي دمك وهدمي هدمك وثأري ثأرك وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عني وأعقل عنك ، فيكون للحليف السدس من مال الحليف ، وكان ذلك ثابتا في ابتداء الإسلام فذلك قوله تعالى : ( فآتوهم نصيبهم ) أي : أعطوهم حظهم من الميراث ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " ( الأحزاب 6 ) .

وقال إبراهيم ومجاهد : أراد فآتوهم نصيبهم من النصر والرفد ولا ميراث ، وعلى هذا تكون هذه الآية غير منسوخة لقوله تعالى : " أوفوا بالعقود " ( المائدة - 1 ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة يوم فتح مكة : " لا تحدثوا حلفا في الإسلام ، وما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا فيه فإنه لم يزده الإسلام إلا شدة " .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما : أنزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار حين قدموا المدينة وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة دون الرحم ، فلما نزلت ( ولكل جعلنا موالي ) نسخت ، ثم قال : ( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) النصر والرفادة والنصيحة ، وقد ذهب الميراث فيوصي له .

وقال سعيد بن المسيب : كانوا يتوارثون بالتبني وهذه الآية فيه ثم نسخ .

( إن الله كان على كل شيء شهيدا ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولكلٌ» عن الرجال والنساء «جعلنا موالي» عصبة يعطون «مما ترك الوالدان والأقربون» لهم من المال «والذين عاقدت» بألف ودونها «أيمانكم» جمع يمين بمعنى القسم أو اليد أي الخلفاء الذين عاهدتموهم في الجاهلية على النصرة والإرث «فآتوهم» الآن «نصيبهم» حظوظهم من الميراث وهو السدس «إن الله على كل شيء شهيدا» مطلعا ومنه حالكم وهذا منسوخ بقوله (وأولوا الأرحام بعضهم أول ببعض).

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولكل واحد منكم جعلنا ورثة يرثون مما ترك الوالدان والأقربون، والذين تحالفتم معهم بالأيمان المؤكدة على النصرة وإعطائهم شيئًا من الميراث فأعطوهم ما قُدِّر لهم.

والميراث بالتحالف كان في أول الإسلام، ثم رُفع حكمه بنزول آيات المواريث.

إن الله كان مُطَّلِعًا على كل شيء من أعمالكم، وسيجازيكم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم قال - تعالى ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون ) .والمضاف إلى كل هنا محذوف عوض عنه التنوين .

والتقدير ولكل إنسان أو لكل قوم أو لكل من مات ، أو لكل من الرجال والنساء .والموالى : جمع مولى .

لفظ مشترك بين معان ، فيقال للسيد المعتق لعبده مولى ، لأنه ولى نعمته فى عتقه له .

ويقال للعبد العتيق مولى لاتصال ولاية مولاه فى إنعامه عليه كما يقال لكل من الحليف والنصير والقريب مولى .

ويقال لعصبة الشخص موالى .قال الفخر الرازى : والمراد بالموالى هنا العصبة .

ويؤكد ذلك ما رواه أبو صالح عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنا أولى بالمؤمنين .

من مات وترك مالا فماله للموالى العصبة .

ومن ترك كلا فأنا وليه " وقال - عليه الصلاة والسلام - " اقسموا هذا المال فما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر " .هذا ، وللمفسرين فى تأويل هذه الآية الكريمة أقوال متعددة منها أن المعنى :1- ولكل واحد من الرجال والنساء جعلنا ورثة عصبة ، يرثون مما تركه الوالدان والأقربون من المال .2- أو المعنى : ولكل من مات من الرجال والنساء جعلنا مالى أى ورثة يقتسمون تركته عن طريق الإِرث ، ولا حق للحليف فيها لأنه ليس من عصبة هذا الميت .3- أو المعنى : ولكل مال مما تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالى أى ورثة يلونه ويجوزونه بعد أن يأخذ أصحاب الفروض نصيبهم .وعلى هذه الوجوه يكون الوالدان والأقربون هم الذين يرثهم غيرهم من مواليهم أى عصبتهم .4- قال الفخر الرازى : ويمكن أن تفسر الآية بحيث يكون الوالدان والأقربون هم الورثة ، فيكون المعنى :ولكل واحد جعلنا ورثة فى تركته .

ثم كأنه قيل : ومن هؤلاء الورثة؟

فقيل .

هم الوالدان والأقربون .

وعلى هذا الوجه لا بد من الوقف عند قوله ( مِمَّا تَرَكَ ) :هذا وتفسير الآية الكريمة بحيث يكون الوالدان والأقربون هم الذين يرثهم غيرهم من عصبتهم هو الأولى ، لأنه هو الظاهر فى معنى الآية ، وعليه سار جمهور المفسرين ، فقد قال ابن جرير : " فالموالى ها هنا : الورثة .

ويعنى بقوله ( مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون ) مما تركه والداه وأقرباؤه من الميراث .

فتأويل الكلام ، ولكل منكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثون مما ترك والداه وأقرباؤه من ميراثهم .وقال صاحب الكشاف : قوله ( مِمَّا تَرَكَ ) تبين لكل .

أى : ولكل شئ مما ترك الوالدان والأقربون من المال جعلنا موالى أى ورثة يلونه ويحرزونه ، أو ولكل قوم جعلناهم موالى نصيب مما ترك الوالدان والأقربون .

على أن ( جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) صفة لكل ، والضمير الراجع إلى كل محذوف ، والكلام مبتدأ أو خبر .

كما تقول : لكل من خلقه الله إنسانا من رزق الله .

أى حظ من رزق الله .وقال القرطبى : بين الله - تعالى - أن لكل إنسان ورثة وموالى ، فلينتفع كل واحد بما قسم الله له من الميراث ولا يتمن مال غيره .وقوله ( والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) جملة من مبتدأ وخبر .

وجئ بالفاء فى الخبر وهو قوله ( فَآتُوهُمْ ) لتضمن المبتدأ معنى الشرط .وقوله ( عَقَدَتْ ) من العقد وهو الشد والربط والتوكيد والتغليظ ، ومنه قولهم : عقد العهد يعقده ، أى : شدة وأكده .والأيمان : جمع يمين والمراد به هنا أيديهم اليمنى ، وإسناد العقد إليها على سبيل المجاز ، لأنهم كانوا عندما يؤثقون عقدا يضع كل واحد منهم يده فى يد الآخر ، ليكون ذلك علامة على انبرام العقد وتأكيده .

ومن هنا قيل للعقود الصفقات لأن كل عاقد يصفق بيمنه على يميمن الآخر .ويصح أن يكون المراد بالأيمان هنا الأقسام التى كانوا يقسمونها ويحلفونها عند التعاقد على شئ يهمهم أمره .وقد قرأ عصام وحمزة والكسائى ( عقدت أيمانكم ) وقرأ الياقون ( عاقدت أيمانكم ) وعلى كلتا القراءتين فالمفعول محذوف أى والذين عقدت حلفهم أيمانكم أو عاقدتهم أيمانكم .وللعلماه فى المرد بقوله ( والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) أقوال منها :1- أن المراد بهم الحلفاء وهم موالى الموالاة وكان لهم نصيب من الميراث ثم نسخ ، وقد ورد فى ذلك آثار منها ما أخرجه ابن جرير وغيره من قتادة قال : قوله تعالى - : ( والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) كان الرجل يعاقد الرجل فى الجاهلية فيقول : دمى دمك ، وهدمى هدمك .

.

أى مهدومى مهدومك وترثنى وأرثك ، وتلطب بى وأطلب بك ، فجعل له السدس من جميع المال في الإِسلام ، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم .فنسخ ذلك بعد فى سورة الأنفال فقال الله - تعالى - ( وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله ) 2- ويرى بعضهم أن المراد بهم الأدعياء وهم الأبناء بالتبنى ، وكانوا يتوارثون بسبب ذلك ، ثم نسخه بآية سورة الأنفال السابقة .3- ويرى فريق ثالث أن المراد بهم إخوان المؤاخاة ، فقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يؤاخى بين الرجلين من أصحابه وكانت تلك المؤاخاة سببا فى التوارث ثم نسخ ذلك بآية الآنفال السابقة .4- وقال أبو مسلم الأصفهانى : المراد بهم الأزواج ، إذ النكاح يسمى عقدا .والذى نراه أولى هو القول الأول لكثرة الآثار التى تؤيده ، ولأنه هو الذى رجحه جمهور المفسرين ، وعليه يكون المعنى : والذين عقدت حلفهم أيمانكم وهو الذين تحالفتم معهم على التناصير وغيره ( فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) أى فأعطوهم نصيبهم من الميراث وفاء بالعقود والعهود .قال ابن جرير عند تفسيره لهذه الآية الكريمة .

وأولى الأقوال بالصواب فى تأويل قوله - تعالى - ( والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) قول من قال : والذين عقدت أيمانكم على المحالفة ، وهم الحلفاء ، وذلك أنه معلوم عند جميع أهل العلم بأيام العرب وأخبارها : أن عقد الحلف بينها كان يكون بالأيمان والعهود والمواثيق على نحو ما قد ذكرنا من الروايات فى ذلك .وقال ابن كثير : وقوله ( والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) أى والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم فآتوهم نصيبهم من الميراث كما وعدتموهم فى الأيمان المغلظة ، إن الله شاهد بينكم فى تلك العقود والمعاهدات .

وقد كان هذا فى ابتداء الإِسلام ثم نسخ بعد ذلك ، وأمروا أن يوفوا من عاقدوا ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ( إِنَّ الله كَانَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ) أى إن الله - تعالى - كان وما زال عالما بجميع الأشياء ، ومطلعا على جبلها وخفيها ، وسيجازى الذين يتمسكون بشريعته بما يستحقون من ثواب .

وسيجازى الذين يتمسكون بشريعته بما يستحقون من ثواب .

وسيجازى الذين ينحرفون عنها بما يستحقون من عقاب .فالجملة الكريمة تذييل قصد به الوعد لمن أطاع الله والوعيد لمن عصاه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه يمكن تفسير الآية بحيث يكون الوالدان والأقربون وراثاً، ويمكن أيضا بحيث يكونان موروثا عنهما.

أما الأول: فهو أن قوله: ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ ﴾ أي: ولكل واحد جعلنا ورثة في تركته، ثم كأنه قيل: ومن هؤلاء الورثة؟

فقيل: هم الوالدان والأقربون، وعلى هذا الوجه لابد من الوقف عند قوله: ﴿ مّمَّا تَرَكَ ﴾ .

وأما الثاني: ففيه وجهان: الأول: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير: ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي، أي: ورثة و ﴿ جَعَلْنَا ﴾ في هذين الوجهين لا يتعدى إلى مفعولين، لأن معنى ﴿ جَعَلْنَا ﴾ خلقنا.

الثاني: أن يكون التقدير: ولكل قوم جعلناهم موالى نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، فقوله: ﴿ مَوَالِىَ ﴾ على هذا القول يكون صفة، والموصوف يكون محذوفا، والراجع إلى قوله: ﴿ وَلِكُلّ ﴾ محذوفا، والخبر وهو قوله: ﴿ نَّصِيبٍ ﴾ محذوف أيضا، وعلى هذا التقدير يكون ﴿ جَعَلْنَا ﴾ معتديا إلى مفعولين، والوجهان الأولان أولى، لكثرة الاضمار في هذا الوجه.

المسألة الثانية: لفظ مشترك بين معان: أحدها: المعتق، لأنه ولى نعمته في عتقه، ولذلك يسمى مولى النعمة.

وثانيها: العبد المعتق، لاتصال ولاية مولاه في إنعامه عليه، وهذا كما يسمى الطالب غريما، لأن له اللزوم والمطالبة بحقه، ويسمى المطلوب غريما لكون الدين لازما له.

وثالثها: الحليف لأن المحالف يلي أمره بعقد اليمين.

ورابعها: ابن العم، لأنه يليه بالنصرة للقرابة التي بينهما.

وخامسها: المولى الولي لأنه يليه بالنصرة قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى الذين ءامَنُواْ وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ  ﴾ .

وسادسها: العصبة، وهو المراد به في هذه الآية لأنه لا يليق بهذه الآية إلا هذا المعنى، ويؤكده ما روى أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى بالمؤمنين من مات وترك مالا فماله للموالي العصبة ومن ترك كلا فأنا وليه».

وقال عليه الصلاة والسلام: «اقسموا هذا المال فما أبقت السهام فلأولي عصبة ذكر».

ثم قال تعالى: ﴿ والذين عَقَدَتْ أيمانكم فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: عقدت بغير ألف وبالتخفيف، والباقون بالألف والتخفيف، وعقدت: أضافت العقد إلى واحد، والاختيار: عاقدت، لدلالة المفاعلة على عقد الحلف من الفريقين.

المسألة الثانية: الأيمان.

جمع يمين، واليمين يحتمل أن يكون معناه اليد، وأن يكون معناه القسم، فإن كان المراد اليد ففيه مجاز من ثلاثة أوجه: أحدها: أن المعاقدة مسندة في ظاهر اللفظ إلى الأيدي، وهي في الحقيقة مسندة إلى الحالفين، والسبب في هذا المجاز أنهم كانوا يضربون صفقة البيع بأيمانهم، ويأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد.

والوجه الثاني: في المجاز: وهو أن التقدير: والذين عاقدت بحلفهم أيمانكم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وحسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه.

الثالث: أن التقدير: والذين عاقدتهم، إلا أنه حذف الذكر العائد من الصلة إلى الموصول، هذا كله إذا فسرنا اليمين باليد.

أما إذا فسرناها بالقسم والحلف كانت المعاقدة في ظاهر اللفظ مضافة إلى القسم، وإنما حسن ذلك لأن سبب المعاقدة لما كان هو اليمين حسنت هذه الإضافة، والقول في بقية المجازات كما تقدم.

المسألة الثالثة: من الناس من قال: هذه الآية منسوخة، ومنهم من قال: إنها غير منسوخة أما القائلون بالنسخ فهم الذين فسروا الآية بأحد هذه الوجوه التي نذكرها: فالأول: هو أن المراد بالذين عاقدت أيمانكم: الحلفاء في الجاهلية، وذلك أن الرجل كان يعاقد غيره ويقول: دمي دمك وسلمي سلمك، وحربي حربك، وترثني وأرثك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون لهذا الحليف السدس من الميراث، فنسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿ وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله  ﴾ وبقوله: ﴿ يُوصِيكُمُ الله ﴾ الثاني: أن الواحد منهم كان يتخذ إنسانا أجنبيا ابنا له، وهم المسمون بالأدعياء، وكانوا يتوارثون بذلك السبب ثم نسخ.

الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يثبت المؤاخاة بين كل رجلين من أصحابه، وكانت تلك المؤاخاة سببا للتوارث.

واعلم أن على كل هذه الوجوه الثلاثة كانت المعاقدة سببا للتوارث بقوله: ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ ثم أن الله تعالى نسخ ذلك بالآيات التي تلوناها.

القول الثاني: قول من قال: الآية غير منسوخة، والقائلون بذلك ذكروا في تأويل الآية وجوها: الأول: تقدير الآية: ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم موالي ورثة فآتوهم نصيبهم، أي فآتوا الموالي والورثة نصيبهم، فقوله: ﴿ والذين عَقَدَتْ أيمانكم ﴾ معطوف على قوله: ﴿ الوالدان والأقربون ﴾ والمعنى: ان ما ترك الذين عاقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به، وسمى الله تعالى الوارث مولى.

والمعنى لا تدفعوا المال إلى الحليف، بل إلى المولى والوارث، وعلى هذا التقدير فلا نسخ في الآية، وهذا تأويل أبي علي الجبائي.

الثاني: المراد بالذين عاقدت أيمانكم: الزوج والزوجة، والنكاح يسمى عقدا قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح  ﴾ فذكر تعالى الوالدين والأقربين، وذكر معهم الزوج والزوجة، ونظيره آية المواريث في أنه لما بين ميراث الولد والوالدين ذكر معهم ميراث الزوج والزوجة، وعلى هذا فلا نسخ في الآية أيضا، وهو قول أبي مسلم الاصفهاني.

الثالث: أن يكون المراد بقوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ الميراث الحاصل بسبب الولاء، وعلى هذا التقدير فلا نسخ أيضا.

الرابع: أن يكون المراد من ﴿ الذين عَقَدَتْ أيمانكم ﴾ الحلفاء، والمراد بقوله: ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ النصرة والنصيحة والمصافاة في العشرة، والمخالصة في المخالطة، فلا يكون المراد التوارث، وعلى هذا التقدير فلا نسخ أيضا.

الخامس: نقل أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفي ابنه عبد الرحمن، وذلك أنه رضي الله عنه حلف أن لا ينفق عليه ولا يورثه شيئا من ماله، فلما أسلم عبد الرحمن أمره الله أن يؤتيه نصيبه، وعلى هذا التقدير فلا نسخ أيضا.

السادس: قال الاصم: إنه نصيب على سبيل التحفة والهدية بالشيء القليل، كما أمر تعالى لمن حضر القسمة أن يجعل له نصيب على ما تقدم ذكره، وكل هذه الوجوه حسنة محتملة والله أعلم بمراده.

المسألة الرابعة: القائلون بأن قوله: ﴿ والذين عَقَدَتْ أيمانكم ﴾ مبتدأ، وخبره قوله: ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ قالوا: إنما جاء خبره مع الفاء لتضمن الذي معنى الشرط فلا جرم وقع خبره مع الفاء وهو قوله: ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ ويجوز أن يكون منصوبا على قولك: زيدا فاضربه.

المسألة الخامسة: قال جمهور الفقهاء: لا يرث المولى الأسفل من الأعلى.

وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أنه قال: يرث، لما روى ابن عباس أن رجلا أعتق عبدا له، فمات المعتق ولم يترك إلا المعتق، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلام المعتق، ولأنه داخل في قوله تعالى: ﴿ والذين عَقَدَتْ أيمانكم فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ .

والجواب عن التمسك بالحديث: أنه لعل ذلك المال لما صار لبيت المال دفعه النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذلك الغلام لحاجته وفقره، لأنه كان مالا لا وارث له، فسبيله أن يصرف إلى الفقراء.

المسألة السادسة: قال الشافعي ومالك رضي الله عنهما: من أسلم على يد رجل ووالاه وعاقده ثم مات ولا وارث له غيره، انه لا يرثه بل ميراثه للمسلمين.

وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يرثه حجة الشافعي: أنا بينا أن معنى هذه الآية ولكل شيء مما تركه الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم، فقد جعلنا له موالي وهم العصبة، ثم هؤلاء العصبة إما الخاصة وهم الورثة، وإما العامة وهم جماعة المسلمين، فوجب صرف هذا المال إلى العصبة العامة ما لم توجد العصبة الخاصة، واحتج أبو بكر الرازي لقوله بأن الآية توجب الميراث للذي والاه وعاقده، ثم إنه تعالى نسخه بقوله: ﴿ وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله  ﴾ فهذا النسخ إنما يحصل إذا وجد أولو الأرحام فإذا لم يوجدوا لزم بقاء الحكم كما كان.

والجواب: أنا بينا أنه لا دلالة في الآية على أن الحليف يرث، بل بينا أن الآية دالة على أنه لا يرث، وبينا أن القول بهذا النسخ باطل.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيء شَهِيداً ﴾ وهو كلمة وعد للمطيعين، وكلمة وعيد للعصاة والشهيد الشاهد والمشاهد، والمراد منه إما علمه تعالى بجميع الجزئيات والكليات، وإما شهادته على الخلق يوم القيامة بكل ما عملوه.

وعلى التقدير الأول: الشهيد هو العالم، وعلى التقدير الثاني: هو المخبر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مّمَّا تَرَكَ ﴾ تبيين لكل، أي: ولكل شيء مما ترك ﴿ الوالدان والاقربون ﴾ من المال جعلنا موالي وراثاً يلونه ويحرزونه: أو ولكل قوم جعلناهم موالي، نصيب مما ترك الولدان والأقربون على أن ﴿ جَعَلْنَا مَوَالِىَ ﴾ صفة لكل، والضمير الراجع إلى كل محذوف، والكلام مبتدأ وخبر، كما تقول: لكل من خلقه الله إنساناً من رزق الله، أي حظ من رزق الله، أو: ولكل أحد جعلنا موالي مما ترك، أي ورّاثاً مما ترك، على أن (من) صلة موالي، لأنهم في معنى الورّاث، وفي (ترك) ضمير كلّ، ثم فسر الموالي بقوله: ﴿ الوالدان والأقربون ﴾ كأنه قيل: مَنْهم هم؟

فقيل: الوالدان والأقربون ﴿ والذين عَقَدَتْ أيمانكم ﴾ مبتدأ ضمن معنى الشرط.

فوقع خبره مع الفاء وهو قوله: ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ ويجوز أن يكون منصوباً على قولك: زيداً فاضربه، ويجوز أن يعطف على الوالدان، ويكون المضمر في (فآتوهم) للموالي، والمراد بالذين عاقدت أيمانكم: موالي الموالاة كان الرجل يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك، وهدمي هدمك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك.

وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف، فنسخ.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب يوم الفتح فقال: «ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به، فإنه لم يزده الإسلام إلا شدة، ولا تحدثوا حلفاً في الإسلام» وعند أبي حنيفة: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح عنده وورث بحق الموالاة خلافاً للشافعي.

وقيل: المعاقدة التبني.

ومعنى عاقدت أيمانكم: عاقدتهم أيديكم وما سحتموهم.

وقرئ ﴿ عقّدت ﴾ بالتشديد والتخفيف بمعنى عقدت عهودهم أيمانكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ﴾ أيْ ولِكُلِّ تَرِكَةٍ جَعَلْنا ورِاثًا يَلُونَها ويُحْرِزُونَها، ومِمّا تَرَكَ بَيانٌ لِكُلٍّ مَعَ الفَصْلِ بِالعامِلِ.

أوْ لِكُلِّ مَيِّتٍ جَعَلْنا ورِاثًا مِمّا تَرَكَ عَلى أنَّ مِن صِلَةُ مَوالِي.

لِأنَّهُ في مَعْنى الوارِثِ، وفي تَرْكِ ضَمِيرِ كُلٍّ والوالِدانِ والأقْرَبُونَ اسْتِئْنافٌ مُفَسِّرٌ لِلْمَوالِي، وفِيهِ خُرُوجُ الأوْلادِ فَإنَّ الأقْرَبِينَ لا يَتَناوَلُهم كَما لا يَتَناوَلُ الوالِدَيْنِ، أوْ لِكُلِّ قَوْمٍ جَعَلْناهم مَوالِيَ حَظٌّ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، عَلى أنَّ جَعَلْنا مَوالِيَ صِفَةُ كُلٍّ والرّاجِعُ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ عَلى هَذا فالجُمْلَةُ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ.

﴿ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ مَوالِي المُوالاةِ، كانَ الحَلِيفُ يُورِثُ السُّدْسَ مِن مالِ حَلِيفِهِ فَنُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ ﴾ وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: لَوْ أسْلَمَ رَجُلٌ عَلى يَدِ رَجُلٍ وتَعاقَدَ عَلى أنْ يَتَعاقَلا ويَتَوارَثا صَحَّ ووَرِثَ.

أوِ الأزْواجُ عَلى أنَّ العَقْدَ عَقْدُ النِّكاحِ وهو مُبْتَدَأٌ ضَمِنَ مَعْنى الشَّرْطِ وخَبَرِهِ.

﴿ فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ ﴾ أوْ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى الوالِدانِ، وقَوْلُهُ فَآتُوهم جُمْلَةٌ مُسَبَّبَةٌ عَنِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ مُؤَكِّدَةٌ لَها، والضَّمِيرُ لِلْمَوالِي.

وقَرَأ الكُوفِيُّونَ عَقَّدَتْ بِمَعْنى عَقَدَتْ عُهُودُهم إيمانُكم فَحُذِفَ العُهُودُ وأُقِيمَ الضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ ثُمَّ حُذِفَ كَما حُذِفَ في القِراءَةِ الأُخْرى.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴾ تَهْدِيدٌ عَلى مَنعِ نَصِيبِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلِكُلٍّ} المضاف إليه محذوف تقديره ولكل أحد أو لكل مال {جَعَلْنَا مَوَالِيَ} ورّاثاً يلونه ويحرزونه {مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون} هو صفة مال محذوف أى من مال تركه الوالدان أو هو متعلق بفعل محذوف دل عليه الموالي تقديره يرثون مما ترك {والذين عَقَدَتْ أيمانكم} عاقدتهم أيديكم وهو مبتدأ ضمن معنى الشرط فوقع خبره وهو {فآتوهم نصيبهم} مع لفاء عقدت كوفي أي عقدت عهودهم أيمانكم والمراد به عقد

النساء (٣٣ _ ٣٤)

الموالاة وهي مشروعة والوراثة بها ثابتة عند عامة الصحابة رضى الله عنهم وهو قولنا وتفسيره إذا أسلم رجل أو امرأة لا وارث له وليس بعربي ولا معتق فيقول لآخر واليتك على أن تعقلني إذا جنيت وترث مني إذا مت ويقول الآخر قبلت انعقد ذلك ويرث الأعلى من الأسفل {إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيْءٍ شَهِيداً} أي هو عالم الغيب والشهادة وهو أبلغ وعد ووعيد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ إلَيْهِ، أيْ: لِكُلِّ إنْسانٍ، أوْ لِكُلِّ قَوْمٍ، أوْ لِكُلِّ مالٍ أوْ تَرِكَةٍ، وفِيهِ عَلى هَذا وجُوهٌ ذَكَرَها الشِّهابُ - نَوَّرَ اللَّهُ تَعالى مَرْقَدَهُ-: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ مَعْناهُ: لِكُلِّ إنْسانٍ مَوْرُوثٍ جَعَلْنا مَوالِيَ، أيْ: وراثًا مِمّا تَرَكَ، وهُنا تَمَّ الكَلامُ، فَيَكُونُ (مِمّا تَرَكَ) مُتَعَلِّقًا بِـ(مَوالِيَ) أوْ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ و(مَوالِيَ) مَفْعُولًا أوَّلًا لِـ(جَعَلَ) بِمَعْنى صَيَّرَ، و(لِكُلٍّ) هو المَفْعُولُ الثّانِي لَهُ، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَأْكِيدِ الشُّمُولِ ودَفْعِ تَوَهُّمِ تَعَلُّقِ الجَعْلِ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وفاعِلُ (تَرَكَ) ضَمِيرُ كُلٍّ، ويَكُونُ (الوالِدانِ) مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَنِ الوارِثُ؟

فَقِيلَ: هُمُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ.

والثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ: لِكُلِّ إنْسانٍ مَوْرُوثٍ جَعَلْنا وراثًا مِمّا تَرَكَهُ ذَلِكَ الإنْسانُ، ثُمَّ بُيِّنَ ذَلِكَ الإنْسانُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (الوالِدانِ) كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هَذا الإنْسانُ المَوْرُوثُ؟

فَقِيلَ: (الوالِدانِ والأقْرَبُونَ) وإعْرابُهُ كَما قَبْلَهُ غَيْرَ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُما أنَّ (الوالِدانِ والأقْرَبُونَ) في الأوَّلِ وارِثُونَ، وفي الثّانِي مَوْرُوثُونَ، وعَلَيْهِما فالكَلامُ جُمْلَتانِ.

والثّالِثُ: أنَّ التَّقْدِيرَ: ولِكُلِّ إنْسانٍ وارِثٍ مِمّا تَرَكَهُ (الوالِدانِ والأقْرَبُونَ) جَعَلْنا مَوالِيَ، أيْ: مَوْرُوثِينَ، فالمَوْلى المَوْرُوثُ، (والوالِدانِ) مَرْفُوعٌ بِـ(تَرَكَ) و(ما) بِمَعْنى مِن، والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ (ما) أُضِيفَتْ إلَيْهِ (كُلٍّ) والكَلامُ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي مَعْناهُ: ولِكُلِّ قَوْمٍ جَعَلْناهم (مَوالِيَ) نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَهُ والِداهم وأقْرَبُوهُمْ، فَـ(لِكُلٍّ) خَبَرُ (نَصِيبٌ) المُقَدَّرِ مُؤَخَّرًا، وجَعَلْناهم صِفَةُ (قَوْمٍ)، والعائِدُ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ الَّذِي هو مَفْعُولُ (جَعَلَ) و(مَوالِيَ): إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ، أوْ حالٌ و(مِمّا تَرَكَ) صِفَةُ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ الباقِي صِفَتُهُ كَصِفَةِ المُضافِ إلَيْهِ، وحُذِفَ العائِدُ مِنها.

ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: لِكُلِّ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى إنْسانًا مِن رِزْقِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: لِكُلِّ واحِدٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى إنْسانًا نَصِيبٌ مِن رِزْقِ اللَّهِ تَعالى.

والخامِسُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الثّالِثِ مَعْناهُ: لِكُلِّ مالٍ أوْ تَرِكَةٍ (مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ) جَعَلَنا مَوالِيَ، أيْ وراثًا يَلُونَهُ ويَحُوزُونَهُ، ويَكُونُ (لِكُلٍّ) مُتَعَلِّقًا بِـ(جَعَلَ) و(مِمّا تَرَكَ) صِفَةَ كَلٍّ.

واعْتُرِضَ عَلى الأوَّلِ والثّانِي بِأنَّ فِيهِما تَفْكِيكَ النَّظْمِ الكَرِيمِ، مَعَ أنَّ المَوْلى يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ في الأصْلِ اسْمَ مَكانٍ لا صِفَةً، فَكَيْفَ تَكُونُ (مِن) صِلَةً لَهُ، وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّ ذَلِكَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الفِعْلِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، عَلى أنَّ كَوْنَ المَوْلى لَيْسَ صِفَةً مُخالِفٌ لِكَلامِ الرّاغِبِ؛ فَإنَّهُ قالَ: إنَّهُ بِمَعْنى الفاعِلِ والمَفْعُولِ، أيِ المَوالِي والمَوالى، لَكِنْ وزْنُ مَفْعَلٍ في الصِّفَةِ أنْكَرَهُ قَوْمٌ، وقالَ ابْنُ الحاجِبِ في شَرْحِ المُفَصَّلِ: إنَّهُ نادِرٌ، فَإمّا أنْ يُجْعَلَ مِنَ النّادِرِ أوْ مِمّا عُبِّرَ عَنِ الصِّفَةِ فِيهِ بِاسْمِ المَكانِ مَجازًا؛ لِتَمَكُّنِها وقَرارِها في مَوْصُوفِها، ويُمْكِنُ أنْ يُجْعَلَ مِن بابِ المَجْلِسِ السّامِيِّ.

واعْتُرِضَ عَلى الثّالِثِ بِالبُعْدِ، وعَلى الرّابِعِ بِأنَّ فِيهِ حَذْفَ المُبْتَدَأِ المَوْصُوفِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ وإقامَتَهُ مَقامَهُ وهو قَلِيلٌ، وبِأنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ المَوالِي جَمِيعَ ما تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ لا نَصِيبَ، وإنَّما النَّصِيبُ لِكُلِّ فَرْدٍ.

وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ ثابِتٌ مَعَ قِلَّتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ﴾ ، ﴿ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ .

وعَنِ الثّانِي بِأنَّ ما يَسْتَحِقُّهُ القَوْمُ بَعْضُ التَّرِكَةِ؛ لِتَقَدُّمِ التَّجْهِيزِ والدَّيْنِ والوَصِيَّةِ إنْ كانا، وأمّا حَمْلُ (مِن) عَلى البَيانِ لِلْمَحْذُوفِ فَبَعِيدٌ جِدًّا.

وتَعَقَّبَ الشِّهابُ الجَوابَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ فِيهِ خَلَلًا مِن وجْهَيْنِ: أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ ما ذُكِرَ لا شاهِدَ لَهُ فِيهِ لِما قَرَّرَهُ النُّحاةُ أنَّ الصِّفَةَ إذا كانَتْ جُمْلَةً أوْ ظَرْفًا تُقامُ مَقامَ مَوْصُوفِها بِشَرْطِ كَوْنِ المَنعُوتِ بَعْضَ ما قَبْلَهُ مِن مَجْرُورٍ بِـ(مِن) أوْ (فِي)، وإلّا لَمْ تَقُمْ مَقامَهُ إلّا في شِعْرٍ، وما ذُكِرَ داخِلٌ فِيهِ دُونَ الآيَةِ.

وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِقِيامِها مَقامَهُ أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً حَقِيقَةً، بَلِ المُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ، وهَذا بَيانُهُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في التَّقْرِيرِ، فَلا وجْهَ لِاسْتِبْعادِهِ، نَعَمْ ما ذَكَرُوهُ - وإنْ كانَ مَشْهُورًا - غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ فَإنَّ ابْنَ مالِكٍ صَرَّحَ بِخِلافِهِ في التَّوْضِيحِ، وجَوَّزَ حَذْفَ المَوْصُوفِ في السَّعَةِ بِدُونِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، فالحَقُّ أنَّهُ أغْلَبِيٌّ لا كُلِّيٌّ.

واعْتُرِضَ عَلى الخامِسِ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِجُمْلَةٍ عامِلَةٍ في المَوْصُوفِ، نَحْوُ: بِكُلِّ رَجُلٍ مَرَرْتُ تَمِيمِيٍّ، وفي جَوازِهِ نَظَرٌ، ورُدَّ بِأنَّهُ جائِزٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فَـ(فاطِرِ) صِفَةُ الِاسْمِ الجَلِيلِ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِـ(أتَّخِذُ) العامِلِ في (غَيْرَ) فَهَذا أوْلى، والجَوابُ بِأنَّ العامِلَ لَمْ يَتَخَلَّلْ، بَلِ المَعْمُولُ تَقَدَّمَ، فَجاءَ التَّخَلُّلُ مِن ذَلِكَ، فَلَمْ يَضْعُفْ، إذْ حَقُّ المَعْمُولِ التَّأخُّرُ عَنْ عامِلِهِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ المَوْصُوفُ مَقْرُونًا بِصِفَتِهِ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.

واخْتارَ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ هَذا الخامِسَ والَّذِي قَبْلَهُ، وجَعَلُوا الجُمْلَةَ مُبْتَدَأةً مُقَرِّرَةً لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، واعْتَرَضُوا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِأنَّ فِيهِ خُرُوجَ الأوْلادِ؛ لِأنَّهم لا يَدْخُلُونَ في الأقْرَبِينَ عُرْفًا، كَما لا يَدْخُلُ الوالِدانِ فِيهِمْ، وإذا أُرِيدَ المَعْنى اللُّغَوِيُّ شَمِلَ الوالِدَيْنِ، ورُدَّ بِأنَّ هَذا مُشْتَرَكُ الوُرُودِ، عَلى أنَّهُ قَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ تَرْكَ الأوْلادِ لِظُهُورِ حالِهِمْ مِن آيَةِ المَوارِيثِ، كَما تُرِكَ ذِكْرُ الأزْواجِ لِذَلِكَ، أوْ بِأنَّ ذِكْرَ الوالِدَيْنِ لِشَرَفِهِمْ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ، فَلا مَحْذُورَ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ، تَدَبَّرْ.

﴿ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ هم مَوالِي المُوالاةِ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يُعاقِدُ الرَّجُلَ في الجاهِلِيَّةِ، فَيَقُولُ: دَمِي دَمُكَ، وهَدْمِي هَدْمُكَ، وتَرِثُنِي وأرِثُكَ، وتَطْلُبُ بِي وأطْلُبُ بِكَ، فَجُعِلَ لَهُ السُّدُسُ مِن جَمِيعِ المالِ في الإسْلامِ، ثُمَّ يُقَسِّمُ أهْلُ المِيراثِ مِيراثَهُمْ، فَنُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ في سُورَةِ الأنْفالِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ ﴾ .

ورُوِيَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ ما طَرِيقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وكَذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ إذا أسْلَمَ رَجُلٌ عَلى يَدِ رَجُلٍ وتَعاقَدا عَلى أنْ يَرِثَهُ ويَعْقِلَ عَنْهُ صَحَّ، وعَلَيْهِ عَقْلُهُ ولَهُ إرْثُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وارِثٌ أصْلًا، وخَبَرُ النَّسْخِ المَذْكُورُ لا يَقُومُ حُجَّةً عَلَيْهِ إذْ لا دَلالَةَ فِيما ادَّعى ناسِخًا عَلى عَدَمِ إرْثِ الحَلِيفِ، لا سِيَّما وهو إنَّما يَرِثُهُ عِنْدَ عَدَمِ العَصَباتِ وأُولِي الأرْحامِ، والأيْمانُ هُنا جَمْعُ يَمِينٍ، بِمَعْنى اليَدِ اليُمْنى، وإضافَةُ العَقْدِ إلَيْها لِوَضْعِهِمُ الأيْدِي في العُقُودِ، أوْ بِمَعْنى القَسَمِ، وكَوْنُ العَقْدِ هُنا عَقْدَ النِّكاحِ خِلافُ الظّاهِرِ؛ إذْ لَمْ يُعْهَدْ فِيهِ إضافَتُهُ إلى اليَمِينِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (عَقَدَتْ) بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ (عاقَدَتْ) بِالألِفِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ أيْضًا، والمَفْعُولُ في جَمِيعِ القِراءاتِ مَحْذُوفٌ، أيْ: عُهُودَهُمْ، والحَذْفُ تَدْرِيجِيٌّ؛ لِيَكُونَ العائِدُ المَحْذُوفُ مَنصُوبًا، كَما هو الكَثِيرُ المُطَّرِدُ، وفي المَوْصُولِ أوْجَهٌ مِنَ الإعْرابِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ ﴾ خَبَرُهُ، وزِيدَتِ الفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الِاشْتِغالِ، قِيلَ: ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُخْتارًا؛ لِئَلّا يَقَعَ الطَّلَبُ خَبَرًا، لَكِنَّهم لَمْ يَخْتارُوهُ؛ لِأنَّ مِثْلَهُ قَلَّما يَقَعُ في غَيْرِ الِاخْتِصاصِ، وهو غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا، ورُدَّ بِأنَّ: (زَيْدًا ضَرَبْتُهُ) إنْ قُدِّرَ العامِلُ فِيهِ مُؤَخَّرًا أفادَ الِاخْتِصاصَ، وإنْ قُدِّرَ مُقَدَّمًا فَلا يُفِيدُهُ، ولا خَفاءَ أنَّ الظّاهِرَ تَقْدِيرُهُ مُقَدَّمًا، فَلا يَلْزَمُ الِاخْتِصاصُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (الوالِدانِ) فَإنْ أُرِيدَ أنَّهم مَوْرُوثُونَ عادَ الضَّمِيرُ مِن (فَآتُوهُمْ) عَلى (مَوالِيَ) وإنْ أُرِيدَ أنَّهم وارِثُونَ جازَ عَوْدُهُ عَلى (مَوالِيَ) وعَلى (الوالِدَيْنِ) وما عُطِفَ عَلَيْهِمْ، قِيلَ: ويُضَعِّفُهُ شُهْرَةُ الوَقْفِ عَلى (الأقْرَبُونَ) دُونَ (أيْمانُكُمْ).

والرّابِعُ: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى (مَوالِيَ) وهو تَكَلَّفٌ.

وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أخْرَجَها البُخارِيُّ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وجَماعَةٌ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «كانَ المُهاجِرُونَ لَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهاجِرُ الأنْصارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ؛ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخى النَّبِيُّ  بَيْنَهُمْ، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ ﴾ نُسِخَتْ، ثُمَّ قالَ: ﴿ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ ﴾ مِنَ النَّصْرِ والرِّفادَةِ والنَّصِيحَةِ، وقَدْ ذَهَبَ المِيراثُ ويُوصى لَهُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلُهُ، وظاهِرُ ذَلِكَ عَدَمُ جَوازِ العَطْفِ؛ إذْ مَن عَطَفَ أرادَ: (فَآتُوهم نَصِيبَهم مِنَ الإرْثِ).

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴾ أيْ: لَمْ يَزَلْ سُبْحانَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ، مُطَّلِعًا عَلَيْها، جَلِيِّها وخَفِيِّها، فَيَطَّلِعُ عَلى الإيتاءِ والمَنعِ، ويُجازِي كُلًّا مِنَ المانِعِ والمُؤْتِي حَسَبَ فِعْلِهِ، فَفي الجُمْلَةِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ قال ابن عباس: يعني لا يتمنى الرجل مال أخيه، ولا امرأته، ولا دابته، ولكن ليقل: اللهم ارزقني مثله.

وقال الكلبي مثله.

وفيها وجه آخر وهو أن الرجال قالوا: إن الله فضلنا على النساء، فلنا سهمان ولهن سهم، ونرجو أن يكون لنا أجران في الأعمال.

وقالت أم سلمة: ليت الجهاد كتب على النساء.

فنزلت هذه الآية وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ويقال: إن النساء قلن: كما نقص سهمنا في الميراث، كذلك ينقص من أوزارنا، ويكون الإثم علينا أقل من الرجال، فنزلت الآية لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ولا يتمنى أحدكم أكثر مما عمل وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ من الشر ولا ينقص منهن شيء مما عملن من الإثم.

وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ جميعاً الرجال والنساء مِنْ فَضْلِهِ أي من رزقه إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فيما يصلح لكل واحد منهم من السهام، وبمن يصلح للجهاد.

قرأ ابن كثير والكسائي وسلوا الله بغير همز في جميع القرآن.

وقرأ الباقون واسألوا الله بالهمز وأصله الهمز، إلا أنه حذف الهمز للتخفيف.

قوله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ أي بينا موالي يعني الورثة من الولد والإخوة وابن العم.

ويقال: الموالي العصبة: العم، وابن العم، وذوي القربى كقوله: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي [سورة مريم: 5] معناه: ولكل واحد منكم جعلنا الورثة لكي يرث مِمَّا تَرَكَ وهم الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ.

ثم قال: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ قال الكلبي ومقاتل: كان الرجل يرغب في الرجل، فيحالفه ويعاقده على أن يكون في ميراثه كبعض ولده ثم قال: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ أي أعطوهم حظهم الذي سميتم لهم من الميراث هكذا قال مجاهد ثم نسخ بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [سورة الأنفال: 75] ويقال: إنهم كانوا يوصون لهم بشيء من المال، فأمرهم بأن يؤتوا نصيبهم من الثلث.

ويقال: أراد به مولى الموالاة كانوا يرثون السدس.

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً أي شاهد إن أعطيتموهم أو لم تعطوهم.

قرأ أهل الكوفة حمزة والكسائي وعاصم: والذين عقدت أيمانكم بغير ألف، والباقون بالألف.

قال أبو عبيدة: والاختيار عاقدت بالألف لأنه من معاقدة الحلف، فلا يكون إلا بين اثنين.

ومن قرأ عقدت معناه عقدت لهم أيمانكم فأضمر فيها لهم.

ثم قال: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ نزل في سعد بن الربيع، لطم امرأته بنت محمد بن مسلمة، فجاءت إلى رسول الله  ، فأمرها رسول الله  بالقصاص، فنزل جبريل من ساعته بهذه الآية الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ يعني مسلطون في أمور النساء وتأديبهم بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وذلك أن الرجل له الفضل على امرأته في إنفاقه عليها، ودفع الحق إليها.

ويقال: إن الرجال لهم فضيلة في زيادة العقل والتدبير، فجعل لهم حق القيام عليهن بما لهم من زيادة عقل ليس ذلك للنساء.

ويقال: للرجال زيادة قوة في النفس والطبع ما ليس للنساء، لأن طبع الرجال غلب عليه الحرارة واليبوسة، فيكون فيه قوة وشدة، وطبع النساء غلب عليه الرطوبة والبرودة، فيكون فيه معنى اللين والضعف، فجعل لهم حق القيام عليهن بذلك.

ثم قال: وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ أي فضلوا على النساء بما أنفقوا من أموالهم عليهن من المهر والنفقة.

ثم قال: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ يعني المحصنات من النساء في الدين، قانتات مطيعات لله تعالى ولأزواجهن.

ويقال: الصالحات يعني المحسنات إلى أزواجهن من النساء في الدين قانِتاتٌ أي مطيعات لله ولأزواجهن.

ويقال: الصالحات يعني الموحدات قانِتاتٌ يعني قائمات بأمور أزواجهن حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ أي لغيب أزواجهن في فروجهن، وفي أموال الأزواج بِما حَفِظَ اللَّهُ يقول: أي يحفظ الله إياهن.

قال مقاتل: وما صلة، يعني يحفظ الله لهن.

ثم قال عز وجل: وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ أي تعلمون عصيانهن فَعِظُوهُنَّ بالله، أي يقول لها: اتق الله، فإن حق الزوج عليك واجب، فإن لم تقبل ذلك.

قوله تعالى وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ قال الكلبي: أي ينسها وهو الهجر، ويقال: لا يقرب فراشها، لأن الزوج إذا أعرض عن فراشها فإن كانت محبة للزوج يشق عليها فترجع إلى الصلاح، وإن كانت مبغضة فتظهر السرور فيها، فيتبين أن النشوز من قبلها.

وقال الضحاك: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ أي يعرض عنها، فإن ذلك يغيظها، فإن لم ينفعها ذلك وَاضْرِبُوهُنَّ يعني ضرباً غير مبرح فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا يقول: لا تطلبوا عليهن غللا، ولا تكلفوهن الحب لكم، فإن الحب أمر القلب وليس لها ذلك بيدها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً أي رفيعاً علا فوق كل كبير، فلا يطلب من عباده الحب، ولا يكلفهم ما لا يطيقونه، ويطلب منهم الطاعة، فأنتم أيضاً لا تكلفوهن.

ويقال: إن الله مع علوه يتجاوز عن عباده، فأنتم أيضاً تجاوزوا ولا تطلبوا العلل.

ثم قال تعالى للأولياء وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما يقول: إن علمتم خلافاً بين الزوجين، ويقال: إن خفتم الفراق بينهما ولا تدرون من أيهما يقع النشوز فيقول: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها يعني رجلاً عدلاً من أهل الزوج له عقل وتمييز، يذهب إلى الرجل ويخلو به، ويقول له: أخبرني ما في نفسك أتهواها أم لا؟

حتى أعلم بمرادك، فإن قال: لا حاجة لي بها خذ مني لها ما استطعت وفرق بيني وبينها، فيعرف أن من قبله جاء النشوز.

وإن قال: فإني أهواها فأرضيها من مالي بما شئت ولا تفرق بيني وبينها، فيعرف أنه ليس بناشز.

ويخلو ولي المرأة بها ويقول: أتهوين زوجك أم لا؟

فإن قالت: فرق بيني وبينه وأعطه من مالي ما أراد، علم أن النشوز من قبلها.

وإن قالت: لا تفرق بيننا ولكن حثّه حتى يزيد في نفقتي ويحسن إلي، علم أن النشوز ليس من قبلها.

فإذا ظهر لهما الذي كان النشوز من قبله يقبلان عليه بالعظة والزجر والنهي، وذلك قوله تعالى فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يعني عدلاً فينظران في أمرهما بالنصيحة والموعظة يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما بالصلاح ويقال: كل اثنين يقومان في الإصلاح بين اثنين بالنصيحة، يقع الصلح بينهما لقوله تعالى إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما ثم قال: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً أي عليماً بهما خبيراً بنصيحتهما.

وفي هذه الآية دليل على إثبات التحكيم، وليس كما يقول الخوارج إنه ليس الحكم لأحد سوى الله تعالى، فهذه كلمة حق ولكن يريدون بها الباطل.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟

قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» .

انتهى «١» .

وقوله تعالى: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ ...

الآية: سَبَبُ الآيةِ أنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ: لَيْتَنَا اسْتَوَيْنَا مَعَ الرِّجالِ في المِيرَاثِ، وشَارَكْنَاهُمْ في الغَزْوِ، ورُوِيَ أنَّ أمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ ذَلِكَ، أو نحوه «٢» ، وقال الرِّجَالُ: لَيْتَ لَنَا فِي الآخِرَةِ حَظّاً زَائِداً عَلَى النِّسَاءِ كَمَا لَنَا عَلَيْهِنَّ فِي الدُّنْيَا، فنزلَتِ الآية.

قال ع «٣» : لأنَّ في تَمَنِّيهم هذا تحكُّماً على الشِّريعة وتطرُّقاً إِلى الدَّفْع في صَدْر حَكْم اللَّه تعالَى، فهذا نَهْيٌ عن كُلِّ تَمَنٍّ بخلاف حُكْم شرعيٍّ، وأما التمنِّي في الأعمال الصَّالحة، فذلك هو الحَسَن، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «وَدِدتُّ أنَ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أحياء، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ...

» الحديث «٤» .

وفي غير موضع ولقوله تعالى: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ

[النساء: ٣٢] .

قال القُشَيْرِيُّ: سمعْتُ الشيخ أبا عَلِيٍّ يقولُ: مِنْ علاَمَاتِ المَعْرفة أَلاَّ تسأل حوائجَكَ، قَلَّتْ أَوَ كَثُرَتْ إِلاَّ مِنَ اللَّهِ تعالَى مِثْلُ موسَى اشتاق إِلَى الرُّؤْية، فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣] ، واحتاج مرَّةً إِلى رغيفٍ، فقال: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤]

انتهى من «التحبير» .

وقوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ ...

الآية: قالَتْ فرقة: معناه: من الأجْر، والحسناتِ، فكأنه قِيلَ للنَّاس: لا تَتَمَنَّوْا في أمرٍ مخالف لما حكم اللَّه بِهِ لاختيارٍ تَرَوْنَهُ أَنْتُمْ، فإِن اللَّه تعالَى قَدْ جَعَلَ لكلِّ أحدٍ نصيباً من الأجْر والفَضْلِ بحَسَب اكتسابِهِ فيما شَرَعَ لَهُ، وهذا قولٌ حَسَن، وفي تعليقه سبحانه النَّصِيبَ بالاِكتسابِ حَضٌّ علَى العَمَل، وتنبيهٌ على كَسْب الخير.

وقوله سبحانه: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، قال ابنُ جُبَيْر وغيره: هذا في فَضْل العباداتِ، والدِّينِ، لا في فضل الدنيا «١» ، وقال الجُمْهُور: ذلك على العمومِ، وهو الذي يقتضيه اللفظ، فقوله: وَسْئَلُوا اللَّهَ يقتضي مفْعولاً ثانياً، تقديره: واسألوا اللَّهَ الجَنَّة أو كثيراً من فضله.

وقوله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ ...

أي: ولكلِّ أحدٍ، قال ابنُ عَبَّاس وغيرهِ:

المَوَالِي هنا العَصَبَةُ والوَرَثَةُ، والمعنَى: ولكلِّ أحدٍ جعلْنا موالِيَ يَرِثُونَ ممَّا تَرَكَ الوالدان والأقربُونَ.

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ رفْعٌ بالاِبتداءِ، والخَبَرُ في قوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ.

واختُلِفَ من المراد ب «الَّذِينَ» .

فقال الحسن وابنُ عبَّاس وابنُ جُبَيْر وغيرهم: هم الأحْلاَفُ، فإِنَّ العرب كانَتْ تتوارَثُ بالحِلْفِ، ثم نُسِخَتْ بآيَات الأنْفَالِ: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ «٢» [الأنفال: ٧٥] .

وقال ابنُ عباس أيضاً: هم الذين كَانَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم آخَى بينهم، كانوا يتوارَثُونَ بهذه الآيةِ حتى نُسِخَ ذلك بما تقدَّم «٣» .

وقال ابنُ المسيَّب: هم الذين كانوا يتبنّون «٤» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ ﴾ المَوالِيَ: الأوْلِياءُ، وهُمُ الوَرَثَةُ مِنَ العُصْبَةِ وغَيْرِهِمْ.

ومَعْنى الآَيَةِ: لِكُلِّ إنْسانٍ مَوالِيَ يَرِثُونَ ما تَرَكَ.

وارْتِفاعُ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ عَلى مَعْنَيَيْنِ مِنَ الإعْرابِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الرَّفْعُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، والتَّقْدِيرُ: وهُمُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، ويَكُونُ تَمامَ الكَلامِ قَوْلُهُ ﴿ مِمّا تَرَكَ ﴾ .

والثّانِي: أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى أنَّهُ الفاعِلُ التَّرْكُ لِلْمالِ، فَيَكُونُ الوالِدانِ، هُمُ المَوْلى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "عاقَدَتْ" بِالألِفِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، "عَقَدَتْ" بِلا ألِفٍ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالألِفِ، فالتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ عاقَدَتْهم أيْمانُكم، ومِن حَذْفِ الألِفِ، فالمَعْنى: عَقَدَتْ حِلْفَهم أيْمانُكم، فَحُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أهْلُ الحِلْفِ، كانَ الرَّجُلُ يُحالِفُ الرَّجُلَ، فَأيُّهُما ماتَ وِرْثَهُ الآَخَرُ، فَنَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ ﴾ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورَوى عَنْهُ عَطِيَّةُ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَلْحَقُ الرَّجُلَ فِي الجاهِلِيَّةِ، فَيَكُونُ تابِعَهُ، فَإذا ماتَ الرَّجُلُ، صارَ لِأهْلِهِ المِيراثُ، وبَقِيَ تابِعُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ( والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانكم ) فَأُعْطِي مِن مِيراثِهِ، ثُمَّ نَزَلَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴿ وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ ﴾ ومِمَّنْ قالَ هُمُ الحُلَفاءَ: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ آَخى بَيْنَهم رَسُولُ اللَّهِ  ، وهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، كانَ المُهاجِرُونَ يُوَرِّثُونَ الأنْصارَ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِمْ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي عَقَدَها رَسُولُ اللَّهِ  بَيْنَهم.

رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ::أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا يَتَبَنَّوْنَ أبْناءَ غَيْرِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ، هَذا قَوْلُ سَعِيدٍ ابْنِ المُسَيِّبِ.

فَأمّا أرْبابُ القَوْلِ الأوَّلِ، فَقالُوا: نَسَخَ حَكَمَ الحُلَفاءِ الَّذِينَ كانُوا يَتَعاقَدُونَ عَلى النُّصْرَةِ والمِيراثِ بِآخِرِ (الأنْفالِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، ومالِكٌ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ.

وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: هَذا الحُكْمُ باقٍ غَيْرَ أنَّهُ جَعَلَ ذَوِي الأرْحامِ أوْلى مِن مَوالِي المُعاقَدَةِ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ: فَآَتَوْهم نَصِيبَهم مِنِ النَّصْرِ والنَّصِيحَةِ مِن غَيْرِ مِيراثٍ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ.

وذَهَبَ قَوْمٌ آخَرُونَ إلى أنَّ المُعاقَدَةَ: إنَّما كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ عَلى النُّصْرَةِ لا غَيْرَ، والإسْلامُ لَمْ يُغَيِّرْ ذَلِكَ، وإنَّما قَرَّرَهُ، فَقالَ: النَّبِيُّ  : « "أيُّما حِلْفٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّ الإسْلامَ لَمْ يَزِدْهُ إلّا شِدَّةً" .» أرادَ: النَّصْرَ والعَوْنَ.

وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ الآَيَةَ مَحْكَمَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهم إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴾ ﴿ الرِجالُ قَوّامُونَ عَلى النِساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ فالصالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إنَّ اللهُ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ "كُلُّ" إنَّما تُسْتَعْمَلُ مُضافَةً ظَهَرَ المُضافُ إلَيْهِ أو تَقَدَّرَ، فَهي بِمَثابَةِ: "قَبْلَ وبَعْدَ" ولِذَلِكَ أجازَ بَعْضُ النُحاةِ مَرَرْتُ بِكُلٍّ- عَلى حَدِّ "قَبْلَ وبَعْدَ"، فالمُقَدَّرُ هُنا عَلى قَوْلِ فِرْقَةٍ: ولِكُلِّ أحَدٍ - وعَلى قَوْلِ فِرْقَةٍ: ولِكُلِّ شَيْءٍ، يَعْنِي: التَرِكَةَ.

والمَوْلى -فِي كَلامِ العَرَبِ- لَفْظَةٌ يَشْتَرِكُ فِيها: القَرِيبُ القَرابَةِ، والصَدِيقُ، والحَلِيفُ، والمُعْتِقُ، والمُعْتَقُ، والوارِثُ، والعَبْدُ فِيما حَكى ابْنُ سِيدَهْ، ويَحْسُنُ هُنا مِن هَذا الِاشْتِراكِ: الوَرَثَةُ، لِأنَّها تَصْلُحُ عَلى تَأْوِيلِ: ولِكُلِّ أحَدٍ، وعَلى تَأْوِيلِ: ولِكُلِّ شَيْءٍ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُمْ: أنَّ "المَوالِيَ": العُصْبَةُ والوَرَثَةُ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا أسْلَمَتِ العَجَمُ سُمُّوا مَوالِيَ اسْتِعارَةً وتَشْبِيهًا، وذَلِكَ في قَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِينِ ومَوالِيكُمْ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ سُمِّيَ قَوْمٌ مِنَ العَجَمِ بِبَنِي العَمِّ.

و"مِمّا" مُتَعَلِّقَةٌ بِشَيْءٍ، تَقْدِيرُهُ: ولِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ جَعَلْنا ورَثَةً، وهي مُتَعَلِّقَةٌ، عَلى تَأْوِيلِ: ولِكُلِّ أحَدٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: ولِكُلِّ أحَدٍ جَعَلْنا مَوالِيَ يَرِثُونَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، ويُحْتَمَلُ -عَلى هَذا- أنْ تَتَعَلَّقَ "مِن" بِـ "مَوالِيَ".

وقَوْلُهُ: "والَّذِينَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ "فَآتُوهُمْ".

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "عاقَدَتْ" عَلى المُفاعَلَةِ، أيْ: أيْمانُ هَؤُلاءِ عاقَدَتْ أُولَئِكَ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عَقَدَتْ" بِتَخْفِيفِ القافِ عَلى حَذْفِ مَفْعُولٍ تَقْدِيرُهُ: عَقَدَتْ أيْمانُكم حِلْفَهم أو ذِمَّتَهُمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ، في رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ كَبْشَةَ عنهُ-: "عَقَّدَتْ" مُشَدَّدَةَ القافِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَنِ المُرادُ بِـ "والَّذِينَ"ـ فَقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمْ: هُمُ الأحْلافُ، فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ تَتَوارَثُ بِالحِلْفِ، فَشَدَّدَ اللهُ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نَسَخَهُ بِآيَةِ الأنْفالِ ﴿ وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أولى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللهِ  ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هُمُ الَّذِينَ كانَ رَسُولُ اللهِ  آخى بَيْنَهُمْ، فَإنَّهم كانُوا يَتَوارَثُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ حَتّى نُسِخَ ذَلِكَ بِما تَقَدَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَرَدَ لِابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُهاجِرِينَ كانُوا يَرِثُونَ الأنْصارَ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِمْ، لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخى رَسُولُ اللهِ  بَيْنَهم فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ ناسِخَةً، وبَقِيَ إيتاءُ النَصِيبِ مِنَ النَصْرِ والمَعُونَةِ أو مِنَ المالِ عَلى جِهَةِ النَدْبِ في الوَصِيَّةِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: هُمُ الأبْناءُ الَّذِينَ كانُوا يُتَبَنَّوْنَ، والنَصِيبُ الَّذِي أُمِرَ الناسُ بِإيتائِهِ هو الوَصِيَّةُ لا المِيراثُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هُمُ الأحْلافُ إلّا أنَّ النَصِيبَ هو المُؤازَرَةُ في الحَقِّ، والنَصْرُ، والوَفاءُ بِالحِلْفِ، لا المِيراثُ.

وَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّها في قَوْمٍ يُوصى لَهم فَيَمُوتُ المُوصى لَهُ قَبْلَ نُفُوذِ الوَصِيَّةِ ووُجُوبِها، فَأمَرَ المُوصِيَ أنْ يُؤَدِّيَها إلى ورَثَةِ المُوصى لَهُ.

ولَفْظَةُ المُعاقَدَةِ والأيْمانِ تُرَجِّحُ أنَّ المُرادَ: الأحْلافُ، لِأنَّ ما ذُكِرَ مِن غَيْرِ الأحْلافِ لَيْسَ في جَمِيعِهِ مُعاقَدَةٌ ولا أيْمانٌ.

و"شَهِيدًا" مَعْناهُ: أنَّ اللهَ شَهِيدٌ بَيْنَكم عَلى المُعاقَدَةِ والصِلَةِ، فَأوفُوا بِالعَهْدِ بِحَسَبِ ذَلِكَ مُراقَبَةً ورَهْبَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: "الرِجالُ قَوّامُونَ" الآيَةُ، قَوّامٌ فَعّالٌ، بِناءُ مُبالَغَةٍ، وهو مِنَ القِيامِ عَلى الشَيْءِ، والِاسْتِبْدادِ بِالنَظَرِ فِيهِ، وحِفْظِهِ بِالِاجْتِهادِ، فَقِيامُ الرَجُلِ عَلى النِساءِ هو عَلى هَذا الحَدِّ، وتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِالفَضِيلَةِ والنَفَقَةِ يَقْتَضِي أنَّ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ اسْتِيلاءً ومِلْكًا ما.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِجالُ أُمَراءُ عَلى النِساءِ، وعَلى هَذا قالَ أهْلُ التَأْوِيلِ، و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ بِما فَضَّلَ اللهُ ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، ولِذَلِكَ اسْتَغْنَتْ عَنِ العائِدِ، وكَذَلِكَ: "وَبِما أنْفَقُوا"، والفَضِيلَةُ: هي الغَزْوُ، وكَمالُ الدِينِ، والعَقْلُ، وما أشْبَهَهُ، والإنْفاقُ: هو المَهْرُ، والنَفَقَةُ المُسْتَمِرَّةُ عَلى الزَوْجاتِ.

وَقِيلَ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ سَعْدَ بْنَ الرَبِيعِ لَطَمَ زَوْجَهُ حَبِيبَةَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ، فَجاءَتْ مَعَ أبِيها إلى رَسُولِ اللهِ  ، فَأمَرَ أنْ تَلْطِمَهُ كَما لَطَمَها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبِيحَةً لِلرِّجالِ تَأْدِيبَ نِسائِهِمْ، فَدَعاهم رَسُولُ اللهِ  ، ونَقَضَ الحُكْمَ الأوَّلَ وقالَ: "أرَدْتُ شَيْئًا، وما أرادَ اللهُ خَيْرٌ"، وفي طَرِيقٍ آخَرَ: "أرَدْتُ شَيْئًا وأرادَ اللهُ غَيْرَهُ"، وقِيلَ: إنَّ في هَذا الحُكْمِ المَرْدُودِ نَزَلَتْ: ﴿ وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ  ﴾ » وقِيلَ: سَبَبُها قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ المُتَقَدِّمُ، أيْ: لَمّا تَمَنّى النِساءُ دَرَجَةَ الرِجالِ عُرِّفْنَ وجْهَ الفَضِيلَةِ.

والصَلاحُ في قَوْلِهِ: "فالصالِحاتُ" هو الصَلاحُ في الدِينِ.

و"قانِتاتٌ" مَعْناهُ: مُطِيعاتٌ، والقُنُوتُ: الطاعَةُ، ومَعْناهُ: لِأزْواجِهِنَّ، أو لِلَّهِ في أزْواجِهِنَّ، وغَيْرُ ذَلِكَ.

وقالَ الزَجّاجُ: إنَّها الصَلاةُ، وهَذا هُنا بَعِيدٌ.

"وَلِلْغَيْبِ" مَعْناهُ: كُلُّ ما غابَ عن عِلْمِ زَوْجِها مِمّا اسْتَرْعَتْهُ، وذَلِكَ يَعُمُّ حالَ غَيْبِ الزَوْجِ وحالَ حُضُورِهِ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "خَيْرُ النِساءِ امْرَأةٌ إذا نَظَرْتَ إلَيْها سَرَّتْكَ، وإذا أمَرْتَها أطاعَتْكَ وإذا غِبْتَ عنها حَفِظَتْكَ في مالِكَ ونَفْسِها"، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللهِ  هَذِهِ الآيَةَ.» وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فالصَوالِحُ قَوانِتُ حَوافِظُ"، وهَذا بِناءٌ يَخْتَصُّ بِالمُؤَنَّثِ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: "والتَكْسِيرُ أشْبَهُ لَفْظًا بِالمَعْنى، إذْ هو يُعْطِي الكَثْرَةَ وهي المَقْصُودُ هُنا".

و"بِما حَفِظَ اللهُ"، الجُمْهُورُ عَلى رَفْعِ اسْمِ اللهِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "اللهَ" بِالنَصْبِ عَلى إعْمالِ: "حَفِظَ"، فَأمّا قِراءَةُ الرَفْعِ فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ تَقْدِيرُهُ: يَحْفَظُ اللهُ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي" ويَكُونَ العائِدُ الَّذِي في "حَفِظَ" ضَمِيرَ نَصْبٍ، ويَكُونَ المَعْنى إمّا حِفْظُ اللهِ ورِعايَتُهُ الَّتِي لا يَتِمُّ أمْرٌ دُونَها، وإمّا أوامِرُهُ ونَواهِيهِ لِلنِّساءِ، فَكَأنَّها حِفْظُهُ، فَمَعْناهُ: أنَّ النِساءَ يُحْفَظْنَ بِإرادَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأمّا قِراءَةُ ابْنِ القَعْقاعِ "بِما حَفِظَ اللهَ" فالأولى أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، وفي "حَفِظَ" ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، والمَعْنى: حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِطاعَةٍ وخَوْفٍ وبِرٍّ ودِينٍ حَفِظْنَ اللهَ في أوامِرِهِ حِينَ امْتَثَلْنَها.

وقِيلَ: يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، عَلى أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: بِما حَفِظْنَ اللهَ، ويَنْحَذِفُ الضَمِيرُ، وفي حَذْفِهِ قُبْحٌ لا يَجُوزُ إلّا في الشِعْرِ كَما قالَ: ............

فَإنَّ الحَوادِثَ أودى بِها يُرِيدُ أودَيْنَ، والمَعْنى: يَحْفَظْنَ اللهَ في أمْرِهِ حِينَ امْتَثَلْنَهُ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: بِما حَفِظَ دِينَ اللهِ، أو أمْرَ اللهِ.

وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بِما حَفِظَ اللهُ فَأصْلِحُوا إلَيْهِنَّ".

"واللاتِي" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ "فَعِظُوهُنَّ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: وعِظُوا اللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ، كَقَوْلِهِ: "والسارِقَ والسارِقَةَ" عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأها بِالنَصْبِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: النَصْبُ القِياسُ، إلّا أنَّ الرَفْعَ أكْثَرُ في كَلامِهِمْ، وحُكِيَ عن سِيبَوَيْهِ أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ عِنْدَهُ: وفِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ اللاتِي.

قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى "تَخافُونَ": تَعْلَمُونَ وتَتَيَقَّنُونَ، وذَهَبُوا في ذَلِكَ إلى أنَّ وُقُوعَ النُشُوزِ هو الَّذِي يُوجِبُ الوَعْظَ، واحْتَجُّوا في جَوازِ وُقُوعِ الخَوْفِ بِمَعْنى اليَقِينِ بِقَوْلِ أبِي مِحْجَنٍ: ولا تَدْفِنَنِّي بِالفَلاةِ فَإنَّنِي ∗∗∗ أخافُ إذا ما مِتُّ ألّا أذُوقَها وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخَوْفُ هاهُنا- عَلى بابِهِ في التَوَقُّعِ، لِأنَّ الوَعْظَ وما بَعْدَهُ إنَّما هو في دَوامِ ما ظَهَرَ مِن مَبادِئِ ما يُتَخَوَّفُ.

"والنُشُوزُ": أنْ تَتَعَوَّجَ المَرْأةُ، وتَرْتَفِعَ في خُلُقِها، وتَسْتَعْلِيَ عَلى زَوْجِها وهو مِن نَشَزِ الأرْضِ، يُقالُ: ناشِزٌ، وناشِصٌ، ومِنهُ بَيْتُ الأعْشى: تَجَلَّلَها شَيْخٌ عِشاءً فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ قُضاعِيَّةً تَأْتِي الكَواهِنَ ناشِصا و"فَعِظُوهُنَّ" مَعْناهُ: ذَكِّرُوهُنَّ أمْرَ اللهِ، واسْتَدْعُوهُنَّ إلى ما يَجِبُ عَلَيْهِنَّ بِكِتابِ اللهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "فِي المَضْجَعِ"، وهو واحِدٌ يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: "اهْجُرُوهُنَّ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: جَنِّبُوا جِماعَهُنَّ، وجَعَلُوا "فِي" لِلْوِعاءِ عَلى بابِها دُونَ حَذْفٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُضاجِعُها ويُوَلِّيها ظَهْرَهُ ولا يُجامِعُها.

وقالَ مُجاهِدٌ: جَنِّبُوا مُضاجَعَتَهُنَّ، فَيَتَقَدَّرُ عَلى هَذا القَوْلِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: واهْجُرُوهُنَّ بِرَفْضِ المَضاجِعِ، أو بِتَرْكِ المَضاجِعِ.

وقالَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي هِجْرَةُ الكَلامِ، أيْ: لا تُكَلِّمُوهُنَّ، وأعْرِضُوا عنهُنَّ، فَيُقَدَّرُ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: واهْجُرُوهُنَّ في سَبَبِ المَضاجِعِ حَتّى يُراجِعْنَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: مَعْناهُ: وقُولُوا لَهُنَّ هَجْرًا مِنَ القَوْلِ، أيْ: إغْلاظًا، حَتّى يُراجِعْنَ المَضاجِعَ، وهَذا لا يَصِحُّ تَصْرِيفُهُ إلّا عَلى مَن حَكى: هَجَرَ وأهْجَرَ بِمَعْنىً واحِدٍ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: ارْبِطُوهُنَّ بِالهِجارِ كَما يُرْبَطُ البَعِيرُ بِهِ، وهو حَبْلٌ يُشَدُّ بِهِ البَعِيرُ، فَهي في مَعْنى: اضْرِبُوهُنَّ ونَحْوِها، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ مَنزَعَهُ هَذا، وقَدَحَ في سائِرِ الأقْوالِ، وفي كَلامِهِ كُلِّهِ في هَذا المَوْضِعِ نَظَرٌ.

والضَرْبُ في هَذِهِ الآيَةِ هو ضَرْبُ الأدَبِ غَيْرُ المُبَرِّحِ وهو الَّذِي لا يَكْسِرُ عَظْمًا، ولا يَشِينُ جارِحَةً، وقالَ النَبِيُّ  : « "اضْرِبُوا النِساءَ إذا عَصَيْنَكم في مَعْرُوفٍ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ"،» وقالَ عَطاءٌ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: ما الضَرْبُ غَيْرُ المُبَرِّحِ؟

قالَ: بِالشِراكِ ونَحْوِهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ أنَّهُ قالَ: لا قِصاصَ بَيْنَ الرَجُلِ وامْرَأتِهِ إلّا في النَفْسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَجاوُزٌ، قالَ غَيْرُهُ: إلّا في النَفْسِ والجِراحِ، وهَذِهِ العِظَةُ والهَجْرُ والضَرْبُ مَراتِبٌ، إنْ وقَعَتِ الطاعَةُ عِنْدَ إحْداها لَمْ يُتَعَدَّ إلى سائِرِها.

و"تَبْغُوا" مَعْناهُ: تَطْلُبُوا، و"سَبِيلًا" أيْ: إلى الأذى، وهو التَعْنِيتُ والتَعَسُّفُ بِقَوْلٍ أو فِعْلٍ، وهَذا نَهْيٌ عن ظُلْمِهِنَّ بِغَيْرِ واجِبٍ بَعْدَ تَقْدِيرِ الفَضْلِ عَلَيْهِنَّ، والتَمْكِينِ مِن أدَبِهِنَّ، وحَسُنَ مَعَهُ الِاتِّصافُ بِالعُلُوِّ والكِبَرِ، أيْ: قَدْرُهُ فَوْقَ كُلِّ قَدْرٍ، ويَدُهُ بِالقُدْرَةِ فَوْقَ كُلِّ يَدٍ، فَلا يَسْتَعْلِي أحَدٌ عَلى امْرَأتِهِ، فاللهُ بِالمِرْصادِ، ويَنْظُرُ هَذا إلى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «فَصَرَفْتُ وجْهِي فَإذا رَسُولُ اللهِ  يَقُولُ: "اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ أنَّ اللهَ أقْدَرُ عَلَيْكَ مِنكَ عَلى هَذا العَبْدِ".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الجملة معطوفة على جملة ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ [النساء: 32] باعتبار كونه جامعاً لمعنى النهي عن الطمع في مال صاحب المال، قُصد منها استكمال تبيين من لهم حقّ في المال.

وشأنُ (كُلّ) إذا حذف ما تضاف إليه أن يعوّض التنوين عن المحذوف، فإن جرى في الكلام ما يدلّ على المضاف إليه المحذوف قُدّر المحذوف من لفظه أو معناه، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ولكل وجهة ﴾ في سورة البقرة (148)، وكذلك هنا فيجوز أن يكون المحذوف ممّا دلّ عليه قوله- قبله- ﴿ للرجال نصيب وللنساء نصيب ﴾ [النساء: 7] فيقدّر: ولكلّ الرجال والنساء جعلنا موالَي، أو لكلّ تارككٍ جعلنا موالي.

ويجوز أن يقدّر: ولكلّ أحد أو شيء جعلنا موالي.

والجعل من قوله: ﴿ جعلنا ﴾ هو الجعل التشريعي أي شَرعْنا لكلّ موالي لهم حقّ في ماله كما في قوله تعالى: ﴿ فقد جعلنا لوليه سلطانا ﴾ [الإسراء: 33].

والموالي جمعُ مَولى وهو محلّ الوَلْيِ، أي القرب، وهو مَحلّ مجازي وقرب مجازي.

والولاء اسم المصدر للوَلْي المجازي.

وفي نظم الآية تقادير جديرة بالاعتبار، وجامعة لمعان من التشريع: الأوّل: ولِكلّ تارككٍ، أي تارك مالا جعلنا موالي، أي أهل ولاء له، أي قرب، أي ورثة.

ويتعلّق ﴿ مما ترك ﴾ بما في موالي من معنى يَلُونه، أي يرثونه، ومِن للتبعيض، أي يرثون ممّا ترك.

وما صدق (ما) الموصولة هو المال، والصلة قرينة على كون المراد بالموالي الميراث، وكون المضاف إليه (كلّ) هو الهالك أو التارك.

﴿ ولكل ﴾ متعلّق ب (جعلنا)، قدّم على متعلّقه للاهتمام.

وقوله: ﴿ الوالدان ﴾ استئناف بياني بيّن به المراد في (موالي)، ويصلح أن يبيّن به كلّ المقدّر له مضاف.

تقديره: لكلّ تارك.

وتبيين كلا اللفظين سواءٌ في المعنى، لأنّ التارك: والد أو قريب، والموالي: والدون أو قرابة.

وفي ذِكر ﴿ الوالدان ﴾ غنية عن ذكر الأبناء لتلازمهما، فإن كان الوالدان من الورثة فالهالك ولد وإلاّ فالهالك والد.

والتعريف في ﴿ الوالدان والأقربون ﴾ عوض عن مضاف إليه أي: والداهِم وأقربوهم، والمضاف إليه المحذوفُ يدلّ عليه الموالي، وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئاً عن قوله: ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ [النساء: 32]، أي ولكلّ من الصنفين جعلنا موالي يرثونه، وهو الجَعل الذي في آيات المواريث.

والتقدير الثاني: ولكلّ شيء ممّا تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالي، أي قوماً يلونه بالإرث، أي يرثونه، أي يكون تراثاً لهم، فيكون المضاف إليه المحذوف اسماً نكرة عامّا يبيّن نوعه المقام، ويكون ﴿ مما ترك ﴾ بيانا لما في تنوين (كلّ) من الإبهام، ويكون ﴿ والأقربون ﴾ فاعلا (لتَرَك).

وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئاً عن قوله: ﴿ ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ [النساء: 32] أي في الأموال، أي ولكلّ من الذين فضّلنا بعضهم على بعض جعلنا موالي يؤول إليهم المال، فلا تتمنّوا ما ليس لكم فيه حقّ في حياة أصحابه، ولا ما جعلناه للموالي بعد موت أصحابه.

التقدير الثالث: ولكلّ منكم جعلنا موالي، أي عاصبين من الذين تركهم الوالدان، مثل الأعمام والأجداد والأخواللِ، فإنّهم قرباء الأبوين، وممّا تركهم الأقربون مثل أبناء الأعمام وأبنائهم وإن تعدّدوا، وأبناء الأخوات كذلك، فإنّهم قرباء الأقربين، فتكون الآية مشيرة إلى إرجاع الأموال إلى العصبة عند الجمهور، وإلى ذوي الأرحام عند بعض الفقهاء، وذلك إذا انعدم الورثة الذين في آية المواريث السابقة، وهو حكم مجمل بيّنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «ألْحِقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأوْلى رجللٍ ذكر» وقوله: «ابن أخت القوم منهم أو من أنفسهم» رواه أبو داود والنسائي، وقوله: «الخال وارثُ من لا وارث له» أخرجه أبو داود والترمذي، وقوله تعالى: ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾ [الأنفال: 75]، وبذلك أخذ أبو حنيفة، وأحمد، وعليه ف (ما) الموصولة في قوله: ﴿ مما ترك ﴾ بمعنى (من) الموصولة، ولا بدع في ذلك.

وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئاً عن قوله تعالى بعد آية المواريث ﴿ تلك حدود الله ﴾ [البقرة: 187] فتكون تكملة لآية المواريث.

التقدير الرابع: ولكلّ منكم أيّها المخاطبون بقولنا: ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ [النساء: 32] جعلنا موالي، أي شَرَعْنا أحكام الولاء لمن هم موال لكم، فحكم الولاء الذي تركه لكم أهاليكم: الوالدان والأقربون، أي أهل الولاء القديم في القبيلة المنجرّ من حلف قديم، أو بحكم الولاء الذي عاقدتْه الأيمان، أي الأحلاف بينكم وبينهم أيّها المخاطبون، وهو الولاء الجديد الشامل للتبنّي المحدث، وللحلف المحدث، مثل المؤاخاة التي فرضها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار.

فإنّ الولاء منه ولاء قديم في القبائل، ومنه ما يتعاقد عليه الحاضرون، كما اشار إليه أبو تمّام.

أعطيت لي دية القتيل وليس لي *** عقل ولا حلف هناك قَدِيمُ وعلى هذا التقدير يكون ﴿ والذين عاقدت أيمانكم ﴾ معطوفة على ﴿ الوالدان والأقربون ﴾ وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئاً عن قوله تعالى: ﴿ تلك حدود الله ﴾ [البقرة: 187] فتكون هذه الآية تكملة لآيات المواريث.

وللمفسّرين تقادير أخرى لا تلائم بعض أجزاء النظم إلا بتعسّف فلا ينبغي التعريج عليها.

وقوله: ﴿ والذين عاقدت أيمانكم ﴾ قيل معطوف على قوله: ﴿ الوالدان والأقربون ﴾ ، وقيل هو جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً، كأنّه قيل: من هم الموالي؟

فقيل: ﴿ الوالدان والأقربون ﴾ الخ، على أنّ قوله: ﴿ فأتاهم نصيبهم ﴾ خبر عن قوله: ﴿ والذين عاقدت ﴾ .

وأدخلت الفاء في الخبر لتضمّن الموصول معنى الشرط، ورجّح هذا بأنّ المشهور أنّ الوقت على قوله: ﴿ والأقربون ﴾ وليس على قوله: ﴿ أيمانكم ﴾ .

والمعاقدة: حصول العقد من الجانبين، أي الذين تعاقدتم معهم على أن يكونوا بمنزلة الأبناء أو بمنزلة الإخْوَة أو بمنزلة أبناء العمّ.

والأيمان جمع يَمين: إمّا بمعنى اليد، أسند العقد إلى الأيدي مجازاً لأنّها تقارن المتعاقديِن لأنّهم يضعون أيدي بعضهم في أيدي الآخرين، علامة على انبرام العقد، ومن أجل ذلك سمّي العقد صَفقة أيضاً؛ لأنّه يصفّق فيه اليَدُ على اليد، فيكون من باب ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ [النساء: 3]؛ وإمَّا بمعنى القَسَم لأنّ ذلك كان يَصحبه قَسَم، ومن أجل ذلك سمّي حِلْفا، وصاحبه حَليفاً.

وإسناد العقد إلى الأيمان بهذا المعنى مجاز أيضاً؛ لأنّ القسم هو سبب انعقاد الحلف.

والمراد ب ﴿ الذين عاقَدَتْ أيمانكم ﴾ : قيل موالي الحلف الذي كان العرب يفعلونه في الجاهلية، وهو أن يَحالف الرجل الآخر فيقول له «دمي دَمُك وهَدْمي هَدْمُك أي إسقاط أحدهما للدم الذي يستحقّه يمضي على الآخر وثَأرِي ثَأرُكَ وحَرْبي حَرْبُك وسلْمي سلْمُك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عنّي وأعقل عنك».

وقد جمع هذين الصنفين من الموالي الحُصَين بن الحُمَاممِ من شعراء الحماسة في قوله: مواليكمُ مولَى الوِلاَدَةِ منكمُ *** ومولَى اليمين حَابِس قد تُقِسِّمَا قيل: كانوا جعلوا للمولى السدس في تركة الميت، فأقرّته هذه الآية، ثم نسختها آية الأنفال: ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾ [الأنفال: 75] قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة، وابن جبير، ولعلّ مرادهم أنّ المسلمين جعلوا للمولَى السدس وصية لأنّ أهل الجاهلية لم تكن عندهم مواريث معيّنة.

وقيل: نزلت هذه الآية في ميراث الإخوة الذين آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم من المهاجرين والأنصار في أول الهجرة، فكانوا يتوارثون بذلك دون ذوي الأرحام، ثم نسخ الله ذلك بآية الأنفال، فتكون هذه الآية منسوخة.

وفي أسباب النزول للواحدي، عن سعيد بن المسيّب، أنّها نزلت في التبنّي الذي كان في الجاهلية، فكان المتبنَّي يرث المتبنِّي (بالكسر) مثل تبنّي النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة الكلبي، وتبنّي الأسود بن عبد يغوث المقداد الكَندي، المشهور بالمقداد بن الأسود، وتبنّي الخطاب بن نُفَيل عامراً بنَ ربيعة، وتبنّي أبي حُذيفة بن عتبة بن ربيعة سالماً بن معقل الأصطخري، المشهور بسالممٍ مولى أبي حذيفة، ثم نسخ بالمواريث.

وعلى القول بأنّ ﴿ والذين عاقدت أيمانكم ﴾ جملة مستأنفة فالآية غير منسوخة؛ فقال ابن عباس في رواية ابن جبير عنه في «البخاري» هي ناسخة لتوريث المتآخِين من المهاجرين والأنصار، لأنّ قوله: ﴿ مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ حَصَر الميراث في القرابة، فتعيّن على هذا أنّ قوله: ﴿ فأتوهم نصيبهم ﴾ أي نصيب الذين عاقدت أيمانُكم من النصر والمعونة، أو فآتوهم نصيبهم بالوصية، وقد ذهب الميراث.

وقال سعيد بن المسيّب: نزلت في التبنّي أمراً بالوصية للمتبنَّى.

وعن الحسن أنّها في شأن الموصَى له إذا مات قبل موت المُوصي أن تجعل الوصية لأقاربه لزوماً.

وقرأ الجمهور: ﴿ عاقدت ﴾ بألف بعد العين.

وقرأه حمزة، وعاصم، والكسائي، وخلف: والفاءُ في قوله: فأتوهم نصيبهم } فاءُ الفصيحةِ على جعل قوله: ﴿ والذين عاقدت أيمانكم ﴾ معطوفاً على ﴿ الوالدان والأقربون ﴾ ، أو هي زائدة في الخبر إن جعل ﴿ والذين عقدت ﴾ مبتدأً على تضمين الموصول معنى الشرطية.

والأمر في الضمير المجرور على الوجهين ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ﴾ وفي المَوالِي قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ العَصَبَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: هُمُ الوَرَثَةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، وهو أشْبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا ﴾ ﴿ يَرِثُنِي ﴾ قالَ الفَضْلُ بْنُ عَبّاسٍ: مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا لا تَنْبِشُوا بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا ﴿ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ ﴾ هي مُفاعَلَةٌ مِن عَقْدِ الحِلْفِ، ومَعْناهُ: والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكم وأيْمانُهم بِالحِلْفِ بَيْنَكم وبَيْنَهم، فَآتُوهم نَصِيبَهم.

وَفي المُرادِ بِهَذِهِ المُعاقَدَةِ وبِالنَّصِيبِ المُسْتَحَقِّ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ حِلْفَهم في الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِهِ في الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى في الأنْفالِ: ﴿ وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ  ﴾ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ آخى بَيْنَهُمُ النَّبِيُّ  ، مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَكانَ بَعْضُهم يَرِثُ بَعْضًا بِتِلْكَ المُؤاخاةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نَسَخَها ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ  ﴾ ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ العَقْدِ بِالحِلْفِ ولَكِنَّهم أُمِرُوا أنْ يُؤْتُوا بَعْضَهم بَعْضًا مِنَ النُّصْرَةِ والنَّصِيحَةِ والمَشُورَةِ والوَصِيَّةِ دُونَ المَيِّتِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، والسُّدِّيِّ.

وَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  وقَدْ سَألَهُ قَيْسُ بْنُ عاصِمٍ عَنِ الحِلْفِ فَقالَ: « (لا حِلْفَ في الإسْلامِ، وما كانَ مِن حِلْفِ الجاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً).» والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ يَتَبَنَّوْنَ أبْناءَ غَيْرِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ، فَأُمِرُوا في الإسْلامِ أنْ يُوصُوا لَهم عِنْدَ المَوْتِ بِوَصِيَّةٍ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ جُعِلَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ الوَصِيَّةِ، ثُمَّ هَلَكُوا فَذَهَبَ نَصِيبُهم بِهَلاكِهِمْ، فَأُمِرُوا أنْ يَدْفَعُوا نَصِيبَهم إلى ورَثَتِهِمْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس ﴿ ولكل جعلنا موالي ﴾ قال: ورثة ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ قال: كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت ﴿ ولكل جعلنا موالي ﴾ نسخت، ثم قال: ﴿ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ولكل جعلنا موالي ﴾ قال: عصبة ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ قال: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله: ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً ﴾ [ الأحزاب: 6] يقول: إلا أن يوصوا إلى أوليائهم الذين عاقدوا وصية، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت وهو المعروف.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولكل جعلنا موالي ﴾ قال: الموالي.

العصبة، هم كانوا في الجاهلية الموالي، فلما دخلت العجم على العرب لم يجدوا لهم اسماً.

فقال الله: ﴿ فإن لم تعلموا أباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ﴾ [ الأحزاب: 5] فسموا الموالي.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ قال: كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل، يقول: ترثني وأرثك، وكان الأحياء يتحالفون.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل حلف كان في الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا عقد ولا حلف في الإسلام نسختها هذه الآية ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ [ الأحزاب: 6] » .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: كان الرجل يعاقد الرجل فيرث كل واحد منهما صاحبه، وكان أبو بكر عاقد رجلاً فورثه.

وأخرج أبو داود وابن جرير وابن مردويه عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ قال: كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب فيرث أحدهما الآخر، فنسخ في ذلك في الأنفال فقال: ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾ [ الأحزاب: 6] .

وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في الآية قال: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول: دمي دمك، وهدمي هدمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك.

فجعل له السدس من جميع المال في الإسلام، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم.

فنسخ ذلك بعد في سورة الأنفال فقال: ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ فقذف ما كان من عهد يتوارث به وصارت المواريث لذوي الأرحام.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: كان الرجل في الجاهلية قد كان يلحق به الرجل فيكون تابعه، فإذا مات الرجل صار لأهله وأقاربه الميراث، وبقي تابعاً ليس له شيء.

فأنزل الله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ فكان يعطي من ميراثه، فأنزل الله بعد ذلك ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ الذين عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ إذا لم يأت رحم يحول بينهم.

قال: وهو لا يكون اليوم، إنما كان نفر آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم وانقطع ذلك، وهذا لا يكون لأحد إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، كان آخى بين المهاجرين والأنصار، واليوم لا يؤاخى بين أحد.

وأخرج ابن جرير والنحاس عن سعيد بن المسيب قال: إنما أنزلت هذه الآية في الحلفاء، والذين كانوا يتبنون رجالاً غير أبنائهم ويورثونهم.

فأنزل الله فيهم، فجعل لهم نصيباً في الوصية، ورد الميراث إلى الموالي في ذي الرحم والعصبة.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والنحاس عن مجاهد ﴿ ولكل جعلنا موالي ﴾ قال: العصبة ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ قال: الحلفاء ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ قال: من العقل والنصر والرفادة.

وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم عن داود بن الحصين قال: كنت أقرأ على أم سعد ابنة الربيع، وكانت يتيمة في حجر أبي، فقرأت عليها ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ فقالت: لا ولكن ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن حين أبى أن يسلم، فحلف أبو بكر أن لا يورثه، فلما أسلم أمره الله أن يورثه نصيبه.

وأخرج سعيد بن منصور عن مجاهد، أنه كان يقرأ ﴿ عقدت أيمانكم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم.

أنه قرأ ﴿ والذين عقدت ﴾ خفيفة بغير ألف.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: كان الرجل في الجاهلية يأتي القوم فيعقدون له، أنه رجل منهم إن كان ضراً أو نفعاً أو دماً فإنه فيهم مثلهم، ويأخذون له من أنفسهم مثل الذي يأخذون منه، فكانوا إذا كان قتال قالوا: يا فلان أنت منا فانصرنا، وإن كانت منفعة قالوا: أعطنا أنت منا، ولم ينصروه كنصرة بعضهم بعضاً إن استنصر، وإن نزل به أمر أعطاه بعضهم ومنعه بعضهم، ولم يعطوه مثل الذين يأخذون منه.

فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه وتحرجوا من ذلك وقالوا: قد عاقدناهم في الجاهلية.

فأنزل الله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ قال: «أعطوهم مثل الذين تأخذون منهم» .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي مالك ﴿ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ قال: هو حليف القوم يقول: أشهدوه أمركم ومشورتكم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعد الفتح «فوا بحلف الجاهلية، فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا تحدثوا حلفاً في الإسلام» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم وابن جرير والنحاس عن جبير بن مطعم.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الزهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حلف في الإسلام، وتمسكوا بحلف الجاهلية» .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رفعه «كل حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا جدة وشدة» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ﴾ الآية.

أراد: ولكل واحد من الرجال والنساء، جعلنا موالي.

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: أي عصبة (١) وقال السدي: أي ورثة (٢) ومضى الكلام في المولى، واشتقاقه في اللغة.

وقوله تعالى: ﴿ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن (من) في قوله (مما) متعلق بمحذوف، ذلك المحذوف من صفة المولى، كأنه قيل: لكل جعلنا ورثة يرثون، أو يُعطَون مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له.

والوالدان والأقربون على هذا هم الذين ماتوا وورثهم المعني بقوله.

﴿ وَلِكُلٍّ ﴾ ، والألف واللام في الوالدان والأقربون بدل عن الكناية، كأنه قيل: مما ترك والداه وأقربوه، كقوله: ﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى  ﴾ أي مأواه.

الثاني: أن قوله: ﴿ مِمَّا تَرَكَ ﴾ في صفة (موالي) (٣) ﴿ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ﴾ أي هم هؤلاء.

و (ما) على هذا القول بمنزلة (مَن)، والوالدان والأقربون هم الوارثون.

وعلى هذا القول يحتمل أن يكون المعنى: ولكل شخص جعلنا ورثةً ممن تركهم والداه وأقربوه، أي: تشعبت العصبة والورثة عن الوالدين والأقربين (٤) والوالدان والأقربون (٥) وعلى القولين اللذين ذكرنا يجوز أن يُعنى بقوله: (ولكل) المال والميراث فيكون المعنى على القول الأول: ولكل مال وميراث مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي، أي عصبة وورثة يرثونه، وعلى هذا يكون قد فصل بين الصفة والموصوف بقوله: ﴿ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ﴾ .

وعلى القول الثاني يكون المعنى: ولكل مال مما ترك الميت جعلنا ورثة، ثم ابتدأ (فقال) (٦) ﴿ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ﴾ أي هم هؤلاء، وقوله تعالى: ﴿ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ﴾ فاصل أيضًا، وجملة هذا أنك إذا فسرت الكل بالشخص كان (من) في قوله (مما) متعلقًا بمحذوف، أو صفة لموالي، وإن (فسرته) بالمال كان في صفة (لكل)، مفصولًا بينه وبين الموصوف بقوله: ﴿ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ﴾ ، فتدبّره تفهم إن شاء الله.

وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ .

هم الحلفاء (٧) (٨) ﴿ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ﴾ (٩) وقوله تعالى: ﴿ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ .

الكناية تعود إما إلى الموالي، أو إلى الوالدان والأقربون والحلفاء إذا جعلناهم وارثين، إلا أن المفسرين يحملون قوله: ﴿ والذين عاقدت أيمانكم ﴾ على الابتداء، ولا يعطفونه (١٠) قالوا: وكان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل، ويقول له: دمي دمك، ويرثني وارثك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسِلمي سِلمك فلما قام الإسلام جعل للحليف السدس (١١) واختلف القراء في قوله: ﴿ عَاقَدَت ﴾ ، فقرأ أهل الكوفة (عَقَدَتْ) (١٢) والباقون (عَاقَدَت) بالألف (١٣) (١٤) (١٥) ومن قرأ (عَقَدَتْ) كان المعنى: عقدت حلفَهم أيمانكم، كالأول، إلا أنهم حملوا على لفظ الأيمان، لأن الفعل لم يُسند إلى أصحاب الأيمان في اللفظ، إنما أُسنِد إلى الأيمان (١٦) والأيمان ههنا يحتمل أن يكون جمع يمين من اليد، ويحتمل أن يكون من القَسَم، وذلك أنهم كانوا يضربون صفقة البيعة بأيمانهم ويأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد، ويتحالفون عليه أيضًا (١٧) وقوله تعالى: ﴿ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ .

أي حظهم من الميراث.

عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وعامر والضحاك (١٨) ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ  ﴾ .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد السراج، أخبرنا أبو الحسن الكارزي، أخبرنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء الخرساني، عن ابن عباس: ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُم ﴾ قال: كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل، يقول: يرثني وارثك، نسختها ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ  ﴾ (١٩) وقال مجاهد في هذه الآية: كان حلف في الجاهلية، فأُمِروا أن يُعطوهم نصيبهم من المشورة والنصر والرفد، ولا ميراث (٢٠) وعلى هذا لا يكون في الآية نَسخٌ لقوله عز وجل: ﴿ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ  ﴾ ، ولما رُوي أنه  قال يوم فتح مكة: "ما كان من حِلف في الجاهلية فتمسّكوا به؛ فإنه لم يزده الإسلام إلا شِدّة.

ولا تُحدثوا حلفًا في الإسلام" (٢١)  : "شهدت حلف المطيبين (٢٢) (٢٣) وقال سعيد بن المسيب في هذه الآية: إنما أنزل الله ذلك في الذين كانوا يتبنّون أبناء غيرهم وُيوَرِّثونهم، فأنزل الله فيهم أن يُجعل لهم نصيب من الوصية، ورد الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة، وأبى الله أن يجعل للمدّعَين (٢٤) (٢٥) (٢٦) وبمثل هذا قال الحسن (٢٧) (٢٨) ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ : هم (٢٩) (٣٠) فقد حصل في قوله: ﴿ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ ثلاثة أقوال، الأول: من الميراث، ثم نُسخ.

والثاني: من النصر، والثالث: من الوصية، ولم ينسخ على هذين.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴾ .

قال عطاء: يريد: لم يغب عنه علم ما خلق وبرأ (٣١) (١) أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 50 - 51، وأخرج قولًا لابن عباس كقول السدي الآتي وأن المراد الورثة، ونسب هذا القول لهم جميعًا الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 479، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 509.

(٢) أخرجه الطبري 5/ 51 بلفظ: هم أهل الميراث، وورد نحوه عن ابن عباس انظر: الطبري 5/ 50، والقولان متقاربان، وقد رجح الماوردي الثاني، انظر: "النكت والعيون" 1/ 479.

(٣) في (أ): (موال).

(٤) انظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 412، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 196 ، "الكشف والبيان" 4/ 49 أ، "غرائب التفسير" 1/ 294، "البيان" 1/ 252.

(٥) في (د): (والأقربين).

(٦) ليس في (د).

(٧) في (د): (الخلفاء)، وما أثبته هو الصواب.

(٨) انظر "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 119، الطبري 5/ 51 - 52، "معاني الزجاج" 2/ 46، "بحر العلوم" 1/ 351، "الكشف والبيان" 4/ 49 ب.

(٩) ممن قال بجواز العطف العكبري في "إملاء ما من به الرحمن بهامش الفتوحات الإلهية" 2/ 239، وقد استبعد أبو حيان هذا الوجه.

انظر: "البحر المحيط" 3/ 238، "الدر المصون" 3/ 669.

(١٠) في (أ): (ولا يعطونه).

(١١) انظر: "جامع البيان" 5/ 51 - 56، "معاني الزجاج" 2/ 46، "بحر العلوم" 1/ 351، "الكشف والبيان" 4/ 49 ب.

(١٢) لعاصم وحمزة والكسائي وخلف.

انظر: "الطبري" 5/ 51، "الحجة" 3/ 156، "المبسوط" ص 156، "النشر" 2/ 249.

(١٣) انظر المصادر السابقة.

(١٤) في (د): (المحالفين).

(١٥) في (د): (العائد).

(١٦) انتهى توجيه القراءتين من "الحجة" 3/ 156، 157 بتصرف، وانظر: الطبري 1/ 51.

(١٧) من "الكشف والبيان" 4/ 49 أ - ب بتصرف.

(١٨) أخرج الآثار عنهم إلا عامرًا الطبري 5/ 52 - 53، وعامر هذا لعله الشعبي، وقد يكون تصحف عن عكرمة، فقد أخرج له الطبري أثرًا يدل على قوله بذلك.

وانظر: ابن كثير 1/ 534 - 535.

(١٩) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 226، وجاء نحوه عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة في "تفسيره" ص 145، وأخرجه الطبري 5/ 52.

(٢٠) بنحوه في "تفسيره" 1/ 154، وأخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 225، والطبري 5/ 54 بلفظ قريب من هذا اللفظ، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 49 ب.

(٢١) هذا حديث مركب من حديثين أخرجهما الطبري، الأول -عن طريق قيس بن عاصم- قال  : "ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام".

والثاني -من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده- أن رسول الله  قال في خطبته يوم فتح مكة: "فوا بحلف، فإنه لا يزيده الاسلام إلا شدة، ولا تحدثوا حِلفا في الاسلام" "جامع البيان" 5/ 55 - 56.

(٢٢) هو حلف اجتمع فيه بنو هاشم وبنو زهرة وتيم في دار ابن جدعان وتحالفوا على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم.

"المستدرك" 2/ 220 حاشية (1).

(٢٣) الحديث من رواية عبد الرحمن بن عوف  أخرجه الإمام أحمد 1/ 190، والطبري 5/ 56، والحاكم في "المستدرك" 2/ 220، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر: "صحيح الجامع" 3/ 230.

(٢٤) في (د): (للموصين).

(٢٥) في (د): (من).

(٢٦) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 227، والطبري 5/ 55، وأورده الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 50 أ، وانظر: "المسير" 2/ 72.

(٢٧) لم أقف عليه، وقد أخرج الطبري عن الحسن خِلافه وأن المراد بالآية الحُلفَاء الذين يتوارثون في الجاهلية فنسخ الله ذلك.

انظر: الطبري 5/ 52.

(٢٨) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: واختاره.

(٢٩) في (د): (هي).

(٣٠) لم أقف على قول ابن كيسان هذا.

(٣١) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا موالي ﴾ الآية: في معناه وجهان؛ أحدهما: لكل شيء من الأموال جعلنا موالي يرثونه، فمما ترك على هذا بيان لكل، والآخر: لكل أحد جعلنا موالي يرثون مما ترك الوالدان والأقربون، فمما ترك على هذا: يتعلق بفعل مضمر، والموالي: هنا الورثة والعصبة ﴿ والذين عَقَدَتْ أيمانكم فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ اختلف؛ هل هي منسوخة أو محكمة؟

فالذين قالوا إنها منسوخة قالوا: معناها الميراث بالحلف الذي كان في الجاهلية، وقيل: بالمؤاخاة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، ثم نسخها: ﴿ وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ ﴾ [الأنفال: 75] فصار الميراث للأقارب.

والذين قالوا إنها محكمة؛ اختلفوا، فقال ابن عباس: هي المؤازرة والنصرة بالحلف لا في الميراث به، وقال أبو حنيفة: هي في الميراث، وأن الرجلين إذا والى أحدهما الآخر، على أن يتوارثا صح ذلك، وإن لم تكن بينهما قرابة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: {يكفر{ و ﴿ يدخلكم ﴾ بياء الغيبة: المفضل.

الباقون بالنون.

﴿ مدخلاً ﴾ بفتح الميم وكذلك في الحج: أبو جعفر ونافع.

الباقون بالضم ﴿ واسئلوا ﴾ وبابه مما دخل عليه واو العطف أو فاؤه بغير همزة: ابن كثير وعلي وخلف وسهل وحمزة في الوقف.

﴿ عقدت ﴾ من العقد: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ عاقدت ﴾ من المعاقدة ﴿ بما حفظ الله ﴾ بالنصب: يزيد.

الباقون بالرفع.

﴿ والجار ﴾ بالإمالة: إبراهيم بن حماد وقتيبة ونصير وأبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو والنجاري عن ورش ﴿ والجار الجنب ﴾ بفتح الجيم وسكون النون: المفضل.

البقاون بضمتين ﴿ بالبخل ﴾ بفتحيتن حيث كان: حمزة وعلي وخلف والمفضل عباس مخير.

الباقون: بضم الباء وسكون الخاء.

﴿ حسنة ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو جعفر ونافع.

الباقون بالنصب ﴿ يضعفها ﴾ بالتشديد: ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب.

الباقون ﴿ يضاعفها ﴾ بالألف.

الوقوف: ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ على بعض ﴾ ط ﴿ مما اكتسبن ﴾ ط ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ والأقربون ﴾ ط بناء على أن ما بعد مبتدأ ﴿ نصيبهم ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ من أموالهم ﴾ ج لأن ما يتلوا مبتدأ ﴿ بما حفظ الله ﴾ ط ﴿ واضربوهن ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ سبيلاً ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ من أهلها ﴾ ج لأن " أن " للشرط مع اتحاد الكلام ﴿ بينهما ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ وابن السبيل ﴾ ط للعطف ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ فخوراً ﴾ ه لا بناء على أن الذين بدل ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ مهيناً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والعطف ﴿ باليوم الآخر ﴾ ط وإن جعل "الذين" مبتدأ لأن خبره محذوف أي فأولئك قرينهم الشيطان ﴿ قريناً ﴾ ه ﴿ رزقهم الله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ذرة ﴾ ط لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى أي لا يظلم بنقص الثواب ومع ذلك يضاعفه ﴿ عظيماً ﴾ ه.

التفسير: هذا كالتفصيل للوعيد المتقدم.

ومن الناس من قال: جميع الذنوب والمعاصي كبائر.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئاً منها فليستغفر الله فإنّ الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلاّ راجعاً عن الإسلام أو جاحداً فريضة أو منكراً لقدر.

وضعف بأن الذنوب لو كانت كلها كبائر لم يبق فرق بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر وبقوله  : ﴿ وكل صغير وكبير مستطر  ﴾ ﴿ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها  ﴾ وبأنه  نص على ذنوب بأعيانها أنها كبائر، وبقوله  : ﴿ وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان  ﴾ ولا بد من فرق بين الفسوق والعصيان.

فالكبائر هي الفسوق، والصغائر العصيان.

حجة المانع ما روي عن ابن عباس: أنّ الذنب إنما يكبر لوجهين: لكثرة نعم من / عصى فيه ولجلالته، ولا شك أن نعمه  غير متناهية وأنه أجل الموجودات فيكون عصيانه كبيراً.

وعورض بأنه أرحم الراحمين وأغنى عن طاعات المطيعين، وكل ذلك يوجب خفة الذنب وإن سلم أن الذنوب كلها كبائر من حيث إنها ذنوب ولكن بعضها أكبر من بعض وذلك يوجب التفاوت.

وإذ قد عرفت أن الذنوب بعضها صغائر وبعضها كبائر فالكبيرة تتميز عن الصغيرة بذاتها أو باعتبار فاعلها.

ذهب إلى كل واحد طائفة.

فمن الأولين من قال: ويروى عن ابن عباس كل ما جاء في القرآن مقروناً بذكر الوعيد فهو كبيرة كالقتل المحرم والزنا وأكل مال اليتيم وغيرها.

وزيف بأنه لا ذنب إلاّ وهو متعلق الذم عاجلاً والعقاب آجلاً فيكون كل ذنب كبيراً وهو خلاف المفروض.

وعن ابن مسعود أن الكبائر هي ما نهى الله  في الآيات المتقدمة، وضعف بأنه  ذكر الكبائر في سائر السور أيضاً فلا وجه للتخصيص.

وقيل: كل عمد فهو كبير.

ورُدّ بأنه إن أراد بالعمد أنه ليس بساهٍ فما هذا حاله فهو الذي نهى الله عنه فيكون كل ذنب كبيراً وقد أبطلناه، وإن أراد بالعمد أن يفعل المعصية مع العلم بأنها معصية فلا يكون كفر اليهود والنصارى كبيراً وهو باطل بالاتفاق.

وأما الذين يقولون الكبائر تمتاز عن الصغائر باعتبار فاعلها، فوجهه أنّ لكل طاعة قدراً من الثواب، ولكل معصية قدراً من العقاب.

فإذا وجد للإنسان طاعة ومعصية فالتعادل بين الاستحقاقين وإن كان ممكناً بحسب العقل إلاّ أنه غير ممكن بحسب السمع وإلاّ لم يكن مثل ذلك المكلف لا في الجنة ولا في النار وقد قال  : ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير  ﴾ فلا بد من ترجيح أحدهما، ويلزم حينئذٍ الإحباط والتكفير.

والحق في هذه المسألة وعليه الأكثرون بعد ما مرّ من إثبات قسمة الذنب إلى الكبير والصغير أنه  لم يميّز جملة الكبائر عن جملة الصغائر لما بين في هذه الآية أن الاجتناب عن الكبائر يوجب تكفير الصغائر.

فلو عرف المكلف جميع الكبائر اجتنبها فقط واجترأ على الإقدام على الصغائر، أما إذا عرف أنه لا ذنب إلاّ ويجوز كونه كبيراً صار هذا المعنى زاجراً له عن الذنوب كلها، ونظير هذا في الشرع إخفاء ليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، ووقت الموت في جملة الأوقات.

هذا ولا مانع من أن يبيّن الشارع في بعض الذنوب أنه كبيرة كما روي أنه  قال: " اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلاّ بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " وذكر عند ابن عباس أنها سبعة / فقال: هي إلى السبعين أقرب.

وفي رواية إلى السبعمائة.

وعن ابن عمر أنه عدّ منها: استحلال آميّن البيت الحرام وشرب الخمر.

وعن ابن مسعود: زيادة القنوط من رحمة الله والأمن من مكره.

وفي بعض الروايات عن النبي  زيادة قول الزور وعقوق الوالدين والسرقة.

وأما قول العلماء في الكبيرة فمنهم من قال: هي التي توجب الحد.

وقيل: هي التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص أو كتاب أو سنة.

وقيل: كل جريرة تؤذن بقلة اكتراث صاحبها بالدين.

وقيل: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار.

ويراد بالإصرار المداومة على نوع واحد من الصغائر، أو الإكثار منها وإن لم تكن من نوع واحد.

احتج أبو القاسم الكعبي بالآية على القطع بوعيد أهل الكبائر لأنها تدل على أنه إذا لم يجتنب الكبائر فلا تكفر عنه.

والجواب عنه أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج ويؤيده قوله تعالى: ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته  ﴾ وأداء الأمانة واجب أمنه أو لم يأمنه.

سلمنا أنّ الآية رجعت إلى قوله من لم يجتنب الكبائر لم يكفر عنه سيّئاته، فغايته أنه يكون عاماً في باب الوعيد.

والجواب عنه هو الجواب عن سائر العمومات، وهو أنه مشروط بعدم العفو عندنا كما أنه مشروط عندكم بعدم التوبة.

ثم قالت المعتزلة: إنّ عند اجتناب الكبائر يجب غفران الصغائر، وعندنا لا يجب على الله شيء بل كل ما يفعله فهو فضل وإحسان.

ويدخل في الاجتناب عن الكبائر الإتيان بالطاعات لأن ترك الواجب أيضاً كبيرة.

﴿ وندخلكم مدخلاً ﴾ فمن فتح الميم أراد مكان الدخول، ومن ضمها أراد الإدخال.

ووصفه بالكرم إشعار بأنه على وجه التعظيم خلاف إدخال أهل النار الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم، أو هو وصف باعتبار صاحبه.

ثم إنه  لما أمرهم بتهذيب أعمال الجوارح وهو أن لا يقدموا على أكل الأموال بالباطل وعلى قتل الأنفس، حثهم على تهذيب الأخلاق في الباطن.

أو نقول: لما نهاهم عن الأكل والقتل ولن يتم ذلك إلاّ بالرضا بالقضاء وتطييب القلب بالمقسوم المقدّر، فلا جرم قال: ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ قالت المعتزلة: التمني قول القائل: "ليته كذا".

وقال أهل السنة: هو عبارة عن إرادة ما يعلم أن يظن أنه لا يكون ولهذا قالوا: إنه  لو أراد من الكافر أن يؤمن مع علمه بأنه لا يؤمن كان متمنياً.

ثم مراتب السعادات إما نفسانية نظرية كالذكاء والحدس وحصول المعارف والحقائق، أو عملية كالأخلاق الفاضلة، وإما بدنية كالصحة والجمال والعمر، وإما خارجية كحصول الأولاد النجباء وكثرة العشائر والأصدقاء والرياسة التامة ونفاذ القول وكونه محبوباً للخلق حسن الذكر مطاع الأمر، فهذه مجامع السعادات.

وبعضها محض عطاء الله  ، وبعضها مما / يظن أنها كسبية.

وبالحقيقة كلها عطاء منه  فإنه لولا ترجيح الدواعي وإزالة العوائق وتحصيل الموجبات وتوفيق الأسباب فلأي سبب يكون السعي والجد مشتركاً فيه، والفوز بالبغية والظفر بالمطلوب غير مشترك فيه؟

وإذا كان كذلك فما الفائدة في الحسد غير الاعتراض على مدبر الأمور وكافل مصالح الجمهور؟

فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علماً بأن ما قسم له هو خير له، ولو كان خلافه لكان وبالاً عليه كما قال: ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض  ﴾ وفي الكلمات القدسية: " من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر نعمائي كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين.

ومن لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليخرج من أرضي وسمائي وليطلب رباً سوائي" قال المحققون: لا يجوز للإنسان أن يقول: اللهم أعطني داراً مثل دار فلان، وزوجة مثل زوجة فلان، وإن كان هذا غبطة لا حسداً، بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحاً لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي.

وعن الحسن: لا يتمن أحد المال فلعل هلاكه في ذلك المال.

أما سبب النزول فعن مجاهد قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من الميراث ضعف ما لنا فنزلت.

وعن قتادة والسدي: لما نزل قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين  ﴾ قال الرجال: نرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث.

وقال النساء: نرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال.

وفي رواية قلن: نحن أحوج لأن ضعفاءهم أقدر على طلب المعاش فنزلت.

وقيل: أتت وافدة النساء إلى الرسول وقالت: رب الرجال والنساء واحد، وأنت الرسول إلينا وإليهم، وأبونا آدم وأمنا حواء فما السبب في أن الله يذكر الرجال ولا يذكرنا؟

فنزلت الآية.

فقالت: وقد سبقنا الرجال بالجهاد فما لنا؟

فقال  : "إن للحامل منكن أجر الصائم القائم، وإذا ضربها الطلق لم يدر أحد ما لها من الأجر، فإن أرضعت كان لها بكل مصة أجر إحياء نفس" .

﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ من نعيم الدنيا وثواب الآخرة فينبغي أن يرضوا بما قسم لهم، وكذا للنساء، أو لكل فريق جزاء ما اكتسب من الطاعات فلا ينبغي أن يضيعه بسبب الحسد المذموم.

وتلخيصه لا تضيع ما لك بتمني ما لغيرك.

أو ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ بسبب قيامهم بالنفقة على النساء ﴿ وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ بحفظ فروجهن وطاعة أزواجهن والقيام بمصالح البيت ﴿ واسئلوا الله من فضله ﴾ فعنده من ذخائر الإنعام ما لا ينفده مطالب الأنام.

و "من" للتبعيض أي شيئاً من خزائن كرمه وطوله ﴿ إنّ الله كان بكل شيء / عليماً ﴾ فهو العالم بما يكون صلاحاً للسائلين، فليقتصر السائل على المجمل وليفوّض التفصيل إليه فإن ذلك أقرب إلى الأدب وأوفق للطلب.

قوله  وتعالى : ﴿ ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ يمكن تفسيره بحيث يكون الوالدان والأقربون وارثين وبحيث يكونان موروثاً منهما.

والمعنى على الأول: لكل أحد جعلنا ورثة في تركته.

ثم إنه كأنه قيل: ومَنْ هؤلاء الورثة؟

فقيل: هم الوالدان والأقربون فيحسن الوقف على قوله: ﴿ مما ترك ﴾ وفيه ضمير كل.

وأما على الثاني، فإما أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي ورثة، وإما أن يكون ﴿ جعلنا موالي ﴾ صفة ﴿ لكل ﴾ بل محذوف والعائد محذوف وكذا المبتدأ والتقدير: ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب مما ترك الوالدان والأقربون كما تقول: لكل من خلقه الله إنساناً من رزق الله.

أي حظ من رزق الله، والمولى لفظ مشترك بين معانٍ: منها المعتق لأنه ولي نعمته في عتقه، ومنها العبد المعتق لاتصال ولاية مولاه في إنعامه عليه، وهذا كما يسمى الطالب غريماً لأن له اللزوم والمطالبة بحقه، ويسمى المطلوب غريماً لكون الدين لازماً له.

ومنها الحليف لأن الحالف يلي أمره بعقد اليمين، ومنها ابن العم لأنه يليه بالنصرة ومنه المولى للناصر قال  : ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا  ﴾ ومنها العصبة وهو المراد في الآية إذ هو الأليق بها كقوله  : " أنا أولى بالمؤمنين من مات وترك مالاً فماله للموالي العصبة، ومن ترك كلاً فأنا وليّه " وأما قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ فإما أن يكون مبتدأ ضمن معنى الشرط، فوقع قوله: ﴿ فآتوهم ﴾ خبره.

وإما أن يكون منصوباً على قولك: "زيداً فاضربه" مما توسط الفاء بين الفعل ومفعول مفسره إيذاناً بتلازمهما وإما أن يكون معطوفاً على ﴿ الوالدان ﴾ والإيمان جمع اليمين اليد أو الحلف.

من الناس من قال: الآية منسوخة.

وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك أي ما يهدر، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف فنسخ بقوله: ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض  ﴾ وبقوله: ﴿ يوصيكم الله  ﴾ وأيضاً: إن الواحد منهم كان يتخذ إنساناً أجنبياً ابناً له وهم الأدعياء، وكان النبي  يؤاخي بين كل رجلين منهم، فكانوا يرثون بالتبني والمؤاخاة فنسخ، ومن المفسرين من زعم أنها غير منسوخة، وقوله: ﴿ والذين ﴾ معطوف على ما / قبله.

والمعنى: أن ما ترك الذين عقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به فلا تدفعوا المال إلى الحليف بل إلى الوارث، فيكون الضمير في ﴿ فآتوهم ﴾ للموالي قاله أبو علي الجبائي.

أو المراد بالذين عاقدت الزوج والزوجة، والنكاح يسمى عقداً بين ميراث الزوج والزوجة بعد ميراث الولد والوالدين كما في قوله: ﴿ يوصيكم الله  ﴾ قاله أبو مسلم.

وقيل: المراد الميراث الحاصل بسبب الولاء.

وقيل: هم الحلفاء.

والمراد بإتياء نصيبهم النصرة والنصيحة والمصافاة.

وقال الأصم: المراد التحفة بالشيء القليل كقوله: ﴿ وإذا حضر القسمة  ﴾ وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يرث المولى الأسفل من الأعلى.

وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أنه قال: يرث، لما روى ابن عباس "أن رجلاً أعتق عبداً له فمات المعتق ولم يترك إلاّ العتيق فجعل رسول الله  ميراثه للغلام" .

والحديث عند الجمهور محمول على أن المال صار لبيت المال ثم دفعه النبي  إلى الغلام لفقره، وقال أبو حنيفة: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح وورث بحق الموالاة، وخالفه الشافعي فيه.

وحكى الأقطع أن هذه المولاة لا تصح عند أبي حنيفة أيضاً إلا بين العرب دون العجم لرخاوة عقدهم في أمورهم، ﴿ إنّ الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ لأنه عالم بجميع الجزئيات والكليات فشهد على الخلق يوم القيامة بكل ما عملوه، وفيه وعيد للعاصين، ووعد للمطيعين.

هذا وقد مر أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهم في الميراث ونحوه، فذكر في هذه الآية ما يشتمل على بعض أسباب التفضيل فقال: ﴿ الرجال قوّامون ﴾ يقال: هذا قيم المرأة وقوّامها بناء مبالغة للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها كما يقوم الوالي على الرعية ومنه سمي الرجال قوّاماً.

والضمير في بعضهم للرجال والنساء جميعاً أي إنما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل الله بعضهم - وهو الرجال - على بعض - وهم النساء.

وقيل: وفيه دليل على أن الولاية إنما تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة والقهر.

وذكروا في فضل الرجال العقل والحزم والعزم والقوة والكتابة في الغالب والفروسية والرمي، وأن منهم الأنبياء والعلماء والحكماء، وفيهم الإمامة الكبرى وهي الخلافة، الصغرى وهو الاقتداء بهم في الصلاة، وأنهم أهل الجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق وفي الأنكحة عند الشافعي، وزيادة السهم في الميراث والتعصيب فيه، والحمالة تحمل الدية في القتل الخطأ، والقسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج وإليهم الانتساب، وكل ذلك يدل على فضلهم، وحاصلهم يرجع إلى العلم والقدرة.

ومنها سبب خارجيّ وذلك أنهم فضلوا عليهن بما أنفقوا أي أخرجوا في نكاحهن من أموالهم مهراً / ونفقة.

عن مقاتل "أن سعد بن الربيع، وكان من نقباء الأنصار، نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فلطمها.

فانطلق بها أبوها إلى رسول الله  وقال: افرشته كريمتي فلطمها.

فقال رسول الله  : لتقتص منه، وكانت قد نزلت آية القصاص، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبي  : ارجعوا هذا جبيرل أتاني وأنزل الله هذه الآية.

فقال النبي  : أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير ورفع القصاص" .

فلهذا قال العلماء: لا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس ولو شَجها ولكن يجب العقل، وقيل: لا قصاص إلاّ في الجرح والقتل، وأما في اللطمة ونحوها فلا.

ثم قسم النساء قسمين، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات مطيعات لله وللزوج حافظات للغيب قائمات بحقوق الزوج في غيبته، والغيب خلاف الشهادة.

ومواجب حفظ غيبة الزوج أن تحفظ نفسها عن الزنا لئلاّ يلحق الزوج العار بسبب زناها، ولئلاّ يلحق به الولد الحاصل من نطفة غيره، وأن تحفظ أسراره عن الإفشاء وماله عن الضياع ومنزلها عما لا ينبغي شرعاً وعرفاً.

عن النبي  : " خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها وتلا الآية" و "ما" في قوله: ﴿ بما حفظ الله ﴾ موصولة والعائد محذوف أي بالذي حفظه الله لهن أي عليهن أن يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن حيث أمرهم بالعدل فيهن في قوله: ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان  ﴾ فقوله: ﴿ بما حفظ الله ﴾ يجري مجرى قولهم "هذا بذاك" أي هذا في مقابلة ذاك، أو مصدرية والمعنى: أنهن حافظات للغيب بحفظ الله إياهن فإنهن لا يتيسر لهن حفظ الغيب إلاّ بتوفيق الله، أو بما حفظهن حين وعدهن الثواب العظيم على الأمانة، وأوعدهن العذاب الشديد على الخيانة.

ومن قرأ ﴿ بما حفظ الله ﴾ بالنصب فـ "ما" أيضاً موصولة أي بالأمر الذي يحفظ حق الله وأمانته وهو التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم، أو مصدرية أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره فإن المرأة لولا أنها تحاول رعاية تكليف الله وتجتهد في حفظ أوامره وإلا لما أطاعت زوجها.

ثم ذكر غير الصالحات منهن فقال: ﴿ واللاتي تخافون ﴾ تعرفون بالقرائن والأمارات ﴿ نشوزهن ﴾ عصيانهن والترفع عليكم بالخلاف من نشز الشيء ارتفع، ومنه نشز للأرض المرتفعة ﴿ فعظوهن ﴾ وهو أن يقول: اتقي الله فإن لي عليك حقاً، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي عليك فرض ونحو ذلك.

﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ أي في المراقد أي لا تداخلوهن تحت اللحف، وقيل: هو أن يوليها ظهره في المضجع.

وقيل: في المضاجع أي ببيوتهن التي يبتن فيها أي لا / تبايتوهن.

وفي ضمن الهجران الامتناع من كلامها.

ولكن ينبغي أن لا يزيد في هجره الكلام على ثلاث، فإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها فتركت النشوز، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران فكان ذلك دليلاً على كمال نشوزها فيباح الضرب وذلك قوله: ﴿ واضربوهن ﴾ والأولى ترك الضرب لما روي أنه  قال: " "لا تضربوا إماء الله فجاء عمر إلى رسول الله  فقال: ذئرت النساء على أزواجهن أي اجترأن فرخص في ضربهن.

فأطاف بآل رسول الله  نساء كثير يشكون أزواجهن فقال رسول الله  : لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم " ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيراً ممن لم يضربوا.

وإذا ضربها وجب أن لا يكون مفضياً إلى الهلاك ألبتة، وأن يكون مفرقاً على بدنها لا يوالي به في موضع واحد، ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن، وأن يكون دون الأربعين.

وقيل: دون عشرين لأنه حد كامل في شرب العبد، ومنهم من لا يرى الضرب بالسياط ولا بالعصا.

وبالجملة فالتخفيف مرعي في هذا الباب ولهذا قال علي بن أبي طالب: يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين.

وقال آخرون: هذا الترتيب مرعي عند خوف النشوز، فأما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل.

وروي عن النبي  : " "علق سوطك حيث يراه أهلك " ﴿ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً ﴾ بالأذى والتوبيخ، واجعلوا ما كان منهم كأن لم يكن ﴿ إن الله كان علياً ﴾ لا بالجهة ﴿ كبيراً ﴾ لا بالجثة ﴿ فاحذروا ﴾ واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على أزواجكم وأرقائكم.

روي "أن أبا مسعود الأنصاري رفع سوطه ليضرب غلاماً له فبصر به رسول الله  فصاح به: أبا مسعود، الله أقدر منك عليه.

فرمى بالسوط وأعتق الغلام" .

وفيه أنه مع علوه وكبرياء سلطانه تعصونه فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو إذا رجع الجاني عليكم، أو أنه مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون فكذلك لا تكلفوهن محبتكم فلعلهن لا يقدرن على ذلك، أو أنه مع علو شأنه وكبريائه يكتفي من العبيد بالظواهر ولا يهتك السرائر فأنتم أجدر بأن لا تفتشوا عما في قلبها من الحب والبغض إذا صلح حالها في الظاهر، أو أنهن إن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم فالله  قادر قاهر ينتصف لهن منكم.

ثم بيّن أنه ليس بعد الضرب إلا المحاكمة فقال: ﴿ وإن خفتم ﴾ قال ابن عباس: أي علمتم وذلك لإصرارها على النشوز حيث لم يؤثر فيها الوعظ والهجران والضرب.

واعترض / عليه الزجاج بأنه إذا علم الشقاق قطعاً فلا حاجة إلى الحكمين.

وأجيب بأن الشقاق معلوم إلاّ أنا لا نعلم أن سبب الشقاق منه أو منها، فالحاجة إلى الحكمين لهذا المعهنى.

أو نقول: المراد إزالة الشقاق في الاستقبال، ومعنى ﴿ شقاق بينهما ﴾ شقاقاً بينهما، فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع وهو إجراء الظرف مجرى المفعول به، أو على جعل البين مشاقاً مثل "نهاره صائم" والضمير للزوجين يدل عليهما مساق الكلام، أو ذكر الرجال والنساء ﴿ فابعثوا حكماً من أهله ﴾ رجلاً مقنعاً رضاً يصلح لحكومة الإصلاح بينهما ويهتدي إلى المقصود من البعث.

ولا بد فيه من العقل والبلوغ والحرية والإسلام، ويستحب أن يكون الحكمان من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن أحوالهما وتسكن إليهما نفوس الزوجين، فيبرزان لهما ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة، وموجبات كل من الأمرين.

وينبغي أن يخلو حكم الرجل بالرجل وحكم المرأة بالمرأة فيعرفان ما عندهما وما فيه رغبتهما، وإذا اجتمعا لم يخف أحدهما عن الآخر ما علم.

ثم المبعوثان وكيلان من جهة الزوجين أو موليان من جهة الحكام المخاطبين بقوله: ﴿ فابعثوا ﴾ فيه للشافعي قولان:- أصحهما وبه قال أبو حنيفة وأحمد - أنهما وكيلان لأن البضع حق الزوج والمال حق الزوجة وهما رشيدان.

والخطاب في قوله: ﴿ فإن خفتم ﴾ وفي ﴿ فابعثوا ﴾ لصالحي الأمة لأنه يجري مجرى دفع الضرر، فلكل أحد أن يقوم به.

وثانيهما - وبه قال مالك - أنهما موليان لأنه  سماهما الحكمين.

ولما روي أن علياً  بعث حكمين من زوجين فقال: أتدريان ما عليكما؟

عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا وإن رأيتما أن تفرّقا ففرقا.

وعلى الأول يوكل الرجل الذي هو من أهله بالطلاق وبقبول العوض في الخلع، والمرأة الآخر ببذل العوض وقبول الطلاق، ولا يجوز بعثهما إلا برضاهما فإن لم يرضيا ولم يتفقا على شيء أدب القاضي الظالم واستوفى حق المظلوم.

وعلى الثاني لا يشترط رضا الزوجين في بعث الحكمين.

﴿ إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما ﴾ فيه أربعة أوجه.

الأول: إن يرد الحكمان خيراً يوفق الله بين الحكمين حتى يتفقا على ما هو خير.

الثاني: إن يرد الزوجان إصلاحاً أبدل الله الزوجين بالشقاق وفاقاً.

الثالث: إن يرد الحكمان إصلاحاً يؤلف الله بين الزوجين.

الرابع: إن يرد الزوجان خيراً يوفق الله بين الحكمين حتى تتفق كلمتاهما ويحصل الغرض، والتوفيق جعل الأسباب موافقة للغرض ولا يستعمل إلا في الخير والطاعة.

وفيه أنه لا يتم شيء من الأغراض إلاّ بتوفيق الله  وتيسيره ﴿ إنّ الله كان عليماً خبيراً ﴾ فيوفق بين المختلفين ويجمع بين المفترقين بمقتضى علمه وإرادته.

وفيه وعيد للزوجين والحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق ووعد على الجد في حسم مادة الخصومة والخشونة.

/ ثم أرشد إلى مجامع الأخلاق الحسنة بقوله: ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ﴾ فإن من عبد الله وأشرك به شيئاً آخر فقد حبط عمله وضل سعيه ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ تقديره وأحسنوا بهما إحساناً.

يقال: أحسن بفلان وإلى فلان.

﴿ وبذي القربى واليتامى والمساكين ﴾ وقد مر تفاسيرها في البقرة.

قال أبو بكر الرازي: إن اضطر إلى قتل أبيه بأن يخاف أن يقتله إن ترك قتله جاز له أن يقتله ﴿ والجار ذي القربى ﴾ الذي قرب جواره ﴿ والجار الجنب ﴾ الذي بعد جواره.

عن النبي  : " لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه، ألا وإن الجوار أربعون داراً " وعن الزهري أنه أراد أربعين من كل جانب.

وقيل: الجار ذي القربى الجار القريب النسب، والجار الجنب الأجنبي.

والتركيب يدل على البعد، ومنه الجانبان للناحيتين، والجنبان لبعد كل منهما عن الآخر، ومنه الجنابة لبعده عن الطهارة وعن حضور الجماعة والمسجد ما لم يغتسل.

ومن قرأ ﴿ الجنب ﴾ فمعناه المجنوب مثل "خلق" بمعنى مخلوق، أو المراد ذي الجنب فحذف المضاف ﴿ والصاحب الجنب ﴾ وهو الذي حصل بجنبك إما رفيقاً في سفر، وإما جاراً ملاصقاً، وإما شريكاً في تعلم أو حرفة، وإما قاعداً إلى جنبك في مجلس، أو في مسجد أو غير ذلك من أدنى صحبة اتفقت بينك وبينه، فعليك أن تراعي ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان، وقيل: الصاحب بالجنب المرأة فإنها تكون معك وتضطجع إلى جنبك ﴿ وابن السبيل ﴾ المسافر الذي انقطع عن بلده، أو الضيف ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ عن علي بن أبي طالب أنه كان آخر كلام رسول الله  ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ وذكر اليمين تأكيد كما يقال: مشيت برجلي.

والإحسان إليهم أن لا يكلفهم فوق طاقتهم ولا يؤذيهم بالكلام الخشن، بل يعاشروهم معاشرة جميلة ويعطيهم من الطعام والكسوة ما يليق بحالهم في كل وقت.

وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الإماء البغاء وهو الكسب بفروجهن، ويضعون على العبيد الخراج الثقيل.

وقيل: كل حيوان فهو مملوك.والإحسان إلى كل نوع بما يليق بحاله طاعة عظيمة ﴿ إنّ الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ﴾ تياهاً جهولاً يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه، وعن الالتفات إلى حالهم والتفقد لهم والتحفي بهم، ويأنف من أقاربه إذا كانوا فقراء ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء.

وأصله من الخيلاء الكبر، والفخور المتطاول الذي يعد مناقبه، وعن ابن عباس هو الذي يفخر على عباد الله  بما أعطاه من أنواع نعمه، ولعل هذا يجوز على سبيل التحدث بالنعم فقط ﴿ الذين يبخلون ﴾ البخل في اللغة منع الإحسان، وفي الشرع منع / الواجب.

وفيه أربع لغات: البخل مثل الفقر، والبخل بضم الباء وسكون الخاء، وبضمهما، وبفتحهما.

وسبب النظم أن الإحسان إلى الأصناف المذكورين إنما يكون في الأغلب بالمال فذم المعرضين عن ذلك الإحسان لحب المال، ويحتمل أن يشمل البخل بالعلم أيضاً، أي يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم مقتاً للسخاء وهذه نهاية البخل.

وفي أمثالهم "أبخل من الضنين بنائل غيره" وقد عابهم بكتمان نعمة الله وما آتاهم من فضل الغنى حتى أوهموا الفقر مع الغنى، والإعسار مع اليسار، والعجز مع الإمكان فخالفوا سنة نبي الله  حيث قال  : " "إنّ الله  يحب أن يرى على عبده أثر نعمته " وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره فنم به عنده، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك فأعجبه كلامه.

ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر مثل أن يظهر الشكاية من الله  ولا يرضى بقضائه فلذلك قال: ﴿ وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ ويحتمل أن يراد كافر النعمة لا كافر الإيمان.

وقال ابن عباس: إنّ الآية في اليهود، كانوا يأتون رجالاً من الأنصار يخالطونهم وينتصحون لهم يقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون.

وأيضاً وإنهم كتموا صفة محمد ولم يبينوها للناس.

ثم لما ذمّ الذين لا ينفقون أموالهم عطف عليهم الذين ينفقون أموالهم ولكن ريا وفخاراً وليقال ما أسخاهم وما أجودهم لا ابتغاء وجه الله، ومثل هذا الإنفاق دليل على أنه لا يؤمن بالله واليوم الآخر وإلاّ أنفق لله أو للآخرة ﴿ ومن يكن الشيطان له قريناً ﴾ في الدنيا آمراً بالبخل والفحشاء ﴿ فساء قريناً ﴾ في الآخرة يقرن به في النار.

ثم استفهم على سبيل الإنكار فقال: ﴿ وماذا عليهم ﴾ أي أيّ تبعة ووبال عليهم؟

أو ما الذي عليهم في باب الإيمان والإنفاق في سبيل الله؟

والمراد التوبيخ وإلاّ فكل منفعة في ذلك كما يقال للمنتقم: ما ضرك لو عفوت؟

وللعاق: ما كان يرزؤك لو كنت باراً؟

﴿ وكان الله بهم عليماً ﴾ بعث على إصلاح أفعال القلوب التي يطلع عيلها علام الغيوب، وردع عن دواعي النفاق والرياء والسمعة والفخار.

احتج القائلون بأن الإيمان يصح على سبيل التقليد بأن قوله: ﴿ وماذا عليهم لو آمنوا ﴾ مشعر بأن الإتيان بالإيمان في غاية السهولة والاستدلال في غاية الصعوبة.

وأجيب بأن الصعوبة في الإيمان الاستدلالي التفصيلي لا الإجمالي.

وقال جمهور المعتزلة: لو كانوا غير قادرين لم يقل: ﴿ وماذا عليهم ﴾ كما لا يقال للمرأة ماذا عليها لو كانت رجلاً، وللقبيح ماذا عليه لو كان جميلاً.

وأجيب بعدم التحسين والتقبيح العقليين وأنه لا يسأل عما يفعل.

/ ثم رغب في الإيمان والطاعة قائلاً: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ والمثقال مفعال من الثقل كالميزان من الوزن.

والذرة النملة الصغيرة.

وعن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها ثم قال: كل واحد من هذه الأشياء ذرة، وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكوّة ذرة.

وانتصاب ﴿ مثقال ﴾ على أنه مفعول ثان أي لا ينقص الناس مثقال ذرة، أو على المصدر أي ظلماً قدر مقدارها، وأراد نفي الظلم رأساً إلا أنه أخرج الكلام على أصغر المتعارف.

وهذه الآية مما يتمسك به المعتزلة في أنه  غير خالق لأعمال العباد وإلا كان ظلمهم منسوباً إليه، وفي أن العبد يستحق الثواب على طاعته وإلا كان منعه عنه ظلماً.

وأجيب بأنه إذا كان متصرفاً في ملكه كيف شاء فلا يتصور منه ظلم أصلاً.

وقد يحتج الأصحاب ههنا على صحة مذهبهم في عدم الإحباط بأن عقاب شرب قطرة من الخمر لو كان مزيلاً لطاعات سبعين سنة كان ظلماً، وفي عدم وعيد الفساق بأن عقاب شرب جرعة من الخمر لو كان دائماً مخلداً لزوم إبطال ثواب إيمان سبعين سنة وهو ظلم.

ثم قال: ﴿ وإن تك ﴾ حذفت النون من هذه الكلمة بعد سقوط الواو بالتقاء الساكنين لأجل التخفيف وكثرة الاستعمال.

من قرأ ﴿ حسنة ﴾ بالرفع فعلى "كان" التامة، ومن قرأ بالنصب فالتأنيث في ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى مؤنث.

والمراد بالمضاعفة ليس هو المضاعفة بالمدة لأن مدة الثواب غير متناهية وتضعيف غير المتناهي محال، بل المراد المضاعفة بحسب المقدار، كأن يستحق عشرة أجزاء من الثواب فيجعله عشرين أو ثلاثين.

عن ابن مسعود أنه قال: "يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأويلن والآخرين: هذا فلان ابن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه، ثم يقال له: أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب ومن أين وقد ذهبت الدنيا؟

فيقول الله لملائكته: انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها الله  لعبده وأدخله الجنة بفضل رحمته" ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ قال الحسن: الوعد بالمضاعفة أحب عند العلماء مما لو قال في الحسنة الواحدة مائة ألف حسنة، لأن هذا يكون مقداره معلوماً، أما على هذه العبارة فلا يعلم كميته إلاّ الله  .

وعن أنس أن رسول الله  قال: " "إنّ الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة.

وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها" أما قوله: ﴿ ويؤت من لدنه أجراً عظيماً ﴾ فإن ﴿ لدن ﴾ بمعنى عند إلا أن لدن أكثر تمكناً.

يقول الرجل: عندي مال وإن كان المال ببلد آخر.

ولا يقول: لديّ مال إلاّ إذا كان بحضرته.

والمعتزلة حملوا / المضاعفة على القدر المستحق وهذا الثاني على الفضل التابع للأجر.

ويمكن أن يقال: الأول إشارة إلى السعادات الجسمانية، والثاني إشارة إلى اللذات الروحانية والله أعلم.

التأويل: جملة الكبائر مندرجة تحت ثلاث: إحداها اتباع الهوى وينشأ منه البدع والضلالات وطلب الشهوات وحظوظ النفس بترك الطاعات، وثانيتها حب الدنيا وينشعب منه القتل والظلم وأكل الحرام، وثالثتها رؤية غير الله وهو الشرك والرياء والنفاق وغيرها.

ثم أخبر أن الدين ليس بالتمني فقال: ﴿ ولا تتمنوا ﴾ فإنه لا يحصل بالتمني ولكن ﴿ للرجال ﴾ المجتهدين في الله ﴿ نصيب ﴾ مما جدوا في طلبه ﴿ وللنساء ﴾ وهم الذين يطلبون من الله غير الله ﴿ نصيب ﴾ على قدر همتهم في الطلب ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ فيه معنيان: سلوه من فضله الخاص وهو العلم اللدني ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً  ﴾ أو سلوه منه ولا تسألوه من غيره ﴿ ولكل جعلنا موالي ﴾ لكل طالب صادق جعلنا استعداداً في الأزل للوراثة مما ترك والداه وأقرباؤه، طلبه لعدم الاستعداد والمشيئة.

والذين جرى بينكم وبينهم عقد الأخوة في الله ﴿ فآتوهم ﴾ بالنصح وحسن التربية والتسليك ﴿ نصيبهم ﴾ الذي قدّر لهم ﴿ الرجال قوّامون على النساء ﴾ بمصالح دينهن ودنياهن بتفضيل الله وهو استعداد الخلافة والوراثة ﴿ وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ أي تجريدهم عن الدنيا وتفريدهم للمولى.

﴿ فالصالحات ﴾ اللاتي يصلحن للكمال ﴿ قانتات ﴾ مطيعات لله لهن قلوب ﴿ حافظات ﴾ لواردات الغيب ﴿ بما حفظ الله ﴾ عليهن حقائق الغيب وأسراره.

﴿ واللاتي تخافون نشوزهن ﴾ إذا دارت عليهن كؤوس الواردات كما قيل: فأسكر القوم دور كاس *** وكان سكري من المدير ﴿ فعظوهن ﴾ باللسان وخوّفوهن بالهجران ليتأدب السكران ﴿ واضربوهن ﴾ بسوط الانفصال وفراق الإخوان كما كان حال الخضر مع موسى حيث قال: ﴿ هذا فراق بيني وبينك  ﴾ هذا قانون أرباب الكمال إذا رأوا من أهل الإرادة إمارات الملال أو عربدة من غلبات الأحوال.

﴿ وإن خفتم ﴾ شقاقاً بين الشيخ الواصل والمريد المتكامل ﴿ فابعثوا ﴾ متوسطين من المشايخ الكاملين ومن السالكين المعتبرين ﴿ إن يريدا إصلاحاً ﴾ بينهما بما رأيا فيه صلاحهما ﴿ يوفق الله بينهما ﴾ بالإرادة وحسن التربية ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ﴾ من الدنيا والعقبى لتتخلقوا بأخلاق الله وتحسنوا إلى الواليدن وغيرهما ﴿ إحساناً ﴾ بلا شرك ورياء وفخر وخيلاء والله ولي والتوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ الآية.

قيل: لا يتمنى الرجل مال أخيه، ولا امرأته، ولا داره، ولا شيئاً من الذي له؛ ولكن ليقل: اللَّهُمَّ ارزقني، تذكر النوع الذي رغبت؛ فالله واجد ذلك، وهو الواسع العليم.

وقيل: هو كذلك في التوراة.

وقيل: إن أم سلمة قالت: يا رسول الله، يغزو الرجال ولا نغزو، ويذكر الرجال ولا نذكر؛ فنزلت الآية: ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ ﴾ إلى قوله - عز وجل -: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ﴾ .

ويحتمل: أن يكون هذا التمني في الديانة [وفي الدنيا]: أما في الديانة: هو أن يتمنى أحد أن يكون قدره مثل قدر آخر عند الناس من العلم، والزهد، وغير ذلك؛ فنهي أن يتمنى ذلك؛ إذ لم يبلغ هو ذلك المبلغ إلا باحتمال المكاره والمشقة والجهد.

وفي الدنيوية: هو أن يتمنى مال: أخيه، وزوجته، وخدمه.

ويحتمل: أن يكون معنى التمني: ما ذكر في خبر أم سلمة؛ لأن في ذلك الكفران بنعم الله؛ لأن النساء - وإن لم يُجْعَل عليهن القتال وغيره من الخيرات - رفع عنهن بعض المُؤُنات؛ ففي التمني الكفرانُ بتلك النعم التي أنعم الله -  - عليهن.

وفي قوله - أيضاً -: ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: الذي فضل الله بعضكم على بعض؛ فهو - والله أعلم - لما فيه السخط بحكمه، يريد الصرف إليه، أو لما فيه أنه إنما قصر فضله على ما رأى وألا يسع فضله له وللذي فضله، ولما النظر [إلى ما] أكرم به غيره بحق التمني - يلهي عن نعم الله -  - عليه، أو لما يخرج ذلك مخرج العداوة، وحق نعم الله على كل أحد - أن يُعرف التعظيم له، وكذلك قيل: فضلت على غيرك؛ لترحمه وتتفضل عليه؛ للتعظيم، والتمني أوخش من الحسد؛ لأن الحسد هو إرادة الصرف عنه، وفي التمني ذلك وإرادة الفضل له به عليه.

﴿ وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ ﴾ -  وتعالى - ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ ، وكان فضله في الحقيقة هو ما له ألا يبذل، وذلك يخرج على فضل في الدين، أو فضل في الخلق والمروءة، فأما فيما يرجع إلى نعم الدنيا مما لا يستعمله في أحد ذينك الوجهين - فهو في الظاهر نعمة، وفي الحقيقة بلية ومحنة؛ قال الله -  وتعالى -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ  ﴾ الآية، وقال الله - عز وجل -: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ...

﴾ \[المؤمنون: 55\].

وجائز أن تكون الآية في النهي، مع ما مكنوا من النعم ووفقوا للخيرات: فإن كان لما وفقوا للخيرات - فحق ذلك أن يشكر لله؛ بما أكرم به من حسنات، ويرغب في التوفيق لمثله.

وإن كان في أمر النعم - فحقه أن يعينه بالدعاء؛ لتكون النعمة له [نعمة] لا بلية ونقمة، وترغب فيما يقربك إلى الله في عاقبة.

وقد ذكرنا أن أمّ سلمة تمنت بعض ما يقوم به الرجال من العبادات: نحو الجهاد وأشكاله؛ فنزل النهي عن ذلك، والترغيب في فضله في نوع ما تحتمل هي من الخيرات، دون الذي يفضل عليهن بالرفع عنهن، والله أعلم.

وفي قوله - أيضاً -: ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ...

﴾ الآية - يحتمل أن يكون على ما خاطب [رسول الله]  بقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ...

 ﴾ الآية؛ فأخبر أن الذي أعطى - لم يعط للكرامة؛ ولكن ليفتنهم به، والعقل يأبى الرغبة فيما يفتن به دون ما يكرم به، ثم بيّن الذي هو أولى بالمشتهي من التمني، فقال: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ ﴾ فرغب فيما له، وأمر بالسؤال من فضله؛ إذ لا يكون كسبه له إلا بفضله: كقوله -  وتعالى -: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا  ﴾ ، ثمّ قال الله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً  ﴾ فبين أن كسبه عليه إلا بفضل الله، وبين أن الأولى به الإقبال على ما له عاقبته، والتضرع إلى الله -  - بالإكرام دون الذي عليه في ذلك؛ خوف المقت، [والله أعلم].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

مِثْلَهُ؛ فإن فضله واسع، ولا يتمنى مال أخيه وداره.

أو اسألوا الله -  - العبادة، ولا تتمن ألا يكون لأخيك ذلك، ويكون لك، ثم أخبر أن ما يكون للرجال إنما يكون بالاكتساب، وما يكون للنساء يكون بالاكتساب، يكون لكلٍّ ما اكتسب من الأجر وغيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ ﴾ .

احتمل هذا - والله أعلم - أن يكون معطوفاً، مردوداً إلى قوله -  وتعالى -: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ﴾ الآية، ذكر - هاهنا - ما يرث الرجال والنساء من الوالدين والأقربين، ولم يذكر ما يرث الوالدان من الأولاد والأقربون بعضهم من بعض: من نحو العم، وابن العم، وغيرهم من القرابات؛ فذكر - هاهنا - ليعلم أن للمولى من الميراث مما ترك الوالدان والأقربون ما لأولئك من الوالدين والأقربين إذا لم يكن أولئك أن جعل لهؤلاء ما جعل لأولئك، ولم يذكر - أيضاً - ما للوالدين من الأولاد في قوله: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ...

﴾ الآية، ولكن ذكر في آية الوصية في قوله -  -: ﴿ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ  ﴾ ذكر الوصية للوالدين والأقربين؛ ولم يذكر للأولاد - والله أعلم - أن الرجل قد يؤثر ولده على نفسه، وعلى غيرهم من الأقرباء، ولا كذلك الولد للوالد؛ فذكر الوصية للوالدين والأقربين لهذا المعنى؛ ليصل إليهم المعروف، وأمّا الأولاد فإنهم لا يؤثرون عليهم غيرهم؛ لذلك لم يذكرهم، والله أعلم.

وقيل في قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا ﴾ أي: بينا فيكون فيها بيان ما في الأولى من المواريث.

ثم قيل في الموالي: إنهم هم العصبة، وقيل: هم أولياء الأب، أو الأخ، أو ابن الأخ، وغيرهم من العصبة.

وقيل: هي الورثة، وهو قول ابن عباس، وكله واحد.

وروي عن أبي هريرة -  - [أنه] قال: قال رسول الله  : "أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ، مَنْ مَاتَ وَتَرَكَ مَالاً فَمَالُهُ لَمَوالي العَصَبَةِ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً أَوْ ضيَاعاً فَأَنَا وَليِّهُ؛ فَلاَ دُعَاءَ لَهُ" وعن ابن عباس -  - قال: قال رسول الله  : "أَلْحِقُوا المَالَ بِالْفَرَائِضِ، فَمَا أَبْقَتِ السِّهَامُ فَلأَِولَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" وعن عمر [بن الخطاب -  -] قال: سمعت رسول الله  [يقول:] "مَا أَحْرَزَ الوَالِدُ أَوْ الَوَلَدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ" وعن عمر -  - أنه كتب: إذا كانت العصبة بعضهم أقرب بأم - فهم أحق بالمال.

وأجمع أهل العلم على أن أهل السهام إذا استوفوا سهامهم وبقى من المال شيء - أنه لعصبة الميت، وهم الرجال من قرابته من قبل أبيه ومواليه، وأنه لا يكون أحد من النساء عصبة إلا الأخوات من الأب والأم، أو من الأب مع البنات، والمرأة المعتقة؛ فإن هاتين عصبة وأجمعوا أن كل من اتصلت قرابته من قبل النساء بالميت فليس بعصبة، وأن المرأة إذا أعتقت عبداً أو أمة فإنها عصبة المعتق بعد موت أمه، إلا ابن مسعود -  - فإنه يجعل لذوي الأرحام دون الموالي.

وأجمعوا أنه إذا اجتمع عصبتان فأقربهما أولى، وأقرب العصبة الابن، ثم ابن الابن وإن سفل، ثم الأب، ثم الجدّ وإن علا، والأخ من الأب والأم، ثم الأخ من الأب، ثم ابن الأخ من الأب والأم، ثم ابن الأخ من الأب، ثم العم من الأب والأم، ثم العم من الأب، ثم ابن العم من الأب والأم، ثم ابن العم من الأب، ثم مولى النعمة، ثم ابن مولى النعمة وإن سفل، فهؤلاء كلهم عصبة الميت، وأقربهم أولاهم بما فضل من المال عن أصحاب السهام المذكور سهامهم، هو - والله أعلم - موافق لما ذكرنا من دليل الآية والسنة، وما تواتر من الروايات عن الصحابة، رضوان الله  عليهم أجمعين.

وفي قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ ﴾ ، يحتمل: ولكل من الموالي جعلنا؛ على إضمار "نصيب" أو "حق" فيما ترك الوالدان والأقربون؛ فيكون تأويله قوله: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ  ﴾ فيكونون هم مواليه بحق الميراث على تأويل أنهم أولى بما تركوا، وعلى مثله قوله: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً  ﴾ ووليه من يلحقه في ملكه؛ يفسره قوله -  -: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ  ﴾ وجميع آيات المواريث، إلا أنه لم يذكر للوالدين في هذه الجملة ولا للزوجين، ولا يدخلون في اسم القرابة، ولا في اسم الأولاد وقد جاء بالإيجاب لهم الكتاب وأجمعت عليه الأمة على غير دعوى النسخ فيه من أحد؛ ليعلم أن التخصيص بالذكر فالحق لا يقطع حق غير، لكنه يكون الأمر موقوفاً على وجود دليله، والله أعلم.

على أن في الإيجاب للأقربين وللموالي كفاية عن ذكر من ذكر؛ إذ بهم تكون كل القرابة، وبالتناكح يكون النسل، وهو المجعول لذلك، وكذلك لا يسقط حق هؤلاء بحال ولا يحجبون عن الكل بأحد، وقد جرى ذكر حقهم فيما نسخته هذه الآية من الوصية، والله أعلم.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ ﴾ \[مَنْ\] يرجع الموالي إلى الذين ورثوه من تركة الأبوين والأقربين يجيز أن قد تجري المواريث فيما قد ورث نحو ما تجري فيما لم يكن ورث مرة؛ فرجع ذا إلى غير أولاد الأول وأقرباء الأول، أو أن يكون المقصود فيما ترك الوالدان والأقربون بما ذكر في أيهم نصيباً مفروضاً أن يكون هذا فيما ترك الوالدان والأقربون مع أصحاب الفرائض؛ فتكون هذه الآية في بيان حق العصبات؛ إذ لم يذكر لهم دون أن يكون معهم أصحاب الفرائض يرثون بحق السهام، لا بحق الفضول؛ فتكون عمل الآيات في المواريث ثلاث: أحدها: في أصحاب الفرائض، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً  ﴾ .

والثاني: حق في العصبات، وهو قوله -  -: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ...

﴾ الآية.

والثالث: في حق ذوي الأرحام، وهو قوله: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ...

﴾ الآية [الأنفال: 75]، ثم ألحق بهؤلاء في حجاب الأبعدين - أهلَ العقد بقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ وإنما ذكر ذلك فيما يترك الميت، ولا وجه للعون والرفد منه أو النصر، مع ما ذكر نصيبهم في التركة، كما ذكر لأصحاب الفرائض، وعلى ذلك المرفوع لرسول الله  فيمن أسلم على يدي آخر أنه أحق الناس محياه ومماته، وكذلك روي [عن] عمر وعلي وعبد الله مع ما كانت المواريث بهذا من قبل، فنسخ بقوله -  -: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ  ﴾ فإذا ارتفع ذلك ذهب التناسخ فوجب لهم؛ إذ بيت المال يرث بولاية الإيمان جملة، ولهذا تلك الولاية وولاية أخرى؛ فهو أحق، والله أعلم.

ويخلف هؤلاء من له رحم كما خلف ولاء العتاقة بما تقدم من النعمة بالإعتاق - حق العصبة من ذي النسب بقوله -  -: "الولاء لحمة كلحمة النسب" قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ .

قل: هو من الأيمان كان حلفٌ في الجاهلية يقول الرجل لآخر: ترثني وأرثك، وتعقل عني وأعقل عنك، وتنصرني وأنصرك.

ويتحالفان على ذلك.

وقد قرىء بالألف "عاقدت" فهو من المحالفة.

ثم روي عن رسول الله  : "لاَ حِلْفَ فِي الإِسْلاَمِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلَفٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ لّمْ يَزِدهُ الإِسْلاَمُ إِلاَّ شِدَّةٌ" وقيل: هو من ضرب اليمين في اليمين، وهو المبايعة؛ كان الرجل يعاقد الرجل ويبايعه في الجاهلية، فيموت؛ فيرثه.

وقيل: إن أبا بكر -  - عاقد رجلا، فمات؛ فورثه؛ ولذلك خص المماليك بالذكر بهذا من قوله -  -: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ﴾ لأنهم يشترون للخدمة، والمرء إذا خدم نفسه إنما يخدمها بيمينه، فإذا كان تأويل الآية ما ذكروا، فهو منسوخ بقوله - عز وجل -: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ  ﴾ وبما روينا من الخبر من قوله  : "لاَ حِلْفَ فِي الإِسْلاَمِ، وَمَا كَانَ مِنْ حَلَفٍ فِي الجَاهليَّة لم يزده الإسلام إلا شدة" ويحتمل أن تكون الآية فيمن أسلم على يدي آخر ووالاه؛ على ما روي عن رسول الله  : "مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْل الكُفْرِ عَلَى يَدَي رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ مَحْيَاهُ وَمَمَاتَهُ" وروي عن عمر -  - أن رجلا سأل عن رجل أسلم على يد رجل ويواليه؛ قال: هو مولاه؛ فإن أبي فلبيت المال.

وروي عن مسروق قال: أتيت عبد الله فقلت: إن رجلا كان عاملا علينا فخرج إلى الجبل، فمات، وترك ثلاثمائة درهم؟

فقال عبد الله: هل ترك وارثاً أو لأحد منكم عليه عقد ولاء؟

قلت: لا؛ فجعل ماله لبيت المال.

وكذا يقول أصحابنا - رحمهم الله -: من مات وترك وارثاً فما له لوارثه، وإن لم يكن له وارث فللذي أسلم على يديه ووالاه؛ لما روينا من الخبر: "هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ مَحْيَاهُ وَمَمَاتَهُ" ، وقوله: "محياه" في العقل، و"مماته" في الميراث، وما روينا عن الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ قيل: هي الوصية إلى تمام الثلث؛ لأن الميراث قد نسخ بالآية التي في الأحزاب بقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ  ﴾ ثم قال: ﴿ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً  ﴾ فهي الوصية إلى تمام الثلث؛ فإذا كانت الآية في الذي أسلم على يديه ووالاه وعاقده فهو ليس بمنسوخ.

وقيل: ﴿ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ من النصر والمعونة والمشورة، ولا ميراث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ﴾ .

بما ذكر من الشرط والوفاء به، وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولكل واحد منكم جعلنا له عَصَبَة يرثون مما ترك الوالدان والأقربون من ميراث.

والذين عقدتم معهم الأيمان المؤكدة على الحِلْف والنصرة فأعطوهم نصيبهم من الميراث، إن الله كان على كل شيء شهيدًا، ومن ذلك شهادته على أيمانكم وعهودكم هذه، والتوارث بالحِلْف كان في صدر الإسلام، ثم نُسِخ.

من فوائد الآيات سعة رحمة الله بعباده؛ فهو سبحانه يحب التوبة منهم، والتخفيف عنهم، وأما أهل الشهوات فإنما يريدون بهم ضلالًا عن الهدى.

حفظت الشريعة حقوق الناس؛ فحرمت الاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض، ورتبت أعظم العقوبة على ذلك.

الابتعاد عن كبائر الذنوب سبب لدخول الجنة ومغفرة للصغائر.

الرضا بما قسم الله، وترك التطلع لما في يد الناس؛ يُجنب المرء الحسد والسخط على قدر الله تعالى.

<div class="verse-tafsir" id="91.JwL0Z"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الظاهر أن الكلام في الأموال فإنه نهى عن أكلها بالباطل ثم نهى عن تمني أحد ما فَضَله به غيره من المال لأن التمني يسوق إلى التعدي، وإنما أورد النهي عامًا لزيادة الفائدة، والسياق يفيد أن المال هو المقصود أولًا وبالذات لأن أكثر التمني يتعلق به، وذكر القاعدة العامة في الثروة وهي الكسب، ثم انتقل من ذكر الغالب وهو الكسب إلى غير الغالب وهو الإرث فقال: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ  ﴾ فالموالي من لهم الولاية على التركة، و " من " في قوله تعالى: ﴿ مِمَّا تَرَكَ  ﴾ ابتدائية والجملة تتم بقوله: "ترك" والمعنى: ولكل من الرجال الذين لهم نصيب مما اكتسبوا والنساء اللواتي لهن نصيب مما اكتسبن موالي لهم حق الولاية على ما يتركون من كسبهم، وهؤلاء الموالي هم: ﴿ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ  ﴾ أي جميع الورثة من الأصول والفروع والحواشي والأزواج كما تقدم التفصيل في أول السورة، فالمراد هنا بالذين عقدت أيمانكم الأزواج فإن كل واحد من الزوجين يصير زوجًا له حق الإرث بالعقد، والمتعارف عند الناس في العقد أن يكون بالمصافحة باليدين ﴿ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ  ﴾ أي فأعطوا هؤلاء الموالي نصيبهم المفروض لهم ولا تنقصوهم منه شيئًا.

ولما كان الميراث موضعًا لطمع بعض الوارثين قال تعالى بعد الأمر بإعطاء كل ذي حق حقه ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا  ﴾ أي إنه تعالى رقيب عليكم حاضر يشهد تصرفكم في التركة وغيرها فلا يحملكم الطمع وحسد بعضكم لبعض الوارثين على أن يأكل من نصيبه شيئًا سواء كان ذكرًا أم أنثى كبيرًا أم صغيرًا.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده