الآية ٣٤ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٣٤ من سورة النساء

ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ۚ فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ حَـٰفِظَـٰتٌۭ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ۚ وَٱلَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّۭا كَبِيرًۭا ٣٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 248 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٤ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٤ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( الرجال قوامون على النساء ) أي : الرجل قيم على المرأة ، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت ( بما فضل الله بعضهم على بعض ) أي : لأن الرجال أفضل من النساء ، والرجل خير من المرأة; ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال وكذلك الملك الأعظم; لقوله صلى الله عليه وسلم : " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " رواه البخاري من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه وكذا منصب القضاء وغير ذلك .

( وبما أنفقوا من أموالهم ) أي : من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه ، وله الفضل عليها والإفضال ، فناسب أن يكون قيما عليها ، كما قال ] الله [ تعالى : ( وللرجال عليهن درجة ) الآية [ البقرة : 228 ] .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : ( الرجال قوامون على النساء ) يعني : أمراء عليها أي تطيعه فيما أمرها به من طاعته ، وطاعته : أن تكون محسنة إلى أهله حافظة لماله .

وكذا قال مقاتل ، والسدي ، والضحاك .

وقال الحسن البصري : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستعديه على زوجها أنه لطمها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " القصاص " ، فأنزل الله عز وجل : ( الرجال قوامون على النساء ) الآية ، فرجعت بغير قصاص .

رواه ابن جرير وابن أبي حاتم ، من طرق ، عنه .

وكذلك أرسل هذا الخبر قتادة ، وابن جريج والسدي ، أورد ذلك كله ابن جرير .

وقد أسنده ابن مردويه من وجه آخر فقال : حدثنا أحمد بن علي النسائي ، حدثنا محمد بن عبد الله الهاشمي ، حدثنا محمد بن محمد الأشعث ، حدثنا موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد ، حدثني أبي ، عن جدي ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي قال : أتى النبي رجل من الأنصار بامرأة له ، فقالت : يا رسول الله ، إن زوجها فلان بن فلان الأنصاري ، وإنه ضربها فأثر في وجهها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس ذلك له " .

فأنزل الله : ( الرجال قوامون على النساء [ بما فضل الله بعضهم على بعض ] ) أي : قوامون على النساء في الأدب .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أردت أمرا وأراد الله غيره " .

وقال الشعبي في هذه الآية : ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ) قال : الصداق الذي أعطاها ، ألا ترى أنه لو قذفها لاعنها ، ولو قذفته جلدت .

وقوله : ( فالصالحات ) أي : من النساء ( قانتات ) قال ابن عباس وغير واحد : يعني مطيعات لأزواجهن ( حافظات للغيب ) .

قال السدي وغيره : أي تحفظ زوجها في غيبته في نفسها وماله .

وقوله : ( بما حفظ الله ) أي : المحفوظ من حفظه .

قال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا أبو صالح ، حدثنا أبو معشر ، حدثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك " .

قال : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( الرجال قوامون على النساء ) إلى آخرها .

ورواه ابن أبي حاتم ، عن يونس بن حبيب ، عن أبي داود الطيالسي ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، به مثله سواء .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، حدثنا ابن لهيعة ، عن عبيد الله بن أبي جعفر : أن ابن قارظ أخبره : أن عبد الرحمن بن عوف قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا صلت المرأة خمسها ، وصامت شهرها وحفظت فرجها; وأطاعت زوجها قيل لها : ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت " .

تفرد به أحمد من طريق عبد الله بن قارظ عن عبد الرحمن بن عوف .

وقوله تعالى ( واللاتي تخافون نشوزهن ) أي : والنساء اللاتي تتخوفون أن ينشزن على أزواجهن .

والنشوز : هو الارتفاع ، فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها ، التاركة لأمره ، المعرضة عنه ، المبغضة له .

فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله في عصيانه فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته ، وحرم عليها معصيته لما له عليها من الفضل والإفضال .

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ، من عظم حقه عليها " وروى البخاري ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه ، لعنتها الملائكة حتى تصبح " ورواه مسلم ، ولفظه : " إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها ، لعنتها الملائكة حتى تصبح " ; ولهذا قال تعالى : ( واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن ) .

وقوله : ( واهجروهن في المضاجع ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : الهجران هو أن لا يجامعها ، ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره .

وكذا قال غير واحد ، وزاد آخرون - منهم : السدي ، والضحاك ، وعكرمة ، وابن عباس في رواية - : ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها .

وقال علي بن أبي طلحة أيضا ، عن ابن عباس : يعظها ، فإن هي قبلت وإلا هجرها في المضجع ، ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها ، وذلك عليها شديد .

وقال مجاهد ، والشعبي ، وإبراهيم ، ومحمد بن كعب ، ومقسم ، وقتادة : الهجر : هو أن لا يضاجعها .

وقد قال أبو داود : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد ، عن علي بن زيد ، عن أبي حرة الرقاشي ، عن عمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع " قال حماد : يعني النكاح .

وفي السنن والمسند عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال : يا رسول الله ، ما حق امرأة أحدنا ؟

قال : " أن تطعمها إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت ، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ، ولا تهجر إلا في البيت " .

وقوله : ( واضربوهن ) أي : إذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران ، فلكم أن تضربوهن ضربا غير مبرح ، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال في حجة الوداع : " واتقوا الله في النساء ، فإنهن عندكم عوان ، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف " .

وكذا قال ابن عباس وغير واحد : ضربا غير مبرح .

قال الحسن البصري : يعني غير مؤثر .

قال الفقهاء : هو ألا يكسر فيها عضوا ولا يؤثر فيها شيئا .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : يهجرها في المضجع ، فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضرب ضربا غير مبرح ، ولا تكسر لها عظما ، فإن أقبلت وإلا فقد حل لك منها الفدية .

وقال سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر ، عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تضربوا إماء الله " .

فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ذئرت النساء على أزواجهن .

فرخص في ضربهن ، فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكون أزواجهن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ، ليس أولئك بخياركم " رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود - يعني أبا داود الطيالسي - حدثنا أبو عوانة ، عن داود الأودي ، عن عبد الرحمن المسلي عن الأشعث بن قيس ، قال ضفت عمر ، فتناول امرأته فضربها ، وقال : يا أشعث ، احفظ عني ثلاثا حفظتهن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسأل الرجل فيم ضرب امرأته ، ولا تنم إلا على وتر .

.

.

ونسي الثالثة .

وكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ، من حديث عبد الرحمن بن مهدي ، عن أبي عوانة ، عن داود الأودي ، به .

وقوله : ( فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ) أي : فإذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريد منها ، مما أباحه الله له منها ، فلا سبيل له عليها بعد ذلك ، وليس له ضربها ولا هجرانها .

وقوله : ( إن الله كان عليا كبيرا ) تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب ، فإن الله العلي الكبير وليهن وهو منتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض القول في تأويل قوله تعالى : { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض } يعني بقوله جل ثناؤه : { الرجال قوامون على النساء } الرجال أهل قيام على نسائهم في تأديبهن والأخذ على أيديهن , فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم ; { بما فضل الله بعضهم على بعض } يعني بما فضل الله به الرجال على أزواجهم من سوقهم إليهن مهورهن , وإنفاقهم عليهن أموالهم , وكفايتهم إياهن مؤنهن.

وذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهن عليهن , ولذلك صاروا قواما عليهن , نافذي الأمر عليهن فيما جعل الله إليهم من أمورهن .

وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 7368 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قالا : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : { الرجال قوامون على النساء } يعني : أمراء عليها أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته , وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله حافظة لماله وفضله عليها بنفقته وسعيه .

7369 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك في قوله : { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض } يقول : الرجل قائم على المرأة يأمرها بطاعة الله , فإن أبت , فله أن يضربها ضربا غير مبرح , وله عليها الفضل بنفقته وسعيه .

7370 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { الرجال قوامون على النساء } قال : يأخذون على أيديهن ويؤدبونهن .

7371 - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : سمعت سفيان , يقول : { بما فضل الله بعضهم على بعض } قال : بتفضيل الله الرجال على النساء .

وذكر أن هذه الآية نزلت في رجل لطم امرأته , فخوصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك , فقضى لها بالقصاص .

ذكر من قال ذلك : 7372 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : ثنا الحسن : أن رجلا لطم امرأته , فأتت النبي صلى الله عليه وسلم , فأراد أن يقصها منه , فأنزل الله : { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم } فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم , فتلاها عليه وقال : " أردت أمرا وأراد الله غيره " .

7373 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم } ذكر لنا أن رجلا لطم امرأته , فأتت النبي صلى الله عليه وسلم , ثم ذكر نحوه .

* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , في قوله : { الرجال قوامون على النساء } قال : صك رجل امرأته , فأتت النبي صلى الله عليه وسلم , فأراد أن يقيدها منه , فأنزل الله : { الرجال قوامون على النساء } 7374 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن جرير بن حازم , عن الحسن : أن رجلا من الأنصار لطم امرأته , فجاءت تلتمس القصاص , فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص , فنزلت : قوله : { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه } 20 114 ونزلت : { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض } 7375 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : لطم رجل امرأته , فأراد النبي صلى الله عليه وسلم القصاص , فبينما هم كذلك , نزلت الآية .

7376 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : أما : { الرجال قوامون على النساء } فإن رجلا من الأنصار كان بينه وبين امرأته كلام , فلطمها , فانطلق أهلها , فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم , فأخبرهم : { الرجال قوامون على النساء } .

..

الآية .

وكان الزهري يقول : ليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون النفس.

7377 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , سمعت الزهري , يقول : لو أن رجلا شج امرأته , أو جرحها , لم يكن عليه في ذلك قود وكان عليه العقل , إلا أن يعدو عليها فيقتلها , فيقتل بها .وبما أنفقوا من أموالهم وأما قوله : { وبما أنفقوا من أموالهم } فإنه يعني : وبما ساقوا إليهن من صداق , وأنفقوا عليهن من نفقة .

كما : 7378 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قال : فضله عليها بنفقته وسعيه .

7379 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك , مثله .

7380 - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : سمعت سفيان يقول : { وبما أنفقوا من أموالهم } بما ساقوا من المهر.

فتأويل الكلام إذا : الرجال قوامون على نسائهم بتفضيل الله إياهم عليهن وبإنفاقهم عليهن من أموالهم .

و " ما " التي في قوله : { بما فضل الله } والتي في قوله : { وبما أنفقوا } في معنى المصدر .فالصالحات القول في تأويل قوله تعالى : { فالصالحات } يعني بقوله جل ثناؤه : { فالصالحات } المستقيمات الدين , العاملات بالخير .

كما : 7381 - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : ثنا عبد الله بن المبارك , قال : سمعت سفيان , يقول : فالصالحات يعملن بالخير .قانتات وقوله : { قانتات } يعني : مطيعات لله ولأزواجهن .

كما : 7382 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : قوله : { قانتات } قال : مطيعات .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { قانتات } قال : مطيعات .

7383 - حدثني علي عن داود , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { قانتات } مطيعات .

7384 - حدثنا الحسن بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { قانتات } أي مطيعات لله ولأزواجهن .

* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : .

أخبرنا معمر , عن قتادة , قال : مطيعات .

7385 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : القانتات : المطيعات.

7386 - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : سمعت سفيان يقول في قوله : { قانتات } قال : مطيعات لأزواجهن .

وقد بينا معنى القنوت فيما مضى وأنه الطاعة , ودللنا على صحة ذلك من الشواهد بما أغنى عن إعادته.حافظات للغيب قوله : { حافظات للغيب } فإنه يعني : حافظات لأنفسهن عند غيبة أزواجهن عنهن في فروجهن وأموالهم , وللواجب عليهن من حق الله في ذلك وغيره.

كما : 7387 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { حافظات للغيب } يقول : حافظات لما استودعهن الله من حقه , وحافظات لغيب أزواجهن .

7388 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { حافظات للغيب بما حفظ الله } يقول : تحفظ على زوجها ماله وفرجها , حتى يرجع كما أمرها الله .

7389 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قلت لعطاء : ما قوله : { حافظات للغيب } ؟

قال : حافظات للزوج.

* - حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة , قال : ثنا حجاج , قال : قال ابن جريج : سألت عطاء , عن { حافظات للغيب } قال : حافظات للأزواج .

7390 - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : سمعت سفيان يقول : { حافظات للغيب } حافظات لأزواجهن لما غاب من شأنهن .

7391 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثنا أبو معشر , قال : ثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك , وإذا أمرتها أطاعتك , وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك " قال : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الرجال قوامون على النساء } .

..

الآية .

قال أبو جعفر : وهذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على صحة ما قلنا في تأويل ذلك , وأن معناه : صالحات في أديانهن , مطيعات لأزواجهن , حافظات لهم في أنفسهن وأموالهم .بما حفظ الله وأما قوله : { بما حفظ الله } فإن القراء اختلفت في قراءته , فقرأته عامة القراء في جميع أمصار الإسلام : { بما حفظ الله } برفع اسم الله على معنى : بحفظ الله إياهن إذ صيرهن كذلك .

كما : 7392 - حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة , قال : ثنا حجاج , قال : قال ابن جريج : سألت عطاء , عن قوله : { بما حفظ الله } قال : يقول : حفظهن الله .

7393 - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : سمعت سفيان يقول في قوله : { بما حفظ الله } قال : بحفظ الله إياها أنه جعلها كذلك .

وقرأ ذلك أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني : " بما حفظ الله " يعني : بحفظهن الله في طاعته , وأداء حقه بما أمرهن من حفظ غيب أزواجهن , كقول الرجل للرجل : ما حفظت الله في كذا وكذا , بمعنى : راقبته ولاحظته .

قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك ما جاءت به قراءة المسلمين من القراءة مجيئا يقطع عذر من بلغه ويثبت عليه حجته , دون ما انفرد به أبو جعفر فشذ عنهم , وتلك القراءة ترفع اسم الله تبارك وتعالى : { بما حفظ الله } مع صحة ذلك في العربية وكلام العرب , وقبح نصبه في العربية لخروجه عن المعروف من منطق العرب .

وذلك أن العرب لا تحذف الفاعل مع المصادر من أجل أن الفاعل إذا حذف معها لم يكن للفعل صاحب معروف.

وفي الكلام متروك استغني بدلالة الظاهر من الكلام عليه من ذكره ومعناه : { فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله } فأحسنوا إليهن وأصلحوا , وكذلك هو فيما ذكر في قراءة ابن مسعود .

7394 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد , قال : ثنا عيسى الأعمى , عن طلحة بن مصرف , قال : في قراءة عبد الله : " فالصالحات قانتات للغيب بما حفظ الله فأصلحوا إليهن واللاتي تخافون نشوزهن " .

7395 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله } فأحسنوا إليهن .

7396 - حدثني علي بن داود , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : { فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله } فأصلحوا إليهن.

* - حدثني علي بن داود , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : { فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله } يعني إذا كن هكذا , فأصلحوا إليهن .واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن القول في تأويل قوله : { واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن } اختلف أهل التأويل في معنى قوله : { واللاتي تخافون نشوزهن } فقال بعضهم : معناه : واللاتي تعلمون نشوزهن .

ووجه صرف الخوف في هذا الموضع إلى العلم في قول هؤلاء نظير صرف الظن إلى العلم لتقارب معنييهما , إذ كان الظن شكا , وكان الخوف مقرونا برجاء , وكانا جميعا من فعل المرء بقلبه , كما قال الشاعر : ولا تدفنني في الفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها معناه : فإنني أعلم , وكما قال الآخر : أتاني كلام عن نصيب يقوله وما خفت يا سلام أنك عائبي بمعنى : وما ظننت.

وقال جماعة من أهل التأويل : معنى الخوف في هذا الموضع : الخوف الذي هو خلاف الرجاء .

قالوا : معنى ذلك : إذا رأيتم منهن ما تخافون أن ينشزن عليكم من نظر إلى ما لا ينبغي لهن أن ينظرن إليه , ويدخلن ويخرجن , واستربتم بأمرهن , فعظوهن واهجروهن .

وممن قال ذلك محمد بن كعب.

وأما قوله : { نشوزهن } فإنه يعني : استعلاءهن على أزواجهن , وارتفاعهن عن فرشهم بالمعصية منهن , والخلاف عليهم فيما لزمهن طاعتهم فيه , بغضا منهن وإعراضا عنهم وأصل النشوز الارتفاع , ومنه قيل للمكان المرتفع من الأرض نشز ونشاز .

{ فعظوهن } يقول : ذكروهن الله , وخوفوهن وعيده في ركوبها ما حرم الله عليها من معصية زوجها فيما أوجب عليها طاعته فيه.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال : النشوز : البغض ومعصية الزوج : 7397 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { واللاتي تخافون نشوزهن } قال : بغضهن .

7398 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { واللاتي تخافون نشوزهن } قال : التي تخاف معصيتها .

قال : النشوز : معصيته وخلافه .

7399 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : { واللاتي تخافون نشوزهن } تلك المرأة تنشز وتستخف بحق زوجها ولا تطيع أمره .

7400 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , ثنا روح , قال : ثنا ابن جريج , قال : قال عطاء : النشوز : أن تحب فراقه , والرجل كذلك.

ذكر الرواية عمن قال ما قلنا في قوله : { فعظوهن } 7401 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثنا معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { فعظوهن } يعني : عظوهن بكتاب الله , قال : أمره الله إذا نشزت أن يعظها ويذكرها الله ويعظم حقه عليها .

7402 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن } قال : إذا نشزت المرأة عن فراش زوجها يقول لها : اتقي الله وارجعي إلى فراشك , فإن أطاعته فلا سبيل له عليها .

7403 - حدثني المثنى , قال : ثنا عمرو بن عون , قال : ثنا هشيم , عن يونس , عن الحسن , قال : إذا نشزت المرأة على زوجها يعظها بلسانه , يقول : يأمرها بتقوى الله وطاعته .

7404 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن موسى بن عبيدة , عن محمد بن كعب القرظي , قال : إذا رأى الرجل خفة في صرها في مدخلها ومخرجها , قال : يقول لها بلسانه : قد رأيت منك كذا وكذا فانتهي !

فإن أعتبت فلا سبيل له عليها , وإن أبت هجر مضجعها.

* - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : ثنا ابن المبارك , قال : أخبرنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { فعظوهن } قال : إذا نشزت المرأة عن فراش زوجها , فإنه يقول لها : اتقي الله وارجعي .

7405 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن إسرائيل , عن جابر , عن عطاء : { فعظوهن } قال : بالكلام .

7406 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا حجاج , عن ابن جريج , قوله : { فعظوهن } قال بالألسنة.

7407 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عمرو بن أبي قيس , عن عطاء , عن سعيد بن جبير : { فعظوهن } قال : عظوهن باللسان .واهجروهن في المضاجع القول في تأويل قوله تعالى : { واهجروهن في المضاجع } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , فقال بعضهم : معنى ذلك : فعظوهن في نشوزهن عليكم أيها الأزواج , فإن أبين مراجعة الحق في ذلك والواجب عليهم لكم , فاهجروهن بترك جماعهن في مضاجعتكم إياهن .

ذكر من قال ذلك : 7408 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : { فعظوهن واهجروهن في المضاجع } يعني : عظوهن , فإن أطعنكم وإلا فاهجروهن.

7409 - حدثني محمد بن مسعدة , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { واهجروهن في المضاجع } يعني بالهجران أن يكون الرجل وامرأته على فراش واحد لا يجامعها.

7410 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير , قال : الهجر : هجر الجماع .

7411 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : أما { تخافون نشوزهن } فإن على زوجها أن يعظها , فإن لم تقبل فليهجرها في المضجع .

يقول : يرقد عندها ويوليها ظهره , ويطأ ولا يكلمها.

هكذا في كتابي : " ويطؤها ولا يكلمها " .

7412 - حدثني المثنى , قال : ثنا عمرو بن عون , قال : ثنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك في قوله : { واهجروهن في المضاجع } قال : يضاجعها ويهجر كلامها ويوليها ظهره .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : ثنا ابن المبارك , قال : أخبرنا شريك , عن عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { واهجروهن في المضاجع } قال : لا يجامعها .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : واهجروهن واهجروا كلامهن في تركهن مضاجعتكم , حتى يرجعن إلى مضاجعتكم .

ذكر من قال ذلك : 7413 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب , قالا : ثنا ابن إدريس , عن الحسن بن عبيد الله , عن أبي الضحى , عن ابن عباس في قوله : { واهجروهن في المضاجع } أنها لا تترك في الكلام , ولكن الهجران في أمر المضجع.

7414 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا أبو حمزة , عن عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير : { واهجروهن في المضاجع } يقول : حتى يأتين مضاجعكم .

7415 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عمرو , عن عطاء , عن سعيد بن جبير : { واهجروهن في المضاجع } في الجماع .

7416 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { واهجروهن في المضاجع } قال : يعظها فإن هي قبلت وإلا هجرها في المضجع ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها , وذلك عليها شديد .

7417 - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : أخبرنا شريك , عن خصيف , عن عكرمة : { واهجروهن في المضاجع } الكلام والحديث .

.................

ذكر من قال ذلك : 7418 - حدثني الحسن بن زريق الطهوي , قال : ثنا أبو بكر بن عياش , عن منصور , عن مجاهد في قوله : { واهجروهن في المضاجع } قال : لا تضاجعوهن .

7419 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن الشعبي , قال : الهجران أن لا يضاجعها .

7420 - وبه قال حدثنا جرير , عن مغيرة , عن عامر وإبراهيم , قالا : الهجران في المضجع أن لا يضاجعها على فراشه .

* - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا مغيرة , عن إبراهيم والشعبي , أنهما قالا في قوله : { واهجروهن في المضاجع } قالا : يهجر مضاجعتها حتى ترجع إلى ما يحب .

* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن مغيرة , عن إبراهيم والشعبي أنهما كانا يقولان : { واهجروهن في المضاجع } قال : يهجرها في المضجع .

7421 - حدثنا المثنى , قال : ثنا حبان , قال : ثنا ابن المبارك , قال : ثنا شريك , عن خصيف , عن مقسم : { واهجروهن في المضاجع } قال : هجرها في مضجعها : أن لا يقرب فراشها .

7422 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن موسى بن عبيدة , عن محمد بن كعب القرظي , قال : اهجروهن في المضاجع , قال : يعظها بلسانه , فإن أعتبت فلا سبيل له عليها , وإن أبت هجر مضجعها .

7423 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر عن الحسن وقتادة في قوله : { فعظوهن واهجروهن } قالا : إذا خاف نشوزها وعظها , فإن قبلت وإلا هجر مضجعها .

7424 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { واهجروهن في المضاجع } قال : تبدأ يا ابن آدم فتعظها , فإن أبت عليك فاهجرها , يعني به : فراشها.

وقال آخرون : معنى قوله : { واهجروهن في المضاجع } قولوا لهن من القول هجرا في تركهن مضاجعتكم .

ذكر من قال ذلك : 7425 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , عن رجل , عن أبي صالح عن ابن عباس , في قوله : { واهجروهن في المضاجع } قال : يهجرها بلسانه , ويغلظ لها بالقول , ولا يدع جماعها.

7426 - وبه قال : أخبرنا الثوري , عن خصيف , عن عكرمة , قال : إنما الهجران بالمنطق أن يغلظ لها , وليس بالجماع .

7427 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا مغيرة , عن أبي الضحى , في قوله : { واهجروهن في المضاجع } قال : يهجر بالقول , ولا يهجر مضاجعتها حتى ترجع إلى ما يريد .

7428 - حدثنا المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد عن رجل , عن الحسن , قال : لا يهجرها إلا في المبيت في المضجع , ليس له أن يهجر في كلام ولا شيء إلا في الفراش.

7429 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثني يعلى , عن سفيان , في قوله : { واهجروهن في المضاجع } قال : في مجامعتها , ولكن يقول لها : تعالي وافعلي !

كلاما فيه غلظة , فإذا فعلت ذلك فلا يكلفها أن تحبه , فإن قلبها ليس في يديها .

ولا معنى للهجر في كلام العرب إلا على أحد ثلاثة أوجه : أحدها هجر الرجل كلام الرجل وحديثه , وذلك رفضه وتركه , يقال منه : هجر فلان أهله يهجرها هجرا وهجرانا .

والآخر : الإكثار من الكلام بترديد كهيئة كلام الهازئ , يقال منه : هجر فلان في كلامه يهجر هجرا إذا هذى ومدد الكلمة , وما زالت تلك هجيراه وإهجيراه , ومنه قول ذي الرمة : رمى فأخطأ والأقدار غالبة فانصعن والويل هجيراه والحرب والثالث : هجر البعير إذا ربطه صاحبه بالهجار , وهو حبل يربط في حقويها ورسغها , ومنه قول امرئ القيس : رأت هلكا بنجاف الغبيط فكادت تجد لذاك الهجارا فأما القول الذي فيه الغلظة والأذى فإنما هو الإهجار , ويقال منه : أهجر فلان في منطقه : إذا قال الهجر وهو الفحش من الكلام , يهجر إهجارا وهجرا .

فإذ كان لا وجه للهجر في الكلام إلا أحد المعاني الثلاثة , وكانت المرأة المخوف نشوزها إنما أمر زوجها بوعظها لتنيب إلى طاعته فيما يجب عليها له من موافاته عند دعائه إياها إلى فراشه , فغير جائز أن تكون عظته لذلك , ثم تصير المرأة إلى أمر الله وطاعة زوجها في ذلك , ثم يكون الزوج مأمورا بهجرها في الأمر الذي كانت عظته إياها عليه .

وإذ كان ذلك كذلك بطل قول من قال : معنى قوله : { واهجروهن في المضاجع } واهجروا جماعهن .

أو يكون إذ بطل هذا المعنى .

بمعنى : وأهجروا كلامهن بسبب هجرهن مضاجعكم , وذلك أيضا لا وجه له مفهوم لأن الله تعالى ذكره قد أخبر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث .

على أن ذلك لو كان حلالا لم يكن لهجرها في الكلام معنى مفهوم , لأنها إذا كانت عنه منصرفة وعليه ناشزا فمن سرورها أن لا يكلمها ولا يراها ولا تراه , فكيف يؤمر الرجل في حال بغض امرأته إياه وانصرافها عنه بترك ما في تركه سرورها من ترك جماعها ومجاذبتها وتكليمها , وهو يؤمر بضربها لترتدع عما هي عليه من ترك طاعته إذا دعاها إلى فراشه , وغير ذلك مما يلزمها طاعته فيه ؟

أو يكون إذ فسد هذان الوجهان يكون معناه : واهجروا في قولكم لهم , بمعنى : ردوا عليهن كلامكم إذا كلمتموهن بالتغليظ لهن , فإن كان ذلك معناه , فلا وجه لإعمال الهجر في كناية أسماء النساء الناشزات , أعني في الهاء والنون من قوله { واهجروهن } لأنه إذا أريد به ذلك المعنى , كان الفعل غير واقع , إنما يقال : هجر فلان في كلامه ولا يقال : هجر فلان فلانا .

فإذا كان في كل هذه المعاني ما ذكرنا من الخلل اللاحق , فأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يكون قوله : { واهجروهن } موجها معناه إلى معنى الربط بالهجار على ما ذكرنا من قيل العرب للبعير إذا ربطه صاحبه بحبل على ما وصفنا : هجره فهو يهجره هجرا.

وإذا كان ذلك معناه كان تأويل الكلام : واللاتي تخافون نشوزهن , فعظوهن في نشوزهن عليكم , فإن اتعظن فلا سبيل لكم عليهن , وإن أبين الأوبة من نشوزهن فاستوثقوا منهن رباطا في مضاجعهن , يعني في منازلهن وبيوتهن التي يضطجعن بها ويضاجعن فيها أزواجهن .

كما : 7430 - حدثني عباس بن أبي طالب , قال : ثنا يحيى بن أبي بكير , عن شبل , قال : سمعت أبا قزعة يحدث عن عمرو بن دينار , عن حكيم بن معاوية , عن أبيه : أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما حق زوجة أحدنا عليه ؟

قال : " يطعمها ويكسوها , ولا يضرب الوجه ولا يقبح ولا يهجر إلا في البيت " .

* - حدثنا الحسن بن عرفة , قال : ثنا يزيد , عن شعبة بن الحجاج , عن أبي قزعة , عن حكيم بن معاوية عن أبيه , عن النبي صلى الله عليه وسلم , نحوه .

7431 - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : ثنا ابن المبارك , قال : أخبرنا بهز بن حكيم , عن جده , قال : قلت : يا رسول الله , نساؤنا ما نأتي منها وما نذر ؟

قال : " حرثك فأت حرثك أنى شئت , غير أن لا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت وأطعم إذا طعمت واكس إذا اكتسيت ; كيف وقد أفضى بعضكم إلى بعض إلا بما حل عليها ؟

" .

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك , قال عدة من أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 7432 - حدثني المثنى , قال : ثنا عمرو بن عون , قال : أخبرنا هشيم , عن الحسن , قال : إذا نشزت المرأة على زوجها , فليعظها بلسانه , فإن قبلت فذاك وإلا ضربها ضربا غير مبرح , فإن رجعت فذاك , وإلا فقد حل له أن يأخذ منها ويخليها.

7433 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن الحسن بن عبيد الله , عن أبي الضحى , عن ابن عباس في قوله : { واهجروهن في المضاجع واضربوهن } قال : يفعل بها ذاك ويضربها حتى تطيعه في المضاجع , فإذا أطاعته في المضجع فليس له عليها سبيل إذا ضاجعته .

7434 - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان , قال : ثنا ابن المبارك , قال : أخبرنا يحيى بن بشر أنه سمع عكرمة يقول في قوله : { واهجروهن في المضاجع واضربوهن } ضربا غير مبرح , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اضربوهن إذا عصينكم في المعروف ضربا غير مبرح " .

قال أبو جعفر : فكل هؤلاء الذين ذكرنا قولهم لم يوجبوا للهجر معنى غير الضرب , ولم يوجبوا هجرا إذا كان هيئة من الهيئات التي تكون بها المضروبة عند الضرب مع دلالة الخبر الذي رواه عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بضربهن إذا عصين أزواجهن في المعروف من غير أمر منه أزواجهن بهجرهن لما وصفنا من العلة .

فإن ظن ظان أن الذي قلنا في تأويل الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه عكرمة , ليس كما قلنا , وصح أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمر الرجل بهجر زوجته إذا عصته في المعروف وأمره بضربها قبل الهجر , لو كان دليلا على صحة ما قلنا من أن معنى الهجر هو ما بيناه , لوجب أن يكون لا معنى لأمر الله زوجها أن يعظها إذا هي نشزت , إذ كان لا ذكر للعظة في خبر عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم , فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن ; وذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا عصينكم في المعروف " دلالة بينة أنه لم يبح للرجل ضرب زوجته إلا بعد عظتها من نشوزها , وذلك أنه لا تكون له عاصية , إلا وقد تقدم منه لها أمر أو عظة بالمعروف على ما أمر الله تعالى ذكره به .واضربوهن القول في تأويل قوله تعالى : { واضربوهن } يعني بذلك جل ثناؤه : فعظوهن أيها الرجال في نشوزهن , فإن أبين الإياب إلى ما يلزمهن لكم فشدوهن وثاقا في منازلهن , واضربوهن ليؤبن إلى الواجب عليهن من طاعة الله في اللازم لهن من حقوقكم .

وقال أهل التأويل : صفة الضرب التي أباح الله لزوج الناشز أن يضربها الضرب غير المبرح .

ذكر من قال ذلك : 7435 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عمرو , عن عطاء , عن سعيد بن جبير : { واضربوهن } قال : ضربا غير مبرح.

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : أخبرنا أبو حمزة , عن عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير , مثله .

7436 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن الشعبي , قال : الضرب غير المبرح .

7437 - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : ثنا ابن المبارك , قال : أخبرنا شريك , عن عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { واضربوهن } قال : ضربا غير مبرح.

7438 - حدثنا المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { واهجروهن في المضاجع } واضربوهن , قال : تهجرها في المضجع , فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربا غير مبرح , ولا تكسر لها عظما , فإن أقبلت , وإلا فقد حل لك منها الفدية .

7439 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الحسن وقتادة في قوله : { واضربوهن } قال : ضربا غير مبرح .

7440 - وبه قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قلت لعطاء : { واضربوهن } قال : ضربا غير مبرح .

7441 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { واهجروهن في المضاجع واضربوهن } قال : تهجرها في المضجع , فإن أبت عليك فاضربها ضربا غير مبرح ; أي غير شائن .

7442 - حدثنا المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن عيينة , عن ابن جريج , عن عطاء , قال : قلت لابن عباس : ما الضرب غير المبرح , قال : السواك وشبهه يضربها به .

* - حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري , قال : ثنا ابن عيينة , عن ابن جريج , عن عطاء , قال : قلت لابن عباس : ما الضرب غير المبرح ؟

قال : بالسواك ونحوه .

7443 - حدثنا المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : أخبرنا ابن عيينة , عن ابن جريج , عن عطاء , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته : " ضربا غير مبرح " قال : السواك ونحوه .

7444 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تهجروا النساء إلا في المضاجع , واضربوهن ضربا غير مبرح " يقول : غير مؤثر .

7445 - حدثنا ابن وكيع , قال : حدثنا أبي , عن إسرائيل , عن جابر , عن عطاء : { واضربوهن } قال : ضربا غير مبرح .

7446 - حدثنا المثنى , قال : ثنا حبان , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : ثنا يحيى بن بشر , عن عكرمة مثله .

7447 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { واضربوهن } قال : إن أقبلت في الهجران , وإلا ضربها ضربا غير مبرح .

7448 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن موسى بن عبيدة , عن محمد بن كعب , قال : تهجر مضجعها ما رأيت أن تنزع , فإن لم تنزع ضربها ضربا غير مبرح .

7449 - حدثني المثنى , قال : ثنا عمرو بن عون , قال : ثنا هشيم , عن يونس , عن الحسن : { واضربوهن } قال : ضربا غير مبرح .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان , قال : ثنا ابن المبارك , قال : أخبرنا عبد الوارث بن سعيد , عن رجل , عن الحسن , قال : ضربا غير مبرح , غير مؤثر .فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا القول في تأويل قوله تعالى : { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا } يعني بذلك جل ثناؤه : فإن أطعنكم أيها الناس نساؤكم اللاتي تخافون نشوزهن عند وعظكم إياهن فلا تهجروهن في المضاجع , فإن لم يطعنكم فاهجروهن في المضاجع واضربوهن , فإن راجعن طاعتكم عند ذلك وفئن إلى الواجب عليهن , فلا تطلبوا طريقا إلى أذاهن ومكروههن , ولا تلتمسوا سبيلا إلى ما لا يحل لكم من أبدانهن وأموالهن بالعلل , وذلك أن يقول أحدكم لإحداهن وهي له مطيعة : إنك لست تحبيني وأنت لي مبغضة , فيضربها على ذلك أو يؤذيها , فقال الله تعالى للرجال : { فإن أطعنكم } أي على بغضهن لكم فلا تجنوا عليهن , ولا تكلفوهن محبتكم , فإن ذلك ليس بأيديهن فتضربوهن أو تؤذوهن عليه.

ومعنى قوله : { فلا تبغوا } لا تلتمسوا ولا تطلبوا , من قول القائل : بغيت الضالة : إذا التمستها , ومنه قول الشاعر في صفة الموت : بغاك وما تبغيه حتى وجدته كأنك قد واعدته أمس موعدا بمعنى : طلبك وما تطلبه.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 7450 - حدثنا المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , في قوله : { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا } قال : إذا أطاعتك فلا تتجن عليها العلل .

* - حدثنا ابن حميد , قال : حدثنا جرير , عن الحسن بن عبيد الله , عن أبي الضحى , عن ابن عباس , قال : إذا أطاعته فليس له عليها سبيل إذا ضاجعته .

7451 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا ابن جريج , قوله : { فلا تبغوا عليهن سبيلا } قال : العلل .

7452 - وقال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : قال الثوري في قوله : { فإن أطعنكم } قال : إن أتت الفراش وهي تبغضه .

7453 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا يعلى , عن سفيان , قال : إذا فعلت ذلك لا يكلفها أن تحبه , لأن قلبها ليس في يديها.

7454 - حدثنا المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : إن أطاعته فضاجعته , فإن الله يقول : { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا } 7455 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا } يقول : فإن أطاعتك فلا تبغي عليها العلل .إن الله كان عليا كبيرا القول في تأويل قوله تعالى : { إن الله كان عليا كبيرا } يقول : إن الله ذو علو على كل شيء , فلا تبغوا أيها الناس على أزواجكم إذا أطعنكم فيما ألزمهن الله لكم من حق سبيلا لعلو أيديكم على أيديهن , فإن الله أعلى منكم ومن كل شيء , وأعلى منكم عليهن , وأكبر منكم ومن كل شيء , وأنتم في يده وقبضته , فاتقوا الله أن تظلموهن وتبغوا عليهن سبيلا وهن لكم مطيعات , فينتصر لهن منكم ربكم الذي هو أعلى منكم ومن كل شيء , وأكبر منكم ومن كل شيء .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرافيه إحدى عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : الرجال قوامون على النساء ابتداء وخبر ، أي يقومون بالنفقة عليهن والذب عنهن ؛ وأيضا فإن فيهم الحكام والأمراء ومن يغزو ، وليس ذلك في النساء .

يقال : قوام وقيم .

والآية نزلت في سعد بن الربيع نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن [ ص: 148 ] خارجة بن أبي زهير فلطمها ؛ فقال أبوها : يا رسول الله ، أفرشته كريمتي فلطمها !

فقال عليه السلام : لتقتص من زوجها .

فانصرفت مع أبيها لتقتص منه ، فقال عليه السلام : ارجعوا هذا جبريل أتاني فأنزل الله هذه الآية ؛ فقال عليه السلام : أردنا أمرا وأراد الله غيره .

وفي رواية أخرى : أردت شيئا وما أراد الله خير .

ونقض الحكم الأول .

وقد قيل : إن في هذا الحكم المردود نزل ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه .

ذكر إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا حجاج بن المنهال وعارم بن الفضل - واللفظ لحجاج - قال حدثنا جرير بن حازم قال : سمعت الحسن يقول : إن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن زوجي لطم وجهي .

فقال : بينكما القصاص ، فأنزل الله تعالى : ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه .

وأمسك النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل : الرجال قوامون على النساء .

وقال أبو روق : نزلت في جميلة بنت أبي وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس .

وقال الكلبي : نزلت في عميرة بنت محمد بن مسلمة وفي زوجها سعد بن الربيع .

وقيل : سببها قول أم سلمة المتقدم .

ووجه النظم أنهن تكلمن في تفضيل الرجال على النساء في الإرث ، فنزلت ولا تتمنوا الآية .

ثم بين تعالى أن تفضيلهم عليهن في الإرث لما على الرجال من المهر والإنفاق ؛ ثم فائدة تفضيلهم عائدة إليهن .

ويقال : إن الرجال لهم فضيلة في زيادة العقل والتدبير ؛ فجعل لهم حق القيام عليهن لذلك .

وقيل : للرجال زيادة قوة في النفس والطبع ما ليس للنساء ؛ لأن طبع الرجال غلب عليه الحرارة واليبوسة ، فيكون فيه قوة وشدة ، وطبع النساء غلب عليه الرطوبة والبرودة ، فيكون فيه معنى اللين والضعف ؛ فجعل لهم حق القيام عليهن بذلك ، وبقوله تعالى : وبما أنفقوا من أموالهم .الثانية : ودلت هذه الآية على تأديب الرجال نساءهم ، فإذا حفظن حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسيء الرجل عشرتها .

و " قوام " فعال للمبالغة ؛ من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد .

فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد ؛ وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز ، وأن عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية ؛ وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة والعقل والقوة في أمر الجهاد والميراث والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وقد راعى بعضهم في التفضيل اللحية - وليس بشيء ؛ فإن اللحية قد تكون وليس معها شيء مما ذكرنا .

وقد مضى الرد على هذا في " البقرة " .[ ص: 149 ] الثالثة : قوله تعالى : وبما أنفقوا من أموالهم أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قواما عليها ، وإذا لم يكن قواما عليها كان لها فسخ العقد ؛ لزوال المقصود الذي شرع لأجله النكاح .

وفيه دلالة واضحة من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة ؛ وهو مذهب مالك والشافعي .

وقال أبو حنيفة : لا يفسخ ؛ لقوله تعالى : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وقد تقدم القول في هذا في هذه السورة .الرابعة : قوله تعالى : فالصالحات قانتات حافظات للغيب هذا كله خبر ، ومقصوده الأمر بطاعة الزوج والقيام بحقه في ماله وفي نفسها في حال غيبة الزوج .

وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك قال : وتلا هذه الآية الرجال قوامون على النساء إلى آخر الآية .

وقال صلى الله عليه وسلم لعمر : ألا أخبرك بخير ما يكنزه المرء المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته أخرجه أبو داود .

وفي مصحف ابن مسعود " فالصوالح قوانت حوافظ " .

وهذا بناء يختص بالمؤنث .

قال ابن جني : والتكسير أشبه لفظا بالمعنى ؛ إذ هو يعطي الكثرة وهي المقصود هاهنا .

وما في قوله : بما حفظ الله مصدرية ، أي بحفظ الله لهن .

ويصح أن تكون بمعنى الذي ، ويكون العائد في حفظ ضمير نصب .

وفي قراءة أبي جعفر " بما حفظ الله " بالنصب .

قال النحاس : الرفع أبين ؛ أي حافظات لمغيب أزواجهن بحفظ الله ومعونته وتسديده .

وقيل : بما حفظهن الله في مهورهن وعشرتهن .

وقيل : بما استحفظهن الله إياه من أداء الأمانات إلى أزواجهن .

ومعنى قراءة النصب : بحفظهن الله ؛ أي بحفظهن أمره أو دينه .

وقيل في التقدير : بما حفظن الله ، ثم وحد الفعل ؛ كما قيل :فإن الحوادث أودى بهاوقيل : المعنى بحفظ الله ؛ مثل حفظت الله .الخامسة : قوله تعالى : واللاتي تخافون نشوزهن اللاتي جمع التي وقد تقدم .

قال ابن عباس : تخافون بمعنى تعلمون وتتيقنون .

وقيل هو على بابه .

والنشوز العصيان ؛ مأخوذ من النشز ، وهو ما ارتفع من الأرض .

يقال : نشز الرجل ينشز وينشز إذا كان قاعدا فنهض قائما ؛ ومنه قوله عز وجل : وإذا قيل انشزوا فانشزوا أي ارتفعوا وانهضوا إلى حرب أو [ ص: 150 ] أمر من أمور الله تعالى .

فالمعنى : أي تخافون عصيانهن وتعاليهن عما أوجب الله عليهن من طاعة الأزواج .

وقال أبو منصور اللغوي : النشوز كراهية كل واحد من الزوجين صاحبه ؛ يقال : نشزت تنشز فهي ناشز بغير هاء .

ونشصت تنشص ، وهي السيئة للعشرة .

وقال ابن فارس : ونشزت المرأة استصعبت على بعلها ، ونشز بعلها عليها إذا ضربها وجفاها .

قال ابن دريد : نشزت المرأة ونشست ونشصت بمعنى واحد .السادسة : قوله تعالى : فعظوهن أي بكتاب الله ؛ أي ذكروهن ما أوجب الله عليهن من حسن الصحبة وجميل العشرة للزوج ، والاعتراف بالدرجة التي له عليها ، ويقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها .

وقال : لا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب .

وقال : أيما امرأة باتت هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح في رواية حتى تراجع وتضع يدها في يده .

وما كان مثل هذا .السابعة : قوله تعالى : واهجروهن في المضاجع وقرأ ابن مسعود والنخعي وغيرهما " في المضجع " على الإفراد ؛ كأنه اسم جنس يؤدي عن الجمع .

والهجر في المضاجع هو أن يضاجعها ويوليها ظهره ولا يجامعها ؛ عن ابن عباس وغيره .

وقال مجاهد : جنبوا مضاجعهن ؛ فيتقدر على هذا الكلام حذف ، ويعضده اهجروهن من الهجران ، وهو البعد ؛ يقال : هجره أي تباعد ونأى عنه .

ولا يمكن بعدها إلا بترك مضاجعتها .

وقال معناه إبراهيم النخعي والشعبي وقتادة والحسن البصري ، ورواه ابن وهب وابن القاسم عن مالك ، واختاره ابن العربي وقال : حملوا الأمر على الأكثر الموفي .

ويكون هذا القول كما تقول : اهجره في الله .

وهذا أصل مالك .قلت : هذا قول حسن ؛ فإن الزوج إذا أعرض عن فراشها فإن كانت محبة للزوج فذلك يشق عليها فترجع للصلاح ، وإن كانت مبغضة فيظهر النشوز منها ؛ فيتبين أن النشوز من قبلها .

وقيل : اهجروهن من الهجر وهو القبيح من الكلام ، أي غلظوا عليهن في القول وضاجعوهن للجماع وغيره ؛ قال معناه سفيان ، وروي عن ابن عباس .

وقيل : أي شدوهن وثاقا في بيوتهن ؛ من قولهم : هجر البعير أي ربطه بالهجار ، وهو حبل يشد به البعير ، وهو اختيار الطبري وقدح في سائر الأقوال .

وفي كلامه في هذا الموضع نظر .

وقد رد عليه القاضي أبو [ ص: 151 ] بكر بن العربي في أحكامه فقال : يا لها من هفوة من عالم بالقرآن والسنة !

والذي حمله على هذا التأويل حديث غريب رواه ابن وهب عن مالك أن أسماء بنت أبي بكر الصديق امرأة الزبير بن العوام كانت تخرج حتى عوتب في ذلك .

قال : وعتب عليها وعلى ضرتها ، فعقد شعر واحدة بالأخرى ثم ضربهما ضربا شديدا ، وكانت الضرة أحسن اتقاء ، وكانت أسماء لا تتقي فكان الضرب بها أكثر ؛ فشكت إلى أبيها أبي بكر رضي الله عنه فقال لها : أي بنية اصبري فإن الزبير رجل صالح ، ولعله أن يكون زوجك في الجنة ؛ ولقد بلغني أن الرجل إذا ابتكر بامرأة تزوجها في الجنة .

فرأى الربط والعقد مع احتمال اللفظ مع فعل الزبير فأقدم على هذا التفسير .

وهذا الهجر غايته عند العلماء شهر ؛ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين أسر إلى حفصة فأفشته إلى عائشة ، وتظاهرتا عليه .

ولا يبلغ به الأربعة الأشهر التي ضرب الله أجلا عذرا للمولى .الثامنة : قوله تعالى : واضربوهن أمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولا ثم بالهجران ، فإن لم يتجعا فالضرب ؛ فإنه هو الذي يصلحها له ويحملها على توفية حقه .

والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح ، وهو الذي لا يكسر عظما ولا يشين جارحة كاللكزة ونحوها ؛ فإن المقصود منه الصلاح لا غير .

فلا جرم إذا أدى إلى الهلاك وجب الضمان ، وكذلك القول في ضرب المؤدب غلامه لتعليم القرآن والأدب .

وفي صحيح مسلم : اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح الحديث .

أخرجه من حديث جابر الطويل في الحج ، أي لا يدخلن منازلكم أحدا ممن تكرهونه من الأقارب والنساء الأجانب .

وعلى هذا يحمل ما رواه الترمذي وصححه عن عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ فقال : ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم من تكرهون ، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن .

وقال : هذا حديث حسن صحيح .

فقوله : بفاحشة مبينة يريد لا يدخلن من يكرهه أزواجهن ولا يغضبنهم .

وليس المراد بذلك الزنى ؛ فإن ذلك محرم ويلزم عليه الحد .

وقد قال عليه الصلاة والسلام : اضربوا النساء إذا عصينكم في معروف ضربا غير مبرح .

قال عطاء : قلت لابن [ ص: 152 ] عباس ما الضرب غير المبرح ؟

قال بالسواك ونحوه .

وروي أن عمر رضي الله عنه ضرب امرأته فعذل في ذلك فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يسأل الرجل فيم ضرب أهله .التاسعة : قوله تعالى : فإن أطعنكم أي تركوا النشوز .

فلا تبغوا عليهن سبيلا أي لا تجنوا عليهن بقول أو فعل .

وهذا نهي عن ظلمهن بعد تقرير الفضل عليهن والتمكين من أدبهن .

وقيل : المعنى لا تكلفوهن الحب لكم فإنه ليس إليهن .العاشرة : قوله تعالى : إن الله كان عليا كبيرا إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ولين الجانب ؛ أي إن كنتم تقدرون عليهن فتذكروا قدرة الله ؛ فيده بالقدرة فوق كل يد .

فلا يستعلي أحد على امرأته فالله بالمرصاد فلذلك حسن الاتصاف ، هنا بالعلو والكبر .الحادية عشرة : وإذا ثبت هذا فاعلم .

أن الله عز وجل لم يأمر في شيء من كتابه بالضرب صراحا إلا هنا وفي الحدود العظام ؛ فساوى معصيتهن بأزواجهن بمعصية الكبائر ، وولى الأزواج ذلك دون الأئمة ، وجعله لهم دون القضاة بغير شهود ولا بينات ائتمانا من الله تعالى للأزواج على النساء .

قال المهلب : إنما جوز ضرب النساء من أجل امتناعهن على أزواجهن في المباضعة .

واختلف في وجوب ضربها في الخدمة ، والقياس يوجب أنه إذا جاز ضربها في المباضعة جاز ضربها في الخدمة الواجبة للزوج عليها بالمعروف .

وقال ابن خويز منداد .

والنشوز يسقط النفقة وجميع الحقوق الزوجية ، ويجوز معه أن يضربها الزوج ضرب الأدب غير المبرح ، والوعظ والهجر حتى ترجع عن نشوزها ، فإذا رجعت عادت حقوقها ؛ وكذلك كل ما اقتضى الأدب فجائز للزوج تأديبها .

ويختلف الحال في أدب الرفيعة والدنيئة ؛ فأدب الرفيعة العذل ، وأدب الدنيئة السوط .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : رحم الله امرأ علق سوطه وأدب أهله .

وقال : إن أبا جهم لا يضع عصاه عن عاتقه .

وقال بشار :الحر يلحى والعصا للعبديلحى أي يلام ؛ وقال ابن دريد :واللوم للحر مقيم رادع والعبد لا يردعه إلا العصاقال ابن المنذر : اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا جميعا بالغين إلا الناشز منهن الممتنعة .

وقال أبو عمر : من نشزت عنه امرأته بعد دخوله سقطت عنه نفقتها إلا أن تكون حاملا .

وخالف ابن القاسم جماعة الفقهاء في نفقة الناشز [ ص: 153 ] فأوجبها .

وإذا عادت الناشز إلى زوجها وجب في المستقبل نفقتها .

ولا تسقط نفقة المرأة عن زوجها لشيء غير النشوز ؛ لا من مرض ولا حيض ولا نفاس ولا صوم ولا حج ولا مغيب زوجها ولا حبسه عنها في حق أو جور غير ما ذكرنا .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أن الرِّجَال { قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ } أي: قوامون عليهن بإلزامهن بحقوق الله تعالى، من المحافظة على فرائضه وكفهن عن المفاسد، والرجال عليهم أن يلزموهن بذلك، وقوامون عليهن أيضا بالإنفاق عليهن، والكسوة والمسكن، ثم ذكر السبب الموجب لقيام الرجال على النساء فقال: { بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } أي: بسبب فضل الرجال على النساء وإفضالهم عليهن، فتفضيل الرجال على النساء من وجوه متعددة: من كون الولايات مختصة بالرجال، والنبوة، والرسالة، واختصاصهم بكثير من العبادات كالجهاد والأعياد والجمع.

وبما خصهم الله به من العقل والرزانة والصبر والجلد الذي ليس للنساء مثله.

وكذلك خصهم بالنفقات على الزوجات بل وكثير من النفقات يختص بها الرجال ويتميزون عن النساء.

ولعل هذا سر قوله: { وَبِمَا أَنْفَقُوا } وحذف المفعول ليدل على عموم النفقة.

فعلم من هذا كله أن الرجل كالوالي والسيد لامرأته، وهي عنده عانية أسيرة خادمة،فوظيفته أن يقوم بما استرعاه الله به.

ووظيفتها: القيام بطاعة ربها وطاعة زوجها فلهذا قال: { فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ } أي: مطيعات لله تعالى { حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ } أي: مطيعات لأزواجهن حتى في الغيب تحفظ بعلها بنفسها وماله، وذلك بحفظ الله لهن وتوفيقه لهن، لا من أنفسهن، فإن النفس أمارة بالسوء، ولكن من توكل على الله كفاه ما أهمه من أمر دينه ودنياه.

ثم قال: { وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } أي: ارتفاعهن عن طاعة أزواجهن بأن تعصيه بالقول أو الفعل فإنه يؤدبها بالأسهل فالأسهل، { فَعِظُوهُنَّ } أي: ببيان حكم الله في طاعة الزوج ومعصيته والترغيب في الطاعة، والترهيب من معصيته، فإن انتهت فذلك المطلوب، وإلا فيهجرها الزوج في المضجع، بأن لا يضاجعها، ولا يجامعها بمقدار ما يحصل به المقصود، وإلا ضربها ضربًا غير مبرح، فإن حصل المقصود بواحد من هذه الأمور وأطعنكم { فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا } أي: فقد حصل لكم ما تحبون فاتركوا معاتبتها على الأمور الماضية، والتنقيب عن العيوب التي يضر ذكرها ويحدث بسببه الشر.

{ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا } أي: له العلو المطلق بجميع الوجوه والاعتبارات، علو الذات وعلو القدر وعلو القهر الكبير الذي لا أكبر منه ولا أجل ولا أعظم، كبير الذات والصفات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( الرجال قوامون على النساء ) الآية نزلت في سعد بن الربيع وكان من النقباء وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير ، قاله مقاتل ، وقال الكلبي : امرأته حبيبة بنت محمد بن مسلمة ، وذلك أنها نشزت عليه فلطمها ، فانطلق أبوها معها إلى النبي صلى الله عليه وسلم [ فقال : أفرشته كريمتي فلطمها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لتقتص من زوجها " ، فانصرفت مع أبيها ] لتقتص منه فجاءجبريل عليه السلام [ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ارجعوا هذا جبريل أتاني بشيء " ، فأنزل الله هذه الآية ] ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أردنا أمرا وأراد الله أمرا ، والذي أراد الله خير " ، ورفع القصاص .

قوله تعالى : ( الرجال قوامون على النساء ) أي : مسلطون على تأديبهن ، والقوام والقيم بمعنى واحد ، والقوام أبلغ وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب .

( بما فضل الله بعضهم على بعض ) يعني : فضل الرجال على النساء بزيادة العقل والدين والولاية ، وقيل : بالشهادة ، لقوله تعالى : " فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان " ( البقرة - 282 ) وقيل : بالجهاد ، وقيل : بالعبادات من الجمعة والجماعة ، وقيل : هو أن الرجل ينكح أربعا ولا يحل للمرأة إلا زوج واحد ، وقيل : بأن الطلاق بيده ، وقيل : بالميراث ، وقيل : بالدية ، وقيل : بالنبوة .

( وبما أنفقوا من أموالهم ) يعني : إعطاء المهر والنفقة ، أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، قال : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار ، أنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي أنا أبو حذيفة ، أنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي ظبيان أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " .

قوله تعالى : ( فالصالحات قانتات ) أي : مطيعات ( حافظات للغيب ) أي : حافظات للفروج في غيبة الأزواج ، وقيل : حافظات لسرهم ( بما حفظ الله ) قرأ أبو جعفر ( بما حفظ الله ) بالنصب ، أي : يحفظن الله في الطاعة ، وقراءة العامة بالرفع ، أي : بما حفظهن الله بإيصاء الأزواج بحقهن وأمرهم بأداء المهر والنفقة .

وقيل : حافظات للغيب بحفظ الله ، أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أنا أبو إسحاق الثعلبي ، أنا أبو عبد الله بن فنجويه ، أخبرنا عمر بن الخطاب ، أنا محمد بن إسحاق المسوحي ، أنا الحارث بن عبد الله ، أنا أبو معشر عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها " ، ثم تلا ( الرجال قوامون على النساء ) الآية .

( واللاتي تخافون نشوزهن ) عصيانهن ، وأصل النشوز : التكبر والارتفاع ، ومنه النشز للموضع المرتفع ، ( فعظوهن ) بالتخويف من الله والوعظ بالقول ، ( واهجروهن ) يعني : إن لم ينزعن عن ذلك بالقول فاهجروهن ( في المضاجع ) قال ابن عباس : يوليها ظهره في الفراش ولا يكلمها ، وقال غيره : يعتزل عنها إلى فراش آخر ، ( واضربوهن ) يعني : إن لم ينزعن مع الهجران فاضربوهن ضربا غير مبرح ولا شائن ، وقال عطاء : ضربا بالسواك وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " حق المرأة أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت " .

( فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ) أي : لا تجنوا عليهن الذنوب ، وقال ابن عيينة : لا تكلفوهن محبتكم فإن القلب ليس بأيديهن .

( إن الله كان عليا كبيرا ) متعاليا من أن يكلف العباد مالا يطيقونه ، وظاهر الآية يدل على أن الزوج يجمع عليها بين الوعظ والهجران والضرب ، فذهب بعضهم إلى ظاهرها وقال : إذا ظهر منها النشوز جمع بين هذه الأفعال ، وحمل الخوف في قوله ( واللاتي تخافون نشوزهن ) على العلم كقوله تعالى : " فمن خاف من موص جنفا " ( البقرة - 182 ) أي : علم ، ومنهم من حمل الخوف على الخشية لا على حقيقة العلم ، كقوله تعالى : " وإما تخافن من قوم خيانة " ( الأنفال - 58 ) ، وقال : هذه الأفعال على ترتيب الجرائم ، فإن خاف نشوزها بأن ظهرت أمارته منها من المخاشنة وسوء الخلق وعظها ، فإن أبدت النشوز هجرها ، فإن أصرت على ذلك ضربها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الرِّجال قوَّامون» مسلطون «على النساء» يؤدبونهن ويأخذون على أيديهن «بما فضَّل الله بعضهم على بعض» أي بتفضيله لهم عليهن بالعلم والعقل والولاية وغير ذلك «وبما أنفقوا» عليهن «من أموالهم فالصالحات» منهن «قانتات» مطيعات لأزواجهن «حافظات للغيب» أي لفروجهن وغيرها في غيبة أزواجهن «بما حفظ» لهن «اللهُ» حيث أوصى عليهن الأزواج «والَّتي تخافون نشوزهن» عصيانهن لكم بأن ظهرت أمارته «فعظوهن» فخوِّفوهن الله «واهجروهن في المضاجع» اعتزلوا إلى فراش آخر إن أظهرن النشوز «واضربوهن» ضربا غير مبرح إن لم يرجعن بالهجران «فإن أطعنكم» فيما يراد منهن «فلا تبغوا» تطلبوا «عليهن سبيلا» طريقا إلى ضربهن ظلما «إن الله كان عليا كبيرا» فاحذروه أن يعاقبكم إن ظلمتموهن.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الرجال قوَّامون على توجيه النساء ورعايتهن، بما خصهم الله به من خصائص القِوامَة والتفضيل، وبما أعطوهن من المهور والنفقات.

فالصالحات المستقيمات على شرع الله منهن، مطيعات لله تعالى ولأزواجهن، حافظات لكل ما غاب عن علم أزواجهن بما اؤتمنَّ عليه بحفظ الله وتوفيقه، واللاتي تخشون منهن ترفُّعهن عن طاعتكم، فانصحوهن بالكلمة الطيبة، فإن لم تثمر معهن الكلمة الطيبة، فاهجروهن في الفراش، ولا تقربوهن، فإن لم يؤثر فعل الهِجْران فيهن، فاضربوهن ضربًا لا ضرر فيه، فإن أطعنكم فاحذروا ظلمهن، فإن الله العليَّ الكبير وليُّهن، وهو منتقم ممَّن ظلمهنَّ وبغى عليهن.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه حقوق الرجال وحقوق النساء ، وما يجب لكل فريق نحو الآخر ، ودعا أهل الخير إلى محاولة الإِصلاح بين الزوجين إذا مادب الخلاف بينهما فقال - تعالى - : ( الرجال .

.

.

خَبِيراً ) .روى المفسرون روايات فى سبب نزول قوله - تعالى - ( الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء ) الآية .ومن هذه الروايات ما ذكره القرطبى من أنها " نزلت فى سعد بن الربيع نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن خارجة بن أبى زهير فلطمها؛ فقال أبوها : يا رسول الله ، أفرشته كريمتى فلطمها .

فقال صلى الله عليه وسلم " لتقتص من زوجها " .

فانصرفت مع أبيها لتقتص منه .

فقال - عليه الصلاة والسلام - " ارجعوا هذا جبريل أتانى " فأنزل الله هذه الآية .وقوله ( قَوَّامُونَ ) جمع قوام على وزن فعال للمبالغة من القيام على الشئ وحفظه .

يقال : قال فلان على الشئ وهو قائم عليه وقوام عليه ، إذا كان يرعاه ويحفظه ويتولاه .

ويقال : هذا قيم المرأة وقوامها للذى يقوم بأمرها ويهتم بحفظها وإصلاحها ورعاية شئونها .

أي : الرجال يقومون على شئون النساء بالحفظ والرعاية والنفقة والتأديب وغير ذلك مما تقتضيه مصلحتهن .ثم ذكر - سبحانه - سببين لهذه القوامة .أولهما : وهبى وقد بينه بقوله : ( بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ) .أى أن حكمة الله اقتضت أن يكون الرجال قوامين على النساء بسبب ما فضل الله به الرجال على النساء من قوة فى الجسم ، وزيادة فى العلم ، وقدرة على تحمل أعباء الحياة وتكاليفها وما يستتبع من دفاع عنهن إذا ما تعرضن لسوء .قال الفخر الرازى : واعلم أن فضل الرجال على النساء حاصل من وجوه كثيرة : بعضها صفات حقيقية وبعضها أحكام شرعية .

أما الصفات الحقيقة فاعلم أن الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها إلى أمرين .

إلى العلم وإلى القدرة .ولا شك أن عقول الرجال وعلومهم أكثر .

ولا شك أن قدرتهم على الأعمال الشاقة أكمل ، فلهذين السببين حصلت الفضيلة للرجال على النساء فى العقل والحزم والقوة .

وإن منهم الأنبياء والعلماء ، وفيهم الإِمامة الكبرى والصغرى والجهاد ، والأذان ، والخطبة ، والولاية فى النكاح .

فكل ذلك يدل على فضل الرجال على النساء .والمراد بالتفضيل فى قوله ( بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ) تفضيل الجنس على الجنس لا تفضيل الآحاد على الآحاد .

فقد يوجد من النساء من هى أقوى عقلا وأكثر معرفة من بعض الرجال .والباء للسببية ، وما مصدرية ، والبعض الأول المقصود به الرجال والبعض الثانى المقصود به النساء .

والضمير المضاف إليه البعض الأول يقع على مجموع الفريقين على سبيل التغليب .وقال - سبحانه - ( بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ) ولم يقل - مثلا - : بما فضلهم الله عليهن ، للإِشعار بأن الرجال من النساء والنساء من الرجال كما قال فى آية أخرى ( بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ) وللإِشارة إلى أن هذا التفضيل هو لصالح الفريقين ، فعلى كل فريق منهم أن يتفرغ لأداء المهمة التى كلفه الله بها بإخلاص وطاعة حتى يسعد الفريقان .وأما السبب الثاني : فهو كسبى وقد بينه - سبحانه - بقوله : ( وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) .أى أن الله - تعالى - جعل الرجال قوامين على النساء بسبب ما فضل الله به الرجال على النساء من علم وقدرة .

وبسبب ما ألزم به الرجال من إنفاق على النساء ومن تقديم المهور لهن عند الزواج بهن ، ومن القيام برعايتهن وصيانتهن .قال الآلوسى : واستدل بالآية على أن للزوج تأديب زوجته ومنعها من الخروج .

وأن عليها طاعته إلا فى معصية الله - تعالى - .

وفى الخبر " لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " واستدل بها أيضا من أجاز فسخ النكاح عند الإعسار عن النفقة والكسوة .

وهو مذهب مالك والشافعى ، لأنه إذا خرج عن كونه قواما عليها فقد خرج عن الغرض المقصود بالنكاح .

وعندنا لا فسخ لقوله - تعالى : ( وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ) .

واستدل بها أيضا من جعل للزوج الحجر على زوجته فى نفسها وما لها فلا تتصرف فيه إلا بإذنه ، لأنه - سبحانه - جعل الرجل قواما بصيغة المبالغة .

وهو الناظر على الشئ الحافظ له .ثم شرع - سبحانه - فى تفصيل أحوال النساء .

وفى بيان كيفية القيام عليهن بحسب اختلاف أحوالهن ، فقسمهن إلى قسمين :فقال فى شأن القسم الأول : ( فالصالحات قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ الله ) .أى : فالصالحات من النساء من صفاتهن أنهن ( قَانِتَاتٌ ) أى مطيعات لله - تعالى ولأزواجهن عن طيب نفس واطمئنان قلب ، ومن صفاتهن كذلك أنهن ( حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ الله ) .قال صاحب الكشاف : الغيب خلاف الشهادة .

أى حافظات لمواجب الغيب .

إذا كان الأزواج غير شاهدين لهن ، حفظن ما يجب عليهن حفظه فى حال الغيبة من الفروج والأموال والبيوت .

وعن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال .

" خير النساء أمرأة إن نظرت إليها سرتك ، وأن أمرتها أطاعتك ، وإذا غبت عنها حفظتك فى مالها ونفسها " ، ثم تلا الآية الكريمة .و " ما " فى قوله ( بِمَا حَفِظَ الله ) يحتمل أن تكون مصدرية فيكون المعنى : أن هؤلاء النساء الصالحات المطيعات من صفاتهن أنهن يحفظن فى غيبة أزواجهن ما يجب حفظه بسبب حفظ الله لهن ورعايته إياهن بالتوفيق للعلم الذى يحبه ويرضاه .ويحتمل أن تكون موصولة فيكون المعنى : أنهن حافظات لغيبة أزواجهن فى النفس والعرض والمال وكل ما يجب حفظه بسبب الأمر الذى حفظه الله لهن على أزواجهن حيث كلف الأزواج بالانفاق عليهن وبالإِحسان إليهن ، فعليهن أن يحفظن حقوق أزاوجهن فى مقابلة الذى حفظه الله لهن من حقوق على أزواجهن .فالجملة الكريمة تمدح النساء الصالحات المطيعات الحافظات لأسرار أزواجهن ولكل ما يجب حفظه من عرض أو مال أو غير ذلك مما تقتضيه الحياة الزوجية .هذا هو القسم الأول من النساء ، أما القسم الثانى فقد قال - سبحانه - فى شأنه : ( واللاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهجروهن فِي المضاجع واضربوهن ) والمراد بقوله ( نُشُوزَهُنَّ ) عصيانهن وخروجهن عما توجيه الحياة الزوجية من طاعة الزوجة لزوجها .

يقال : نشزت الزوجة نشوزا أى : عصت زوجها وامتنعت عليه .

وأصل النشوز مأخوذ من النشز بمعنى الارتفاع فى وسط الأرض السهلة المنبسطة ويكون شاذا فيها .

فشبهت المرأة المتعالية على طاعة زوجها بالمرتفع من الأرض .والمعنى : هذا شأن النساء الصالحات القانتات الحافظات للغيب بسبب حفظ الله لهن ، أما النساء اللاتى تخافون ( نُشُوزَهُنَّ ) أى عصيانهن لكم ، وترفعهن عن مطاوعتكم ، وسوء عشرتهن ( فَعِظُوهُنَّ ) بالقول الذى يؤثر فى النفس ، ويوجههن نحو الخير والفضيلة ، بأن تذكروهن بحسن عاقبة الطاعة للزوج .

وسوء عاقبة النشوز والمعصية ، وبأن تسوقوا لهن من تعاليم الإِسلام وآدابه وتوجيهاته ما من شأنه أن يشفى الصدور ، ويهدى النفوس إلى الخير .قال ابن كثير : وقوله - تعالى - : ( واللاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ) أى النساء تخافون أن ينشزن على أزواجهن فعظوهن .

والنشوز هو الارتفاع فالمرأة الناشز هى المرتفعة على زوجها التاركة لأمره ، المعرضة عنه المبغضة له ، فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله ، فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته ، وحرم عليها معصيته لماله عليها من الفضل ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها " .وقوله ( واهجروهن فِي المضاجع ) أى وعليكم إذا لم تنفع الموعظة والنصيحة معهن أن تتركوهن منفردات فى أماكن نومهن .فالمضاجع جمع مضجع - وهو مكان النوم والاضطجاع .قال القرطبى : والهجر فى المضجع هو أن يضاجعها - أى ينام معها فى فراش واحد - ويوليها ظهره ولا يجامعها .

وقال مجاهد : ( واهجروهن فِي المضاجع ) أى تجنبوا مضاجعهن أى - اهجروا أماكن نومهن بأن تناموا بعيدا عنهن - .روى أبو داود بسند " عن معاوية بن حيدة القشيرى أنه قال : يا رسول الله : ما حق زوجة أحدنا عليه؟

قال : أن تطعمها إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه .

ولا تقبح .

ولا تهجر إلا فى البيت " .وقوله ( واضربوهن ) معطوف على ما قبله .

أى إن لم ينفع ما فعلتم من العظة والهجران فاضربوهن ضربا غير مبرح - أى غير شديد ولا مشين - فقد ثبت فى صحيح مسلم عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى حجة الوداع : " واتقوا الله فى النساء فانهن عوان عندكم - أى أسيرات عندكم - ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا كرهونه .

فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح " .وقد فسر العلماء الضرب غير المبرح بأنه الذى لا يكسر عظما ، ولا يشين جارحة ، وأن يتقى الوجه فإنه مجمع المحاسن ولا يلجأ إليه إلا عند فشل العلاجين السابقين .وقد قال - سبحانه - ( واللاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ) ولم يقل : واللائى ينشزن ، للإِشعار بأن يبدأ الزوج بعلاج عيوب زوجته عندما تظهر أمارات هذه العيوب وعلاماتها وأن لا يتركها حتى تشترى وتشتد ، بل عليه عندما يخشى النشوز أن يعالجة قبل أن يقع ، وأن يكون علاجه بطريقة حكيمة من شأنها أن تقنع وتفيد .وبعضهم فسر الخوف ، بالعلم أى واللاتى تعلمون نشوزهن فعظوهن .

.

.

إلخ .وبعضهم قدر مضافا فى الكلام أى : واللاتى تخافون دوام نشوزهن ، فعظوهن واهجروهن فى المضاجع .

.

الخ .وجمهور العلماء على أن من الواجب على الزوج أن يسلك فى معالجته لزوجته تلك الأنوار الثلاثة على الترتيب بأن يبدأ بالوعظ ثم بالهجر ثم بالضرب ، لأن الله - تعالى - قد أمر بذلك ، ولأنه قد رتب هذه العقوبات بتلك الطريقة الحكيمة التى تبدأ بالعقوبة الخفيفة ثم تتدرج إلى العقوبة الشديدة ثم إلى الأكثر شدة .قال الفخر الرازى : وبالجملة فالتخفيف مراعى فى هذا الباب على أبلغ الوجوه .

والذى يدل عليه اللفظ أنه - تعالى - ابتدأ بالوعظ .

ثم ترقى منه إلى الضرب .

وذلك تنبيه يجرى مجرى التصريح فى أنه متى حصل الغرض بالطريق الأخف ، وجب الاكتفاء به ، ولم يجز الإِقدام على الطريق الأشق .

وهذه طريقة من قال : حكم هذه الآية مشروع على الترتيب .وقال بعض أصحابنا : " تحرير المذهب أن له عند خوف النشوز أن يعظها ، وهل له أن يهجرها؟

فيه احتمال .

وله عند إيداء النشوز من يعظها أو يهجرها ، أو يضربها .ثم بين - سبحانه - ما يجب على الرجال نحو النساء إذا ما أطعنهم وتركن النشوز والعصيان فقال - تعالى - : ( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ) .أى فإن رجعن عن النشوز إلى الطاعة وانقدن لما أوجب الله عليهن نحوكم أيها الرجال ، فلا تطلبوا سبيلا وطريقا إلى التعدى عليهن ، أو فلا تظلموهن بأى طريق من طرق الظلم كأن تؤذوهن بألسنتكم أو بأيدكم أو بغير لك ، بل اجعلوا ما كان منهن كأنه لم يكن ، وحاولوا التقرب إليهن بألوان المودة والرحمة .( إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ) فاحذروا مخالفة أمره ، فإن قدرته - سبحانه - عليكم أعظم من قدرتكم على نسائكم .فالجملة الكريمة تذييل قصد به حث الأزواج على قبول توبة النساء ، وتحذيرهم من ظلمهن إذا ما تركن النشوز ، وعدن إلى طريق الطاعة والإِنابة .قال بعضهم : وذكر هاتين الصفتين فى هذا الموضع فى غاية الحسن ، وبيانه من وجوه :الأول : أن المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النساء .

والمعنى : أنهن إن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم ، فالله - سبحانه - ينتصف لهن منكم لأنه علىٌّ قاهر كبير .الثانى : لا تبغوا إذا أطعنكم لعلو أيديكم ، فإن الله أعلى منكم وأكبر من كل شئ .الثالث : أنه - سبحانه - مع علوه وكبريائه لا يؤاخذ العاصى إذا تاب ، بل يغفر له ، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تتركوا عقوبتها وتقبلوا توبتها .الخامس : أنه - تعالى مع علوه وكبريائه اكتفى من العبد بالظواهر ولم يهتك السرائر فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة ، وأن تقعوا فى التفتيش عما فى قلبها وضميرها من الحب والبغض .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى قال: ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ  ﴾ وقد ذكرنا أن سبب نزول هذه الآية أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهن في الميراث، فذكر تعالى في هذه الآية أنه إنما فضل الرجال على النساء في الميراث، لأن الرجال قوامون على النساء، فإنهما وإن اشتركا في استمتاع كل واحد منهما بالآخر، أمر الله الرجال أن يدفعوا إليهن المهر، ويدروا عليهن النفقة فصارت الزيادة من أحد الجانبين مقابلة بالزيادة من الجانب الآخر، فكأنه لا فضل ألبتة، فهذا هو بيان كيفية النظم.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: القوام؛ اسم لمن يكون مبالغا في القيام بالأمر، يقال: هذا قيم المرأة وقوامها للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها.

قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في بنت محمد بن سلمة وزوجها سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار، فإنه لطمها لطمة فنشزت عن فراشه وذهبت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وذكرت هذه الشكاية، وأنه لطمها وأن أثر اللطمة باق في وجهها، فقال عليه الصلاة والسلام: «اقتصي منه» ثم قال لها: «اصبري حتى أنظر» فنزلت هذه الآية: ﴿ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء ﴾ أي مسلطون على أدبهن والأخذ فوق أيديهن، فكأنه تعالى جعله أميرا عليها ونافذ الحكم في حقها، فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أردنا أمراً وأراد الله أمرا والذي أراد الله خير» ورفع القصاص، ثم انه تعالى لما أثبت للرجال سلطنة على النساء ونفاذ أمر عليهن بين أن ذلك معلل بأمرين، أحدهما: قوله تعالى: ﴿ بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ .

واعلم أن فضل الرجل على النساء حاصل من وجوه كثيرة، بعضها صفات حقيقية، وبعضها أحكام شرعية، أما الصفات الحقيقية فاعلم أن الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها الى أمرين: إلى العلم، وإلى القدرة، ولا شك أن عقول الرجال وعلومهم أكثر، ولا شك أن قدرتهم على الأعمال الشاقة أكمل، فلهذين السببين حصلت الفضيلة للرجال على النساء في العقل والحزم والقوة، والكتابة في الغالب والفروسية والرمي، وأن منهم الأنبياء والعلماء، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى والجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق، وفي الأنكحة عند الشافعي رضي الله عنه، وزيادة النصيب في الميراث والتعصيب في الميراث، وفي تحمل الدية في القتل والخطأ، وفي القسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج، وإليهم الانتساب، فكل ذلك يدل على فضل الرجال على النساء.

والسبب الثاني: لحصول هذه الفضيلة: قوله تعالى: ﴿ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أموالهم ﴾ يعني الرجل أفضل من المرأة لأنه يعطيها المهر وينفق عليها، ثم إنه تعالى قسم النساء قسمين، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: قرأ ابن مسعود (فالصالحات قوانت حوافظ للغيب).

المسألة الثانية: قوله: ﴿ قانتات حفظات لّلْغَيْبِ ﴾ فيه وجهان: الأول: قانتات، أي مطيعات لله، ﴿ حفظات لّلْغَيْبِ ﴾ أي قائمات بحقوق الزوج، وقدم قضاء حق الله ثم أتبع ذلك بقضاء حق الزوج.

الثاني: أن حال المرأة إما أن يعتبر عند حضور الزوج أو عند غيبته، أما حالها عند حضور الزوج فقد وصفها الله بأنها قانتة، وأصل القنوت دوام الطاعة، فالمعنى أنهن قيمات بحقوق أزواجهن، وظاهر هذا إخبار، إلا أن المراد منه الأمر بالطاعة.

واعلم أن المرأة لا تكون صالحة إلا إذا كانت مطيعة لزوجها، لأن الله تعالى قال: ﴿ فالصالحات قانتات ﴾ والألف واللام في الجمع يفيد الاستغراق، فهذا يقتضي أن كل امرأة تكون صالحة، فهي لابد وأن تكون قانتة مطيعة.

قال الواحدي رحمه الله: لفظ القنوت يفيد الطاعة، وهو عام في طاعة الله وطاعة الأزواج، وأما حال المرأة عند غيبة الزوج فقد وصفها الله تعالى بقوله: ﴿ حفظات لّلْغَيْبِ ﴾ واعلم أن الغيب خلاف الشهادة، والمعنى كونهن حافظات بمواجب الغيب، وذلك من وجوه: أحدها: أنها تحفظ نفسها عن الزنا لئلا يلحق الزوج العار بسبب زناها، ولئلا يلتحق به الولد المتكون من نطفة غيره.

وثانيها: حفظ ماله عن الضياع.

وثالثها: حفظ منزله عما لا ينبغي، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «خير النساء إن نظرت اليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها» وتلا هذه الآية.

المسألة الثالثة: ما في قوله: ﴿ بِمَا حَفِظَ الله ﴾ فيه وجهان: الأول: بمعنى الذي، والعائد اليه محذوف، والتقدير: بما حفظه الله لهن، والمعنى أن عليهن ان يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن، حيث أمرهم بالعدل عليهن وإمساكهن بالمعروف وإعطائهن أجورهن، فقوله: ﴿ بِمَا حَفِظَ الله ﴾ يجري مجرى ما يقال: هذا بذاك، أي هذا في مقابلة ذاك.

والوجه الثاني: أن تكون ما مصدرية، والتقدير: بحفظ الله، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: الأول: أنهن حافظات للغيب بما حفظ الله إياهن، أي لا يتيسر لهن حفظ إلا بتوفيق الله، فيكون هذا من باب إضافة المصدر إلى الفاعل.

والثاني: أن المعنى: هو أن المرأة إنما تكون حافظة للغيب بسبب حفظهن الله أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره، فإن المرأة لولا أنها تحاول رعاية تكاليف الله وتجتهد في حفظ أوامره لما أطاعت زوجها، وهذا الوجه يكون من باب إضافة المصدر إلى المفعول.

واعلم أنه تعالى لما ذكر الصالحات ذكر بعده غير الصالحات، فقال: ﴿ واللاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ .

واعلم أن الخوف عبارة عن حال يحصل في القلب عند ظن حدوث أمر مكروه في المستقبل.

قال الشافعي رضي الله عنه: ﴿ واللاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ النشوز قد يكون قولا، وقد يكون فعلا، فالقول مثل أن كانت تلبيه إذا دعاها، وتخضع له بالقول إذا خاطبها ثم تغيرت، والفعل مثل أن كانت تقوم اليه إذا دخل عليها، أو كانت تسارع إلى أمره وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها، ثم إنها تغيرت عن كل ذلك، فهذه أمارات دالة على نشوزها وعصيانها، فحينئذ ظن نشوزها ومقدمات هذه الأحوال توجب خوف النشوز.

وأما النشوز فهو معصية الزوج والترفع عليه بالخلاف، وأصله من قولهم نشز الشيء إذا ارتفع، ومنه يقال للأرض المرتفعة: ونشز ونشر.

ثم قال تعالى: ﴿ فَعِظُوهُنَّ واهجروهن فِي المضاجع واضربوهن ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي رضي الله عنه: أما الوعظ فإنه يقول لها: اتقي الله فإن لي عليك حقا وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ونحو هذا، ولا يضربها في هذه الحالة لجواز أن يكون لها في ذلك كفاية، فإن أصرت على ذلك النشوز فعند ذلك يهجرها في المضجع وفي ضمنه امتناعه من كلامها، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: ولا يزيد في هجره الكلام ثلاثا، وأيضا فإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها فتترك النشوز، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران، فكان ذلك دليلا على كمال نشوزها، وفيهم من حمل ذلك على الهجران في المباشرة، لأن إضافة ذلك إلى المضاجع يفيد ذلك، ثم عند هذه الهجرة إن بقيت على النشوز ضربها.

قال الشافعي رضي الله عنه: والضرب مباح وتركه أفضل.

روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: كنا معاشر قريش تملك رجالنا نساءهم، فقدمنا المدينة فوجدنا نساءهم تملك رجالهم، فاختلطت نساؤنا بنسائهم فذئرن على أزواجهن، فأذن في ضربهن فطاف بحجر نساء النبي صلى الله عليه وسلم جمع من النسوان كلهن يشكون أزواجهن، فقال صلى الله عليه وسلم: «لقد أطاف الليلة بآل محمد سبعون امرأة كلهن يشكون أزواجهن ولا تجدون أولئك خياركم».

ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيرا ممن لم يضربوا.

قال الشافعي رضي الله عنه: فدل هذا الحديث على أن الأولى ترك الضرب، فأما إذا ضربها وجب في ذلك الضرب أن يكون بحيث لا يكون مفضيا إلى الهلاك ألبتة، بأن يكون مفرقا على بدنها، ولا يوالي بها في موضع واحد ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن، وأن يكون دون الأربعين.

ومن أصحابنا من قال: لا يبلغ به عشرين لأنه حد كامل في حق العبد، ومنهم من قال: ينبغي أن يكون الضرب بمنديل ملفوف أو بيده، ولا يضربها بالسياط ولا بالعصا، وبالجملة فالتخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه.

وأقول: الذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع، ثم ترقى منه إلى الضرب، وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الاخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق والله أعلم.

المسألة الثانية: اختلف أصحابنا قال بعضهم: حكم هذه الآية مشروع على الترتيب، فان ظاهر اللفظ وإن دل على الجمع إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: يعظها بلسانه، فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فان لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين.

وقال بعض أصحابنا: تحرير المذهب أن له عند خوف النشوز أن يعظها، وهل له أن يهجرها؟

فيه احتمال، وله عند إبداء النشوز أن يعظها أو يهجرها، أو يضربها.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ ﴾ أي إذا رجعن عن النشوز إلى الطاعة عند هذا التأديب ﴿ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾ أي لا تطلبوا عليهن الضرب والهجران طريقاً على سبيل التعنت والايذاء ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ﴾ وعلوه لا بعلو الجهة، وكبره لا بكبر الجثة، بل هو علي كبير لكمال قدرته ونفاذ مشيئته في كل الممكنات.

وذكر هاتين الصفتين في هذا الموضع في غاية الحسن، وبيانه من وجوه: الأول: أن المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النسوان، والمعنى أنهن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله سبحانه علي قاهر كبير قادر ينتصف لهن منكم ويستوفي حقهن منكم، فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم أعلى يداً منهن، وأكبر درجة منهن.

الثاني: لا تبغوا عليهن إذا أطعنكم لعلو أيديكم.

فإن الله أعلى منكم وأكبر من كل شيء، وهو متعال عن أن يكلف إلا بالحق.

الثالث: أنه تعالى مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون، فكذلك لا تكلفوهن محبتكم، فإنهن لا يقدرن على ذلك.

الرابع: أنه مع علوه وكبرئايه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب، بل يغفر له، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تقبلوا توبتها وتتركوا معاقبتها.

الخامس: أنه تعالى مع علوه وكبرئايه اكتفى من العبد بالظواهر، ولم يهتك السرائر، فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة، وأن لا تقعوا في التفتيش عما في قلبها وضميرها من الحب والبغض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قَوَّامُونَ عَلَى النساء ﴾ يقومون عليهن آمرين ناهين، كما يقوم الولاة على الرعايا.

وسموا قوّاماً لذلك.

والضمير في ﴿ بَعْضَهُمْ ﴾ للرجال والنساء جميعاً، يعني إنما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل الله بعضهم وهم الرجال، على بعض وهم النساء.

وفيه دليل على أنّ الولاية إنما تستحق بالفضل، لا بالتغلب والاستطالة والقهر.

وقد ذكروا في فضل الرجال: العقل، والحزم، والعزم، والقوّة، والكتابة في الغالب، والفروسية، والرمي، وأنّ منهم الأنبياء والعلماء، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى، والجهاد، والأذان، والخطبة، والاعتكاف، وتكبيرات التشريق عند أبي حنيفة، والشهادة في الحدود، والقصاص، وزيادة السهم، والتعصيب في الميراث، والحمالة، والقسامة، والولاية في النكاح والطلاق والرجعة، وعدد الأزواج، وإليهم الانتساب، وهم أصحاب اللحى والعمائم ﴿ وَبِمَا أَنفَقُواْ ﴾ وبسبب ما أخرجوا في نكاحهنّ من أموالهم في المهور والنفقات.

وروى: أنّ سعد بن الربيع وكان نقيباً من نقباء الأنصار نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير.

فلطمها.

فانطلق بها أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أفرشته كريمتي فلطمها فقال: ﴿ لتقتص مِنْهُ ﴾ فنزلت، فقال صلى الله عليه وسلم: أردنا أمراً وأراد الله أمراً، والذي أراد الله خير، ورفع القصاص.

واختلف في ذلك، فقيل لا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس ولو شجها، ولكن يجب العقل.

وقيل: لا قصاص إلا في الجرح والقتل.

وأما اللطمة ونحوها فلا ﴿ قانتات ﴾ مطيعات قائمات بما عليهنّ للأزواج ﴿ حفظات لّلْغَيْبِ ﴾ الغيب خلاف الشهادة.

أي حافظات لمواجب الغيب إذا كان الأزواج غير شاهدين لهنّ حفظهن ما يجب عليهنّ حفظه في حال الغيبة.

من الفروج والبيوت والأموال.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «خير النساء امرأة إن نظرتَ إليها سرّتك، وإن أمرْتها أطاعتك وإذا غبتَ عنها حفظتك في مالها ونفسها» ، وتلا الآية وقيل: ﴿ للغيب ﴾ لأسرارهم ﴿ بِمَا حَفِظَ الله ﴾ بما حفظهنّ الله حين أوصى بهنّ الأزواج في كتابه وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام فقال: «استوصوا بالنساء خيراً» أو بما حفظهنّ الله وعصمهنّ ووفقهنّ لحفظ الغيب، أو بما حفظهنّ حين وعدهنّ الثواب العظيم على حفظ الغيب، وأوعدهنّ بالعذاب الشديد على الخيانة.

و(ما) مصدرية.

وقرئ ﴿ بما حفظَ اللهَ ﴾ بالنصب على أنْ ما موصولة، أي حافظات للغيب بالأمر الذي يحفظ حق الله وأمانة الله، وهو التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم.

وقرأ ابن مسعود: ﴿ فالصوالح قوانت حوافظ للغيب بما حفظ الله فأصلحوا إليهنّ ﴾ .

نشوزها ونشوصها: أن تعصي زوجها، ولا تطمئن إليه وأصله الانزعاج ﴿ فِى المضاجع ﴾ في المراقد.

أي لا تدخلوهن تحت اللحد أو هي كناية عن الجماع.

وقيل: هو أن يوليها ظهره في المضجع وقيل: في المضاجع: في بيوتهن التي يبتن فيها.

أي لا تبايتوهن.

وقرئ: ﴿ في المضجع ﴾ ، و ﴿ في المضطجع ﴾ .

وذلك لتعرّف أحوالهن وتحقق أمرهن في النشوز أمر بوعظهن أوّلاً، ثم هجرانهن في المضاجع، ثم بالضرب إن لم ينجع فيهن الوعظ والهجران.

وقيل: معناه أكرهوهن على الجماع واربطوهن، من هجر البعير إذا شدّه بالهجار.

وهذا من تفسير الثقلاء.

وقالوا: يجب أن يكون ضرباً غير مبرِّح لا يجرحها ولا يكسر لها عظماً ويجتنب الوجه.

وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «علق سوطك حيث يراه أهلك» وعن أسماء بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله عنهما: كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوّام، فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها.

ويروى عن الزبير أبيات منها: وَلَوْلاَ بَنُوهَا حَوْلَهَا لَخَبَطْتُهَا ﴿ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾ فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى والتوبيخ والتجني، وتوبوا عليهن واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن بعد رجوعهن إلى الطاعة والانقياد وترك النشوز ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ﴾ فاحذروه واعلموا أنّ قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم.

ويروى: أن أبا مسعود الأنصاري رفع سوطه ليضرب غلاماً له، فبصر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصاح به: «أبا مسعود، للَّهُ أقدر عليك منك عليه» فرمى بالسوط وأعتق الغلام.

أو إن الله كان علياً كبيراً وإنكم تعصونه على علو شأنه وكبرياء سلطانه، ثم تتوبون فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو عمن يجني عليكم إذا رجع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ ﴾ يَقُومُونَ عَلَيْهِنَّ قِيامَ الوُلاةِ عَلى الرَّعِيَّةِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ وهْبِيٍّ وكَسْبِيٍّ فَقالَ: ﴿ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ بِسَبَبِ تَفْضِيلِهِ تَعالى الرِّجالَ عَلى النِّساءِ بِكَمالِ العَقْلِ وحُسْنِ التَّدْبِيرِ، ومَزِيدِ القُوَّةِ في الأعْمالِ والطّاعاتِ، ولِذَلِكَ خُصُّوا بِالنُّبُوَّةِ والإمامَةِ والوِلايَةِ وإقامَةِ الشَّعائِرِ، والشَّهادَةِ في مَجامِعِ القَضايا، ووُجُوبِ الجِهادِ والجُمُعَةِ ونَحْوِها، والتَّعْصِيبِ وزِيادَةِ السَّهْمِ في المِيراثِ والِاسْتِبْدادِ بِالفِراقِ.

﴿ وَبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ ﴾ في نِكاحِهِنَّ كالمَهْرِ والنَّفَقَةِ.

رُوِيَ « (أنَّ سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ أحَدَ نُقَباءِ الأنْصارِ نَشَزَتْ عَلَيْهِ امْرَأتُهُ حَبِيبَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ، فَلَطَمَها فانْطَلَقَ بِها أبُوها إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَشَكى فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : لِتَقْتَصَّ مِنهُ، فَنَزَلَتْ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أرَدْنا أمْرًا وأرادَ اللَّهُ أمْرًا والَّذِي أرادَ اللَّهُ خَيْرٌ» .

﴿ فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ ﴾ مُطِيعاتٌ لِلَّهِ قائِماتٌ بِحُقُوقِ الأزْواجِ.

﴿ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ ﴾ لِمَواجِبِ الغَيْبِ أيْ يَحْفَظْنَ في غَيْبَةِ الأزْواجِ ما يَجِبُ حِفْظُهُ في النَّفْسِ والمالِ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «خَيْرُ النِّساءِ امْرَأةٌ إنْ نَظَرْتَ إلَيْها سَرَّتْكَ، وإنْ أمَرْتَها أطاعَتْكَ، وإنْ غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ في مالِها ونَفْسِها» .

وتَلا الآيَةَ.

وَقِيلَ لِأسْرارِهِمْ.

﴿ بِما حَفِظَ اللَّهُ ﴾ بِحِفْظِ اللَّهِ إيّاهُنَّ بِالأمْرِ عَلى حِفْظِ الغَيْبِ والحَثِّ عَلَيْهِ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّوْفِيقِ لَهُ، أوْ بِالَّذِي حَفِظَهُ اللَّهُ لَهُنَّ عَلَيْهِمْ مِنَ المَهْرِ والنَّفَقَةِ والقِيامِ بِحِفْظِهِنَّ والذَّبِّ عَنْهُنَّ.

وقُرِئَ بِما حَفِظَ اللَّهَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ فَإنَّها لَوْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً لَمْ يَكُنْ لِحَفِظَ فاعِلٌ، والمَعْنى بِالأمْرِ الَّذِي حُفِظَ حَقُّ اللَّهِ وطاعَتُهُ وهو التَّعَفُّفُ والشَّفَقَةُ عَلى الرِّجالِ.

﴿ واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ عِصْيانَهُنَّ وتَرَفُّعَهُنَّ عَنْ مُطاوَعَةِ الأزْواجِ مِنَ النَّشَزِ.

﴿ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ ﴾ في المَراقِدِ فَلا تُدْخِلُوهُنَّ تَحْتَ اللَّحْفِ، أوْ لا تُباشِرُوهُنَّ فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ الجِماعِ.

وقِيلَ المَضاجِعُ المَبايِتُ أيْ لا تُبايِتُوهُنَّ واضْرِبُوهُنَّ يَعْنِي ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ولا شائِنٍ، والأُمُورُ الثَّلاثَةُ مُرَتَّبَةٌ يَنْبَغِي أنْ يُتَدَرَّجَ فِيها.

﴿ فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا ﴾ بِالتَّوْبِيخِ والإيذاءِ، والمَعْنى فَأزِيلُوا عَنْهُنَّ التَّعَرُّضَ واجْعَلُوا ما كانَ مِنهُنَّ كَأنْ لَمْ يَكُنْ فَإنَّ التّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ فاحْذَرُوهُ فَإنَّهُ أقْدَرُ عَلَيْكم مِنكم عَلى مَن تَحْتِ أيْدِيكُمْ، أوْ أنَّهُ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ يَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِكم ويَتُوبُ عَلَيْكم فَأنْتُمْ أحَقُّ بِالعَفْوِ عَنْ أزْواجِكُمْ، أوْ أنَّهُ يَتَعالى ويَتَكَبَّرُ أنْ يَظْلِمَ أحَدًا أوْ يَنْقُصَ حَقَّهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)

{الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء} يقومون عليهن آمرين ناهين كما يقوم الولاة على الرعايا وسموا قواماً لذلك {بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ} الضمير في بعضهم للرجال والنساء يعني إنما كانوا مسيطرين عليهن لسبب تفضيل الله بعضهم وهم الرجال على بعض وهم النساء بالعقل والعزم والحزم والرأي والقوة والغزو وكمال الصوم والصلاة والنبوة والخلافة والإمامة والأذان والخطبة والجماعة والجمعة وتكبير

التشريق عند أبي حنيفة رحمه الله والشهادة في الحدود والقصاص وتضعيف الميراث والتعصيب فيه وملك النكاح والطلاف وإليهم الانتساب وهم أصحاب اللحى والعمائم {وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أموالهم} وبأن نفقتهن عليهم وفيه دليل وجوب نفقتهن عليهم ثم قسمهن على نوعين النوع الأول {فالصالحات قانتات} مطيعات قائمات بما عليهن للازواج {حافظات لّلْغَيْبِ} لمواجب الغيب وهو خلاف الشهادة أي إذا كان الأزواج غير شاهدين لهن حفظن ما يجب عليهن حفظه في حال الغيبة من الفروج والبيوت والأموال وقيل للغيب لأسرارهم {بِمَا حَفِظَ الله} بما حفظهن الله حين أوصى بهن الأزواج بقوله وعاشروهن بالمعروف أو بما حفظهن الله وعصمهن ووفقهن لحفظ الغيب أو بحفظ الله إياهن حيث صبرهن كذلك والثاني {واللاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} عصيانهن وترفعهن عن طاعة الأزواج والنشر المكان المرتفع والنبوة عن ابن عباس رضى الله عنهما هو أن تستخف بحقوق زوجها ولا تطيع أمره {فَعِظُوهُنَّ} خوفوهن عقوبة الله تعالى والضرب والعظة كلام يلين القلوب القاسية ويرغب الطبائع النافرة {واهجروهن فِي المضاجع} في المراقد أي لا تداخلوهن تحت اللحف وهو كناية عن الجماع أو هو أن يوليها ظهره في المضجع لأنه لم يقل عن المضاجع {واضربوهن} ضرباً غير مبرح أمر بوعظهن أولاً ثم بهجرانهن في المضاجع ثم بالضرب إن لم ينجح فيهن الوعظ والهجران {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} بترك النشوز {فلا تبغوا عليهن سبيلا} فازبلوا عنهن التعرض بالاذى وسبيلا مفعول تبغوا وهو من بغيث الأمر أي طلبته {إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} أي إن علت أيديكم عليهن فاعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم عليهن فاجتنبوا

النساء (٣٥ _ ٣٦)

ظلمهن أو إن الله كان علياً كبيراً وإنكم تعصونه على علو شأنه وكبرياء سلطانه ثم تتوبون فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو عمن يجني عليكم إذا رجع

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ ﴾ أيْ: شَأْنُهُمُ القِيامُ عَلَيْهِنَّ قِيامَ الوُلاةِ عَلى الرَّعِيَّةِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ ونَحْوِ ذَلِكَ، واخْتِيارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ صِيغَةِ المُبالَغَةِ لِلْإيذانِ بِعَراقَتِهِمْ ورُسُوخِهِمْ في الِاتِّصافِ بِما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ، وفي الكَلامِ إشارَةٌ إلى سَبَبِ اسْتِحْقاقِ الرِّجالِ الزِّيادَةَ في المِيراثِ، كَما أنَّ فِيما تَقَدَّمَ رَمْزًا إلى تَفاوُتِ مَراتِبِ الِاسْتِحْقاقِ، وعَلَّلَ سُبْحانَهُ الحُكْمَ بِأمْرَيْنِ: وهْبِيٍّ وكَسْبِيٍّ، فَقالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ فالباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(قَوّامُونَ) كَعَلى، ولا مَحْذُورَ أصْلًا، وجُوِّزَ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِهِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ تَغْلِيبًا، أيْ: قَوّامُونَ عَلَيْهِنَّ بِسَبَبِ تَفْضِيلِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم عَلَيْهِنَّ، أوْ مُسْتَحِقِّينَ ذَلِكَ بِسَبَبِ التَّفْضِيلِ، أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِالتَّفْضِيلِ، وعَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ، فَلَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: بِما فَضَّلَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ؛ لِلْإشْعارِ بِغايَةِ ظُهُورِ الأمْرِ وعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِالمُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: لِلْإبْهامِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ بَعْضَ النِّساءِ أفْضَلُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الرِّجالِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وكَذا لَمْ يُصَرِّحْ سُبْحانَهُ بِما بِهِ التَّفْضِيلُ رَمْزًا إلى أنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ التَّفْصِيلِ.

وقَدْ ورَدَ أنَّهُنَّ ناقِصاتُ عَقْلٍ ودِينٍ، والرِّجالُ بِعَكْسِهِنَّ، كَما لا يَخْفى، ولِذا خُصُّوا بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ عَلى الأشْهَرِ، وبِالإمامَةِ الكُبْرى والصُّغْرى، وإقامَةِ الشَّعائِرِ، كالأذانِ، والإقامَةِ، والخُطْبَةِ، والجُمُعَةِ، وتَكْبِيراتِ التَّشْرِيقِ، عِنْدَ إمامِنا الأعْظَمِ، والِاسْتِبْدادِ بِالفِراقِ وبِالنِّكاحِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ، وبِالشَّهادَةِ في أُمَّهاتِ القَضايا، وزِيادَةِ السَّهْمِ في المِيراثِ والتَّعْصِيبِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، فالباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ الباءُ الأُولى و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ، وعائِدُها مَحْذُوفٌ، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(أنْفَقُوا) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، وأُرِيدَ بِالمُنْفَقِ - كَما قالَ مُجاهِدٌ - المَهْرُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِما أنْفَقُوهُ ما يَعُمُّهُ والنَّفَقَةُ عَلَيْهِنَّ، والآيَةُ - كَما رُوِيَ «عَنْ مُقاتِلٍ - نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَمْرٍو - وكانَ مِنَ النُّقَباءِ - وفي امْرَأتِهِ حَبِيبَةَ بِنْتِ زَيْدِ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ، وذَلِكَ أنَّها نَشَزَتْ عَلَيْهِ، فَلَطَمَها، فانْطَلَقَ أبُوها مَعَها إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أفَرَشْتُهُ كَرِيمَتِي فَلَطَمَها، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «لِتَقْتَصَّ مِن زَوْجِها» فانْصَرَفَتْ مَعَ أبِيها؛ لِتَقْتَصَّ مِنهُ فَقالَ النَّبِيُّ  : «ارْجِعُوا، هَذا جِبْرائِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتانِي وأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَتَلاها  ثُمَّ قالَ: أرَدْنا أمْرًا وأرادَ اللَّهُ تَعالى أمْرًا، والَّذِي أرادَهُ اللَّهُ تَعالى خَيْرٌ»».

وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وامْرَأتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، وذَكَرَ القِصَّةَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ في جَمِيلَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وزَوْجِها ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ، وذُكِرَ قَرِيبًا مِنهُ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ لِلزَّوْجِ تَأْدِيبَ زَوْجَتِهِ، ومَنعَها مِنَ الخُرُوجِ، وأنَّ عَلَيْها طاعَتَهُ إلّا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وفي الخَبَرِ: ««لَوْ أمَرْتُ أحَدًا أنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ لَأمَرْتُ المَرْأةَ أنْ تَسْجُدَ لِبَعْلِها»».

واسْتَدَلَّ بِها أيْضًا مَن أجازَ فَسْخَ النِّكاحِ عِنْدَ الإعْسارِ عَنِ النَّفَقَةِ والكِسْوَةِ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ؛ لِأنَّهُ إذا خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ قَوّامًا عَلَيْها فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الغَرَضِ المَقْصُودِ بِالنِّكاحِ، وعِنْدَنا: لا فَسْخَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ واسْتَدَلَّ بِها أيْضًا مَن جَعَلَ لِلزَّوْجِ الحَجْرَ عَلى زَوْجَتِهِ في نَفْسِها ومالِها، فَلا تَتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الرَّجُلَ قَوّامًا بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ، وهو النّاظِرُ عَلى الشَّيْءِ، الحافِظُ لَهُ.

﴿ فالصّالِحاتُ ﴾ أيْ: مِنهُنَّ، ﴿ قانِتاتٌ ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ أحْوالِهِنَّ، وكَيْفِيَّةِ القِيامِ عَلَيْهِنَّ بِحَسَبِ اخْتِلافِ أحْوالِهِنَّ، والمُرادُ: فالصّالِحاتُ مِنهُنَّ مُطِيعاتٌ لِلَّهِ تَعالى ولِأزْواجِهِنَّ، ﴿ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ ﴾ أيْ: يَحْفَظْنَ أنْفُسَهُنَّ وفُرُوجَهُنَّ في حالَةِ غَيْبَةِ أزْواجِهِنَّ، قالَ الثَّوْرِيُّ وقَتادَةُ: أوْ يَحْفَظْنَ في غَيْبَةِ أزْواجِهِنَّ ما يَجِبُ حِفْظُهُ في النَّفْسِ والمالِ، فاللّامُ بِمَعْنى (فِي)، والغَيْبُ بِمَعْنى الغَيْبَةِ، و(ألْ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى رَأْيٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: حافِظاتٌ لِواجِبِ الغَيْبِ، أيْ: لِما يَجِبُ عَلَيْهِنَّ حِفْظُهُ حالَ الغَيْبَةِ، فاللّامُ عَلى ظاهِرِها، وقِيلَ: المُرادُ: حافِظاتٌ لِأسْرارِ أزْواجِهِنَّ، أيْ: ما يَقَعُ بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ في الخَلْوَةِ، ومِنهُ المُنافَسَةُ والمُنافَرَةُ، واللَّطْمَةُ المَذْكُورَةُ في الخَبَرِ، وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى ما قِيلَ في اللّامِ، ولا إلى تَفْسِيرِ الغَيْبِ بِالغَيْبَةِ إلّا أنَّ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««خَيْرُ النِّساءِ الَّتِي إذا نَظَرْتَ إلَيْها سَرَّتْكَ، وإذا أمَرْتَها أطاعَتْكَ، وإذا غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ في مالِكَ ونَفْسِها» ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ ﴾ إلى: ﴿ لِلْغَيْبِ ﴾ » يُبْعِدُ هَذا القَوْلَ، ومِنَ النّاسِ مِن زَعَمَ أنَّهُ أنْسَبُ بِسَبَبِ النُّزُولِ.

﴿ بِما حَفِظَ اللَّهُ ﴾ أيْ: بِما حَفِظَهُنَّ اللَّهُ تَعالى في مُهُورِهِنَّ، وإلْزامِ أزْواجِهِنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهِنَّ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: بِحِفْظِ اللَّهِ تَعالى لَهُنَّ، وعِصْمَتِهِ إيّاهُنَّ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى حَفَظَهُنَّ وعَصَمَهُنَّ لَما حَفِظْنَ، فَـ(ما) إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (بِما حَفِظَ اللَّهَ) بِالنَّصْبِ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، كَدِينِ اللَّهِ وحَقِّهِ؛ لِأنَّ ذاتَهُ تَعالى لا يَحْفَظُها أحَدٌ، و(ما) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، ومَنَعَ غَيْرُ واحِدٍ المَصْدَرِيَّةَ لِخُلُوِّ (حَفِظَ) حِينَئِذٍ عَنِ الفاعِلِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ: بِما حَفِظَهُنَّ اللَّهُ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ ضَمِيرًا مُفْرَدًا عائِدًا عَلى جَمْعِ الإناثِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجِنْسِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَمِن حِفْظِ اللَّهِ، وجَعَلَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ كَقَوْلِهِ: فَإنَّ الحَوادِثَ أوْدى بِها ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وشُذُوذُ تُرْكِ التَّأْنِيثِ ومِثْلُهُ لا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ صِيغَةَ جَمْعِ السَّلامَةِ هُنا لِلْكَثْرَةِ، أمّا المُعَرَّفُ فَظاهِرٌ، وأمّا المُنَكَّرُ فَلِأنَّهُ حُمِلَ عَلَيْهِ، فَلا بُدَّ مِن مُطابَقَتِهِ لَهُ في الكَثْرَةِ، وإلّا لَمْ يُصَدَّقْ عَلى جَمِيعِ أفْرادِهِ، وقَدْ نُصَّ عَلى ذَلِكَ في الدُّرِّ المَصُونِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (فالصَّوالِحُ قَوانِتُ حَوافِظُ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ فَأصْلِحُوا إلَيْهِنَّ) وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ زِيادَةَ: (فَأصْلِحُوا إلَيْهِنَّ) فَقَطْ.

﴿ واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ أيْ تَرَفُّعَهُنَّ عَنْ مُطاوَعَتِكُمْ، وعِصْيانَهُنَّ لَكُمْ، مِنَ النَّشْزِ - بِسُكُونِ الشِّينِ وفَتْحِها - وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، ويَكُونُ بِمَعْنى الِارْتِفاعِ، ﴿ فَعِظُوهُنَّ ﴾ أيْ: فانْصَحُوهُنَّ، وقُولُوا لَهُنَّ: اتَّقِينَ اللَّهَ، وارْجِعْنَ عَمّا أنْتُنَّ عَلَيْهِ، وظاهِرُ الآيَةِ تَرَتُّبُ هَذا عَلى خَوْفِ النُّشُوزِ، وإنْ لَمْ يَقَعْ، وإلّا لَقِيلَ: نَشَزْنَ، ولَعَلَّهُ غَيْرُ مُرادٍ، ولِذا فَسَّرَ في التَّيْسِيرِ: (تَخافُونَ) بِتَعْلَمُونَ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الطَّبْرَسِيُّ، وجاءَ الخَوْفُ بِهَذا كَما في القامُوسِ، وقِيلَ: المُرادُ: تَخافُونَ دَوامَ نُشُوزِهِنَّ، أوْ أقْصى مَراتِبِهِ، كالفِرارِ مِنهم في المَراقِدِ.

واخْتارَ في البَحْرِ أنَّ في الكَلامِ مُقَدَّرًا، وأصْلُهُ: واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ ونَشَزْنَ، فَعِظُوهُنَّ، وهو خِطابٌ لِلْأزْواجِ، وإرْشادٌ لَهم إلى طَرِيقِ القِيامِ عَلَيْهِنَّ، ﴿ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ ﴾ أيْ: مَواضِعِ الِاضْطِجاعِ، والمُرادُ: اتْرُكُوهُنَّ مُنْفَرِداتٍ في مَضاجِعِهِنَّ، فَلا تُدْخِلُوهُنَّ تَحْتَ اللُّحُفِ، ولا تُباشِرُوهُنَّ، فَيَكُونُ الكَلامُ كِنايَةً عَنْ تَرْكِ جِماعِهِنَّ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: المُرادُ: اهْجُرُوهُنَّ في الفِراشِ، بِأنْ تُوَلُّوهُنَّ ظُهُورَكم فِيهِ، ولا تَلْتَفِتُوا إلَيْهِنَّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ولَعَلَّهُ كِنايَةٌ أيْضًا عَنْ تَرْكِ الجِماعِ، وقِيلَ: المَضاجِعُ المَبايِتُ: أيِ: اهْجُرُوا حُجُرَهُنَّ ومَحَلَّ مَبِيتِهِنَّ، وقِيلَ: (فِي) لِلسَّبَبِيَّةِ أيِ: اهْجُرُوهُنَّ بِسَبَبِ المَضاجِعِ، أيْ: بِسَبَبِ تَخَلُّفِهِنَّ عَنِ المُضاجَعَةِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، مِن طَرِيقِ أبِي الضُّحى، فالهِجْرانُ عَلى هَذا بِالمَنطِقِ، قالَ عِكْرِمَةُ: بِأنْ يُغْلِظَ لَها القَوْلَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَعْنى: أكْرِهُوهُنَّ عَلى الجِماعِ وارْبِطُوهُنَّ، مِن (هَجَرَ البَعِيرَ) إذا شَدَّهُ بِالهِجارِ، وتَعَقَّبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ مِن تَفْسِيرِ الثُّقَلاءِ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: لَعَلَّ هَذا المُفَسَّرَ يَتَأيَّدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ أطَعْنَكُمْ ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ إكْراهٍ في أمْرٍ ما، وقَرِينَةُ المَضاجِعِ تُرْشِدُ إلى أنَّهُ الجِماعُ، فَإطْلاقُ الزَّمَخْشَرِيِّ لِما أطْلَقَهُ في حَقِّ هَذا المُفَسِّرِ مِنَ الإفْراطِ، انْتَهى.

وأظُنُّ أنَّ هَذا لَوْ عُرِضَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ لَنَظَمَ قائِلَهُ في سِلْكِ ذَلِكَ المُفَسِّرِ، ولَعَدَّ تَرْكَهُ مِنَ التَّفْرِيطِ، وقُرِئَ: (فِي المُضْطَجَعِ) و(المَضْجَعِ).

﴿ واضْرِبُوهُنَّ ﴾ يَعْنِي ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ حَجّاجٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  وفُسِّرَ غَيْرُ المُبَرِّحِ بِأنْ لا يَقْطَعَ لَحْمًا، ولا يَكْسِرَ عَظْمًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الضَّرْبُ بِالسِّواكِ ونَحْوِهِ.

والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ والقَرِينَةُ العَقْلِيَّةُ أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ مُتَرَتِّبَةٌ، فَإذا خِيفَ نُشُوزُ المَرْأةِ تُنْصَحُ، ثُمَّ تُهْجَرُ، ثُمَّ تُضْرَبُ؛ إذْ لَوْ عُكِسَ اسْتُغْنِيَ بِالأشَدِّ عَنِ الأضْعَفِ، وإلّا فالواوُ لا تَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ، وكَذا الفاءُ في (فَعِظُوهُنَّ) لا دَلالَةَ لَها عَلى أكْثَرَ مِن تَرْتِيبِ المَجْمُوعِ، فالقَوْلُ بِأنَّها أظْهَرُ الأدِلَّةِ عَلى التَّرْتِيبِ لَيْسَ بِظاهِرٍ، وفي الكَشْفِ: التَّرْتِيبُ مُسْتَفادٌ مِن دُخُولِ الواوِ عَلى أجْزِئَةٍ مُخْتَلِفَةٍ في الشِّدَّةِ والضَّعْفِ، مُتَرَتِّبَةٍ عَلى أمْرٍ مُدْرَجٍ، فَإنَّما النَّصُّ هو الدّالُّ عَلى التَّرْتِيبِ.

هَذا وقَدْ نَصَّ بَعْضُ أصْحابِنا أنَّ لِلزَّوْجِ أنْ يَضْرِبَ المَرْأةَ عَلى أرْبَعِ خِصالٍ، وما هو في مَعْنى الأرْبَعِ: تَرْكُ الزِّينَةِ والزَّوْجُ يُرِيدُها، وتَرْكُ الإجابَةِ إذا دَعاها إلى فِراشِهِ، وتَرْكُ الصَّلاةِ - في رِوايَةٍ - والغُسْلُ، والخُرُوجُ مِنَ البَيْتِ إلّا لِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ.

وقِيلَ: لَهُ أنْ يَضْرِبَها مَتى أغْضَبَتْهُ، فَعَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كُنْتُ رابِعَةَ أرْبَعِ نِسْوَةٍ عِنْدَ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَإذا غَضِبَ عَلى واحِدَةٍ مِنّا ضَرَبَها بِعُودِ المِشْجَبِ حَتّى يَكْسِرَهُ عَلَيْها، ولا يَخْفى أنَّ تَحَمُّلَ أذى النِّساءِ والصَّبْرَ عَلَيْهِنَّ أفْضَلُ مِن ضَرْبِهِنَّ، إلّا لِداعٍ قَوِيٍّ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَتْ: ««كانَ الرِّجالُ نُهُوا عَنْ ضَرْبِ النِّساءِ، ثُمَّ شَكُوهُنَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَخَلّى بَيْنَهم وبَيْنَ ضَرْبِهِنَّ، ثُمَّ قالَ: ولَنْ يَضْرِبَ خِيارُكُمْ»».

وذَكَرَ الشَّعْرانِيُّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّ الرَّجُلَ إذا ضَرَبَ زَوْجَتَهُ يَنْبَغِي أنْ لا يُسْرِعَ في جِماعِها بَعْدَ الضَّرْبِ، وكَأنَّهُ أخَذَ ذَلِكَ مِمّا أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وجَماعَةٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««أيَضْرِبُ أحَدُكُمُ امْرَأتَهُ كَما يُضْرَبُ العَبْدُ ثُمَّ يُجامِعُها في آخِرِ اليَوْمِ»؟!» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - بِلَفْظِ: ««أما يَسْتَحِي أحَدُكم أنْ يَضْرِبَ امْرَأتَهُ كَما يُضْرَبُ العَبْدُ، يَضْرِبُها أوَّلَ النَّهارِ ثُمَّ يُجامِعُها آخِرَهُ»،» ولِلْخَبَرِ مَحْمَلٌ آخَرُ لا يَخْفى.

﴿ فَإنْ أطَعْنَكُمْ ﴾ أيْ: وافَقْنَكُمْ، وانْقَدْنَ لِما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِنَّ مِن طاعَتِكم بِذَلِكَ، كَما هو الظّاهِرُ ﴿ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا ﴾ أيْ: فَلا تَطْلُبُوا سَبِيلًا وطَرِيقًا إلى التَّعَدِّي عَلَيْهِنَّ، أوْ لا تَظْلِمُوهُنَّ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، بِالتَّوْبِيخِ اللِّسانِيِّ، والأذى الفِعْلِيِّ، وغَيْرِهِ، واجْعَلُوا ما كانَ مِنهُنَّ كَأنْ لَمْ يَكُنْ، فالبَغْيُ إمّا بِمَعْنى الطَّلَبِ و(سَبِيلًا) مَفْعُولُهُ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ صِفَةُ النَّكِرَةِ قُدِّمَ عَلَيْها، وإمّا بِمَعْنى الظُّلْمِ و(سَبِيلًا) مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّ المُرادَ: فَلا تُكَلِّفُوهُنَّ المَحَبَّةَ، وحاصِلُ المَعْنى: إذا اسْتَقامَ لَكم ظاهِرُهُنَّ فَلا تَعْتَلُوا عَلَيْهِنَّ بِما في باطِنِهِنَّ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ فاحْذَرُوهُ؛ فَإنَّ قُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ عَلَيْكم أعْظَمُ مِن قُدْرَتِكم عَلى مَن تَحْتِ أيْدِيكم مِنهُنَّ، أوْ أنَّهُ تَعالى عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ وكَمالِ ذاتِهِ يَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِكُمْ، ويَتُوبُ عَلَيْكم إذا تُبْتُمْ، فَتَجاوَزُوا أنْتُمْ عَنْ سَيِّئاتِ أزْواجِكُمْ، واعْفُوا عَنْهُنَّ إذا تُبْنَ، أوْ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى الِانْتِقامِ مِنكم غَيْرُ راضٍ بِظُلْمِ أحَدٍ، أوْ أنَّهُ سُبْحانَهُ مَعَ عُلُوِّهِ المُطْلَقِ وكِبْرِيائِهِ لَمْ يُكَلِّفْكم إلّا ما تُطِيقُونَ فَكَذَلِكَ لا تُكَلِّفُوهُنَّ إلّا ما يُطِقْنَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ قال ابن عباس: يعني لا يتمنى الرجل مال أخيه، ولا امرأته، ولا دابته، ولكن ليقل: اللهم ارزقني مثله.

وقال الكلبي مثله.

وفيها وجه آخر وهو أن الرجال قالوا: إن الله فضلنا على النساء، فلنا سهمان ولهن سهم، ونرجو أن يكون لنا أجران في الأعمال.

وقالت أم سلمة: ليت الجهاد كتب على النساء.

فنزلت هذه الآية وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ويقال: إن النساء قلن: كما نقص سهمنا في الميراث، كذلك ينقص من أوزارنا، ويكون الإثم علينا أقل من الرجال، فنزلت الآية لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ولا يتمنى أحدكم أكثر مما عمل وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ من الشر ولا ينقص منهن شيء مما عملن من الإثم.

وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ جميعاً الرجال والنساء مِنْ فَضْلِهِ أي من رزقه إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فيما يصلح لكل واحد منهم من السهام، وبمن يصلح للجهاد.

قرأ ابن كثير والكسائي وسلوا الله بغير همز في جميع القرآن.

وقرأ الباقون واسألوا الله بالهمز وأصله الهمز، إلا أنه حذف الهمز للتخفيف.

قوله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ أي بينا موالي يعني الورثة من الولد والإخوة وابن العم.

ويقال: الموالي العصبة: العم، وابن العم، وذوي القربى كقوله: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي [سورة مريم: 5] معناه: ولكل واحد منكم جعلنا الورثة لكي يرث مِمَّا تَرَكَ وهم الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ.

ثم قال: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ قال الكلبي ومقاتل: كان الرجل يرغب في الرجل، فيحالفه ويعاقده على أن يكون في ميراثه كبعض ولده ثم قال: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ أي أعطوهم حظهم الذي سميتم لهم من الميراث هكذا قال مجاهد ثم نسخ بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [سورة الأنفال: 75] ويقال: إنهم كانوا يوصون لهم بشيء من المال، فأمرهم بأن يؤتوا نصيبهم من الثلث.

ويقال: أراد به مولى الموالاة كانوا يرثون السدس.

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً أي شاهد إن أعطيتموهم أو لم تعطوهم.

قرأ أهل الكوفة حمزة والكسائي وعاصم: والذين عقدت أيمانكم بغير ألف، والباقون بالألف.

قال أبو عبيدة: والاختيار عاقدت بالألف لأنه من معاقدة الحلف، فلا يكون إلا بين اثنين.

ومن قرأ عقدت معناه عقدت لهم أيمانكم فأضمر فيها لهم.

ثم قال: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ نزل في سعد بن الربيع، لطم امرأته بنت محمد بن مسلمة، فجاءت إلى رسول الله  ، فأمرها رسول الله  بالقصاص، فنزل جبريل من ساعته بهذه الآية الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ يعني مسلطون في أمور النساء وتأديبهم بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وذلك أن الرجل له الفضل على امرأته في إنفاقه عليها، ودفع الحق إليها.

ويقال: إن الرجال لهم فضيلة في زيادة العقل والتدبير، فجعل لهم حق القيام عليهن بما لهم من زيادة عقل ليس ذلك للنساء.

ويقال: للرجال زيادة قوة في النفس والطبع ما ليس للنساء، لأن طبع الرجال غلب عليه الحرارة واليبوسة، فيكون فيه قوة وشدة، وطبع النساء غلب عليه الرطوبة والبرودة، فيكون فيه معنى اللين والضعف، فجعل لهم حق القيام عليهن بذلك.

ثم قال: وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ أي فضلوا على النساء بما أنفقوا من أموالهم عليهن من المهر والنفقة.

ثم قال: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ يعني المحصنات من النساء في الدين، قانتات مطيعات لله تعالى ولأزواجهن.

ويقال: الصالحات يعني المحسنات إلى أزواجهن من النساء في الدين قانِتاتٌ أي مطيعات لله ولأزواجهن.

ويقال: الصالحات يعني الموحدات قانِتاتٌ يعني قائمات بأمور أزواجهن حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ أي لغيب أزواجهن في فروجهن، وفي أموال الأزواج بِما حَفِظَ اللَّهُ يقول: أي يحفظ الله إياهن.

قال مقاتل: وما صلة، يعني يحفظ الله لهن.

ثم قال عز وجل: وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ أي تعلمون عصيانهن فَعِظُوهُنَّ بالله، أي يقول لها: اتق الله، فإن حق الزوج عليك واجب، فإن لم تقبل ذلك.

قوله تعالى وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ قال الكلبي: أي ينسها وهو الهجر، ويقال: لا يقرب فراشها، لأن الزوج إذا أعرض عن فراشها فإن كانت محبة للزوج يشق عليها فترجع إلى الصلاح، وإن كانت مبغضة فتظهر السرور فيها، فيتبين أن النشوز من قبلها.

وقال الضحاك: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ أي يعرض عنها، فإن ذلك يغيظها، فإن لم ينفعها ذلك وَاضْرِبُوهُنَّ يعني ضرباً غير مبرح فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا يقول: لا تطلبوا عليهن غللا، ولا تكلفوهن الحب لكم، فإن الحب أمر القلب وليس لها ذلك بيدها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً أي رفيعاً علا فوق كل كبير، فلا يطلب من عباده الحب، ولا يكلفهم ما لا يطيقونه، ويطلب منهم الطاعة، فأنتم أيضاً لا تكلفوهن.

ويقال: إن الله مع علوه يتجاوز عن عباده، فأنتم أيضاً تجاوزوا ولا تطلبوا العلل.

ثم قال تعالى للأولياء وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما يقول: إن علمتم خلافاً بين الزوجين، ويقال: إن خفتم الفراق بينهما ولا تدرون من أيهما يقع النشوز فيقول: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها يعني رجلاً عدلاً من أهل الزوج له عقل وتمييز، يذهب إلى الرجل ويخلو به، ويقول له: أخبرني ما في نفسك أتهواها أم لا؟

حتى أعلم بمرادك، فإن قال: لا حاجة لي بها خذ مني لها ما استطعت وفرق بيني وبينها، فيعرف أن من قبله جاء النشوز.

وإن قال: فإني أهواها فأرضيها من مالي بما شئت ولا تفرق بيني وبينها، فيعرف أنه ليس بناشز.

ويخلو ولي المرأة بها ويقول: أتهوين زوجك أم لا؟

فإن قالت: فرق بيني وبينه وأعطه من مالي ما أراد، علم أن النشوز من قبلها.

وإن قالت: لا تفرق بيننا ولكن حثّه حتى يزيد في نفقتي ويحسن إلي، علم أن النشوز ليس من قبلها.

فإذا ظهر لهما الذي كان النشوز من قبله يقبلان عليه بالعظة والزجر والنهي، وذلك قوله تعالى فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يعني عدلاً فينظران في أمرهما بالنصيحة والموعظة يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما بالصلاح ويقال: كل اثنين يقومان في الإصلاح بين اثنين بالنصيحة، يقع الصلح بينهما لقوله تعالى إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما ثم قال: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً أي عليماً بهما خبيراً بنصيحتهما.

وفي هذه الآية دليل على إثبات التحكيم، وليس كما يقول الخوارج إنه ليس الحكم لأحد سوى الله تعالى، فهذه كلمة حق ولكن يريدون بها الباطل.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : ولفظةُ المُعَاقَدَةِ والأَيْمَانِ ترجِّح أنَّ المراد الأحلاف.

الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤)

وقوله: الرِّجالُ قَوَّامُونَ بناء مبالَغَةٍ، وهو من القِيَامِ على الشيْءِ والاِستبدادِ بالنَّظَر فيه، وحِفْظِهِ، فقيامُ الرِّجَال «٢» على النساء هو علَى هذا الحدِّ، وتعليلُ ذلك بالفضيلة والنَّفَقةِ يقتضي أنَّ للرجالِ علَيْهِنَّ استيلاءً، قال ابنُ عَبَّاس: الرِّجَالُ أمراء على النِّسَاءِ.

قال ابنُ العَرَبِّيِّ «٣» في «أحكامه» : وللرِّجَالِ عليهنَّ درجةٌ لفَضْلِ القَوَّامِيَّة، فعلَيْه أنْ يَبْذُلَ المَهْرَ والنَّفَقَةَ، وَحُسْنَ العِشْرة، وَيَحْجُبَهَا ويأمُرَهَا بطَاعَةِ اللَّه تعالَى، ويُنْهِيَ إِلَيْهَا شَعَائِرَ الإِسلامِ مِنْ صلاةٍ، وصيامٍ وما وَجَب عَلَى المُسْلمين، وعلَيْها الحِفْظُ لمالِهِ، والإِحسانُ إِلَى أهْلِهِ، والاِلتزامُ لأَمْرِهِ في الحجبة وغيرها إِلاَّ بإِذنه، وقَبُولُ قولِهِ في الطَّاعات.

انتهى.

و «ما» مصدريةٌ في الموضِعَيْنِ، والصَّلاَحُ في قوله: فَالصَّالِحاتُ هو الصلاح في الدّين، وقانِتاتٌ: معناه: مطيعاتٌ لأزواجِهِنَّ، أو لِلَّهِ في أزواجِهِنَّ، حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ: معناه: لكلِّ ما غاب عَنْ عَلْم زَوْجِها ممَّا اسْتُرْعِيَتْهُ، وروى أبو هريرة، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «خَيْرُ النِّسَاءِ امْرَأَةٌ، إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا سَرَّتْكَ، وَإِذَا أَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ، وَإِذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ فِي مَالِكَ وَنَفْسِهَا» ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم هذه الآية «٤» .

وقوله: بِما حَفِظَ اللَّهُ: «ما» : مصدريةٌ، تقديره: بِحِفْظِ اللَّه، ويصحُّ أنْ تكون بمعنى «الَّذِي» ويكون العائدُ في «حَفِظَ» ضميرَ نَصْبِ، أي: بالذي حَفِظَهُ اللَّهُ، ويكون المعنَى: إِمَّا حِفْظُ اللَّهِ ورعايَتُه الَّتي لا يَتِمُّ أمْرٌ دونها، وإِما أوامره ونَوَاهيه للنساء، فكأنها حِفْظُهُ، بمعنى أنَّ النساء يَحْفَظْنَ بإِزاء ذلك وبقدره.

وقوله تعالى: وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ ...

الآية: النُّشُوزُ: أنْ تتعوَّج المرأة، ويرتفع خلقها/، وتستعلي على زوجها «٥» .

وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ: قال ابن عبَّاس: يضاجِعُها، ويولِّيها ظَهْرَهُ، ولا يجامِعُهَا «١» ، وقال مجاهدٌ: جنبوا مُضاجَعَتَهُنَّ «٢» ، وقال ابنُ جُبَيْر: هي هِجْرة الكلام، أيْ:

لا تكلِّموهُنَّ، وأعرضوا عَنْهُنَّ «٣» ، فيقدَّر حذفٌ، تقديره: واهجروهُنَّ في سبب المَضَاجِعِ، حتَّى يُرَاجِعْنَهَا.

م: قوله: فِي الْمَضاجِعِ، ذكر «٤» أبو البقاءِ فيه وجْهَيْن «٥» :

الأول: أنَّ «في» علَى بابها مِنَ الظرفية، أي: اهجروهنَّ في مواضِعِ الاِضطجاعِ، أي:

اتركوا مضاجَعَتَهُنَّ دون تَرْك مكالمتهن.

الثاني: أنَّها بمعنى السَّبَب، أي: اهجروهنَّ بِسَبَبِ المَضَاجِعِ كما تقول: في هذه الجنايةِ عُقُوبَةٌ.

انتهى، وكونُها للظرفيَّة أظهرُ، واللَّه أعلم.

والضَّربُ في هذه الآية: هو ضَرْبُ الأدب غَيْرُ المُبَرِّح، وهو الذي لا يَكْسِرُ عَظْماً، ولا يَشِينُ جارحة، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «اضْرِبُوا النِّسَاءَ إِذا عَصَيْنَكُمْ فِي مَعْرُوفٍ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ» قال عطاء: قُلْتُ عَبَّاسٍ: مَا الضَّرْبُ غَيْرُ المُبَرِّحِ؟

قَالَ: بِالشِّرَاكِ وَنَحْوِه «٦» .

قال ابن العربي «٧» في «أحكامه» : قوله عز وجل: وَاضْرِبُوهُنَّ ثبت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقّاً، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلاَّ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَلاَّ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِع، وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِن انْتَهَيْنَ، فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ، وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ» «٨» .

وفي هذا دليلٌ علَى أنَّ الناشز لا نَفَقَةَ لها ولا كسوة، وأنّ الفاحشة هي

البَذَاءُ ليس الزِّنَا كما قال العلماء، ففسَّر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الضرْبَ، وبَيَّن أنه لا يكونُ مُبَرِّحاً، أي: لا يَظْهَر له أثَرٌ على البدن.

انتهى.

قال ع «١» : وهذه العظةُ والهَجْر والضَّرْب مراتبُ، إِنْ وقعتِ الطاعةُ عنْدَ إِحداها، لم يتعدَّ إلى سائرها، وتَبْغُوا: معناه: تطلبوا، وسَبِيلًا: أي: إِلى الأذَى، وهو التعنيتُ والتعسُّف بقَوْلٍ أو فعلٍ، وهذا نهْيٌ عن ظُلْمِهِنَّ، وحَسُنَ هنا الاِتصافُ بالعلوِّ والكِبْر، أي: قَدْرُهُ سبحانه فَوْقَ كُلِّ قدْرٍ، ويده بالقُدْرة فَوْق كلِّ يدٍ فلا يستعلي أحدٌ بالظُّلْم على امرأتِهِ، فاللَّه تعالَى بالمرصاد، وينظر إِلَى هذا حديثُ أبي مسعودٍ، قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلاَمِي، فَسَمِعْتُ قَائِلاً يَقُولُ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مسعود، فصرفت وجهي، فإذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عليك منك على هذا العبد ...

»

الحديث «٢» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ رَجُلًا لَطَمَ زَوْجَتَهُ لَطْمَةً فاسْتَعْدَتْ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ الأنْصارِيُّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "قَوّامُونَ" أيْ: مُسَلَّطُونَ عَلى تَأْدِيبِ النِّساءِ في الحَقِّ.

ورَوى هُشامٌ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ ﴾ قالَ: إذا كانُوا رِجالًا، وأنْشَدَ أكْلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَءًا ونارًا تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نارًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ يَعْنِي: الرِّجالُ عَلى النِّساءِ، وفَضَّلَ الرَّجُلُ عَلى المَرْأةِ بِزِيادَةِ العَقْلِ، وتَوْفِيرِ الحَظِّ في المِيراثِ، والغَنِيمَةِ، والجُمْعَةِ، والجَماعاتِ، والخِلافَةِ، والإمارَةِ، والجِهادِ، وجُعِلَ الطَّلاقُ إلَيْهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: المَهْرُ والنَّفَقَةُ عَلَيْهِنَّ.

وَفِي "الصّالِحاتِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المُحْسِناتُ إلى أزْواجِهِنَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: العامِلاتُ بِالخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ مُبارَكٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.

و"القانِتاتُ" المُطِيعاتُ لِلَّهِ في أزْواجِهِنَّ، والحافِظاتُ لِلْغَيْبِ، أيْ: لِغَيْبِ أزْواجِهِنَّ.

وقالَ عَطاءٌ، وَقَتادَةُ: يَحْفَظْنَ ما غابَ عَنْهُ الأزْواجُ مِنَ الأمْوالِ، وما يَجِبُ عَلَيْهِنَّ مِن صِيانَةِ أنْفُسِهِنَّ لَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما حَفِظَ اللَّهُ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ اسْمِ "اللَّهِ" وفي مَعْنى الكَلامِ عَلى قِراءَتِهِمْ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: بِحِفْظِ اللَّهِ إيّاهُنَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، ومُقاتِلٍ.

ورَوى ابْنُ المُبارَكِ، عَنْ سُفْيانَ، قالَ: بِحِفْظِ اللَّهِ إيّاها أنْ جَعَلَها كَذَلِكَ.

والثّانِي: بِما حَفِظَ اللَّهُ لَهُنَّ مُهُورَهُنَّ، وإيجابُ نَفَقَتِهِنَّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ: حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَحْفَظُ بِهِ أمْرَ اللَّهِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِنَصْبِ اسْمِ اللَّهِ.

والمَعْنى: بِحِفْظِهِنَّ اللَّهَ في طاعَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ في الخَوْفِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: العِلْمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: بِمَعْنى: الظَّنِّ لِما يَبْدُو مِن دَلائِلَ النُّشُوزِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وأنْشَدَ وما خِفْتُ يا سَلامُ أنَّكَ عائِبِي قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّشُوزُ" بُغْضُ المَرْأةِ لِلزَّوْجِ، يُقالُ: نَشَزَتِ المَرْأةُ عَلى زَوْجِها، ونَشَصَتْ: إذا فَرَكَتْهُ، ولَمْ تَطْمَئِنَّ عِنْدَهُ، وأصِلُ النُّشُوزِ: الِانْزِعاجُ.

قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُهُ مِنِ النَّشْزِ، وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعِظُوهُنَّ ﴾ قالَ الخَلِيلُ: الوَعْظُ: التَّذْكِيرُ بِالخَيْرِ فِيما يَرِقُّ لَهُ القَلْبُ.

قالَ الحَسَنُ: يَعِظُها بِلِسانِهِ، فَإنْ أبَتْ وإلّا هَجَرَها.

واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالهَجْرِ في المَضْجَعِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ تَرَكَ الجِماعَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي طَلْحَةَ، والعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ تَرْكُ الكَلامِ، لا تَرْكُ الجِماعِ، رَواهُ أبُو الضُّحى، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وخَصِيفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، والثَّوْرِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ الهَجْرِ مِنَ الكَلامِ في المَضاجِعِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ.

فَيَكُونُ المَعْنى: قُولُوا لَهُنَّ في المَضاجِعِ هَجْرًا مِنَ القَوْلِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ هَجْرُ فِراشِها، ومُضاجَعَتِها.

رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، ومُجاهِدٍ، والنَّخْعِيِّ، ومِقْسَمٍ، وقَتادَةَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اهْجُرْها في المَضْجَعِ، فَإنْ أقْبَلَتْ وإلّا فَقَدَ أذِنَ اللَّهُ لَكَ أنْ تَضْرِبَها ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ.

وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: الآَيَةُ عَلى التَّرْتِيبِ، فالوَعْظُ عِنْدَ خَوْفِ النُّشُوزِ، والهَجْرُ عِنْدَ ظُهُورِ النُّشُوزِ، والضَّرْبُ عِنْدَ تَكَرُّرِهِ، واللَّجاجِ فِيهِ.

ولا يَجُوزُ الضَّرْبُ عِنْدَ ابْتِداءِ النُّشُوزِ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وعَلى هَذا مَذْهَبُ أحْمَدَ.

وقالَ الشّافِعِيُّ: يَجُوزُ ضَرْبُها في ابْتِداءِ النُّشُوزِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ أطَعْنَكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: في المَضْجَعِ ﴿ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا ﴾ أيْ: فَلا تَتَجَنَّ عَلَيْها العِلَلُ.

وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لا تُكَلِّفْها الحُبَّ، لِأنَّ قَلْبَها لَيْسَ في يَدِها.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى: فَلا تَلْتَمِسُوا سَبِيلًا إلى ما لا يَحِلُّ لَكم مِن أبْدانِهِنَّ وأمْوالِهِنَّ بِالعِلَلِ، وذَلِكَ أنْ تَقُولَ لَها وهي مُطِيعَةٌ لَكَ: لَسْتِ لِي مُحِبَّةً، فَتَضْرِبُها، أوْ تُؤْذِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لا تَبْغُوا عَلى أزْواجِكم، فَهو يَنْتَصِرُ لَهُنَّ مِنكم.

وقالَ الخَطابِيُّ: الكَبِيرُ: المَوْصُوفُ بِالجَلالِ، وكُبْرِ الشَّأْنِ، يَصْغُرُ دُونَ جَلالِهِ كُلُّ كَبِيرٍ.

ويُقالُ: هو الَّذِي كَبُرَ عَنْ شَبَهِ المَخْلُوقِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهم إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴾ ﴿ الرِجالُ قَوّامُونَ عَلى النِساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ فالصالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إنَّ اللهُ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ "كُلُّ" إنَّما تُسْتَعْمَلُ مُضافَةً ظَهَرَ المُضافُ إلَيْهِ أو تَقَدَّرَ، فَهي بِمَثابَةِ: "قَبْلَ وبَعْدَ" ولِذَلِكَ أجازَ بَعْضُ النُحاةِ مَرَرْتُ بِكُلٍّ- عَلى حَدِّ "قَبْلَ وبَعْدَ"، فالمُقَدَّرُ هُنا عَلى قَوْلِ فِرْقَةٍ: ولِكُلِّ أحَدٍ - وعَلى قَوْلِ فِرْقَةٍ: ولِكُلِّ شَيْءٍ، يَعْنِي: التَرِكَةَ.

والمَوْلى -فِي كَلامِ العَرَبِ- لَفْظَةٌ يَشْتَرِكُ فِيها: القَرِيبُ القَرابَةِ، والصَدِيقُ، والحَلِيفُ، والمُعْتِقُ، والمُعْتَقُ، والوارِثُ، والعَبْدُ فِيما حَكى ابْنُ سِيدَهْ، ويَحْسُنُ هُنا مِن هَذا الِاشْتِراكِ: الوَرَثَةُ، لِأنَّها تَصْلُحُ عَلى تَأْوِيلِ: ولِكُلِّ أحَدٍ، وعَلى تَأْوِيلِ: ولِكُلِّ شَيْءٍ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُمْ: أنَّ "المَوالِيَ": العُصْبَةُ والوَرَثَةُ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا أسْلَمَتِ العَجَمُ سُمُّوا مَوالِيَ اسْتِعارَةً وتَشْبِيهًا، وذَلِكَ في قَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِينِ ومَوالِيكُمْ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ سُمِّيَ قَوْمٌ مِنَ العَجَمِ بِبَنِي العَمِّ.

و"مِمّا" مُتَعَلِّقَةٌ بِشَيْءٍ، تَقْدِيرُهُ: ولِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ جَعَلْنا ورَثَةً، وهي مُتَعَلِّقَةٌ، عَلى تَأْوِيلِ: ولِكُلِّ أحَدٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: ولِكُلِّ أحَدٍ جَعَلْنا مَوالِيَ يَرِثُونَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، ويُحْتَمَلُ -عَلى هَذا- أنْ تَتَعَلَّقَ "مِن" بِـ "مَوالِيَ".

وقَوْلُهُ: "والَّذِينَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ "فَآتُوهُمْ".

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "عاقَدَتْ" عَلى المُفاعَلَةِ، أيْ: أيْمانُ هَؤُلاءِ عاقَدَتْ أُولَئِكَ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عَقَدَتْ" بِتَخْفِيفِ القافِ عَلى حَذْفِ مَفْعُولٍ تَقْدِيرُهُ: عَقَدَتْ أيْمانُكم حِلْفَهم أو ذِمَّتَهُمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ، في رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ كَبْشَةَ عنهُ-: "عَقَّدَتْ" مُشَدَّدَةَ القافِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَنِ المُرادُ بِـ "والَّذِينَ"ـ فَقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمْ: هُمُ الأحْلافُ، فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ تَتَوارَثُ بِالحِلْفِ، فَشَدَّدَ اللهُ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نَسَخَهُ بِآيَةِ الأنْفالِ ﴿ وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أولى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللهِ  ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هُمُ الَّذِينَ كانَ رَسُولُ اللهِ  آخى بَيْنَهُمْ، فَإنَّهم كانُوا يَتَوارَثُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ حَتّى نُسِخَ ذَلِكَ بِما تَقَدَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَرَدَ لِابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُهاجِرِينَ كانُوا يَرِثُونَ الأنْصارَ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِمْ، لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخى رَسُولُ اللهِ  بَيْنَهم فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ ناسِخَةً، وبَقِيَ إيتاءُ النَصِيبِ مِنَ النَصْرِ والمَعُونَةِ أو مِنَ المالِ عَلى جِهَةِ النَدْبِ في الوَصِيَّةِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: هُمُ الأبْناءُ الَّذِينَ كانُوا يُتَبَنَّوْنَ، والنَصِيبُ الَّذِي أُمِرَ الناسُ بِإيتائِهِ هو الوَصِيَّةُ لا المِيراثُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هُمُ الأحْلافُ إلّا أنَّ النَصِيبَ هو المُؤازَرَةُ في الحَقِّ، والنَصْرُ، والوَفاءُ بِالحِلْفِ، لا المِيراثُ.

وَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّها في قَوْمٍ يُوصى لَهم فَيَمُوتُ المُوصى لَهُ قَبْلَ نُفُوذِ الوَصِيَّةِ ووُجُوبِها، فَأمَرَ المُوصِيَ أنْ يُؤَدِّيَها إلى ورَثَةِ المُوصى لَهُ.

ولَفْظَةُ المُعاقَدَةِ والأيْمانِ تُرَجِّحُ أنَّ المُرادَ: الأحْلافُ، لِأنَّ ما ذُكِرَ مِن غَيْرِ الأحْلافِ لَيْسَ في جَمِيعِهِ مُعاقَدَةٌ ولا أيْمانٌ.

و"شَهِيدًا" مَعْناهُ: أنَّ اللهَ شَهِيدٌ بَيْنَكم عَلى المُعاقَدَةِ والصِلَةِ، فَأوفُوا بِالعَهْدِ بِحَسَبِ ذَلِكَ مُراقَبَةً ورَهْبَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: "الرِجالُ قَوّامُونَ" الآيَةُ، قَوّامٌ فَعّالٌ، بِناءُ مُبالَغَةٍ، وهو مِنَ القِيامِ عَلى الشَيْءِ، والِاسْتِبْدادِ بِالنَظَرِ فِيهِ، وحِفْظِهِ بِالِاجْتِهادِ، فَقِيامُ الرَجُلِ عَلى النِساءِ هو عَلى هَذا الحَدِّ، وتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِالفَضِيلَةِ والنَفَقَةِ يَقْتَضِي أنَّ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ اسْتِيلاءً ومِلْكًا ما.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِجالُ أُمَراءُ عَلى النِساءِ، وعَلى هَذا قالَ أهْلُ التَأْوِيلِ، و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ بِما فَضَّلَ اللهُ ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، ولِذَلِكَ اسْتَغْنَتْ عَنِ العائِدِ، وكَذَلِكَ: "وَبِما أنْفَقُوا"، والفَضِيلَةُ: هي الغَزْوُ، وكَمالُ الدِينِ، والعَقْلُ، وما أشْبَهَهُ، والإنْفاقُ: هو المَهْرُ، والنَفَقَةُ المُسْتَمِرَّةُ عَلى الزَوْجاتِ.

وَقِيلَ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ سَعْدَ بْنَ الرَبِيعِ لَطَمَ زَوْجَهُ حَبِيبَةَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ، فَجاءَتْ مَعَ أبِيها إلى رَسُولِ اللهِ  ، فَأمَرَ أنْ تَلْطِمَهُ كَما لَطَمَها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبِيحَةً لِلرِّجالِ تَأْدِيبَ نِسائِهِمْ، فَدَعاهم رَسُولُ اللهِ  ، ونَقَضَ الحُكْمَ الأوَّلَ وقالَ: "أرَدْتُ شَيْئًا، وما أرادَ اللهُ خَيْرٌ"، وفي طَرِيقٍ آخَرَ: "أرَدْتُ شَيْئًا وأرادَ اللهُ غَيْرَهُ"، وقِيلَ: إنَّ في هَذا الحُكْمِ المَرْدُودِ نَزَلَتْ: ﴿ وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ  ﴾ » وقِيلَ: سَبَبُها قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ المُتَقَدِّمُ، أيْ: لَمّا تَمَنّى النِساءُ دَرَجَةَ الرِجالِ عُرِّفْنَ وجْهَ الفَضِيلَةِ.

والصَلاحُ في قَوْلِهِ: "فالصالِحاتُ" هو الصَلاحُ في الدِينِ.

و"قانِتاتٌ" مَعْناهُ: مُطِيعاتٌ، والقُنُوتُ: الطاعَةُ، ومَعْناهُ: لِأزْواجِهِنَّ، أو لِلَّهِ في أزْواجِهِنَّ، وغَيْرُ ذَلِكَ.

وقالَ الزَجّاجُ: إنَّها الصَلاةُ، وهَذا هُنا بَعِيدٌ.

"وَلِلْغَيْبِ" مَعْناهُ: كُلُّ ما غابَ عن عِلْمِ زَوْجِها مِمّا اسْتَرْعَتْهُ، وذَلِكَ يَعُمُّ حالَ غَيْبِ الزَوْجِ وحالَ حُضُورِهِ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "خَيْرُ النِساءِ امْرَأةٌ إذا نَظَرْتَ إلَيْها سَرَّتْكَ، وإذا أمَرْتَها أطاعَتْكَ وإذا غِبْتَ عنها حَفِظَتْكَ في مالِكَ ونَفْسِها"، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللهِ  هَذِهِ الآيَةَ.» وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فالصَوالِحُ قَوانِتُ حَوافِظُ"، وهَذا بِناءٌ يَخْتَصُّ بِالمُؤَنَّثِ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: "والتَكْسِيرُ أشْبَهُ لَفْظًا بِالمَعْنى، إذْ هو يُعْطِي الكَثْرَةَ وهي المَقْصُودُ هُنا".

و"بِما حَفِظَ اللهُ"، الجُمْهُورُ عَلى رَفْعِ اسْمِ اللهِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "اللهَ" بِالنَصْبِ عَلى إعْمالِ: "حَفِظَ"، فَأمّا قِراءَةُ الرَفْعِ فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ تَقْدِيرُهُ: يَحْفَظُ اللهُ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي" ويَكُونَ العائِدُ الَّذِي في "حَفِظَ" ضَمِيرَ نَصْبٍ، ويَكُونَ المَعْنى إمّا حِفْظُ اللهِ ورِعايَتُهُ الَّتِي لا يَتِمُّ أمْرٌ دُونَها، وإمّا أوامِرُهُ ونَواهِيهِ لِلنِّساءِ، فَكَأنَّها حِفْظُهُ، فَمَعْناهُ: أنَّ النِساءَ يُحْفَظْنَ بِإرادَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأمّا قِراءَةُ ابْنِ القَعْقاعِ "بِما حَفِظَ اللهَ" فالأولى أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، وفي "حَفِظَ" ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، والمَعْنى: حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِطاعَةٍ وخَوْفٍ وبِرٍّ ودِينٍ حَفِظْنَ اللهَ في أوامِرِهِ حِينَ امْتَثَلْنَها.

وقِيلَ: يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، عَلى أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: بِما حَفِظْنَ اللهَ، ويَنْحَذِفُ الضَمِيرُ، وفي حَذْفِهِ قُبْحٌ لا يَجُوزُ إلّا في الشِعْرِ كَما قالَ: ............

فَإنَّ الحَوادِثَ أودى بِها يُرِيدُ أودَيْنَ، والمَعْنى: يَحْفَظْنَ اللهَ في أمْرِهِ حِينَ امْتَثَلْنَهُ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: بِما حَفِظَ دِينَ اللهِ، أو أمْرَ اللهِ.

وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بِما حَفِظَ اللهُ فَأصْلِحُوا إلَيْهِنَّ".

"واللاتِي" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ "فَعِظُوهُنَّ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: وعِظُوا اللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ، كَقَوْلِهِ: "والسارِقَ والسارِقَةَ" عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأها بِالنَصْبِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: النَصْبُ القِياسُ، إلّا أنَّ الرَفْعَ أكْثَرُ في كَلامِهِمْ، وحُكِيَ عن سِيبَوَيْهِ أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ عِنْدَهُ: وفِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ اللاتِي.

قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى "تَخافُونَ": تَعْلَمُونَ وتَتَيَقَّنُونَ، وذَهَبُوا في ذَلِكَ إلى أنَّ وُقُوعَ النُشُوزِ هو الَّذِي يُوجِبُ الوَعْظَ، واحْتَجُّوا في جَوازِ وُقُوعِ الخَوْفِ بِمَعْنى اليَقِينِ بِقَوْلِ أبِي مِحْجَنٍ: ولا تَدْفِنَنِّي بِالفَلاةِ فَإنَّنِي ∗∗∗ أخافُ إذا ما مِتُّ ألّا أذُوقَها وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخَوْفُ هاهُنا- عَلى بابِهِ في التَوَقُّعِ، لِأنَّ الوَعْظَ وما بَعْدَهُ إنَّما هو في دَوامِ ما ظَهَرَ مِن مَبادِئِ ما يُتَخَوَّفُ.

"والنُشُوزُ": أنْ تَتَعَوَّجَ المَرْأةُ، وتَرْتَفِعَ في خُلُقِها، وتَسْتَعْلِيَ عَلى زَوْجِها وهو مِن نَشَزِ الأرْضِ، يُقالُ: ناشِزٌ، وناشِصٌ، ومِنهُ بَيْتُ الأعْشى: تَجَلَّلَها شَيْخٌ عِشاءً فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ قُضاعِيَّةً تَأْتِي الكَواهِنَ ناشِصا و"فَعِظُوهُنَّ" مَعْناهُ: ذَكِّرُوهُنَّ أمْرَ اللهِ، واسْتَدْعُوهُنَّ إلى ما يَجِبُ عَلَيْهِنَّ بِكِتابِ اللهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "فِي المَضْجَعِ"، وهو واحِدٌ يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: "اهْجُرُوهُنَّ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: جَنِّبُوا جِماعَهُنَّ، وجَعَلُوا "فِي" لِلْوِعاءِ عَلى بابِها دُونَ حَذْفٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُضاجِعُها ويُوَلِّيها ظَهْرَهُ ولا يُجامِعُها.

وقالَ مُجاهِدٌ: جَنِّبُوا مُضاجَعَتَهُنَّ، فَيَتَقَدَّرُ عَلى هَذا القَوْلِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: واهْجُرُوهُنَّ بِرَفْضِ المَضاجِعِ، أو بِتَرْكِ المَضاجِعِ.

وقالَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي هِجْرَةُ الكَلامِ، أيْ: لا تُكَلِّمُوهُنَّ، وأعْرِضُوا عنهُنَّ، فَيُقَدَّرُ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: واهْجُرُوهُنَّ في سَبَبِ المَضاجِعِ حَتّى يُراجِعْنَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: مَعْناهُ: وقُولُوا لَهُنَّ هَجْرًا مِنَ القَوْلِ، أيْ: إغْلاظًا، حَتّى يُراجِعْنَ المَضاجِعَ، وهَذا لا يَصِحُّ تَصْرِيفُهُ إلّا عَلى مَن حَكى: هَجَرَ وأهْجَرَ بِمَعْنىً واحِدٍ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: ارْبِطُوهُنَّ بِالهِجارِ كَما يُرْبَطُ البَعِيرُ بِهِ، وهو حَبْلٌ يُشَدُّ بِهِ البَعِيرُ، فَهي في مَعْنى: اضْرِبُوهُنَّ ونَحْوِها، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ مَنزَعَهُ هَذا، وقَدَحَ في سائِرِ الأقْوالِ، وفي كَلامِهِ كُلِّهِ في هَذا المَوْضِعِ نَظَرٌ.

والضَرْبُ في هَذِهِ الآيَةِ هو ضَرْبُ الأدَبِ غَيْرُ المُبَرِّحِ وهو الَّذِي لا يَكْسِرُ عَظْمًا، ولا يَشِينُ جارِحَةً، وقالَ النَبِيُّ  : « "اضْرِبُوا النِساءَ إذا عَصَيْنَكم في مَعْرُوفٍ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ"،» وقالَ عَطاءٌ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: ما الضَرْبُ غَيْرُ المُبَرِّحِ؟

قالَ: بِالشِراكِ ونَحْوِهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ أنَّهُ قالَ: لا قِصاصَ بَيْنَ الرَجُلِ وامْرَأتِهِ إلّا في النَفْسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَجاوُزٌ، قالَ غَيْرُهُ: إلّا في النَفْسِ والجِراحِ، وهَذِهِ العِظَةُ والهَجْرُ والضَرْبُ مَراتِبٌ، إنْ وقَعَتِ الطاعَةُ عِنْدَ إحْداها لَمْ يُتَعَدَّ إلى سائِرِها.

و"تَبْغُوا" مَعْناهُ: تَطْلُبُوا، و"سَبِيلًا" أيْ: إلى الأذى، وهو التَعْنِيتُ والتَعَسُّفُ بِقَوْلٍ أو فِعْلٍ، وهَذا نَهْيٌ عن ظُلْمِهِنَّ بِغَيْرِ واجِبٍ بَعْدَ تَقْدِيرِ الفَضْلِ عَلَيْهِنَّ، والتَمْكِينِ مِن أدَبِهِنَّ، وحَسُنَ مَعَهُ الِاتِّصافُ بِالعُلُوِّ والكِبَرِ، أيْ: قَدْرُهُ فَوْقَ كُلِّ قَدْرٍ، ويَدُهُ بِالقُدْرَةِ فَوْقَ كُلِّ يَدٍ، فَلا يَسْتَعْلِي أحَدٌ عَلى امْرَأتِهِ، فاللهُ بِالمِرْصادِ، ويَنْظُرُ هَذا إلى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «فَصَرَفْتُ وجْهِي فَإذا رَسُولُ اللهِ  يَقُولُ: "اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ أنَّ اللهَ أقْدَرُ عَلَيْكَ مِنكَ عَلى هَذا العَبْدِ".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي لذكر تشريع في حقوق الرجال وحقوق النساء والمجتمع العائلي.

وقد ذُكر عقب ما قبلَه لمناسبة الأحكام الراجعة إلى نظام العائلة، لا سيما أحكام النساء، فقوله: ﴿ الرجال قوامون على النساء ﴾ أصل تشريعي كُلِّيّ تتفرّع عنه الأحكام التي في الآيات بعده، فهو كالمقدّمة.

وقوله: ﴿ فالصالحات ﴾ تفريع عنه مع مناسبته لما ذكر من سبب نزول ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ [النساء: 32] فيما تقدّم.

والحكم الذي في هذه الآية حكم عامّ جيء به لتعليل شرع خاصّ.

فلذلك فالتعريف في ﴿ الرجال ﴾ و ﴿ النساء ﴾ للاستغراق، وهو استغراق عرفي مبني على النظر إلى الحقيقة، كالتعريف في قول الناس «الرجل خير من المرأة»، يؤول إلى الاستغراق العرفي، لأنّ الأحكام المستقراة للحقائق أحكام أغلبية، فإذا بني عليها استغراق فهو استغراق عرفي.

والكلام خبر مستعمل في الأمر كشأن الكثير من الأخبار الشرعية.

والقَوَّام: الذي يقوم على شأن شيءٍ ويليه ويصلحه، يقال: قَوَّام وقَيَّام وقَيُّوم وقَيِّم، وكلّها مشتقّة من القيام المجازي الذي هو مجاز مرسل أو استعارة تمثيلية، لأنّ شأن الذي يهتمّ بالأمر ويعتني به أن يقف ليدير أمره، فأطلق على الاهتمام القيامُ بعلاقة اللزوم.

أو شُبِّه المهتم بالقائم للأمر على طريقة التمثيل.

فالمراد من الرجال من كان من أفراد حقيقة الرجل، أي الصنف المعروف من النوع الإنساني، وهو صنف الذكور، وكذلك المراد من النساء صنف الإناث من النوع الإنساني، وليس المراد الرجال جمعَ الرجل بمعنى رَجُل المرأة، أي زوجها؛ لعدم استعماله في هذا المعنى، بخلاف قولهم: امرأةُ فلان، ولا المراد من النساء الجمعُ الذي يطلق على الأزواج الإناث وإن كان ذلك قد استعمل في بعض المواضع مثل قوله تعالى: ﴿ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴾ ، بل المراد ما يدلّ عليه اللفظ بأصل الوضع كما في قوله تعالى: ﴿ وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ [النساء: 32]، وقول النابغة: ولا نِسْوَتِي حَتَّى يَمُتْنَ حَرَائِرا *** يريد أزواجه وبناته وولاياه.

فموقع ﴿ الرجال قوامون على النساء ﴾ موقُع المقدّمة للحكم بتقديم دليله للاهتمام بالدليل، إذ قد يقع فيه سوء تأويل، أو قد وقع بالفعل، فقد روي أنّ سبب نزول الآية قول النساء «ليتنا استوينا مع الرجال في الميراث وشَرَكْناهم في الغزو».

وقيام الرجال على النساء هو قيام الحفظ والدفاع، وقيام الاكتساب والإنتاج المالي، ولذلك قال: ﴿ بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ أي: بتفضيل الله بعْضهم على بعض وبإنفاقهم من أموالهم، إن كانت (ما) في الجملتين مصدرية، أو بالذي فضّل الله به بعضهم، وبالذي أنفقوه من أموالهم، إن كانت (ما) فيهما موصولة، فالعائدان من الصلتين محذوفان: أمّا المجرور فلأنّ اسم الموصول مجرور بحرف مثل الذي جُرَّ به الضمير المحذوف، وأمّا العائد المنصوب من صلة ﴿ وبما أنفقوا ﴾ فلأنَّ العائد المنصوب يكثر حذفه من الصلة.

والمراد بالبعض في قوله تعالى: ﴿ فضل الله بعضهم ﴾ هو فريق الرجال كما هو ظاهر من العطف في قوله: ﴿ وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ فإنّ الضميرين للرجال.

فالتفضيل هو المزايا الجبلية التي تقتضي حاجة المرأة إلى الرجل في الذبّ عنها وحراستها لبقاء ذاتها، كما قال عَمرو بن كلثوم: يَقُتْنَ جيادَنا ويقُلْن لستم *** بُعُولتنا إذا لَمْ تمنعونا فهذا التفضيل ظهرت آثاره على مرّ العصور والأجيال، فصار حقّا مكتسبا للرجال، وهذه حجّة بُرهانية على كون الرجال قوّامين على النساء فإنّ حاجة النساء إلى الرجال من هذه الناحية مستمرّة وإن كانت تقوى وتضعف.

وقوله: ﴿ وبما أنفقوا ﴾ جيء بصيغة الماضي للإيماء إلى أنّ ذلك أمر قد تقرّر في المجتمعات الإنسانية منذ القدم، فالرجال هم العائلون لنساء العائلة من أزواج وبنات.

وأضيفت الأموال إلى ضمير الرجال لأنّ الاكتساب من شأن الرجال، فقد كان في عصور البداوة بالصيد وبالغارة وبالغنائم والحرث، وذلك من عمل الرجال، وزاد اكتساب الرجال في عصور الحضارة بالغرس والتجارة والإجارَة والأبنية، ونحو ذلك، وهذه حجّة خَطابية لأنّها ترجع إلى مصطلَح غالب البشر، لا سيما العرب.

ويَنْدُر أن تتولّى النساء مساعي من الاكتساب، لكن ذلك نادر بالنسبة إلى عمل الرجل مثل استئجار الظئر نفسَها وتنمية المرأة مالاً ورثتْه من قرابتها.

ومن بديع الإعجاز صوغ قوله: ﴿ بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ في قالب صالح للمصدرية وللموصولية، فالمصدرية مشعرة بأنّ القيامية سببها تفضيل من الله وإنفاق، والموصولية مشعرة بأنّ سببها ما يعلمه الناس من فضل الرجال ومن إنفاقهم ليصلح الخطاب للفريقين: عالمهم وجاهلهم، كقول السموأل أو الحارثي: سَلِي إن جَهِلْتتِ الناس عنّا وعنهم *** فليس سواء عالم وجهول ولأنّ في الإتيان ب (بما) مع الفعل على تقدير احتمال المصدرية جَزَالةً لا توجد في قولنا: بتفضيل الله وبالإنفاققِ، لأنّ العرب يرجّحون الأفعال على الأسماء في طرق التعْبير.

وقد روي في سبب نزول الآية: أنّها قول النساء، ومنهن أمّ سلمة أمّ المؤمنين: «أتغزو الرجال ولا نغزو وإنّما لنا نصف الميراث» فنزل قوله تعالى: ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ [النساء: 32] إلى هذه الآية، فتكون هذه الآية إكمالا لما يرتبط بذلك التمنّي.

وقيل: نزلت هذه الآية بسبب سعد بن الربيع الأنصاري: نشزت منه زوجه حبيبة بنت زيد بن أبي زهير فلطمها فشكاه أبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تلطمه كما لطمها، فنزلت الآية في فور ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أردتُ شيئاً وأراد الله غيره، ونقض حكمه الأول، وليس في هذا السبب الثاني حديث صحيح ولا مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولكنّه ممّا رُوي عن الحسن، والسدّي، وقتادة.

والفاء في قوله: ﴿ فالصالحات ﴾ للفصيحة، أي إذا كان الرجال قوّامين على النساء فمن المهمّ تفصيل أحوال الأزواج منهنّ ومعاشرتهنّ أزواجهنّ وهو المقصود، فوصف الله الصالحات منهن وصفا يفيد رضاه تعالى، فهو في معنى التشريع، أي ليَكُنَّ صالحات.

والقانتات: المطيعات لله.

والقنوت: عبادة الله، وقدّمه هنا وإن لم يكن من سياق الكلام للدلالة على تلازم خوفهنّ الله وحفظ حقّ أزواجهنّ، ولذلك قال: ﴿ حافظات للغيب ﴾ ، أي حافظات أزواجهنّ عند غيبتهم.

وعلّق الغيب بالحفظ على سبيل المجاز العقلي لأنّه وقته.

والغيب مصدر غاب ضدّ حضر.

والمقصود غيبة أزواجهنّ، واللام للتعدية لضعف العامل، إذ هو غير فِعل، فالغيب في معنى المفعول، وقد جعل مفعولا للحفظ على التوسّع لأنّه في الحقيقة ظرف للحفظ، فأقيم مقام المفعول ليشمل كلّ ما هو مظنّة تخلّف الحفظ في مدّته: من كلّ ما شأنه أن يحرسه الزوج الحاضر من أحوال امرأته في عرضه وماله، فإنّه إذا حضر يكون من حضوره وازعان: يزعها بنفسه ويَزعها أيضاً اشتغالها بزوجها، أمّا حال الغيبة فهو حال نسيان واستخفاف، فيمكن أن يبدو فيه من المرأة ما لا يرضي زوجها إن كانت غير صالحة أو سفيهة الرأي، فحصل بإنابة الظرف عن المفعول إيجاز بديع، وقد تبعه بشّار إذ قال: ويصُون غَيْبَكُم وإن نَزَحا *** والباء في ﴿ بما حفظ الله ﴾ للملابسة، أي حفظا ملابساً لما حفظ الله، و(ما) مصدرية أي بحفظِ اللَّهِ، وحفظُ اللَّه هو أمره بالحفظ، فالمراد الحفظ التكليفي، ومعنى الملابسة أنهنّ يحفظن أزواجهنّ حفظاً مطابقاً لأمر الله تعالى، وأمرُ الله يرجع إلى ما فيه حقّ للأزواج وحدهم أو مع حقّ الله، فشمل ما يكرهه الزوج إذا لم يكن فيه حرج على المرأة، ويخرج عن ذلك ما أذن الله للنساء فيه، كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم هندا بنت عتبة: أن تأخذ من مال أبي سفيان ما يكفيها وولدَها بالمعروف.

لذلك قال مالك: إنّ للمرأة أن تُدْخِل الشهود إلى بيت زوجها في غيبته وتشهدهم بما تريد وكما أذن لهن النبي أن يخرجن إلى المساجد ودعوة المسلمين.

وقوله: ﴿ والتي تخافون نشوزهن ﴾ هذه بعض الأحوال المضادّة للصلاح وهو النشوز، أي الكراهية للزوج، فقد يكون ذلك لسوء خلق المرأة، وقد يكون لأنّ لها رغبة في التزوّج بآخر، وقد يكون لقسوة في خُلق الزوج، وذلك كثير.

والنشوز في اللغة الترفّع والنهوض، وما يرجع إلى معنى الاضطراب والتباعد، ومنه نَشَزُ الأرض، وهو المرتفع منها.

قال جمهور الفقهاء: النشوز عصيان المرأة زوجها والترفّع عليه وإظهار كراهيته، أي إظهار كراهية لم تكن معتادة منها، أي بعد أن عاشرته، كقوله: «وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا».

وجعلوا الإذن بالموعظة والهجر والضرب مرتّبا على هذا العصيان، واحتجّوا بما ورد في بعض الآثار من الإذن للزوج في ضرب زوجته الناشز، وما ورد من الأخبار عن بعض الصحابة أنّهم فعلوا ذلك في غير ظهور الفاحشة.

وعندي أنّ تلك الآثار والأخبار مَحْمَل الأباحة فيها أنّها قد روعي فيها عرف بعض الطبقات من الناس، أو بعض القبائل، فإنّ الناس متفاوتون في ذلك، وأهل البدو منهم لا يعُدّون ضرب المرأة اعتداء، ولا تعدّه النساء أيضاً اعتداء، قال عامر بن الحارث النمري الملقّب بجِرَاننِ العَوْد.

عَمِدْتُ لِعَوْدٍ فَالْتَحَيْتُ جِرَانَهُ *** ولَلْكَيْسُ أمضى في الأمور وأنجح خُذا حَذراً يا خُلَّتيَّ فإنّني *** رأيتُ جران العَوْد قد كاد يصلح والتحيْت: قشرّت، أي قددت، بمعنى: أنّه أخذ جلداً من باطن عنق بعير وعمله سوطا ليضرب به امرأتيه، يهدّدهما بأنّ السوط قد جَفّ وصلح لأن يضرب به.

وقد ثبت في «الصحيح» أنّ عمر بن الخطاب قال: (كنا معشر المهاجرين قوما نغلب نساءنا فإذا الأنصار قوم تغلبهم نساؤهم فأخذ نساؤنا يتأدّبن بأدب نساء الأنصار).

فإذا كان الضرب مأذونا فيه للأزواج دون وُلاة الأمور، وكان سببه مجرّد العصيان والكراهِية دون الفاحشة، فلا جرم أنّه أذن فيه لقوم لا يعُدّون صدوره من الأزواج إضراراً ولا عارا ولا بدعا من المعاملة في العائلة، ولا تشعر نساؤهم بمقدار غضبهم إلاّ بشيء من ذلك.

وقوله: ﴿ فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ﴾ مقصود منه الترتيب كما يقتضيه ترتيب ذكرها مع ظهور أنّه لا يراد الجمع بين الثلاثة، والترتيب هو الأصل والمتبادر في العطف بالواو، قال سعيد بن جبير: يعظها، فإن قبلت، وإلاّ هجرها، فإن هي قبلت، وإلاّ ضربها، ونُقل مثله عن علي.

واعلم أنّ الواو هنا مراد بها التقسيم باعتبار أقسام النساء في النشوز.

وقوله: ﴿ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً ﴾ احتمال ضمير الخطاب فيه يجري على نحوما تقدّم في ضمائر ﴿ تخافون ﴾ وما بعده، والمراد الطاعة بعد النشوز، أي إن رجعن عن النشوز إلى الطاعة المعروفة.

ومعنى: ﴿ فلا تبغوا عليهن سبيلاً ﴾ فلا تطلبوا طريقاً لإجراء تلك الزواجر عليهنّ، والخطاب صالح لكلّ من جعل له سبيل على الزوجات في حالة النشوز على ما تقدّم.

والسبيل حقيقتُه الطريق، وأطلق هنا مجازاً على التوسّل والتسبّب والتذرّع إلى أخذ الحقّ، وسيجيء عند قوله تعالى: ﴿ ما على المحسنين من سبيل ﴾ في سورة براءة (91)، وانظر قوله الآتي ﴿ وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً ﴾ .

و ﴿ عليهنّ ﴾ متعلّق ب (سبيلا) لأنّه ضمّن معنى الحكم والسلطان، كقوله تعالى: ﴿ ما على المحسنين من سبيل ﴾ [التوبة: 91].

وقوله: ﴿ إن الله كان علياً كبيراً ﴾ تذييل للتهديد، أي إنّ الله عليٌّ عليكم، حاكم فيكم، فهو يعدل بينكم، وهو كبير، أي قويّ قادر، فبوصف العلوّ يتعيّن امتثال أمره ونهيه، وبوصف القدرة يُحذر بطشه عند عصيان أمره ونهيه.

ومعنى ﴿ تخافون نشوزهن ﴾ تخافون عواقبه السيّئة.

فالمعنى أنّه قد حصل النشوز مع مخائل قصد العصيان والتصميم عليه لا مطلق المغاضبة أو عدم الامتثال، فإنّ ذلك قلّما يخلو عنه حال الزوجين، لأنّ المغاضبة والتعاصي يعرضان للنساء والرجال، ويزولان، وبذلك يبقى معنى الخوف على حقيقته من توقّع حصول ما يضرّ، ويكون الأمر بالوعظ والهجر والضرب مراتبَ بمقدار الخوف من هذا النشوز والتباسه بالعدوان وسوء النية.

والمخاطب بضمير ﴿ تخافون ﴾ إمَّا الأزواج، فتكون تعْدية (خاف) إليه على أصل تعدية الفعل إلى مفعوله، نحو ﴿ فلا تخافوهم وخافون ﴾ [آل عمران: 175] ويكون إسناد ﴿ فعظوهن واهجروهن واضربوهن ﴾ على حقيقته.

ويجوز أن يكون المخاطب مجموع من يصلح لهذا العمل من وُلاَة الأمور والأزواج؛ فيتولّى كلّ فريق ما هو من شأنه، وذلك نظير قوله تعالى في سورة البقرة (229) ﴿ ولا يَحلّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله ﴾ إلخ.

فخطاب (لكم) للأزواج، وخطاب ﴿ فإن خفتم ﴾ [البقرة: 229] لولاة الأمور، كما في «الكشّاف».

قال: ومثل ذلك غير عزيز في القرآن وغيره.

يريد أنّه من قبيل قوله تعالى في سورة الصفّ (11 13): ﴿ تؤمنون بالله ورسوله ﴾ إلى قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ فإنّه جعل (وبشّر) عطفاً على (تؤمنون) أي فهو خطاب للجميع لكنّه لمّا كان لا يتأتّى إلاّ من الرسول خصّ به.

وبهذا التأويل أخذ عطاء إذ قال: لا يضرب الزوج امرأته ولكن يغضب عليها.

قال ابن العربي: هذا من فقه عطاء وفهمه الشريعة ووقوفه على مظانّ الاجتهاد علم أنّ الأمر بالضرب هنا أمر إباحة، ووقف على الكراهية من طريق أخرى كقول النبي " ولن يضرب خياركم ".

وأنا أرى لعطاء نظرا أوسع ممّا رآه له ابن العربي: وهو أنّه وضع هاته الأشياء مواضعها بحسب القرائن، ووافقه على ذلك جمع من العلماء، قال ابن الفرس: وأنكروا الأحاديث المرويَّة بالضرب.

وأقول: أو تأوّلوها.

والظاهر أنّ الإذن بالضرب لمراعاة أحوال دقيقة بين الزوجين فأذن للزوج بضرب امرأته ضرب إصلاح لقصد إقامة المعاشرة بينهما؛ فإن تجاوز ما تقتضيه حالة نشوزها كان معتديا.

ولذلك يكون المعنى واللاتي تخافون نشوزهن } أي تخافون سوء مغبّة نشوزهنّ، ويقتضي ذلك بالنسبة لولاة الأمور أنّ النشوز رفع إليهم بشكاية الأزواج، وأنّ إسناد ﴿ فعظوهن ﴾ على حقيقته، وأمّا إسناد ﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ فعلى معنى إذن الأزواج بهجرانهنّ، وإسناد ﴿ واضربوهن ﴾ كما علمت.

وضمير المخاطب في قوله: ﴿ فإن أطعنكم ﴾ يجري على التوزيع، وكذلك ضمير ﴿ فلا تبغوا عليهن سبيلاً ﴾ .

والحاصل أنّه لا يجوز الهجر والضرب بمجرّد توقّع النشوز قبل حصوله اتّفاقاً، وإذا كان المخاطب الأزواج كان إذنا لهم بمعاملة أزواجهم النواشز بواحدة من هذه الخصال الثلاث، وكان الأزواج مؤتمنين على توخّي مواقع هذه الخصال بحسب قوّة النشوز وقدره في الفساد، فأمّا الوعظ فلا حدّ له، وأمّا الهجر فشرطه أن لا يخرج إلى حدّ الإضرار بما تجده المرأة من الكمد، وقد قدّر بعضهم أقصاه بشهر.

وأمّا الضرب فهو خطير وتحديده عسير، ولكنّه أذن فيه في حالة ظهور الفساد؛ لأنّ المرأة اعتدَتْ حينئذ، ولكن يجب تعيين حدّ في ذلك، يبيّن في الفقه، لأنّه لو أطلق للأزواج أن يتولّوه، وهم حينئذ يشْفُون غضبهم، لكان ذلك مظنّة تجاوز الحدّ، إذ قلّ من يعاقب على قدر الذنب، على أن أصل قواعد الشريعة لا تسمح بأن يقضي أحد لنفسه لولا الضرورة.

بيد أنّ الجمهور قيّدوا ذلك بالسلامة من الإضرار، وبصدوره ممّن لا يعدّ الضرب بينهم إهانة وإضراراً.

فنقول: يجوز لولاة الأمور إذا علموا أنّ الأزواج لا يحسنون وضع العقوبات الشرعية مواضعَها، ولا الوقوفَ عند حدودها أن يضربوا على أيديهم استعمال هذه العقوبة، ويعلنوا لهم أنّ من ضرب امرأته عوقب، كيلا يتفاقم أمر الإضرار بين الأزواج، لا سيما عند ضعف الوازع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ ﴾ يَعْنِي أهْلَ قِيامٍ عَلى نِسائِهِمْ، في تَأْدِيبِهِنَّ، والأخْذِ عَلى أيْدِيهِنَّ، فِيما أوْجَبَ اللَّهُ لَهم عَلَيْهِنَّ.

﴿ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ يَعْنِي في العَقْلِ والرَّأْيِ.

﴿ وَبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ ﴾ يَعْنِي بِهِ الصَّداقَ والقِيامَ بِالكِفايَةِ.

وَقَدْ رَوى جَرِيرُ بْنُ حازِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ لَطَمَ امْرَأتَهُ فَجاءَتْ تَلْتَمِسُ القِصاصَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ  بَيْنَهُما القِصاصَ فَنَزَلَتْ: ﴿ وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ ﴾ » [طه: ١١٤] ونَزَلَتِ: ﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ ، وكانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: لَيْسَ بَيْنَ الرَّجُلِ وامْرَأتِهِ قِصاصٌ فِيما دُونَ النَّفْسِ.

﴿ فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ ﴾ يَعْنِي المُسْتَقِيماتِ الدِّينِ العامِلاتِ بِالخَيْرِ، والقانِتاتُ يَعْنِي المُطِيعاتِ لِلَّهِ ولِأزْواجِهِنَّ.

﴿ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ ﴾ يَعْنِي حافِظاتٍ لِأنْفُسِهِنَّ عِنْدَ غَيْبَةِ أزْواجِهِنَّ، ولِما أوْجَبَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ عَلَيْهِنَّ.

﴿ بِما حَفِظَ اللَّهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي يَحْفَظُ اللَّهُ لَهُنَّ إذْ صَيَّرَهُنَّ كَذَلِكَ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.

والثّانِي: بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلى أزْواجِهِنَّ مِن مُهُورِهِنَّ ونَفَقَتِهِنَّ حَتّى صِرْنَ بِها مَحْفُوظاتٍ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

وَقَدْ رَوى ابْنُ المُبارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (خَيْرُ النِّساءِ امْرَأةٌ إذا نَظَرْتَ إلَيْها سَرَّتْكَ، وإذا أمَرْتَها أطاعَتْكَ، وإذا غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ في مالِها ونَفْسِها قالَ: ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ  : ﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.

» ﴿ واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ في ( تَخافُونَ ) تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العِلْمُ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالخَوْفِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ولا تَدْفِنِينِي بِالفَلاةِ فَإنَّنِي أخافُ إذا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقَها يَعْنِي فَإنَّنِي أعْلَمُ والتَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ الظَّنُّ، كَما قالَ الشّاعِرُ: أتانِي عَنْ نَصْرٍ كَلامٌ يَقُولُهُ ∗∗∗ وما خِفْتُ يا سَلامُ أنَّكَ عائِبِي وَهُوَ أنْ يَسْتُرَ عَلى نُشُوزِها بِما تُبْدِيهِ مِن سُوءِ فِعْلِها.

والنُّشُوزُ: هو مَعْصِيَةُ الزَّوْجِ والِامْتِناعُ مِن طاعَتِهِ بُغْضًا وكَراهَةً - وأصْلُ النُّشُوزِ: الِارْتِفاعُ، ومِنهُ قِيلَ: لِلْمَكانِ المُرْتَفِعِ مِنَ الأرْضِ نَشَزٌ، فَسُمِّيَتِ المُمْتَنِعَةُ عَنْ زَوْجِها ناشِزًا لِبُعْدِها مِنهُ وارْتِفاعِها عَنْهُ.

﴿ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ ﴾ أمّا وعْظُها فَهو أنْ يَأْمُرَها بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَتِهِ، ويُخَوِّفَها اسْتِحْقاقَ الوَعِيدِ في مَعْصِيَتِهِ وما أباحَهُ اللَّهُ تَعالى مِن ضَرْبِها عِنْدَ مُخالَفَتِهِ، وفي المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ ﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ألّا يُجامِعَها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنْ لا يُكَلِّمَها ويُوَلِّيَها ظَهْرَهُ في المَضْجَعِ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنْ يَهْجُرَ فِراشَها ومُضاجَعَتَها وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.

والرّابِعُ: يَعْنِي: وقُولُوا لَهُنَّ في المَضاجِعِ هُجْرًا، وهو الإغْلاظُ في القَوْلِ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، والحَسَنِ.

والخامِسُ: هو أنْ يَرْبِطَها بِالهِجارِ وهو حَبَلٌ يُرْبَطُ بِهِ البَعِيرُ لِيُقِرَّها عَلى الجِماعِ، وهو قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ.

واسْتَدَلَّ بِرِوايَةِ ابْنِ المُبارَكِ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نِساؤُنا ما نَأْتِي مِنها وما نَذَرُ؟

قالَ: (حَرْثُكَ فَأْتِ حَرْثَكَ أنّى شِئْتَ غَيْرَ ألّا تَضْرِبَ الوَجْهَ ولا تُقَبِّحْ إلّا في البَيْتِ، وأطْعِمْ إذا طَعِمْتَ واكْسُ إذا اكْتَسَيْتَ، كَيْفَ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ)» ولَيْسَ في هَذا الخَبَرِ دَلِيلٌ عَلى تَأْوِيلِهِ دُونَ غَيْرِهِ.

وَأصْلُ الهَجْرِ: التَّرْكُ عَلى قِلًى، والهُجْرُ: القَبِيحُ مِنَ القَوْلِ لِأنَّهُ مَهْجُورٌ.

﴿ واضْرِبُوهُنَّ ﴾ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى مُعاقَبَتَها عَلى النُّشُوزِ ثَلاثَةَ أشْياءَ: وعْظَها وهَجْرَها وضَرْبَها.

وَفي تَرْبِيَتِها إذا نَشَزَتْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إذا خافَ نُشُوزَها وعَظَها وهَجَرَها، فَإنْ أقامَتْ عَلَيْهِ ضَرَبَها.

والثّانِي: أنَّهُ إذا خافَ نُشُوزَها وعَظَها، فَإذا أبْدَتِ النُّشُوزَ هَجَرَها، فَإنْ أقامَتْ عَلَيْهِ ضَرَبَها، وهو الأظْهَرُ مِن قَوْلِ الشّافِعِيِّ.

والَّذِي أُبِيحُ لَهُ مِنَ الضَّرْبِ ما كانَ تَأْدِيبًا يَزْجُرُها بِهِ عَنِ النُّشُوزِ غَيْرَ مُبَرِّحٍ ولا مُنْهِكٍ، رَوى بِشْرٌ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (اضْرِبُوهُنَّ إذا عَصَيْنَكم في المَعْرُوفِ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ)» .

﴿ فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا ﴾ يَعْنِي أطَعْنَكم في المَضْجَعِ والمُباشَرَةِ.

﴿ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا تَطْلُبُوا لَهُنَّ الأذى.

والثّانِي: هو أنْ يَقُولَ لَها لَسْتِ تُحِبِّينَنِي وأنْتِ تَعْصِينِي، فَيُصَيِّرُها عَلى ذَلِكَ وإنْ كانَتْ مُطِيعَةً: قالَ سُفْيانُ: إذا فَعَلَتْ ذَلِكَ لا يُكَلِّفُها أنْ تُحِبَّهُ لِأنَّ قَلْبَها لَيْسَ في يَدِها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن قال: «جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستعدي على زوجها أنه لطمها.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القصاص...

فأنزل الله: ﴿ الرجال قوامون على النساء...

﴾ الآية.

فرجعت بغير قصاص» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق قتادة عن الحسن «أن رجلاً لطم امرأته، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يقصها منه.

فنزلت ﴿ الرجال قوامون على النساء ﴾ فدعاه فتلاها عليه، وقال أردت أمراً وأراد الله غيره» .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق جرير بن حازم عن الحسن «أن رجلاً من الأنصار لطم امرأته، فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص.

فنزلت ﴿ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ﴾ [ طه: 114] فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن ﴿ الرجال قوامون على النساء ﴾ إلى آخر الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أردنا أمراً وأراد الله غيره» .

وأخرج ابن مردويه عن علي قال: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من الأنصار بامرأة له فقالت: يا رسول الله إن زوجها فلان ابن فلان الأنصاري، وأنه ضربها فأثر في وجهها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له ذلك.

فأنزل الله: ﴿ الرجال قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ﴾ أي قوامون على النساء في الأدب.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أردت أمراً وأراد الله غيره» .

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: لطم رجل امرأته، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم القصاص، فبينما هم كذلك نزلت الآية.

وأخرج ابن جرير عن السدي.

نحوه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ الرجال قوّامون على النساء ﴾ قال: بالتأديب والتعليم ﴿ بما أنفقوا من أموالهم ﴾ قال: بالمهر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الزهري قال: لا تقص المرأة من زوجها إلا في النفس.

وأخرج ابن المنذر عن سفيان قال: نحن نقص منه إلا في الأدب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ الرجال قوّامون على النساء ﴾ يعني أمراء عليهن، وأن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله، حافظة لماله ﴿ بما فضل الله ﴾ وفضله عليها بنفقته وسعيه ﴿ فالصالحات قانتات ﴾ قال: مطيعات ﴿ حافظات للغيب ﴾ يعني إذا كن كذا فأحسنوا إليهن.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في الآية قال: الرجل قائم على المرأة يأمرها بطاعة الله، فإن أبت فله أن يضربها ضرباً غير مبرح، وله عليها الفضل بنفقته وسعيه.

وأخرج عن السدي ﴿ الرجال قوَّامون على النساء ﴾ يأخذون على أيديهن ويؤدبونهن.

وأخرج عن سفيان ﴿ بما فضل الله بعضهم على بعض ﴾ قال: بتفضيل الله الرجال على النساء ﴿ وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ بما ساقوا من المهر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي ﴿ وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ قال: الصداق الذي أعطاها، ألا ترى أنه لو قذفها لاعنها، ولو قذفته جُلِدَتْ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ فالصالحات قانتات ﴾ أي مطيعات لله ولأزواجهن ﴿ حافظات للغيب ﴾ قال: حافظات لما استودعهن الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهن.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ﴿ حافظات للغيب ﴾ للأزواج.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ حافظات للغيب بما حفظ الله ﴾ يقول تحفظ على زوجها ماله وفرجها حتى يرجع كما أمرها الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: حافظات لأزواجهن في أنفسهن بما استحفظهن الله.

وأخرج عن مقاتل قال: حافظات لفروجهن لغيب أزواجهن، حافظات بحفظ الله لا يخن أزواجهن بالغيب.

وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: حافظات للأزواج بما حفظ الله يقول: حفظهن الله.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ حافظات للغيب ﴾ قال: يحفظن على أزواجهن ما غابوا عنهن من شأنهن ﴿ بما حفظ الله ﴾ قال: بحفظ الله إياها أن يجعلها كذلك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها.

ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ الرجال قوامون على النساء ﴾ إلى قوله: ﴿ قانتات حافظات للغيب ﴾ » .

وأخرج ابن جرير عن طلحة بن مصرف قال: في قراءة عبد الله «فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله فأصلحوا إليهن واللاتي تخافون» .

وأخرج عن السدي « ﴿ فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ﴾ فأحسنوا إليهن» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن يحيى بن جعدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير فائدة أفادها المسلم بعد الإسلام امرأة جميلة تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب في ماله ونفسها» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: ما استفاد رجل بعد إيمان بالله خيراً من امرأة حسنة الخلق ودود ولود، وما استفاد رجل بعد الكفر بالله شراً من امرأة سيئة الخلق حديدة اللسان.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبزي قال: مثل المرأة الصالحة عند الرجل الصالح مثل التاج المخوص بالذهب على رأس الملك، ومثل المرأة السوء عند الرجل الصالح مثل الحمل الثقيل على الرجل الكبير.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال: ألا أخبركم بالثلاث الفواقر؟

قيل: وما هن؟

قال: إمام جائر إن أحسنت لم يشكر وإن أسأت لم يغفر، وجار سوء إن رأى حسنة غطاها وإن رأى سيئة أفشاها، وامرأة السوء إن شهدتها غاظتك وإن غبت عنها خانتك.

وأخرج الحاكم عن سعد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من السعادة: المرأة تراها فتعجبك وتغيب فتأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون وطيئة فتلحقك بأصحابك، والدار تكون واسعة كثيرة المرافق.

وثلاث من الشقاء: المرأة تراها فتسوءك وتحمل لسانها عليك، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون قطوفاً، فإن ضربتها أتعبتك، وإن تركتها لم تلحقك بأصحابك.

والدار تكون ضيقة قليلة المرافق» .

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي من طريق حصين بن محصن قال: حدثتني عمتي قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الحاجة فقال: «أي هذه أذات بعل أنت؟

قلت: نعم.

قال: كيف أنت له؟

قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه.

قال: انظري أين أنت منه فإنما هو جنتك ونارك» .

وأخرج البزار والحاكم والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله أخبرني ما حق الزوج على الزوجة؟

قال: «من حق الزوج على الزوجة أن لو سال منخراه دماً وقيحاً وصديداً فلحسته بلسانها ما أدت حقه، لو كان ينبغي لبشر أن يسجد لبشر أمرت المرأة أن تسجد لزوجها إذا دخل عليها لما فضله الله عليها» .

وأخرج الحاكم والبيهقي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله أن تأذن في بيت زوجها وهو كاره، ولا تخرج وهو كاره، ولا تطيع فيه أحداً، ولا تخشن بصدره، ولا تعتزل فراشه، ولا تضر به، فإن كان هو أظلم فلتأته حتى ترضيه، فإن قبل منها فبها ونعمت وقبل الله عذرها، وإن هو لم يرض فقد أبلغت عند الله عذرها» .

وأخرج البزار والحاكم وصححه عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه» .

وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن شبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الفساق أهل النار.

قيل: يا رسول الله ومن الفساق؟

قال: النساء.

قال رجل: يا رسول الله أولسن أمهاتنا وأخواتنا وأزواجنا؟

قال: بلى.

ولكنهن إذا أعطين لم يشكرن وإذا ابتلين لم يصبرن» .

وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه» .

وأخرج عبد الرزاق والبزار والطبراني عن ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله أنا وافدة النساء إليك، هذا الجهاد كتبه الله على الرجال فإن يصيبوا أُجرُوا وإن قتلوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون، ونحن معشر النساء نقوم عليهم فما لنا من ذلك؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبلغي من لقيت من النساء أن طاعة الزوج واعترافها بحقه تعدل ذلك، وقليل منكن من يفعله» .

وأخرج البزار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، دخلت الجنة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبزار عن ابن عباس.

«أن امرأة من خثعم أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله أخبرني ما حق الزوج على الزوجة، فإني امرأة أيم، فإن استطعت وإلا جلست أيما؟

قال: فإن حق الزوج على زوجته إن سألها نفسها وهي على ظهر بعير أن لا تمنعه نفسها، ومن حق الزوج على زوجته أن لا تصوم تطوعاً إلا بإذنه، فإن فعلت جاعت وعطشت ولا يقبل منها، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن فعلت لعنتها ملائكة السماء، وملائكة الرحمة، وملائكة العذاب حتى ترجع» .

وأخرج البزار والطبراني في الأوسط عن عائشة قالت «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أعظم حقاً على المرأة؟

قال: زوجها.

قلت: فأي الناس أعظم حقاً على الرجل؟

قال: أمه» .

وأخرج البزار عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشر النساء اتقين الله والتمسن مرضاة أزواجكن، فإن المرأة لو تعلم ما حق زوجها لم تزل قائمة ما حضر غداؤه وعشاؤه» .

وأخرج البزار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو تعلم المرأة حق الزوج ما قعدت، ما حضر غداؤه وعشاؤه حتى يفرغ» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كنت آمراً بشراً يَسجدُ لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» .

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ولا تصعد لهم حسنة: العبد الآبق حتى يرجع إلى مواليه، والمرأة الساخط عليها زوجها، والسكران حتى يصحو» .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة: النبي في الجنة، والصديق في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، ورجل زار أخاه في ناحية المصر يزوره في الله في الجنة، ونساؤكم من أهل الجنة الودود العدود على زوجها، التي إذا غضب جاءت حتى تضع يدها في يده، ثم تقول: لا أذوق غمضاً حتى ترضى» .

وأخرج البيهقي عن زيد بن ثابت.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابنته: «إني أبغض أن تكون المرأة تشكو زوجها» .

وأخرج البيهقي عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لامرأة عثمان: «أي بنية أنه لا امرأة لرجل لم تأت ما يهوى وذمته في وجهه، وإن أمرها أن تنقل من جبل أسود إلى جبل أحمر، أو من جبل أحمر إلى جبل أسود.

فاستصلحي زوجك» .

وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «النساء على ثلاثة أصناف: صنف كالوعاء تحمل وتضع، وصنف كالبعير الجرب، وصنف ودود ولود تعين زوجها على إيمانه خير له من الكنز» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال: النساء ثلاث: امرأة عفيفة مسلمة هينة لينة ودود ولود تعين أهلها على الدهر ولا تعين الدهر على أهلها وقليل ما تجدها، وامرأة وعاء لم تزد على أن تلد الولد، وثالثة غل قمل يجعلها الله في عنق من يشاء، وإذا أراد أن ينزعه نزعه.

وأخرج البيهقي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه فقالت: بأبي أنت وأمي إني وافدة النساء إليك، وأعلم نفسي- لك الفداء- أنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا إلا وهي على مثل رأيي، إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أموالكم، فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟

فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال: «هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مُساءلتها في أمر دينها من هذه؟» فقالوا يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا؟

فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها ثم قال لها: «انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء إن حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته، يعدل ذلك ك» .

فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر استبشاراً.

وأخرج البيهقي عن أنس قال: جاء النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن: «يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل بالجهاد في سبيل الله، أفما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهنة إحداكن في بيتها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة باتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة» .

وأخرج أحمد عن أسماء بنت يزيد قالت: «مر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في نسوة فسلم علينا فقال: إياكن وكفران المنعمين.

قلنا يا رسول الله وما كفران المنعمين؟

قال: لعل إحداكن تطول أيمتها بين أبويها وتعنس فيرزقها الله زوجاً، ويرزقها منه مالاً وولداً، فتغضب الغضبة فتقول: ما رأيت منه خيراً قط» .

وأخرج البيهقي بسند منقطع عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أف للحمام حجاب لا يستر، وماء لا يطهر، ولا يحل لرجل أن يدخله إلا بمنديل، مر المسلمين لا يفتنوا نساءهم ﴿ الرجال قوّامون على النساء ﴾ علموهن ومروهن بالتسبيح» .

وأخرج أحمد وابن ماجه والبيهقي عن أبي أمامة قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابن لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حاملات والدات رحيمات، لولا ما يأتين إلى أزواجهن لدخل مصلياتهن الجنة» .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قالت امرأة: يا رسول الله ما جزاء غزوة المرأة؟

قال: «طاعة الزوج واعتراف بحقه» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي النساء خير؟

قال: «التي تسره إذا نظر، ولا تعصيه إذا أمر، ولا تخالفه بما يكره في نفسها وماله» .

وأخرج الحاكم وصححه عن معاذ.

أنه أتى الشام فرأى النصارى يسجدون لأساقفتهم ورهبانهم، ورأى اليهود يسجدون لأحبارهم ورهبانهم فقال: لأي شيء تفعلون هذا؟!

قالوا: هذا تحية الأنبياء.

قلت: فنحن أحق أن نصنع بنبينا!

فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «إنهم كذبوا على أنبيائهم كما حرَّفوا كتابهم، لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، ولا تجد امرأة حلاوة الإيمان حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على ظهر قتب» .

وأخرج الحاكم وصححه عن بريدة.

«أن رجلاً قال: يا رسول الله علمني شيئاً أزداد به يقيناً فقال: ادع تلك الشجرة فدعا بها فجاءت حتى سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال لها: ارجعي فرجعت.

قال: ثم أذن له فقبل رأسه ورجليه وقال: لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» .

وأخرج الحاكم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اثنان لا تجاوز صلاتهما رؤوسهما.

عبد آبق من مواليه حتى يرجع، وامرأة عصت زوجها حتى ترجع» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم.

العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عنها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون» .

وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل أنه قدم اليمن فسألته امرأة ما حق المرء على زوجته، فإني تركته في البيت شيخاً كبيراً؟

فقال: والذي نفس معاذ بيده لو أنك ترجعين إذا رجعت إليه، فوجدت الجذام قد خرق لحمه وخرق منخريه، فوجدت منخريه يسيلان قيحاً ودماً، ثم ألقمتيهما فاك لكيما تبلغي حقه ما بلغت ذاك أبدا.

وأخرج أحمد عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح أن يسجد بشر لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها.

والذي نفسي بيده لو أن من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنبجس بالقيح والصديد ثم أقبلت تلحسه ما أدت حقه» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس «أن رجلاً انطلق غازياً وأوصى امرأته لا تنزل من فوق البيت، فكان والدها في أسفل البيت فاشتكى أبوها، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تخبره وتستأمره، فأرسل إليها إتقي الله وأطيعي زوجك.

ثم إن والدها توفي فأرسلت إليه تستأمره، فأرسل إليها مثل ذلك.

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى عليه، فأرسل إليها أن الله قد غفر لأبيك بطواعيتك لزوجك» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن الحارث بن المصطلق قال: كان يقال أشد الناس عذاباً اثنان: امرأة تعصي زوجها، وإمام قوم وهم له كارهون.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري.

أن رجلاً أتى بابنته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ابنتي هذه أبت أن تتزوّج فقال لها: «أطيعي أباك.

فقالت: لا حتى تخبرني ما حق الزوج على زوجته.

فقال: حق الزوج على زوجته أن لو كان به قرحة فلحستها، أو ابتدر منخراه صديدا ودماً ثم لحسته ما أدت حقه.

فقالت: والذي بعثك بالحق لا أتزوج أبداً.

فقال: لا تنكحوهن إلا بإذنهن» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي لشيء أن يسجد لشيء، ولو كان ذلك لكان النساء يسجدن لأزواجهن» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه عن عائشة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولو أن رجلاً أمر امرأته أن تنتقل من جبل أحمر إلى جبل أسود، أو من جبل أسود إلى جبل أحمر، كان نولها أن تفعل» .

وأخرج ابن شيبة عن عائشة قالت: يا معشر النساء لو تعلمن حق أزواجكن عليكن لجعلت المرأة منكن تمسح الغبار عن وجهه بحر وجهها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: كانوا يقولون: لو أن امرأة مصت أنف زوجها من الجذام حتى تموت ما أدت حقه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس ﴿ واللاتي تخافون نشوزهن ﴾ قال: تلك المرأة تنشز وتستخف بحق زوجها ولا تطيع أمره، فأمره الله أن يعظها ويذكرها بالله ويعظم حقه عليها، فإن قبلت وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها شديد.

فإن رجعت وإلا ضربها ضرباً غير مبرح، ولا يكسر لها عظماً ولا يجرح بها جرحاً ﴿ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً ﴾ يقول: إذا أطاعتك فلا تتجن عليها العلل.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ نشوزهن ﴾ قال: بغضهن.

وأخرج عن ابن زيد قال: النشوز: معصيته وخلافه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن ﴾ قال: إذا نشزت المرأة عن فراش زوجها يقول لها: اتق الله وارجعي إلى فراشك، فإن أطاعته فلا سبيل له عليها.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ واللاتي تخافون نشوزهن ﴾ قال: العصيان ﴿ فعظوهن ﴾ قال: باللسان ﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ قال: لا يكلمها ﴿ واضربوهن ﴾ ضرباً غير مبرح ﴿ فإن أطعنكم ﴾ قال: إن جاءت إلى الفراش ﴿ فلا تبغوا عليهن سبيلاً ﴾ قال: لا تلمها ببغضها إياك فإن البغض أنا جعلته في قلبها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فعظوهن ﴾ قال: باللسان.

وأخرج البيهقي عن لقيط بن صبرة قال: «قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي امرأة في لسانها شيء- يعني البذاء- قال طلقها.

قلت: إن لي منها ولداً ولها صحبة.

قال: فمرها- يقول عظها- فإن يك فيها خير فستقبل، ولا تضربن ظعينتك ضربك أمتك» .

وأخرج أحمد وأبو داود والبيهقي عن أبي حرة الرقاشي عن عمه.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع» - قال حماد: يعني النكاح.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ قال: لا يجامعها.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ يعني بالهجران، أن يكون الرجل وامرأته على فراش واحد لا يجامعها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد ﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ قال: لا يقربها.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ قال: لا تضاجعها في فراشك.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من طريق أبي صالح عن ابن عباس ﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ قال: يهجرها بلسانه، ويغلظ لها بالقول، ولا يدع جماعها.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير عن عكرمة ﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ قال: الكلام والحديث، وليس بالجماع.

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: يرقد عندها ويوليها ظهره ويطؤها ولا يكلمها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير من طريق أبي الضحى عن ابن عباس ﴿ واهجروهن في المضاجع واضربوهن ﴾ قال: يفعل بها ذاك ويضربها حتى تطيعه في المضاجع، فإن أطاعته في المضجع فليس له عليها سبيل إذا ضاجعته.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: الهجران حتى تضاجعه، فإذا فعلت فلا يكلفها أن تحبه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في قوله: ﴿ واضربوهن ﴾ قال: ضرباً غير مبرح.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة في الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اضربوهن إذا عصينكم في المعروف، ضرباً غير مبرح» .

وأخرج ابن جرير عن حجاج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تهجروا النساء إلا في المضاجع، واضربوهن إذا عصينكم في المعروف ضرباً غير مبرح» يقول: غير مؤثِّر.

وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح؟

قال: بالسواك ونحوه.

وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن إياس بن عبد الله ابن أبي ذئاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تضربوا إماء الله.

فقال عمر: ذئرن النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن.

فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكين أزواجهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس أولئك خياركم» .

وأخرج ابن سعد والبيهقي عن أم كلثوم بنت أبي بكر قالت: كان الرجال نهوا عن ضرب النساء، ثم شكوهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخلى بينهم وبين ضربهن ثم قال: «ولن يضرب خياركم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن زمعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم؟!» .

وأخرج عبد الرزاق عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العبد، يضربها أول النهار ثم يضاجعها آخره» .

وأخرج الترمذي وصححه النسائي وابن ماجه عن عمرو بن الأحوص.

أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ، ثم قال: «أي يوم أحرم، أي يوم أحرم، أي يوم أحرم.

فقال الناس: يوم الحج الأكبر يا رسول الله.

قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ألا ولا يجني والد على ولده ولا ولد على والده، إلا إن المسلم أخو المسلم فليس يحل لمسلم من أخيه شيء إلا ما أحل من نفسه، ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون غير ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، وإن كل دم في الجاهلية موضوع وأول دم أضع من دم الجاهلية دم الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل، ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح ﴿ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً ﴾ ألا وإن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً.

فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، وإن حقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» .

وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته؟» وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ فلا تبغوا عليهن سبيلاً ﴾ قال: لا تلمها ببغضها إياك، فإن البغض أنا جعلته في قلبها.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن سفيان ﴿ فإن أطعنكم ﴾ قال: إن أتت الفراش وهي تبغضه ﴿ فلا تبغوا عليهن سبيلاً ﴾ لا يكلفها أن تحبه لأن قلبها ليس في يديها.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح» .

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه النسائي والبيهقي عن طلق بن علي.

سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا دعا الرجل امرأته لحاجته فلتجبه وإن كانت على التنور» .

وأخرج ابن سعد عن طلق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنع امرأة زوجها ولو كانت على ظهر قتب» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾ .

قال المفسرون: لطم رجل امرأته فجاءت إلى النبي  تطلب القصاص فنزلت هذه الآية (١) ومعنى ﴿ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾ : متسلطون (٢) (٣) قال ابن عباس: يعني أمِّروا عليهن، فعلى المرأة أن تطيع زوجها في طاعة الله (٤) والقوّام المبالغ في القيام، يقال: هذا قَيِّم المرأة وقوّامها، الذي يقوم بأمرها ويحفظها (٥) الله بيني وبين قيِّمها ...

يفرّ مني بِهَا وأتَّبِعُ (٦) وقال الزهري: لا قصاص بينهما إلا في النفس، فأما في الجِراحة فالدية ولا قِصاص (٧) وكان النبي  أوجب القصاص على الزوج باللّطْم، فلما نزلت هذه قال: "أردنا أمرًا وأراد الله أمرًا، والذي أراد الله خير" ورفع القصاص (٨) وقوله تعالى: ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد الله بما فضل الله الرجال على النساء (٩) قالوا: بالعقل والعلم والعزم والقوة في التصرف والجهاد والشهادة والميراث (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ .

يريد المهور والإنفاق عليهن، فالرجل له الفضل على امرأته بما ساق إليها من المهر وبما أنفق عليها من ماله (١١) وقوله تعالى: ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ ﴾ .

قال المفسرون: مطيعات لأزواجهن (١٢) (١٣) وقال الزجاج: قيمات بحقوق أزواجهن (١٤) وظاهر هذا إخبار، وتأويله الأمر لها بأن تكون طائعة (١٥) ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ ﴾ أي: الصالحات من اللواتي يُطِعن أزواجهن.

والقنوت لفظ الطاعة.

وهو عام في طاعة الله، وطاعة الزوج (١٦) وقوله تعالى: ﴿ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ ﴾ .

قال ابن عباس: يعني لا تدخل منزله من يكره، ولا تُوطئ فراشه أحدًا غيره، وتحفظه في نفسها وفيما يحق له بما استودعها الله (١٧) وقال قتادة وعطاء وسفيان (١٨) (١٩) (٢٠) وقال أبو روق (٢١) (٢٢) والغيب ههنا مصدر بمعنى المفعول، وهو المَغِيب عنه.

وقوله تعالى: ﴿ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾ .

قال المفسرون: أي بما حفظهن الله في إيجاب المهر والنفقة لهن، وإيصاء الزوج بهن.

ومعنى هذا أن الله راعاهن في حقوقهن وأوصى بهن إلى الأزواج، فعليهن في مقابله الحفظ للغيب وطاعة الله والزوج (٢٣) وما في قوله: ﴿ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى الذي، والعائد (إليه) (٢٤) ويحتمل أن يكون (ما) غير موصول، بمعنى المصدر، أي بحفظ الله (٢٥) (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد تعلمون نشوزهن (٢٧) قال الفراء: وهو كالظن؛ لأن الظانّ كالشاكّ والخائف قد يرجو، فلذلك ضارع الخوف الظن والعلم، ألا ترى أنك تقول للخبر يبلغك: أما والله لقد خِفت ذاك، وأنشد: أتاني كلامٌ عن نُصيبٍ يَقولُه ...

وما خِفْت يا سلَّام أنك عائِبِي (٢٨) كأنه قال: وما ظننت أنك عائبي (٢٩) ومضى الكلام في الخوف بمعنى العلم.

ويحتمل أن يكون الخوف ههنا الذي هو ضد الأمن، كأنه قيل: تخافون نشوزهن لعلمكم بالأحوال المؤذية (٣٠) (٣١) قال محمد بن كعب (٣٢) (٣٣) (٣٤) قال عطاء: هو أن لا تتعطّر له وتمنعه من نفسها، وتتغيّر عن أشياء كانت تفعلها به وعما كان يستلذ منها (٣٥) وأصل النشوز الترفع على الزوج بالخلاف، من قولهم: نشز الشيء، أي ارتفع، ومنه يقال للمرتفع من الأرض نشز (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ فَعِظُوهُنَّ ﴾ .

قال الكلبي: فعظوهن بكتاب، وذكروهن اللهَ وما أمرهن به (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ﴾ .

قال أبو زيد: هَجر الرجل هجرًا إذا تباعد ونأى (٣٨) وقال ابن المظفر: الهَجْر من الهجران وهو ترك ما يلزمك تعاهدُه (٣٩) قال ابن عباس وعكرمة والضحاك والسدي: المراد بالهجر ههنا أن يهجر كلامها، فلا يكلمها في المضجع (٤٠) قال ابن عباس: الهَجر أن لا يجامعها، ويوليها ظهره على الفراش، (ولا يكلمها) (٤١) (٤٢) وقال الشعبي ومجاهد وإبراهيم: المراد به هجر المضاجعة (٤٣) وهذا اختيار أبي إسحاق؛ لأنه قال في قوله: ﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ﴾ : أي في النوم معهن والقرب منهن، فإنهن إن كن يحببن أزواجهن شق عليهن الهجران في المضاجع، وإن كن مبغضات وافقهن ذلك، فكان ذلك دليلًا على أن النشوز منهن (٤٤) وروى أبو الضحى (٤٥) (٤٦) والمضاجع جمع المضجَع، وهو الموضع الذي يُضطجع عليه.

وذكرنا ذلك فيما تقدم.

وذهب الكلبي وسعيد بن جبير إلى أنّ قوله: ﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ ﴾ من الهجر الذي هو بمعنى القبيح من الكلام، يريد عنّفوهن وغلّظوا في القول لهن (٤٧) وقوله تعالى: ﴿ وَاضْرِبُوهُنَّ ﴾ .

يعني ضربا غير مبرح بإجماع (٤٨) قال ابن عباس: أدبًا بمثل اللكزة (٤٩) قال القُرخي، عن علي  : يعظُها بلسانه، فإنْ انتهت فلا سبيل له عليها، وإن أَبَت هَجَر مضجعًا، فإن أَبَت ضربها، فإن أبت أن تتّعظ بالضرب بُعِثَ الحكمان (٥٠)  قال: "لا تضربوا إماءَ الله" (٥١) ونهى عن ضرب النساء حتى ذَئِر النساء على أزواجهن (٥٢)  ، ونزلت الآية في ضربهن (٥٣) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ ﴾ .

أي فيما يُلتَمس منهن.

وقال السدي: أتينَ فُرشَكم (٥٤) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ﴾ .

قال ابن عباس: لا تتجنّوا عليهن العِلَل (٥٥) وقال عطاء: يريد ليس لك عليها سبيل في هجرها في المضجع، ولا في ضربها (٥٦) وقال الكلبي وسفيان بن عيينة: لا تُكلِّفوهن الحبّ لكم (٥٧) وقال الزجاج: لا يطلب عليهن طريق عنت (٥٨) (١) ورد في ذلك آثار عن التابعين كالحسن وقتادة، ومن بعدهم كالسدي وابن جريج ومقاتل والكلبي.

انظر: "الطبري" 5/ 85، "بحر العلوم" 1/ 351، "الكشف والبيان" 4/ 50، "أسباب النزول" للمؤلف ص 155 - 156، وذكر السيوطي بعض هذه الآثار في "لباب النقول" ص 68، وقال عَقِبها: فهذه شواهد يقوي بعضها بعضًا.

وانظر "الدر المنثور" 2/ 270.

(٢) هذه الكلمة غير واضحة تمامًا، وكأنها: يُسَلّطون والمعنى واحد، وفي "الوسيط" للمؤلف 2/ 527، جاءت هذه الكلمة: مُسلطون.

(٣) انظر: "الطبري" 5/ 57، "الكشف والبيان" 4/ 50 ب.

(٤) بنحوه ثابت عن ابن عباس في "تفسيره" ص 146، وأخرجه الطبري 5/ 57، وابن أبي حاتم.

انظر: "الدر المنثور" (271)، "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 246.

(٥) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 50 ب (٦) "معاني الزجاج" 2/ 47، والبيت للأحوص بن محمد الأنصاري كما في "الشعر == والشعراء" لابن قتيبة ص 345، وقد استشهد به ابن جني في "الخصائص" 2/ 128 دون نسبة، والبيت في الغزل.

وانظر: "غرائب التفسير" 1/ 295.

(٧) معنى الأثر عنه أخرجه الطبري 5/ 58، وابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" 2/ 271.

(٨) أخرجه بنحوه من حديث علي  ابن مردويه.

انظر: "الدر المنثور" 2/ 270، وابن جرير عن الحسن مرسلًا 5/ 58، والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، انظر: "الدر المنثور" 2/ 270 - 271، وذكره بهذا اللفظ عن مقاتل الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 50 أ، والمؤلف في "أسباب النزول" ص 155 - 156.

(٩) الأثر الوارد عن ابن عباس: فضله عليها بنفقته وسعيه، أخرجه الطبري 5/ 59 من طِريق ابن أبي طلحة، أي فضل الرجل على المرأة، فلعل المؤلف أراد معنى قول ابن عباس.

وأخرج هذا الأثر ابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 271.

(١٠) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 47، "بحر العلوم" 1/ 351، "الكشف والبيان" 4/ 50 ب، "زاد المسير" 2/ 74.

(١١) انظر: الطبري 5/ 57، "معاني الزجاج" 2/ 47.

(١٢) انظر: "تفسير ابن عباس" ص 146، "تفسير مجاهد" 1/ 155، الطبري 5/ 59، "بحر العلوم" 1/ 352، "الكشف والبيان" 4/ 51/ أ.

(١٣) انظر: الطبري 5/ 59، "تهذيب اللغة" 3/ 3054، "مقاييس اللغة" 5/ 31 (قنت).

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 47.

(١٥) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 170.

(١٦) انظر: "الطبري" 5/ 59، "بحر العلوم" 1/ 352.

(١٧) لم أقف عليه.

(١٨) لم يتبين هل هو سفيان الثوري أو سفيان بن عيينة، والراوي عن سفيان هنا هو ابن المبارك كما عند الطبري 5/ 60، وابن المبارك يروي عن الرجلين، انظر "سير أعلام النبلاء" 7/ 235، 8/ 456.

(١٩) هكذا في (أ)، (د) بالضاد المعجمة والفاء الموحدة، ولعل الصواب: صيانة (بالصاد والنون) كما في "زاد المسير" 2/ 75.

(٢٠) أخرج أقوال الثلاثة بنحو ذلك الطبري 5/ 59 - 60، وانظر "زاد المسير" 2/ 75، وابن كثير 1/ 537، "الدر المنثور" 2/ 272.

(٢١) هو عطية بن الحارث الهمداني الكوفي، مفسر مشهور، تقدم.

(٢٢) أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 530، ولم أقف عليه، وهو نحو قول السدى وغيره كما أخرج ذلك الطبري 5/ 61، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 207.

(٢٣) انظر: "معاني الفراء" 1/ 265، "معاني الزجاج" 2/ 47، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 413، "بحر العلوم" 1/ 352، "معالم التنزيل" 2/ 207.

(٢٤) في (د): (إلى الله).

(٢٥) انظر: "معاني الفراء" 1/ 265، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 413 - 414،== "مشكل إعراب القرآن" 1/ 197، "الكشف والبيان" 4/ 51 أ، "الدر المصون" 3/ 671.

(٢٦) الوجه الثاني من قوله: وأن يحفظهن الله ..

، وقد أشار إلى الوجهين السمين في "الدر المصون" 3/ 671.

(٢٧) أشار إلى قول ابن عباس هذا ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 75.

وانظر: "معاني الفراء" 1/ 265، "بحر العلوم" 1/ 352.

(٢٨) البيت لأبي الغول -علباء بن جوشن من بني قطن بن نهشل- انظر: "النوادر في اللغة" لأبي زيد ص 46، "الشعر والشعراء" ص 278، وهو في "الطبري" 5/ 61 غير منسوب.

(٢٩) "معاني القرآن" 1/ 265، 266، وانظر: "الطبري" 5/ 61، "زاد المسير" 2/ 75.

(٣٠) هكذا في (أ)، وفي (د) بدون إعجام الياء، فتمد تكون: (المؤذنة)، وهو الأرجح.

(٣١) انظر: الطبري 5/ 62.

(٣٢) هو أبو حمزة محمد بن كعب بن سليم بن أسد القُرَظي المدني من ثقات وعلماء التابعين، وهو من الصالحين والمشاهير في التفسير ومن المكثرين منه، وقد أخرج حديثه الجماعة، توفي -رحمه الله- سنة 120هـ.

انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 251، "التقريب" ص 504 رقم (6257).

(٣٣) أخرج الأثر عنه الطبري 5/ 64.

(٣٤) انظر: "الطبري" 5/ 62 - 63.

(٣٥) الذي عند الطبري 5/ 63 عن عطاء: النشوز أن تحب فراقه، والرجل كذلك.

(٣٦) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 119، الطبري 5/ 62، "معاني الزجاج" 2/ 47، "تهذيب اللغة" 4/ 3572 (نشز).

(٣٧) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 531 دون نسبة للكلبي، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 84.

(٣٨) "تهذيب اللغة" 4/ 3717 (هجر).

(٣٩) انظر: "التهذيب" 4/ 3718 (هجر).

(٤٠) أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 63 - 64، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 208، "زاد المسير" 2/ 76، "الدر المنثور" 2/ 277.

(٤١) تكررت هذه الكلمة في (د).

(٤٢) أخرجه الطبري 5/ 63 بمعناه (٤٣) الأثر عن مجاهد في "تفسيره" 1/ 156، وأخرجه عن الثلاثة الطبري 5/ 64، وانظر: "زاد المسير" 2/ 76.

(٤٤) "معاني الزجاج" 2/ 47.

(٤٥) هو مسلم بن صبيح الهمداني الكوفي العطار، مشهور بكنيته، تابعي ثقة فاضل، أخرج له الجماعة، توفي -رحمه الله- سنة مائة للهجرة.

انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 273 - 274، "سير أعلام النبلاء" 5/ 71، "التقريب" ص 528 رقم (6601).

(٤٦) الأثر عن أبي الضحى أخرجه الطبري 5/ 64، وسنده صحيح.

انظر: "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 270.

لكن لفظه: أنها لا تترك في الكلام ولكن الهجران في أمر المضجع فكأنه مناقض لنص المؤلف، لا سيما عند النظر إلى ما وجه المؤلف المعنى بعد هذا الأثر.

وأخرج الأثر أيضًا ابن أبي شيبة انظر: "الدر المنثور" 2/ 277، أما عن مسروق فلم أقف عليه.

(٤٧) لم أقف عليه، وانظر: "القرطبي" 5/ 171.

(٤٨) انظر: الطبري 5/ 67 - 70، والقرطبي 5/ 172، 173.

(٤٩) أخرج ابن جرير 5/ 68 عن عطاء قال: قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح؟

قال: السواك وشبهه يضربها به، وفي إسناده ضعف، انظر: "تحقيق المروي" عن ابن عباس، أما بهذا اللفظ عند المؤلف فلم أقف عليه.

وانظر: القرطبي 5/ 172.

(٥٠) لم أقف عليه.

(٥١) أخرجه الشافعي في "الأم" 5/ 193، وأبو داود (2146) كتاب النكاح، باب: في ضرب النساء، وابن ماجة (1985) كتاب النكاح، باب: ضرب النساء.

(٥٢) أي نَشزن ونَفرن وتغير خُلقهن واجْتَرأن عليهم.

انظر "اللسان" 1481 (ذَئِر).

(٥٣) هذا نحو كلام لعمر بن الخطاب عقب الحديث المرفوع المتقدم.

انظر "الأم" 5/ 193، "سنن أبي داود" (2146)، "سنن ابن ماجة" (1985).

(٥٤) لم أقف عليه، وأخرج الطبري 5/ 70 نحوه عن الثوري.

(٥٥) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 76، وأخرجه الطبري عن قتادة 5/ 70.

والمعنى: لا تتعدوا عليهن بنسبة علل لهن ليست فيهن، فإن ذلك جناية.

(٥٦) لم أقف عليه.

(٥٧) عن الكلبي انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 84، أما عن سفيان فأخرجه الطبري 5/ 70 بنحوه، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 51 ب، والبغوي 2/ 208، و"زاد المسير" 2/ 76.

(٥٨) "معاني الزجاج" 2/ 48.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الرجال قوامون عَلَى النسآء ﴾ قوّام بناء مبالغة من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه، قال ابن عباس: الرجال أمراء على النساء ﴿ بِمَا فَضَّلَ الله ﴾ الباء للتعليل، وما مصدرية، والتفضيل بالإمامة والجهاد، وملك الطلاق وكمال العقل وغير ذلك ﴿ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ ﴾ هو الصداق والنفقة المستمرة ﴿ فالصالحات قانتات ﴾ أي النساء الصالحات في دينهن مطيعات لأزواجهن، أو مطيعة لله في حق أزواجهن ﴿ حافظات لِّلْغَيْبِ ﴾ أي تحفظ كل ما غاب عن علم زوجها، فيدخل في ذلك صيانة نفسها، وحفظ ماله وبيته وحفظ أسراره ﴿ بِمَا حَفِظَ الله ﴾ أي بحفظ الله ورعايته، أو بأمره للنساء أن يطعن الزوج ويحفظنه، فما مصدرية أو بمعنى الذي ﴿ واللاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ قيل: الخوف هنا اليقين ﴿ فَعِظُوهُنَّ واهجروهن فِي المضاجع واضربوهن ﴾ هذه أنواع من تأديب المرأة إذا نشزت على زوجها وهي على مراتب: بالوعظ في النشوز بوجه من التأديب: لم يتعد إلى ما بعده، والهجران هنا هو ترك مضاجعتها، وقيل: ترك الجماع إذا ضاجعها، والضرب غير مبرح ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾ أي أطاعت المرأة زوجها فليس له أن يؤذيها بهجران ولا ضرب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: {يكفر{ و ﴿ يدخلكم ﴾ بياء الغيبة: المفضل.

الباقون بالنون.

﴿ مدخلاً ﴾ بفتح الميم وكذلك في الحج: أبو جعفر ونافع.

الباقون بالضم ﴿ واسئلوا ﴾ وبابه مما دخل عليه واو العطف أو فاؤه بغير همزة: ابن كثير وعلي وخلف وسهل وحمزة في الوقف.

﴿ عقدت ﴾ من العقد: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ عاقدت ﴾ من المعاقدة ﴿ بما حفظ الله ﴾ بالنصب: يزيد.

الباقون بالرفع.

﴿ والجار ﴾ بالإمالة: إبراهيم بن حماد وقتيبة ونصير وأبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو والنجاري عن ورش ﴿ والجار الجنب ﴾ بفتح الجيم وسكون النون: المفضل.

البقاون بضمتين ﴿ بالبخل ﴾ بفتحيتن حيث كان: حمزة وعلي وخلف والمفضل عباس مخير.

الباقون: بضم الباء وسكون الخاء.

﴿ حسنة ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو جعفر ونافع.

الباقون بالنصب ﴿ يضعفها ﴾ بالتشديد: ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب.

الباقون ﴿ يضاعفها ﴾ بالألف.

الوقوف: ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ على بعض ﴾ ط ﴿ مما اكتسبن ﴾ ط ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ والأقربون ﴾ ط بناء على أن ما بعد مبتدأ ﴿ نصيبهم ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ من أموالهم ﴾ ج لأن ما يتلوا مبتدأ ﴿ بما حفظ الله ﴾ ط ﴿ واضربوهن ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ سبيلاً ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ من أهلها ﴾ ج لأن " أن " للشرط مع اتحاد الكلام ﴿ بينهما ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ وابن السبيل ﴾ ط للعطف ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ فخوراً ﴾ ه لا بناء على أن الذين بدل ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ مهيناً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والعطف ﴿ باليوم الآخر ﴾ ط وإن جعل "الذين" مبتدأ لأن خبره محذوف أي فأولئك قرينهم الشيطان ﴿ قريناً ﴾ ه ﴿ رزقهم الله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ذرة ﴾ ط لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى أي لا يظلم بنقص الثواب ومع ذلك يضاعفه ﴿ عظيماً ﴾ ه.

التفسير: هذا كالتفصيل للوعيد المتقدم.

ومن الناس من قال: جميع الذنوب والمعاصي كبائر.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئاً منها فليستغفر الله فإنّ الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلاّ راجعاً عن الإسلام أو جاحداً فريضة أو منكراً لقدر.

وضعف بأن الذنوب لو كانت كلها كبائر لم يبق فرق بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر وبقوله  : ﴿ وكل صغير وكبير مستطر  ﴾ ﴿ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها  ﴾ وبأنه  نص على ذنوب بأعيانها أنها كبائر، وبقوله  : ﴿ وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان  ﴾ ولا بد من فرق بين الفسوق والعصيان.

فالكبائر هي الفسوق، والصغائر العصيان.

حجة المانع ما روي عن ابن عباس: أنّ الذنب إنما يكبر لوجهين: لكثرة نعم من / عصى فيه ولجلالته، ولا شك أن نعمه  غير متناهية وأنه أجل الموجودات فيكون عصيانه كبيراً.

وعورض بأنه أرحم الراحمين وأغنى عن طاعات المطيعين، وكل ذلك يوجب خفة الذنب وإن سلم أن الذنوب كلها كبائر من حيث إنها ذنوب ولكن بعضها أكبر من بعض وذلك يوجب التفاوت.

وإذ قد عرفت أن الذنوب بعضها صغائر وبعضها كبائر فالكبيرة تتميز عن الصغيرة بذاتها أو باعتبار فاعلها.

ذهب إلى كل واحد طائفة.

فمن الأولين من قال: ويروى عن ابن عباس كل ما جاء في القرآن مقروناً بذكر الوعيد فهو كبيرة كالقتل المحرم والزنا وأكل مال اليتيم وغيرها.

وزيف بأنه لا ذنب إلاّ وهو متعلق الذم عاجلاً والعقاب آجلاً فيكون كل ذنب كبيراً وهو خلاف المفروض.

وعن ابن مسعود أن الكبائر هي ما نهى الله  في الآيات المتقدمة، وضعف بأنه  ذكر الكبائر في سائر السور أيضاً فلا وجه للتخصيص.

وقيل: كل عمد فهو كبير.

ورُدّ بأنه إن أراد بالعمد أنه ليس بساهٍ فما هذا حاله فهو الذي نهى الله عنه فيكون كل ذنب كبيراً وقد أبطلناه، وإن أراد بالعمد أن يفعل المعصية مع العلم بأنها معصية فلا يكون كفر اليهود والنصارى كبيراً وهو باطل بالاتفاق.

وأما الذين يقولون الكبائر تمتاز عن الصغائر باعتبار فاعلها، فوجهه أنّ لكل طاعة قدراً من الثواب، ولكل معصية قدراً من العقاب.

فإذا وجد للإنسان طاعة ومعصية فالتعادل بين الاستحقاقين وإن كان ممكناً بحسب العقل إلاّ أنه غير ممكن بحسب السمع وإلاّ لم يكن مثل ذلك المكلف لا في الجنة ولا في النار وقد قال  : ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير  ﴾ فلا بد من ترجيح أحدهما، ويلزم حينئذٍ الإحباط والتكفير.

والحق في هذه المسألة وعليه الأكثرون بعد ما مرّ من إثبات قسمة الذنب إلى الكبير والصغير أنه  لم يميّز جملة الكبائر عن جملة الصغائر لما بين في هذه الآية أن الاجتناب عن الكبائر يوجب تكفير الصغائر.

فلو عرف المكلف جميع الكبائر اجتنبها فقط واجترأ على الإقدام على الصغائر، أما إذا عرف أنه لا ذنب إلاّ ويجوز كونه كبيراً صار هذا المعنى زاجراً له عن الذنوب كلها، ونظير هذا في الشرع إخفاء ليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، ووقت الموت في جملة الأوقات.

هذا ولا مانع من أن يبيّن الشارع في بعض الذنوب أنه كبيرة كما روي أنه  قال: " اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلاّ بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " وذكر عند ابن عباس أنها سبعة / فقال: هي إلى السبعين أقرب.

وفي رواية إلى السبعمائة.

وعن ابن عمر أنه عدّ منها: استحلال آميّن البيت الحرام وشرب الخمر.

وعن ابن مسعود: زيادة القنوط من رحمة الله والأمن من مكره.

وفي بعض الروايات عن النبي  زيادة قول الزور وعقوق الوالدين والسرقة.

وأما قول العلماء في الكبيرة فمنهم من قال: هي التي توجب الحد.

وقيل: هي التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص أو كتاب أو سنة.

وقيل: كل جريرة تؤذن بقلة اكتراث صاحبها بالدين.

وقيل: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار.

ويراد بالإصرار المداومة على نوع واحد من الصغائر، أو الإكثار منها وإن لم تكن من نوع واحد.

احتج أبو القاسم الكعبي بالآية على القطع بوعيد أهل الكبائر لأنها تدل على أنه إذا لم يجتنب الكبائر فلا تكفر عنه.

والجواب عنه أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج ويؤيده قوله تعالى: ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته  ﴾ وأداء الأمانة واجب أمنه أو لم يأمنه.

سلمنا أنّ الآية رجعت إلى قوله من لم يجتنب الكبائر لم يكفر عنه سيّئاته، فغايته أنه يكون عاماً في باب الوعيد.

والجواب عنه هو الجواب عن سائر العمومات، وهو أنه مشروط بعدم العفو عندنا كما أنه مشروط عندكم بعدم التوبة.

ثم قالت المعتزلة: إنّ عند اجتناب الكبائر يجب غفران الصغائر، وعندنا لا يجب على الله شيء بل كل ما يفعله فهو فضل وإحسان.

ويدخل في الاجتناب عن الكبائر الإتيان بالطاعات لأن ترك الواجب أيضاً كبيرة.

﴿ وندخلكم مدخلاً ﴾ فمن فتح الميم أراد مكان الدخول، ومن ضمها أراد الإدخال.

ووصفه بالكرم إشعار بأنه على وجه التعظيم خلاف إدخال أهل النار الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم، أو هو وصف باعتبار صاحبه.

ثم إنه  لما أمرهم بتهذيب أعمال الجوارح وهو أن لا يقدموا على أكل الأموال بالباطل وعلى قتل الأنفس، حثهم على تهذيب الأخلاق في الباطن.

أو نقول: لما نهاهم عن الأكل والقتل ولن يتم ذلك إلاّ بالرضا بالقضاء وتطييب القلب بالمقسوم المقدّر، فلا جرم قال: ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ قالت المعتزلة: التمني قول القائل: "ليته كذا".

وقال أهل السنة: هو عبارة عن إرادة ما يعلم أن يظن أنه لا يكون ولهذا قالوا: إنه  لو أراد من الكافر أن يؤمن مع علمه بأنه لا يؤمن كان متمنياً.

ثم مراتب السعادات إما نفسانية نظرية كالذكاء والحدس وحصول المعارف والحقائق، أو عملية كالأخلاق الفاضلة، وإما بدنية كالصحة والجمال والعمر، وإما خارجية كحصول الأولاد النجباء وكثرة العشائر والأصدقاء والرياسة التامة ونفاذ القول وكونه محبوباً للخلق حسن الذكر مطاع الأمر، فهذه مجامع السعادات.

وبعضها محض عطاء الله  ، وبعضها مما / يظن أنها كسبية.

وبالحقيقة كلها عطاء منه  فإنه لولا ترجيح الدواعي وإزالة العوائق وتحصيل الموجبات وتوفيق الأسباب فلأي سبب يكون السعي والجد مشتركاً فيه، والفوز بالبغية والظفر بالمطلوب غير مشترك فيه؟

وإذا كان كذلك فما الفائدة في الحسد غير الاعتراض على مدبر الأمور وكافل مصالح الجمهور؟

فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علماً بأن ما قسم له هو خير له، ولو كان خلافه لكان وبالاً عليه كما قال: ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض  ﴾ وفي الكلمات القدسية: " من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر نعمائي كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين.

ومن لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليخرج من أرضي وسمائي وليطلب رباً سوائي" قال المحققون: لا يجوز للإنسان أن يقول: اللهم أعطني داراً مثل دار فلان، وزوجة مثل زوجة فلان، وإن كان هذا غبطة لا حسداً، بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحاً لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي.

وعن الحسن: لا يتمن أحد المال فلعل هلاكه في ذلك المال.

أما سبب النزول فعن مجاهد قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من الميراث ضعف ما لنا فنزلت.

وعن قتادة والسدي: لما نزل قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين  ﴾ قال الرجال: نرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث.

وقال النساء: نرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال.

وفي رواية قلن: نحن أحوج لأن ضعفاءهم أقدر على طلب المعاش فنزلت.

وقيل: أتت وافدة النساء إلى الرسول وقالت: رب الرجال والنساء واحد، وأنت الرسول إلينا وإليهم، وأبونا آدم وأمنا حواء فما السبب في أن الله يذكر الرجال ولا يذكرنا؟

فنزلت الآية.

فقالت: وقد سبقنا الرجال بالجهاد فما لنا؟

فقال  : "إن للحامل منكن أجر الصائم القائم، وإذا ضربها الطلق لم يدر أحد ما لها من الأجر، فإن أرضعت كان لها بكل مصة أجر إحياء نفس" .

﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ من نعيم الدنيا وثواب الآخرة فينبغي أن يرضوا بما قسم لهم، وكذا للنساء، أو لكل فريق جزاء ما اكتسب من الطاعات فلا ينبغي أن يضيعه بسبب الحسد المذموم.

وتلخيصه لا تضيع ما لك بتمني ما لغيرك.

أو ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ بسبب قيامهم بالنفقة على النساء ﴿ وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ بحفظ فروجهن وطاعة أزواجهن والقيام بمصالح البيت ﴿ واسئلوا الله من فضله ﴾ فعنده من ذخائر الإنعام ما لا ينفده مطالب الأنام.

و "من" للتبعيض أي شيئاً من خزائن كرمه وطوله ﴿ إنّ الله كان بكل شيء / عليماً ﴾ فهو العالم بما يكون صلاحاً للسائلين، فليقتصر السائل على المجمل وليفوّض التفصيل إليه فإن ذلك أقرب إلى الأدب وأوفق للطلب.

قوله  وتعالى : ﴿ ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ يمكن تفسيره بحيث يكون الوالدان والأقربون وارثين وبحيث يكونان موروثاً منهما.

والمعنى على الأول: لكل أحد جعلنا ورثة في تركته.

ثم إنه كأنه قيل: ومَنْ هؤلاء الورثة؟

فقيل: هم الوالدان والأقربون فيحسن الوقف على قوله: ﴿ مما ترك ﴾ وفيه ضمير كل.

وأما على الثاني، فإما أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي ورثة، وإما أن يكون ﴿ جعلنا موالي ﴾ صفة ﴿ لكل ﴾ بل محذوف والعائد محذوف وكذا المبتدأ والتقدير: ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب مما ترك الوالدان والأقربون كما تقول: لكل من خلقه الله إنساناً من رزق الله.

أي حظ من رزق الله، والمولى لفظ مشترك بين معانٍ: منها المعتق لأنه ولي نعمته في عتقه، ومنها العبد المعتق لاتصال ولاية مولاه في إنعامه عليه، وهذا كما يسمى الطالب غريماً لأن له اللزوم والمطالبة بحقه، ويسمى المطلوب غريماً لكون الدين لازماً له.

ومنها الحليف لأن الحالف يلي أمره بعقد اليمين، ومنها ابن العم لأنه يليه بالنصرة ومنه المولى للناصر قال  : ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا  ﴾ ومنها العصبة وهو المراد في الآية إذ هو الأليق بها كقوله  : " أنا أولى بالمؤمنين من مات وترك مالاً فماله للموالي العصبة، ومن ترك كلاً فأنا وليّه " وأما قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ فإما أن يكون مبتدأ ضمن معنى الشرط، فوقع قوله: ﴿ فآتوهم ﴾ خبره.

وإما أن يكون منصوباً على قولك: "زيداً فاضربه" مما توسط الفاء بين الفعل ومفعول مفسره إيذاناً بتلازمهما وإما أن يكون معطوفاً على ﴿ الوالدان ﴾ والإيمان جمع اليمين اليد أو الحلف.

من الناس من قال: الآية منسوخة.

وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك أي ما يهدر، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف فنسخ بقوله: ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض  ﴾ وبقوله: ﴿ يوصيكم الله  ﴾ وأيضاً: إن الواحد منهم كان يتخذ إنساناً أجنبياً ابناً له وهم الأدعياء، وكان النبي  يؤاخي بين كل رجلين منهم، فكانوا يرثون بالتبني والمؤاخاة فنسخ، ومن المفسرين من زعم أنها غير منسوخة، وقوله: ﴿ والذين ﴾ معطوف على ما / قبله.

والمعنى: أن ما ترك الذين عقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به فلا تدفعوا المال إلى الحليف بل إلى الوارث، فيكون الضمير في ﴿ فآتوهم ﴾ للموالي قاله أبو علي الجبائي.

أو المراد بالذين عاقدت الزوج والزوجة، والنكاح يسمى عقداً بين ميراث الزوج والزوجة بعد ميراث الولد والوالدين كما في قوله: ﴿ يوصيكم الله  ﴾ قاله أبو مسلم.

وقيل: المراد الميراث الحاصل بسبب الولاء.

وقيل: هم الحلفاء.

والمراد بإتياء نصيبهم النصرة والنصيحة والمصافاة.

وقال الأصم: المراد التحفة بالشيء القليل كقوله: ﴿ وإذا حضر القسمة  ﴾ وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يرث المولى الأسفل من الأعلى.

وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أنه قال: يرث، لما روى ابن عباس "أن رجلاً أعتق عبداً له فمات المعتق ولم يترك إلاّ العتيق فجعل رسول الله  ميراثه للغلام" .

والحديث عند الجمهور محمول على أن المال صار لبيت المال ثم دفعه النبي  إلى الغلام لفقره، وقال أبو حنيفة: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح وورث بحق الموالاة، وخالفه الشافعي فيه.

وحكى الأقطع أن هذه المولاة لا تصح عند أبي حنيفة أيضاً إلا بين العرب دون العجم لرخاوة عقدهم في أمورهم، ﴿ إنّ الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ لأنه عالم بجميع الجزئيات والكليات فشهد على الخلق يوم القيامة بكل ما عملوه، وفيه وعيد للعاصين، ووعد للمطيعين.

هذا وقد مر أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهم في الميراث ونحوه، فذكر في هذه الآية ما يشتمل على بعض أسباب التفضيل فقال: ﴿ الرجال قوّامون ﴾ يقال: هذا قيم المرأة وقوّامها بناء مبالغة للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها كما يقوم الوالي على الرعية ومنه سمي الرجال قوّاماً.

والضمير في بعضهم للرجال والنساء جميعاً أي إنما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل الله بعضهم - وهو الرجال - على بعض - وهم النساء.

وقيل: وفيه دليل على أن الولاية إنما تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة والقهر.

وذكروا في فضل الرجال العقل والحزم والعزم والقوة والكتابة في الغالب والفروسية والرمي، وأن منهم الأنبياء والعلماء والحكماء، وفيهم الإمامة الكبرى وهي الخلافة، الصغرى وهو الاقتداء بهم في الصلاة، وأنهم أهل الجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق وفي الأنكحة عند الشافعي، وزيادة السهم في الميراث والتعصيب فيه، والحمالة تحمل الدية في القتل الخطأ، والقسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج وإليهم الانتساب، وكل ذلك يدل على فضلهم، وحاصلهم يرجع إلى العلم والقدرة.

ومنها سبب خارجيّ وذلك أنهم فضلوا عليهن بما أنفقوا أي أخرجوا في نكاحهن من أموالهم مهراً / ونفقة.

عن مقاتل "أن سعد بن الربيع، وكان من نقباء الأنصار، نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فلطمها.

فانطلق بها أبوها إلى رسول الله  وقال: افرشته كريمتي فلطمها.

فقال رسول الله  : لتقتص منه، وكانت قد نزلت آية القصاص، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبي  : ارجعوا هذا جبيرل أتاني وأنزل الله هذه الآية.

فقال النبي  : أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير ورفع القصاص" .

فلهذا قال العلماء: لا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس ولو شَجها ولكن يجب العقل، وقيل: لا قصاص إلاّ في الجرح والقتل، وأما في اللطمة ونحوها فلا.

ثم قسم النساء قسمين، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات مطيعات لله وللزوج حافظات للغيب قائمات بحقوق الزوج في غيبته، والغيب خلاف الشهادة.

ومواجب حفظ غيبة الزوج أن تحفظ نفسها عن الزنا لئلاّ يلحق الزوج العار بسبب زناها، ولئلاّ يلحق به الولد الحاصل من نطفة غيره، وأن تحفظ أسراره عن الإفشاء وماله عن الضياع ومنزلها عما لا ينبغي شرعاً وعرفاً.

عن النبي  : " خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها وتلا الآية" و "ما" في قوله: ﴿ بما حفظ الله ﴾ موصولة والعائد محذوف أي بالذي حفظه الله لهن أي عليهن أن يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن حيث أمرهم بالعدل فيهن في قوله: ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان  ﴾ فقوله: ﴿ بما حفظ الله ﴾ يجري مجرى قولهم "هذا بذاك" أي هذا في مقابلة ذاك، أو مصدرية والمعنى: أنهن حافظات للغيب بحفظ الله إياهن فإنهن لا يتيسر لهن حفظ الغيب إلاّ بتوفيق الله، أو بما حفظهن حين وعدهن الثواب العظيم على الأمانة، وأوعدهن العذاب الشديد على الخيانة.

ومن قرأ ﴿ بما حفظ الله ﴾ بالنصب فـ "ما" أيضاً موصولة أي بالأمر الذي يحفظ حق الله وأمانته وهو التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم، أو مصدرية أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره فإن المرأة لولا أنها تحاول رعاية تكليف الله وتجتهد في حفظ أوامره وإلا لما أطاعت زوجها.

ثم ذكر غير الصالحات منهن فقال: ﴿ واللاتي تخافون ﴾ تعرفون بالقرائن والأمارات ﴿ نشوزهن ﴾ عصيانهن والترفع عليكم بالخلاف من نشز الشيء ارتفع، ومنه نشز للأرض المرتفعة ﴿ فعظوهن ﴾ وهو أن يقول: اتقي الله فإن لي عليك حقاً، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي عليك فرض ونحو ذلك.

﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ أي في المراقد أي لا تداخلوهن تحت اللحف، وقيل: هو أن يوليها ظهره في المضجع.

وقيل: في المضاجع أي ببيوتهن التي يبتن فيها أي لا / تبايتوهن.

وفي ضمن الهجران الامتناع من كلامها.

ولكن ينبغي أن لا يزيد في هجره الكلام على ثلاث، فإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها فتركت النشوز، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران فكان ذلك دليلاً على كمال نشوزها فيباح الضرب وذلك قوله: ﴿ واضربوهن ﴾ والأولى ترك الضرب لما روي أنه  قال: " "لا تضربوا إماء الله فجاء عمر إلى رسول الله  فقال: ذئرت النساء على أزواجهن أي اجترأن فرخص في ضربهن.

فأطاف بآل رسول الله  نساء كثير يشكون أزواجهن فقال رسول الله  : لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم " ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيراً ممن لم يضربوا.

وإذا ضربها وجب أن لا يكون مفضياً إلى الهلاك ألبتة، وأن يكون مفرقاً على بدنها لا يوالي به في موضع واحد، ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن، وأن يكون دون الأربعين.

وقيل: دون عشرين لأنه حد كامل في شرب العبد، ومنهم من لا يرى الضرب بالسياط ولا بالعصا.

وبالجملة فالتخفيف مرعي في هذا الباب ولهذا قال علي بن أبي طالب: يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين.

وقال آخرون: هذا الترتيب مرعي عند خوف النشوز، فأما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل.

وروي عن النبي  : " "علق سوطك حيث يراه أهلك " ﴿ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً ﴾ بالأذى والتوبيخ، واجعلوا ما كان منهم كأن لم يكن ﴿ إن الله كان علياً ﴾ لا بالجهة ﴿ كبيراً ﴾ لا بالجثة ﴿ فاحذروا ﴾ واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على أزواجكم وأرقائكم.

روي "أن أبا مسعود الأنصاري رفع سوطه ليضرب غلاماً له فبصر به رسول الله  فصاح به: أبا مسعود، الله أقدر منك عليه.

فرمى بالسوط وأعتق الغلام" .

وفيه أنه مع علوه وكبرياء سلطانه تعصونه فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو إذا رجع الجاني عليكم، أو أنه مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون فكذلك لا تكلفوهن محبتكم فلعلهن لا يقدرن على ذلك، أو أنه مع علو شأنه وكبريائه يكتفي من العبيد بالظواهر ولا يهتك السرائر فأنتم أجدر بأن لا تفتشوا عما في قلبها من الحب والبغض إذا صلح حالها في الظاهر، أو أنهن إن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم فالله  قادر قاهر ينتصف لهن منكم.

ثم بيّن أنه ليس بعد الضرب إلا المحاكمة فقال: ﴿ وإن خفتم ﴾ قال ابن عباس: أي علمتم وذلك لإصرارها على النشوز حيث لم يؤثر فيها الوعظ والهجران والضرب.

واعترض / عليه الزجاج بأنه إذا علم الشقاق قطعاً فلا حاجة إلى الحكمين.

وأجيب بأن الشقاق معلوم إلاّ أنا لا نعلم أن سبب الشقاق منه أو منها، فالحاجة إلى الحكمين لهذا المعهنى.

أو نقول: المراد إزالة الشقاق في الاستقبال، ومعنى ﴿ شقاق بينهما ﴾ شقاقاً بينهما، فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع وهو إجراء الظرف مجرى المفعول به، أو على جعل البين مشاقاً مثل "نهاره صائم" والضمير للزوجين يدل عليهما مساق الكلام، أو ذكر الرجال والنساء ﴿ فابعثوا حكماً من أهله ﴾ رجلاً مقنعاً رضاً يصلح لحكومة الإصلاح بينهما ويهتدي إلى المقصود من البعث.

ولا بد فيه من العقل والبلوغ والحرية والإسلام، ويستحب أن يكون الحكمان من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن أحوالهما وتسكن إليهما نفوس الزوجين، فيبرزان لهما ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة، وموجبات كل من الأمرين.

وينبغي أن يخلو حكم الرجل بالرجل وحكم المرأة بالمرأة فيعرفان ما عندهما وما فيه رغبتهما، وإذا اجتمعا لم يخف أحدهما عن الآخر ما علم.

ثم المبعوثان وكيلان من جهة الزوجين أو موليان من جهة الحكام المخاطبين بقوله: ﴿ فابعثوا ﴾ فيه للشافعي قولان:- أصحهما وبه قال أبو حنيفة وأحمد - أنهما وكيلان لأن البضع حق الزوج والمال حق الزوجة وهما رشيدان.

والخطاب في قوله: ﴿ فإن خفتم ﴾ وفي ﴿ فابعثوا ﴾ لصالحي الأمة لأنه يجري مجرى دفع الضرر، فلكل أحد أن يقوم به.

وثانيهما - وبه قال مالك - أنهما موليان لأنه  سماهما الحكمين.

ولما روي أن علياً  بعث حكمين من زوجين فقال: أتدريان ما عليكما؟

عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا وإن رأيتما أن تفرّقا ففرقا.

وعلى الأول يوكل الرجل الذي هو من أهله بالطلاق وبقبول العوض في الخلع، والمرأة الآخر ببذل العوض وقبول الطلاق، ولا يجوز بعثهما إلا برضاهما فإن لم يرضيا ولم يتفقا على شيء أدب القاضي الظالم واستوفى حق المظلوم.

وعلى الثاني لا يشترط رضا الزوجين في بعث الحكمين.

﴿ إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما ﴾ فيه أربعة أوجه.

الأول: إن يرد الحكمان خيراً يوفق الله بين الحكمين حتى يتفقا على ما هو خير.

الثاني: إن يرد الزوجان إصلاحاً أبدل الله الزوجين بالشقاق وفاقاً.

الثالث: إن يرد الحكمان إصلاحاً يؤلف الله بين الزوجين.

الرابع: إن يرد الزوجان خيراً يوفق الله بين الحكمين حتى تتفق كلمتاهما ويحصل الغرض، والتوفيق جعل الأسباب موافقة للغرض ولا يستعمل إلا في الخير والطاعة.

وفيه أنه لا يتم شيء من الأغراض إلاّ بتوفيق الله  وتيسيره ﴿ إنّ الله كان عليماً خبيراً ﴾ فيوفق بين المختلفين ويجمع بين المفترقين بمقتضى علمه وإرادته.

وفيه وعيد للزوجين والحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق ووعد على الجد في حسم مادة الخصومة والخشونة.

/ ثم أرشد إلى مجامع الأخلاق الحسنة بقوله: ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ﴾ فإن من عبد الله وأشرك به شيئاً آخر فقد حبط عمله وضل سعيه ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ تقديره وأحسنوا بهما إحساناً.

يقال: أحسن بفلان وإلى فلان.

﴿ وبذي القربى واليتامى والمساكين ﴾ وقد مر تفاسيرها في البقرة.

قال أبو بكر الرازي: إن اضطر إلى قتل أبيه بأن يخاف أن يقتله إن ترك قتله جاز له أن يقتله ﴿ والجار ذي القربى ﴾ الذي قرب جواره ﴿ والجار الجنب ﴾ الذي بعد جواره.

عن النبي  : " لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه، ألا وإن الجوار أربعون داراً " وعن الزهري أنه أراد أربعين من كل جانب.

وقيل: الجار ذي القربى الجار القريب النسب، والجار الجنب الأجنبي.

والتركيب يدل على البعد، ومنه الجانبان للناحيتين، والجنبان لبعد كل منهما عن الآخر، ومنه الجنابة لبعده عن الطهارة وعن حضور الجماعة والمسجد ما لم يغتسل.

ومن قرأ ﴿ الجنب ﴾ فمعناه المجنوب مثل "خلق" بمعنى مخلوق، أو المراد ذي الجنب فحذف المضاف ﴿ والصاحب الجنب ﴾ وهو الذي حصل بجنبك إما رفيقاً في سفر، وإما جاراً ملاصقاً، وإما شريكاً في تعلم أو حرفة، وإما قاعداً إلى جنبك في مجلس، أو في مسجد أو غير ذلك من أدنى صحبة اتفقت بينك وبينه، فعليك أن تراعي ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان، وقيل: الصاحب بالجنب المرأة فإنها تكون معك وتضطجع إلى جنبك ﴿ وابن السبيل ﴾ المسافر الذي انقطع عن بلده، أو الضيف ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ عن علي بن أبي طالب أنه كان آخر كلام رسول الله  ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ وذكر اليمين تأكيد كما يقال: مشيت برجلي.

والإحسان إليهم أن لا يكلفهم فوق طاقتهم ولا يؤذيهم بالكلام الخشن، بل يعاشروهم معاشرة جميلة ويعطيهم من الطعام والكسوة ما يليق بحالهم في كل وقت.

وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الإماء البغاء وهو الكسب بفروجهن، ويضعون على العبيد الخراج الثقيل.

وقيل: كل حيوان فهو مملوك.والإحسان إلى كل نوع بما يليق بحاله طاعة عظيمة ﴿ إنّ الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ﴾ تياهاً جهولاً يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه، وعن الالتفات إلى حالهم والتفقد لهم والتحفي بهم، ويأنف من أقاربه إذا كانوا فقراء ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء.

وأصله من الخيلاء الكبر، والفخور المتطاول الذي يعد مناقبه، وعن ابن عباس هو الذي يفخر على عباد الله  بما أعطاه من أنواع نعمه، ولعل هذا يجوز على سبيل التحدث بالنعم فقط ﴿ الذين يبخلون ﴾ البخل في اللغة منع الإحسان، وفي الشرع منع / الواجب.

وفيه أربع لغات: البخل مثل الفقر، والبخل بضم الباء وسكون الخاء، وبضمهما، وبفتحهما.

وسبب النظم أن الإحسان إلى الأصناف المذكورين إنما يكون في الأغلب بالمال فذم المعرضين عن ذلك الإحسان لحب المال، ويحتمل أن يشمل البخل بالعلم أيضاً، أي يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم مقتاً للسخاء وهذه نهاية البخل.

وفي أمثالهم "أبخل من الضنين بنائل غيره" وقد عابهم بكتمان نعمة الله وما آتاهم من فضل الغنى حتى أوهموا الفقر مع الغنى، والإعسار مع اليسار، والعجز مع الإمكان فخالفوا سنة نبي الله  حيث قال  : " "إنّ الله  يحب أن يرى على عبده أثر نعمته " وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره فنم به عنده، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك فأعجبه كلامه.

ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر مثل أن يظهر الشكاية من الله  ولا يرضى بقضائه فلذلك قال: ﴿ وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ ويحتمل أن يراد كافر النعمة لا كافر الإيمان.

وقال ابن عباس: إنّ الآية في اليهود، كانوا يأتون رجالاً من الأنصار يخالطونهم وينتصحون لهم يقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون.

وأيضاً وإنهم كتموا صفة محمد ولم يبينوها للناس.

ثم لما ذمّ الذين لا ينفقون أموالهم عطف عليهم الذين ينفقون أموالهم ولكن ريا وفخاراً وليقال ما أسخاهم وما أجودهم لا ابتغاء وجه الله، ومثل هذا الإنفاق دليل على أنه لا يؤمن بالله واليوم الآخر وإلاّ أنفق لله أو للآخرة ﴿ ومن يكن الشيطان له قريناً ﴾ في الدنيا آمراً بالبخل والفحشاء ﴿ فساء قريناً ﴾ في الآخرة يقرن به في النار.

ثم استفهم على سبيل الإنكار فقال: ﴿ وماذا عليهم ﴾ أي أيّ تبعة ووبال عليهم؟

أو ما الذي عليهم في باب الإيمان والإنفاق في سبيل الله؟

والمراد التوبيخ وإلاّ فكل منفعة في ذلك كما يقال للمنتقم: ما ضرك لو عفوت؟

وللعاق: ما كان يرزؤك لو كنت باراً؟

﴿ وكان الله بهم عليماً ﴾ بعث على إصلاح أفعال القلوب التي يطلع عيلها علام الغيوب، وردع عن دواعي النفاق والرياء والسمعة والفخار.

احتج القائلون بأن الإيمان يصح على سبيل التقليد بأن قوله: ﴿ وماذا عليهم لو آمنوا ﴾ مشعر بأن الإتيان بالإيمان في غاية السهولة والاستدلال في غاية الصعوبة.

وأجيب بأن الصعوبة في الإيمان الاستدلالي التفصيلي لا الإجمالي.

وقال جمهور المعتزلة: لو كانوا غير قادرين لم يقل: ﴿ وماذا عليهم ﴾ كما لا يقال للمرأة ماذا عليها لو كانت رجلاً، وللقبيح ماذا عليه لو كان جميلاً.

وأجيب بعدم التحسين والتقبيح العقليين وأنه لا يسأل عما يفعل.

/ ثم رغب في الإيمان والطاعة قائلاً: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ والمثقال مفعال من الثقل كالميزان من الوزن.

والذرة النملة الصغيرة.

وعن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها ثم قال: كل واحد من هذه الأشياء ذرة، وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكوّة ذرة.

وانتصاب ﴿ مثقال ﴾ على أنه مفعول ثان أي لا ينقص الناس مثقال ذرة، أو على المصدر أي ظلماً قدر مقدارها، وأراد نفي الظلم رأساً إلا أنه أخرج الكلام على أصغر المتعارف.

وهذه الآية مما يتمسك به المعتزلة في أنه  غير خالق لأعمال العباد وإلا كان ظلمهم منسوباً إليه، وفي أن العبد يستحق الثواب على طاعته وإلا كان منعه عنه ظلماً.

وأجيب بأنه إذا كان متصرفاً في ملكه كيف شاء فلا يتصور منه ظلم أصلاً.

وقد يحتج الأصحاب ههنا على صحة مذهبهم في عدم الإحباط بأن عقاب شرب قطرة من الخمر لو كان مزيلاً لطاعات سبعين سنة كان ظلماً، وفي عدم وعيد الفساق بأن عقاب شرب جرعة من الخمر لو كان دائماً مخلداً لزوم إبطال ثواب إيمان سبعين سنة وهو ظلم.

ثم قال: ﴿ وإن تك ﴾ حذفت النون من هذه الكلمة بعد سقوط الواو بالتقاء الساكنين لأجل التخفيف وكثرة الاستعمال.

من قرأ ﴿ حسنة ﴾ بالرفع فعلى "كان" التامة، ومن قرأ بالنصب فالتأنيث في ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى مؤنث.

والمراد بالمضاعفة ليس هو المضاعفة بالمدة لأن مدة الثواب غير متناهية وتضعيف غير المتناهي محال، بل المراد المضاعفة بحسب المقدار، كأن يستحق عشرة أجزاء من الثواب فيجعله عشرين أو ثلاثين.

عن ابن مسعود أنه قال: "يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأويلن والآخرين: هذا فلان ابن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه، ثم يقال له: أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب ومن أين وقد ذهبت الدنيا؟

فيقول الله لملائكته: انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها الله  لعبده وأدخله الجنة بفضل رحمته" ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ قال الحسن: الوعد بالمضاعفة أحب عند العلماء مما لو قال في الحسنة الواحدة مائة ألف حسنة، لأن هذا يكون مقداره معلوماً، أما على هذه العبارة فلا يعلم كميته إلاّ الله  .

وعن أنس أن رسول الله  قال: " "إنّ الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة.

وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها" أما قوله: ﴿ ويؤت من لدنه أجراً عظيماً ﴾ فإن ﴿ لدن ﴾ بمعنى عند إلا أن لدن أكثر تمكناً.

يقول الرجل: عندي مال وإن كان المال ببلد آخر.

ولا يقول: لديّ مال إلاّ إذا كان بحضرته.

والمعتزلة حملوا / المضاعفة على القدر المستحق وهذا الثاني على الفضل التابع للأجر.

ويمكن أن يقال: الأول إشارة إلى السعادات الجسمانية، والثاني إشارة إلى اللذات الروحانية والله أعلم.

التأويل: جملة الكبائر مندرجة تحت ثلاث: إحداها اتباع الهوى وينشأ منه البدع والضلالات وطلب الشهوات وحظوظ النفس بترك الطاعات، وثانيتها حب الدنيا وينشعب منه القتل والظلم وأكل الحرام، وثالثتها رؤية غير الله وهو الشرك والرياء والنفاق وغيرها.

ثم أخبر أن الدين ليس بالتمني فقال: ﴿ ولا تتمنوا ﴾ فإنه لا يحصل بالتمني ولكن ﴿ للرجال ﴾ المجتهدين في الله ﴿ نصيب ﴾ مما جدوا في طلبه ﴿ وللنساء ﴾ وهم الذين يطلبون من الله غير الله ﴿ نصيب ﴾ على قدر همتهم في الطلب ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ فيه معنيان: سلوه من فضله الخاص وهو العلم اللدني ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً  ﴾ أو سلوه منه ولا تسألوه من غيره ﴿ ولكل جعلنا موالي ﴾ لكل طالب صادق جعلنا استعداداً في الأزل للوراثة مما ترك والداه وأقرباؤه، طلبه لعدم الاستعداد والمشيئة.

والذين جرى بينكم وبينهم عقد الأخوة في الله ﴿ فآتوهم ﴾ بالنصح وحسن التربية والتسليك ﴿ نصيبهم ﴾ الذي قدّر لهم ﴿ الرجال قوّامون على النساء ﴾ بمصالح دينهن ودنياهن بتفضيل الله وهو استعداد الخلافة والوراثة ﴿ وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ أي تجريدهم عن الدنيا وتفريدهم للمولى.

﴿ فالصالحات ﴾ اللاتي يصلحن للكمال ﴿ قانتات ﴾ مطيعات لله لهن قلوب ﴿ حافظات ﴾ لواردات الغيب ﴿ بما حفظ الله ﴾ عليهن حقائق الغيب وأسراره.

﴿ واللاتي تخافون نشوزهن ﴾ إذا دارت عليهن كؤوس الواردات كما قيل: فأسكر القوم دور كاس *** وكان سكري من المدير ﴿ فعظوهن ﴾ باللسان وخوّفوهن بالهجران ليتأدب السكران ﴿ واضربوهن ﴾ بسوط الانفصال وفراق الإخوان كما كان حال الخضر مع موسى حيث قال: ﴿ هذا فراق بيني وبينك  ﴾ هذا قانون أرباب الكمال إذا رأوا من أهل الإرادة إمارات الملال أو عربدة من غلبات الأحوال.

﴿ وإن خفتم ﴾ شقاقاً بين الشيخ الواصل والمريد المتكامل ﴿ فابعثوا ﴾ متوسطين من المشايخ الكاملين ومن السالكين المعتبرين ﴿ إن يريدا إصلاحاً ﴾ بينهما بما رأيا فيه صلاحهما ﴿ يوفق الله بينهما ﴾ بالإرادة وحسن التربية ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ﴾ من الدنيا والعقبى لتتخلقوا بأخلاق الله وتحسنوا إلى الواليدن وغيرهما ﴿ إحساناً ﴾ بلا شرك ورياء وفخر وخيلاء والله ولي والتوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ ﴾ .

قال أهل التأويل: الآية نزلت في الأزواج؛ دليله قوله -  -: ﴿ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ﴾ والأزواج هم المأخوذون بنفقة أزواجهم، وفيه دليل وجوب نفقة المرأة على زوجها، وعلى ذلك إجماع أهل العلم.

وقال بعض أهل العلم في قوله -  -: ﴿ ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ ﴾ - دليل ألا يجوز النكاح إلا بالولي، حيث أخبر أنهم القوامون عليهن دونهن.

قيل له: إن كانت الآية في الأزواج وفي الأولياء على ما ذكرت ففيه دليل جواز النكاح بغير ولي لا بطلانه، وذلك قوله -  -: ﴿ ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ أخبر أنه فضل بعضهم على بعض، وذلك التفضيل تفضيل خلقة، وهو أن جعل الرجال من أهل المكاسب والتجارات، والقيام بأنواع الحرف، والتقلب في البلدان والمدائن، والنساء ليس كذلك؛ بل جعلهن ضعفاء عاجزات عن القيام بالمكاسب والحرف والتقلب في حاجاتهن؛ فالرجال هم القوامون عليهنّ.

والون أمورهن، وقاضون حوائجهن، قائمون على ذلك، ففرض على الرجال القيام بمصالحهن كما ذكرنا مع ما فرض ذلك على الرجال، يجوز إذا ولين بأنفسهن وقمن بحوائجهن من البياعات، والأشربة، وغير ذلك؛ فعلى ذلك النكاح، وإن كان الرجال هم القوَّام عليهن، فإنهن إذا ولين ذلك بأنفسهن وقمن - جاز ذلك كما جاز غيره، وكذا ما أمر الأولياء بالتزويج في قوله -  -: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ...

﴾ الآية [النور: 32]، ونهاهم عن العضل عن النكاح بقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ...

﴾ الآية [البقرة: 232]؛ لأن ذلك حق عليهم أن يفعلوا حتى يلين ذلك بأنفسهن؛ إذ لا بد من حضور مشهد الرجال ومجلسهم ليشهدوا على ذلك، فذلك على الأولياء القيام به.

وكهذا ما جعل نفقتهن إذا لم يكن لهن مال على محارمهن؛ لأنهن لا يقمن بالمكاسب وأنواع الحرف والتجارات، والرجال يقومون، فجعل مؤنتهن عليهم؛ لضعفهن وعجزهن عن القيام بالمكاسب خلقة؛ ولهذا ما لم يجعل للذكور من المحارم بعضهم على بعض النفقة؛ لما يقومون بالمكاسب؛ فإذا صار زَمِناً وعجز عن المكاسب جعل نفقته على محارمه؛ لأنه صار في الخلقة كالمرأة، والله أعلم.

وعن ابن عباس -  - في قوله: ﴿ ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ قال: أمراء عليهن أن تطيعه فيما أمر الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهلها، حافظة لماله، وفضله عليها بنفقته وسعته.

وقيل: "نزلت الآية في رجل لطم امرأته لطمة في وجهها؛ فنشزت عن فراش زوجها، واستعدت إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله، لطمني زوجي فلان لطمة، وهذا أثر يده في وجهي؛ فقال لها رسول الله  : اقْتَصِّي مِنْهُ، وكان القصاص بينهم يومئذٍ بين الرجال والنساء في اللطمة والشجة والضربة، ثم أبصر النبي  جبريل -  - ينزل، فقال لها: كُفِّي حَتَّى أَنْظُرَ مَا جَاءَ بِهِ جِبْرِيْلُ فِي أَمْرِكِ، فأتاه بهذه الآية: ﴿ ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ " أي: المسلّطون على آداب النساء في الحق.

وقيل: تفضيلهم عليهن بالعقل والميراث، وفي الفيء، والله أعلم.

ثم قال [رسول الله]  : "أَرَدْنَا أَمْرَاً وَأَرَادَ اللهُ أَمْراً، وَالَّذِي أَرَادَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا أَرَدْنَا" و[قيل في قوله -  -: ﴿ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِم ﴾ : بما ساقوا من المهر والنفقة.

استدل الشافعي - رحمه الله - بقوله -  -:] ﴿ ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ...ْ ﴾ الآية، على أن النكاح لا يجوز إلا بالولي، فصرف تأويل الآية إليهم، وفيها: ﴿ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ ﴾ فيلزم الأولياء النفقة، وهو لا يقول به.

وبعد: فإن الآية لو كانت في الأولياء فهو في كل أمر لهن إليهم حاجة؛ فيخرج ذلك مخرج الحق لهن في أن يتولوا لهن العقود كلها، ويقوموا في كفايتهن وكفالتهن، لا أنهن لو قمن بأنفسهن يبطل فعلهن؛ فمثله أمر النكاح.

وأهل التأويل يحملون الآية على الأزواج، ومن تدبر الآية علم أنها فيما قال أهل التأويل دون الذي ذهب إليه الشافعي، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: ﴿ قَٰنِتَٰتٌ ﴾ يعني: مطيعات، والقانت: هو المطيع.

ويحتمل: مطيعات لله  : ويحتمل: مطيعات للأزواج.

ويحتمل: ﴿ قَٰنِتَٰتٌ ﴾ أي: قائمات بأداء ما فرض الله عليهن من حقوقه وحقوق أزواجهن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ ﴾ .

قيل: حافظات لما استودعهن الله من حقه، وحافظات للغيب لغيب أزواجهن.

وقيل: حافظات لأنفسهن - لغيبة أزواجهن - في فروجهن.

ويحتمل: ﴿ حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ ﴾ أي: لله في أموره ونواهيه، والقيام بحقوقه، وقانتات وحافظات هو تفسير صالحات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ﴾ .

اختلف في تلاوته وتأويله؛ في حرف بعضهم بالنصب ﴿ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ﴾ وتأويله: بحفظ الله، لكنه نصب لسقوط حرف الخفض، ومن رفعه جعل تأويله: بما استحفظهن الله  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ ؟

قال بعض أهل الأدب: سمي العلم خوفاً؛ لأنه اضطر في العلم.

وقال آخر - وهو الفراء -: الخائف: الظان؛ لأنه يرجو ويخاف.

وأما الأصل في أنه سمي العلم خوفاً؛ لغلبة شدة الخوف؛ فيعمل عمل العلم بالشيء على غير حقيقته؛ لأنه يعرف بالاجتهاد، وبأكثر الرأي والظن، وهكذا كل ما كان سبيل معرفته الاجتهاد - فإن غالب الظن وأكبر الرأي يعمل عمل اليقين في الحكم وإن لم يكن هنالك حقيقة؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ  ﴾ وألزمنا العمل بظاهر علمنا وإن لم نصل إلى حقيقة إيمانهن؛ فعلى ذلك إذا علم منها النشوز علم أكثر الظن وأغلبه يعمل عمل الذي ذكر في الآية من العظة وغيرها؛ لأن قوله -  -: ﴿ تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ ليس على وجود النشوز منها للحال حقيقة؛ ولكن على غالب الظن؛ لأنها إذا كانت ناشزة كيف يعظها؟

وكيف يهجرها ويضربها؟

فدل أنه على غالب العلم؛ أولا ترى أنه من أكره على أن ينطق بكلام الكفر بقتل أو ضرب يخاف منه التلف - كان في حل وسعة أن ينطق به بعد أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان، وذلك إنما يعلم علم غالب الظن، وأكبر الرأي لا يعلم علم حقيقة، ثم أبيح له أن يعمل عمل حقيقة العلم؛ فكذلك الأول - والله أعلم - نهى الله - عز وجل - المرأة عن عصيان زوجها، وأمرها بطاعته في نفسها، كما أمره أن يحسن عشرتها، وهذا هو - والله أعلم - هو الحق الذي ذكره الله -  - في سورة البقرة مجملا بقوله -  -: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ  ﴾ وفسر الحق عليهن في هذه السورة وهو أن تطيعه في نفسها، وتحفظ غيبته؛ ألا ترى أنه قال -  -: ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾ .

وروي عن رسول الله  أنه قال: "حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى امْرَأَتِهِ إِنْ دَعَاهَا وَهِي عَلَى قَتَبٍ أَنْ تُطِيعَهُ" وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعِظُوهُنَّ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: عظوهن بكتاب الله ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ ﴾ أي رجعن إلى الفراش والطاعة، وإلا فاهجروهن، والهجران ألا يجامعها، ولا يضاجعها على فراشه، ويوليها الظهر، فإن قبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضرباً غير مبرح، ولا تكسر لها عظماً، فإن قبلت وإلا فقد حل لك منها الفداء.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ فَعِظُوهُنَّ ﴾ ، أي: يقول لها: كوني من الصالحات، ومن القانتات، ومن الحافظات، ولا تكوني من كذا، على الرفق واللين؛ فإن هي تركت ذلك وإلا فاهجرها، والهجران يحتمل وجهين: يحتمل التخويف على الاعتزال منها، وترك المضاجعة والجماع.

ويحتمل: أن يهجرها ولا يجامعها، لا على التخويف من ترك ذلك؛ فإن هي تركت ذلك وإلا ضربها عند ذلك الضرب الذي ذكرنا غير مبرح، ولا شائن، والله أعلم.

على الترتيب: يعظها أولا بما ذكرنا من الرفق بها واللين لعلها [تطيعه وتترك] ذلك، ثم إذا لم تطعه خوفها بالهجران؛ فلعل قلبها لا يحتمل الهجران وترك المضاجعة؛ فتطيعه؛ فإن هي أبت ذلك حينئذ هجرها، ولم يجامعها ولا يضاجعها؛ فإن هي أطاعته وإلا عند ضربها؛ فإن هي أطاعته وإلا عند ذلك يرفعان إلى الحاكم، وهذا يجب [في] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: يعظه على الرفق واللين أولا، ولا يغلظه في القول؛ فإن هو قبل ذلك وإلا عند ذلك غلظ القول به؛ فإن قبل ذلك وإلا بسط يده فيه على ما أمر الله -  وتعالى - الأزواج أن تعامل النساء من العظة، ثم الهجران، ثم الضرب، ثمر الرفع إلى الحكمين.

وروي في الخبر عن رسول الله  قال: "لاَ تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللهِ" ؛ فترك الناس ضربهن، فجاء عمر -  - فقال: والله لقد دبر النساء يا رسول الله؛ [فأمر بضربهن، قال: فأطاف بآل محمد النساء كثيراً يشتكين أزواجهن، فلما أصبح رسول الله  قال:] "لَقَدْ أَطَافَ اللَّيْلَةَ بآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأَةً يَشْتَكِينَ الضَّرْبَ، واللهِ مَا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خَيَارَكُمْ" ، وقال: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَِهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَِهْلِي" وقال: "أَحْسَنُ المُؤْمِنِينَ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ" قال: والموعظة كلام يلين القلوب القاسية، ويرغب الطبائع النافرة؛ فيكون ذلك تذكير عواقب الأمور ومبادىء الأحوال، والله أعلم.

وعلى ذلك يعظها زوجها بأن يذكرها نعم الربّ  - وما جعل من الحق عليها، وما وعد في ذلك وأوعد.

ففي هذه الآيات دلالة لزوم الاجتهاد وتكليف ما لا يوصل إلى معرفة المكلف به إلا بالتدبر والعرض على الأمور المعتادة أو الأسباب المعقولة في جعلها أسباباً للمصلحة، وسبلا للوقوف على ما في أصول تلك النوازل من الحكمة، ولا قوة إلا بالله.

ثم جعل تأديبهن إلى الأزواج، لا إلى الأئمة؛ إذ عقوبة الأئمة تكون بالضرب أو الحبس وما يلحقها من المكروه فيما له أمر بالتأديب مع ما في ذلك من الستر، ويكون الغالب منه ما لا يجد لسبيل الإظهار عند الحاكم، ويكون في أوقات تضيق عن احتمال ذلك، ويكون ذلك أصلا لتأديب كل كافلِ أحدٍ من الأيتام والصغائر، وغير ذلك، والله أعلم.

والأصل: أن الله -  - قال: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً  ﴾ فجعل التأديب من الوجه الذي فيه حفظ المجعول لنا - آية، ورعاية ما جعل بينهم من المودة والرحمة، والمنازعات والخصومات إلى الحكام يقطع تلك؛ فجعل لهم من ذلك قدر ما لا يقطع مثله من التأديب المعنى المجعول بينهم؛ ولذلك لم تأذن بالضرب المبرح، ولا أذن إلا عند انقطاع الحيل التي جعلت للألفة والمحبة، على أن في خفيف ذلك إظهار الإشفاق على ما اعترض من خوف انقطاع المودة والرحمة، وإبداء العتاب الذي هو آية النصح والرحمة؛ إذ ذلك مما يخاف في ترك ذلك تمام ما قد افتتح من السرّ والشفقة، والله أعلم.

وقيل في قوله -  -: ﴿ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ﴾ : بما ساقوا من المهر والنفقة.

وقوله -  -: ﴿ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: أن يهجرها في حال مضاجعته إياها في ألا يكلمها، لا أن يترك مضاجعتها؛ إذ المضاجعة حق بينهما [عليه] في تركها ما عليها، لا يؤذيها بما يضر حقه ونفسه، والله أعلم.

ويحتمل قوله: أي اهجروهن عن المضاجع ومضاجعة أخرى في حقها؛ فيكون حقَّها عليه في حال الموافقة وحفظ حدود الله بينهما، لا في حال التضييع، والله أعلم.

وعن ابن عباس -  - أنه قال: يهجرها في ألا يجامعها، ولا يضاجعها على فراشه، ويوليها الظهر، لكنه على هذا يشتركان في التأديب؛ لأنه [به] يؤدب نفسه في ذلك إلى حاجته، لكن المعنى من ذلك ألا يجامعها لوقت علمه بشهوتها وحاجتها، وإنما ينظر شهوته دونها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾ .

إن أطعنكم، أي: لا تطلبوا عليهن عللا.

وقيل: لا تكلفوهن الحبّ، وإنما جعل الله الموعظة والهجران والضرر في المضاجع.

وعن ابن عباس -  - أنه قال: فإن أطاعته فلا سبيل له عليها.

ثم الضرب هو ما ذكرنا أنه يضربها ضرباً غير مبرح، وهو ما روي عن النبي  قال: "عَلِّقْ سَوْطَكَ - أَوْ ضَعْ حَيْثُ يَرَاهُ أَهْلُكَ، وَلاَ تَضْرِبْهَا بِهِ" ، قيل: وبم نضرب؟

قال: بنعليك ضرباً غير مبرح، يعني: غير مؤثر ولا شائن.

ويروى في خبر آخر: قال [رسول الله]  : "اتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلاَّ يُوطِئْنَ فِرَاشَكُمْ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ؛ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ" وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ﴾ هذا - والله أعلم - تذكير من الله عباده، وأمر منه إياهم: أنه مع علوه وسلطانه وعظمته وجلاله وقدرته، لا يؤاخذنا بأول عصيان نعصيه، ولا بأول عثرة نعثرها، مع قدرته على الأخذ على ذلك وإهلاكه إياهم، فأنتم لا تؤاخذوهن - أيضاً - بأول معصية يعصين فيكم، والله أعلم.

ويحتمل: ذكر هذه الآية وهو كذلك؛ ليذكر علوه وكبره؛ فيحفظ حده فيما جعل له من التأديب، ويذكر قدرته عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ ﴾ الآية.

كأن هذه المخاطبة - والله أعلم - لغير الأزواج؛ لأنه قال: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ ولو كانت المخاطبة في ذلك للأزواج، لقال: فإن "خافا شقاق بينهما"، أو "إن خفتم شقاق بينكم".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ ﴾ الآية، خاطب بذلك الأزواج؛ لأنه قال: ﴿ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ ﴾ وذلك إلى الزوج؛ إذ للزوج إذا خاف نشوز امرأته أن يعظها أولا، فإن قبلت وإلا فبعد ذلك هجرها، ثم يضربها إن لم تقبل ذلك؛ فإن لم ينفع ذلك كله فبعد ذلك رفع الأمر إلى الحاكم أو الإمام فوجه الحكمين.

وروي نحو ذلك عن علي بن أبي طالب -  - قال: يُبْعَثُ الحكمان: حكمٌ من أهله وحكمٌ من أهلها، فيقول الحكم من أهلها: يا فلان، ما تنقم من زوجتك؟

[فإذا قال:] أنقم منها كذا وكذا، يقول: أرأيت [إن نزعت عما] تكره إلى ما تحب هل أنت تتقي الله وتعاشرها [بما يحق] عليك من نفقتها وكسوتها؟

فإذا قال: نعم، قال الحكم من أهله: يا فلانة، ما تنقمين من زوجك؟

[فإذا قالت: أنقم منه كذا وكذا] فيقول: مثل ذلك؛ فإن قالت: نعم، جمع الله بينهما بالحكمين، بهما يجمع الله، وبهما يفرق.

ثم اختلف في الحكمين: هل يفرقان بينهما؟

قال بعضهم: يفرقان بينهما إن شاءا، وإن شاءا جمعاهما.

وروي عن ابن عباس -  ما - قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين، فقيل لنا: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما.

وأما عندنا: فإنهما لا يفرقان إلا برضا الزوجين؛ [دليلنا] ما روي أن رجلا وامرأته أتيا عليّاً -  - مع كل واحد منهما فئام من الناس؛ فقال علي -  ما شأن هذين؟

قالوا: بينهما شقاق، قال علي -  -: ابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما، فقال علي -  -: هل تدريان ما عليكما؟

عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله، قال الرجل: أما الفرقة فلا؛ فقال علي -  -: كذبت والله لا تنفلت مني حتى تقر كما أقرت.

أخبر علي أن فرقة الحكمين إنما تجب برضا الزوجين، فلو كانت فرقتهما تجوز بغير رضا الزوجين - لم ينظر إلى سخط الزوج في الفرقة، ولقال علي -  - للحكمين: فرقا إن رأيتما ذلك، كره الزوج أو رضي.

وفي قوله - أيضاً - ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ أي: علمتم؛ إذ حق ذلك أن يجتهد في الحال بينهما فيعلم على الغالب، وللغالب حق العلم في الأعمال، وحق الريب في الشهادة، فذكر باسم الخوف على ما فيه من علم العمل، على أن في ظاهر الآية التفرق في المنزل حتى يبعث عن أهل كل واحد منهما ولو كانا في منزل واحد، فحقه أن يجمع بين الحكمين، [لا] أن يبعثا بذلك؛ يدل على ظهور الخلاف والشقاق، والله أعلم.

قال: وأمر الحكمين بالإصلاح بين الزوجين، وهو الأمر الذي أمر بين جميع المؤمنين من قوله: ﴿ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ  ﴾ الآية، وقوله: ﴿ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ ﴾ الآية، وذلك في حق التأليف وما به تمام الأخوة بقوله: ﴿ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ  ﴾ لا بما يضر به أهله، ويوجب التفريق بينهم والتباغض، وعلى ذلك أمر الحكمين في النكاح، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ﴾ .

عن ابن عباس -  -: ﴿ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ﴾ : هما الحكمان.

وعن مجاهد مثله.

وقال آخرون: قوله: ﴿ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ﴾ : هما الزوجان.

وفي الآية دليل على أنه ليس للحكمين أن يفرقا؛ لأن الله -  - قال: ﴿ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً ﴾ وليس فيها دليل أن فرقتهما جائزة بشيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ  ﴾ .

يدل على أن الخلع إليهما دون الحكمين، وكأن الحكمين يُوَجَّهَانِ؛ ليعرف مَنِ الظالم من الزوجين؟

يُسْتَظْهَرُ بهما على الظالم؛ لأن كل واحد منهما [إذا شكى] بين الناس من صاحبه - لا يعرف الظالم منهما من غير الظالم، فإن كان الزوج هو الظالم أُخِذَ على يده، وقيل: لا يحل لك أن تفعل هذا لتختلع منك، وأُمِرَ بالإنفاق عليها، وإن كانت هي الظالمة وكانت في غير منزلة ناشزة - لم يؤمر بالإنفاق عليها، وقيل له: قد حلت الفدية، وكان في أخدها معذوراً بما ظهر للحكمين من نشوز المرأة، والله الموفق.

وفي قوله - أيضاً -: ﴿ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً ﴾ لا يخلو من أمرين: إما أن يريد به الزوجين، أو الحكمين.

ثم الإصلاح يكون مرة بالجمع، ومرة بالتفريق؛ فعلى الجمع تأويل التوفيق: الجمع بينهما، وعلى إرادة التفريق تأويله: التوفيق للإصلاح، وعلى التوفيق للإصلاح يدخل فيه الأمران، وفي ذلك أن الفرقة والاجتماع إليهما؛ إذ عليهما إرادة الإصلاح، وانصرف معنى الآية إلى الزوجين، وأيّد ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ...

﴾ الآية [النساء: 129].

ثم قال - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ...

﴾ الآية [النساء: 130].

فعلى ما ظهر منه النشوز صرف أمر التفرق إلى الزوجين، وكذلك قوله -  -: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ...

﴾ إلى قوله -  -: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ  ﴾ فأشركهما في الابتداء الذي به الفراق، أو يريد به الحكمين؛ فيكون ذلك على الترغيب في طلب الإصلاح بينهما، وعلى إيثار العدل والصواب؛ كقوله  : ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ...

 ﴾ وقوله -  -: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ...

﴾ الآية [النساء: 135].

فإذا أرادا الإصلاح يوفق الله بينهما، له وجهان: أي: بين الزوجين ببركة قيام الحكمين لله وابتغائهما الصلاح بينهما؛ فيوفق الزوجين لما له النكاح من: السكن، والرحمة، والمودة، والعفة.

ويحتمل: ﴿ يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ﴾ : بين الحكمين في إصابة ما أرادا من الإصلاح.

ثم العلم بإرادتهما الإصلاح لا يعلمه إلا الله؛ فلا يحتمل أن يوجب لهما في الحكم التفريق، والذي جوابه وعد التوفيق لم يبين، فلذلك لم يكن لهما حق التفريق، إنما إليهما إعلام ما اتفقا عليه، ثم هما عملا لهما وعليهما، فيكون لهما الرضا بما رأيا وغير الرضا، وأصله وجهان: أحدهما: أنه استوجبا القيام بالتولية والتراضي من الزوجين أو بمن يخاف الشقاق بينهما: فإن قاما ببعث الناس، فقاما ببعث من لا يملك الفراق، [فلا] يستوجبان بهم ذلك، وإن قاما ببعث الزوجين فرضاؤهما بعثهما في ذلك لم يكن لهما غير الذي كان فيه الرضاء عليهما، والله أعلم.

والثاني: أنهما بعثا للعلم بالسبب الذي حملهما على الشقاق، ولعل السبب منهما؛ فلا يحتمل أن يلزمانه الطلاق بلا ذنب منه، فَيُمَكَّنُ به كل امرأة تريد مفارقة الزوج وإغرامه المهر، وإذا لم يحتمل ذلك لم يحتمل أن يكون لهما حق التفريق بهذا البعث مع ما بعثا لدفع الشقاق الهائج بينهما والرد إلى الصلاح الذي له كان النكاح، على أنه يمكن الأخذ على يدي الظالم منهما، والقهر على العود إلى ما فيه الصلاح بالتأديب - لم يجز أن يلزما الفراق وإن كرهاه، والله أعلم.

ثم الأصل: أنهما بالغان لا يلزمان النكاح إذا كرها ورأي القوم الصلاح إلى التناكح، على احتمال وجود الولايات في الأنكحة كانا ألا يلزما الطلاق إذا كرها على امتناعه عن وجوب الولايات به لغير الزوجين - أحرى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ﴾ مَنْ الظَالِمُ منهما؟

ومَنِ المظلومُ؟

وقيل: ﴿ عَلِيماً خَبِيراً ﴾ بنصيحتهما لهما، عليماً بما أَسَرَّتِ المرأة إلى حكمها، والزوج إلى حكمه، خبيراً بما اطلع كل واحد من الحكمين من صاحبه على ما أفشى به إليه أصدقه أم لم يصدقه؟

والله أعلم.

وفي حرف ابن مسعود -  -: "فأتوا حكمة من أهله وحكمة من أهلها".

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

شؤونهن، بسبب ما خصَّهم الله به من الفضل عليهن، وبسبب ما يجب عليهم من النفقة والقيام عليهن، والصالحات من النساء مطيعات لربهن، مطيعات لأزواجهن، حافظات لهم في غيبتهم بسبب توفيق الله لهن، واللاتي تخافون ترفُّعهن عن طاعة أزواجهن في قول أو فعل، فابدؤوا -أيها الأزواج- بتذكيرهن وتخويفهن من الله، فإن لم يستجبن فاهجروهن في الفراش، بأن يوليها ظهره، ولا يجامعها، فإن لم يستجبن فاضربوهن ضربًا غير مبرِّح، فإن رجعن إلى الطاعة؛ فلا تعتدوا عليهن بظلم أو معاتبة، إن الله كان ذا علوٍّ على كل شيء، كبيرًا في ذاته وصفاته فخافوه.

<div class="verse-tafsir" id="91.5J3jG"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

المراد بالقيام هنا هو الرياسة التي يتصرف فيها المرؤوس بإرادته واختياره وليس معناها أن يكون المرؤوس مقهورًا مسلوب الإرادة لا يعمل عملًا إلا ما يوجهه إليه رئيسه فإن كون الشخص قيمًا على آخر هو عبارة عن إرشاده والمراقبة عليه في تنفيذ ما يرشده إليه أي ملاحظته في أعماله وتربيته، ومنها حفظ المنزل وعدم مفارقته ولو لنحو زيارة أولي القربى إلا في الأوقات والأحوال التي يأذن بها الرجل ويرضى.

والمراد بتفضيل بعضهم على بعض تفضيل الرجال على النساء، ولو قال "بما فضلهم عليهن" أو قال "بتفضيلهم عليهن" لكان أخصر وأظهر فيما قلنا إنه المراد وإنما الحكمة في هذا التعبير هي عين الحكمة في قوله ﴿ وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ  ﴾ وهي إفادة أن المرأة من الرجل والرجل من المرأة بمنزلة الأعضاء من بدن الشخص الواحد، فالرجل بمنزلة الرأس والمرأة بمنزلة البدن.

وما به الفضل قسمان فطري وكسبي فالفطري هو أن مزاج الرجل أقوى وأكمل، وأتم وأجمل، وإنكم لتجدون من الغرابة أن أقول إن الرجل أجمل من المرأة وإنما الجمال تابع لتمام الخلقة وكمالها، وما الإنسان في جسمه الحي إلا نوع من أنواع الحيوان فنظام الخلقة فيها واحد، وإننا نرى ذكور جميع الحيوانات أكمل وأجمل من إناثها كما ترون في الديك والدجاجة، والكبش والنعجة، والأسد واللبوة، ومن كمال خلقة الرجال وجمالها شعر اللحية والشاربين، ولذلك يعد الأجرد ناقص الخلقة ويتمنى لو يجد دواء ينبت الشعر وإن كان ممن اعتادوا حلق اللحى، ويتبع قوة المزاج وكمال الخلقة قوة العقل وصحة النظر في مبادئ الأمور وغايتها، ومن أمثال الأطباء والعلماء العقل السليم في الجسم السليم، ويتبع ذلك الكمال في الأعمال الكسبية، فالرجال أقدر على الكسب والاختراع والتصرف في الأمور.

﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ  ﴾ الغيب هنا هو ما يستحي من إظهاره أي حافظات لكل ما هو خاص بأمور الزوجية الخاصة بالزوجين فلا يطلع أحد منهن على شيء مما هو خاص بالزوج.

إن هذا القسم من النساء ليس للرجال عليهن شيء من سلطان التأديب وإنما سلطانهم على القسم الثاني الذي بينه وبين حكمه بقوله  ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ  ﴾ النشوز في الأصل بمعنى الارتفاع فالمرأة التي تخرج عن حقوق الرجل قد ترفعت عليه وحاولت أن تكون فوق رئيسها، بل ترفعت أيضًا عن طبيعتها وما يقتضيه نظام الفطرة في التعامل، فتكون كالناشز من الأرض الذي خرج عن الاستواء، وقد فسر بعضهم خوف النشوز بتوقعه فقط، وبعضهم بالعلم به، ولكن يقال لم ترك لفظ العلم واستبدل به لفظ الخوف؟، أو لَمْ يقل واللاتي ينشزن؟

لا جرم أن في تعبير القرآن حكمة لطيفة وهي أن الله تعالى لما كان يجب أن تكون المعيشة بين الزوجين معيشة محبة ومودة وتراض والتئام، لم يشأ أن يسند النشوز إلى النساء اسنادًا يدل على أن من شأنه أن يقع منهن فعلًا، بل عبر عن ذلك بعبارة تومئ إلى أن من شأنه أن لا يقع لأنه خروج عن الأصل الذي يقوم به نظام الفطرة، وتطيب به المعيشة، ففي هذا التعبير تنبيه لطيف إلى مكانة المرأة وما هو الأولى في شأنها، وإلى ما يجب على الرجل من السياسة لها وحسن التلطف في معاملتها، حتى إذا آنس منها ما يخشى أن يؤول إلى الترفع وعدم القيام بحقوق الزوجية فعليه أولًا أن يبدأ بالوعظ الذي يرى أنه يؤثر في نفسها، والوعظ يختلف باختلاف حال المرأة فمنهن من يؤثر في نفسها التخويف من الله  وعقابه على النشوز، ومنهن من يؤثر في نفسها التهديد والتحذير من سوء العاقبة في الدنيا كشماتة الأعداء والمنع من بعض الرغائب كالثياب الحسنة والحلي، والرجل العاقل لا يخفى عليه الوعظ الذي يؤثر في قلب امرأته.

وأما الهجر فهو ضرب من ضروب التأديب لمن تحب زوجها ويشق عليها هجره إياها.

وذهب بعض المفسرين ومنهم ابن جرير الطبري -أن المرأة التي تنشز لا تبالي بهجر زوجها بمعنى إعراضه عنها، وقالوا: إن معنى: ﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ  ﴾ قيدوهن، من هجر البعير إذا شده بالهجار وهو القيد الذي يقيد به.

وليس هذا الذي قالوه بشيء، وما هم بالواقفين على أخلاق النساء وطباعهن، فإن منهن من تحب زوجها ويزين لها الطيش والرعونة النشوز عليه، ومنهن من تنشز امتحانًا لزوجها ليظهر لها أو للناس مقدار شغفه بها وحرصه على رضاها.

إن مشروعية ضرب النساء ليست بالأمر المستنكر في العقل أو الفطرة فيحتاج إلى التأويل، فهو أمر يحتاج إليه في حال فساد البيئة وغلبة الأخلاق الفاسدة، وإنما يباح إذا رأى الرجل أن رجوع المرأة عن نشوزها يتوقف عليه، وإذا صلحت البيئة وصار النساء يعقلن النصيحة ويستجبن للوعظ أو يزدجرن بالهجر، فيجب الاستغناء عن الضرب، فلكل حال حكم يناسبها في الشرع، ونحن مأمورون على كل حال بالرفق بالنساء واجتناب ظلمهن، وإمساكهن بمعروف، أو تسريحهن بإحسان، والأحاديث في الوصية بالنساء كثيرة جدًا.

﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا  ﴾ أي إن أطعنكم بواحدة من هذه الخصال التأديبية فلا تبغوا بتجاوزها إلى غيرها فابدأوا بما بدأ الله به من الوعظ فإن لم يفد فليهجر، فإن لم يفد فليضرب، فإذا لم يفد هذا أيضًا يلجأ إلى التحكيم، ويفهم من هذا أن القانتات لا سبيل عليهن حتى في الوعظ والنصح فضلًا عن الهجر والضرب.

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا  ﴾ أتى بهذا بعد النهي عن البغي لأن الرجل إنما يبغي على المرأة بما يحسه في نفسه من الاستعلاء عليها وكونه أكبر منها وأقدر فذكره تعالى بعلوه وكبريائه وقدرته عليه ليتعظ ويخشع ويتقي الله فيها.

واعلموا أن الرجال الذين يحاولون بظلم النساء أن يكونوا سادة في بيوتهم إنما يلدون عبيدًا لغيرهم.

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا  ﴾ .

الخطاب للمؤمنين، ولا يتأتى أن يكلف كل واحد أو كل جماعة منهم ذلك، ولذلك قال بعض المفسرين إن الخطاب هنا موجه إلى من يمكنه القيام بهذا العمل ممن يمثل المسلمين وهم الحكام، وقال بعضهم إن الخطاب عام ويدخل فيه الزوجان وأقاربهما فإن قام به الزوجان أو ذوو القربى أو الجيران فذاك وإلا وجب على من بلغه أمرهما من المسلمين أن يسعى في إصلاح ذات بينهما بذلك.

وكلا القولين وجيه فالأول يكلف الحكام ملاحظة أحوال العامة والاجتهاد في إصلاح أحوالهم، والثاني يكلف كل المسلمين أن يلاحظ بعضهم شؤون بعض ويعينه على ما تحسن به حاله، واختلفوا في وظيفة الحكمين فقال بعضهم: إنهما وكيلان لا يحكمان إلا بما وكلا به وقال بعضهم إنهما حاكمان.

روى الشافعي في الأم والبيهقي في السنن وغيرهما عن عبيدة السلماني قال "جاء رجل وامرأة إلى علي كرم الله وجهه ومع كل واحد منهما فئام من الناس، فأمرهم علي أن يبعثوا رجلًا حكمًا من أهله، ورجلًا حكمًا من أهلها ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما؟

عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا، قالت المرأة: رضيت كتاب الله تعالى بما علي به ولي، وقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به".

وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في هذه الآية "هذا في الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما أمر الله تعالى أن يبعثوا رجلًا صالحًا من أهل الرجل ورجلًا مثله من أهل المرأة فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقسروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قسروها على زوجها ومنعوها النفقة، فإن اجتمع أمرهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الآخر ثم مات أحدهما فإن الذي رضي يرث الذي كره ولا يرث الكاره الراضي"، وقوله: ﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا  ﴾ يشعر بأنه يجب على الحكمين أن لا يدخرا وسعًا في الإصلاح كأنه يقول إن صحت إرادتهما فالتوفيق كائن لا محالة.

وهذا يدل على نهاية العناية من الله تعالى في إحكام نظام البيوت الذي لا قيمة له عند المسلمين في هذا الزمان، وانظروا كيف لم يذكر مقابل "التوفيق" بينهما وهو "التفريق" عند تعينه، لم يذكره حتى لا يُذَكِّر به لأنه يبغضه، وليشعر النفوس أنه ليس من شأنه أن يقع.

وظاهر الأمر أن هذا التحكيم واجب لكنهم اختلفوا فيه فقال بعضهم إنه واجب وبعضهم إنه مندوب واشتغلوا بالخلاف فيه عن العمل به، لأن عنايتنا بالدين صارت محصورة في الخلاف والجدل، وتعصب كل طائفة من المسلمين لقول واحد من المختلفين، مع عدم العناية بالعمل به، فهاهم أولاء قد أهملوا هذه الوصية الجليلة لا يعمل بها أحد على أنها مندوبة والبيوت يدب فيها الفساد، فيفتك بالأخلاق والآداب، ويسري من الوالدين إلى الأولاد.

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا  ﴾ أي أنه كان فيما شرعه لكم من هذا الحكم عليمًا بأحوال العباد وأخلاقهم وما يصلح لهم خبيرًا بما يقع بينهم وبأسبابه الظاهرة والباطنة فلا يخفى عليه شيء من وسائل الإصلاح بينهما، وإني لأكاد أبصر الآية الحكيمة تومئ بالاسمين الكريمين إلى أن كثيرًا من الخلاف يقع بين الزوجين فيظن أنه مما يتعذر تلافيه وهو في الواقع ونفس الأمر ناشئ عن سوء التفاهم لأسباب عارضة، لا عن تباين في الطباع أو عداوة راسخة، وما كان كذلك يسهل على الحكمين الخبيرين بدخائل الزوجين لقربها منهما، أن يمحصا ما علق من أسبابه في قلوبهما، متى حسنت النية وصحت الإرادة.

إن الزوجية أقوى رابطة تربط اثنين من البشر أحدهما الآخر فهي الصلة التي بها يشعر كل من الزوجين بأنه شريك الآخر في كل شيء مادي ومعنوي حتى إن كل واحد منهما يؤاخذ الآخر على دقائق خطرات الحب، وخفايا خلجات القلب، يستشفها من وراء الحجب، أو توحيها إليه حركات الأجفان، أو يستنبطها من فلتات اللسان إذا لم تصرح بها شواهد الامتحان، فهما يتغايران في أخفى ما يشتركان فيه، ويكتفيان بشهادة الظنة والوهم عليه، فيغريهما ذلك بالتنازع في كل ما يقصر فيه أحدهما، من الأمور المشتركة بينهما، وما أكثرها، وأعسر التوقي منها، فكثيرًا ما يفضي التنازع إلى التقاطع، والتغاير إلى التدابر، فإن تعاتبا فجدل ومراء، لا استعتاب واسترضاء، حتى يحل الكره والبغضاء محل الحب والهناء، لذلك يصح لك أن تحكم إن كنت عليمًا بالأخلاق والطباع، خبيرًا بشؤون الاجتماع، بأن تلك الحكمة التي أرسلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب  ، هي القاعدة الثابتة الصحيحة في جميع الأمم وجميع الأعصار، وأنها يجب أن تكون في محل الذكرى من الحكمين، اللذين يريدان إصلاح ما بين الزوجين، كما يجب أن يعرفها ولا ينساها جميع الأزواج..

تلك الحكمة هي قوله للتي صرحت بأنها لا تحب زوجها، إذا كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تخبره بذلك فإن أقل البيوت ما بني على المحبة وإنما يعيش -(أو قال يتعاشر)- الناس بالحسب والإسلام، أي إن حسب كل من الزوجين وشرفه إنما يحفظ بحسن عشرته للآخر وكذلك الإسلام يأمرهما بأن يتعاشرا بالمعروف.

قد اهتدى الإفرنج إلى العمل بهذه الحكمة البالغة بعد أن استبحر علم النفس والأخلاق وتدبير المنزل عندهم فربوا نساءهم ورجالهم على احترام رابطة الزوجية، وعلى أن يجتهد كل من الزوجين أن يعيشا بالمحبة فإن لم يسعدا بها فليعيشا بالحسب وهو تكريم كل منهما للآخر ومراعاته لشرفه وقيامه بما يجب له من الآداب والأعمال التي جرى عليها عرف أمتهم، ثم يعذره فيما وراء ذلك وإن علم أنه لا يحبه فلا يذكر له ذلك، وقد صرحوا بأن سعادة المحبة الزوجية الخالصة قلما تمتع بها زوجان وإن كانت أمنية كل الأزواج، وإنما يستبدلون بها المودة العملية.

ولكنهم بإباحة المخالطة والتبرج قد أفرطوا في إرخاء العنان، حتى صار الأزواج يتسامحون في السفاح أو اتخاذ الأخدان، وهذا ما يعصم مجموع أمتنا منه الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله