الآية ٤٣ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٤٣ من سورة النساء

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ٤٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 361 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٣ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٣ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ينهى تعالى عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر ، الذي لا يدري معه المصلي ما يقول ، وعن قربان محلها - وهي المساجد - للجنب ، إلا أن يكون مجتازا من باب إلى باب من غير مكث وقد كان هذا قبل تحريم الخمر ، كما دل الحديث الذي ذكرناه في سورة البقرة ، عند قوله [ تعالى ] ( يسألونك عن الخمر والميسر [ قل فيهما إثم كبير ] ) الآية [ البقرة : 219 ] ; فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلاها على عمر ، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا .

فلما نزلت هذه الآية ، تلاها عليه ، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا .

فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات الصلوات فلما نزل قوله [ تعالى ] ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) إلى قوله : ( فهل أنتم منتهون ) [ المائدة : 90 ، 91 ] فقال عمر : انتهينا ، انتهينا .

وفي رواية إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو - وهو ابن شرحبيل - عن عمر بن الخطاب في قصة تحريم الخمر ، فذكر الحديث وفيه : فنزلت الآية التي في [ سورة ] النساء : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قامت الصلاة ينادي : ألا يقربن الصلاة سكران .

لفظ أبي داود .

وذكروا في سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن أبي حاتم .

حدثنا يونس بن حبيب ، حدثنا أبو داود ، حدثنا شعبة ، أخبرني سماك بن حرب قال : سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال : نزلت في أربع آيات : صنع رجل من الأنصار طعاما ، فدعا أناسا من المهاجرين وأناسا من الأنصار ، فأكلنا وشربنا حتى سكرنا ، ثم افتخرنا فرفع رجل لحي بعير ففزر بها أنف سعد ، فكان سعد مفزور الأنف ، وذلك قبل أن تحرم الخمر ، فنزلت : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) الآية .

والحديث بطوله عند مسلم من رواية شعبة .

ورواه أهل السنن إلا ابن ماجه ، من طرق عن سماك به .

سبب آخر : قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار ، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي ، حدثنا أبو جعفر عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي بن أبي طالب قال : صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما ، فدعانا وسقانا من الخمر ، فأخذت الخمر منا ، وحضرت الصلاة فقدموا فلانا - قال : فقرأ : قل يا أيها الكافرون ، ما أعبد ما تعبدون ، ونحن نعبد ما تعبدون .

[ قال ] فأنزل الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) هكذا رواه ابن أبي حاتم ، وكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد ، عن عبد الرحمن الدشتكي ، به ، وقال : حسن صحيح .

وقد رواه ابن جرير ، عن محمد بن بشار ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان الثوري ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن ، عن علي ; أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر ، فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ : ( قل [ يا ] أيها الكافرون ) فخلط فيها ، فنزلت : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) .

وهكذا رواه أبو داود والنسائي ، من حديث الثوري ، به .

ورواه ابن جرير أيضا ، عن ابن حميد ، عن جرير ، عن عطاء ، عن أبي عبد الله السلمي قال : كان علي في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في بيت عبد الرحمن بن عوف ، فطعموا فآتاهم بخمر فشربوا منها ، وذلك قبل أن يحرم الخمر ، فحضرت الصلاة فقدموا عليا فقرأ بهم : ( قل يا أيها الكافرون ) فلم يقرأها كما ينبغي ، فأنزل الله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) ثم قال : حدثني المثنى ، حدثنا الحجاج بن المنهال ، حدثنا حماد ، عن عطاء بن السائب ، عن عبد الله بن حبيب - وهو أبو عبد الرحمن السلمي ; أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا ، فدعا نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم المغرب ، فقرأ : قل يا أيها الكافرون .

أعبد ما تعبدون .

وأنتم عابدون ما أعبد .

وأنا عابد ما عبدتم .

لكم دينكم ولي دين .

فأنزل الله ، عز وجل ، هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) .

وقال العوفي عن ابن عباس في قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى [ حتى تعلموا ما تقولون ] ) وذلك أن رجالا كانوا يأتون الصلاة وهم سكارى ، قبل أن تحرم الخمر ، فقال الله : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) الآية .

رواه ابن جرير .

وكذا قال أبو رزين ومجاهد .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر عن قتادة : كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات ثم نسخ بتحريم الخمر .

وقال الضحاك في قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) لم يعن بها سكر الخمر ، وإنما عنى بها سكر النوم .

رواه ابن جرير وابن أبي حاتم .

ثم قال ابن جرير : والصواب أن المراد سكر الشراب .

قال : ولم يتوجه النهي إلى السكران الذي لا يفهم الخطاب ; لأن ذاك في حكم المجنون ، وإنما خوطب بالنهي الثمل الذي يفهم التكليف .

وهذا حاصل ما قاله .

وقد ذكره غير واحد من الأصوليين ، وهو أن الخطاب يتوجه إلى من يفهم الكلام ، دون السكران الذي لا يدري ما يقال له ; فإن الفهم شرط التكليف .

وقد يحتمل أن يكون المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية ; لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة الأوقات من الليل والنهار ، فلا يتمكن شارب الخمر من أداء الصلاة في أوقاتها دائما ، والله أعلم .

وعلى هذا فيكون كقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) [ آل عمران : 102 ] وهو الأمر لهم بالتأهب للموت على الإسلام والمداومة على الطاعة لأجل ذلك .

وقوله : ( حتى تعلموا ما تقولون ) هذا أحسن ما يقال في حد السكران : إنه الذي لا يدري ما يقول فإن المخمور فيه تخليط في القراءة وعدم تدبره وخشوعه فيها ، وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا أبي ، حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نعس أحدكم وهو يصلي ، فلينصرف فليتم حتى يعلم ما يقول .

انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم ، ورواه هو والنسائي من حديث أيوب ، به وفي بعض ألفاظ الحديث فلعله يذهب يستغفر فيسب نفسه .

وقوله : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار ، حدثنا عبد الرحمن الدشتكي ، أخبرنا أبو جعفر الرازي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس في قوله : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) قال : لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا عابري سبيل ، قال : تمر به مرا ولا تجلس .

ثم قال : وروي عن عبد الله بن مسعود ، وأنس ، وأبي عبيدة ، وسعيد بن المسيب ، وأبي الضحى ، وعطاء ، ومجاهد ، ومسروق ، وإبراهيم النخعي ، وزيد بن أسلم ، وأبي مالك ، وعمرو بن دينار ، والحكم بن عتيبة وعكرمة ، والحسن البصري ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وابن شهاب ، وقتادة ، نحو ذلك .

وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا أبو صالح ، حدثني الليث ، حدثني يزيد بن أبي حبيب عن قول الله عز وجل ( ولا جنبا إلا عابري سبيل ) أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد ، فكانت تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم ، فيردون الماء ولا يجدون ممرا إلا في المسجد ، فأنزل الله : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل ) ويشهد لصحة ما قاله يزيد بن أبي حبيب ، رحمه الله ، ما ثبت في صحيح البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر " .

وهذا قاله في آخر حياته صلى الله عليه وسلم ، علما منه أن أبا بكر ، رضي الله عنه ، سيلي الأمر بعده ، ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيرا للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين ، فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا بابه ، رضي الله عنه .

ومن روى : " إلا باب علي " كما وقع في بعض السنن ، فهو خطأ ، والصحيح .

ما ثبت في الصحيح .

ومن هذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب اللبث في المسجد ، ويجوز له المرور ، وكذا الحائض والنفساء أيضا في معناه ; إلا أن بعضهم قال : يمنع مرورهما لاحتمال التلويث .

ومنهم من قال : إن أمنت كل واحدة منهما التلويث في حال المرور جاز لهما المرور وإلا فلا .

وقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ، رضي الله عنها قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ناوليني الخمرة من المسجد " فقلت : إني حائض .

فقال : " إن حيضتك ليست في يدك " .

وله عن أبي هريرة مثله ففيه دلالة على جواز مرور الحائض في المسجد ، والنفساء في معناها والله أعلم .

وروى أبو داود من حديث أفلت بن خليفة العامري ، عن جسرة بنت دجاجة ، عن عائشة ] رضي الله عنها [ قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " قال أبو مسلم الخطابي : ضعف هذا الحديث جماعة وقالوا : أفلت مجهول .

لكن رواه ابن ماجه من حديث أبي الخطاب الهجري ، عن محدوج الذهلي ، عن جسرة ، عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، به .

قال أبو زرعة الرازي : يقولون : جسرة عن أم سلمة .

والصحيح جسرة عن عائشة .

فأما ما رواه أبو عيسى الترمذي ، من حديث سالم بن أبي حفصة ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا علي ، لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك .

إنه حديث ضعيف لا يثبت ; فإن سالما هذا متروك ، وشيخه عطية ضعيف والله أعلم .

قول آخر في معنى الآية : قال ابن أبي حاتم : حدثنا المنذر بن شاذان ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، أخبرني ابن أبي ليلى ، عن المنهال ، عن زر بن حبيش ، عن علي : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل ) قال : لا يقرب الصلاة ، إلا أن يكون مسافرا تصيبه الجنابة ، فلا يجد الماء فيصلي حتى يجد الماء .

ثم رواه من وجه آخر ، عن المنهال بن عمرو ، عن زر ، عن علي بن أبي طالب ، فذكره .

قال : وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات وسعيد بن جبير ، والضحاك ، نحو ذلك .

وقد روى ابن جرير من حديث وكيع ، عن ابن أبي ليلى ، عن المنهال ، عن عباد بن عبد الله أو عن زر بن حبيش - عن علي فذكره .

ورواه من طريق العوفي وأبي مجلز ، عن ابن عباس ، فذكره .

ورواه عن سعيد بن جبير ، وعن مجاهد ، والحسن بن مسلم ، والحكم بن عتيبة وزيد بن أسلم ، وابنه عبد الرحمن ، مثل ذلك ، وروي من طريق ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير قال : كنا نسمع أنه في السفر .

ويستشهد لهذا القول بالحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن ، من حديث أبي قلابة ، عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الصعيد الطيب طهور المسلم ، وإن لم تجد الماء عشر حجج ، فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك فإن ذلك خير " .

ثم قال ابن جرير - بعد حكايته القولين - : والأولى قول من قال : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل ) إلا مجتازي طريق فيه .

وذلك أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله : أو ( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) [ المائدة : 6 ] إلى آخره .

فكان معلوما بذلك أن قوله : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) لو كان معنيا به المسافر ، لم يكن لإعادة ذكره في قوله : ( وإن كنتم مرضى أو على سفر ) معنى مفهوم ، وقد مضى حكم ذكره قبل ذلك ، فإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الآية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ، ولا تقربوها أيضا جنبا حتى تغتسلوا ، إلا عابري سبيل .

قال : والعابر السبيل : المجتاز مرا وقطعا .

يقال منه : " عبرت هذا الطريق فأنا أعبره عبرا وعبورا " ومنه قيل : " عبر فلان النهر " إذا قطعه وجاوزه .

ومنه قيل للناقة القوية على الأسفار : هي عبر أسفار وعبر أسفار ; لقوتها على قطع الأسفار .

وهذا الذي نصره هو قول الجمهور ، وهو الظاهر من الآية ، وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها ، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة ، وهي الجنابة المباعدة للصلاة ولمحلها أيضا ، والله أعلم .

وقوله : ( حتى تغتسلوا ) دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة : أبو حنيفة ومالك والشافعي : أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد حتى يغتسل أو يتيمم ، إن عدم الماء ، أو لم يقدر على استعماله بطريقة .

وذهب الإمام أحمد إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث في المسجد ، لما روى هو وسعيد بن منصور في سننه بإسناد صحيح : أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك ; قال سعيد بن منصور : حدثنا عبد العزيز بن محمد - هو الدراوردي - عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار قال : رأيت رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة ، وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم ، فالله أعلم .

وقوله : ( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) أما المرض المبيح للتيمم ، فهو الذي يخاف معه من استعمال الماء فوات عضو أو شينه أو تطويل البرء .

ومن العلماء من جوز التيمم بمجرد المرض لعموم الآية .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل ، حدثنا قيس عن خصيف عن مجاهد في قوله : ( وإن كنتم مرضى ) قال : نزلت في رجل من الأنصار ، كان مريضا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ ، ولم يكن له خادم فيناوله ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فأنزل الله هذه الآية .

هذا مرسل .

والسفر معروف ، ولا فرق فيه بين الطويل والقصير .

وقوله : ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) الغائط : هو المكان المطمئن من الأرض ، كنى بذلك عن التغوط ، وهو الحدث الأصغر .

وأما قوله : ( أو لامستم النساء ) فقرئ : " لمستم " و " لامستم " واختلف المفسرون والأئمة في معنى ذلك ، على قولين : أحدهما : " أن ذلك كناية عن الجماع ; لقوله ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ) [ البقرة : 237 ] وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) [ الأحزاب : 49 ] .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( أو لامستم النساء ) قال : الجماع .

وروي عن علي ، وأبي بن كعب ، ومجاهد ، وطاوس ، والحسن ، وعبيد بن عمير ، وسعيد بن جبير ، والشعبي ، وقتادة ، ومقاتل بن حيان - نحو ذلك .

وقال ابن جرير : حدثني حميد بن مسعدة ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير قال : ذكروا اللمس ، فقال ناس من الموالي : ليس بالجماع .

وقال ناس من العرب : اللمس الجماع : قال : فأتيت ابن عباس فقلت له : إن ناسا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس ، فقالت الموالي .

ليس بالجماع .

وقالت العرب : الجماع .

قال : من أي الفريقين كنت ؟

قلت : كنت من الموالي .

قال : غلب فريق الموالي .

إن اللمس والمس والمباشرة : الجماع ، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء .

ثم رواه عن ابن بشار ، عن غندر ، عن شعبة - به نحوه .

ثم رواه من غير وجه عن سعيد بن جبير ، نحوه .

ومثله قال : حدثني يعقوب ، حدثنا هشيم قال : حدثنا أبو بشر ، أخبرنا سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : اللمس والمس والمباشرة : الجماع ، ولكن الله يكني بما يشاء .

حدثنا عبد الحميد بن بيان ، أنبأنا إسحاق الأزرق ، عن سفيان ، عن عاصم الأحول ، عن بكر بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : الملامسة : الجماع ، ولكن الله كريم يكني بما يشاء .

وقد صح من غير وجه ، عن عبد الله بن عباس أنه قال ذلك .

ثم رواه ابن جرير عن بعض من حكاه ابن أبي حاتم عنهم .

ثم قال ابن جرير : وقال آخرون : عنى الله بذلك كل لمس بيد كان أو بغيرها من أعضاء الإنسان ، وأوجب الوضوء على كل من مس بشيء من جسده شيئا من جسدها مفضيا إليه .

ثم قال : حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان عن مخارق ، عن طارق عن عبد الله بن مسعود قال : اللمس ما دون الجماع .

وقد رواه من طرق متعددة عن ابن مسعود بمثله .

وروي من حديث الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود قال : القبلة من المس ، وفيها الوضوء .

وقال : حدثني يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عبيد الله بن عمر ، عن نافع : أن ابن عمر كان يتوضأ من قبلة المرأة ، ويرى فيها الوضوء ، ويقول : هي من اللماس .

وروى ابن أبي حاتم وابن جرير أيضا من طريق شعبة ، عن مخارق ، عن طارق ، عن عبد الله قال : اللمس ما دون الجماع .

ثم قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن عمر ، وعبيدة ، وأبي عثمان النهدي وأبي عبيدة - يعني ابن عبد الله بن مسعود - وعامر الشعبي ، وثابت بن الحجاج ، وإبراهيم النخعي ، وزيد بن أسلم نحو ذلك .

قلت : وروى مالك ، عن الزهري ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه أنه كان يقول : قبلة الرجل امرأته وجسه بيده من الملامسة ، فمن قبل امرأته أو جسها بيده ، فعليه الوضوء .

وروى الحافظ أبو الحسن الدارقطني [ في سننه ] عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نحو ذلك .

ولكن روينا عنه من وجه آخر : أنه كان يقبل امرأته ، ثم يصلي ولا يتوضأ .

فالرواية عنه مختلفة ، فيحمل ما قاله في الوضوء إن صح عنه على الاستحباب ، والله أعلم .

والقول بوجوب الوضوء من المس هو قول الشافعي وأصحابه ومالك والمشهور عن أحمد بن حنبل ، رحمهم الله ، قال ناصر هذه المقالة : قد قرئ في هذه الآية ) لامستم ) ) ولمستم ) واللمس يطلق في الشرع على الجس باليد قال ] الله [ تعالى : ( ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم ) [ الأنعام : 7 ] ، أي جسوه وقال [ رسول الله ] صلى الله عليه وسلم لماعز - حين أقر بالزنا يعرض له بالرجوع عن الإقرار - : " لعلك قبلت أو لمست " وفي الحديث الصحيح : " واليد زناها اللمس " وقالت عائشة ، رضي الله عنها : قل يوم إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف علينا ، فيقبل ويلمس .

ومنه ما ثبت في الصحيحين : أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الملامسة وهو يرجع إلى الجس باليد على كلا التفسيرين قالوا : ويطلق في اللغة على الجس باليد ، كما يطلق على الجماع ، قال الشاعر : وألمست كفي كفه أطلب الغنى واستأنسوا أيضا بالحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن مهدي وأبو سعيد قالا حدثنا زائدة ، عن عبد الملك بن عمير - وقال أبو سعيد : حدثنا عبد الملك بن عمير ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن معاذ قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال : يا رسول الله ، ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها ، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئا إلا قد أتاه منها ، غير أنه لم يجامعها ؟

قال : فأنزل الله عز وجل هذه الآية : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) [ هود : 114 ] قال : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " توضأ ثم صل " .

قال معاذ : فقلت : يا رسول الله ، أله خاصة أم للمؤمنين عامة ؟

قال : " بل للمؤمنين عامة " .

ورواه الترمذي من حديث زائدة به ، وقال : ليس بمتصل .

وأخرجه النسائي من حديث شعبة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلا .

قالوا : فأمره بالوضوء ; لأنه لمس المرأة ولم يجامعها .

وأجيب بأنه منقطع بين أبي ليلى ومعاذ ، فإنه لم يلقه ، ثم يحتمل أنه إنما أمره بالوضوء والصلاة للتوبة ، كما تقدم في حديث الصديق [ رضي الله عنه ] ما من عبد يذنب ذنبا فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر الله له " الحديث ، وهو مذكور في سورة آل عمران عند قوله : ( ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم [ ومن يغفر الذنوب إلا الله ] ) الآية [ آل عمران : 135 ] .

ثم قال ابن جرير : وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : عنى الله بقوله : ( أو لامستم النساء ) الجماع دون غيره من معاني اللمس ، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ ، ثم قال : حدثني بذلك إسماعيل بن موسى السدي قال : أخبرنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عروة عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ ثم يقبل ، ثم يصلي ولا يتوضأ .

ثم قال : حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن حبيب ، عن عروة ، عن عائشة ; أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ ، قلت : من هي إلا أنت ؟

فضحكت .

وهكذا رواه أبو داود والترمذي ، وابن ماجه عن جماعة من مشايخهم ، عن وكيع ، به .

ثم قال أبو داود : روي عن الثوري أنه قال : ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني ، وقال يحيى القطان لرجل : احك عني أن هذا الحديث شبه لا شيء .

وقال الترمذي : سمعت البخاري يضعف هذا الحديث وقال : حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة .

وقد وقع في رواية ابن ماجه : عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد الطنافسي ، عن وكيع عن الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة .

وأبلغ من ذلك ما رواه الإمام أحمد في ، من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة وهذا نص في كونه عروة بن الزبير ، ويشهد له قوله : من هي إلا أنت ، فضحكت .

لكن روى أبو داود ، عن إبراهيم بن مخلد الطالقاني ، عن عبد الرحمن بن مغراء ، عن الأعمش قال : حدثنا أصحاب لنا عن عروة المزني عن عائشة فذكره ، والله أعلم .

وقال ابن جرير أيضا : حدثنا أبو زيد عمر بن شبة ، عن شهاب بن عباد ، حدثنا مندل بن علي ، عن ليث ، عن عطاء ، عن عائشة - وعن أبي روق ، عن إبراهيم التيمي ، عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينال مني القبلة بعد الوضوء ، ثم لا يعيد الوضوء .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن أبي روق الهمداني ، عن إبراهيم التيمي ، عن عائشة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ثم صلى ولم يتوضأ .

[ و ] رواه أبو داود والنسائي من حديث يحيى القطان - زاد أبو داود : وابن مهدي - كلاهما عن سفيان الثوري به .

ثم قال أبو داود ، والنسائي : لم يسمع إبراهيم التيمي من عائشة .

وقال ابن جرير أيضا : حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، حدثنا أبي ، حدثنا يزيد بن سنان ، عن عبد الرحمن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أم سلمة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم ، ثم لا يفطر ، ولا يحدث وضوءا .

وقال أيضا : حدثنا أبو كريب ، حدثنا حفص بن غياث ، عن حجاج ، عن عمرو بن شعيب ، عن زينب السهمية عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان يقبل ثم يصلي ولا يتوضأ .

وقد رواه الإمام أحمد ، عن محمد بن فضيل ، عن حجاج بن أرطاة ، عن عمرو بن شعيب ، عن زينب السهمية ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، به .

وقوله : ( فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) استنبط كثير من الفقهاء من هذه الآية : أنه لا يجوز التيمم لعادم الماء إلا بعد تطلبه ، فمتى طلبه فلم يجده جاز له حينئذ التيمم .

وقد ذكروا كيفية الطلب في كتب الفروع ، كما هو مقرر في موضعه ، كما هو في الصحيحين ، من حديث عمران بن حصين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم ، فقال : " يا فلان ، ما منعك أن تصلي مع القوم ؟

ألست برجل مسلم ؟

" قال : بلى يا رسول الله ، ولكن أصابتني جنابة ولا ماء .

قال : " عليك بالصعيد ، فإنه يكفيك " .

ولهذا قال تعالى : ( فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) فالتيمم في اللغة هو : القصد .

تقول العرب : تيممك الله بحفظه ، أي : قصدك .

ومنه قول امرئ القيس ولما رأت أن المنية وردها وأن الحصى من تحت أقدامها دام تيممت العين التي عند ضارج يفيء عليها الفيء عرمضها طام والصعيد قيل : هو كل ما صعد على وجه الأرض ، فيدخل فيه التراب ، والرمل ، والشجر ، والحجر ، والنبات ، وهو قول مالك .

وقيل : ما كان من جنس التراب فيختص التراب والرمل والزرنيخ ، والنورة ، وهذا مذهب أبي حنيفة .

وقيل : هو التراب فقط ، وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهما ، واحتجوا بقوله تعالى : ( فتصبح صعيدا زلقا ) [ الكهف : 40 ] أي : ترابا أملس طيبا ، وبما ثبت في صحيح مسلم ، عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا ، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء " وفي لفظ : " وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء " .

قالوا : فخصص الطهورية بالتراب في مقام الامتنان ، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه .

والطيب هاهنا قيل : الحلال .

وقيل : الذي ليس بنجس .

كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا ابن ماجه ، من حديث أبي عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الصعيد الطيب طهور المسلم ، وإن لم يجد الماء عشر حجج ، فإذا وجده ، فليمسه بشرته ، فإن ذلك خير " .

وقال الترمذي : حسن صحيح : وصححه ابن حبان أيضا ورواه الحافظ أبو بكر البزار في عن أبي هريرة وصححه الحافظ أبو الحسن القطان .

وقال ابن عباس : أطيب الصعيد تراب الحرث .

رواه ابن أبي حاتم ، ورفعه ابن مردويه في تفسيره .

وقوله : ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) التيمم بدل عن الوضوء في التطهر به ، لا أنه بدل منه في جميع أعضائه ، بل يكفي مسح الوجه واليدين فقط بالإجماع ، ولكن اختلف الأئمة في كيفية التيمم على أقوال .

أحدها - وهو مذهب الشافعي في الجديد - : أنه يجب أن يمسح الوجه واليدين إلى المرفقين بضربتين ; لأن لفظ اليدين يصدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين ، وعلى ما يبلغ المرفقين ، كما في آية الوضوء ، ويطلق ويراد بهما ما يبلغ الكفين ، كما في آية السرقة : ( فاقطعوا أيديهما ) [ المائدة : 38 ] قالوا : وحمل ما أطلق هاهنا على ما قيد في آية الوضوء أولى لجامع الطهورية .

وذكر بعضهم ما رواه الدارقطني ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " التيمم ضربتان : ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين " .

ولكن لا يصح ; لأن في أسانيده ضعفاء لا يثبت الحديث بهم وروى أبو داود عن ابن عمر - في حديث - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه ، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها ذراعيه .

ولكن في إسناده محمد بن ثابت العبدي ، وقد ضعفه بعض الحفاظ ، ورواه غيره من الثقات فوقفوه على فعل ابن عمر ، قال البخاري وأبو زرعة وابن عدي : هو الصواب .

وقال البيهقي : رفع هذا الحديث منكر .

واحتج الشافعي بما رواه عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية ، عن الأعرج ، عن ابن الصمة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تيمم فمسح وجهه وذراعيه .

وقال ابن جرير : حدثني موسى بن سهل الرملي ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا خارجة بن مصعب ، عن عبد الله بن عطاء ، عن موسى بن عقبة ، عن الأعرج ، عن أبي جهيم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبول ، فسلمت عليه ، فلم يرد علي حتى فرغ ، ثم قام إلى الحائط فضرب بيديه عليه ، فمسح بهما وجهه ، ثم ضرب بيديه على الحائط فمسح بهما يديه إلى المرفقين ، ثم رد علي السلام .

والقول الثاني : إنه يجب مسح الوجه واليدين إلى الكفين بضربتين ، وهو القول القديم للشافعي .

والثالث : أنه يكفي مسح الوجه والكفين بضربة واحدة ; قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ; أن رجلا أتى عمر فقال : إني أجنبت فلم أجد ماء ؟

فقال عمر : لا تصل .

فقال عمار : أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء ، فأما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت ، فلما أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له ، فقال : " إنما كان يكفيك " .

وضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده الأرض ، ثم نفخ فيها ومسح بها وجهه وكفيه .

وقال أحمد أيضا : حدثنا عفان ، حدثنا أبان ، حدثنا قتادة ، عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن عمار ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في التيمم : " ضربة للوجه والكفين " .

طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا عبد الواحد ، حدثنا سليمان الأعمش ، حدثنا شقيق قال : كنت قاعدا مع عبد الله وأبي موسى فقال أبو موسى لعبد الله : لو أن رجلا لم يجد الماء لم يصل ؟

فقال عبد الله : لا .

فقال أبو موسى : أما تذكر إذ قال عمار : ألا تذكر إذ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وإياك في إبل ، فأصابتني جنابة ، فتمرغت في التراب ؟

فلما رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته ، فضحك وقال : " إنما كان يكفيك أن تقول هكذا " ، وضرب بكفيه إلى الأرض ، ثم مسح كفيه جميعا ، ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة ؟

فقال عبد الله : لا جرم ، ما رأيت عمر قنع بذاك قال : فقال له أبو موسى : فكيف بهذه الآية في سورة النساء : ( فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) ؟

قال : فما درى عبد الله ما يقول ، وقال : لو رخصنا لهم في التيمم لأوشك أحدهم إذا برد الماء على جلده أن يتيمم .

وقال تعالى في آية المائدة : ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ) [ المائدة : 6 ] ، استدل بذلك الشافعي ، رحمه الله تعالى ، على أنه لا بد في التيمم أن يكون بتراب طاهر له غبار يعلق بالوجه واليدين منه شيء ، كما رواه الشافعي بإسناده المتقدم عن ابن الصمة : أنه مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول ، فسلم عليه فلم يرد عليه ، حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه ، فضرب بيده عليه ثم مسح بها وجهه وذراعيه .

وقوله : ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ) أي : في الدين الذي شرعه لكم ( ولكن يريد ليطهركم ) فلهذا أباح لكم إذا لم تجدوا الماء أن تعدلوا إلى التيمم بالصعيد ( وليتم نعمتة عليكم لعلكم تشكرون ) ولهذا كانت هذه الأمة مختصة بشرعية التيمم دون سائر الأمم ، كما ثبت في الصحيحين ، عن جابر بن عبد الله ، رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل - وفي لفظ : فعنده طهوره ومسجده - وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة " .

وتقدم في حديث حذيفة عند مسلم : " فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض مسجدا ، وتربتها طهورا إذا لم نجد الماء " .

وقال تعالى في هذه الآية الكريمة : ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا ) أي : ومن عفوه عنكم وغفره لكم أن شرع التيمم ، وأباح لكم فعل الصلاة به إذا فقدتم الماء توسعة عليكم ورخصة لكم ، وذلك أن هذه الآية الكريمة فيها تنزيه الصلاة أن تفعل على هيئة ناقصة من سكر حتى يصحو المكلف ويعقل ما يقول ، أو جنابة حتى يغتسل ، أو حدث حتى يتوضأ ، إلا أن يكون مريضا أو عادما للماء ، فإن الله ، عز وجل ، قد أرخص في التيمم والحالة هذه ، رحمة بعباده ورأفة بهم ، وتوسعة عليهم ، ولله الحمد والمنة .

ذكر سبب نزول مشروعية التيمم : وإنما ذكرنا ذلك هاهنا ; لأن هذه الآية التي في النساء متقدمة النزول على آية المائدة ، وبيانه أن هذه نزلت قبل تحتم تحريم الخمر ، والخمر إنما حرم بعد أحد ، يقال : في محاصرة النبي صلى الله عليه وسلم لبني النضير بعد أحد بيسير ، وأما المائدة فإنها من أواخر ما نزل ، ولا سيما صدرها ، فناسب أن يذكر السبب هاهنا ، وبالله الثقة .

قال الإمام أحمد : حدثنا ابن نمير ، حدثنا هشام ، عن أبيه ، عن عائشة : أنها استعارت من أسماء قلادة ، فهلكت ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا في طلبها فوجدوها ، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء ، فصلوها بغير وضوء ، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله آية التيمم ، فقال أسيد بن الحضير لعائشة : جزاك الله خيرا ، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيرا .

طريق أخرى : قال البخاري : حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنبأنا مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، حتى إذا كنا في البيداء - أو بذات الجيش - انقطع عقد لي ، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه ، وأقام الناس معه ، وليسوا على ماء وليس معهم ماء ، فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة ؟

أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس ، وليسوا على ماء وليس معهم ماء !

فجاء أبو بكر ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام ، فقال : حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ، وليسوا على ماء وليس معهم ماء !

قالت عائشة : فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول ، وجعل يطعن بيده في خاصرتي ، ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير ماء ، فأنزل الله آية التيمم فتيمموا ، فقال أسيد بن الحضير : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر .

قالت : فبعثنا البعير الذي كنت عليه ، فوجدنا العقد تحته .

وقد رواه البخاري أيضا عن قتيبة وإسماعيل .

ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى ، عن مالك .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن صالح قال : قال ابن شهاب : حدثني عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن عمار بن ياسر ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرس بأولات الجيش ومعه عائشة زوجته ، فانقطع عقد لها من جزع ظفار ، فحبس الناس ابتغاء عقدها ، وذلك حتى أضاء الفجر ، وليس مع الناس ماء ، فأنزل الله ، عز وجل ، على رسوله صلى الله عليه وسلم رخصة التطهر بالصعيد الطيب ، فقام المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا بأيديهم الأرض ، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئا ، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ، ومن بطون أيديهم إلى الآباط .

وقد رواه ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا صيفي ، عن ابن أبي ذئب ، ] عن الزهري [ عن عبيد الله بن عبد الله ، عن أبي اليقظان قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهلك عقد لعائشة ، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضاء الفجر فتغيظ أبو بكر على عائشة ] رضي الله عنها [ فنزلت عليه الرخصة : المسح بالصعيد الطيب .

فدخل أبو بكر فقال لها : إنك لمباركة !

نزلت فيك رخصة !

فضربنا بأيدينا ضربة لوجوهنا ، وضربة لأيدينا إلى المناكب والآباط .

حديث آخر : قال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا الحسن بن أحمد حدثنا الليث حدثنا محمد بن مرزوق ، حدثنا العلاء بن أبي سوية ، حدثني الهيثم عن زريق المالكي - من بني مالك بن كعب بن سعد ، وعاش مائة وسبع عشرة سنة - عن أبيه ، عن الأسلع بن شريك قال : كنت أرحل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابتني جنابة في ليلة باردة ، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحلة ، فكرهت أن أرحل ناقته وأنا جنب ، وخشيت أن أغتسل بالماء البارد فأموت أو أمرض ، فأمرت رجلا من الأنصار فرحلها ، ثم رضفت أحجارا فأسخنت بها ماء ، فاغتسلت .

ثم لحقت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال : " يا أسلع ، مالي أرى رحلتك تغيرت ؟

" قلت : يا رسول الله ، لم أرحلها ، رحلها رجل من الأنصار ، قال : " ولم ؟

" قلت : إني أصابتني جنابة ، فخشيت القر على نفسي ، فأمرته أن يرحلها ، ورضفت أحجارا فأسخنت بها ماء فاغتسلت به ، فأنزل الله تعالى : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) [ ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ] إن الله كان عفوا غفورا ) وقد روي من وجه آخر عنه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما القول في تأويل قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } يعني بقوله جل ثناؤه : { يا أيها الذين آمنوا } صدقوا الله ورسوله { لا تقربوا الصلاة } لا تصلوا { وأنتم سكارى } وهو جمع سكران , { حتى تعلموا ما تقولون } في صلاتكم , وتقرءون فيها مما أمركم الله به , أو ندبكم إلى قيله فيها مما نهاكم عنه وزجركم .

ثم اختلف أهل التأويل في السكر الذي عناه الله بقوله : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } فقال بعضهم : عنى بذلك : السكر من الشراب.

ذكر من قال ذلك : 7554 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن عطاء بن السائب , عن أبي عبد الرحمن , عن علي : أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر , فصلى بهم عبد الرحمن , فقرأ : " قل يا أيها الكافرون " فخلط فيها , فنزلت : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } 7555 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج بن المنهال , قال : ثنا حماد , عن عطاء بن السائب , عن عبد الله بن حبيب : أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا , فدعا نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , فأكلوا وشربوا حتى ثملوا , فقدموا عليا يصلي بهم المغرب , فقرأ : قل يا أيها الكافرون , أعبد ما تعبدون , وأنتم عابدون ما أعبد , وأنا عابد ما عبدتم , لكم دينكم ولي دين .

فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } 7556 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } قبل أن تحرم الخمر , فقال الله : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } .

..

الآية.

7557 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن أبي رزين في قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } قال : نزل هذا وهم يشربون الخمر , فقال : وكان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر .

7558 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن أبي رزين , قال : كانوا يشربون بعد ما أنزلت التي في البقرة , وبعد التي في النساء , فلما أنزلت التي في المائدة تركوها .

7559 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } قال : نهوا أن يصلوا وهم سكارى , ثم نسخها تحريم الخمر .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

7560 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } قال : كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات , ثم نسخ بتحريم الخمر .

7561 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن أبي وائل وأبي رزين وإبراهيم في قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } و { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } 2 90 وقوله : { تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا } 16 67 قالوا : كان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر .

وقال آخرون : معنى ذلك : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى من النوم.

ذكر من قال ذلك : 7562 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سلمة بن نبيط , عن الضحاك : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } قال : سكر النوم .

* - حدثنا أحمد بن حازم الغفاري , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا سلمة , عن الضحاك : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } قال : لم يعن بها سكر الخمر , وإنما عنى بها سكر النوم.

قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية , تأويل من قال ذلك نهي من الله المؤمنين عن أن يقربوا الصلاة وهم سكارى من الشراب قبل تحريم الخمر , للأخبار المتظاهرة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك كذلك نهي من الله , وأن هذه الآية نزلت فيمن ذكرت أنها نزلت فيه .

فإن قال لنا قائل : وكيف يكون ذلك معناه , والسكران في حال زوال عقله نظير المجنون في حال زوال عقله , وأنت ممن تحيل تكليف المجانين لفقدهم الفهم بما يؤمر وينهى ؟

قيل له : إن السكران لو كان في معنى المجنون لكان غير جائز أمره ونهيه , ولكن السكران هو الذي يفهم ما يأتي ويذر , غير أن الشراب قد أثقل لسانه وأحر جسمه وأخدره , حتى عجز عن إقامة قراءته في صلاته وحدودها الواجبة عليه فيها من غير زوال عقله , فهو بما أمر به ونهي عنه عارف فهم , وعن أداء بعضه عاجز بخدر جسمه من الشراب.

وأما من صار إلى حد لا يعقل ما يأتي ويذر , فذلك منتقل من السكر إلى الخبل , ومعدود في المجانين , وليس ذلك الذي خوطب بقوله : { لا تقربوا الصلاة } لأن ذلك مجنون , وإنما خوطب به السكران , والسكران ما وصفنا صفته.تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى القول في تأويل قوله تعالى : { ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , فقال بعضهم : معنى ذلك : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون , ولا تقربوها جنبا إلا عابري سبيل , يعني : إلا أن تكونوا مجتازي طريق : أي مسافرين حتى تغتسلوا .

ذكر من قال ذلك : 7563 - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى , قالا : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن قتادة , عن أبي مجلز , عن ابن عباس , في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : المسافر.

وقال ابن المثنى : في السفر .

7564 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } يقول : لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب , إذا وجدتم الماء , فإن لم تجدوا الماء , فقد أحللت لكم أن تمسحوا بالأرض .

7565 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن ابن أبي ليلى , عن المنهال , عن عباد بن عبد الله , أو عن زر , عن علي رضي الله عنه : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : إلا أن تكونوا مسافرين فلا تجدوا الماء فتيمموا .

7566 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن سالم الأفطس , عن سعيد بن جبير في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : المسافر .

* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا هشام , عن قتادة , عن أبي مجلز , عن ابن عباس , بمثله .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون بن المغيرة , عن عنبسة , عن ابن أبي ليلى , عن المنهال بن عمرو , عن عباد بن عبد الله , عن علي رضي الله عنه , قال : نزلت في السفر : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } وعابر السبيل : المسافر إذا لم يجد ماء تيمم .

7567 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا هارون , عن ابن مجاهد , عن أبيه : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : المسافر إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم فيصلي .

* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , عن ابن أبي نجيح عن مجاهد , في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : هو الرجل يكون في السفر فتصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : مسافرين لا يجدون ماء فيتيممون صعيدا طيبا , حتى يجدوا الماء فيغتسلوا.

* - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : مسافرين لا يجدون ماء .

7568 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن مسعر , عن بكير بن الأخنس , عن الحسن بن مسلم , في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : إلا أن يكونوا مسافرين , فلا يجدوا الماء فيتيمموا.

7569 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام عن عمرو , عن منصور , عن الحكم : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : المسافر تصيبه الجنابة , فلا يجد ماء فيتيمم .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن سفيان , عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير , وعن منصور , عن الحكم في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قالا : المسافر الجنب لا يجد الماء فيتيمم فيصلي .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا سفيان , عن سالم , عن سعيد بن جبير : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } إلا أن يكون مسافرا .

* - حدثنا المثنى , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا سفيان , عن منصور , عن الحكم , نحوه.

7570 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن عبد الله بن كثير , قال : كنا نسمع أنه في السفر .

7571 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد , في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : هو المسافر الذي لا يجد الماء فلا بد له من أن يتيمم ويصلي , فهو يتيمم ويصلي .

قال : كان أبي يقول هذا .

وقال آخرون : معنى ذلك : لا تقربوا المصلى للصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون , ولا تقربوه جنبا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل , يعني : إلا مجتازين فيه للخروج منه .

فقال أهل هذه المقالة : أقيمت الصلاة مقام المصلى والمسجد , إذ كانت صلاة المسلمين في مساجدهم أيامئذ لا يتخلفون عن التجميع فيها , فكان في النهي عن أن يقربوا الصلاة كفاية عن ذكر المساجد والمصلى الذي يصلون فيه .

ذكر من قال ذلك : 7572 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن عبد الكريم الجزري عن أبي عبيدة بن عبد الله , عن أبيه في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : هو الممر في المسجد .

7573 - حدثنا أحمد بن حازم , قال : ثنا عبيد الله بن موسى , عن أبي جعفر الرازي , عن زيد بن أسلم , عن ابن يسار , عن ابن عباس : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : لا تقرب المسجد إلا أن يكون طريقك فيه , فتمر مرا ولا تجلس .

7574 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا معاذ بن هشام , قال : ثنا أبي , عن قتادة , عن سعيد : في الجنب يمر في المسجد مجتازا وهو قائم لا يجلس وليس بمتوضئ , وتلا هذه الآية : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } 7575 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن نهشل , عن الضحاك , عن ابن عباس , قال : لا بأس للحائض والجنب أن يمرا في المسجد ما لم يجلسا فيه.

7576 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا أبو الزبير , قال : كان أحدنا يمر في المسجد وهو جنب مجتازا .

7577 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , عن الحسن في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : الجنب يمر في المسجد ولا يقعد فيه .

7578 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو أحمد , وحدثني المثنى , قال : ثنا أبو نعيم , قالا جميعا : ثنا سفيان , عن منصور , عن إبراهيم , في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : إذا لم يجد طريقا إلا المسجد يمر فيه .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل , قال : ثنا إسرائيل , عن منصور , عن إبراهيم في هذه الآية : { ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا } قال : لا بأس أن يمر الجنب في المسجد إذا لم يكن له طريق غيره .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن إبراهيم , مثله .

7579 - حدثني المثنى , قال : ثنا شريك , عن سالم , عن سعيد بن جبير , قال : الجنب يمر في المسجد ولا يجلس فيه , ثم قرأ : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } 7580 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحماني , قال : ثنا شريك , عن عبد الكريم , عن أبي عبيدة , مثله .

7581 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحماني , قال : ثنا شريك , عن سماك , عن عكرمة , مثله .

7582 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحماني , قال : ثنا شريك , عن الحسن بن عبيد الله , عن أبي الضحى مثله .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن إسماعيل , عن الحسن , قال : لا بأس للحائض والجنب أن يمرا في المسجد ولا يقعدا فيه .

7583 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عمرو , عن سعيد , عن الزهري , قال : رخص للجنب أن يمر في المسجد .

7584 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني الليث , قال : ثني يزيد بن أبي حبيب , عن قول الله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم , فيريدون الماء ولا يجدون ممرا إلا في المسجد , فأنزل الله تبارك وتعالى : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } * - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن شعبة , عن حماد , عن إبراهيم : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : لا يجتاز في المسجد إلا أن لا يجد طريقا غيره .

7585 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن ابن مجاهد , عن أبيه : لا يمر الجنب في المسجد يتخذه طريقا .

قال أبو جعفر : وأولى القولين بالتأويل لذلك تأويل من تأوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } إلا مجتازي طريق فيه .

وذلك أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله : { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } فكان معلوما بذلك أن قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا } لو كان معنيا به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله : { وإن كنتم مرضى أو على سفر } معنى مفهوم , وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك .

وإذ كان ذلك كذلك , فتأويل الآية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون , ولا تقربوها أيضا جنبا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل .

والعابر السبيل : المجتازه مرا وقطعا , يقال منه : عبرت هذا الطريق فأنا أعبره عبرا وعبورا , ومنه قيل : عبر فلان النهر : إذا قطعه وجازه , ومنه قيل للناقة القوية على الأسفار لقوتها : وهي عبر أسفار لقوتها على الأسفار .تغتسلوا وإن كنتم القول في تأويل قوله تعالى : { وإن كنتم مرضى } يعني بقوله جل ثناؤه : { وإن كنتم مرضى } من جرح أو جدري وأنتم جنب .

كما : 7586 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا أبو المنبه الفضل بن سليم , عن الضحاك , عن ابن مسعود , قوله : { وإن كنتم مرضى أو على سفر } قال : المريض الذي قد أرخص له في التيمم هو الكسير والجريح , فإذا أصابت الجنابة الكسير اغتسل , والجريح لا يحل جراحته إلا جراحة لا يخشى عليها .

7587 - حدثنا تميم بن المنتصر , قال : ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق , عن شريك , عن إسماعيل السدي , عن أبي مالك , قال في هذه الآية : { وإن كنتم مرضى أو على سفر } قال : هي للمريض الذي به الجراحة التي يخاف منها أن يغتسل فلا يغتسل , فرخص له في التيمم .

7588 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وإن كنتم مرضى } والمرض : هو الجراح والجراحة التي يتخوف عليها من الماء إن أصابه ضر صاحبه , فذلك يتيمم صعيدا طيبا .

7589 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , عن عزرة , عن سعيد بن جبير في قوله : { وإن كنتم مرضى } قال : إذا كان به جروح أو قروح يتيمم .

7590 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عمرو , عن منصور , عن إبراهيم : { وإن كنتم مرضى } قال : من القروح تكون في الذراعين.

* - حدثنا ابن حميد , قال : حدثنا هارون , عن عمرو , عن منصور , عن إبراهيم : { وإن كنتم مرضى } قال : القروح في الذراعين.

7591 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عمرو , عن جويبر , عن الضحاك , قال : صاحب الجراحة التي يتخوف عليه منها يتيمم .

ثم قرأ : { وإن كنتم مرضى أو على سفر } 7592 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { وإن كنتم مرضى } والمرض : أن يصيب الرجل الجرح أو القرح أو الجدري , فيخاف على نفسه من برد الماء وأذاه , يتيمم بالصعيد كما يتيمم المسافر الذي لا يجد الماء .

7593 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا معاذ بن هشام , قال : ثني أبي , عن قتادة , عن عاصم , يعني الأحول , عن الشعبي , أنه سئل عن المجدور تصيبه الجنابة ؟

قال : ذهب فرسان هذه الآية .

وقال آخرون في ذلك ما : 7594 - حدثني به يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا } قال : المريض الذي لا يجد أحدا يأتيه بالماء ولا يقدر عليه , وليس له خادم , ولا عون , فإذا لم يستطع أن يتناول الماء وليس عنده من يأتيه به , ولا يحبو إليه , تيمم وصلى إذا حلت الصلاة .

قال : هذا كله قول أبي : إذا كان لا يستطيع أن يتناول الماء وليس عنده من يأتيه به لا يترك الصلاة , وهو أعذر من المسافر .

فتأويل الآية إذا : وإن كنتم جرحى أو بكم قروح أو كسر أو علة لا تقدرون معها على الاغتسال من الجنابة , وأنتم مقيمون غير مسافرين , فتيمموا صعيدا طيبا .مرضى أو على وأما قوله : { أو على سفر } أو إن كنتم مسافرين وأنتم أصحاء جنب , فتيمموا صعيدا.سفر أو جاء أحد منكم من وكذلك تأويل قوله : { أو جاء أحد منكم من الغائط } يقول : أو جاء أحد منكم من الغائط قد قضى حاجته وهو مسافر صحيح , فليتيمم صعيدا طيبا.

والغائط : ما اتسع من الأودية وتصوب , وجعل كناية عن قضاء حاجة الإنسان , لأن العرب كانت تختار قضاء حاجتها في الغيطان فكثر ذلك منها حتى غلب عليهم ذلك , فقيل لكل من قضى حاجته التي كانت تقضى في الغيطان حيث قضاها من الأرض : متغوط , جاء فلان من الغائط يعني به : قضى حاجته التي كانت تقضى في الغائط من الأرض .

وذكر عن مجاهد أنه قال في الغائط : الوادي.

7595 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { أو جاء أحد منكم من الغائط } قال : الغائط : الوادي .الغائط أو لامستم القول في تأويل قوله تعالى : { أو لامستم النساء } يعني بذلك جل ثناؤه : أو باشرتم النساء بأيديكم .

ثم اختلف أهل التأويل في اللمس الذي عناه الله بقوله : { أو لامستم النساء } فقال بعضهم : عنى بذلك : الجماع .

ذكر من قال ذلك : 7596 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير , قال : ذكروا اللمس , فقال ناس من الموالي : ليس بالجماع , وقال ناس من العرب : اللمس : الجماع .

قال : فأتيت ابن عباس , فقلت : إن ناسا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس , فقالت الموالي : ليس بالجماع , وقالت العرب : الجماع .

قال : من أي الفريقين كنت ؟

قلت : كنت من الموالي , قال : غلب فريق الموالي , إن المس واللمس , والمباشرة : الجماع , ولكن الله يكني ما شاء بما شاء .

* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي قيس , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , مثله .

7597 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي إسحاق , قال : سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس أنه قال : { أو لامستم النساء } قال : هو الجماع .

* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا وهب بن جرير , قال : ثنا أبي , عن قتادة , عن سعيد بن جبير , قال : اختلفت أنا وعطاء وعبيد بن عمير في قوله : { أو لامستم النساء } فقال عبيد بن عمير : هو الجماع , وقلت أنا وعطاء : هو اللمس .

قال : فدخلنا على ابن عباس , فسألناه , فقال : غلب فريق الموالي وأصابت العرب , هو الجماع , ولكن الله يعف ويكني .

* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن عكرمة وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وعبيد بن عمير : اختلفوا في الملامسة , فقال سعيد بن جبير وعطاء : الملامسة ما دون الجماع .

وقال عبيد : هو النكاح .

فخرج عليهم ابن عباس , فسألوه , فقال : أخطأ الموليان وأصاب العربي : الملامسة : النكاح , ولكن الله يكني ويعف .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا محمد بن بشر , عن سعيد , عن قتادة , قال : اجتمع سعيد بن جبير وعطاء وعبيد بن عمير , فذكر نحوه .

* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن عثمة , قال : ثنا سعيد بن بشير , عن قتادة , قال : قال : سعيد بن جبير وعطاء في التماس : الغمز باليد , وقال عبيد بن عمير : الجماع .

فخرج عليهم ابن عباس فقال : أخطأ الموليان , وأصاب العربي , ولكنه يعف ويكني .

* - حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم , قالا : قال ابن عباس : اللمس : الجماع .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن علية وعبد الوهاب , عن خالد , عن عكرمة , عن ابن عباس مثله .

* - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : ثنا هشيم , قال : ثنا أبو بشر , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس قال : اللمس والمس والمباشرة : الجماع , ولكن الله يكني بما شاء .

* - حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : ثنا إسحاق الأزرق , عن سفيان , عن عاصم الأحول , عن بكر بن عبد الله , عن ابن عباس , قال : الملامسة : الجماع , ولكن الله كريم يكني عما شاء .

* - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا أيوب بن سويد , عن سفيان , عن عاصم , عن بكر بن عبد الله , عن ابن عباس , مثله .

* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن داود , عن جعفر بن أبي وحشية , عن سعيد بن جبير , قال : اختلفت العرب والموالي في الملامسة على باب ابن عباس قالت العرب : الجماع , وقالت الموالي : باليد.

قال : فخرج ابن عباس , فقال : غلب فريق الموالي , الملامسة : الجماع .

* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا داود , عن رجل , عن سعيد بن جبير , قال : كنا على باب ابن عباس , فذكر نحوه .

* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا داود , عن سعيد بن جبير , قال : قعد قوم على باب ابن عباس , فذكر نحوه .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس في قوله : { أو لامستم النساء } الملامسة : هو النكاح .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن نمير , عن الأعمش , عن عبد الملك بن ميسرة , عن سعيد بن جبير , قال : اجتمعت الموالي والعرب في المسجد وابن عباس في الصفة , فاجتمعت الموالي على أنه اللمس دون الجماع , واجتمعت العرب على أنه الجماع , فقال ابن عباس : من أي الفريقين أنت ؟

قلت : من الموالي , قال : غلبت .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن أبي إسحاق , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس قال : اللمس : الجماع .

* - وبه سفيان , عن عاصم , عن بكر , عن ابن عباس , مثله.

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حفص , عن الأعمش , عن حبيب , عن سعيد , عن ابن عباس , قال : هو الجماع .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا مالك , عن زهير , عن خصيف , عن عكرمة , عن ابن عباس , مثله .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حفص , عن داود , عن جعفر بن إياس , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { أو لامستم النساء } قال : الجماع .

7598 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن أشعث , عن الشعبي , عن علي رضي الله عنه , قال : الجماع .

7599 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الأعلى , عن يونس , عن الحسن , قال : الجماع .

7600 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا مالك , عن خصيف , قال : سألت مجاهدا , فقال ذلك .

7601 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة والحسن , قالا : غشيان النساء .

وقال آخرون : عنى الله بذلك كل لمس بيد كان أو بغيرها من أعضاء جسد الإنسان .

وأوجبوا الوضوء على من مس بشيء من جسده شيئا من جسدها مفضيا إليه .

ذكر من قال ذلك : 7602 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن مخارق , عن طارق بن شهاب , عن عبد الله , أنه قال شيئا هذا معناه : الملامسة : ما دون الجماع .

7603 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن منصور , عن هلال , عن أبي عبيدة , عن عبد الله - أو عن أبي عبيدة منصور الذي شك - قال : القبلة من المس .

* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن مخارق , عن طارق , عن عبد الله , قال : اللمس : ما دون الجماع .

* - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن شعبة , عن المغيرة , عن إبراهيم , قال : قال ابن مسعود : اللمس : ما دون الجماع.

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن الأعمش , عن إبراهيم , عن أبي عبيدة , عن عبد الله , قال : القبلة من اللمس .

* - حدثنا أبو السائب , قال : ثنا أبو معاوية , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن فضيل , عن الأعمش , عن إبراهيم , عن أبي عبيدة , عن عبد الله بن مسعود , قال : القبلة من اللمس , وفيها الوضوء .

* - حدثنا تميم بن المنتصر , قال : أخبرنا إسحاق , عن شريك , عن الأعمش , عن إبراهيم , عن أبي عبيدة , عن عبد الله بن مسعود , مثله .

7604 - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي , قال : أخبرنا سليم بن أخضر , قال : أخبرنا ابن عون , عن محمد , قال : سألت عبيدة , عن قوله : { أو لامستم النساء } قال : فأشار بيده هكذا - وحكاه سليم - وأراناه أبو عبد الله , فضم أصابعه .

* - حدثني يعقوب وابن وكيع , قالا : ثنا ابن علية , عن سلمة بن علقمة , عن محمد , قال : سألت عبيدة , عن قوله : { أو لامستم النساء } قال بيده , فظننت ما عنى فلم أسأله .

7605 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن ابن عون , قال : ذكروا عند محمد مس الفرج , وأظنهم ذكروا ما قال ابن عمر في ذلك , فقال محمد : قلت لعبيدة , قوله : { أو لامستم النساء } فقال بيده .

قال ابن عون : بيده كأنه يتناول شيئا يقبض عليه .

* - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا خالد , عن محمد , قال : قال عبيدة : اللمس باليد .

* - قال ثنا ابن علية , عن هشام , عن محمد , قال : سألت عبيدة , عن هذه الآية : { أو لامستم النساء } فقال بيده , وضم أصابعه , حتى عرفت الذي أراد .

7606 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني عبيد الله بن عمر , عن نافع : أن ابن عمر كان يتوضأ من قبلة المرأة , ويرى فيها الوضوء , ويقول : هي من اللماس.

7607 - حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : أخبرنا محمد بن يزيد , عن إسماعيل , عن عامر , قال : الملامسة : ما دون الجماع .

7608 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا محل بن محرز , عن إبراهيم , قال : اللمس من شهوة ينقض الوضوء .

7609 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا شعبة , عن الحكم وحماد أنهما قالا : اللمس ما دون الجماع .

7610 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن عطاء , قال : الملامسة : ما دون الجماع .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حفص , عن أشعث , عن الشعبي , عن أصحاب عبد الله , عن عبد الله , قال : الملامسة : ما دون الجماع .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير , عن بيان , عن عامر , عن عبد الله , قال : الملامسة : ما دون الجماع.

* - قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن إبراهيم , عن عبد الله , مثله .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثني أبي , عن سفيان , عن مغيرة , عن إبراهيم , عن عبد الله , مثله .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا محمد بن بشر , عن سعيد , عن أبي معشر , عن إبراهيم , قال : قال عبد الله : الملامسة : ما دون الجماع , ثم قرأ : { أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء } * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير , عن هشام , عن ابن سيرين , قال : سألت عبيدة , عن : { أو لامستم النساء } فقال بيده هكذا , فعرفت ما يعني.

7611 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن أبيه وحسن بن صالح , عن منصور , عن هلال بن يساف , عن أبي عبيدة , قال : القبلة من اللمس.

7612 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا مالك بن إسماعيل , عن زهير , عن خصيف , عن أبي عبيدة : القبلة والشيء .

قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : عنى الله بقوله : { أو لامستم النساء } الجماع دون غيره من معاني اللمس , لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ.

7613 - حدثني بذلك إسماعيل بن موسى السدي , قال : أخبرنا أبو بكر بن عياش , عن الأعمش , عن حبيب بن أبي ثابت , عن عروة , عن عائشة , قالت : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ ثم يقبل , ثم يصلي ولا يتوضأ " .

* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن الأعمش , عن حبيب بن أبي ثابت , عن عروة , عن عائشة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ " , قلت : من هي إلا أنت ؟

فضحكت .

7614 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا حفص بن غياث , عن حجاج , عن عمرو بن شعيب , عن زينب السهمية , عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أنه كان يقبل , ثم يصلي ولا يتوضأ " .

* - حدثنا أبو زيد عمر بن شبة , قال : ثنا شهاب بن عباد , قال : ثنا مندل , عن ليث , عن عطاء , عن عائشة .

وعن أبي روق , عن إبراهيم التيمي , عن عائشة , قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينال مني القبلة بعد الوضوء , ثم لا يعيد الوضوء " .

7615 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي , قال : ثنا أبي , قال : ثني يزيد بن سنان , عن عبد الرحمن الأوزاعي , عن يحيى بن أبي كثير , عن أبي سلمة , عن أم سلمة : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم , ثم لا يفطر , ولا يحدث وضوءا " .

ففي صحة الخبر فيما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الدلالة الواضحة على أن اللمس في هذا المو ضع لمس الجماع لا جميع معاني اللمس , كما قال الشاعر : وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا يعني بذلك : ننك لماسا .

واختلف القراء في قراءة قوله : { أو لامستم النساء } فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة وبعض البصريين والكوفيين : { أو لامستم } بمعنى : أو لمستم نساءكم ولمستكم.

وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين : " أو لمستم النساء " بمعنى : أو لمستم أنتم أيها الرجال نساءكم .

وهما قراءتان متقاربتا المعنى , لأنه لا يكون الرجل لامسا امرأته إلا وهي لامسته , فاللمس في ذلك يدل على معنى اللماس , واللماس على معنى اللمس من كل واحد منهما صاحبه , فبأي القراءتين قرأ ذلك القارئ فمصيب , لاتفاق معنييهما .النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا القول في تأويل قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابتهم جنابة وهم جراح.

7616 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن محمد بن جابر , عن حماد , عن إبراهيم في المريض لا يستطيع الغسل من الجنابة أو الحائض , قال : يجزيهم التيمم , ونال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جراحة , ففشت فيهم , ثم ابتلوا بالجنابة , فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت : { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط } .

..

الآية كلها .

وقال آخرون : نزلت في قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أعوزهم الماء فلم يجدوه في سفر لهم .

ذكر من قال ذلك : 7617 - حدثنا ابن عبد الأعلى , قال : ثنا المعتمر بن سليمان , قال : سمعت عبيد الله بن عمر , عن عبد الرحمن بن القاسم , عن عائشة أنها قالت : كنت في مسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , حتى إذا كنا بذات الجيش , ضل عقدي , فأخبرت بذلك النبي صلى الله عليه وسلم , فأمر بالتماسه , فالتمس فلم يوجد .

فأناخ النبي صلى الله عليه وسلم , وأناخ الناس , فباتوا ليلتهم تلك ; فقال الناس : حبست عائشة النبي صلى الله عليه وسلم !

قالت : فجاء إلي أبو بكر , ورأس النبي صلى الله عليه وسلم في حجري وهو نائم , فجعل يهمزني ويقرصني ويقول : من أجل عقدك حبست النبي صلى الله عليه وسلم !

قالت : فلا أتحرك مخافة أن يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم , وقد أوجعني فلا أدري كيف أصنع .

فلما رآني لا أحير إليه انطلق ; فلما استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وأراد الصلاة فلم يجد ماء .

قالت : فأنزل الله تعالى آية التيمم .

قالت : فقال ابن حضير : ما هذا بأول بركتكم يا آل أبي بكر .

7618 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن أيوب , عن ابن أبي مليكة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر , ففقدت عائشة قلادة لها , فأمر الناس بالنزول , فنزلوا وليس معهم ماء , فأتى أبو بكر على عائشة , فقال لها : شققت على الناس !

وقال أيوب بيده - يصف أنه قرصها - قال : ونزلت آية التيمم , ووجدت القلادة في مناخ البعير , فقال الناس : ما رأينا امرأة أعظم بركة منها .

7619 - حدثني محمد بن عبد الله الهلالي , قال : ثني عمران بن محمد الحداد , قال : ثني الربيع بن بدر , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن رجل منا من بلعرج يقال له : الأسلع , قال : كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم , وأرحل له , فقال لي ذات ليلة : " يا أسلع قم فارحل , لي !

" قلت : يا رسول الله أصابتني جنابة .

فسكت ساعة , ثم دعاني وأتاه جبريل عليه السلام بآية الصعيد , ووصف لنا ضربتين .

7620 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثنا عمرو بن خالد , قال : ثني الربيع بن بدر , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن رجل منا يقال له الأسلع , قال : كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم , فذكر مثله , إلا أنه قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا - أو قال ساعة الشك من عمرو - قال : وأتاه جبريل عليه السلام بآية الصعيد , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قم يا أسلع فتيمم !

" قال : فتيممت ثم رحلت له .

قال : فسرنا حتى مررنا بماء فقال : " يا أسلع مس - أو أمس - بهذا جلدك !

" قال : وأراني التيمم كما أراه أبوه : ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين .

7621 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا حفص بن نفيل , قال : ثنا زهير بن معاوية , قال : ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم , قال : ثني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة أنه حدثه ذكوان أبو عمرو حاجب عائشة : أن ابن عباس دخل عليها في مرضها , فقال : أبشري كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إلا طيبا , وسقطت قلادتك ليلة الأبواء , فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتقطها , حتى أصبح في المنزل , فأصبح الناس ليس معهم ماء , فأنزل الله : { تيمموا صعيدا طيبا } فكان ذلك من سببك , وما أذن الله لهذه الأمة من الرخصة .

7622 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا ابن نمير , عن هشام , عن أبيه , عن عائشة : أنها استعارت من أسماء قلادة , فهلكت , فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا في طلبها , فوجدوها , وأدركتهم الصلاة , وليس معهم ماء , فصلوا بغير وضوء , فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله آية التيمم ; فقال أسيد بن حضير لعائشة : جزاك الله خيرا , فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيرا .

* - حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب , قال : ثني عمي عبد الله بن وهب , قال : أخبرني عمرو بن الحارث أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه عن أبيه , عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم , أنها قالت : سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون إلى المدينة , فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل , فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجري راقد , أقبل أبي , فلكزني لكزة , ثم قال : حبست الناس .

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استيقظ , وحضرت الصبح , فالتمس الماء فلم يوجد , ونزلت : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } .

..

الآية .

قال أسيد بن حضير : لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر , ما أنتم إلا بركة .

7623 - حدثني الحسن بن شبيب , قال : ثنا ابن عيينة , قال : ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم , عن عبد الله بن أبي مليكة , قال : دخل ابن عباس على عائشة , فقال : كنت أعظم المسلمين بركة على المسلمين سقطت قلادتك بالأبواء , فأنزل الله فيك آية التيمم .

القول في تأويل قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } يعني بقوله جل ثناؤه : { فلم تجدوا ماء } أو لمستم النساء , فطلبتم الماء لتتطهروا به , فلم تجدوه بثمن ولا غير ثمن , { فتيمموا } يقول : فتعمدوا , وهو تفعلوا من قول القائل : تيممت كذا : إذا قصدته وتعمدته فأنا أتيممه , وقد يقال منه : يممه فلان فهو ييممه , وأيممته أنا وأممته خفيفة , وتيممت وتأممت , ولم يسمع فيها يممت خفيفة .

ومنه قول أعشى بني ثعلبة : تيممت قيسا وكم دونه من الأرض من مهمة ذي شزن يعني بقوله : تيممت : تعمدت وقصدت , وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله : " فأموا صعيدا " .

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 7624 - حدثني عبد الله بن محمد , قال : ثنا عبدان , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : سمعت سفيان يقول في قوله : { فتيمموا صعيدا طيبا } قال : تحروا وتعمدوا صعيدا طيبا .

وأما الصعيد , فإن أهل التأويل اختلفوا فيه , فقال بعضهم : هو الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا غراس ذكر من قال ذلك : 7625 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { صعيدا طيبا } قال : التي ليس فيها شجر ولا نبات .

وقال آخرون : بل هو الأرض المستوية .

ذكر من قال ذلك : 7626 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : الصعيد : المستوي .

وقال آخرون : بل الصعيد : التراب .

ذكر من قال ذلك : 7627 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا الحكم بن بشير , قال : ثنا عمرو بن قيس الملائي , قال : الصعيد : التراب .

وقال آخرون : الصعيد : وجه الأرض .

وقال آخرون : بل هو وجه الأرض ذات التراب والغبار .

وأولى ذلك بالصواب قول من قال : هو وجه الأرض الخالية من النبات والغروس والبناء المستوية , ومنه قول ذي الرمة : كأنه بالضحى يرمي الصعيد به دبابة في عظام الرأس خرطوم يعني : يضرب به وجه الأرض .

وأما قوله طيبا , فإنه يعني به : طاهرا من الأقذار والنجاسات .

واختلف أهل التأويل في معنى قوله : { طيبا } فقال بعضهم : حلالا .

ذكر من قال ذلك : 7628 - حدثني عبد الله بن محمد , قال : ثنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : سمعت سفيان يقول في قوله : { صعيدا طيبا } قال : قال بعضهم : حلالا .

وقال بعضهم بما : 7629 - حدثني عبد الله , قال : ثنا عبدان , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن ابن جريج قراءة , قال : قلت لعطاء : { فتيمموا صعيدا طيبا } قال : الطيب : ما حولك .

قلت : مكان جرد غير أبطح , أيجزئ عني ؟

قال : نعم .

ومعنى الكلام : فإن لم تجدوا ماء أيها الناس , وكنتم مرضى , أو على سفر , أو جاء أحد منكم من الغائط , أو لمستم النساء , فأردتم أن تصلوا فتيمموا , يقول : فتعمدوا وجه الأرض الطاهرة , فامسحوا بوجوهكم وأيديكم .طيبا فامسحوا بوجوهكم القول في تأويل قوله تعالى : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } يعني بذلك جل ثناؤه : فامسحوا منه بوجوهكم وأيديكم , ولكنه ترك ذكر " منه " اكتفاء بدلالة الكلام عليه .

والمسح منه بالوجه أن يضرب المتيمم بيديه على وجه الأرض الطاهر , أو ما قام مقامه , فيمسح بما علق من الغبار وجهه , فإن كان الذي علق به الغبار كثيرا , فنفخ عن يديه أو نفضه , فهو جائز .

وإن لم يعلق بيديه من الغبار شيء , وقد ضرب بيديه أو إحداهما الصعيد , ثم مسح بهما أو بها وجهه أجزأه ذلك , لإجماع جميع الحجة على أن المتيمم لو ضرب بيديه الصعيد وهو أرض رمل فلم يعلق بيديه منها شيء فتيمم به أن ذلك مجزئه , لم يخالف ذلك من يجوز أن يعتد بخلافه .

فلما كان ذلك إجماعا منهم كان معلوما أن الذي يراد به من ضرب الصعيد باليدين مباشرة الصعيد بهما بالمعنى الذي أمر الله بمباشرته بهما , لا لأخذ تراب منه .

وأما المسح باليدين , فإن أهل التأويل اختلفوا في الحد الذي أمر الله بمسحه من اليدين , فقال بعضهم : حد ذلك الكفان إلى الزندين , وليس على المتيمم مسح ما وراء ذلك من الساعدين .

ذكر من قال ذلك : 7630 - حدثني أبو السائب سلم بن جنادة , قال : ثنا ابن إدريس , عن حصين , عن أبي مالك , قال : تيمم عمار فضرب بيديه إلى التراب ضربة واحدة , ثم مسح بيديه واحدة على الأخرى , ثم مسح وجهه , ثم ضرب بيديه أخرى , فجعل يلوي يده على الأخرى ولم يمسح الذراع .

7631 - حدثنا أبو السائب , قال : ثنا ابن إدريس , عن ابن أبي خالد , قال : رأيت الشعبي وصف لنا التيمم : فضرب بيديه إلى الأرض ضربة , ثم نفضهما ومسح وجهه , ثم ضرب أخرى , فجعل يلوي كفيه إحداهما على الأخرى , ولم يذكر أنه مسح الذراع .

7632 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن حصين , عن أبي مالك , قال : وضع عمار بن ياسر كفيه في التراب , ثم رفعهما فنفخهما , فمسح وجهه وكفيه , ثم قال : هكذا التيمم .

7633 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا أبو تميلة , قال : ثنا سلام مولى حفص , قال : سمعت عكرمة , يقول : التيمم ضربتان : ضربة للوجه , وضربة للكفين .

7634 - حدثنا علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , عن الأوزاعي , عن سعيد وابن جابر , أن مكحولا كان يقول : التيمم ضربة للوجه والكفين إلى الكوع , ويتأول مكحول القرآن في ذلك : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إلى المرافق } 5 6 وقوله في التيمم : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } ولم يستثن فيه كما استثنى في الوضوء إلى المرافق .

قال مكحول : قال الله : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } 6 38 فإنما تقطع يد السارق من مفصل الكوع .

7635 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا بشر بن بكر التنيسي , عن ابن جابر : أنه رأى مكحولا يتيمم يضرب بيديه على الصعيد , ثم يمسح بهما وجهه وكفيه بواحدة .

7636 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن داود , عن الشعبي , قال : التيمم : ضربة للوجه والكفين .

وعلة من قال هذه المقالة من الأثر ما : 7637 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عبدة ومحمد بن بشر , عن ابن أبي عروبة , عن قتادة , عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى , عن أبيه , عن عمار بن ياسر : أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التيمم , فقال : " مرة للكفين والوجه " .

وفي حديث ابن بشر : أن عمارا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن التيمم .

7638 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عبيدة بن سعيد القرشي , عن شعبة , عن الحكم , عن ابن أبزى , قال : جاء رجل إلى عمر , فقال : إني أجنبت فلم أجد الماء , فقال عمر : لا تصل !

فقال له عمار : أما تذكر أنا في مسير على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجنبت أنا وأنت , فأما أنت فلم تصل , وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت , فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم , فذكرت ذلك له , فقال : " إنما كان يكفيك " وضرب كفيه الأرض ونفخ فيهما ومسح وجهه وكفيه مرة واحدة ؟

وقالوا : أمر الله في التيمم بمسح الوجه واليدين , فما مسح من وجهه ويديه في التيمم أجزأه , إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له من أصل أو قياس .

وقال آخرون : حد المسح الذي أمر الله به في التيمم أن يمسح جميع الوجه واليدين إلى المرفقين .

ذكر من قال ذلك : 7639 - حدثنا عمران بن موسى القزاز , قال : ثنا عبد الوراث بن سعيد , قال : ثنا أيوب , عن نافع : أن ابن عمر تيمم بمربد النعم , فضرب ضربة فمسح وجهه , وضرب ضربة فمسح يديه إلى المرفقين .

* - حدثنا ابن عبد الأعلى , قال : ثنا المعتمر , قال : سمعت عبيد الله , عن نافع , عن عبد الله أنه قال : التيمم مسحتان , يضرب الرجل بيديه الأرض , يمسح بهما وجهه , ثم يضرب بهما مرة أخرى فيمسح يديه إلى المرفقين .

* - حدثني ابن المثنى , قال : ثنا يحيى بن عبيد الله , قال : أخبرني نافع , عن ابن عمر في التيمم , قال : ضربة للوجه , وضربة للكفين إلى المرفقين .

* - حدثنا أبو كريب وأبو السائب , قالا : ثنا ابن إدريس , عن عبيد الله , عن نافع , عن ابن عمر , قال : كان يقول في المسح في التيمم إلى المرفقين .

7640 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا ابن عون , قال : سألت الحسن عن التيمم , فضرب بيديه على الأرض فمسح بهما وجهه , وضرب بيديه فمسح بهما ذراعيه ظاهرهما وباطنهما .

7641 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا داود , عن عامر أنه قال في هذه الآية : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } 5 6 وقال في هذه الآية : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } 5 6 قال : أمر أن يمسح في التيمم ما أمر أن يغسل في الوضوء وأبطل ما أمر أن يمسح في الوضوء الرأس والرجلان .

7642 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , وحدثنا ابن المثنى , قال : ثني محمد بن أبي عدي جميعا , عن داود , عن الشعبي في التيمم , قال : ضربة للوجه , وضربة لليدين إلى المرفقين .

7643 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن الشعبي , قال : أمر بالتيمم فيما أمر بالغسل .

7644 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن أيوب , قال : سألت سالم بن عبد الله عن التيمم , فضرب بيديه على الأرض ضربة فمسح بهما وجهه , ثم ضرب بيديه على الأرض ضربة أخرى فمسح بهما يديه إلى المرفقين .

7645 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : وأخبرنا حبيب بن الشهيد , عن الحسن أنه سئل عن التيمم , فقال : ضربة يمسح بها وجهه , ثم ضربة أخرى يمسح بها يديه إلى المرفقين .

وعلة من قال هذه المقالة أن التيمم بدل من الوضوء على المتيمم أن يبلغ بالتراب من وجهه ويديه ما كان عليه أن يبلغه بالماء منهما في الوضوء .

واعتلوا من الأثر بما : 7646 - حدثني به موسى بن سهل الرملي , قال : ثنا نعيم بن حماد , قال : ثنا خارجة بن مصعب , عن عبد الله بن عطاء , عن موسى بن عقبة , عن الأعرج , عن أبي جهيم , قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبول فسلمت عليه فلم يرد علي , فلما فرغ قام إلى حائط , فضرب بيديه عليه , فمسح بهما وجهه , ثم ضرب بيديه إلى الحائط , فمسح بهما يديه إلى المرفقين , ثم رد علي السلام .

وقال آخرون : الحد الذي أمر الله أن يبلغ بالتراب إليه في التيمم الآباط .

ذكر من قال ذلك : 7647 - حدثني أحمد بن عبد الرحيم البرقي , قال : ثنا عمر بن أبي سلمة التنيسي , عن الأوزاعي , عن الزهري قال : التيمم إلى الآباط .

وعلة من قال ذلك أن الله أمر بمسح اليد في التيمم كما أمر بمسح الوجه , وقد أجمعوا أن عليه أن يمسح جميع الوجه , فكذلك عليه جميع اليد , ومن طرف الكف إلى الإبط يد .

واعتلوا من الخبر بما : 7648 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا صيفي بن ربعي , عن ابن أبي ذئب , عن الزهري , عن عبيد الله بن عبد الله , عن أبي اليقظان , قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلك عقد لعائشة , فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضاء الصبح , فتغيظ أبو بكر على عائشة , فنزلت عليه الرخصة المسح بالصعيد , فدخل أبو بكر فقال لها : إنك لمباركة , نزل فيك رخصة !

فضربنا بأيدينا ضربة لوجهنا , وضربة بأيدينا إلى المناكب والآباط .

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن الحد الذي لا يجزئ المتيمم أن يقصر عنه في مسحه بالتراب من يديه , الكفان إلى الزندين لإجماع الجميع على أن التقصير عن ذلك غير جائز , ثم هو فيما جاوز ذلك مخير إن شاء بلغ بمسحه المرفقين , وإن شاء الآباط .

والعلة التي من أجلها جعلناه مخيرا فيما جاوز الكفين أن الله لم يحد في مسح ذلك بالتراب في التيمم حدا لا يجوز التقصير عنه , فما مسح المتيمم من يديه أجزأه , إلا ما أجمع عليه , أو قامت الحجة بأنه لا يجزئه التقصير عنه , وقد أجمع الجميع على أن ا

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورافيه أربعة وأربعون مسألة :الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى خص الله سبحانه وتعالى بهذا الخطاب المؤمنين ؛ لأنهم كانوا يقيمون الصلاة وقد أخذوا من الخمر وأتلفت عليهم أذهانهم فخصوا بهذا الخطاب ؛ إذ كان الكفار لا يفعلونها صحاة ولا سكارى .

روى أبو داود عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لما نزل تحريم الخمر قال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ؛ فنزلت الآية التي في البقرة يسألونك عن الخمر والميسر قال : فدعي عمر فقرئت عليه فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ؛ فنزلت الآية التي في [ ص: 175 ] النساء يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة ينادي : ألا لا يقربن الصلاة سكران .

فدعي عمر فقرئت عليه فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ؛ فنزلت هذه الآية : فهل أنتم منتهون قال عمر : انتهينا .

وقال سعيد بن جبير : كان الناس على أمر جاهليتهم حتى يؤمروا أو ينهوا ؛ فكانوا يشربونها أول الإسلام حتى نزلت : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس .

قالوا : نشربها للمنفعة لا للإثم ؛ فشربها رجل فتقدم يصلي بهم فقرأ : قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ؛ فنزلت : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى .

فقالوا : في غير عين الصلاة .

فقال عمر : اللهم أنزل علينا في الخمر بيانا شافيا ؛ فنزلت : إنما يريد الشيطان الآية .

فقال عمر : انتهينا ، انتهينا .

ثم طاف منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إن الخمر قد حرمت ؛ على ما يأتي بيانه في " المائدة " إن شاء الله تعالى : وروى الترمذي عن علي بن أبي طالب قال : صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر ، فأخذت الخمر منا ، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت : قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون .

قال : فأنزل الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون .

قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

ووجه الاتصال والنظم بما قبله أنه قال سبحانه وتعالى : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا .

ثم ذكر بعد الإيمان الصلاة التي هي رأس العبادات ؛ ولذلك يقتل تاركها ولا يسقط فرضها ، وانجر الكلام إلى ذكر شروطها التي لا تصح إلا بها .الثانية : والجمهور من العلماء وجماعة الفقهاء على أن المراد بالسكر سكر الخمر ؛ إلا الضحاك فإنه قال : المراد سكر النوم ؛ لقوله عليه السلام : إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم ، فإنه لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه .

وقال عبيدة السلماني : وأنتم سكارى يعني إذا كنت حاقنا ؛ لقوله عليه السلام : لا يصلين أحدكم وهو حاقن في رواية وهو ضام بين فخذيه .قلت : وقول الضحاك وعبيدة صحيح المعنى ؛ فإن المطلوب من المصلي الإقبال على [ ص: 176 ] الله تعالى بقلبه وترك الالتفات إلى غيره ، والخلو عن كل ما يشوش عليه من نوم وحقنة وجوع ، وكل ما يشغل البال ويغير الحال .

قال صلى الله عليه وسلم : إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء .

فراعى صلى الله عليه وسلم زوال كل مشوش يتعلق به الخاطر ، حتى يقبل على عبادة ربه بفراغ قلبه وخالص لبه ، فيخشع في صلاته .

ويدخل في هذه الآية : قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون على ما يأتي بيانه .

وقال ابن عباس : إن قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى منسوخ بآية المائدة : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا الآية .

فأمروا على هذا القول بألا يصلوا سكارى ؛ ثم أمروا بأن يصلوا على كل حال ؛ وهذا قبل التحريم .

وقال مجاهد : نسخت بتحريم الخمر .

وكذلك قال عكرمة وقتادة ، وهو الصحيح في الباب لحديث علي المذكور .

وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : أقيمت الصلاة فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقربن الصلاة سكران ؛ ذكره النحاس .

وعلى قول الضحاك وعبيدة الآية محكمة لا نسخ فيها .الثالثة : قوله تعالى : لا تقربوا إذا قيل : لا تقرب بفتح الراء كان معناه لا تلبس بالفعل ، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدن منه .

والخطاب لجماعة الأمة الصاحين .

وأما السكران إذا عدم الميز لسكره فليس بمخاطب في ذلك الوقت لذهاب عقله ؛ وإنما هو مخاطب بامتثال ما يجب عليه ، وبتكفير ما ضيع في وقت سكره من الأحكام التي تقرر تكليفه إياها قبل السكر .الرابعة : قوله تعالى : الصلاة اختلف العلماء في المراد بالصلاة هنا ؛ فقالت طائفة : هي العبادة المعروفة نفسها ؛ وهو قول أبي حنيفة ؛ ولذلك قال حتى تعلموا ما تقولون .

وقالت طائفة : المراد مواضع الصلاة ؛ وهو قول الشافعي ، فحذف المضاف .

وقد قال تعالى لهدمت صوامع وبيع وصلوات الحج : فسمى مواضع الصلاة صلاة .

ويدل على هذا التأويل قوله تعالى : ولا جنبا إلا عابري سبيل وهذا يقتضي جواز العبور للجنب في المسجد لا الصلاة فيه .

وقال أبو حنيفة : المراد بقوله تعالى : ولا جنبا إلا عابري سبيل المسافر إذا لم [ ص: 177 ] يجد الماء فإنه يتيمم ويصلي ؛ وسيأتي بيانه .

وقالت طائفة : المراد الموضع والصلاة معا ؛ لأنهم كانوا حينئذ لا يأتون المسجد إلا للصلاة ولا يصلون إلا مجتمعين ، فكانا متلازمين .الخامسة : قوله تعالى : وأنتم سكارى ابتداء وخبر ، جملة في موضع الحال من تقربوا .

وسكارى جمع سكران ؛ مثل كسلان وكسالى .

وقرأ النخعي " سكرى " بفتح السين على مثال فعلى ، وهو تكسير سكران ؛ وإنما كسر على سكرى لأن السكر آفة تلحق العقل فجرى مجرى صرعى وبابه .

وقرأ الأعمش " سكرى " كحبلى فهو صفة مفردة ؛ وجاز الإخبار بالصفة المفردة عن الجماعة على ما يستعملونه من الإخبار عن الجماعة بالواحد .

والسكر : نقيض الصحو ؛ يقال : سكر يسكر سكرا ، من باب حمد يحمد .

وسكرت عينه تسكر أي تحيرت ؛ ومنه قوله تعالى : إنما سكرت أبصارنا .

وسكرت الشق سددته .

فالسكران قد انقطع عما كان عليه من العقل .السادسة : وفي هذه الآية دليل بل نص على أن الشرب كان مباحا في أول الإسلام حتى ينتهي بصاحبه إلى السكر .

وقال قوم : السكر محرم في العقل وما أبيح في شيء من الأديان ؛ وحملوا السكر في هذه الآية على النوم .

وقال القفال : يحتمل أنه كان أبيح لهم من الشراب ما يحرك الطبع إلى السخاء والشجاعة والحمية .قلت : وهذا المعنى موجود في أشعارهم ؛ وقد قال حسان :ونشربها فتتركنا ملوكاوقد أشبعنا هذا المعنى في " البقرة " .

قال القفال : فأما ما يزيل العقل حتى يصير صاحبه في حد الجنون والإغماء فما أبيح قصده ، بل لو اتفق من غير قصد فيكون مرفوعا عن صاحبه .قلت : هذا صحيح ، وسيأتي بيانه في " المائدة " إن شاء الله تعالى في قصة حمزة .

وكان المسلمون لما نزلت هذه الآية يجتنبون الشرب أوقات الصلوات ، فإذا صلوا العشاء شربوها ؛ فلم يزالوا على ذلك حتى نزل تحريمها في " المائدة " في قوله تعالى : فهل أنتم منتهون .السابعة : قوله تعالى : حتى تعلموا ما تقولون أي حتى تعلموه متيقنين فيه من غير غلط .

والسكران لا يعلم ما يقول ؛ ولذلك قال عثمان بن عفان رضي الله عنه : إن السكران لا يلزمه طلاقه .

وروي عن ابن عباس وطاوس وعطاء والقاسم وربيعة ، وهو قول الليث بن سعد وإسحاق وأبي ثور والمزني ؛ واختاره الطحاوي وقال : أجمع العلماء على أن طلاق المعتوه لا [ ص: 178 ] يجوز ، والسكران معتوه كالموسوس معتوه بالوسواس .

ولا يختلفون أن من شرب البنج فذهب عقله أن طلاقه غير جائز ؛ فكذلك من سكر من الشراب .

وأجازت طائفة طلاقه ؛ وروي عن عمر بن الخطاب ومعاوية وجماعة من التابعين ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي ، واختلف فيه قول الشافعي .

وألزمه مالك الطلاق والقود في الجراح والقتل ، ولم يلزمه النكاح والبيع .

وقال أبو حنيفة : أفعال السكران وعقوده كلها ثابتة كأفعال الصاحي ، إلا الردة فإنه إذا ارتد فإنه لا تبين منه امرأته إلا استحسانا .

وقال أبو يوسف : يكون مرتدا في حال سكره ؛ وهو قول الشافعي إلا أنه لا يقتله في حال سكره ولا يستتيبه .

وقال الإمام أبو عبد الله المازري : وقد رويت عندنا رواية شاذة أنه لا يلزم طلاق السكران .

وقال محمد بن عبد الحكم : لا يلزمه طلاق ولا عتاق .

قال ابن شاس : ونزل الشيخ أبو الوليد الخلاف على المخلط الذي معه بقية من عقله إلا أنه لا يملك الاختلاط من نفسه فيخطئ ويصيب .

قال : فأما السكران الذي لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة ، فلا اختلاف في أنه كالمجنون في جميع أفعاله وأحواله فيما بينه وبين الناس ، وفيما بينه وبين الله تعالى أيضا ؛ إلا فيما ذهب وقته من الصلوات ، فقيل : إنها لا تسقط عنه بخلاف المجنون ؛ من أجل أنه بإدخاله السكر على نفسه كالمتعمد لتركها حتى خرج وقتها .

وقال سفيان الثوري : حد السكر اختلال العقل ؛ فإذا استقرئ فخلط في قراءته وتكلم بما لا يعرف جلد .

وقال أحمد : إذا تغير عقله عن حال الصحة فهو سكران ؛ وحكي عن مالك نحوه .

قال ابن المنذر : إذا خلط في قراءته فهو سكران ؛ استدلالا بقول الله تعالى : حتى تعلموا ما تقولون .

فإذا كان بحيث لا يعلم ما يقول تجنب المسجد مخافة التلويث ؛ ولا تصح صلاته وإن صلى قضى .

وإن كان بحيث يعلم ما يقول فأتى بالصلاة فحكمه حكم الصاحي .الثامنة : قوله تعالى : ولا جنبا عطف على موضع الجملة المنصوبة في قوله : حتى تعلموا أي لا تصلوا وقد أجنبتم .

ويقال : تجنبتم وأجنبتم وجنبتم بمعنى .

ولفظ الجنب لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع ؛ لأنه على وزن المصدر كالبعد والقرب .

وربما خففوه فقالوا : جنب ؛ وقد قرأه كذلك قوم .

وقال الفراء : يقال جنب الرجل وأجنب من الجنابة .

وقيل : يجمع الجنب في لغة على أجناب ؛ مثل عنق وأعناق ، وطنب وأطناب .

ومن قال للواحد جانب قال في الجمع : جناب ؛ كقولك : راكب وركاب .

والأصل البعد ؛ كأن الجنب بعد بخروج الماء الدافق عن حال الصلاة ؛ قال :فلا تحرمني نائلا عن جنابة فإني امرؤ وسط القباب غريب[ ص: 179 ] ورجل جنب : غريب .

والجنابة مخالطة الرجل المرأة .التاسعة : والجمهور من الأمة على أن الجنب هو غير الطاهر من إنزال أو مجاوزة ختان .

وروي عن بعض الصحابة ألا غسل إلا من إنزال ؛ لقوله عليه السلام : إنما الماء من الماء أخرجه مسلم .

وفي البخاري عن أبي بن كعب أنه قال : يا رسول الله ، إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل ؟

قال : يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي .

قال أبو عبد الله : الغسل أحوط ؛ وذلك الآخر إنما بيناه لاختلافهم .

وأخرجه مسلم في صحيحه بمعناه ، وقال في آخره : قال أبو العلاء بن الشخير كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينسخ حديثه بعضه بعضا كما ينسخ القرآن بعضه بعضا .

قال أبو إسحاق : هذا منسوخ .

وقال الترمذي : كان هذا الحكم في أول الإسلام ثم نسخ .قلت : على هذا جماعة العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ، وأن الغسل يجب بنفس التقاء الختانين .

وقد كان فيه خلاف بين الصحابة ثم رجعوا فيه إلى رواية عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان منه وجب الغسل .

أخرجه مسلم .

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا قعد بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل .

زاد مسلم ( وإن لم ينزل ) .

وقال ابن القصار : وأجمع التابعون ومن بعدهم بعد خلاف من قبلهم على الأخذ بحديث ( إذا التقى الختانان ) وإذا صح الإجماع بعد الخلاف كان مسقطا للخلاف .

قال القاضي عياض : لا نعلم أحدا قال به بعد خلاف الصحابة إلا ما حكي عن الأعمش ثم بعده داود الأصبهاني .

وقد روي أن عمر رضي الله عنه حمل الناس على ترك الأخذ بحديث ( الماء من الماء ) لما اختلفوا .

وتأوله ابن عباس على الاحتلام ؛ أي إنما يجب الاغتسال بالماء من إنزال الماء في الاحتلام .

ومتى لم يكن إنزال وإن رأى أنه يجامع فلا غسل .

وهذا ما لا خلاف فيه بين كافة العلماء .العاشرة : قوله تعالى : إلا عابري سبيل يقال : عبرت الطريق أي قطعته من جانب إلى جانب .

وعبرت النهر عبورا ، وهذا عبر النهر أي شطه ، ويقال : عبر بالضم .

والمعبر ما [ ص: 180 ] يعبر عليه من سفينة أو قنطرة .

وهذا عابر السبيل أي مار الطريق .

وناقة عبر أسفار : لا تزال يسافر عليها ويقطع بها الفلاة والهاجرة لسرعة مشيها .

قال الشاعر :عيرانة سرح اليدين شملة عبر الهواجر كالهزف الخاضبوعبر القوم ماتوا .

وأنشد :قضاء الله يغلب كل شيء ويلعب بالجزوع وبالصبورفإن نعبر فإن لنا لمات وإن نغبر فنحن على نذوريقول : إن متنا فلنا أقران ، وإن بقينا فلا بد لنا من الموت ؛ حتى كأن علينا في إتيانه نذورا .الحادية عشرة : واختلف العلماء في قوله : إلا عابري سبيل فقال علي رضي الله عنه وابن عباس وابن جبير ومجاهد والحكم : عابر السبيل المسافر .

ولا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال ، إلا المسافر فإنه يتيمم ؛ وهذا قول أبي حنيفة ؛ لأن الغالب في الماء لا يعدم في الحضر ؛ فالحاضر يغتسل لوجود الماء ، والمسافر يتيمم إذا لم يجده .

قال ابن المنذر : وقال أصحاب الرأي في الجنب المسافر يمر على مسجد فيه عين ماء يتيمم الصعيد ويدخل المسجد ويستقي منها ثم يخرج الماء من المسجد .

ورخصت طائفة في دخول الجنب المسجد .

واحتج بعضهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم : المؤمن ليس بنجس .

قال ابن المنذر : وبه نقول .

وقال ابن عباس أيضا وابن مسعود وعكرمة والنخعي : عابر السبيل الخاطر المجتاز ؛ وهو قول عمرو بن دينار ومالك والشافعي .

وقالت طائفة : لا يمر الجنب في المسجد إلا ألا يجد بدا فيتيمم ويمر فيه ؛ هكذا قال الثوري وإسحاق بن راهويه .

وقال أحمد وإسحاق في الجنب : إذا توضأ لا بأس أن يجلس في المسجد حكاه ابن المنذر .

وروى بعضهم في سبب الآية أن قوما من الأنصار كانت أبواب دورهم شارعة في المسجد ، فإذا أصاب أحدهم الجنابة اضطر إلى المرور في المسجد .قلت : وهذا صحيح ؛ يعضده ما رواه أبو داود عن جسرة بنت دجاجة قالت : سمعت عائشة رضي الله عنها تقول : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد ؛ فقال : وجهوا هذه البيوت عن المسجد .

ثم دخل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن تنزل لهم رخصة فخرج إليهم فقال : وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب .

وفي صحيح مسلم : لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر .

[ ص: 181 ] فأمر صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب لما كان يؤدي ذلك إلى اتخاذ المسجد طريقا والعبور فيه .

واستثنى خوخة أبي بكر إكراما له وخصوصية ؛ لأنهما كانا لا يفترقان غالبا .

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن أذن لأحد أن يمر في المسجد ولا يجلس فيه إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

ورواه عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ينبغي لمسلم ولا يصلح أن يجنب في المسجد إلا أنا وعلي .

قال علماؤنا : وهذا يجوز أن يكون ذلك ؛ لأن بيت علي كان في المسجد ، كما كان بيت النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ، وإن كان البيتان لم يكونا في المسجد ولكن كانا متصلين بالمسجد وأبوابهما كانت في المسجد فجعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد فقال : ما ينبغي لمسلم .

.

الحديث .

والذي يدل على أن بيت علي كان في المسجد ما رواه ابن شهاب عن سالم بن عبد الله قال : سأل رجل أبي عن علي وعثمان رضي الله عنهما أيهما كان خيرا ؟

فقال له عبد الله بن عمر : هذا بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم !

وأشار إلى بيت علي إلى جنبه ، لم يكن في المسجد غيرهما ؛ وذكر الحديث .

فلم يكونا يجنبان في المسجد وإنما كانا يجنبان في بيوتهما ، وبيوتهما من المسجد إذ كان أبوابهما فيه ؛ فكانا يستطرقانه في حال الجنابة إذا خرجا من بيوتهما .

ويجوز أن يكون ذلك تخصيصا لهما ؛ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم خص بأشياء ، فيكون هذا مما خص به ، ثم خص النبي صلى الله عليه وسلم عليا عليه السلام فرخص له في ما لم يرخص فيه لغيره .

وإن كانت أبواب بيوتهم في المسجد ، فإنه كان في المسجد أبواب بيوت غير بيتيهما ؛ حتى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بسدها إلا باب علي .

وروى عمرو بن ميمون عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سدوا الأبواب إلا باب علي فخصه عليه السلام بأن ترك بابه في المسجد ، وكان يجنب في بيته وبيته في المسجد .

وأما قوله : لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر فإن ذلك كانت - والله أعلم - أبوابا تطلع إلى المسجد خوخات ، وأبواب البيوت خارجة من المسجد ؛ فأمر عليه السلام بسد تلك الخوخات وترك خوخة أبي بكر إكراما له .

والخوخات كالكوى والمشاكي ، وباب علي كان باب البيت الذي كان يدخل منه ويخرج .

وقد فسر ابن عمر ذلك بقوله : ولم يكن في المسجد غيرهما .فإن قيل : فقد ثبت عن عطاء بن يسار أنه قال : كان رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تصيبهم الجنابة فيتوضئون ويأتون المسجد فيتحدثون فيه .

وهذا يدل على أن اللبث في [ ص: 182 ] المسجد للجنب جائز إذا توضأ ؛ وهو مذهب أحمد وإسحاق كما ذكرنا .

فالجواب أن الوضوء لا يرفع حدث الجنابة ، وكل موضع وضع للعبادة وأكرم عن النجاسة الظاهرة ينبغي ألا يدخله من لا يرضى لتلك العبادة ، ولا يصح له أن يتلبس بها .

والغالب من أحوالهم المنقولة أنهم كانوا يغتسلون في بيوتهم .

فإن قيل : يبطل بالمحدث .

قلنا : ذلك يكثر وقوعه فيشق الوضوء منه ؛ وفي قوله تعالى : ولا جنبا إلا عابري سبيل ما يغني ويكفي .

وإذا كان لا يجوز له اللبث في المسجد فأحرى ألا يجوز له مس المصحف ولا القراءة فيه ؛ إذ هو أعظم حرمة .

وسيأتي بيانه في " الواقعة " إن شاء الله تعالى .الثانية عشرة : ويمنع الجنب عند علمائنا من قراءة القرآن غالبا إلا الآيات اليسيرة للتعوذ .

وقد روى موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يقرأ الجنب والحائض شيئا من القرآن أخرجه ابن ماجه .

وأخرج الدارقطني من حديث سفيان عن مسعر ، وشعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن علي قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحجبه عن قراءة القرآن شيء إلا أن يكون جنبا .

قال سفيان : قال لي شعبة : ما أحدث بحديث أحسن منه .

وأخرجه ابن ماجه قال : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ؛ فذكره بمعناه ، وهذا إسناد صحيح .

وعن ابن عباس ، عن عبد الله بن رواحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب ؛ أخرجه الدارقطني .

وروى عن عكرمة قال : كان ابن رواحة مضطجعا إلى جنب امرأته فقام إلى جارية له في ناحية الحجرة فوقع عليها ؛ وفزعت امرأته فلم تجده في مضجعه ، فقامت فخرجت فرأته على جاريته ، فرجعت إلى البيت فأخذت الشفرة ثم خرجت ، وفرغ فقام فلقيها تحمل الشفرة فقال مهيم ؟

قالت : مهيم !

لو أدركتك حيث رأيتك لوجأت بين كتفيك بهذه الشفرة .

قال : وأين رأيتني ؟

قالت : رأيتك على الجارية ؛ فقال : ما رأيتني ؛ وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب .

قالت : فاقرأ ، وكانت لا تقرأ القرآن ، فقال :أتانا رسول الله يتلو كتابه كما لاح مشهور من الفجر ساطعأتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقعيبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجعفقالت : آمنت بالله وكذبت البصر .

ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ؛ فضحك حتى بدت نواجذه صلى الله عليه وسلم .[ ص: 183 ] الثالثة عشرة : حتى تغتسلوا نهى الله سبحانه وتعالى عن الصلاة إلا بعد الاغتسال ؛ والاغتسال معنى معقول ، ولفظه عند العرب معلوم ، يعبر به عن إمرار اليد مع الماء على المغسول ؛ ولذلك فرقت العرب بين قولهم : غسلت الثوب ، وبين قولهم : أفضت عليه الماء وغمسته في الماء .

إذا تقرر هذا فاعلم أن العلماء اختلفوا في الجنب يصب على جسده الماء أو ينغمس فيه ولا يتدلك ؛ فالمشهور من مذهب مالك أنه لا يجزئه حتى يتدلك ؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر الجنب بالاغتسال ، كما أمر المتوضئ بغسل وجهه ويديه ؛ ولم يكن للمتوضئ بد من إمرار يديه مع الماء على وجهه ويديه ، فكذلك جميع جسد الجنب ورأسه في حكم وجه المتوضئ ويديه .

وهذا قول المزني واختياره .

قال أبو الفرج عمرو بن محمد المالكي : وهذا هو المعقول من لفظ الغسل ؛ لأن الاغتسال في اللغة هو الافتعال ، ومن لم يمر فلم يفعل غير صب الماء لا يسميه أهل اللسان غاسلا ، بل يسمونه صابا للماء ومنغمسا فيه .

قال : وعلى نحو هذا جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة قال : وإنقاؤه - والله أعلم - لا يكون إلا بتتبعه ؛ على حد ما ذكرنا .قلت : لا حجة فيما استدل به من الحديث لوجهين : أحدهما : أنه قد خولف في تأويله ؛ قال سفيان بن عيينة : المراد بقوله عليه السلام وأنقوا البشرة أراد غسل الفرج وتنظيفه ، وأنه كنى بالبشرة عن الفرج .

قالابن وهب : ما رأيت أحدا أعلم بتفسير الأحاديث من ابن عيينة .الثاني : أن الحديث أخرجه أبو داود في سننه وقال فيه : وهذا الحديث ضعيف ؛ كذا في رواية ابن داسة .

وفي رواية اللؤلئي عنه : الحارث بن وجيه ضعيف ، حديثه منكر ؛ فسقط الاستدلال بالحديث ، وبقي المعول على اللسان كما بينا .

ويعضده ما ثبت في صحيح الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصبي فبال عليه ، فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله ؛ روته عائشة ، ونحوه عن أم قيس بنت محصن ؛ أخرجهما مسلم .

وقال الجمهور من العلماء وجماعة الفقهاء : يجزئ الجنب صب الماء والانغماس فيه إذا أسبغ وعم وإن لم يتدلك ؛ على مقتضى حديث ميمونة وعائشة في غسل النبي صلى الله عليه وسلم .

رواهما الأئمة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفيض الماء على جسده ؛ وبه قال محمد بن عبد الحكم ، وإليه رجع أبو الفرج ورواه عن مالك ؛ قال : وإنما أمر بإمرار اليدين في الغسل لأنه لا يكاد من لم يمر يديه عليه يسلم من تنكب الماء عن بعض ما يجب عليه من جسده .

وقال ابن العربي : وأعجب لأبي الفرج الذي روى وحكى عن [ ص: 184 ] صاحب المذهب أن الغسل دون ذلك يجزئ !

وما قاله قط مالك نصا ولا تخريجا ، وإنما هي من أوهامه .قلت : قد روي هذا عن مالك نصا ؛ قال مروان بن محمد الظاهري وهو ثقة من ثقات الشاميين : سألت مالك بن أنس عن رجل انغمس في ماء وهو جنب ولم يتوضأ ، قال : مضت صلاته .قال أبو عمر : فهذه الرواية فيها لم يتدلك ولا توضأ ، وقد أجزأه عند مالك .

والمشهور من مذهبه أنه لا يجزئه حتى يتدلك ؛ قياسا على غسل الوجه واليدين .

وحجة الجماعة أن كل من صب عليه الماء فقد اغتسل .

والعرب تقول : غسلتني السماء .

وقد حكت عائشة وميمونة صفة غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكرا تدلكا ، ولو كان واجبا ما تركه ؛ لأنه المبين عن الله مراده ، ولو فعله لنقل عنه ؛ كما نقل تخليل أصول شعره بالماء وغرفه على رأسه ، وغير ذلك من صفة غسله ووضوئه عليه السلام .

قال أبو عمر : وغير نكير أن يكون الغسل في لسان العرب مرة بالعرك ومرة بالصب والإفاضة ؛ وإذا كان هذا فلا يمتنع أن يكون الله جل وعز تعبد عباده في الوضوء بإمرار أيديهم على وجوههم مع الماء ويكون ذلك غسلا ، وأن يفيضوا الماء على أنفسهم في غسل الجنابة والحيض ، ويكون ذلك غسلا موافقا للسنة غير خارج من اللغة ، ويكون كل واحد من الأمرين أصلا في نفسه ، لا يجب أن يرد أحدهما إلى صاحبه ؛ لأن الأصول لا يرد بعضها إلى بعض قياسا - وهذا ما لا خلاف فيه بين علماء الأمة .

وإنما ترد الفروع قياسا على الأصول .

وبالله التوفيق .الرابعة عشرة : حديث ميمونة وعائشة يرد ما رواه شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس أنه كان إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه سبعا وفرجه سبعا .

وقد روي عن ابن عمر قال : كانت الصلاة خمسين ، والغسل من الجنابة سبع مرار ، وغسل البول من الثوب سبع مرار ؛ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل حتى جعلت الصلاة خمسا ، والغسل من الجنابة مرة ، والغسل من البول مرة .

قال ابن عبد البر : وإسناد هذا الحديث عن ابن عمر فيه ضعف ولين ، وإن كان أبو داود قد خرجه والذي قبله عن شعبة مولى ابن عباس ، وشعبة هذا ليس بالقوي ، ويردهما حديث عائشة وميمونة .الخامسة عشرة : ومن لم يستطع إمرار يده على جسده فقد قال سحنون : يجعل من يلي ذلك منه ، أو يعالجه بخرقة .

وفي الواضحة : يمر يديه على ما يدركه من جسده ، ثم يفيض الماء حتى يعم ما لم تبلغه يداه .السادسة عشرة : واختلف قول مالك في تخليل الجنب لحيته ؛ فروى ابن القاسم عنه أنه [ ص: 185 ] قال : ليس عليه ذلك .

وروى أشهب عنه أن عليه ذلك .

قال ابن عبد الحكم : ذلك هو أحب إلينا ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخلل شعره في غسل الجنابة ، وذلك عام وإن كان الأظهر فيه شعر رأسه ؛ وعلى هذين القولين العلماء .

ومن جهة المعنى أن استيعاب جميع الجسد في الغسل واجب ، والبشرة التي تحت اللحية من جملته ؛ فوجب إيصال الماء إليها ومباشرتها باليد .

وإنما انتقل الفرض إلى الشعر في الطهارة الصغرى لأنها مبنية على التخفيف ، ونيابة الأبدال فيها من غير ضرورة ؛ ولذلك جاز فيها المسح على الخفين ولم يجز في الغسل .قلت : ويعضد هذا قوله صلى الله عليه وسلم : تحت كل شعرة جنابة .السابعة عشرة : وقد بالغ قوم فأوجبوا المضمضة والاستنشاق ؛ لقوله تعالى : حتى تغتسلوا منهم أبو حنيفة ؛ ولأنهما من جملة الوجه وحكمهما حكم ظاهر الوجه كالخد والجبين ، فمن تركهما وصلى أعاد كمن ترك لمعة ، ومن تركهما في وضوئه فلا إعادة عليه .

وقال مالك : ليستا بفرض لا في الجنابة ولا في الوضوء ؛ لأنهما باطنان فلا يجب كداخل الجسد .

وبذلك قال محمد بن جرير الطبري والليث بن سعد والأوزاعي وجماعة من التابعين .

وقال ابن أبي ليلى وحماد بن أبي سليمان : هما فرض في الوضوء والغسل جميعا ؛ وهو قول إسحاق وأحمد بن حنبل وبعض أصحاب داود .

وروي عن الزهري وعطاء مثل هذا القول .

وروي عن أحمد أيضا أن المضمضة سنة والاستنشاق فرض ؛ وقال به بعض أصحاب داود .

وحجة من لم يوجبهما أن الله سبحانه لم يذكرهما في كتابه ، ولا أوجبهما رسوله ولا اتفق الجميع عليه ؛ والفرائض لا تثبت إلا بهذه الوجوه .

احتج من أوجبهما بالآية ، وقوله تعالى : فاغسلوا وجوهكم فما وجب في الواحد من الغسل وجب في الآخر ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحفظ عنه أنه ترك المضمضة والاستنشاق في وضوئه ولا في غسله من الجنابة ؛ وهو المبين عن الله مراده قولا وعملا .

احتج من فرق بينهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل المضمضة ولم يأمر بها ، وأفعاله مندوب إليها ليست بواجبة إلا بدليل ، وفعل الاستنشاق وأمر به ؛ وأمره على الوجوب أبدا .الثامنة عشرة : قال علماؤنا : ولا بد في غسل الجنابة من النية ؛ لقوله تعالى : حتى تغتسلوا وذلك يقتضي النية ؛ وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وكذلك الوضوء والتيمم .

وعضدوا هذا بقوله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين [ ص: 186 ] والإخلاص النية في التقرب إلى الله تعالى ، والقصد له بأداء ما افترض على عباده المؤمنين ، وقال عليه السلام : إنما الأعمال بالنيات وهذا عمل .

وقال الأوزاعي والحسن : يجزئ الوضوء والتيمم بغير نية .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : كل طهارة بالماء فإنها تجزئ بغير نية ، ولا يجزئ التيمم إلا بنية ؛ قياسا على إزالة النجاسة بالإجماع من الأبدان والثياب بغير نية .

ورواه الوليد بن مسلم عن مالك .التاسعة عشرة : وأما قدر الماء الذي يغتسل به ؛ فروى مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من إناء هو الفرق من الجنابة .

" الفرق " تحرك راؤه وتسكن .

قال ابن وهب : " الفرق " مكيال من الخشب ، كان ابن شهاب يقول : إنه يسع خمسة أقساط بأقساط بني أمية .

وقد فسر محمد بن عيسى الأعشى " الفرق " فقال : ثلاثة آصع ، قال : وهي خمسة أقساط ، قال : وفي الخمسة أقساط اثنا عشر مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم .

وفي صحيح مسلم قال سفيان : " الفرق " ثلاثة آصع .

وعن أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد .

وفي رواية : يغتسل بخمسة مكاكيك ويتوضأ بمكوك .

وهذه الأحاديث تدل على استحباب تقليل الماء من غير كيل ولا وزن ، يأخذ منه الإنسان بقدر ما يكفي ولا يكثر منه ، فإن الإكثار منه سرف والسرف مذموم .

ومذهب الإباضية الإكثار من الماء ، وذلك من الشيطان .الموفية عشرين : قوله تعالى : وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكمهذه آية التيمم ، نزلت في عبد الرحمن بن عوف أصابته جنابة وهو جريح ؛ فرخص له في أن يتيمم ، ثم صارت الآية عامة في جميع الناس .

وقيل : نزلت بسبب عدم الصحابة الماء في غزوة " المريسيع " حين انقطع العقد لعائشة .

أخرج الحديث مالك من رواية عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة .

وترجم البخاري هذه الآية في كتاب التفسير : حدثنا محمد قال : أخبرنا عبدة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : هلكت قلادة لأسماء فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبها رجالا ، فحضرت الصلاة وليسوا على وضوء ولم يجدوا ماء فصلوا وهم على غير وضوء ؛ فأنزل الله تعالى آية التيمم .[ ص: 187 ] قلت : وهذه الرواية ليس فيها ذكر للموضع ، وفيها أن القلادة كانت لأسماء ؛ خلاف حديث مالك .

وذكر النسائي من رواية علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها استعارت من أسماء قلادة لها وهي في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانسلت منها وكان ذلك المكان يقال له الصلصل ؛ وذكر الحديث .

ففي هذه الرواية عن هشام أن القلادة كانت لأسماء ، وأن عائشة استعارتها من أسماء .

وهذا بيان لحديث مالك إذا قال : انقطع عقد لعائشة ، ولحديث البخاري إذ قال : هلكت قلادة لأسماء .

وفيه أن المكان يقال له الصلصل .

وأخرجه الترمذي حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه ، عن عائشة أنها سقطت قلادتها ليلة الأبواء ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين في طلبها ، وذكر الحديث .

ففي هذه الرواية عن هشام أيضا إضافة القلادة إليها ، لكن إضافة مستعير بدليل حديث النسائي .

وقال في المكان : " الأبواء " كما قال مالك ، إلا أنه من غير شك .

وفي حديث مالك قال : وبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته .

وجاء في البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجده .

وهذا كله صحيح المعنى ، وليس اختلاف النقلة في العقد والقلادة ولا في الموضع ما يقدح في الحديث ولا يوهن شيئا منه ؛ لأن المعنى المراد من الحديث والمقصود به إليه هو نزول التيمم ، وقد ثبتت الروايات في أمر القلادة .

وأما قوله في حديث الترمذي : فأرسل رجلين قيل : أحدهما أسيد بن حضير .

ولعلهما المراد بالرجال في حديث البخاري فعبر عنهما بلفظ الجمع ، إذ أقل الجمع اثنان ، أو أردف في أثرهما غيرهما فصح إطلاق اللفظ والله أعلم .

فبعثوا في طلبها فطلبوا فلم يجدوا شيئا في وجهتهم ، فلما رجعوا أثاروا البعير فوجدوه تحته .

وقد روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابتهم جراحة ففشت فيهم ثم ابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية .

وهذا أيضا ليس بخلاف لما ذكرنا ؛ فإنهم ربما أصابتهم الجراحة في غزوتهم تلك التي قفلوا منها إذ كان فيها قتال فشكوا ، وضاع العقد ونزلت الآية .

وقد قيل : إن ضياع العقد كان في غزاة بني المصطلق .

وهذا أيضا ليس بخلاف لقول من قال في غزاة المريسيع ، إذ هي غزاة واحدة ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم غزا بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة من الهجرة ، على ما قال خليفة بن خياط وأبو عمر بن عبد البر ، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري .

وقيل : بل نميلة بن عبد الله الليثي .

وأغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون ، وهم على ماء يقال له المريسيع من ناحية قديد مما يلي الساحل فقتل من قتل وسبى من سبى من النساء والذرية وكان شعارهم يومئذ : أمت أمت .

وقد قيل : إن بني المصطلق جمعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوه ، فلما بلغه ذلك خرج إليهم فلقيهم على ماء .

فهذا ما جاء في بدء [ ص: 188 ] التيمم والسبب فيه .

وقد قيل : إن آية المائدة آية التيمم ، على ما يأتي بيانه هناك .

قال أبو عمر : فأنزل الله تعالى آية التيمم ، وهي آية الوضوء المذكورة في سورة " المائدة " ، أو الآية التي في سورة " النساء " .

ليس التيمم مذكورا في غير هاتين الآيتين وهما مدنيتان .الحادية والعشرون : قوله تعالى : مرضى المرض عبارة عن خروج البدن عن حد الاعتدال والاعتياد ، إلى الاعوجاج والشذوذ .

وهو على ضربين : كثير ويسير ؛ فإذا كان كثيرا بحيث يخاف الموت لبرد الماء ، أو للعلة التي به ، أو يخاف فوت بعض الأعضاء ، فهذا يتيمم بإجماع ؛ إلا ما روي عن الحسن وعطاء أنه يتطهر وإن مات .

وهذا مردود بقوله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج وقوله تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم .

وروى الدارقطني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عز وجل : وإن كنتم مرضى أو على سفر قال : إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله أو القروح أو الجدري فيجنب فخاف أن يموت إن اغتسل ، تيمم .

وعن سعد بن جبير أيضا عن ابن عباس قال : رخص للمريض في التيمم بالصعيد .

وتيمم عمرو بن العاص لما خاف أن يهلك من شدة البرد ولم يأمره صلى الله عليه وسلم بغسل ولا إعادة .

فإن كان يسيرا إلا أنه يخاف معه حدوث علة أو زيادتها أو بطء برء فهؤلاء يتيممون بإجماع من المذهب .

قال ابن عطية : فيما حفظت .قلت : قد ذكر الباجي فيه خلافا ؛ قال القاضي أبو الحسن : مثل أن يخاف الصحيح نزلة أو حمى ، وكذلك إن كان المريض يخاف زيادة مرض ؛ وبنحو ذلك قال أبو حنيفة .

وقال الشافعي : لا يجوز له التيمم مع وجود الماء إلا أن يخاف التلف ؛ ورواه القاضي أبو الحسن عن مالك .

قال ابن العربي : " قال الشافعي لا يباح التيمم للمريض إلا إذا خاف التلف ؛ لأن زيادة المرض غير متحققة ؛ لأنها قد تكون وقد لا تكون ، ولا يجوز ترك الفرض المتيقن للخوف المشكوك .

قلنا : قد ناقضت ؛ فإنك قلت إذا خاف التلف من البرد تيمم ؛ فكما يبيح التيمم خوف التلف كذلك يبيحه خوف المرض ؛ لأن المرض محذور كما أن التلف محذور .

قال : وعجبا للشافعي يقول : لو زاد الماء على قدر قيمته حبة لم يلزمه شراؤه صيانة للمال ويلزمه التيمم ، وهو يخاف على بدنه المرض !

وليس لهم عليه كلام يساوي سماعه " .قلت : الصحيح من قول الشافعي فيما قال القشيري أبو نصر عبد الرحيم في تفسيره : والمرض الذي يباح له التيمم هو الذي يخاف فيه فوت الروح أو فوات بعض الأعضاء لو [ ص: 189 ] استعمل الماء .

فإن خاف طول المرض فالقول الصحيح للشافعي : جواز التيمم .

روى أبو داود والدارقطني ، عن يحيى بن أيوب ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران بن أبي أنس ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عمرو بن العاص قال : احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ؛ فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح ؛ فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا عمرو : صليت بأصحابك وأنت جنب ؟

فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت : إني سمعت الله عز وجل يقول : ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما فضحك نبي الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا .

فدل هذا الحديث على إباحة التيمم مع الخوف لا مع اليقين ، وفيه إطلاق اسم الجنب على المتيمم وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين ؛ وهذا أحد القولين عندنا ؛ وهو الصحيح وهو الذي أقرأه مالك في موطئه وقرئ عليه إلى أن مات .والقول الثاني : أنه لا يصلي ؛ لأنه أنقص فضيلة من المتوضئ ، وحكم الإمام أن يكون أعلى رتبة ؛ وقد روى الدارقطني من حديث جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤم المتيمم المتوضئين إسناده ضعيف .

وروى أبو داود والدارقطني عن جابر قال : خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم ، فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟

فقالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ؛ فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال : قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب - شك موسى - على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده .

قال الدارقطني : " قال أبو بكر هذه سنة تفرد بها أهل مكة وحملها أهل الجزيرة ، ولم يروه عن عطاء عن جابر غير الزبير بن خريق ، وليس بالقوي ، وخالفه الأوزاعي فرواه عن عطاء عن ابن عباس وهو الصواب .

واختلف عن الأوزاعي فقيل عنه عن عطاء ، وقيل عنه : بلغني عن عطاء ، وأرسل الأوزاعي آخره عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصواب .

وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي وأبا زرعة عنه فقالا : رواه ابن أبي العشرين ، عن الأوزاعي ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، وأسند الحديث " .

وقال داود : كل من انطلق عليه اسم المريض فجائز له التيمم ؛ لقوله تعالى : وإن كنتم مرضى .

قال ابن عطية : وهذا قول خلف ، وإنما هو عند علماء الأمة لمن خاف من استعمال [ ص: 190 ] الماء أو تأذيه به كالمجدور والمحصوب ، والعلل المخوف عليها من الماء ؛ كما تقدم عن ابن عباس .الثانية والعشرون : أو على سفر يجوز التيمم بسبب السفر طال أو قصر عند عدم الماء ، ولا يشترط أن يكون مما تقصر فيه الصلاة ؛ هذا مذهب مالك وجمهور العلماء .

وقال قوم : لا يتيمم إلا في سفر تقصر فيه الصلاة .

واشترط آخرون أن يكون سفر طاعة .

وهذا كله ضعيف .

والله أعلم .الثالثة والعشرون : أجمع العلماء على جواز التيمم في السفر حسبما ذكرنا ، واختلفوا فيه في الحضر ؛ فذهبمالك وأصحابه إلى أن التيمم في الحضر والسفر جائز ؛ وهو قول أبي حنيفة ومحمد .

وقال الشافعي : لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف ؛ وهو قول الطبري .

وقال الشافعي أيضا والليث والطبري : إذا عدم الماء في الحضر مع خوف الوقت الصحيح والسقيم تيمم وصلى ثم أعاد .

وقال أبو يوسف وزفر : لا يجوز التيمم في الحضر لا لمرض ولا لخوف الوقت وقال الحسن وعطاء : لا يتيمم المريض إذا وجد الماء ، ولا غير المريض .

وسبب الخلاف اختلافهم في مفهوم الآية ؛ فقال مالك ومن تابعه : ذكر الله تعالى المرضى والمسافرين في شرط التيمم خرج على الأغلب فيمن لا يجد الماء ، والحاضرون الأغلب عليهم وجوده فلذلك لم ينص عليهم .

فكل من لم يجد الماء أو منعه منه مانع أو خاف فوات وقت الصلاة ، تيمم المسافر بالنص ، والحاضر بالمعنى .

وكذلك المريض بالنص والصحيح بالمعنى .

وأما من منعه في الحضر فقال : إن الله تعالى جعل التيمم رخصة للمريض والمسافر ؛ كالفطر وقصر الصلاة ، ولم يبح التيمم إلا بشرطين ، وهما المرض والسفر ؛ فلا دخول للحاضر الصحيح في ذلك لخروجه من شرط الله تعالى .

وأما قول الحسن وعطاء الذي منعه جملة مع وجود الماء فقال : إنما شرطه الله تعالى مع عدم الماء ، لقوله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا فلم يبح التيمم لأحد إلا عند فقد الماء .

وقال أبو عمر : ولولا قول الجمهور وما روي من الأثر لكان قول الحسن وعطاء صحيحا ؛ والله أعلم .

وقد أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم التيمم لعمرو بن العاص وهو مسافر إذ خاف الهلاك إن اغتسل بالماء ، فالمريض أحرى بذلك .قلت : ومن الدليل على جواز التيمم في الحضر إذا خاف فوات الصلاة إن ذهب إلى الماء الكتاب والسنة :[ ص: 191 ] أما الكتاب فقوله سبحانه : أو جاء أحد منكم من الغائط يعني المقيم إذا عدم الماء تيمم .

نص عليه القشيري عبد الرحيم قال : ثم يقطع النظر في وجوب القضاء ؛ لأن عدم الماء في الحضر عذر نادر وفي القضاء قولان :قلت : وهكذا نص أصحابنا فيمن تيمم في الحضر ، فهل يعيد إذا وجد الماء أم لا ؛ المشهور من مذهب مالك أنه لا يعيد وهو الصحيح .

وقال ابن حبيب ومحمد بن عبد الحكم .

يعيد أبدا ؛ ورواه ابن المنذر عن مالك .

وقال الوليد عنه : يغتسل وإن طلعت الشمس .وأما السنة فما رواه البخاري عن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري قال : أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو " بئر جمل " فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ، ثم رد عليه السلام .

وأخرجه مسلم وليس فيه لفظ " بئر " .

وأخرجه الدارقطني من حديث ابن عمر وفيه " ثم رد على الرجل السلام وقال : إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر .الرابعة والعشرون : أو جاء أحد منكم من الغائط الغائط أصله ما انخفض من الأرض ، والجمع الغيطان أو الأغواط ؛ وبه سمي غوطة دمشق .

وكانت العرب تقصد هذا الصنف من المواضع لقضاء حاجتها تسترا عن أعين الناس ، ثم سمي الحدث الخارج من الإنسان غائطا للمقارنة .

وغاط في الأرض يغوط إذا غاب .وقرأ الزهري : " من الغيط " فيحتمل أن يكون أصله الغيط فخفف ، كهين وميت وشبهه .

ويحتمل أن يكون من الغوط ؛ بدلالة قولهم تغوط إذا أتى الغائط ، فقلبت واو الغوط ياء ؛ كما قالوا في لا حول لا حيل .

وأو بمعنى الواو ، أي إن كنتم مرضى أو على سفر وجاء أحد منكم من الغائط فتيمموا فالسبب الموجب للتيمم على هذا هو الحدث لا المرض والسفر ؛ فدل على جواز التيمم في الحضر كما بيناه .

والصحيح في أو أنها على بابها عند أهل النظر .

فلأو معناها ، وللواو معناها .

وهذا عندهم على الحذف ، والمعنى وإن كنتم مرضى مرضا لا تقدرون فيه على مس الماء أو على سفر ولم تجدوا ماء واحتجتم إلى الماء .

والله أعلم .الخامسة والعشرون : لفظ الغائط يجمع بالمعنى جميع الأحداث الناقضة للطهارة الصغرى .

وقد اختلف الناس في حصرها ، وأنبل ما قيل في ذلك أنها ثلاثة أنواع ، لا خلاف فيها في مذهبنا : زوال العقل ، خارج معتاد ، ملامسة .

وعلى مذهب أبي حنيفة ما خرج من [ ص: 192 ] الجسد من النجاسات ، ولا يراعى المخرج ولا يعد اللمس .

وعلى مذهب الشافعي ومحمد بن عبد الحكم ما خرج من السبيلين ، ولا يراعى الاعتياد ، ويعد اللمس .

وإذا تقرر هذا فاعلم أن المسلمين أجمعوا على أن من زال عقله بإغماء أو جنون أو سكر فعليه الوضوء ، واختلفوا في النوم هل هو حدث كسائر الأحداث ؟

أو ليس بحدث أو مظنة حدث ؛ ثلاثة أقوال : طرفان وواسطة .الطرف الأول : ذهب المزني أبو إبراهيم إسماعيل إلى أنه حدث ، وأن الوضوء يجب بقليله وكثيره كسائر الأحداث ؛ وهو مقتضى قول مالك في الموطأ لقوله : ولا يتوضأ إلا من حدث يخرج من ذكر أو دبر أو نوم .

ومقتضى حديث صفوان بن عسال أخرجه النسائي والدارقطني والترمذي وصححه .

رووه جميعا من حديث عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش فقال : أتيت صفوان بن عسال المرادي فقلت : جئتك أسألك عن المسح على الخفين ؛ قال : نعم كنت في الجيش الذي بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثا إذا سافرنا ، ويوما وليلة إذا أقمنا ، ولا نخلعهما من بول ولا غائط ولا نوم ولا نخلعهما إلا من جنابة .

ففي هذا الحديث وقول مالك التسوية بين الغائط والبول والنوم .

قالوا : والقياس أنه لما كان كثيره وما غلب على العقل منه حدثا وجب أن يكون قليله كذلك .

وقد روي عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ وهذا عام .

أخرجه أبو داود ، وأخرجه الدارقطني من حديث معاوية بن أبي سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم .وأما الطرف الآخر فروي عن أبي موسى الأشعري ما يدل على أن النوم عنده ليس بحدث على أي حال كان ، حتى يحدث النائم حدثا غير النوم ؛ لأنه كان يوكل من يحرسه إذا نام .

فإن لم يخرج منه حدث قام من نومه وصلى ؛ وروي عن عبيدة وسعيد بن المسيب والأوزاعي في رواية محمود بن خالد .

والجمهور على خلاف هذين الطرفين .

فأما جملة مذهب مالك فإن كل نائم استثقل نوما ، وطال نومه على أي حال كان ، فقد وجب عليه الوضوء ؛ وهو قول الزهري وربيعة والأوزاعي في رواية الوليد بن مسلم .

قال أحمد بن حنبل : فإن كان النوم خفيفا لا يخامر القلب ولا يغمره لم يضر .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا وضوء إلا على من نام مضطجعا أو متوركا .

وقال الشافعي : من نام جالسا فلا وضوء عليه ؛ ورواه ابن وهب عن مالك .

والصحيح من هذه الأقوال مشهور مذهب مالك ؛ لحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شغل عنها ليلة يعني العشاء فأخرها حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا ثم [ ص: 193 ] رقدنا ثم استيقظنا ثم خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : ليس أحد من أهل الأرض ينتظر الصلاة غيركم رواه الأئمة واللفظ للبخاري ؛ وهو أصح ما في هذا الباب من جهة الإسناد والعمل .وأما ما قاله مالك في موطئه وصفوان بن عسال في حديثه فمعناه : ونوم ثقيل غالب على النفس ؛ بدليل هذا الحديث وما كان في معناه .

وأيضا فقد روى حديث صفوان وكيع عن مسعر عن عاصم بن أبي النجود فقال : ( أو ريح ) بدل ( أو نوم ) ، فقال الدارقطني : لم يقل في هذا الحديث ( أو ريح ) غير وكيع عن مسعر .قلت : وكيع ثقة إمام أخرج له البخاري ومسلم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يقربوا الصلاة وهم سكارى، حتى يعلموا ما يقولون، وهذا شامل لقربان مواضع الصلاة، كالمسجد، فإنه لا يمكَّن السكران من دخوله.

وشامل لنفس الصلاة، فإنه لا يجوز للسكران صلاة ولا عبادة، لاختلاط عقله وعدم علمه بما يقول، ولهذا حدد تعالى ذلك وغياه إلى وجود العلم بما يقول السكران.

وهذه الآية الكريمة منسوخة بتحريم الخمر مطلقا، فإن الخمر -في أول الأمر- كان غير محرم، ثم إن الله تعالى عرض لعباده بتحريمه بقوله: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } ثم إنه تعالى نهاهم عن الخمر عند حضور الصلاة كما في هذه الآية، ثم إنه تعالى حرمه على الإطلاق في جميع الأوقات في قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ } الآية.

ومع هذا فإنه يشتد تحريمه وقت حضور الصلاة لتضمنه هذه المفسدة العظيمة، بعد حصول مقصود الصلاة الذي هو روحها ولبها وهو الخشوع وحضور القلب، فإن الخمر يسكر القلب، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ويؤخذ من المعنى منع الدخول في الصلاة في حال النعاس المفرط، الذي لا يشعر صاحبه بما يقول ويفعل، بل لعل فيه إشارة إلى أنه ينبغي لمن أراد الصلاة أن يقطع عنه كل شاغل يشغل فكره، كمدافعة الأخبثين والتوق لطعام ونحوه كما ورد في ذلك الحديث الصحيح.

ثم قال: { وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ } أي: لا تقربوا الصلاة حالة كون أحدكم جنبا، إلا في هذه الحال وهو عابر السبيل أي: تمرون في المسجد ولا تمكثون فيه، { حَتَّى تَغْتَسِلُوا } أي: فإذا اغتسلتم فهو غاية المنع من قربان الصلاة للجنب، فيحل للجنب المرور في المسجد فقط.

{ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } فأباح التيمم للمريض مطلقًا مع وجود الماء وعدمه، والعلة المرض الذي يشق معه استعمال الماء، وكذلك السفر فإنه مظنة فقد الماء، فإذا فقده المسافر أو وجد ما يتعلق بحاجته من شرب ونحوه، جاز له التيمم.

وكذلك إذا أحدث الإنسان ببول أو غائط أو ملامسة النساء، فإنه يباح له التيمم إذا لم يجد الماء، حضرًا وسفرًا كما يدل على ذلك عموم الآية.

والحاصل: أن الله تعالى أباح التيمم في حالتين: حال عدم الماء، وهذا مطلقا في الحضر والسفر، وحال المشقة باستعماله بمرض ونحوه.

واختلف المفسرون في معنى قوله: { أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ } هل المراد بذلك: الجماع فتكون الآية نصا في جواز التيمم للجنب، كما تكاثرت بذلك الأحاديث الصحيحة؟

أو المراد بذلك مجرد اللمس باليد، ويقيد ذلك بما إذا كان مظنة خروج المذي، وهو المس الذي يكون لشهوة فتكون الآية دالة على نقض الوضوء بذلك؟

واستدل الفقهاء بقوله: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } بوجوب طلب الماء عند دخول الوقت، قالوا: لأنه لا يقال: "لم يجد" لمن لم يطلب، بل لا يكون ذلك إلا بعد الطلب، واستدل بذلك أيضا على أن الماء المتغير بشيء من الطاهرات يجوز بل يتعين التطهر به لدخوله في قوله: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } وهذا ماء.

ونوزع في ذلك أنه ماء غير مطلق وفي ذلك نظر.

وفي هذه الآية الكريمة مشروعية هذا الحكم العظيم الذي امتن به الله على هذه الأمة، وهو مشروعية التيمم، وقد أجمع على ذلك العلماء ولله الحمد، وأن التيمم يكون بالصعيد الطيب، وهو كل ما تصاعد على وجه الأرض سواء كان له غبار أم لا، ويحتمل أن يختص ذلك بذي الغبار لأن الله قال: { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } وما لا غبار له لا يمسح به.

وقوله: { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ } هذا محل المسح في التيمم: الوجه جميعه واليدان إلى الكوعين، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة، ويستحب أن يكون ذلك بضربة واحدة، كما دل على ذلك حديث عمار، وفيه أن تيمم الجنب كتيمم غيره، بالوجه واليدين.

فائدة اعلم أن قواعد الطب تدور على ثلاث قواعد: حفظ الصحة عن المؤذيات، والاستفراغ منها، والحمية عنها.

وقد نبه تعالى عليها في كتابه العزيز.

أما حفظ الصحة والحمية عن المؤذي، فقد أمر بالأكل والشرب وعدم الإسراف في ذلك، وأباح للمسافر والمريض الفطر حفظا لصتحهما، باستعمال ما يصلح البدن على وجه العدل، وحماية للمريض عما يضره.

وأما استفراغ المؤذي فقد أباح تعالى للمحْرِم المتأذي برأسه أن يحلقه لإزالة الأبخرة المحتقنة فيه، ففيه تنبيه على استفراغ ما هو أولى منها من البول والغائط والقيء والمني والدم، وغير ذلك، نبه على ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى.

وفي الآية وجوب تعميم مسح الوجه واليدين، وأنه يجوز التيمم ولو لم يضق الوقت، وأنه لا يخاطب بطلب الماء إلا بعد وجود سبب الوجوب والله أعلم.

ثم ختم الآية بقوله: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا } أي: كثير العفو والمغفرة لعباده المؤمنين، بتيسير ما أمرهم به، وتسهيله غاية التسهيل، بحيث لا يشق على العبد امتثاله، فيحرج بذلك.

ومن عفوه ومغفرته أن رحم هذه الأمة بشرع طهارة التراب بدل الماء، عند تعذر استعماله.

ومن عفوه ومغفرته أن فتح للمذنبين باب التوبة والإنابة ودعاهم إليه ووعدهم بمغفرة ذنوبهم.

ومن عفوه ومغفرته أن المؤمن لو أتاه بقراب الأرض خطايا ثم لقيه لا يشرك به شيئا، لأتاه بقرابها مغفرة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) الآية ، والمراد من السكر : السكر من الخمر ، عند الأكثرين ، وذلك أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه صنع طعاما ودعا ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتاهم بخمر فشربوها قبل تحريم الخمر وسكروا فحضرت صلاة المغرب فقدموا رجلا ليصلي بهم فقرأ ( قل يا أيها الكافرون ) أعبد ما تعبدون ، بحذف ( لا ) هكذا إلى آخر السورة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فكانوا بعد نزول هذه الآية يجتنبون السكر أوقات الصلوات حتى نزل تحريم الخمر .

وقال الضحاك بن مزاحم : أراد به سكر النوم ، نهى عن الصلاة عند غلبة النوم ، أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو القاسم جعفر بن محمد بن المغلس أنا هارون بن إسحاق الهمذاني ، أخبرنا عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه " .

قوله تعالى : ( حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا ) نصب على الحال ، يعني : ولا تقربوا الصلاة وأنتم جنب ، يقال : رجل جنب وامرأة جنب ، ورجال جنب ونساء جنب .

وأصل الجنابة : البعد وسمي جنبا لأنه يتجنب موضع الصلاة ، أو لمجانبته الناس وبعده منهم ، حتى يغتسل .

قوله تعالى : ( إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) اختلفوا في معناه ، فقالوا : [ إلا أن تكونوا مسافرين ولا تجدون الماء فتيمموا ، منع الجنب من الصلاة حتى يغتسل ] إلا أن يكون في سفر ولا يجد ماء فيصلي بالتيمم ، وهذا قول علي وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد رضي الله عنهم .

وقال الآخرون : المراد من الصلاة موضع الصلاة ، كقوله تعالى : " وبيع وصلوات " ( الحج - 40 ) ، ومعناه : لا تقربوا المسجد وأنتم جنب إلا مجتازين فيه للخروج منه ، مثل أن ينام في المسجد فيجنب أو تصيبه جنابة والماء في المسجد أو يكون طريقه عليه ، فيمر فيه ولا يقيم وهذا قول عبد الله بن مسعود وسعيد بن المسيب والضحاك والحسن وعكرمة والنخعي والزهري ، وذلك أن قوما من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد فتصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم ولا ممر لهم إلا في المسجد ، فرخص لهم في العبور .

واختلف أهل العلم فيه : فأباح بعضهم المرور فيه على الإطلاق ، وهو قول الحسن وبه قال مالك والشافعي رحمهم الله ، ومنع بعضهم على الإطلاق وهو قول أصحاب الرأي ، وقال بعضهم : يتيمم للمرور فيه .

أما المكث فلا يجوز عند أكثر أهل العلم لما روينا عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " ، وجوز أحمد المكث فيه وضعف الحديث لأن راويه مجهول ، وبه قال المزني .

ولا يجوز للجنب الطواف كما لا يجوز له الصلاة ولا يجوز له قراءة القرآن ، أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أنا شعبة أخبرني عمرو بن مرة قال سمعت عبد الله بن سلمة يقول : دخلت على علي رضي الله عنه فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي الحاجة ويأكل معنا اللحم ويقرأ القرآن وكان لا يحجبه أو لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة " .

وغسل الجنابة يجب بأحد الأمرين : إما بنزول المني أو بالتقاء الختانين ، وهو تغييب الحشفة في الفرج وإن لم ينزل ، وكان الحكم في الابتداء أن من جامع امرأته فأكسل لا يجب عليه الغسل ثم صار منسوخا .

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا سفيان ، عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أن أبا موسى الأشعري سأل عائشة رضي الله عنها عن التقاء الختانين فقالت عائشة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا التقى الختانان ، أو مس الختان الختان فقد وجب الغسل " .

قوله تعالى : ( وإن كنتم مرضى ) جمع مريض ، وأراد به مريضا يضره إمساس الماء مثل الجدري ونحوه ، أو كان على موضع طهارته جراحة يخاف من استعمال الماء فيها التلف أو زيادة الوجع ، فإنه يصلي بالتيمم وإن كان الماء موجودا ، وإن كان بعض أعضاء طهارته صحيحا والبعض جريحا غسل الصحيح منها وتيمم للجريح ، لما أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني ، أنا أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي ، أنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي ، أنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني ، أنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي ، أنا محمد بن سلمة عن الزبير بن خريق عن جابر بن عبد الله قال : خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ، فاحتلم فسأل أصحابه : هل تجدون لي رخصة في التيمم؟

قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال : " قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب - شك الراوي - على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده " .

ولم يجوز أصحاب الرأي الجمع بين التيمم والغسل ، وقالوا : إن كان أكثر أعضائه صحيحا غسل الصحيح ولا يتيمم عليه ، وإن كان الأكثر جريحا اقتصر على التيمم .

والحديث حجة لمن أوجب الجمع بينهما .

قوله تعالى : ( أو على سفر ) أراد أنه إذا كان في سفر طويلا كان أو قصيرا ، وعدم الماء فإنه يصلي بالتيمم ولا إعادة عليه ، لما روي عن أبي ذر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين ، فإذا وجد الماء فليمسه بشره " .

أما إذا لم يكن الرجل مريضا ولا في سفر لكنه عدم الماء في موضع لا يعدم فيه الماء غالبا بأن كان في قرية انقطع ماؤها فإنه يصلي بالتيمم ثم يعيد إذا قدر على الماء عند الشافعي ، وعند مالك والأوزاعي لا إعادة عليه ، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه يؤخر الصلاة حتى يجد الماء .

قوله تعالى : ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) أراد به إذا أحدث ، والغائط : اسم للمطمئن من الأرض ، وكانت عادة العرب إتيان الغائط للحدث فكني عن الحدث بالغائط ، ( أو لامستم النساء ) قرأ حمزة والكسائي " لمستم " هاهنا وفي المائدة ، وقرأ الباقون ( لامستم النساء ) واختلفوا في معنى اللمس والملامسة ، فقال قوم : المجامعة ، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ، وكني باللمس [ عن الجماع لأن الجماع لا يحصل إلا باللمس ] .

وقال قوم : هما التقاء البشرتين سواء كان بجماع أو غير جماع ، وهو قول ابن مسعود وابن عمر ، والشعبي والنخعي .

واختلف الفقهاء في حكم الآية فذهب جماعة إلى أنه إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى شيء من بدن المرأة ولا حائل بينهما ، ينتقض وضوءهما ، وهو قول ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما ، وبه قال الزهري والأوزاعي والشافعي رضي الله عنهم .

وقال مالك والليث بن سعد وأحمد وإسحاق : إن كان اللمس بشهوة نقض الطهر ، وإن لم يكن بشهوة فلا ينتقض .

وقال قوم : لا ينتقض الوضوء باللمس بحال ، وهو قول ابن عباس وبه قال الحسن والثوري .

وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا ينتقض إلا أن يحدث الانتشار .

واحتج من لم يوجب الوضوء باللمس بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن أبي النضر مولى عمر بن عبد الله ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت : كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتهما ، قالت والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كنت نائمة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففقدته من الليل فلمسته بيدي فوضعت يدي على قدميه وهو ساجد وهو يقول : " أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " .

واختلف قول الشافعي رضي الله عنه فيما لو لمس امرأة من محارمه كالأم والبنت والأخت أو لمس أجنبية صغيرة ، أصح القولين أنه لا ينقض الوضوء لأنها ليست بمحل الشهوة كما لو لمس رجلا .

واختلف قوله في انتقاض وضوء الملموس على قولين ، أحدهما : ينتقض لاشتراكهما في الالتذاذ كما يجب الغسل عليهما بالجماع ، والثاني : لا ينتقض لحديث عائشة رضي الله عنها حيث قالت : فوضعت يدي على قدميه وهو ساجد .

ولو لمس شعر امرأة أو سنها أو ظفرها لم ينتقض وضوءه عنده .

واعلم أن المحدث لا تصح صلاته ما لم يتوضأ إذا وجد الماء أو يتيمم إذا لم يجد الماء .

أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي ، أخبرنا أبو طاهر الزيادي ، أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ، أنا أحمد بن يوسف السلمي ، أنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن همام بن منبه ، أنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ " .

والحدث هو خروج الخارج من أحد الفرجين عينا كان أو أثرا ، والغلبة على العقل بجنون أو إغماء على أي حال كان ، وأما النوم فمذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يوجب الوضوء إلا أن ينام قاعدا متمكنا فلا وضوء عليه ، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا الثقة عن حميد الطويل ، عن أنس رضي الله عنهما قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء فينامون ، أحسبه قال قعودا حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون .

وذهب قوم إلى أن النوم يوجب الوضوء بكل حال وهو قول أبي هريرة رضي الله عنه وعائشة رضي الله عنها ، وبه قال الحسن وإسحاق والمزني ، وذهب قوم إلى أنه لو نام قائما أو قاعدا أو ساجدا فلا وضوء عليه حتى ينام مضطجعا وبه قال الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي .

واختلفوا في مس الفرج من نفسه أو من غيره فذهب جماعة إلى أنه يوجب الوضوء وهو قول عمر وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنها ، وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعروة بن الزبير ، وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي ، وأحمد وإسحاق ، وكذلك المرأة تمس فرجها ، غير أن الشافعي رضي الله عنه يقول لا ينتقض إلا أن يمس ببطن الكف أو بطون الأصابع .

واحتجوا بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر محمد بن محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول : دخلت على مروان بن الحكم فذكرنا ما يكون منه الوضوء ، فقال مروان : من مس الذكر الوضوء ، فقال عروة : ما علمت ذلك ، فقال مروان : أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ " .

وذهب جماعة إلى أنه لا يوجب الوضوء ، روي ذلك عن علي وابن مسعود وأبي الدرداء وحذيفة وبه قال الحسن ، وإليه ذهب الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي .

واحتجوا بما روي عن طلق بن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مس الرجل ذكره ، فقال : " هل هو إلا بضعة منك " ؟

ويروى " هل هو إلا بضعة أو مضغة منه " .

ومن أوجب الوضوء منه قال : هذا منسوخ بحديث بسرة لأن أبا هريرة يروي أيضا : أن الوضوء من مس الذكر ، وهو متأخر الإسلام ، وكان قدوم طلق بن علي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أول زمن الهجرة حين كان يبني المسجد .

واختلفوا في خروج النجاسة من غير الفرجين بالفصد والحجامة وغيرهما من القيء ونحوه ، فذهب جماعة إلى أنه لا يوجب الوضوء ، روي ذلك عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ، وبه قال عطاء وطاوس والحسن وسعيد بن المسيب وإليه ذهب مالك والشافعي .

وذهبت جماعة إلى إيجاب الوضوء بالقيء والرعاف والفصد والحجامة منهم سفيان الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق .

واتفقوا على أن القليل منه وخروج الريح من غير السبيلين لا يوجب الوضوء ولو أوجب الوضوء كثيره لأوجب قليله كالفرج .

( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) اعلم أن التيمم من خصائص هذه الأمة ، روى حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا ، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء " .

وكان بدء التيمم ما أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي ، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي ، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه ، وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس أبا بكر رضي الله عنه فقالوا ألا ترى ما صنعت عائشة أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس معه ، وليسوا على ماء وليس معهم ماء فجاء أبو بكر رضي الله عنه ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام فقال : أحبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء ، قالت : فعاتبني أبو بكر رضي الله عنه وقال ما شاء الله أن يقول ، وجعل يطعن بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء ، فأنزل الله تعالى آية التيمم ( فتيمموا ) فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء : ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر ، قالت عائشة رضي الله عنها : فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته .

وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عبيد بن إسماعيل ، أنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها : أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت : فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من أصحابه في طلبها فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء ، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم .

فقال أسيد بن حضير : جزاك الله خيرا فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجا وجعل للمسلمين فيه بركة .

( فتيمموا ) أي : اقصدوا ، ( صعيدا طيبا ) أي : ترابا طاهرا نظيفا ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : الصعيد هو التراب .

واختلف أهل العلم فيما يجوز به التيمم ، فذهب الشافعي رحمه الله تعالى إلى أنه يختص بما يقع عليه اسم التراب مما يعلق باليد منه غبار ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " وجعلت تربتها لنا طهورا " .

وجوز أصحاب الرأي التيمم بالزرنيخ والجص والنورة وغيرها من طبقات الأرض ، حتى قالوا : لو ضرب يديه على صخرة لا غبار عليها أو على التراب ثم نفخ فيه حتى زال كله فمسح به وجهه ويديه صح تيممه ، وقالوا : الصعيد وجه الأرض ، لما روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " .

وهذا مجمل ، وحديث حذيفة في تخصيص التراب مفسر ، والمفسر من الحديث يقضي على المجمل .

وجوز بعضهم التيمم بكل ما هو متصل بالأرض من شجر ونبات ، ونحوهما وقال : إن الصعيد اسم لما تصاعد على وجه الأرض .

والقصد إلى التراب شرط لصحة التيمم ، لأن الله تعالى قال : ( فتيمموا ) والتيمم : القصد ، حتى لو وقف في مهب الريح فأصاب الغبار وجهه ونوى لم يصح .

قوله تعالى : ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا ) اعلم أن مسح الوجه واليدين واجب في التيمم ، واختلفوا في كيفيته : فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يمسح الوجه واليدين مع المرفقين ، بضربتين ، يضرب كفيه على التراب فيمسح جميع وجهه ، ولا يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعور ، ثم يضرب ضربة أخرى فيمسح يديه إلى المرفقين ، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد بن الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا إبراهيم بن محمد ، عن أبي الحويرث ، عن الأعرج ، عن أبي الصمة قال : مررت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد علي حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه ، ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه ثم رد علي " ففيه دليل على وجوب مسح اليدين إلى المرفقين كما يجب غسلهما في الوضوء إلى المرفقين ، ودليل على أن التيمم لا يصح ما لم يعلق باليد غبار التراب ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حت الجدار بالعصا ، ولو كان مجرد الضرب كافيا لما كان حته .

وذهب الزهري إلى أنه يمسح اليدين إلى المنكبين ، لما روي عن عمار أنه قال : تيممنا إلى المناكب .

وذلك حكاية فعله لم ينقله عن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما روي أنه قال : أجنبت فتمعكت في التراب ، فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالوجه والكفين .

وذهب جماعة إلى أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين ، وهو قول علي وابن عباس رضي الله عنهم ، وبه قال الشعبي وعطاء بن أبي رباح ومكحول ، وإليه ذهب الأوزاعي وأحمد وإسحاق ، واحتجوا بما أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا آدم ، أنا شعبة ، أخبرنا الحكم ، عن ذر ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه قال : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : إني أجنبت فلم أصب الماء ، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب : أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت ، فأما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمعكت فصليت فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما كان يكفيك هكذا ، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض ونفخ فيهما ، ثم مسح بهما وجهه وكفيه " .

وقال محمد بن إسماعيل أنا محمد بن كثير عن شعبة بإسناده فقال عمار لعمر رضي الله عنه : تمعكت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " يكفيك الوجه والكفان " .

وفي الحديث دليل على أن الجنب إذا لم يجد الماء يصلي بالتيمم ، وكذا الحائض والنفساء إذا طهرتا وعدمتا الماء .

وذهب عمر وابن مسعود رضي الله عنهما إلى أن الجنب لا يصلي بالتيمم بل يؤخر الصلاة إلى أن يجد الماء فيغتسل ، وحملا قوله تعالى : ( أو لامستم النساء ) على اللمس باليد دون الجماع ، وحديث عمار رضي الله عنه حجة ، وكان عمر نسي ما ذكر له عمار فلم يقنع بقوله .

وروي أن ابن مسعود رضي الله عنه رجع عن قوله وجوز التيمم للجنب ، والدليل عليه أيضا : ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا إبراهيم بن محمد بن عياد بن منصور ، عن أبي رجاء العطاردي ، عن عمران بن حصين رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلا كان جنبا أن يتيمم ثم يصلي فإذا وجد الماء اغتسل .

وأخبرنا عمر بن عبد العزيز ، أنا أبو القاسم بن جعفر الهاشمي ، أنا أبو علي اللؤلؤي ، أنا أبو داود السجستاني ، أنا مسدد ، أنا خالد الواسطي ، عن خالد الحذاء ، عن أبي عمرو ، عن بجدان ، عن أبي ذر رضي الله عنهم قال : اجتمعت غنيمة من الصدقة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أبا ذر ابد فيها ، فبدوت إلى الربذة وكانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس والست ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين ، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك فإن ذلك خير " .

ومسح الوجه واليدين في التيمم ، تارة يكون بدلا من غسل جميع البدن في حق الجنب والحائض والنفساء والميت ، وتارة يكون بدلا عن غسل الأعضاء الأربع في حق المحدث ، وتارة يكون بدلا عن غسل بعض أعضاء الطهارة ، بأن يكون على بعض أعضاء طهارته جراحة لا يمكنه غسل محلها ، فعليه أن يتيمم بدلا عن غسله .

ولا يصح التيمم لصلاة الوقت إلا بعد دخول الوقت ، ولا يجوز أن يجمع بين فريضتين بتيمم واحد ، لأن الله تعالى قال : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) إلى أن قال : ( فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) ظاهر الآية يدل على وجوب الوضوء أو التيمم إذا لم يجد الماء عند كل صلاة ، إلا أن الدليل قد قام في الوضوء فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم فتح مكة الصلوات بوضوء واحد ، فبقي التيمم على ظاهره ، وهذا قول علي وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم ، وبه قال الشعبي والنخعي وقتادة ، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق .

وذهب جماعة إلى أن التيمم كالطهارة بالماء يجوز تقديمه على وقت الصلاة ، ويجوز أن يصلي به ما شاء من الفرائض ما لم يحدث ، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والزهري والثوري وأصحاب الرأي .

واتفقوا على أنه يجوز أن يصلي بتيمم واحد مع الفريضة ما شاء من النوافل ، قبل الفريضة وبعدها ، وأن يقرأ القرآن إن كان جنبا ، وإن كان تيممه بعذر السفر وعدم الماء فيشترط طلب الماء ، وهو أن يطلبه من رحله ورفقائه .

وإن كان في صحراء لا حائل دون نظره ينظر حواليه ، وإن كان دون نظره حائل قريب من تل أو جدار عدل عنه ، لأن الله تعالى قال : ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) ولا يقال : لم يجد الماء : إلا لمن طلب .

وعند أبي حنيفة رضي الله عنه : طلب الماء ليس بشرط ، فإن رأى الماء ولكن بينه وبين الماء حائل من عدو أو سبع يمنعه من الذهاب إليه ، أو كان الماء في البئر وليس معه آلة الاستقاء ، فهو كالمعدوم ، يصلي بالتيمم ولا إعادة عليه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة» أي لا تصلوا «وأنتم سكارى» من الشراب لأن سبب نزولها صلاة جماعة في حال سكر «حتى تعلموا ما تقولون» بأن تصْحوا «ولا جُنُبا» بإيلاج أو إنزال ونصبه على الحال وهو يطلق على المفرد وغيره «إلا عابري» مجتازي «سبيل» طريق أي مسافرين «حتى تغتسلوا» فلكم أن تصلوا واستثناء المسافر لأن له حكما آخر سيأتي وقيل المراد النهي عن قربان مواضع الصلاة أي المساجد إلا عبورها من غير مكث «وإن كنتم مرضى» مرضا يضره الماء «أو على سفر» أي مسافرين وأنتم جنب أو محدثون «أو جاء أحد منكم من الغائط» هو المكان المعَدُّ لقضاء الحاجة أي أحدث «أو لامستم النساء» وفي قراءة بلا ألف وكلاهما بمعنى اللمس هو الجَسُّ باليد قاله ابن عمر وعليه الشافعى وألحق به الجس بباقي البشرة وعن ابن عباس هو الجماع «فلم تجدوا ماءً» تتطهرون به للصلاة بعد الطلب والتفتيش وهو راجع إلى ما عدا المرضى «فتيمموا» اقصدوا بعد دخول الوقت «صعيدا طيبا» ترابا طاهرا فاضربوا به ضربتين «فامسحوا بوجوهكم وأيديكم» مع المرفقين منه ومسح يتعدى بنفسه وبالحرف «إن الله كان عفوا غفورا».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا بالله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تقربوا الصلاة ولا تقوموا إليها حال السكر حتى تميزوا وتعلموا ما تقولون، وقد كان هذا قبل التحريم القاطع للخمر في كل حال، ولا تقربوا الصلاة في حال الجنابة، ولا تقربوا مواضعها وهي المساجد، إلا من كان منكم مجتازًا من باب إلى باب، حتى تتطهروا.

وإن كنتم في حال مرض لا تقدرون معه على استعمال الماء، أو حال سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو جامعتم النساء، فلم تجدوا ماء للطهارة فاقصدوا ترابًا طاهرًا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه.

إن الله تعالى كان عفوًّا عنكم، غفورًا لكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك نداء إلى المؤمنين بين لهم فيه بعض الأحكام التى تتعلق بالصلاة وأرشدهم إلى ما يجب عليهم عند أدائها من تظهير بدنى وروحى حتى يكونوا أهلا لرضا الله وحسن قبوله ، فقال - تعالى - : ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ ) .روى المفسرون فى سبب نزول الآية الكريمة روايات منها ما رواه أبو داود والنسائى عن على بن أبى طالب أنه كان هو وعبد الرحمن بن عوف ورجل آخر ، قد شربوا الخمر .

فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ : قل يا أيها الكافرون .

فخلط فيها .

فنزلت : ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى ) .وروى الترمذى وابن أبى حاتم عن على بن أبى طالب قال : صنع لنا بعد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر .

فأخذت الخمر منا .

وحضرت الصلاة .

فقدموا فلانا .

قال : فقرأ : " قل يأيها الكافرون .

أعبد ما تعبدون .

ونحن نعبد ما تعبدون " فأنزل الله الآية .قال ابن كثير : وقد كان هذا النهى قبل تحريم الخمر .

كما دل عليه الحديث الذى ذكرناه فى سورة البقرة عند قوله - تعالى - ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر ) الآية فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلاهما على عمر .

فقال : اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا .

فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه فقال : اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا .

فكانوا لا يشربون الخمر فى أوقات الصلاة - وفى رواية لأبى داود : فكان منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قامت الصلاة ينادى : لا يقربن الصلاة سكران - حتى نزل قوله - تعالى - فى سورة المائدة : ( إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه ) إلى قوله : ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ) فقال عمر : انتهينا انتهينا .والمراد بالصلاة عند كثير من العلماء : الهيئة المخصوصة من قراءة وقيام ركوع وسجود .والمراد بقربها : القيام إليها والتلبس بها ، إلا أنه - سبحانه - نهى عن القرب منها مبالغة فى النهى عن غشيانها وهم بحالة تتنافى مع جلالها والخشوع فيها .وقوله ( سكارى ) جمع سكران .وأصل السكر فى اللغة السد .

ومنه قولهم سكرت الطريق أى سددته .

ومنه قوله - تعالى - حكاية عن الكافرين ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ) أى : انسدت فصارت لا ينفذ إليها النور ، ولا ندرك الأشياء على حقيقتها .والمراد بالسكر هنا الحالة التى تحصل لشارب الخمر والتى يفقد معها وعيه ، ويسد ما بين المرء وعقله .والجنب : من أصابته الجناية بسبب جماع أو احتلام أو غيرهما .

وهذا اللفظ يستوى فيه - على الصحيح - الواحد ، والمثنى ، والجمع ، والمذكر والمؤنث لجريانه مجرى المصدر ، واشتقاقه من المجانبة بمعنى المباعدة .وعابر السبيل : مجتاز الطريق وهو المسافر .

أو من يعبر الطريق من جانب إلى جانب .يقال : عبرت هذا الطريق فأنا أعبره عبرا وعبورا .

ومنه قيل : عبر فلان النهر إذا قطعه وجازه .والمعنى : يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن تؤدوا الصلاة وأنتم فى حالة السكر .حتى تكونوا بحيث تعلمون ما تقولونه قبل أدائها ، ولا فى حال الجنابة حتى تغتسلوا؛ إلا أن تكونوا مسافرين ولم تجدوا ماء فتيمموا لكى تؤدوها .ومن العلماء من يرى أن المراد بالصلاة هنا : مواضعها وهى المساجد .

فالكلام مجاز مرسل بتقدير مضاف فهو من باب ذكر الحال وإرادة المحل .والمعنى عليه : لا تقربوا مواضع الصلاة وهى المساجد وأنتم سكارى ، ولا تقربوها وأنتم جنب حتى تغتسلوا إلا أن تكونوا تريدون اجتيازها من باب إلى آخر من غير مكث فيها إنه يجوز لكم ذلك .روى ابن جرير عن الليث قال : حدثنا يزيد بن أبى حبيب عن قول الله - تعالى - : ( وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ) أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم فى المسجد تصيبهم نابة ولا ماء عندهم فيريدون الماء .

ولا يجدون ممرا إلا فى المسجد .

فأنزل الله - تعالى - ( وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ) .وقال بعض العلماء : وبالجملة فالحال الأولى أعنى قوله ( وَأَنْتُمْ سكارى ) تقوى بقاء الصلاة على معناها الحقيقى ، من دون تقدير مضاف : وقوله : ( إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ) يقوى تقدير المضاف .

أى : لا تقربوا موضع الصلاة .ويمكن أن يقال : إن بعض قيود النهى - وهو قوله : ( وَأَنْتُمْ سكارى ) يدل على أن المراد بالصلاة معناها الحقيقى .وبعض قيود النهى - وهو قوله : إلا عابرى سبيل - يدل على أن المراد مواضع الصلاة .ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدال عليه .

ويكون ذلك بمنزلة نهيين مقيد كل واحد منهما بقيد .

وهما : لا تقربوا الصلاة التى هى ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى .

ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال عبوركم المسجد من جانب إلى جانب .

وغاية ما يقال فى هذا إنه من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز .وفى ندائهم بصفة الإيمان ، تحريك لحرارة العقيدة فى قلوبهم ، وتوجيه لنفوسهم إلى ما يستدعيه الإِيمان من طاعة واستجابة لله رب العالمين .وقوله ( وَأَنْتُمْ سكارى ) جملة حالية .

أى لا تقربوها فى حال السكر ، لأن ذلك يتنافى مع الإِيمان السليم ، ومع ما تستحقه الصلاة من خشوع واستحضار للقلب .

وإنما الذى يقتضيه إيمانكم وحياؤكم من الله أن تدخلوا فى الصلاة وأنتم بكامل وعيكم ، واستحضاركم لما يستلزمها من خشوع وأدب .ولا شك أن هذا كان قبل أن ينزل التحريم القطاع لشرب الخمر فى جمع الأوقات كما سبق أن أشرنا .وقوله ( حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ) غاية للنهى وإيماء إلى علته .وحتى هنا حرف جر بمعنى إلى ، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة .

وما فى قوله ( مَا تَقُولُونَ ) موصولة بمعنى الذى أو نكرة موصوفة والعائد محذوف أى تقولونه .أى : حتى تعلموا ما تقولونه علما يقينيا لا غلط معه ولا تخليط ، بأن تعقلوا ما اشتملت عليه الصلاة من تكبير وقراءة وتسبيح ودعاء وغير ذلك مما تقتضيه الصلاة .قال الآلوسى : وقد روى أنهم كانوا بعدما أنزلت الآية لا يشربون الخمر فى أوقات الصلاة ، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون .وقوله ( وَلاَ جُنُباً ) معطوف على قوله ( وَأَنْتُمْ سكارى ) إذ الجملة فى موضع النصب على الحال .

والاستثناء فى قوله ( إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ) مفرغ من أعم الأحوال .وقوله ( حتى تَغْتَسِلُواْ ) بيان لغاية المنع بالنسبة للجنب .والاغتسال : تعميم الجسد كله بالماء .

وهو بعد الجنابة طهارة حسية وتنشيط للبدن بعد أن أصابه بعض التعب بسبب الأفعال التى أدت إلى الجنابة .

وهو كذلك طهارة نفسية ، لأنه يبعث فى الإِنسان حسن الاستعداد لذكر الله ولأداء الصلاة بعد أن استحكمت الشهوة وسيطرت على صاحبها لفترة من الوقت .

فبالاغتسال بعد قضاء الشهوة يتجدد للبدن نشاطه ، وللروح صفاؤها وحسن استعدادها لطاعة الله .ثم شرع - سبحانه - فى بيان الأعذار التى تبيح التيمم عند العجز عن الماء فقال : ( وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً ) والمراد بالمرض فى قوله - تعالى - : ( وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى ) : المرض الذى يمنع من استعمال الماء مطلقا ، كأن يكون إستعمال الماء يزيد المرض شدة ، أو يبطئ البرء ، فإن الله - تعالى - قد أباح للمريض فى هذه الأحوال وأمثالها أن يتيمم بدل الوضوء أو الغسل .

كما أباح له - أيضا - أن يتيمم عند فقد الماء أو ما فى حكم ذلك .وقوله : ( أَوْ على سَفَرٍ ) فى محل نصب عطفا على خبر كان وهو قوله : ( مرضى ) .أى : وكذلك أباح الله لكم التيمم عند السفر إذا لم تجدوا ماء ، أو كان معكم من الماء ما أنتم فى حاجة شديدة إليه ، أو كان هناك ما يمنع من استعمال الماء .وقوله ( أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط ) معطوف على قوله : ( كُنْتُمْ ) .والغائظ من الغيظ .

وهو المكان المنخفض من الأرض .

وهو هنا كناية عن الحدث لأن العادة جرت على أن من بريد الحدث يذهب إلى ذلك المكان المنخفض ليتوارى عن أعين الناس .وفى إسناد المجئ إلى واحد مبهم من المخاطبين ، سمو فى الخطاب ، حيث تحاشى - سبحانه - التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا من ذكره أو ما بستهجن التصريح به .أى وكذلك أباح الله لكم التيمم إن كنتم محدثين ولم تجدوا ماء تتطهرون به من الحدث أو تجدونه ولكن هناك ما يمنعكم من استعماله .والمراد بالملامسة فى قوله ( أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء ) الجماع عند بعض الفقهاء قال الآلوسى ما ملخصه : قوله - تعالى - ( أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء ) يريد - سبحانه - : أو جامعتم النساء .إلا أنه كنى بالملامسة عن الجماع ، لأنه ما يستهجن التصريح به أو يستحيى منه .

وإليه ذهب ابن عباس والحسن وغيرهما .وعن ابن مسعود أن المراد بالملامسة ما دون الجماع .

أى ما سستم بشرتهن ببشرتكم .

وبه استدل الشافعى على أن اللمس بنقض الوضوء .وقال مالك : إن كان اللمس بشهوة نقض وإلا فلا .

.

.وذهب أبو حنيقة إلا أنه لا ينتقض الوضوء بالمس ولو بشهوة .

.

.

والفاء فى قوله ( فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً ) عطفت ما بعدها على الشرط السابق وهو قوله ( وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى ) .

والضمير فى قوله ( تَجِدُواْ ) يعود لكل من تقدم من مريض ومسافر ومتغوط وملامس .

وفيه تغليب للخطاب على الغيبة .

وذلك أنه تقدم ضمير الغيبة فى قوله ( أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط ) بينما تقدم ضمير المخاطب فى قوله ( كُنْتُمْ ) ( لاَمَسْتُمُ ) .والمراد بعدم الوجدان هنا ما هو أعم من الوجود الحسى .

أى أن قوله ( فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً ) كناية عن عدم التمكن من استعماله وإن وجد حسا ، إذ أن الشئ المتعذر استعماله كالمعدوم .وقوله ( فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً ) جواب الشرط وهو قوله : ( وَإِنْ كُنْتُمْ ) .والمعنى : وإن كنتم أيها المؤمنون فى حالة مرض أو على سفر أو كنتم محدثين أو لامستم النساء فلم تجدوا فى تلك الأحوال ما تستعملونه لطهارتكم ، أو وجدتم ماء ولكن منعكم مانع من استعماله ، فعليكم أن تتيمموا صعيدا طيبا ، بدلا من الماء ، فان الله - تعالى - ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ) ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله : ( فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً ) يعود إلى الجمع ما عدا المرضى ، لأن المرضى يباح لهم التيمم مع وجود الماء إذا تضرروا من استعماله .وعلى هذا الرأى يكون المراد بعدم الوجدان .

عدم الوجدان الحسى .والتيمم لغة : القصد .

يقال تيممت الشى أى قصدته .ويطلق فى الشرع على القصد إلى التراب لمسح الوجه واليدين به .وأما الصعيد - بوزن فعيل - فيطلق على وجه الأرض البارز ، ترابا كان أو غيره .

وقيل طلق على التراب خاصة .والطيب : الطاهر الذى لم تلوثه نجاسة ولا قذر .أى : إذا لم تجدوا ماء للتطهر به أو وجدتموه ولكنكم عجزتم عن استعماله فاقصدوا ترابا طاهراً بارزاً على وجه الأرض لكى تستعملوه فى طهارتكم عوضا عن الماء .وقوله ( فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ) بيان لكيفية التيمم .أى : اقصدوا تراباً على ظاهر الأرض طاهراً فسحوا منه بوجوهكم وأيديكم .وقوله ( إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً ) تذييل قصد به بيان أنه - سبحانه - متصف بالعفو فلا يختار لعباده إلا السهل اليسير الذى يسهل عليهم اداؤه من غير مشقة مرهقة ، وأنه هو الغفار الذى يغفر للمقصرين والمخطئين ذنوبهم متى تابوا إليه واستغفروه مما صدر عنهم من ذنوب .هذا ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :1- أن من الواجب على المسلم عندما يتهيأ للصلاة أن يتجنب كل ما يتعارض مع الخشوع فيها ، لأن الصلاة مناجاة ووقوف بين يدي الله - تعالى ، ومن شأن المناجى لله - تعالى - أن يتفرغ لذلك ، وأن يكون على درجة من العلم والفهم تمكنه من الوقوف الخاشع بين يدى الله رب العالمين .2- أن الصلاة محرمة على السكران حال سكره حتى يصحوا .

فإذا أداها حال سكره تكون باطلة ، وكذلك الحكم بالنسبة للمحدث أو الجنب حتى يتطهر .3- استدل بهذه الآية - من قال بأن المراد بالصلاة مواضعها - على أنه يحرم على السكران دخول المسجد ، لما يتوقع منه من التلويث وفحش القول ، ويقاس عليه كل ذى نجاسة يخشى معها التلويث والسياب ونحوه .4- استدلوا بقوله - تعالى - : ( حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ) على أن المسلم منهى عن الصلاة حال النعاس أو ما يشبهه ، لأنه فى هذه الحالة لا يعلم ما يقول ويؤيد ذلك ما رواه البخارى عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا نعس أحدكم وهو يصلى فليرقد حتى يذهب عنه النوم .

فان أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدرى لعله يستغفر فيسب نفسه " .وروى البخارى عن أنس عن النبى صلى الله علي وسلم قال : " إذا نعس أحدكم فى الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقرأ " .قال الفخر الرازى ما ملخصه : ويرى الضحاك أنه ليس المراد من لفظ ( سكارى ) السكر من الخمر ، وإنما المراد منه سكر النوم .

لأن لفظ السكر يستعمل فى النوم فكان هذا اللفظ محتملا له .

.

.ثم قال الرازى : واعلم أن القول الصحيح هو قول الجمهور هو من الصحابة والتابعين وهو أن المراد من لفظ ( سكارى ) السكر من الخمر ، لأن لفظ السكر حقيقة فى السكر من شرب الخمر ، والأصل فى الكلام الحقيقة .

.

.

، ولأن جميع المفسرين قد اتفقوا على أن هذه الآية إنما نزلت فى شرب الخمر .

.

.5- استدلوا بقوله - تعالى ( وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حتى تَغْتَسِلُواْ ) على أنه يحرم على الجنب المكث فى المسجد ، إلا أنه يجوز له المرور فيه .قال ابن كثير ما ملخصه : قال ابن عباس فى قوله ( وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ) لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا عابرى سبيل .

أى : تمر به مراً ولا تجلس .وروى ابن جرير عن يزيد بن أبى حبيب فى قوله - تعالى - ( وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ) أن رجلا من الأنصار كانت أبوابهم فى المسجد فكانت تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم فيردون الماء ولا يجدون مروراً إلى فى المسجد .

فأنزل الله - تعالى - ( وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ) ويشهد لصحة ذلك ما ثبت فى صحيح البخارى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" سدوا كل خوخة فى المسجد إلا خوخة أبى بكر .

.

"وبهذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث فى المسجد ، ويجوز له المرور ، وكذا الحائض والنفساء أيضاً متى أمنت كل واحدة منهما التلويث فى حال المرور .

.

.ثم قال ابن كثير : وقوله ( حتى تَغْتَسِلُواْ ) دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة : أبو حنيفة ومالك والشافعى من أنه يحرم على الجنب المكث فى المسجد حتى يغتسل أو يتيمم إن عدم الماء أو لم يقدر على استعماله .

وذهب الإِمام أحمد إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث فى المسجد ، لما روى من أن صحابه كانوا يفعلون ذلك .

وعن عطاء بن يسار قال : رأيت رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون فى المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا وضوء الصلاة .

وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم .6- ظاهر قوله - تعالى - ( فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ ) يفيد أن التيمم لا يصح مع وجود الماء ، لأن الآية الكريمة قد رتبت الأمر بالتيمم على نفى وجود الماء .ولكن هذا الظاهر غير مراد ، لأنه يقتضى أنه حتى لو وجدنا ماء ، وكنا فى حاجة شديدة إليه ، أو لا نقدر على استعماله فإنه لا يجوز لنا أن نتيمم ، وهذا بتعارض مع سماحه الشريعة الإِسلامية ويسرها ، قال - تعالى : ( يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر ) وقال - تعالى - : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ) ويتعارض كذلك مع ما شرع من أجله التيمم وهو التيسير على الناس ، والتيسير على الناس لا يتأتى بإلزامهم أن يفقدوا ما معهم من الماء فى الطهارة ليقعوا فى العنت بسبب العطش أو الجوع .

أو بإلزامهم استعمال الماء فى طهارتهم مع أن فى استعماله مضرة بهم .لهذا قال العلماء : إن التيمم مشروع للمسلم عند فقده للماء ، أو عند وجود الماء ولكن هناك عارض يمنعه من استعماله كمرض أو نحوه .ولقد ورد فى السنة الشريفة ما يشهد بأنه يجوز للمسلم أن يتيمم مع وجود الماء متى كان هناك ما يمنع من استعماله .ومن ذلك ما أخرجه أبو داود والدارقطنى عن جابر قال : " خرجنا فى سفر .

فأصاب رجلا منا حجر فشجه فى رأسه .

ثم احتلم فسأل أصحابه فقال هل تجدون لى رخصة فى التيمم؟

فقالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء .

فاغتسل فمات .

فلما قدمنا على النبى صلى الله عليه وسلم أخبر بدلك فقال : قتلوه ، قتلهم الله ، هلا سألوا إذا لم يعلموا؟

فإنما شفاء العى السؤال .

إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده " .وروى أبو داود والدارقطنى عن عمرو بن العاص قال :" احتلمت فى ليلة باردة فى غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك .

فتيممت .

ثم صليت بأصحابى الصبح .

فذركوا ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فقال : " يا عمرو صليت باصحابى وأنت جنب "؟

فأخبرته بالذى منعنى من الاغتسال وقلت : إنى سمعت الله يقول : ( وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ) فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا " .قال القرطبى - بعد أن ساق هذا الحديث والذى قبله - فدل هذا الحديث على إباحة التيمم مع الخوف من المرض - عند استعمال الماء - : وفيه إطلاق اسم الجنب على المتيمم ، وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين .

وهذا أحد القولين عندنا .

وهو الصحيح الذى أقره مالك مالك فى موطئه وقرئ عليه إلى أن مات .وقال ابن كثير : وقد استنبط كثير من الفقهاء من الآية أنه لا يجوز التيمم لعدم الماء إلا بعد طلب الماء .

فمتى طلبه فلم يجده جاز له حينئذ التيمم .

وقد ذكروا كيفية الطلب فى كتب الفروع .

.7- أخذ الشافعية والحنابلة من قوله - تعالى - ( فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً ) : أن التيمم لا يجوز إلا بالتراب الطاهر لأنه هو المقصود بالصعيد الطيب ولأنه ثبت فى صحيح مسلم عن حذيفة بن اليمان قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة .

وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا .

وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء " قالوا : فخصص الطهور بالتراب فى مقام الامتنان .

فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه .ويرى الإِمام أبو حنيفة التيمم يجوز بالتراب وبالحجر وبما ماثله من كل ما كان من جنس الأرض متى كان طاهرا .

قالوا : لأن الظاهر من لفظ الصعيد وجه الأرض وهذه الصفة لا تختص بالتراب .وتوسع الإِمام مالك فذهب إلى أن التيمم يجوز بكل ما سبق وبغيره كالشجرة والحجر والنبات لأن الصعيد عنده كل ما صعد على وجه الأرض .قال القرطبى عند حديثه عن اختلاف الفقهاء فى ذلك : وإذا تقرر هذا فاعلم أن مكان الإِجماع فيما ذكرناه أن يتيمم الرجل على تراب منبت طاهر غير منقول ولا منصوب .

ومكان الإِجماع فى المنع أن يتيمم الرجل على الذهب الصرف والفضة والياقوت والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما .

أو على النجاسات .

واختلف فى غير هذا كالمعادن ، فأجيز وهو مذهب مالك وغيره .

ومنع وهو مذهب الشافعى وغيره .

.

.8- أفاد قوله - تعالى - ( فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ) أن الواجب فى التيمم هو مسح الوجه واليدين فقط سواء أكان التيمم بدلا عن الوضوء أو عن الغسل .قال القرطبى : وروى التيمم إلى المرفقين عن النبى صلى الله عليه وسلم جابر عن عبد الله ، وابن عمر وبه كان يقول : قال الدارقطنى : سئل قتادة عن التيمم فى السفر فقال : كان ابن عمر يقول : إلى المرفقين .وكان الحسن وإبراهيم النخعى يقولان : إلى المرفقين .ثم قال : وقالت طائفة يبلغ به إلى الكوعين وهما الرسغان .

روى ذلك عن على بن أبى طالب والأوزاعى وعطاء والشعبى فى رواية .

وبه قال أحمد ابن حنبل ، والطبرى .وقال مكحول : اجتمعت أنا والزهرى فتذاكرنا التيمم فقال الزهرى : المسح إلى الآباط .وقال ابن أبى الجهم : التيمم بضربة واحدة ، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وداود والطبرى .9- ذكر المفسرون فى سبب مشروعية التيمم روايات منها ما أخرجه البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : خرجنا ما رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بعض أسفاره : حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقدلى .

فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه .

وليسوا على ماء .

وليس معهم ماء .

فأتى الناس إلى أبى بكر الصديق فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة؟

أقمت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء .

فجاء أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذى قد نام .

فقال : حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء .

قالت عائشة : فعاتبنى أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول .

فجعل يطعننى بيده فى خاصرتى فلا يمنعنى من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذى .

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء .

فأنزل الله آية التيمم .

فتيمموا .

فقال أسيد بن الحضير : ما هى بأول بركتكم يا آل أبى بكر .قالت : فبعثنا البعير الذى كنت عليه فوجدنا العقد تحته .قال الحافظ ابن كثير عند ذكره هنا لسبب مشروعيته التيمم ، وإنما ذكرنا ذلك ههنا ، لأن هذه الآية التى فى النساء متقدمة فى النزول على آية سورة المائدة وبيانه : أن هذه نزلت قبل تحريم الخمر .

والخمر إنما حرم بعد أحد بيسير ، فى محاصرة النبى صلى الله عليه وسلم لبنى النضير .

وأما المائدة فإنها من آخر ما نزل ولا سيما صدرها .

فناسب أن يذكر السبب هنا .10- تكلم بعض العلماء عن حكمة مشروعية التيمم عروضا عن الطهارة بالماء فقال : والتيمم من خصائص شريعة الإسلام كما فى حديث جابر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى - فذكر منها - وعلت لى الأرض مسجدا وطهورا " .والتيمم بدل جعله الشرع عن الطهارة .

ولم أر لأحد من العلماء بيانا فى حكمة جعل التيمم عوضا عن الطهارة بالماء ، وكان ذلك من همى زمنا طويلا وقت الطلب .ثم انفتح لى حكمة ذلك .وأحسب أن حكمة تشريعه تقرير لزوم الطهارة فى نفوس المؤمنين .

وتقرير حرمة الصلاة وترفيع شأنها فى نفوسهم .

فلم تترك لهم حالة يعدون فيها أنفسهم مصلين بدون طهارة تعظيما لمناجاة الله - تعالى - فلذك شرع لهم عملا يشبه الإِيمان إلى الطهارة ليستشعروا أنفسهم متطهرين ، وجعل ذلك بمباشرة اليدين صعيد الأرض التى هى منبع الماء .

ولأن التراب مستعمل فى تطهير الآنية ونحوها ، ينطقون به ما علق لهم من الأقذار فى ثيابهم وأبدانهم وما عونهم .

وما الاستجمار إلا من ضرب ذلك ، مع ما فى ذلك من تجديد طلب الماء لفاقده وتذكيره بأنه مطالب به عند زوال مانعه .

وإذ قد كان التيمم طهارة رمزية اكتفت الشريعة فيه بالوجه والكفين فى الطهارتين الصغرى والكبرى كما دل عليه حديث عمار بن ياسر فقد ثبت فى الصحيح " عن عمار بن ياسر قال : كنت فى سفر فأجنبت فتمعكت فى التراب " أى تمرغت " وصليت .

فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال : " يكفيك الوجه والكفان " ويؤيد هذا المقصد أن المسلمين لما عدموا الماء فى غزوة المريسيع صلوا بدون وضوء فنزلت آية التيمم .هذا منتهى ما عرض لى من حكمة مشروعية التيمم بعد طول البحث والتأمل فى حكمة مقنعة فى النظر .وبعد ، فهذه بعض الأحكام والآداب التى اشتملت عليها تلك الآية ، ومنها نرى كيف وجهت المؤمنين إلى ما يقوى إيمانهم ، ويصفى نفوسهم ، ويبعدهم عن الأسباب التى تحول بينهم وبين إخلاص المناجاة لله رب العالمين ، وإلى ما يجعلهم يتحرزون عن كل ما يدنسهم أو يلهيهم عن طاعة الله .كما ترى كيف استعملت فى خطابها للمؤمنين ألطف الكنايات؛ وأسمى التعبيرات ، وأبلغ الإِشارات ، وفى ذلك ما فيه من تربية سليمة للمؤمنين تجعلهم يسعدون فى نياهم وآخرتهم .هذا ، وأنت إذا تدبرت السورة الكريمة من مطلعها إلى هنا ، تراها قد نظمت العلاقات بين أفراد المجتمع الإِسلامى تنظيما حكيما ، وساقت لهم من التوجيات السامية ، والآداب العالية ، والتشريعات الجليلة .

.

.

ما يجعلهم يعيشون فى أمان واطمئنان .ثم أخذت السورة بعد ذلك تسوق لنا فى أكثر من عشر آيات ، ألوانا من رذائل أهل الكتاب ، ومن مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإِسلامية ، ومن حسدهم للنبى صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله ، وتوعدتهم بسوء المصير على ما اقترفوه من منكرات وآثام .

.

.وكأن السورة الكريمة بعد أن نظمت المجتمع الإِسلامي هذا التنظيم الداخلى السليم ، أخذت فى تحذير المؤمنين من عدوهم الخارجى ، وأطلعتهم على ما يضمره لهم أهل الكتاب من كراهية وبغضاء .استمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى كى ذلك فتقول : ( أَلَمْ تَرَ .

.

.

.

بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب النزول وجهين: الأول: أن جماعة من أفاضل الصحابة صنع لهم عبد الرحمن بن عوف طعاما وشرابا حين كانت الخمر مباحة فأكلوا وشربوا، فلما ثملوا جاء وقت صلاة المغرب فقدموا أحدهم ليصلي بهم.

فقرأ: أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد، فنزلت هذه الآية، فكانوا لا يشربون في أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها، فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون، ثم نزل تحريمها على الإطلاق في سورة المائدة.

وعن عمر رضي الله عنه أنه لما بلغه ذلك قال: اللهم إن الخمر تضر بالعقول والأموال، فأنزل فيها أمرك فصبحهم الوحي بآية المائدة.

الثاني: قال ابن عباس: نزلت في جماعة من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد للصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فنهاهم الله عنه.

المسألة الثانية: في لفظ الصلاة قولان: أحدهما: المراد منه المسجد، وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن، وإليه ذهب الشافعي.

واعلم أن إطلاق لفظ الصلاة على المسجد محتمل، ويدل عليه وجهان: الأول: أنه يكون من باب حذف المضاف، أي لا تقربوا موضع الصلاة، وحذف المضاف مجاز شائع، والثاني: قوله: ﴿ لَّهُدّمَتْ صوامع وَبِيَعٌ وصلوات  ﴾ والمراد بالصلوات مواضع الصلوات، فثبت أن إطلاق لفظ الصلاة والمراد به المسجد جائز.

والقول الثاني: وعليه الأكثرون: أن المراد بالصلاة في هذه الآية نفس الصلاة، أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى.

واعلم أن فائدة الخلاف تظهر في حكم شرعي، وهو أن على التقدير الأول يكون المعنى: لا تقربوا المسجد وأنتم سكارى ولا جنبا إلا عابري سبيل، وعلى هذا الوجه يكون الاستثناء دالا على أنه يجوز للجنب العبور في المسجد، وهو قول الشافعي.

وأما على القول الثاني فيكون المعنى: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، ولا تقربوها حال كونكم جنباً إلا عابري سبيل، والمراد بعابر السبيل المسافر، فيكون هذا الاستثناء دليلا على أنه يجوز للجنب الإقدام على الصلاة عند العجز عن الماء.

قال أصحاب الشافعي: هذا القول الأول أرجح، ويدل عليه وجوه: الأول: أنه قال: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة ﴾ والقرب والبعد لا يصحان على نفس الصلاة على سبيل الحقيقة، إنما يصحان على المسجد.

الثاني: أنا لو حملناه على ما قلنا لكان الاستثناء صحيحا، أما لو حملناه على ما قلتم لم يكن صحيحا، لأن من لم يكن عابر سبيل وقد عجز عن استعمال الماء بسبب المرض الشديد، فإنه يجوز له الصلاة بالتيمم، وإذا كان كذلك كان حمل الآية على ذلك أولى.

الثالث: أنا إذا حملنا عابر السبيل على الجنب المسافر، فهذا إن كان واجدا للماء لم يجز له القرب من الصلاة ألبتة، فحينئذ يحتاج إلى إضمار هذا الاستثناء في الآية، وإن لم يكن واجدا للماء لم يجز له الصلاة إلا مع التيمم، فيفتقر إلى إضمار هذا الشرط في الآية، وأما على ما قلناه فانا لا نفتقر إلى إضمار شيء في الآية فكان قولنا أولى.

الرابع: أن الله تعالى ذكر حكم السفر وعدم الماء، وجواز التييم بعد هذا، فلا يجوز حمل هذا على حكم مذكور في آية بعد هذه الآية، والذي يؤكده أن القراء كلهم استحبوا الوقف عند قوله: ﴿ حتى تَغْتَسِلُواْ ﴾ ثم يستأنف قوله: ﴿ وَإِنْ كُنتُم مرضى ﴾ لأنه حكم آخر.

وأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا لم نحتج فيه إلى هذه الالحاقات فكان ما قلناه أولى.

ولمن نصر القول الثاني أن يقول: إن قوله تعالى: ﴿ حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾ يدل على أن المراد من قوله: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة ﴾ نفس الصلاة لأن المسجد ليس فيه قول مشروع يمنع السكر منه، أما الصلاة ففيها أقوال مخصوصة يمنع السكر منها، فكان حمل الآية على هذا أولى، وللقائل الأول أن يجيب بأن الظاهر أن الإنسان إنما يذهب إلى المسجد لأجل الصلاة، فما يخل بالصلاة كان كالمانع من الذهاب إلى المسجد فلهذا ذكر هذا المعنى.

المسألة الثالثة: قال الواحدي رحمه الله: السكارى جمع سكران، وكل نعت على فعلان فإنه يجمع على: فعالى وفعالى، مثل كسالى وكسالى، وأصل السكر في اللغة سد الطريق، ومن ذلك سكر البثق وهو سده، وسكرت عينه سكرا إذا تحيرت، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا سُكّرَتْ أبصارنا  ﴾ أي غشيت فليس ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقيقتها، ومن ذلك سكر الماء وهو رده على سننه في الجري.

والسكر من الشراب وهو أن ينقطع عما عليه من النفاذ حال الصحو، فلا ينفذ رأيه على حد نفاذه في حال صحوه.

إذا عرفت هذا فنقول: في لفظ السكارى في هذه الآية قولان: الأول: المراد منه السكر من الخمر وهو نقيض الصحو، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين.

والقول الثاني: وهو قول الضحاك: وهو أنه ليس المراد منه سكر الخمر، إنما المراد منه سكر النوم، قال: ولفظ السكر يستعمل في النوم فكان هذا اللفظ محتملا له، والدليل دل عليه فوجب المصير إليه، أما بيان أن اللفظ محتمل له فمن وجهين: الأول: ما ذكرنا: أن لفظ السكر في أصل اللغة عبارة عن سد الطريق، ولا شك أن عند النوم تمتلئ مجاري الروح من الأبخرة الغليظة فتنسد تلك المجاري بها، ولا ينفذ الروح الباصر والسامع إلى ظاهر البدن.

الثاني: قول الفرزدق: من السير والادلاج يحسب انما *** سقاه الكرى في كل منزلة خمرا وإذا ثبت أن اللفظ محتمل له فنقول: الدليل دل عليه، وبيانه من وجوه: الأول: أن قوله تعالى: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾ ظاهره أنه تعالى نهاهم عن القرب من الصلاة حال صيرورتهم بحيث لا يعلمون ما يقولون، وتوجيه التكليف على مثل هذا الإنسان ممتنع بالعقل والنقل، أما العقل فلأن تكليف مثل هذا الإنسان يقتضي تكليف ما لا يطاق، وأما النقل فهو قوله عليه الصلاة والسلام: رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ ولا شك أن هذا السكران يكون مثل المجنون، فوجب ارتفاع التكليف عنه.

والحجة الثانية: قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا نعس أحدكم وهو في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإنه إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب ليستغفر فيسب نفسه» هذا تقرير قول الضحاك.

واعلم أن الصحيح هو القول الأول، ويدل عليه وجهان: الأول: أن لفظ السكر حقيقة في السكر من شرب الخمر، والأصل في الكلام الحقيقة، فأما حمله على السكر من العشق، أو من الغضب أو من الخوف، أو من النوم، فكل ذلك مجاز، وإنما يستعمل مقيدا.

قال تعالى: ﴿ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ  ﴾ وقال: ﴿ وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى  ﴾ الثاني: أن جميع المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية إنما نزلت في شرب الخمر وقد ثبت في أصول الفقه أن الآية إذا نزلت في واقعة معينة ولأجل سبب معين، امتنع أن لا يكون ذلك السبب مراداً بتلك الآية، فأما قول الضحاك كيف يتناوله النهي حال كونه سكران؟

فنقول: وهذا أيضا لازم عليكم، لأنه يقال: كيف يتناوله النهي وهو نائم لا يفهم شيئا؟

ثم الجواب عنه: إن المراد من الآية النهي عن الشرب المؤدي إلى السكر المخل بالفهم حال وجوب الصلاة عليهم، فخرج اللفظ عن النهي عن الصلاة في حال السكر مع أن المراد منه النهي عن الشرب الموجب للسكر في وقت الصلاة.

وأما الحديث الذي تمسك به فذاك لا يدل على أن السكر المذكور في الآية هو النوم.

المسألة الرابعة: قال بعضهم: هذه الآية منسوخة بآية المائدة، وأقول: الذي يمكن ادعاء النسخ فيه أنه يقال: نهى عن قربان الصلاة حال السكر ممدودا إلى غاية أن يصير بحيث يعلم ما يقول والحكم الممدود إلى غاية يقتضي انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية، فهذا يقتضي جواز قربان الصلاة مع السكر إذا صار بحيث يعلم ما يقول، ومعلوم أن الله تعالى لما حرم الخمر بآية المائدة فقد رفع هذا الجواز، فثبت أن آية المائدة ناسخة لبعض مدلالوت هذه الآية.

هذا ما خطر ببالي في تقرير هذا النسخ.

والجواب عنه: أنا بينا أن حاصل هذا النهي راجع إلى النهي عن الشرب الموجب للسكر عند القرب من الصلاة، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه الا على سبيل الظن الضعيف، ومثل هذا لا يكون نسخا.

المسألة الخامسة: قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ سكارى ﴾ بفتح السين و(سكرى) على أن يكون جمعا نحو: هلكى، وجوعى.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ ﴾ قوله: ﴿ وَلاَ جُنُباً ﴾ عطف على قوله: ﴿ وَأَنتُمْ سكارى ﴾ والواو هاهنا للحال، والتقدير: لا تقربوا الصلاة حال ما تكونون سكارى، وحال ما تكونون جنبا، والجنب يستوي فيه الواحد والجمع، المذكر والمؤنث، لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الأجناب.

وقد ذكرنا أن أصل الجنابة البعد، وقيل للذي يجب عليه الغسل: جنب، لأنه يجتنب الصلاة والمسجد وقراءة القرآن حتى يتطهر.

ثم قال: ﴿ إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ ﴾ وقد ذكرنا أن فيه قولين: أحدهما: أن هذا العبور المراد منه العبور في المسجد.

الثاني: أن المراد بقوله: ﴿ إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ ﴾ المسافرون، وبينا كيفية ترجيح أحدهما على الآخر.

قوله تعالى: ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفواً غفوراً ﴾ .

اعلم أنه تعالى ذكر هاهنا أصنافاً أربعة: المرضى، والمسافرين، والذين جاؤا من الغائط، والذين لامسوا النساء.

فالقسمان الأولان: يلجئان إلى التيمم، وهما المرض والسفر.

والقسمان الأخيران: يوجبان التطهر بالماء عند وجود الماء، وبالتيمم عند عدم الماء، ونحن نذكر حكم كل واحد من هذه الأقسام: أما السبب الأول: هو المرض، فاعلم أنه على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون بحيث لو استعمل الماء لمات، كما في الجدري الشديد والقروح العظيمة.

وثانيها، أن لا يموت باستعمال الماء ولكنه يجد الآلام العظيمة.

وثالثها: أن لا يخاف الموت والآلام الشديدة.

لكنه يخاف بقاء شين أو عيب على البدن، فالفقهاء جوزوا التيمم في القسمين الأولين، وما جوزوه في القسم الثالث وزعم الحسن البصري أنه لا يجوز التيمم في الكل إلا عند عدم الماء، بدليل أنه شرط جواز التيمم للمريض بعدم وجدان الماء، بدليل أنه قال في آخر الآية: ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وإذا كان هذا الشرط معتبراً في جواز التيمم، فعند فقدان هذا الشرط وجب أن لا يجوز التيمم، وهو إيضاً قول ابن عباس.

وكان يقول: لو شاء الله لابتلاه بأشد من ذلك.

ودليل الفقهاء أنه تعالى جوز التيمم للمريض إذا لم يجد الماء، وليس فيه دلالة على منعه من التيمم عند وجوده، ثم قد دلت السنة على جوازه، ويؤيده ما روي عن بعض الصحابة أنه أصابته جنابة وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فأمره بالاغتسال، فلما اغتسل مات، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قتلوه قتلهم الله، فدل ذلك على جواز ما ذكرناه.

السبب الثاني: السفر، والآية تدل على أن المسافر إذا لم يجد الماء، تيمم، طال سفره أو قصر لهذه الآية.

السبب الثالث: قوله: ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ والغائط المكان المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان.

وكان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطاً من الأرض يحجبه عن أعين الناس، ثم سمي الحدث بهذا الاسم تسمية للشيء باسم مكانه.

السبب الرابع: قوله: ﴿ أو لامستم النساء ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي: (لمستم) بغير ألف من اللمس، والباقون ﴿ لامستم ﴾ بالألف من الملامسة.

المسألة الثانية: اختلف المفسرون في اللمس المذكور هاهنا على قولين: أحدهما: أن المراد به الجماع، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة، وقول أبي حنيفة رضي الله عنه، لأن اللمس باليد لا ينقض الطهارة.

والثاني: أن المراد باللمس هاهنا التقاء البشرتين، سواء كان بجماع أو غيره وهو قول ابن مسعود وابن عمرو الشعبي والنخعي وقول الشافعي رضي الله عنه.

واعلم أن هذا القول أرجح من الأول، وذلك لأن إحدى القراءتين هي قوله تعالى: ﴿ أو لمستم النساء ﴾ واللمس حقيقته المس باليد، فأما تخصيصه بالجماع فذاك مجاز، والأصل حمل الكلام على حقيقته.

وأما القراءة الثانية وهي قوله: ﴿ أو لامستم ﴾ فهو مفاعلة من اللمس، وذلك ليس حقيقة في الجماع أيضاً، بل يجب حمله على حقيقته أيضاً، لئلا يقع التناقض بين المفهوم من القراءتين المتواترتين واحتج من قال: المراد باللمس الجماع، بأن لفظ اللمس والمس ورداً في القرآن بعنى الجماع، قال تعالى: ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن  ﴾ وقال في آية الظهار: ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا  ﴾ وعن ابن عباس أنه قال: إن الله حيي كريم يعف ويكني، فعبر عن المباشرة بالملامسة.

وأيضاً الحدث نوعان: الأصغر، وهو المراد بقوله: ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ فلو حملنا قوله: ﴿ أو لامستم النساء ﴾ على الحدث الأصغر لما بقي للحدث الأكبر ذكر في الآية، فوجب حمله على الحدث الأكبر.

واعلم أن كل ما ذكروه عدول عن ظاهر اللفظ بغير دليل، فوجب أن لا يجوز.

وأيضاً فحكم الجنابة تقدم في قوله: ﴿ ولا جنباً ﴾ فلو حملنا هذه الآية على الجنابة لزم التكرار.

المسألة الثالثة: قال أهل الظاهر: إنما ينتقض وضوء اللامس لظاهر قوله: ﴿ أو لامستم النساء ﴾ أما الملموس فلا.

وقال الشافعي رضي الله عنه: بل ينتقض وضوءهما معاً.

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأسباب الأربعة قال: ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي رضي الله عنه: إذا دخل وقت الصلاة فطلب الماء ولم يجده وتيمم وصلى، ثم دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى.

وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجب.

حجة الشافي قوله: ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وعدم الوجدان مشعر بسبق الطلب، فلابد في كل مرة من سبق الطلب.

فإن قيل: قولنا: وجد، لا يشعر بسبق الطلب، بدليل قوله تعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ  وَوَجَدَكَ عَآئِلًا فَأَغْنَىٰ  ﴾ وقوله: ﴿ وما وجدنا لأكثرهم من عهد  ﴾ وقوله: ﴿ ولم نجد له عزما ﴾ فإن الطلب على الله محال.

قلنا: الطلب وإن كان في حقه تعالى محالا، إلا أنه لما أخرج محمداً صلى الله عليه وسلم من بين قومه بما لم يكن لائقاً لقومه صار ذلك كأنه طلبه، ولما أمر الملكفين بالطاعات ثم إنهم قصروا فيها صار كأنه طلب شيئاً ثم لم يجده، فخرجت هذه اللفظة في هذه الآيات على سبيل التأويل من الوجه الذي ذكرناه.

المسألة الثانية: أجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه يحتاج إليه لعطشه أو عطش حيوان محترم جاز له التيمم، أما إذا وجد من الماء مالا يكفيه للوضوء، فهل يجب عليه أن يجمع بين استعمال ذلك القدر من الماء وبين التيمم؟

قد أوجبه الشافي رضي الله عنه، متمسكاً بظاهر لفظ الآية.

ثم قال تعالى: ﴿ فيتمموا صعيداً طيباً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: التيمم في اللغة عبارة عن القصد، يقال: أممته وتيممته وتأممته، أي قصدته وأما الصعيد فهو فعيل بمعنى الصاعد، قال الزجاج: الصعيد وجه الأرض، تراباً كان أو غيره.

المسألة الثانية: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: لو فرضنا صخراً لا تراب عليه فضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافياً.

قال الشافعي رضي الله عنه: بل لابد من تراب يلتصق بيده.

احتج أبو حنيفة بظاهر هذه الآية فقال: التيمم هو القصد، والصعيد هو ما تصاعد من الأرض، فقوله: ﴿ فتيمموا صعيداً طيبا ﴾ أي اقصدوا أرضاً، فوجب أن يكون هذا القدر كافياً.

وأما الشافعي فإنه احتج بوجهين: الأول: أن هذه الآية هاهنا مطلقة، ولكنها في سورة المائدة مقيدة، وهي قوله سبحانه: ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه  ﴾ وكلمة من للتبعيض، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه.

فإن قيل: إن كلمة من لابتداء الغاية، قال صاحب الكشاف: لا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب: إلا معنى التبعيض، ثم قال: والاذعان للحق أحق من المراء.

الثاني: ما ذكره الواحدي رحمه الله، وهو أنه تعالى أوجب في هذه الآية كون الصعيد طيباً، والأرض الطيبة هي التي تنبت بدليل قوله: ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه  ﴾ فوجب في التي لا تنبت أن لا تكون طيبة، فكان قوله: ﴿ فتيمموا صعيداً طيباً ﴾ أمرا بالتيمم بالتراب فقط، وظاهر الأمر للوجوب.

أن قوله: ﴿ صعيداً طيباً ﴾ أمر بإيقاع التيمم بالصعيد الطيب، والصعيد الطيب هو الأرض التي لا سبخة فيها، ولا شك أن التيمم بهذا التراب جائز بالاجماع، فوجب حمل الصعيد الطيب عليه رعاية لقاعدة الاحتياط، لا سيما وقد خصص النبي عليه الصلاة والسلام التراب بهذه الصفة، فقال: «جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا».

وقال: «التراب طهور المسلم إذا لم يجد الماء».

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ﴾ محمول عند كثير من المفسرين على الوجه واليدين إلى الكوعين، وعند أكثر الفقهاء يجب مسح اليدين إلى المرفقين، وحجتهم أن اسم اليد يتناول جملة هذا العضو إلى الإبطين، إلا أنا أخرجنا المرفقين منه بدلالة الاجماع، فبقي اللفظ متناولاً للباقي.

ثم ختم تعالى الآية بقوله: ﴿ إن الله كان عفوا غفورا ﴾ وهو كناية عن الترخيص، والتيسير، لأن من كان من عادته أن يعفو عن المذنبين، فبأن يرخص للعاجزين كان أولى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

روي: أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً وشراباً فدعا نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كانت الخمر مباحة، فأكلوا وشربوا، فلما ثملوا وجاء وقت صلاة المغرب قدموا أحدهم ليصلي بهم، فقرأ: أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، فنزلت، فكانوا لا يشربون في أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون.

ثم نزل تحريمها.

ومعنى ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة ﴾ لا تغشوها ولا تقوموا إليها واجتنبوها.

كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنا ﴾ [الإسراء: 32] ، ﴿ لا تَقْرَبُواْ الفواحش ﴾ [الأنعام: 51] ، وقيل معناه: ولا تقربوا مواضعها وهي المساجد، لقوله عليه الصلاة والسلام: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم» ، وقيل: هو سكر النعاس وغلبة النوم، كقوله: ............

وَرَانُوا ** بِسُكْرِ سِنَاتِهِمْ كُلَّ الرُّيُونِ وقرئ: ﴿ سكارى ﴾ ، بفتح السين، ﴿ وسكرى ﴾ ، على أن يكون جمعاً، نحو: هلكى، وجوعى، لأن السكر علة تلحق العقل.

أو مفرداً بمعنى: وأنتم جماعة سكرى، كقولك: امرأة سكرى، وسكرى بضم السين كحبلى.

على أن تكون صفة للجماعة.

وحكى جناح بن حبيش: كسلى وكسلى، بالفتح والضم ﴿ وَلاَ جُنُباً ﴾ عطف على قوله: ﴿ وَأَنتُمْ سكارى ﴾ لأن محل الجملة مع الواو النصب على الحال، كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنباً.

والجنب: يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب ﴿ إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ ﴾ استثناء من عامة أحوال المخاطبين.

وانتصابه على الحال.

فإن قلت: كيف جمع بين هذه الحال والحال التي قبلها؟

قلت: كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة، إلا ومعكم حال أخرى تعذرون فيها، وهي حال السفر.

وعبور السبيل: عبارة عنه.

ويجوز أن لا يكون حالاً ولكن صفة، لقوله (جنباً) أي ولا تقربوا الصلاة جنباً غير عابري سبيل، أي جنباً مقيمين غير معذورين، فإن قلت: كيف تصح صلاتهم على الجنابة لعذر السفر؟

قلت: أريد بالجنب: الذين لم يغتسلوا كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة غير مغتسلين.

حتى تغتسلوا، إلا أن تكونوا مسافرين.

وقال: من فسر الصلاة بالمسجد معناه: لا تقربوا المسجد جنباً إلا مجتازين فيه، إذا كان الطريق فيه إلى الماء، أو كان الماء فيه أو احتلمتم فيه.

وقيل: إن رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فتصيبهم الجنابة ولا يجدون ممرّا إلا في المسجد، فرخص لهم.

وروي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأذن لأحد أن يجلس في المسجد أو يمرّ فيه وهو جنب إلا لعلي رضي الله عنه.

لأن بيته كان في المسجد فإن قلت: أدخل في حكم الشرط أربعة: وهم المرضى، والمسافرون، والمحدثون، وأهل الجنابة فيمن تعلق الجزاء الذي هو الأمر بالتيمم عند عدم الماء منهم.

قلت: الظاهر أنه تعلق بهم جميعاً وأنّ المرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه فلهم أن يتيمموا.

وكذلك السفر إذا عدموه.

لبعده.

والمحدثون وأهل الجنابة كذلك إذا لم يجدوه لبعض الأسباب.

وقال الزجاج: الصعيد وجه الأرض، تراباً كان أو غيره.

وإن كان صخراً لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده عليه ومسح.

لكان ذلك طهوره.

وهو مذهب أبي حنيفة رحمة الله عليه.

فإن قلت: فما يصنع بقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿ فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْه ﴾ [المائدة: 6] أي بعضه، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه؟

قلت: قالوا إنّ (من) لابتداء الغاية.

فإن قلت: قولهم إنها لابتداء الغاية قول متعسف.

ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب، إلا معنى التبعيض.

قلت: هو كما تقول.

والإذعان للحق أحق من المراء ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً ﴾ كناية عن الترخيص والتيسير.

لأنّ من كانت عادته أن يعفو عن الخطائين ويغفر لهم، آثر أن يكون ميسراً غير معسر.

فإن قلت: كيف نظم في سلك واحد بين المرضى والمسافرين، وبين المحدثين والمجنبين، والمرض والسفر سببان من أسباب الرخصة، والحدث سبب لوجوب الوضوء.

والجنابة سبب لوجوب الغسل؟

قلت: أراد سبحانه أن يرخص للذين وجب عليهم التطهر وهم عادمون الماء في التيمم بالتراب، فخص أوّل من بينهم مرضاهم وسفرهم، لأنهم المتقدّمون في استحقاق بيان الرخصة لهم بكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة، ثم عم كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء لخوف عدو أو سبع أو عدم آلة استسقاء أو إرهاق في مكان لا ماء فيه وغير ذلك بما لا يكثر كثرة المرض والسفر.

وقرئ: ﴿ من غيط ﴾ ، قيل هو تخفيف غيط، كهين في هين، والغيط بمعنى الغائط.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ﴾ أيْ لا تَقُومُوا إلَيْها وأنْتُمْ سُكارى مِن نَحْوِ نَوْمٍ أوْ خَمْرٍ حَتّى تَنْتَهُوا وتَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ في صَلاتِكم.

رُوِيَ « (أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ صَنَعَ مَأْدُبَةً ودَعا نَفَرًا مِنَ الصَّحابَةِ.

حِينَ كانَتِ الخَمْرِ مُباحَةً.

فَأكَلُوا وشَرِبُوا حَتّى ثَمِلُوا، وجاءَ وقْتُ صَلاةِ المَغْرِبِ فَتَقَدَّمَ أحَدُهم لِيُصَلِّيَ بِهِمْ فَقَرَأ: أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ.

فَنَزَلَتْ.» وَقِيلَ أرادَ بِالصَّلاةِ مَواضِعَها وهي المَساجِدُ ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ نَهْيَ السَّكْرانِ عَنْ قُرْبانِ الصَّلاةِ، وإنَّما المُرادُ النَّهْيُ عَنِ الإفْراطِ في الشُّرْبِ، والسُّكْرِ مِنَ السُّكْرِ وهو السَّدُّ.

وقُرِئَ «سَكارى» بِالفَتْحِ وسَكْرى عَلى أنَّهُ جَمْعٌ كَهَلْكى.

أوْ مُفْرَدٌ بِمَعْنى وأنْتُمْ قَوْمٌ سَكْرى، أوْ جَماعَةٌ سُكْرى وسُكْرى كَحُبْلى عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلْجَماعَةِ.

﴿ وَلا جُنُبًا ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ وأنْتُمْ سُكارى إذِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والجُنُبُ الَّذِي أصابَتْهُ الجَنابَةُ، يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ والجَمْعُ، لِأنَّهُ يُجْرى مَجْرى المَصْدَرِ.

﴿ إلا عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ولا جُنُبًا، اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ جُنُبًا في عامَّةِ الأحْوالِ إلّا في السَّفَرِ وذَلِكَ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ وتَيَمَّمَ، ويَشْهَدُ لَهُ تَعْقِيبُهُ بِذِكْرِ التَّيَمُّمِ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ جُنُبًا أيْ جُنُبًا غَيْرَ عابِرِي سَبِيلٍ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّيَمُّمَ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ.

ومَن فَسَّرَ الصَّلاةَ بِمَواضِعِها فَسَّرَ عابِرِي سَبِيلٍ بِالمُجْتازِينَ فِيها، وجَوَّزَ لِلْجُنُبِ عُبُورَ المَسْجِدِ.

وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لا يَجُوزُ لَهُ المُرُورُ في المَسْجِدِ إلّا إذا كانَ فِيهِ الماءُ أوِ الطَّرِيقُ.

﴿ حَتّى تَغْتَسِلُوا ﴾ غايَةَ النَّهْيِ عَنِ القُرْبانِ حالَ الجَنابَةِ، وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُصَلِّيَ يَنْبَغِي أنْ يَتَحَرَّزَ عَمّا يُلْهِيهِ ويَشْغَلُ قَلْبَهُ، ويُزَكِّي نَفْسَهُ عَمّا يَجِبُ تَطْهِيرُها عَنْهُ.

﴿ وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى ﴾ مَرَضًا يَخافُ مَعَهُ مِنِ اسْتِعْمالِ الماءِ، فَإنَّ الواجِدَ كالفاقِدِ.

أوْ مَرَضًا يَمْنَعُهُ عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ.

﴿ أوْ عَلى سَفَرٍ ﴾ لا تَجِدُونَهُ فِيهِ.

﴿ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ ﴾ فَأحْدَثَ بِخُرُوجِ الخارِجِ مِن أحَدِ السَّبِيلَيْنِ، وأصْلُ الغائِطِ المَكانُ المُطَمْئِنُ مِنَ الأرْضِ.

﴿ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ﴾ أوْ ماسَسْتُمْ بَشَرَتَهُنَّ بِبَشَرَتِكُمْ، وبِهِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ عَلى أنَّ اللَّمْسَ يَنْقُضُ الوُضُوءَ.

وقِيلَ: أوْ جامَعْتُمُوهُنَّ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا وفي المائِدَةِ «لَمَسْتُمْ»، واسْتِعْمالُهُ كِنايَةً عَنِ الجِماعِ أقَلُّ مِنَ المُلامَسَةِ.

﴿ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ﴾ فَلَمْ تَتَمَكَّنُوا مِنِ اسْتِعْمالِهِ، إذِ المَمْنُوعُ عَنْهُ كالمَفْقُودِ.

ووَجْهُ هَذا التَّقْسِيمِ أنَّ المُتَرَخِّصَ بِالتَّيَمُّمِ إمّا مُحْدِثٌ أوْ جُنُبٌ، والحالَةُ المُقْتَضِيَةُ لَهُ في غالِبِ الأمْرِ مَرَضٌ أوْ سَفَرٌ.

والجُنُبُ لِما سَبَقَ ذِكْرُهُ اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ حالِهِ والمُحْدِثُ لِما لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُ ذُكِرَ مِن أسْبابِهِ ما يَحْدُثُ بِالذّاتِ وما يَحْدُثُ بِالعَرَضِ، واسْتُغْنِيَ عَنْ تَفْصِيلِ أحْوالِهِ بِتَفْصِيلِ حالِ الجُنُبِ وبَيانِ العُذْرِ مُجْمَلًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ مُحْدِثِينَ جِئْتُمْ مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ﴿ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ ﴾ أيْ فَتَعَمَّدُوا شَيْئًا مِن وجْهِ الأرْضِ طاهِرًا.

ولِذَلِكَ قالَتِ الحَنَفِيَّةُ: لَوْ ضَرَبَ المُتَيَمِّمُ يَدَهُ عَلى حَجَرٍ صَلْدٍ ومَسَحَ بِهِ أجْزَأهُ.

وقالَ أصْحابُنا لا بُدَّ مِن أنْ يَعْلُقَ بِاليَدِ شَيْءٌ مِنَ التُّرابِ لِقَوْلِهِ تَعالى في المائِدَةِ ﴿ فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ ﴾ أيْ بَعْضِهِ، وجَعْلُ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ تَعَسُّفٌ إذْ لا يُفْهَمُ مِن نَحْوِ ذَلِكَ إلّا التَّبْعِيضُ، واليَدُ اسْمٌ لِلْعُضْوِ إلى المَنكِبِ، وما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَيَمَّمَ ومَسَحَ يَدَيْهِ إلى مِرْفَقَيْهِ»، والقِياسُ عَلى الوُضُوءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ ها هُنا وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ فَلِذَلِكَ يَسَّرَ الأمْرَ عَلَيْكم ورَخَّصَ لَكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)

ولما صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً وشربا ودعا نفرا من الصحابة رضى الله عنهم حين كانت الخمر مباحة وأكلوا وشربوا فقدموا أحدهم ليصلي بهم المغرب فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد نزل {يا أيها الذين آمنوا لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى} أي لا تقربوها في هذه الحالة {حتى تَعْلَمُواْ مَا تقولون} أى تقرءون وفيه دليل على أن ردة السكران ليست بردة لأن قراءة سورة الكافرين بطرح اللامات كفر

ولم يحكم بكفره حتى خاطبهم باسم الإيمان وما أمر النبي عليه السلام بالتفريق بينه بين امرأته ولا بتجديد الإيمان ولأن الأمة اجتمعت على أن من أجرى كلمة الكفر على لسانه مخطئاً لا يحكم بكفره {وَلاَ جُنُباً} عطف على وأنتم سكارى لأن محل الجملة مع الواو النصب على الحال كأنه قيل لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنباً أي ولا تصلوا جنباً والجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} صفة لقوله جنباً أي لا تقربوا الصلاة جنباً غير عابري سبيل أي جنباً مقيمين غير مسافرين والمراد بالجنب الذين لم يغتسلوا كأنه قيل لا تقربوا الصلاة غير مغتسلين {حتى تَغْتَسِلُواْ} إلا أن تكونوا مسافرين عادمين الماء متيممين عبر عن المتيمم المسافر لأن غالب حاله عدم الماء وهذا مذهب أبى حنيفه رحمه الله وهو مروى عن على رضى الله عنه وقال الشافعى رحمه الله لا تقربوا الصلاة أي مواضع الصلاة وهي المساجد ولا جنباً أي ولا تقربوا المسجد جنباً إلا عابري سبيل إلا مجتازين فيه فيجوز للجنب العبور في المسجد عند الحاجة {وَإِنْ كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جاء أحد منكم من الغائط أو}

أى المطمئن من الأرض وكانوايأتونه لقضاء الحاجة فكنى به عن الحديث {أَوْ لامستم النساء} جامعتموهن كذا عن علي رضى الله عنه وابن عباس {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً} فلم تقدروا على استعماله لعدمه أو بعده أو فقد آلة الوصول إليه أو لمانع من حية أو سبع أو عدو {فتيمّموا} أدخل في حكم الشرط أربعة وهم المرضى والمسافرون والمحدثون وأهل الجنابة والجزاء الذي هو الأمر بالتيمم متعلق بهم جميعاً فالمرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه والمسافرون إذا عدموه لبعده والمحدثون وأهل الجنابة إذا لم يجدوه لبعض الأسباب

فلهم أن يتيمموا لمستم حمزة وعلي {صَعِيداً} قال الزجاج هو وجه الأرض تراباً كان أو غيره وإن كان صخرا لا ترا عليه لو ضرب المتيمم يده ومسح لكان ذلك طهوره ومن في سورة المائدة لابتداء الغاية لا للتبعيض {طَيّباً} طاهراً {فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} قيل الباء زائدة {إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً} بالترخيص والتيسير {غَفُوراً} عن الخطأ والتقصير

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ﴾ إرْشادٌ لِإخْلاصِ الصَّلاةِ الَّتِي هي رَأْسُ العِبادَةِ مِن شَوائِبِ الكَدَرِ؛ لِيَجْمَعُوا بَيْنَ إخْلاصِ عِبادَةِ الحَقِّ ومَكارِمِ الأخْلاقِ الَّتِي بَيْنَهم وبَيْنَ الخَلْقِ المُبَيَّنَةِ فِيما تَقَدَّمَ، وبِهَذا يَحْصُلُ الرَّبْطُ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: لَمّا نُهُوا فِيما سَلَفَ عَنِ الإشْراكِ بِهِ تَعالى نُهُوا ها هُنا عَمّا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ.

فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قالَ: «صَنَعَ لَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - طَعامًا فَدَعانا وسَقانا مِنَ الخَمْرِ، فَأخَذَتِ الخَمْرُ مِنّا، وحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَقَدَّمُونِي، فَقَرَأتْ: (قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ونَحْنُ نَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ) فَنَزَلَتْ.

وفِي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: «إنَّ إمامَ القَوْمِ يَوْمَئِذٍ هو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وكانَتِ الصَّلاةُ صَلاةَ المَغْرِبِ، وكانَ ذَلِكَ لَمّا كانَتِ الخَمْرُ مُباحَةً» والخِطابُ لِلصَّحابَةِ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ اعْتِناءً بِشَأْنِ الحُكْمِ، والمُرادُ بِالصَّلاةِ عِنْدَ الكَثِيرِ الهَيْئَةُ المَخْصُوصَةُ، وبِقُرْبِها القِيامُ بِها والتَّلَبُّسُ بِها، إلّا أنَّهُ نَهى عَنِ القُرْبِ مُبالَغَةً، وبِالسُّكْرِ الحالَةُ المُقَرَّرَةُ الَّتِي تَحْصُلُ لِشارِبِ الخَمْرِ، ومادَّتُهُ تَدُلُّ عَلى الِانْسِدادِ، ومِنهُ: سُكِّرَتْ أعْيُنُهُمْ، أيِ: انْسَدَّتْ، والمَعْنى: لا تُصَلُّوا في حالَةِ السُّكْرِ حَتّى تَعْلَمُوا قَبْلَ الشُّرُوعِ ما تَقُولُونَهُ قَبْلَها، إذْ بِذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّكم سَتَعْلَمُونَ ما سَتَقْرَءُونَهُ فِيها.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، أنَّ المَعْنى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ نَشاوى مِنَ الشَّرابِ؛ حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقْرَءُونَهُ في صَلاتِكُمْ، ولَعَلَّ مُرادَهُ: حَتّى تَكُونُوا بِحَيْثُ تَعْلَمُونَ ما تَقْرَءُونَهُ، وإلّا فَهو يَسْتَدْعِي تَقَدُّمَ الشُّرُوعِ في الصَّلاةِ عَلى غايَةِ النَّهْيِ، وإذا أُرِيدَ ذَلِكَ رُجِعَ إلى ما تَقَدَّمَ، ولَكِنْ فِيهِ تَطْوِيلٌ بِلا طائِلٍ، عَلى أنَّ إيثارَ (ما تَقُولُونَ) عَلى (ما تَقْرَءُونَ) حِينَئِذٍ يَكُونُ عارِيًا عَنِ الدّاعِي.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ، والضَّحّاكِ، وعِكْرِمَةَ، والحَسَنِ، أنَّ المُرادَ مِنَ الصَّلاةِ مَواضِعُها، فَهو مَجازٌ مِن ذِكْرِ الحالِ وإرادَةِ المَحَلِّ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى فِيما يَأْتِي: ﴿ إلا عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فالآيَةُ مَسُوقَةٌ عَنْ نَهْيِ قُرْبانِ السَّكْرانِ المَسْجِدَ تَعْظِيمًا لَهُ.

وفِي الخَبَرِ: ««جَنِّبُوا مَساجِدَكم صِبْيانَكم ومَجانِينَكُمْ»» ويَأْباهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ﴾ ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ حَمَلَ الصَّلاةَ عَلى الهَيْئَةِ المَخْصُوصَةِ، وعَلى مَواضِعِها؛ مُراعاةً لِلْقَوْلَيْنِ، وفي الكَلامِ حِينَئِذٍ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، ونَحْنُ لا نَقُولُ بِهِ.

ورُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - والضَّحّاكِ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ المُرادَ مِنَ السُّكْرِ سُكْرُ النُّعاسِ وغَلَبَةِ النَّوْمِ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««إذا نَعَسَ أحَدُكم وهو يُصَلِّي فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَنَمْ حَتّى يَعْلَمَ ما يَقُولُ»» ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - وفِيهِ بَعْدٌ، وأبْعَدُ مِنهُ حَمْلُهُ عَلى سُكْرِ الخَمْرِ وسُكْرِ النَّوْمِ لِما فِيهِ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، أوْ عُمُومِ المَجازِ مَعَ عَدَمِ القَرِينَةِ الواضِحَةِ عَلى ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ مَرْجِعُ النَّهْيِ هو المُقَيَّدَ مَعَ بَقاءِ القَيْدِ مُرَخَّصًا بِحالِهِ، بَلْ إنَّما هو القَيْدُ مَعَ بَقاءِ المُقَيَّدِ عَلى حالِهِ؛ لِأنَّ القَيْدَ مَصَبُّ النَّفْيِ والنَّهْيِ في كَلامِهِمْ، ولِأنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالصَّلاةِ مَأْمُورٌ بِها، والنَّهْيُ يُنافِيهِ، نَعَمْ، لا مانِعَ عَنِ النَّهْيِ عَنْها لِلسَّكْرانِ مَعَ الأمْرِ المُطْلَقِ إلّا أنَّ مَرْجِعَهُ إلى هَذا.

والحاصِلُ كَما قالَ الشِّهابُ: إنَّهُ مُكَلَّفٌ بِها في كُلِّ حالٍ، وزَوالُ عَقْلِهِ بِفِعْلِهِ لا يَمْنَعُ تَكْلِيفَهُ، ولِذا وقَعَ طَلاقُهُ ونَحْوُهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِها لَمْ تَلْزَمْهُ الإعادَةُ إذا اسْتَغْرَقَ السُّكْرُ وقْتَها، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الجَصّاصُ في (الأحْكامِ) وفَصَلَّهُ، انْتَهى.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ نَفْسِها، لَكِنِ المُرادُ بِها الصَّلاةُ جَماعَةً مَعَ النَّبِيِّ  تَعْظِيمًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَوْقِيرًا، ولا يَخْفى أنَّهُ مِمّا لا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَقْلٌ ولا عَقْلٌ، ويَأْباهُ الظّاهِرُ، وسَبَبُ النُّزُولِ.

وقَدْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا بَعْدَما أُنْزِلَتِ الآيَةُ لا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ في أوْقاتِ الصَّلاةِ، فَإذا صَلَّوُا العِشاءَ شَرِبُوها، فَلا يُصْبِحُونَ إلّا وقَدْ ذَهَبَ عَنْهُمُ السُّكْرُ، وعَلِمُوا ما يَقُولُونَ.

وقُرِئَ (سَكارى) بِفَتْحِ السِّينِ، جَمْعُ سَكْرانٍ، كَنَدْمانَ ونَدامى.

وقَرَأ الأعْمَشُ (سُكْرى) بِضَمِّ السِّينِ، عَلى أنَّهُ صِفَةٌ (كَحُبْلى) وقَعَ صِفَةً لِجَماعَةٍ، أيْ: وأنْتُمْ جَماعَةٌ سُكْرى، والنَّخَعِيُّ: (سَكْرى) بِالفَتْحِ، وهو إمّا صِفَةٌ مُفْرَدَةٌ صِفَةُ جَماعَةٍ كَما في الضَّمِّ، وإمّا جَمْعُ تَكْسِيرٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، واسْمُ جَمْعٍ عِنْدَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ الجَمْعِ، ورُجِّحَ الأوَّلُ ﴿ ولا جُنُبًا ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْتُمْ سُكارى ﴾ فَإنَّهُ في حَيِّزِ النَّصْبِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ سُكارى ولا جُنُبًا، قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ.

وقالَ الشِّهابُ نَقْلًا عَنِ البَحْرِ: إنَّ هَذا حُكْمُ الإعْرابِ، وأمّا المَعْنى فَفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِنا: جاءَ القَوْمُ سُكارى، وجاءُوا وهم سُكارى، إذا مَعْنى الأوَّلِ: جاءُوا كَذَلِكَ، والثّانِي جاءُوا وهم كَذَلِكَ بِاسْتِئْنافِ الإثْباتِ، ذَكَرَهُ عَبْدُ القاهِرِ، ويَعْنِي بِالِاسْتِئْنافِ أنَّهُ مُقَرَّرٌ في نَفْسِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذِي الحالِ، وهو مَعَ مُقارَنَتِهِ لَهُ يَشْعُرُ بِتَقَرُّرِهِ في نَفْسِهِ، ويَجُوزُ تَقَدُّمُهُ واسْتِمْرارُهُ، ولِذا قالَ السُّبْكِيُّ في الأشْباهِ: لَوْ قالَ: لِلَّهِ تَعالى عَلَيَّ أنْ أعْتَكِفَ صائِمًا، لا بُدَّ لَهُ مِن صَوْمٍ يَكُونُ لِأجْلِ ذَلِكَ النَّذْرِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ آخَرَ، فَلا يُجْزِئُهُ الِاعْتِكافُ بِصَوْمِ رَمَضانَ، ولَوْ قالَ: وأنا صائِمٌ أجْزَأهُ.

ولَعَلَّ وجْهَ الفِرَقِ أنَّ الحالَ إذا كانَتْ جُمْلَةً دَلَّتْ عَلى المُقارَنَةِ، وأمّا اتِّصافُهُ بِمَضْمُونِها فَقَدْ يَكُونُ وقَدْ لا يَكُونُ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ وقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، والحالُ المُفْرَدَةُ صِفَةُ مَعْنًى، فَإذا قالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أعْتَكِفَ وأنا صائِمٌ، نَذَرَ مُقارَنَتَهُ لِلصَّوْمِ ولَمْ يَنْذُرْ صَوْمًا، فَيَصِحُّ في رَمَضانَ، ولَوْ قالَ: صائِمًا نَذَرَ صَوْمَهُ، فَلا يَصِحُّ فِيهِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ نَقَلَها الأسْنَوِيُّ في التَّمْهِيدِ، ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَها، ولَمْ نَرَ لِأئِمَّتِنا فِيها كَلامًا، انْتَهى كَلامُهُ.

ولَمْ يُبَيِّنْ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - السِّرَّ في مُخالَفَةِ هَذَيْنِ الحالَيْنِ عَلى وجْهٍ يَتَّضِحُ بِهِ ما ذَكَرَهُ في المَسْألَةِ، وبَيَّنَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ فائِدَتَها، غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِهَذا الفَرْقِ، فَقالَ: فائِدَتُها - والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى - الإشْعارُ بِأنَّ قُرْبانَ الصَّلاةِ مَعَ السُّكْرِ مُنافٍ لِحالِ المُسْلِمِينَ، ومَن يُناجِي الحَضْرَةَ الصَّمَدانِيَّةَ، دَلَّ عَلَيْهِ الخِطابُ بِأنْتُمْ، ولِهَذا قَرَنَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ حَتّى تَعْلَمُوا ﴾ إلَخْ.

والمُجْنِبُونَ لا يَعْدَمُونَ إحْضارَ القَلْبِ، ومِن ثَمَّ رَخَّصَ لَهم بِالإعْذارِ، فَتَأمَّلْ جِدًّا.

والجُنُبُ مَن أصابَتْهُ الجَنابَةُ، يَسْتَوِي فِيهِ عَلى اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ والتَّثْنِيَةُ والجَمْعُ؛ لِجَرَيانِهِ مَجْرى المَصْدَرِ وإنْ لَمْ يَكُنْهُ، كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

ومِنَ العَرَبِ مَن يَثَنِّيهِ ويَجْمَعُهُ، فَيَقُولُ: جُنُبانِ وأجْنابٌ وجُنُوبٌ، واشْتِقاقُهُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ: مِنَ المُجانَبَةِ، وهي المُباعَدَةُ ﴿ إلا عابِرِي ﴾ أيْ: مُجْتازِي ﴿ سَبِيلٍ ﴾ أيْ: طَرِيقٍ، والمُرادُ: إلّا مُسافِرِينَ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ لا تَقْرَبُوا ﴾ بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ بِالحالِ الثّانِيَةِ دُونَ الأُولى، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى النَّهْيِ، أيْ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ جُنُبًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِكم مُسافِرِينَ، عَلى مَعْنى أنَّهُ في حالَةِ السَّفَرِ يَنْتَهِي حُكْمُ النَّهْيِ، لَكِنْ لا بِطْرِيقِ شُمُولِ النَّفْيِ لِجَمِيعِ صُوَرِها بَلْ بِطَرِيقِ نَفْيِ الشُّمُولِ في الجُمْلَةِ، مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى انْتِفاءِ خُصُوصِيَّةِ البَعْضِ المُنْتَفى، ولا عَلى بَقاءِ خُصُوصِيَّةِ البَعْضِ الباقِي، ولا ثُبُوتِ نَقِيضِهِ لا كُلِّيًّا ولا جُزْئِيًّا، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ عِبارَةً، نَعَمْ، يُشِيرُ إلى مُخالَفَةِ حُكْمِ ما بَعْدَهُ لِما قَبْلَهُ إشارَةً إجْمالِيَّةً، يُكْتَفى بِها في المَقاماتِ الخِطابِيَّةِ لا في إثْباتِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإنَّ مَلاكَ الأمْرِ في ذَلِكَ إنَّما هو الدَّلِيلُ، وقَدْ ورَدَ عَقِيبَهُ عَلى طَرِيقِ البَيانِ، قالَهُ المَوْلى شَيْخُ الإسْلامِ.

وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِـ(جُنُبًا) عَلى أنَّ (إلّا) بِمَعْنى غَيْرَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مِثْلَ هَذا إنَّما يَصِحُّ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِثْناءِ، ولا تَعَذُّرَ هُنا لِعُمُومِ النَّكِرَةِ بِالنَّفْيِ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا الشَّرْطَ في التَّوْصِيفِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الحاجِبِ وقَدْ خالَفَهُ فِيهِ النُّحاةُ، ورَجَّحَ بَعْضُهُمُ الوَصْفِيَّةَ هُنا بِناءً عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِثْناءِ يُفِيدُ الحَصْرَ، ولا حَصْرَ لِوُرُودِ المَرِيضِ إشْكالًا عَلَيْهِ بِخِلافِهِ عَلى تَقْدِيرِ الوَصْفِيَّةِ، وادَّعى البَعْضُ إفادَةَ الكَلامِ لَهُ مُطْلَقًا، وأنَّ المَرِيضَ يَرِدُ إشْكالًا، إلّا أنْ يُؤَوَّلَ كَما سَتَعْرِفُهُ.

ومَن حَمَلَ الصَّلاةَ عَلى مَواضِعِها فَسَرَّ العُبُورَ بِالِاجْتِيازِ بِها، وجُوِّزَ لِلْجُنُبِ عُبُورُ المَسْجِدِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - والمَشْهُورُ عِنْدَنا مَنعُ الجُنُبِ المَسْجِدَ مُطْلَقًا، ورَخَّصَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -كَما في خَبَرِ التِّرْمِذِيِّ، عَنِ أبِي سَعِيدٍ بِناءً عَلى ما فَسَّرَهُ ضِرارُ بْنُ صُرَدَ حِينَ سَألَهُ عَنْ مَعْناهُ عَلِيُّ بْنُ المُنْذِرِ، وكَوْنُهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ رَخَّصَ ثُمَّ مَنَعَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي، وإنْ نَقَلَهُ البَعْضُ، ونَقَلَ الجَصّاصُ في (الأحْكامِ) أنَّهُ لا يَجُوزُ الدُّخُولُ إلّا أنْ يَكُونَ الماءُ أوِ الطَّرِيقُ فِيهِ، وعَنِ اللَّيْثِ أنَّ الجُنُبَ لا يَمُرُّ إلّا أنْ يَكُونَ بابُهُ في المَسْجِدِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ كانَتْ أبْوابُهم في المَسْجِدِ وكانَ يُصِيبُهُمُ الجَنابَةُ ولا يَجِدُونَ مَمَرًّا إلّا فِيهِ فَرُخِّصَ لَهم في ذَلِكَ.

﴿ حَتّى تَغْتَسِلُوا ﴾ غايَةً لِلنَّهْيِ عَنْ قُرْبانِ الصَّلاةِ حالَ الجَنابَةِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ الِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ حُكْمَ النَّهْيِ في هَذِهِ السُّورَةِ لَيْسَ عَلى الإطْلاقِ، كَما في صُورَةِ السُّكْرِ؛ تَشْوِيقًا إلى البَيانِ، ورُبَّما لِزِيادَةِ تَقَرُّبِهِ في الأذْهانِ، وقِيلَ: لَمّا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ حَتّى تَغْتَسِلُوا ﴾ مَدْخَلٌ في المَقْصُودِ؛ إذِ المَقْصُودُ إنَّما هو صِحَّةُ الصَّلاةِ جُنُبًا أخَّرَهُ، وقَدَّمَ الِاسْتِثْناءَ عَلَيْهِ، وكانَ الظّاهِرُ عَدَمَ ذِكْرِهِ لِذَلِكَ، إلّا أنَّهُ ذَكَرَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الجَنابَةَ إنَّما تَرْتَفِعُ بِالِاغْتِسالِ، وفي الآيَةِ الكَرِيمَةِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أنْ يَتَحَرَّزَ عَمّا يُلْهِيهِ ويَشْغَلُ قَلْبَهُ، وأنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ عَمّا يُدَنِّسُها؛ لِأنَّهُ إذا وجَبَ تَطْهِيرُ البَدَنِ فَتَطْهِيرُ القَلْبِ أُولى، أوْ لِأنَّهُ إذا صِينَ مَوْضِعُ الصَّلاةِ عَمَّنْ بِهِ حَدَثٌ فَلِأنْ يُصانَ القَلْبُ الَّذِي هو عَرْشُ الرَّحْمَنِ عَنْ خاطِرٍ غَيْرِ طاهِرٍ ظاهِرُ الأوْلَوِيَّةِ.

﴿ وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى ﴾ تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في الِاسْتِثْناءِ، وبَيانُ ما هو في حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنَ الأعْذارِ، والِاقْتِصارُ فِيما قَبْلُ عَلى اسْتِثْناءِ السَّفَرِ مَعَ مُشارَكَةِ الباقِي لَهُ في حُكْمِ التَّرْخِيصِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ العُذْرُ الغالِبُ المَبْنِيُّ عَلى الضَّرُورَةِ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْها أمْرُ الرُّخْصَةِ، ولِهَذا قِيلَ: المُرادُ بِغَيْرِ ﴿ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ غَيْرِ مَعْذُورِينَ بِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ، إمّا بِطْرِيقِ الكِنايَةِ أوْ بِإيماءِ النَّصِّ ودَلالَتِهِ.

وبِهَذا يَنْدَفِعُ الإيرادُ السّابِقُ عَلى الحَصْرِ، وإنَّما لَمْ يَقِلْ: إلّا عابِرِي سَبِيلٍ أوْ مَرْضى فاقِدِي الماءَ حِسًّا أوْ حُكْمًا لِما أنَّ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْلَغُ وأوْكَدُ مِنهُ، لِما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ ومَعْرِفَةِ تَفاضُلِ العُقُولِ والأفْهامِ.

والمُرادُ بِالمَرَضِ ما يَمْنَعُ مِنِ اسْتِعْمالِ الماءِ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَ بِتَعَذُّرِ الوُصُولِ إلَيْهِ أوْ بِتَعَذُّرِ اسْتِعْمالِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «المَرِيضُ الَّذِي قَدْ أُرْخِصَ لَهُ في التَّيَمُّمِ الكَسِيرُ والجَرِيحُ، فَإذا أصابَتْهُ الجَنابَةُ لا يَحُلُّ جِراحَتَهُ إلّا جِراحَةً لا يُخْشى عَلَيْها».

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (المَعْرِفَةِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ: ««إذا كانَتْ بِالرَّجُلِ الجِراحَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى أوِ القُرُوحُ أوِ الجُدَرِيُّ فَيَجْنَبُ فَيَخافُ إنِ اغْتَسَلَ أنْ يَمُوتَ فَلْيَتَيَمَّمْ»».

والَّذِي تَقَرَّرَ في الفُرُوعِ: إنَّ المَرِيضَ الَّذِي يَخافُ إذا اسْتَعْمَلَ الماءَ أنْ يَشْتَدَّ مَرَضُهُ يَتَيَمَّمُ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَشْتَدَّ مَرَضُهُ بِالتَّحَرُّكِ كالمَبْطُونِ أوْ بِالِاسْتِعْمالِ كَمَن بِهِ حَصْبَةٌ أوْ جُدَرِيٌّ، ولَمْ يَشْتَرِطْ أصْحابُنا خَوْفَ التَّلَفِ لِظاهِرِ النَّصِّ، وهو بِإطْلاقِهِ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ لِكُلِّ مَرِيضٍ إلّا أنَّ في بَعْضِ الآياتِ ما أخْرَجَ مَن لا يَشْتَدُّ مَرَضُهُ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ في كُتُبِ الفِقْهِ.

﴿ أوْ عَلى سَفَرٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ مَرْضى ﴾ أيْ: أوْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ما، طالَ أوْ قَصُرَ، ولَعَلَّ اخْتِيارَ هَذا عَلى نَحْوِ مُسافِرِينَ؛ لِأنَّهُ أوْضَحُ في المَقْصُودِ مِنهُ.

وفِي الهِدايَةِ: ومَن لَمْ يَجِدِ الماءَ وهو مُسافِرٌ أوْ خارِجَ المِصْرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المِصْرِ مِيلٌ أوْ أكْثَرُ يَتَيَمَّمُ، والظّاهِرُ أنَّ حُكْمَ مَن هو خارِجَ المِصْرِ غَيْرَ مُسافِرٍ - كَما يَقْتَضِيهِ العَطْفُ - مَعْلُومٌ بِالقِياسِ لا بِالنَّصِّ، وإيرادُ المُسافِرِ صَرِيحًا مَعَ سَبْقِ ذِكْرِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ لِبِناءِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَيْهِ، وبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ كَما أشارَ إلَيْهِ شَيْخُ الإسْلامِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ثُبُوتِهِ، فَضْلًا عَنِ الدَّلالَةِ عَلى كَيْفِيَّتِهِ.

وقِيلَ: ذُكِرَ السَّفَرُ هُنا لِإلْحاقِ المَرَضِ بِهِ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ بِإلْحاقِ الواجِدِ بِالفاقِدِ بِجامِعِ العَجْزِ عَنِ الِاسْتِعْمالِ، وهَذِهِ الشَّرْطِيَّةُ ظاهِرَةٌ عَلى رَأْيِ مَن حَمَلَ الصَّلاةَ عَلى مَواضِعِها، وفَسَّرَ العُبُورُ بِالِاجْتِيازِ بِها إذْ لَيْسَ فِيها حِينَئِذٍ ما يُتَوَهَّمُ مِنهُ شائِبَةُ التَّكْرارِ، بَلْ هي عِنْدَهُ بَيانُ حُكْمٍ آخَرَ لَمْ يُذْكَرْ قَبْلُ، وأُيِّدَ بِأنَّ القُرّاءَ كُلَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الوَقْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ حَتّى تَغْتَسِلُوا ﴾ ويَبْتَدِئُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ كُنْتُمْ ﴾ إلَخْ، بَلِ التَّعْبِيرُ بِالقُرْبِ يُومِئُ إلى حَمْلِ الصَّلاةِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ القُرْبِ والبُعْدِ في المَكانِ، وكَذا التَّعْبِيرُ بِـ ﴿ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ هُناكَ وبِـ ﴿ عَلى سَفَرٍ ﴾ هُنا فِيهِ إيماءٌ إلى الفَرْقِ بَيْنَ ما هُنا وما هُناكَ، إلّا أنَّ الكَثِيرَ عَلى خِلافِهِ، وإنَّما قُدِّمَ المَرَضُ عَلى السَّفَرِ لِلْإيذانِ بِأصالَتِهِ واسْتِقْلالِهِ بِأحْكامٍ لا تُوجَدُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: ««نالَ أصْحابَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - جِراحَةٌ فَفَشَتْ فِيهِمْ، ثُمَّ ابْتُلُوا بِالجَنابَةِ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ  فَنَزَلَتْ ﴿ وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى ﴾ الآيَةَ كُلَّها»» وهَذا خِلافُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، حَيْثُ رَوَوْا أنَّ نُزُولَها في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ: ««حِينَ عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةً فَسَقَطَتْ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قِلادَةٌ لِأسْماءَ، فَلَمّا ارْتَحَلُوا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَبَعَثَ رَجُلَيْنِ في طَلَبِها، فَنَزَلُوا يَنْتَظِرُونَهُما فَأصْبَحُوا ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ، فَأغْلَظَ أبُو بَكْرٍ عَلى عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - وقالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ  والمُسْلِمِينَ عَلى غَيْرِ ماءٍ، فَنَزَلَتْ، فَلَمّا صَلَّوْا بِالتَّيَمُّمِ جاءَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ إلى مَضْرِبِ عائِشَةَ فَجَعَلَ يَقُولُ: ما أكْثَرَ بَرَكَتَكم يا آلَ أبِي بَكْرٍ!» وفي رِوايَةٍ: «يَرْحَمُكِ اللَّهُ تَعالى يا عائِشَةُ ما نَزَلَ بِكِ أمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إلّا جَعَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ فَرَجًا»» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ كانَ فَقْدَ الماءِ في السَّفَرِ، وهو ظاهِرٌ.

﴿ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ ﴾ وهو المَكانُ المُنْخَفِضُ، وجاءَ الغَيْطَ بِفَتْحِ الغَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، وبِهِ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وهو في رَأْيٍ: مَصْدَرُ يَغُوطُ، وكانَ القِياسُ غَوْطًا فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وسُكِّنَتْ، وانْفَتَحَ ما قَبْلَها؛ لِخِفَّتِها، ولَعَلَّ الأوْلى ما قِيلَ: إنَّهُ تَخْفِيفُ غَيِّطٍ كَهَيْنٍ وهَيِّنٍ، والغَيْطُ الغائِطُ، والمَجِيءُ مِنهُ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ؛ لِأنَّ العادَةَ أنَّ مَن يُرِيدُهُ يَذْهَبُ إلَيْهِ لِيُوارِيَ شَخْصَهُ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ.

وفِي ذِكْرِ (أحَدٌ) فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ إيماءٌ إلى أنَّ الإنْسانَ يَنْفَرِدُ عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ كَما هو دَأْبُهُ وأدَبُهُ، وقِيلَ: إنَّما ذُكِرَ وأُسْنِدَ المَجِيءُ إلَيْهِ دُونَ المُخاطَبِينَ تَفادِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِنِسْبَتِهِمْ إلى ما يُسْتَحى مِنهُ، أوْ يُسْتَهْجَنُ التَّصْرِيحُ بِهِ، والفِعْلُ عَطْفٌ عَلى (كُنْتُمْ) والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ قَبْلَهُ، والثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ، أيْ: وإنْ جاءَ أحَدٌ كائِنٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ.

﴿ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ﴾ يُرِيدُ سُبْحانَهُ: أوْ جامَعْتُمُ النِّساءَ إلّا أنَّهُ كَنّى بِالمُلامَسَةِ عَنِ الجِماعِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يُسْتَهْجَنُ التَّصْرِيحُ بِهِ أوْ يُسْتَحى مِنهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والحَسَنُ، فَيَكُونُ إشارَةً إلى الحَدَثِ الأكْبَرِ كَما أنَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى الحَدَثِ الأصْغَرِ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ أنَّ المُرادَ بِالمُلامَسَةِ ما دُونُ الجِماعِ، أيْ: ماسَسْتُمْ بَشْرَتَهُنَّ بِبَشْرَتِكُمْ، وبِهِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَلى أنَّ اللَّمْسَ يُنْقِضُ الوُضُوءَ، وبِهِ قالَ الزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وقالَ مالِكٌ، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ: إنْ كانَ اللَّمْسُ بِشَهْوَةٍ نَقَضَ وإلّا فَلا، وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إلى أنَّهُ لا يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ بِالمَسِّ ولَوْ بِشَهْوَةٍ، قِيلَ: ما لَمْ يُحْدِثِ الِانْتِشارَ، واخْتَلَفَ قَوْلُالشّافِعِيِّ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في لَمْسِ المَحارِمِ كالأُمِّ والبِنْتِ والأُخْتِ وفي لَمْسِ الأجْنَبِيَّةِ الصَّغِيرَةِ، وأصَحُّ القَوْلَيْنِ: إنَّهُ لا يُنْقِضُ كَلَمْسِ نَحْوِ السَّنِّ والظُّفْرِ والشَّعَرِ، ويَنْتَقِضُ عِنْدَهُ وُضُوءُ المَلْمُوسَةِ كاللّامِسِ في الأظْهَرِ لِاشْتِراكِهِما في مَظِنَّةِ اللَّذَّةِ، كالمُشْتَرِكَيْنِ في الجِماعِ، وإنَّما لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُ المَلْمُوسِ فَرْجُهُ عَلى مَذْهَبِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنهُ مَسٌّ لِمَظِنَّةِ لَذَّةٍ أصْلًا، بِخِلافِهِ هُنا.

ودَلِيلُ القَوْلِ بِعَدَمِ نَقْضِ وُضُوءِ المَلْمُوسِ حَدِيثُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - أنَّها وضَعَتْ يَدَها عَلى قَدَمَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهو ساجِدٌ، ووَجْهُ اسْتِدْلالِهِ بِما في الآيَةِ عَلى ما اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ أنَّ الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ هو الرّاجِحُ، لا سِيَّما في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: (أوْ لَمَسْتُمْ) إذْ لَمْ يَشْتَهِرِ اللَّمْسُ في الجِماعِ كالمُلامَسَةِ، ورَجَّحَ بَعْضُهُمُ الحَمْلَ عَلى الجِماعِ في القِراءَتَيْنِ تَرْجِيحًا لِلْمَجازِ والمَشْهُورِ وعَمَلًا بِهِما، إذْ لا مُنافاةَ، وهو الأوْفَقُ بِمَذْهَبِنا.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ المُتَّجَهَ أنَّ المُلامَسَةَ حَقِيقَةٌ في تَماسِّ البَدَنَيْنِ بِشَيْءٍ مِن أجْزائِهِما مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِاليَدِ، وعَلى هَذا فالجِماعُ مِن أفْرادِ مُسَمّى الحَقِيقَةِ فَيَتَناوَلُهُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً، وإنَّما يَكُونُ مَجازًا لَوِ اقْتُصِرَ عَلى إرادَتِهِ بِاللَّفْظِ، وادَّعى الجَلالُ المَحَلِّيُّ أنَّ المُلامَسَةَ حَقِيقَةٌ في الجَسِّ بِاليَدِ مَجازٌ في الوَطْءِ، وأنَّ الشّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - حَمَلَها عَلى المَعْنَيَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وظاهِرُ عِبارَةِ الأُمِّ أنَّ الشّافِعِيَّ لَمْ يَحْمِلِ المُلامَسَةَ عَلى الوَطْءِ، بَلْ عَلى ما عَداهُ مِن أنْواعِ التِقاءِ البَشْرَتَيْنِ، وأنَّهُ إنَّما ذَكَرَ الجَسَّ بِاليَدِ تَمْثِيلًا لِلْمُلامَسَةِ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِها لا تَفْسِيرًا لَها بِذِكْرِ كَمالِ مَعْناها الحَقِيقِيِّ، كَما بَيَّنَهُ الكَمالُ ابْنُ أبِي شَرِيفٍ، فَلْيُفْهَمْ.

ثُمَّ إنَّ نَظْمَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في سِلْكِ سَبَبَيْ سُقُوطِ الطَّهارَةِ والمَصِيرِ إلى التَّيَمُّمِ مَعَ كَوْنِهِما سَبَبَيْ وُجُوبِهِما لَيْسَ بِاعْتِبارِ أنْفُسِهِما بَلْ بِاعْتِبارِ قَيْدِهِما المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ﴾ بَلْ هو السَّبَبُ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما ذُكِرا تَمْهِيدًا لَهُ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ سَبَبٌ لِلرُّخْصَةِ بَعْدَ انْعِقادِ سَبَبِ الطَّهارَةِ بِقِسْمَيْها، كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ لَمْ تَكُونُوا مَرْضى أوْ مُسافِرِينَ بَلْ كُنْتُمْ فاقِدِينَ لِلْماءِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ اسْتِعْمالَهُ مِنَ الحَدَثِ الأصْغَرِ أوِ الأكْبَرِ.

قِيلَ: وتَخْصِيصُ ذِكْرِهِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ أنَّهُ مُعْتَبَرٌ أيْضًا في صُورَةِ المَرَضِ والسَّفَرِ لِنُدْرَةِ وُقُوعِهِ فِيها واسْتِغْنائِهِما عَنْ ذِكْرِهِ؛ لِأنَّ الجَنابَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِيهِما قَطْعًا، فَيُعْلَمُ مِن حُكْمِها حُكْمُ الحَدَثِ الأصْغَرِ بِدَلالَةِ النَّصِّ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ النَّظْمِ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ في حالَةِ الجَنابَةِ إلّا كَوْنَكم مُسافِرِينَ، فَإنْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى إلَخْ.

وقِيلَ: إنَّ هَذا القَيْدَ راجِعٌ لِلْكُلِّ، وقَيْدُ وُجُوبِ التَّطَهُّرِ المُكَنّى عَنْهُ بِالمَجِيءِ مِنَ الغائِطِ والمُلامَسَةِ مُعْتَبَرٌ فِيهِ أيْضًا، واعْتُرِضَ بِأنَّ النَّظْمَ الكَرِيمَ لا يُساعِدُهُ، وفي الكَشْفِ - عَنْ بَعْضِهِمْ -: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى ولا جُنُبًا ولا جائِيًا أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامِسًا، يَعْنِي: ولا مُحْدِثِينَ، ثُمَّ قِيلَ: وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ فَتَيَمَّمُوا، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ والمَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ نُكْتَةٍ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ أنْ نَقَلَ ما اعْتَرَضَهُ: ولَعَلَّ الأوْجَهَ في تَقْرِيرِ الآيَةِ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنْ يُجْعَلَ عَدَمُ الوِجْدانِ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى اسْتِعْمالِ الماءِ لِفَقْدِ الماءِ أوْ لِمانِعٍ؛ لِيَصِحَّ أنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلْكُلِّ، أوْ يُحْمَلَ عَلى ظاهِرِهِ ولا يُجْعَلَ قَيْدًا لِلْآخَرِينَ؛ لِأنَّ عُمُومَ الإعْوازِ في حَقِّ المُسافِرِ غالِبًا، والمَنعَ مِنَ القُدْرَةِ عَلى اسْتِعْمالِ الماءِ القائِمِ مَقامَهُ في حَقِّ المَرِيضِ مُغْنٍ عَنِ التَّقْيِيدِ لَفْظًا، وأنْ يَبْقى قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ ﴾ عَلى إطْلاقِهِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِكَوْنِهِمْ مُحْدِثِينَ أوْ مُجْنِبِينَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ سَبَبِ العُدُولِ عَنِ الطَّهارَةِ بِالماءِ إلى التَّيَمُّمِ، أمّا المُشْتَرَكُ بَيْنَ الطِّهارَتَيْنِ فَلا يُحْتاجُ إلى ذِكْرِهِ قَصْدًا، وأنْ يُجْعَلَ ذِكْرُ المُحْدِثِينَ مِن غَيْرِ القَبِيلَيْنِ بَيانًا لِسَبَبِ العُدُولِ وهو فَقْدُ القُدْرَةِ مِن غَيْرِ سَفَرٍ ولا مَرَضٍ، لا لِأنَّ الحَدَثَ سَبَبٌ، وإنْ أفادَ ذَلِكَ ضِمْنًا.

ولَمْ يَقُلْ: (أوْ لَمْ تَجِدُوا) دُونَ ذِكْرِ السَّبَبَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ عَدَمَ الوِجْدانِ مُرَخِّصٌ بَعْدَ انْعِقادِ سَبَبِ الطَّهارَةِ، وأُفِيدَ ضِمْنًا أنَّهُما مُعْتَبَرانِ أيْضًا في المَرِيضِ والمُسافِرِ، إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ المَرَضِ والسَّفَرِ وبَيْنَ سائِرِ الأعْذارِ في ذَلِكَ، انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ الحَمْلَ عَلى الظّاهِرِ أظْهْرُ، وما ذَكَرَهُ عَلى تَقْدِيرِ الحَمْلِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِالبَعِيدِ عَمّا قَدَّمْناهُ، نَعَمِ الآيَةُ مِن مُعْضِلاتِ القُرْآنِ، ولَعَلَّها تَحْتاجُ بَعْدُ إلى نَظَرٍ دَقِيقٍ، والفاءُ في (فَلَمْ) عاطِفَةٌ، وأمّا الفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ﴾ فَواقِعَةٌ في جَوابِ الشَّرْطِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى جَمِيعِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وفِيهِ تَغْلِيبُ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ (تَجِدُوا) فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ (فَلْيَتَيَمَّمْ) جَزاءً لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ جاءَ أحَدٌ مِنكُمْ ﴾ ، والتَّيَمُّمُ لُغَةً: القَصْدُ، قالَ الأعْشى: تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وكَمْ دُونَهُ مِنَ الأرْضِ مِن مَهْمَهٍ ذِي شَزَنْ والصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ، كَما رُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ وثَعْلَبٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا أعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ في أنَّ الصَّعِيدَ وجْهُ الأرْضِ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ نِهايَةُ ما يُصْعَدُ إلَيْهِ مِن باطِنِ الأرْضِ، أوْ لِصُعُودِهِ وارْتِفاعِهِ فَوْقَ الأرْضِ، والطَّيِّبُ الطّاهِرُ، وعَنْ سُفْيانَ: الحَلالُ، وقِيلَ: المَنبَتُ دُونَ السَّبَخَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ ﴾ والحَمْلُ عَلى الأوَّلِ هو الأنْسَبُ بِمَقامِ الطَّهارَةِ، والمَعْنى: فَتَعَمَّدُوا واقْصُدُوا شَيْئًا مِن وجْهِ الأرْضِ طاهِرًا، وهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ لِجَوازِ التَّيَمُّمِ بِالكُحْلِ، والآجُرِّ، والمُرْداسَنْجِ، والياقُوتِ، والفَيْرُوزَجِ، والمَرْجانِ، والزُّمُرُّدِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غُبارٌ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الإمامُ الأعْظَمُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ومُحَمَّدٌ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ - وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -: أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلّا أنْ يَعْلَقَ بِاليَدِ شَيْءٌ مِنَ التُّرابِ لِتَقْيِيدِ المَسْحِ بِـ(مِنهُ) في المائِدَةِ، وكَلِمَةُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، وهو يَقْتَضِي التُّرابَ، والحَنَفِيَّةُ يَحْمِلُونَها عَلى الِابْتِداءِ أوِ الخُرُوجِ مَخْرَجَ الأغْلَبِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْحَدَثِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ، و(مِن) لِلتَّعْلِيلِ.

وأغْرَبَ الإمامُ مالِكٌ فَأجازَ التَّيَمُّمَ بِالثَّلْجِ، وقَدْ شَنَّعَ الشِّيعَةُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وقَدِ اعْتَذَرْنا عَنْهُ في كِتابِنا (الأجْوِبَةُ العِراقِيَّةُ عَنِ الأسْئِلَةِ الإيرانِيَّةِ) ونُصِبَ (صَعِيدًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ (فَتَيَمَّمُوا بِصَعِيدٍ).

﴿ فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ ﴾ أيْ: وُجُوهَكم وأيْدِيَكُمْ، عَلى أنَّ الباءَ صِلَةٌ، والمُرادُ اسْتِيعابُ هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ بِالمَسْحِ، حَتّى إذا تَرَكَ شَيْئًا مِنهُما لَمْ يَجُزْ، كَما في الوُضُوءِ، وهو ظاهِرُ الرِّوايَةِ.

وفِي رِوايَةِ الحَسَنِ عَنِ الإمامِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ الأكْثَرَ يَقُومُ مَقامَ الكُلِّ؛ لِأنَّ الِاسْتِيعابَ في المَمْسُوحاتِ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَما في مَسْحِ الخُفِّ والرَّأْسِ.

ووَجْهُ الظّاهِرِ أنَّ التَّيَمُّمَ قائِمٌ مَقامَ الوُضُوءِ، ولِهَذا قالُوا: يُخَلِّلُ الأصابِعَ، ويَنْزِعُ الخاتَمَ؛ لِيُتِمَّ المَسْحَ، والِاسْتِيعابُ في الوُضُوءِ شَرْطٌ، فَكَذا فِيما قامَ مَقامَهُ، والأيْدِي جُمَعُ يَدٍ، وهي مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ مَعانٍ، مِن أطْرافِ الأصابِعِ إلى الرُّسْغِ وإلى المِرْفَقِ وإلى الإبِطِ، وهَلْ هي حَقِيقَةٌ في واحِدٍ مِنها مَجازٌ في غَيْرِهِ أوْ حَقِيقَةٌ فِيها جَمِيعًا؟

رَجَّحَ بَعْضُهُمُ الثّانِيَ، ولِذا ذَهَبَ إلى كُلٍّ مِنها بَعْضُ السَّلَفِ، فَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أنَّ التَّيَمُّمَ إلى الآباطِ.

وأخْرَجَ عَنْ مَكْحُولٍ أنَّهُ قالَ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ والكَفَّيْنِ إلى الكُوعِ.

وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في كَيْفِيَّةِ تَيَمُّمِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  : ««أنَّهم مَسَحُوا مِنَ المَرافِقِ إلى الأكُفِّ عَلى مَنابِتِ الشَّعَرِ مِن ظاهِرٍ وباطِنٍ»» ومِن حَدِيثِ أبِي داوُدَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  -: «تَيَمَّمَ ومَسَحَ يَدَيْهِ إلى مَرْفِقَيْهِ»» وهَذا مَذْهَبُنا ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ والجُمْهُورِ، ويَشْهَدُ لَهُمُ القِياسُ عَلى الوُضُوءِ الَّذِي هو أصْلُهُ، وإنْ كانَ الحَدَثُ والجَنابَةُ فِيهِ كَيْفِيَّةً سَواءً، وكَذا جَوازًا عَلى الصَّحِيحِ المَرْوِيِّ عَنِ المُعْظَمِ.

ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا يَتَيَمَّمُ الجُنُبُ والحائِضُ والنُّفَساءُ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ وابْنِهِ، وابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - قِيلَ: ومَنشَأُ الخِلافِ فِيما بَيْنَهم حَمْلُ المُلامَسَةِ فِيما سَبَقَ عَلى الوِقاعِ أوِ المَسِّ بِاليَدِ، فَذَهَبَ الأوَّلُونَ إلى الأوَّلِ والآخَرُونَ إلى الأخِيرِ، وقالُوا: القِياسُ أنْ لا يَكُونَ التَّيَمُّمُ طَهُورًا، وإنَّما أباحَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُحْدِثِ فَلا يُباحُ لِلْجُنُبِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَعْقُولَ المَعْنى حَتّى يَصِحَّ القِياسُ، ولَيْسَتِ الجَنابَةُ في مَعْنى الحَدَثِ لِتَلْحَقَ بِهِ، بَلْ هي فَوْقَهُ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ كالصَّرِيحِ في جَوازِ تَيَمُّمِ الجُنُبِ، وإنْ لَمْ تُحْمَلِ المُلامَسَةُ عَلى الوِقاعِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ تَفْسِيرُها السّابِقُ، عَلى أنَّ الأحادِيثَ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - «رَأى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ في القَوْمِ فَقالَ: يا فُلانُ ما مَنَعَكَ أنْ تُصَلِّيَ؟

فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أصابَتْنِي جَنابَةٌ ولا ماءَ، قالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإنَّهُ يَكْفِيكَ»» ورُوِيَ: ««أنَّ قَوْمًا جاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقالُوا: إنّا قَوْمٌ نَسْكُنُ هَذِهِ الرِّمالَ ولَمْ نَجِدِ الماءَ شَهْرًا أوْ شَهْرَيْنِ، وفِينا الجُنُبُ والحائِضُ والنُّفَساءُ؟

فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: عَلَيْكم بِأرْضِكُمْ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهَلْ يَرْفَعُ التَّيَمُّمُ الحَدَثَ أمْ لا؟

خِلافٌ ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ عِنْدَ مَن أمْعَنَ النَّظَرَ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهِمُهُ الكَلامُ مِنَ التَّرْخِيصِ والتَّيْسِيرِ، وتَقْرِيرٌ لَهُما؛ فَإنَّ مَن عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ الخاطِئِينَ ويَغْفِرَ لِلْمُذْنِبِينَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُيَسِّرًا لا مُعَسِّرًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ مِن رَوادِفِ العَفْوِ وتَوابِعِ الغُفْرانِ، وأُدْمِجَ فِيهِ أنَّ الأصْلَ الطِّهارَةُ الكامِلَةُ، وأنَّ غَيْرَها مِنَ الرُّخَصِ مِنَ العَفْوِ والغُفْرانِ.

وقِيلَ: العَفْوُ هُنا بِمَعْنى التَّيْسِيرِ، كَما في التَّيْسِيرِ، واسْتُدِلَّ عَلى وُرُودِهِ بِهَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««عَفَوْتُ لَكم صَدَقَةَ الخَيْلِ والرَّقِيقِ»» وذِكْرُ المَغْفِرَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ غَفَرَ ذَنْبَ المُصَلِّينَ سُكارى، وما صَدَرَ عَنْهم في القِراءَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَمْلَ العَفْوِ عَلى التَّيْسِيرِ في الحَدِيثِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، وكَوْنُ ذِكْرِ المَغْفِرَةِ لِما ذُكِرَ بِعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى قال مقاتل: وذلك أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً، فدعا أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا، وسعدا  م، فأكلوا وسقاهم خمراً، فحضرت صلاة المغرب فأمهم علي فقرأ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [سورة الكافرون: 1] على غير الوجه، فنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وكان ذلك قبل تحريم الخمر.

وقال لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى يعني موضع الصلاة، وهو المسجد حتى تعلموا ما تقولون.

ويقال: حتى تصيروا بحال تعلمون ما تقولون، فحينئذٍ تقربوا المسجد لأنهم إذا لم يعلموا ما يقولون فلا يعرفون الحرمة.

ثم قال تعالى: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ يقول: ولا تقربوا الصلاة جنبا إلا عابرى سبيل، يعني إلا أن يكون مسافراً فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي إذا كان جنباً.

وقال الزجاج: وحقيقته ألا تصلوا إذا كنتم جنباً حَتَّى تَغْتَسِلُوا إلا أن لا تقدروا على الماء.

وقال القتبي: لا تقربوا الصلاة، يعني لا تقربوا المساجد وأنتم جنب إلا مجتازين.

وقال بعضهم: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى من النوم.

وروى السدي عمن حدثه، عن ابن عباس في قوله: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ قال: في السفر يتيمم ويصلي.

ويقال: إلا أن تكون في المسجد عين، فيدخل ليغترف الماء.

ثم قال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى نزلت في عبد الرحمن بن عوف، أصابته جنابة وهو جريح، فرخص له بأن يتيمم، ثم صارت الآية عامة في جميع الناس.

وروي عن عبد الله بن عباس وجابر بن سمرة وغيرهما من الصحابة، أن رجلاً كان به جدري على عهد رسول الله  ، فأصابته جنابة فغسلوه فمات من ذلك، فأخبر بذلك رسول الله  فقال: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ الله فَهَلاَّ يَمَّمُوهُ» .

وروي عن ابن عباس أنه قال: وإن كنتم مرضى قال: فإنما هو المجذوم، والمجدور، والمقروح.

ثم قال تعالى: أَوْ عَلى سَفَرٍ أي إذا كنتم مسافرين أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ والغائط في اللغة اسم المكان المطمئن من الأرض، وإنما هو كناية عن قضاء الحاجة.

ثم قال تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ قرأ حمزة والكسائي: أَوْ لامَسْتُمُ وقرأ الباقون لامَسْتُمُ من الملامسة.

قال ابن عباس: يعني الجماع.

وقال بعضهم: هو المس باليد فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً يعني: إذا أصابكم الحدث أو الجنابة، ولم تجدوا ماءً، فتيمموا صعيداً طيباً أي تراباً نظيفاً.

ويقال: الصعيد هو ما علا وجه الأرض فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ قال بعضهم: الوجه والكفين، وهو قول الأعمش والأوزاعي.

وقال بعضهم: إلى المنكبين، وهو قول الزهري.

وقال عامة أهل العلم: الوجه واليدين إلى المرفقين، وبذلك جاءت الآثار عن رسول الله  وعن عامة الصحابة اعتباراً بالوضوء.

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً أي ذو الفضل والعفو حين أجاز لكم التراب مكان الماء، غفوراً لتقصيركم.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: لَوْ تُسَوَّى قالت فرقة معناه: تنشق الأرض، فيحصلون فيها، ثم تتسوَّى هي في نفسها عليهم وبهم، وقالت فرقة: معناه لو تستوي هي معهم في أن يكونوا ترابا كالبهائم.

وقوله تعالى: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً: معناه، عند طائفة: أن الكفار، لما يرونه من الهول وشِدَّة المخاوف، يودون لو تسوى بهم الأرض، فلا ينالهم ذلك الخوف، ثم استأنف الكلام، فأخبر أنهم لا يكتمون الله حديثا، لنطق جوارحهم بذلك كله، حين يقول بعضهم وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] فيقول الله سبحانه: «كذبتم» ثم تنطق جوارحهم، فلا تكتم حديثا، وهذا قول ابن عباس «١» .

وقالت طائفة: الكلام كله متصل وودّهم ألا يكتموا الله حديثا إنما هو ندم على كذبهم حين قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] والرسول في هذه الآية الجنس، شرِّف بالذكر، وهو مفرد دلَّ على الجمع.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ...

الآية: نزَلَتْ قبل تحريم الخَمْر، وجمهورُ المفسِّرين على أن المراد سُكْر الخَمْر إلاَّ الضَّحَّاك، فإنه قال: المُرَادُ سُكْر النَّوْمِ، وهذا قولٌ ضعيفٌ، والمرادُ ب «الصَّلاة» هنا/ الصلاةُ المعروفةُ.

وقالَتْ طائفةٌ: الصلاة هنا المرادُ بها موضع الصلاة، والصلاة معا.

قال ابنُ العربيِّ في «الأحكام» «١» : ورُوِيَ في سبب نزولِ هذه الآيةِ عن عَلِيٍّ (رضي اللَّه عنه) أنه قَالَ: صَنَعَ لنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَاماً، فَدَعَانَا، وسَقَانَا مِنَ الخَمْرِ- يَعْنِي: وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا- قَالَ: فَأَخَذَتِ الخَمْرُ مِنَّا، وَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَقَدَّمُونِي، فَقَرَأْتُ: قُلْ يا أيّها الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَنَحْنُ نَّعْبُدُ ما تعبدون، قال: فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ...

الآية: خرَّجه الترمذيُّ وصحَّحه.

انتهى «٢» .

وقوله: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ، قال عليُّ بن أبي طالب (رضي اللَّه عنه) وغيره: عَابِرُ السَّبِيلِ: المُسَافِرُ «٣» .

وقال ابنُ مسعودٍ وغيره: عابر السَّبيل هنا: الخَاطِرُ في المَسْجِد، وعَابِرُ سَبِيلٍ هو مِنَ العبور، أي: الخطور والجَوَازُ «٤» ، والمريضُ المذكورُ في الآية هو الحَضَرِيُّ، وأصل الغائِطِ ما انخفض مِنَ الأرض، ثم كَثُر استعماله في قضاء الحَاجَةِ.

واللَّمْسُ في اللغةِ لَفْظٌ يقعُ لِلَّمْسِ الَّذي هو الجِمَاعُ، ولِلَّمْسِ الذي هو جَسُّ اليدِ والقُبْلَةُ ونَحْوُهُ، واختلف في موقِعِهَا هنا، فمالكٌ (رحمه اللَّه) يقولُ: اللفظةُ هنا تقتضِي الوَجْهَيْنِ، فالملامِسُ بالجِمَاعِ يتيمَّم، والملامِسُ باليد يتيمَّم، ومعنى قوله سبحانه:

فَتَيَمَّمُوا: اقصدوا، والصَّعِيدُ «٥» في اللغة: وَجْه الأرضِ قاله الخليل وغيره، واختلف

الفُقَهاءُ فيه من أجْلِ تقييدِ الآيةِ إياه بالطَّيِّبِ.

فقالتْ طائفة: يتيمَّم بوَجْه الأرْض، تراباً كان أو رَمْلاً أو حجارةً أو مَعْدِناً أو سَبِخَةً، وجعلَتِ الطِّيب بمعنى الطَّاهر، وهذا هو مذهَبُ مالكٍ «١» ، وقالتْ طائفة منهم: الطِّيب

بمعنى المُنْبِتِ كما قال تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف: ٥٨] ، فالصعيد عندهم هو الترابُ، وهذه الطائفةُ لا تُجِيزُ التيمُّم بغيره، فمكانُ الإجماع أنْ يتيمَّم في تُرَابٍ منبت طاهر غير منقول، ولا مغصوب، وترتيبُ القرآن الوجْهُ قبل اليدَيْنِ، وبه قال الجمهور، وفي «المدوَّنة» أنَّ التيمُّم ضربتانِ «١» ، وجمهورُ العلماء أنَّه ينتهِي في مَسْح اليدَيْن إلى المرافق «٢» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى ﴾ رَوى أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: صَنَعَ لَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا، فَدَعانا، وسَقانا مِنَ الخَمْرِ، فَأخَذَتِ [الخَمْرُ] مِنّا، وحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَقَدَّمُونِي، فَقَرَأتُ ( قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ، ونَحْنُ نَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ) فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وفي رِوايَةٍ أُخْرى، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ الَّذِي قَدَّمُوهُ، وخَلَطَ في هَذِهِ السُّورَةِ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.

وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا تَتَعَرَّضُوا بِالسُّكْرِ في أوْقاتِ الصَّلاةِ.

والثّانِي: لا تَدْخُلُوا في الصَّلاةِ في حالِ السُّكْرِ، والأوَّلُ أصَحُّ، لِأنَّ السَّكْرانَ لا يَعْقِلُ ما يُخاطِبُ بِهِ.

وفي مَعْنى: ﴿ وَأنْتُمْ سُكارى ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مِنَ الخَمْرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: مِنَ النَّوْمِ، قالَهُ الضِّحاكُ، وفِيهِ بَعْدُ.

وهَذِهِ الآيَةُ اقْتَضَتْ إباحَةُ السُّكْرِ في غَيْرِ أوْقاتِ الصَّلاةِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِتَحْرِيمِ الخَمْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا جُنُبًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الجَنابَةُ: البُعْدُ، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ جُنُبٌ، ورَجُلانِ جُنُبٌ، ورِجالٌ جُنُبٌ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ رِضًى، وقَوْمٌ رِضًى، وفي تَسْمِيَةِ الجُنُبِ بِهَذا الِاسْمِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِمُجانَبَةِ مائِهِ مَحَلَّهُ، والثّانِي: لِما يَلْزَمُهُ مِنَ اجْتِنابِ الصَّلاةِ، وقِراءَةِ القُرْآَنِ، ومَسِّ المُصْحَفِ، ودُخُولِ المَسْجِدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ جُنُبٌ إلّا أنْ تَكُونُوا مُسافِرِينَ غَيْرَ واجِدِينَ لِلْماءِ فَتَيَمَّمُوا، وتُصَلُّوا.

وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومُجاهِدٍ، والحَكَمِ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، ومُقاتِلٍ، والفِراءِ، والزَّجّاجِ.

والثّانِي: لا تَقْرَبُوا مَواضِعَ الصَّلاةِ وهي المَساجِدُ وأنْتُمْ جُنُبٌ إلّا مُجْتازِينَ، ولا تَقْعُدُوا.

وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، والحُسْنِ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، والزُّهْرِيِّ، وعَمْرٍو بْنِ دِينارٍ، وأبِي الضُّحى، وأحْمَدَ، والشّافِعِيِّ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، كالقَوْلَيْنِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: "عابِرُ السَّبِيلِ": المُسافِرُ، و"قُرْبانُ الصَّلاةِ": فِعْلُها، وعَلى الثّانِي: "عابِرُ السَّبِيلِ": المُجْتازُ في المَسْجِدِ، و"قُرْبانُ الصَّلاةِ": دُخُولُ المَسْجِدِ الَّذِي تُفْعَلُ فِيهِ الصَّلاةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى ﴾ في سَبَبِ نُزُولِ هَذا الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ كانَ مَرِيضًا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَقُومَ فَيَتَوَضَّأُ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ خادِمٌ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ  فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ ﴾ » قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: «أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ  أصابَتْهم جِراحاتٌ، فَفَشَتْ فِيهِمْ، وابْتُلُوا بِالجَنابَةِ، فَشَكَوا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى ﴾ الآيَةَ كُلَّها،» قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي جَوازُ التَّيَمُّمِ مَعَ حُصُولِ المَرَضِ الَّذِي يَسْتَضِرُّ مَعَهُ بِاسْتِعْمالِ المالِ، سَواءٌ كانَ يَخافُ التَّلَفَ، أوْ لا يَخافُ، وكَذَلِكَ السَّفَرُ يَجُوزُ فِيهِ التَّيَمُّمُ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، سَواءٌ كانَ قَصِيرًا، أوْ طَوِيلًا، وعَدَمُ الماءِ لَيْسَ بِشَرْطٍ في جَوازِ التَّيَمُّمِ لِلْمَرِيضِ، وإنَّما الشَّرْطُ: حُصُولُ الضَّرَرِ، وأمّا السَّفَرُ، فَعَدَمُ الماءِ شَرْطٌ في إباحَةِ التَّيَمُّمِ، ولَيْسَ السَّفَرُ بِشَرْطٍ، وإنَّما ذَكَرَ السَّفَرَ، لِأنَّ الماءَ يُعْدَمُ فِيهِ غالِبًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ ﴾ "أوْ" بِمَعْنى: الواوُ، لِأنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، لَكانَ وُجُوبُ الطَّهارَةِ عَلى المَرِيضِ والمُسافِرِ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِالحَدَثِ.

والغائِطُ: المَكانُ المُطَمْئِنُ مِنَ الأرْضِ، فَكُنِّيَ عَنِ الحَدَثِ بِمَكانِهِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وكَذَلِكَ قالُوا: لِلْمَزادَةِ: راوِيَةٌ، وإنَّما الرّاوِيَةُ لِلْبَعِيرِ الَّذِي يُسْقى عَلَيْهِ، وقالُوا: لِلنِّساءِ: ظَعائِنُ، وإنَّما الظَّعائِنُ: الهَوادِجُ، وكُنَّ يَكُنَّ فِيها، وسَمَّوُا الحَدَثَ عَذْرَةً، لِأنَّهم كانُوا يُلْقُونَ الحَدَثَ بِأفْنِيَةِ الدُّورِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: أوْ لامَسْتُمْ بِألِفٍ هاهُنا: وفي (المائِدَةِ) وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلْفٌ في اخْتِيارِهِ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عامِرٍ "أوْ لَمَسْتُمْ" بِغَيْرِ ألِفٍ هاهُنا، وفي (المائِدَةِ) وفي المُرادِ بِالمُلامَسَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الجِماعُ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها المُلامَسَةُ بِاليَدِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، والشَّعْبِيُّ، وعُبَيْدَةُ، وعَطاءٌ، وابْنُ سِيرِينَ، والنَّخْعِيُّ، والنَّهْدِيُّ، والحَكَمُ، وحَمّادُ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: اللَّمْسُ يَكُونُ بِاليَدِ، وقَدِ اتَّسَعَ فِيهِ، فَأوْقَعَ عَلى غَيْرِهِ، فَمِن ذَلِكَ ﴿ وَأنّا لَمَسْنا السَّماءَ  ﴾ أيْ: عالَجْنا غَيْبَ السَّماءِ، ومِنّا مَن يَسْتَرِقُهُ فَيُلْقِيهِ إلى الكَهَنَةِ، ويُخْبِرُهم بِهِ.

فَلَمّا كانَ اللَّمْسُ يَقَعُ عَلى غَيْرِ المُباشِرَةِ بِاليَدِ، قالَ: ﴿ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ  ﴾ فَخَصَّ اليَدَ، لِئَلّا يَلْتَبِسَ بِالوَجْهِ الآَخَرِ، كَما قالَ: ﴿ وَحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ  ﴾ لِأنَّ الِابْنَ قَدْ يُدْعى ولَيْسَ مِنَ الصُّلْبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كانَتْ مَعَ النَّبِيِّ  في بَعْضِ أسْفارِهِ، فانْقَطَعَ عِقْدٌ لَها، فَأقامَ النَّبِيُّ  عَلى التِماسِهِ، ولَيْسُوا عَلى ماءٍ، ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ: أُسِيدُ ابْنُ حَضَيْرٍ:» ما هي بِأوَّلِ بَرَكَتِكم يا آَلَ أبِي بَكْرٍ، أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وفي رِوايَةٍ أُخْرى أخْرَجَها البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ أيْضًا: «أنَّ عائِشَةَ اسْتَعارَتْ مِن أسْماءَ قِلادَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  رِجالًا في طَلَبِها، فَأدْرَكَتْهُمُ الصَّلاةُ ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ، فَصَلُّوا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، وشَكَوْا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ.» والتَّيَمُّمُ في اللُّغَةِ: القَصْدُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ ﴾ وأُمًّا الصَّعِيدُ: فَهو التُّرابُ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدٍ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَقَعُ اسْمُ الصَّعِيدِ إلّا عَلى تُرابِ ذِي غُبارٍ.

وفي الطِّيبِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الطّاهِرُ.

والثّانِي: الحَلالُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ ﴾ الوَجْهُ المَمْسُوحُ في التَّيَمُّمِ: هو المَحْدُودُ في الوُضُوءِ.

وفِيما يَجِبُ مَسْحُهُ مِنَ الأيْدِي ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ إلى الكُوعَيْنِ حَيْثُ يُقْطَعُ السّارِقُ، رَوى عَمّارُ «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: "التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ والكَفَّيْنِ"» وبِهَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وعَطاءٌ ابْنُ أبِي رَباحٍ، وعِكْرِمَةُ، والأوْزاعِيُّ، ومَكْحُولٌ، ومالِكٌ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وداوُدُ.

والثّانِي: أنَّهُ إلى المِرْفَقَيْنِ، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «عَنِ النَّبِيِّ  : أنَّهُ تَيَمَّمَ، فَمَسَحَ ذِراعَيْهِ.» وبِهَذا قالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُهُ سالِمٌ، والحَسَنُ، وأبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يَجِبُ المَسْحُ مِن رُؤُوسِ الأنامِلِ إلى الآباطِ، رَوى عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  في سَفَرٍ، فَنَزَلَتِ الرُّخْصَةُ في المَسْحِ، فَضَرَبْنا بِأيْدِينا ضَرْبَةً لِوُجُوهِنا، وضَرْبَةً لِأيْدِينا إلى المَناكِبِ والآَباطِ.» وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا ﴾ قالَ الخَطابِيُّ: "العَفْوُ": بِناءً لِلْمُبالِغَةِ.

و"العَفْوُ" الصَّفْحُ عَنِ الذُّنُوبِ، وتَرَكُ مُجازاةَ المُسِيءِ.

وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن: عَفَتِ الرِّيحُ الأثَرَ: إذا دَرَسَتْهُ، وكَأنَّ العافِيَ عَنِ الذُّنُوبِ يَمْحُوهُ بِصَفْحِهِ عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أو عَلى سَفَرٍ أو جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أو لامَسْتُمُ النِساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم إنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ سَبَبُ النَهْيِ عن قُرْبِ الصَلاةِ في حالِ سُكْرٍ: أنَّ جَماعَةً مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ  شَرِبَتِ الخَمْرَ عِنْدَ أحَدِهِمْ قَبْلَ التَحْرِيمِ، فِيهِمْ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَحَضَرَتِ الصَلاةُ فَتَقَدَّمَهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَقَرَأ: ﴿ "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ"  ﴾ فَخَلَطَ فِيها بِأنْ قالَ: "أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ، وأنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ورُوِيَ أنَّ المُصَلِّيَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.

وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ سُكْرُ الخَمْرِ، إلّا الضَحّاكَ فَإنَّهُ قالَ: إنَّما المُرادُ سُكْرُ النَوْمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

والخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ الصالِحِينَ، وأمّا السَكْرانُ -إذا عَدِمَ المَيْزَ لِسُكْرِهِ- فَلَيْسَ بِمُخاطَبٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما هو مُخاطَبٌ إذا صَحا بِامْتِثالِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ، وبِتَكْفِيرِ ما ضاعَ في وقْتِ سُكْرِهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي تَقَرَّرَ تَكْلِيفُهُ إيّاها قَبْلَ السُكْرِ، ولَيْسَ في هَذا تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الناسِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "سَكارى" جَمْعَ: سَكْرانٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَكْرى" بِفَتْحِ السِينِ، عَلى مِثالِ: فَعْلى، وقَرَأ الأعْمَشُ: "سُكْرى" بِضَمِّ السِينِ وسُكُونِ الكافِ عَلى مِثالِ: فُعْلى، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "سَكْرى" بِفَتْحِ السِينِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هو تَكْسِيرُ "سَكْرانَ" عَلى "سَكْرى"، كَما قالُوا: رَوْبى نِيامًا، وكَقَوْلِهِمْ: هَلْكى ومَيْدى في جَمْعِ: هالِكٍ ومائِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَنَّثَةٍ واحِدَةٍ، كَأنَّ المَعْنى: وأنْتُمْ جَماعَةٌ سَكْرى.

وأمّا "سُكْرى" بِضَمِّ السِينِ فَصِفَةٌ لِواحِدَةٍ، كَحُبْلى، والسُكْرُ: انْسِدادُ الفَهْمِ، ومِنهُ: سَكِرْتُ الماءَ إذا سَدَدْتَ طَرِيقَهُ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: الصَلاةُ هُنا- العِبادَةُ المَعْرُوفَةُ حَسَبَ السَبَبِ في نُزُولِ الآيَةِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: الصَلاةُ -هُنا- المُرادُ بِها مَوْضِعُ الصَلاةِ والصَلاةُ مَعًا، لِأنَّهم كانُوا حِينَئِذٍ لا يَأْتُونَ المَسْجِدَ إلّا لِلصَّلاةِ، ولا يُصَلُّونَ إلّا مُجْتَمِعِينَ، فَكانا مُتَلازِمَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما احْتِيجَ إلى هَذا الخِلافِ بِحَسَبِ ما يَأْتِي فِي: "عابِرِي السَبِيلِ".

ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ: "حَتّى تَعْلَمُوا" أنَّ السَكْرانَ لا يَعْلَمُ ما يَقُولُ، ولِذَلِكَ قالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: إنَّ السَكْرانَ لا يَلْزَمُهُ طَلاقُهُ، فَأسْقَطَ عنهُ أحْكامَ القَوْلِ، لِهَذا، ولِقَوْلِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِلَّذِي أقَرَّ بِالزِنى: « "أسَكْرانٌ أنْتَ"؟» فَمَعْناهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ سَكْرانًا لَمْ يَلْزَمْهُ الإقْرارُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبَيْنَ طَلاقِ السَكْرانِ وإقْرارِهِ بِالزِنى فَرْقٌ، وذَلِكَ أنَّ الطَلاقَ والإقْرارَ بِالمالِ والقَذْفَ، وما أشْبَهَ هَذا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقُ الغَيْرِ مِنَ الآدَمِيِّينَ، فَيُتَّهَمُ السَكْرانُ إنِ ادَّعى أنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ، ويُحْكَمُ عَلَيْهِ حُكْمُ العالِمِ، والإقْرارُ بِالزِنا إنَّما هو حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى فَإذا ادَّعى فِيهِ بَعْدَ الصَحْوِ أنَّهُ كانَ غَيْرَ عالِمٍ دِينَ، وأمّا أحْكامُ الجِناياتِ، فَهي كُلُّها لازِمَةٌ لِلسَّكْرانِ.

"وَأنْتُمْ سُكارى" ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ فُورَكٍ أنَّهُ قالَ: مَعْنى الآيَةِ النَهْيُ عَنِ السُكْرِ، أيْ لا يَكُنْ مِنكم سُكْرٌ فَيَقَعُ قُرْبَ الصَلاةِ، إذِ المَرْءُ مَدْعُوٌّ إلى الصَلاةِ دَأبًا، والظاهِرُ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقَدْ رُوِيَ: أنَّ الصَحابَةَ -بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ- كانُوا يَشْرَبُونَ ويُقَلِّلُونَ إثْرَ الصُبْحِ وإثْرَ العَتَمَةِ، ولا تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ صَلاةٌ إلّا وهم صاحُونَ.

وقَوْلُهُ: "وَلا جُنُبًا" عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ المَنصُوبَةِ، والجُنُبُ: هو غَيْرُ الطاهِرِ مِن إنْزالٍ أو مُجاوَزَةِ خِتانٍ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الأُمَّةِ، ورُوِيَ عن بَعْضِ الصَحابَةِ: لا غُسْلَ إلّا عَلى مَن أنْزَلَ، وهو مِنَ الجَنابَةِ وهِيَ: البُعْدُ كَأنَّهُ جانَبَ الطُهْرَ، أو مِنَ الجَنْبِ كَأنَّهُ ضاجَعَ ومَسَّ بِجَنْبِهِ جَنْبًا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "جَنْبًا" بِإسْكانِ النُونِ.

و"عابِرِي سَبِيلٍ" هو مِنَ العُبُورِ، أيِ: الخُطُورِ والجَوازِ، ومِنهُ: عُبْرُ السَفِينَةِ النَهْرُ، ومِنهُ: ناقَةٌ عُبْرُ السَيْرِ والفَلاةِ والمُهاجَرَةِ، أيْ: تَعْبُرُها بِسُرْعَةِ السَيْرِ، قالَ الشاعِرُ وهي امْرَأةٌ: عَيْرانَةٌ سُرُحُ اليَدَيْنِ شِمِلَّةٌ عُبْرُ الهَواجِرِ كالهِزَفِّ الخاضِبِ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَكَمُ، وغَيْرُهُمْ: عابِرُ السَبِيلِ: هو المُسافِرُ، فَلا يَصِحُّ لِأحَدٍ أنْ يَقْرَبَ الصَلاةَ وهو جُنُبٌ إلّا بَعْدَ الِاغْتِسالِ إلّا المُسافِرَ فَإنَّهُ يَتَيَمَّمُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، والنَخْعِيُّ، وغَيْرُهُمْ: عابِرُ السَبِيلِ: الخاطِرُ في المَسْجِدِ، وهو المَقْصُودُ في الآيَةِ، وهَذا يَحْتاجُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الصَلاةَ هي المَسْجِدُ والمُصَلّى، ورَوى بَعْضُهم أنَّ سَبَبَ الآيَةِ "أنَّ قَوْمًا مِنَ الأنْصارِ كانَتْ أبْوابُ دُورِهِمْ شارِعَةً في المَسْجِدِ، فَإذا أصابَتْ أحَدَهُمُ الجَنابَةُ اضْطُرَّ إلى المُرُورِ في المَسْجِدِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ"، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ بِسَبَبِ عُدْمِ الصَحابَةِ الماءَ في غَزْوَةِ "المُرَيْسِيعِ" حِينَ أقامَ عَلى التِماسِ العِقْدِ، هَكَذا قالَ الجُمْهُورُ.

وقالَ النَخْعِيُّ: «نَزَلَتْ في قَوْمٍ أصابَتْهم جِراحٌ ثُمَّ أجْنَبُوا، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ  فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» ذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِعَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، والمَرِيضُ المَقْصُودُ في هَذِهِ الآيَةِ هو الحَضَرِيُّ، والَّذِي يَصِحُّ لَهُ التَيَمُّمُ هو الَّذِي يَخافُ المَوْتَ لِبَرْدِ الماءِ ولِلْعِلَّةِ بِهِ، وهَذا يَتَيَمَّمُ بِإجْماعٍ، إلّا ما رُوِيَ عن عَطاءٍ: أنَّهُ يَتَطَهَّرُ وإنْ ماتَ.

والَّذِي يَخافُ حُدُوثَ عِلَّةٍ عَلى عِلَّةٍ، أو زِيادَةَ عِلَّةٍ، والَّذِي يَخافُ بُطْءَ بُرْءٍ، فَهَؤُلاءِ يَتَيَمَّمُونَ بِإجْماعٍ مِنَ المَذْهَبِ فِيما حَفِظْتُ، والأسْبابُ الَّتِي لا يَجِدُ المَرِيضُ بِها الماءَ هِيَ: إمّا عُدْمُ المُناوِلِ، وإمّا خَوْفُ ما ذَكَرْناهُ.

وقالَ داوُدُ: كُلُّ مَنِ انْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ المَرِيضِ فَجائِزٌ لَهُ التَيَمُّمُ، وهَذا قَوْلُ خُلْفٍ، وإنَّما هو عِنْدَ عُلَماءِ الأُمَّةِ المَجْدُورُ، والمَحْصُوبُ، والعِلَلُ المَخُوفَةُ عَلَيْها مِنَ الماءِ.

والمُسافِرُ -فِي هَذِهِ الآيَةِ-: هو الغائِبُ عَنِ الحَضَرِ، كانَ السَفَرُ مِمّا تُقْصَرُ فِيهِ الصَلاةُ أو لا تُقْصَرُ، هَذا مَذْهَبُ مالِكٍ وجُمْهُورِ الفُقَهاءِ، وقالَ الشافِعِيُّ -فِي كِتابِ الأشْرافِ-: وقالَ قَوْمٌ: لا يَتَيَمَّمُ إلّا في سَفَرٍ يَجُوزُ فِيهِ التَقْصِيرُ، وهَذا ضَعِيفٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ قالَتْ فِرْقَةٌ: لا يَتَيَمَّمُ في سَفَرِ مَعْصِيَةٍ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ.

والأسْبابُ الَّتِي لا يَجِدُ بِها المُسافِرُ الماءَ هِيَ: إمّا عُدْمُهُ جُمْلَةً، وإمّا خَوْفُ فَواتِ الرَفِيقِ بِسَبَبِ طَلَبِهِ، وإمّا خَوْفٌ عَلى الرَحْلِ بِسَبَبِ طَلَبِهِ، وإمّا خَوْفُ سِباعٍ أو إذايَةٍ عَلَيْهِ.

واخْتُلِفَ في وقْتِ إيقاعِهِ التَيَمُّمَ، فَقالَ الشافِعِيُّ: في أوَّلِ الوَقْتِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وغَيْرُهُ: في آخِرِ الوَقْتِ.

وفَرَّقَ مالِكٌ بَيْنَ اليائِسِ والعالِمِ الطامِعِ بِإدْراكِهِ في الوَقْتِ، والجاهِلِ بِأمْرِهِ جُمْلَةً، وقالَ إسْحَقُ بْنُ راهَوَيْهِ: لا يَلْزَمُ المُسافِرَ طَلَبُ الماءِ إلّا بَيْنَ يَدَيْهِ وحَوْلَهُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: يَخْرُجُ في طَلَبِهِ الغَلْوَتَيْنِ ونَحْوَهُما، وفي مَذْهَبِ مالِكٍ يَمْشِي في طَلَبِهِ ثَلاثَةَ أمْيالٍ، وقالَ الشافِعِيُّ: يَمْشِي في طَلَبِهِ ما لَمْ يَخَفْ فَواتَ رَفِيقٍ، أو فَواتَ الوَقْتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.

وأصْلُ "الغائِطِ" ما انْخَفَضَ مِنَ الأرْضِ، وكانَتِ العَرَبُ تَقْصِدُ بِقَضاءِ حاجَتِها ذَلِكَ الصِنْفَ مِنَ المَواضِعِ، حَتّى كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في قَضاءِ الحاجَةِ وصارَ عُرْفَهُ، وقَرَأ قَتادَةُ، والزُهْرِيُّ: "مِنَ الغَيْطِ" ساكِنَةَ الياءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هو مَحْذُوفٌ مِن فَيْعَلْ، عَيْنُ هَذِهِ الكَلِمَةِ واوٌ، وهَذا اللَفْظُ يَجْمَعُ بِالمَعْنى جَمِيعَ الأحْداثِ الناقِضَةِ لِلطَّهارَةِ الصُغْرى، واخْتَلَفَ الناسُ في حَصْرِها، وأنْبَلُ ما اعْتُقِدَ في ذَلِكَ أنَّ أنْواعَ الأحْداثِ ثَلاثَةٌ: ما خَرَجَ مِنَ السَبِيلَيْنِ مُعْتادًا، وما أذْهَبَ العَقْلَ، واللَمْسُ.

هَذا عَلى مَذْهَبِ مالِكٍ، وعَلى مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ: ما خَرَجَ مِنَ النَجاساتِ مِنَ الجَسَدِ، وَلا يُراعى المَخْرَجُ ولا غَيْرُهُ، ولا يُعَدُّ اللَمْسُ فِيها، وعَلى مَذْهَبِ الشافِعِيِّ: ما خَرَجَ مِنَ السَبِيلَيْنِ، ولا يُراعى الِاعْتِيادُ، والإجْماعُ مِنَ الأحْداثِ عَلى تِسْعَةٍ: أرْبَعَةٌ مِنَ الذَكَرِ وهي البَوْلُ، والمَنِيُّ، والوَدْيُ، والمَذْيُ، وواحِدٌ مِن فَرْجِ المَرْأةِ وهُوَ: دَمُ الحَيْضِ، واثْنانِ مِنَ الدُبُرِ وهُما الرِيحُ والغائِطُ.

وذَهابُ العَقْلِ كالجُنُونِ، والإغْماءِ، والنَوْمُ الثَقِيلُ، فَهَذِهِ تَنْقُضُ الطَهارَةَ الصُغْرى إجْماعًا، وغَيْرُ ذَلِكَ كاللَمْسِ، والدُودِ يَخْرُجُ مِنَ الدُبُرِ، وما أشْبَهَهُ، مُخْتَلَفٌ فِيهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "لامَسْتُمُ"، وهي في اللُغَةِ لَفْظَةٌ قَدْ تَقَعُ لِلَّمْسِ الَّذِي هو الجِماعُ، وفي اللَمْسِ الَّذِي هو جَسُّ اليَدِ، والقُبْلَةُ، ونَحْوُهُ، إذْ في جَمِيعِ ذَلِكَ لَمْسٌ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَوْقِعِها هُنا.

فَمالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: اللَفْظَةُ هُنا عَلى أتَمِّ عُمُومِها تَقْتَضِي الوَجْهَيْنِ، فالمُلامِسُ بِالجِماعِ يَتَيَمَّمُ، والمُلامِسُ بِاليَدِ يَتَيَمَّمُ، لِأنَّ اللَمْسَ نَقَضَ وُضُوءَهُ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: هي هُنا مُخَصَّصَةٌ لِلَمْسِ اليَدِ، والجُنُبُ لا ذِكْرَ لَهُ إلّا مَعَ الماءِ، ولا سَبِيلَ لَهُ إلى التَيَمُّمِ، وإنَّما يَغْتَسِلُ الجُنُبُ أو يَدَعُ الصَلاةَ حَتّى يَجِدَ الماءَ، رُوِيَ هَذا القَوْلُ عن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وعن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِما، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: هي هُنا مُخَصَّصَةٌ لِلَّمْسِ الَّذِي هو الجِماعُ، فالجُنُبُ يَتَيَمَّمُ، واللامِسُ بِاليَدِ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ فَلَيْسَ بِحَدَثٍ، ولا هو ناقِضٌ لِوُضُوءٍ، فَإذا قَبَّلَ الرَجُلُ امْرَأتَهُ لِلَذَّةٍ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ.

ومالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ يَرى أنَّ اللَمْسَ يَنْقُضُ إذا كانَ لِلَذَّةٍ، ولا يَنْقُضُ إذا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ اللَذَّةَ، ولا إذا كانَ لِابْنَةٍ أو لِأُمٍّ، والشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يُعَمِّمُ لَفْظَةَ النِساءِ، فَإذا لَمَسَ الرَجُلُ عِنْدَهُ أُمَّهُ أوِ ابْنَتَهُ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ.

عَدَمُ وُجُودِ الماءِ يَتَرَتَّبُ لِلْمَرِيضِ ولِلْمُسافِرِ حَسْبَما ذَكَرْناهُ، ويَتَرَتَّبُ لِلصَّحِيحِ الحاضِرِ بِالغَلاءِ الَّذِي يَعُمُّ جَمِيعَ الأصْنافِ، واخْتُلِفَ فِيهِ، فَقالَ الحَسَنُ: يَشْتَرِي الرَجُلُ الماءَ بِمالِهِ كُلِّهِ ويَبْقى عَدِيمًا، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، «لِأنَّ دِينَ اللهِ يُسْرٌ،» كَما قالَ  ، ويُرِيدُ بِنا اليُسْرَ، ولَمْ يَجْعَلْ عَلَيْنا في الدِينِ مِن حَرَجٍ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: يَشْتَرِي ما لَمْ يَزِدْ عَلى القِيمَةِ الثُلُثُ فَصاعِدًا، وقالَتْ طائِفَةٌ: يَشْتَرِي قِيمَةَ الدِرْهَمِ بِالدِرْهَمَيْنِ والثَلاثَةِ، ونَحْوِ هَذا.

وهَذا كُلُّهُ في مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وقِيلَ لِأشْهَبَ: أتُشْتَرى القِرْبَةُ بِعَشْرَةِ دَراهِمَ؟

فَقالَ: ما أرى ذَلِكَ عَلى الناسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْرُ هَذِهِ المَسْألَةِ إنَّما هو بِحَسَبِ غِنى المُشْتَرِي وحاجَتِهِ، والوَجْهُ عِنْدِي أنْ يَشْتَرِيَ ما لَمْ يُؤْذِ غَلاؤُهُ.

ويَتَرَتَّبُ أيْضًا عُدْمُ الماءِ لِلصَّحِيحِ الحاضِرِ بِأنْ يُسْجَنَ أو يُرْبَطَ، وهَذا هو الَّذِي يُقالُ فِيهِ: إنَّهُ لَمْ يَجِدْ ماءً ولا تُرابًا كَما تَرْجَمَ البُخارِيُّ، فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ، فَقالَ مالِكٌ، وابْنُ نافِعٍ: لا يُصَلِّي ولا يُعِيدُ.

وقالَ ابْنُ القاسِمِ: يُصَلِّي ويُعِيدُ، وقالَ أشْهَبُ: يُصَلِّي ولا يُعِيدُ، وقالَ أصْبَغُ: لا يُصَلِّي ويَقْضِي.

إذا خافَ الحَضَرِيُّ فَواتَ الوَقْتِ إنْ تَناوَلَ الماءَ فَلِمالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ قَوْلانِ في "المُدَوَّنَةِ": إنَّهُ يَتَيَمَّمُ ولا يُعِيدُ، وقالَ: إنَّهُ يُعِيدُ، وفي الواضِحَةِ وغَيْرِها عنهُ أنَّهُ يَتَناوَلُ الماءَ ويَغْتَسِلُ وإنْ طَلَعَتِ الشَمْسُ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ يَتَيَمَّمُ ولا يُعِيدُ إذا بَقِيَ مِنَ الوَقْتِ شَيْءٌ بِقَدْرِ ما كانَ يَتَوَضَّأُ ويُصَلِّي رَكْعَةً، فَقِيلَ: يُعِيدُ، وقِيلَ: لا يُعِيدُ.

ومَعْنى قَوْلِهِ "فَتَيَمَّمُوا": اقْصِدُوا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ تَيَمَّمَتِ العَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضارِجٍ ∗∗∗ يَفِيءُ عَلَيْها الظِلُّ عَرْمَضُها طامِي ومِنهُ قَوْلُ أعْشى بَنِي ثَعْلَبَةَ: تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وكَمْ دُونَهُ ∗∗∗ مِنَ الأرْضِ مِن مَهْمَهٍ ذِي شَزَنْ ثُمَّ غَلَبَ هَذا الِاسْمُ في الشَرْعِ عَلى العِبادَةِ المَعْرُوفَةِ.

والصَعِيدُ في اللُغَةِ: وجْهُ الأرْضِ، قالَهُ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: كَأنَّهُ بِالضُحى تَرْمِي الصَعِيدَ بِهِ ∗∗∗ دَبّابَةٌ في عِظامِ الرَأْسِ خُرْطُومُ واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيهِ مِن أجْلِ تَقْيِيدِ الآيَةِ إيّاهُ بِالطَيِّبِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: يَتَيَمَّمُ بِوَجْهِ الأرْضِ، تُرابًا كانَ أو رَمْلًا أو حِجارَةً أو مَعْدِنًا أو سَبَخَةً، وجَعَلَتِ الطَيِّبَ بِمَعْنى: الطاهِرِ، وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ.

وقالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمُ: الطَيِّبُ بِمَعْنى: الحَلالِ، وهَذا في هَذا المَوْضِعِ قَلِقٌ.

وقالَ الشافِعِيُّ وطائِفَةٌ: الطَيِّبُ بِمَعْنى: المُنْبِتِ، كَما قالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿ والبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ  ﴾ ، فَيَجِيءُ "الصَعِيدُ" عَلى هَذا: التُرابُ، وهَذِهِ الطائِفَةُ لا تُجِيزُ التَيَمُّمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرْناهُ، فَمَكانُ الإجْماعِ: أنْيَتَيَمَّمَ الرَجُلُ في تُرابٍ مُنْبِتٍ طاهِرٍ غَيْرِ مَنقُولٍ ولا مَغْصُوبٍ، ومَكانُ الإجْماعِ في المَنعِ: أنْ يَتَيَمَّمَ الرَجُلُ عَلى الذَهَبِ الصِرْفِ، أوِ الفِضَّةِ والياقُوتِ والزُمُرُّدِ، أوِ الأطْعِمَةِ، كالخُبْزِ واللَحْمِ وغَيْرِهِما، أو عَلى النَجاساتِ، واخْتُلِفَ في غَيْرِ هَذا كالمَعادِنِ - فَأُجِيزَ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، ومُنِعَ، وهو مَذْهَبُ الشافِعِيِّ، وأشارَ أبُو الحَسَنِ اللَخْمِيُّ إلى أنَّ الخِلافَ فِيهِ مَوْجُودٌ في المَذْهَبِ، وأمّا المِلْحُ فَأُجِيزَ في المَذْهَبِ المَعْدِنِيُّ والجامِدُ، ومُنِعا، وأُجِيزَ المَعْدِنِيُّ، ومُنِعَ الجامِدُ.

والثَلْجُ في "المُدَوَّنَةِ" جَوازُهُ، ولِمالِكٍ في غَيْرِها مَنعُهُ، وذَكَرَ النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَلِيَّةَ وابْنِ كَيْسانَ أنَّهُما أجازا التَيَمُّمَ بِالمِسْكِ والزَعْفَرانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خَطَأٌ بَحْتٌ مِن جِهاتٍ.

وأمّا التُرابُ المَنقُولُ في طَبَقٍ وغَيْرِهِ، فَجُمْهُورُ المَذْهَبِ جَوازُ التَيَمُّمِ بِهِ، وفي المَذْهَبِ المَنعُ، وهو في غَيْرِ المَذْهَبِ أكْثَرُ، وأمّا ما طُبِخَ كالآجُرِّ والجِصِّ فَفِيهِ في المَذْهَبِ قَوْلانِ: الإجازَةُ والمَنعُ، وفي التَيَمُّمِ عَلى الجِدارِ الخِلافُ، وأمّا التَيَمُّمُ عَلى النَباتِ والعُودِ فاخْتُلِفَ فِيهِ في مَذْهَبِ مالِكٍ، فالجُمْهُورُ عَلى مَنعِ التَيَمُّمِ عَلى العُودِ، وفي مُخْتَصَرِ الوَقارِ: أنَّهُ جائِزٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ في لَفْظَةِ "الصَعِيدِ" اخْتِلافًا أنَّها الأرْضُ المَلْساءُ، وأنَّها الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ، وأنَّ الصَعِيدَ: التُرابُ، وأنَّهُ: وجْهُ الأرْضِ.

وَتَرْتِيبُ القُرْآنِ الوَجْهَ قَبْلَ اليَدَيْنِ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، ووَقَعَ في حَدِيثِ عَمّارٍ في البُخارِيِّ في بَعْضِ الطُرُقِ تَقْدِيمُ اليَدَيْنِ، وقالَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: قِياسًا عَلى تَنْكِيسِ الوُضُوءِ، وتُراعى في الوَجْهِ حُدُودُهُ المَعْلُومَةُ في الوُضُوءِ، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّ اسْتِيعابَهُ بِالمَسْحِ في التَيَمُّمِ واجِبٌ، ويَتَتَبَّعُهُ كَما يَصْنَعُ بِالماءِ، وألّا يَقْصِدَ تَرْكَ شَيْءٍ مِنهُ، وأجازَ بَعْضُهم ألّا يَتَتَبَّعَ كالغُضُونِ في الخُفَّيْنِ، وما بَيْنَ الأصابِعِ في اليَدَيْنِ، وهو في المَذْهَبِ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، ومَذْهَبُ مالِكٍ في "المُدَوَّنَةِ" أنَّ التَيَمُّمَ بِضَرْبَتَيْنِ، وقالَ ابْنُ الجَهْمِ: التَيَمُّمُ واحِدَةٌ، وقالَ مالِكٌ في كِتابِ "مُحَمَّدٍ": إنْ تَيَمَّمَ بِضَرْبَةٍ أجْزَأهُ، وقالَ غَيْرُهُ في المَذْهَبِ: يُعِيدُ في الوَقْتِ، وقالَ ابْنُ نافِعٍ: يُعِيدُ أبَدًا، وقالَ مالِكٌ في "المُدَوَّنَةِ" يَبْدَأُ بِأصابِعِ اليُسْرى عَلى أصابِعِ اليُمْنى، ثُمَّ يَمُرُّ كَذَلِكَ إلى المِرْفَقِ، ثُمَّ يَلْوِي بِالكَفِّ اليُسْرى عَلى باطِنِ الذِراعِ الأيْمَنِ حَتّى يَصِلَ إلى الكُوعِ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِاليُمْنى عَلى اليُسْرى كَذَلِكَ.

فَظاهِرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ يَسْتَغْنِي عن مَسْحِ الكَفِّ بِالأُخْرى، ووَجْهُهُ أنَّهُما في الإمْرارِ عَلى الذِراعِ ماسِحَةٌ مَمْسُوحَةٌ، قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَمُرُّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى كَفَّيْهِ، فَهَذا مَعَ تَحْكِيمِ ظاهِرِ "المُدَوَّنَةِ" خِلافٌ.

قالَ اللَخْمِيُّ: في كَلامِ المُدَوَّنَةِ يُرِيدُ: ثُمَّ يَمْسَحُ كَفَّهُ بِالأُخْرى، فَيَجِيءُ عَلى تَأْوِيلِ أبِي الحَسَنِ كَلامُ ابْنِ حَبِيبٍ تَفْسِيرًا، وقالَتْ طائِفَةٌ: يَبْدَأُ بِالشِمالِ كَما في "المُدَوَّنَةِ": فَإذا وصَلَ عَلى باطِنِ الذِراعِ إلى الرُسْغِ مَشى عَلى الكَفِّ، ثُمَّ كَذَلِكَ بِاليُمْنى في اليُسْرى.

ووَجْهُ هَذا القَوْلِ ألّا يَتْرُكَ مِن عُضْوٍ بَعْدَ التَلَبُّسِ بِهِ مَوْضِعًا، ثُمَّ يَحْتاجُ إلى العَوْدَةِ إلَيْهِ بَعْدَ غَيْرِهِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: يَتَناوَلُ بِالتُرابِ كَما يَتَناوَلُ بِالماءِ في صُورَةِ الإمْرارِ دُونَ رُتْبَةٍ، وقالَ مالِكٌ في "المُدَوَّنَةِ": يَمْسَحُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ، فَإنْ مَسَحَ إلى الكُوعَيْنِ أعادَ في الوَقْتِ، وقالَ ابْنُ نافِعٍ: يُعِيدُ أبَدًا، قالَ غَيْرُهُما: في المَذْهَبِ: يَمْسَحُ إلى الكُوعَيْنِ، وهَذا قَوْلُ مَكْحُولٍ وجَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، وفي غَيْرِ المَذْهَبِ يَمْسَحُ الكَفَّيْنِ فَقَطْ، وفي ذَلِكَ حَدِيثٌ عن عَمّارَ بْنِ ياسِرٍ، وهو قَوْلُ الشَعْبِيِّ، وقالَ ابْنُ شِهابٍ: يَمْسَحُ إلى الآباطِ، "وَذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ التَيَمُّمِ: إنَّكِ لَمُبارَكَةٌ، نَزَلَتْ فِيكِ رُخْصَةٌ، فَضَرَبْنا ضَرْبَةً لِوُجُوهِنا، وضَرْبَةً بِأيْدِينا إلى المَناكِبِ والآباطِ".

وفي مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ عَنِ الأعْمَشِ: « "أنَّ رَسُولَ اللهِ  مَسَحَ إلى أنْصافِ ذِراعَيْهِ"،» ولَمْ يَقُلْ بِهَذا الحَدِيثِ أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ فِيما حَفِظْتُ، وما حَكى الداوُودِيُّ مِن أنَّ الكُوعَيْنِ فَرْضٌ، والمَرافِقَ سُنَّةٌ والآباطَ فَضِيلَةٌ، فَكَلامٌ لا يُعَضِّدُهُ قِياسٌ ولا دَلِيلٌ، وإنَّما عَمَّمَ قَوْمٌ لَفْظَةَ اليَدِ فَأوجَبُوهُ مِنَ المَنكِبِ، وقاسَ قَوْمٌ عَلى الوُضُوءِ فَأوجَبُوهُ مِنَ المَرافِقِ، وعَمَّمَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ، ووَقَفَ قَوْمٌ مَعَ الحَدِيثِ في الكُوعَيْنِ، وقِيسَ أيْضًا عَلى القَطْعِ، إذْ هو حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وتَطْهِيرٌ، كَما هَذا تَطْهِيرٌ، ووَقَفَ آخَرُونَ مَعَ حَدِيثِ عَمّارٍ في الكَفَّيْنِ، واخْتَلَفَ المَذْهَبُ في تَحْرِيكِ الخاتَمِ، وتَخْلِيلِ الأصابِعِ عَلى قَوْلَيْنِ: يَجِبُ، ولا يَجِبُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾ .

هذه الآية استئناف لبيان حكمين يتعلّقان بالصلاة، دعا إلى نزولها عقب الآيات الماضية أنّه آن الأوان لتشريع هذا الحكم في الخمر حينئذ، وإلى قَرنه بحكم مقرّر يتعلّق بالصلاة أيضاً.

ويظهر أنّ سبب نزولها طرأ في أثناء نزول الآيات التي قبلها والتي بعدها، فوقعت في موقععِ وقت نزولها وجاءت كالمعترضة بين تلك الآيات.

تضمّنت حكماً أوَّلَ يتعلّق بالصلاة ابتداء، وهو مقصود في ذاته أيضاً بحسب الغاية، وهو قوله: ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ ، ذلك أنّ الخمر كانت حَلالا لم يحرّمها الله تعالى، فبقيت على الإباحة الأصلية، وفي المسلمين من يشربها.

ونزل قوله تعالى: ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ﴾ [البقرة: 219] في أول مدّة الهجرة فقال فريق من المسلمين: نحن نشربها لمنافعها لا لإثْمها، وقد علموا أنّ المراد من الإثم الحرج والمضرّة والمفسدة، وتلك الآية كانت إيذانا لهم بأنّ الخمر يوشك أن تكون حراماً لأنّ ما يشتمل على الإثم مُتّصف بوصف مناسب للتحريم، ولكن الله أبقى إباحتها رحمة لهم في معتادهم، مع تهيئة النفوس إلى قبول تحريمها، فحدث بعد ثلاث سنين ما رواه الترمذي عن علي بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعانا وسقانا خمراً وحضرت الصلاة فقدّموني فقرأتُ: قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ .

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

والقرب هنا مستعمل في معناه المجازي وهو التلبّس بالفعل، لأنّ (قَرُب) حقيقة في الدنوّ من المكان أو الذات يقال: قرب منه بضم الراء وقرِبه بكسر الراء وهما بمعنى، ومن الناس من زعم أنّ مكسور الراء للقرب المجازي خاصّة، ولا يصحّ.

وإنّما اختير هذا الفعل دون لا تُصَلُّوا ونحوه للإشارة إلى أنّ تلك حالة منافية للصلاة، وصاحبُها جدير بالابتعاد عن أفضل عمل في الإسلام، ومن هنا كانت مؤذنة بتغيّر شأن الخمر، والتنفير منها، لأنّ المخاطبين يومئذ هم أكمل الناس إيماناً وأعلقهم بالصلاة، فلا يرمُقون شيئاً يمنعهم من الصلاة إلاّ بعَين الاحتقار.

ومن المفسّرين مَن تأوّل الصلاة هنا بالمسجد من إطلاق اسم الحالّ على المحلّ كما في قوله تعالى: ﴿ وصلوات ومساجد ﴾ [الحج: 40]، ونقل عن ابن عباس، وابن مسعود، والحسن قالوا: كان جماعة من الصحابة يشربون الخمر ثم يأتون المسجد للصلاة مع رسول الله فنهاهم الله عن ذلك ولا يخفى بعده ومخالفته لمشهور الآثار.

وقوله: ﴿ حتى تعلموا ما تقولون ﴾ غاية للنهي وإيماء إلى علّته، واكتفى بقوله (تقولون) عن ﴿ تفعلون ﴾ لظهور أنّ ذلك الحدّ من السكر قد يفضي إلى اختلال أعمال الصلاة، إذ العمل يسرع إليه الاختلال باختلال العقل قبل اختلال القول.

وفي الآية إيذان بأنّ السكر الخفيف لا يمنع الصلاة يومئذ؛ أو أريد من الغاية أنّها حالة انتهاء السكر فتبقى بعدها النشوة.

وسكارى جمع سكران، والسكران من أخَذ عقله في الانغلاق، مشتقّ من السَّكْر، وهو الغلق، ومنه سكْر الحوض وسكْر الباب ﴿ وسكرت أبصارنا ﴾ [الحجر: 15].

ولمّا نزلت هذه الآية اجتنب المسلمون شرب الخمر في أوقات الصلوات فكانوا لا يشربون إلاّ بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح، لبعد ما بين هاتين الصلاتين وبين ما تليانهما، ثم أكمل مع تحريم قربان الصلاة في حالة السكر تحريم قربانها بدون طهارة.

عطف على جملة ﴿ وأنتم سكارى ﴾ لأنّا في محلّ الحال، وهذا النصب بعد العطف دليل بيِّنٌ على أنّ جملة الحال معَتبرة في محلّ نصب.

والجنُب فُعُل، قيل: مصدر، وقيل: وصف مثل أُجُد، وقد تقدّم الكلام فيه آنفاً عند قوله: ﴿ والجار الجنب ﴾ [النساء: 36]، والمراد به المباعد للعبادةِ من الصلاة إذا قارف امرأته حتى يغتسل.

ووصفُ جنُب وصفٌ بالمصدر فلذلك لم يجمع إذْ أخبر به عن جمع، مِن قوله: ﴿ وأنتم سكارى ﴾ .

وإطلاق الجنابة على هذا المعنى من عهد الجاهلية، فإنّ الاغتسال من الجنابة كان معروفاً عندهم، ولعلّه من بقايا الحنيفية، أو ممّا أخذوه عن اليهود، فقد جاء الأمر بغسل الجنابة في «الاصحاح» 15 من سفر اللاويين من التوراة.

وذكر ابن إسحاق في «السيرة» أنّ أبا سفيان، لما رجع مهزوماً من بدر، حلف أن لا يمسّ رأسَه غسلٌ من جنابة حتّى يغزوَ محمّداً.

ولم أقف على شيء من كلام العرب يدلّ على ذكر غسل الجنابة.

والمعنى لا تُصَلُّوا في حال الجنابة حتّى تغتسلوا إلخ.

والمقصود من قوله: ﴿ ولا جنباً ﴾ التمهيد للتخلّص إلى شرع التَّيمّم، فإنّ حكم غسل الجنابة مقرّر من قبل، فذكره هنا إدماج.

والتيمّم شرع في غزوة المُرَيْسيع على الصحيح، وكانت سنة ستّ أو سنة خمسسٍ على الأصحّ.

وظاهر حديث مالك عن عائشة أنّ الآية التي نزلت في غزوة المرَيْسيع هي آية التيمّم، فيظهر أن تكون هذه الآية التي في سورة النساء لأنّها لم يذكر منها إلاّ التيمّم.

ووقع في حديث عمرو عن عائشة أنّ الآية التي نزلت هي قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ التي في سورة المائدة (6)، أخرجه البخاري وقد جزم القرطبي بأنّ الآية التي نزلت في غزوة المريسيع هي آية سورة النساء، قال: لأنّ آية سورة المائدة تسمّى آية الوضوء.

وكذلك الواحدي أورد في أسباب النزول حديث عائشة في سبب نزول آية سورة النساء.

وقال ابن العربي هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء لا نعلم أيّ الآيتين عنت عائشة.

وسورة المائدة قيل: نزلت قبل سورة النساء، وقيل بعدها، والخطب سهل، والأصحّ أنّ سورة النساء نزلت قبل سورة المائدة.

والاستثناء في قوله: إلا عابري سبيل } استثناء من عموم الأحوال المستفادِ من وقوع (جنبا)، وهو حال نكرة، في سياق النفي.

وعابر السبيل، في كلام العرب: المسافر حين سيره في سفره، مشتقّ من العبر وهو القطع والاجتياز، يقال: عبر النهر وعبر الطريق.

ومن العلماء من فسّر ﴿ عابري سبيل ﴾ بمارّين في طريق، وقال: المراد منه طريق المسجد، بناء على تفسير الصلاة في قوله: ﴿ لا تقربوا الصلاة ﴾ بالمسجد، وجعلوا الآية رخصة في مرور الجنب في المسجد إذا كان قصده المرور لا المكث، قاله الذين تأوّلوا الصلاة بالمسجد.

ونسب أيضاً إلى أنس بن مالك، وأبي عبيدة، وابن المسّيب، والضحّاك، وعطاء، ومجاهد، ومسروق، والنخعي، وزيد بن أسْلم، وعمرو بن دينار، وعكرمة، وابن شهاب، وقتادة، قالوا: كان ذلك أيام كان لكثير من المهاجرين والأنصار أبواب دُور في المسجد، ثم نسخ ذلك بعدَ سدّ الأبواب كلّها إلاّ خوخة أبي بكر، فكان المرور كذلك رخصة للنبيء صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر، وفي رواية ولعلي، وقيل: أبقيت خوخة بنت عليّ في المسجد، ولم يصحّ.

وفائدة هذا الاستثناء عند من فسّر ﴿ تقربوا الصلاة ﴾ بدخول المسجد، وفسّر ﴿ عابري سبيل ﴾ بالمارّين في المسجد ظاهرة، وهو استثناء حقيقي من عموم أحوال الجنب باستثناء عابري السبيل.

وعابرُ السبيل المأخوذ من الاستثناء مطلق، وهو عند أصحاب هذا المحمل باق على إطلاقه لا تقييد فيه، وأمّا عند الجمهور الذين حملوا الآية على ظاهرها في معنى تقربوا الصلاة، وفي معنى عابري السبيل فلا تظهر له فائدة، للاستغناء عنه بقوله بعده ﴿ أو على سفر ﴾ ولأنّ في عموم الحصر تخصيصاً، فالذي يظهر لي أنّه إنّما قدّم هنا لأنّه غالب الأحوال التي تحول بين المرء وبين الاغتسال من جهة حاجة المسافر استبقاءَ الماء.

ولندور عروض المرض.

والاستثناء على محمل الجمهور يحتمل أنْ يكون متّصلا عند من يرى المتيمّم جنباً، ويرى التيمّم غير رافع للحدث، ولكنّه مبيح للصلاة للضرورة في الوقت، وهذا قول الشافعي، فهو عنده بدل ضروري يقدّر بقدر الضرورة، ودَليله ظاهر الاستثناء، ويحتمل أن يكون منقطعاً عند من يرى المتيمّم غير جنب، ويرى التيمّم رافعاً للحدث حتّى ينتقض بناقض ويزول سببه.

وهذا قول أبي حنيفة، فلذلك إذا تيمّم الجنب وصلّى وصار منه حدث ناقض للوضوء يتوضّأ لأنّ تيمّمه بدل عن الغسل مطلقاً، وهذا هو الظاهر بحسب المعنى وليس في السنّة ما يقتضي خلافه.

وعن مالك في ذلك قولان: فالمشهور من رواية ابن القاسم أنّ التيمّم مبيح للصلاة وليس رافعاً للحدث، فلذلك لا يصلّي المتيمّم به إلاّ فرضاً واحداً، ولو تيمّم لجنابة لعذر يمنع من الغسل وانتقض وضوءه تيمّم عن الوضوء.

وعن مالك، في رواية البغداديين: أنّ المريض الذي لا يقدر على مسّ الماء يتيمّم ويصلّي أكثر من صلاة، حتّى ينتقض تيمّمه بناقض الوضوء، وكذلك فيمن ذكر فوائت يصلّيها بتيمّم واحد، فعلى هذا ليس تجديد التيمّم لغيرهما إلاّ لأنَّه لا يدري لعلّه يجد الماء فكانت نيّة التيمّم غيرَ جازمة في بقائه، ولم ينقل عن مالك قول بأنّ المتيمّم للجنابة بعذر مانع من الغسل إذا انتقض وضوءه يتوضأ.

وفي مفهوم هذا الاستثناء، عند القائلين بالمفاهيم من الجمهور، على هذا المحمل تفصيل.

فعابر السبيل مُطلق قيده قوله: ﴿ فلم تجوا ماء فتيمموا ﴾ وبقي عموم قوله ﴿ ولا جنباً ﴾ في غير عابر السبيل، لأنّ العامّ المخصوص يبقى عامّا فيما عدا ما خُصّص، فخَصَّصه الشرط تخصيصاً ثانياً في قوله: ﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ .

ثم إن كان قد تقرّر عند المسلمين أنّ الصلاة تقع بدون طهارة يبق قوله: ﴿ إلا عابري سبيل ﴾ مجملاً لأنّهم يترقّبون بيانَ الحكم في قربان الصلاة على غير طهارة للمسافر، فيكون في قوله: ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر ﴾ بيان لهذا الإجمال، وإن كان ذلك لم يخطر ببالهم فلا إجمال، ويكون قوله: ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر ﴾ استئنافا لأحكام التيمّم.

وتقديم المُستثنى في قوله: ﴿ إلا عابري سبيل ﴾ قبل تمام الكلام المقصود قصره بقوله: ﴿ حتى تغتسلوا ﴾ للاهتمام وهو جار على استعمال قليل، كقول موسى بن جابر الحنفي أموي: لاَ أشتهي يا قوم إلاَّ كارها *** بابَ الأمير ولا دفاع الحاجب وقوله: ﴿ حتى تَغْتَسِلُواْ ﴾ غاية للنهي عن الصلاة إذا كانوا جنباً، فهو تشريع للغسل من الجنابة وإيجاب له، لأنّ وجوب الصلاة لا يسقط بحال، فلمّا نهوا عن اقترابها بدون الغسل علم من ذلك فرض الغسل.

والحكمة في مشروعية الغسل النظافة، ونيطَ ذلك بأداء الصلاة ليكون المصلّي في حالة كمال الجسد، كما كان حينئذ في حال كمال الباطن بالمناجاة والخضوع.

ومن أبدع الحِكم الشرعية أنّها لم تنط وجوب التنظّف بحال الوسخ لأنّ مقدار الحال من الوسخ الذي يستدعي الاغتسال والتنظف ممّا تختلف فيه مدارك البشر في عوائدهم وأحوالهم، فنيطَ وجوب الغسل بحالة لا تنفكّ عن القوة البشرية في مدّة متعَارف أعمار البشر، وهي حالة دفع فواضل القوة البشرية، وحيث كان بَيْن تلك الحالة وبين شدّة القوّة تناسب تامّ، إذ بمقدار القوة تندفع فضلاتها، وكان أيضاً بين شدّة القوة وبين ظهور الفضلات على ظاهر البدن المعبّر عنها بالوسخ تناسبٌ تامّ، كان نوْط الاغتسال بالجنابة إناطة بوصف ظاهر منضبط فجُعل هو العلّة أو السبب، وكان مع ذلك محصّلا للمناسبة المقتضية للتشريع، وهي إزالة الأوساخ عند بلوغها مقدارا يناسب أن يزال مع جعل ذلك مرتبطاً بأعظم عبادة وهي الصلاة، فصارت الطهارة عبادة كذلك، وكذلك القول في مشروعية الوضوء، على أنّ في الاغتسال من الجنابة حكمة أخرى، وهي تجديد نشاط المجموع العصبي الذي يعتريه فتورٌ باستفراغ القوة المأخوذة من زبد الدم، حسبما تفطّن لذلك الأطباء فقُضيت بهذا الانضباط حِكَمٌ عظيمة.

ودلّ إسناد الاغتسال إلى الذوات في قوله: ﴿ حتى تغتسلوا ﴾ على أنّ الاغتسال هو إحاطة البدن بالماء، وهذا متّفق عليه، واختلف في وجوب الدلك أي إمرار اليد على أجزاء البدن: فشرطه مالك رحمه الله بناء على أنّه المعروف من معنى الغسل في «لسان العرب»، ولأنّ الوضوء لا يجزئ بدون ذلك باتّفاق، فكذلك الغسل.

وقال جمهور العلماء: يجزئ في الغسل إحاطة البدن بالماء بالصبّ أو الانغماس؛ واحتجّوا بحديث ميمونة وعائشة رضي الله عنهما في غسل النبي صلى الله عليه وسلم أنّه أفاض الماء على جسده، ولا حجّة فيه لأنّهما لم تذكرا أنّه لم يتدلّك، ولكنّهما سكتتا عنه، فيجوز أن يكون سكوتهما لعلمهما بأنّه المتبادر، وهذا أيضاً رواية عن مالك رواها عنه أبو الفرج، ومروان بن محمد الطاطري، وهي ضعيفة.

وقوله: ﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ إلخ ذكرُ حالةِ الرخصة في ترك الاغتسال وترك الوضوء الذي لم يذكر في هذه السورة، وذُكر في سورة المائدة، وهي نازلة قبل هذه السورة.

فالمقصود بيان حكم التيمّم بحذافره.

وفي جمع هذه الأشياء في نسق حصل هذا المقصود، وحصل أيضاً تخصيص لعموم قوله: ﴿ ولا جنباً ﴾ كما تقدّم.

وقوله: ﴿ أو على سفر ﴾ بيان للإجمال الواقع في قوله: ﴿ إلا عابرب سبيل ﴾ إن كان فيه إجمال، وإلاّ فهو استئناف حكم جديد كما تقدّم.

وقوله: ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ زيادة على حكم التيمّم الواقع بدلا من الغسل، بذكر التيمّم الواقع بدلا عن الوضوء إيعاباً لنوعَي التيمّم.

وغير ذلك من أسبابه يؤخذ بالقياس على المذكور.

فالمريض أريد به الذي اختلّ نظام صحتِه بحيث صار الاغتسال يضرّه أو يزيد عِلَّتَه.

﴿ أو جاء...

من الغائط ﴾ كناية عن قضاء الحاجة البشرية، شاع في كلامهم التكنّي بذلك لبشاعة الصريح.

والغائط: المنخفض من الأرض، وما غاب عن البصر، يقال: غَاط في الأرض إذا غاب يغوط، فهمزته منقلبة عن الواو، وكانت العرب يذهبون عند قضاء الحاجة إلى مكان منخفض من جهة الحي بعيد عن بيوت سكناهم، فيكنون عنه: يقولون ذهب إلى الغائط أو تغوّط، فكانت كناية لطيفة ثم استعملها الناس بعد ذلك كثيراً حتّى ساوت الحقيقة فسمَجَت، فصار الفقهاء يطلقونه على نفس الحدث ويعلّقونه بأفعال تناسب ذلك.

وقوله: ﴿ أو لامستم النساء ﴾ قرئ (لامستم) بصيغة المفاعلة، وقرئ (لمستم) بصيغة الفعل كما سيأتي، وهما بمعنى واحد على التحقيق.

ومن حاول التفصيل لم يأت بما فيه تحصيل.

وأصل اللّمس المباشرة باليد أو بشيء من الجسد، وقد أطلق مجازاً وكناية على الافتقاد، قال تعالى: ﴿ وأنا لمسنا السماء ﴾ [الجن: 8] وعلى النزول، قال النابغة: ليَلْتَمِسَنْ بالجيش دارَ المحارب *** وعلى قربان النساء، لأنّه مرادف المسّ، ومنه قولهم: «فلانة لا تردّ يد لامس»، ونظيره ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ [البقرة: 237].

والملامسة هنا يحتمل أن يكون المراد منها ظاهرها، وهو الملامسة بمباشرة اليد أو بعضضِ الجسد جسدَ المرأة، فيكون ذكر سببا ثانياً من أسباب الوضوء التي توجب التيمّم عند فقد الماء، وبذلك فسّره الشافعي، فجعل لمس الرجل بيده جسد امرأته موجباً للوضوء، وهو محمل بعيد، إذ لا يكون لمس الجسد موجباً للوضوء وإنَّما الوضوء ممّا يخرج خروجاً معتاداً.

فالمحمل الصحيح أنّ الملامسة كناية عن الجماع.

وتعديد هذه الأسباب لجمع ما يغلب من موجبات الطهارة الصغرى والطهارة الكبرى، وإنّما لم يستغن عن ﴿ لمستم النساء ﴾ بقوله آنفاً ﴿ ولا جنباً ﴾ لأنّ ذلك ذكر في معرض الأمر بالاغتسال، وهذا ذكر في معرض الإذن بالتيمّم الرخصة.

والمقام مقام تشريع يناسبه عدم الاكتفاء بدلالة الالتزام، وبذلك يكون وجه لذكره وجيه.

وأمّا على تأويل الشافعي ومن تابعه فلا يكون لذكر سبب ثان من أسباب الوضوء كبير أهمية.

وإلى هذا مال الجمهور فلذلك لم يجب عند مالك وأبي حنيفة الوضوء من لمس الرجل امرأته ما لم يخرج منه شيء، إلاّ أنّ مالكاً قال: إذا التذ اللامس أو قَصَد اللذّة انتقض وضوءه، وحمل الملامسة في هذه الآية على معنييها الكنائي والصريح، لكن هذا بشرط الالتذاذ، وبه قال جمع من السلف، وأرى مالكاً اعتمد في هذا على الآثار المروية عن أيّمة السلف، ولا أراه جعله المراد من الآية.

وقرأ الجمهور ﴿ لامستم ﴾ بصيغة المفاعلة؛ وقرأه حمزة والكسائي وخلف ﴿ لمستم ﴾ بدون ألف.

وقوله: ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ عطف على فعل الشرط، وهو قيد في المسافر، ومن جاء من الغائط، ومن لامس النساء، أمّا المريض فلا يتقيّد تَيمّمه بعدم وجدان الماء لأنّه يتيمّم مطلقاً، وذلك معلوم بدلالة معنى المرض، فمفهوم القيد بالنسبة إليه معطّل بدلالة المعنى، ولا يكون المقصود من المريض الزمن، إذ لا يعدم الزمن مناوِلاً يُناوله الماء إلاّ نادرا.

وقوله ﴿ فتيمموا ﴾ جواب الشرط والتيمّم القصد والصعيد وجه الأرض، قال ذو الرمّة يصف خشفا من بقر الوحش نائماً في الشمس لا يكاد يفيق: كأنَّه بالضحى تَرْمِي الصعيدَ به *** دَبَّابَةٌ في عظام الرأس خُرطوم والطيّب: الطاهر الذي لم تلوّثه نجاسة ولا قذر، فيشمل الصعيدُ الترابَ والرملَ والحجارة، وإنّما عبّر بالصعيد ليصرف المسلمين عن هوس أن يتطلّبوا التراب أو الرمل ممّا تحت وجه الأرض غلوّا في تحقيق طهارته.

وقد شُرع بهذه الآية حكم التيمّم أو قرّر شرعه السابق في سورة المائدة على الأصحّ، وكان شرع التيمم سنة ستّ في غزوة المريسيع، وسبب شرعه ما في «الصحيح» عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله في بعض أسفاره حتى إذا كنّا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناسُ إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة أقامت برسول الله والناسسِ وليسوا على ماء وليس معهم ماء.

فجاء أبو بكر ورسول الله واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حَبَسْتتِ رسول الله والناسَ وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فعاتَبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرّك إلا مَكانُ رسول الله على فَخِذي، فقام رسول الله حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله تعالى آية التيمّم.

فقال أسَيْد بنُ الحُضَيْر: ما هي بأوّللِ بركتكم يا آلَ أبي بكر، فوالله ما نَزل بككِ أمْر تكرهينَه إلاّ جعل الله ذلك لككِ وللمسلمين فيه خيراً.

قالت: فبعثْنَا البعيرَ الذي كنتُ عليه فأصبنا العِقْد تحته.

والتيمّم من خصائص شريعة الإسلام كما في حديث جابر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعْطِيتُ خمسا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحد قبلي فذكر منها وجُعِلت لي الأرض مسجداً وطَهوراً».

والتيمّم بدل جعله الشرع عن الطهارة، ولم أر لأحد من العلماء بيانا في حكمة جعل التيمّم عوضاً عن الطهارة بالماء وكان ذلك من همّي زمنا طويلاً وقت الطلب ثم انفتح لي حكمة ذلك.

وأحسب أنّ حكمة تشريعه تقرير لزوم الطهارة في نفوس المؤمنين، وتقرير حُرمة الصلاة، وترفيع شأنها في نفوسهم، فلم تُترك لهم حالة يعدّون فيها أنفسهم مُصلّين بدون طهارة تعظيماً لمناجاة الله تعالى، فلذلك شَرع لهم عملا يشبه الإيماء إلى الطهارة ليستشعروا أنفسهم متطهّرين، وجعل ذلك بمباشرة اليدين صَعيدَ الأرض التي هي منبع الماء، ولأنّ التراب مستعمل في تطهير الآنية ونحوها، ينظّفون به ما علق لهم من الأقذار في ثيابهم وأبدانهم وماعونهم، وما الاستجمار إلاّ ضرب من ذلك، مع ما في ذلك من تجديد طلب الماء لفاقده وتذكيره بأنّه مطالب به عند زوال مانعه، وإذ قد كان التيمّم طهارة رمزية اقتنعت الشريعة فيه بالوجه والكفين في الطهارتين الصغرى والكبرى، كما دلّ عليه حديث عمّار بن ياسِر، ويؤيّد هذا المقصد أنّ المسلمين لما عَدِموا الماء في غزوة المريسيع صلَّوْا بدون وضوء فنزلت آية التيمّم.

هذا منتهى ما عرض لي من حكمة مشروعيّة التيمّم بعد طول البحث والتأمّل في حكمة مقنعة في النظر، وكنت أعدّ التيمّم هو النوع الوحيد بين الأحكام الشرعية في معنى التعبّدِ بنَوعه، وأمّا التعبّد ببعض الكيفيات والمقادير من أنواع عبادات أخرى فكثير، مثل عدد الركعات في الصلوات، وكأنَّ الشافعي لمّا اشترط أن يكون التيمّم بالتراب خاصّة وأن ينقل المتيمّم منه إلى وجهه ويديه، راعى فيه معنى التنظيف كما في الاستجمار، إلاّ أنّ هذا القول لم ينقل عن أحد من السلف، وهو ما سبق إلى خاطر عَمّار بن ياسر حين تمرّغ في التراب لمّا تعذّر عليه الاغتسال، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " يكفيك من ذلك الوجهُ والكفَّان ".

ولأجل هذا أيضاً اختلف السلف في حكم التيمّم، فقال عُمر وابن مسعود: لا يقع التيمّم بدلا إلاّ عن الوضوء دون الغسل، وأنّ الجنب لا يصلّي حتّى يَغتسل سواء كان ذلك في الحضر أم في السفر.

وقد تناظر في ذلك أبو موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود: روى البخاري في كتاب التيمّم قال أبو موسى لا بن مسعود: أرأيتَ إذا أجنب فلم يجد الماء كيف يصنع؟

قال عبدُ اللَّه: لا يُصلّي حتّى يجد الماء.

فقال أبو موسى: فكيف تصنع بقول عمّار حين قال له النبي: كان يكفيك هكذا، فضرب بكفّيه الأرض ثم مسح بهما وجهه وكفّيه، قال ابن مسعود: ألم تر عُمَرَ لم يقنَعْ منه بذلك، قال أبو موسى.

فدَعْنَا من قول عمّار، كيف تصنع بهذه الآية ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر ﴾ فما درى عبد الله ما يقول، فقال: إنَّا لو رخَّصْنا لهم في هذا لأوْشَكَ إذا بَرَد على أحدهم الماءُ أن يدَعَه ويتيمّم، ولا شك أنّ عمر، وابن مسعود، تأوّلا آية النساء فجعلا قوله: ﴿ إلا عابري سبيل ﴾ رخصة لمرور المسجد، وجعلا ﴿ أو لامستم النساء ﴾ مراداً به اللّمس الناقض للوضوء على نحو تأويل الشافعي، وخالف جميعُ علماء الأمّة عمرَ وابنَ مسعود في هذا، فقال الجمهور: يتيمّم فاقد الماء ومن يخاف على نفسه الهلاك أو المرض أو زيادة المرض ولو نَزْلَة أو حمّى.

وقال الشافعي: لا يتيمّم إلاّ فاقد الماء أو من يخاف على نفسه التلف دون المرض أو زيادته، لأنّ زيادة المرض غير محقّقة، ويردّه أنّ كلا الأمرين غير محقّق الحصول، وأنّ الله لم يكلّف الخلق بما فيه مشقّة.

وقد تيمّم عَمْرو بن العاص رضي الله عنه في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل وصلّى بالناس، «فذكروا ذلك للنبيء صلى الله عليه وسلم فسأله فقال عمرو: إني سمعت الله يقول: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً ﴾ [النساء: 29] فضحك النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينكر عليه.

وقوله: ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ﴾ جعل التيمّم قاصرا على مسح الوجه واليدين، وأسقط مسح ما سواهما من أعضاء الوضوء بَلْهَ أعضاء الغسل، إذ ليس المقصود منه تطهيراً حسيَّا، ولا تجديد النشاط، ولكن مجرّد استحضار استكمال الحالة للصلاة، وقد ظنّ بعض الصحابة أنّ هذا تيمّم بدل عن الوضوء، وأنّ التيمّم البدل عن الغسل لا يجزئ منه إلاّ مسح سائر الجسد بالصعيد، فعلّمه النبي صلى الله عليه وسلم أن التيمّم للجنابة مثل التيمّم للوضوء، فقد ثبت في «الصحيح» عن عمّار بن ياسر، قال: كنت في سفر فأجنبت فتمعَّكْت في التَراب (أيْ تمرّغت) وصلّيت فأتيت النبي فذكرت ذلك فقال «يكفيك الوجه والكفان» وقد تقدّم آنفاً.

والباء للتأكيد مثل: «وهزّي إليك بجذع النخلة» وقول النابغة يرثي النعمان بن المنذر: لكَ الخيرُ إن وارتْ بك الأرضُ واحدا *** وأصْبَحَ جَدُّ الناس يظْلَعَ عَاثِرا أراد إن وارتْك الأرض مواراة الدفن.

والمعنى: فامسحوا وجوهكم وأيديكم، وقد ذُكرت هذه الباء مع الممسوح في الوضوء ومع التيمّم للدلالة على تمكّن المسح لئلا تزيد رخصةٌ على رخصة.

وقوله: ﴿ إن الله كان عفواً غفوراً ﴾ تذييل لحكم الرخصة إذ عفا عن المسلمين فلم يكلّفهم الغسل أو الوضوء عند المرض، ولا ترقّبَ وجود الماء عند عدمه، حتّى تكثر عليهم الصلوات فيعسر عليهم القضاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: سُكارى مِنَ الخَمْرِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وقَدْ رَوى عَطاءُ بْنُ السّائِبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ: «أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ صَنَعَ طَعامًا وشَرابًا ودَعا نَفَرًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ  فَأكَلُوا وشَرِبُوا حَتّى ثَمِلُوا، ثُمَّ قَدَّمُوا عُمَرَ فَصَلّى بِهِمُ المَغْرِبَ فَقَرَأ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وأنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ وأنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴿ لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ﴾ » والقَوْلُ الثّانِي: وأنْتُمْ سُكارى مِنَ النَّوْمِ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، وأصْلُ السُّكْرِ: السَّكْرُ، وهو سَدُّ مَجْرى الماءِ، فالسُّكْرُ مِنَ الشَّرابِ يَسُدُّ طَرِيقَ المَعْرِفَةِ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَجُوزُ نَهْيُ السَّكْرانِ؟

فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَكْرانَ مِن غَيْرِ أنْ يَخْرُجَ إلى حَدٍّ لا يُحْتَمَلُ مَعَهُ الأمْرُ.

والثّانِي: أنَّهُ نُهِيَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلسُّكْرِ وعَلَيْهِ صَلاةٌ.

﴿ وَلا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أرادَ سَبِيلَ المُسافِرِ إذا كانَ جُنُبًا لا يُصَلِّي حَتّى يَتَيَمَّمَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي مِجْلَزٍ عَنْهُ، ومُجاهِدٍ، والحَكَمِ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: لا يَقْرُبُ الجُنُبُ مَواضِعَ الصَّلاةِ مِنَ المَساجِدِ إلّا مارًّا مُجْتازًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ، وابْنِ يَسارٍ عَنْهُ، وهو قَوْلُ جابِرٍ، والحَسَنِ، والزُّهْرِيِّ، والنَّخَعِيِّ.

﴿ وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما انْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ المَرَضِ مِن مُسْتَضِرٍّ بِالماءِ وغَيْرِ مُسْتَضِرٍّ، وهَذا قَوْلُ داوُدَ بْنِ عَلِيٍّ.

الثّانِي: ما اسْتُضِرَّ فِيهِ بِاسْتِعْمالِ الماءِ دُونَ ما لَمْ يُسْتَضَرَّ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ، وأحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ.

والثّالِثُ ما خِيفَ مِنِ اسْتِعْمالِ الماءِ فِيهِ التَّلَفُ دُونَ ما لَمْ يُخَفْ، وهو القَوْلُ الثّانِي مِن قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ.

﴿ أوْ عَلى سَفَرٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما انْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ مِن قَلِيلٍ وكَثِيرٍ، وهو قَوْلُ داوُدَ.

والثّانِي: مَسافَةُ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ فَصاعِدًا، وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ.

والثّالِثُ: مَسافَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ.

﴿ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ ﴾ هو المَوْضِعُ المُطْمَئِنُّ مِنَ الأرْضِ كانَ الإنْسانُ يَأْتِيهِ لِحاجَتِهِ، فَكَنّى بِهِ عَنِ الخارِجِ مَجازًا، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى صارَ كالحَقِيقَةِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الغائِطَ حَقِيقَةٌ في اسْمِ المَكانِ دُونَ الخارِجِ، قَوْلُ الشّاعِرِ: أما أتاكَ عَنِّي الحَدِيثُ إذْ أنا بِالغائِطِ أسْتَغِيثُ وصِحْتَ في الغائِطِ يا خَبِيثُ ﴿ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: ( لَمَسْتُمُ ) بِغَيْرِ ألِفٍ، قَرَأ بِها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ.

والأُخْرى: ﴿ لامَسْتُمُ ﴾ ، وهي قِراءَةُ الباقِينَ.

وَفي هَذِهِ المُلامَسَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الجِماعُ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّ المُلامَسَةَ بِاليَدِ والإفْضاءَ بِبَعْضِ الجَسَدِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ، وعُبَيْدَةَ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ، وعَطاءٍ، وابْنِ سِيرِينَ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ.

وَفي اخْتِلافِ القِراءَتَيْنِ في ( لَمَسْتُمْ ) أوْ ( لاَمَسْتُمُ ) قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ( لاَمَسْتُمُ ) أبْلَغُ مِن ( لَمِسْتُمُ ) والثّانِي: أنَّ ﴿ لامَسْتُمُ ﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ الوُضُوءِ عَلى اللّامِسِ والمَلْمُوسِ.

( ولَمَسْتُمُ ) يَقْتَضِي وُجُوبَهُ عَلى اللّامِسِ دُونَ المَلْمُوسِ.

﴿ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّعَبُّدُ والتَّحَرِّي، وهو قَوْلُ سُفْيانَ.

والثّانِي: أنَّهُ القَصْدُ، وذُكِرَ أنَّها في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَأْتُوا صَعِيدًا طَيِّبًا.

وَفي الصَّعِيدِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الأرْضُ المَلْساءُ الَّتِي لا نَباتَ فِيها ولا غِراسَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّها الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: هو التُّرابُ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والشّافِعِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ وجْهُ الأرْضِ ذاتِ التُّرابِ والغُبارِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: كَأنَّهُ بِالضُّحى تَرْمِي الصَّعِيدَ بِهِ ∗∗∗ دَبّابَةٌ في عِظامِ الرَّأْسِ خُرْطُومُ وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ طَيِّبًا ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: حَلالًا، وهو قَوْلُ سُفْيانَ.

والثّانِي: طاهِرًا، وهو قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ.

والثّالِثُ: تُرابُ الحَرْثِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ مَكانٌ حَدِرٌ غَيْرُ بَطِحٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

﴿ فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ ﴾ فالوَجْهُ المَمْسُوحُ في التَّيَمُّمِ هو المَحْدُودُ في غَسْلِ الوُضُوءِ.

فَأمّا مَسْحُ اليَدَيْنِ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الكَفّانِ إلى الزَّنْدَيْنِ دُونَ الذِّراعَيْنِ، وهو قَوْلُ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، ومَكْحُولٍ، وبِهِ قالَ مالِكٌ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، والشّافِعِيُّ في القَدِيمِ.

والثّانِي: الذِّراعانِ مَعَ المِرْفَقَيْنِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، وسالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، والشّافِعِيِّ في الجَدِيدِ.

والثّالِثُ: إلى المَنكِبَيْنِ والإبْطَيْنِ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ أبِي بَكْرٍ.

واخْتَلَفُوا في جَوازِ التَّيَمُّمِ في الجَنابَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: يَجُوزُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: لا يَجُوزُ وهو قَوْلُ عُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِيِّ.

واخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ الصَّحابَةِ أصابَتْهم جِراحٌ، وهَذا قَوْلُ النَّخَعِيِّ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في إعْوازِ الماءِ في السَّفَرِ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة، فقدموني فقرأت: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن علي.

أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر، فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ الكافرون: 1] فخلط فيها فنزلت ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في الآية قال: نزلت في أبي بكر، وعمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، صنع علي لهم طعاماً وشراباً، فأكلوا وشربوا، ثم صلى علي بهم المغرب، فقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ الكافرون: 1] حتى خاتمتها فقال: ليس لي دين وليس لكم دين.

فنزلت ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والنسائي والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ قال: نسخها ﴿ إنما الخمر والميسر...

﴾ [ المائدة: 90] الآية.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: كان قبل أن تُحَرَّمُ الخمر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال: نهوا أن يصلوا وهم سكارى، ثم نسخها تحريم الخمر.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والنحاس عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ قال: نسختها ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ﴾ [ المائدة: 6] .

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ قال: نسخها ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ﴾ [ المائدة: 6] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ قال: نشاوى من الشراب ﴿ حتى تعلموا ما تقولون ﴾ يعني ما تقرؤون في صلاتكم.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: لم يعن بها الخمر، إنما عنى بها سكر النوم.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأنتم سكارى ﴾ قال: النعاس.

وأخرج البخاري عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف، فلينم حتى يعلم ما يقول» .

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي في قوله: ﴿ ولا جنباً إلا عابري سبيل ﴾ قال: نزلت هذه الآية في المسافر، تصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي.

وفي لفظ قال: لا يقرب الصلاة إلا أن يكون مسافراً، تصيبه الجنابة فلا يجد الماء فيتيمم ويصلي حتى يجد الماء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا جنباً إلا عابري سبيل ﴾ يقول: لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إذا وجدتم الماء، فإن لم تجدوا الماء فقد أحللت لكم أن تمسحوا بالأرض.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن عباس ﴿ ولا جنباً إلا عابري سبيل ﴾ قال: هو المسافر الذي لا يجد ماء فيتيمم ويصلي.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: لا يمر الجنب ولا الحائض في المسجد، إنما نزلت ﴿ ولا جنباً إلا عابري سبيل ﴾ للمسافر، يتيمم ثم يصلي.

وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا جنباً إلا عابري سبيل ﴾ قال: مسافرين لا تجدون ماء.

وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده والقاضي إسماعيل في الأحكام والطحاوي في مشكل الآثار والباوردي في الصحابة والدارقطني والطبراني وأبو نعيم في المعرفة وابن مردويه والبيهقي في سننه والضياء المقدسي في المختارة عن الأسلع بن شريك قال: «كنت أرحل ناقة النبي صلى الله عليه وسلم فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحلة، فكرهت أن أرحل ناقته وأنا جنب، وخشيت أن أغتسل بالماء البارد فأموت أو أمرض، فأمرت رجلاً من الأنصار فرحلها، ثم رضفت أحجاراً فأسخنت بها ماء، فاغتسلت به.

فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل ﴾ إلى ﴿ إن الله كان عفواً غفوراً ﴾ » .

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد جبير وابن جرير والطبراني في سننه من وجه آخر عن الأسلع قال: «كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم وأرحل له، فقال لي ذات ليلة: يا أسلع، قم فارحل لي.

قلت: يا رسول الله أصابتني جنابة.

فسكت عني ساعة حتى جاء جبريل بآية الصعيد فقال: قم يا أسلع فتيمم، ثم أراني الأسلع كيف علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم التيمم قال: ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض فمسح وجهه، ثم ضرب فدلك إحداهما بالأخرى، ثم نفضهما ثم مسح بهما ذراعيه ظاهرهما وباطنهما» .

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس ﴿ لا تقربوا الصلاة ﴾ قال: المساجد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس ﴿ ولا جنباً إلا عابري سبيل ﴾ قال: لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا عابري سبيل.

قال: تمر به مراً ولا تجلس.

وأخرج ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب في قوله: ﴿ ولا جنباً إلا عابري سبيل ﴾ قال: إن رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممراً إلا في المسجد، فأنزل الله هذه الآية.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ولا جنباً إلا عابري سبيل ﴾ قال: هو الممر في المسجد.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لا بأس للحائض والجنب أن يمرا في المسجد ما لم يجلسا فيه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة قال: الجنب يمر في المسجد ولا يجلس فيه، ثم قرأ ﴿ ولا جنباً إلا عابري سبيل ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء في قوله: ﴿ ولا جنباً إلا عابري سبيل ﴾ قال: الجنب يمر في المسجد.

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي في سننه عن ابن مسعود.

أنه كان يرخص للجنب أن يمر في المسجد مجتازاً، وقال: ﴿ ولا جنباً إلا عابري سبيل ﴾ .

وأخرج البيهقي عن أنس في قوله: ﴿ ولا جنباً إلا عابري سبيل ﴾ قال: يجتاز ولا يجلس.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي عن جابر قال: كان أحدنا يمر في المسجد وهو جنب مجتازاً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار، كان مريضاً فلم يستطع أن يقوم، فيتوضأ ولم يكن له خادم فينا، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فأنزل الله هذه الآية.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ قال: هو الرجل المجدور، أو به الجراح أو القرح، يجنب فيخاف إن اغتسل أن يموت فيتيمم.

وأخرج الحاكم والبيهقي في المعرفة عن ابن عباس رفعه في قوله: ﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ قال: «إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله، أو القروح، أوالجدري، فيجنب فيخاف إن اغتسل أن يموت فليتيمم» .

وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ قال: هي للمريض، تصيبه الجنابة إذا خاف على نفسه الرخصة في التيمم، مثل المسافر إذا لم يجد الماء.

وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد.

أنه قال: للمريض المجدور وشبهه رخصة في أن لا يتوضأ، وتلا ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر ﴾ ثم يقول: هي مما خفي من تأويل القرآن.

وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال: نال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جراحة، ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت ﴿ وإن كنتم مرضى...

﴾ الآية كلها.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ قال: المريض الذي قد أرخص له في التيمم هو الكسير والجريح، فإذا أصابت الجنابة لا يحل جراحته إلا جراحة لا يخشى عليها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير ومجاهد قالا في المريض تصيبه الجنابة فيخاف على نفسه: هو بمنزلة المسافر الذي لا يجد الماء يتيمم.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: المريض الذي لا يجد أحداً يأتيه بالماء، ولا يقدر عليه، وليس له خادم ولا عون، يتيمم ويصلي.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ قال: الغائط الوادي.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ومسدد وابن أبي شيبة في مسنده وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم والبيهقي من طرق عن ابن مسعود في قوله: ﴿ أو لامستم النساء ﴾ قال: اللمس.

ما دون الجماع، والقبلة منه، وفيها الوضوء.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود.

أنه كان يقول في هذه الآية ﴿ أو لامستم النساء ﴾ هو الغمز.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عمر.

أنه كان يتوضأ من قبلة المرأة، ويقول: هي اللماس.

وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر قال: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء.

وأخرج الحاكم والبيهقي عن عمر قال: إن القبلة من اللمس فتوضأ منها.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: اللمس هو الجماع ولكن الله كنى عنه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو لامستم النساء ﴾ قال: هو الجماع.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: كنا في حجرة ابن عباس ومعنا عطاء بن أبي رباح، ونفر من الموالي، وعبيد بن عمير، ونفر من العرب، فتذاكرنا اللماس فقلت أنا وعطاء والموالي: اللمس باليد.

وقال عبيد بن عمير والعرب: هو الجماع.

فدخلت على ابن عباس فأخبرته فقال: غُلِبَتْ الموالي وأصابت العرب.

ثم قال: إن اللمس، والمس، والمباشرة إلى الجماع ما هو، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى ﴿ أو لامستم النساء ﴾ قال: أو جامعتم النساء، وهذيل تقول: اللمس باليد.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

قال أما سمعت لبيد بن ربيعة حيث يقول: يلمس الاحلاس في منزله ** بيديه كاليهودي المصل وقال الأعشى: ورادعة صفراء بالطيب عندنا ** للمس الندامى من يد الدرع مفتق وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي.

أنه كان يقرأ ﴿ أو لمستم النساء ﴾ قال: يعني ما دون الجماع.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة عن قوله: ﴿ أو لامستم النساء ﴾ فأشار بيده وضم أصابعه، كأنه يتناول شيئاً يقبض عليه.

قال محمد: ونبئت عن ابن عمر أنه كان إذا مس مخرجه توضأ، فظننت قول ابن عمر وعبيدة شيئاً واحداً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عثمان قال: اللمس باليد.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة قال: ما دون الجماع.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: الملامسة دون الجماع.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: الملامسة الجماع.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سفيان في قوله: ﴿ فتيمموا صعيداً طيباً ﴾ قال: تحروا تعمدوا صعيداً طيباً.

وأخرج ابن جرير عن قتادة ﴿ صعيداً طيباً ﴾ قال: التي ليس فيها شجر ولا نبات.

وأخرج ابن جرير عن عمرو بن قيس الملائي قال: الصعيد التراب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن بشير في الآية قال: الطيب.

ما أتت عليه الأمطار وطهرته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله: ﴿ صعيداً طيباً ﴾ قال: حلالاً لكم.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: إن أطيب الصعيد أرض الحرث.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حماد قال: كل شيء وضعت يدك عليه فهو صعيد، حتى غبار لبدك فتيمم به.

وأخرج الشيرازي في الألقاب عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الصعيد أطيب؟

قال: أرض الحرث» .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي هريرة قال: «لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أجده، فانطلقت أطلبه فاستقبلته، فلما رآني عرف الذي جئت له، فبال ثم ضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه» .

وأخرج ابن عدي عن عائشة قالت: «لما نزلت آية التيمم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على الأرض فمسح بهما وجهه، وضرب بيده الأخرى ضربة أخرى فمسح بهما كفيه» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عمار بن ياسر قال: كنت في سفر فاجنبت فتمعكت فصليت، ثم ذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه» .

وأخرج الطبراني والحاكم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التيمم ضربتان.

ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.» .

وأخرج الحاكم عن ابن عمر قال: «تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربنا بأيدينا على الصعيد الطيب، ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بها وجوهنا، ثم ضربنا ضربة أخرى، ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بأيدينا من المرافق إلى الأكف على منابت الشعر من ظاهر وباطن» .

وأخرج ابن جرير عن أبي مالك قال: تيمم عمار، فمسح وجهه ويديه، ولم يمسح الذراع.

وأخرج عن مكحول قال: التيمم ضربة للوجه والكفين إلى الكوع، فإن الله قال في الوضوء ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ [ المائدة: 6] وقال في التيمم ﴿ وأيديكم ﴾ ولم يستثن فيه كما استثنى في الوضوء إلى المرافق، وقال الله: ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴾ [ المائدة: 38] فإنما تقطع يد السارق من مفصل الكوع.

وأخرج ابن جرير عن الزهري قال: التيمم إلى الآباط.

وأخرج ابن جرير والبيهقي في سننه عن عمار بن ياسر قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلك عقد لعائشة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضاء الصبح، فتغيظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليه رخصة المسح بالصعيد، فدخل أبو بكر فقال لها: إنك لمباركة، نزل فيك رخصة.

فضربنا بأيدينا ضربة لوجهنا، وضربة بأيدينا إلى المناكب والآباط.

قال الشافعي: هذا منسوخ، لأنه أول تيمم كان حين نزلت آية التيمم، فكل تيمم جاء بعده يخالفه، فهو له ناسخ» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والحاكم والبيهقي عن أبي ذر قال: «اجتمعت غنيمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا ذر ابْدُ فيها، فبدوت فيها إلى الربذة، وكانت تصيبني الجنابة فامكث الخمسة والستة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عثمان الهندي قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تمسحوا بها فإنها بكم بَرَّةٌ» يعني الأرض.

وأخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عباس قال: من السنة أن لا يُصَلِّي الرجلُ بالتيمم إلا صلاة واحدة ثم يتيمم للأخرى.

وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال: يُتَيَمَّمُ لكل صلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن العاص قال: يُتَيَمَّمُ لكل صلاة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاوة وَأَنْتُمْ سكارى ﴾ سببها أن جماعة من الصحابة شربوا الخمر قبل تحريمها، ثم قاموا إلى الصلاة وأمّهم أحدهم فخلط في القراءة فمعناها النهي عن الصلاة في حال السكر.

قال بعض الناس: هي منسوخة بتحريم الخمر، وذلك لا يلزم لأنها ليس فيها ما يقتضي إباحة الخمر، إنما هي نهي عن الصلاة في حال السكر، وذلك الحكم الثابت في حين إباحة الخمر وفي حين تحريمها، وقال بعضهم: معناها؛ لا يكن منكم سكر يمنع قرب الصلاة، إذ المرء مأمور بالصلاة فكأنها تقتضي النهي عن السكر عن سببه وهو الشرب، وهذا بعيد من مقتضى اللفظ ﴿ حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾ حتى تعود إليكم عقولكم فتعلمون ما تقرؤون، ويظهر من هذا أن السكر أن لا يعلم ما يقول؛ فأخذ بعض الناس من ذلك أن السكران لا يلزم طلاقه ولا إقراره ﴿ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ عطف ولا جنباً على موضع وأنتم سكارى، إذ هو في موضع الحال والجنب هنا غير الطاهر بإنزال إو إيلاج؛ وهو واقع على جماعة بدليل استثناء الجمع منه.

واختلف في عابري سبيل فقيل: إنه المسافر، ومعنى الآية على هذا: نهى أن يقرب الصلاة وهو جنب إلاّ في السفر فيصلي بالتيمم دون اغتسال، فمقتضى الآية.

إباحة التيمم للجنب في السفر، ويؤخذ إباحة التيمم للجنب في الحضر من الحديث، وقيل: عابر السبيل المارّ في المسجد، والصلاة هنا يراد يها المسجد، لأنه موضع الصلاة فمعنى الآية على هذا: النهي أن المسجد، ولا يجوز له أن يقعد فيه، ومنع مالك: المرور والقعود، وأجازهما داود الظاهري ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ ﴾ الآية سببها عدم الصحابة الماء في غزوة المريسيع فأبيح لهم التيمم لعدم الماء، ثم إن عدم الماء على ثلاثة أوجه: أحدها: عدمه في السفر، والثاني: عدمه في المرض، فيججوز التيمم في هذين الوجهين بإجماع، لأن الآية نص في المرض والسفر إذا عدم الماء فيهما، لقوله: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ ﴾ ثم قال: ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً ﴾ .

الوجه الثالث: عدم الماء في الحضر دون مرض، فاختلف الفقهاء فيه، فمذهب أبو حنيفة أنه لا يجوز فيه التيمم، لأن ظاهر الآية أن عدم الماء إنما يعتبر مع المرض أو السفر، ومذهب مالك والشافعي: أنه يجوز فيه التيمم فإن قلنا: إن الآية لا تقتضيه فيؤخذ جوازه من السنة.

وإن قلنا: إن الآية تقتضيه، فيؤخذ جوازه منها، وهذا هو الأرجح إن شاء الله، وذلك أنه ذكر في أول الآية المرض والسفر، ثم ذكر الإحداث دون مرض ولا سفر، ثم قال بعد ذلك كله: فلم تجدوا ماء فيرجع قوله: ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً ﴾ إلى المرض وإلى السفر وإلى من أحدث في غير مرض ولا سفر فيجوز التيمم على هذا لمن عدم الماء في غير مرض ولا سفر، فيكون في الاية حجة لمالك والشافعي، ويجوز التيمم أيضاً في مذهب مالك للمريض إذا وجد الماء، ولم يقدر على استعماله لضرر بدنه، فإن قلنا: إن الآية لا تقتضيه، فيؤخذ جوازه من السنة، وإن قلنا إن السنة تقتضيه، فيؤخذ جوازه منها على أن يتناول قوله إن كنتم مرضى أن معناه مرضى لا تقدرون على مس الماء، وحدّ المرض الذي يجوز فيه التيمم عند مالك هو: أن يخاف الموت أو زيادة المرض أو تأخر البرء، وعند الشافعي: خوف الموت لا غير، وحدّ السفر: الغيبة عن الحضر سواء، كان مما تقصر فيه الصلاة أم لا ﴿ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ ﴾ في أو هنا تأويلان: أحدهما: أن تكون للتفصيل والتنويع على بابها، والآخر: أنها بمعنى الواو، فعلى القول بأنها على بابها يكون قوله: فلم تجدوا ماء راجعاً إلى المريض والمسافر، وإلى من جاء من الغائط، وإلى من لامس، سواء كانا مريضين أو مسافرين، أو حسبما ذكرنا قبل هذا، فيقتضي لك جواز التيمم للحاضر الصحيح إذا عدم الماء وهو مذهب مالك والشافعي فيكون في الآية حجة لهما وعلى القول بأنها بمعنى الواو يكون قوله فلم تجدوا ماء.

راجعاً إلى المريض والمسافر فيقتضي ذلك أنه لا يجوز التيمم إلا في المرض والسفر مع عدم الماء وأنه لا يجوز للحاضر الصحيح إذا عدم الماء، ولكن يؤخذ جواز التيمم له من موضع آخر، والراجح أن تكون أو على بابها لوجهين؛ أحدهما أن جعلها بمعنى الواو إخراج لها عن أصلها وذلك ضعيف، والآخر إن كانت على بابها: كان فيها فائدة إباحة التيمم للحاضر الصحيح إذا عدم الماء على ما ظهر لنا فيها، وإذا كانت بمعنى الواو لم تعط هذه الفائدة، وحجة من جعلها بمعنى الواو انه لو جعلها على بابها لاقتضى المعنى الواو ولم تعط هذه الفائدة، وحجة من جعلها بمعنى الواز أنه لو جعلها على بابها لاقتضى المعنى أن المرض والسفر حدث يوجب الوضوء كالغائط لعطفه عليها.

وهذا لا يلزم، لأن العطف بأو هنا للتنويع والتفصيل.

ومعنى الآية كأنه قال: يجوز لكم التيمم إذا لم تجدوا ماء إن كنتم مرضى أو على سفر، وأحدثتم في غير مرض ولا سفر ﴿ الغآئط ﴾ أصله المكان المنخفض، وهو هنا كناية عن الحدث الخارج من المخرجين، وهو العذرة، والريح، والبول، لأن من ذهب إلى الغائط يكون منه هذه الأحداث الثلاث، وقيل: إنما هو كناية عن العذرة، وأما البول والريح، فيؤخذ وجوب الوضوء لهما من السنة، وكذلك الودي والمذي.

﴿ أَوْ لامستم النسآء ﴾ اختلف في المراد بالملامسة هنا على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنها الجماع وما دونه من التقبيل واللمس باليد وغيرها، وهو قول مالك، فعلى هذا ينتقض الوضوء باللمس الذي هو دون الجماع على تفصيل في المذهب، ويجب معه التيمم إذا عدم الماء، ويكون الجنب من أهل التيمم، والقول الثاني: أنها ما دون الجماع، فعلى هذا ينتقض الوضوء باللمس، ولا يجوز التيمم للجنب، وقد قال بذلك عمر بن الخطاب.

ويؤخذ جوازه من الحديث.

والثالث انها الجماع؛ فعلى هذا يجوز التيمم للجنب، ولا يكون ما دون الجماع ناقضاً للوضوء وهو مذهب أبي حنيفة ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً ﴾ هذا يفيد وجوب طلب الماء وهو مذهب مالك، خلافاً لأبي حنيفة فإن وجده بثمن فاختلف هل يجوز له التيمم أم لا، وإن وهب له فاختلف هل يلزم قبوله أم لا ﴿ فَتَيَمَّمُواْ ﴾ التيمم في اللغة: القصد، وفي الفقه: الطهارة بالتراب، وهو منقول من المعنى اللغوي ﴿ صَعِيداً طَيِّباً ﴾ الصعيد عند مالك هو وجه الأرض، كان تراباً أو رملاً أو حجارة فأجاز التيمم بذلك كله، وهو عند الشافعي التراب لا غير، والطيب هنا الطاهر.

واختلف في التيمم بالمعادن كالذهب وبالملح وبالتراب المنقول كالمجعول في طبق، وبالآجر، وبالجص المطبوخ، وبالجدار، وبالنبات الذي على وجه الأرض، وذلك كله على الاختلاف في معنى الصعيد ﴿ فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ﴾ لا يكون التيمم إلا في هذين العضوين، ويقدم الوجه على اليدين لظاهر الآية، وذلك على الندب عند مالك، ويستوعب الوجه بالمسح، وأما اليدان فاختلف هل يمسحهما إلى الكوعين، أو إلى المرفقين؟

ولفظ الآية محتمل، لأنه لم يحد، وقد احتج من قال إلى المرفقين بأن هذا مطلق، فيحمل على المقيّد، وهو تحديدها في الضوء بالمرفقين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تسوّى ﴾ بإدغام تاء التفعل في السين: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ تسوّى ﴾ بالإمالة وحذف التاء الأولى: حمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ تسوّى ﴾ مبنياً للمفعول من التسوية ﴿ لمستم ﴾ من اللمس وكذلك في المائدة: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون: ﴿ لامستم ﴾ من الملامسة ﴿ فتيلاً انظر ﴾ بكر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن ذكوان.

الباقون: بالضم.

وفرق بعضهم بين موضع الخفض فلم يجوز الضم كراهة الانتقال من الكسرة إلى الضمة نحو ﴿ متشابه انظروا  ﴾ و ﴿ برحمة ادخلوا  ﴾ و ﴿ خبيثة اجتثت  ﴾ و ﴿ عذاب / اركض  ﴾ وأشباه ذلك.

﴿ نضجت جلودهم ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وخلف وهشام وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ شهيداً ﴾ ط ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ حديثاً ﴾ ه ﴿ تغتسلوا ﴾ ط ﴿ وأيديكم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ط ﴿ بأعدائكم ﴾ ط ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ في الدين ﴾ ط ﴿ وأقوم ﴾ لا لاتصال لكن ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ السبت ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ج ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ يزكون أنفسهم ﴾ ط ﴿ فتيلاً ﴾ ه ﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ط ﴿ سبيلا ﴾ ه ﴿ لعنهم الله ﴾ ط ﴿ نصيراً ﴾ ه ط لأن "أم" بمعنى همزة الاستفهام للإنكار ﴿ نقيراً ﴾ ه لا للعطف ﴿ من فضله ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع تعقب الفاء ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ صدّ عنه ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ مطهرة ﴾ ز لاستئناف الفعل على أنه من تمام المقصود ﴿ ظليلاً ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما أوعد الظالمين بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة  ﴾ ووعد المطيعين بقوله: ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها  ﴾ أراد أن يبين أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله حجة على الخلق ليكون الإلزام أتم والتبكيت أعظم.

"روي أن النبي  قال لابن مسعود: اقرأ القرآن عليّ.

قال: فقلت: يا رسول الله أنت الذي علّمتنيه!

فقال: أحب أن أسمعه من غيري.

قال ابن مسعود: فافتتحت سورة النساء، فلما انتهيت إلى هذه الآية قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان" .

قال العلماء: إنه بكاء فرح لما شرفه الله  بكرامة قبول الشهادة على الخلائق.

والمعنى كيف يصنع هؤلاء الذين شاهدتهم وعرفت أحوالهم من مردة الكفرة كاليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشيهد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، وجئنا بك على هؤلاء المكذبين شهيداً؟

ثم وصف ذلك اليوم فقال: ﴿ يومئذٍ يود الذين كفروا وعصوا الرسول ﴾ قيل: هذه الجملة معترضة والمراد وقد عصوا.

والظاهر أن الواو للعطف وحينئذٍ تقتضي كون عصيان الرسول مغايراً للكفر لأنّ عطف الشيء على نفسه غير جائز.

فإما أن يخص الكفر بنوع منه وهو الكفر بالله، أو يقال: إنه عام وأفرد ذكر قسم منه إظهاراً لشرف الرسول وتفظيعاً لشأن الجحود به، أو يحمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفرة فيكون في الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.

ومعنى ﴿ لو تسوّى ﴾ لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، أو يودون أنهم لم يبعثوا أو أنهم كانوا والأرض سواء، أو تصير البهائم تراباً فيودون حالها كقوله: ﴿ ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً  ﴾ أما قوله: ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ فإما أن يتصل بما قبله والواو للعطف أي يودون لو انطبقت عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد ولا كفروا به ولا نافقوا، أو للحال والمراد أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام دون أهل الشرك قالوا تعالوا فلنجحد فيقولون: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ رجاء أن يغفر الله لهم، فحينئذٍ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، هناك يودون أنهم كانوا تراباً ولم يكتموا الله حديثاً.

وإما أن يكون كلاماً مستأنفاً فإن ما عملوه ظاهر عند الله فكيف يقدرون على كتمانه وإن قصدوه أو توهموه؟

ثم أتبع وصف اليوم كيفية الصلاة التي هي سنام الطاعات وأعظم المنجيات فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ وقد مر سبب نزوله في البقرة.

وفي لفظ الصلاة ههنا قولان: أحدهما أن المراد منه المسجد وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن وإليه يذهب الشافعي، وليس فيه إلا حذف المضاف أي لا تقربوا موضع الصلاة.

وثانيهما وعليه الأكثرون أن المراد نفس الصلاة أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى.

ومعنى الآية على القول الأولى لا تقربوا المسجد في حالتين: إحداهما حالة السكر، وذلك أن جمعاً من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد للصلاة مع الرسول  ، فنهوا عن ذلك لأن الظاهر أن الإنسان إذا أتى المسجد فإنما يأتيه للصلاة، ولا شك أن الصلاة فيها أقوال مخصوصة يمنع السكر منها.

وثانيهما حالة الجنابة، واستثنى من هذه الحالة حالة العبور أي الاجتياز في المسجد بأن كان الطريق إلى الماء فيه، أو كان الماء فيه ووقع الاحتلام فيه.

والمعنى على القول الثاني النهي عن الصلاة في حالتين: الأولى حالة السكر أيضاً إلاّ إذا علموا ما يقولون، ومعنى قربان الصلاة غشيانها والقيام إليها.

والثانية حالة الجنابه ويستثنى منها حالة عبور السبيل ويراد به في هذا القول السفر.

أي لا تقربوا الصلاة في حالة الجنابة إلاّ ومعكم حال أخرى تعذرون فهيا وهي حال السفر.

ويجوز أن يكون ﴿ إلاّ عابري سبيل ﴾ صفة لقوله: ﴿ جنباً ﴾ أي لا تقربوها جنباً غير عابري سبيل أي جنباً مقيمين.

إنما استثنى حالة المسافر لما يجيء من تفصيل فيها، وهو أن المسافر إذا أجنب ثم لم يجد الماء تيمم وصلى مع الجنابة.

ويرد عليه بعد أن الجنب المقيم أيضاً إذا عجز عن استعمال الماء لمرض أو برد يجوز له التيمم والصلاة على الجنابة، اللهم إلاّ أن يقال: إن عذر السفر أعم وأغلب فلهذا تخصص بالذكر أولاً.

وسكارى جمع سكران.

وقوله: ﴿ وأنتم سكارى ﴾ في محل النصب على الحال ولهذا عطف عليه قوله: ﴿ ولا جنباً ﴾ والجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجتناب، وخالف الضحاك جمهور الصحابة والتابعين فقال: إن السكر ههنا يراد به غلبة النوم ويوافقه الاشتقاق، فإن السكر عبارة عن سد الطريق، ومنه سكر السبيل سد / طريقه.

والسكر في الشراب هو أن ينقطع عما عليه من المضار في حال الصحو، فعند النوم تمتلىء مجاري الروح من الأبخرة الغليظة فتنسد تلك المجاري بها ولا ينفذ الروح السامع والباصر إلى ظاهر البدن.

والجواب أن لفظ السكر حقيقة في السكر من الخمر والأصل في الإطلاق الحقيقة، ومتى استعمل مجازاً فإنما استعمل مقيداً كقوله  : ﴿ وجاءت سكرة الموت  ﴾ ﴿ وترى الناس سكارى  ﴾ وأيضاً أجمع المفسرون على أنها نزلت في شرب الخمر، وسبب النزول يمتنع أن لا يكون مراداً من الآية.

ثم على قول الجمهور يمكن ادعاء النسخ في الآية بأنه إنما نهى عن قربان الصلاة حال السكر ممدوداً إلى غاية أن يصير بحيث يعلم ما يقول، والحكم الممدود إلى غاية يقتضي انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية فهذا يقتضي جواز الصلاة مع السكر إذا كان بحيث يعلم ما يقول.

وجواز الصلاة مع هذا السكر توهم جواز هذا السكر، لكنه  حرم الخمر في آية سورة المائدة على الإطلاق فتكون ناسخة لبعض مدلولات هذه الآية.

ومن قال: إن مدلول الكلام يرجع إلى النهي عن الشرب المخل بالفهم عند القرب من الصلاة، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه فلا يكون منسوخاً، يكذبه أن الصحابة لم يفهموا منها التحريم المطلق فكانوا لا يشربون في أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلاّ وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون إلى أن نزلت آية المائدة فقالوا: انتهينا يا رب.

والتحقيق فيه أن النهي عن مباح الأصل في وقت ما وبوجه ما وإن كان لا يدل على تحريمه ولا على إباحته في غير ذلك الوقت وبغير ذلك الوجه إلاّ أن جانب الإباحة راجح بحكم الأصل فيغلب على الظن ذلك كما فهمه الصحابة.

ثم إنه  ذكر حكم المعذورين في حال الحدث فخص أولاً من بينهم مرضاهم وسفرهم لأنهم المتقدمون في استحقاق بيان الرخصة لهم لكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة.

والمعنى أن المرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه فلهم أن يتمموا، وكذلك الذين هم على حالة السفر إذا عدموه لبعده.

ويحتمل أن يقال: قوله ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ ليس قيداً في حكم المرضى لأنهم في الرخصة وإن وجدوا ماء.

ثم عمم كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء لخوف سبع أو عدو أو عدم آلة استقاء أو انحصار في مكان لا ماء فيه أو غير ذلك من الأسباب التي لا تكثر كثرة المرض والسفر.

ويراد بالمرض ما يخاف معه محذور كبطء برء وشين فاحش ظاهر بقول طبيب مقبول الرواية لا أن يتألم ولا يخاف.

روي "أن بعض الصحابة أصابته جنابة وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فلم يفته بالتيمم، فاغتسل فمات.

فسمع النبي  فقال: قتلوه قتلهم الله" .

وقال مالك وداود: يجوز له التيمم بجميع أنواع المرض.

وفي معنى المرض البرد المؤدي إلى المرض لو استعمل الماء كما مر من حديث عمرو بن العاص في تفسير قوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم  ﴾ والسفر يعم الطويل والقصير أعني مسافة القصر وما دونها لإطلاق قوله: ﴿ أو على سفر ﴾ والغائط المكان المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان.

كان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطاً من الأرض يغيب فيه عن أعين الناس، فكنى به عن ذلك.

وأكثر العلماء ألحقوا بالغائط كل ما يخرج من السبيلين من معتاد أو نادر.

أما اللمس أو الملامسة ففيه قولان: أحدهما أن المراد به التقاء البشرتين بجماع أو بغيره كما هو مقتضى اللغة وهو قول ابن مسعود وابن عمرو الشعبي والنخعي وإليه ذهب الشافعي.

وثانيهما المراد به الجماع وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ومذهب أبي حنيفة والشيعة لما ورد في القرآن بطريق الكناية: ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن  ﴾ ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا  ﴾ عن ابن عباس: إنّ الله حيّ كريم يعف ويكني، فعبر عن المباشرة بالملامسة.

وأيضاً لتشمل الآية الحدثين الأصغر والأكبر.

ثم على مذهب الشافعي قال بعض أهل الظاهر: إنما ينتقض وضوء اللامس دون الملموس لقوله: ﴿ أو لمستم ﴾ والصحيح أنه ينتقض وضوءهما معاً لاشتراك اللامس والملموس في ابتغاء اللذة.

قوله: ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ قال الشافعي: إذا دخل وقت الصلاة فطلب الماء ولم يجده فتيمم وصلى ثم دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى، لأن عدم الوجدان مشعر بسبق الطلب فلا بد في كل مرة من سبق الطلب.

وقال أبو حنيفة: لا يجب بدليل قوله: ﴿ ولم نجد له عزماً  ﴾ وسبق الطلب في حقه  محال.

وأجيب بأنه بنى الكلام على المجاز للمبالغة كأنه طلب شيئاً ثم لم يجد.

وأجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه احتاج إليه لعطشه أو لعطش حيوان محترم معه جاز له التيمم، ولو وجد من الماء ما لا يكفيه فالأصح عند الأئمة أنه يستعمله أو يصبه ثم يتيمم ليكون عاملاً بظاهر الآية.

والتيمم في اللغة القصد.

والصعيد التراب، "فعيل" بمعنى "فاعل".

وقال ثعلب والزجاج: إنه وجه الأرض تراباً كان أو غيره.

ومن هنا قال أبو حنيفة: إذا كان صخر لا تراب عليه وضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافياً.

وقال الشافعي: لا بد من تراب لتحقق مفهوم التصاعد فيه وليلتصق بيده فيمكنه المسح ببعضه كما جاء في المائدة ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه  ﴾ ولا يفهم من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن إلاّ معنى التبعيض، ولأن الصعيد وصف بالطيب والطيب هو الذي يحتمل الإثبات لقوله: ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه  ﴾ ولأنه  خصص التراب بهذا المعنى فقال: " "جعلت لي / الأرض مسجداً وترابها طهوراً " أما مسح الوجه واليد فعن علي وابن عباس: اختصاص المسح بالجبهة وظاهر الكفين وقريب منه مذهب مالك لأن المسح مكتفى فيه بأقل ما يطلق عليه اسم المسح.

وقال الشافعي وأبو حنيفة: يستوعب الوجه واليدين إلى المرفقين كما في الوضوء.

وعن الزهري إلى الآباط، لأن اليد حقيقة لهذا العضو إلى الإبط، ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنّ الله كان عفواً غفوراً ﴾ وهو كناية عن الترخيص والتيسير لأن من كان عادته العفو عن المذنبين كان أولى بالترخيص للعاجزين.

عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله  في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله  على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء: فجاء أبو بكر ورسول الله  واضع رأسه على فخذي قد نام فقال: حبست رسول الله  والناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟

قالت: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، فجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله  على فخذي.

فنام رسول الله  حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فتيمموا.

فقال أسيد بن الحضير وهو أحد النقباء: ما هو بأول بركتكم يا آل أبي بكر.

قالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته" .

ثم إنه  لما ذكر من أول السورة إلى ههنا أحكاماً كثيرة عدل إلى ذكر طرف من آثار المتقدمين وأحوالهم، لأنّ الانتقال من أسلوب إلى أسلوب مما يزيد السامع هزة وجدة فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ أي ألم ينته علمك؟

أو ألم تنظر إلى من أتوا حظاً من علم التوراة وهم أحبار اليهود؟

وإنما أدخل "من" التبعيضية لأنهم عرفوا من التوراة نبوة موسى ولم يعرفوا منها نبوة محمد  .

فأما الذين أسلموا منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه فقد وصفهم بأن معهم علم الكتاب في قوله: ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب  ﴾ لأنهم عرفوا الأمرين جميعاً ﴿ يشترون الضلالة ﴾ يختارونها لأن من اشترى شيئاً فقد آثره واختاره قاله الزجاج.

والمراد تكذيبهم الرسول  لأغراضهم الفاسدة من أخذ الرشا وحب الرياسة.

وقيل: المراد يستبدلون الضلالة - وهو البقاء على اليهودية - بالهدى - وهو الإسلام - بعد وضوح الآيات لهم على صحته.

﴿ ويريدون أن تضلوا ﴾ أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه، ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين، الضلال والإضلال.

عن ابن عباس "أن الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود كانا يأتيان رأس / المنافقين عبد الله بن أبي ورهطه فيثبطانهم عن الإسلام" .

وقيل: المراد عوام اليهود كانوا يعطون أحبارهم بعض أموالهم لينصروا اليهودية فكأنهم اشتروا بمالهم الشبهة والضلالة ﴿ والله أعلم ﴾ منكم ﴿ بأعدائكم ﴾ لأنه عالم بكنه ما في صدورهم من الحنق والغيظ، فإذا أطلعكم على أحوالهم فلا تستنصحوهم في أموركم واحذروهم ﴿ وكفى بالله ولياً ﴾ متولياً لأمور العبد ﴿ وكفى بالله نصيراً ﴾ فثقوا بولايته ونصرته دونهم.

وكرر "كفى" ليكون أشد تأثيراً في القلب وأكثر مبالغة، وزيدت الباء في الفاعل إيذاناً بأن الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره فكان الباء للسببية.

وقال ابن السراج: التقدير كفى اكتفاؤك بالله.

وقيل: فائدة الباء وهي للإلصاق أن يعلم أن هذه الكفاية صدرت من الله  بغير واسطة.

وقوله: ﴿ من الذين هادوا ﴾ إما بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب وقوله: ﴿ والله أعلم ﴾ إلى آخر الآية معترض بن البيان والمبين، وإما بيان لأعدائكم والجملتان بينهما معترضتان، وإما صلة ﴿ نصيراً ﴾ كقوله: ﴿ ونصرناه من القوم الذين كذبوا  ﴾ وإما كلام مستأنف على أن ﴿ يحرفون ﴾ صفة مبتدأ محذوف تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم عن مواضعه.

قال الواحدي: الكلم جمع حروفه أقل من حروف واحده، وكل جمع يكون كذلك فإنه يجوز تذكيره.

ومعنى هذا التحريف استبدال لفظ مكان لفظ كوضعهم "آدم طوالاً" مكان "أسمر ربعة" وجعلهم الحد بدل الرجم.

واختير "عن" للدلالة على الإمالة والإزالة.

وأما في المائدة فقيل: ﴿ من بعد مواضعه  ﴾ نظراً إلى أن الكلم كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له.

وقيل: المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة كما يفعله في زماننا أهل البدعة.

وجعل بعض العلماء هذا القول أصح لاستبعاد تحريف المشهور المتواتر، لكن دعوى التواتر بشروطه في التوراة ممنوعة.

وقيل: كانوا يدخلون على النبي  فيسألونه عن أمر فيخبرهم به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه.

ومن جملة جهالاتهم أنه  كان إذا أمرهم بشيء قالوا في الظاهر سمعنا وفي الباطن عصينا، أو كانوا يقولون كلا اللفظين ظاهراً إظهاراً للعناد والمرود والكفر والجحود، ومنها قولهم للنبي  ﴿ اسمع غير مسمع ﴾ وهو كلام ذو وجهين: أما احتماله المدح فلقول العرب: أسمع فلان فلاناً إذا سبه وإذا كان المراد: اسمع غير مسمع مكروهاً كان مدحاً وتوقيراً ونصحاً.

وأما احتمال الذم فبأن يكون معناه اسمع منا مدعواً عليك بلا سمعت، لان من كان أصم فإنه لا يسمع فلا يسمع، أو بأن يراد اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه أي غير مسمع جواباً يوافقك، أو بأن يراد اسمع غير مسمع كلاماً ما ترتضيه، وعلى هذا يجوز أن يكون ﴿ غير / مسمع ﴾ مفعول ﴿ اسمع ﴾ لا حالاً من ضميره أي اسمع كلاماً غير مسمع إياك لنبوّ سمعك عنه.

ومنها قولهم له  ﴿ راعنا ﴾ وقد عرفت احتمالاته في البقرة.

وإنما جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد تصريحهم بالعصيان على وجه لأن المواجهة بالعصيان أهونخطباً في العرف من المواجهة بالسب ودعاء السوء ولهذا كانت الكفرة يواجهونه بالأول دون الثاني ﴿ ليا بألسنتهم ﴾ مفعول لأجله، أو مصدر لمحذوف، أو لـ ﴿ يقولون ﴾ لأنه في معنى اللي أيضاً وعينه "واو" بدليل لويت فقلبت وأدغمت، والمعنى: يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون ﴿ راعنا ﴾ موضع ﴿ انظرنا ﴾ و ﴿ غير مسمع ﴾ موضع لا سمعت مكروهاً، أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً، أو لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام سخرية وطعناً على عادة المستهزئين، فبين الله  أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء طعناً في الدين ونبه بذلك على ما كانوا يقولونه فيما بينهم إنا نشتمه ولا يعرفه ولو كان نبياً لعرف بإظهار ذلك عليه فانقلب ما جعلوه طعناً في الدين دلالة قاطعة على صحته لأن الإخبار عن الغيب معجز.

﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ﴾ بدل قولهم: ﴿ سمعنا وعصينا ﴾ إذ وضح لهم الآيات وثبت لهم البينات كرات بعد مرات و ﴿ اسمع ﴾ دون أن يقال معه ﴿ غير مسمع ﴾ ﴿ وانظرنا ﴾ مكان ﴿ راعنا ﴾ ﴿ لكان ﴾ قولهم ذلك ﴿ خيراً لهم وأقوم ﴾ أعدل لا أشد من قولهم: "رمح قويم" أي مستقيم ﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم ﴾ أي بسببه ﴿ فلا يؤمنون إلاّ ﴾ إيماناً ﴿ قليلاً ﴾ وهو إيمانهم بالله وبالتوراة وببعض الأنبياء دون سائر رسله.

أو إلاّ قليلاً منهم آمنوا لأن "فعيلاً" قد يراد به الجمع كقوله: ﴿ وحسن أولئك رفيقاً  ﴾ أو أراد بالقلة العدم.

ثم زجرهم عن كفر الجحود والعناد بقوله: ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ الآية.

والطمس المحو.

يقال: طريق طامس ومطموس، ومفازة طامسة الأعلام، وطمست الكتاب محوته.

وهو في الآية حقيقة أو مجاز قولان.

والمعنى على الأول محو تخطيط صورها وأشكالها من عين وحاجب وأنف وفم.

والفاء في ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ إما للتسبيب أي فنجعل الوجوه بسبب هذا الطمس على هيئة أقفائها مطموسة مثلها، لأن الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من الحواس والتخاطيط، فإذا أزيلت ومحيت لم يبق فرق بينها وبين القفا.

وإما للتعقيب على أن العقوبة شيئان: إحداهما عقيب الأخرى الطمس، ثم نكس الوجه إلى خلق والأقفاء إلى قدام.

وإنما يكون هذا عقوبة لما فيه من تشويه الخلقة والمثلة والفضيحة كما قال في حق أهل النار ﴿ وأما من أوتي كتابه وراء ظهره  ﴾ على أن وجوههم مردودة إلى أقفائهم فتدرك الكتابة وتقرأ من هناك.

وأما المعنى على القول / الثاني فعن الحسن: نطمسها عن الهدى ونردها بالخذلان على أدبارها أي على ضلالاتها وشبهاتها.

وذلك أن المتوجه إلى عالم الحس معرض عن عالم العقل، وبقدر الإقبال على ذاك يحصل الإدبار عن هذا.

وقال عبد الرحمن بن زيد: نردهم إلى حيث جاؤوا منه وهي أذرعات الشام.

يريد إجلاء بني قريظة والنضير.

والطمس على هذا إما تقبيح الوجوه وإما إزالة آثارهم عن ديار العرب.

وقيل: الطمس القلب والتغيير.

والمراد بالوجوه رؤساؤهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وأدبارهم.

والضمير في قوله: ﴿ أو نلعنهم ﴾ إما للوجوه إن أريد بها الوجهاء، وإما لإصحاب الوجوه لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم، أو يرجع إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات.

فإن قيل: فأين وقوع الوعيد؟

فالجواب أنه مشروط بعدم إيمان جميعهم ولكنه قد آمن ناس من علمائهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.

حكي أنه لما نزلت هذه الآية أتى عبد الله بن سلام رسول الله  قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال: يا رسول الله، ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي.

وأيضاً إنه ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه بل إياه أو اللعن.

فإن كان الطمس تبديل أحوال رؤسائهم أو إجلاءهم إلى الشام فقد كان أحد الأمرين، وإن كان غيره فقد حصل اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان.

واللعن الموعود ظاهره اللعن المتعارف لا المسخ.

وقيل: هو منتظر ولهذا قيل: ﴿ وجوهاً ﴾ منكرة دون "وجوهكم" ليشمل وجوهاً غير المخاطبين من أبناء جنسهم، ولا بد من مسخ وطمس لليهود قبل يوم القيامة.

وقيل: إنّ قوله: ﴿ آمنوا ﴾ تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم فلزم أن يكون قوله: ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ واقعاً في الآخرة.

فالتقدير: آمنوا من قبل أن يجيء الوقت الذي نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ لأنه لا راد لحكمه ولا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله، وهذا كما يقال في الشيء الذي لا يشك في حصوله هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد، فإذا حكم بإنزال العذاب على قوم فعل ذلك ألبتة.

والمراد بالأمر الشأن والفعل الذي تعلق إرادته به لا الأمر الذي هو أحد أقسام الكلام، فلا يصح استدلال الجبائي بالآية على أن كلامه  مفعول أي مخلوق.

ثم بين أن مثل هذا التهديد من خواص الشرك والكفر فقال: ﴿ إن الله لا يغفر ﴾ الآية.

وفي الآية دلالة على أن اليهودي يسمى مشركاً في عرف الشرع لاتصالها بقصتهم، ولأنها دلت على أن ما سوى الشرك مغفور واليهودية غير مغفورة بالإجماع.

ومن هنا قال الشافعي: المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك، والمشرك المباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله، ولا يتوجه النهي عن قتله ترك العمل بهذا الدليل في النهي فيبقى / معمولاً به في سقوط القصاص عن قاتله.

واستدلت الأشاعرة بالآية على غفران صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن ما دون الشرك يشمله.

والمعتزلة خصصوا الثاني بمن تاب كما أن الأول مخصص بالإجماع بمن لم يتب.

قالوا: ونظيره قولك: "إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء".

المعنى لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله.

والمشيئة تكون قصداً في الفعلين: المنفي والمثبت جميعاً، لأنه إن شاء لم يتب المشرك فلا يترتب عليه الغفران، وإن شاء تاب صاحب الكبيرة فيستوجب الغفران.

وروى الواحدي في البسيط بإسناده عن ابن عمر قال: "كنا على عهد رسول الله  إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادة" .

وقال ابن عباس بمحضر عمر: إني لأرجو كما لا ينفع مع الشرك عمل كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب فسكت عمر.

وعن ابن عباس: "لما قتل وحشي حمزة يوم أحد وكانوا قد وعدوه الإعتاق إن هو فعل ذلك.

ثم إنهم ما وفوا بذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبي  ندمهم، وأنه لا يمنعهم من الدخول في الإسلام إلاّ قوله  : ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر  ﴾ فقالوا: قد ارتكبنا كل ما في الآية فنزل قوله: ﴿ إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً  ﴾ فقالوا: هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به فنزل ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته فنزل ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم  ﴾ فدخلوا عند ذلك في الإسلام" ﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى ﴾ اختلق وافتعل ﴿ إثماً عظيماً ﴾ لأنه ادعى ما لا يصح كونه.

عن ابن عباس في رواية الكلبي "أن قوماً من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي  فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء ذنب؟

فقال: لا.

فقالوا: والله ما نحن إلاّ كهيئتهم.

ما عملنا بالليل يكفر عنا بالنهار، وما عملنا بالنهار يكفر عنا بالليل" .

وكانوا يقولون: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ ﴿ لن يزكون أنفسهم ﴾ ويدخل فيه كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل أو قبول الطاعة والزلفى عند الله ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ وإن تزكيته هي التي يعتد بها كما أخبر عنه رسول الله  بقوله: " "والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض" وكفى بإظهار المعجزات على يده تزكية له وتصديقاً لقوله: ﴿ ولا يظلمون فتيلاً ﴾ هو ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ "فعيل" بمعنى "مفعول" ابن السكيت: هو ما كان في شق النواة.

والضمير للذين يزكون أن يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم، أو لمن يشاء أي يثابون على زكاتهم من غير نقص شيء من ثوابهم.

ثم عجب النبي  من فريتهم وادعاء زكاتهم ومكانتهم عند الله فقال: ﴿ انظر كيف / يفترون على الله الكذب وكفى به ﴾ أي بزعمهم هذا ﴿ إثماً مبيناً ﴾ من بين سائر آثامهم.

قال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف وحيي بن الأخطب في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله  ، ونقضوا العهد الذي بينه وبين رسول الله  .

فنزل كعب على أبي سفيان والآخرون في دور قريش.

فقال لهم أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد  صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم.

فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما فذلك قوله: ﴿ يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد  ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق، أنحن أم محمد  ؟

فقال كعب: اعرضوا علي دينكم.

فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقهم الماء ونقري الضعيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد  الحديث.

فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً مما هو عليه فأنزل الله  : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ يعني كعباً وأصحابه.

فلما رجعا إلى قومهما قال لهما قومهما: إن محمداً يزعم أنه قد نزل فيكما كذا وكذا.

قالا: صدق والله ما حملنا على ذلك إلا بغضه وحسده.

وقد مر معنى الطاغوت في تفسير آية الكرسي.

وأما الجبت ففي الصحاح أنه كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك وليس من محض العربية لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذولقي.

وحكى القفال عن بعضهم أن أصله جبس فأبدلت السين تاء والجبس هو الخبيث الرديء.

وقال الكلبي: الجبت في الآية هو حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف, وكانت اليهود يرجعون إليهما فسميا بهذين الاسمين لسعيهما في إغواء الناس وإضلالهم فلا جرم جزاهم الله بقوله: ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ وبالحري إذ جعلوا من هو أضل من النعام وأقل من الأنعام حيث رضوا بمعبودية الأصنام أهدى سبيلاً وأفضل حالاً من الذين هم أشرف الأنام باختيارهم دين الإسلام الذي هو عبادة ذي الجلال والإكرام ﴿ ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً ﴾ وعيد لهم بلزوم الإبعاد والطرد ولصوق العار والصغار، ووعد لنبيه والمؤمنين بالاستيلاء والاستعلاء عليهم إلى يوم القيامة.

والخطاب في ﴿ فلن تجد ﴾ للنبي أو لكل طالب يفرض: ثم لما وصفهم بالضلال والإضلال وصفهم بالبخل والحسد اللذين هما شر الخصال، لأن البخيل يمنع ما أوتي من النعمة، والحاسد يتمنى أن يزول عن الغير ما أوتي من الفضيلة.

و "أم" / قيل: إنها متصلة وقد سبقها استفهام في المعنى كأنه لما حكى قولهم للمشركين أنهم أهدى سبيلاً من المؤمنين قال: أمن ذلك يتعجب أم من قولهم لهم نصيب من الملك مع أنهم لو كان لهم ملك لبخلوا بأقل القليل؟

وقيل: الميم زائدة والتقدير ألهم نصيب؟

والأصح أنها منقطعة كأنه لما تم الكلام الأول قال: بل ألهم نصيب من الملك؟

ومعنى الآية أنهم كانوا يزعمون أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان ويخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودينهم فكذبهم الله.

وقيل: المراد بالملك التمليك يعني أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك إليهم، ولو كان التمليك إليهم لبخلوا بالنقير والقطمير فكيف يقدرون على النفي والإثبات؟

وقال أبو بكر الأصم: كانوا أصحاب بساتين وأموال وكانوا في عزة ومنعة كما تكون أحوال الملوك، ثم كانوا يبخلون على الفقراء بأقل القليل فنزلت الآية فيهم.

وعلى هذا فإنما يتوجه الإنكار على أنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئاً.

وعلى الأقوال المتقدمة يتوجه الإنكار على أن لهم نصيباً من الملك فكأنه  جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم فإن البخل والملك لا يجتمعان كما قيل: بالبر يستعبد الحر والإنسان عبد الإحسان.

البخيل تنفر الطباع عن الانقياد له فلا يتيسر له أسباب المملكة، وإن اجتمعت بالندرة فسوف تضمحل.

وإنما لم يعمل "إذن" لدخول الفاء عليه.

وذلك أن ما بعد العاطف من تمام ما قبله بسبب ربط العاطف بعض الكلام ببعض فينخرم تصدره فكأنه معتمد فترجح إلغاؤه وارتفاع الفعل بعده.

وجاء في قراءة ابن مسعود ﴿ فإذن لا يؤتوا ﴾ بالأعمال وليس بقوي.

والنقير نقرة في ظهر النواة "فعيل" بمعنى "مفعول" ومنها "نبتت النخلة" وهو مثل في القلة كالفتيل.

فإن قيل: كيف يعقل أنهم لا يبذلون نقيراً وكثيراً ما يشاهد منهم بذل الأموال؟

قلنا: المدعى عدم إيتاء النقير على تقدير حصول الملك ويراد به الملك الظاهر كما لملوك الدنيا، أو الباطن كما للعلماء الربانيين، أو كلاهما كما للأنبياء.

وحصول شيء من هذه الأقسام لهم ممنوع لما ضربت عليهم الذلة والمسكنة.

ولئن فرض حصول شيء منها فما يدريك لعل الشح يغلب عليهم حتى لا يشاهد منهم بذل نقير كما أخبر عنهم علام الغيوب.

وأما على تفسير الأصم فلعل المراد لأنهم لا يبذلون شيئاً نسبته إلى ما يملكونه كنسبة النقير إلى النواة، أو أنهم لا يطيبون بذلك نفساً لغلبة الشح عليهم والله  أعلم بمراده.

هذا بيان بخلهم، أما بيان حسدهم فذلك قوله: ﴿ أم يحسدون ﴾ وهي منقطعة والتقدير: بل أيحسدون الناس يعني النبي والمؤمنين.

فإن كان اللام للعهد فظاهر وإن كان للجنس فلأنهم هم الناس والباقون هم النسناس.

ومعنى الهمزة إنكار الحسد واستقباحه.

/ والمراد بالفضل ما آتاهم الله من أشرف المناصب وهو النبوة والخاتمية وما كان ينضم إليها كل يوم من النضرة والعزة والاستيلاء والاستعلاء، والفاضل محسود بكل أوان، والحاسد مذموم بكل لسان.

ثم نبّه على ما يزيل التعجب من شأن محمد صلى الله عليه وفقال: ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم ﴾ الذين هم أسلاف محمد ﴿ الكتاب ﴾ الذي هو بيان الشرائع ﴿ والحكمة ﴾ التي هي الوقوف على الأسرار والحقائق والعمل بما يتضمن صلاح الدارين ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ عن ابن عباس: الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان، فليس ببدع أن يؤتى إنسان ما أوتي أسلافه.

وقيل: من جملة حسدهم أنهم استكثروا نساء النبي  فقيل لهم: كيف أستكثرتم له التسع وكان لداود مائة ولسليمان ثلثمائة مهيرة وسبعمائة سرية؟

﴿ فمنهم ﴾ أي من اليهود ﴿ من آمن به ﴾ أي بما ذكر من حديث آل إبراهيم ﴿ ومنهم من صد عنه ﴾ وأنكره مع علمه بصحته، أو من اليهود من آمن برسول الله  ومنهم من أنكر نبوته، أو من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من كفر.

والمعنى أن أولئك الأنبياء جرت عادة أممهم فيهم أن بعضهم آمن بهم وبعضهم بقوا على كفرهم، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء والغرض تثبيت النبي  وتسليته ﴿ وكفى بجهنم ﴾ لعذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين ﴿ سعيراً ﴾ .

ثم أكد وعيد الكفار بقوله: ﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾ ويدخل فيها كل ما يدل على ذات الله  وصفاته وأفعاله وأسمائه وملائكته والكتب والرسل.

وكفرهم بها أن ينكروا كونها آيات أو يغفلوا عنها ولا ينظروا فيها، أو يلقوا الشكوك والشبهات فيها، أو ينكروها مع العلم بها عناداً وحسداً وبغياً ولدداً.

وههنا سؤال وهو أنه  قادر على إبقائهم في النار أحياء معذبين من غير أن تحترق جلودهم، فما الحكمة في إنضاج جلودهم؟

والجواب لا يسأل عما يفعل كما أنه قادر على إيصال الآلام إليهم من غير إدخالهم النار مع أنه لا يمكن أن يقال لم عذبهم بإدخالهم النار.

وسؤال آخر وهو أنه كيف يعذب مكان الجلود العاصية جلوداً لم تعص؟

والجواب يجعل النضيج غير نضيج، فالذات واحدة والمتبدل هو الصفة ويؤيده قول أهل اللغة: تبديل الشيء تغييره وإن لم يأت ببدله، وأبدلت الشيء غيرته، فالتبديل تغيير الصفة أو الذات.

والإبدال تغيير الذات.

وصاحب الكشاف جزم بأن المراد من هذا التبديل هو تغيير الذات فلهذا فسر التبديل بالإبدال، ولعله إنما حمله على ذلك وصف الجلود بقوله: ﴿ غيرها ﴾ ولقائل أن يقول: المغايرة أعم من أن تكون في الذات أو في الصفات، فما أدراك أنها في الآية مغايرة الذات لا الصفات اللهم إلا أن يعضده نقل صحيح فيكون الجواب.

عن السؤال أن المعذب هو الإنسان، والجلد ليس جزءاً من ماهيته / وإنما هو سبب لوصول العذاب إليه.

أو يقال: المراد الدوام وعدم الانقطاع، ولا نضج ولا احتراق أي كلما ظنوا أنهم احترقوا وأشرفوا على الهلاك أعطيناهم قوة جديدة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا.

وقال السدي: يخرج من لحم الكافر جلد آخر وفي هذا التأويل بعد لأن لحمه متناه فعند نفاده لا بد من طريق آخر في تبديل الجلد فيعود أول السؤال.

وقيل: المراد بالجلود السرابيل ﴿ سرابيلهم من قطران  ﴾ وضعف بأنه ترك للظاهر وأن السرابيل لا توصف بالنضج ﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز: أعزك الله أي أدامك على عزك وزادك فيه، أو ليذوقوا بهذه الحالة الجديدة العذاب.

والمراد بالذوق أن إحساسهم بذلك العذاب في كل حال يكون كإحساس الذائق بالمذوق ﴿ إنّ الله كان عزيزاً ﴾ لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين ﴿ حكيماً ﴾ لا يفعل إلاّ الصواب ثم قرن الوعد بالوعيد على عادته فقال: ﴿ والذين آمنوا ﴾ الآية.

قال الواحدي: الظليل ليس بمبني على الفعيل حتى يقال إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل مشتق من لفظه كقولهم: "ليل أليل".

قيل: إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرهافما فائدة وصفها بالظل؟

وأيضاً المواضع التي لا يصل نور الشمس إليها في الدنيا يكون هواؤها عفناً فاسداً فما معنى وصف هواء الجنة بذلك؟

والجواب المنع من أنه لا شمسهنالك حتى يوجد ضوء ثان هو الظل، والمراد بالظل الظليل ما كان فيناناً، أي منبسطأً لا جوب فيه أي لا فرج لالتفاف الأغصان، ودائماً لا تنسخه الشمس، وسجساجاً لا حر فيه ولا برد.

وعند الحكماء: المراد بالظل الراحة لأنه من أسبابها ولا سيما في البلاد الحارة كبلاد العرب.

فلما كان هذا مطلوباً عندهم صار موعوداً لهم.

التأويل: ﴿ لو تسوّى بهم الأرض ﴾ أي يتمنون أن يخلوا في عالم الطبيعة ولم ينكشف لهم عالم الحقيقة كيلا يروا ما يرون من عذاب القطيعة، كما أن السكران ممنوع من الصلاة.

فسكران الغفلة والهوى محجوب عن المواصلات ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ من غلبات الأحوال فإن التكاليف حينئذ زائلة ﴿ ولا جنباً ﴾ بالالتفات إلى غير الله فإن الصلاة إذ ذاك باطلة.

وتستثنى من الحالة الأولى حالة الشعور، ومن الثانية حالة العبور " كن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل" فهذا القدر من الالتفات من المحظورات التي أباحها الضرورات.

﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ بحب الدنيا ﴿ أو على سفر ﴾ في متابعة الهوى ﴿ أو جاء / أحد منكم الغائط ﴾ في قضاء شهوة من الشهوات ﴿ أو لامستم ﴾ عجوز الدنيا في تحصيل لذة من اللذات ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ التوبة والاستغفار ﴿ فتيمموا ﴾ فتمعكوا في تراب أقدام الكرام فإنه طهور الذنوب العظام.

﴿ من الذين هادوا ﴾ يعني دأب علماء السوء قريب من دأب الذين هادوا ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ يؤولونها على حسب إرادتهم ﴿ ويقولون سمعنا ﴾ ما في القرآن، بالمقال ﴿ وعصينا ﴾ بالفعال وينكرون على أرباب المقامات والأحوال ويقولون اسمع ﴿ غير مسمع وراعنا ﴾ يخاطبونهم بكلام ذي وجهين ﴿ ليا بألسنتهم وطعناً ﴾ في أهل الدين.

﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ ظاهراً ولم يؤتوا علم باطن الكتاب ﴿ آمنوا بما نزلنا ﴾ على الأولياء من علم باطن القرآن ﴿ مصدقاً لمامعكم ﴾ من العلم الظاهر لأن أهل العلم اللدني يصدقون أهل العلم الظاهر، ولكن أهل العلم الظاهر يصعب عليهم تصديق علوم الأولياء لأنه لا يناسب عقولهم ﴿ من قبل أن نطمس ﴾ وجوه القلوب بالعمى والصمم ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ ناظرين إلى الدنيا وزخارفها بعد أن كانوا ناظرين في الميثاق إلى يومها ﴿ أو نلعنهم ﴾ نمسخ صفاتهم الإنسانية بالسبعية والشيطانية كما مسخنا أصحاب السبت بالصورة، ومسخ المعنى أصعب من مسخ الصورة لأن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ للشرك ثلاث مراتب وكذا للمغفرة.

فشرك جلي بالأعيان وهو للعوام من عبدة الكواكب والأصنام فلا يغفر إلا بالتوحيد وهو إظهار العبودية في إثبات الربوبية مصدقاً بالسر والعلانية.

وشرك خفي بالأوصاف للخواص وهو شوب العبودية بالالتفات إلى غير الربوبية، فلا يغفر إلاّ بالوحدانية وهو إفراد الواحد للواحد.

وشرك أخفى للأخص وهو رؤية الأغيار والأنانية فلا يغفر إلا بالوحدة وهو فناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية.

﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ﴾ من أهل العلوم الظاهرة تعلموا العلم ليباهوا به العلماء أو ليماروا به السفهاء فحصل له صفات ذميمة أخرى مثل المباهاة والمماراة والكبر والعجب والحسد والرياء وحب الجاه والرياسة وغلبة الأقران والأنداد ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ بتسليم نفوسهم إلى ارباب التزكية من العلماء الراسخين والمشايخ المحققين كما يسلم الجلد إلى الدباغ ليجعله أديماً، فإذا سلموا أنفسهم إليهم وصبروا على تصرفاتهم رأوا أثر الزكاة فيهم ولن يضيع سعيهم ﴿ يؤمنون بالجبت ﴾ بجبت النفس الأمّارة وطاغوت الهوى ﴿ ويقولون للذين كفروا ﴾ من أهل الأهواء والمبتدعة والمتفلسفة ﴿ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا ﴾ بكل ما أمر الله به ورسوله.

ثم وصفهم بالبخل والحسد ثم قال: ﴿ فقد آتينا آلإبراهيم ﴾ يعني أهل الخلة والمحبة ﴿ الكتاب والحكمة ﴾ العلم الظاهر والعلم الباطن ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ هو معرفة الله  ﴿ فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه ﴾ لأن من / العلماء مقبلين ومنهم مدبرين ﴿ وكفى بجهنم ﴾ نفسهم الحاسدة ﴿ سعيراً ﴾ تحرق حسناتهم فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.

﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾ بأوليائنا الذين هم مظاهر آيات الحق وحجج الله على الخلق ﴿ سوف نصليهم ﴾ نار الحسد والغضب والكبر والعجب ﴿ كلما نضجت جلودهم ﴾ أي انقطعت بعض أماني نفوسهم الأمّارة ومقتضيات هواها.

ولا يخفى حسن استعارة الجلود لآثار الشيء من حيث الظهور والاشتمال ﴿ بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ فإن دواعي الحرص والغضب والشهوة لا تتناهى ألبتة ما دامت النفس على صفة الأمرية، فلن تزال أسيرة في يد الشهوات ذائقة لعذاب التغلقات ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم ﴾ أي نجذبهم بجذبات العناية إلى ﴿ جنات ﴾ من الوصلة ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ من ماء الحكمة ولبن الفطرة وخمر الشهود وعسل الكشوف ﴿ لهم فيها أزواج ﴾ من تجلي صفات الجمال والجلال ﴿ مطهرة ﴾ من لوث الوهم والخيال ﴿ وندخلهم ظلاً ظليلاً ﴾ هو ظل شمس عالم الوجود يوم لا ظل إلاّ ظله.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ ﴾ .

[اختلف في قوله: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ ﴾ ] قيل: لا تدنوا مكان الصلاة وأنتم سكارى، وكذلك الجنب لا يدنو مكان الصلاة؛ وهو قول ابن مسعود،  .

وقيل: قوله: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ ﴾ نهي عن الصلاة في حال السكر؛ روي أن رجلاً صنع طعاماً فدعا أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليّاً، وسعد بن أبي وقاص، فأكلوا، وسقاهم خمراً، وذلك قبل أن تحرم؛ فحضرت صلاة المغرب، فأمهم رجل منهم فقرأ: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ  ﴾ بطرح اللاءات؛ فنزل قوله -  -: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ ﴾ .

وروي عن النبي  قال: "لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ لاَ يَعْقِلُ صَلاَتَهُ" وفي الآية دلالة: أن في الصلاة قولا فرضاً، نهي عن قربانها في حال السكر؛ مخافة تركه، أو نهي عن قربانها في حال السكر؛ خوفاً أن يدخل فيها قولا ليس منها؛ وفي ذلك دليل فساد الصلاة بالكلام عمداً كان أو خطأ؛ لأن السكران لا يفعل ذلك على العمد، ولكن على الخطأ، والأصل في هذا: أنه لم ينهه عن فعل الصلاة في حال السكر لنفس الصلاة، ولكن فيه نهي عن السكر، وكذلك قوله  : "لاَ صَلاَةَ للْعَبْدِ الآبِقِ، وَلاَ لِلْمَرْأَةِ النَّاشِزَةِ" ليس النهي فيه عن الصلاة، ولكن النهي عن الإباق والنشوز نفسه، وهكذا كل عبادة نهي عنها بأسباب تتقدم، فالنهي إنما يكون عن تلك الأسباب، لا عن العبادة التي أمر بها؛ لأن الإباق والنشوز والسكر ليسوا بالذي يعملون في إسقاط ذلك الفرض وتلك العبادة.

وفي الآية دلالة أن السكران مخاطب بقوله: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ ﴾ نهي عن قربان الصلاة في حال السكر، فالنهي إنما وقع في حال السكر، فإذا كان مخاطباً عمل طلاقه ونفذت عقوده؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ  ﴾ فلو لم يكن عليهم ذكر في حال السكر لم يكن ليصدهم عن ذكر الله معنى ولا ذكر عليهم، دل أنه مخاطب، ولهذا ما قال أبو يوسف - رحمه الله -: إنه إذا ارتد عن الإسلام يكن ارتداده ارتداداً؛ [و] لما نفذ طلاقه وسائر عقوده وفسوخه، فعلى ذلك الارتداد.

وعلى قول أبي حنيفة - رحمه الله - لا يصير مرتدّاً؛ استحساناً، ليس كسائر العقود والفسوخ؛ لأن سائر العقود يتعلق جوازها باللسان، وإن كان رضا القلب شرطاً فيها، وأما الإيمان والكفر فإنما يكون بالقلب، وإن كانت العبادة باللسان تكون شرطاً فيما بين الخلق، فإذا كان كذلك فإذا سكر يُذْهِبُ السكرُ القلبَ؛ فجعل كأنه لم ينطق به، وإما كان سائر العقود تعلقها باللسان، فإذا نطق به جاز، والله أعلم.

[ثم] اختلف في قوله -  -: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ...

﴾ .

منهم من حمل على مكان الصلاة؛ إذ الصلاة فعل، والفعل لا يقرب.

ومنهم من حمل على الفعل؛ أي: لا تصلوا.

وأي الوجهين أريد به فالآخر داخل فيه؛ لأنه إذا نهي عن حضور مكانها لحرمته فهي أعلى في الحرمة، وأحق في المنع؛ وأيد ذلك قوله -  وتعالى -: ﴿ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾ والعلم بالقول يحتاج إليه في حق الفعل؛ لئلا يترك المفروض من الذكر فيفسد، أو يدخل المحرم فيه فيفسد، وفي ذلك دلالة أحد الوجهين، وفي حق العموم الوجهان جميعاً، وهو على الخطأ يقول؛ فثبت أن الخطأ من القول في الصلاة مفسداً؛ إذ لو كان لا يفسد لم يكن سوى النهي، وفي التأخير نهي أيضاً، والله أعلم.

ولو أريد به الصلاة فإنما المكان لأجلها، فلا وجه للحضور دون إمكان الفعل للفعل، والله أعلم.

وعلى ذلك أمر الجنب، واستثناء عابري السبيل؛ ليكون على فعل الصلاة بالتيمم؛ فيكون في الآية دلالة التيمم للجنب، أو المكان فيباح الدخول فيه على العبور فيه بالتيمم أيضاً، فعلى ذلك عندنا الدخول للاغتسال فيه؛ إذ كان فيه بالتيمم، والله أعلم.

وإذا أبيح للجنب على المنع عن دخول المسجد إلا بالتيمم؛ فثبت أن التيمم قد جعل له الطهارة، فله الصلاة به لعذر، والله أعلم.

ثم في المروي دلالة عمن أَمَّ في المغرب بـ ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ  ﴾ على طرح اللاءات في حال السكر حتى نزل قوله -  -: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ ﴾ - أن كلام الكفر في حال السكر لا يكفر صاحبه؛ إذ خاطبهم باسم الإيمان؛ فلذلك لم يكن عند أبي حنيفة - رحمه الله - كافراًَ، على أن المخطىء لما يجري على لسانه كلمة الكفر لا يصير كافراً في الحكم، والسكران يجري على لسانه على الخطأ؛ دليله ما لا يذكره، وما كان من عقد القلب فهو لا ينسى، وبخاصة المذاهب كلها يختار عن فكر الأسباب، وعن اختيار الأحق من الأمور عنده إما لحجة، أو شبهة، أو شهوة، من نحو الإلف بالتقليد، وحسن الظن، والذي يكون على ما ذكرت لا يحتمل السهو عنه حتى لا يخطر بباله لو أراد بدعوة عن قريب ثبت أنه كان عن خطأ، وقد جاء برفع الخطأ.

وأصله: أن اللسان معبر عن الاعتقاد في أمر الدين، وبخاصة في الكفر الذي يكون بالقلب خاصة بلا استعمال اللسان؛ فإذا كان مخطئا فهو أمر اللسان دون القلب الذي اللسان عنه معبر، ومن عبر الكفر باللسان ووصفه لا يكفر إلا بأن يكون يُعَبِّرُ عن نفسه أنه اعتقده، فلذلك كان على ما بينا، على أنه قد يجري بتلاوة القرآن على اللسان بالغلط ما يكفر عليه بالتعمد؛ فلا يجوز أن يجعل تلاوته للتعظيم، والإيمان به كفراً، ثبت بذلك رفع [حكم] الكفر عمن أخطأ في إجرائه على اللسان، فمثله السكران؛ إذ هو مخطىء، والله أعلم.

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله -  -: ﴿ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ : عن علي [بن أبي طالب] -  - أنه قال: هو أن يكون مسافراً ولا يجد الماء فيتيمم.

وعن ابن عباس -  - قال: هو المسافر.

وقيل: ﴿ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ نهى الجنب أن يدخل المسجد ومكان الصلاة إلا عابري سبيل، إلا مجتازاً.

ومن تأول الآية على المرور في المسجد فهو غير بعيد؛ يقول: إنما كره للجنب أن يستوطن المسجد، فأما المار لأمر يعرض له، فقد رخص له؛ ألا ترى أن الجنب رخص له أن يقرأ بعض الآية، ولا يجوز أن يتمها، فمروره في المساجد إذا لم يجلس فيه كقراءته بعض الآية إذا لم يتمها، وعلى ذلك أمر الجنب.

واستثناء عابري السبيل يكون على فعل الصلاة بالتيمم؛ فيكون في الآية دلالة التيمم للجنب، أو المكان؛ فيباح الدخول فيه على العبور فيه بالتيمم أيضاً؛ فعلى ذلك عندنا الدخول للاغتسال فيه إذا كان منه بالتيمم، والله أعلم.

وإذا أبيح للجنب دخول المسجد بالتيمم؛ فثبت أن التيمم قد جعل له الطهارة، فله الصلاة به لعذر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ...

﴾ الآية.

أباح الله -  - للمريض المقيم أن يتيمم، والآية ذكرت المرض عامّاً، وأجمعوا أن المريض الذي لا يخاف أن يضر به الماء لا يتيمم، وإنما أجازوا أن يتيمم إذا خاف ضرر الماء إن هو توضأ به؛ فدل أن الله -  - لما أباح للمريض التيمم لم يبح باسم المرض، ولكنه لمعنى في المرض؛ دليله ما ذكر أنه لم يبح لكل مريض، وإنما أبيح لمريض دون مريض.

وفيه دليل لقول أبي حنيفة -  - حيث أباح للمقيم الجنب التيمم إذا خاف على نفسه الهلاك؛ ألا ترى أن الله - عز وجل - أباح للسفر التيمم، ولم يبحه باسم السفر، ولكنه أباح لمعنى فيه: وهو إذا كان بمكان إعذار والماء؛ ألا ترى أنه لا يباح له التيمم في الأمصار، وإن كان اسم السفر موجوداً؛ لعدم معنى السفر؛ فعلى ذلك إباحة التيمم للمريض إباحة لمعنى في المرض؛ ألا ترى أنه ذكر مجيئه من الغائط، والغائط هو المكان المطمئن الذي يقضي فيه الحاجة، ولا كل من جاء من ذلك المكان يلزمه الوضوء والتيمم؛ دل أنه لمعنى فيه، فعلى ذلك الأول.

وروي أن جريحاً غسل فمات، فبلغ الخبر النبي  ؛ فقال: "قَتَلَوُهُ، فَإِنَّمَا يَكْفِيهِمْ كَفٌّ مِنْ تُرَابٍ" ، وكذلك غسل محدود فمات، فقال: "قَتَلُوه، إِنَّمَا يَكْفِيهِ [كف] من تراب" ونحو هذا، فإذا ثبت أن المراد من المرض والسفر والغائط المعنى الذي فيه لا لعين المرض والسفر والغائط؛ لما ذكرنا؛ [دل] أن كل مريض يباح له التيمم، وإنما يباح لمريض دون مريض، وكذلك لم يبح لكل [سفر وإنما يباح] لسفر دون سفر، ومكان دون مكان، وهو المكان الذي يعدم الماء فيه ويفقد.

فعلى ذلك المراد من قوله: ﴿ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً ﴾ عين اللمس وهو الجماع، وكذلك روي عن ابن عباس -  - قال: الملامسة، والمباشرة، والإفضاء، والرفث، والجماع - نكاح، ولكن الله -  - كنى.

وعن الحسن، وعبيد بن عمير، وعطاء، قالوا: الملامسة: الجماع.

فإن قيل: ما الحكمة في ذكر المرض والسفر والغائط والملامسة إذا كان المراد من ذكرها غيرها؟

قيل: الحكمة في ذكرها هو أن المرض في أغلب أحواله يُعْجِزُ المرءَ عن إصابة الماء، وكذلك السفر في أغلب أحواله يُعْجِزُ صاحبَهُ عن الماء، فخرج الذكر على أغلب الأحوال، وكذلك من جاء من الغائط؛ الأغلب أنه إنما يجيء عن قضاء الحاجة؛ لأنهم كانوا لا يخرجون إلا لقضاء الحاجة، وكذلك الملامسة من الزوجين، الأغلب فيها قضاء الوطر والحاجة، فعلى الأغلب خرج الذكر وإن احتمل غيره، وهذا يدل على أن الاحتجاج بالظواهر والعموم بحق المخرج باطل؛ لما لا يجوز لأحد أن يحتج بظاهر هذه الآية أن يقول: على كل مريض، أو على كل مسافر إلا كذا.

ثم اللمس إن أريد به الجماع، فهو ممكن لوجهين: أحدهما: البلية بالقبلة، واللمس باليدين [من] الزوجين ظاهراً لا يحتمل ألاَّ يعرف به الرسول والأئمة من فعل العوام، فلو كان الوصف فيه لازماً لا يحتمل ترك إظهار البيان حتى يلزم أكثر الأمة المنكر في فعل الصلاة، والله أعلم.

والثاني: أن يكون الأمر بالمعروف في كل لمس ومس جرى الذكر به بين الذكور والإناث فهو بحق الكناية عن الجماع، وكذلك سائر الحروف المحتملة للكناية عنه؛ من نحو: المباشرة، والغشيان، ونحو ذلك، وبه قال كل من أجاز التيمم للجنب في حق الصلاة من الصحابة - رضوان الله  عليهم - والله أعلم.

وإن أريد به غير الجماع مما قد يحتمل وجوهاً، فهو لا يجمع الكل، ولكن يرجع إلى خاص، وهو الذي في الغالب أن يكون ثم خروج وإن لم يكن، وهي المباشرة الفاحشة؛ دليله ذكر المرض والسفر على غير اقتران الحكم بنفسه؛ إذ هو اسمان لوجوه، فانصرفا إلى غاية ما له وقعت الرخصة من العجز والعدم، فمثله أمر الوضوء في الأول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً ﴾ .

قيل: التيمم: القصد؛ يقال: تيممت الصعيد وأممته، لغتان.

وقوله: ﴿ فَتَيَمَّمُواْ ﴾ : تعمدوا صعيداً طيباً، فإذا كان التيمم القصد والتعمد إلى الصعيد - لم يجز إلا بالنية؛ لأنه - عز وجل - أمر بالقصد إليه والتعمد، وذلك أمر بالنية؛ لأن القصد نية.

وفي حرف حفصة وابن مسعود -  - "فأموا صعيداً طيباً" أي: اقصدوا قصده، والصعيد، قيل: هو وجه الأرض، وسمي: صعيداً؛ لما يصعد عليها.

وقيل: الصعيد هو الأرض التي تنبت؛ ألا ترى أنه روي عن رسول الله  قال: "جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، إِلاَّ السَّبَخَةَ وَالْمَقْبَرَةَ" وقيل: إنها ملعونة، ولهذا قال أبو يوسف - رحمه الله -: إن التيمم لا يجوز من الأرض السبخة؛ لأنها ليست بطيب، والطيب ما ينبت، وأما أبو حنيفة -  - فإنه قال: الطيب: هو الطاهر الحلال، له أن يتيمم به إذا عدم الماء، الطيب: اسم ما [حل في كل نوع] من المقصود فيه، والمقصود في التيمم التطهر، فهو الطهور والطاهر، وأيده الخبر الذي ذكر من جعل الأرض طهوراً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ﴾ .

الأمر يقع بمسح الأيدي على الذراعين دون الكفين؛ دليله أمر الوضوء أنه يُغْسَلُ الذراعان وقت غسلهما بلا غسل كفين، إذ قد تقدم غسلهما، فالذراعان دخلتا في المسح بذكر اليد، وكذلك في الوضوء؛ لأن الكفين يغسلان قبل غسل الوجه، فالأمر بغسل اليد يقع على الذراعين وما وراء ذلك.

وعن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي الجهيم قال: أقبل رسول الله  من غائط أو بول، فسلمت عليه، فلم يردّ علي السلام، فضرب باليد الحائط ضربة فمسح بها وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها يديه إلى المرفقين، ثم ردّ السلام.

وهكذا يقول أصحابنا - رحمهم الله - بالضربتين: ضربة للوجه، وضربة للذراعين.

الأصل: أنه إذا قال الله - عز وجل - في الوضوء: ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ  ﴾ : أنه في وقت الأمر يفعل الغسل إلى المرافق غير مخاطب بغسل الكفين على حق غسل الذراع؛ إذ قد [مضى غسل فرضها] من قبل؛ فصارت الآية كأنها في غسل الذراع بالأمر بغسل اليد، وعرف [بذلك] غسل الكف لا بها، فمثله أمر التيمم؛ فصارت الآية كأنها في حق الذراع، ودخل الكف في ذلك بالخبر على أن أمر الطهارة فيما أضيفت إلى عضو أو بدن لم يحد لم يدخل كالمضاف إليه في الاشتراك بقضاء حقهما، نحو الجنابة، والوجه، والرأس، فكذلك أمر اليد في التيمم، لكن قصر عن التمام، بدلالة بيان السنة وعموم الفتيا، وما لا يشك في قضاء حكم الوضوء، وليس هو في بعض اليد فلا يجعل فيما ليس هو فيه بدله؛ إذ حقه التقصير عن كمال وظيفة الأصل، لا الزيادة عليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً ﴾ .

لما مضى من الذنوب.

﴿ غَفُوراً ﴾ لما يستقبل.

والعفو: الصفح والمحو، والغفر: الستر، هو يعفو عنه، ويستر على صاحبه.

[أو يعفو من] التجاوز؛ فيختلف اللفظ على إرادة معنى واحد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، لا تصلُّوا وأنتم في حال سكر حتى تصحوا من سكركم، وتميزوا ما تقولون -وكان هذا قبل تحريم الخمر مطلقًا- ولا تصلُّوا وأنتم في حال جنابة، ولا تدخلوا المساجد في حالها إلا مُجْتازين دون بقاء فيها؛ حتى تغتسلوا، وإن أصابكم مرض لا يمكن استعمال الماء معه، أو كنتم مسافرين، أو أحدث أحدكم، أو جامعتم النساء؛ فلم تجدوا ماءً -فاقصدوا ترابًا طاهرًا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه، إن الله كان عفوًّا عن تقصيركم، غفورًا لكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.Dv8RE"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

أمر الله تعالى في الآيات السابقة بعبادته وترك الشرك به وبالإحسان للوالدين وغيرهم وتوعد الذين لا يقومون بهذه الأوامر والنواهي، وقد عرفنا من سور أخرى أن الله تعالى يأمر بالاستعانة بالصلاة على القيام بأمور الدين وتكاليفه كما قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا  إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا  وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا  إِلَّا الْمُصَلِّينَ  ﴾ وقد كثر في القرآن الأمر بالصلاة، لا بالصلاة هكذا مطلقًا بل بإقامتها، وإنما إقامتها القيام بها على الوجه الأكمل، وهو أن ينبعث المؤمن إليها بباعث الشعور بعظمة الله وجلاله، ويؤديها بالخشوع له تعالى، فهذه الصلاة هي التي تعين على القيام بالأوامر وترك النواهي، ولذلك جاء ذكرها ههنا عقب تلك الأوامر والنواهي الجامعة، وقد ذكرت الصلاة في القرآن بأساليب مختلفة وذكرت ههنا في سياق النهي عن الإتيان بها في حال السكر الذي لا يتأتى معه الخشوع والحضور مع الله تعالى بمناجاته بكتابه وذكره ودعائه فالمراد بالصلاة حقيقتها لا موضعها وهو المساجد كما قال الشافعية، والنهي عن قربانها دون مطلق الإتيان بها لا يدل على إرادة المسجد إذ النهي عن قربان العمل معروف في الكلام العربي وفي التنزيل خاصة ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا  ﴾ والنهي عن العمل بهذه الصيغة يتضمن النهي عن مقدماته ومن مقدمات الصلاة الإقامة فقد سنها الله لنا لأعدادنا للدخول في الصلاة.

وقال بعض المفرقين الذين يحملون القرآن على مذاهبهم المستحدثة إن الآية تدل على جواز بل وقوع التكليف بالمحال إذ وجَّه الأمر إلى السكران وهو لا يعي الخطاب.

والجواب عنه من وجوه: أحدها: أن الخطاب موجه إلى المسلم قبل السكر بأن يجتنبه إذا ظن أنه ينتهي به إلى التلبس بالصلاة في أثنائه، فهو أمر بالاحتياط واجتناب السكر في أكثر الأوقات.

ثانيها: أن الأمر موجه إلى جمهور المؤمنين لأنهم متكافلون مأمورون بمنع المنكر، فعليهم أن يمنعوا السكران من الدخول في الصلاة فالأمر على حد ﴿ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا  ﴾ ثالثها: أن السكر الذي يطلبه الغواة لا ينافي فهم الخطاب وهو النشوة والسرور ففي هذه الحالة يَفْهَم السكران ويُفْهِم ويصح أن يوجه إليه الخطاب، ولكنه لا يضبط أعماله وأفكاره وأقواله بالتفصيل، ولذلك قال تعالى: ﴿ حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ  ﴾ فأما ما ينتهي إليه السكران مما لا يقصد فصاحبه لا يخاطب فيه وهو ما عرّف به أبو حنيفة السكران إذ قال: إنه من لا يفرّق بين الأرض والسماء.

وهناك قول آخر في معنى هذا القول، وهذا التعليل للنهي يفيد أن العلم بما يقوله الإنسان في الصلاة من تلاوة وذكر واجب أو شرط والعلم به فهمه، ولهذا المعنى أجاز أبو حنيفة الصلاة بغير العربية لمن لا يحسنها أي إلى أن يحسنها أو يعجز.

هذا هو حاصل المعنى على القول بأن المراد بالصلاة حقيقتها كما هو الظاهر فإن أريد بها موضعها فالمراد تنزيه المساجد وهي بيوت الله عن اللغو والكلام الباطل الذي من شأنه أن يبدر من السكران.

وحتى للغاية.

﴿ وَلَا جُنُبًا  ﴾ والجنب يعرفه كل أحد.

﴿ إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ  ﴾ المراد بالصلاة مواضعها أي المساجد والعابر هنا هو المجتاز لها لحاجة.

﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ  ﴾ .

المعنى أن حكم المريض والمسافر إذا أراد الصلاة كحكم المحدث حدثًا أصغر أو ملامس النساء ولم يجد الماء، فعلى كل هؤلاء التيمم فقط.

هذا ما يفهمه القارئ من الآية نفسها إذا لم يكلف نفسه حملها على مذهب من وراء القرآن يجعلها بالتكلف حجة له منطبقة عليه.

وقد طالعت في تفسيرها خمسة وعشرين تفسيرًا فلم أجد فيها غناء ولا رأيت قولًا فيها يسلم من التكلف ثم رجعت إلى المصحف وحده فوجدت المعنى واضحًا جليًا، فالقرآن أفصح الكلام وأبلغه وأظهره وهو لا يحتاج عند من يعرف العربية، مفرداتها وأساليبها إلى تكلفات فنون النحو وغيره من فنون اللغة عند حافظي أحكامها من الكتب مع عدم تحصيل ملكة البلاغة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله