الآية ٤٦ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٤٦ من سورة النساء

مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍۢ وَرَٰعِنَا لَيًّۢا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًۭا فِى ٱلدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَـٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا ٤٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 135 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٦ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٦ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( من الذين هادوا ) " من " هذه لبيان الجنس كقوله : ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) وقوله : ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) أي : يتأولون على غير تأويله ، ويفسرونه بغير مراد الله ، عز وجل ، قصدا منهم وافتراء ( ويقولون سمعنا وعصينا ) أي يقولون سمعنا ما قلته يا محمد ولا نطيعك فيه .

هكذا فسره مجاهد وابن زيد ، وهو المراد ، وهذا أبلغ في عنادهم وكفرهم ، أنهم يتولون عن كتاب الله بعد ما عقلوه ، وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الإثم والعقوبة .

وقوله ( واسمع غير مسمع ) أي : اسمع ما نقول ، لا سمعت .

رواه الضحاك عن ابن عباس .

وقال مجاهد والحسن : واسمع غير مقبول منك .

قال ابن جرير : والأول أصح .

وهو كما قال .

وهذا استهزاء منهم واستهتار ، عليهم لعنة الله [ والملائكة والناس أجمعين ] .

( وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ) أي : يوهمون أنهم يقولون : راعنا سمعك بقولهم : " راعنا " وإنما يريدون الرعونة .

وقد تقدم الكلام في هذا عند قوله : ( ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ) [ البقرة : 104 ] .

ولهذا قال تعالى عن هؤلاء اليهود الذين يريدون بكلامهم خلاف ما يظهرونه : ( ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ) يعني : بسبهم النبي صلى الله عليه وسلم .

ثم قال تعالى : ( ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) أي : قلوبهم مطرودة عن الخير مبعدة منه ، فلا يدخلها من الإيمان شيء نافع لهم وقد تقدم الكلام على قوله تعالى : ( فقليلا ما يؤمنون ) [ البقرة : 88 ] والمقصود : أنهم لا يؤمنون إيمانا نافعا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ قال أبو جعفر: ولقوله جل ثناؤه: " من الذين هادوا يحرفون الكلم "، وجهان من التأويل.

أحدهما: أن يكون معناه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ =" من الذين هادوا يحرفون الكلم "، فيكون قوله: " من الذين هادوا " من صلة " الذين ".

وإلى هذا القول كانت عامة أهلِ العربية من أهل الكوفة يوجِّهون قوله: " من الذين هادوا يحرِّفون ".

(4) * * * والآخر منهما: أن يكون معناه: من الذين هادوا من يُحرِّف الكلم عن مواضعه، فتكون " مَن " محذوفة من الكلام، اكتفاء بدلالة قوله: " من الذين هادوا "، عليها.

وذلك أن " مِن " لو ذكرت في الكلام كانت بعضًا ل " مَن "، فاكتفى بدلالة " مِنْ"، عليها.

والعرب تقول: " منا من يقول ذلك، ومِنا لا يقوله "، (5) بمعنى: منا &; 8-431 &; من يقول ذاك، ومنا من لا يقوله = فتحذف " مَن " اكتفاء بدلالة " مِنْ" عليه، كما قال ذو الرمة: فَظَلُّــوا, وَمِنْهُـمْ دَمْعُـهُ سَـابِقٌ لَـهُ وَآخَـرُ يَثْنِـي دَمْعَـةَ العَيْـنِ بِـالهَمْلِ (6) يعني: ومنهم مَن دمعه، وكما قال الله تبارك وتعالى: وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ [سورة الصافات: 164].

وإلى هذا المعنى كانت عامة أهل العربية من أهل البصرة يوجِّهون تأويل قوله: " من الذين هادوا يحرفون الكلم "، غير أنهم كانوا يقولون: المضمر في ذلك " القوم "، كأن معناه عندهم: من الذين هادوا قوم يحرِّفون الكلم، ويقولون: نظير قول النابغة: كَــأَنَّكَ مِــنْ جِمَــالِ بَنِـي أُقَيْشٍ يُقَعْقَــعُ خَــلْفَ رِجْلَيْــهِ بِشَــنِّ (7) يعني: كأنك جمل من جمال أقيش.

فأما نحويو الكوفة فينكرون أن يكون المضمر مع " مِن " إلا " مَن " أو ما أشبهها.

(8) * * * قال أبو جعفر: والقول الذي هو أولى بالصواب عندي في ذلك: قول من قال: قوله: " من الذين هادوا "، من صلة ( الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ) ، لأن الخبرين جميعًا والصفتين، من صفة نوع واحد من الناس، وهم اليهود الذين وصفَ الله صفتهم في قوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ) وبذلك جاء تأويلُ أهل التأويل، فلا حاجة بالكلام = إذ كان الأمر كذلك = إلى أن يكون فيه متروك.

* * * وأما تأويل قوله: " يُحَرِّفون الكلِمَ عن مواضعه "، (9) فإنه يقول: يبدِّلون معناها ويغيِّرونها عن تأويله.

* * * و " الكلم " جماع " كلمة ".

* * * وكان مجاهد يقول: عنى بـ " الكلم "، التوراة.

9691 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " يحرفون الكلم عن مواضعه "، تبديل اليهود التوراة.

9692 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

* * * وأما قوله: " عن مواضعه "، فإنه يعني: عن أماكنه ووجوهه التي هي وجوهه.

* * * القول في تأويل قوله : وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا يعني بذلك جل ثناؤه: من الذين هادوا يقولون: سمعنا، يا محمد، قولك، وعصينا أمرك، كما:- 9693 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله: " سمعنا وعصينا "، قال: قالت اليهود: سمعنا ما نقول ولا نطيعك.

9694 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

9695 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

9696 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: " سمعنا وعصينا "، قالوا: قد سمعنا، ولكن لا نطيعك.

* * * القول في تأويل قوله : وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن اليهود الذين كانوا حوالَيْ مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصره: أنهم كانوا يسبّون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤذونه بالقبيح من القول، ويقولون له: اسمع منا غير مسمع، كقول القائل للرجل يَسُبُّه: " اسمع، لا أسمعَك الله "، كما:- 9697 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " واسمع غير مسمع "، قال: هذا قول أهل الكتاب يهود، كهيئة ما يقول الإنسان: &; 8-434 &; " اسمع لا سمعت "، أذًى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وشتمًا له واستهزاءً.

9698 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " واسمع غير مسمع " قال: يقولون لك: " واسمع لا سمعت ".

وقد روي عن مجاهد والحسن: أنهما كانا يتأوّلان في ذلك بمعنى: واسمع غير مقبول منك.

= ولو كان ذلك معناه لقيل: " واسمع غير مسموع "، ولكن معناه: واسمع لا تسمع، ولكن قال الله تعالى ذكره: لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ، فوصفهم بتحريف الكلام بألسنتهم، والطعن في الدين بسبِّ النبي صلى الله عليه وسلم.

* * * وأما القول الذي ذكرته عن مجاهد: " واسمع غير مسمع "، يقول: غير مقبول ما تقول، فهو كما:- 9699 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " واسمع غير مسمع "، قال: غير مُسْتمع - قال ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: " واسمع غير مسمع "، غير مقبول ما تقول.

9700 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

9701 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله: " واسمع غير مسمع "، قال: كما تقول اسمع غير مَسْموع منك.

9702 - وحدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كان ناس منهم يقولون: " واسمع غير مسمع "، كقولك: اسمع غير صاغِرٍ.

(10) * * * القول في تأويل قوله : وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ قال أبو جعفر: يعني بقوله: " وراعنا "، أي: راعنا سمعك، افهم عنّا وأفهمنا.

وقد بينا تأويل ذلك في" سورة البقرة " بأدلته، بما فيه الكفاية عن إعادته.

(11) * * * ثم أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم يقولون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليًّا بألسنتهم "، يعني تحريكًا منهم بألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه من معنييه، (12) واستخفافًا منهم بحق النبي صلى الله عليه وسلم، وطعنًا في الدين، كما:- 9703 - حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال قتادة: كانت اليهود يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: " راعنا سمعك "!

يستهزئون بذلك، فكانت اليهود قبيحة أن يقال: (13) " راعنا سمعك " =" ليًّا بألسنتهم " والليّ: تحريكهم ألسنتهم بذلك =" وطعنًا في الدين ".

9704 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " راعنا ليًّا بألسنتهم "، كان &; 8-436 &; الرجل من المشركين يقول: " أرعني سمعك "!

يلوي بذلك لسانه، يعني: يحرِّف معناه.

9705 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أييه، عن ابن عباس: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ، إلى " وطعنًا في الدين "، فإنهم كانوا يستهزئون، ويلوون ألسنتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطعنون في الدين.

9706 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " وراعنا ليا بألسنتهم وطعنًا في الدين "، قال: " راعنا "، طعنهم في الدين، وليهم بألسنتهم ليبطلوه، ويكذبوه.

قال: و " الرَّاعن "، الخطأ من الكلام.

(14) 9707 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر قال، حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: " ليا بألسنتهم "، قال: تحريفًا بالكذب.

* * * القول في تأويل قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولو أن هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم، قالوا لنبي الله: " سمعنا يا محمد قولك، وأطعنا أمرك، وقبلنا ما جئتنا به من عند الله، واسمع منا، وانظرنا ما نقول، وانتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا " =" لكان خيرًا لهم وأقوم "، يقول: لكان ذلك خيرًا لهم عند الله =" وأقوم "، يقول: وأعدل وأصوبَ في القول.

* * * وهو من " الاستقامة " من قول الله: وَأَقْوَمُ قِيلا [سورة المزمل: 6]، بمعنى: وأصوبُ قيلا (15) كما:- 9708 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرًا لهم "، قال: يقولون اسمع منا، فإنا قد سمعنا وأطعنا، وانظرنا فلا تعجل علينا.

9709 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد قوله: " وانظُرنا "، قال: اسمع منا.

9710 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " وانظرنا "، قال: أفهمنا.

9711 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد،" وانظرنا "، قال: أفهمنا.

* * * قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله مجاهد وعكرمة، من توجيههما معنى: " وانظرنا " إلى: " اسمع منا " = وتوجيه مجاهد ذلك إلى " أفهمنا " = فما لا نعرف في كلام العرب، (16) إلا أن يكون أراد بذلك من توجيهه إلى " أفهمنا " ، انتظرنا نفهم ما تقول = أو: انتظرنا نقل حتى تسمع منا = فيكون ذلك معنًى مفهومًا، وإن كان غير تأويلٍ للكلمة ولا تفسير لها.

(17) ولا نعرف: " انظرنا " في كلام العرب، (18) إلا بمعنى: انتظرنا وانظر إلينا = فأما " انظرنا " بمعنى: انتظرنا، فمنه قول الحطيئة: وَقَــدْ نَظَــرْتُكُمُ لَــوْ أَنَّ دِرَّتَكُـمْ يَوْمًـا يَجِـيء بهـا مَسْـحِي وَإِبْسَاسِي (19) وأما " انظرنا "، بمعنى: انظر إلينا، فمنه قول عبد الله بن قيس الرقيات: ظَـاهِرَاتُ الجَمـالِ وَالحُسْـنِ يَنْظُرْنَ كَمَـــا يَنْظُـــرُ الأَرَاكَ الظِّبَــاءُ (20) بمعنى: كما ينظر إلى الأراك الظباء.

(21) * * * القول في تأويل قوله : وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا (46) قال أبو جعفر: يعني بذلك: ولكن الله تبارك وتعالى أخْزَى هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآية، فأقصاهم وأبعدهم من الرشد واتباع الحق (22) =" بكفرهم "، يعني: بجحودهم نبوّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند ربهم من الهدى والبينات =" فلا يؤمنون إلا قليلا "، يقول: فلا يصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند ربهم، ولا يقرُّون بنبوته =" إلا قليلا "، يقول: لا يصدقون بالحق الذي جئتهم به، يا محمد، إلا إيمانًا قليلا كما:- 9712 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " فلا يومنون إلا قليلا "، قال: لا يؤمنون هم إلا قليلا.

قال أبو جعفر: وقد بيّنا وجه ذلك بعلله في" سورة البقرة ".

(23) --------------------- الهوامش : (4) انظر معاني القرآن للفراء 1: 271.

(5) في المطبوعة: "والعرب تقول: منا من يقول ذلك" بزيادة"من" وهو خطأ ، والصواب من معاني القرآن للفراء.

أما المخطوطة فكان فيها: "والعرب تقول ذلك ومثالا لا يقوله" وهو من عبث الناسخ وإسقاطه.

(6) ديوانه 485 ، وقبله: مع اختلاف الرواية: بَكَـيْتُ عَـلَى مَـيٍّ بِهَـا إذْ عَرَفْتُهَـا وَهِجْتُ الْهَوَى حَتَّى بَكَى القَوْمُ مِنْ أَجْلِي فَظَلُّــوا وَمِنْهُـمْ دَمْعُـهُ غَـالِبٌ لَـهُ وَآخَـرُ يَثْنِـي عَـبْرَةَ العَيْـنِ بـالهَمْلِ وَهَـلْ هَمَـلانُ الْعَيْـنِ رَاجِعُ مَا مَضَى مِـنَ الوَجْـدِ، أوْ مُدْنِيكِ يَا مَيُّ مِنْ أَهْلِي وكان في المطبوعة: "يذري دمعة العين بالمهل" وهو خطأ ، وتغيير من الطابع ، وفي المخطوطة"يثني" كما في الديوان.

وقوله: "يثني دمعة العين" ، أي يرد هملانها.

وقوله: "بالهمل" متعلق بقوله"دمعة" ووضع"دمعة" هنا مصدرًا لقوله: "دمعت عينه دمعًا ودمعانًا ودموعًا" ، وزاده هو"دمعة" على وزن"رحمة" في المصادر = وكذلك في رواية"عبرة" ، كلاهما مصدر ، ولم تثبته كتب اللغة.

يقول: وآخر يرد إرسال العين دمعها منهملا ، يعني: لولا ذلك لسالت دموعه غزارًا.

(7) مضى تخريجه فيما سلف 1: 179 ، تعليق: 2 ، ونسيت هناك أن أرده إلى هذا المكان ، فأثبته.

(8) انظر مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 271.

(9) انظر تفسير"التحريف" فيما سلف 2: 248 ، 249.

(10) في المطبوعة: "غير صاغ" ، والصواب من المخطوطة.

(11) انظر ما سلف 2: 459-467.

(12) انظر تفسير"اللي" و"اللي بالألسنة" فيما سلف 6: 535-537.

(13) في المخطوطة والمطبوعة: "فكان في اليهود قبيحة فقال" ، وهو كلام لا يستقيم البتة ، وصوابه الذي لا شك فيه ما أثبت ، وانظر كونها كلمة قبيحة لليهود في 2: 460.

(14) انظر القول في"الراعن" فيما سلف 2: 465 ، 466.

(15) انظر تفسر"أقوم" فيما سلف 6: 77 ، 78.

(16) في المطبوعة والمخطوطة: "ما لا نعرف" بغير فاء ، ولكني زدتها لأنها أعرق في العربية وأقوم للسياق.

(17) في المخطوطة والمطبوعة: "غير تأويل الكلمة" والصواب ما أثبت.

(18) في المطبوعة: "فلا نعرف" بالفاء ، والأجود ما في المخطوطة ، كما أثبته.

(19) ديوانه: 52 ، والكامل 1: 351 ، وهذا خطأ لا شك فيه في رواية البيت ، وأثبته على حاله ، لأنه دلالة على عجلة أبي جعفر أحيانًا في كتابة تفسيره ، ودليل على حفظه الشعر ، ولولا ذلك لم يخلط هذا الخلط فإن هذه القصيدة ، هي التي هجا بها الزبرقان بن بدر ، ومدح بغيض ابن عامر ، والتي شكاه من أجلها الزبرقان إلى عمر بن الخطاب فحبسه ، يقول للزبرقان لما غضب حين استضافه بغيض: مَـا كـانَ ذَنْـبُ بَغِيـض لا أَبَــا لَكُمُ فِـي بَــائِسٍ جَـاءَ يَحْـدُو آخِرَ الناسِ لَقَــدْ مَــرَيْتُكُمُ لَــوْ أَنَّ دِرَّتكُــمْ يَوْمًـا يجِـيءُ بِهَـا مَسْـحِي وَإبْسَاسِي وَقَــدْ مَدَحْــتُكُمْ عَمْـدًا لأُرْشِــدَكُمْ كَيْمَـا يَكُــونَ لَكُـمْ مَتْحٍـي وَإمْرَاسِي ثم يليه بيت الشاهد الذي كان ينبغي أن يذكره هنا أبو جعفر ، كما ذكره فيما سلف في تفسير"انظرنا" من سورة البقرة 2: 467 ، 468 وقد شرحته هناك.

ولولا أن أثبت حال أبي جعفر في كتابه ، لألغيت البيت المذكور في المتن ، ولوضعت هذا البيت: وَقَــدْ نَظَــرْتُكُمُ أَعْشَـاءَ صَـادِرَةٍ لِلْخِـمْسِ طَـالَ بِهَـا حَوْزِي وَتَنْسَاسِي وقوله: "لقد مريتكم" من قولهم: "مري الناقة يمريها مريًا": إذا مسح ضرعها لتدر.

و"الدرة": الدفعة من اللبن و"المسح" مسح الضرع للحلب.

و"الإبساس": هو صوت الراعي ، يلينه لناقته عند الحلب لتسكن ويسهل حلبها.

يقول: لقد ترفقت لكم ، أستخرج خيركم بالمديح الرقيق والقول اللين ، فلم ألمق خيرًا ، ولم تجودوا به.

وكان في المخطوطة: "يجيء به" وهو خطأ.

(20) ديوانه: 171 ، من قصيدته التي فخر فيها بقريش ، ومدح مصعب بن الزبير ، وذكر نساء عبد شمس بن عبد مناف فقال: وَحِسَــانٌ مِثْـلُ الــدُّمَي عَبْشَـمِيَّاتٌ عَلَيْهِــــن بَهْجَـــةٌ وَحَيَـــاءُ لا يَبِعْـنَ العِيَـابَ فـي مَوْسِـمٍ النَّاسِ إذَا طَـــافَ بِالعِيـــابِ النِّسَــاءُ ظَـاهِرَاتُ الجَمَـالِ والسَّـرْو ........

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

و"السرو": الشرف وكرم المحتد.

وهي أجود الروايتين ، وقوله: "كما ينظر الأراك الظباء" ، من حسن التشبيه ، ودقة الملاحظة للعلاقة بين الشرف والسؤدد.

وما يكون للمرء من شمائل وسمت وهيأة.

ويعني أنهن قد ينصبن أجيادهن ، كأنهن ظباء تعطو الأراك لتناله.

وذلك أظهر لجمال أجيادهن ، وحركتهن.

والجيد فيه دلالة من دلائل الخلق لا يخطئها بصير.

(21) انظر تفسير نظيرة هذه الكلمة من آية البقرة: "وقولوا انظرنا" 2: 467 - 469.

(22) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف 2: 328 / 3: 254 ، 261 / 6: 577.

(23) يعني تفسير قوله تعالى"فقليلا ما يؤمنون" 2: 329 - 331.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : من الذين هادوا قال الزجاج : إن جعلت من متعلقة بما قبل فلا يوقف على قوله نصيرا ، وإن جعلت منقطعة فيجوز الوقف على نصيرا والتقدير من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم ؛ ثم حذف .

وهذا مذهب سيبويه ، وأنشد النحويون :لو قلت ما في قومها لم تيثم يفضلها في حسب وميسمقالوا : المعنى لو قلت ما في قومها أحد يفضلها ؛ ثم حذف .

وقال الفراء : المحذوف " من " المعنى : من الذين هادوا من يحرفون .

وهذا كقوله تعالى : وما منا إلا له مقام معلوم أي من له .

وقال ذو الرمة :فظلوا ومنهم دمعه سابق له وآخر يذري عبرة العين بالهمليريد ومنهم من دمعه ، فحذف الموصول .

وأنكره المبرد والزجاج ؛ لأن حذف الموصول كحذف بعض الكلمة .

وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وإبراهيم النخعي " الكلام " .

قال النحاس : و " الكلم " في هذا أولى ؛ لأنهم إنما يحرفون كلم النبي صلى الله عليه وسلم ، أو ما عندهم في التوراة وليس يحرفون جميع الكلام ، ومعنى يحرفون يتأولونه على غير تأويله .

وذمهم الله تعالى بذلك لأنهم يفعلونه متعمدين .

عن مواضعه يعني صفة النبي صلى الله عليه وسلم .

ويقولون سمعنا وعصينا أي سمعنا قولك وعصينا أمرك .

واسمع غير مسمع قال ابن عباس : كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : اسمع لا سمعت ، هذا مرادهم - لعنهم الله - وهم يظهرون أنهم يريدون اسمع غير مسمع مكروها ولا أذى .

وقال الحسن ومجاهد .

معناه غير مسمع منك ، أي مقبول ولا مجاب إلى ما تقول .

قال النحاس : ولو كان كذلك لكان غير مسموع منك .

وتقدم القول في وراعنا ومعنى ليا بألسنتهم أي يلوون ألسنتهم عن الحق أي [ ص: 210 ] يميلونها إلى ما في قلوبهم .

وأصل اللي الفتل ، وهو نصب على المصدر ، وإن شئت كان مفعولا من أجله .

وأصله لويا ثم أدغمت الواو في الياء .

وطعنا معطوف عليه أي يطعنون في الدين ، أي يقولون لأصحابهم لو كان نبيا لدرى أننا نسبه ، فأظهر الله تعالى نبيه على ذلك فكان من علامات نبوته ، ونهاهم عن هذا القول .

ومعنى وأقوم أصوب لهم في الرأي .

فلا يؤمنون إلا قليلا أي إلا إيمانا قليلا لا يستحقون به اسم الإيمان .

وقيل : معناه لا يؤمنون إلا قليلا منهم ؛ وهذا بعيد لأنه عز وجل قد أخبر عنهم أنه لعنهم بكفرهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم بين كيفية ضلالهم وعنادهم وإيثارهم الباطل على الحق فقال: { مِنَ الَّذِينَ هَادُوا } أي: اليهود وهم علماء الضلال منهم.

{ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ } إما بتغيير اللفظ أو المعنى، أو هما جميعا.

فمن تحريفهم تنزيل الصفات التي ذكرت في كتبهم التي لا تنطبق ولا تصدق إلا على محمد صلى الله عليه وسلم على أنه غير مراد بها، ولا مقصود بها بل أريد بها غيره، وكتمانهم ذلك.

فهذا حالهم في العلم أشر حال، قلبوا فيه الحقائق، ونزلوا الحق على الباطل، وجحدوا لذلك الحق، وأما حالهم في العمل والانقياد فإنهم { يَقُولون سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } أي: سمعنا قولك وعصينا أمرك، وهذا غاية الكفر والعناد والشرود عن الانقياد، وكذلك يخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بأقبح خطاب وأبعده عن الأدب فيقولون: { اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ } قصدهم: اسمع منا غير مسمع ما تحب، بل مسمع ما تكره، { وَرَاعِنَا } قصدهم بذلك الرعونة، بالعيب القبيح، ويظنون أن اللفظ -لما كان محتملا لغير ما أرادوا من الأمور- أنه يروج على الله وعلى رسوله، فتوصلوا بذلك اللفظِ الذي يلوون به ألسنتهم إلى الطعن في الدين والعيب للرسول، ويصرحون بذلك فيما بينهم، فلهذا قال: { لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ } ثم أرشدهم إلى ما هو خير لهم من ذلك فقال: { وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ } وذلك لما تضمنه هذا الكلام من حسن الخطاب والأدب اللائق في مخاطبة الرسول، والدخول تحت طاعة الله والانقياد لأمره، وحسن التلطف في طلبهم العلم بسماع سؤالهم، والاعتناء بأمرهم، فهذا هو الذي ينبغي لهم سلوكه.

ولكن لما كانت طبائعهم غير زكية، أعرضوا عن ذلك، وطردهم الله بكفرهم وعنادهم، ولهذا قال: { وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( من الذين هادوا ) قيل : هي متصلة بقوله ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ( من الذين هادوا ) وقيل : هي مستأنفة ، معناه : من الذين هادوا من يحرفون ، كقوله تعالى : " وما منا إلا له مقام معلوم " ( الصافات - 164 ) أي : من له مقام معلوم ، يريد : فريق ، ( يحرفون الكلم ) يغيرون الكلم ( عن مواضعه ) يعني : صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : كانت اليهود يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن الأمر ، فيخبرهم ، فيرى أنهم يأخذون بقوله ، فإذا انصرفوا من عنده حرفوا كلامه ، ( ويقولون سمعنا ) قولك ( وعصينا ) أمرك ، ( واسمع غير مسمع ) أي : اسمع منا ولا نسمع منك ، ( غير مسمع ) أي : غير مقبول منك ، وقيل : كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : اسمع ، ثم يقولون في أنفسهم : لا سمعت ، ( وراعنا ) أي : ويقولون راعنا ، يريدون به النسبة إلى الرعونة ، ( ليا بألسنتهم ) تحريفا ( وطعنا ) قدحا ( في الدين ) أن قوله : " وراعنا " من المراعاة ، وهم يحرفونه ، يريدون به الرعونة ، ( ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا ) أي : انظر إلينا مكان قولهم راعنا ، ( لكان خيرا لهم وأقوم ) أي أعدل وأصوب ، ( ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) إلا نفرا قليلا منهم ، وهو عبد الله بن سلام ومن أسلم معه منهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«من الذين هادوا» قوم «يحِّرفون» يغيرون «الكلم» الذي أنزل الله في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم «عن مواضعه» التي وضع عليها «ويقولون» للنبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بشيء «سمعنا» قولك «وعصينا» أمرك «واسمع غير مُسمع» حال بمعنى الدعاء أي لا سمعت «و» يقولون له «راعنا» وقد نهى عن خطابه وهي كلمة سب بلغتهم «ليٌا» تحريفا «بألسنتهم وطعنا» قدحا «في الدين» الإسلام «ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا» بذل وعصينا «واسمع» فقط «وانظرنا» انظر إلينا بدل راعنا «لكان خيرا لهم» مما قالوه «وأقوم» أعدل منه «ولكن لعنهم الله» أبعدهم عن رحمته «بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا» منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

من اليهود فريق دأبوا على تبديل كلام الله وتغييره عمَّا هو عليه افتراء على الله، ويقولون للرسول صلى الله عليه وسلم: سمعنا قولك وعصينا أمرك واسمع منَّا لا سمعت، ويقولون: راعنا سمعك أي: افهم عنا وأفهمنا، يلوون ألسنتهم بذلك، وهم يريدون الدعاء عليه بالرعونة حسب لغتهم، والطعن في دين الإسلام.

ولو أنهم قالوا: سمعنا وأطعنا، بدل و"عصينا"، واسمع دون "غير مسمع"، وانظرنا بدل "راعنا" لكان ذلك خيرًا لهم عند الله وأعدل قولا ولكن الله طردهم من رحمته؛ بسبب كفرهم وجحودهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يصدقون بالحق إلا تصديقًا قليلا لا ينفعهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - ألوانا من الأقوال والأعمال القبيحة التى كان اليهود يقولونها ويفعلونها للإِساءة إلى النبى صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين فقال : ( مِّنَ الذين هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ ) .

وتحريف الشئ إمالته وتغييره .

ومنه قولهم : طاعون يحرف القلوب ، أى يميلها ويجعلها على حرف ، أى جانب وطرف .

وأصله من الحرف يقال : حرف الشئ عن وجهه ، صرفه عنه .والجملة الكريمة بيان للوصول وهو قوله - تعالى - ( الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب ) .ويجوز أن يكون قوله ( مِّنَ الذين هَادُواْ ) خبر لمبتدأ محذوف .

وقوله ( يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ ) صفة له .أى من الذين هادوا قوم أو فريق من صفاتهم أنهم يحرفون الكلم من مواضعه أى يميلونه عن مواضعه ، ويجعلون مكانه غيره ، ويفسرونه تفسيرا سقيما بعيدا عن الحق والصواب .قال الفخر الرازى : فى كيفية التحريف وجوه :أحدها : أهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر .

مثل تحريفهم اسم " ربعة " عن موضعه فى التوراة بوضعهم " آدم طويل " ، وكتحريفهم الرجم بوضعهم الجلد بدله .الثانى : أن المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة ، والتأويلات الفاسدة ، وصرف اللفظ من معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه من الحيل اللفظية ، كما يفعله أهل البدعة فى زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم .

وهذا هو الأصح .الثالث : أنهم كانوا يدخلون على النبى صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه .والذى نراه أولى أن تحريف هؤلاء اليهود لكلم عن مواضعه يتناول كل ذلك ، لأنهم لم يترككوا وسيلة من وسائل التحريف الباطل إلا فعلوها ، أملا منهم فى صرف الناس عن الدعوة الإِسلامية ، ولكن الله - تعالى - خيب آمالهم .قال الزمخشرى : فإن قلت : كيف قيل ههنا ( عَن مَّوَاضِعِهِ ) وفى المائدة ( مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ) قلت : " أما عن مواضعه " فعلى ما فسرنا من إزالته عن مواضعه التى أوجبت حكمة الله وضعه فيها ، بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه .وأما ( مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ) فالمعنى أنه كان له مواضع فمن بأن يكون فيها .

فحين حرفوه تركوه كالغريب الذى لا موضع له بعد مواضعه ومقاره .

والمعنيان متقاربان .ثم حكى - سبحانه - لونا ثانياً من ضلالتهم فقال : ( وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ) أى .

ويقولون للنبى صلى الله عليه وسلم إذا ما أمرهم بشئ : سمعنا قولك وعصينا أمرك فنحن مع فهمنا لما تقول لا نطيعك لأننا متمسكون باليهودية .ثم حكى - سبحانه - لونا ثالثا من مكرهم فقال : ( واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ ) وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها وداخلة تحت القول السابق .أى : ويقولون ذلك فى أثناء مخاطبتهم للنبى صلى الله عليه وسلم وهو كلام ذو وجهين وجه محتمل للشر .

بأن يحمل على معنى " اسمع " حال كونك غير مسمع كلاما ترضاه .

ووجه محتمل للخير .

بأن يحمل على معنى اسمع منا غير مسمع كلاما تكرهه .فأنت تراهم - لعنهم الله - أنهم كانوا يخاطبون النبى صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام المحتمل للشر والخير موهمين غيرهم أنهم يريدون الخير ، مع أنهم لا يريدون إلى الشر ، بسبب ما طفحت به نفوسهم من حسد للنبى صلى الله عليه وسلم وللمسلمين .ثم حكى - سبحانه - لونا رابعا من خبثهم فقال : ( وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدين ) وهو كلام معطوف على ما قبله وداخل تحت القول السابق .وكلمة ( وَرَاعِنَا ) كلمة ذات وجهين - أيضاً - فهى للخير بحملها على معنى ارقبنا وأمهلنا أو انتظرنا نكلمك .

ومحتملة للشر بحملها على شبه كلمة عبرانية كانوا يتسابون بها .

أو على السب بالرعونة أى الحمق .قال الراغب : قوله : - تعالى - ( وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدين ) كان ذلك قولا يقولونه للنبى صلى الله عليه وسلم على سبيل التهكم يقصدون به رميه بالرعونة ، ويوهمون أنهم يقولون : راعنا أى : أحفظنا .

من قولهم : رعن الرجل يرعن رعنا فهو رعن .

أى أحمق .وأصل كلمة ( لَيّاً ) لوياً لأنه من لويت ، فأدغمت الواو فى الياء لسبقها بالسكون .

واللى : الانحراف والالتفات والانعطاف .والمراد أنهم كانوا يلوون ألسنتهم بالكلمة أو بالكلام ليكون اللفظ فى السمع مشبها لفظا آخر هم يردونه لأنه يدل على معنى ذميم .أى أنهم كانوا يقولون للنبى صلى الله عليه وسلم على سبيل التهكم والاستهزاء ( وَرَاعِنَا ) ويقصدون بهذا القول الإِساءة إليه صلى الله عليه وسلم وينطقون بهذه الكلمة وما يشابهها نطقاً ملتويا منحرفا ليصرفوها عن جانب احتمالها للخير إلى جانب للشر .

ولذا فقد نهى الله - تعالى - المؤمنين عن مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الألفاظ .قال ابن كثير : عند تفسيره لقوله - تعالى - ( يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظرنا ) نهى الله عباده المؤمنين عن أن يتشبهوا بالكافرين فى مقالهم وفعالهم .

وذلك أن اليهود كانوا يعلنون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنفيص - عليهم لعائن الله - : فإذا أرادوا أن يقولوا اسمع لنا : يقولون راعنا ، ويورون بالرعونة : وكذلك جاءت الأحاديث بالإِخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون .

السام عليكم .

والسام هو الموت .

ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بوعليكم .

وإنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا .

والغرض أن الله - تعالى - نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا .وقوله ( وَطَعْناً فِي الدين ) أى يقولون ذلك من أجل القدح فى الدين؛ والاستهزاء بتعاليمه ، وبنبيه صلى الله عليه وسلم .

ثم بين - سبحانه - ما كان بحب عليهم أن يقولوه لو كانوا يعقلون فقال : تعالى - ( وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا واسمع وانظرنا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ ) .أى : ولو أنهم قالوا عند سماعهم لما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من حق وخير ، ( سَمِعْنَا ) قولك سماع قبول وإستجابة ، وأطعنا أمرك بدل قولهم سمعنا وعصينا .ولو أنهم قالوا عند مخاطبتهم له صلى الله عليه وسلم ( واسمع ) إجابتنا لدعوه الحق ( وانظرنا ) حتى نفهم عنك ما تريده منا بدل قولهم ( وَعَصَيْنَا واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ) لو أنهم فعلوا ذلك لكان قولهم هذا خيراً لهم وأعدل من اقوالهم السابقة الباطلة التى حكاها القرآن عنهم .ولكنهم لسوء طباعهم لم يفعلوا ذلك فحقت عليهم اللعنة فى الدنيا والآخرة وقد صرح القرآن بذلك فقال : ( وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) .

أى : ولكنهم لم يقولوا ما هو خير لهم وأقوم بل قالوا ما هو شر وباطل ، فاستحقوا اللعنة من الله بسبب كفرهم وسوء أفعالهم :ولفظ ( قَلِيلاً ) فى قوله ( فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) منصوب على الاستثناء من قوله ( لَّعَنَهُمُ ) أى : ولكن لعنهم الله إلا فريقا منهم آمنوا فلم يعلنوا : أو منصوب على الوصفية لمصدر محذوف أى : ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا أى ضعيفا ركيكا لا يعبأ به ، ولا يغنى عنهم من عذاب الله شيئا؛ لأنه إيمان غير صحيح بسبب تفريقهم بين رسل الله فى التصديق والطاعة .قال - تعالى - ( إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً أولئك هُمُ الكافرون حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم يشترون الضلالة شرح كيفية تلك الضلالة وهي أمور: أحدها: أنهم كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في متعلق قوله: ﴿ مِنَ الذين ﴾ وجوه: الأول: أن يكون بيانا للذين أوتوا نصيبا من الكتاب، والتقدير: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا، والثاني: أن يتعلق بقوله: ﴿ نَصِيراً ﴾ والتقدير: وكفى بالله نصيرا من الذين هادوا، وهو كقوله: ﴿ ونصرناه مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا  ﴾ الثالث: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، و ﴿ يُحَرّفُونَ ﴾ صفته.

تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم، فحذف الموصوف وأقيم الوصف مكانه.

الرابع: أنه تعالى لما قال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الكتاب يَشْتَرُونَ الضلالة  ﴾ بقي ذلك مجملا من وجهين، فكأنه قيل: ومن ذلك الذين أوتوا نصيبا من الكتاب؟

فأجيب وقيل: من الذين هادوا، ثم قيل: وكيف يشترون الضلالة؟

فأجيب وقيل: يحرفون الكلم.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: الجمع مؤنث، فكان ينبغي أن يقال: يحرفون الكلم عن مواضعها.

والجواب: قال الواحدي: هذا جمع حروفه أقل من حروف واحده، وكل جمع يكون كذلك فإنه يجوز تذكيره، ويمكن أن يقال: كون الجمع مؤنثا ليس أمراً حقيقياً، بل هو أمر لفظي، فكان التذكير والتأنيث فيه جائزا وقرئ، يحرفون الكلم.

المسألة الثالثة: في كيفية التحريف وجوه: أحدها: أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر مثل تحريفهم اسم ربعة عن موضعه في التوراة بوضعهم آدم طويل مكانه، ونحو تحريفهم الرجم بوضعهم الحد بدله ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله  ﴾ .

فإن قيل: كيف يمكن هذا في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر المشهور في الشرق والغرب؟

قلنا لعله يقال: القوم كانوا قليلين، والعلماء بالكتاب كانوا في غاية القلة فقدروا على هذا التحريف، والثاني: أن المراد بالتحريف: إلقاء الشبه الباطلة، والتأويلات الفاسدة، وصرف اللفظ عن معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية، كما يفعله أهل البدعة في زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم، وهذا هو الأصح.

الثالث: أنهم كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به، فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه.

المسألة الرابعة: ذكر الله تعالى هاهنا: ﴿ عَن مواضعه ﴾ وفي المائدة ﴿ مِن بَعْدِ مواضعه  ﴾ والفرق أنا إذا فسرنا التحريف بالتأويلات الباطلة، فهاهنا قوله: ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ معناه: أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص، فهاهنا قوله: ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ معناه: أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص، وليس فيه بيان أنهم يخرجون تلك اللفظة من الكتاب.

وأما الآية المذكورة في سورة المائدة، فهي دالة على أنهم جمعوا بين الأمرين، فكانوا يذكرون التأويلات الفاسدة، وكانوا يخرجون اللفظ أيضا من الكتاب، فقوله: ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم ﴾ إشارة إلى التأويل الباطل وقوله: ﴿ مِن بَعْدِ مواضعه ﴾ إشارة إلى إخراجه عن الكتاب.

النوع الثاني: من ضلالاتهم: ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن النبي عليه السلام كان إذا أمرهم بشيء قالوا في الظاهر: سمعنا، وقالوا في أنفسهم: وعصينا والثاني: أنهم كانوا يظهرون قولهم: سمعنا وعصينا، إظهاراً للمخالفة، واستحقاراً للأمر.

النوع الثالث: من ضلالتهم قوله: ﴿ واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ .

واعلم أن هذه الكلمة ذو وجهين يحتمل المدح والتعظيم، ويحتمل الاهانة والشتم.

أما أنه يحتمل المدح فهو أن يكون المراد اسمع غير مسمع مكروها، وأما أنه محتمل للشتم والذم فذاك من وجوه: الأول: أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: اسمع، ويقولون في أنفسهم: لا سمعت، فقوله: ﴿ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ معناه: غير سامع، فإن السامع مسمع، والمسمع سامع.

الثاني: غير مسمع، أي غير مقبول منك، ولا تجاب إلى ما تدعو اليه، ومعناه غير مسمع جوابا يوافقك، فكأنك ما أسمعت شيئا.

الثالث: اسمع غير مسمع كلاما ترضاه، ومتى كان كذلك فإن الإنسان لا يسمعه لنبو سمعه عنه، فثبت بما ذكرنا أن هذه الكلمة محتملة للذم والمدح، فكانوا يذكرونها لغرض الشتم.

النوع الرابع: من ضلالاتهم قولهم: ﴿ وراعنا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدين ﴾ أما تفسير ﴿ راعنا ﴾ فقد ذكرناه في سورة البقرة وفيه وجوه: الأول: أن هذه كلمة كانت تجري بينهم على جهة الهزء والسخرية، فلذلك نهى المسلمون أن يتلفظوا بها في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم.

الثاني: قوله: ﴿ راعنا ﴾ معناه ارعنا سمعك، أي اصرف سمعك إلى كلامنا وأنصت لحديثنا وتفهم، وهذا مما لا يخاطب به الأنبياء عليهم السلام، بل إنما يخاطبون بالإجلال والتعظيم.

الثالث: كانوا يقولون راعنا ويوهمونه في ظاهر الأمر أنهم يريدون أرعنا سمعك، وكانوا يريدون سبه بالرعونة في لغتهم.

الرابع: أنهم كانوا يلوون ألسنتهم حتى يصير قولهم: ﴿ راعنا ﴾ راعينا، وكانوا يريدون أنك كنت ترعى أغناما لنا، وقوله: ﴿ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ قال الواحدي: أصل (لياً) لويا، لأنه من لويت، ولكن الواو أدغمت في الياء لسبقها بالسكون، ومثله الطي وفي تفسيره وجوه: الأول: قال الفراء كانوا يقولون: راعنا ويريدون به الشتم، فذاك هو اللي، وكذلك قولهم: ﴿ غير مسمع ﴾ وأرادوا به لا سمعت، فهذا هو اللي.

الثاني: انهم كانوا يصلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير على سبيل النفاق.

الثالث: لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام على سبيل السخرية، كما جرت عادة من يهزأ بإنسان بمثل هذا الأفعال، ثم بين تعالى أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء لطعنهم في الدين، لأنهم كانوا يقولون لأصحابهم: إنما نشتمه ولا يعرف، ولو كان نبيا لعرف ذلك، فأظهر الله تعالى ذلك فعرفه خبث ضمائرهم، فانقلب ما فعلوه طعنا في نبوته دلالة قاطعة على نبوته، لأن الإخبار عن الغيب معجز.

فان قيل: كيف جاؤا بالقول المحتمل للوجهين بعدما حرفوا، وقالوا سمعنا وعصينا؟

والجواب من وجهين: الأول: أنا حكينا عن بعض المفسرين أنه قال: إنهم ما كانوا يظهرون قولهم: ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ بل كانوا يقولونه فى أنفسهم.

والثاني: هب أنهم أظهروا ذلك إلا أن جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان، ولا يواجهونه بالسب والشتم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا واسمع وانظرنا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ ﴾ والمعنى أنهم لو قالوا بدل قولهم: سمعنا وعصينا، سمعنا وأطعنا لعلمهم بصدقك ولإظهارك الدلائل والبينات مرات بعد مرات، وبدل قولهم: ﴿ واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ قولهم واسمع، وبدل قولهم: ﴿ راعنا ﴾ قولهم: ﴿ انظرنا ﴾ أي اسمع منا ما نقول، وانظرنا حتى نتفهم عنك لكان خيرا لهم عند الله وأقوم، أي أعدل وأصوب، ومنه يقال: رمح قويم أي مستقيم؛ وقومت الشيء من عوج فتقوم.

ثم قال: ﴿ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ ﴾ والمراد أنه تعالى إنما لعنهم بسبب كفرهم.

ثم قال: ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ وفيه قولان: أحدهما: أن القليل صفة للقوم، والمعنى فلا يؤمن منهم إلا أقوام قليلون.

ثم منهم من قال: كان ذلك القليل عبدالله بن سلام وأصحابه، وقيل: هم الذين علم الله منهم أنهم يؤمنون بعد ذلك.

والقول الثاني: أن القليل صفة للإيمان، والتقدير فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، فإنهم كانوا يؤمنون بالله والتوراة وموسى ولكنهم كانوا يكفرون بسائر الأنبياء، ورجح أبو علي الفارسي هذا القول على الأول، قال: لأن قليلا لفظ مفرد، ولو أريد به ناس لجمع نحو قوله: ﴿ إِنَّ هؤلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ  ﴾ ويمكن أن يجاب عنه بأنه قد جاء فعيل مفردا، والمراد به الجمع قال تعالى: ﴿ وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً  ﴾ وقال: ﴿ وَلَا يَسْـَٔلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا  يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍۭ بِبَنِيهِ  ﴾ فدل عود الذكر مجموعا إلى القبيلين على أنه أريد بهما الكثرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مّنَ الذين هَادُواْ ﴾ بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب: لأنهم يهود ونصارى.

وقوله: ﴿ والله أَعْلَمُ ﴾ ، ﴿ وكفى بالله ﴾ ، ﴿ وكفى بالله ﴾ جمل توسطت بين البيان والمبين على سبيل الاعتراض أو بيان لأعدائكم، وما بينهما اعتراض أو صلة لنصيراً، أي ينصركم من الذين هادوا، كقوله: ﴿ ونصرناه مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ ﴾ [الأنبياء: 77] ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ، على أن ﴿ يُحَرِّفُونَ ﴾ صفة مبتدأ محذوف تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون.

كقوله: وَمَا الدَّهْرُ إِلاَّ تَارَتَانِ فَمِنْهُمَا ** أَمُوتُ وَأُخْرَى أَبْتَغِي الْعَيْشَ أَكْدَحُ أي فمنهما تارة أموت فيها ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ يميلونه عنها ويزيلونه؛ لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلما غيره، فقد أمالوه عن مواضعه التي وضعها الله فيها، وأزالوه عنها، وذلك نحو تحريفهم (أسمر ربعة) عن موضعه في التوراة بوضعهم (آدم طوال) مكانه، ونحو تحريفهم (الرجم) بوضعهم (الحدّ) بدله: فإن قلت: كيف قيل هاهنا (عن مواضعه) وفي المائدة ﴿ من بعد مواضعه ﴾ [المائدة: 41] قلت: أمّا (عن مواضعه) فعلى ما فسرناه من إزالته عن مواضعه التي أوجبت حكمة الله وضعه فيها بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه.

وأمّا ﴿ من بعد مواضعه ﴾ فالمعنى: أنه كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقارّه، والمعنيان متقاربان.

وقرئ: ﴿ يحرفون الكلام ﴾ .

والكلم بكسر الكاف وسكون اللام: جمع كلمة تخفيف كلمة.

قولهم: ﴿ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ حال من المخاطب، أي اسمع وأنت غير مسمع، وهو قول ذو وجهين، يحتمل الذمّ أي اسمع منا مدعوا عليك بلا سمعت لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع، فكان أصم غير مسمع.

قالوا ذلك اتكالاً على أنّ قولهم لا سمعت دعوة مستجابة أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه.

ومعناه غير مسمع جواباً يوافقك، فكأنك لم تسمع شيئاً.

أو اسمع غير مسمع كلاماً ترضاه، فسمعك عنه ناب.

ويجوز على هذا أن يكون (غير مسمع) مفعول اسمع، أي اسمع كلاماً غير مسمع إياك، لأن أذنك لا تعيه نبوًّا عنه.

ويحتمل المدح، أي اسمع غير مسمع مكروهاً، من قولك: أسمع فلان فلاناً إذا سبه.

وكذلك قولهم: ﴿ راعنا ﴾ يحتمل راعنا نكلمك، أي ارقبنا وانتظرنا.

ويحتمل شبه كلمة عبرانية أو سريانية كانوا يتسابون بها، وهي: راعينا، فكانوا سخرية بالدين وهزؤا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمونه بكلام محتمل، ينوون به الشتيمة والإهانة ويظهرون به التوقير والإكرام ﴿ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ فتلا بها وتحريفاً، أي يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل، حيث يضعون (راعناً) موضع (انظرنا) و(غير مسمع) موضع: لا أسمعت مكروهاً.

أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً.

فإن قلت: كيف جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد ما صرحوا وقالوا: سمعنا وعصينا؟

قلت: جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان.

ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء.

ويجوز أن يقولوه فيما بينهم.

ويجوز أن لا ينطقوا بذلك، ولكنهم لما لم يؤمنوا جعلوا كأنهم نطقوا به.

وقرأ أبيّ: ﴿ وأنظرنا ﴾ ، من الإنظار وهو الإمهال.

فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: ﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ قلت: إلى (أنهم قالوا) لأن المعنى.

ولو ثبت قولهم سمعنا وأطعنا.

لكان قولهم ذلك خيراً لهم ﴿ وَأَقْوَمَ ﴾ وأعدل وأسدّ ﴿ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ ﴾ أي خذلهم بسبب كفرهم، وأبعدهم عن ألطافه ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ ﴾ إيماناً ﴿ قَلِيلاً ﴾ أي ضعيفاً ركيكاً لا يعبأ به، وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره، أو أراد بالقلة العدم، كقوله: قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُهُ أي عديم التشكي، أو إلا قليلاً منهم قد آمنوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ ﴾ بَيانٌ لِلَّذِينِ أُوتُوا نَصِيبًا فَإنَّهُ يَحْتَمِلُهم وغَيْرَهُمْ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ أوْ بَيانٌ لِأعْدائِكم أوْ صِلَةٌ لِنَصِيرًا.

أيْ يَنْصُرُكم مِنَ الَّذِينَ هادُوا ويَحْفَظُكم مِنهُمْ، أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ صِفَتُهُ يُحَرِّفُونَ.

﴿ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ﴾ أيْ مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ أيْ يُمِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ الَّتِي وضَعَهُ اللَّهُ فِيها بِإزالَتِهِ عَنْها وإثْباتِ غَيْرِهِ فِيها.

أوْ يُؤَوِّلُونَهُ عَلى ما يَشْتَهُونَ فَيُمِيلُونَهُ عَمّا أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ.

وقُرِئَ «الكِلْمَ» بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ جَمْعُ كَلِمَةٍ تَخْفِيفُ كَلِمَةٍ.

﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا ﴾ قَوْلَكَ.

﴿ وَعَصَيْنا ﴾ أمْرَكَ.

﴿ واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ أيْ مَدْعُوًّا عَلَيْكَ بِلا سَمِعْتَ لِصَمَمٍ أوْ مَوْتٍ، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُجابٍ إلى ما تَدْعُو إلَيْهِ، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ كَلامًا تَرْضاهُ، أوِ اسْمَعْ كَلامًا غَيْرَ مُسْمَعٍ إيّاكَ لِأنَّ أُذُنَكَ تَنْبُو عَنْهُ فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا مِن قَوْلِهِمْ أسْمَعَهُ فُلانٌ إذا سَبَّهُ، وإنَّما قالُوهُ نِفاقًا.

﴿ وَراعِنا ﴾ انْظُرْنا نُكَلِّمُكَ أوْ نَفْهَمُ كَلامَكَ.

﴿ لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ ﴾ فَتْلًا بِها وصَرْفًا لِلْكَلامِ إلى ما يُشْبِهُ السَّبَّ، حَيْثُ وضَعُوا راعِنا المُشابِهَ لِما يَتَسابُّونَ بِهِ مَوْضِعَ انْظُرْنا وغَيْرَ مُسْمَعِ مَوْضِعَ لا أُسْمِعْتَ مَكْرُوهًا، أوْ فَتْلًا بِها وضَمًّا لِما يُظْهِرُونَ مِنَ الدُّعاءِ والتَّوْقِيرِ إلى ما يُضْمِرُونَ مِنَ السَّبِّ والتَّحْقِيرِ نِفاقًا.

﴿ وَطَعْنًا في الدِّينِ ﴾ اسْتِهْزاءً بِهِ وسُخْرِيَةً.

﴿ وَلَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا ﴾ ولَوْ ثَبَتَ قَوْلُهم هَذا مَكانُ ما قالُوهُ.

﴿ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ ﴾ لَكانَ قَوْلُهم ذَلِكَ خَيْرًا لَهم وأعْدَلَ، وإنَّما يَجِبُ حَذْفُ الفِعْلِ بَعْدَ لَوْ في مِثْلِ ذَلِكَ لِدَلالَةِ أنَّ عَلَيْهِ ووُقُوعِهِ مَوْقِعَهُ.

﴿ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ ولَكِنْ خَذَلَهُمُ اللَّهُ وأبْعَدَهم عَنِ الهُدى بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.

﴿ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا ﴾ أيْ إلّا إيمانًا قَلِيلًا لا يَعْبَأُ بِهِ وهو الإيمانُ بِبَعْضِ الآياتِ والرُّسُلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالقِلَّةِ العَدَمُ كَقَوْلِهِ: قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُهُ أوْ إلّا قَلِيلًا مِنهم آمَنُوا أوْ سَيُؤْمِنُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مّنَ الذين هَادُواْ} بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب أو بيان لأعدائكم وما بينهما اعتراض أو يتعلق بقوله {نصيراً} أي ينصركم من الذين هادوا كقوله {ونصرناه مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ بآياتنا} أو يتعلق بمحذوف تقديره من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم فقوم مبتدأ ويحرفون صفة له والخبر من الذين هادوا مقدم عليه وحذف الموصوف وهو قوم وأقم صفته وهو {يُحَرِّفُونَ الكلم عَن

مواضعه} يميلونه عنها ويزيلونه لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلماً غيره فقد أمالوه عن مواضعه في التوراة التي وضعه الله تعالى فيها وأزالوه عنها وذلك نحو تحريفهم أسمر ربعة عن موضعه في التوراة بوضعهم آدم طوال مكانه ثم ذكر هنا عن مواضعه وفي المائدة مِن بعد مواضعه فمعنى عن مواضعه على ما بينا من

النساء (٤٦ _ ٤٧)

إزالته عن مواضعه التي أوجبت حكمة الله وضعه فيها بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه ومعنى مِن بَعْدِ مواضعه أنه كان له مواضع هو جدير بأن يكون فيها فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقاره والمعنيان متقاران {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا} قولك {وَعَصَيْنَا} أمرك قيل أسرّوا به {واسمع} قولنا {غَيْرَ مُسْمَعٍ} حال من المخاطب أى اسمع وأنت غير مسمع هو قول ذو وجهين يحتمل الذم أي اسمع منا مدعواً عليك بلا سمعت لأنه لو أجبت دعوتهم عليه لم يسمع شيئاً فكان أصم غير مسمع قالوا ذلك اتكالاً على أن قولهم لا سمعت دعوة مستجابة أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعوا إليه ومعناه غير مسمع جواباً يوافقك فكأنك لم تسمع شيئاً أو إسمع غير مسمع كلاماً ترضاه فسمعك عنه ناب ويحتمل المدح أي اسمع غير مسمع مكروهاً من قولك أسمع فلان فلاناً إذا سبه وكذلك قوله {وراعنا} يحتمل راعنا نكلمك أي ارقبنا وانتظرنا ويحتمل سبه كلمة عبرانية أو سريانية كانوا يتسابون بها وهى راعنا فكانوا سخرية بالدين وهزؤا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمونه بكلام محتمل ينوون به الشتيمة والإهانة ويظهرون به التوقير والإكرام {ليا بألسنتهم} فتلابها وتحريفاً أي يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون راعنا موضع انظرنا وغير مسمع موضع لا سمعت مكروهاً أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً {وَطَعْناً فِي الدين} هو قولهم لو كان نبياً حقاً لأخبر بما نعتقد فيه {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} ولم يقولوا وعصينا {واسمع} ولم يلحقوا به {غير مسمع

وانظرنا} مكان راعنا {لَكَانَ} قولهم ذاك {خَيْراً لَّهُمْ} عند الله {وَأَقْوَمَ} وأعدل وأسد {وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ} طردهم وأبعدهم عن رحمته بسبب اختيارهم الكفر {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} منهم قد آمنوا كعبد الله ابن سلام وأصحابه أو إلا إيماناً قليلاً ضعيفاً لا يعبأ به وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ قِيلَ: بَيانٌ (لِلَّذِينَ أُوتُوا) المُتَناوَلِ بِحَسَبِ المَفْهُومِ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ، وقَدْ وُسِّطَ بَيْنَهُما ما وُسِّطَ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِ مَحَلِّ التَّشْنِيعِ والتَّعْجِيبِ، والمُسارَعَةِ إلى تَنْفِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنْهُمْ، والِاهْتِمامِ بِحَثِّهِمْ عَلى الثِّقَةِ بِاللَّهِ تَعالى، والِاكْتِفاءِ بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ.

واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الفارِسِيَّ قَدْ مَنَعَ الِاعْتِراضَ بِجُمْلَتَيْنِ فَما ظَنُّكُ بِالثَّلاثِ؟!

وأجابَ الحَلَبِيُّ بِأنَّ الخِلافَ إذا لَمْ يَكُنْ عَطْفٌ - والجُمَلُ هُنا مُتَعاطِفَةٌ - وبِهِ يَصِيرُ الشَّيْئانِ شَيْئًا واحِدًا، وقِيلَ: إنَّهُ بَيانٌ لِأعْدائِكُمْ، وفِيهِ أنَّهُ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِطائِفَةٍ مِن أعْدائِهِمْ، لا سِيَّما في مَعْرِضِ الِاعْتِراضِ، وقِيلَ: إنَّهُ صِلَةٌ لِـ(نَصِيرٍ) أيْ: يَنْصُرُكم (مِنَ الَّذِينَ هادُوا)، وفِيهِ تَحْجِيرٌ لِواسِعِ نُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى، مَعَ أنَّهُ لا داعِيَ لِوَضْعِ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الأعْداءِ، وكَوْنُ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وصْفًا مُلائِمًا لِلنَّصْرِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ﴾ صِفَةٌ لَهُ، أيْ (مِنَ الَّذِينَ هادُوا) قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ، ويَتَعَيَّنُ هَذا في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، و(مِنَ الَّذِينَ) وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ المُبْتَدَأ إذا وُصِفَ بِجُمْلَةٍ أوْ ظَرْفٍ وكانَ بَعْضَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِمِن أوْ في مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ يَطَّرِدُ حَذْفُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ والفَرّاءُ يَجْعَلُ المُبْتَدَأ المَحْذُوفَ اسْمًا مَوْصُولًا و(يُحَرِّفُونَ) صِلَتُهُ، أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا مَن يُحَرِّفُونَ، والبَصْرِيُّونَ يَمْنَعُونَ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَقاءِ صِلَتِهِ، إلّا أنَّهُ يُؤَيِّدُهُ ما في مُصْحَفِ حَفْصَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها (مَن يُحَرِّفُونَ).

واعْتُرِضَ هَذا أيْضًا بِأنَّهُ يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ كَوْنَ الفَرِيقِ السّابِقِ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْرِيفِ الَّذِي هو المِصْداقُ لاشَتْرائِهِمْ في الحَقِيقَةِ و(الكَلِمُ) اسْمُ جِنْسٍ، واحِدُهُ كَلِمَةٌ، كَلَبِنَةٍ ولَبِنٍ، ونَبِقَةٍ ونَبِقٍ، وقِيلَ: جَمْعٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ مِنَ المُخْتارِ.

ولَعَلَّ مَن أطْلَقَهُ عَلَيْهِ أرادَ المَعْنى اللُّغَوِيَّ، أعْنِي ما يَدُلُّ عَلى ما فَوْقَ الِاثْنَيْنِ مُطْلَقًا، وتَذْكِيرُ ضَمِيرِهِ بِاعْتِبارِ أفْرادِهِ لَفْظًا، وجَمْعِيَّتُهُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِهِ مَعْنًى، وقُرِئَ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ جَمْعَ (كِلْمَةٍ) تَخْفِيفَ (كَلِمَةٍ) بِنَقْلِ كَسْرَةِ اللّامِ إلى الكافِ، وقُرِئَ (يُحَرِّفُونَ) الكَلامَ، والمُرادُ بِهِ ها هُنا إمّا ما في التَّوْراةِ وإمّا ما هو أعَمُّ مِنهُ، ومِمّا سَيُحْكى عَنْهم مِنَ الكَلِماتِ الواقِعَةِ مِنهم في أثْناءِ مُحاوَرَتِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والأوَّلُ هو المَأْثُورُ عَنِ السَّلَفِ كابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وغَيْرِهِما، وتَحْرِيفُ ذَلِكَ إمّا إزالَتُهُ عَنْ مَواضِعِهِ الَّتِي وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ التَّوْراةِ كَتَحْرِيفِهِمْ (رَبْعَةً) في نَعْتِ النَّبِيِّ  ووَضْعِهِمْ مَكانَهُ (طِوالٌ) وكَتَحْرِيفِهِمُ الرَّجْمَ ووَضْعِ الحَدِّ مَوْضِعَهُ، وإمّا صَرَفُهُ عَنِ المَعْنى الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ إلى ما لا صِحَّةَ لَهُ بِالتَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ والتَّمَحُّلاتِ الزّائِغَةِ، كَما تَفْعَلُهُ المُبْتَدَعَةُ في الآياتِ القُرْآنِيَّةِ المُخالِفَةِ لِمَذْهَبِهِمْ.

ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما رَواهُ البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كَيْفَ تَسْألُونَ أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ وكِتابُكُمُ الَّذِي أنْزَلَ عَلى رَسُولِهِ أحْدَثُ، تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ، وقَدْ حَدَّثَكم أنَّ أهْلَ الكِتابِ بَدَّلُوا كِتابَ اللَّهِ تَعالى وغَيَّرُوهُ وكَتَبُوا بِأيْدِيهِمُ الكِتابَ، وقالُوا: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَّنا قَلِيلًا» واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ ذَلِكَ في الكِتابِ الَّذِي بَلَغَتْ آحادُ حُرُوفِهِ وكَلِماتِهِ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، وانْتَشَرَتْ نُسَخُهُ شَرْقًا وغَرْبًا؟!

وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ اشْتِهارِ الكِتابِ في الآفاقِ وبُلُوغِهِ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، وفِيهِ بَعْدٌ، وإنْ أُيِّدَ بِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ في نُسَخِ التَّوْراةِ الَّتِي عِنْدَ طَوائِفِ اليَهُودِ، وقِيلَ: إنَّ اليَهُودَ فَعَلُوا ذَلِكَ في نُسَخٍ مِنَ التَّوْراةِ لِيُضِلُّوا بِها، ولَمّا لَمْ تَرُجْ عَدَلُوا إلى التَّأْوِيلِ، والمُرادُ مِن (مَواضِعِهِ) عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ الأعَمِّ ما يَلِيقُ بِهِ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِتَعْيِينِهِ تَعالى صَرِيحًا كَمَواضِعَ ما في التَّوْراةِ، أوْ بِتَعْيِينِ العَقْلِ والدِّينِ كَمَواضِعِ غَيْرِهِ.

وأصْلُ التَّحْرِيفِ إمالَةُ الشَّيْءِ إلى حَرْفٍ أيْ طَرَفٍ، فَإذا كانَ (يُحَرِّفُونَ) بِمَعْنى يُزِيلُونَ كانَ كِنايَةً؛ لِأنَّهم إذا بَدَّلُوا الكَلِمَ ووَضَعُوا مَكانَهُ غَيْرَهُ لَزِمَ أنَّهم أمالُوهُ عَنْ مَواضِعِهِ وحَرَّفُوهُ، والفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما يَأْتِي في سُورَةِ المائِدَةِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ ﴾ أنَّ الثّانِيَ أدَلُّ عَلى ثُبُوتِ مَقارِّ الكَلِمِ واشْتِهارِها مِمّا هُنا؛ وذَلِكَ لِأنَّ الظَّرْفَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَعْدَما ثَبُتَ المَوْضِعُ وتَقَرَّرَ حَرَّفُوهُ عَنْهُ، واخْتارَ ذَلِكَ هُنالِكَ لَأنَّ فِيهِ ما يَقْتَضِي الإتْيانَ بِالأدَلِّ الأبْلَغِ.

(ويَقُولُونَ) عَطْفٌ عَلى (يُحَرِّفُونَ) وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ القَوْلُ اللِّسانِيُّ بِمَحْضَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - واخْتارَ البَعْضُ حَمْلَهُ عَلى ما يَعُمُّ ذَلِكَ وما يُتَرْجَمُ عَنْهُ عِنادُهم ومُكابَرَتُهم لِيَنْدَرِجَ فِيهِ ما نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَةُ حالِهِمْ عِنْدَ تَحْرِيفِ التَّوْراةِ، ولا يُقَيَّدُ حِينَئِذٍ بِزَمانٍ أوْ مَكانٍ، ولا يُخَصَّصُ بِمادَّةٍ دُونَ مادَّةٍ، ويُحْتاجُ إلى ارْتِكابِ عُمُومِ المَجازِ لِئَلّا يَلْزَمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، والمَعْنى عَلَيْهِ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ التَّحْرِيفِ يَقُولُونَ ويَفْهَمُونَ في كُلِّ أمْرٍ مُخالِفٍ لِأهْوائِهِمُ الفاسِدَةِ سَواءً كانَ بِمَحْضَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ؛ عِنادًا وتَحْقِيقًا لِلْمُخالَفَةِ.

﴿ سَمِعْنا ﴾ أيْ: فَهْمِنا ﴿ وعَصَيْنا ﴾ أيْ: لَمْ نَأْتَمِرْ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ الرّاغِبُ ﴿ واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ سَمِعْنا ﴾ داخِلٌ مَعَهُ تَحْتَ القَوْلِ، لَكِنْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ لِسانِيٌّ، وفي أثْناءِ مُخاطَبَتِهِ  وهو كَلامٌ ذُو وجْهَيْنِ، مُحْتَمِلٌ لِلشَّرِّ والخَيْرِ، ويُسَمّى في البَدِيعِ بِالتَّوْجِيهِ، كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، ومَثَّلُوا لَهُ بِقَوْلِهِ: خاطَ لِي عَمْرٌو قَباءْ ∗∗∗ لَيْتَ عَيْنَيْهِ سَواءْ واحْتِمالُهُ لِلشَّرِّ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى (اسْمَعْ) مَدْعُوًّا عَلَيْكَ بِلا سَمِعْتَ أوِ (اسْمَعْ غَيْرَ) مُجابٍ إلى ما تَدْعُو إلَيْهِ، أوِ (اسْمَعْ) نابِي السَّمْعِ عَمّا تَسْمَعُهُ لِكَراهِيَتِهِ عَلَيْكَ، أوِ (اسْمَعْ) كَلامًا (غَيْرَ مُسْمَعٍ) إيّاكَ؛ لِأنَّ أُذُنَيْكَ تَنْبُو عَنْهُ، فَـ(غَيْرَ) إمّا حالٌ لا غَيْرُ، وإمّا مَفْعُولٌ بِهِ، وصَحَّتِ الحالِيَّةُ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ بِاعْتِبارِ أنَّ الدُّعاءَ هو المَقْصُودُ لَهُمْ، وأنَّهم لَمّا قَدَّرُوا - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - إجابَتَهُ صارَ كَأنَّهُ واقِعٌ مُقَرَّرٌ، واحْتِمالُهُ لِلْخَيْرِ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى (اسْمَعْ) مِنّا (غَيْرَ مُسْمَعٍ) مَكْرُوهًا مِن قَوْلِهِمْ: أسْمَعَهُ فُلانٌ إذا سَبَّهُ، وكانَ أصْلُهُ: أُسْمِعُهُ ما يَكْرَهُ، فَحُذِفَ مَفْعُولُهُ نَسْيًا مَنسِيًّا، وتُعُورِفَ في ذَلِكَ، وقَدْ كانُوا - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - يُخاطِبُونَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  - اسْتِهْزاءً، مُظْهِرِينَ لَهُ  المَعْنى الأخِيرَ، وهم يُضْمِرُونَ سِواهُ.

﴿ وراعِنا ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ: ويَقُولُونَ أيْضًا في أثْناءِ خِطابِهِمْ لَهُ  هَذا، وهو ذُو وجْهَيْنِ كَسابِقِهِ، فاحْتِمالُهُ لِلْخَيْرِ عَلى مَعْنى (أمْهِلْنا وانْظُرْ إلَيْنا) أوِ انْتَظِرْنا نُكَلِّمْكَ، واحْتِمالُهُ لِلشَّرِّ بِحَمْلِهِ عَلى السَّبِّ، فَفي التَّيْسِيرِ: إنَّ (راعَنا) بِعَيْنِهِ مِمّا يَتَسابُّونَ بِهِ، وهو لِلْوَصْفِ بِالرُّعُونَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ يُشْبِهُ كَلِمَةَ سَبٍّ عِنْدِهِمْ عِبْرانِيَّةً أوْ سُرْيانِيَّةً، وهي (راعِينا) وقِيلَ: بَلْ كانُوا يُشْبِعُونَ كَسْرَ العَيْنِ، ويَعْنُونَ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - أنَّهُ - وحاشاهُ  - بِمَنزِلَةِ خَدَمِهِمْ ورُعاةِ غَنَمِهِمْ، وقَدْ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ مُظْهِرِينَ الِاحْتِرامَ والتَّوْقِيرَ، مُضْمِرِينَ ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ.

وهَذا نَوْعٌ مِنَ النِّفاقِ ولا يُنافِيهِ تَصْرِيحُهم بِالعِصْيانِ لِما قِيلَ: إنَّ جَمِيعَ الكُفّارِ يُخاطِبُونَ النَّبِيَّ  - بِالكُفْرِ، ولا يُخاطِبُونَهُ بِالسَّبِّ والذَّمِّ والدُّعاءِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - واعْتُرِضَ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا وجْهَ لِإيرادِ السَّماعِ والعِصْيانِ مَعَ التَّحْرِيفِ وإلْقاءِ الكَلامِ المُحْتَمَلِ احْتِيالًا، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المَقْصُودُ عَلى هَذا عَدُّ صِفاتِهِمُ الذَّمِيمَةِ، لا مُجَرَّدُ التَّحْرِيفِ والِاحْتِيالِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُحَرِّفُونَ كِتابَهم ويُجاهِرُونَ بِإنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  وقِيلَ: إنْ قَوْلَهم (سَمِعْنا وعَصَيْنا) لَمْ يَكُنْ بِمَحْضَرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَلْ كانَ فِيما بَيْنَهُمْ، فَلا يُنافِي نِفاقَهم في الجُمْلَتَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقِيلَ: القَوْلُ نَظَرًا إلى الجُمْلَةِ الأُولى حالِيٌّ وإلى الجُمْلَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ لِسانِيٌّ، وقِيلَ: إنَّ الأُولى أيْضًا ذاتُ وجْهَيْنِ كالأخِيرَتَيْنِ؛ إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُمْ: أطَعْنا أمْرَكَ وعَصَيْنا أمْرَ قَوْمِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم ما تَقَدَّمَ.

ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يُرادَ بِتَحْرِيفِ الكَلِمِ إمالَتُها عَنْ مَواضِعِها، سَواءٌ كانَتْ مَواضِعَ وضَعَها اللَّهُ تَعالى فِيها أوْ جَعَلَها المَقامُ والعُرْفُ مَواضِعَ لِذَلِكَ، فَيَكُونُ المَعْنى: هم قَوْمٌ عادَتُهُمُ التَّحْرِيفُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَقُولُونَ ﴾ إلَخْ تَعْدادًا لِبَعْضِ تَحْرِيفاتِهِمْ، والمُرادُ: إنَّهم يَقُولُونَ لَكَ: (سَمِعْنا) وعِنْدَ قَوْمِهِمْ (عَصَيْنا) ويَقُولُونَ كَذا وكَذا، فَيُظْهِرُونَ لَكَ شَيْئًا ويُبْطِنُونَ خِلافَهُ.

﴿ لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ ﴾ اللَّيُّ يَكُونُ بِمَعْنى الِانْحِرافِ والِالتِفاتِ والِانْعِطافِ عَنْ جِهَةٍ إلى أُخْرى، ويَكُونُ بِمَعْنى ضَمِّ إحْدى =نَحْوَ= طاقاتِ الحَبْلِ عَلى الأُخْرى.

والمُرادُ بِهِ هُنا إمّا صَرْفُ الكَلامِ مِن جانِبِ الخَيْرِ إلى جانِبِ الشَّرِّ، وإمّا ضَمُّ أحَدِ الأمْرَيْنِ إلى الآخَرِ، وأصْلُهُ: (لَوِيَ) فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِـ(يَقُولُونَ) بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِالقَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ، وقِيلَ: بِالأقْوالِ جَمِيعِها، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ، أيْ: لاوِينَ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وطَعْنًا في الدِّينِ ﴾ أيْ قَدْحًا فِيهِ بِالِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكُلٌّ مِنَ الظَّرْفَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ ﴿ ولَوْ أنَّهُمْ ﴾ عِنْدَما سَمِعُوا شَيْئًا مِن أوامِرَ اللَّهِ تَعالى ونَواهِيهِ ﴿ قالُوا ﴾ بِلِسانِ المَقالِ، كَما هو الظّاهِرُ، أوْ بِهِ وبِلِسانِ الحالِ كَما قِيلَ ﴿ سَمِعْنا ﴾ سَماعَ قَبُولٍ مَكانَ قَوْلِهِمْ: ﴿ سَمِعْنا ﴾ المُرادُ بِهِ سَماعُ الرَّدِّ ﴿ وأطَعْنا ﴾ مَكانَ قَوْلِهِمْ: عَصَيْنا واسْمَعْ بَدَلَ قَوْلِهِمُ: اسْمَعْ غَيْر مَسْمَع.

﴿ وانْظُرْنا ﴾ بَدَلَ قَوْلِهِمْ: ﴿ راعِنا ﴾ ، ﴿ لَكانَ ﴾ قَوْلُهم هَذا ﴿ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ وأنْفَعَ مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ ﴿ وأقْوَمَ ﴾ أيْ: أعْدَلَ في نَفْسِهِ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ إمّا عَلى بابِها، واعْتِبارُ أصْلِ الفِعْلِ في المُفَضَّلِ عَلَيْهِ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أوْ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ، وإمّا بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ (مِن)، وفي تَقْدِيمِ حالِ القَوْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ عَلى حالِهِ في نَفْسِهِ إيماءٌ إلى أنَّ هِمَمَ اليَهُودِ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - طَمّاحَةٌ إلى ما يَنْفَعُهُمْ، والمُنْسَبِكُ مِن (أنْ) وما بَعْدَها فاعِلُ (ثَبَتَ) المُقَدِّرِ لِدَلالَةِ أنْ عَلَيْهِ، أيْ: لَوْ ثَبَتَ قَوْلُهُمْ: (سَمْعُنا) إلَخْ، وهو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ لا خَبَرَ لَهُ، وقِيلَ: خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ.

﴿ ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ أيْ ولَكِنْ لَمْ يَقُولُوا الأنْفَعَ والأقْوَمَ، واسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ، فَخَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأبْعَدَهم عَنِ الهُدى بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ﴿ فَلا يُؤْمِنُونَ ﴾ بَعْدُ ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ .

اخْتارَ العَلّامَةُ الثّانِيَ كَوْنَهُ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في (لَعَنَهُمُ) أيْ: ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلّا فَرِيقًا قَلِيلًا مِنهم فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَلْعَنْهُمْ، فَلِهَذا آمَنَ مَن آمَنَ مِنهُمْ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، وقِيلَ: هو مُسْتَثْنًى مِن فاعِلِ (يُؤْمِنُونَ) ويَتَّجِهُ عَلَيْهِ أنَّ الوَجْهَ حِينَئِذٍ الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامٍ غَيْرِ مُوجِبٍ، مَعَ أنَّ القُرّاءَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلى النَّصْبِ، ويَبْعُدُ مِنهُمُ الِاتِّفاقُ عَلى غَيْرِ المُخْتارِ، مَعَ أنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ إيمانِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى وخَذَلَهُ، إلّا أنْ يُحْمَلَ ﴿ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ عَلى لَعْنِ أكْثَرِهِمْ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا؛ لِأنَّهم وحَّدُوا، وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وشَرِيعَتِهِ، والإيمانُ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ لا الإيمانُ الشَّرْعِيُّ، وجُوِّزَ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يُرادَ بِالقِلَّةِ العَدَمَ كَما في قَوْلِهِ: قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُهُ ∗∗∗ كَثِيرُ الهَوى شَتّى النَّوى والمَسالِكِ والمُرادُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا إيمانًا مَعْدُومًا، إمّا عَلى حَدِّ ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى ﴾ أيْ إنْ كانَ المَعْدُومُ إيمانًا فَهم يُحْدِثُونَ شَيْئًا مِنَ الإيمانِ فَهو مِنَ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ، أوْ أنَّ ما أحْدَثُوهُ مِنهُ لَمّا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلى ما لا بُدَّ مِنهُ كانَ مَعْدُومًا انْعِدامَ الكُلِّ بِجُزْئِهِ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يعني: أعطوا حظا من علم التوراة يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ يعني: يختارون الكفر على الإسلام.

قال القتبي: وهذا من الاختصار، ومعناه يشترون الضلالة بالهدى، أي يستبدلون هذا بهذا، كقوله: إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا [سورة الإسراء: 34] أي مسؤولاً عنه.

ثم قال تعالى: وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ أي تتركوا طريق الهدى، وهو طريق الإسلام وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ أي علم بعداوتهم إياكم، يعني هو يعلم بالحقيقة وأنتم تعلمون الظاهر.

ويقال: هذا وعيد لهم، فكأنه يقول: هو أعلم بعذابهم كما قال في آية أخرى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ [سورة الأنعام: 58] يعني عليم بعقوبتهم ومجازاتهم.

ثم قال تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا أي ناصراً لكم، ومعيناً لكم وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً يعني مانعاً لكم.

قوله تعالى مِنَ الَّذِينَ هادُوا أي مالوا عن الهدى.

قال الزجاج: مِنَ الَّذِينَ هادُوا فيه قولان: فجائز أن يكون من صلة، والمعنى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا، ويجوز أن يكون معناه من الذين هادوا قوم يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ أي يحرفون نعته عن مواضعه، وهو نعت محمد  وَيَقُولُونَ سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ منك وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ أي يلوون لسانهم بالسب وَطَعْناً فِي الدِّينِ أي في دين الإسلام.

قال القتبي: كانوا يقولون للنبي  إذا حدثهم وأمرهم سمعنا، ويقولون في أنفسهم وعصينا.

وإذا أرادوا أن يكلموه بشيء قالوا: اسمع يا أبا القاسم.

ويقولون في أنفسهم: لا سمعت.

ويقولون: راعنا يوهمونه في ظاهر اللفظ أنهم يريدون انظرنا حتى نكلمك بما تريد، ويريدون به السب بالرعونة لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ أي قلباً للكلام بها وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا مكان سمعنا وعصينا وَاسْمَعْ مكان اسمع لا سمعت وَانْظُرْنا مكان قولهم راعنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ أي وأصوب من التحريف والطعن.

ثم قال تعالى: وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أي خذلهم الله وطردهم، مجازاة لهم بكفرهم فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا يعني: لا يؤمنون، إلا بالقليل، لأنهم لا يؤمنون بالقرآن، ولا يؤمنون بجميع ما عندهم، ولا بسائر الكتب، وإنما يصدقون ببعض ما عندهم.

ويقال: لا يؤمنون إلا القليل منهم، وهم مؤمنو أهل الكتاب.

ويقال: إنهم لا يؤمنون وهم بمنزلة رجل يقول: فلان قليل الخير، يعني لا خير فيه.

ثم خوفهم فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا أي صدقوا بالقرآن مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ أي موافقاً للتوراة في التوحيد وبعض الشرائع مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها وطمسها أن يردها على بصائر الهدى، ويقال طمسها أن يحول الوجوه إلى الأقفية.

ويقال: يخسف الأنف والعين فيجعلها طمساً.

ويقال: من قبل أن يطمس أي تسود الوجوه.

قال بعضهم: يعني به في الآخرة.

ويقال: هذا تهديد لهم في الدنيا.

وذكر أن عبد الله بن سلام قدم من الشام، فلم يأتِ أهله حتى آتي رسول الله  ، وقال: ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي.

ويقال: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً يعني وجه القلب، وهو كناية عن القسوة.

وقال مقاتل: يعني من قبل أن تحول القبلة كقوله لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها [سورة البقرة: 148] ثم قال تعالى: أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ أي نمسخهم كما مسخنا أصحاب السبت القردة.

ثم قال وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا أي كائناً، وهذا وعيد من الله تعالى لهم ليعتبروا ويرجعوا.

قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ أي دون الشرك لِمَنْ يَشاءُ يعني لمن مات موحداً نزلت الآية في شأن وحشي قاتل حمزة، وذلك أن الناس لما التقوا يوم أحد وقد جعل لوحشي جزاء إن قتل حمزة فقتله، لم يوف له، فلما قدم مكة ندم على صنعه الذي صنع هو وأصحابه معه، فكتبوا إلى رسول الله  كتاباً إنا قد ندمنا على ما صنعنا، وإنه ليس يمنعنا من الدخول معك إلا أنا سمعناك تقول: إذ كنت عندنا بمكة وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [سورة الفرقان: 68] إلى قوله يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [سورة الفرقان: 69] وقد دعونا مع الله إلها آخر، وقتلنا النفس، وزنينا، فلولا هذه الآيات لا تبعناك، فنزل إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً [سورة مريم: 60] فبعث رسول الله  بهذه الآيات إلى وحشي وأصحابه، فلما قرءوا كتبوا إليه أن هذا شرط شديد، فنخاف ألا نعمل عملاً صالحاً فلا نكون من أهل هذه الآية.

فنزل إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فبعث إليهم فقرؤوها، فبعثوا إليه فقالوا: إن في هذه الآية شرطاً أيضاً نخاف ألا نكون من أهل مشيئته، فنزل قوله قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [سورة الزمر: 53] فبعثها إليهم، فلما قرءوها وجدوها أوسع مما كان قبلها، فدخل هو وأصحابه في الإسلام.

وروي عن ابن عمر أنه قال: كنا إذا مات الرجل منا على كبيرة، شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فأمسكنا عن الشهادة.

وهذه الآية رد على من يقول: إن من مات على كبيرة يخلد في النار، لأن الله تعالى قد ذكر في آية أخرى إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [سورة هود: 114] يعني ما دون الكبائر، فلم يبق لهذه المشيئة موضع سوى الكبائر.

ثم قال تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً يعني اختلق على الله كذباً عظيماً.

ويقال: فقد أذنب ذنباً عظيماً.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ...

الآية: أَلَمْ تَرَ: مِنْ رؤية القَلْب، وهي عِلْمٌ بالشيء، والمراد ب «الّذين» : اليهود قاله قتادة وغيره «١» ، ثم اللفظ يتناوَلُ معهم النصارى، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدِ بنِ التَّابُوتِ اليهوديِّ «٢» ، والكتابُ: التوراةُ والإنجيلُ، ويَشْتَرُونَ: عبارةٌ عن إيثارهم الكفْرَ، وتركِهِمُ الإيمانَ، وقالتْ فرقة: أراد الَّذِينَ كانوا يُعْطُون أموالهم للأحبارِ على إقامةِ شَرْعِهِمْ، فهو شراءٌ حقيقةً، وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ معناه: أنْ تَكْفُروا.

وقوله سبحانه: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ خبرٌ في ضمنه التحذيرُ منهم، وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا، أيْ: اكتفوا باللَّه وليًّا.

وقوله سبحانه: مِنَ الَّذِينَ هادُوا، قال بعضُ المتأوِّلين: «مِنْ» راجعةٌ على «الَّذِينَ» الأولى، وقالتْ فرقة: «مِنْ» متعلِّقة ب «نَصِيراً» ، والمعنى: ينصُرُكم من الذين هَادُوا، فعلى هذين التأويلَيْن لا يُوقَفُ في قوله: «نَصِيراً» ، وقالتْ فرقة: هي ابتداء كلامٍ، وفيه إضمارٌ، تقديره: قَوْمٌ يحرِّفون، وهذا مذهبُ أبي عَلِيٍّ، وعلى هذا التأويلِ يُوقَفُ في «نَصِيراً» ، وقول سيبَوَيْهِ أصْوَبُ/ لأنَّ إضمار الموصولِ ثقيلٌ، وإضمار الموصوفِ أسهلُ، وتحريفهم للكلامِ على وجْهَيْنِ، إما بتغييرِ اللفظِ، وقد فَعَلُوا ذلك في الأقَلِّ، وإمَّا بتغيير التَّأْويلِ، وقد فَعَلُوا ذلك في الأكْثَرِ، وإليه ذهب الطَّبَرِيُّ «٣» ، وهذا كلُّه في التوراة على قولِ الجُمْهورِ، وقالتْ طائفة: هو كَلِمُ القرآن، وقال مكّيّ: هو كلام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فالتَّحْرِيفُ على هذا في التأويلِ.

وقوله تعالى عنهم: سَمِعْنا وَعَصَيْنا عبارةٌ عَنْ عُتُوِّهم في كفرهم وطغيانهم فيه، وغَيْرَ مُسْمَعٍ: يتخرّج فيه معنيان:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، ومالِكٍ ابْنِ الضَّيْفِ، وكَعْبِ بْنِ أُسِيدٍ، وكُلُّهم يَهُودٌ.

وفي "مِن" قَوْلانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.

أحَدُهُما: أنَّها مِن صِلَةِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، فَيَكُونُ المَعْنى: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ مِنَ الَّذِينَ هادَوْا.

والثّانِي: أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ، فالمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: يُحَرِّفُونَ، صِفَةٌ، ويَكُونُ المَوْصُوفُ مَحْذُوفًا، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ والمَعْنى: فَمِنهُما تارَةٌ أمُوتُ فِيها، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: والمَعْنى: وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا مِنَ الَّذِينَ هادَوْا، أيْ: إنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ عَلَيْهِمْ.

فَأمّا "التَّحْرِيفُ"، فَهو التَّغْيِيرُ.

و"الكَلِمُ": جَمْعُ كَلِمَةٍ.

وقِيلَ: إنَّ "الكَلامَ" مَأْخُوذٌ مِنَ "الكَلِمِ"، وهو الجُرْحُ الَّذِي يَشُقُّ الجِلْدَ واللَّحْمَ، فَسُمِّيَ الكَلامُ كَلامًا، لِأنَّهُ يَشُقُّ الأسْماعَ بِوُصُولِهِ إلَيْها، وقِيلَ: بَلْ لِتَشْقِيقِهِ المَعانِيَ المَطْلُوبَةَ في أنْواعِ الخِطابِ.

وَفِي مَعْنى تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَسْألُونَ النَّبِيَّ  عَنِ الشَّيْءِ، فَإذا خَرَجُوا، حَرَّفُوا كَلامَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ تَبْدِيلُهُمُ التَّوْراةَ قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَنْ مَواضِعِهِ ﴾ أيْ: عَنْ أماكِنِهِ ووُجُوهِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: سَمِعْنا قَوْلَكَ، وعَصَيْنا أمْرَكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: اسْمَعْ لا سَمِعَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: اسْمَعْ غَيْرَ مَقْبُولٍ ما تَقُولُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في (البَقَرَةِ) مَعْنى: وراعِنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ ﴾ قالَ قَتادَةُ: "اللَّيُّ": تَحْرِيكُ ألْسِنَتِهِمْ بِذَلِكَ.

وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى "لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ": أنَّهم يُحَرِّفُونَ "راعِنا" عَنْ طَرِيقِ المُراعاةِ، والِانْتِظارِ إلى السَّبِّ بِالرُّعُونَةِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ مِمّا بَدَّلُوا، و(أقُومُ) أيْ: أعْدَلُ، ﴿ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ بِمُحَمَّدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فَلا يُؤْمِنُ مِنهُمُ الّا قَلِيلٌ، وهم عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، ومَن تَبِعَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا إيمانًا قَلِيلًا، قالَهُ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ.

قالَ مُقاتِلٌ: وهو اعْتِقادُهم أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم ورَزَقَهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَبِيلَ ﴾ ﴿ واللهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكم وكَفى بِاللهِ ولِيًّا وكَفى بِاللهِ نَصِيرًا ﴾ ﴿ مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عن مَواضِعِهِ ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِينِ ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا ﴾ الرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ "ألَمْ تَرَ" مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وهي عِلْمٌ بِالشَيْءِ.

وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: ألَمْ تَعْلَمْ.

وقالَ آخَرُونَ: ألَمْ تُخْبَرْ، وهَذا كُلُّهُ يَتَقارَبُ.

والرُؤْيَةُ بِالقَلْبِ تَصِلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، وبِغَيْرِ حَرْفِ الجَرِّ.

والمُرادُ بِـ "الَّذِينَ": اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، ثُمَّ اللَفْظُ يَتَناوَلُ مَعَهُمُ النَصارى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في رِفاعَةِ بْنِ زَيْدِ بْنِ التابُوتِ اليَهُودِيِّ.

و"أُوتُوا" أُعْطُوا، والنَصِيبُ: الحَظُّ، والكِتابُ: التَوْراةُ والإنْجِيلُ، وإنَّما جُعِلَ المُعْطى نَصِيبًا في حَقِّ كُلِّ واحِدٍ مُنْفَرِدٍ لِأنَّهُ لا يَحْصُرُ عِلْمَ الكِتابِ واحِدٌ بِوَجْهٍ.

و"يَشْتَرُونَ" عِبارَةٌ عن إيثارِهِمُ الكُفْرَ وتَرْكِهِمُ الإيمانَ، فَكَأنَّهُ أخْذٌ وإعْطاءٌ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ الَّذِينَ كانُوا يُعْطُونَ أمْوالَهم لِلْأحْبارِ عَلى إقامَةِ شَرْعِهِمْ، فَهَذا شِراءٌ عَلى وجْهِهِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

﴿ وَيُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَبِيلَ ﴾ ، مَعْناهُ: أنْ تَكْفُرُوا، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "وَتُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَبِيلَ" بِالتاءِ مَنقُوطَةً مِن فَوْقٍ في "تُرِيدُونَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها تَقْتَضِي تَوْبِيخًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى اسْتِنامَةِ قَوْمٍ مِنهم إلى أحْبارِ اليَهُودِ، في سُؤالٍ عن دِينٍ، أو في مُوالاةٍ أو ما أشْبَهَ ذَلِكَ، وهَذا بَيِّنٌ في ألْفاظِها، فَمِن ذَلِكَ: ﴿ وَيُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا ﴾ ، أيْ: تَدَعُوا الصَوابَ في اجْتِنابِهِمْ، وتَحْسَبُوهم غَيْرَ أعْداءٍ، واللهُ أعْلَمُ بِهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ واللهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ ﴾ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ التَحْذِيرُ مِنهُمْ، و"بِاللهِ" في قَوْلِهِ: "وَكَفى بِاللهِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ زِيادَةِ الخافِضِ، وفائِدَةُ زِيادَتِهِ تَبْيِينُ مَعْنى الأمْرِ فِي لَفْظِ الخَبَرِ، أيِ: اكْتَفُوا بِاللهِ، فالباءُ تَدُلُّ عَلى المُرادِ مِن ذَلِكَ، "وَلِيًّا" فَعِيلًا، و"نَصِيرًا" كَذَلِكَ، مِنَ الوِلايَةِ والنَصْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "مِنَ" راجِعَةٌ عَلى "الَّذِينَ" الأُولى، فَهي -عَلى هَذا- مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "تَرَ".

وقالَتْ طائِفَةٌ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "نَصِيرًا" والمَعْنى: يَنْصُرُكم مِنَ الَّذِينَ هادُوا، فَعَلى هَذَيْنَ التَأْوِيلَيْنِ لا يُوقَفُ في قَوْلِهِ: "نَصِيرًا".

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لِابْتِداءِ الكَلامِ، وفِيهِ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ: يُحَرِّفُونَ، هَذا مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كانَتْ مِن جِمالِ أبِي أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: تَقْدِيرُهُ: "مَن"، ومِثْلُهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ ∗∗∗ وآخَرُ يَثْنِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِاليَدِ فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ يُوقَفُ في قَوْلِهِ: "نَصِيرًا"، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ أصْوَبُ، لِأنَّ إضْمارَ المَوْصُولِ ثَقِيلٌ، وإضْمارَ المَوْصُوفِ أسْهَلُ.

و"هادُوا" مَأْخُوذٌ مِن هادَ إذا تابَ، أو مِن يَهُودَ بْنِ يَعْقُوبَ، وغَيَّرَهُ التَعْرِيبُ، أو مِنَ التَهَوُّدِ وهُوَ: الرُوَيْدُ مِنَ المَشْيِ واللِينُ في القَوْلِ.

ذَكَرَ هَذِهِ كُلَّها الخَلِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُها وبَيانُها في [سُورَةِ البَقَرَةِ].

و تَحْرِيفُ الكَلِمِ عَلى وجْهَيْنِ: إمّا بِتَغْيِيرِ اللَفْظِ، وقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ في الأقَلِّ، وإمّا بِتَغْيِيرِ التَأْوِيلِ، وقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ في الأكْثَرِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ، وهَذا كُلُّهُ في التَوْراةِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: هو كَلِمُ القُرْآنِ، وقالَ مَكِّيٌّ: كَلامُ النَبِيِّ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فَلا يَكُونُ التَحْرِيفُ عَلى هَذا إلّا في التَأْوِيلِ.

وقَرَأ النَخْعِيُّ: "يُحَرِّفُونَ الكَلامَ" بِالألِفِ.

ومَن جَعَلَ "مِن" مُتَعَلِّقَةً بِـ "نَصِيرًا" جَعَلَ "يُحَرِّفُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ، ومَن جَعَلَها مُنْقَطِعَةً جَعَلَ "يُحَرِّفُونَ" صِفَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى عنهم "سَمِعْنا وعَصَيْنا" عِبارَةٌ عن عُتُوِّهِمْ في كُفْرِهِمْ وطُغْيانِهِمْ فِيهِ.

و"مُسْمَعٍ" لا يَتَصَرَّفُ إلّا مِنِ "أسْمَعَ"، و"غَيْرَ مُسْمَعٍ"، يَتَخَرَّجُ فِيهِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما: غَيْرُ مَأْمُورٍ وغَيْرُ صاغِرٍ، كَأنَّهُ قالَ: غَيْرَ أنْ تَسْمَعَ مَأْمُورًا بِذَلِكَ، والآخَرُ: عَلى وجْهِ الدُعاءِ، أيْ: لا سَمِعْتَ، كَما تَقُولُ: امْضِ غَيْرَ مُصِيبٍ، وغَيْرَ ذَلِكَ، فَكانَتِ اليَهُودُ إذا خاطَبَتِ النَبِيَّ بِـ "غَيْرَ مُسْمَعٍ" أرادَتْ في الباطِنِ الدُعاءَ عَلَيْهِ، وأرَتْ ظاهِرًا أنَّها تُرِيدُ تَعْظِيمَهُ، قالَ نَحْوَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وكَذَلِكَ "راعِنا" كانُوا يُرِيدُونَ مِنهُ في نُفُوسِهِمْ مَعْنى الرُعُونَةِ، وحَكى مَكِّيٌّ مَعْنى رِعايَةِ الماشِيَةِ، ويُظْهِرُونَ مِنهُ مَعْنى المُراعاةِ، فَهَذا مَعْنى لَيِّ اللِسانِ، فَقالَ الزَجّاجُ: كانُوا يُرِيدُونَ: اجْعَلِ اسْمَكَ لِكَلامِنا مَرْعىً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا جَفاءٌ لا يُخاطَبُ بِهِ نَبِيٌّ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "راعُونا" ومَن قالَ: "غَيْرَ مُسْمَعٍ": غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنكَ فَإنَّهُ لا يُساعِدُهُ التَصْرِيفُ، وقَدْ حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.

و"لَيًّا" أصْلُهُ لَوْيًا، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ، و"وَطَعْنًا في الدِينِ" أيْ: تَوْهِينًا لَهُ، وإظْهارًا لِلِاسْتِخْفافِ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا اللَيُّ بِاللِسانِ إلى خِلافِ ما في القَلْبِ مَوْجُودٌ حَتّى الآنَ في بَنِي إسْرائِيلَ، ويُحْفَظُ مِنهُ في عَصْرِنا أمْثِلَةٌ، إلّا أنَّهُ لا يَلِيقُ ذِكْرُها بِهَذا الكِتابِ.

"وَلَوْ أنَّهُمْ" الآيَةُ، المَعْنى: لَوْ أنَّهم آمَنُوا وسَمِعُوا وأطاعُوا، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ، "وانْظُرْنا"، فَقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وغَيْرُهُما: مَعْناهُ انْتَظِرْنا، بِمَعْنى: أفْهِمْنا وتَمَهَّلْ عَلَيْنا حَتّى نَفْهَمَ عنكَ، ونَعِيَ قَوْلَكَ، وهَذا كَما قالَ الحُطَيْئَةُ: وقَدْ نَظَرْتُكُمُ إيناءَ صادِرَةٍ لِلْخِمْسِ طالَ بِها مَسْحِي وتَنْساسِي وقالَتْ فِرْقَةٌ: انْظُرْ مَعْناهُ: انْظُرْ إلَيْنا، فَكَأنَّهُ اسْتِدْعاءُ اهْتِبالٍ وتَحَفٍّ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الرُقَيّاتِ: ظاهِراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرْ نَ كَما تَنْظُرُ الأراكَ الظِباءُ و"وَأقْوَمَ" مَعْناهُ: أعْدَلُ وأصْوَبُ.

واللَعْنَةُ: الإبْعادُ، فَمَعْناهُ: أبْعَدَهم مِنَ الهُدى، و"قَلِيلًا" نَعْتٌ، إمّا لِإيمانٍ، وإمّا لِنَفَرٍ أو قَوْمٍ، والمَعْنى مُخْتَلِفٌ، فَمَن عَبَّرَ بِالقِلَّةِ عَنِ الإيمانِ قالَ: إمّا هي عِبارَةٌ عن عَدَمِهِ عَلى ما حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: "أرْضٌ قَلَّما ما تُنْبِتُ كَذا" وهي لا تُنْبِتُهُ جُمْلَةً، وإمّا قَلَّلَ الإيمانَ لَمّا قَلَّتِ الأشْياءُ الَّتِي آمَنُوا بِها فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ بِالتَوْحِيدِ ويَكْفُرُونَ بِمُحَمَّدٍ وبِجَمِيعِ أوامِرِ شَرِيعَتِهِ ونَواهِيها.

ومَن عَبَّرَ بِالقِلَّةِ عَنِ النَفَرِ قالَ: لا يُؤْمِنُ مِنهم إلّا قَلِيلٌ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وكَعْبِ الأحْبارِ، وغَيْرِهِما، وإذا قَدَّرْتَ الكَلامَ: نَفَرًا قَلِيلًا، فَهو نَصْبٌ في مَوْضِعِ الحالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون هذا كلاماً مستأنفاً.

و ﴿ مِنْ ﴾ تبعيضية، وهي خبر لمبتدإ محذوف دلّت عليه صفته وهي جملة ﴿ يحرّفون ﴾ والتقدير: قوم يحرّفون الكلَم.

وحَذْفُ المبتدإ في مثل هذا شائع في كلام العرب اجتزاء بالصفة عن الموصوف وذلك إذا كان المبتدأ موصوفاً بجملة أوْ ظرف، وكان بعضَ اسم مجرور بحرف ﴿ من ﴾ ، وذلك الاسم مقدّم على المبتدإ.

ومن كلمات العرب المأثورة قولهم: «مِنَّا ظعنَ ومنّا أقام» أي منّا فريق ظعن ومنّا فريق أقام.

ومنه قول ذي الرمّة: فظَلّوا ومنهم دَمْعُهُ غالبٌ له *** وآخرُ يذري دمْعة العين بالهَمْل أي ومنهم فريق، بدليل قوله في العطف وآخر.

وقولُ تميم بن مُقْبِل: ومَا الدَّهْر إلاّ تَارتان فمنهمَا *** أمُوتُ وأخْرى أبتغي العَيشَ أكْدَح وقد دلّ ضمير الجمع في قوله ﴿ يحرّفون ﴾ أنّ هذا صنيع فريق منهم، وقد قيل: إنّ المراد به رفاعة بن زيد بن التَّابوت من اليهود، ولعلّ قائل هذا يعني أنّه من جملة هؤلاء الفريق، إذ لا يجوز أن يكون المراد واحداً ويؤتى بضمير الجماعة، وليس المقام مقام إخفاء حتّى يكون على حدّ قوله عليه السلام: " ما بال أقوام يشترطون " الخ.

ويجوز أن يكون ﴿ من الذين هاوا ﴾ صفة للذين أوتوا نصيباً من الكتاب، وتكون ﴿ مِن ﴾ بيانيّة أي هم الذين هادوا، فَتكون جملة ﴿ يحرّفون ﴾ حالاً من قوله: ﴿ الذين هادوا ﴾ .

وعلى الوجهين فقد أثبتت لهم أوصاف التحريف والضلالة ومحبّة ضلال المسلمين.

والتحريف: الميل بالشيء إلى الحرف وهو جانب الشيء وحافته، وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿ يحرقون الكلم عن مواضعه ﴾ في سورة المائدة (13)، وهو هنا مستعمل في الميل عن سواء المعنى وصريحه إلى التأويل الباطل، كما يقال: تنكَّب عن الصراط، وعن الطريق، إذا أخطأ الصواب وصار إلى سوء الفهم أو التضليل، فهو على هذا تحريفُ مراد الله في التوراة إلى تأويلات باطلة، كما يفعل أهل الأهواء في تحريف معاني القرآن بالتأويلات الفاسدة.

ويجوز أن يكون التحريف مشقّاً من الحرف وهو الكلمة والكتابة، فيكون مراداً به تغيير كلمات التوراة وتبديلها بكلمات أخرى لتُوافِق أهواء أهل الشهوات في تأييد ما هم عليه من فاسد الأعمال.

والظاهر أنّ كلا الأمرين قد ارتكبه اليهود في كتابهم.

وما ينقل عن ابن عبّاس أنّ التحريف فساد التأويل ولا يعمد قوم على تغيير كتابهم، ناظرٌ إلى غالب أحوالهم، فعلى الاحتمال الأول يَكون استعمال عن } في قوله: ﴿ عن مواضعه ﴾ مجازاً، ولا مجاوزة ولا مواضِعَ، وعلى الثاني يكون حقيقة إذ التحريف حينئذٍ نقل وإزالة.

وقوله: ﴿ ويقولون ﴾ عطف على ﴿ يحرّفون ﴾ ذُكر سوء أفعالهم وسوء أقوالهم، وهي أقوالهم التي يواجهون بها الرسول عليه الصلاة والسلام: يقولون سمِعْنا دعوتَك وعصيناك، وذلك إظهار لتمسّكهم بدينهم ليزول طمع الرسول في إيمانهم، ولذلك لم يَرَوا في قولهم هذا أذى للرسول فأعقبوه بقولهم له: ﴿ واسمع غير مسمع ﴾ إظهار للتأدب معه.

ومعنى ﴿ اسمع غير مُسمع ﴾ أنّهم يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم عند مراجعته في أمر الإسلام: اسمع منّا، ويعقّبون ذلك بقولهم: ﴿ غير مسمع ﴾ يوهمون أنّهم قصدوا الظاهر المتبادر من قولهم: غير مُسمع، أي غير مأمور بأن تسمع، في معنى قول العرب: (افعَلْ غيرَ مَأمُور).

وقيل معناه: غير مُسْمَع مَكروهاً، فلعلّ العرب كانوا يقولون: أسْمَعَه بمعنى سَبَّه.

والحاصل أنّ هذه الكلمة كانت معروفة الإطلاق بين العرب في معنى الكرامة والتلطّف.

إطلاقاً متعارفاً، ولكنّهم لمّا قالوها للرسول أرادوا بها معنى آخر انتحلوه لها من شيء يسمَح به تركيبها الوضعي، أي أن لا يسمع صوتاً من متكلّم.

لأن يصير أصمّ، أو أن لا يُستجاب دعاؤه.

والذي دلّ على أنّهم أرادوا ذلك قوله بعد: ﴿ ولو أنهم قالوا ﴾ إلى قوله: ﴿ اسمع وانظرنا ﴾ فأزال لهم كلمة (غير مسمع).

وقصدُهم من إيراد كلام ذي وجهين أن يُرضوا الرسول والمؤمنين ويُرضوا أنفسهم بسوء نيتهم مع الرسول عليه السلام ويرضوا قومهم، فلا يجدوا عليهم حجّة.

وقولهم: ﴿ وراعنا ﴾ أتوا بلفظ ظاهره طلب المُراعاة، أي الرفق، والمراعاة مفاعلة مستعملة في المبالغة في الرعي على وجه الكناية الشائعة التي ساوت الأصل، ذلك لأنّ الرعي من لوازمه الرفقُ بالمرعِيّ، وطلب الخصب له، ودفع العادية عنه.

وهم يريدون ب ﴿ راعنا ﴾ كلمة في العبرانية تدلّ على ما تدلّ عليه كلمة الرعونة في العَربية، وقد روي أنّها كلمة ﴿ رَاعُونا ﴾ وأنّ معناها الرعونة فلعلّهم كانوا يأتون بها، يوهمون أنّهم يعظّمون النبي صلى الله عليه وسلم بضمير الجماعة، ويدلّ لذلك أنّ الله نهى المسلمين عن متابعتهم إيّاهم في ذلك اغتراراً فقال في سورة البقرة (104): ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تَقولوا رَاعنا وقولوا انظُرْنا ﴾ واللَّيُّ أصله الانعطاف والانثناء، ومنه ولا تَلْوُون على أحد } ، وهو يحتمل الحقيقة في كلتا الكلمتين: اللّي، والألسنة، أي أنّهم يثنون ألسنتهم ليكون الكلام مشبهاً لغتين بأن يشبعوا حركات، أو يقصروا مُشْبَعات، أو يفخّموا مرقّقا، أو يرقّقوا مفخما، ليعطي اللفظ في السمع صورة تشبِه صورة كلمة أخرى، فإنّه قد تخرج كلمة من زنة إلى زنة، ومن لغة إلى لغة بمثل هذا.

ويحتمل أن يراد بلفظ (الليّ) مجازُه، وب (الألسنة) مجازه: فالليّ بمعنى تغيير الكلمة، والألسنة مجاز على الكلام، أي يأتون في كلامهم بما هو غير متمحّض لمعنى الخير.

وانتصب «ليّاً» على المفعول المطلق ل ﴿ يقولون ﴾ ، لأنّ الليّ كيفية من كيفيات القَول.

وانتصب ﴿ طعناً في الدين ﴾ على المفعول لأجله، فهو من عطف بعض المفاعيل على بعض آخر، ولا ضير فيه، ولك أن تجعلهما معاً مفعولين مطلقين أو مفعولين لأجلهما، وإنما كان قولهم (طعناً في الدين)، لأنّهم أضمروا في كلامهم قصداً خبيثاً فكانوا يقولون لإخوانهم، ومن يليهم من حديثي العهد بالإيمان: لو كان محمّد رسولاً لعلم ما أردنا بقولنا، فلذلك فضحهم الله بهذه الآية ونظائرها.

وقوله: ﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ﴾ أي لو قالوا ما هو قبول للإسلام لكان خيراً.

وقوله: ﴿ سمعنا وأطعنا ﴾ يشبه أنّه ممّا جرى مجرى المثل بقول من أمر بشيء وامتثله «سَمّعٌ وطاعة»، أي شأني سمع وطاعة، وهو ممّا التزم فيه حذف المبتدإ لأنّه جرى مجرى المثل، وسيجيء في سورة النور (51) قولُه تعالى: ﴿ إنّما كان قولَ المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ﴾ وقوله: وأقوم تفضيل مشتقّ من القيام الذي هو بمعنى الوضوح والظهور، كقولهم: قام الدليلُ على كذا، وقامت حجّة فلان.

وإنّما كان أقومَ لأنّه دالّ على معنى لا احتمال فيه، بخلاف قولهم.

والاستدراك في قوله: ﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم ﴾ ناشئ عن قوله: ﴿ لكان خيراً لهم ﴾ ، أي ولكن أثر اللَّعْنَة حاق بهم فحرموا ما هو خير فلا ترشَحُ نفوسهم إلاّ بآثار ما هو كمين فيها من فعل سيّئ وقول بَذَاءٍ لا يستطيعون صرف أنفسهم عن ذلك.

ومعنى ﴿ فلا يؤمنون إلا قليلاً ﴾ أنهم لا يؤمنون أبداً فهو من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه، وأطلق القلّة على العدم.

وفسّر به قول تَأبّط شرّاً: قليلُ التشكّي للمُهِمّ يصيبُه *** كثيرُ الهَوى شَتَّى النَّوَى والمَسالك قال الجاحظ في «كتاب البيان» عند قول عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يصف أرض نصيبين «كثيرة العقارب قليلة الأقارب»، يضعون (قليلاً) في موضع (ليس)، كقولهم: فلان قليل الحياء.

ليس مرادهم أن هناك حياء وإن قَلَّ».

قلت: ومنه قول العرب: قَلَّ رجل يقولُ ذلك، يريدون أنّه غير موجود.

وقال صاحب «الكشاف» عند قوله تعالى: «أإله مع الله قليلاً ما تذكّرون» «والمعنى نفي التذكير.

والقلّة مستعمل في معنى النفي».

وإنّما استعملت العرب القلّة عوضاً عن النفي لضرب من الاحتراز والاقتصاد، فكأنَّ المتكلّم يخشى أن يُتلقّى عموم نفيه بالإنكار فيتنازل عنه إلى إثبات قليل وهو يريد النفي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم قَدْ صارُوا لِجُحُودِهِمْ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ  كَمُشْتَرِي الضَّلالَةِ بِالهُدى.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا يُعْطُونَ أحْبارَهم أمْوالَهم عَلى ما كانُوا يَصْنَعُونَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالرَّسُولِ  .

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ الرِّشا، وقَدْ رَوى ثابِتٌ البُنانِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: «أنَّ النَّبِيَّ  لَعَنَ الرّاشِيَ، والمُرْتَشِيَ، والرّائِشَ»، وهو المُتَوَسِّطُ بَيْنَهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنكَ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.

﴿ وَراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ كانَتْ سَبًّا في لُغَتِهِمْ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْها فَنَهاهم عَنْها.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ تَجْرِي مَجْرى الهُزْءِ.

والثّالِثُ: أنَّها كانَتْ تَخْرُجُ مَخْرَجَ الكِبْرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود، إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه، وقال: ارعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه.

فأنزل الله فيه ﴿ ألم تر الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ﴾ إلى قوله: ﴿ فلا يؤمنون إلا قليلاً ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ قال: نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت اليهودي والله أعلم.

وأخرج ابن أبي حاتم وهيب بن الورد قال: قال الله «يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت فاصبر وارض بنصرتي، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك» .

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ يعني يحرفون حدود الله في التوراة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ قال: تبديل اليهود التوراة ﴿ ويقولون سمعنا وعصينا ﴾ قالوا: سمعنا ما تقول ولا نطعيك ﴿ واسمع غير مسمع ﴾ قال: غير مقبول ما تقول ﴿ لياً بألسنتهم ﴾ قال: خلافاً يلوون به ألسنتهم ﴿ واسمع وانظرنا ﴾ قال: أفهمنا لا تعجل علينا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ قال: لا يضعونه على ما أنزله الله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس في قوله: ﴿ واسمع غير مسمع ﴾ يقولون: اسمع لأسمعت.

وفي قوله: ﴿ وراعنا ﴾ قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا سمعك وإنما راعنا كقولك عاطنا.

وفي قوله: ﴿ لياً بألسنتهم ﴾ قال: تحريفاً بالكذب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي قال: كان ناس منهم يقولون: اسمع غير مسمع كقولك: اسمع غير صاغر.

وفي قوله: ﴿ لياً بألسنتهم ﴾ قال: بالكلام شبه الاستهزاء ﴿ وطعنا في الدين ﴾ قال: في دين محمد عليه السلام.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: اللي تحريكهم ألسنتهم بذلك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مِّنَ الذين هَادُواْ ﴾ من راجعه إلى الذين أوتوا نصيباً، أو إلى أعدائكم، فهي بيان، وقال الفارسي: هي ابتداء كلام تقديره.

من الذين هادوا قوم وقيل: هي متعلقة بنصيراً على قول الفارسي ﴿ يُحَرِّفُونَ الكلم ﴾ يحتمل تحريف اللفظ أو المعنى، وقيل: الكلم هنا التوراة، وقيل: كلام النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ معناه: لا سمعت ﴿ راعنا ﴾ ذكر في [البقرة: 104] ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ عوض من قولهم: راعنا، وهو النظر أو الانتظار، فهذه الأشياء الثلاثة في مقابلة الأشياء الثلاثة التي ذمهم على قولها، لما فيها من سوء الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبر أنهم لو قالوا هذه الثلاثة الأخر عوضاً عن تلك: لكان خيراً لهم، فإن هذه ليس فيها سوء أدب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تسوّى ﴾ بإدغام تاء التفعل في السين: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ تسوّى ﴾ بالإمالة وحذف التاء الأولى: حمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ تسوّى ﴾ مبنياً للمفعول من التسوية ﴿ لمستم ﴾ من اللمس وكذلك في المائدة: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون: ﴿ لامستم ﴾ من الملامسة ﴿ فتيلاً انظر ﴾ بكر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن ذكوان.

الباقون: بالضم.

وفرق بعضهم بين موضع الخفض فلم يجوز الضم كراهة الانتقال من الكسرة إلى الضمة نحو ﴿ متشابه انظروا  ﴾ و ﴿ برحمة ادخلوا  ﴾ و ﴿ خبيثة اجتثت  ﴾ و ﴿ عذاب / اركض  ﴾ وأشباه ذلك.

﴿ نضجت جلودهم ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وخلف وهشام وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ شهيداً ﴾ ط ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ حديثاً ﴾ ه ﴿ تغتسلوا ﴾ ط ﴿ وأيديكم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ط ﴿ بأعدائكم ﴾ ط ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ في الدين ﴾ ط ﴿ وأقوم ﴾ لا لاتصال لكن ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ السبت ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ج ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ يزكون أنفسهم ﴾ ط ﴿ فتيلاً ﴾ ه ﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ط ﴿ سبيلا ﴾ ه ﴿ لعنهم الله ﴾ ط ﴿ نصيراً ﴾ ه ط لأن "أم" بمعنى همزة الاستفهام للإنكار ﴿ نقيراً ﴾ ه لا للعطف ﴿ من فضله ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع تعقب الفاء ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ صدّ عنه ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ مطهرة ﴾ ز لاستئناف الفعل على أنه من تمام المقصود ﴿ ظليلاً ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما أوعد الظالمين بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة  ﴾ ووعد المطيعين بقوله: ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها  ﴾ أراد أن يبين أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله حجة على الخلق ليكون الإلزام أتم والتبكيت أعظم.

"روي أن النبي  قال لابن مسعود: اقرأ القرآن عليّ.

قال: فقلت: يا رسول الله أنت الذي علّمتنيه!

فقال: أحب أن أسمعه من غيري.

قال ابن مسعود: فافتتحت سورة النساء، فلما انتهيت إلى هذه الآية قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان" .

قال العلماء: إنه بكاء فرح لما شرفه الله  بكرامة قبول الشهادة على الخلائق.

والمعنى كيف يصنع هؤلاء الذين شاهدتهم وعرفت أحوالهم من مردة الكفرة كاليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشيهد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، وجئنا بك على هؤلاء المكذبين شهيداً؟

ثم وصف ذلك اليوم فقال: ﴿ يومئذٍ يود الذين كفروا وعصوا الرسول ﴾ قيل: هذه الجملة معترضة والمراد وقد عصوا.

والظاهر أن الواو للعطف وحينئذٍ تقتضي كون عصيان الرسول مغايراً للكفر لأنّ عطف الشيء على نفسه غير جائز.

فإما أن يخص الكفر بنوع منه وهو الكفر بالله، أو يقال: إنه عام وأفرد ذكر قسم منه إظهاراً لشرف الرسول وتفظيعاً لشأن الجحود به، أو يحمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفرة فيكون في الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.

ومعنى ﴿ لو تسوّى ﴾ لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، أو يودون أنهم لم يبعثوا أو أنهم كانوا والأرض سواء، أو تصير البهائم تراباً فيودون حالها كقوله: ﴿ ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً  ﴾ أما قوله: ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ فإما أن يتصل بما قبله والواو للعطف أي يودون لو انطبقت عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد ولا كفروا به ولا نافقوا، أو للحال والمراد أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام دون أهل الشرك قالوا تعالوا فلنجحد فيقولون: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ رجاء أن يغفر الله لهم، فحينئذٍ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، هناك يودون أنهم كانوا تراباً ولم يكتموا الله حديثاً.

وإما أن يكون كلاماً مستأنفاً فإن ما عملوه ظاهر عند الله فكيف يقدرون على كتمانه وإن قصدوه أو توهموه؟

ثم أتبع وصف اليوم كيفية الصلاة التي هي سنام الطاعات وأعظم المنجيات فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ وقد مر سبب نزوله في البقرة.

وفي لفظ الصلاة ههنا قولان: أحدهما أن المراد منه المسجد وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن وإليه يذهب الشافعي، وليس فيه إلا حذف المضاف أي لا تقربوا موضع الصلاة.

وثانيهما وعليه الأكثرون أن المراد نفس الصلاة أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى.

ومعنى الآية على القول الأولى لا تقربوا المسجد في حالتين: إحداهما حالة السكر، وذلك أن جمعاً من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد للصلاة مع الرسول  ، فنهوا عن ذلك لأن الظاهر أن الإنسان إذا أتى المسجد فإنما يأتيه للصلاة، ولا شك أن الصلاة فيها أقوال مخصوصة يمنع السكر منها.

وثانيهما حالة الجنابة، واستثنى من هذه الحالة حالة العبور أي الاجتياز في المسجد بأن كان الطريق إلى الماء فيه، أو كان الماء فيه ووقع الاحتلام فيه.

والمعنى على القول الثاني النهي عن الصلاة في حالتين: الأولى حالة السكر أيضاً إلاّ إذا علموا ما يقولون، ومعنى قربان الصلاة غشيانها والقيام إليها.

والثانية حالة الجنابه ويستثنى منها حالة عبور السبيل ويراد به في هذا القول السفر.

أي لا تقربوا الصلاة في حالة الجنابة إلاّ ومعكم حال أخرى تعذرون فهيا وهي حال السفر.

ويجوز أن يكون ﴿ إلاّ عابري سبيل ﴾ صفة لقوله: ﴿ جنباً ﴾ أي لا تقربوها جنباً غير عابري سبيل أي جنباً مقيمين.

إنما استثنى حالة المسافر لما يجيء من تفصيل فيها، وهو أن المسافر إذا أجنب ثم لم يجد الماء تيمم وصلى مع الجنابة.

ويرد عليه بعد أن الجنب المقيم أيضاً إذا عجز عن استعمال الماء لمرض أو برد يجوز له التيمم والصلاة على الجنابة، اللهم إلاّ أن يقال: إن عذر السفر أعم وأغلب فلهذا تخصص بالذكر أولاً.

وسكارى جمع سكران.

وقوله: ﴿ وأنتم سكارى ﴾ في محل النصب على الحال ولهذا عطف عليه قوله: ﴿ ولا جنباً ﴾ والجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجتناب، وخالف الضحاك جمهور الصحابة والتابعين فقال: إن السكر ههنا يراد به غلبة النوم ويوافقه الاشتقاق، فإن السكر عبارة عن سد الطريق، ومنه سكر السبيل سد / طريقه.

والسكر في الشراب هو أن ينقطع عما عليه من المضار في حال الصحو، فعند النوم تمتلىء مجاري الروح من الأبخرة الغليظة فتنسد تلك المجاري بها ولا ينفذ الروح السامع والباصر إلى ظاهر البدن.

والجواب أن لفظ السكر حقيقة في السكر من الخمر والأصل في الإطلاق الحقيقة، ومتى استعمل مجازاً فإنما استعمل مقيداً كقوله  : ﴿ وجاءت سكرة الموت  ﴾ ﴿ وترى الناس سكارى  ﴾ وأيضاً أجمع المفسرون على أنها نزلت في شرب الخمر، وسبب النزول يمتنع أن لا يكون مراداً من الآية.

ثم على قول الجمهور يمكن ادعاء النسخ في الآية بأنه إنما نهى عن قربان الصلاة حال السكر ممدوداً إلى غاية أن يصير بحيث يعلم ما يقول، والحكم الممدود إلى غاية يقتضي انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية فهذا يقتضي جواز الصلاة مع السكر إذا كان بحيث يعلم ما يقول.

وجواز الصلاة مع هذا السكر توهم جواز هذا السكر، لكنه  حرم الخمر في آية سورة المائدة على الإطلاق فتكون ناسخة لبعض مدلولات هذه الآية.

ومن قال: إن مدلول الكلام يرجع إلى النهي عن الشرب المخل بالفهم عند القرب من الصلاة، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه فلا يكون منسوخاً، يكذبه أن الصحابة لم يفهموا منها التحريم المطلق فكانوا لا يشربون في أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلاّ وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون إلى أن نزلت آية المائدة فقالوا: انتهينا يا رب.

والتحقيق فيه أن النهي عن مباح الأصل في وقت ما وبوجه ما وإن كان لا يدل على تحريمه ولا على إباحته في غير ذلك الوقت وبغير ذلك الوجه إلاّ أن جانب الإباحة راجح بحكم الأصل فيغلب على الظن ذلك كما فهمه الصحابة.

ثم إنه  ذكر حكم المعذورين في حال الحدث فخص أولاً من بينهم مرضاهم وسفرهم لأنهم المتقدمون في استحقاق بيان الرخصة لهم لكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة.

والمعنى أن المرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه فلهم أن يتمموا، وكذلك الذين هم على حالة السفر إذا عدموه لبعده.

ويحتمل أن يقال: قوله ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ ليس قيداً في حكم المرضى لأنهم في الرخصة وإن وجدوا ماء.

ثم عمم كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء لخوف سبع أو عدو أو عدم آلة استقاء أو انحصار في مكان لا ماء فيه أو غير ذلك من الأسباب التي لا تكثر كثرة المرض والسفر.

ويراد بالمرض ما يخاف معه محذور كبطء برء وشين فاحش ظاهر بقول طبيب مقبول الرواية لا أن يتألم ولا يخاف.

روي "أن بعض الصحابة أصابته جنابة وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فلم يفته بالتيمم، فاغتسل فمات.

فسمع النبي  فقال: قتلوه قتلهم الله" .

وقال مالك وداود: يجوز له التيمم بجميع أنواع المرض.

وفي معنى المرض البرد المؤدي إلى المرض لو استعمل الماء كما مر من حديث عمرو بن العاص في تفسير قوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم  ﴾ والسفر يعم الطويل والقصير أعني مسافة القصر وما دونها لإطلاق قوله: ﴿ أو على سفر ﴾ والغائط المكان المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان.

كان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطاً من الأرض يغيب فيه عن أعين الناس، فكنى به عن ذلك.

وأكثر العلماء ألحقوا بالغائط كل ما يخرج من السبيلين من معتاد أو نادر.

أما اللمس أو الملامسة ففيه قولان: أحدهما أن المراد به التقاء البشرتين بجماع أو بغيره كما هو مقتضى اللغة وهو قول ابن مسعود وابن عمرو الشعبي والنخعي وإليه ذهب الشافعي.

وثانيهما المراد به الجماع وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ومذهب أبي حنيفة والشيعة لما ورد في القرآن بطريق الكناية: ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن  ﴾ ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا  ﴾ عن ابن عباس: إنّ الله حيّ كريم يعف ويكني، فعبر عن المباشرة بالملامسة.

وأيضاً لتشمل الآية الحدثين الأصغر والأكبر.

ثم على مذهب الشافعي قال بعض أهل الظاهر: إنما ينتقض وضوء اللامس دون الملموس لقوله: ﴿ أو لمستم ﴾ والصحيح أنه ينتقض وضوءهما معاً لاشتراك اللامس والملموس في ابتغاء اللذة.

قوله: ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ قال الشافعي: إذا دخل وقت الصلاة فطلب الماء ولم يجده فتيمم وصلى ثم دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى، لأن عدم الوجدان مشعر بسبق الطلب فلا بد في كل مرة من سبق الطلب.

وقال أبو حنيفة: لا يجب بدليل قوله: ﴿ ولم نجد له عزماً  ﴾ وسبق الطلب في حقه  محال.

وأجيب بأنه بنى الكلام على المجاز للمبالغة كأنه طلب شيئاً ثم لم يجد.

وأجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه احتاج إليه لعطشه أو لعطش حيوان محترم معه جاز له التيمم، ولو وجد من الماء ما لا يكفيه فالأصح عند الأئمة أنه يستعمله أو يصبه ثم يتيمم ليكون عاملاً بظاهر الآية.

والتيمم في اللغة القصد.

والصعيد التراب، "فعيل" بمعنى "فاعل".

وقال ثعلب والزجاج: إنه وجه الأرض تراباً كان أو غيره.

ومن هنا قال أبو حنيفة: إذا كان صخر لا تراب عليه وضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافياً.

وقال الشافعي: لا بد من تراب لتحقق مفهوم التصاعد فيه وليلتصق بيده فيمكنه المسح ببعضه كما جاء في المائدة ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه  ﴾ ولا يفهم من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن إلاّ معنى التبعيض، ولأن الصعيد وصف بالطيب والطيب هو الذي يحتمل الإثبات لقوله: ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه  ﴾ ولأنه  خصص التراب بهذا المعنى فقال: " "جعلت لي / الأرض مسجداً وترابها طهوراً " أما مسح الوجه واليد فعن علي وابن عباس: اختصاص المسح بالجبهة وظاهر الكفين وقريب منه مذهب مالك لأن المسح مكتفى فيه بأقل ما يطلق عليه اسم المسح.

وقال الشافعي وأبو حنيفة: يستوعب الوجه واليدين إلى المرفقين كما في الوضوء.

وعن الزهري إلى الآباط، لأن اليد حقيقة لهذا العضو إلى الإبط، ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنّ الله كان عفواً غفوراً ﴾ وهو كناية عن الترخيص والتيسير لأن من كان عادته العفو عن المذنبين كان أولى بالترخيص للعاجزين.

عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله  في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله  على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء: فجاء أبو بكر ورسول الله  واضع رأسه على فخذي قد نام فقال: حبست رسول الله  والناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟

قالت: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، فجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله  على فخذي.

فنام رسول الله  حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فتيمموا.

فقال أسيد بن الحضير وهو أحد النقباء: ما هو بأول بركتكم يا آل أبي بكر.

قالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته" .

ثم إنه  لما ذكر من أول السورة إلى ههنا أحكاماً كثيرة عدل إلى ذكر طرف من آثار المتقدمين وأحوالهم، لأنّ الانتقال من أسلوب إلى أسلوب مما يزيد السامع هزة وجدة فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ أي ألم ينته علمك؟

أو ألم تنظر إلى من أتوا حظاً من علم التوراة وهم أحبار اليهود؟

وإنما أدخل "من" التبعيضية لأنهم عرفوا من التوراة نبوة موسى ولم يعرفوا منها نبوة محمد  .

فأما الذين أسلموا منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه فقد وصفهم بأن معهم علم الكتاب في قوله: ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب  ﴾ لأنهم عرفوا الأمرين جميعاً ﴿ يشترون الضلالة ﴾ يختارونها لأن من اشترى شيئاً فقد آثره واختاره قاله الزجاج.

والمراد تكذيبهم الرسول  لأغراضهم الفاسدة من أخذ الرشا وحب الرياسة.

وقيل: المراد يستبدلون الضلالة - وهو البقاء على اليهودية - بالهدى - وهو الإسلام - بعد وضوح الآيات لهم على صحته.

﴿ ويريدون أن تضلوا ﴾ أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه، ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين، الضلال والإضلال.

عن ابن عباس "أن الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود كانا يأتيان رأس / المنافقين عبد الله بن أبي ورهطه فيثبطانهم عن الإسلام" .

وقيل: المراد عوام اليهود كانوا يعطون أحبارهم بعض أموالهم لينصروا اليهودية فكأنهم اشتروا بمالهم الشبهة والضلالة ﴿ والله أعلم ﴾ منكم ﴿ بأعدائكم ﴾ لأنه عالم بكنه ما في صدورهم من الحنق والغيظ، فإذا أطلعكم على أحوالهم فلا تستنصحوهم في أموركم واحذروهم ﴿ وكفى بالله ولياً ﴾ متولياً لأمور العبد ﴿ وكفى بالله نصيراً ﴾ فثقوا بولايته ونصرته دونهم.

وكرر "كفى" ليكون أشد تأثيراً في القلب وأكثر مبالغة، وزيدت الباء في الفاعل إيذاناً بأن الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره فكان الباء للسببية.

وقال ابن السراج: التقدير كفى اكتفاؤك بالله.

وقيل: فائدة الباء وهي للإلصاق أن يعلم أن هذه الكفاية صدرت من الله  بغير واسطة.

وقوله: ﴿ من الذين هادوا ﴾ إما بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب وقوله: ﴿ والله أعلم ﴾ إلى آخر الآية معترض بن البيان والمبين، وإما بيان لأعدائكم والجملتان بينهما معترضتان، وإما صلة ﴿ نصيراً ﴾ كقوله: ﴿ ونصرناه من القوم الذين كذبوا  ﴾ وإما كلام مستأنف على أن ﴿ يحرفون ﴾ صفة مبتدأ محذوف تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم عن مواضعه.

قال الواحدي: الكلم جمع حروفه أقل من حروف واحده، وكل جمع يكون كذلك فإنه يجوز تذكيره.

ومعنى هذا التحريف استبدال لفظ مكان لفظ كوضعهم "آدم طوالاً" مكان "أسمر ربعة" وجعلهم الحد بدل الرجم.

واختير "عن" للدلالة على الإمالة والإزالة.

وأما في المائدة فقيل: ﴿ من بعد مواضعه  ﴾ نظراً إلى أن الكلم كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له.

وقيل: المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة كما يفعله في زماننا أهل البدعة.

وجعل بعض العلماء هذا القول أصح لاستبعاد تحريف المشهور المتواتر، لكن دعوى التواتر بشروطه في التوراة ممنوعة.

وقيل: كانوا يدخلون على النبي  فيسألونه عن أمر فيخبرهم به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه.

ومن جملة جهالاتهم أنه  كان إذا أمرهم بشيء قالوا في الظاهر سمعنا وفي الباطن عصينا، أو كانوا يقولون كلا اللفظين ظاهراً إظهاراً للعناد والمرود والكفر والجحود، ومنها قولهم للنبي  ﴿ اسمع غير مسمع ﴾ وهو كلام ذو وجهين: أما احتماله المدح فلقول العرب: أسمع فلان فلاناً إذا سبه وإذا كان المراد: اسمع غير مسمع مكروهاً كان مدحاً وتوقيراً ونصحاً.

وأما احتمال الذم فبأن يكون معناه اسمع منا مدعواً عليك بلا سمعت، لان من كان أصم فإنه لا يسمع فلا يسمع، أو بأن يراد اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه أي غير مسمع جواباً يوافقك، أو بأن يراد اسمع غير مسمع كلاماً ما ترتضيه، وعلى هذا يجوز أن يكون ﴿ غير / مسمع ﴾ مفعول ﴿ اسمع ﴾ لا حالاً من ضميره أي اسمع كلاماً غير مسمع إياك لنبوّ سمعك عنه.

ومنها قولهم له  ﴿ راعنا ﴾ وقد عرفت احتمالاته في البقرة.

وإنما جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد تصريحهم بالعصيان على وجه لأن المواجهة بالعصيان أهونخطباً في العرف من المواجهة بالسب ودعاء السوء ولهذا كانت الكفرة يواجهونه بالأول دون الثاني ﴿ ليا بألسنتهم ﴾ مفعول لأجله، أو مصدر لمحذوف، أو لـ ﴿ يقولون ﴾ لأنه في معنى اللي أيضاً وعينه "واو" بدليل لويت فقلبت وأدغمت، والمعنى: يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون ﴿ راعنا ﴾ موضع ﴿ انظرنا ﴾ و ﴿ غير مسمع ﴾ موضع لا سمعت مكروهاً، أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً، أو لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام سخرية وطعناً على عادة المستهزئين، فبين الله  أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء طعناً في الدين ونبه بذلك على ما كانوا يقولونه فيما بينهم إنا نشتمه ولا يعرفه ولو كان نبياً لعرف بإظهار ذلك عليه فانقلب ما جعلوه طعناً في الدين دلالة قاطعة على صحته لأن الإخبار عن الغيب معجز.

﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ﴾ بدل قولهم: ﴿ سمعنا وعصينا ﴾ إذ وضح لهم الآيات وثبت لهم البينات كرات بعد مرات و ﴿ اسمع ﴾ دون أن يقال معه ﴿ غير مسمع ﴾ ﴿ وانظرنا ﴾ مكان ﴿ راعنا ﴾ ﴿ لكان ﴾ قولهم ذلك ﴿ خيراً لهم وأقوم ﴾ أعدل لا أشد من قولهم: "رمح قويم" أي مستقيم ﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم ﴾ أي بسببه ﴿ فلا يؤمنون إلاّ ﴾ إيماناً ﴿ قليلاً ﴾ وهو إيمانهم بالله وبالتوراة وببعض الأنبياء دون سائر رسله.

أو إلاّ قليلاً منهم آمنوا لأن "فعيلاً" قد يراد به الجمع كقوله: ﴿ وحسن أولئك رفيقاً  ﴾ أو أراد بالقلة العدم.

ثم زجرهم عن كفر الجحود والعناد بقوله: ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ الآية.

والطمس المحو.

يقال: طريق طامس ومطموس، ومفازة طامسة الأعلام، وطمست الكتاب محوته.

وهو في الآية حقيقة أو مجاز قولان.

والمعنى على الأول محو تخطيط صورها وأشكالها من عين وحاجب وأنف وفم.

والفاء في ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ إما للتسبيب أي فنجعل الوجوه بسبب هذا الطمس على هيئة أقفائها مطموسة مثلها، لأن الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من الحواس والتخاطيط، فإذا أزيلت ومحيت لم يبق فرق بينها وبين القفا.

وإما للتعقيب على أن العقوبة شيئان: إحداهما عقيب الأخرى الطمس، ثم نكس الوجه إلى خلق والأقفاء إلى قدام.

وإنما يكون هذا عقوبة لما فيه من تشويه الخلقة والمثلة والفضيحة كما قال في حق أهل النار ﴿ وأما من أوتي كتابه وراء ظهره  ﴾ على أن وجوههم مردودة إلى أقفائهم فتدرك الكتابة وتقرأ من هناك.

وأما المعنى على القول / الثاني فعن الحسن: نطمسها عن الهدى ونردها بالخذلان على أدبارها أي على ضلالاتها وشبهاتها.

وذلك أن المتوجه إلى عالم الحس معرض عن عالم العقل، وبقدر الإقبال على ذاك يحصل الإدبار عن هذا.

وقال عبد الرحمن بن زيد: نردهم إلى حيث جاؤوا منه وهي أذرعات الشام.

يريد إجلاء بني قريظة والنضير.

والطمس على هذا إما تقبيح الوجوه وإما إزالة آثارهم عن ديار العرب.

وقيل: الطمس القلب والتغيير.

والمراد بالوجوه رؤساؤهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وأدبارهم.

والضمير في قوله: ﴿ أو نلعنهم ﴾ إما للوجوه إن أريد بها الوجهاء، وإما لإصحاب الوجوه لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم، أو يرجع إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات.

فإن قيل: فأين وقوع الوعيد؟

فالجواب أنه مشروط بعدم إيمان جميعهم ولكنه قد آمن ناس من علمائهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.

حكي أنه لما نزلت هذه الآية أتى عبد الله بن سلام رسول الله  قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال: يا رسول الله، ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي.

وأيضاً إنه ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه بل إياه أو اللعن.

فإن كان الطمس تبديل أحوال رؤسائهم أو إجلاءهم إلى الشام فقد كان أحد الأمرين، وإن كان غيره فقد حصل اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان.

واللعن الموعود ظاهره اللعن المتعارف لا المسخ.

وقيل: هو منتظر ولهذا قيل: ﴿ وجوهاً ﴾ منكرة دون "وجوهكم" ليشمل وجوهاً غير المخاطبين من أبناء جنسهم، ولا بد من مسخ وطمس لليهود قبل يوم القيامة.

وقيل: إنّ قوله: ﴿ آمنوا ﴾ تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم فلزم أن يكون قوله: ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ واقعاً في الآخرة.

فالتقدير: آمنوا من قبل أن يجيء الوقت الذي نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ لأنه لا راد لحكمه ولا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله، وهذا كما يقال في الشيء الذي لا يشك في حصوله هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد، فإذا حكم بإنزال العذاب على قوم فعل ذلك ألبتة.

والمراد بالأمر الشأن والفعل الذي تعلق إرادته به لا الأمر الذي هو أحد أقسام الكلام، فلا يصح استدلال الجبائي بالآية على أن كلامه  مفعول أي مخلوق.

ثم بين أن مثل هذا التهديد من خواص الشرك والكفر فقال: ﴿ إن الله لا يغفر ﴾ الآية.

وفي الآية دلالة على أن اليهودي يسمى مشركاً في عرف الشرع لاتصالها بقصتهم، ولأنها دلت على أن ما سوى الشرك مغفور واليهودية غير مغفورة بالإجماع.

ومن هنا قال الشافعي: المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك، والمشرك المباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله، ولا يتوجه النهي عن قتله ترك العمل بهذا الدليل في النهي فيبقى / معمولاً به في سقوط القصاص عن قاتله.

واستدلت الأشاعرة بالآية على غفران صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن ما دون الشرك يشمله.

والمعتزلة خصصوا الثاني بمن تاب كما أن الأول مخصص بالإجماع بمن لم يتب.

قالوا: ونظيره قولك: "إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء".

المعنى لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله.

والمشيئة تكون قصداً في الفعلين: المنفي والمثبت جميعاً، لأنه إن شاء لم يتب المشرك فلا يترتب عليه الغفران، وإن شاء تاب صاحب الكبيرة فيستوجب الغفران.

وروى الواحدي في البسيط بإسناده عن ابن عمر قال: "كنا على عهد رسول الله  إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادة" .

وقال ابن عباس بمحضر عمر: إني لأرجو كما لا ينفع مع الشرك عمل كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب فسكت عمر.

وعن ابن عباس: "لما قتل وحشي حمزة يوم أحد وكانوا قد وعدوه الإعتاق إن هو فعل ذلك.

ثم إنهم ما وفوا بذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبي  ندمهم، وأنه لا يمنعهم من الدخول في الإسلام إلاّ قوله  : ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر  ﴾ فقالوا: قد ارتكبنا كل ما في الآية فنزل قوله: ﴿ إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً  ﴾ فقالوا: هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به فنزل ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته فنزل ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم  ﴾ فدخلوا عند ذلك في الإسلام" ﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى ﴾ اختلق وافتعل ﴿ إثماً عظيماً ﴾ لأنه ادعى ما لا يصح كونه.

عن ابن عباس في رواية الكلبي "أن قوماً من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي  فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء ذنب؟

فقال: لا.

فقالوا: والله ما نحن إلاّ كهيئتهم.

ما عملنا بالليل يكفر عنا بالنهار، وما عملنا بالنهار يكفر عنا بالليل" .

وكانوا يقولون: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ ﴿ لن يزكون أنفسهم ﴾ ويدخل فيه كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل أو قبول الطاعة والزلفى عند الله ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ وإن تزكيته هي التي يعتد بها كما أخبر عنه رسول الله  بقوله: " "والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض" وكفى بإظهار المعجزات على يده تزكية له وتصديقاً لقوله: ﴿ ولا يظلمون فتيلاً ﴾ هو ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ "فعيل" بمعنى "مفعول" ابن السكيت: هو ما كان في شق النواة.

والضمير للذين يزكون أن يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم، أو لمن يشاء أي يثابون على زكاتهم من غير نقص شيء من ثوابهم.

ثم عجب النبي  من فريتهم وادعاء زكاتهم ومكانتهم عند الله فقال: ﴿ انظر كيف / يفترون على الله الكذب وكفى به ﴾ أي بزعمهم هذا ﴿ إثماً مبيناً ﴾ من بين سائر آثامهم.

قال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف وحيي بن الأخطب في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله  ، ونقضوا العهد الذي بينه وبين رسول الله  .

فنزل كعب على أبي سفيان والآخرون في دور قريش.

فقال لهم أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد  صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم.

فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما فذلك قوله: ﴿ يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد  ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق، أنحن أم محمد  ؟

فقال كعب: اعرضوا علي دينكم.

فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقهم الماء ونقري الضعيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد  الحديث.

فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً مما هو عليه فأنزل الله  : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ يعني كعباً وأصحابه.

فلما رجعا إلى قومهما قال لهما قومهما: إن محمداً يزعم أنه قد نزل فيكما كذا وكذا.

قالا: صدق والله ما حملنا على ذلك إلا بغضه وحسده.

وقد مر معنى الطاغوت في تفسير آية الكرسي.

وأما الجبت ففي الصحاح أنه كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك وليس من محض العربية لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذولقي.

وحكى القفال عن بعضهم أن أصله جبس فأبدلت السين تاء والجبس هو الخبيث الرديء.

وقال الكلبي: الجبت في الآية هو حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف, وكانت اليهود يرجعون إليهما فسميا بهذين الاسمين لسعيهما في إغواء الناس وإضلالهم فلا جرم جزاهم الله بقوله: ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ وبالحري إذ جعلوا من هو أضل من النعام وأقل من الأنعام حيث رضوا بمعبودية الأصنام أهدى سبيلاً وأفضل حالاً من الذين هم أشرف الأنام باختيارهم دين الإسلام الذي هو عبادة ذي الجلال والإكرام ﴿ ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً ﴾ وعيد لهم بلزوم الإبعاد والطرد ولصوق العار والصغار، ووعد لنبيه والمؤمنين بالاستيلاء والاستعلاء عليهم إلى يوم القيامة.

والخطاب في ﴿ فلن تجد ﴾ للنبي أو لكل طالب يفرض: ثم لما وصفهم بالضلال والإضلال وصفهم بالبخل والحسد اللذين هما شر الخصال، لأن البخيل يمنع ما أوتي من النعمة، والحاسد يتمنى أن يزول عن الغير ما أوتي من الفضيلة.

و "أم" / قيل: إنها متصلة وقد سبقها استفهام في المعنى كأنه لما حكى قولهم للمشركين أنهم أهدى سبيلاً من المؤمنين قال: أمن ذلك يتعجب أم من قولهم لهم نصيب من الملك مع أنهم لو كان لهم ملك لبخلوا بأقل القليل؟

وقيل: الميم زائدة والتقدير ألهم نصيب؟

والأصح أنها منقطعة كأنه لما تم الكلام الأول قال: بل ألهم نصيب من الملك؟

ومعنى الآية أنهم كانوا يزعمون أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان ويخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودينهم فكذبهم الله.

وقيل: المراد بالملك التمليك يعني أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك إليهم، ولو كان التمليك إليهم لبخلوا بالنقير والقطمير فكيف يقدرون على النفي والإثبات؟

وقال أبو بكر الأصم: كانوا أصحاب بساتين وأموال وكانوا في عزة ومنعة كما تكون أحوال الملوك، ثم كانوا يبخلون على الفقراء بأقل القليل فنزلت الآية فيهم.

وعلى هذا فإنما يتوجه الإنكار على أنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئاً.

وعلى الأقوال المتقدمة يتوجه الإنكار على أن لهم نصيباً من الملك فكأنه  جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم فإن البخل والملك لا يجتمعان كما قيل: بالبر يستعبد الحر والإنسان عبد الإحسان.

البخيل تنفر الطباع عن الانقياد له فلا يتيسر له أسباب المملكة، وإن اجتمعت بالندرة فسوف تضمحل.

وإنما لم يعمل "إذن" لدخول الفاء عليه.

وذلك أن ما بعد العاطف من تمام ما قبله بسبب ربط العاطف بعض الكلام ببعض فينخرم تصدره فكأنه معتمد فترجح إلغاؤه وارتفاع الفعل بعده.

وجاء في قراءة ابن مسعود ﴿ فإذن لا يؤتوا ﴾ بالأعمال وليس بقوي.

والنقير نقرة في ظهر النواة "فعيل" بمعنى "مفعول" ومنها "نبتت النخلة" وهو مثل في القلة كالفتيل.

فإن قيل: كيف يعقل أنهم لا يبذلون نقيراً وكثيراً ما يشاهد منهم بذل الأموال؟

قلنا: المدعى عدم إيتاء النقير على تقدير حصول الملك ويراد به الملك الظاهر كما لملوك الدنيا، أو الباطن كما للعلماء الربانيين، أو كلاهما كما للأنبياء.

وحصول شيء من هذه الأقسام لهم ممنوع لما ضربت عليهم الذلة والمسكنة.

ولئن فرض حصول شيء منها فما يدريك لعل الشح يغلب عليهم حتى لا يشاهد منهم بذل نقير كما أخبر عنهم علام الغيوب.

وأما على تفسير الأصم فلعل المراد لأنهم لا يبذلون شيئاً نسبته إلى ما يملكونه كنسبة النقير إلى النواة، أو أنهم لا يطيبون بذلك نفساً لغلبة الشح عليهم والله  أعلم بمراده.

هذا بيان بخلهم، أما بيان حسدهم فذلك قوله: ﴿ أم يحسدون ﴾ وهي منقطعة والتقدير: بل أيحسدون الناس يعني النبي والمؤمنين.

فإن كان اللام للعهد فظاهر وإن كان للجنس فلأنهم هم الناس والباقون هم النسناس.

ومعنى الهمزة إنكار الحسد واستقباحه.

/ والمراد بالفضل ما آتاهم الله من أشرف المناصب وهو النبوة والخاتمية وما كان ينضم إليها كل يوم من النضرة والعزة والاستيلاء والاستعلاء، والفاضل محسود بكل أوان، والحاسد مذموم بكل لسان.

ثم نبّه على ما يزيل التعجب من شأن محمد صلى الله عليه وفقال: ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم ﴾ الذين هم أسلاف محمد ﴿ الكتاب ﴾ الذي هو بيان الشرائع ﴿ والحكمة ﴾ التي هي الوقوف على الأسرار والحقائق والعمل بما يتضمن صلاح الدارين ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ عن ابن عباس: الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان، فليس ببدع أن يؤتى إنسان ما أوتي أسلافه.

وقيل: من جملة حسدهم أنهم استكثروا نساء النبي  فقيل لهم: كيف أستكثرتم له التسع وكان لداود مائة ولسليمان ثلثمائة مهيرة وسبعمائة سرية؟

﴿ فمنهم ﴾ أي من اليهود ﴿ من آمن به ﴾ أي بما ذكر من حديث آل إبراهيم ﴿ ومنهم من صد عنه ﴾ وأنكره مع علمه بصحته، أو من اليهود من آمن برسول الله  ومنهم من أنكر نبوته، أو من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من كفر.

والمعنى أن أولئك الأنبياء جرت عادة أممهم فيهم أن بعضهم آمن بهم وبعضهم بقوا على كفرهم، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء والغرض تثبيت النبي  وتسليته ﴿ وكفى بجهنم ﴾ لعذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين ﴿ سعيراً ﴾ .

ثم أكد وعيد الكفار بقوله: ﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾ ويدخل فيها كل ما يدل على ذات الله  وصفاته وأفعاله وأسمائه وملائكته والكتب والرسل.

وكفرهم بها أن ينكروا كونها آيات أو يغفلوا عنها ولا ينظروا فيها، أو يلقوا الشكوك والشبهات فيها، أو ينكروها مع العلم بها عناداً وحسداً وبغياً ولدداً.

وههنا سؤال وهو أنه  قادر على إبقائهم في النار أحياء معذبين من غير أن تحترق جلودهم، فما الحكمة في إنضاج جلودهم؟

والجواب لا يسأل عما يفعل كما أنه قادر على إيصال الآلام إليهم من غير إدخالهم النار مع أنه لا يمكن أن يقال لم عذبهم بإدخالهم النار.

وسؤال آخر وهو أنه كيف يعذب مكان الجلود العاصية جلوداً لم تعص؟

والجواب يجعل النضيج غير نضيج، فالذات واحدة والمتبدل هو الصفة ويؤيده قول أهل اللغة: تبديل الشيء تغييره وإن لم يأت ببدله، وأبدلت الشيء غيرته، فالتبديل تغيير الصفة أو الذات.

والإبدال تغيير الذات.

وصاحب الكشاف جزم بأن المراد من هذا التبديل هو تغيير الذات فلهذا فسر التبديل بالإبدال، ولعله إنما حمله على ذلك وصف الجلود بقوله: ﴿ غيرها ﴾ ولقائل أن يقول: المغايرة أعم من أن تكون في الذات أو في الصفات، فما أدراك أنها في الآية مغايرة الذات لا الصفات اللهم إلا أن يعضده نقل صحيح فيكون الجواب.

عن السؤال أن المعذب هو الإنسان، والجلد ليس جزءاً من ماهيته / وإنما هو سبب لوصول العذاب إليه.

أو يقال: المراد الدوام وعدم الانقطاع، ولا نضج ولا احتراق أي كلما ظنوا أنهم احترقوا وأشرفوا على الهلاك أعطيناهم قوة جديدة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا.

وقال السدي: يخرج من لحم الكافر جلد آخر وفي هذا التأويل بعد لأن لحمه متناه فعند نفاده لا بد من طريق آخر في تبديل الجلد فيعود أول السؤال.

وقيل: المراد بالجلود السرابيل ﴿ سرابيلهم من قطران  ﴾ وضعف بأنه ترك للظاهر وأن السرابيل لا توصف بالنضج ﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز: أعزك الله أي أدامك على عزك وزادك فيه، أو ليذوقوا بهذه الحالة الجديدة العذاب.

والمراد بالذوق أن إحساسهم بذلك العذاب في كل حال يكون كإحساس الذائق بالمذوق ﴿ إنّ الله كان عزيزاً ﴾ لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين ﴿ حكيماً ﴾ لا يفعل إلاّ الصواب ثم قرن الوعد بالوعيد على عادته فقال: ﴿ والذين آمنوا ﴾ الآية.

قال الواحدي: الظليل ليس بمبني على الفعيل حتى يقال إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل مشتق من لفظه كقولهم: "ليل أليل".

قيل: إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرهافما فائدة وصفها بالظل؟

وأيضاً المواضع التي لا يصل نور الشمس إليها في الدنيا يكون هواؤها عفناً فاسداً فما معنى وصف هواء الجنة بذلك؟

والجواب المنع من أنه لا شمسهنالك حتى يوجد ضوء ثان هو الظل، والمراد بالظل الظليل ما كان فيناناً، أي منبسطأً لا جوب فيه أي لا فرج لالتفاف الأغصان، ودائماً لا تنسخه الشمس، وسجساجاً لا حر فيه ولا برد.

وعند الحكماء: المراد بالظل الراحة لأنه من أسبابها ولا سيما في البلاد الحارة كبلاد العرب.

فلما كان هذا مطلوباً عندهم صار موعوداً لهم.

التأويل: ﴿ لو تسوّى بهم الأرض ﴾ أي يتمنون أن يخلوا في عالم الطبيعة ولم ينكشف لهم عالم الحقيقة كيلا يروا ما يرون من عذاب القطيعة، كما أن السكران ممنوع من الصلاة.

فسكران الغفلة والهوى محجوب عن المواصلات ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ من غلبات الأحوال فإن التكاليف حينئذ زائلة ﴿ ولا جنباً ﴾ بالالتفات إلى غير الله فإن الصلاة إذ ذاك باطلة.

وتستثنى من الحالة الأولى حالة الشعور، ومن الثانية حالة العبور " كن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل" فهذا القدر من الالتفات من المحظورات التي أباحها الضرورات.

﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ بحب الدنيا ﴿ أو على سفر ﴾ في متابعة الهوى ﴿ أو جاء / أحد منكم الغائط ﴾ في قضاء شهوة من الشهوات ﴿ أو لامستم ﴾ عجوز الدنيا في تحصيل لذة من اللذات ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ التوبة والاستغفار ﴿ فتيمموا ﴾ فتمعكوا في تراب أقدام الكرام فإنه طهور الذنوب العظام.

﴿ من الذين هادوا ﴾ يعني دأب علماء السوء قريب من دأب الذين هادوا ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ يؤولونها على حسب إرادتهم ﴿ ويقولون سمعنا ﴾ ما في القرآن، بالمقال ﴿ وعصينا ﴾ بالفعال وينكرون على أرباب المقامات والأحوال ويقولون اسمع ﴿ غير مسمع وراعنا ﴾ يخاطبونهم بكلام ذي وجهين ﴿ ليا بألسنتهم وطعناً ﴾ في أهل الدين.

﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ ظاهراً ولم يؤتوا علم باطن الكتاب ﴿ آمنوا بما نزلنا ﴾ على الأولياء من علم باطن القرآن ﴿ مصدقاً لمامعكم ﴾ من العلم الظاهر لأن أهل العلم اللدني يصدقون أهل العلم الظاهر، ولكن أهل العلم الظاهر يصعب عليهم تصديق علوم الأولياء لأنه لا يناسب عقولهم ﴿ من قبل أن نطمس ﴾ وجوه القلوب بالعمى والصمم ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ ناظرين إلى الدنيا وزخارفها بعد أن كانوا ناظرين في الميثاق إلى يومها ﴿ أو نلعنهم ﴾ نمسخ صفاتهم الإنسانية بالسبعية والشيطانية كما مسخنا أصحاب السبت بالصورة، ومسخ المعنى أصعب من مسخ الصورة لأن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ للشرك ثلاث مراتب وكذا للمغفرة.

فشرك جلي بالأعيان وهو للعوام من عبدة الكواكب والأصنام فلا يغفر إلا بالتوحيد وهو إظهار العبودية في إثبات الربوبية مصدقاً بالسر والعلانية.

وشرك خفي بالأوصاف للخواص وهو شوب العبودية بالالتفات إلى غير الربوبية، فلا يغفر إلاّ بالوحدانية وهو إفراد الواحد للواحد.

وشرك أخفى للأخص وهو رؤية الأغيار والأنانية فلا يغفر إلا بالوحدة وهو فناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية.

﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ﴾ من أهل العلوم الظاهرة تعلموا العلم ليباهوا به العلماء أو ليماروا به السفهاء فحصل له صفات ذميمة أخرى مثل المباهاة والمماراة والكبر والعجب والحسد والرياء وحب الجاه والرياسة وغلبة الأقران والأنداد ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ بتسليم نفوسهم إلى ارباب التزكية من العلماء الراسخين والمشايخ المحققين كما يسلم الجلد إلى الدباغ ليجعله أديماً، فإذا سلموا أنفسهم إليهم وصبروا على تصرفاتهم رأوا أثر الزكاة فيهم ولن يضيع سعيهم ﴿ يؤمنون بالجبت ﴾ بجبت النفس الأمّارة وطاغوت الهوى ﴿ ويقولون للذين كفروا ﴾ من أهل الأهواء والمبتدعة والمتفلسفة ﴿ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا ﴾ بكل ما أمر الله به ورسوله.

ثم وصفهم بالبخل والحسد ثم قال: ﴿ فقد آتينا آلإبراهيم ﴾ يعني أهل الخلة والمحبة ﴿ الكتاب والحكمة ﴾ العلم الظاهر والعلم الباطن ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ هو معرفة الله  ﴿ فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه ﴾ لأن من / العلماء مقبلين ومنهم مدبرين ﴿ وكفى بجهنم ﴾ نفسهم الحاسدة ﴿ سعيراً ﴾ تحرق حسناتهم فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.

﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾ بأوليائنا الذين هم مظاهر آيات الحق وحجج الله على الخلق ﴿ سوف نصليهم ﴾ نار الحسد والغضب والكبر والعجب ﴿ كلما نضجت جلودهم ﴾ أي انقطعت بعض أماني نفوسهم الأمّارة ومقتضيات هواها.

ولا يخفى حسن استعارة الجلود لآثار الشيء من حيث الظهور والاشتمال ﴿ بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ فإن دواعي الحرص والغضب والشهوة لا تتناهى ألبتة ما دامت النفس على صفة الأمرية، فلن تزال أسيرة في يد الشهوات ذائقة لعذاب التغلقات ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم ﴾ أي نجذبهم بجذبات العناية إلى ﴿ جنات ﴾ من الوصلة ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ من ماء الحكمة ولبن الفطرة وخمر الشهود وعسل الكشوف ﴿ لهم فيها أزواج ﴾ من تجلي صفات الجمال والجلال ﴿ مطهرة ﴾ من لوث الوهم والخيال ﴿ وندخلهم ظلاً ظليلاً ﴾ هو ظل شمس عالم الوجود يوم لا ظل إلاّ ظله.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً ﴾ يقول: أعطوا حظّاً من علم الكتاب، وهم علماؤهم، يشترون الضلالة بعلم الكتاب.

ويحتمل: يشترون الضلالة بالهدى، [وكذلك قيل في حرف حفصة على ما ذكر في غير هذه الآية: ﴿ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ  ﴾ ] وذلك أنهم كانوا آمنوا بمحمد  قبل أن يبعث، فلما لم يبعث على هواهم، كفروا به؛ كقوله -  -: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ  ﴾ .

ويحتمل: يشترون ضلالة غيرهم بالتحريف، والرشاء، ونحو ذلك؛ كقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ وقوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا  ﴾ .

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ حرف التعجب عن أمر قد بلغه؛ فيخرج مخرج التذكير، أو لم يبلغه؛ فيخرج مخرج التعليم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ﴾ يحتمل وجهين: ﴿ وَيُرِيدُونَ ﴾ أي: يتمنون أن تضلوا السبيل؛ لتدوم لهم الرياسة والسياسة؛ إذ كانت لهم الرياسة على من كان على دينهم، ولم يكن لهم ذلك على من لم يكن على دينهم؛ فتمنوا أن يكونوا على دينهم؛ لتكون لهم الرياسة عليهم.

وقيل: ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ﴾ أي: يأمرونهم ويدعونهم إلى دينهم؛ لما ذكرنا من طلب المنافع، وإبقاء الرياسة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ﴾ .

كأنهم - والله أعلم - يطلبون موالاة المؤمنين، ويظهرون لهم الموافقة، فنهي الله -  - المؤمنين عن موالاتهم؛ كقوله -  -: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ...

 ﴾ إلى قوله -  وتعالى -: ﴿ هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ...

 ﴾ الآية فأخبر الله -  - المؤمنين أنه أعلم بأعدائكم منكم.

ويحتمل أن يكون المؤمنون استنصروهم، واستعانوا بهم في أمر، فأخبر - عز وجل - أنهم أعداؤكم، وهو أعلم بهم منكم.

ثم قال: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً ﴾ .

أي: كفي به وليّاً ومعيناً، وكفي به ناصراً.

ويحتمل قوله: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً ﴾ مما أعطاكم من أعطاكم؛ أي: لا ولي أفضل من الله -  - ولا ناصراً أفضل منه، منه البراهين والحجج، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ ، وفي حرف ابن مسعود -  -: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً * مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ على الاستئناف، والابتداء خبر، وفي حرف غيره: ﴿ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ - معناه والله أعلم: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب من الذين هادوا، لا ذكر للنصارى في ذلك.

وفي حرف ابن مسعود -  - ذكر النصارى في الذين أوتوا نصيباً.

وفي حرف حفصة -  ا -: "من الذين هادوا من يحرف الكلم عن مواضعه".

ثم تحريف الكلم يحتمل وجهين: يحتمل: تغيير المعاني وتبديل التأويل على جهالهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 78].

ويحتمل: تغيير اللفظ والكتابة نفسها؛ كقوله -  وتعالى -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ .

قيل: سمعنا قولك، وعصينا أمرك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ .

قيل: اسمع قولنا غير مسمع، أي: غير مجيب.

وقيل: اسمع قولنا غير مسمع لا سمعت؛ على السب.

وقوله: ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ .

الإسرار به منهم أظهره الله -  - عليهم؛ ليكون آية للرسالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَٰعِنَا ﴾ .

قيل: يقولون لمحمد  : راعنا سمعك.

وقيل: ﴿ وَرَٰعِنَا ﴾ : أرعنا حقوقنا؛ وهو من الرعاية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ أي: تحريفاً، والتحريف ما ذكرنا؛ كقوله -  - ﴿ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ...

﴾ الآية [آل عمران: 78].

وقيل: في قوله -  -: ﴿ وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ أي: اسمع يا محمد منا قولنا غير مسمع منك قولك، ولا مقبول ما تقول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ .

أي: لو قالوا: سمعنا قولك، وأطعنا أمرك، وانظرنا فلا تعجل علينا ننظر.

وقيل في قوله: ﴿ وَٱنْظُرْنَا ﴾ : أفهمنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ .

مما قالوا: سمعنا قولك وعصينا أمرك، لكان خيراً لهم في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا: فدوام الرياسة التي خافوا فوتها لو أطاعوه واتبعوه؛ إذ قد [من] آمن منهم وأطاعوا نبيه فلم تذهب عنهم الرياسة والذكر في الدنيا؛ بل ازداد لهم شرفاً وذكراً في الحياة وبعد الممات، وأمّا في الآخرة فثواب دائم غير زائل أبداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقْوَمَ ﴾ .

أي: أعدل وأصوب لما ذكرنا.

﴿ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ .

واللعن: هو الطرد، طردهم الله - عز وجل - من رحمته ودينه، لما علم منهم أنهم لا يؤمنون باختيارهم الكفر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .

قيل: والقليل من أسلم؛ من نحو ابن سلام وأصحابه وغيرهم.

وقيل: قوله -  -: ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ منهم، أو لا يؤمنون إلا بالقليل من الكتب والأنبياء، عليهم السلام؛ كقوله -  -: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

من اليهود قوم سوء يغيرون الكلام الذي أنزله الله، فيُؤوِّلونه على غير ما أنزل الله، ويقولون للرسول  حين يأمرهم بأمر: سمعنا قولك، وعصينا أمرك، ويقولون مستهزئين: اسمع ما نقول لا سَمِعْتَ؛ ويوهمون بقولهم: "راعنا" أنهم يريدون: راعنا سمعك، وإنما يريدون الرعونة؛ يلوون بها ألسنتهم، يريدون الدعاء عليه  ، ويقصدون القدح في الدين، ولو أنهم قالوا: سمعنا قولك، وأطعنا أمرك، بدلًا من قولهم: سمعنا قولك، وعصينا أمرك، وقالوا: اسمع، بدل قولهم: اسمع لا سمعت، وقالوا: انتظرنا نفهم عنك ما تقول، بدل قولهم: راعنا؛ لكان ذلك خيرًا لهم مما قالوه أولًا، وأعدل منه؛ لما فيه من حسن الأدب اللائق بجناب النبي  ، ولكن لعنهم الله، فطردهم من رحمته بسبب كفرهم، فلا يؤمنون إيمانًا ينفعهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.kd5Xj"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام انتقال من الأحكام وما عليها من الوعد والوعيد إلى بيان حال بعض الأمم من حيث أخذهم بأحكام دينهم وعدمه، ليذكر الذين خوطبوا بالأحكام المتقدمة بأن الله تعالى مهيمن عليهم كما هيمن على من قبلهم فإذا هم قصروا يأخذهم بالعقاب الذي رتبه على ترك أحكام دينه في الدنيا والآخرة.

والمنتظر من المؤمنين بعد ذكر الأحكام الماضية وما قرنت به من الوعد والوعيد أن يأخذوا بها على الوجه الموصل إلى إصلاح الأنفس وهو أثرها المراد منها وذلك بأن يؤخذ بها في صورتها ومعناها لا في صورتها فقط، ولكن جرت سنة الله في الأمم أن يكتفي بعض الناس من الدين ببعض الظواهر والرسوم الدينية كما جرى عليه بعض اليهود في القرابين وأحكام الطهارة الظاهرة وهذا لا يكفي في اتباع الدين والقيام به على الوجه المصلح للنفوس كما أراد الله من التشريع، فأراد الله تعالى بعد بيان بعض الأحكام التي لها رسوم ظاهرة كالغسل والتيمم أن يذكر المسلمين بحال بعض الأمم التي هذا شأنها، وكون هذا لم يغن عنها من الله شيئًا، ولم ينالوا به مرضاته، ولم يكونوا به أهلًا لكرامته ووعده فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ  ﴾ قال أوتوا نصيبًا من الكتاب لأنهم لم يأخذوا الكتاب كله بل تركوا كثيرًا من أحكامه لم يعملوا بها، وزادوا عليها، والزيادة فيه كالنقص منه، فالتوراة تنهاهم عن الكذب وإيذاء الناس وأكل الربا مثلًا، وكانوا يفعلون ذلك، وزاد لهم علماؤهم ورؤساؤهم كثيرًا من الأحكام والرسوم والتقاليد الدينية، فهم يتمسكون بها وليست من التوراة ولا مما يعرفونه عن موسى  ، وهم يدعون اتباعه في الدين، فالأمر المحقق الذي لا شك فيه هو أنهم يعملون ببعض أحكام التوراة وقد أهملوا سائرها.

ففي مقام الاحتجاج بالعمل بالدين وعدمه يذكر الواقع وهو أنهم لم يؤتوا الكتاب كله إذ لم يعملوا به كله وإنما عملوا ببعضه، وفي مقام الاحتجاج عليهم بالإيمان بالنبي والقرآن يناديهم ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا  ﴾ إلخ، كما ترى في الآية التالية لهذه الآية ومثلها كثير.

﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ  ﴾ : التحريف يطلق على معنيين: أحدهما: تأويل القول بحمله على غير معناه الذي وضع له وهو المتبادر لأنه هو الذي حملهم على مجاحدة النبي  وإنكار نبوته وهم يعلمون، إذ أولوا ولا يزالون يؤولون البشارات به إلى اليوم كما يؤولون ما ورد في المسيح ويحملونه على شخص آخر لا يزالون ينتظرونه ثانيهما: أخذ كلمة أو طائفة من الكلم من موضع من الكتاب ووضعها في موضع آخر وقد حصل مثل هذا التشويش في كتب اليهود، خلطوا فيما يؤثر عن موسى  ما كتب بعده بزمن طويل، وكذلك وقع في كلام غيره من الأنبياء، وقد اعترف بهذا بعض المتأخرين من أهل الكتاب، وإنما كان هذا منهم بقصد الإصلاح.

وهذا النوع من التحريف لا يضر المسلمين ولم يكن هو الحامل على إنكار ما جاء به النبي  .

﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا  ﴾ يحتمل أن يكون المعنى واسمع شيئًا لا يستحق أن يسمع، وأما "راعنا" فقد روي أن اليهود كانوا يتسابون بكلمة "راعينا" العبرانية أو السريانية فسمعوا بعض المؤمنين يقولون للنبي  راعنا، من المراعاة أو بمعنى ارعنا سمعك، فافترضوها وصاروا يلوون ألسنتهم بالكلمة ويصرفونها إلى المعنى الآخر ﴿ لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ  ﴾ فيجعلونها في الظاهر راعنا وبليِّ اللسان وإمالته "راعينا" ينوون بذلك الشتم والسخرية، أو جعله راعيًا من رعاء الشاء أو من الرعن والرعونة.

وأنا لا أرتضي ما رووه وما قالوه في كون هذه الكلمة سبًا بالعبرانية وأختار عليه في تعليل النهي عنها أنها لما كانت من المراعاة وهي تقتضي المشاركة نهوا عنها تأديبًا لهم إذ لا يليق أن يقولوا للنبي  "راعنا نرعك" كما هو معنى المشاركة، كما نهوا أن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض.

وهناك وجه آخر يقال في اللغة: راعى الحمار الحمر، إذ رعى معها، فكان اليهود يحرّفون الكلمة إلى هذا المعنى وإن كان فيها سب لأنفسهم على حد "اقتلوني ومالكًا"، ومن تحريف اللسان وليه في خطابهم للنبي  قولهم في التحية "السام عليكم" يوهمون بفتل اللسان وجمجمته أنهم يقولون السلام عليكم، وقد ثبت هذا في الصحيح وأنه كان  بعد العلم بذلك يجيبهم بقوله "وعليكم" أي كل أحد يموت.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد