الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٥٦ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 102 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٦ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصد عن رسله ، فقال : ( إن الذين كفروا بآياتنا [ سوف نصليهم نارا ] ) الآية ، أي ندخلهم نارا دخولا يحيط بجميع أجرامهم ، وأجزائهم .
ثم أخبر عن دوام عقوبتهم ونكالهم ، فقال : ( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ) قال [ الأعمش ، عن ابن عمر ] إذا أحرقت جلودهم بدلوا جلودا بيضا أمثال القراطيس .
رواه ابن أبي حاتم .
وقال يحيى بن يزيد الحضرمي إنه بلغه في قول الله : ( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ) قال : يجعل للكافر مائة جلد ، بين كل جلدين لون من العذاب .
رواه ابن أبي حاتم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي ، حدثنا حسين الجعفي ، عن زائدة ، عن ، عن الحسن قوله : ( كلما نضجت جلودهم [ بدلناهم جلودا غيرها ] ) الآية .
قال : تنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة .
قال حسين : وزاد فيه فضيل عن هشام عن الحسن : كلما أنضجتهم فأكلت لحومهم قيل لهم : عودوا فعادوا .
وقال أيضا : ذكر عن هشام بن عمار : حدثنا سعيد بن يحيى - يعني سعدان - حدثنا نافع ، مولى يوسف السلمي البصري ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قرأ رجل عند عمر هذه الآية : ( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ) فقال عمر : أعدها علي فأعادها ، فقال معاذ بن جبل : عندي تفسيرها : تبدل في ساعة مائة مرة .
فقال عمر : هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد رواه ابن مردويه ، عن محمد بن أحمد بن إبراهيم ، عن عبدان بن محمد المروزي ، عن هشام بن عمار ، به .
ورواه من وجه آخر بلفظ آخر فقال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن عمران ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث ، حدثنا شيبان بن فروخ ، حدثنا نافع أبو هرمز ، حدثنا نافع ، عن ابن عمر قال : تلا رجل عند عمر هذه الآية : ( كلما نضجت جلودهم [ بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ] ) الآية ، قال : فقال عمر : أعدها علي - وثم كعب - فقال : يا أمير المؤمنين ، أنا عندي تفسير هذه الآية ، قرأتها قبل الإسلام ، قال : فقال : هاتها يا كعب ، فإن جئت بها كما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقناك ، وإلا لم ننظر إليها .
فقال : إني قرأتها قبل الإسلام : " كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة " .
فقالعمر : هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال الربيع بن أنس : مكتوب في الكتاب الأول أن جلد أحدهم أربعون ذراعا ، وسنه تسعون ذراعا ، وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه ، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلودا غيرها .
وقد ورد في الحديث ما هو أبلغ من هذا ، قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا أبو يحيى الطويل ، عن أبي يحيى القتات ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يعظم أهل النار في النار ، حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام ، وإن غلظ جلده سبعون ذراعا ، وإن ضرسه مثل أحد " .
تفرد به أحمد من هذا الوجه .
وقيل : المراد بقوله : ( كلما نضجت جلودهم ) أي : سرابيلهم .
حكاه ابن جرير ، وهو ضعيف ; لأنه خلاف الظاهر .
القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ قال أبو جعفر: هذا وعيد من الله جل ثناؤه للذين أقاموا على تكذيبهم بما أنـزل الله على محمد من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر الكفار، وبرسوله.
يقول الله لهم: إن الذين جحدوا ما أنـزلتُ على رسولي محمد صلى الله عليه وسلم، من آياتي = يعني: من آيات تنـزيله، ووَحي كتابه، وهي دلالاته وحججه على صدق محمد صلى الله عليه وسلم = فلم يصدقوا به من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر أهل الكفر به =" سوف نصليهم نارًا "، يقول: سوف ننضجهم في نارٍ يُصلون فيها = أي يشوون فيها (20) =" كلما نضجت جلودهم "، يقول: كلما انشوت بها جلودهم فاحترقت =" بدلناهم جلودًا غيرها "، يعني: غير الجلود التي قد نضجت فانشوت، كما:- 9833 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن ثوير، عن ابن عمر: " كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودًا غيرها "، قال: إذا احترقت جلودهم بدّلناهم جلودًا بيضًا أمثالَ القراطيس.
(21) 9834 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارًا كلما نضجت جلودهم &; 8-485 &; بدلناهم جلودًا غيرَها "، يقول: كلما احترقت جلودهم بدّلناهم جلودًا غيرَها.
9835 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " كلما نضجت جلودهم "، قال: سمعنا أنه مكتوب في الكتاب الأول: جلدُ أحدهم أربعون ذراعًا، (22) وسِنُّه سبعون ذراعًا، وبطنه لو وضع فيه جبل وَسِعه.
(23) فإذا أكلت النار جلودهم بُدّلوا جلودًا غيرها.
9836 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك قال: بلغني عن الحسن: " كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها "، قال: ننضجهم في اليوم سبعين ألف مرة.
9837 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو عبيدة الحداد، عن هشام بن حسان، عن الحسن قوله: " كلما نضجت جلودهم بدلناهم غيرها "، قال: تنضج النار كل يوم سبعين ألف جلد.
قال: وغلظ جلد الكافر أربعون ذراعًا، والله أعلم بأيِّ ذراع!
(24) .
* * * قال أبو جعفر: فإن سأل سائل فقال: وما معنى قوله جل ثناؤه: " كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودًا غيرها "؟
وهل يجوز أن يبدّلوا جلودًا غير جلودهم التي كانت لهم في الدنيا، فيعذَّبوا فيها؟
فإن جاز ذلك عندك، فأجز أن يُبدَّلوا أجسامًا وأرواحًا غير أجسامهم وأرواحهم التي كانت لهم في الدنيا فتعذّب!
وإن أجزت ذلك، لزمك أن يكون المعذبون في الآخرة بالنار، غيرُ الذين أوعدهم الله العقابَ على كفرهم به ومعصيتهم إياه، وأن يكون الكفار قد ارتفعَ عنهم العذاب!!
* * * قيل: إن الناس اختلفوا في معنى ذلك.
فقال بعضهم: العذاب إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد واللحم، (25) وإنما يحرق الجلد ليصل إلى الإنسان ألم العذاب.
وأما الجلد واللحم، فلا يألمان.
قالوا: فسواء أعيد على الكافر جلدهُ الذي كان له في الدنيا أو جلدٌ غيره، إذ كانت الجلود غير آلمة ولا معذَّبة، وإنما الآلمةُ المعذبةُ: النفسُ التي تُحِس الألم، ويصل إليها الوجع.
قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، فغير مستحيل أن يُخْلق لكل كافر في النار في كل لحظة وساعة من الجلود ما لا يحصى عدده، ويحرق ذلك عليه، ليصل إلى نفسه ألم العذاب، إذ كانت الجلود لا تألَمُ.
* * * وقال آخرون: بل الجلودُ تألم، واللحمُ وسائرُ أجزاء جِرْم بني آدم.
وإذا أحرق جلدهُ أو غيره من أجزاء جسده، وصل ألم ذلك إلى جميعه.
قالوا: ومعنى قوله: " كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها ": بدلناهم جلودًا غير محترقة.
وذلك أنها تعاد جديدة، والأولى كانت قد احترقتْ، فأعيدت غير محترقة، فلذلك قيل: " غيرها "، لأنها غير الجلود التي كانت لهم في الدنيا، التي عصوا الله وهى لهم.
قالوا: وذلك نظيرُ قول العرب للصّائغ إذا استصاغته خاتمًا من خاتم مَصُوغ، (26) بتحويله عن صياغته التي هُو بها، إلى صياغة أخرى: " صُغْ لي من هذا الخاتم خاتمًا غيره "، فيكسره ويصوغ له منه خاتمًا غيره، والخاتم المصوغ بالصّياغة الثانية هو الأول، ولكنه لما أعيد بعد كسره خاتمًا قيل: " هو غيره ".
قالوا: فكذلك معنى قوله: " كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودًا غيرها "، لما &; 8-487 &; احترقت الجلود ثم أعيدت جديدة بعد الاحتراق، (27) قيل: " هي غيرها "، على ذلك المعنى.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: " كلما نضجت جلودهم "، (28) سرابيلهم، بدلناهم سرابيل من قَطِران غيرها.
فجعلت السرابيل [من] القطران لهم جلودًا، (29) كما يقال للشيء الخاص بالإنسان: " هو جِلدة ما بين عينيه ووجهه "، لخصُوصه به.
قالوا: فكذلك سرابيل القطران التي قال الله في كتابه: سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [سورة إبراهيم: 50]، لما صارت لهم لباسًا لا تفارق أجسامهم، جعلت لهم جلودًا، فقيل: كلما اشتعل القَطِران في أجسامهم واحترق، بدلوا سرابيل من قطران آخر.
قالوا: وأما جلود أهل الكفر من أهل النار، فإنها لا تحترق، (30) لأن في احتراقها = إلى حال إعادتها = فناءَها، (31) وفي فنائها رَاحتها.
قالوا: وقد أخبر الله تعالى ذكره عنها: أنهم لا يموتون ولا يخفف عنهم من عذابها.
قالوا: وجلود الكفار أحد أجسامهم، ولو جاز أن يحترق منها شيء فيفنى ثم يعاد بعد الفناء في النار، جاز ذلك في جميع أجزائها.
وإذا جاز ذلك، وجب أن يكون جائزًا عليهم الفناء، ثم الإعادة والموت، ثم الإحياء، وقد أخبر الله عنهم أنهم لا يموتون.
قالوا: وفي خبره عنهم أنهم لا يموتون، دليل واضح أنه لا يموت شيء من أجزاء أجسامهم، والجلود أحدُ تلك الأجزاء.
* * * وأما معنى قوله: " ليذوقوا العذاب "، فإنه يقول: فعلنا ذلك بهم، ليجدوا ألم العذاب وكربه وشدته، بما كانوا في الدنيا يكذّبون آيات الله ويجحدونها.
* * * القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) قال أبو جعفر: يقول: إن الله لم يزل (32) =" عزيزًا " في انتقامه ممن انتقم منه من خلقه، لا يقدر على الامتناع منه أحد أرادَه بضرّ، ولا الانتصار منه أحدٌ أحلّ به عقوبة =" حكيمًا " في تدبيره وقضائه.
(33) ------------------- الهوامش : (20) انظر تفسير"الإصلاء" فيما سلف: 27 - 29 ، 231.
(21) الأثر: 9833 -"ثوير" ، هو: ثوير بن أبي فاختة سعيد بن علاقة الهاشمي.
مضت ترجمته برقم: 3212 ، 5414.
وفي المطبوعة: "نوير" ، وفي المخطوطة غير منقوط.
في المطبوعة: "جلودًا بيضاء" ، وهو خطأ ، والصواب في المخطوطة.
و"القراطيس" جمع"قرطاس": وهو الصحيفة البيضاء التي يكتب فيها.
(22) في المطبوعة: "أن جلده..." ، وأثبت ما في المخطوطة.
وعنى بذلك غلظ الجلد ، كما سيأتي في رقم: 9837.
(23) في المطبوعة: "لوسعه" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(24) الأثر: 9837 -"أبو عبيدة الحداد" ، هو: عبد الواحد بن واصل السدوسي.
مضت ترجمته برقم: 8284.
و"هشام بن حسان القردوسي" مضى برقم: 2827.
(25) في المخطوطة: "الذي هو الجلد واللحم" ، وهو لا يستقيم ، وأصاب ناشر المطبوعة الأولى في زيادة"غير".
(26) "استصاغه خاتما": طلب إليه أن يصوغ له خاتمًا.
وهذه صيغة لم تذكرها كتب اللغة ، وهي عربية معرقة ، وقياس صحيح.
(27) في المطبوعة: "الاحتراق" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(28) في المطبوعة والمخطوطة: "وقال آخرون: معنى ذلك" ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(29) الزيادة التي بين القوسين ، لا غنى عنها.
(30) في المطبوعة: "لا تحرق" والجيد ما في المخطوطة كما أثبته.
(31) يعني: أنها عندئذ تفنى حتى تعاد مرة أخرى ، وفناؤه يوجب فترة يخف فيها عنهم العذاب.
وهذا باطل كما سترى في الحجج التالية.
(32) انظر تفسير"كان" بمعنى: لم يزل فيما سلف: 426 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(33) انظر تفسير"عزيز" و"حكيم" في فهارس اللغة.
قوله تعالى : إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيماقد تقدم معنى الإصلاء أول السورة .
وقرأ حميد بن قيس " نصليهم " بفتح النون أي نشويهم .
يقال : شاة مصلية .
ونصب ( نارا ) على هذه القراءة بنزع الخافض تقديره بنار .كلما نضجت جلودهم يقال : نضج الشيء نضجا ونضجا ، وفلان نضيج الرأي محكمه .
والمعنى في الآية : تبدل الجلود جلودا أخر .
فإن قال من يطعن في القرآن من الزنادقة : كيف جاز أن يعذب جلدا لم يعصه ؟
قيل له : ليس الجلد بمعذب ولا معاقب ، وإنما الألم واقع على النفوس ؛ لأنها هي التي تحس وتعرف فتبديل الجلود زيادة في عذاب النفوس .
يدل عليه قوله تعالى : ليذوقوا العذاب وقوله تعالى : كلما خبت زدناهم سعيرا .
فالمقصود تعذيب الأبدان وإيلام الأرواح .
ولو أراد الجلود لقال : ليذقن العذاب .
مقاتل : تأكله النار كل يوم سبع مرات .
الحسن : سبعين ألف مرة كلما أكلتهم قيل لهم : عودوا فعادوا كما كانوا .
ابن عمر : إذا احترقوا بدلت لهم جلود بيض كالقراطيس .
وقيل : عنى بالجلود السرابيل ؛ كما قال تعالى : وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران سميت جلودا للزومها جلودهم على المجاورة ؛ كما يقال للشيء الخاص بالإنسان : هو جلدة ما بين عينيه .
وأنشد ابن عمر رضي الله عنه :يلومونني في سالم وألومهم وجلدة بين العين والأنف سالمفكلما احترقت السرابيل أعيدت .
قال الشاعر :كسا اللؤم تيما خضرة في جلودها فويل لتيم من سرابيلها الخضر[ ص: 220 ] فكنى عن الجلود بالسرابيل .
وقيل : المعنى أعدنا الجلد الأول جديدا ؛ كما تقول للصائغ : صغ لي من هذا الخاتم خاتما غيره ؛ فيكسره ويصوغ لك منه خاتما .
فالخاتم المصوغ هو الأول إلا أن الصياغة تغيرت والفضة واحدة .
وهذا كالنفس إذا صارت ترابا وصارت لا شيء ثم أحياها الله تعالى .
وكعهدك بأخ لك صحيح ثم تراه بعد ذلك سقيما مدنفا فتقول له : كيف أنت ؟
فيقول : أنا غير الذي عهدت .
فهو هو ، ولكن حاله تغيرت .
فقول القائل : أنا غير الذي عهدت ، وقوله تعالى : ( غيرها ) مجاز .
ونظيره قوله تعالى : يوم تبدل الأرض غير الأرض وهي تلك الأرض بعينها إلا أنها تغير آكامها وجبالها وأنهارها وأشجارها ، ويزاد في سعتها ويسوى ذلك منها ؛ على ما يأتي بيانه في سورة " إبراهيم " عليه السلام .
ومن هذا المعنى قول الشاعر :فما الناس بالناس الذين عهدتهم ولا الدار بالدار التي كنت أعرف وقال الشعبي : جاء رجل إلى ابن عباس فقال : ألا ترى ما صنعت عائشة .
ذمت دهرها ، وأنشدت بيتي لبيد :ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب يتلذذون مجانة ومذلة ويعاب قائلهم وإن لم يشغب فقالت : رحم الله لبيدا فكيف لو أدرك زماننا هذا !
فقال ابن عباس : لئن ذمت عائشة دهرها لقد ذمت " عاد " دهرها ؛ لأنه وجد في خزانة " عاد " بعدما هلكوا بزمن طويل سهم كأطول ما يكون من رماح ذلك الزمن عليه مكتوب : بلاد بها كنا ونحن بأهلها إذ الناس ناس والبلاد بلاد البلاد باقية كما هي إلا أن أحوالها وأحوال أهلها تنكرت وتغيرت .
إن الله كان عزيزا أي لا يعجزه شيء ولا يفوته .
حكيما في إيعاده عباده .
{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا } أي: عظيمة الوقود شديدة الحرارة { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ } أي: احترقت { بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ } أي: ليبلغ العذاب منهم كل مبلغ.
وكما تكرر منهم الكفر والعناد وصار وصفا لهم وسجية؛ كرر عليهم العذاب جزاء وِفاقا، ولهذا قال: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا } أي: له العزة العظيمة والحكمة في خلقه وأمره، وثوابه وعقابه.
قوله تعالى : ( إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا ) ندخلهم نارا ، ( كلما نضجت ) احترقت ( جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ) غير الجلود المحترقة ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : يبدلون جلودا بيضاء كأمثال القراطيس .
وروي أن هذه الآية قرئت عند عمر رضي الله عنه ، فقال عمر رضي الله عنه للقارئ : أعدها فأعادها ، وكان عنده معاذ بن جبل ، فقال معاذ : عندي تفسيرها : تبدل في ساعة مائة مرة ، فقال عمر رضي الله عنه : هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال الحسن : تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة كلما أكلتهم قيل لهم عودوا فيعودون كما كانوا .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا معاذ بن أسيد ، أنا الفضل بن موسى ، أنا الفضيل ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع " .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنا عبد الغافر بن محمد ، أنا محمد بن عيسى الجلودي ، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أنا مسلم بن الحجاج ، أنا شريح بن يونس ، أنا حميد بن عبد الرحمن ، عن الحسن بن صالح ، عن هارون بن سعد ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد ، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام " .
فإن قيل : كيف تعذب جلود لم تكن في الدنيا ولم تعصه؟
قيل يعاد الجلد الأول في كل مرة .
وإنما قال : ( جلودا غيرها ) لتبدل صفتها ، كما تقول : صنعت من خاتمي خاتما غيره ، فالخاتم الثاني هو الأول إلا أن الصناعة والصفة تبدلت ، وكمن يترك أخاه صحيحا ثم بعد ، مرة يراه مريضا دنفا فيقول : أنا غير الذي عهدت ، وهو عين الأول ، إلا أن صفته تغيرت .
وقال السدي : يبدل الجلد جلدا غيره من لحم الكافر ثم يعيد الجلد لحما ثم يخرج من اللحم جلدا آخر وقيل : يعذب الشخص في الجلد لا الجلد ، بدليل أنه قال : ( ليذوقوا العذاب ) ولم يقل : لتذوق وقال عبد العزيز بن يحيى : إن الله عز وجل يلبس أهل النار جلودا لا تألم ، فيكون زيادة عذاب عليهم ، كلما احترق جلد بدلهم جلدا غيره ، كما قال : " سرابيلهم من قطران " ( إبراهيم - 50 ) فالسرابيل تؤلمهم وهي لا تألم .
قوله تعالى : ( ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما ) .
«إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم» ندخلهم «نارا» يحترقون فيها «كلما نضجت» احترقت «جلودهم بدَّلناهم جلودا غيرها» بأن تعاد إلى حالها الأول غير محترقة «ليذوقوا العذاب» ليقاسوا شدته «إن الله كان عزيزا» لا يعجزه شيء «حكيما» في خلقه.
إن الذين جحدوا ما أنزل الله من آياته ووحي كتابه ودلائله وحججه، سوف ندخلهم نارًا يقاسون حرَّها، كلما احترقت جلودهم بدَّلْناهم جلودًا أخرى؛ ليستمر عذابهم وألمهم.
إن الله تعالى كان عزيزًا لا يمتنع عليه شيء، حكيمًا في تدبيره وقضائه.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة كل كافر ، وحسن عاقبة كل مؤمن ، فقال : ( إِنَّ الذين .
.
.
.
ظَلِيلاً ) .والمراد بالذين كفروا هنا : كل كافر سواء أكان من بنى إسرائيل أم من غيرهم .وقوله : ( نُصْلِيهِمْ ) من الإِصلاء وهو إيقاد النار .
والمراد هنا إدخالهم فيها وقوله : ( نَضِجَتْ ) من النضج وهو بلوغ نهاية الشئ .
يقال : نضج الثمر واللحم ينضج نضجاً إذا أدرك وبلغ نهايته .
والمراد هنا : احتراق الجلود احتراقا تاما .والمعنى : ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا ) الدالة على أن الله وحده هو المستحق للعبادة والخضوع ( سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً ) أى : سوف ندخلهم نارا هائلة عظيمة وسوف هنا - كما قال سيبويه - للتهديد وتأكيد العذاب المقبل ولو مع التراخى العذاب مع تأكيده يجعل النفس فى فزع دائم ، وخوف مستمر حتى يقع .وقوله ( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ) بيان لشدة العذاب ودوامه أى : كلما احترقت جلودهم وتلاشت أعطيناهم بدل الجلود المحترقة جلودا غير متحرقة مغايرة للمحترفة .فالتدبيل على هذا حقيقى مادى .
بمعنى أن يخلق الله - تعالى - مكان الجلود المحترقة جلودا أخرى جديدة مغايرة للمحترقة .ويرى بعضهم أن الجملة الكريمة كناية عن دوام العذاب لهم .
وقد ذكر هذا الرأى الفخر الرازى فقال : ويمكن أن يقال : هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع .
كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام : كلما انتهى فقد ابتدأ .
وكلما وصل إلى آخره فقد أبتدأ من أوله .
فكذا قوله ( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ) .يعنى : كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك ، أعطيناهم قوة جديدة من الحياة .
فيكون المقصود ببيان دام العذاب وعدم انقطاعه .والذى نراه أن حمل التبديل على حقيقته أولى ، لأنه ليس لنا أن نعدل فى كلام الله عن الحقيقة إلى المجاز ، إلا عند الضرورة .
وهنا لا ضرورة لذلك ، لأن تبديل الجلود داخل تحت قدرة الله - تعالى - ولأن هذا المعنى الذى ذكره الإِمام الرازى يتأتى مع حمل اللفظ على حقيقته إذ كلمة " لك " تدل على دوام العذاب وعدم انقطاعه ، ولأن كثيرا من السلف قد فسروا الآية على الوجه الأول ، فقد روى عن ابن عمر أنه قال : تلا رجل عند عمر هذه الآية قال : فقال عمر : أعدها على .
فأعادها .
فقال معاذ بن جبل : عندى تفسيرها : تبدل جلودها فى كل ساعة مائة مرة .
فقال عمر : هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم .وقوله ( لِيَذُوقُواْ العذاب ) جملة تعليلية لقوله ( بَدَّلْنَاهُمْ ) أى بدلناهم جلودا غيرها ليقاسوا شدة العذاب ، وليحسوا به فى كل مرة كما يحس الذائق للشئ الذى يذوقه .وقوله ( إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ) تذييل قصد به تأكيد التهديد والوعيد الذى اشتملت عليه الآية الكريمة .أى : أن الله - تعالى كان وما زال عزيزا لا يغلبه غالب ، ولا يمنع عقابه مانع ( حكيما ) فى تدبيره وتقديره وتعذيب من يعذبه وإثابة من يثيبه .
اعلم أنه تعالى بعدما ذكر الوعيد بالطائفة الخاصة من أهل الكتاب بين ما يعم الكافرين من الوعيد فقال: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بئاياتنا ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: يدخل في الآيات كل ما يدل على ذات الله وأفعاله وصفاته وأسمائه والملائكة والكتب والرسل، وكفرهم بالآيات ليس يكون بالجحد، لكن بوجوه، منها أن ينكروا كونها آيات، ومنها أن يغفلوا عنها فلا ينظروا فيها.
ومنها أن يلقوا الشكوك والشبهات فيها.
ومنها: أن ينكروها مع العلم بها على سبيل العناد والحسد، وأما حد الكفر وحقيقته فقد ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ﴾ .
المسألة الثانية: قال سيبويه: سوف كلمة تذكر للتهديد والوعيد، يقال: سوف أفعل، وينوب عنها حرف السين كقوله: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ وقد ترد كلمة سوف في الوعد أيضا قال تعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى ﴾ وقال: ﴿ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى ﴾ قيل أخره إلى وقت السحر تحقيقا للدعاء، وبالجملة فكلمة السين وسوف مخصوصتان بالاستقبال.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ نُصْلِيهِمْ ﴾ أي ندخلهم النار، لكن قوله: ﴿ نُصْلِيهِمْ ﴾ فيه زيادة على ذلك فانه بمنزلة شويته بالنار، يقال شاة مصلية أي مشوية.
ثم قال تعالى: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب ﴾ وفيه سؤالان: السؤال الأول: لما كان تعالى قادرا على ابقائهم أحياء في النار أبد الآباد فلم لم يبق أبدانهم في النار مصونة عن النضج والاحتراق مع أنه يوصل اليها الآلام الشديدة، حتى لا يحتاج إلى تبديل جلودهم بجلود أخرى؟
والجواب: أنه تعالى لا يسأل عما يفعل، بل نقول: انه تعالى قادر على أن يوصل إلى أبدانهم آلاما عظيمة من غير إدخال النار مع انه تعالى أدخلهم النار.
السؤال الثاني: الجلود العاصية إذا احترقت فلو خلق الله مكانها جلوداً أخرى وعذبها كان هذا تعذيبا لمن لم يعص وهو غير جائز.
والجواب عنه من وجوه: الأول: أن يجعل النضج غير النضيج، فالذات واحدة والمتبدل هو الصفة، فاذا كانت الذات واحدة كان العذاب لم يصل إلا إلى العاصي، وعلى هذا التقدير المراد بالغيرية التغاير في الصفة.
الثاني: المعذب هو الانسان، وذلك الجلد ما كان جزأ من ماهية الانسان، بل كان كالشيء الملتصق به الزائد على ذاته، فاذا جدد الله الجلد وصار ذلك الجلد الجديد سببا لوصول العذاب اليه لم يكن ذلك تعذيبا الا للعاصي.
الثالث: أن المراد بالجلود السرابيل، قال تعالى: ﴿ سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ ﴾ فتجديد الجلود إنما هو تجديد السرابيلات.
طعن القاضي فيه، فقال: انه ترك للظاهر، وأيضا السرابيل من القطران لا توصف بالنضج، وإنما توصف بالاحتراق.
الرابع: يمكن أن يقال: هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع، كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام: كلما انتهى فقد ابتدأ، وكلما وصل الى آخره فقد ابتدأ من أوله، فكذا قوله: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ يعني كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا، فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه.
الخامس: قال السدي: إنه تعالى يبدل الجلود من لحم الكافر فيخرج من لحمه جلدا آخر وهذا بعيد، لأن لحمه متناه، فلابد وأن ينفد، وعند نفاد لحمه لابد من طريق آخر في تبديل الجلد، ولم يكن ذلك الطريق مذكورا أولا والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ لِيَذُوقُواْ العذاب ﴾ وفيه سؤالان: السؤال الأول: قوله: ﴿ لِيَذُوقُواْ العذاب ﴾ أي ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع، كقولك للمعزوز: أعزك الله، أي أدامك على العز وزادك فيه.
وأيضا المراد ليذوقوا بهذه الحالة الجديدة العذاب، وإلا فهم ذائقون مستمرون عليه.
السؤال الثاني: أنه إنما يقال: فلان ذاق العذاب إذا أدرك شيئا قليلا منه، والله تعالى قد وصف أنهم كانوا في أشد العذاب، فكيف يحسن أن يذكر بعد ذلك أنهم ذاقوا العذاب؟
والجواب: المقصود من ذكر الذوق الاخبار بأن إحساسهم بذلك العذاب في كل حال يكون كاحساس الذائق المذوق، من حيث أنه لا يدخل فيه نقصان ولا زوال بسبب ذلك الاحتراق.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ والمراد من العزيز: القادر الغالب، ومن الحكيم: الذي لا يفعل إلا الصواب، وذكرهما في هذا الموضع في غاية الحسن، لأنه يقع في القلب تعجب من أنه كيف يمكن بقاء الإنسان في النار الشديدة أبد الآباد!
فقيل: هذا ليس بعجيب من الله، لأنه القادر الغالب على جميع الممكنات، يقدر على إزالة طبيعة النار، ويقع في القلب أنه كريم رحيم، فكيف يليق برحمته تعذيب هذا الشخص الضعيف إلى هذا الحد العظيم؟
فقيل: كما أنه رحيم فهو أيضا حكيم، والحكمة تقتضي ذلك.
فان نظام العالم لا يبقى إلا بتهديد العصاة، والتهديد الصادر منه لابد وأن يكون مقرونا بالتحقيق صونا لكلامه عن الكذب، فثبت أن ذكر هاتين الكلمتين هاهنا في غاية الحسن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ أبدلناهم إياها.
فإن قلت: كيف تعذب مكان الجلود العاصية جلود لم تعص؟
قلت: العذاب للجملة الحساسة، وهي التي عصت لا للجلد.
وعن فضيل: يجعل النضيج غير نضيج.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبدّل جلودهم كل يوم سبع مرّات» ، وعن الحسن: سبعين مرة يبدّلون جلوداً بيضاء كالقراطيس ﴿ لِيَذُوقُواْ العذاب ﴾ ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع.
كقولك للعزيز: أعزّك الله، أي أدامك على عزّك وزادك فيه ﴿ عَزِيزاً ﴾ لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين ﴿ حَكِيماً ﴾ لا يعذب إلا بعدل من يستحقه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا ﴾ كالبَيانِ والتَّقْرِيرِ لِذَلِكَ.
﴿ كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها ﴾ بِأنْ يُعادَ ذَلِكَ الجِلْدُ بِعَيْنِهِ عَلى صُورَةٍ أُخْرى كَقَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الخاتَمَ قِرْطًا، أوْ بِأنْ يُزالَ عَنْهُ أثَرُ الإحْراقِ لِيَعُودَ إحْساسُهُ لِلْعَذابِ كَما قالَ: ﴿ لِيَذُوقُوا العَذابَ ﴾ أيْ لِيَدُومَ لَهم ذَوْقُهُ.
وقِيلَ يَخْلُقُ لَهم مَكانَهُ جِلْدٌ آخَرُ والعَذابُ في الحَقِيقَةِ لِلنَّفْسِ العاصِيَةِ المُدْرِكَةِ لا لِآلَةِ إدْراكِها فَلا مَحْذُورَ.
﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا ﴾ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ.
﴿ حَكِيمًا ﴾ يُعاقِبُ عَلى وفْقِ حِكْمَتِهِ.
﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ﴾ قَدَّمَ ذِكْرَ الكُفّارِ ووَعِيدِهِمْ عَلى ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ ووَعْدِهِمْ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ بِالعَرَضِ.
﴿ لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا ﴾ فَيْنانًا لا جَوْبَ فِيهِ ودائِمًا لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، وهو إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ التّامَّةِ الدّائِمَةِ.
والظَّلِيلُ صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الظِّلِّ لِتَأْكِيدِهِ كَقَوْلِهِمْ: شَمْسٌ شامِسٌ ولَيْلٌ ألْيَلُ ويَوْمٌ أيْوَمُ.
<div class="verse-tafsir"
{إن الذين كفروا بآياتنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ} ندخلهم {نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} أحرقت {بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا} أعدنا تلك الجلود غير محترقة فالتبديل والتغيير لتغاير الهيئتين لا لتغاير الأصلين عند أهل الحق خلافاً للكرامية وعن فضيل يجعل النضيج غير نضيج {لِيَذُوقُواْ العذاب} ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز أعزك الله أي أدامك على عزك {إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً} غالباً بالانتقام لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين {حَكِيماً} فيما يفعل بالكافرين
﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ كالبَيانِ والتَّقْرِيرِ لِما قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ وإمّا ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِمَّنْ كَفَرَ بِسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَدْخُلُ أُولَئِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ بِالآياتِ إمّا القُرْآنُ أوْ ما يَعُمُّ كُلُّهُ وبَعْضُهُ، أوْ ما يَعُمُّ سائِرَ مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَلى الثّانِي فالمُرادُ بِها ما يَعُمُّ المَذْكُوراتِ وسائِرَ الشَّواهِدِ الَّتِي أتى بِها الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى مُدَعّاهُمْ، و(سَوْفَ) كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، وتَنُوبُ عَنْها السِّينُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ وقَدْ تُذْكَرُ لِلْوَعْدِ، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ﴾ ، ”وسَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي“ وكَثِيرًا ما تُفِيدُ هي والسِّينُ تَوْكِيدَ الوَعِيدِ، وتَنْكِيرُ (نارًا) لِلتَّفْخِيمِ، أيْ: يَدْخُلُونَ - ولا بُدَّ - نارًا هائِلَةً.
﴿ كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ أيِ احْتَرَقَتْ وتَهَرَّتْ وتَلاشَتْ، مِن نَضِجَ الثَّمَرُ واللَّحْمُ نَضَجًا ونُضْجًا إذا أدْرَكَ، و(كُلَّما) ظَرْفُ زَمانٍ، والعامِلُ فِيهِ ﴿ بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها ﴾ أيْ أعْطَيْناهم مَكانَ كُلِّ جِلْدٍ مُحْتَرِقٍ عِنْدَ احْتِراقِهِ جِلْدًا جَدِيدًا مُغايِرًا لِلْمُحْتَرِقِ صُورَةً وإنْ كانَتْ مادَّتُهُ الأصْلِيَّةُ مَوْجُودَةً، بِأنْ يُزالَ عَنْهُ الإحْراقُ، فَلا يَرِدُ أنَّ الجِلْدَ الثّانِيَ لَمْ يَعْصِ فَكَيْفَ يُعَذَّبُ؟!
وذَلِكَ لِأنَّهُ هو العاصِي بِاعْتِبارِ أصْلِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يُبَدَّلْ إلّا صِفَتُهُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا السُّؤالَ مِمّا لا يَكادُ يَسْألُهُ عاقِلٌ فَضْلًا عَنْ فاضِلٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عِصْيانَ الجِلْدِ وطاعَتَهُ وتَألُّمَهُ وتَلَذُّذَهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ ذاتُهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ سائِرِ الجَماداتِ مِن جِهَةِ عَدَمِ الإدْراكِ والشُّعُورِ، وهو أشْبَهُ الأشْياءِ بِالآلَةِ، فَيَدُ قاتِلِ النَّفْسِ ظُلْمًا - مَثَلًا - آلَةٌ لَهُ كالسَّيْفِ الَّذِي قَتَلَ بِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما إلّا بِأنَّ اليَدَ حامِلَةٌ لِلرُّوحِ والسَّيْفَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وهَذا لا يَصْلُحُ وحْدَهُ سَبَبًا لِإعادَةِ اليَدِ بِذاتِها وإحْراقِها دُونَ إعادَةِ السَّيْفِ وإحْراقِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الحَمْلَ غَيْرُ اخْتِيارِيٍّ، فالحَقُّ أنَّ العَذابَ عَلى النَّفْسِ الحَسّاسَةِ بِأيِّ بَدَنٍ حَلَّتْ، وفي أيِّ جِلْدٍ كانَتْ، وكَذا يُقالُ في النَّعِيمِ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ مِن أهْلِ النّارِ مَن يَمْلَأُ زاوِيَةً مِن زَوايا جَهَنَّمَ، وأنَّ سِنَّ الجَهَنَّمِيِّ كَجَبَلِ أُحُدٍ، وأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَدْخُلُونَها عَلى طُولِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، سِتِّينَ ذِراعًا في عَرْضِ سَبْعَةِ أذْرُعٍ، ولا شَكَّ أنَّ الفَرِيقَيْنِ لَمْ يُباشِرُوا الشَّرَّ والخَيْرَ بِتِلْكَ الأجْسامِ، بَلْ مَن أنْصَفَ رَأى أنَّ أجْزاءَ الأبْدانِ في الدُّنْيا لا تَبْقى عَلى كِمِّيَّتِها كُهُولَةً وشُيُوخَةً، وكَوْنُ الماهِيَّةِ واحِدَةً لا يُفِيدُ؛ لِأنّا لَمْ نَدَّعِ فِيما نَحْنُ فِيهِ أنَّ الجِلْدَ الثّانِيَ يُغايِرُ الجِلْدَ الأوَّلَ كَمُغايَرَةِ العَرَضِ لِلْجَوْهَرِ أوِ الإنْسانِ لِلْحَجَرِ، بَلْ كَمُغايَرَةِ زَيْدٍ المُطِيعِ لِعَمْرٍو العاصِي مَثَلًا، عَلى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: إنَّ الكافِرَ يُعَذَّبُ أوَّلًا بِبَدَنٍ مِن حَدِيدٍ تُحِلُّهُ الرُّوحُ وثانِيًا بِبَدَنٍ مِن غَيْرِهِ، كَذَلِكَ لَمْ يَسُغْ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الحَدِيدَ لَمْ يَعْصِ فَكَيْفَ أُحْرِقَ بِالنّارِ؟!
ولَوْلا ما عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ مِنَ المَعادِ الجُسْمانِيِّ بِحَيْثُ صارَ إنْكارُهُ كُفْرًا لَمْ يُبْعَدْ عَقْلًا القَوْلُ بِالنَّعِيمِ والعَذابِ الرُّوحانِيَّيْنِ فَقَطْ.
ولَما تَوَقَّفَ الأمْرُ عَقْلًا عَلى إثْباتِ الأجْسامِ أصْلًا، ولا يُتَوَهَّمُ مِن هَذا أنِّي أقُولُ بِاسْتِحالَةِ إعادَةِ المَعْدُومِ - مَعاذَ اللَّهِ تَعالى - ولَكِنِّي أقُولُ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى إعادَتِهِ وإنْ أُمْكِنَتْ.
والنُّصُوصُ في هَذا البابِ مُتَعارِضَةٌ، فَمِنها ما يَدُلُّ عَلى إعادَةِ الأجْسامِ بِعَيْنِها بَعْدَ إعْدامِها، ومِنها ما يَدُلُّ عَلى خَلْقِ مِثْلِها وفَناءِ الأوْلى، ولا أرى بَأْسًا بَعْدَ القَوْلِ بِالمَعادِ الجُسْمانِيِّ في اعْتِقادِ أيِّ الأمْرَيْنِ كانَ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - الكَلامُ في الآياتِ الَّتِي يَدُلُّ ظاهِرُها عَلى إعادَةِ العَيْنِ، مِثْلُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وما في شَرْحِ البُخارِيِّ لِلسَّفِيرِيِّ مِن أنَّهُ لا تَزالُ الخُصُومَةُ بَيْنَ النّاسِ حَتّى تَخْتَصِمَ الرُّوحُ والجَسَدُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَتَقُولُ الرُّوحُ لِلْجَسَدِ: أنْتَ فَعَلْتَ، وإنِّي كُنْتُ رِيحًا، ولَوْلاكَ لَمْ أسْتَطِعْ أنْ أعْمَلَ شَيْئًا، ويَقُولُ الجَسَدُ لِلرُّوحِ: أنْتِ أمَرْتِ وأنْتِ سَوَّلْتِ ولَوْلاكِ لَكُنْتُ بِمَنزِلَةِ الجِذْعِ المُلْقى، لا أُحَرِّكُ يَدًا ولا رِجْلًا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى مَلَكًا يَقْضِي بَيْنَهُما، فَيَقُولُ لَهُما: إنَّ مَثَلَكُما كَمَثَلِ رَجُلٍ مُقْعَدٍ بَصِيرٍ وآخَرَ ضَرِيرٍ، دَخَلا بُسْتانًا، فَقالَ المُقْعَدُ لِلضَّرِيرِ: إنِّي أرى ها هُنا ثِمارًا لَكِنْ لا أصِلُ إلَيْها، فَقالَ لَهُ الضَّرِيرُ: ارْكَبْنِي فَتَناوْلَها، فَأيُّهُما المُتَعَدِّي؟
فَيَقُولانِ: كِلاهُما، فَيَقُولُ لَهُما المَلَكُ: فَإنَّكُما قَدْ حَكَمْتُما عَلى أنْفُسِكُما، لا أُراهُ صَحِيحًا لِظُهُورِ الفِرَقِ بَيْنَ المِثالِ والمُمَثَّلِ لَهُ، فَإنَّ الحامِلَ فِيما نَحْنُ فِيهِ لا اخْتِيارَ لَهُ ولا شُعُورَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ هُناكَ شُعُورٌ لَكِنْ لا شُعُورَ لَنا بِهِ، ولَعَلَّ لَنا عَوْدَةً إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِتَحْقِيقِ هَذا المَقامِ، ثُمَّ إنْ هَذا التَّبْدِيلَ كَيْفَما كانَ يَكُونُ في السّاعَةِ الواحِدَةِ مَرّاتٍ كَثِيرَةً.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ««قُرِئَ عِنْدَ عُمَرَ هَذِهِ الآيَةُ فَقالَ كَعْبٌ: عِنْدِي تَفْسِيرُها، قَرَأْتُها قَبْلَ الإسْلامِ، فَقالَ هاتِها يا كَعْبُ فَإنْ جِئْتَ بِها سُمِعَتْ كَما سُمِعَتْ مِن رَسُولِ اللَّهِ -صَدَّقْناكَ، قالَ: إنِّي قَرَأْتُها قَبْلُ: (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناها جُلُودًا غَيْرَها في السّاعَةِ الواحِدَةِ عِشْرِينَ ومِائَةَ مَرَّةٍ) فَقالَ عُمَرُ: هَكَذا سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ»».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ يُحْرَقُ أحَدُهم في اليَوْمِ سَبْعِينَ ألْفَ مَرَّةٍ، كُلَّما نَضَّجَتْهُمُ النّارُ وأكَلَتْ لُحُومَهُمْ، قِيلَ لَهُمْ: عُودُوا فَعادُوا.
﴿ لِيَذُوقُوا العَذابَ ﴾ أيْ: لِيَدُومَ ذَوْقُهُ ولا يَنْقَطِعَ، كَقَوْلِكَ لِلْعَزِيزِ: أعَزَّكَ اللَّهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْ إدْراكِ العَذابِ بِالذَّوْقِ مِن حَيْثُ أنَّهُ لا يَدْخُلُهُ نُقْصانٌ بِدَوامِ المُلابَسَةِ، أوْ لِلْإشْعارِ بِمَرارَةِ العَذابِ مَعَ إيلامِهِ، أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى شِدَّةِ تَأْثِيرِهِ مِن حَيْثُ أنَّ القُوَّةَ الذّائِقَةَ أشَدُّ الحَواسِّ تَأْثِيرًا، أوْ عَلى سَرايَتِهِ لِلْباطِنِ، ولَعَلَّ السِّرَّ في تَبْدِيلِ الجُلُودِ مَعَ قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى إبْقاءِ إدْراكِ العَذابِ وذَوْقِهِ بِحالٍ مَعَ الِاحْتِراقِ أوْ مَعَ بَقاءِ أبْدانِهِمْ عَلى حالِها مَصُونَةً عَنْهُ أنَّ النَّفْسَ رُبَّما تَتَوَهَّمُ زَوالَ الإدْراكِ بِالِاحْتِراقِ، ولا تَسْتَبْعِدُ كُلَّ الِاسْتِبْعادِ أنْ تَكُونَ مَصُونَةً عَنِ التَّألُّمِ والعَذابِ صِيانَةَ بَدَنِها عَنِ الِاحْتِراقِ، قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ.
وقِيلَ: السِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ في النُّضْجِ والتَّبْدِيلِ نَوْعُ إياسٍ لَهُمْ، وتَجْدِيدُ حُزْنٍ عَلى حُزْنٍ، وأنْكَرَ بَعْضُهم نُضْجَ الجُلُودِ بِالمَعْنى المُتَبادَرِ وتَبْدِيلَها زاعِمًا أنَّ التَّبْدِيلَ إنَّما هو لِلسَّرابِيلِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ ﴾ وسُمِّيَتِ السَّرابِيلُ جُلُودًا لِلْمُجاوِرَةِ، وفِيهِ أنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ خِلافَ المَعْلُومِ ضَرُورَةً، وأنَّ السَّرابِيلَ لا تُوصَفُ بِالنُّضْجِ، وكَأنَّهُ ما دَعاهُ إلى هَذا الزَّعْمِ سِوى اسْتِبْعادِ القَوْلِ بِالظّاهِرِ، ولَيْسَ هو بِالبَعِيدِ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا ﴾ أيْ: لَمْ يَزَلْ مَنِيعًا لا يُدافَعُ ولا يُمانَعُ، وقِيلَ: إنَّهُ قادِرٌ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ مِمّا تَواعَدَ أوْ وعَدَ بِهِ ﴿ حَكِيمًا ﴾ في تَدْبِيرِهِ وتَقْدِيرِهِ وتَعْذِيبِ مَن يُعَذِّبُهُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ الإصْلاءِ والتَّبْدِيلِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَعْلِيلِ الحُكْمِ مَعَ ما مَرَّ مِرارًا.
<div class="verse-tafsir"
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا يعني بمحمد وبالقرآن سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً أي ندخلهم ناراً في الآخرة.
ويقال: صَلِيَ إذا دخل النار لأجل شيء، وأصلاه إذا أدخله للاحتراق.
والاصطلاء بالنار الاستدفاء.
ثم قال تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ يقول: كلما احترقت جلودهم بَدَّلْناهُمْ يعني: جددنا لهم جُلُوداً غَيْرَها لأنهم إذا احترقوا خبت عنهم النار ساعة فبدلوا خلقاً جديداً، ثم عادت تحرقهم، فهذا دأبهم فيها.
وقال مقاتل: تجدد في كل يوم سبع مرات.
وقال الحسن: بلغني أنه ينضج كل يوم سبعين ألف مرة.
وقال الضحاك: سبعين جلداً في كل يوم.
وقد طعنت الزنادقة في هذا وقالوا: إن الجلد الذي تبدل لم يذنب، فكيف يستحق العقوبة والعذاب؟
وقيل لهم: إن ذلك الجلد هو الجلد الأول، ولكنه إذا أحرق أعيد إلى الحال الأول، كالنفس إذا صارت تراباً وصارت لا شيء ثم أحياها الله تعالى، فكذلك هاهنا.
وقوله تعالى جُلُوداً غَيْرَها على وجه المجاز، كما قال في آية أخرى يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ [سورة إبراهيم: 48] قال ابن عباس يعني يزاد في سعتها، وتسوى جبالها وأوديتها.
ثم قال تعالى: لِيَذُوقُوا الْعَذابَ أي لكي يجدوا مس العذاب إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً في نقمته حَكِيماً في أمره، حكم لهم بالنار، ثم بيّن مصير الذين صدقوا به فقال عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني آمنوا بمحمد ، وبالقرآن وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني الطاعات التي أمرهم الله تعالى بها سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أي مقيمين فيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ في الخلق والخلق وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا قال الضحاك: يعني ظلال أشجار الجنة، وظلال قصورها.
وقال الكلبي: يعني ظِلًّا ظَلِيلًا أي دائما.
وقال مقاتل: يعني أكنان القصور ظَلِيلًا يعني لا خلل فيها.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
فقال: يا رَبِّ، أخبِرْنِي، فقال: كَانَ لاَ يَحْسُدُ النَّاسَ على ما آتاهم اللَّه مِنْ فَضْله، ثم حدَّث أبو عمر بسنده، عن أنس، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ» «١» وذكر عبد الرزَّاق، عن مَعْمَرٍ، عن إسماعيل بْنِ أُمَّيَةَ «٢» ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «ثَلاَثٌ لاَ يَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ: الطِّيَرَةُ، والظَّنُّ، وَالحَسَد!
قِيلَ: فَمَا المَخْرَجُ مِنْهُنَّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ: إذَا تَطَيَّرْتَ فَلاَ تَرْجِعْ، وَإذَا ظَنَنْتَ فَلاَ تُحَقِّقْ، وَإذَا حَسَدتَّ فَلاَ تَبْغِ» «٣» انتهى من «التمهيد» .
وقوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ اختلف في الضمير مِنْ «به» .
فقال الجمهور: هو عائدٌ علَى القرآن الذي في قوله تعالى: آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً [النساء: ٤٧] فأعلم اللَّه سبحانه أنَّ منهم مَنْ آمَنَ كما أُمِرَ فلذلك/ ارتفَعَ الوعيدُ بالطَّمْسِ، ولم يَقَعْ، وصَدَّ قومٌ ثبَتَ الوعيدُ عليهم في الآخرة بقوله سبحانه: وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً.
وقيل: هو عائدٌ على إبراهيم- عليه السلام-.
وقيل: هو عائدٌ على الفَضْلِ الذي آتاه اللَّه النبيَّ- عليه السلام-، والعربَ على ما تقدَّم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: نَشْوِيهِمْ في نارٍ.
ويُرْوى أنَّ يَهُودِيَّةً أهْدَتْ إلى النَّبِيِّ شاةً مُصْلِيَةً، أيْ: مَشْوِيَّةً.
وفي قَوْلِهِ ﴿ بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها غَيْرُها حَقِيقَةً، ولا يَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: كَيْفَ بُدِّلَتْ جُلُودٌ التَذَّتْ بِالمَعاصِي بِجُلُودٍ ما التَذَّتْ، لِأنَّ الجُلُودَ آَلَةٌ في إيصالِ العَذابِ إلَيْهِمْ، كَما كانَتْ آَلَةً في إيصالِ اللَّذَّةِ، وهُمُ المُعاقِبُونَ لا الجُلُودُ.
والثّانِي: أنَّها هي بِعَيْنِها تُعادُ بَعْدَ احْتِراقِها، كَما تُعادُ بَعْدَ البِلى في القُبُورِ.
فَتَكُونُ الغَيْرِيَّةُ عائِدَةً إلى الصِّفَةِ، لا إلى الذّاتِ، فالمَعْنى: بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَ مُحْتَرِقَةٍ، كَما تَقُولُ: صُغْتُ مِن خاتَمِي خاتَمًا آَخَرَ.
وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: في هَذِهِ الآَيَةِ: تَأْكُلُهُمُ النّارُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ ألْفَ مَرَّةً، كُلَّما أكَلَتْهم قِيلَ: لَهُمْ: عُودُوا، فَعادُوا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ إنَّ اللهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا ﴾ تَقَدَّمَ في الآياتِ وصْفُ المَرَدَةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وذِكْرُ أفْعالِهِمْ وذُنُوبِهِمْ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ النَصُّ لَهم بِلَفْظٍ جَلِيٍّ عامٍّ لَهم ولِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَهم مِنَ الكُفْرِ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ: "نُصْلِيهِمْ" بِضَمِّ النُونِ، مِن أصْلَيْتَ، ومَعْناهُ: قَرَّبْتَ مِنَ النارِ وألْقَيْتَ فِيها، وهو مَعْنى صَلَّيْتَ بِتَشْدِيدِ اللامِ وقَرَأ حُمَيْدٌ "نَصْلِيهِمْ" مِن صَلَيْتَ، ومَعْناهُ: صَلَّيْتَ، ومَعْناهُ: شَوَيْتَ، ومِنهُ الحَدِيثُ: " «أُتِيَ رَسُولُ اللهِ بِشاةٍ مَصْلِيَّةٍ"» أىْ: مَشْوِيَّةٍ، وكَذا وقَعَ تَصْرِيفُ الفِعْلِ في العَيْنِ وغَيْرِهِ، وقَرَأ سَلامٌ، ويَعْقُوبُ: "نُصْلِيهُمْ" بِضَمِّ الهاءِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى تَبْدِيلِ الجُلُودِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: تُبَدَّلُ عَلَيْهِمْ جُلُودٌ غَيْرُها، إذْ نُفُوسُهم هي المُعَذَّبَةُ، والجُلُودُ لا تَأْلَمُ في ذاتِها، فَإنَّها تُبَدَّلُ لِيَذُوقُوا تَجْدِيدَ العَذابِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَبْدِيلُ الجُلُودِ هو إعادَةُ ذَلِكَ الجِلْدِ بِعَيْنِهِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا، تَأْكُلُهُ النارُ ويُعِيدُهُ اللهُ دَأبًا لِتَجَدُّدِ العَذابِ، وإنَّما سَمّاهُ تَبْدِيلًا، لِأنَّ أوصافَهُ تَتَغَيَّرُ ثُمَّ يُعادُ، كَما تَقُولُ: "بَدِّلْ مِن خاتَمِي هَذا خاتَمًا".
وهي فِضَّتُهُ بِعَيْنِها، فالبَدَلُ إنَّما وقَعَ في تَغْيِيرِ الصِفاتِ.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: كُلَّما احْتَرَقَتْ جُلُودُهم بُدِّلُوا جُلُودًا بَيْضاءَ كالقَراطِيسِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: تُبَدَّلُ عَلَيْهِمْ في اليَوْمِ سَبْعِينَ ألْفَ مَرَّةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجُلُودُ في هَذا المَوْضِعِ سَرابِيلُ القَطْرانِ، سَمّاها جُلُودًا لِلُزُومِها فَصارَتْ كالجُلُودِ، وهي تُبَدَّلُ دَأبًا عافانا اللهُ مِن عَذابِهِ بِرَحْمَتِهِ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ.
وحَسُنَ الِاتِّصافُ بَعْدَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ بِالعِزَّةِ والإحْكامِ، لِأنَّ اللهَ لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ إلّا غَلَبَهُ اللهُ، ولا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا بِحِكْمَةٍ وإصابَةٍ، لا إلَهَ إلّا هو تَبارَكَ وتَعالى.
ولَمّا ذَكَرَ اللهُ وعِيدَ الكُفّارِ عَقَّبَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصالِحَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "سَيُدْخِلُهُمْ" بِالياءِ، وكَذَلِكَ "يُدْخِلُهُمْ" بَعْدَ ذَلِكَ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى "مِن تَحْتِها" في [سُورَةِ البَقَرَةِ] و"مُطَهَّرَةٌ" مَعْناهُ: مِنَ الرِيَبِ والأقْذارِ الَّتِي هي مَعْهُوداتٌ في الدُنْيا، و"ظَلِيلًا" مَعْناهُ: عِنْدَ بَعْضِهِمْ: يَقِي الحَرَّ والبَرْدَ، ويَصِحُّ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ ظِلٌّ لا يَسْتَحِيلُ ولا يَنْتَقِلُ، كَما يَفْعَلُ ظِلُّ الدُنْيا، فَأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: "ظَلِيلًا" لِذَلِكَ، ويَصِحُّ أنْ يَصِفَهُ بِظَلِيلٍ لِامْتِدادِهِ، فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الراكِبُ الجَوادَ المُضَمَّرَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ ما يَقْطَعُها".» <div class="verse-tafsir"
تهديد ووعيد لجميع الكافرين، فهي أعمّ ممّا قبلها، فلها حكم التذييل، ولذلك فُصلت.
والإصْلاء: مصدر أصلاهُ، ويقال: صلاهُ صَلْيا، ومعناه شيُّ اللحم على النار، وقد تقدّم الكلام على (صلى) عند قوله تعالى: ﴿ وسيَصْلون سعيرا ﴾ [النساء: 10] وقوله: ﴿ فسوف نصليه ناراً ﴾ في هذه السورة [النساء: 30]، وتقدّم أيضاً الكلام على (سوف) في الآية الأخيرة.
و ﴿ نصليهم ﴾ بضم النون من الإصلاء.
و ﴿ نضجت ﴾ بلغت نهاية الشيّ، يقال: نضج الشِّواء إذا بلغ حدّ الشيّ، ويقال: نضج الطبيخ إذا بلغ حدّ الطبخ.
والمعنى: كلّما احترقت جلودهم، فلم يبق فيها حياة وإحساس.
بدّلناهم، أي عوّضناهم جلوداً غيرها، والتبديل يقتضي المغايرة كما تقدّم في قوله في سورة البقرة: ﴿ أتستبدلون الذي هو أدنى ﴾ [البقرة: 61].
فقوله: ﴿ غيرها ﴾ تأكيد لما دلّ عليه فعل التبديل.
وانتصب ﴿ ناراً ﴾ على أنَّه مفعول ثان لأنّه من باب أعطَى.
وقوله: ﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ تعليل لقوله: ﴿ بدّلناهم ﴾ لأنّ الجِلد هو الذي يوصل إحساس العذاب إلى النفس بحسب عادة خلق الله تعالى، فلو لم يبدّل الجلد بعد احتراقه لما وصل عذاب النار إلى النفس.
وتبديل الجلد مع بقاء نفس صاحبه لا ينافي العدل لأنّ الجِلد وسيلة إبلاغ العذاب وليس هو المقصود بالتعذيب، ولأنّه ناشئ عن الجلد الأوّل كما أنّ إعادة الأجسام في الحشر بعد اضمحلالها لا يوجب أن تكون أناساً غير الذين استحقّوا الثواب والعقاب لأنّها لمّا أُودعت النفوسَ التي اكتسبت الخيرَ والشرّ فقد صارت هي هي ولا سيما إذا كانت إعادتها عن إنبات من أعجاب الأذناب، حسبما ورد به الأثر، لأنّ الناشئ عن الشيء هو منه كالنخلة من النواة.
وقوله: ﴿ إنّ الله كان عزيزاً حكيماً ﴾ واقع موقع التعليل لِما قبله، فالعزّة يتأتى بها تمام القدرة في عقوبة المجترئ على الله، والحكمة يتأتّى بها تلك الكيفية في إصلائهم النار.
وقوله: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ ذكر هنا للمقابلة وزيادة الغيظ للكافرين.
واقتصر من نعيم الآخرة على لذّة الجنّات والأزواج الصالحات، لأنّهما أحبّ اللذّات المتعارفة للسامعين، فالزوجة الصالحة آنس شيء للإنسان، والجنّات مَحّل النعيم وحُسن المنظر.
وقوله: ﴿ وندخلهم ظِلاّ ظليلا ﴾ هو من تمام محاسن الجنّات، لأنّ الظلّ إنّما يكون مع الشمس، وذلك جمال الجنّات ولذّة التنعّم برؤية النور مع انتفاء حرّه.
ووصف بالظليل وصفاً مشتقّاً من اسم الموصوف للدلالة على بلوغه الغاية في جنسه، فقد يأتون بمثل هذا الوصف بوزن فعيل: كما هنا، وقولهم: داء دويُّ، ويأتون به بوزن أفْعل: كقولهم: لَيْلٌ ألْيَل ويَوْم أيْوَم، ويأتون بوزن فَاعل: كقولهم: شِعْر شاعر، ونَصَب نَاصِب.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لِيَذُوقُوا العَذابَ ﴾ فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُبَدَّلُوا جُلُودًا غَيْرَ جُلُودِهِمُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُّنْيا فَيُعَذَّبُوا فِيها؟
ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُبَدَّلُوا أجْسامًا، وأرْواحًا، غَيْرَ أجْسامِهِمْ وأرْواحِهِمُ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَكُونَ المُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ بِالنّارِ غَيْرَ الَّذِينَ وعَدَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا عَلى كُفْرِهِمْ بِالعَذابِ بِالنّارِ.
وَقَدْ أجابَ أهْلُ العِلْمِ عَنْهُ بِثَلاثَةِ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ ألَمَ العَذابِ إنَّما يَصِلُ إلى الإنْسانِ الَّذِي هو غَيَّرَ الجِلْدَ واللَّحْمَ، وإنَّما يُحْرَقُ الجِلْدُ لِيَصِلَ إلى الإنْسانِ ألَمُ العَذابِ، فَأمّا الجِلْدُ واللَّحْمُ فَلا يَأْلَمانِ فَسَواءٌ أُعِيدَ عَلى الكافِرِ جِلْدُهُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ وجِلْدٌ غَيْرُهُ.
والجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ تُعادُ تِلْكَ الجُلُودُ الأُولى جَدِيدَةً [غَيْرَ] مُحْتَرِقَةٍ.
والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ الجُلُودَ المُعادَةَ إنَّما هي سَرابِيلُهم مِن قَبْلِ أنْ جُعِلَتْ لَهم لِباسًا، فَسَمّاها اللَّهُ جُلُودًا، وأنْكَرَ قائِلٌ هَذا القَوْلَ أنْ تَكُونَ الجُلُودُ تَحْتَرِقُ وتُعادُ غَيْرَ مُحْتَرِقَةٍ، لِأنَّ في حالِ احْتِراقِها إلى حالِ إعادَتِها فَناءَها، وفي فَنائِها راحَتُها، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى: أنَّهم لا يَمُوتُونَ ولا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ثوبر عن ابن عمر في قوله: ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ﴾ قال: إذا احترقت جلودهم بدلناهم جلوداً بيضاء أمثال القراطيس.
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف من طريق نافع عن ابن عمر قال: «قرئ عند عمر ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ فقال معاذ: عندي تفسيرها، تبدل في ساعة مائة مرة.
فقال عمر: هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر قال: «تلا رجل عند عمر ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ﴾ فقال كعب: عندي تفسير هذه الآية، قرأتها قبل الإسلام.
فقال: هاتها يا كعب، فإن جئت بها كما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقناك.
قال: إني قرأتها قبل الإسلام ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ﴾ في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة.
فقال عمر: هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: بلغني أنه يحرق أحدهم في اليوم سبعين ألف مرة ﴿ كلما نضجت ﴾ وأكلت لحومهم قيل لهم عودوا فعادوا.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: تأخذ النار فتأكل جلودهم حتى تكشطها عن اللحم، حتى تفضي النار إلى العظام ويبدلون جلوداً غيرها، يذيقهم الله شديد العذاب، فذلك دائم لهم أبداً بتكذيبهم رسول الله وكفرهم بآيات الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يزيد الحضرمي.
أنه بلغه في قول الله: ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ﴾ قال: يجعل للكافر مائة جلد بين كل جلدين لون من العذاب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في الآية قال: سمعنا أنه مكتوب في الكتاب الأول: أن جلد أحدهم أربعون ذراعاً، وسنه سبعون ذراعاً، وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلوداً غيرها.
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار عن حذيفة بن اليمان قال: «أسر إليّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا حذيفة إن في جهنم لسباعاً من نار، وكلاباً من نار، وكلاليب من نار، وسيوفاً من نار، وإنه تبعث ملائكة يعلقون أهل النار بتلك الكلاليب بأحناكهم، ويقطعونهم بتلك السيوف عضواً عضواً، ويلقونهم إلى تلك السباع والكلاب، كلما قطعوا عضواً عاد مكانه غضباً جديداً» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح قال: قال أبو مسعود لأبي هريرة: أتدري كم غلظ جلد الكافر؟
قال: لا.
قال: غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعاً.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العالية قال: غلظ جلد الكافر أربعون ذراعاً.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل النار يعظمون في النار حتى يصير أحدهم مسيرة كذا وكذا ....
وإن ضرس أحدهم لمثل أحد» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ وندخلهم ظلاً ظليلاً ﴾ قال: هو ظل العرش الذي لا يزول.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا ﴾ .
قال سيبويه: سوف أداة تنفيس وتهديد ووعيد، يقال: سوف أفعل وسو أفعل (بغير فاء) (١) وقال غيره: هي أداة التسويف، كأنها مأخوذة منه، ألا ترى أنك تقول: سوف أعطيك، معناه أعطيك وقتًا آخر لا في هذا الوقت (٢) ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) ﴾ ، وفي هذه الآية قال: ﴿ سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ﴾ ، ويحقق ما ذكرنا قوله: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ ﴾ ، أي في الآخرة (٣) وقال بعضهم: سوف كلمة تعليل، وهي أيضًا كلمة العقبى كهي في هذه الآية، وكلمة تحقيق أيضًا كقوله تعالى: ﴿ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ﴾ قيل أخَّرهم إلى وقت السحر تحقيقًا للدعاء (٤) وذكرنا ما في الإصلاء عند قوله: ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ وقوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ﴾ .
قال ابن عباس: يبدَّلون جلودًا بيضًا كأمثال القراطيس (٥) وقال معاذ بن جبل (٦) (٧) وأما كيفية تبديل الجلود فقال جماعة من أهل المعاني: إن جلودهم إذا نضجت واحترقت جددت، بأن ترد إلى الحال التي كانت عليها غير محترقة.
وذلك أن (غير) على ضربين: غير تضادٍ وتنافٍ، كقولك: الليل غير النهار والذكر غير الأنثى.
وغير تبدل، كقولك للصائغ: صغ لي من هذا الخاتم خاتمًا غيره، فيكسره ويصوغ لك منه خاتمًا، فالخاتم المصوغ هو الأول، إلا أن الصياغة غير والفضة واحدة، وتقول للإنسان: جئتني بغير ذلك الوجه، إذا تغيرت حالتُه، وجاء بغير ذلك اللباس إذا غيّر قميصه بأن جعله (...) (٨) (٩) ويزيدك بهذا تأنيسًا ما قال أبو العباس (١٠) قال أبو العباس: وحقيقته أن التبديل تغيير صورة إلى صورة أخرى، والجوهرة (١١) (١٢) ألا ترى أنه نحى جسمًا وجعل مكانه جسمًا غيره.
قال أبو عمر (١٣) ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ ألا ترى أنه قد أزال السيئات وجعل مكانها الحسنات.
قال: وأما ما شرط أحمد بن يحيى فهو معنى قوله: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ﴾ ، قال: وهذه هي الجوهرة بعينها باقية، وتبديلها تغيير صورتها إلى غيرها؛ لأنها كانت ناعمة فاسودت بالعذاب، فردت صورة جلودهم الأولى لمَّا نضجت تلك الصورة، فالجوهرة واحدة والصورة مختلفة.
انتهى الحكاية (١٤) ويؤكد هذا البيان الذي ذكره المبرد (١٥) وقال أبو علي الفارسي: ليس ينفصل (بَدَّل) من (أبدل) بشيء، فقد يقال: تبدل في الشيء، ويكون قائمًا وغير قائم، كقوله: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ﴾ ، فقد تكون الآية المبدلة قائمة التلاوة، وربما رفعت من التلاوة.
وقال: ﴿ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ﴾ ، والجنتان قائمتان.
ومنهم من أجرى الآية على ظاهرها، وقال: إن الله عز وجل يجدد لهم جلودًا غير الجلود التي احترقت، ويعدم المحترقة، ولا يلزم (....) [[بياض بقدر كلمتين أو ثلاث، وبمكن أن تقدر: [عليه أن يقال] كيف جاز ...]] كيف جاز أن يعذِّب جلدًا لم يعصه؟
لأن الجلد لا يألم وإنما الألم هو الإنسان، فالجلد وإن بدِّل (...) [[بياض بقدر كلمتين أو ثلاث، ويمكن أن يقدر: [فالإنسان لم يتغير] ...]] والألم واحد.
والدليل على أن القصد تعذيب أصحاب الجلود لا الجلود قوله: ﴿ لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾ ولم يقل: لتذوق (١٦) و (غير) على هذا التأويل غير تنافٍ وتضادٍ.
واعتمد أبو بكر (١٧) ﴿ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ ﴾ أراد بالسرابيل القمص، وهي قولهم: ولا تجد ألمًا (١٨) ومنهم من أبعد في التأويل فقال: أراد بالجلود السرابيل في قوله: ﴿ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ ﴾ سميت السرابيل جلودًا للزومها جلودهم على المجاورة، كما يسمى الشيء الخاص بالإنسان جلدة ما بين عينيه ووجهه (١٩) (٢٠) فالتبديل للسرابيل، كلما احترقت السرابيل أعيدت، وينشد على هذا قول الشاعر: كسا اللؤم تيمًا خضرة في جلودها ...
فويلٌ لتيمٍ من سرابيلها الخضر (٢١) أراد بالسرابيل جلودهم.
وللسدي في هذا مذهب آخر، هو أنه قال: تبدل الجلود جلودًا غيرها من لحم الكافر، يُعيد الجلد لحمًا وُيخرج من اللحم جلدًا آخر.
لا يبدل بجلدٍ لم يعمل بخطيئة (٢٢) ومعنى قوله: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ ﴾ أي لانت، والنُّضج هو اللين بالحرارة، وهو دون الاحتراق (٢٣) ﴿ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾ (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾ .
استعمل لفظ الذوق ههنا مع عظم ما نالوا من شدة العذاب إخبارًا بأن إحساسهم به في كل حال كإحساس الذائق في تجديد الوجدان من غير نقصان في الإحساس، كما يكون في الذي يستمر به الأكل فلا يجد الطعم (٢٥) ويقال: ذاق يذوق ذوقًا ومذاقًا وذواقًا، والذواق والمذاق يكونان مصدرين ويكونان طعمًا، كما تقول: ذواقه ومذاقه طيب (٢٦) وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الذوق يكون بالفم وبغير الفم (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ أي هو قوي لا يغلبه شيء، وهو مع ذلك حكيم فيما دبر (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ﴾ .
أصل الظل الستر من الشمس، والليل يسمى ظلًا لأنه كالستر من الشمس (٢٩) في ظل أخضر يدعو هامه البومُ [[عجز بيت لذي الرمة في ص (574)، "الأضداد" لابن الأنباري ص (348)، "تهذيب اللغة" 1/ 1046 (خضر)، "الصحاح" 5/ 1755، "معجم مقاييس اللغة" 3/ 461 (ظلل)، "المفردات" ص (150)، "شرح العكبري لديوان المتنبي" 2/ 153، "اللسان" في أكثر من موضع منها: 5/ 2754 (ظلل).
وصدره: "قد أعسف النازح المجهول معسفه" وفي "الديوان": "أغضف" بدل "أخضر" في الشطر الثاني.
وجاء في "شرحه": أعسف: أسير على غير هداية، والنازح: البعيد، والمجهول: الذى ليس له علم، أغضف: يعني الليل، وأغضف أي == أسود، والهام: ذكر البوم [وهو نوع من الطيور] انتهى من الديوان بتصرف.]] ومضى القول في هذا عند قوله: ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ﴾ .
واختلفوا في معنى الظليل، فقال ابن عباس: ﴿ ظِلًّا ظَلِيلًا ﴾ دائمًا (٣٠) ونحو ذلك قال الضحاك (٣١) (٣٢) وقال الحسن: ظل ظليل لا يدخله الحر والسمائم (٣٣) قال ابن كيسان: ﴿ ظِلًّا ظَلِيلًا ﴾ من الرياح والحر (٣٤) وقال الزجاج: معنى ظليل: يظل من الريح والحر، وليس كل ظل كذلك.
أعلم الله عز وجل أن ظل الجنة ظليل لا حر (معه) (٣٥) (٣٦) وقال بعضهم: معنى الظليل أنه لا خلل فيه ولا فرجة، والمراد بهذا الظل هو الجنة وهو ظل لا حر فيه ولا برد (٣٧) وقال مقاتل: ﴿ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ﴾ يعني أكنان القصور لا فرجة فيها (٣٨) وهذا غير الأول لأنه خص الظل بأكنان القصور.
والظليل ليس بمبني على الفعل حتى يقال.
إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل، ولم يسمع من الظل تصرف، وهذا كما يقال: رجل رجيل.
(١) في "الكتاب" 4/ 233 "وأما (سوف) فتنفيس فيما لم يكن بعد" وانظر: "عمدة الحفاظ" ص (255) (سوف)، والتنفيس هو التأخير، انظر: "اللسان" 4/ 2152 (سوف).
(٢) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1597 - 1598 (ساف)، "عمدة الحفاظ" ص (255) (سوف).
(٣) انظر: الطبري ط.
دار الفكر 30/ 232.
(٤) انظر: ابن كثير 2/ 537.
(٥) انظر: "معالم التنزيل" 2/ 237، وأخرجه عن ابن عمر: الطبري 5/ 142، وابن أبي حاتم، انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 564، "الدر المنثور" 2/ 311.
والقراطيس جمع قرطاس وهي الصحيفة التي يُكتب عليها.
انظر: "اللسان" 6/ 3592 (قرطس).
(٦) هو أبو عبد الرحمن مُعاذ بن جبل بن عمرو الأنصاري الخزرجي، أحد السبعة الذين شهدوا العقبة من الأنصار وقد شهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان من قراء الصحابة وعلمائهم وأمرائهم.
توفي سنة 17هـ أو بعدها.
انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص (358)، "أسد الغابة" 5/ 194، "سير أعلام النبلاء" 1/ 443، "الإصابة" 3/ 426 - 427.
(٧) الأثر عن عمر ومعاذ ما أخرجه ابن عدي والطبراني في "الأوسط" وابن أبي حاتم وابن مردويه، وسنده ضعيف، انظر البغوي 2/ 237، "الكافي الشاف" ص (45)، "الدر المنثور" 2/ 311.
(٨) بياض في (ش) ولعلها: بأن جعله (أبيض)، أو نحو ذلك.
(٩) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 65، وانظر: الطبري 5/ 143، "زاد المسير" 2/ 113، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 254.
(١٠) من "تهذيب اللغة" 1/ 295 (بدل)، وقد نقل عن الأزهري نصًّا طويلاً، فيه أقوال.
(١١) جوهرة الشيء أصله، قال ابن منظور: "وجوهر كل شيء ما خلقت عليه جبلته" "اللسان" 2/ 712 (جهر).
(١٢) "تهذيب اللغة" 1/ 294، "اللسان" 11/ 48 (بدل).
(١٣) قد يكون الزاهد، ومرت ترجمته.
(١٤) من "تهذيب اللغة" 1/ 294، وانظر: "الصحاح" 4/ 1632، "اللسان" 1/ 231 (بدل).
(١٥) لعل هذِه الواو زائدة.
(١٦) انظر: "الطبري" 5/ 142 - 143، "معالم التنزيل" 2/ 238، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 254.
(١٧) لعله يقصد ابن الأنباري.
(١٨) لم أقف عليه، وانظر: الطبري 5/ 143.
(١٩) انظر: الطبري 5/ 143، والقرطبي 5/ 254، وقد استبعد هذا القول كالمؤلف ابن كثير في "تفسيره" 1/ 564.
(٢٠) هذا عجز بيت لعبد الله بن عمر - ما- وصدره: يلومونني في سالم وألومهم ولعله يقصد ابنه سالمًا.
انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 254.
(٢١) البيت لجرير في "ديوانه" ص162، والكتاب 1/ 333، ودون نسبة في "المقتضب" 3/ 220، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 254.
والسرابيل جمع سربال وهو القميص كما تقدم عند المؤلف.
(٢٢) انظر: "معالم التنزيل" 2/ 238.
(٢٣) الظاهر والذي عليه المفسرون أن معنى: (نضجت): احترقت.
انظر: الطبري 5/ 143، "بحر العلوم" 1/ 361، "زاد المسير" 2/ 113.
وعلى ما ذكر المؤلف يلزم بأن يفسر تبديل الجلود بتغيير حالتها، لا تغييرها هي.
والله أعلم.
(٢٤) انظر: الطبري 5/ 143، والقرطبي 5/ 254.
(٢٥) انظر: "الكشاف" 1/ 275.
(٢٦) "العين" 5/ 201، "تهذيب اللغة" 2/ 1302 (ذوق).
(٢٧) "تهذيب اللغة" 2/ 1302 (ذوق).
(٢٨) انظر: الطبري 5/ 143، "بحر العلوم" 1/ 362.
(٢٩) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2245 - 2246، "اللسان" 5/ 2754 (ظلل).
(٣٠) أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 592 دون نسبة إلى ابن عباس، ولم أقف عليه عنه، وروى ابن أبي حاتم معناه عن الربيع بن أنس، انظر: "الدر المنثور" 2/ 311.
(٣١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 255.
(٣٢) انظر: "معالم التنزيل" 2/ 238.
(٣٣) انظر: "الوسيط" 2/ 592، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 255، "البحر المحيط" 3/ 275، وفيهما: "السموم" بدل "السمائم".
(٣٤) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2248 (ظلل).
(٣٥) في المخطوط: "معد" والتصويب من "معاني الزجاج".
(٣٦) "معاني الزجاج" 2/ 66.
(٣٧) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 66، "البحر المحيط" 3/ 275.
(٣٨) "تفسيره" 1/ 381، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 362.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ ﴾ الآية؛ قيل: المراد من اليهود من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو بالقرآن المذكور في قوله تعالى: مصدقاً لما معكم، أو بما ذكر من حديث إبراهيم، فهذه ثلاثة أوجه في ضمير به، وقيل: منهم أي من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم، ومنهم من كفر: كقوله تعالى: ﴿ فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون ﴾ [الحديد: 26] ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ الآية قيل: تبدل لهم جلود بعد جلود أخرى، إذ نفوسهم هي المعذبة وقيل: تبديل الجلود تغيير صفاتها بالنار، وقيل: الجلود السرابيل وهو بعيد ﴿ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ ذكر في البقرة ﴿ ظِلاًّ ظَلِيلاً ﴾ صفة من لفظ الظل للتأكيد: أي دائماً لا تنسخه الشمس وقيل: نفي الحر والبرد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تسوّى ﴾ بإدغام تاء التفعل في السين: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ تسوّى ﴾ بالإمالة وحذف التاء الأولى: حمزة وعلي وخلف.
الباقون ﴿ تسوّى ﴾ مبنياً للمفعول من التسوية ﴿ لمستم ﴾ من اللمس وكذلك في المائدة: حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الباقون: ﴿ لامستم ﴾ من الملامسة ﴿ فتيلاً انظر ﴾ بكر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن ذكوان.
الباقون: بالضم.
وفرق بعضهم بين موضع الخفض فلم يجوز الضم كراهة الانتقال من الكسرة إلى الضمة نحو ﴿ متشابه انظروا ﴾ و ﴿ برحمة ادخلوا ﴾ و ﴿ خبيثة اجتثت ﴾ و ﴿ عذاب / اركض ﴾ وأشباه ذلك.
﴿ نضجت جلودهم ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وخلف وهشام وأبو عمرو.
الوقوف: ﴿ شهيداً ﴾ ط ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ حديثاً ﴾ ه ﴿ تغتسلوا ﴾ ط ﴿ وأيديكم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ط ﴿ بأعدائكم ﴾ ط ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ في الدين ﴾ ط ﴿ وأقوم ﴾ لا لاتصال لكن ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ السبت ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ج ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ يزكون أنفسهم ﴾ ط ﴿ فتيلاً ﴾ ه ﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ط ﴿ سبيلا ﴾ ه ﴿ لعنهم الله ﴾ ط ﴿ نصيراً ﴾ ه ط لأن "أم" بمعنى همزة الاستفهام للإنكار ﴿ نقيراً ﴾ ه لا للعطف ﴿ من فضله ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع تعقب الفاء ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ صدّ عنه ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ مطهرة ﴾ ز لاستئناف الفعل على أنه من تمام المقصود ﴿ ظليلاً ﴾ ه.
التفسير: إنه لما أوعد الظالمين بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ ووعد المطيعين بقوله: ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ أراد أن يبين أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله حجة على الخلق ليكون الإلزام أتم والتبكيت أعظم.
"روي أن النبي قال لابن مسعود: اقرأ القرآن عليّ.
قال: فقلت: يا رسول الله أنت الذي علّمتنيه!
فقال: أحب أن أسمعه من غيري.
قال ابن مسعود: فافتتحت سورة النساء، فلما انتهيت إلى هذه الآية قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان" .
قال العلماء: إنه بكاء فرح لما شرفه الله بكرامة قبول الشهادة على الخلائق.
والمعنى كيف يصنع هؤلاء الذين شاهدتهم وعرفت أحوالهم من مردة الكفرة كاليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشيهد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، وجئنا بك على هؤلاء المكذبين شهيداً؟
ثم وصف ذلك اليوم فقال: ﴿ يومئذٍ يود الذين كفروا وعصوا الرسول ﴾ قيل: هذه الجملة معترضة والمراد وقد عصوا.
والظاهر أن الواو للعطف وحينئذٍ تقتضي كون عصيان الرسول مغايراً للكفر لأنّ عطف الشيء على نفسه غير جائز.
فإما أن يخص الكفر بنوع منه وهو الكفر بالله، أو يقال: إنه عام وأفرد ذكر قسم منه إظهاراً لشرف الرسول وتفظيعاً لشأن الجحود به، أو يحمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفرة فيكون في الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.
ومعنى ﴿ لو تسوّى ﴾ لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، أو يودون أنهم لم يبعثوا أو أنهم كانوا والأرض سواء، أو تصير البهائم تراباً فيودون حالها كقوله: ﴿ ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ﴾ أما قوله: ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ فإما أن يتصل بما قبله والواو للعطف أي يودون لو انطبقت عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد ولا كفروا به ولا نافقوا، أو للحال والمراد أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام دون أهل الشرك قالوا تعالوا فلنجحد فيقولون: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ رجاء أن يغفر الله لهم، فحينئذٍ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، هناك يودون أنهم كانوا تراباً ولم يكتموا الله حديثاً.
وإما أن يكون كلاماً مستأنفاً فإن ما عملوه ظاهر عند الله فكيف يقدرون على كتمانه وإن قصدوه أو توهموه؟
ثم أتبع وصف اليوم كيفية الصلاة التي هي سنام الطاعات وأعظم المنجيات فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ وقد مر سبب نزوله في البقرة.
وفي لفظ الصلاة ههنا قولان: أحدهما أن المراد منه المسجد وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن وإليه يذهب الشافعي، وليس فيه إلا حذف المضاف أي لا تقربوا موضع الصلاة.
وثانيهما وعليه الأكثرون أن المراد نفس الصلاة أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى.
ومعنى الآية على القول الأولى لا تقربوا المسجد في حالتين: إحداهما حالة السكر، وذلك أن جمعاً من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد للصلاة مع الرسول ، فنهوا عن ذلك لأن الظاهر أن الإنسان إذا أتى المسجد فإنما يأتيه للصلاة، ولا شك أن الصلاة فيها أقوال مخصوصة يمنع السكر منها.
وثانيهما حالة الجنابة، واستثنى من هذه الحالة حالة العبور أي الاجتياز في المسجد بأن كان الطريق إلى الماء فيه، أو كان الماء فيه ووقع الاحتلام فيه.
والمعنى على القول الثاني النهي عن الصلاة في حالتين: الأولى حالة السكر أيضاً إلاّ إذا علموا ما يقولون، ومعنى قربان الصلاة غشيانها والقيام إليها.
والثانية حالة الجنابه ويستثنى منها حالة عبور السبيل ويراد به في هذا القول السفر.
أي لا تقربوا الصلاة في حالة الجنابة إلاّ ومعكم حال أخرى تعذرون فهيا وهي حال السفر.
ويجوز أن يكون ﴿ إلاّ عابري سبيل ﴾ صفة لقوله: ﴿ جنباً ﴾ أي لا تقربوها جنباً غير عابري سبيل أي جنباً مقيمين.
إنما استثنى حالة المسافر لما يجيء من تفصيل فيها، وهو أن المسافر إذا أجنب ثم لم يجد الماء تيمم وصلى مع الجنابة.
ويرد عليه بعد أن الجنب المقيم أيضاً إذا عجز عن استعمال الماء لمرض أو برد يجوز له التيمم والصلاة على الجنابة، اللهم إلاّ أن يقال: إن عذر السفر أعم وأغلب فلهذا تخصص بالذكر أولاً.
وسكارى جمع سكران.
وقوله: ﴿ وأنتم سكارى ﴾ في محل النصب على الحال ولهذا عطف عليه قوله: ﴿ ولا جنباً ﴾ والجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجتناب، وخالف الضحاك جمهور الصحابة والتابعين فقال: إن السكر ههنا يراد به غلبة النوم ويوافقه الاشتقاق، فإن السكر عبارة عن سد الطريق، ومنه سكر السبيل سد / طريقه.
والسكر في الشراب هو أن ينقطع عما عليه من المضار في حال الصحو، فعند النوم تمتلىء مجاري الروح من الأبخرة الغليظة فتنسد تلك المجاري بها ولا ينفذ الروح السامع والباصر إلى ظاهر البدن.
والجواب أن لفظ السكر حقيقة في السكر من الخمر والأصل في الإطلاق الحقيقة، ومتى استعمل مجازاً فإنما استعمل مقيداً كقوله : ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ وأيضاً أجمع المفسرون على أنها نزلت في شرب الخمر، وسبب النزول يمتنع أن لا يكون مراداً من الآية.
ثم على قول الجمهور يمكن ادعاء النسخ في الآية بأنه إنما نهى عن قربان الصلاة حال السكر ممدوداً إلى غاية أن يصير بحيث يعلم ما يقول، والحكم الممدود إلى غاية يقتضي انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية فهذا يقتضي جواز الصلاة مع السكر إذا كان بحيث يعلم ما يقول.
وجواز الصلاة مع هذا السكر توهم جواز هذا السكر، لكنه حرم الخمر في آية سورة المائدة على الإطلاق فتكون ناسخة لبعض مدلولات هذه الآية.
ومن قال: إن مدلول الكلام يرجع إلى النهي عن الشرب المخل بالفهم عند القرب من الصلاة، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه فلا يكون منسوخاً، يكذبه أن الصحابة لم يفهموا منها التحريم المطلق فكانوا لا يشربون في أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلاّ وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون إلى أن نزلت آية المائدة فقالوا: انتهينا يا رب.
والتحقيق فيه أن النهي عن مباح الأصل في وقت ما وبوجه ما وإن كان لا يدل على تحريمه ولا على إباحته في غير ذلك الوقت وبغير ذلك الوجه إلاّ أن جانب الإباحة راجح بحكم الأصل فيغلب على الظن ذلك كما فهمه الصحابة.
ثم إنه ذكر حكم المعذورين في حال الحدث فخص أولاً من بينهم مرضاهم وسفرهم لأنهم المتقدمون في استحقاق بيان الرخصة لهم لكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة.
والمعنى أن المرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه فلهم أن يتمموا، وكذلك الذين هم على حالة السفر إذا عدموه لبعده.
ويحتمل أن يقال: قوله ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ ليس قيداً في حكم المرضى لأنهم في الرخصة وإن وجدوا ماء.
ثم عمم كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء لخوف سبع أو عدو أو عدم آلة استقاء أو انحصار في مكان لا ماء فيه أو غير ذلك من الأسباب التي لا تكثر كثرة المرض والسفر.
ويراد بالمرض ما يخاف معه محذور كبطء برء وشين فاحش ظاهر بقول طبيب مقبول الرواية لا أن يتألم ولا يخاف.
روي "أن بعض الصحابة أصابته جنابة وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فلم يفته بالتيمم، فاغتسل فمات.
فسمع النبي فقال: قتلوه قتلهم الله" .
وقال مالك وداود: يجوز له التيمم بجميع أنواع المرض.
وفي معنى المرض البرد المؤدي إلى المرض لو استعمل الماء كما مر من حديث عمرو بن العاص في تفسير قوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ والسفر يعم الطويل والقصير أعني مسافة القصر وما دونها لإطلاق قوله: ﴿ أو على سفر ﴾ والغائط المكان المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان.
كان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطاً من الأرض يغيب فيه عن أعين الناس، فكنى به عن ذلك.
وأكثر العلماء ألحقوا بالغائط كل ما يخرج من السبيلين من معتاد أو نادر.
أما اللمس أو الملامسة ففيه قولان: أحدهما أن المراد به التقاء البشرتين بجماع أو بغيره كما هو مقتضى اللغة وهو قول ابن مسعود وابن عمرو الشعبي والنخعي وإليه ذهب الشافعي.
وثانيهما المراد به الجماع وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ومذهب أبي حنيفة والشيعة لما ورد في القرآن بطريق الكناية: ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ﴾ عن ابن عباس: إنّ الله حيّ كريم يعف ويكني، فعبر عن المباشرة بالملامسة.
وأيضاً لتشمل الآية الحدثين الأصغر والأكبر.
ثم على مذهب الشافعي قال بعض أهل الظاهر: إنما ينتقض وضوء اللامس دون الملموس لقوله: ﴿ أو لمستم ﴾ والصحيح أنه ينتقض وضوءهما معاً لاشتراك اللامس والملموس في ابتغاء اللذة.
قوله: ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ قال الشافعي: إذا دخل وقت الصلاة فطلب الماء ولم يجده فتيمم وصلى ثم دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى، لأن عدم الوجدان مشعر بسبق الطلب فلا بد في كل مرة من سبق الطلب.
وقال أبو حنيفة: لا يجب بدليل قوله: ﴿ ولم نجد له عزماً ﴾ وسبق الطلب في حقه محال.
وأجيب بأنه بنى الكلام على المجاز للمبالغة كأنه طلب شيئاً ثم لم يجد.
وأجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه احتاج إليه لعطشه أو لعطش حيوان محترم معه جاز له التيمم، ولو وجد من الماء ما لا يكفيه فالأصح عند الأئمة أنه يستعمله أو يصبه ثم يتيمم ليكون عاملاً بظاهر الآية.
والتيمم في اللغة القصد.
والصعيد التراب، "فعيل" بمعنى "فاعل".
وقال ثعلب والزجاج: إنه وجه الأرض تراباً كان أو غيره.
ومن هنا قال أبو حنيفة: إذا كان صخر لا تراب عليه وضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافياً.
وقال الشافعي: لا بد من تراب لتحقق مفهوم التصاعد فيه وليلتصق بيده فيمكنه المسح ببعضه كما جاء في المائدة ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ﴾ ولا يفهم من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن إلاّ معنى التبعيض، ولأن الصعيد وصف بالطيب والطيب هو الذي يحتمل الإثبات لقوله: ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ﴾ ولأنه خصص التراب بهذا المعنى فقال: " "جعلت لي / الأرض مسجداً وترابها طهوراً " أما مسح الوجه واليد فعن علي وابن عباس: اختصاص المسح بالجبهة وظاهر الكفين وقريب منه مذهب مالك لأن المسح مكتفى فيه بأقل ما يطلق عليه اسم المسح.
وقال الشافعي وأبو حنيفة: يستوعب الوجه واليدين إلى المرفقين كما في الوضوء.
وعن الزهري إلى الآباط، لأن اليد حقيقة لهذا العضو إلى الإبط، ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنّ الله كان عفواً غفوراً ﴾ وهو كناية عن الترخيص والتيسير لأن من كان عادته العفو عن المذنبين كان أولى بالترخيص للعاجزين.
عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء: فجاء أبو بكر ورسول الله واضع رأسه على فخذي قد نام فقال: حبست رسول الله والناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟
قالت: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، فجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله على فخذي.
فنام رسول الله حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فتيمموا.
فقال أسيد بن الحضير وهو أحد النقباء: ما هو بأول بركتكم يا آل أبي بكر.
قالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته" .
ثم إنه لما ذكر من أول السورة إلى ههنا أحكاماً كثيرة عدل إلى ذكر طرف من آثار المتقدمين وأحوالهم، لأنّ الانتقال من أسلوب إلى أسلوب مما يزيد السامع هزة وجدة فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ أي ألم ينته علمك؟
أو ألم تنظر إلى من أتوا حظاً من علم التوراة وهم أحبار اليهود؟
وإنما أدخل "من" التبعيضية لأنهم عرفوا من التوراة نبوة موسى ولم يعرفوا منها نبوة محمد .
فأما الذين أسلموا منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه فقد وصفهم بأن معهم علم الكتاب في قوله: ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ﴾ لأنهم عرفوا الأمرين جميعاً ﴿ يشترون الضلالة ﴾ يختارونها لأن من اشترى شيئاً فقد آثره واختاره قاله الزجاج.
والمراد تكذيبهم الرسول لأغراضهم الفاسدة من أخذ الرشا وحب الرياسة.
وقيل: المراد يستبدلون الضلالة - وهو البقاء على اليهودية - بالهدى - وهو الإسلام - بعد وضوح الآيات لهم على صحته.
﴿ ويريدون أن تضلوا ﴾ أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه، ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين، الضلال والإضلال.
عن ابن عباس "أن الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود كانا يأتيان رأس / المنافقين عبد الله بن أبي ورهطه فيثبطانهم عن الإسلام" .
وقيل: المراد عوام اليهود كانوا يعطون أحبارهم بعض أموالهم لينصروا اليهودية فكأنهم اشتروا بمالهم الشبهة والضلالة ﴿ والله أعلم ﴾ منكم ﴿ بأعدائكم ﴾ لأنه عالم بكنه ما في صدورهم من الحنق والغيظ، فإذا أطلعكم على أحوالهم فلا تستنصحوهم في أموركم واحذروهم ﴿ وكفى بالله ولياً ﴾ متولياً لأمور العبد ﴿ وكفى بالله نصيراً ﴾ فثقوا بولايته ونصرته دونهم.
وكرر "كفى" ليكون أشد تأثيراً في القلب وأكثر مبالغة، وزيدت الباء في الفاعل إيذاناً بأن الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره فكان الباء للسببية.
وقال ابن السراج: التقدير كفى اكتفاؤك بالله.
وقيل: فائدة الباء وهي للإلصاق أن يعلم أن هذه الكفاية صدرت من الله بغير واسطة.
وقوله: ﴿ من الذين هادوا ﴾ إما بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب وقوله: ﴿ والله أعلم ﴾ إلى آخر الآية معترض بن البيان والمبين، وإما بيان لأعدائكم والجملتان بينهما معترضتان، وإما صلة ﴿ نصيراً ﴾ كقوله: ﴿ ونصرناه من القوم الذين كذبوا ﴾ وإما كلام مستأنف على أن ﴿ يحرفون ﴾ صفة مبتدأ محذوف تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم عن مواضعه.
قال الواحدي: الكلم جمع حروفه أقل من حروف واحده، وكل جمع يكون كذلك فإنه يجوز تذكيره.
ومعنى هذا التحريف استبدال لفظ مكان لفظ كوضعهم "آدم طوالاً" مكان "أسمر ربعة" وجعلهم الحد بدل الرجم.
واختير "عن" للدلالة على الإمالة والإزالة.
وأما في المائدة فقيل: ﴿ من بعد مواضعه ﴾ نظراً إلى أن الكلم كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له.
وقيل: المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة كما يفعله في زماننا أهل البدعة.
وجعل بعض العلماء هذا القول أصح لاستبعاد تحريف المشهور المتواتر، لكن دعوى التواتر بشروطه في التوراة ممنوعة.
وقيل: كانوا يدخلون على النبي فيسألونه عن أمر فيخبرهم به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه.
ومن جملة جهالاتهم أنه كان إذا أمرهم بشيء قالوا في الظاهر سمعنا وفي الباطن عصينا، أو كانوا يقولون كلا اللفظين ظاهراً إظهاراً للعناد والمرود والكفر والجحود، ومنها قولهم للنبي ﴿ اسمع غير مسمع ﴾ وهو كلام ذو وجهين: أما احتماله المدح فلقول العرب: أسمع فلان فلاناً إذا سبه وإذا كان المراد: اسمع غير مسمع مكروهاً كان مدحاً وتوقيراً ونصحاً.
وأما احتمال الذم فبأن يكون معناه اسمع منا مدعواً عليك بلا سمعت، لان من كان أصم فإنه لا يسمع فلا يسمع، أو بأن يراد اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه أي غير مسمع جواباً يوافقك، أو بأن يراد اسمع غير مسمع كلاماً ما ترتضيه، وعلى هذا يجوز أن يكون ﴿ غير / مسمع ﴾ مفعول ﴿ اسمع ﴾ لا حالاً من ضميره أي اسمع كلاماً غير مسمع إياك لنبوّ سمعك عنه.
ومنها قولهم له ﴿ راعنا ﴾ وقد عرفت احتمالاته في البقرة.
وإنما جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد تصريحهم بالعصيان على وجه لأن المواجهة بالعصيان أهونخطباً في العرف من المواجهة بالسب ودعاء السوء ولهذا كانت الكفرة يواجهونه بالأول دون الثاني ﴿ ليا بألسنتهم ﴾ مفعول لأجله، أو مصدر لمحذوف، أو لـ ﴿ يقولون ﴾ لأنه في معنى اللي أيضاً وعينه "واو" بدليل لويت فقلبت وأدغمت، والمعنى: يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون ﴿ راعنا ﴾ موضع ﴿ انظرنا ﴾ و ﴿ غير مسمع ﴾ موضع لا سمعت مكروهاً، أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً، أو لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام سخرية وطعناً على عادة المستهزئين، فبين الله أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء طعناً في الدين ونبه بذلك على ما كانوا يقولونه فيما بينهم إنا نشتمه ولا يعرفه ولو كان نبياً لعرف بإظهار ذلك عليه فانقلب ما جعلوه طعناً في الدين دلالة قاطعة على صحته لأن الإخبار عن الغيب معجز.
﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ﴾ بدل قولهم: ﴿ سمعنا وعصينا ﴾ إذ وضح لهم الآيات وثبت لهم البينات كرات بعد مرات و ﴿ اسمع ﴾ دون أن يقال معه ﴿ غير مسمع ﴾ ﴿ وانظرنا ﴾ مكان ﴿ راعنا ﴾ ﴿ لكان ﴾ قولهم ذلك ﴿ خيراً لهم وأقوم ﴾ أعدل لا أشد من قولهم: "رمح قويم" أي مستقيم ﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم ﴾ أي بسببه ﴿ فلا يؤمنون إلاّ ﴾ إيماناً ﴿ قليلاً ﴾ وهو إيمانهم بالله وبالتوراة وببعض الأنبياء دون سائر رسله.
أو إلاّ قليلاً منهم آمنوا لأن "فعيلاً" قد يراد به الجمع كقوله: ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ أو أراد بالقلة العدم.
ثم زجرهم عن كفر الجحود والعناد بقوله: ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ الآية.
والطمس المحو.
يقال: طريق طامس ومطموس، ومفازة طامسة الأعلام، وطمست الكتاب محوته.
وهو في الآية حقيقة أو مجاز قولان.
والمعنى على الأول محو تخطيط صورها وأشكالها من عين وحاجب وأنف وفم.
والفاء في ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ إما للتسبيب أي فنجعل الوجوه بسبب هذا الطمس على هيئة أقفائها مطموسة مثلها، لأن الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من الحواس والتخاطيط، فإذا أزيلت ومحيت لم يبق فرق بينها وبين القفا.
وإما للتعقيب على أن العقوبة شيئان: إحداهما عقيب الأخرى الطمس، ثم نكس الوجه إلى خلق والأقفاء إلى قدام.
وإنما يكون هذا عقوبة لما فيه من تشويه الخلقة والمثلة والفضيحة كما قال في حق أهل النار ﴿ وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ﴾ على أن وجوههم مردودة إلى أقفائهم فتدرك الكتابة وتقرأ من هناك.
وأما المعنى على القول / الثاني فعن الحسن: نطمسها عن الهدى ونردها بالخذلان على أدبارها أي على ضلالاتها وشبهاتها.
وذلك أن المتوجه إلى عالم الحس معرض عن عالم العقل، وبقدر الإقبال على ذاك يحصل الإدبار عن هذا.
وقال عبد الرحمن بن زيد: نردهم إلى حيث جاؤوا منه وهي أذرعات الشام.
يريد إجلاء بني قريظة والنضير.
والطمس على هذا إما تقبيح الوجوه وإما إزالة آثارهم عن ديار العرب.
وقيل: الطمس القلب والتغيير.
والمراد بالوجوه رؤساؤهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وأدبارهم.
والضمير في قوله: ﴿ أو نلعنهم ﴾ إما للوجوه إن أريد بها الوجهاء، وإما لإصحاب الوجوه لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم، أو يرجع إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات.
فإن قيل: فأين وقوع الوعيد؟
فالجواب أنه مشروط بعدم إيمان جميعهم ولكنه قد آمن ناس من علمائهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.
حكي أنه لما نزلت هذه الآية أتى عبد الله بن سلام رسول الله قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال: يا رسول الله، ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي.
وأيضاً إنه ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه بل إياه أو اللعن.
فإن كان الطمس تبديل أحوال رؤسائهم أو إجلاءهم إلى الشام فقد كان أحد الأمرين، وإن كان غيره فقد حصل اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان.
واللعن الموعود ظاهره اللعن المتعارف لا المسخ.
وقيل: هو منتظر ولهذا قيل: ﴿ وجوهاً ﴾ منكرة دون "وجوهكم" ليشمل وجوهاً غير المخاطبين من أبناء جنسهم، ولا بد من مسخ وطمس لليهود قبل يوم القيامة.
وقيل: إنّ قوله: ﴿ آمنوا ﴾ تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم فلزم أن يكون قوله: ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ واقعاً في الآخرة.
فالتقدير: آمنوا من قبل أن يجيء الوقت الذي نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ لأنه لا راد لحكمه ولا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله، وهذا كما يقال في الشيء الذي لا يشك في حصوله هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد، فإذا حكم بإنزال العذاب على قوم فعل ذلك ألبتة.
والمراد بالأمر الشأن والفعل الذي تعلق إرادته به لا الأمر الذي هو أحد أقسام الكلام، فلا يصح استدلال الجبائي بالآية على أن كلامه مفعول أي مخلوق.
ثم بين أن مثل هذا التهديد من خواص الشرك والكفر فقال: ﴿ إن الله لا يغفر ﴾ الآية.
وفي الآية دلالة على أن اليهودي يسمى مشركاً في عرف الشرع لاتصالها بقصتهم، ولأنها دلت على أن ما سوى الشرك مغفور واليهودية غير مغفورة بالإجماع.
ومن هنا قال الشافعي: المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك، والمشرك المباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله، ولا يتوجه النهي عن قتله ترك العمل بهذا الدليل في النهي فيبقى / معمولاً به في سقوط القصاص عن قاتله.
واستدلت الأشاعرة بالآية على غفران صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن ما دون الشرك يشمله.
والمعتزلة خصصوا الثاني بمن تاب كما أن الأول مخصص بالإجماع بمن لم يتب.
قالوا: ونظيره قولك: "إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء".
المعنى لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله.
والمشيئة تكون قصداً في الفعلين: المنفي والمثبت جميعاً، لأنه إن شاء لم يتب المشرك فلا يترتب عليه الغفران، وإن شاء تاب صاحب الكبيرة فيستوجب الغفران.
وروى الواحدي في البسيط بإسناده عن ابن عمر قال: "كنا على عهد رسول الله إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادة" .
وقال ابن عباس بمحضر عمر: إني لأرجو كما لا ينفع مع الشرك عمل كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب فسكت عمر.
وعن ابن عباس: "لما قتل وحشي حمزة يوم أحد وكانوا قد وعدوه الإعتاق إن هو فعل ذلك.
ثم إنهم ما وفوا بذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبي ندمهم، وأنه لا يمنعهم من الدخول في الإسلام إلاّ قوله : ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ فقالوا: قد ارتكبنا كل ما في الآية فنزل قوله: ﴿ إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً ﴾ فقالوا: هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به فنزل ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته فنزل ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ فدخلوا عند ذلك في الإسلام" ﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى ﴾ اختلق وافتعل ﴿ إثماً عظيماً ﴾ لأنه ادعى ما لا يصح كونه.
عن ابن عباس في رواية الكلبي "أن قوماً من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء ذنب؟
فقال: لا.
فقالوا: والله ما نحن إلاّ كهيئتهم.
ما عملنا بالليل يكفر عنا بالنهار، وما عملنا بالنهار يكفر عنا بالليل" .
وكانوا يقولون: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ ﴿ لن يزكون أنفسهم ﴾ ويدخل فيه كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل أو قبول الطاعة والزلفى عند الله ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ وإن تزكيته هي التي يعتد بها كما أخبر عنه رسول الله بقوله: " "والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض" وكفى بإظهار المعجزات على يده تزكية له وتصديقاً لقوله: ﴿ ولا يظلمون فتيلاً ﴾ هو ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ "فعيل" بمعنى "مفعول" ابن السكيت: هو ما كان في شق النواة.
والضمير للذين يزكون أن يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم، أو لمن يشاء أي يثابون على زكاتهم من غير نقص شيء من ثوابهم.
ثم عجب النبي من فريتهم وادعاء زكاتهم ومكانتهم عند الله فقال: ﴿ انظر كيف / يفترون على الله الكذب وكفى به ﴾ أي بزعمهم هذا ﴿ إثماً مبيناً ﴾ من بين سائر آثامهم.
قال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف وحيي بن الأخطب في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله ، ونقضوا العهد الذي بينه وبين رسول الله .
فنزل كعب على أبي سفيان والآخرون في دور قريش.
فقال لهم أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم.
فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما فذلك قوله: ﴿ يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق، أنحن أم محمد ؟
فقال كعب: اعرضوا علي دينكم.
فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقهم الماء ونقري الضعيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث.
فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً مما هو عليه فأنزل الله : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ يعني كعباً وأصحابه.
فلما رجعا إلى قومهما قال لهما قومهما: إن محمداً يزعم أنه قد نزل فيكما كذا وكذا.
قالا: صدق والله ما حملنا على ذلك إلا بغضه وحسده.
وقد مر معنى الطاغوت في تفسير آية الكرسي.
وأما الجبت ففي الصحاح أنه كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك وليس من محض العربية لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذولقي.
وحكى القفال عن بعضهم أن أصله جبس فأبدلت السين تاء والجبس هو الخبيث الرديء.
وقال الكلبي: الجبت في الآية هو حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف, وكانت اليهود يرجعون إليهما فسميا بهذين الاسمين لسعيهما في إغواء الناس وإضلالهم فلا جرم جزاهم الله بقوله: ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ وبالحري إذ جعلوا من هو أضل من النعام وأقل من الأنعام حيث رضوا بمعبودية الأصنام أهدى سبيلاً وأفضل حالاً من الذين هم أشرف الأنام باختيارهم دين الإسلام الذي هو عبادة ذي الجلال والإكرام ﴿ ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً ﴾ وعيد لهم بلزوم الإبعاد والطرد ولصوق العار والصغار، ووعد لنبيه والمؤمنين بالاستيلاء والاستعلاء عليهم إلى يوم القيامة.
والخطاب في ﴿ فلن تجد ﴾ للنبي أو لكل طالب يفرض: ثم لما وصفهم بالضلال والإضلال وصفهم بالبخل والحسد اللذين هما شر الخصال، لأن البخيل يمنع ما أوتي من النعمة، والحاسد يتمنى أن يزول عن الغير ما أوتي من الفضيلة.
و "أم" / قيل: إنها متصلة وقد سبقها استفهام في المعنى كأنه لما حكى قولهم للمشركين أنهم أهدى سبيلاً من المؤمنين قال: أمن ذلك يتعجب أم من قولهم لهم نصيب من الملك مع أنهم لو كان لهم ملك لبخلوا بأقل القليل؟
وقيل: الميم زائدة والتقدير ألهم نصيب؟
والأصح أنها منقطعة كأنه لما تم الكلام الأول قال: بل ألهم نصيب من الملك؟
ومعنى الآية أنهم كانوا يزعمون أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان ويخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودينهم فكذبهم الله.
وقيل: المراد بالملك التمليك يعني أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك إليهم، ولو كان التمليك إليهم لبخلوا بالنقير والقطمير فكيف يقدرون على النفي والإثبات؟
وقال أبو بكر الأصم: كانوا أصحاب بساتين وأموال وكانوا في عزة ومنعة كما تكون أحوال الملوك، ثم كانوا يبخلون على الفقراء بأقل القليل فنزلت الآية فيهم.
وعلى هذا فإنما يتوجه الإنكار على أنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئاً.
وعلى الأقوال المتقدمة يتوجه الإنكار على أن لهم نصيباً من الملك فكأنه جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم فإن البخل والملك لا يجتمعان كما قيل: بالبر يستعبد الحر والإنسان عبد الإحسان.
البخيل تنفر الطباع عن الانقياد له فلا يتيسر له أسباب المملكة، وإن اجتمعت بالندرة فسوف تضمحل.
وإنما لم يعمل "إذن" لدخول الفاء عليه.
وذلك أن ما بعد العاطف من تمام ما قبله بسبب ربط العاطف بعض الكلام ببعض فينخرم تصدره فكأنه معتمد فترجح إلغاؤه وارتفاع الفعل بعده.
وجاء في قراءة ابن مسعود ﴿ فإذن لا يؤتوا ﴾ بالأعمال وليس بقوي.
والنقير نقرة في ظهر النواة "فعيل" بمعنى "مفعول" ومنها "نبتت النخلة" وهو مثل في القلة كالفتيل.
فإن قيل: كيف يعقل أنهم لا يبذلون نقيراً وكثيراً ما يشاهد منهم بذل الأموال؟
قلنا: المدعى عدم إيتاء النقير على تقدير حصول الملك ويراد به الملك الظاهر كما لملوك الدنيا، أو الباطن كما للعلماء الربانيين، أو كلاهما كما للأنبياء.
وحصول شيء من هذه الأقسام لهم ممنوع لما ضربت عليهم الذلة والمسكنة.
ولئن فرض حصول شيء منها فما يدريك لعل الشح يغلب عليهم حتى لا يشاهد منهم بذل نقير كما أخبر عنهم علام الغيوب.
وأما على تفسير الأصم فلعل المراد لأنهم لا يبذلون شيئاً نسبته إلى ما يملكونه كنسبة النقير إلى النواة، أو أنهم لا يطيبون بذلك نفساً لغلبة الشح عليهم والله أعلم بمراده.
هذا بيان بخلهم، أما بيان حسدهم فذلك قوله: ﴿ أم يحسدون ﴾ وهي منقطعة والتقدير: بل أيحسدون الناس يعني النبي والمؤمنين.
فإن كان اللام للعهد فظاهر وإن كان للجنس فلأنهم هم الناس والباقون هم النسناس.
ومعنى الهمزة إنكار الحسد واستقباحه.
/ والمراد بالفضل ما آتاهم الله من أشرف المناصب وهو النبوة والخاتمية وما كان ينضم إليها كل يوم من النضرة والعزة والاستيلاء والاستعلاء، والفاضل محسود بكل أوان، والحاسد مذموم بكل لسان.
ثم نبّه على ما يزيل التعجب من شأن محمد صلى الله عليه وفقال: ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم ﴾ الذين هم أسلاف محمد ﴿ الكتاب ﴾ الذي هو بيان الشرائع ﴿ والحكمة ﴾ التي هي الوقوف على الأسرار والحقائق والعمل بما يتضمن صلاح الدارين ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ عن ابن عباس: الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان، فليس ببدع أن يؤتى إنسان ما أوتي أسلافه.
وقيل: من جملة حسدهم أنهم استكثروا نساء النبي فقيل لهم: كيف أستكثرتم له التسع وكان لداود مائة ولسليمان ثلثمائة مهيرة وسبعمائة سرية؟
﴿ فمنهم ﴾ أي من اليهود ﴿ من آمن به ﴾ أي بما ذكر من حديث آل إبراهيم ﴿ ومنهم من صد عنه ﴾ وأنكره مع علمه بصحته، أو من اليهود من آمن برسول الله ومنهم من أنكر نبوته، أو من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من كفر.
والمعنى أن أولئك الأنبياء جرت عادة أممهم فيهم أن بعضهم آمن بهم وبعضهم بقوا على كفرهم، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء والغرض تثبيت النبي وتسليته ﴿ وكفى بجهنم ﴾ لعذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين ﴿ سعيراً ﴾ .
ثم أكد وعيد الكفار بقوله: ﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾ ويدخل فيها كل ما يدل على ذات الله وصفاته وأفعاله وأسمائه وملائكته والكتب والرسل.
وكفرهم بها أن ينكروا كونها آيات أو يغفلوا عنها ولا ينظروا فيها، أو يلقوا الشكوك والشبهات فيها، أو ينكروها مع العلم بها عناداً وحسداً وبغياً ولدداً.
وههنا سؤال وهو أنه قادر على إبقائهم في النار أحياء معذبين من غير أن تحترق جلودهم، فما الحكمة في إنضاج جلودهم؟
والجواب لا يسأل عما يفعل كما أنه قادر على إيصال الآلام إليهم من غير إدخالهم النار مع أنه لا يمكن أن يقال لم عذبهم بإدخالهم النار.
وسؤال آخر وهو أنه كيف يعذب مكان الجلود العاصية جلوداً لم تعص؟
والجواب يجعل النضيج غير نضيج، فالذات واحدة والمتبدل هو الصفة ويؤيده قول أهل اللغة: تبديل الشيء تغييره وإن لم يأت ببدله، وأبدلت الشيء غيرته، فالتبديل تغيير الصفة أو الذات.
والإبدال تغيير الذات.
وصاحب الكشاف جزم بأن المراد من هذا التبديل هو تغيير الذات فلهذا فسر التبديل بالإبدال، ولعله إنما حمله على ذلك وصف الجلود بقوله: ﴿ غيرها ﴾ ولقائل أن يقول: المغايرة أعم من أن تكون في الذات أو في الصفات، فما أدراك أنها في الآية مغايرة الذات لا الصفات اللهم إلا أن يعضده نقل صحيح فيكون الجواب.
عن السؤال أن المعذب هو الإنسان، والجلد ليس جزءاً من ماهيته / وإنما هو سبب لوصول العذاب إليه.
أو يقال: المراد الدوام وعدم الانقطاع، ولا نضج ولا احتراق أي كلما ظنوا أنهم احترقوا وأشرفوا على الهلاك أعطيناهم قوة جديدة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا.
وقال السدي: يخرج من لحم الكافر جلد آخر وفي هذا التأويل بعد لأن لحمه متناه فعند نفاده لا بد من طريق آخر في تبديل الجلد فيعود أول السؤال.
وقيل: المراد بالجلود السرابيل ﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ وضعف بأنه ترك للظاهر وأن السرابيل لا توصف بالنضج ﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز: أعزك الله أي أدامك على عزك وزادك فيه، أو ليذوقوا بهذه الحالة الجديدة العذاب.
والمراد بالذوق أن إحساسهم بذلك العذاب في كل حال يكون كإحساس الذائق بالمذوق ﴿ إنّ الله كان عزيزاً ﴾ لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين ﴿ حكيماً ﴾ لا يفعل إلاّ الصواب ثم قرن الوعد بالوعيد على عادته فقال: ﴿ والذين آمنوا ﴾ الآية.
قال الواحدي: الظليل ليس بمبني على الفعيل حتى يقال إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل مشتق من لفظه كقولهم: "ليل أليل".
قيل: إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرهافما فائدة وصفها بالظل؟
وأيضاً المواضع التي لا يصل نور الشمس إليها في الدنيا يكون هواؤها عفناً فاسداً فما معنى وصف هواء الجنة بذلك؟
والجواب المنع من أنه لا شمسهنالك حتى يوجد ضوء ثان هو الظل، والمراد بالظل الظليل ما كان فيناناً، أي منبسطأً لا جوب فيه أي لا فرج لالتفاف الأغصان، ودائماً لا تنسخه الشمس، وسجساجاً لا حر فيه ولا برد.
وعند الحكماء: المراد بالظل الراحة لأنه من أسبابها ولا سيما في البلاد الحارة كبلاد العرب.
فلما كان هذا مطلوباً عندهم صار موعوداً لهم.
التأويل: ﴿ لو تسوّى بهم الأرض ﴾ أي يتمنون أن يخلوا في عالم الطبيعة ولم ينكشف لهم عالم الحقيقة كيلا يروا ما يرون من عذاب القطيعة، كما أن السكران ممنوع من الصلاة.
فسكران الغفلة والهوى محجوب عن المواصلات ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ من غلبات الأحوال فإن التكاليف حينئذ زائلة ﴿ ولا جنباً ﴾ بالالتفات إلى غير الله فإن الصلاة إذ ذاك باطلة.
وتستثنى من الحالة الأولى حالة الشعور، ومن الثانية حالة العبور " كن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل" فهذا القدر من الالتفات من المحظورات التي أباحها الضرورات.
﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ بحب الدنيا ﴿ أو على سفر ﴾ في متابعة الهوى ﴿ أو جاء / أحد منكم الغائط ﴾ في قضاء شهوة من الشهوات ﴿ أو لامستم ﴾ عجوز الدنيا في تحصيل لذة من اللذات ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ التوبة والاستغفار ﴿ فتيمموا ﴾ فتمعكوا في تراب أقدام الكرام فإنه طهور الذنوب العظام.
﴿ من الذين هادوا ﴾ يعني دأب علماء السوء قريب من دأب الذين هادوا ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ يؤولونها على حسب إرادتهم ﴿ ويقولون سمعنا ﴾ ما في القرآن، بالمقال ﴿ وعصينا ﴾ بالفعال وينكرون على أرباب المقامات والأحوال ويقولون اسمع ﴿ غير مسمع وراعنا ﴾ يخاطبونهم بكلام ذي وجهين ﴿ ليا بألسنتهم وطعناً ﴾ في أهل الدين.
﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ ظاهراً ولم يؤتوا علم باطن الكتاب ﴿ آمنوا بما نزلنا ﴾ على الأولياء من علم باطن القرآن ﴿ مصدقاً لمامعكم ﴾ من العلم الظاهر لأن أهل العلم اللدني يصدقون أهل العلم الظاهر، ولكن أهل العلم الظاهر يصعب عليهم تصديق علوم الأولياء لأنه لا يناسب عقولهم ﴿ من قبل أن نطمس ﴾ وجوه القلوب بالعمى والصمم ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ ناظرين إلى الدنيا وزخارفها بعد أن كانوا ناظرين في الميثاق إلى يومها ﴿ أو نلعنهم ﴾ نمسخ صفاتهم الإنسانية بالسبعية والشيطانية كما مسخنا أصحاب السبت بالصورة، ومسخ المعنى أصعب من مسخ الصورة لأن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ للشرك ثلاث مراتب وكذا للمغفرة.
فشرك جلي بالأعيان وهو للعوام من عبدة الكواكب والأصنام فلا يغفر إلا بالتوحيد وهو إظهار العبودية في إثبات الربوبية مصدقاً بالسر والعلانية.
وشرك خفي بالأوصاف للخواص وهو شوب العبودية بالالتفات إلى غير الربوبية، فلا يغفر إلاّ بالوحدانية وهو إفراد الواحد للواحد.
وشرك أخفى للأخص وهو رؤية الأغيار والأنانية فلا يغفر إلا بالوحدة وهو فناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية.
﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ﴾ من أهل العلوم الظاهرة تعلموا العلم ليباهوا به العلماء أو ليماروا به السفهاء فحصل له صفات ذميمة أخرى مثل المباهاة والمماراة والكبر والعجب والحسد والرياء وحب الجاه والرياسة وغلبة الأقران والأنداد ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ بتسليم نفوسهم إلى ارباب التزكية من العلماء الراسخين والمشايخ المحققين كما يسلم الجلد إلى الدباغ ليجعله أديماً، فإذا سلموا أنفسهم إليهم وصبروا على تصرفاتهم رأوا أثر الزكاة فيهم ولن يضيع سعيهم ﴿ يؤمنون بالجبت ﴾ بجبت النفس الأمّارة وطاغوت الهوى ﴿ ويقولون للذين كفروا ﴾ من أهل الأهواء والمبتدعة والمتفلسفة ﴿ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا ﴾ بكل ما أمر الله به ورسوله.
ثم وصفهم بالبخل والحسد ثم قال: ﴿ فقد آتينا آلإبراهيم ﴾ يعني أهل الخلة والمحبة ﴿ الكتاب والحكمة ﴾ العلم الظاهر والعلم الباطن ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ هو معرفة الله ﴿ فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه ﴾ لأن من / العلماء مقبلين ومنهم مدبرين ﴿ وكفى بجهنم ﴾ نفسهم الحاسدة ﴿ سعيراً ﴾ تحرق حسناتهم فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾ بأوليائنا الذين هم مظاهر آيات الحق وحجج الله على الخلق ﴿ سوف نصليهم ﴾ نار الحسد والغضب والكبر والعجب ﴿ كلما نضجت جلودهم ﴾ أي انقطعت بعض أماني نفوسهم الأمّارة ومقتضيات هواها.
ولا يخفى حسن استعارة الجلود لآثار الشيء من حيث الظهور والاشتمال ﴿ بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ فإن دواعي الحرص والغضب والشهوة لا تتناهى ألبتة ما دامت النفس على صفة الأمرية، فلن تزال أسيرة في يد الشهوات ذائقة لعذاب التغلقات ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم ﴾ أي نجذبهم بجذبات العناية إلى ﴿ جنات ﴾ من الوصلة ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ من ماء الحكمة ولبن الفطرة وخمر الشهود وعسل الكشوف ﴿ لهم فيها أزواج ﴾ من تجلي صفات الجمال والجلال ﴿ مطهرة ﴾ من لوث الوهم والخيال ﴿ وندخلهم ظلاً ظليلاً ﴾ هو ظل شمس عالم الوجود يوم لا ظل إلاّ ظله.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِنَا ﴾ .
يحتمل الآيات: أعلام الدين وآثاره.
ويحتمل الآيات: آيات الربوبية له.
ويحتمل الآيات: أعلام رسالة الرسول صلى الله عليه سلم؛ فيكون الكفر بها كفراً بالله.
وقوله - -: ﴿ سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً ﴾ .
قيل: ﴿ نُصْلِيهِمْ ﴾ : ندخلهم، وقيل: ﴿ نُصْلِيهِمْ ﴾ : نشويهم؛ يقال: شاة مصلية، أي: مشوية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ : كلما احترقت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها، أي: جددنا لهم جلوداً غيرها؛ ليزدادوا التهاباً وإيقاداً من غير أن يسكن ألم العذاب، فهو من حيث التجديد غير؛ لأن الأولى قد احترقت ونضجت، ومن حيث العين نفسها هي الأولى، ألا ترى ما يقال: تبدل فلان، فإنما يقال من حيث تغيره من لون إلى لون، لا أن كانت تحولت نفسه وتبدل من حال إلى حال؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ هي من حيث العين أنها تلك بعينها واحد، وعلى ذلك البعث بعد الموت، والإنشاء هو من حيث التجديد غير، حيث تفانوا وذهبت آثارهم، ومن حيث الإعادة إلى الحالة الأولى هم بأنفسهم ليسوا بغير، وعلى ذلك قد سمى البعث خلقاً جديداً، وإن كان بعث الأولى في المعنى.
ثم تكلموا في قوله - -: ﴿ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ قالوا: كيف كان أن يعذب جلوداً لا مأثم فيها، وإنما المأثم في الجلود التي احترقت ونضجت، وقالوا: أيدنا فيمن قطع يده وهو كافر، ثم أسلم، فمات على الإسلام، وما حال اليد المطقوعة، تعذب في النار، أو تكون مع النفس في الجنة؟
وفيمن قطعت يده وهو مسلم، ثم كفر، فمات على كفره، تلحق النفس أو تكون في الجنة؟
فالجواب لهذا كله: أن الجوارح والأعضاء ليست تعمل ما تعمل بالاختيار والطوع، ولكنها كالمكرهات والمقهورات في العمل؛ ألا ترى أن الإكراه عليها يوجب تحويل الفعل منها إلى المكره، فيجعل كأن المكره هو الذي [قد] فعل ذلك في حق الضمان؛ فهذا يدل أن هذه الجوارح كالمكرهات والمقهورات لحقت النفس حيث كانت.
ثم معلوم: أن من أسلم في آخر عمره يتمنى سلامة جوارحه التي كانت ذهبت عنه؛ ليعمل بها في طلب مرضاة ربه - - وكذلك من كفر بعد الإسلام يتمنى سلامة جوارحه؛ ليستعملها فيما اختار من الدين، فإذا كان كذلك لحقت النفس حيث كانت في طاعتها ومعصيتها.
وقالت فرقة من الملحدة: إن الثواب في الآخرة لا يكون لهذه النفس التي تأكل، وتشرب، وتعمل كل ما تعمل، ولكن إنما يكون للروحاني الذي جوهرها جوهر النور، لكن هذه النفس ممتحنة في الدنيا بالأكل والشرب، مشوبة بالآفات والعيوب، فإذا صفت عن الآفات، ونزهت عن العيوب التي بها امتحنت - صارت أهلاً للثواب العظيم، ومحلاً للجزاء الجزيل، وبالله العصمة والنجاة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ﴾ .
أما ذوق الطعام والشراب يكون بالفم؛ ليعرف طعمه ولذته، وأما ذوق العذاب فإنما يكون بكل جارحة منه؛ ليجد ألم ذلك في جميع الجوارح، والله أعلم.
[و] الذوق في العرف جُعِلَ ليعرف الطعم، يلقب به كل شيء يعرف؛ يقال: لفلان ذوق في أمر كذا: أي بصر ومعرفة.
وقوله - عزو جل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ .
قيل: العزيز: هو ما يتعزز وجوده في الشاهد.
وقيل: هو عزيز لا يعجز، فهو عزيز لما لا يوجد في الأفهام، ولا يدرك بالأوهام.
وقيل: العزيز: المنتقم، وقد ذكرناه في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ من الآفات والعيوب، لسن كأزواج الدنيا ونسائها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً ﴾ .
لا تنسخه الشمس، ولا أذى فيه؛ لأن الشمس فيها منافع للناس وأذى، وكذلك القمر فيه أذى، وإن كان فيه منافع، والظلمة كذلك فيها منافع وأذى، وأما الظل نفسه فليس فيه أذى على كل حال، فإن كان فهو للزمان، لا للظل بنفسه، فأخبر - عز وجل - أنه يدخلهم الظل الذي ليس فيه أذى الشمس، ولا أذى الظلمة، ولا أذى الزمان، ليس كظل الدنيا مشوباً بأذى غيره، والله أعلم.
وذلك تأويل الظليل أن يظله عن جميع المؤذيات، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إن الذين كفروا بآياتنا سوف ندخلهم يوم القيامة نارًا تحيط بهم، كلما أحرقت جلودهم بدلناهم جلودًا أخرى غيرها؛ ليستمر عليهم العذاب، إن الله كان عزيزًا لا يغالبه شيء، حكيمًا فيما يدبره ويقضي به.
<div class="verse-tafsir" id="91.bvYeo"
قال تعالى في الآية السابقة: ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ﴾ ، وتوعد من صد عنه بسعير جهنم، ثم فصّل هذا الوعيد بقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا ﴾ ونقلوا عن سيبويه أن "سوف" تأتي للتهديد وتنوب عنها السين ويستشهدون بهذه الآية.
ولكن ورد دخول السين على الفعل في مقام الوعد في الآية الآتية: ﴿ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ ﴾ والصواب أن السين وسوف على معناهما المشهور في إفادة التنفيس والتأخير واشتق لفظ التسويف بمعنى التأخير من سوف، ولكن بعضهم استشكل التسويف هنا ولو نظروا في مثل هذا الوعيد لرأوا أن حصوله يكون متأخرًا جدًا عن وقت نزول الآية به، على أن للتراخي والبعد معنى آخر بحسب اعتبار المقام في الخطاب، فإذا نظر إلى حال المغرورين بما هم فيه من قوة وعزة، الذين صرفهم غرورهم وطغيانهم بعزتهم عن النظر فيما جاء به النبي من البينات والهدى فصدوا عنه استغناء بما هم فيه، يراهم بهذا الغرور بعداء جدًا عن تصور الوعيد والتفكير فيه، فيكون هذا التسويف مرعيًا فيه حالهم ليتفكروا في مستقبل أمرهم.
﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ﴾ نضج الجلود هو نحو نضج الثمار والطعام وهو عبارة عن فقد التماسك الحيوي والبعد عن الحياة وإنما تتبدل لأن النضج يذهب القوة الحيوية التي بها الإحساس فإذا بقيت ناضجة يقل الإحساس بما يمسها أو يزول، لذلك تتبدل بها جلود حية غيرها ﴿ لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾ لأن الذوق والإحساس يصل إلى النفس بواسطة الحياة في الجلد، ومن هنا قال بعض المفسرين إن المراد بتبديل الجلود دوام العذاب فالكلام تمثيل أو كناية عن دوام الإحساس بالعذاب، فإنه أراد أن يزيل وهمًا ربما يعرض للناس بالقياس على ما يعهدون في أنفسهم من أن الذي يتعود الألم يقل شعوره به ويصير عاديًا عنده كما نرى من حال الرجل تعمل له عملية جراحية وتتكرر فإنه في المرة الأولى يتألم تألمًا شديدًا ثم لا يزال يخف بالتدريج حتى نراه لا يبالي به، وهكذا نشاهد في كثير من الآلام والأمراض التي يطول أمرها.
يعنى كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة بحيث ظنوا أنهم الآن حدّثوا ووجدوا فيكون المقصود دوام العذاب وعدم انقطاعه.
<div class="verse-tafsir"