الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٧ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 132 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال سعيد بن جبير وقتادة : كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار ، ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئا ، فأنزل الله : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون [ وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ] ) أي : الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى ، يستوون في أصل الوراثة وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله [ تعالى ] لكل منهم ، بما يدلي به إلى الميت من قرابة ، أو زوجية ، أو ولاء .
فإنه لحمة كلحمة النسب .
وقد روى ابن مردويه من طريق ابن هراسة عن سفيان الثوري ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر قال : جاءت أم كجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن لي ابنتين ، وقد مات أبوهما ، وليس لهما شيء ، فأنزل الله تعالى : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) الآية ، وسيأتي هذا الحديث عند آيتي الميراث بسياق آخر ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله : لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7) قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: للذكور من أولاد الرجل الميِّت حصة من ميراثه، وللإناث منهم حصة منه، من قليل ما خلَّف بعده وكثيره، حصة مفروضة، (1) واجبةٌ معلومة مؤقتة.
(2) * * * وذكر أن هذه الآية نـزلت من أجل أن أهل الجاهلية كانوا يُورِّثون الذكور دون الإناث، كما:- 8655 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: كانوا لا يورِّثون النساء، فنـزلت: " وللنساء نصيبٌ مما ترك الوالدان والأقربون ".
8656 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قال: نـزلت في أم كحلة وابنة كَحْلة، وثعلبة وأوس بن سويد، وهم من الأنصار.
كان أحدهم زوجها والآخر عم ولدها، فقالت: يا رسول الله، توفي زوجي وتركني وابنته، فلم نورَّث!
فقال عم ولدها: يا رسول الله، لا تركب فرسًا، ولا تحمل كلا ولا تنكى عدوًّا، يكسب عليها ولا تكتسب!
فنـزلت: " للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قلَّ منه أو كثر نصيبًا مفروضًا ".
(3) * * * 8657 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون "، قال: كان النساء لا يورَّثن في الجاهلية من الآباء، (4) وكان الكبير يرث، ولا يرث الصغير وإن كان ذكرًا، فقال الله تبارك وتعالى: " للرجال نصيبٌ مما ترك الوالدان والأقربون " إلى قوله: " نصيبًا مفروضًا ".
قال أبو جعفر: ونصب قوله: " نصيبًا مفروضًا "، وهو نعت للنكرة، لخروجه مخرجَ المصدر، كقول القائل: " لك عليّ حقّ واجبًا ".
ولو كان مكان قوله: " نصيبًا مفروضًا " اسم صحيح، لم يجز نصبه.
لا يقال: " لك عندي حق درهمًا " فقوله: " نصيبًا مفروضًا "، كقوله: نصيبًا فريضة وفرضًا، كما يقال: " عندي درهم هبةً مقبوضة ".
(5) ---------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"الفرض" فيما سلف 4: 121 / 5: 120.
(2) موقتة: مقدرة محددة ، وأصلها من"الوقت" ثم اتسع في استعمالها في كل محدود ، ومنه حديث علي رضي الله عنه."فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوقت فيها شيئًا" ، أي: لم يفرض في شرب الخمر مقدارًا معينًا من الجلد.
ومنه أخذ النحويون قولهم في العلم الشخصي الذي يعين مسماه تعيينًا مطلقًا غير مقيد ، مثل"زيد" هو: "معرفة موقتة" ، وانظر شرح ذلك في 1: 181 ، تعليق: 1.
(3) الأثر: 8656- خرجه الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمة"أم كجة" ، والسيوطي في الدر المنثور 2: 122 ، ونسبه لابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم.
أما الحافظ فذكر رواية الطبري وقال فيها: "نزلت في أم كجة ، وبنت أم كجة ، وثعلبة ، وأوس بن ثابت" فخالف نص الطبري في هذا الموضع ، في"أم كجة" ، و"أوس بن ثابت" كما ترى.
وكانت في المطبوعة: "أم كحة" وبنت كحة بالحاء المهملة ، والصواب بضم الكاف وتشديد الجيم المفتوحة ، كما ضبطها الحافظ في الإصابة.
وأما السيوطي فقال: "نزلت في أم كلثوم وابنة أم كحلة ، أو أم كحة" ، بالحاء المهملة أيضًا وهو خطأ.
وأما "أم كحلة" كما جاء في المخطوطة ، وكما أثبتها ، فقد قال الحافظ في الإصابة أيضًا: "وأما المرأة ، فلم يختلف في أنها أم كجة -بضم الكاف وتشديد الجيم- إلا ما حكى أبو موسى عن المستغفري أنه قال فيها: أم كحلة -بسكون المهملة بعدها لام ، وإلا ما تقدم من أنها بنت كجة ، كما في روايتي ابن جريج ، فيحتمل أن تكون كنيتها وافقت اسم أبيها ، فيستفاد من رواية ابن جريج أنها أم كلثوم".
وهذا كأنه ينفي أن تكون رواية الطبري: "أم كحلة" ، ولكن المخطوطة أثبتت ذلك واضحًا في الموضعين ، فلم أجد سبيلا إلى إغفالها أو تغييرها مع هذه الرواية التي رواها الحافظ عن المستغفري ، وثبوتها أيضًا في نص السيوطي ، فيما نقله عن الطبري ، وابن أبي حاتم ، وابن المنذر.
وسيأتي ذكر أم كجة في الأثر رقم: 8725 وأنها امرأة عبد الرحمن أخو حسان بن ثابت ، فانظر التعليق على الأثر هناك.
وأما "أوس بن سويد" فكما رأيت ، ذكره الحافظ منسوبًا إلى ابن جرير"أوس بن ثابت" ، ولكن الثابت في أصول التفسير وما نقل عنه ، "أوس بن سويد".
وقد ترجم الحافظ لأوس بن ثابت الأنصاري وأوس بن سويد ، ولثعلبة بن ثابت الأنصاري ، وثعلبة بن سويد ، وذكر الاختلاف في اسميهما في هذه القصة نفسها.
وقد تركت نص الطبري كما هو ، واكتفيت بإثبات الاختلاف الذي ذكر الحافظ ابن حجر ،ومن شاء فليستوفه من هناك ، ومن مظانه الأخرى.
* * * وقوله: لا تحمل كلا": أي لا تلي أمر العيال والسعي عليهم."والكل": العيال ،يحتاجون إلى من يحملهم ويرزقهم ، كاليتيم وغيره.
وقوله: "ولا تنكى عدوًا" ، يقال منه: "نكيت العدو أنكى (بكسر الكاف) نكاية" ، إذا أصاب منهم ، فقتل وأكثر الجراح.
ويقال فيه أيضًا: "ونكأت العدو" بالهمز ، بمعناه.
وكان في المطبوعة؛"ولا تنكأ" بالهمز ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهما صواب جميعًا.
(4) في المطبوعة: "لا يرثن" غير ما في المخطوطة ، وهو ما أثبته.
(5) انظر معاني القرآن للفراء 1: 257 ، فهو كنص عبارته.
قوله تعالى : للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضافيه خمس مسائل :الأولى : لما ذكر الله تعالى أمر اليتامى وصله بذكر المواريث .
ونزلت الآية في أوس بن ثابت الأنصاري ، توفي وترك امرأة يقال لها : أم كجة وثلاث بنات له منها ؛ فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصياه يقال لهما : سويد وعرفجة ؛ فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته وبناته شيئا ، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا ، ويقولون : لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل ، وطاعن بالرمح ، وضارب بالسيف ، وحاز الغنيمة .
فذكرت أم كجة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهما ، فقالا : يا رسول الله ، ولدها لا يركب فرسا ، ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا .
فقال عليه السلام : انصرفا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن .
فأنزل الله هذه الآية ردا عليهم ، وإبطالا لقولهم وتصرفهم بجهلهم ؛ فإن الورثة الصغار كان ينبغي أن يكونوا أحق بالمال من الكبار ، لعدم تصرفهم والنظر في مصالحهم ، فعكسوا الحكم ، وأبطلوا الحكمة فضلوا بأهوائهم ، وأخطئوا في آرائهم وتصرفاتهم .[ ص: 42 ] الثانية : قال علماؤنا : في هذه الآية فوائد ثلاث :إحداها : بيان علة الميراث وهي القرابة .الثانية : عموم القرابة كيفما تصرفت من قريب أو بعيد .الثالثة : إجمال النصيب المفروض .
وذلك مبين في آية المواريث ؛ فكان في هذه الآية توطئة للحكم ، وإبطال لذلك الرأي الفاسد حتى وقع البيان الشافي .الثالثة : ثبت أن أبا طلحة لما تصدق بماله - بئر حاء - وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال له : اجعلها في فقراء أقاربك فجعلها لحسان وأبي .
قال أنس : ( وكانا أقرب إليه مني ) .
قال أبو داود : بلغني عن محمد بن عبد الله الأنصاري أنه قال : أبو طلحة الأنصاري زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار .
وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام يجتمعان في الأب الثالث وهو حرام .
وأبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار .
قال الأنصاري : بين أبي طلحة وأبي ستة آباء .
قال : وعمرو بن مالك يجمع حسان وأبي بن كعب وأبا طلحة .
قال أبو عمر : في هذا ما يقضي على القرابة أنها ما كانت في هذا القعدد ونحوه ، وما كان دونه فهو أحرى أن يلحقه اسم القرابة .الرابعة : قوله تعالى : مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا أثبت الله تعالى للبنات نصيبا في الميراث ولم يبين كم هو ؛ فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة ألا يفرقا من مال أوس شيئا ؛ فإن الله جعل لبناته نصيبا ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل ربنا .
فنزلت يوصيكم الله في أولادكم إلى قوله تعالى : الفوز العظيم فأرسل إليهما أن أعطيا أم كجة الثمن مما ترك أوس ، ولبناته الثلثين ، ولكما بقية المال .الخامسة : استدل علماؤنا بهذه الآية في قسمة المتروك على الفرائض إذا كان فيه تغيير عن حاله ، كالحمام والبيت وبيدر الزيتون والدار التي تبطل منافعها بإقرار أهل السهام فيها .
فقال مالك : يقسم ذلك وإن لم يكن في نصيب أحدهم ما ينتفع به ؛ لقوله تعالى : مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا .
وهو قول ابن كنانة ، وبه قال الشافعي ، ونحوه قول أبي حنيفة .
قال [ ص: 43 ] أبو حنيفة : في الدار الصغيرة بين اثنين فطلب أحدهما القسمة وأبى صاحبه قسمت له .
وقال ابن أبي ليلى : إن كان فيهم من لا ينتفع بما يقسم له فلا يقسم .
وكل قسم يدخل فيه الضرر على أحدهما دون الآخر فإنه لا يقسم ؛ وهو قول أبي ثور .
قال ابن المنذر : وهو أصح القولين .ورواه ابن القاسم ، عن مالك فيما ذكر ابن العربي .
قال ابن القاسم : وأنا أرى أن كل ما لا ينقسم من الدور والمنازل والحمامات ، وفي قسمته الضرر ولا ينتفع به إذا قسم ، أن يباع ولا شفعة فيه ؛ لقوله عليه السلام : الشفعة في كل ما لا يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة .
فجعل عليه السلام الشفعة في كل ما يتأتى فيه إيقاع الحدود ، وعلق الشفعة فيما لم يقسم مما يمكن إيقاع الحدود فيه .
هذا دليل الحديث .قلت : ومن الحجة لهذا القول ما خرجه الدارقطني من حديث ابن جريج أخبرني صديق بن موسى ، عن محمد بن أبي بكر ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا تعضية على أهل الميراث إلا ما حمل القسم .
قال أبو عبيد : هو أن يموت الرجل ويدع شيئا إن قسم بين ورثته كان في ذلك ضرر على جميعهم أو على بعضهم .
يقول : فلا يقسم ؛ وذلك مثل الجوهرة والحمام والطيلسان وما أشبه ذلك .والتعضية التفريق ، يقال : عضيت الشيء إذا فرقته .
ومنه قوله تعالى : الذين جعلوا القرآن عضين .
وقال تعالى : غير مضار فنفى المضارة .
وكذلك قال عليه السلام : لا ضرر ولا ضرار .
وأيضا فإن الآية ليس فيها تعرض للقسمة ، وإنما اقتضت الآية وجوب الحظ والنصيب للصغير والكبير قليلا كان أو كثيرا ، ردا على الجاهلية فقال : للرجال نصيب وللنساء نصيب وهذا ظاهر جدا .
فأما إبراز ذلك النصيب فإنما يؤخذ من دليل آخر ؛ وذلك بأن يقول الوارث : قد وجب لي نصيب بقول الله عز وجل فمكنوني منه ؛ فيقول له شريكه : أما تمكينك على الاختصاص فلا يمكن ؛ لأنه يؤدي إلى ضرر بيني وبينك من إفساد المال ، وتغيير الهيئة ، وتنقيص القيمة ؛ فيقع الترجيح .
والأظهر سقوط القسمة فيما يبطل المنفعة وينقص المال مع ما ذكرناه من الدليل .
والله الموفق .قال الفراء : نصيبا مفروضا هو كقولك : قسما واجبا ، وحقا لازما ؛ فهو اسم في معنى [ ص: 44 ] المصدر فلهذا انتصب .
الزجاج : انتصب على الحال .
أي لهؤلاء أنصباء في حال الفرض .
الأخفش : أي جعل الله لهم نصيبا .
والمفروض : المقدر الواجب .
كان العرب في الجاهلية - من جبروتهم وقسوتهم لا يورثون الضعفاء كالنساء والصبيان، ويجعلون الميراث للرجال الأقوياء لأنهم -بزعمهم- أهل الحرب والقتال والنهب والسلب، فأراد الرب الرحيم الحكيم أن يشرع لعباده شرعًا، يستوي فيه رجالهم ونساؤهم، وأقوياؤهم وضعفاؤهم.
وقدم بين يدي ذلك أمرا مجملا لتتوطَّن على ذلك النفوس.
فيأتي التفصيل بعد الإجمال، قد تشوفت له النفوس، وزالت الوحشة التي منشؤها العادات القبيحة، فقال: { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ } : أي: قسط وحصة { مِمَّا تَرَكَ } أي: خلف { الْوَالِدَان } أي: الأب والأم { وَالْأَقْرَبُونَ } عموم بعد خصوص { وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ } فكأنه قيل: هل ذلك النصيب راجع إلى العرف والعادة، وأن يرضخوا لهم ما يشاءون؟
أو شيئا مقدرا؟
فقال تعالى: { نَصِيبًا مَفْرُوضًا } : أي: قد قدره العليم الحكيم.
وسيأتي -إن شاء الله- تقدير ذلك.
وأيضا فهاهنا توهم آخر، لعل أحدا يتوهم أن النساء والولدان ليس لهم نصيب إلا من المال الكثير، فأزال ذلك بقوله: { مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ } فتبارك الله أحسن الحاكمين.
قوله تعالى : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) الآية ، نزلت في أوس بن ثابت الأنصاري ، توفي وترك امرأة يقال لها أم كجة وثلاث بنات له منها .
فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصياه سويد وعرفجة ، فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا ، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغار ، وإن كان الصغير ذكرا وإنما كانوا يورثون الرجال ، ويقولون : لا نعطي إلا من قاتل وحاز الغنيمة ، فجاءت أم كجة فقالت : يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات وترك علي بنات وأنا امرأته ، وليس عندي ما أنفق عليهن ، وقد ترك أبوهن مالا حسنا ، وهو عند سويد وعرفجة ، ولم يعطياني ولا بناتي شيئا وهن في حجري ، لا يطعمن ولا يسقين ، فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا ، فأنزل الله عز وجل ، ( للرجال ) يعني : للذكور من أولاد الميت وأقربائه ( نصيب ) حظ ( مما ترك الوالدان والأقربون ) من الميراث ، ( وللنساء ) للإناث منهم ، ( نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه ) أي : من المال ، ( أو كثر ) منه ( نصيبا مفروضا ) نصب على القطع ، وقيل : جعل ذلك نصيبا فأثبت لهن الميراث ، ولم يبين كم هو ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة لا تفرقا من مال أوس بن ثابت شيئا ، فإن الله تعالى جعل لبناته نصيبا مما ترك ، ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل فيهن ، فأنزل الله تعالى ( يوصيكم الله في أولادكم ) فلما نزلت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة " أن ادفع إلى أم كجة الثمن مما ترك وإلى بناته الثلثين ، ولكما باقي المال .
ونزل ردا لما كان عليه في الجاهلية من عدم توريث النساء والصغار: «للرجال» الأولاد والأقرباء «نصيب» حظٌ «مما ترك الوالدان والأقربون» المتوفون «وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قلَّ منه» أي المال «أو كثر» جعله الله «نصيبا مفروضا» مقطوعا بتسليمه إليهم.
للذكور -صغارًا أو كبارًا- نصيب شرعه الله فيما تركه الوالدان والأقربون من المال، قليلا كان أو كثيرًا، في أنصبة محددة واضحة فرضها الله عز وجل لهؤلاء، وللنساء كذلك.
قال القرطبى ما ملخصه : نزلت هذه الآية فى أوس بن ثابت الأنصارى .
توفى وترك امرأة يقال لها : أم كُجّة وثلاث بنات له منها؛ فقام رجلان هما أبنا عم الميت ووصياه يقال لهما : سويد وعرفجة؛ فأخذا ماله ولم يعطيا أمرأته وبناته شيئا .
وكانوا فى الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا ويقولون : لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل ، وطاعن بالرمح ، وضارب بالسيف ، وحاز الغنيمة .
فذكرت أم كجة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
فدعاهما فقالا : يا رسول الله ، ولدها لا يركب فرسا ، ولا يحمل كلا ، ولا ينكأ عدوا .
فقال صلى الله عليه وسلم : " انصرفا حتى أنظر ما يحدث الله لى فيهن ، فأنزل الله هذه الآية .ثم قال : قال علماؤنا : فى هذه الآية فوائد ثلاث :إحداها : بيان علة الميراث وهى القرابة .الثانية : عموم القرابة كيفما تصرفت من قريب أو بعيد .الثالثة : إجمال النصيب المفروض .
وذلك مبين فى آية المواريث؛ فكأن هذه الآية توطئة للحكم ، وإبطال لذلك الرأى الفاسد حتى وقع البيان الشافى " .هذا ، ومن العلماء من أبقى هذه الآية الكريمة على ظاهرها ، فجعل المراد من الرجال : الذكور البالغين .
والمراد من الوالدين : الأب والأم بلا واسطة المراد من الأقربين : الأقارب الأموات الذين يرثهم أقاربهم المستحقون لذلك والمراد من النساء الإِناث البالغات .والمعنى على هذا الرأى : للذكور البالغين نصيب أى حظ مما ترك آباؤهم وأمهاتهم وأقاربهم كإخوتهم وأخواتهم وأعمالهم وعماتهم وللاناث البالغات كذلك نصيب مما ترك آباؤهن وأمهاتهن وأقاربهن .
.
.
ألخ .وبهذا تكون الآية الكريمة قد اقتصرت على بيان أن الإِرث غير مختص بالرجال كما كان الجاهليون يفعلون ، بل هو أمر مشترك بين الرجال والنساء ، ثم جاءت آيات المواريث بعد ذلك فبينت نصيب كل وارث .قال الإِمام الرازى : ذكر الله - تعالى - فى هذه الآية هذا القدر ، وهو أن الإِرث مشترك بين الرجال والنساء - ثم ذكر التفصيل بعد ذلك - فى آيات المواريث - ، لأنه - سبحانه - أراد أن ينقلهم عن العادة شاق ثقيل على الطبع .
فإذا كان فجعلة عظم وقعه على القلب ، وإذا كان على التدريج سهل .
فهلذا المعنى ذكر الله - تعالى - هذا المجمل أولا ثم أردفه بالتفصيل ومن العلماء من يرى أن المراد بالرجال الصغار من الذكور ومن النساء الصغار من الإِناث ، وعلل مراده هذا بأن فيه عناية بشأن اليتامى ، وفيه رد صريح على ما تعوده أهل الجاهلية من توريث الكبار من الرجال دون الصغار سواء أكانوا ذكورا أم إناثا .
ومنهم من عمهم فى الرجال والنساء فجعل المراد من الرجال الذكور مطلقا سواء أكانوا كبارا أم صغارا .وجعل المراد من النساء الإِناث مطلقا سواء كان كباراً أم صغاراً .ويكون المعنى : للذكور نصيب مما تركه الوالدان والأقربون من متاع ، وللإِناث كذلك نصيب مما تركه الوالدان والأقربون .وعليه يكون المقصود من الآية الكريمة التسوية بين الذكور والإِناث فى أن لكل منهما حقا فيما ترك الوالدان والأقربون .ويبدو لنا أن هذا الرأى الثالث أولى ، لأنه أعم من غيره ، وأشمل فى الرد على ما كان يفعله أهل الجاهلية من عدم توريثهم للنساء مطلقا ولا للصغار وإن كانوا ذكوراً ، ولأنه يشمل سبب نزول الآية نصا ، فقد ذكرنا فى سبب النزول أنها نزلت فى شأن بنات أوس بن ثابت وزوجته .وقد أكد - سبحانه - حق النساء في الميراث بأن اختار هذا الأسلوب التفصيلى فقال : ( لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ ) مع أنه كان يكفى أن يقول : للرجال والنساء نصيب ، مما ترك الوالدان والأقربون ، وذلك للإِيذان بأصالتهن فى استحقاق الارث ، وللإِشعار بأنه حق مستقل عن حق الرجال ، وأن هذا الحق قد ثبت لهن استقلالا بالقرابة كما ثبت للرجال ، حتى لا يتوهم أحد أن حقهن تابع لحقهم بأى نوع من أنواع التبعية .ثم أكد - سبحانه هذا الحق مرة أخرى بقوله ( مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ) أى أن حق النساء ثبات فيما تكره المتوفى من مال لسواء أكان هذا المتروك قليلاً أم كثيراً ، لأن الذكور والإِناث يتساويان فى أن لكل منهما حقا فيما ترك الوالدان والأقربون حتى ولو كان هذا المتروك شيئاً قليلا .فقوله ( مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ) عطف بيان من قوله ( مِّمَّا تَرَكَ الوالدان ) لقصد التعميم والتنصيص على أن حق النساء متعلق بكل جزء من المال الذى تركه الوالدان والأقربون ثم أكد - سبحانه - حق النساء فى الميراث مرة ثالثة بقوله ( نَصِيباً مَّفْرُوضاً ) لأن قوله ( نَصِيباً ) منصوب على الاختصاص والاختصاص يفيد العناية .أى أن لكل من الرجال والنساء نصيبا فيما تركه الوالدان والأقربون ، وهذا النصيب قد فرضه الله - تعالى - فلا سبيل إلى التهاون فيه ، بل لا بد من إعطائه لمن يستحقه كاملا غير منقوص؛ لأن الله هو الذى شرعه ، ومن خالف شرع الله كان أهلا للعقوبة منه - سبحانه - .قال صاحب الكشاف : وقوله : ( نَصِيباً مَّفْرُوضاً ) نصب على الاختصاص بمعنى : أعنى نصيبا مفروضا مقطوعا واجبا لا بد لهم من أن يجوزوه ولا يستأثر به بعضهم دون بعض ، ويجوز أن ينتصب انتصاب المصدر المؤكد كقوله : ( فَرِيضَةً مِّنَ الله ) كأنه قيل : قسمة مفروضة .هذا ، وقد استدل الأحناف بهذه الآية على توريث ذوى الأرحام؛ لأن العمات والخالات وأولاد البنات ونحوهن من الأقربين ، فوجب دخولهم تحت قوله تعالى : ( لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ ) الآية .
وثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية ، وأما المقدار فمستفاد من آيات أخرى كما هو الشأن فى غيرهم .أما المخالفون للأحناف فيما ذهبوا إليه فيرون أن المراد من الأقربين الوالدان والأولاد ونحوهم وحينئذ لا يدخل فيهم ذوو الأرحام .
وعلى رأى هؤلاء المخالفين يكون عطف الأقربين على الوالدين من باب عطف العام على الخاص .كذلك استدل الأحناف بهذه الآية على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه - قبل استحقاقه - لم يسقط حقه .
اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة وهو ما يتعلق بالمواريث والفرائض وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزول هذه الآية قال ابن عباس: ان أوس بن ثابت الانصاري توفي عن ثلاث بنات وامرأة، فجاء رجلان من بني عمه وهما وصيان له يقال لهما: سويد، وعرفجة وأخذا ماله.
فجاءت امرأة أوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت القصة، وذكرت أن الوصيين ما دفعا إلي شيئا، وما دفعا إلى بناته شيئا من المال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ارجعي إلى بيتك حتى أنظر ما يحدث الله في أمرك فنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية، ودلت على أن للرجال نصيبا وللنساء نصيبا، ولكنه تعالى لم يبين المقدار في هذه الآية، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الوصيين وقال: لا تقربا من مال أوس شيئا ثم نزل بعد: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم ﴾ ونزل فرض الزوج وفرض المرأة، فأمر الرسول عليه الصلاة والسلام الوصيين أن يدفعا إلى المرأة الثمن ويمسكا نصيب البنات، وبعد ذلك أرسل عليه الصلاة والسلام اليهما أن ادفعا نصيب بناتها اليها فدفعاه اليها، فهذا هو الكلام في سبب النزول.
المسألة الثانية: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال، ويقولون لا يرث إلا من طاعن بالرماح وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة، فبين تعالى أن الارث غير مختص بالرجال، بل هو أمر مشترك فيه بين الرجال والنساء، فذكر في هذه الآية هذا القدر، ثم ذكر التفصيل بعد ذلك ولا يمتنع إذا كان للقوم عادة في توريث الكبار دون الصغار ودون النساء، أن ينقلهم سبحانه وتعالى عن تلك العادة قليلا قليلاً على التدريج، لأن الانتقال عن العادة شاق ثقيل على الطبع، فاذا كان دفعة عظم وقعه على القلب، وإذا كان على التدريج سهل، فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذا المجمل أولا، ثم أردفه بالتفصيل.
المسألة الثالثة: احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على توريث ذوي الارحام قال: لأن العمات والخالات والاخوال وأولاد البنات من الأقربين، فوجب دخولهم تحت قوله: ﴿ لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون ﴾ أقصى ما في الباب أن قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية، إلا أنا نثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية، وأما المقدار فنستفيده من سائر الدلائل.
وأجاب أصحابنا عنه من وجهين: أحدهما: انه تعالى قال في آخر الآية ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ أي نصيبا مقدرا، وبالاجماع ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر، فثبت أنهم ليسوا داخلين في هذه الآية، وثانيهما: أن هذه الآية مختصة بالأقربين، فلم قلتم إن ذوي الأرحام من الأقربين؟
وتحقيقه أنه إما أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب من شيء آخر، أو المراد منه من كان أقرب من جميع الأشياء، والأول باطل؛ لأنه يقتضي دخول أكثر الخلق فيه، لأن كل إنسان له نسب مع غيره إما بوجه قريب أو بوجه بعيد، وهو الانتساب إلى آدم عليه السلام، ولا بد وأن يكون هو أقرب إليه من ولده، فيلزم دخول كل الخلق في هذا النص وهو باطل، ولما بطل هذا الاحتمال وجب حمل النص على الاحتمال الثاني وهو أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب الناس إليه، وما ذاك إلا الوالدان والأولاد، فثبت أن هذا النص لا يدخل فيه ذو الأرحام، لا يقال: لو حملنا الأقربين على الوالدين لزم التكرار، لأنا نقول: الأقرب جنس يندرج تحته نوعان: الوالد والولد، فثبت أنه تعالى ذكر الوالد، ثم ذكر الأقربين، فيكون المعنى أنه ذكر النوع، ثم ذكر الجنس فلم يلزم التكرار.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ نَصِيباً ﴾ في نصبه وجوه: أحدها: أنه نصب على الاختصاص بمعنى أعني نصيبا مفروضا مقطوعا واجبا، والثاني: يجوز أن ينتصب انتصاب المصدر، لأن النصيب اسم في معنى المصدر كأنه قيل: قسما واجبا، كقوله: ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله ﴾ أي قسمة مفروضة.
المسألة الخامسة: أصل الفرض الحز، ولذلك سمي الحز الذي في سية القوس فرضاً، والحز الذي في القداح يسمى أيضا فرضاً، وهو علامة لها تميز بينها وبين غيرها، والفرضة العلامة في مقسم الماء، يعرف بها كل ذي حق حقه من الشرب، فهذا هو أصل الفرض في اللغة، ثم ان أصحاب أبي حنيفة خصصوا لفظ الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع، واسم الوجوب بما عرف وجوبه بدليل مظنون، قالوا: لأن الفرض عبارة عن الحز والقطع، وأما الوجوب فانه عبارة عن السقوط، يقال: وجبت الشمس إذا سقطت، ووجب الحائط إذا سقط، وسمعت وجبة يعني سقطة قال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ يعني سقطت، فثبت أن الفرض عبارة عن الحز والقطع، وأن الوجوب عبارة عن السقوط، ولا شك أن تأثير الحز والقطع أقوى وأكمل من تأثير السقوط.
فلهذا السبب خصص أصحاب أبي حنيفة لفظة الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع، ولفظ الوجوب بما عرف وجوبه بدليل مظنون.
إذا عرفت هذا فنقول: هذا الذي قرروه يقضي عليهم بأن الآية ما تناولت ذوي الأرحام لأن توريث ذوي الأرحام ليس من باب ما عرف بدليل قاطع باجماع الأمة، فلم يكن توريثهم فرضاً، والآية إنما تناولت التوريث المفروض، فلزم القطع بأن هذه الآية ما تناولت ذوي الأرحام، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والأقربون ﴾ هم المتوارثون من ذوي القرابات دون غيرهم ﴿ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ﴾ بدل مما ترك بتكرير العامل.
و ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ نصب على الاختصاص، بمعنى: أعني نصيباً مفروضاً مقطوعاً واجباً لابد لهم من أن يحوزوه ولا يستأثر به.
ويجوز أن ينتصب انتصاب المصدر المؤكد كقوله: ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله ﴾ [النساء: 11] كأنه قيل: قسمة مفروضة.
وروي أن أوس بن الصامت الأنصاري ترك امرأته أم كجة وثلاث بنات، فزوى ابنا عمه سويد وعرفطة أو قتادة وعرفجة ميراثه عنهنّ، وكان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء والأطفال، ويقولون: لا يرث إلا من طاعن بالرماح وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة، فجاءت أم كجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفضيخ فشكت إليه، فقال: «ارجعي حتى أنظر ما يحدث الله» فنزلت، فبعث إليهما لا تفرّقا من مال أوس شيئاً فإنّ الله قد جعل لهنّ نصيباً ولم يبين حتى يبين فنزلت ﴿ يُوصِيكُمُ الله ﴾ [النساء: 11] فأعطى أم كحة الثمن، والبنات الثلثين، والباقي ابني العم ﴿ وَإِذَا حَضَرَ القسمة ﴾ أي قسمة التركة ﴿ أُوْلُواْ القربى ﴾ ممن لا يرث ﴿ فارزقوهم مّنْهُ ﴾ الضمير لما ترك الوالدان والأقربون، وهو أمر على الندب قال الحسن: كان المؤمنون يفعلون ذلك، إذا اجتمعت الورثة حضرهم هؤلاء فرضخوا لهم بالشيء من رثة المتاع.
فحضهم الله على ذلك تأديباً من غير أن يكون فريضة.
قالوا: ولو كان فريضة لضرب له حدّ ومقدار كما لغيره من الحقوق، وروى أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه قسم ميراث أبيه وعائشة رضي الله عنها حية؟
فلم يدع في الدار أحداً إلا أعطاه، وتلا هذه الآية.
وقيل: هو على الوجوب.
وقيل: هو منسوخ بآيات الميراث كالوصية.
وعن سعيد بن جبير: أن ناساً يقولون نسخت، ووالله ما نسخت، ولكنها مما تهاونت به الناس.
والقول المعروف أن يلطفوا لهم القول ويقولوا: خذوا بارك الله عليكم، ويعتذروا إليهم، ويستقلوا ما أعطوهم ولا يستكثروه، ولا يمنوا عليهم.
وعن الحسن والنخعي: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات والمساكين واليتامى من العين، يعنيان الورق والذهب.
فإذا قسم الورق والذهب وصارت القسمة إلى الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك، قالوا لهم قولاً معروفاً، كانوا يقولون لهم: بورك فيكم.
<div class="verse-tafsir"
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ يُرِيدُ بِهِمُ المُتَوارِثِينَ بِالقَرابَةِ.
مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ بَدَلٌ مِمّا تَرَكَ بِإعادَةِ العامِلِ.
نَصِيبًا مَفْرُوضًا نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ أوْ حالٌ إذِ المَعْنى: ثَبَتَ لَهم مَفْرُوضًا نَصِيبٌ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ بِمَعْنى أعْنِي نَصِيبًا مَقْطُوعًا واجِبًا لَهُمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الوارِثَ لَوْ أعْرَضَ عَنْ نَصِيبِهِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ.
رُوِيَ « (أنَّ أوْسَ بْنَ الصّامِتِ الأنْصارِيَّ خَلَفَ زَوْجَتَهُ أُمَّ كُحَّةَ وثَلاثَ بَناتٍ، فَزَوى ابْنا عَمِّهِ سُوِيدٌ وعُرْفُطَةُ.
أوْ قَتادَةُ وعُرْفُجَةُ مِيراثَهُ عَنْهُنَّ عَلى سُنَّةِ الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّهم ما كانُوا يُورِثُونَ النِّساءَ والأطْفالَ ويَقُولُونَ: إنَّما يَرِثُ مَن يُحارِبُ ويَذُبُّ عَنِ الحَوْزَةِ، فَجاءَتْ أُمُّ كُحَّةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ في مَسْجِدِ الفَضِيخِ فَشَكَتْ إلَيْهِ فَقالَ: ارْجِعِي حَتّى أنْظُرَ ما يُحْدِثُ اللَّهُ.
فَنَزَلَتْ فَبَعَثَ إلَيْهِما: لا تُفَرِّقا مِن مالِ أوْسٍ شَيْئًا فَإنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَهُنَّ نَصِيبًا ولَمْ يُبَيِّنْ حَتّى يُبَيِّنَ.
فَنَزَلَتْ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فَأعْطى أُمَّ كُحَّةَ الثُّمُنَ والبَناتِ الثُّلُثَيْنِ والباقِي ابْنَيِ العَمِّ» .
وهو دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْفِ الخِطابِ.
وَإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبى مِمَّنْ لا يَرِثُ واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ فاعْطُوهم شَيْئًا مِنَ المَقْسُومِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ.
وتَصَدُّقًا عَلَيْهِمْ، وهو أمْرُ نَدْبٍ لِلْبالِغِ مِنَ الوَرَثَةِ.
وقِيلَ أمْرُ وُجُوبٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَ في نَسْخِهِ والضَّمِيرُ لِما تَرَكَ أوْ دَلَّ عَلَيْهِ القِسْمَةُ وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا وهو أنْ يَدْعُوا لَهم ويَسْتَقِلُّوا ما أعْطَوْهم ولا يَمُنُّوا عَلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
والأقربون} هم المتوارثون
النساء (٧ _ ١١)
من ذوي القرابات دون غيرهم {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} بدل مما ترك بتكرير العامل والضمير في منه يعود إلى ما ترك {نصيبا} رنصب على الاختصاص بمعنى أعني نصيباً {مّفروضاً} مقطوعاً لابد لهم من يحوزه روي أن أوس بن ثابت ترك امرأته أم كحة وثلاث بنات فزوى ابنا عمه ميراثه عنهن وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ويقولون لا يرث الامن طاعن بالرماح وحاز الغنيمة فجاءت أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت فقال إرجعي حتى أنظر ما يحدث الله فنزلت الآية فبعث إليهما لا تفرقا من مال أوس شيئاً فإن الله تعالى قد جعل لهن نصيباً ولم يبين حتى يبين فنزلت يوصيكم الله فأعطى أم كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي ابني العم
﴿ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِ المَوارِيثِ بَعْدَ بَيانِ أمْوالِ اليَتامى المُنْتَقِلَةِ إلَيْهِمْ بِالإرْثِ، والمُرادُ مِنَ الرِّجالِ الأوْلادُ الذُّكُورُ، أوِ الذُّكُورُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ كِبارًا أوْ صِغارًا، ومِنَ الأقْرَبِينَ المَوْرُوثُونَ، ومِنَ الوالِدِينَ ما لَمْ يَكُنْ بِواسِطَةِ، والجَدُّ والجَدَّةُ داخِلانِ تَحْتَ الأقْرَبِينَ، وذَكَرَ الوَلَدانِ مَعَ دُخُولِهِما أيْضًا اعْتِناءً بِشَأْنِهِما، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِنَ الوالِدَيْنِ ما هو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِواسِطَةٍ أوْ بِغَيْرِها فَيَشْمَلُ الجَدَّ والجَدَّةَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ تَوْرِيثُ أوْلادِ الأوْلادِ مَعَ وُجُودِ الأوْلادِ.
وأُجِيبُ بِأنَّ عَدَمَ التَّوْرِيثِ في هَذِهِ الصُّورَةِ مَعْلُومٌ مِن أمْرٍ آخَرَ لا يَخْفى، والنَّصِيبُ الحَظُّ كالنَّصْبِ بِالكَسْرِ ويُجْمَعُ عَلى أنْصِباءَ وأنْصِبَةٍ، ومِن في مِمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ قَبْلَهُ أيْ نَصِيبٌ كائِنٌ مِمّا تُرِكَ وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِنَصِيبٍ.
﴿ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ﴾ المُرادُ مِنَ النِّساءِ البَناتُ مُطْلَقًا أوِ الإناثُ كَذَلِكَ، وإيرادُ حُكْمِهِنَّ عَلى الِاسْتِقْلالِ دُونَ الدَّرَجِ في تَضاعِيفِ أحْكامِ السّالِفِينَ بِأنْ يُقالَ لِلرِّجالِ والنِّساءِ نُصِيبٌ إلَخْ لِلِاعْتِناءِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ بِأمْرِهِنَّ والإيذانِ بِأصالَتِهِنَّ في اسْتِحْقاقِ الإرْثِ، والإشارَةُ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ نَصِيبَيِ الفَرِيقَيْنِ والمُبالَغَةِ في إبْطالِ حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ فَإنَّهم ما كانُوا يُورِثُونَ النِّساءَ والأطْفالَ ويَقُولُونَ: إنَّما يَرِثُ مَن يُحارِبُ ويَذُبُّ عَنِ الحَوْزَةِ، ولِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كَما قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ ورُوِيَ «أنَّ أوْسَ بْنَ ثابِتٍ وقِيلَ: أوْسُ بْنُ مالِكٍ، وقِيلَ: ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ، وقِيلَ: أوْسُ بْنُ الصّامِتِ وهو خَطَأٌ لِأنَّهُ تُوُفِّيَ في زَمَنِ خِلافَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ماتَ وتَرَكَ ابْنَتَيْنِ وابْنًا صَغِيرًا وزَوْجَتَهُ أُمَّ كُحَّةَ، وقِيلَ: بِنْتُ كُحَّةَ، وقِيلَ: أُمُّ كُحْلَةَ، وقِيلَ: أُمُّ كُلْثُومٍ فَجاءَ أبْناءُ عَمِّهِ خالِدٌ أوْ سُوَيْدٌ وعَرْفَطَةُ أوْ قَتادَةُ، وعَرْفَجَةُ فَأخَذا مِيراثَهُ كُلَّهُ فَقالَتِ امْرَأتُهُ لَهُما: تَزَوَّجا بِالِابْنَتَيْنِ وكانَتْ بِهِما دَمامَةٌ فَأبَيا فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَتْهُ الخَبَرَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما أدْرِي ما أقُولُ؟
فَنَزَلَتْ: ﴿ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ ﴾ الآيَةَ فَأرْسَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى ابْنَيِ العَمِّ فَقالَ: لا تُحَرِّكا مِنَ المِيراثِ شَيْئًا فَإنَّهُ قَدْ أُنْزَلَ عَلَيَّ فِيهِ شَيْءٌ أُخْبِرْتُ فِيهِ أنَّ لِلذَّكَرِ والأُنْثى نَصِيبًا ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ عَلِيمًا ﴾ ثُمَّ نَزَلَ: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ فَدَعى بِالمِيراثِ فَأعْطى المَرْأةَ الثَّمَنَ وقَسَّمَ ما بَقِيَ بَيْنَ الأوْلادِ لِلذِّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، ولَمْ يُعْطِ ابْنَيِ العَمِّ شَيْئًا»»، وفي بَعْضِ طُرُقِهِ أنَّ المَيِّتَ خَلَّفَ زَوْجَةً وبِنْتَيْنِ وابْنَيْ عَمٍّ فَأعْطى الزَّوْجَةَ الثُّمْنَ والبِنْتَيْنِ الثُّلْثَيْنِ وابْنَيِ العَمِّ الباقِيَ.
وفِي الخَبَرِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنِ الخِطابِ، ومَن عَمَّمَ الرِّجالَ والنِّساءَ وقالَ: إنَّ الأقْرَبِينَ عامٌّ لِذَوِي القَرابَةِ النِّسْبِيَّةِ والسَّبَبِيَّةِ جَعَلَ الآيَةَ مُتَضَمِّنَةً لِحُكْمِ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ واسْتِحْقاقِ كُلٍّ مِنهُما الإرْثَ مِن صاحِبِهِ، ومَن لَمْ يَذْهَبْ إلى ذَلِكَ وقالَ: إنَّ الأقْرَبِينَ خاصٌّ بِذَوِي القُرْبَةِ النِّسْبِيَّةِ جَعَلَ فَهْمَ الِاسْتِحْقاقِ كَفَهْمِ المِقْدارِ المُسْتَحَقِّ مِمّا سَيَأْتِي مِنَ الآياتِ، وعَلَّلَ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِ الأوْلادِ والبَناتِ هُنا بِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ اليَتامى واحْتَجَّ الحَنَفِيَّةُ والإمامِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ قالُوا: لِأنَّ العَمّاتِ والخالاتِ وأوْلادَ البَناتِ مِنَ الأقْرَبِينَ فَوَجَبَ دُخُولُهم تَحْتَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِلرِّجالِ ﴾ إلَخْ غايَةَ ما في البابِ أنَّ قَدْرَ ذَلِكَ النَّصِيبِ غَيْرُ مَذْكُورٍ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا أنّا نُثْبِتُ كَوْنَهم مُسْتَحِقِّينَ لِأصْلِ النَّصِيبِ بِها، وأمّا المِقْدارُ فَمُسْتَفادٌ مِن سائِرِ الدَّلائِلِ، والإمامِيَّةُ فَقَطْ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُورَثُونَ كَغَيْرِهِمْ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا رَدُّهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ.
﴿ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ ﴾ بَدَلٌ مِن ما الأخِيرَةِ بِإعادَةِ العامِلِ قَبْلُ؛ ولَعَلَّهم إنَّما لَمْ يَعْتَبِرُوا كَوْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ بَدَلًا مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِاسْتِلْزامِهِ إبْدالَ مِن مِن مِن، واتِّحادُ اللَّفْظِ في البَدَلِ غَيْرُ مَعْهُودٍ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في تَرْكِ أيٍّ مِمّا تَرَكَهُ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا أوْ مُسْتَقِرًّا مِمّا قَلَّ، ومِثْلُ هَذا القَيْدِ مُعْتَبَرٌ في الجُمْلَةِ الأُولى إلّا أنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ هُناكَ تَعْوِيلًا عَلى ذِكْرِهِ هُنا، وفائِدَتُهُ دَفْعُ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِ بَعْضِ الأمْوالِ بِبَعْضِ الوَرَثَةِ كالخَيْلِ وآلاتِ الحَرْبِ لِلرِّجالِ، وبِهَذا يَرُدُّ عَلى الإمامِيَّةِ لِأنَّهم يَخُصُّونَ أكْبَرَ أبْناءِ المَيِّتِ مِن تَرِكَتِهِ بِالسَّيْفِ والمُصْحَفِ والخاتَمِ واللِّباسِ البَدَنِيِّ بِدُونِ عِوَضٍ عِنْدَ أكْثَرِهِمْ، وهَذا مِنَ الغَرِيبِ كَعَدَمِ تَوْرِيثِ الزَّوْجَةِ مِنَ العَقارِ مَعَ أنَّ الآيَةَ مُفِيدَةٌ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَقًّا مِن كُلِّ ما جَلَّ ودَقَّ، وتَقْدِيمُ القَلِيلِ عَلى الكَثِيرِ مِن بابِ ﴿ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ﴾ .
﴿ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ نُصِبَ إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ بِتَأْوِيلِهِ بِعَطاءٍ ونَحْوِهِ مِنَ المَعانِي المَصْدَرِيَّةِ وإلّا فَهو اسْمٌ جامِدٌ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ مَصْدَرُ، وإمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَلَّ وكَثُرَ أوْ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ صِفَةً، أوْ مِن نَصِيبٍ لِكَوْنِ وصْفِهِ بِالظَّرْفِ سَوَّغَ مَجِيءَ الحالِ مِنهُ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ خَبَرًا إذِ المَعْنى ثَبَتَ لَهم مَفْرُوضًا نَصِيبٌ، وهو حِينَئِذٍ حالٌ مُوَطِّئَةٌ والحالُ في الحَقِيقَةِ وصْفُهُ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ أوْجَبَ لَهم نَصِيبًا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ أعْنِي ونَصْبُهُ عَلى الِاخْتِصاصِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ مِمّا أنْكَرَهُ أبُو حَيّانَ لِنَصِّهِمْ عَلى اشْتِراطِ عَدَمِ التَّنْكِيرِ في الِاسْمِ المَنصُوبِ عَلَيْهِ، والفَرْضُ كالضَّرْبِ التَّوْقِيتُ ومِنهُ: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ ﴾ والحَزَّ في الشَّيْءِ كالتَّفْرِيضِ وما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى كالمَفْرُوضِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ لَهُ مَعالِمَ وحُدُودًا، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى القَطْعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ أيْ مُقْتَطَعًا مَحْدُودًا كَما في «الصَّحّاحِ»، فَمَفْرُوضًا هُنا إمّا بِمَعْنى مُقْتَطَعًا مَحْدُودًا كَما في تِلْكَ الآيَةِ، وإمّا بِمَعْنى ما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى أيْ نَصِيبًا أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم.
وفَرَّقَ الحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الفَرْضِ والواجِبِ بِأنَّ الفِعْلَ غَيْرُ الكَفِّ المُتَعَلِّقِ بِهِ خِطابٌ بِطَلَبِ فِعْلٍ بِحَيْثُ يَنْتَهِضُ تَرْكُهُ في جَمِيعِ وقْتِهِ سَبَبًا لِلْعِقابِ إنْ ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ، فَفَرَضَ كَقِراءَةِ القُرْآنِ في الصَّلاةِ الثّابِتَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ﴾ وإنْ ثَبَتَ بِظَنِّي فَهو الواجِبُ نَحْوَ تَعْيِينِ الفاتِحَةِ الثّابِتِ بِقَوْلِهِ : «لا صَلاةَ إلّا بِفاتِحَةِ الكِتابِ» وهو آحادٌ، ونَفْيُ الفَضِيلَةِ مُحْتَمَلٌ ظاهِرٌ، وذَهَبَ الشّافِعِيَّةُ إلى تَرادُفِهِما، واحْتَجَّ كُلٌّ لِمُدَّعاهُ بِما احْتَجَّ بِهِ، والنِّزاعُ عَلى ما حُقِّقَ في الأُصُولِ لَفْظِيٌّ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا نِزاعَ لِلشّافِعِيِّ في تَفاوُتِ مَفْهُومَيِ الفَرْضِ والواجِبِ في اللُّغَةِ ولا في تَفاوُتِ ما ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ كَحُكْمِ الكِتابِ وما ثَبَتَ بِدَلِيلِ ظَنِّي كَحُكْمِ خَبَرِ الواحِدِ في الشَّرْعِ، فَإنَّ جاحِدَ الأوَّلِ كافِرٌ دُونَ الثّانِي، وتارِكَ العَمَلِ بِالأوَّلِ مُؤَوَّلًا فاسِقٌ دُونَ الثّانِي، وإنَّما يَزْعُمُ أنَّ الفَرْضَ والواجِبَ لَفْظانِ مُتَرادِفانِ مَنقُولانِ عَنْ مَعْناهُما اللُّغَوِيِّ إلى مَعْنًى واحِدٍ هو ما يُمْدَحُ فاعِلُهُ ويُذَمُّ تارِكُهُ شَرْعًا سَواءٌ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ أوْ ظَنِّيٍّ، وهَذا مُجَرَّدُ اصْطِلاحٍ، فَلا مَعْنى لِلِاحْتِجاجِ بِأنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ الكِتابِ وخَبَرِ الواحِدِ مُوجِبٌ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ مَدْلُولَيْهِما، أوْ بِأنَّ الفَرْضَ في اللُّغَةِ التَّقْدِيرُ والوُجُوبُ هو السُّقُوطُ، فالفَرْضُ عُلِمَ قَطْعًا أنَّهُ مُقَدَّرٌ عَلَيْنا، والواجِبُ ما سَقَطَ عَلَيْنا بِطَرِيقِ الظَّنِّ ولا يَكُونُ المَظْنُونُ مُقَدَّرًا ولا المَعْلُومُ القَطْعِيُّ ساقِطًا عَلَيْنا عَلى أنَّ لِلْخَصْمِ أنْ يَقُولَ: لَوْ سُلِّمَ مُلاحَظَةُ المَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ فَلا نُسَلِّمُ امْتِناعَ أنْ يَثْبُتَ كَوْنُ الشَّيْءِ مُقَدَّرًا عَلَيْنا بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، وكَوْنُهُ ساقِطًا عَلَيْنا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُمُ: الفَرْضُ أيِ المَفْرُوضُ المُقَدَّرُ في المَسْحِ هو الرُّبْعُ، وأيْضًا الحَقُّ أنَّ الوُجُوبَ في اللُّغَةِ هو الثُّبُوتُ، وأمّا مَصْدَرُ الواجِبِ بِمَعْنى السّاقِطِ والمُضْطَرِبِ إنَّما هو الوَجْبَةُ والوَجِيبُ، ثُمَّ اسْتِعْمالُ الفَرْضِ فِيما ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ والواجِبُ فِيما ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ شائِعٌ مُسْتَفِيضٌ كَقَوْلِهِمُ: الوَتْرُ فَرْضٌ، وتَعْدِيلُ الأرْكانِ فَرْضٌ ونَحْوَ ذَلِكَ، ويُسَمّى فَرْضًا عَمَلِيًّا، وكَقَوْلِهِمُ: الصَّلاةُ واجِبَةٌ والزَّكاةُ واجِبَةٌ، ونَحْوَ ذَلِكَ، ومِن هُنا يُعْلَمُ سُقُوطُ كَلامِ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ في رَدِّ اسْتِدْلالِ الحَنَفِيَّةِ بِما تَقَدَّمَ عَلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ بِأنَّ الواجِبَ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ ما عُلِمَ ثُبُوتُهُ بِدَلِيلٍ مَظْنُونٍ، والمَفْرُوضُ ما عُلِمَ بِدَلِيلٍ قاطِعٍ، وتَوْرِيثُ ذَوِي الأرْحامِ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ بِالِاتِّفاقِ، فَعَرَفْنا أنَّهُ غَيْرُ مُرادٍ مِنَ الآيَةِ ووَجْهُ السُّقُوطِ ظاهِرٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ.
واحْتَجَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ الوارِثَ لَوْ أعْرَضَ عَنْ نَصِيبِهِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ وهو مَذْهَبُ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
<div class="verse-tafsir"
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وذلك أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء، وإنما يورثون الرجال من كان يقاتل ويحوز الغنيمة، حتى مات أوس بن ثابت الأنصاري، وترك ثلاث بنات وترك امرأة يقال لها: أم كجة، فقام ابن عمه وأخذ ماله، فجاءت المرأة للنبي وذكرت له القصة.
ويقال: مات رفاعة وترك ابنه وابنته، فأخذ الابن ميراثه كله فجاءت امرأته إلى النبيّ فأخبرته بذلك فنزل قوله لِلرِّجالِ نَصِيبٌ أي حظ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ أي حظ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ يعني إن قل المال أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً أي حظاً معلوماً لكل واحد من الميراث، فبيّن في هذه الآية أن للرجال نصيباً وللنساء نصيباً، ولكن لم يبين مقدار نصيب كل واحد منهم.
ثم بيّن في الآية التي بعدها فقال: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ قال مقاتل: فيها تقديم وتأخير، ومعناه إذا حضر أولو القربى قسمة الميراث فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ يعني فأعطوهم من الميراث.
قال مقاتل: وهذا كان قبل قسمة الميراث.
ثم قال تعالى: وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً يعني إذا كان الورثة كباراً يعطون من الميراث لذوي القربى، وإن كانت الورثة صغاراً ليقل لهم الأولياء قولاً معروفاً، أي عدوا لهم عدة حسنة.
يقول لهم: إذا أدرك الصغار أمرناهم يعطوكم شيئاً ويعرفون حقكم.
وقال القتبي: إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ فيه قولان: أحدهما أن تكون قسمة الوصية إذا حضرها أقرباؤكم، فاجعلوا لهم حظاً من الثلث.
ووجه آخر: أن يكون قسمة الميراث فارضخوا لهم منها.
ثم قال: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ يقول: وليخش على أولاد الميت الضياع، كما أنكم لو تركتم أولاداً ذُرِّيَّةً ضِعافاً يقول: عجزة صغار، يعني الذي يحضره الموت لا يقال له قدم لنفسك وأوص بكذا وكذا حتى يوصي بعامة ماله، فليخش على ذرية الميت كما يخشى على ذرية نفسه.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا حضر الرجل الوصية، فلا ينبغي أن يقول له أوص بمالك فإن الله تعالى رازق أولادك ولكن يقول: له قدم لنفسك واترك لولدك فذلك قوله تعالى: خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يعني: يقول للميت قولاً عدلاً، وهو أن يلقنه لا إله إلا الله ولا يأمره بذلك، ولكن يقول ذلك في نفسه حتى يسمعه منه ويتلقن.
وهكذا قال النبيّ «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إله إلاَّ الله» .
ولم يقل مروهم بذلك، لأنه لو أمر بذلك فلعله يغضب ويجحد.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً يعني بغير حق إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً أي حراماً، لأن الحرام يوجب النار، فسماه الله باسمها ويقال: إنه يلقم من النار إذا صار إلى جهنم، فذلك قوله تعالى: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً.
وروي في الخبر عن رسول الله أنه قال في بعض قصة المعراج أنه قال: «رَأَيْتُ أَقْوَاماً بُطُونُهُمْ كَالحُبَالَى فِيهَا الحَيَّاتُ وَالعَقَارِبُ، فَقُلْتُ: مَنْ هؤلاء يَا جِبْرِيلُ؟
قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارا، وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً أي سيدخلونها في الآخرة.
قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر (وسيصلون) بضم الياء على فعل ما لم يسم فاعله.
وقرأ الباقون النصب، وهذا كقوله: سيدخلون.
وسيدخلون وقال القتبي في قوله: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ معناه: وليخش الذين يكفلون اليتامى، وليفعل بهم ما يحب أن يفعل بولده من بعده.
<div class="verse-tafsir"
وقيل: في المحجورين من أموالهم، ومَعْرُوفاً: قيل: معناه: ادعوا لهم، وقيل:
معناه: عِدُوهُمْ وَعْداً حَسَناً، أي: إنْ رَشَدتُّمْ، دَفَعْنا لكُمْ أموالكم، ومعنى اللفظة: كُلُّ كلام تعرفه النفُوسُ، وتأنس إليه، ويقتضيه الشّرع.
وقوله: وَابْتَلُوا الْيَتامى ...
الآية: الابتلاء: الاختبار، وبَلَغُوا النِّكاحَ: معناه:
بَلَغُوا مَبْلَغَ الرجَالِ بِحُلُمٍ أوْ حَيْضٍ، / أوْ غَيْرِ ذلك، ومعناه: جَرِّبوا عقولهم، وقرائحهم، وتصرّفهم، وآنَسْتُمْ: معناه: عَلِمْتُمْ، وشَعَرْتُمْ، وخَبَرْتُمْ، ومالكٌ (رحمه اللَّه) يرى الشّرطين البلوغ «١» ...
والرُّشد «١» المختَبَرَ «٢» ، وحينئذٍ يدفع المال.
قال ع»
: والبلوغُ لم تَسُقْهُ الآيةُ سِيَاقَ الشَّرْط، ولكنَّها حالةُ الغالِبِ على بني آدم أنْ تَلْتَئِمَ عقولُهم فيها، فهو الوقْتُ الذي لا يُعْتَبَرُ شَرْط الرُّشْد إلاَّ فيه، فقال: إذا بلغ ذلك الوقْتَ، فلينظُرْ إلى الشرط، وهو الرُّشْد حينئذٍ وفصاحةُ الكلامِ تدُلُّ على ذلك لأنَّ التوقيتَ بالبلوغِ جاء ب «إذَا» ، والمشروطُ جاء ب «إنْ» التي هي قاعدةُ حروفِ الشرطِ، «وإذا» ليستْ بحَرْفِ شرطٍ إلاَّ في ضرورة «٤» الشِّعْر، قال ابنُ عَبَّاس: الرُّشْد في العقلِ
وتدبيرِ المَالِ لا غَيْرُ «١» وهو قولُ ابنِ القَاسِمِ في مَذْهَبنا.
وقال الحَسَنُ، وقَتَادة: الرُّشْد في العَقْلِ والدينِ «٢» وهو روايةٌ أيضًا عن مالك.
وقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا: نهي منه سبحانَه للأوصياء عَنْ أَكْل أموالِ اليتامى بغَيْر الواجبِ المُبَاح لهم، والإسْرَافُ: الإفراط في الفَعْل، والسَّرَف:
الخَطَأُ في مواضع الإنفاق، وبِدَاراً: معناه: مُبَادَرَةً كِبَرِّهم، أيْ أنَّ الوصِيَّ يستغنمُ مالَ مَحْجُورِهِ، وأَنْ يَكْبَرُوا: نَصْبٌ ب «بِدَار» ، ويجوز أنْ يكونَ التقديرُ مخافةَ أنْ يَكْبَرُوا.
وقوله تعالى: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، يقال: عَفَّ الرجُلُ عَنِ الشَّيْء، واستعف، إلا أَمْسَكَ، فَأُمِرَ الغنيُّ بالإمساك عَنْ مالِ اليتيمِ وأبَاحَ اللَّه للوصيِّ الفقيرِ أنْ يأكُلَ مِنْ مالِ يتيمه بالمَعْروف.
واختلف العلماءُ في حَدِّ المعروف، فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: إنما يأكل الوصيُّ بالمعروف إذا شَرِبَ مِنَ اللَّبَنَ، وأَكَلَ مِنَ التَّمْر بما يهنأ الجَرْبَاء، ويلطُّ الحَوْض، ويُجِدُّ التمْر، وما أشبهه «٣» ، قُلْتُ: يقال للقَطِرَانِ: الهَنا في لغة العرب كذا رأيته مَنْصُوصاً عليه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ أوْسَ بْنَ ثابِتٍ الأنْصارِيَّ تُوُفِّيَ وتَرَكَ ثَلاثَ بَناتٍ وامْرَأةٍ، فَقامَ رَجُلانِ مِن بَنِي عَمِّهِ، يُقالُ لَهُما: قَتادَةُ، وعُرْفُطَةُ فَأخَذا مالَهُ، ولَمْ يُعْطِيا امْرَأتَهُ، ولا بَناتَهُ شَيْئًا، فَجاءَتِ امْرَأتُهُ إلى النَّبِيِّ ، فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، وشَكَتِ الفَقْرَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ قَتادَةُ: كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
والمُرادُ بِالرِّجالِ: الذُّكُورُ، وبِالنِّساءِ: الإناثُ، صِغارًا كانُوا أوْ كِبارًا.
و"النَّصِيبُ": الحَظُّ مِنَ الشَّيْءِ، وهو مُجْمَلٌ في هَذِهِ الآَيَةِ، ومِقْدارُهُ مَعْلُومٌ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ والمَفْرُوضُ: الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ، وهو آَكَدُ مِنَ الواجِبِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أو كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ ﴿ وَإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ ولْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا ﴾ سَمّى اللهُ عَزَّ وجَلَّ الأبَ والِدًا لِأنَّ الوَلَدَ مِنهُ ومِنَ الوالِدَةِ، كَما قالَ الشاعِرُ: بِحَيْثُ يَعْتَشُّ الغُرابُ البائِضُ لِأنَّ البَيْضَ مِنَ الأُنْثى والذَكَرِ.
قالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ العَرَبَ كانَ مِنها مَن لا يُوَرِّثُ النِساءَ ويَقُولُ: لا يَرِثُ إلّا مَن طاعَنَ بِالرُمْحِ وقاتَلَ بِالسَيْفِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ عِكْرِمَةُ: سَبَبُها خَبَرُ أُمِّ كَحْلَةَ، ماتَ زَوْجُها وهو أوسُ بْنُ سُوَيْدٍ وتَرَكَ لَها بِنْتًا فَذَهَبَ عَمُّ بَنِيها إلى ألّا تَرِثَ، فَذَهَبَتْ إلى النَبِيِّ ، فَقالَ العَمُّ: هي يا رَسُولَ اللهِ لا تُقاتِلُ، ولا تَحْمِلُ كَلًّا ويُكْسَبُ عَلَيْها، ولا تَكْسَبُ، واسْمُ العَمِّ ثَعْلَبَةٌ فِيما ذَكَرَهُ.
و"نَصِيبًا مَفْرُوضًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، كَذا قالَ مَكِّيٌّ، وإنَّما هو اسْمٌ نُصِبَ كَما يُنْصَبُ المَصْدَرُ في مَوْضِعِ الحالِ، تَقْدِيرُهُ: فَرْضًا، ولِذَلِكَ جازَ نَصْبُهُ، كَما تَقُولُ: لَكَ عَلَيَّ كَذا وكَذا حَقًّا واجِبًا، ولَوْلا مَعْنى المَصْدَرِ الَّذِي فِيهِ ما جازَ في الِاسْمِ الَّذِي لَيْسَ بِمَصْدَرٍ هَذا النَصْبُ، ولَكانَ حَقُّهُ الرَفْعَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَإذا حَضَرَ القِسْمَةَ ﴾ ...
الآيَةُ، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيمَن خُوطِبَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما أنَّها مُخاطَبَةٌ لِلْوارِثِينَ، والمَعْنى: إذا حَضَرَ قِسْمَتَكم لِمالِ مَوْرُوثِكم هَذِهِ الأصْنافُ الثَلاثَةُ، فارْزُقُوهم مِنهُ، ثُمَّ اخْتَلَفَ قائِلُو هَذا القَوْلِ، فَقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وأبُو مالِكٍ والضَحّاكُ وابْنُ عَبّاسٍ فِيما حَكى عنهُ المَهْدَوِيُّ: نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ المَوارِيثِ.
وكانَتْ هَذِهِ قِسْمَةً قَبْلَ المَوارِيثِ، فَأعْطى اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وجُعِلَتِ الوَصِيَّةُ لِلَّذِينَ يَحْزَنُونَ ولا يَرِثُونَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والشَعْبِيُّ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ: ذَلِكَ مُحْكَمٌ لَمْ يُنْسَخْ،.وَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وقَدْ ضَيَّعَ الناسُ هَذِهِ الآيَةَ، قالَ الحَسَنُ: ولَكِنَّ الناسَ شَحُّوا، وامْتَثَلَ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ التابِعِينَ: عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ، وأمَرَ بِهِ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ.
واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِإحْكامِها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الفَرْضِ والوُجُوبِ أنْ يُعْطِيَ الوَرَثَةُ لِهَذِهِ الأصْنافِ ما تَفِهَ وطابَتْ بِهِ نُفُوسُهُمْ؛ كالماعُونِ والثَوْبِ الخَلَقِ، وما خَفَّ كالتابُوتِ، وما تَعَذَّرَ قَسْمُهُ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ: ذَلِكَ عَلى جِهَةِ النَدْبِ، فَمَن تَرَكَهُ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ.
واخْتُلِفَ في هَذا القَوْلِ إذا كانَ الوارِثُ صَغِيرًا لا يَتَصَرَّفُ في مالِهِ، فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ: هَذا عَلى وجْهِ المَعْرُوفِ فَقَطْ، يَقُولُهُ ولِيُّ الوارِثِ دُونَ عَطاءٍ يُنَفَّذُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ يُعْطِي ولِيُّ الوارِثِ الصَغِيرِ مِن مالِ مَحْجُورِهِ بِقَدْرِ ما يَرى.
والقَوْلُ الثانِي -فِيمَن خُوطِبَ بِها- أنَّ الخِطابَ لِلْمُحْتَضَرِينَ الَّذِينَ يُقَسِّمُونَ أمْوالَهم بِالوَصِيَّةِ، فالمَعْنى: إذا حَضَرَكُمُ المَوْتُ أيُّها المُؤْمِنُونَ، وقَسَّمْتُمْ أمْوالَكم بِالوَصِيَّةِ، وحَضَرَكم مَن لا يَرِثُ مِن ذِي القَرابَةِ واليَتامى فارْزُقُوهم مِنهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وابْنُ زَيْدٍ: كانُوا يَقُولُونَ لِلْوَصِيِّ: فُلانٌ يُقَسِّمُ مالَهُ، ومَعْنى "حَضَرَ": شَهِدَ، إلّا أنَّ الصِفَةَ بِالضَعْفِ واليُتْمِ والمَسْكَنَةِ تَقْضِي أنَّ ذَلِكَ هو عِلَّةُ الرِزْقِ، فَحَيْثُ وُجِدَتْ رُزِقُوا وإنْ لَمْ يَحْضُرُوا القِسْمَةَ، و"أُولُو": اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ولا يَكُونُ إلّا مُضافًا لِلْإبْهامِ الَّذِي فِيهِ، ورُبَّما كانَ واحِدُهُ مِن غَيْرِ لَفْظَةِ "ذُو".
واليُتْمُ: الِانْفِرادُ، واليَتِيمُ: الفَرْدُ، وكَذَلِكَ سُمِّيَ مَن فَقَدَ أباهُ يَتِيمًا لِانْفِرادِهِ، ورَأى عُبَيْدَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أنَّ الرِزْقَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُصْنَعَ لَهم طَعامٌ يَأْكُلُونَهُ، وفَعَلا ذَلِكَ: ذَبَحا شاةً مِنَ التَرِكَةِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فارْزُقُوهُمْ" وفي قَوْلِهِ: "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى الأصْنافِ الثَلاثَةِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن تَفْرِيقِ عَوْدِ الضَمِيرَيْنِ -كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ- تَحَكُّمٌ؛ والقَوْلُ المَعْرُوفُ: كُلُّ ما يُؤْنَسُ بِهِ مِن دُعاءٍ أو عِدَةٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ "وَلْيَخْشَ" جُزِمَ بِلامِ الأمْرِ، ولا يَجُوزُ إضْمارُ هَذِهِ اللامِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ قِياسًا عَلى حُرُوفِ الجَرِّ إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ∗∗∗ إذا ما خِفْتَ مِن أمْرٍ تَبالا وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ والحَسَنُ والزُهْرِيُّ: بِكَسْرِ لاماتِ الأمْرِ في هَذِهِ الآيَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظِ "ذُرِّيَّةً" في [سُورَةِ آلِ عِمْرانَ].
ومَفْعُولُ "يَخْشى" مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وحَسُنَ حَذْفُهُ مِن حَيْثُ يَتَقَدَّرُ فِيهِ التَخْوِيفُ بِاللهِ تَعالى، والتَخْوِيفُ بِالعاقِبَةِ في الدُنْيا، فَيَنْظُرُ كُلُّ مُتَأوِّلٍ بِحَسَبِ الأهَمِّ في نَفْسِهِ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ وأبُو حَيْوَةَ والزُهْرِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعائِشَةُ: "ضُعَفاءَ" بِالمَدِّ وَضَمِّ الضادِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: "ضُعُفًا" بِضَمِّ الضادِ والعَيْنِ وتَنْوِينِ الفاءِ، وأمالَ حَمْزَةُ "ضِعافًا"، وأمالَ "خافُوا"، والداعِي إلى إمالَةِ "خافُوا" الكَسْرَةُ الَّتِي في الماضِي في قَوْلِكَ: خِفْتُ، لِيَدُلَّ عَلَيْها.
و"خافُوا" جَوابُ "لَوْ" تَقْدِيرُهُ: لَوْ تَرَكُوا لَخافُوا، ويَجُوزُ حَذْفُ اللامِ في جَوابِ "لَوْ"، تَقُولُ: لَوْ قامَ زَيْدٌ لَقامَ عَمْرٌو، ولَوْ قامَ زَيْدٌ قامَ عَمْرٌو.
واخْتُلِفَ؛ مَنِ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُدِّيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ ومُجاهِدٌ: المُرادُ مَن حَضَرَ مَيِّتًا حِينَ يُوصِي فَيَقُولُ لَهُ: قَدِّمْ لِنَفْسِكَ وأعْطِ فُلانًا وفُلانَةً، ويُؤْذِي الوَرَثَةَ بِذَلِكَ، فَكَأنَّ الآيَةَ تَقُولُ لَهُمْ: كَما كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ عَلى ورَثَتِكم وذُرِّيَّتِكم بَعْدَكُمْ، فَكَذَلِكَ فاخْشَوْا عَلى ورَثَةِ غَيْرِكم وذُرِّيَّتِهِ، ولا تَحْمِلُوهُ عَلى تَبْذِيرِ مالِهِ وتَرْكِهِمْ عالَةً.
وقالَ مِقْسَمٌ وحَضْرَمِيٌّ: نَزَلَتْ في عَكْسِ ذَلِكَ، وهو أنْ يَقُولَ لِلْمُحْتَضَرِ: أمْسِكْ عَلى ورَثَتِكَ، وأبْقِ لِوَلَدِكَ، ويَنْهاهُ عَنِ الوَصِيَّةِ فَيَضُرَّ بِذَلِكَ ذَوِي القُرْبى وكُلَّ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُوصِيَ لَهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: كَما كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ عَلى ذُرِّيَّتِكم وتُسَرُّونَ بِأنْ يُحْسَنَ إلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ فَسَدِّدُوا القَوْلَ في جِهَةِ المَساكِينِ واليَتامى، واتَّقُوا اللهَ في ضُرِّهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ القَوْلانِ لا يَطَّرِدُ واحِدٌ مِنهُما في كُلِّ الناسِ، بَلِ الناسُ صِنْفانِ: يَصْلُحُ لِأحَدِهِما القَوْلُ الواحِدُ، ولِلْآخَرِ القَوْلُ الثانِي، وذَلِكَ أنَّ الرَجُلَ إذا تَرَكَ ورَثَةً مُسْتَقِلِّينَ بِأنْفُسِهِمْ أغْنِياءَ حَسُنَ أنْ يُنْدَبَ إلى الوَصِيَّةِ، ويُحْمَلَ عَلى أنْ يُقَدِّمَ لِنَفْسِهِ، وإذا تَرَكَ ورَثَةً ضُعَفاءَ مُقِلِّينَ حَسُنَ أنْ يُنْدَبَ إلى التَرْكِ لَهم والِاحْتِياطِ، فَإنَّ أجْرَهُ في قَصْدِ ذَلِكَ كَأجْرِهِ في المَساكِينِ، فالمُراعى إنَّما هو الضَعْفُ، فَيَجِبُ أنْ يُمالَ مَعَهُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المُرادُ بِالآيَةِ وُلاةُ الأيْتامِ، فالمَعْنى: أحْسِنُوا إلَيْهِمْ، وسَدِّدُوا القَوْلَ لَهُمْ، واتَّقُوا اللهَ في أكْلِ أمْوالِهِمْ، كَما تَخافُونَ عَلى ذُرِّيَّتِكم أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ خِلافُ ذَلِكَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ المُرادُ جَمِيعُ الناسِ، فالمَعْنى: أمَرَهم بِاتِّقاءِ اللهِ في الأيْتامِ وأولادِ الناسِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا في حُجُورِهِمْ، وأنْ يُسَدِّدُوا لَهُمُ القَوْلَ كَما يُرِيدُ كُلُّ أحَدٍ أنْ يُفْعَلَ بِوَلَدِهِ بَعْدَهُ.
وَمِن هَذا ما حَكاهُ الشَيْبانِيُّ قالَ: كُنّا عَلى قُسْطَنْطِينِيَّةَ في عَسْكَرِ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَجَلَسْنا يَوْمًا في جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ فِيهِمُ الدَيْلَمِيُّ، فَتَذاكَرُوا ما يَكُونُ مِن أهْوالِ آخِرِ الزَمانِ، فَقُلْتُ لَهُ: يا أبا بُسْرٍ، وُدِّي أنْ لا يَكُونَ لِي ولَدٌ، فَقالَ لِي: ما عَلَيْكَ، ما مِن نَسَمَةٍ قَضى اللهُ بِخُرُوجِها مِن رَجُلٍ إلّا خَرَجَتْ أحَبَّ أو كَرِهَ، ولَكِنْ إنْ أرَدْتَ أنْ تَأْمَنَ عَلَيْهِمْ فاتَّقِ اللهَ في غَيْرِهِمْ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
والسَدِيدُ: مَعْناهُ: المُصِيبُ لِلْحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أُعَلِّمُهُ الرِمايَةَ كُلَّ يَوْمٍ ∗∗∗ فَلَمّا اسْتَدَّ ساعِدُهُ رَمانِي مَعْناهُ، لَمّا وافَقَ الأغْراضَ الَّتِي يَرْمِي إلَيْها.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي، وهو جار مجرى النتيجة لحكم إيتاء أموال اليتامى، ومجرى المقدّمة لأحكام المواريث التي في قوله تعالى: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ [النساء: 11].
ومناسبة تعقيب الآي السابقة بها: أنّهم كانوا قد اعتادوا إيثار الأقوياء والأشدّاء بالأموال، وحرمان الضعفاء، وإبقاءهم عالة على أشدّائهم حتّى يكونوا في مقادتهم، فكان الأولياء يمنعون عن محاجيرهم أموالهم، وكان أكبر العائلة يَحرم إخوته من الميراث معه فكان أولئك لضعفهم يصبرون على الحرمان، ويقنعون بالعيش في ظلال أقاربهم، لأنّهم إن نازعوهم أطردوهم وحرموهم، فصاروا عالة على الناس.
وأخصّ الناس بذلك النساءُ فإنّهن يجدن ضعفاً من أنفسهنّ، ويخشين عار الضيعة، ويتّقين انحراف الأزواج، فيتّخذن رضى أوليائهُنّ عدّة لهنّ من حوادث الدهر، فلمّا أمرهم الله أن يؤتوا اليتامى أموالهم، أمر عقبه بأمرهم بأن يجعلوا للرجال والنساء نصيباً ممّا ترك الوالدان والأقربون.
فإيتاء مال اليتيم تحقيق لإيصال نصيبه ممّا ترك له الوالدان والأقربون، وتوريث القرابة إثبات لنصيبهم ممّا ترك الوالدان والأقربون، وذُكر النساءُ هناك تمهيداً لشرع الميراث، وقد تأيّد ذلك بقوله: ﴿ وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى ﴾ [النساء: 8] فإنّ ذلك يناسب الميراث، ولا يناسب إيتاءَ أموال اليتامى.
ولا جرم أنّ من أهمّ شرائع الإسلام شرع الميراث، فقد كان العرب في الجاهلية يجعلون أموالهم بالوصيّة لعظماء القبائل ومن تلحقهم بالانتساب إليهم حسن الأحدوثة، وتجمعهم بهم صلات الحلف أو الاعتزاز والودّ، وكانوا إذا لم يوصوا أو تركوا بعض مالهم بلا وصية يُصرف لأبْناء الميّت الذكور، فإن لم يكن له ذكور فقد حكي أنّهم يصرفونه إلى عصبته من إخوة وأبناء عمّ، ولا تعطى بناته شيئاً، أمّا الزوجات فكنّ موروثات لا وارثات.
وكانوا في الجاهلية لا يورثون بالبنوّة إلاّ إذا كان الأبناء ذكوراً، فلا ميراث للنساء لأنّهم كانوا يقولون إنّما يرث أموالنا من طاعن بالرمح، وضرب بالسيف.
فإن لم تكن الأبناءُ الذكورُ وَرِث أقربُ العصبة: الأبُ ثمّ الأخُ ثمّ العمّ وهكذا، وكانوا يورثون بالتبنيّ وهو أن يتّخذ الرجل ابن غيره ابنا له فتنعقد بين المتبنِّي والمتبنَّى جميع أحكام الأبوّة.
ويورثون أيضاً بالحلف وهو أن يرغب رجلان في الخلّة بينهما فيتعاقدا على أنّ دمهما واحد ويتوارثا، فلمّا جاء الإسلام لم يقع في مكّة تغيير لأحكام الميراث بين المسلمين لتعذّر تنفيذ ما يُخالف أحكام سكّانها، ثمّ لمّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي معظم أقارب المهاجرين المشركون بمكّة صار التوريث: بالهجرة، فالمهاجر يرث المهاجر، وبالحلف، وبالمعاقدة، وبالأخوّة التي آخاها الرسول عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار، ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿ ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ [النساء: 33] الآية من هاته السورة.
وشرع الله وجوب الوصية للوالدين والأقربين بآية سورة البقرة، ثم توالد المسلمون ولحق بهم آباؤهم وأبناؤهم مؤمنين، فشرع الله الميراث بالقرابة، وجعل للنساء حظوظاً في ذلك فأتمّ الكلمة، وأسبغ النعمة، وأومأ إلى أنّ حكمة الميراث صرف المال إلى القرابة بالولادة وما دونها.
وقد كان قوله تعالى: ﴿ وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ أوّل إعطاء لحقّ الإرث للنساء في العرب.
ولكون هذه الآية كالمقدّمة جاءت بإجمال الحقّ والنصيب في الميراث وتلاه تفصيله، لقصد تهيئة النفوس، وحكمة هذا الإجمال حكمةُ ورود الأحكام المراد نسخها إلى أثقلَ لتسكن النفوس إليها بالتدريج.
روى الواحدي، في أسباب النزول، والطبري، عن عكرمة، وأحَدُهما يزيد على الآخر ما حاصله: إنّ أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك امرأة يقال لها أم كُحَّة فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: «إنّ زوجي قُتِل معك يوم أُحد وهاتان بنتاه وقد استوفى عمّهما مالَهما فما ترى يا رسول الله؟
فواللَّهِ ما تَنْكحان أبداً إلاّ ولهما مال» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يقضي الله في ذلك ".
فنزلت سورة النساء وفيها: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ [النساء: 11].
قال جابر بن عبد الله: فقال رسول الله " ادع لي المرأة وصاحبَها " فقال لعمتهما " أعطهما الثلثين وأعط أمّهما الثمن وما بقي فلَك ".
ويروى: أنّ ابني عمّه سويد وعرفطة، وروى أنّهما قتادة وعرفجة، وروي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لمّا دعا العَمّ أو ابني العمّ قال، أو قالا له «يا رسول الله لا نعطي من لا يركب فرساً ولا يحمل كَلا ولا يَنكي عدوّا» فقال " انصرف أوْ انصرفا، حتّى أنظرَ ما يحدث الله فيهنّ " فنزلت آية ﴿ للرجال نصيب ﴾ الآية.
وروي أنّه لمّا نزلت هاته الآية أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى وليّ البنتين فقال: " لا تفرّق من مال أبيهما شيئاً فإنّ الله قد جعل لهنّ نصيباً " والنصيب تقدّم عند قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ في سورة آل عمران (23).
وقوله: بيان لمما ترك} لقصد تعميم ما ترك الوالدان والأقربون وتنصيص على أنّ الحقّ متعلّق بكلّ جزء من المال، حتّى لا يستأثر بعضهم بشيء، وقد كان الرجل في الجاهلية يعطي أبناءه من ماله على قدر ميله كما أوصى نزار بن مَعِّد بن عدنان لأبنائه: مضر، وربيعة، وإياد، وأنْمارِ، فجعل لمضر الحمراء كلّها، وجعل لربيعة الفرسَ، وجعل لإياد الخادم، وجعل لأنمار الحمار، ووكَلهم في إلحاق بقية ماله بهاته الأصناف الأربعة إلى الأفعى الجُرْهُمي في نَجْران، فانصرفوا إليه، فقسم بينهم، وهو الذي أرسل المثَل: إنّ العَصَا من العُصَيَّة.
وقوله: ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ حال من (نصيب) في قوله: ﴿ للرجال نصيب ﴾ ﴿ وللنساء نصيب ﴾ وحيث أريد بنصيب الجنس جاء الحال منه مفرداً ولم يراع تعدّده، فلم يُقَل: نصيبين مفروضين، على اعتبار كون المذكور نصيبين، ولا قيل: أنصباء مفروضة، على اعتبار كون المذكور موزّعا للرجال وللنساء، بل روعي الجنس فجيء بالحال مفرداً و ﴿ مفروضا ﴾ وصف، ومعنى كونه مفروضاً أنّه معيّن المقدار لكلّ صنف من الرجال والنساء، كما قال تعالى في الآية الآتية ﴿ فريضة من الله ﴾ [النساء: 11].
وهذا أوضح دليل على أنّ المقصود بهذه الآية تشريع المواريث.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ﴾ وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، في الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُوَرِّثُونَ الذُّكُورَ دُونَ الإناثِ، فَرَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ في أُمِّ كُجَّةَ وبَناتِها وثَعْلَبَةَ وأوْسِ بْنِ سُوَيْدٍ وهم مِنَ الأنْصارِ، وكانَ أحَدُهُما زَوْجَها والآخَرُ عَمَّ ولَدِها، «فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ تُوُفِّيَ زَوْجِي وتَرَكَنِي وبَنِيهِ ولَمْ نُوَرَّثْ، فَقالَ عَمُّ ولَدِها: يا رَسُولَ اللَّهِ، ولَدُها لا يَرْكَبُ فَرَسًا ولا يَحْمِلُ كَلًّا، ولا يَنْكَأُ عَدُوًّا يَكْسِبُ عَلَيْها ولا تَكْسِبُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
» ﴿ وَإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها ثابِتَةُ الحُكْمِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُما ولِيّانِ، أحَدُهُما يَرِثُ وهو الَّذِي أُمِرَ أنْ يَرْزُقَهم أيْ يُعْطِيهِمْ، والآخِرُ لا يَرِثُ وهو الَّذِي أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا، وبِإثْباتِ حُكْمِها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ.
وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدَةَ أنَّهُ ولِيَ وصِيَّةً فَأمَرَ بِشاةٍ فَذُبِحَتْ، وصَنَعَ طَعامًا لِأجْلِ هَذِهِ الآيَةِ وقالَ: لَوْلا هَذِهِ الآيَةُ لَكانَ هَذا مِن مالِي.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المَوارِيثِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وأبِي مالِكٍ، والفُقَهاءِ.
والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِها وصِيَّةُ المَيِّتِ الَّتِي وصّى بِها أنْ تُفَرَّقَ فِيمَن ذَكَرَ وفِيمَن حَضَرَ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ.
فَيَكُونُ ثُبُوتُ حُكْمِها عَلى غَيْرِ الوَجْهِ الأوَّلِ.
واخْتَلَفَ مَن قالَ: بِثُبُوتِ حُكْمِها عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في الوارِثِ إذا كانَ صَغِيرًا هَلْ يَجِبُ عَلى ولِيِّهِ إخْراجُها مِن سَهْمِهِ؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: يَجِبُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدٍ، ويَقُولُ الوَلِيُّ لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا.
والثّانِي: أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ في أمْوالِ الصِّغارِ عَلى الأوْلِياءِ، وهو قَوْلُ عُبَيْدَةَ، والحَسَنِ.
﴿ وَقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلْوَرَثَةِ وأوْلِيائِهِمْ أنْ يَقُولُوا لِمَن حَضَرَ مِن أُولِي القُرْبى، واليَتامى، والمَساكِينِ قَوْلًا مَعْرُوفًا عِنْدَ إعْطائِهِمُ المالَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: خِطابٌ لِلْآخَرِينَ أنْ يَقُولُوا لِلدّافِعِينَ مِنَ الوَرَثَةِ قَوْلًا مَعْرُوفًا، وهو الدُّعاءُ لَهم بِالرِّزْقِ والغِنى.
﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: ولْيَحْذَرِ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ مَيِّتًا يُوصِي في مالِهِ أنْ يَأْمُرُوهُ بِتَفْرِيقِ مالِهِ وصِيَّةً فِيمَن لا يَرِثُهُ ولَكِنْ لِيَأْمُرُوهُ أنْ يُبْقِيَ مالَهُ لِوَلَدِهِ، كَما لَوْ كانَ هو المُوصِيَ لَآثَرَ أنْ يَبْقى مالُهُ لِوَلَدِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: ولْيَحْذَرِ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ المَيِّتَ وهو يُوصِي أنْ يَنْهَوْهُ عَنِ الوَصِيَّةِ لِأقْرِبائِهِ، وأنْ يَأْمُرُوهُ بِإمْساكِ مالِهِ والتَّحَفُّظِ بِهِ لِوَلَدِهِ، وهم لَوْ كانُوا مِن أقْرِباءِ المُوصِي لَآثَرُوا أنْ يُوصِيَ لَهم، وهو قَوْلُ مِقْسَمٍ، وسُلَيْمانَ بْنِ المُعْتَمِرِ.
والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِوُلاةِ الأيْتامِ، أنْ يَلُوهم بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ في أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، كَما يُحِبُّونَ أنْ يَكُونَ وُلاةُ أوْلادِهِمُ الصِّغارِ مِن بَعْدِهِمْ في الإحْسانِ إلَيْهِمْ لَوْ ماتُوا وتَرَكُوا أوْلادَهم يَتامى صِغارًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّ مَن خَشِيَ عَلى ذُرِّيَّتِهِ مِن بَعْدِهِ، وأحَبَّ أنْ يَكُفَّ اللَّهُ عَنْهُمُ الأذى بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، وهو قَوْلُ أبِي بِشْرِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ.
﴿ إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا ﴾ عَبَّرَ عَنِ الأخْذِ بِالأكْلِ لِأنَّهُ مَقْصُودُ الأخْذِ.
﴿ إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهم يَصِيرُونَ بِهِ إلى النّارِ.
والثّانِي: أنَّهُ تَمْتَلِئُ بِها بُطُونُهم عِقابًا يُوجِبُ النّارَ.
﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ الصِّلاءُ لُزُومُ النّارِ، والسَّعِيرُ إسْعارُ النّارِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات، ولا الصغار الذكور حتى يدركوا.
فمات رجل من الأنصار يقال له أوس بن ثابت وترك ابنتين وابناً صغيراً، فجاء ابنا عمه وهما عصبته فأخذا ميراثه كله، فقالت امرأته لهما: تزوجا بهما وكان بهما دمامة فأبيا.
فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله توفي أوس وترك ابناً صغيراً وابنتين، فجاء ابنا عمه خالد وعرفطة فأخذا ميراثه، فقلت لهما: تزوّجا ابنتيه فأبيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أدري ما أقول؟
فنزلت ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون...
﴾ الآية.
فأرسل إلى خالد وعرفطة فقال: لا تحركا من الميراث شيئاً، فإنه قد أنزل عليَّ فيه شيء أخبرت فيه أن للذكر والأنثى نصيباً، ثم نزل بعد ذلك ﴿ ويستفتونك في النساء ﴾ [ النساء: 127] إلى قوله: ﴿ عليماً ﴾ ثم نزل ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ [ النساء: 11] إلى قوله: ﴿ والله عليم حليم ﴾ فدعا بالميراث فأعطى المرأة الثمن، وقسم ما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال: نزلت في أم كلثوم، وابنة أم كحلة، أو أم كحة، وثعلبة بن أوس، وسويد، وهم من الأنصار.
كان أحدهم زوجها والآخر عم ولدها فقالت: يا رسول الله توفي زوجي وتركني وابنته فلم نورث من ماله فقال عم ولدها: يا رسول الله لا تركب فرساً، ولا تنكأ عدواً ويكسب عليها ولا تكتسب.
فنزلت ﴿ للرجال نصيب..
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء ولا الولدان الصغار شيئاً، يجعلون الميراث لذي الأسنان من الرجال.
فنزلت ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ إلى قوله: ﴿ مما قلَّ منه أو كثر ﴾ يعني من الميراث ﴿ نصيباً ﴾ يعني حظاً ﴿ مفروضاً ﴾ يعني معلوماً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ قال: وقفاً معلوماً.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ﴾ الآية.
قال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية لا تورث النساء ولا الصغار شيئًا وإن كانوا ذكورًا، وإنما كانت تورث الكبار ومن طاعن بالرماح وحاز الغنيمة، فأبطل الله عز وجل ذلك، وأعلم أن حق الميراث على ما ذُكر من القرض (١) وقوله تعالى: ﴿ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ .
قد ذكرنا معنى الفرض فيما تقدم (٢) ﴿ نَصِيبًا ﴾ ، فقال الفراء (٣) (٤) ولو كان اسمًا (ليس في معنى المصدر) (٥) (٦) (٧) وقال الزجاج: هذا منصوب على الحال، المعنى: لهؤلاء أنصبة على ما ذكرناها في حال الفرض (٨) وقال الأخفش: هو نصب على معنى: جعل لهم نصيبًا (٩) ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ﴾ ﴿ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ ﴾ يدل على (١٠) (١١) (١) ذكر السيوطي نحوه عن ابن عباس من طريق الكلبي في "لباب النقول" ص 64، "الدر المنثور" 2/ 217، وانظر: "الطبري" 4/ 262، و"الثعلبي" 4/ 16 ب، "الوسيط" بتحقيق بالطيور 2/ 451، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 148، والبغوي 2/ 169، و"زاد المسير" 2/ 18، وابن كثير 2/ 494، و"الدر المنثور" 2/ 218.
(٢) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ ل122.
(٣) في "معاني القرآن" 1/ 257.
(٤) هذا المثال ليس في معاني الفراء - حسب المطبوع.
(٥) في "معاني الفراء" جاءت كلمة: (صحيحًا) بدل ما بين القوسين هنا.
(٦) ما بين القوسين عند الفراء: ولكنه بمنزلة قولك: لك على حق حقًا، ولا تقول: لك علي حق درهمًا فكأن المؤلف تصرف في العبارة.
(٧) انتهى من "معانى الفراء" 1/ 257، وانظر: "الكشاف" 1/ 249، "الدر المصون" 3/ 588.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 15، وانظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 190، "الدر المصون" 3/ 589.
(٩) "معاني القرآن" 1/ 422، 434، وانظر "الدر المصون" 3/ 589.
(١٠) ما بين القوسين ليس فى (أ).
(١١) هذا ترجيح من المؤلف للوجه الأخير في إعراب (نصيبا) وأنه منصوب بفعل مقدر، وانظر "الإملاء بهامش الفتوحات" 1/ 358.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ ﴾ الآية: سببها أن بعض العرب كانوا لا يورثون النساء، فنزلت الآية ليرث الرجال النساء ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ منصوبٌ انتصابَ المصدر المؤكد لقوله: فريضة من الله، وقال الزمخشري: منصوب على التخصيص، أعني: بمعنى نصيباً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تساءلون ﴾ خفيفاً بحذف التاء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وعباس مخير.
الباقون بالتشديد أي بإدغام تاء التفاعل في السين ﴿ والأرحام ﴾ بالجر حمزة.الباقون بالنصب.
﴿ ما طاب ﴾ بالإمالة: حمزة.
﴿ واحدة ﴾ بالرفع: يزيد: الباقون بالنصب.
﴿ هنيّاً مريّاً ﴾ بالتشديد فيهما: يزيد وحمزة في الوقف على أيهما وقف، وإذا انفرد ﴿ هنيئاً ﴾ / همزها كل القرآن: يزيد.
﴿ قيماً ﴾ ابن عامر ونافع.
الباقون ﴿ قياماً ﴾ ﴿ ضعافاً ﴾ بالإمالة: خلف عن حمزة وابن سعدان والعجلي وخلف لنفسه وقتيبة على أصله.
﴿ وسيصلون ﴾ بضم الياء: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل.
الباقون بفتحها.
الوقوف: ﴿ ونساء ﴾ ج.
لأن الجملتين وإن اتفقتا إلا أنه اعترضت المعطوفات ﴿ والأرحام ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ بالطيب ﴾ ص ﴿ إلى أموالكم ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ ورباع ﴾ ج ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ أن لا تعولوا ﴾ ط لابتداء حكم آخر ﴿ نحلة ﴾ ط لأن المشروط خارج عن أصل الشرط الموجب ﴿ مريئاً ﴾ ه ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ النكاح ﴾ ج بناء على أنه ابتداء شرط بعد بلوغ النكاح، أو مجموع الشرط والجواب جواب "إذا" و"حتى" تكون داخلة على جملة شرطية مقدمها حملية، وثالثها شرطية أخرى.
﴿ أموالهم ﴾ ج ﴿ أن يكبروا ﴾ ط لابتداء جملتين متضادتين ﴿ فليستعفف ﴾ ج ﴿ بالمعروف ﴾ ط للعود إلى أصل الموجب بعد وقوع العارض.
﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ والأقربون ﴾ الأول ص ﴿ أو أكثر ﴾ ط بتقدير جعلناه نصيباً مفروضاً ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ خافوا عليهم ﴾ ص ﴿ سديداً ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه.
التفسير: لما كانت هذه السورة مشتملة على تكاليف كثيرة من التعطيف على الأولاد والنساء والأيتام وإيصال حقوقهم إليهم وحفظ أموالهم عليهم، ومن الأمر بالطهارة والصلاة، والجهاد والدية، ومن تحريم المحارم وتحليل غيرهن إلى غير ذلك من السياسات ومكارم الأخلاق التي يناط بها صلاح المعاش والمعاد، افتتح السورة ببعث المكلفين على التقوى.
ومن غرائب القرآن أن فيه سورتين صدرهما ﴿ يا أيها الناس ﴾ إحداهما في النصف الأول وهي الرابعة من سوره، والأخرى في النصف الثاني وهي أيضاً في الرابعة من سوره.
ثم التي في النصف الأول مصدرة بذكر المبدأ ﴿ اتقوا ربكم الذي خلقكم ﴾ والتي في النصف الثاني مصدرة بذكر المعاد ﴿ اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ ثم إنه علل الأمر بالتقوى بأنه خلقنا من نفس واحدة.
أما القيد الأوّل وهو أنه خلقنا فلا شك أنه علة لوجوب الانقياد لتكاليفه والخشوع لأوامره ونواهيه، لأن المخلوقية هي العبودية ومن شأن العبد امتثال أمر مولاه في كل ما يأمره وينهاه.
وأيضاً الإيجاد غاية الإحسان فيجب مقابلتها بغاية الإذعان، على أن مقابلة نعمته بالخدمة محال لأن توفيق تلك الخدمة نعمة أخرى منه.
وأما القيد الثاني وهو خصوص أنه خلقنا من نفس واحدة، فإنما يوجب علينا الطاعة لأن خلق أشخاص غير محصورة من إنسان واحد مع تغاير أشكالهم وتباين أمزجتهم واختلاف أخلاقهم دليل ظاهر وبرهان باهر على وجود مدبر مختار وحكيم قدير، ولو كان ذلك بالطبيعة أو لعلة موجبة كان كلهم على حد واحد ونسبة واحدة.
ثم في / هذا القيد فوائد أخر منها: أنه يأمر عقبه بالإحسان إلى اليتامى والنسوان، وكونهم متفرعين من أصل واحد وأرومة واحدة أعون على هذا المعنى ولهذا قال : " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" ومنها أنهم إذا عرفوا ذلك تركوا المفاخرة وأظهروا التواضع وحسن الخلق.
ومنها أن تصوّر ذلك يذكر أمر المعاد فليس الإعادة بأصعب من الإبداء.
ومنها أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزاً للنبي لأنه لم يقرأ كتاباً.
وأجمع المفسرون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا هو آدم ، والتأنيث في الوصف نظراً إلى لفظة النفس.
﴿ وخلق منها زوجها ﴾ حواء من ضلع من أضلاعها.
وقال أبو مسلم: المرادوخلق من جنسها زوجها لقوله ﴿ جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ ولأنه قادر على خلق حواء من التراب فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم؟
والجواب أن الأمر لو كان كما ذكره أبو مسلم لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة وهو خلاف النص وخلاف ما روي عن النبي " "أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها" احتج جمع من الطبائعيين بالآية على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة، وإن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال.
والجواب أنه لا يلزم من إحداث شيء في صورة واحدة من المادة لحكمة أن يتوقف الإحداث على المادة في جميع الصور.
قال في الكشاف: قوله: ﴿ وخلق منها ﴾ معطوف على محذوف أي أنشأها وخلق منها، أو معطوف على ﴿ خلقكم ﴾ والخطاب للذين بحضرة رسول الله أي خلقكم من نفس آدم لأنهم من جنس المفرع منه، وخلق منها أمكم حواء ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾ غيركم من الأمم الفائتة للحصر.
أقول: وإنما التزم الإضمار في الأول والتخصيص في الثاني دفعاً للتكرار، ولا تكرار بالحقيقة إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس خلق زوجها منه ولا خلق الرجال والنساء من الأصلين جميعاً.
نعم لو كان المراد بقوله: ﴿ وخلق منها ﴾ إلى آخره بيان الخلق الأول وتفصيله، لكان الأولى عدم دخول الواو إلا أن المراد وصف ذاته بالأوصاف الثلاثة جميعاً من غير ترتيب يستفاد من النسق وإلا كان الأنسب أن يقال: "فبث" بالفاء.
فدل العطف بالواو في الجميع على أن المراد هو ما ذكرنا، وأن / التفصيل والترتيب موكول إلى قضية العقل فافهم والله تعالى أعلم.
ومعنى بث فرق ونشر.
وإنما خص وصف الكثرة بالرجال اعتماداً على الفهم، ولأن شهرة الرجال أتم فكانت كثرتهم أظهر.
وفيه تنبيه على أن اللائق بحال الرجال والاشتهار والخروج، واللائق بحال النسوان الاختفاء والخمول.
وإنما يقل الرجال والنساء معرفتين لئلا يلزم كونهما مبثوثين من نفسهما، ثم إن هذا البث معناه محمول على ظاهره عند من يرى أن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر مجتمعين في صلب آدم، وأما عند من ينكر ذلك فالمراد أنه بث منهما أولادهما، ومن أولادهما جمعاً آخرين وهلم جراً، فأضيف الكل إليهما على سبيل المجاز.
﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾ من قرأ بالنصب فللعطف على اسم الله أي واتقوا حق الأرحام فلا تقطعوها وهو اختيار أكثر الأئمة كمجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج.
وأما للعطف على محل الجار والمجرور كقوله: فلسنا بالجبال ولا الحديدا *** وهو اختيار أبى علي الفارسي وعلي بن عيسى.
وقيل: منصوب الإغراء أي والأرحام فاحفظوها وصلوها.
ومن قرأ بالجر فلأجل العطف على الضمير المجرور في ﴿ به ﴾ وهذا وإن كان مستنكراً عند النحاة بدون إعادة الخافض لأن الضمير المتصل من تتمة ما قبله ولا سيما المجرور فأشبه العطف على بعض الكلمة، إلا أن قراءة حمزة مما ثبت بالتواتر عن رسول الله فلا يجوز الطعن فيها لقياسات نحوية واهية كبيت العنكبوت.
وقد طعن الزجاج فيها من جهة أخرى وهي أنها تقتضي جواز الحلف بالأرحام وقد قال النبي : " "لا تحلفوا بآبائكم" والجواب أن المنهي عنه هو الحلف بالآباء وههنا حلف أولاً بالله ثم قرن به الرحم فأين أحدهما من الآخر؟
ولئن سلمنا أن الحلف بالرحم أيضاً منهي عنه لكن لا نسلم أنه منهي عنه مطلقاً، وإنما المنهي عنه ما حلف به على سبيل التعظيم، وأما الحلف بطريق التأكيد فلا بأس بها، ولهذا جاء في الحديث "أفلح وأبيه إن صدق" سلمنا أنها منهي عنها مطلقاً لكن المراد ههنا حكاية ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من قولهم في الاستعطاف والتساؤل وهو سؤال البعض البعض: أسألك بالله وبالرحم، وأنشدك الله والرحم.
وقرىء ﴿ والأرحام ﴾ بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف أي والأرحام كذلك أي أنها مما يتقى ويتساءل به.
فإن قيل: لم قال أولاً ﴿ اتقوا ربكم ﴾ ثم قال بعده ﴿ وااتقوا الله ﴾ ؟
قلنا: أما تكرار الأمر فللتأكيد كقولك للرجل: عجل عجل.
وأما تخصيص الرب بالأول والله بالثاني فلأن الغرض في الأول الترغيب بتذكير النعمة والإحسان والتربية، وفي الثاني الترهيب.
ولفظ الله يدل على كمال القدرة والقهر فكأنه قيل: إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته وإلا فإنه شديد العقاب فاتق سخطه.
قال العلماء: في الآية دليل على جواز المسألة بالله.
روى مجاهد عن عمر قال: قال رسول الله : " "من سألكم بالله فأعطوه" .
وعن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله بسبع..." منها إبرار القسم.
ولا يخفى ما في الآية من تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها حيث قرن الأرحام باسمه، وقال في سورة البقرة: ﴿ لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى ﴾ وعن عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله يقول: قال الله عز وجل: "أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته" وفي الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله : "الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله" .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص سمعت رسول الله يقول: " "ليس الواصل بالمكافىء الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها" عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله : " الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة " .
فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها، فلهذا بنى أصحاب أبي حنيفة على هذا الأصل مسألتين: إحداهما أن الرجل إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والأخت والعم والخال لأنه لو بقي الملك حل الاستخدام بالإجماع، لكن الاستخدام إيحاش وقطيعة رحم.
والثانية أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها حذراً من / الإيحاش والقطيعة.
ثم إنه ختم الآية بما يتضمن الوعد والوعيد فقال: ﴿ إن الله كان عليكم رقيباً ﴾ مراقباً يحفظ عليكم جميع أعمالكم فيجازيكم بحسبها.
ثم إنه بعد تقديم موجبات الشفقة على الضعفة ومن له رحم ماسة قال ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وأصل اليتيم الانفراد ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة.
فاليتامى هم الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم.
فاليتيم لغة يتناول الصغير والكبير إلا أنه في عرف الشرع اختص بالذي لم يبلغ الحلم.
قال : " لا يتم بعد الحلم" .
والمراد أنه إذا احتلم لا تجري عليه أحكام الصغار لأنه في تحصيل مصالحه يستغني بنفسه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره.
فإن قيل: إذا كان اسم اليتيم في الشرع مختصاً بالصغير فما دام يتيماً لا يجوز دفع أمواله إليه، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيماً فكيف قال: ﴿ وآتوا التيامى أموالكم ﴾ ؟
ففي الجواب طريقان: أحدهما أن المراد باليتامى الكبار البالغون، سماهم بذلك على مقتضى اللغة أو لقرب عهدهم باليتم كقوله: ﴿ فألقى السحرة ساجدين ﴾ أي الذين كانوا سحرة قبل السجود.
ويؤكد هذا الطريق قوله فيما بعد ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ والإشهاد لا يصح قبل البلوغ بل إنما يصح بعد البلوغ.
وقال : " تستأمر اليتيمة في نفسها " ولا تستأمر إلا وهي بالغة.
وعلى هذا يكون في الآية إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عند حد البلوغ ولا يمطلوا إن أونس منهم الرشد، وأن لا يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار، ويوافقه ما رواه مقاتل والكلبي أنها نزلت "في رجل من غطفان كان معه مال كثير لأبن أخ يتيم.
فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى رسول الله فنزلت الآية.
فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله.
فقال النبي : من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره - يعني جنته -.
فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله فقال النبي : ثبت الأجر وبقي الوزر.
فقالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بيقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟
فقال: ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده" .
قيل: لأنه كان مشركاً.
الطريق الثاني أن المراد بهم الصغار أي الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتيم أموالهم، وآتوهم من أموالهم ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم، والخطاب للأولياء والأوصياء.
﴿ ولا / تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ قال الفراء والزجاج: أي لا تستبدلوا الحرام - وهو مال اليتامى - بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه.
والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز كالتعجل بمعنى الاستعجال والتأخر بمعنى الاستئخار، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث - وهو اختزال أموال اليتامى والاعتزال عنها حتى تتلف - بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها.
وقال كثير من المفسرين: هذا التبدل هو أن يأخذ الجيد من مال اليتيم ويجعل مكانه الرديء، قال صاحب الكشاف: هذا ليس بتبدل وإنما هو تبديل.
يريد أن الباء في بدل تدخل على المأخوذ، وفي تبدل على المعطى.
ولما كان المأخوذ الطيب كان تبديلاً.
ثم وجهه بأنه لعله يكارم صديقاً له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي فيكون الباء في موضعه.
وقيل: معنى الآية أن يأكل مال اليتيم سلفاً مع التزام بدلة بعد ذلك فيكون متبدلاً الخبيث بالطيب.
﴿ ولا تأكلوا أموالهم ﴾ منضمة ﴿ إلى أموالكم ﴾ وفي الانفاق تسوية بين المالين في الحل ﴿ إنه ﴾ أي الأكل ﴿ كان حوباً كبيراً ﴾ ذنباً عظيماً.
والحاب مثله، والتركيب يدور على الضعف، والمراد بالأكل مطلق التصرف إلا أنه خص بالذكر لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف.
وقيل: "إلى" ههنا بمعنى "مع" والفائدة في زيادة قوله: ﴿ إلى أموالكم ﴾ أكل أموال اليتامى محرم على الإطلاق زيادة التقبيح والتوبيخ لأنهم إذا كانوا مستغنين عنها بما لهم من المال الحلال ومع ذلك طمعوا في مال اليتيم كانوا بالذم أحرى، ولأنهم كانوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم.
﴿ وإن خفتم ألاتقسطوا ﴾ أقسط الرجل عدل وقسط جار.
وقال الزجاج: أصلهما جميعاً من القسط وهو النصيب.
فإذا قالوا قسط فمعناه ظلم صاحبه في قسطه من قولهم: قاسطته فقسطته أي غلبته على قسطه.
وإذا قالوا أقسط بالهمز فمعناه صار ذا قسط مثل أنصف إذا أتى بالنصف فيلزمه العدالة والتسوية.
واعلم أن قوله: ﴿ وإن خفتم ﴾ شرط وقوله: ﴿ فانكحوا ﴾ جواب له.
ولا بد من بيان أن هذا الجزاء كيف يتعلق بهذا الشرط وللمفسرين فيه وجوه: الأول ما روي عن عروة "أنه قال: قلت لعائشة: ما معنى قول الله : ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ﴾ فقالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب الرجل في مالها وجمالها إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها.
ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة ردية لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها.
فقال وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا غيرهن ما طاب لكم من العدد.
قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله ﴿ يستفتونك في النساء ﴾ الآية." فقوله فيها: ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب / في يتامى النساء ﴾ المراد منه هذه الآية وهي قوله: ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾ .
وعبر في الكشاف عن هذه الرواية بعبارة أخرى وهي: كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال أو يكون وليها فيتزوجها ضناً بها عن غيره، فربما اجتمعت عنده عشر منهن فيخاف لضعفهن وفقد من يغضب لهن أن يظلمهن حقوقهن ويفرط فيما يجب لهن فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ﴿ ما طاب لكم ﴾ .
الثاني وهو قول سعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي منقولاً عن ابن عباس: لما نزلت الآية المتقدمة وما في أكل أموال اليتامى من الحوب الكبير، خاف الأولياء لحوق الحوب فتحرجوا من ولاية اليتامى.
وكان الرجل منهم ربما كانت تحته العشر من الأزواج وأكثر فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهم فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فكونوا خائفين من ترك العدل بين النساء لأنهن كالتيامى في تعجيز والضعف، فقللوا عدد المنكوحات لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فكأنه غير متحرج.
الثالث: كانوا لا يتحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم ذلك فكونوا خائفين من الزنا أيضاً وانكحوا ما حل لكم من النساء.
الرابع روي عن عكرمة كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام فإذا أنفق مال نفسه على النسوة أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن.
فقيل: إن خفتم أن تظلموا اليتامى بأكل أموالهم عند كثرة الزوجات فقد حظرت لكم أن تنكحوا أكثر من أربع ليزول هذا الخوف، فإن خفتم في الأربع أيضاً فواحدة، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع والناقص وهو الواحدة، ونبه بذلك على ما بينهما فكأنه قيل: إن خفتم الأربع فثلاثاً وإن خفتم فاثنتين وإن خفتم فواحدة.
قال الظاهريون: النكاح واجب لقوله: ﴿ فانكحوا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب.
وعورض بقوله : ﴿ ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم ﴾ ولو سلم فالوجوب بحالة الخوف فلا يلزم منه الوجوب على الإطلاق وأيضاً الآية سيقت لبيان وجوب تقليل الأزواج لا لأصل الوجوب وإنما قال: ﴿ ما طاب ﴾ ولم يقل من طاب لأنه أراد به الجنس.
تقول: ما عندك؟
فيقال: رجل أو امرأة.
تريد ما ذلك الشيء الذي عندك أو ما تلك الحقيقة.
ولأن الإناث من العقلاء تنزل منزلة غير العقلاء ومنه قوله : ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ ولأن "ما" و"من" يتعاقبان.
قال ﴿ والسماء وما بناها ﴾ ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ {النور:45].
قال المفسرون: معنى ﴿ ما طاب لكم ﴾ أي ما حل لكم من النساء لأن فيهن من يحرم نكاحها كما سيجيء.
واعترض عليه الإمام بأن قوله: ﴿ فانكحوا ﴾ أمر إباحة فيؤول المعنى إلى قوله: أبحت لكم نكاح من هي مباحة لكم وهذا كلام مستدرك سلمناه، لكن الآية تصير مجملة لأن أسباب الحل والإباحة غير مذكورة في هذه الآية.
وإذا حملنا الطيب / عن استطابة النفس وميل القلب كانت الآية عامة دخلها التخصيص وأنه أولى من الإجمال عند التعارض لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجمل لا يكون حجة أصلاً، والجواب عن الأول أن ذكر الشيء ضمناً ثم صريحاً لا يعد تكراراً بدليل قوله: ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ } [البقرة:57] وعن الثاني أن قوله: ﴿ ما طاب لكم ﴾ بمعنى ما حل لكم إذا كان إشارة إلى ما بقي بعد ما أخرجته آية التحريم فلا إجمال.
وأما قوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ ولم يوجد في كلام الفصحاء إلا هذه، وأحاد وموحد وجوّزوا إلى عشار ومعشر قياساً على قول الكميت: ولم يستر يثوك حتى رميت *** فوق الرجال خصالاً عشارا فاتفق النحويون على أن فيها عدلاً محققاً.
وذلك أن فائدتها تقسيم أمر ذي أجزاء على عدد معين، ولفظ المقسوم عليه في غير العدد مكرر على الإطراد في كلام العرب نحو: قرأت الكتاب جزءاً جزءاً، وجاءني القوم رجلاً رجلاً وجماعة جماعة.
وكان القياس في باب العدد أيضاً التكرير عملاً بالاستقراء وإلحاقاً للفرد المتنازع فيه بالأعم الأغلب، فلما وجد ثلاث مثلاً غير مكرر لفظاً حكم بأن أصله لفظ مكرر وليس إلأ ثلاثة ثلاثة.
فعند سيبويه منع صرف مثل هذا للعدل والوصف الأصلي، فإن هذا التركيب لم يستعمل إلا وصفاً بخلاف المعدول عنه.
وقيل: إن فيه عدلاً مكرراً من حيث اللفظ لأن أصله كان ثلاثة ثلاثة مرتين فعدل إلى واحد ثم إلى لفظ ثلاث أو مثلث.
وقيل: إن فيه العدل والتعريف إذ لا يدخله اللام خلافاً لما في الكشاف.
وإذا جرى على النكرة فمحمول على البدل، وضعف بعدم جريانه على المعارف ولوقوعه حالاً.
فمعنى الآية فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثاً وثلاثاً وأربعاً أربعاً، فإن خفتم أن لا تعدلوا بين هذه الأعداد فواحدة.
فمن قرأ بالنصب أراد: فاختاروا أو انكحوا أو الزموا واحدة، ومن قرأ بالرفع أراد: فكفت واحدة أو فحسبكم واحدة وذروا الجمع رأساً فإن الأمر كله يدور مع العدل فأينما وجدتموه فعليكم به.
ثم قال: ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ فسوّى في السهولة بين الحرة الواحدة وبين ما شاء من الإماءة لأنهن أقل تبعة وأخف مؤنة من المهائر لا على المرء أكثر منهن أو أقل، عدل بينهن في القسم أم لم يعدل، عزل عنهن أم لم يعزل، ولما كانت التسوية بينها وبينهن احتج بها الشافعي في بيان أن نوافل العبادات أفضل من النكاح وذلك للإجماع على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري، فوجب أن يكون أفضل من النكاح لأن الزائد على أحد المتساويين يكون زائداً على المساوي الآخر، ولمانع أن يمنع التسوية فإن قول الطبيب مثلاً / للمريض: كل التفاح أو الرمان يحتمل أن يكون للتسوية بينهما وقد يكون للمقاربة أي إن لم تجد التفاح فكل الرمان فإنه قريب منه في دفع الحاجة للضرورة، ومع وجود هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال على أن فضل الحرة على الأمة معلوم شرعاً وعقلاً.
وههنا مسألتان: الأولى أكثر الفقهاء على أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد، لأن هذا الخطاب إنما يتناول إنساناً متى طابت له امرأة قدر على نكاحها والعبد ليس كذلك لأنه لا يمكن من النكاح إلا بإذن مولاه.
وأيضاً إنه قال بعد ذلك ﴿ فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ﴾ وهذا لا يكون إلا للأحرار، فكذا الخطاب الأوّل لأن هذه الخطابات وردت متتالية على نسق واحد فيبعد أن يدخل التقييد في اللاحق دون السابق.
وكذا قوله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ والعبد لا يأكل فيكون لسيده.
وقال مالك: يحل للعبد أن يتزوج بالأربع تمسكاً بظاهر الآية.
ومن الفقهاء من سلم أن ظاهر الآية يتناول العبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس.
قالوا: أجمعنا على أن الرق له تأثير في نقصان حقوق النكاح كالطلاق والعدة، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر.
الثانية ذهب جماعة إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد لأن قوله: ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ إطلاق في جميع الأعداد لصحة استثناء كل عدد منه، وقوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ لا يصلح مخصصاً لذلك العموم لأن تخصيص بعض الأعداد بالذكر لا ينافي ثبوت الحكم في الباقي، بل نقول: ذكرها يدل على نفي الحرج والحجر مطلقاً، فإن من قال لولده افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدرسة وإلى البستان كان تصريحاً في أن زمام الاختيار بيده ولا يكون تخصيصاً.
وايضاً ذكر جميع الأعداد متعذر، فذكر بعضها تنبيه على حصول الإذن في جميعها.
ولئن سلمنا لكن الواو للجمع المطلق فيفيد الإذن في جمع تسعة بل ثمانية عشر لتضعيف كل منها.
وأما السنة فلما ثبت بالتواتر أنه مات عن تسع وقد أمرنا باتباعه في قوله: ﴿ فاتبعوه ﴾ وأقل مراتب الأمر الإباحة، وقد قال " "فمن رغب عن سنتي فليس مني" والمعتمد عند الجمهور في جوابهم أمران: أحدهما الخبر كنحو ما روي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال : " أمسك أربعاً وفارق واحدة" وزيف بأن القرآن دل على عدم الحصر، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز، وبأن الأمر بمفارقة الزائدة قد يكون لمانع النسب أو الرضاع.
وأقول: إن القرآن لم / يدل على عدم الحصر، غايته أنه لم يدل على الحصر فيكون مجملاً.
وبيان المجمل بخبر الواحد جائز, وأيضاً قوله "أمسك أربعاً" على الإطلاق وكذا "فارق واحدة" دليل على أن المانع هو الزيادة على الأربع لا غيرها، وكذا في نظائر هذا الحديث.
وثانيهما إجماع فقهاء الأمصار.
وضعف بأن الإجماع مع وجود المخالف لا ينعقد، وبتقدير التسليم فإن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به.
والجواب أن المخالف إذا كان شاذاً فلا يعبأ به، والقرآن لم يدل على عدم الحصر حتى يلزم نسخ الإجماع إياه ولكن الإجماع دل على وجود مبين في زمان الرسول .
ولئن سلم أن القرآن دل على عدم الحصر فالإجماع يكشف عن وجود ناسخ في عهده وذلك جائز بالاتفاق.
لا يقال: فعلى تقدير الحصر كان ينبغي أن يقال مثنى أو ثلاث أو رباع بأو الفاصلة، لأنا نقول: يلزم حينئذٍ أن لا يجوز النكاح إلا على أحد هذه الأقسام، فلا يجوز لبعضهم أن يأتي بالتثنية، ولفريق ثان بالتثليث، والآخرين بالتربيع، فيذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو.
﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ أي اختيار الواحدة أو التسري أقرب من أن لا تميلوا أو لا تجوروا.
وكلا اللفظين مروي عن عائشة عن النبي من قولهم: عال الميزان عولاً إذا مال.
وعال الحاكم في حكمه إذا جار.
ومنه عالت الفريضة إذا زادت سهامها.
وفيه الميل عن الاعتدال.
وقيل: معناه أن لا تفتقروا.
ورجل عائل أي فقير وذلك أنه إذا قل عياله قلت نفقاته فلم يفتقر.
ونقل عن الشافعي أنه قال: معناه أن لا تكثروا عيالكم.
وطعن فيه بعض القاصرين بأن هذا في اللغة معنى "تعيلوا" لا معنى "تعولوا" يقال: أعال الرجل إذا كثر عياله.
ومنه قراءة طاوس ﴿ أن لا تعيلوا ﴾ وأيضاً إنه لا يناسب أول الآية ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾ وأيضاً هب أنه يقل العيال في اختيار الحرة الواحدة، فكيف يقل عند اختيار التسري ولا حصر لهن؟
والجواب عن الأوّل أن الشافعي لم يذهب إلى تفسير اللغة وإنما زعم أنه أشار إلى الشيء بذكر لازمه أي جعل الميل والجور كناية عن كثرة العيال، لأن كثرة العيال لا تنفك عن الميل والجور.
وقرر الكناية في الكشاف على وجه آخر، وهو أنه جعل قوله : ﴿ أن لا تعولوا ﴾ من عال الرجل عياله يعولهم كقولك: مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم.
ولا شك أن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما تصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال.
فالحاصل أنه ذكر اللازم وهو الإنفاق وأراد الملزوم وهو كثرة العيال.
والحاصل على ما قلنا أنه ذكر اللازم وهو الميل والجور وأراد الملزوم وهو كثرة العيال.
والجواب عن الثاني أن حمل الكلام على ما لا يلزم منه تكرار أولي وبتقدير التسليم فتفسير الشافعي أيضاً يؤل إلى تفسير الجمهور لكن بطريق الكناية كما قررنا.
وعن الثالث أن / الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب فينفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضاً فكأنه لا عيال.
وأيضاً إذا عجز المولى باعهن وتخلّص منهن بخلاف المهائر فإن الخلاص عنهن يفتقر إلى تسليم المهر إليهن.
وقال في الكشاف: العزل عن السراري جائز بغير إذنهن فكن مظان قلة الولد بالإضافة إلى التزوج.
﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ أي مهورهن.
والخطاب للأزواج وهو قول علقمة وقتادة والنخعي واختيار الزجاج لأن ما قبله خطاب للناكحين.
وقيل: خطاب للأولياء لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي البنات من مهورهن شيئاً، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له ابنة: هينئاً لك النافجة - يعنون أنك تأخذ مهرها إبلاً فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه.
وقال ابن الأعرابي: النافجة ما يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته.
فنهى الله عن ذلك وأمر بدفع الحق إلى أهله، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة.
قال القفال: يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة فيكونوا قد أمروا بدفع المهور التي سموها لهن، ويحتمل أن يراد الالتزام كقوله: ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يد ﴾ أي حتى يضمنوها ويلتزموها.
فيكون المعنى أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلتزم سواء سمي ذلك أو لم يسم إلا ما خص به الرسول من الموهوبة.
قال: ويجوز أن يراد الوجهان جميعاً.
أما قوله نحلة فقد قال ابن عباس وقتادة ابن جريج وابن زيد: أي شريعة وديانة.
فيكون مفعولاً له، أو حالاً من الصدقات أي ديناً من الله شرعه وفرضه.
وقال الكلبي: أي عطية وهبة فيكون نصباً على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، أو الحال على من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء من غير مطالبة منهن، لأن ما يؤخذ بالمطالبة لا يسمى نحلة، أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيب نفس، وإنما سميت عطية من الزوج لأن الزوج لا يملك بدله شيئاً، لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله.
وإنما الذي استحقه الزوج هو الاستباحة لا الملك.
والنحلة العطية من غير بدل.
وقال قوم: إن الله جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركاً بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر وكان ذلك عطية من الله ابتداء.
ثم لما أمرهم بإيتاء الصدقات أباح لهم جواز قبول إبرائها وهبتها.
وانتصب ﴿ نفساً ﴾ على التمييز وإنما وحد لأنه لا يلبس أن النفس لهن لأنهن أنفس ولو جمعت لجاز، والضمير في ﴿ منه ﴾ للصداق أو للمذكور في قوله: ﴿ طبن ﴾ وبناء الكلام على الإبهام ثم التمييز دون أن يقول سمحن أو وهبن.
وفي قوله: ﴿ عن شيء منه ﴾ دون أن يقول عنه تنبيه على أن قبول ذلك إنما يحل إذا طابت نفوسهن بالهبة من غير اضطرار وسوء معاشرة من الزوج يحملهن على ذلك وبعث لهن على تقليل الموهوب، / ولهذا ذكر الضمير في ﴿ منه ﴾ لينصرف إلى الصداق الواحد فيكون متناولاً بعضه، ولو أنث لتناول ظاهرة هبة الصداق كله لأن بعض الصدقات واحدة منها أو أكثر.
ومن هذا التقرير يظهر أن "من" في قوله: ﴿ منه ﴾ للتبعيض إخراجاً للكلام مخرج الغالب مع فائدة البحث المذكور لأنه لا يجوز هبة كل الصداق إذا طابت نفسها عن المهر بالكلية، ومن غفل عن هذه الدقيقة زعم أن "من" للتبيين والمعنى عن شيء هو هذا الجنس يعني الصداق.
﴿ فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه.
وقيل: الهنيء ما يستلذه الآكل، والمريء ما تحمد عاقبته.
وقيل: هو ما ينساغ في مجراه ومنه يقال: المريء لمجرى الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة.
وقيل: أصله من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران.
فالهنيء شفاء من الجرب.
وبالجملة فهو عبارة عن التحلل أو المبالغة في إزالة التبعة في الدنيا والآخرة.
وهما صفتان للمصدر أي أكلاً هنياً مريئاً، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء.
وقد يوقف على قوله: ﴿ فكلوه ﴾ ويبتدأ ﴿ هنيئاً مريئاً ﴾ على الدعاء أو على أنهما قاما مقام مصدريهما أي هنأ مرأ.
والمراد بالأكل التصرف الشامل للعين والدين.
قال بعض العلماء: إن وهبت ثم طلبت علم أنها لم تطب عنه نفساً.
وعن عمر أنه كتب إلى قضاته أن النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها.
وعن ابن عباس "أن رسول الله سئل عن هذه الآية فقال: إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهه لا يقضي به عليكم سلطان ولا يؤاخذكم الله به في الآخرة" .
ثم إنه لما أمر بإيتاء اليتامى أموالهم ويدفع صدقات النساء إليهن، استثنى منهم خفاف الأحلام وإن بلغوا أوان التكليف فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ أكثر العلماء على أن هذا الخطاب للأولياء.
فورد أن الأنسب أن لو قيل لأموالهم.
وأجيب بأنه إنما حسنت إضافة الأموال إلى المخاطبين إجراء للوحدة النوعية مجرى الوحدة الشخصية كقوله: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه ولكن كان بعضهم يقتل بعضاً فقيل: "أنفسكم" لأن الكل من نوع واحد فكذا هنا المال شيء ينتفع به الإنسان ويحتاج إليه، فلهذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم، ويحتمل أن يضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه بل لأنهم ملكوا التصرف فيه، ويكفي في حسن الإضافة أدنى سبب.
وقيل: خطاب للآباء نهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم سفهاء أن يدفعوا أموالهم أو بعضها إليهم.
فعلى هذا تكون إضافة الأموال إليهم حقيقة.
والغرض الحث على حفظ المال وأنه إذا قرب أجله يجب عليه أن يوصي بماله إلى أمين يحفظه على ورثته.
وقد يرجح القول بأن ظاهر النهي للتحريم، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله.
وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السفهاء أموالهم، وأيضاً قوله: ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ هذه الأوامر تناسب حال الأولياء لا الآباء.
وأقول: لا يبعد حمل الآية على كلا القولين، لأن الإضافة في أموالكم لا تفيد إلا الاختصاص سواء كان اختصاص الملكية أو اختصاص التصرف.
واختلفوا في السفهاء فعن مجاهد والضحاك أنها النساء أزواجاً كن أو أمهات أو بنات، وهو مذهب ابن عمرو يدل عليه ما روى أبو أمامة عن النبي : "ألا إنما خلقت النار للسفهاء" يقولها ثلاثاً.
وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيمها.
وقد جمع فعيلة على فعلاء كفقيرة وفقراء.
وقال الزهري وابن زيد: هم الأولاد الخفاف العقول.
وعن ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحداً منهما على ماله.
والصحيح أن المراد بالسفهاء كل من ليس له عقل يفي بحفظ المال ولا يد له بإصلاحه وتثميره والتصرف فيه، ويدخل فيه النساء والصبيان والأيتام والفساق وغيرهم مما لا وزن لهم عند أهل الدين والعلم بمصالح الدارين، فيضع المال فيما لا ينبغي ويفسده.
ومعنى ﴿ جعل الله لكم قياماً ﴾ أنه لا يحصل قيامكم وانتعاشكم إلا به.
سماه بالقيام إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.
ومن قرأ ﴿ قيماً ﴾ فعلى حذف الألف من ﴿ قياماً ﴾ وهو مصدر قام وأصله قوام قلبت الواو ياء لإعلال فعله.
فإن لم يكن مصدراً لم يعل كقوام لما يقام به.
وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالاً يحاسبني الله عليه خير من أحتاج إلى الناس.
وقال عبد الله بن عباس: الدراهم والدنيانير خواتيم الله في الأرض لا تؤكل ولا تشرب حيث قصدت بها قضيت حاجتك.
وقال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حمداً ومجداً فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال.
وقيل لأبي الزناد: لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟
قال: هي وإن أدنتني فقد صانتني عنها.
وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه.
وربما رأوا رجلاً في تشييع جنازة فقالوا له: اذهب إلى مكانك.
وقال بعض الحكماء: من أضاع ماله فقد ضارّ الأكرمين: الدين العرض.
وفي منثور الحكم: من استغنى كرم على أهله.
وفيه: الفقر مخذلة، والغنى مجدلة، والبؤس مرذلة، والسؤال مبذلة.
وكان يقال: الدراهم مراهم لأنها تداوي كل جرح ويطيب بها كل صلح.
وقال أبو العتاهية: أجلك قوم حين صرت إلى الغنى *** وكل غني في العيون جليل إذا مالت الدنيا على المرء رغبت *** إليه ومال الناس حيث تميل وليس الغنى إلا غنى زين الفتى *** عشية يقرى أو غداة ينيل وقد اختلف أقوال الناس في تفضيل الغنى والفقر مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم.
فذهب قوم إلى تفضيل الغنى على الفقر، لأن الغني مقتدر والفقير عاجز والقدرة أفضل من العجز.
وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة.
وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر على الغنى، لأن الفقير تارك والغنى ملابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها وهذا قول من غلب عليه حب السلامة.
وقال الباقون: خير الأمر أوساطها، والفضل للاعتدال بين الفقر والغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين، ويسلم من مذمة الحالين.
ومن كلفته النفس فوق كفافها *** فما ينقضي حتى الممات عناؤه والحاصل أن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بمصالح الدارين، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال، فبذلك يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار ولهذا رغب الله في حفظه ههنا.
وفي آية المداينة حيث أمر بالكتاب والشهادة والرهان المقبوضة، فمن أراد الدنيا لهذا الغرض فنعمت المعونة هي، ومن أرادها لعينها فيا لها من حسرة وندامة.
ثم إنه أمر بعد ذلك بثلاثة أشياء وذلك قوله: ﴿ وارزقوهم فيها ﴾ وإنما لم يقل"منها" كيلا يكون أمراً بجعل بعض أموالهم رزقاً لهم فيأكلها الإنفاق، بل أمر بأن يجعلوها مكاناً لرزقهم بأن يتجروا فيها ويربحوها حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من أصول الأموال وصلبها ﴿ واكسوهم ﴾ كل من الرزق والكسوة بحسب المصلحة وكما يليق بحال أمثالهم ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ قال ابن جريج ومجاهد: هو عدة جميلة من البر والصلة.
وقال ابن عباس: هو مثل أن يقول: إذا ربحت في سفري هذا فعلت بك ما أنت أهله، وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً.
وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن وجبت نفقته عليك فقل: عافانا الله وإياك وبارك الله فيك.
وقال الزجاج: علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم بما يتعلق بالعلم والعمل.
وقال القفال: إن كان صبياً فالوالي يعرّفه أن المال ماله وأنه إذا زال صباه فإن يرّد المال إليه كقوله: ﴿ فأما اليتيم فلا تقهر ﴾ أي لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد وإن كان سفيهاً، وعظه ونصحه وحثه على الصلاة وعرفه أن عاقبة الإسراف فقر واحتياج.
وبالجملة فكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنة عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل فهو معروف، وما نفرت من لقبحه فمنكر، ثم بيّن أن السفهاء متى يؤتون أموالهم فشرط في ذلك شرطين: أحدهما بلوغ النكاح والثاني إيناس / الرشد منهم.
فبلوغ النكاح أن يحتمل لأنه يصلح للنكاح عنده، ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد ومناط الاحتلام خروج المني، ويدخل وقت إمكانه باستكمال تسع سنين قمرية أو يبلغ خمس عشرة سنة تامة قمرية عند الشافعي، وثماني عشرة عند أبي حنيفة.
وهذان مشتركان بين الغلام والجارية ولها أمارتان أخريان: الحيض أو الحبل، ولطفل الكفار أمارة زائدة هي إنبات الشعر الخشن على العانة.
وأما الإيناس ففي اللغة الإبصار.
والمراد في الآية التبين والعرفان.
والرشد خلاف الغيّ.
ومعنى قوله: ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ اختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل البلوغ، ومن هنا قال أبو حنيفة: تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة لأن الابتلاء المأمور به قبل بلوغهم إنما يحصل إذا إذن له في البيع والشراء.
وقال الشافعي: الابتلاء قبل البلوغ لا يقتضي الإذن في التصرف لأن الإذن يتوقف على دفع المال إليهم، ولكن لا يصح دفع المال إليهم لأنه موقوف على الشرطين.
بل المراد بالابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله حسبما يليق بكل طائفة.
فولد التاجر يختبر في البيع والشراء بحضوره، ثم باستكشاف ذلك البيع والشراء منه وما فيهما من المصالح والمفاسد.
وقد يدفع إليه شيئاً ليبيع أو يشتري فيعرف بذلك مقدار فهمه وعقله، ثم الولي بعد ذلك يتم العقد لو أراد.
وولد الزارع يختبر في أمر المزارعة والإنفاق على القوّام بها، وولد المحترف فيما يتعلق بحرفته، والمرأة في أمر القطن والغزل وحفظ الأقمشة وصون الأطعمة عن الهرة والفأرة وما أشبهها.
ولا يكفي المرة الواحدة في الاختبار بل لا بد من مرتين وأكثر على ما يليق بالحال ويفيد غلبة الظن أنه رشد نوعاً من الرشد يختص بحاله، لا الرشد من جميع الوجوه وعلى أكمل ما يمكن ولهذا ورد منكراً.
وقد ظهر مما ذكرنا أنه لا بد بعد البلوغ من الرشد فيما يتعلق بصلاح ماله بحيث لا يقدر الغير على خديعته.
ثم إن أبا حنيفة قال: إذا بلغ مهتدياً إلى وجوه مصالح الدنيا فهو رشيد يدفع إليه ماله.
وقال الشافعي: لا بد مع ذلك من الاهتداء لمصالح الدين، فإن الفاسق لا يخلو من إتلاف المال في الوجوه الفاسدة المحرمة، وقد نفى الله الرشد عن فرعون في قوله ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ مع أنه كان يراعي مصالح الدنيا.
ويتفرع على القولين أن الشافعي يرى الحجر على الفاسق وأبا حنيفة لا يراه.
ثم إنه إذا بلغ غير رشيد واستمر على ذلك لم يدفع إليه ماله بالاتفاق إلى خمس وعشرين سنة، وفيما وراء ذلك خلاف.
فعند أصحاب أبي حنيفة وعند الشافعي لا يدفع إليه أبداً إلا بإيناس الرشد كما هو مقتضى الآية.
وعند أبي حنيفة يدفع لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة، فإيذا زادت عليها سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لقوله : "مروهم بالصلاة لسبع" دفع إليه ماله، أونس منه رشد أو لم يؤنس.
ثم قال: ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ﴾ مصدران في موضع الحال أي مسرفين ومبادرين كبرهم، أو مفعول لهما أي لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم، والإسراف التبذير ضد القصد والإمساك.
والكبر في السن وقد كبر الرجل بالكسر يكبر بالفتح كبراً أي أسن، وكبر بالضم يكبر كبراً وكبارة أي عظم.
نهاهم عن الإفراط في الإنفاق كما يشتهون قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيديهم ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ﴾ فليمتنع منه وليتركه.
وفي السين زيادة مبالغة كأنه طلب مزيد العفة ﴿ ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ وللعلماء خلاف في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم؟
قال الشافعي: له أن يأخذ قدر ما يحتاج إليه وبقدر أجرة عمله، لأن النهي في الآية عن الإسراف مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة، ولا سيما إذا كان فقيراً، ولما روي عن النبي "أن رجلاً قال له: إن في حجري يتيماً أفآكل من ماله؟
قال: بالمعروف غير متأثل مالاً ولا واق مالك بماله.
قال: أفأضربه؟
قال: مما كنت ضارباً منه ولدك" وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف: سلام عليكم.
أما بعد فإني قد رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار، وربعها لعبد الله بن مسعود، وربعها لعثمان ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله منزلة والي مال اليتيم، ﴿ من كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ .
وأيضاً قياساً على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها فإنه يضرب له في تلك الصدقات بسهم، فكذا هنا.
وعن سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه قرضاً، ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه.
وأكثر العلماء على أن هذا الافتراض إنما جاء في أصول الأموال من الذهب والفضة وغيرهما.
وأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب فمباح له إذا كان غير مضر بالمال.
وقال أبو بكر الرازي: الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذه لا على سبيل القرض ولا على سبيل الابتداء، سواء كان غنياً أو فقيراً، واحتج بقوله ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وأجيب بأنها عامة.
وقوله: ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ خاص والخاص مقدم على العام.
قال: ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ وأجيب بأن محل النزاع هو أن أكل الوصي مال اليتيم ظلم أو لا؟
قال: ﴿ وأن تقوموا لليتامى بالقسط ﴾ وهو أيضاً عين النزاع.
ثم اعلم أن الأئمة اتفقوا على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه رشيداً فالأولى والأحوط أن يشهد عليه إظهاراً / للأمانة وبراءة من التهمة.
ولكن اختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه فهل هو مصدق؟
فقال أبو حنيفة وأصحابه: يصدق بيمينه كسائر الأمناء.
وقال مالك والشافعي: لا يصدق إلا بالبينة لأنه نص على الإشهاد فقال: ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ وظاهر الأمر للوجوب، ولأنه أمين من جهة الشرع لا من جهة اليتيم، وليس له نيابة عامة كالقاضي، ولا كمال الشفقة كالأب.
نعم يصدق في قدر النفقة وفي عدم التقتير والإسراف لعسر إقامة البينة على ذلك وتنفيره الناس عن قبول الوصاية ﴿ وكفى بالله حسيباً ﴾ أي كافياً في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو محاسباً كالشريب بمعنى المشارب، وفيه تهديد للولي ولليتم أن يتصادقوا ولا يتكاذبوا.
والباء في ﴿ بالله ﴾ زائدة نظراً إلى أصل المعنى وهي كفى الله.
و ﴿ حسيباً ﴾ نصب على التمييز، ويحتمل الحال.
ثم من ههنا شرع في بيان المواريث والفرائض.
قال ابن عباس: "إن أوس بن ثابت الانصاري توفي وترك امرأة يقال لها أم كجة وثلاث بنات له منها.
فقام رجلان - هما ابنا عم الميت ووصياه سويد وعرفجة - فأخذا ماله ولم يعيطيا امرأته ولا بناته شيئاً، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكراً، إنما يورثون الرجال الكبار وكانوا يقولون لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة، قال: فجاءت أم كجة إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله، إن أوس بن ثابت مات وترك لي بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالاً حسناً وهو عند سويد وعرفجة ولم يعطياني ولا بناته من المال شيئاً.
فدعاهما رسول الله صلى الله وسلم فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً، ولا يحمل كلاً، ولا ينكي عدوّاً.
فقال رسول الله : انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن.
فانصرفوا فأنزل الله ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ الآية.
فبعث إليهما لا تقربا من مال أوس شيئاً فإن الله قد جعل لهن نصيباً، ولم يبين حتى يتبين فنزلت ﴿ يوصيكم الله ﴾ فأعطى أم كجة الثمن، والبنات الثلثين، والباقي ابني العم" .
وسبب الإجمال في الآية ثم التفصيل فيما بعد، هو أن الفطام من المألوف شديد، والتدرج في الأمور دأب الحكيم، وهكذا قد نزل الأحكام والتكاليف شيئاً بعد شيء إلى أن كملت الشريعة الحقة وتم الدين الحنيفي ﴿ مما قل منه أو كثر ﴾ بدل ﴿ مما ترك ﴾ تكرير العامل و ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ نصب على الاختصاص تقديره أعني نصيباً ومقطوعاً مقدراً لا بد لهم أن يحوزوه، أو على المصدر المؤكد كأنه قيل: قسمة مفروضة.
احتج بعض أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام كالعمات والخالات والأخوال وأولاد البنات، لأن الكل من الأقربين.
غاية ما في الباب أن مقدار أنصبائهم غير مذكور ههنا إلا أنا / نثبت بالآية استحقاقهم لأصل النصيب، ونستفيد المقادير من سائر الدلائل.
وأجيب بأنه قال: ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ وبالإجمال ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر.
وايضاً الواجب عندهم ما علم ثبوته بدليل مظنون، والمفروض ما علم بدليل قاطع، وتوريث ذوي الأرحام ليس من هذا القبيل بالاتفاق، فعرفنا أنه غير مراد من الآية.
وأيضاً ليس المراد بالأقربين من له قرابة ما وإن كانت بعيدة وإلا دخل جميع أولاد آدم فيه.
فالمراد إذن أقرب الناس إلى الوارث، وما ذاك إلا الوالدين والأولاد.
ودخول الوالدين في الأقربين يكون كدخول النوع في الجنس، فلا يلزم تكرار والله أعلم.
قال المفسرون: أنه لما ذكر في الآية للنساء أسوة بالرجال في أن لهن حظاً من الميراث، وعلم أن في الأقارب من يرث وفيهم من لا يرث وربما حضروا القسمة فلا يحسن حرمانهم قال: ﴿ وإذا حضر القسمة أولو القربى ﴾ الآية.
ثم منهم من قال بوجوبه ومنهم من قال باستحبابه.
وعلى الوجوب فعن سعيد بن المسيب والضحاك أنها منسوخة بآية المواريث، وعن أبي موسى الأشعري وإبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير أنها محكمة لكنها مما تهاون به الناس، قال الحسن: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات واليتامى والمساكين من الورق والذهب، فإذا آل الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولاً معروفاً.
كانوا يقولون لهم: ارجعوا بورك فيكم.
وعلى الاستحباب وهو مذهب فقهاء الأمصار اليوم قالوا: إن هذا الرضخ يستحب إذا كانت الورثة كباراً، أما إذا كانوا صغاراً فليس إلا القول المعروف كأن يقول الولي: إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعرفون ما عليهم من الحق، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم.
والضمير في ﴿ منه ﴾ إما أن يعود إلى ما ترك، وإما إلى الميراث بدليل ذكر القسمة.
وقيل: المراد قسمة الوصية.
وإذا حضرها من لا يرث من الأقرباء واليتامة والمساكين، أمر الله الموصي أن يجعل لهم نصيباً من تلك الوصية ويقول لهم مع ذلك قولاً معروفاً.
وقيل: أولو القربى الوارثون واليتامى والمساكين الذين لا يرثون.
وقوله: ﴿ وقولوا لهم ﴾ راجع إلى هؤلاء الذين لا يرثون.
ويحكى هذا القول عن سعيد بن جبير.
﴿ وليخش الذين لو تركوا ﴾ الجملة الشرطية وهي "لو" مع ما في حيزه صلة الذين.
والمعنى ليخشى الذين من صفتهم وحالهم أنهم لو تركوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم, وأما المخشى فغير منصوص عليه.
قال بعض المفسرين: هم الأوصياء أمروا بأن يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً، أو أمروا بأن يخشوا على اليتامى من الضياع كما يخشون على أولادهم لو تركوهم، وعلى هذا فيكون القول السديد أي الصواب.
القصد أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالقول الجميل ويدعوهم بيا بني ويا ولدي، وهذا القول أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام.
نبههم الله على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها ليكون ذلك أجدر ما يدعوهم إلى حفظ مال اليتيم كما قال القائل: لقد زاد الحياة إليّ حباً *** بناتي إنهن من الضعاف أحاذر أن يرين البؤس بعدي *** وأن يشربن رنقاً بعد صافي وقيل: هم الذين يجلسون إلى المريض فيقولون: إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئاً.
فقدِّم مالك، ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن يستغرق المال بالوصايا.
فأمروا بأن يخشوا ربهم ويخشوا على أولاد المريض خوفهم على أولاد أنفسهم لو كانوا.
وعلى هذا تكون الآية نهياً للحاضرين عن الترغيب في الوصية.
والقول السديد أن يقولوا للمريض لا تسرف في الوصية فتجحف بأولادك مثل قول رسول الله لسعد: "الثلث كثير" .
وكان الصحابة م يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث وإن الخمس أفضل من الربع والربع من الثلث.
وقيل: يجوز أن تتصل الآية بما قبلها فيكون أمراً للورثة بالشفقة على الذين يحضرون القسمة من الضعفاء، وأن يتصوروا أنهم لو كانوا أولادهم خافوا عليهم الحرمان.
وعن حبيب بن ثابت سألت مقسماً عن الآية.
فقال: هو الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب فيقول له من كان عنده: اتق الله وأمسك على ولدك مالك.
مع أن ذلك الإنسان يحب أن يوصي له.
وعلى هذا يكون نهياً عن الوصية ولا يساعده قوله: ﴿ لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ﴾ ثم أكد الوعيد في باب إهمال مال اليتيم فقال ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ أي ظالمين أو على وجه الظلم من ولاة السوء وقضاته لا بالمعروف ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ﴾ أي ملء بطونهم ناراً أي ما يجر إلى النار وكأنه نار في الحقيقة.
وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه، فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا.
وعن أبي سعيد الخدري أن النبي قال: "رأيت ليلة أسري بي قوماً لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من النار يخرج من أسافلهم فقال جبريل: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً" ﴿ وسيصلون ﴾ من قرأ بفتح الياء فهو من صلى فلان النار بالكسر يصلى صلياً احترق.
ومن قرأ بالضم فمعناه الإلقاء في النار لأجل الإحراق من الإصلاء.
وقد يشدد من التصلية والمعنى واحد.
والسعير النار، وسعرت النار والحرب هيجتها وألهبتها فهي سعير أي مسعورة.
والتنكير للتعظيم أي ناراً مبهمة الوصف لا يعلم شدتها إلا خالقها.
قالت المعتزلة: لا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد آكل اليسير من / ماله، بل لا بد أن يكون مقدار خمسة دراهم لأنه القدر الذي وقع عليه الوعيد في آية الكنز في منع الزكاة ولا بد مع ذلك من عدم التوبة.
فقيل لهم: إنكم خالفتم هذا العموم من وجهين: من جهة شرط عدم التوبة، ومن جهة شرط عدم كونه صغيرة، فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو؟
وههنا نكتة وهي أنه أوعد مانع الزكاة بالكي، وآكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار.
ولا شك أن هذا الوعيد أشد، والسبب فيه أن الفقير غير مالك لجزء من النصاب حتى يملكه المالك، واليتيم مالك لماله فكان منع اليتيم أشنع.
وأيضاً الفقير يقدر على الاكتساب من وجه آخر أو على السؤال، واليتيم عاجز عنهما فكان ضعفه أظهر وهذا من كمال عنايته بالضعفاء فنرجو أن يرحم ذلنا وضعفنا بعزته وقوته.
التأويل: ذكر الناسين بدء خلقهم بالأشباح والأرواح فخلقوا بالأشباح من آدم، وبالأرواح من روح محمد .
قال: أول ما خلق الله روحي فهو أبو الأرواح.
وخلق من الروح زوجه وهي النفس، خلقها من أدنى شعاع من أشعة أنوار روح محمد ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ﴾ أرواحاً كاملين ﴿ ونساء ﴾ أرواحاً ناقصات ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به ﴾ أي اتقوه أن تساءلوا به غيره ﴿ والأرحام ﴾ ولا تقطعوا رحم رحمتي بصلة غيري ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ تزكية عن آفة الحرص والحسد والدناءة والخسة والطمع وتحلية بالقناعة والمروءة وعلو الهمة والعافية ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ تزكية عن آفة الخيانة والخديعة وتحلية بالأمانة وسلامة الصدر ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ تزكية عن الجور وتحلية بالعدل، فإن اجتماع هذه الرذائل كان حوباً كبيراً حجاباً عظيماً ﴿ فانكحوا ما طاب لكم ﴾ تزكية عن الفاحشة وتحلية بالعفة ﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ تزكية عن الحدة والغضب، وتحلية بالسكون والحلم ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ تزكية عن البخل والغدر وتحلية بالوفاء والكرم ﴿ فكلوه هنيئاً ﴾ تزكية عن الكبر والأنفة وتحلية بالتواضع والشفقة.
فهذه كلها إشارات إلى تربية يتامى القلوب والنفوس بإيتاء حقوق تزكيتهم عن هذه الأوصاف وتحليتهم بهذه الأخلاق.
ثم نهى عن إيتاء النفوس الأمارة حظوظها فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء ﴾ وإنما قال: ﴿ أموالكم ﴾ لأن الخطاب مع العقلاء والصلحاء وقد خلق الله الدنيا لأجلهم أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.
﴿ وارزقوهم فيها ﴾ قدر ما يسد الجوعة ﴿ واكسوهم ﴾ ما يستر العورة وما زاد فإسراف في حق النفس ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ كنحو: أكلت رزق الله فأدّي شكر نعمته بامتثال أوامره نواهيه وإلا أذيبي طعامك بذكر الله كما قال : " "أذيبوا طعامكم بذكر الله " .
﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ أي قلوب السائرين بأدنى توسع في المعيشة بعد أن كانوا محجورين عن التصرف ﴿ حتى إذا بلغوا ﴾ مبلغ الرجال البالغين ﴿ فإن آنستم منهم / رشداًَ ﴾ بأن استمروا بذلك التوسع على السير وزادوا في اجتهادهم وجدهم كما قال الجنيد: أشبع الزنجي وكدّه ﴿ فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ فالعبد في هذا المقام يكون جائز التصرف في مماليك سيده كالعبد المأذون، ولهذا قال ههنا ﴿ أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً ﴾ أي فإن آنستم يا أولياء الطريقة من المريدين البالغين رشد التصرف في أصحاب الإرادة فادفعوا إليهم عنان التصرف بإجازة الشيخوخية، ولا تجعلوا الشيخوخية مأكلة لكم غيرة وغبطة عليهم أن يكبروا بالشيخوخة.
﴿ ومن كان غنياً ﴾ بالله من قوة الولاية مستظهراً بالعناية ﴿ فليستعفف ﴾ عن الانتفاع بصحبتهم، ﴿ ومن كان فقيراً ﴾ مفتقراً إلى ولاية المريد ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ فلينتفع بإعانته وليجزله بالشيخوخية مع الإمداد في الظاهر والباطن ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم ﴾ سلمتم إليهم مقام الشيخوخية ﴿ فأشهدوا عليهم ﴾ الله ورسوله وأرواح المشايخ وأوصوهم برعاية حقوقها مع الله والخلق.
ثم أخبر عن نصيب كل نسيب فقال: ﴿ للرجال ﴾ وهم الأقوياء من الطلبة ﴿ وللنساء ﴾ وهم الضعفاء ﴿ نصيب مما ترك الولدان والأقربون ﴾ وهم المشايخ والإخوان في الله وتركتهم بركتهم وأنوارهم ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ على قدر استعدادهم ﴿ وإذا حضر القسمة ﴾ أي في محافل صحبتهم ومجالس ذكرهم ﴿ أولو القربى ﴾ المنتمون إليهم المقتبسون من أنوارهم والمقتفون لآثارهم ﴿ فارزقوهم ﴾ من مواهب بركاتهم ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ في التشويق وإرشاد الطريق وتقرير هوان الدنيا عند الله، وعزة أهل الله في الدارين.
﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعفاً ﴾ من متوسطي المريدين أو المبتدئين ﴿ خافوا عليهم ﴾ آفات المفارقة بسفر أو موت ﴿ فليتقوا الله ﴾ أي يوصونهم بالتقوى وأن يقولوا قولاً سديداً هو لا إله إلاَّ الله.
فإن التقوى ومداومة الذكر خطوتان يوصلان العبد إلى الله ﴿ إن الذين يأكلون ﴾ يضيعون أطفال الطريقة بعدم التربية ورعاية وظائف النصيحة ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ﴾ نار الحسرة والغرامة يوم لا تنفع الندامة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ...
﴾ الآية.
يحتمل أن تكون الآية - والله أعلم - نزلت بسبب ما لكم يكن يورث أهل الجاهلية الإناث والصغار، ويجعلون المواريث لذوي الأسنان من الرجال، الذين يصلحون للحرب، ويحرزون الغنيمة؛ فنزلت الآية بتوريث الرجال والنساء جميعاً.
ويقال: "إن الآية نزلت في شأن رجل يقال له: أوس بن ثابت الأنصاري، توفي وترك بنات وامرأة، فقام رجلان من بني عمه - وهما وصيان - فأخذا ماله، ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئاً؛ فجاءت امرأة أوس بن ثابت إلى رسول الله فشكت، وأخبرت بالقصة؛ فقال لها: ارْجِعِي في بَيْتِكِ حَتَّى أَنْظُرَ مَا يُحْدِثُ الله في ذَلِكَ" .
فانصرفت؛ فنزل قوله - -: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ...
﴾ الآية.
وقيل: نزلت الآية في شأن امرأة سعد: "أن سعداً استشهد بأحد، وترك ابنتين وامرأة، فاحتوى أخ لسعد على مال سعد، ولم يعط المرأة ولا الابنتين شيئاً؛ فاختصمت إلى رسول الله وأخبرته بالقصة؛ فقال لها: لَمْ يُنْزِلِ الله عَلَيَّ فِيكُمْ شَيْئاً.
ثم نزلت الآية، فأخذ من عمهما ثلثي المال، ورده إليهما، ودفع الثُّمُن إلى المرأة، وترك البقية للعم" .
والله أعلم أنْ فيم كان نزولها؟.
وفي هذا الخبر دليل أن للابنتين الثلثين، كما للثلاث فصاعداً، ليس كما قال بعض الناس: إن لهما النصف؛ لأن الله - - إنما جعل الثلثين للثلاثة.
ثم تحتمل الآية وجهين بعد هذا: تحتمل أن يكون المراد الأولاد خاصة لا غير؛ فيدخل كل ولد: ولد البنات، وولد البنين؛ لأنهم كلهم أولاده.
ويحتمل أن يكون المراد منها الرجال والنساء؛ فيدخل ذوو الأرحام في ذلك، فلما لم يدخل بنات البنات في ذلك - وهم أولاد - دل أنه أراد النساء والرجال جميعاً، لا الأولاد خاصة.
وفيه دلالة نسخ الوصية للوارث؛ لأنه قال - عز وجل -: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ...
﴾ إلى قوله: ﴿ مَّفْرُوضاً ﴾ أي: معلوماً بما أوجب في كل قبيل.
ثم قال في قوله: ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ ، قيل: ذا يرجع إلى ما بين فرضه، وهو أصحاب الفرائض دون العصبات، فيكون على ما أشار إلى حقه من حيث الاسم في القرآن.
ويحتمل ما بين، وقد جرى فيه ذكر حقين: أحدهما: حق العصبة، كما ذكر في الأب والإخوة والأولاد، وحق أصحاب الفرائض، ولو كان على ذلك فقد يتضمن الفرض ما يعلم بالإشارة إليه والدلالة؛ لأن أكثر من يوصي بحق العصبة هو ما لا نص فيه، والذي فيه النص هو في الأولاد والإخوة - خاصة - والوالد.
وقيل: يتضمن كل الأقرباء على اختلاف الدرجات؛ فيكون منصوصاً - أيضاً ومدلولا عليه؛ ويؤيد هذا التأويل قوله: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ ﴾ ثم بَيَّن: ﴿ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ ﴾ وأولئك هم البعداء الذين لهم أخوة الدين والهجرة، فإذا بقي في الرحم أحد - لم يصرف ذلك إلى المؤمنين، وقد قدم حقهم على المؤمنين والمهاجرين بالرحم؛ لذلك هم أولى، مع ما للإمام صرف ذلك بحق الإيمان إليهم؛ فيصير الدفع إليهم بحق الجواز، وإلى غيرهم شك عند قيامهم؛ فالدفع إليهم أولى لوجهين: أحدهما: عموم الكتاب على تحقيق حق لكل آية منها؛ دون إدخال حكم آية في حق آخرين بلا ضرورة.
والثاني: الإجماع من الوجه الذي ذكرت مع اتفاق أكثر الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - والفتوى إلى يومنا هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ قيل فيه بوجهين: قيل: أراد بالقسمة: قسمة المواريث بين الورثة بعد موت الميت.
وقيل: أراد به: قسمة الموصي وهو الإيصاء، يوصي ويبر لمن ذكر من الأقرباء واليتامى والمساكين بشيء؛ فالخطاب للموصي.
ومن قال بقسمة المواريث: فالخطاب للورثة إن كانوا كباراً، يعطون لهؤلاء شيئاً، ويبرونهم بشيء؛ وإن كانوا صغارا يقول الوصي: لهم ﴿ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ ، أي: يَعِدُ لهم عدَةً حسنة إلى وقت خروج الأنزال، أو إلى وقت البيع إن باعوها.
ثم اختلف المتأولون فيها: قال بعضهم: هي منسوخة.
وقال آخرون: هي محكمة، وهو قول ابن عباس، .
ومن قال: هي منسوخة، قال: نسختها آية المواريث: قوله - عز وجل -: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ...
﴾ الآية؛ لأنهم كانوا يوصون الأولاد والآباء والأمهات؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ...
﴾ الآية [البقرة: 180] فنسخت آية المواريث وصية الموصي.
ومن قال: هي محكمة متقنة، وهو قول ابن عباس، والحسن ومجاهد وغيرهم؛ لأنه المعروف والبر والإحسان، وذلك مما لا يحتمل النسخ.
وقيل: إن عبد الله بن عبد الرحمن قسم ميراث أبيه، وعائشة حيةٌ، فلم يدع في الدار مسكيناً ولا ذا قرابة إلا قسم له من ميراث أبيه، وتلا هذه الآية: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ...
﴾ الآية، فذكر ذلك لابن عباس - - فقال: ما أصاب، ليس ذلك له؛ إنما ذلك في الوصية، يريد الميت أن يوصي لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ .
قيل: إذا كان المال كثيراً - رضخ وأعطى لهم شيئاً، وإذا كان قليلاً اعتذر إليهم، وهو قول ابن عباس، .
وقيل: أمر من يرث أن يرضخ ويعطي لمن لا يرث شيئاً، وهو قول الحسن، ويقال لهم: ﴿ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ .
والقول المعروف يحتمل ما ذكرنا: أن يعطى لهم إن كانوا كباراً - أعني: الورثة - ويعد لهم عِدة إن كان المال ضياعاً إلى وقت خروج الأنزال والغلات، أو إلى وقت خروج الثمر، أو يعطي الورثة إن كانوا كباراً ويعتذر إليهم الوصي إن كانوا صغاراً.
وقوله - جل وعز -: ﴿ وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ قيل: هو الرجل يحضره الموت، وله ولد صغار، فيقول له آخر: أوصِ بكذا، أو أعتق كذا، أو افعل كذا، ولو كان هو الميت لأحب أن يترك لولده؛ فخوف هذا القائل بقوله: ﴿ فَلْيَتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، وأمر أن يقول له مثل ما يحب أن يقال له في ولده بالعدل بقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ ، وهو قول ابن عباس .
وقيل: هو الرجل يحضره الموت، فيقول له مَنْ يحضره: اتق الله، وأمسك عليك لولدك الصغار والضعفاء، ليس أحد أحق بمالك منهم، ولا توصِ [من مالك] شيئاً.
فنهي أن يقال له ذلك؛ لما لو كان هو الموصي ، وله ورثة صغار ضعفاء، أحبَّ بألاَّ يقال له ذلك؛ فكذلك لا يقول هو له.
والأول أشبه.
وقوله: ﴿ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ .
قيل: عدلاً؛ يأمر أن يوصي بما عليه من الدَّين والوصية، ولا يجوز في الوصية.
وعن ابن عباس - - قال: نهي من حضر منهم مريضاً عند الموت أن يأمره أن ينفق ماله في العتق والصدقة، أو في سبيل الله؛ ولكن يأمره أن يبين ما له وما عليه من دين أو حق.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً ﴾ .
أي: استحلالاً، فإذا استحل كفر؛، فذلك الوعيد له.
وقيل: ﴿ ظُلْماً ﴾ : أي: غضباً.
والأكل: هو عبارة عن الأخذ؛ كقوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً ﴾ إنما هو نهي عن أخذه، وكذلك قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ - إنما هو نهي عن قبض الربا؛ فعلى ذلك الأكل - في هذه الآية - عبارة عن الأخذ والاستحلال.
ومن حمل الآية على الغصب جعل الوعيد عليه، إلا أن يتوب؛ إذ لله أن يعذب من شاء ممن ارتكب من عباده جرماً، كما جعل الوعيد على المستحل إلا أن يتوب.
وقيل: إنه على التمثيل أن الذي يأكل من مال اليتيم كأنه يأكل ناراً؛ لخبثه ولشدته.
وعن قتادة قال: ذكر لنا "أن [رسول الله] [كان] يقول: اتَّقُوا الله في الضَّعِيفَين؛ قيل: ومن هما يا [رسول الله] قال: اليَتيمُ والمَرْأة؛ فإن الله أيتمه وأوصى به، وابتلاه وابتلى به" .
وقيل في قوله: ﴿ فَلْيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ ﴾ : للميت إذا جلس إليه ﴿ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ ، أي: عدلاً في وصيته ولا يجور، ومن عدل في وصيته عند موته، فكأنما وجه ماله في سبيل الله؛ فقال سعد بن أبي وقاص: "فسئل النبي : كم يوصي الرجل من ماله؛ فقال: الثُّلُث، والثُلُث كَثيرٌ، لأََنْ تَدَع عِيالَكَ أَغْنياءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ الناسَ" .
ثم قال رسول الله : "إنَّ الله - - تَصَدَّقَ عَلَيْكُم بثُلُثِ أَمْوالِكم زِيَادةً في أَعْمَالِكم عِندَ وَفَاتِكُم" <div class="verse-tafsir"
للرجال حظ مما تركه الوالدان والأقربون كالإخوة والأعمام بعد موتهم، قليلًا كان أو كثيرًا، وللنساء حظ مما تركه هؤلاء؛ خلافًا لما كان عليه أمر الجاهلية من حرمان النساء والأطفال من الميراث، هذا النصيب حق مُبيَّن المقدارِ مفروضٌ من الله تعالى.
<div class="verse-tafsir" id="91.MGZYE"
جمهور المفسرين على أن هذا الكلام جديد وهو انصراف عن الموضوع قبله ولكن قوله تعالى بعد ثلاث آيات: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ﴾ إلخ، يدل على أن الكلام في شأن اليتامى لا يزال متصلًا، فإنه بعد أن بَيَّن التفصيل في حرمة أكل أموال اليتامى، وأمر بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا، ذكر أن المال الموروث الذي يحفظه الأولياء لليتامى يشترك فيه الرجال والنساء خلافًا لما كان في الجاهلية من عدم توريث النساء، فهذا تفصيل آخر في المال نفسه بعد ذلك التفصيل في الإعطاء ووقته وشرطه.
ومال اليتامى إنما يكون في الأغلب من الوالدين والأقربين، فمعنى الآية إذا كان لليتامى مال مما تركه لهم الوالدون والأقربون فهم فيه على الفريضة لا فرق في شركة النساء والرجال فيه بين القليل والكثير، ولهذا كرر ﴿ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ﴾ وعنى بقوله: ﴿ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ أنه حق معين مقطوع به لا محاباة فيه وليس لأحد أن ينقصهم منه شيئًا.
﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ الخطاب في قوله: ﴿ فَارْزُقُوهُمْ ﴾ لأرباب المال الذين يقسم عليهم، وإذا كانت القسمة بين اليتامى الذين رشدوا كان للولي أن يعظهم ويرشدهم إلى ما ينبغي في هذه الحال وليس له أن يعطي شيئًا من غير ماله إلا بإذن أرباب المال، والأدب الذي يرشد إليه الكتاب في هذا المقام هو اعتبار أن هذا المال رزق ساقه الله إلى الوارثين عفوًا بغير كسب منهم ولا سعي، فلا ينبغي أن يبخلوا به على المحتاجين من ذوي القربى واليتامى والمساكين من أمتهم، ويتركوهم يذهبون منكسري القلب مضطربي النفس، ومنهم من يكون الحرمان مدعاة حسده للوارث.
وأما قول المعروف فهو ما تطيب به نفوس هؤلاء المحتاجين عندما يأخذون ما يفاض عليهم حتى لا يثقل على عزيز النفس منهم ما يأخذه، ويرضى الطامع في أكثر مما أعطى بما أعطى فإن من الفقراء من يظهر استقلال ما ناله، واستكثار ما نال سواه فينبغي أن يلاطف مثل هذا ولا يغلظ له في القول.
والحكمة في الأمر بقول المعروف أن من عادة الناس أن يتضايقوا ويتبرموا من حضور ذوي القربى مجلسهم في هذه الحالة، ومن كان كارهًا لشيء تظهر كراهته له في فلتات لسانه، فعلمنا الله تعالى هذا الأدب في الحديث لنهذب به هذه السجية التي تعد من ضعف الإنسان المشار إليه في مثل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا ﴾ الآيات.
ذهب بعض المفسرين إلى أن الأمر بقوله: ﴿ فَارْزُقُوهُمْ ﴾ للندب، وقالوا إنه لو كان واجبًا لحدد وقدر كما حددت المواريث، وليس هذا بدليل فقد يجب العطاء ويوكل الأمر في المقدار إلى المعطي.
وقال سعيد بن جبير إنه للوجوب، وهجره الناس كما هجروا العمل بآية الاستئذان عند دخول البيوت، وهذا هو القول المختار، والقول بأنه ندب أو منسوخ من تفسير القرآن بالرأي، وهو أن يختار الإنسان لنفسه رأيًا ومذهبًا ويحاول جر القرآن إليه وتحويله إلى موافقته بإخراج الألفاظ عن ظواهر معانيها المتبادرة منها، وإن من رحمة الله تعالى بنا أن فوض أمر مقدار ما نعطيه إلينا وجعله مما يتفاضل فيه الأسخياء.
﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ ، في الآية وجهان: أحدهما: أن المطالبين بالقول السديد في هذه الآية هم المطالبون بالقول المعروف في الآية التي قبلها، فتكون هذه الآية معللة للأمر بالقول المعروف في تلك متصلة بها مباشرة، ذلك أنه يجوز أن ينهي بعض حاضري القسمة عن رزق اليتامى والمساكين الذين يحضرونها.
وهذا يكثر في الناس لا سيما إذا كان الورثة من الأغنياء الوجهاء، فإن الناس يتحببون إليهم بما يوهم الغيرة على أموالهم.
فالله تعالى يذكر هؤلاء الذين يحولون دون عمل البر بأن يخافوا الله أن يتركوا بعد موتهم ورثة ضعفاء يحتاجون ما يحتاجه حاضر والقسمة وطالبو البر من اليتامى والمساكين فيعاملوا بالحرمان والقسوة، فهو يرشدهم إلى معاملة هؤلاء الضعفاء بمثل ما يحبون أن تعامل به ذريتهم إذا تركوهم ضعافًا.
والوجه الثاني: أن الخطاب للأوصياء والأولياء الذين يقومون على اليتامى، فهو بعد الوصية بحفظ أموالهم وحسن تربيتهم بابتلائهم واختبارهم بالعمل ليعرف رشدهم، أمرهم بإحسان القول لهم أيضًا، فإن اليتيم يجرحه أقل قول يهين لا سيما ذكر أبيه وأمه بسوء.
وقد جرت العادة بتساهل الناس في مثل هذه الأقوال وإن كانوا عدولًا حافظين للأموال محسنين في المعاملة، فقلما يوجد يتيم في بيت إلا ويمتهن ويقهر بالسوء من القول، وذكر والديه بما يشينهما ولذلك ورد التأكيد بالوصية باليتامى في الكتاب والسنة.
<div class="verse-tafsir"