الآية ٧٨ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٧٨ من سورة النساء

أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍۢ مُّشَيَّدَةٍۢ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًۭا ٧٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 157 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٨ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٨ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ) أي : أنتم صائرون إلى الموت لا محالة ، ولا ينجو منه أحد منكم ، كما قال تعالى : ( كل من عليها فان [ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ] ) [ الرحمن : 26 ، 27 ] وقال تعالى ( كل نفس ذائقة الموت ) [ آل عمران : 185 ] وقال تعالى : ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ) [ الأنبياء : 34 ] والمقصود : أن كل أحد صائر إلى الموت لا محالة ، ولا ينجيه من ذلك شيء ، وسواء عليه جاهد أو لم يجاهد ، فإن له أجلا محتوما ، وأمدا مقسوما ، كما قال خالد بن الوليد حين جاءه الموت على فراشه : لقد شهدت كذا وكذا موقفا ، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية ، وها أنا أموت على فراشي ، فلا نامت أعين الجبناء .

وقوله : ( ولو كنتم في بروج مشيدة ) أي : حصينة منيعة عالية رفيعة .

وقيل : هي بروج في السماء .

قاله السدي ، وهو ضعيف .

والصحيح : أنها المنيعة .

أي : لا يغني حذر وتحصن من الموت ، كما قال زهير بن أبي سلمى : ومن خاف أسباب المنية يلقها ولو رام أسباب السماء بسلم ثم قيل : " المشيدة " هي المشيدة كما قال : ( وقصر مشيد ) [ الحج : 45 ] وقيل : بل بينهما فرق ، وهو أن المشيدة بالتشديد ، هي : المطولة ، وبالتخفيف هي : المزينة بالشيد وهو الجص .

وقد ذكر ابن جرير ، وابن أبي حاتم هاهنا حكاية مطولة عن مجاهد : أنه ذكر أن امرأة فيمن كان قبلنا أخذها الطلق ، فأمرت أجيرها أن يأتيها بنار ، فخرج ، فإذا هو برجل واقف على الباب ، فقال : ما ولدت المرأة ؟

فقال : جارية ، فقال : أما إنها ستزني بمائة رجل ، ثم يتزوجها أجيرها ، ويكون موتها بالعنكبوت .

قال : فكر راجعا ، فبعج الجارية بسكين في بطنها ، فشقه ، ثم ذهب هاربا ، وظن أنها قد ماتت ، فخاطت أمها بطنها ، فبرئت وشبت وترعرعت ، ونشأت أحسن امرأة ببلدتها فذهب ذاك [ الأجير ] ما ذهب ، ودخل البحور فاقتنى أموالا جزيلة ، ثم رجع إلى بلده وأراد التزويج ، فقال لعجوز : أريد أن أتزوج بأحسن امرأة بهذه البلدة .

فقالت له : ليس هنا أحسن من فلانة .

فقال : اخطبيها علي .

فذهبت إليها فأجابت ، فدخل بها فأعجبته إعجابا شديدا ، فسألته عن أمره ومن أين مقدمه ؟

فأخبرها خبره ، وما كان من أمره في هربه .

فقالت : أنا هي .

وأرته مكان السكين ، فتحقق ذلك فقال : لئن كنت إياها فلقد أخبرتني باثنتين لا بد منهما ، إحداهما : أنك قد زنيت بمائة رجل .

فقالت : لقد كان شيء من ذلك ، ولكن لا أدري ما عددهم ؟

فقال : هم مائة .

والثانية : أنك تموتين بالعنكبوت .

فاتخذ لها قصرا منيعا شاهقا ، ليحرزها من ذلك ، فبينا هم يوما إذا بالعنكبوت في السقف ، فأراها إياها ، فقالت : أهذه التي تحذرها علي ، والله لا يقتلها إلا أنا ، فأنزلوها من السقف فعمدت إليها فوطئتها بإبهام رجلها فقتلتها ، فطار من سمها شيء فوقع بين ظفرها ولحمها ، فاسودت رجلها وكان في ذلك أجلها .

ونذكر هاهنا قصة صاحب الحضر ، وهو " الساطرون " لما احتال عليه " سابور " حتى حصره فيه ، وقتل من فيه بعد محاصرة سنتين ، وقالت العرب في ذلك أشعارا منها : وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج لة تجبى إليه والخابور شاده مرمرا وجلله كل سا فللطير في ذراه وكور لم تهبه أيدي المنون فباد ال ملك عنه فبابه مهجور ولما دخل على عثمان يقول : اللهم اجمع أمة محمد ، ثم تمثل بقول الشاعر : أرى الموت لا يبقي عزيزا ولم يدع لعاد ملاذا في البلاد ومربعا يبيت أهل الحصن والحصن مغلق ويأتي الجبال في شماريخها معا وقوله : ( وإن تصبهم حسنة ) أي : خصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو ذلك هذا معنى قول ابن عباس وأبي العالية والسدي ( يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة ) أي : قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع أو موت أولاد أو نتاج أو غير ذلك .

كما يقوله أبو العالية والسدي .

( يقولوا هذه من عندك ) أي : من قبلك وبسبب اتباعنا لك واقتدائنا بدينك .

كما قال تعالى عن قوم فرعون : ( فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ) [ الأعراف : 131 ] وكما قال تعالى : ( ومن الناس من يعبد الله على حرف [ فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ] ) الآية [ الحج : 11 ] .

وهكذا قال هؤلاء المنافقون الذين دخلوا في الإسلام ظاهرا وهم كارهون له في نفس الأمر ; ولهذا إذا أصابهم شر إنما يسندونه إلى اتباعهم للنبي صلى الله عليه وسلم وقال السدي : ( وإن تصبهم حسنة ) قال : والحسنة الخصب ، تنتج خيولهم وأنعامهم ومواشيهم ، ويحسن وتلد نساؤهم الغلمان قالوا : ( هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة ) والسيئة : الجدب والضرر في أموالهم ، تشاءموا بمحمد صلى الله عليه وسلم وقالوا : ( هذه من عندك ) يقولون : بتركنا واتباعنا محمدا أصابنا هذا البلاء ، فأنزل الله عز وجل : ( قل كل من عند الله ) فقوله ( قل كل من عند الله ) أي الجميع بقضاء الله وقدره ، وهو نافذ في البر والفاجر ، والمؤمن والكافر .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( قل كل من عند الله ) أي : الحسنة والسيئة .

وكذا قال الحسن البصري .

ثم قال تعالى منكرا على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب .

وقلة فهم وعلم ، وكثرة جهل وظلم : ( فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ) ذكر حديث غريب يتعلق بقوله تعالى : ( قل كل من عند الله ) قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا السكن بن سعيد ، حدثنا عمر بن يونس ، حدثنا إسماعيل بن حماد ، عن مقاتل بن حيان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فأقبل أبو بكر وعمر في قبيلتين من الناس ، وقد ارتفعت أصواتهما ، فجلس أبو بكر قريبا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ; وجلس عمر قريبا من أبي بكر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لم ارتفعت أصواتكما ؟

" فقال رجل : يا رسول الله ، قال أبو بكر : الحسنات من الله والسيئات من أنفسنا .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فما قلت يا عمر ؟

" قال : قلت : الحسنات والسيئات من الله تعالى .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أول من تكلم فيه جبريل وميكائيل ، فقال ميكائيل مقالتك يا أبا بكر ، وقال جبريل مقالتك يا عمر فقال : نختلف فيختلف أهل السماء وإن يختلف أهل السماء يختلف أهل الأرض .

فتحاكما إلى إسرافيل ، فقضى بينهم أن الحسنات والسيئات من الله " .

ثم أقبل على أبي بكر وعمر فقال " احفظا قضائي بينكما ، لو أراد الله ألا يعصى لم يخلق إبليس " .

قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس ابن تيمية : هذا حديث موضوع مختلق باتفاق أهل المعرفة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: = حيثما تكونوا يَنَلكم الموت فتموتوا =" ولو كنتم في بروج مشيَّدة "، يقول: لا تجزعوا من الموت، ولا تهربوا من القتال، وتضعفوا عن لقاء عدوكم، حذرًا على أنفسكم من القتل والموت، فإن الموت &; 8-552 &; بإزائكم أين كنتم، وواصلٌ إلى أنفسكم حيث كنتم، ولو تحصَّنتم منه بالحصون المنيعة.

* * * واختلف أهل التأويل في معنى قوله: " ولو كنتم في بروج مشيدة ".

فقال بعضهم: يعنى به: قصور مُحصنة.

*ذكر من قال ذلك: 9957 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولو كنتم في بروج مشيدة "، يقول: في قصور محصنة.

9958 - حدثني علي بن سهل قال، حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا أبو همام قال، حدثنا كثير أبو الفضل، عن مجاهد قال: كان فيمن كان قبلكم امرأة، وكان لها أجيرٌ، فولدت جارية.

فقالت لأجيرها: اقتبس لنا نارًا، فخرج فوجد بالباب رجلا فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأة؟

قال: جارية.

قال: أما إنّ هذه الجارية لا تموت حتى تبغي بمئة، ويتزوجها أجيرها، (25) ويكون موتها بالعنكبوت.

قال: فقال الأجير في نفسه: فأنا أريد هذه بعد أن تفجر بمئة!!

فأخذ شفرة فدخل فشق بطن الصبية.

وعولجت فبرِئت، فشبَّت، وكانت تبغي، فأتت ساحلا من سواحل البحر، فأقامت عليه تبغي.

ولبث الرجل ما شاء الله، ثم قدم ذلك الساحل ومعه مال كثير، فقال لامرأة من أهل الساحل: ابغيني امرأة من أجمل امرأة في القرية أتزوجها!

فقالت: ههنا امرأة من أجمل الناس، ولكنها تبغي.

قال: ائتيني بها.

فأتتها فقالت: قد قدم رجل له مال كثير، وقد قال لي: كذا.

فقلت له: كذا.

فقالت: إني قد تركت البغاء، ولكن إن أراد تزوَّجته!

قال: فتزوجها، فوقعت منه موقعًا.

فبينا هو يومًا عندها إذ أخبرها بأمره، فقالت: أنا تلك الجارية!

= وأرته الشق في بطنها = وقد كنت &; 8-553 &; أبغي، فما أدري بمئة أو أقل أو أكثر!

قال: فإنّه قال لي: يكون موتها بعنكبوت.

(26) قال: فبنى لها برجًا بالصحراء وشيده.

فبينما هما يومًا في ذلك البرج، إذا عنكبوت في السقف، فقالت: هذا يقتلني؟

لا يقتله أحد غيري!

فحركته فسقط، فأتته فوضعت إبهام رجلها عليه فشدَخَتْه، وساحَ سمه بين ظفرها واللحم، فاسودت رجلها فماتت.

فنـزلت هذه الآية: " أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ".

(27) 9959 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " ولو كنتم في بروج مشيدة "، قال: قصور مشيدة.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: قصورٌ بأعيانها في السماء.

*ذكر من قال ذلك: 9960 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة "، وهي قصور بيض في سماء الدنيا، مبنية.

9961 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعيد قال، أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع في قوله: " أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة "، يقول: ولو كنتم في قصور في السماء.

(28) * * * واختلف أهل العربية في معنى " المشيدة ".

فقال بعض أهل البصرة منهم: " المشيدة "، الطويلة.

قال: وأما " المشِيدُ"، بالتخفيف، فإنه المزيَّن.

(29) * * * وقال آخر منهم نحو ذلك القول، (30) غير أنه قال: " المَشِيد " بالتخفيف المعمول بالشِّيد، و " الشيد " الجِصُّ.

* * * وقال بعض أهل الكوفة: " المَشيد " و " المُشَيَّد "، أصلهما واحد، غير أن ما شدِّد منه، فإنما يشدد لنفسه، والفعل فيه في جمع، (31) مثل قولهم: " هذه ثياب مصبَّغة "، و " غنم مذبَّحة "، فشدد؛ لأنها جمع يفرَّق فيها الفعل.

وكذلك مثله،" قصور مشيدة "، لأن القصور كثيرة تردد فيها التشييد، ولذلك قيل: " بروج مشيدة "، ومنه قوله: وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ ، وكما يقال: " كسَّرت العودَ"، إذا جعلته قطعًا، أي: قطعة بعد قطعة.

وقد يجوز في ذلك التخفيف، فإذا أفرد من ذلك الواحد، فكان الفعل يتردد فيه ويكثر تردده في جمع منه، جاز التشديد عندهم والتخفيف، فيقال منه: " هذا ثوب مخرَّق " و " جلد مقطع "، لتردد الفعل فيه وكثرته بالقطع والخرق.

وإن كان الفعل لا يكثر فيه ولا يتردد، ولم يجيزوه إلا بالتخفيف، وذلك نحو قولهم: " رأيت كبشًا مذبوحًا " ولا يجيزون فيه: " مذَّبحًا "، لأن الذبح لا يتردد فيه تردد التخرُّق في الثوب.

* * * وقالوا: فلهذا قيل: " قصر مَشِيد "، لأنه واحد، فجعل بمنـزلة قولهم: &; 8-555 &; " كبش مذبوح ".

وقالوا: جائز في القصر أن يقال: " قصر مشيَّد " بالتشديد، لتردد البناء فيه والتشييد، ولا يجوز ذلك في" كبش مذبوح "، لما ذكرنا.

(32) * * * القول في تأويل قوله : وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قل أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله "، وإن ينلهم رخاء وظفر وفتح ويصيبوا غنيمة (33) =" يقولوا هذه من عند الله "، يعني: من قبل الله ومن تقديره (34) =" وإن تصبهم سيئة "، يقول: وإن تنلهم شدة من عيش وهزيمة من عدو وجراح وألم، (35) = يقولوا لك يا محمد: =" هذه من عندك "، بخطئك التدبير.

وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره عن الذين قال فيهم لنبيه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ .

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 9962 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد وابن أبي جعفر قالا حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: &; 8-556 &; " وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك "، قال: هذه في السراء والضراء.

(36) 9963 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية مثله.

9964 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك " فقرأ حتى بلغ: وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا ، قال: إن هذه الآيات نـزلت في شأن الحرب.

فقرأ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا فقرأ حتى بلغ: " وإن تصبهم سيئة "، يقولوا: " هذه من عند محمد عليه السلام، أساء التدبير وأساء النظر!

ما أحسن التدبير ولا النظر ".

* * * القول في تأويل قوله : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " قل كل من عند الله "، قل، يا محمد، لهؤلاء القائلين إذا أصابتهم حسنة: " هذه من عند الله "، وإذا أصابتهم سيئة: هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ : = كل ذلك من عند الله، دوني ودون غيري، من عنده الرخاء والشدة، ومنه النصر والظفر، ومن عنده الفَلُّ والهزيمة، (37) كما:- 9965 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: " قل كل من عند الله "، النعم والمصائب.

9966 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " كل من عند الله "، النصر والهزيمة.

9967 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا "، يقول: الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها.

* * * القول في تأويل قوله : فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " فمال هؤلاء القوم "، (38) فما شأن هؤلاء القوم الذين إن تصبهم حسنة يقولوا: هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وإن تصبهم سيئة يقولوا: هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ =" لا يكادون يفقهون حديثًا "، يقول: لا يكادون يعلمون حقيقة ما تخبرهم به، من أن كل ما أصابهم من خير أو شر، أو ضرّ وشدة ورخاء، فمن عند الله، لا يقدر على ذلك غيره، ولا يصيب أحدًا سيئة إلا بتقديره، ولا ينال رخاءً ونعمة إلا بمشيئته.

وهذا إعلام من الله عبادَه أن مفاتح الأشياء كلها بيده، لا يملك شيئًا منها أحد غيره.

------------------------- الهوامش : (25) "تبغي" من"البغاء" ، "بغت المرأة": فجرت وزنت.

(26) في المطبوعة: "بالعنكبوت" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(27) الأثر: 9958 -"كثير أبو الفضل" ، هو: كثير بن يسار الطفاوي ، أبو الفضل البصري.

روى عن الحسن البصري ، وثابت البناني وغيرهما.

مترجم في التهذيب.

وهذا الأثر أخرجه ابن كثير في تفسيره 2: 515 ، من تفسير ابن أبي حاتم ، وذكره السيوطي في الدر المنثور 2: 184 ، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم ، وأبي نعيم في الحلية.

(28) الأثر: 9961 -"عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد القرظ" ، مضى برقم: 2929 ، وهذا الإسناد نفسه مضى أيضًا قبله برقم 2919 ، وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا"عبد الرحمن بن سعيد" ، كما كان في رقم: 2929 ، ولكنه سيأتي على الصواب في المخطوطة والمطبوعة بعد قليل رقم: 9962 ، 9972.

(29) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1: 132.

(30) في المطبوعة والمخطوطة: "وقال آخرون منهم" ، والسياق يقتضي ما أثبت.

(31) في المطبوعة: "فإنما يشدد لتردد الفعل فيه ..." غير ما في المخطوطة ، وهو ما أثبته وهو صواب المعنى المطابق للسياق.

(32) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 277.

(33) انظر تفسير"الإصابة" فيما سلف: 514 ، 538 وانظر تفسير"الحسنة" فيما سلف 4: 203-206.

(34) انظر تفسير"عند" فيما سلف: 2: 500 / 7: 490 ، 495.

(35) انظر تفسير"سيئة" فيما سلف: 2: 281 ، 282 ، / 7: 482 ، 490 / 8: 254.

(36) الأثر: 9962 - انظر التعليق على الأثر السالف رقم: 9961.

(37) في المطبوعة: "القتل والهزيمة" ، وفي المخطوطة: "العال والهزيمة" غير منقوطة ، ورجحت أن صوابها"الفل" ، من قولهم: "فل القوم يفلهم فلا.": هزمهم وكسرهم.

(38) قال الفراء في معاني القرآن 1: 278: "(فمال) ، كثرت في الكلام حتى توهموا أن اللام متصلة ب"ما" ، وأنها حرف في بعضه".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثافيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : أينما تكونوا يدرككم الموت شرط ومجازاة ، و " ما " زائدة وهذا الخطاب عام وإن كان المراد المنافقين أو ضعفة المؤمنين الذين قالوا : لولا أخرتنا إلى أجل قريب أي إلى أن نموت بآجالنا ، وهو أشبه المنافقين كما ذكرنا ، لقولهم لما أصيب أهل أحد ، قالوا : لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فرد الله عليهم أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة قال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه .

وواحد البروج برج ، وهو البناء المرتفع والقصر العظيم .

قال طرفة يصف ناقة :كأنها برج رومي تكففها بان بشيد وآجر وأحجاروقرأ طلحة بن سليمان " يدرككم " برفع الكاف على إضمار الفاء ، وهو قليل لم يأت إلا في الشعر نحو قوله :من يفعل الحسنات الله يشكرهاأراد فالله يشكرها .[ ص: 244 ] واختلف العلماء وأهل التأويل في المراد بهذه البروج ، فقال الأكثر وهو الأصح .

إنه أراد البروج في الحصون التي في الأرض المبنية ، لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة ، فمثل الله لهم بها .

وقال قتادة : في قصور محصنة .

وقاله ابن جريج والجمهور ، ومنه قول عامر بن الطفيل للنبي صلى الله عليه وسلم : هل لك في حصن حصين ومنعة ؟

وقال مجاهد : البروج القصور .

ابن عباس : البروج الحصون والآطام والقلاع .

ومعنى مشيدة مطولة ، قاله الزجاج والقتبي .

عكرمة : المزينة بالشيد وهو الجص .

قال قتادة : محصنة .

والمشيد والمشيد سواء ، ومنه وقصر مشيد والتشديد للتكثير .

وقيل المشيد المطول ، والمشيد المطلي بالشيد .

يقال : شاد البنيان وأشاد بذكره .

وقال السدي : المراد بالبروج بروج في السماء الدنيا مبنية .

وحكى هذا القول مكي عن مالك وأنه قال ألا ترى إلى قوله تعالى : والسماء ذات البروج و جعل في السماء بروجا ولقد جعلنا في السماء بروجا .

وحكاه ابن العربي أيضا عن ابن القاسم عن مالك .

وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال : في بروج مشيدة معناه في قصور من حديد .

قال ابن عطية : وهذا لا يعطيه ظاهر اللفظ .الثانية : هذه الآية ترد على القدرية في الآجال ، لقوله تعالى : أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة فعرفهم بذلك أن الآجال متى انقضت فلا بد من مفارقة الروح الجسد ، كان ذلك بقتل أو موت أو غير ذلك مما أجرى الله العادة بزهوقها به .

وقالت المعتزلة : إن المقتول لو لم يقتله القاتل لعاش .

وقد تقدم الرد عليهم في " آل عمران " ويأتي فوافقوا بقولهم هذا الكفار والمنافقين .الثالثة : اتخاذ البلاد وبناؤها ليمتنع بها في حفظ الأموال والنفوس ، وهي سنة الله في عباده .

وفي ذلك أدل دليل على رد قول من يقول : التوكل ترك الأسباب ، فإن اتخاذ البلاد من أكبر الأسباب وأعظمها وقد أمرنا بها ، واتخذها الأنبياء وحفروا حولها الخنادق عدة وزيادة في التمنع .

وقد قيل للأحنف : ما حكمة السور ؟

فقال : ليردع السفيه حتى يأتي الحكيم فيحميه .الرابعة : وإذا تنزلنا على قول مالك والسدي في أنها بروج السماء ، فبروج الفلك اثنا عشر برجا مشيدة من الرفع ، وهي الكواكب العظام .

وقيل للكواكب بروج لظهورها ، من برج يبرج إذا ظهر وارتفع ؛ ومنه قوله : ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وخلقها الله تعالى [ ص: 245 ] منازل للشمس والقمر وقدره فيها ، ورتب الأزمنة عليها ، وجعلها جنوبية وشمالية دليلا على المصالح وعلما على القبلة ، وطريقا إلى تحصيل آناء الليل وآناء النهار لمعرفة أوقات التهجد وغير ذلك من أحوال المعاش .قوله تعالى : وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله أي إن يصب المنافقين خصب قالوا : هذا من عند الله .

وإن تصبهم سيئة أي جدب ومحل قالوا : هذا من عندك ، أي أصابنا ذلك بشؤمك وشؤم أصحابك .

وقيل : الحسنة : السلامة والأمن ، والسيئة : الأمراض والخوف .

وقيل : الحسنة : الغنى ، والسيئة : الفقر .

وقيل : الحسنة : النعمة والفتح والغنيمة يوم بدر ، والسيئة : البلية والشدة والقتل يوم أحد .

وقيل : الحسنة : السراء ، والسيئة : الضراء .

هذه أقوال المفسرين وعلماء التأويل - ابن عباس وغيره - في الآية .

وأنها نزلت في اليهود والمنافقين ، وذلك أنها لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة عليهم قالوا : ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه .

قال ابن عباس : ومعنى من عندك أي بسوء تدبيرك .

وقيل : من عندك بشؤمك ، كما ذكرنا ، أي بشؤمك الذي لحقنا ، قالوه على جهة التطير .

قال الله تعالى قل كل من عند الله أي الشدة والرخاء والظفر والهزيمة من عند الله ، أي بقضاء الله وقدره .

فمال هؤلاء القوم يعني المنافقين لا يكادون يفقهون حديثا أي ما شأنهم لا يفقهون أن كلا من عند الله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم أخبر أنه لا يغني حذر عن قدر، وأن القاعد لا يدفع عنه قعوده شيئًا، فقال: { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ } أي: في أي زمان وأي مكان.

{ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ } أي: قصور منيعة ومنازل رفيعة، وكل هذا حث على الجهاد في سبيل الله تارة بالترغيب في فضله وثوابه، وتارة بالترهيب من عقوبة تركه، وتارة بالإخبار أنه لا ينفع القاعدين قعودُهم، وتارة بتسهيل الطريق في ذلك وقصرها.يخبر تعالى عن الذين لا يعلمون المعرضين عما جاءت به الرسل، المعارضين لهم أنهم إذا جاءتهم حسنة أي: خصب وكثرة أموال، وتوفر أولاد وصحة، قالوا: { هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } وأنهم إن أصابتهم سيئة أي: جدب وفقر، ومرض وموت أولاد وأحباب قالوا: { هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ } أي: بسبب ما جئتنا به يا محمد، تطيروا برسول الله صلى الله عليه وسلم كما تطير أمثالهم برسل الله، كما أخبر الله عن قوم فرعون أنهم قالوا لموسى { فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ } وقال قوم صالح: { قالوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ } وقال قوم ياسين لرسلهم: { إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ } الآية.

فلما تشابهت قلوبهم بالكفر تشابهت أقوالهم وأعمالهم.

وهكذا كل من نسب حصول الشر أو زوال الخير لما جاءت به الرسل أو لبعضه فهو داخل في هذا الذم الوخيم.

قال الله في جوابهم: { قُلْ كُلٌّ } أي: من الحسنة والسيئة والخير والشر.

{ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } أي: بقضائه وقدره وخلقه.

{ فَمَا لهَؤُلَاءِ الْقَوْم } أي: الصادر منهم تلك المقالة الباطلة.

{ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا } أي: لا يفهمون حديثا بالكلية ولا يقربون من فهمه، أو لا يفهمون منه إلا فهمًا ضعيفًا، وعلى كل فهو ذم لهم وتوبيخ على عدم فهمهم وفقههم عن الله وعن رسوله، وذلك بسبب كفرهم وإعراضهم.

وفي ضمن ذلك مدْح من يفهم عن الله وعن رسوله، والحث على ذلك، وعلى الأسباب المعينة على ذلك، من الإقبال على كلامهما وتدبره، وسلوك الطرق الموصلة إليه.

فلو فقهوا عن الله لعلموا أن الخير والشر والحسنات والسيئات كلها بقضاء الله وقدره، لا يخرج منها شيء عن ذلك.

وأن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يكونون سببا لشر يحدث، هم ولا ما جاءوا به لأنهم بعثوا بصلاح الدنيا والآخرة والدين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( أينما تكونوا يدرككم الموت ) أي : ينزل بكم الموت ، نزلت في المنافقين الذين قالوا في قتلى أحد : لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فرد الله عليهم بقوله : ( أينما تكونوا يدرككم الموت ) ، ( ولو كنتم في بروج مشيدة ) والبروج : الحصون والقلاع ، والمشيدة : المرفوعة المطولة ، قال قتادة : معناه في قصور محصنة ، وقال عكرمة : مجصصة ، والشيد : الجص ، ( وإن تصبهم حسنة ) نزلت في اليهود والمنافقين ، وذلك أنهم قالوا لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة : ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه .

قال الله تعالى : ( وإن تصبهم ) يعني : اليهود ( حسنة ) أي خصب ورخص في السعر ، ( يقولوا هذه من عند الله ) لنا ، ( وإن تصبهم سيئة ) يعني : الجدب وغلاء الأسعار ( يقولوا هذه من عندك ) أي : من شؤم محمد وأصحابه ، وقيل : المراد بالحسنة الظفر والغنيمة يوم بدر ، وبالسيئة القتل والهزيمة يوم أحد ، يقولوا هذه من عندك أي : أنت الذي حملتنا عليه يا محمد ، فعلى هذا يكون هذا من قول المنافقين ، ( قل ) لهم يا محمد ، ( كل من عند الله ) أي : الحسنة والسيئة كلها من عند الله ، ثم عيرهم بالجهل فقال : ( فمال هؤلاء القوم ) يعني : المنافقين واليهود ، ( لا يكادون يفقهون حديثا ) أي : لا يفقهون قولا وقيل : الحديث هاهنا هو القرآن أي : لا يفقهون معاني القرآن .

قوله : ( فمال هؤلاء ) قال الفراء : كثرت في الكلام هذه الكلمة حتى توهموا أن اللام متصلة بها وأنهما حرف واحد ، ففصلوا اللام مما بعدها في بعضه ، ووصلوها في بعضه ، والاتصال القراءة ، ولا يجوز الوقف على اللام لأنها لام خافضة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أينما تكونوا يدرككُّم الموت ولو كنتم في بروج» حصون «مشيدة» مرتفعة فلا تخشوا القتال خوف الموت «وإن تصبهم» أي اليهود «حسنة» خصب وسعة «يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة» جدب وبلاء كما لهم عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة «يقولوا هذه من عندك» يا محمد أي بشؤمك «قل» لهم «كل» من الحسنة والسيئة «من عند الله» من قبله «فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون» أي لا يقاربون أن يفهموا «حديثا» يُلقى إليهم وما استفهام تعجب من فرط جهلهم ونفي مقاربة الفعل أشد من نفيه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أينما تكونوا يلحقكم الموت في أي مكان كنتم فيه عند حلول آجالكم، ولو كنتم في حصون منيعة بعيدة عن ساحة المعارك والقتال.

وإن يحصل لهم ما يسرُّهم من متاع هذه الحياة، ينسبوا حصوله إلى الله تعالى، وإن وقع عليهم ما يكرهونه ينسبوه إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم جهالة وتشاؤمًا، وما علموا أن ذلك كله من عند الله وحده، بقضائه وقدره، فما بالهم لا يقاربون فَهْمَ أيِّ حديث تحدثهم به؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أنه لا مفر لهم من الموت ، وأنهم مهما فروا منه فإنه سيلقاهم آجلا أو عاجلا فقال - تعالى - : ( أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ) .والبروج : مع برج وهو الحصن المنيع الذى هو نهاية ما يصل إليه البشر فى التحصن والمنعة .

وأصل البروج من التبرج بمعنى الظهور .

يقال : تبرجت المرأة ، إذا أظهرت محاسنها .

والمراد بها الحصون والقلاع الشاهقة المنيعة .والمشيدة : أى المحكة البناء ، والعظيمة الارتفاع من شاد القصر إذا رفعه ، والمعنى : إنكم أيها الخائفون من القتال إن ظننتم أن هذا الخوف منه أو القعود عنه سينجيكم من الموت ، فأنتم بهذا الظن مخطئون ، لأن الموت حيثما سيدرككم ، ولو كنتم فى أقوى الحصون ، وأمنعها وأحكمها بناء ، وما دام الأمر كذلك فليكن موتكم وأنتم مقبلون بدل أن تموتوا وأنتم مدبرون .والجملة الكريمة لا محل لها من الإِعراب ، لأنها مسوقة على سبيل الاستئناف لتبكيت هؤلاء الكارهين للقتال ، وتحريض غيرهم من المؤمنين على الإِقدام عليه من أجل نصرة الحق .ويحتمل أنها فى محل نصب ، فتكون داخلة فى حيز القول المأمور به الرسول صلى الله عليه وسلم أى : قل لهم يا محمد متاع الدنيا قليل .

وقل لهم ( أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت ) .وأين : اسم شرط جازم ظرف مكان يجزم فعلين ، و " ما " زائدة للتأكيد ، وتكونوا فعل الشرط ويدرككم جوابه .والتعبير بقوله ( يُدْرِككُّمُ ) للإِشعار بأن الموت كأنه كائن حى يطلب الإِنسان ويتبعه حيثما كان ، وفى أى وقت كان ، فهو طالب لابد أن يدرك ما يطلبه ولا بد أن يصل إليه هما تحصن منه ، أو هرب من لقائه .وجواب ( لو ) محذوف اعتماداً على دلالة ما قبله عليه أى : ولو كنتم فى بروج مشيدة لأدرككم الموت .وقريب فى المعنى من هذه الآية قوله - تعالى - ( قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الموت أَوِ القتل ) وقوله - تعالى - ( قُلْ إِنَّ الموت الذي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ) فالجملة الكريمة صريحة فى بيان أن الموت أمر لا مفر منه ، ولا مهرب عنه سواء أقاتل الإِنسان أم لم يقاتل .

وما أحسن قول زهير بن أبى سلمى :ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ...

ولو رام أسباب السماء بسلمثم حكى - سبحانه - ما كان يتفوه به المنافقون وإخوانهم فى الكفر من باطل وزور فقال - تعالى : ( وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله ) .أى : إن هؤلاء المنافقين وأشباههم ، من ضعاف الإِيمان وإخوانهم فى الكفر بلغ بهم الفجور أنهم إذا أصابتهم حال حسنة من نعمة أو رخاء أو خصب أو غنيمة أو ظفر قالوا هذه الحال من عند الله ، وإذا أصابتهم حال سيئة من جدب أو مصيبة أو هزيمة قالوا هذه الحال من عندك يا محمد بسبب شؤمك وسوء قيادتك - وحاشاه من ذلك صلى الله عليه وسلم - .وهذا القول منهم قريب من قول قوم فرعون لموسى - عليه السلام - كما حكاه القرآن عنهم فى قوله : ( فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الحسنة قَالُواْ لَنَا هذه وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ ) قال القرطبى : نزلت هذه الآية فى اليهود والمنافقين ، وذلك أنهم لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة عليهم قالوا : ما زلنا نعرف النقص فى ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه .

قال ابن عباس : ومعنى ( مِنْ عِندِكَ ) أى : بسوء تدبيرك .

وقيل ( مِنْ عِندِكَ ) أى بشؤمك الذى لحقنا ، قالوه على جهة التطير .وقوله ( قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله ) أمر من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يرد على مزاعمهم الباطلة .

أى قل لهم يا محمد كل واحدة من النعمة والمصيبة هى من جهة الله - تعالى خلقا وإيجاداً من غير أن يكون لى مدخل فى وقوع شئ منها بوجه من الوجوه كما تزعمون :وقوله ( فَمَالِ هؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ) جملة معترضة مسوقة لتعييرهم بالجهل والغباوة ، والفاء فى قوله ( فَمَالِ ) لترتيب ما عدها على ما قبلها والمعنى .

وإذا كان الأمر كذلك وهو أن كل شئ من عند الله ، فمال هؤلاء القوم من المنافقين وإخوانهم فى الكفر وضعف الإِيمان لا يكادون - لانطماس بصيرتهم - يفقهون ما يلقى عليهم من مواعظ ، ولا يفهمون معنى ما يسمعون وما يقولون ، إذ لو فقهوا شيئا مما يوعظون به لعلوا أن الله هو القابض الباسط ، وأنه المعطى المانع .قال - تعالى - ( مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ العزيز الحكيم ) وقوله - تعالى -

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

والمقصود من هذا الكلام تبكيت من حكى عنهم أنهم عند فرض القتال يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال، فقال تعالى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت ﴾ فبين تعالى أنه لا خلاص لهم من الموت، والجهاد موت مستعقب لسعادة الآخرة، فاذا كان لابد من الموت، فبأن يقع على وجه يكون مستعقباً للسعادة الأبدية كان أولى من أن لا يكون كذلك، ونظير هذه الآية قوله: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ والبروج في كلام العرب هي القصور والحصون، وأصلها في اللغة من الظهور، يقال: تبرجت المرأة، إذا أظهرت محاسنها، والمشيدة المرتفعة، وقرئ ﴿ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ قال صاحب الكشاف: من شاد إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجص، وقرأ نعيم بن ميسرة بكسر الياء وصفاً لها بفعل فاعلها مجازا، كما قالوا: قصيدة شاعرة، وإنما الشاعر قائلها.

قوله تعالى: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله فَمَالِ هَؤُلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ .

اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد خائقين من الموت غير راغبين في سعادة الآخرة حكى عنهم في هذه الآية خصلة أخرى قبيحة أقبح من الأولى، وفي النظم وجه آخر، وهو أن هؤلاء الخائفين من الموت المتثاقلين في الجهاد من عادتهم أنهم إذا جاهدوا وقاتلوا فان أصابوا راحة وغنيمة قالوا: هذه من عند الله، وإن أصابهم مكروه قالوا: هذا من شؤم مصاحبة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على غاية حمقهم وجهلهم وشدة عنادهم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في الحسنة والسيئة وجوها؛ الأول: قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله عنهم بعض الامساك كما جرت عادته في جميع الأمم، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأساء والضراء ﴾ فعند هذا قال اليهود والمنافقون: ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل، نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم، فقوله تعالى: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار قالوا: هذا من عند الله ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ ﴾ جدب وغلاء سعر قالوا هذا من شؤم محمد، وهذا كقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة قَالُواْ لَنَا هذه وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ  ﴾ وعن قوم صالح: ﴿ قَالُواْ اطيرنا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ  ﴾ .

القول الثاني: المراد من الحسنة النصر على الاعداء والغنيمة، ومن السيئة القتل والهزيمة قال القاضي: والقول الأول هو المعتبر لأن اضافة الخصب والغلاء إلى الله وكثرة النعم وقلتها إلى الله جائزة، أما إضافة النصر والهزيمة إلى الله فغير جائزة، لأن السيئة إذا كانت بمعنى الهزيمة والقتل لم يجز إضافتها إلى الله، وأقول: القول كما قال على مذهبه، أما على مذهبنا فالكل داخل في قضاء الله وقدره.

المسألة الثانية: اعلم أن السيئة تقع على البلية والمعصية، والحسنة على النعمة والطاعة قال تعالى: ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات  ﴾ .

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ يفيد العموم في كل الحسنات، وكذلك قوله: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ ﴾ يفيد العموم في كل السيئات، ثم قال بعد ذلك: ﴿ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله ﴾ فهذا تصريح بأن جميع الحسنات والسيئات من الله، ولما ثبت بما ذكرنا أن الطاعات والمعاصي داخلتان تحت اسم الحسنة والسيئة كانت الآية دالة على أن جميع الطاعات والمعاصي من الله، وهو المطلوب.

فان قيل: المراد هاهنا بالحسنة والسيئة ليس هو الطاعة والمعصية، ويدل عليه وجوه: الأول: اتفاق الكل على أن هذه الآية نازلة في معنى الخصب والجدب فكانت مختصة بهما.

الثاني: أن الحسنة التي يراد بها الخير والطاعة لا يقال فيها أصابتني، إنما يقال أصبتها، وليس في كلام العرب أصابت فلانا حسنة بمعنى عمل خيرا، أو أصابته سيئة بمعنى عمل معصية، فعلى هذا لو كان المراد ما ذكرتم لقال ان أصبتم حسنة.

الثالث: لفظ الحسنة واقع بالاشتراك على الطاعة وعلى المنفعة، وهاهنا أجمع المفسرون على أن المنفعة مرادة، فيمتنع كون الطاعة مرادة، ضرورة أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا.

فالجواب عن الأول: أنكم تسلمون أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ.

والجواب عن الثاني: أنه يصح أن يقال: أصابني توفيق من الله وعون من الله، وأصابه خذلان من الله، ويكون مراده من ذلك التوفيق والعون تلك الطاعة، ومن الخذلان تلك المعصية.

والجواب عن الثالث: أن كل ما كان منتفعا به فهو حسنة، فان كان منتفعا به في الآخرة فهو الطاعة، وإن كان منتفعا به في الدنيا فهو السعادة الحاضرة، فاسم الحسنة بالنسبة إلى هذين القسمين متواطئ الاشتراك، فزال السؤال.

فثبت أن ظاهر الآية يدل على ما ذكرناه، ومما يدل على أن المراد ليس إلا ذاك ما ثبت في بدائه العقول أن كل موجود فهو إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته، والواجب لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى، والممكن لذاته كل ما سواه، فالممكن لذاته إن استغنى عن المؤثر فسد الاستدلال بجواز العالم وحدوثه على وجود الصانع، وحينئذ يلزم نفي الصانع، وإن كان الممكن لذاته محتاجا إلى المؤثر، فاذا كان كل ما سوى الله ممكنا كان كل ما سوى الله مستنداً إلى الله، وهذا الحكم لا يختلف بأن يكون ذلك الممكن ملكا أو جمادا أو فعلا للحيوان أو صفة للنبات، فان الحكم لاستناد الممكن لذاته إلى الواجب لذاته لما بينا من كونه ممكنا كان الكل فيه على السوية، وهذا برهان أوضح وأبين من قرص الشمس على أن الحق ما ذكره تعالى، وهو قوله: ﴿ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَالِ هَؤُلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: انه لما كان البرهان الدال على أن كل ما سوى الله مستنداً إلى الله على الوجه الذي لخصناه في غاية الظهور والجلاء، قال تعالى: ﴿ فَمَالِ هَؤُلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ وهذا يجري مجرى التعجب من عدم وقوفهم على صحة هذا الكلام مع ظهوره.

قالت المعتزلة: بل هذه الآية دالة على صحة قولنا، لأنه لو كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق الله تعالى لم يبق هذا التعجب معنى ألبتة، لأن السبب في عدم حصول هذه المعرفة هو أنه تعالى ما خلقها وما أوجدها، وذلك يبطل هذا التعجب، فحصول هذا التعجب يدل على أنه إنما تحصل بايجاد العبد لا بايجاد الله تعالى.

واعلم أن هذا الكلام ليس إلا التمسك بطريقة المدح والذم، وقد ذكرنا أنها معارضة بالعلم.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: أجمع المفسرون على أن المراد من قوله: ﴿ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ أنهم لا يفقهون هذه الآية المذكورة في هذا الموضع، وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديث، والحديث فعيل بمعنى مفعول، فيلزم منه أن يكون القرآن محدثا.

والجواب: مرادكم بالقرآن ليس إلا هذه العبارات، ونحن لا ننازع في كونها محدثة.

المسألة الثالثة: الفقه: الفهم، يقال أوتى فلانا فقها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس: فقهه في التأويل أي فهمه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ ﴿ يدركُكم ﴾ بالرفع وقيل: هو على حذف الفاء، كأنه قيل: فيدرككم الموت، وشبه بقول القائل: مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ للَّهُ يَشْكُرُهَا ويجوز أن يقال: حمل على ما يقع موقع ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ ﴾ ، وهو أينما كنتم، كما حمل (ولا ناعب)، على ما يقع موقع (ليسوا مصلحين) وهو ليسوا بمصلحين، فرفع كما رفع زهير: يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرِمُ وهو قول نحوي سيبوي.

ويجوز أن يتصل بقوله: ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ أي ولا تنقصون شيئاً مما كتب من آجالكم.

أينما تكونوا في ملاحم حروب أو غيرها، ثم ابتدأ قوله: ﴿ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ والوقف على هذا الوجه على (أينما تكونوا).

والبروج: الحصون.

مشيدة مرفعة.

وقرئ ﴿ مشيَّدة ﴾ من شاد القصر إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجصّ.

وقرأ نعيم بن ميسرة ﴿ مشيدة ﴾ بكسر الياء وصفاً لها بفعل فاعلها مجازاً كما قالوا: قصيدة شاعرة، وإنما الشاعر قارضها.

السيئة تقع على البلية والمعصية.

والحسنة على النعمة والطاعة.

قال الله تعالى: ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الأعراف: 198] وقال: ﴿ إِنَّ الحسنات يُذْهِبْن السيآت ﴾ [هود: 114] .

والمعنى: وإن تصبهم نعمة من خصب ورخاء نسبوها إلى الله، وإن تصبهم بلية من قحط وشدة أضافوها إليك وقالوا: هي من عندك، وما كانت إلا بشؤمك، كما حكى الله عن قوم موسى: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ ﴾ [الأعراف: 131] وعن قوم صالح: ﴿ قَالُواْ اطيرنا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ ﴾ [النمل: 47] وروي عن اليهود لعنت أنها تشاءمت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: منذ دخل المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها، فردّ الله عليهم ﴿ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله ﴾ يبسط الأرزاق ويقبضها على حسب المصالح ﴿ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ فيعلموا أن الله هو الباسط القابض، وكل ذلك صادر عن حكمة وصواب ثم قال ﴿ مَا أَصَابَكَ ﴾ يا إنسان خطاباً عاماً ﴿ مِنْ حَسَنَةٍ ﴾ أي من نعمة وإحسان ﴿ فَمِنَ الله ﴾ تفضلاً منه وإحساناً وامتناناً وامتحاناً ﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ ﴾ أي من بلية ومصيبة ﴿ فمن نفسك ﴾ ، لأنك السبب فيها بما اكتسبت يداك ﴿ وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِير ﴾ [الشورى: 30] وعن عائشة رضي الله عنها: «ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب، حتى الشوكة يشاكها، وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب، وما يعفو الله أكثر» ﴿ وأرسلناك لِلنَّاسِ رَسُولاً ﴾ أي رسولاً للناس جميعاً لست برسول العرب وحدهم، أنت رسول العرب والعجم، كقوله: ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ ﴾ [سبأ: 28] ، ﴿ قُلْ ياأَيُّهَا الناس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [الأعراف: 158] ، ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ على ذلك، فما ينبغي لأحد أن يخرج عن طاعتك واتباعك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى حَذْفِ الفاءِ كَما في قَوْلِهِ: مَن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها أوْ عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، وأيْنَما مُتَّصِلٌ بِ لا تُظْلَمُونَ.

﴿ وَلَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ في قُصُورٍ أوْ حُصُونٍ مُرْتَفِعَةٍ، والبُرُوجُ في الأصْلِ بُيُوتٌ عَلى أطْرافِ القُصُورِ، مِن تَبَرَّجَتِ المَرْأةُ إذا ظَهَرَتْ.

وقُرِئَ مَشِيدَةٍ بِكَسْرِ الياءِ وصْفًا لَها بِوَصْفِ فاعِلِها كَقَوْلِهِمْ: قَصِيدَةٌ شاعِرَةٌ، ومَشِيدَةٌ مِن شادَ القَصْرَ إذا رَفَعَهُ.

﴿ وَإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ ﴾ كَما تَقَعُ الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ عَلى الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ يَقَعانِ عَلى النِّعْمَةِ والبَلِيَّةِ، وهُما المُرادُ في الآيَةِ أيْ: وإنْ تُصِبْهم نِعْمَةٌ كَخِصْبٍ نَسَبُوها إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإنْ تُصِبْهم بَلِيَّةٌ كَقَحْطٍ أضافُوها إلَيْكَ وقالُوا إنْ هي إلّا بِشُؤْمِكَ كَما قالَتِ اليَهُودُ: مُنْذُ دَخَلَ مُحَمَّدٌ المَدِينَةَ نَقَصَتْ ثِمارُها وغَلَتْ أسْعارُها.

﴿ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أيْ يَبْسُطُ ويَقْبِضُ حَسَبَ إرادَتِهِ.

﴿ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴾ يُوعَظُونَ بِهِ، وهو القُرْآنُ فَإنَّهم لَوْ فَهِمُوهُ وتَدَبَّرُوا مَعانِيَهُ لَعَلِمُوا أنَّ الكُلَّ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، أوْ حَدِيثًا ما كَبَهائِمٍ لا أفْهامَ لَها أوْ حادِثًا مِن صُرُوفِ الزَّمانِ فَيَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ القابِضَ والباسِطَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم أخبر أن الحذر لا ينجي من القدر بقوله {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت} ما زائدة لتوكيد معنى الشرط في أين {وَلَوْ كنتم في بروج} حصون

النساء (٧٨ _ ٨١)

أو قصور {مُّشَيَّدَةٍ} مرفعة {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} نعمة من خصب ورخاء {يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله} نسبوها إلى الله {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ} بلية من قحط وشدة {يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ} أضافوها إليك وقالوا هذه من عندك وما كانت الابشؤمك وذلك أن المنافقين واليهود كانوا إذا أصابهم خير حمدوا الله تعالى وإذا أصابهم مكروه نسبوه إلى محمد صلى الله عليه وسلم فكذبهم الله تعالى بقوله {قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله} والمضاف إليه محذوف أي كل ذلك فهو يبسط الأرزاق ويقبضها {فما لهؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ} يفهمون {حَدِيثاً} فيعلمون أن الله هو الباسط القابض وكل ذلك صادر عن حكمة ثم قال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ كَلامٍ مَسُوقٍ مِن قِبَلِهِ تَعالى بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ وصَرْفِهِ عَنْ سَيِّدِ المُخاطَبِينَ  - إلى مَن ذَكَرَ أوَّلًا اعْتِناءً بِإلْزامِهِمْ أثَرَ بَيانِ حَقارَةِ الدُّنْيا وفَخامَةِ الآخِرَةِ بِواسِطَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ داخِلًا في حَيِّزِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، فَمَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ، وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ ما تَقَدَّمَ جَوابًا لِلْجُمْلَةِ الأُولى مِن قَوْلِهِمْ، وهَذا جَوابًا لِلثّانِيَةِ مِنهُ، فَكَأنَّهُ لَمّا قالُوا: ﴿ لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ ﴾ أُجِيبُوا بِبَيانِ الحِكْمَةِ بِأنَّهُ كُتِبَ عَلَيْكم لِيَكْثُرَ تَمَتُّعُكُمْ، ويَعْظُمَ نَفْعُكُمْ؛ لِأنَّهُ يُوجِبُ تَمَتُّعَ الآخِرَةِ، ولَمّا قالُوا: ﴿ لَوْلا أخَّرْتَنا ﴾ إلَخْ أُجِيبُوا بِأنَّهُ: ﴿ أيْنَما تَكُونُوا ﴾ في السَّفَرِ أوْ في الحَضَرِ ﴿ يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ)؛ ﴾ لِأنَّ الأجَلَ مُقَدَّرٌ فَلا يَمْنَعُ عَنْهُ الخُرُوجُ إلى القِتالِ، وفي التَّعْبِيرِ بِالإدْراكِ إشْعارٌ بِأنَّ القَوْمَ لِشِدَّةِ تَباعُدِهِمْ عَنْ أسْبابِ المَوْتِ وقُرْبِ وقْتِ حُلُولِهِ إلَيْهِمْ بِمَمَرِّ الأنْفاسِ والآناتِ كَأنَّهم في الهَرَبِ مِنهُ، وهو مُجِدٌّ في طَلَبِهِمْ، لا يُفَتَّرُ نَفَسًا واحِدًا في التَّوَجُّهِ إلَيْهِمْ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ (يُدْرِكُكُمْ) بِالرَّفْعِ، واخْتُلِفَ في تَخْرِيجِهِ فَقِيلَ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ كَما في قَوْلِهِ عَلى ما أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ: مَن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ الِاكْتِفاءُ بِتَقْدِيرِ الفاءِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم مُبْتَدَأً مَعَها أيْ: (فَأنْتُمْ يُدْرِكُكُمْ) وقِيلَ: هو مُؤَخَّرٌ مِن تَقْدِيمٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَحْسُنُ فِيما إذا كانَ ما قَبْلَهُ طالِبًا لَهُ، كَما في قَوْلِهِ: يا أقْرَعُ بْنَ حابِسٍ يا أقْرَعُ ∗∗∗ إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ أوْ فِيما إذا لَمْ تَكُنِ الأداةُ اسْمَ شَرْطٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ الشَّرْطَ الأوَّلَ - وإنْ نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ - إلّا أنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ أيْضًا الإطْلاقُ، والشَّرْطُ الثّانِي لَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ، وقِيلَ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى تَوَهُّمِ كَوْنِ الشَّرْطِ ماضِيًا، فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يَجِبُ ظُهُورُ الجَزْمِ في الجَوابِ؛ لِأنَّ الأداةَ لَمّا لَمْ يَظْهَرْ أثَرُها في القَرِيبِ لَمْ يَجِبْ ظُهُورُهُ في البَعِيدِ، وما قِيلَ عَلَيْهِ مِن أنَّ كَوْنَ الشَّرْطِ ماضِيًا والجَزاءِ مُضارِعًا إنَّما يَحْسُنُ في كَلِمَةٍ (أنْ) لِقَلْبِها الماضِيَ إلى مَعْنى الِاسْتِقْبال، فَلا يَحْسُنُ (أيْنَما كُنْتُمْ يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ) إلّا عَلى حِكايَةِ الماضِي، وقَصْدُ الِاسْتِحْضارِ فِيهِ نَظَرٌ، نَعَمْ، يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ فِيهِ تَعَسُّفًا إذًا؛ لِتَوَهُّمِ - كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ - أنْ يَكُونَ ما يُتَوَهَّمُ هو الأصْلَ، أوْ مِمّا كَثُرَ في الِاسْتِعْمالِ حَتّى صارَ كالأصْلِ، وما تُوُهِّمَ هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ.

وقِيلَ: (إنْ يُدْرِكْكُمُ) كَلامٌ مُبْتَدَأٌ و(أيْنَما تَكُونُوا) مُتَّصِلٌ بِـ(تُظْلَمُونَ) واعْتُرِضَ - كَما قالَ الشِّهابُ -: بِأنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ مَعْنًى وصِناعَةً، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لا يُناسِبُ اتِّصالَهُ بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ (لا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) المُرادُ مِنهُ في الآخِرَةِ، فَلا يُناسِبُهُ التَّعْمِيمُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ عَمَلُ ما قَبْلَ اسْمِ الشَّرْطِ فِيهِ، وهو غَيْرُ صَحِيحٍ لِصَدارَتِهِ، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن تَعْمِيمِ (ولا تُظْلَمُونَ) لِلدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: لا يُنْقَصُونَ شَيْئًا مِن مُدَّةِ الأجَلِ المَعْلُومِ، لا مِنَ الأجْوَدِ، وبِهِ يَنْتَظِمُ الكَلامُ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ المُرادَ مِنَ الِاتِّصالِ بِما قَبْلَهُ - كَما قالَ الحَلَبِيُّ والسَّفاقِسِيُّ - اتِّصالُهُ بِهِ مَعْنًى لا عَمَلًا عَلى أنَّ (أيْنَما تَكُونُوا) شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ (لا تُظْلَمُونَ) وما قَبْلَهُ دَلِيلُ الجَوابِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا التَّخْرِيجَ - وإنِ التُزِمَ الذَّبُّ عَنْهُ بِما تَرى - خِلافُ الظّاهِرِ المُنْساقِ إلى الذِّهْنِ، وأوْلى التَّخْرِيجاتِ أنَّهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والقَوْلُ بِأنَّ الحَذْفَ ضَرُورَةٌ في حَيِّزِ المَنعِ.

﴿ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ ﴾ أيْ قُصُورٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وعَنِ السُّدِّيِّ والرَّبِيعِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: أنَّها قُصُورٌ في السَّماءِ الدُّنْيا، وقِيلَ: المُرادُ بِها بُرُوجُ السَّماءِ المَعْلُومَةُ، وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ أنَّها البُيُوتُ الَّتِي فَوْقَ القُصُورِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّها الحُصُونُ والقِلاعُ، وهي جُمَعٌ، ج، وأصْلُهُ مِنَ التَّبَرُّجِ وهو الإظْهارُ، ومِنهُ: تَبَرَّجَتِ المَرْأةُ إذا أظْهَرَتْ حُسْنَها ﴿ مُشَيَّدَةٍ ﴾ أيْ: مَطْلِيَّةٍ بِالشِّيدِ وهو الجِصُّ قالَهُ عِكْرِمَةُ، أوْ مُطَوَّلَةٍ بِارْتِفاعٍ قالَهُ الزَّجّاجُ، فَهو مِن شَيَّدَ البِناءَ إذا رَفَعَهُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: (مَشِيدَةٍ) بِفَتْحِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الياءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ وقَرَأ أبُو نُعَيْمِ بْنُ مَيْسَرَةَ: (مُشَيِّدَةٍ) بِكَسْرِ الياءِ عَلى التَّجَوُّزِ، كَـ(عِيشَةٍ راضِيَةٍ) وقَصِيدَةٍ شاعِرَةٍ، والجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عَلى أُخْرى مِثْلِها، أيْ: لَوْ لَمْ تَكُونُوا في بُرُوجٍ ولَوْ كُنْتُمُ إلَخْ، وقَدِ اطَّرَدَ الحَذْفُ في مِثْلِ ذَلِكَ لِوُضُوحِ الدَّلالَةِ.

﴿ وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ ﴾ نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ زَيْدٍ في اليَهُودِ، وذَلِكَ «أنَّهم كانُوا قَدْ بُسِطَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ، فَلَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ  المَدِينَةَ فَدَعاهُمُ إلى الإيمانِ فَكَفَرُوا، أُمْسِكَ عَنْهم بَعْضَ الإمْساكِ، فَقالُوا: ما زِلْنا نَعْرِفُ النَّقْصَ في ثِمارِنا ومَزارِعِنا مُذْ قَدِمَ عَلَيْنا هَذا الرَّجُلُ،» فالمَعْنى: إنْ تُصِبْهم نِعْمَةٌ أوْ رَخاءٌ نَسَبُوها إلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ تُصِبْهم بَلِيَّةٌ مِن جَدْبٍ وغَلاءٍ أضافُوها إلَيْكَ مُتَشائِمِينَ، كَما حُكِيَ عَنْ أسْلافِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ﴾ وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، والبَلْخِيُّ، والجُبّائِيُّ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ ابْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ القِتالِ يَوْمَ أُحُدٍ، وقالُوا لِلَّذِينَ قُتِلُوا: ﴿ لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا ﴾ فالمَعْنى: إنْ تُصِبْهم غَنِيمَةٌ قالُوا: هي مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ تُصِبْهم هَزِيمَةٌ قالُوا: هي مِن سُوءِ تَدْبِيرِكَ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَن تَقَدَّمَ، ولَيْسَ بِالصَّحِيحِ، وصَحَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ جَمِيعًا، لَمّا تَشاءَمُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ  حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ، وقُحِطُوا، وعَلى هَذا فالمُتَبادَرُ مِنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هُنا النِّعْمَةُ والبَلِيَّةُ، وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُها في الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، وإلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وأُيَّدَ بِإسْنادِ الإصابَةِ إلَيْهِما، بَلْ جَعَلَهُ صاحِبُ الكَشْفِ دَلِيلًا بَيِّنًا عَلَيْهِ، وبِأنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ لِذِكْرِ المَوْتِ والسَّلامَةِ قَبْلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أمْرٌ لَهُ  بِأنْ يَرُدَّ زَعْمَهُمُ الباطِلَ، واعْتِقادَهُمُ الفاسِدَ، ويُرْشِدَهم إلى الحَقِّ بِبَيانِ إسْنادِ الكُلِّ إلَيْهِ تَعالى عَلى الإجْمالِ، أيْ: كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ النِّعْمَةِ والبَلِيَّةِ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى خَلْقًا وإيجادًا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي مَدْخَلٌ في قَوْعٍ شَيْءٍ مِنها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ - كَما تَزْعُمُونَ - بَلْ وُقُوعُ الأوْلى مِنهُ تَعالى بِالذّاتِ تَفَضُّلًا، ووُقُوعُ الثّانِيَةِ بِواسِطَةِ ذُنُوبِ مَنِ ابْتُلِيَ بِها عُقُوبَةً، كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ.

وهَذا الجَوابُ المُجْمَلُ في مَعْنى ما قِيلَ رَدًّا عَلى أسْلافِ اليَهُودِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ إنَّما سَبَبُ خَيْرِهِمْ وشَرِّهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا عِنْدَ غَيْرِهِ، حَتّى يَسْتَنِدَ ذَلِكَ إلَيْهِ ويَطَّيَّرُوا بِهِ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، ومِنهُ يُعْلَمُ انْدِفاعُ ما قِيلَ: إنَّ القَوْمَ لَمْ يَعْتَقِدُوا أنَّ النَّبِيَّ  فاعِلُ السَّيِّئَةِ كَما اعْتَقَدُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى فاعِلُ الحَسَنَةِ، بَلْ تَشاءَمُوا بِهِ وحاشاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا رَدًّا عَلَيْهِمْ، ولا حاجَةَ إلى ما أجابَ بِهِ العَلّامَةُ الثّانِي مِن أنَّ الجَوابَ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ بَلْ هو إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ ﴾ إلَخْ.

وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ ﴾ أيِ: اليَهُودِ والمُنافِقِينَ والمُحْتَقِرِينَ ﴿ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ ﴾ أيْ يَفْهَمُونَ ﴿ حَدِيثًا ﴾ .

أيْ كَلامًا يُوعَظُونَ بِهِ وهو القُرْآنُ، أوْ كَلامًا ما، أوْ كُلَّ شَيْءٍ حَدَثَ وقَرُبَ عَهْدُهُ، كَلامٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المُبَيَّنِ وبَيانِهِ، مَسُوقٌ لِتَعْيِيرِهِمْ بِالجَهْلِ وتَقْبِيحِ حالِهِمْ، والتَّعْجِيبِ مِن كَمالِ غَباوَتِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ حالِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها ما في الظَّرْفِ مِنَ الِاسْتِقْرارِ، أوِ الظَّرْفُ نَفْسُهُ، والمَعْنى حَيْثُ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَأيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لِهَؤُلاءِ حالَ كَوْنِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَفْقَهُوا نُصُوصَ القُرْآنِ النّاطِقَةَ بِأنَّ الكُلَّ فائِضٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، أوْ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَفْهَمُوا (حَدِيثًا) مُطْلَقًا، حَتّى عُدُّوا كالبَهائِمِ الَّتِي لا أفْهامَ لَها، أوْ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَعْقِلُوا صُرُوفَ الدَّهْرِ وتَغَيُّرَهُ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّهُ لَها فاعِلًا حَقِيقِيًّا بِيَدِهِ جَمِيعُ الأُمُورِ، ولا مَدْخَلَ لِأحَدٍ مَعَهُ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا مَبْنِيًّا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الِاسْتِفْهامِ، وهو ظاهِرٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالكَلامُ مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ المُبالَغَةِ في عَدَمِ فَهْمِهِمْ، فَلا يُنافى اعْتِقادَهم أنَّ الحَسَنَةَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.

ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ المُرادَ مِنَ الحَدِيثِ هو ما تَفَوَّهُوا بِهِ آنِفًا، حَيْثُ إنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ تَعَدُّدُ الخالِقِ، المُسْتَلْزِمُ لِلشِّرْكِ، المُؤَدِّي إلى فَسادِ العالَمِ، وأنَّ (ما) في حَيِّزِ الأمْرِ رَدٌّ لِهَذا اللّازِمِ، وقُدِّمَ لِكَوْنِهِ أهَمَّ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ بِما هو حَقِيقَةُ الجَوابِ، أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنَ نَفْسِكَ ﴾ وعَلى ما ذَكَرْنا - ولَعَلَّهُ الأوْلى - يَكُونُ هَذا بَيانًا لِلْجَوابِ المُجْمَلِ المَأْمُورِ بِهِ، والخِطابُ فِيهِ -كَما قالَ الجُبّائِيُّ ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ -: عامٌّ لِكُلِّ مَن يَقِفُ عَلَيْهِ لا لِلنَّبِيِّ  كَقَوْلِهِ: إذا أنْتَ أكْرَمْتَ الكَرِيمَ مَلَكْتَهُ ∗∗∗ وإنْ أنْتَ أكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدا ويَدْخُلُ فِيهِ المَذْكُورُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفي إجْراءِ الجَوابِ أوَّلًا عَلى لِسانِ النَّبِيِّ  وسَوْقِ البَيانِ مِن جِهَتِهِ تَعالى ثانِيًا بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ والِالتِفاتِ إيذانٌ بِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهِ، والِاهْتِمامِ بِرَدِّ اعْتِقادِهِمُ الباطِلِ، وزَعْمِهِمُ الفاسِدِ، والإشْعارِ بِأنَّ مَضْمُونَهُ مَبْنِيٌّ عَلى حِكْمَةٍ دَقِيقَةٍ حَرِيَّةٍ بِأنْ يَتَوَلّى بَيانَها عَلّامُ الغُيُوبِ عَزَّ وجَلَّ، والعُدُولُ عَنْ خِطابِ الجَمِيعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْقِيقِ بِقَطْعِ احْتِمالِ سَبَبِيَّةِ بَعْضِهِمْ لِعُقُوبَةِ الآخَرِينَ.

و(ما) - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - شَرْطِيَّةٌ و(أصابَ) بِمَعْنى يُصِيبُ، والمُرادُ بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هُنا ما أُرِيدَ بِهِما مِن قَبْلُ، أيْ: ما أصابَكَ أيُّها الإنْسانُ مِن نِعْمَةٍ مِنَ النِّعَمِ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالذّاتِ تُفَضُّلًا وإحْسانًا مِن غَيْرِ اسْتِيجابٍ لَها مَن قِبَلِكَ، كَيْفَ لا وكُلُّ ما يَفْعَلُهُ العَبْدُ مِنَ الطّاعاتِ الَّتِي يُرْجى كَوْنُها ذَرِيعَةً إلى إصابَةِ نِعْمَةٍ ما فَهي بِحَيْثُ لا تَكادُ تُكافِئُ نِعْمَةَ الوُجُودِ أوْ نِعْمَةَ الإقْدارِ عَلى أدائِها مَثَلًا، فَضْلًا عَنْ أنْ تَسْتَوْجِبَ نِعْمَةً أُخْرى، ولِذَلِكَ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فِيما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: ««لَنْ يُدْخِلَ أحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ قِيلَ: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ تَعالى بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ»».

(وما أصابَكَ مِن) بَلِيَّةٍ مِنَ البَلايا فَهي بِسَبَبِ اقْتِرافِ نَفْسِكَ المَعاصِي والهَفَواتِ المُقْتَضِيَةِ لَها، وإنْ كانَتْ مِن حَيْثُ الإيجادُ مُنْتَسِبَةً إلَيْهِ تَعالى، نازِلَةً مِن عِنْدِهِ عُقُوبَةً، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ .

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ ما دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أكْثَرُ»».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «ما كانَ مِن نَكْبَةٍ فَبِذَنْبِكَ، وأنا قَدَّرْتُ ذَلِكَ عَلَيْكَ».

وعَنْ أبِي صالِحٍ، مِثْلَهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ  والمَقْصُودُ مِنهُ الأُمَّةُ، وقِيلَ: لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَكِنْ لا لِبَيانِ حالِهِ، بَلْ لِبَيانِ حالِ الكَفَرَةِ بِطَرِيقِ التَّصْوِيرِ، ولَعَلَّ العُدُولَ عَنْ خِطابِهِمْ لِإظْهارِ كَمالِ السُّخْطِ والغَضَبِ عَلَيْهِمْ، والإشْعارِ بِأنَّهم لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ وبَلادَتِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الخِطابِ، لاسِيَّما بِمِثْلِ هَذِهِ الحِكْمَةِ الأنِيقَةِ.

ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ لا حُجَّةَ لَنا ولا لِلْمُعْتَزِلَةِ في مَسْألَةِ الخَيْرِ والشَّرِّ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ؛ لِأنَّ إحْداهُما بِظاهِرِها لَنا والأُخْرى لَهُمْ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وهو مُشْتَرَكُ الإلْزامِ، ولِأنَّ المُرادَ بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ النِّعْمَةُ والبَلِيَّةُ لا الطّاعَةُ والمَعْصِيَةُ، والخِلافُ في الثّانِي، ولا تَعارُضَ بَيْنَهُما أيْضًا لِظُهُورِ اخْتِلافِ جِهَتَيِ النَّفْيِ والإثْباتِ.

وقَدْ أطْنَبَ الإمامُ الرّازِيُّ في هَذا المَقامِ كُلَّ الإطْنابِ بِتَعْدِيدِ الأقْوالِ والتَّراجِيحِ، واخْتارَ تَفْسِيرَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ بِما يَعُمُّ النِّعَمَ والطّاعاتِ والمَعاصِيَ والبَلِيّاتِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَمّا جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ﴾ ناسَبَ أنْ تُحْمَلَ الحَسَنَةُ الأُولى عَلى النِّعْمَةِ، والسَّيِّئَةُ عَلى البَلِيَّةِ، * * * ولَمّا أُرْدِفَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: (وما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ) بِما سَيَأْتِي ناسَبَ أنْ يُحْمَلا عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْلِيفِ مِنَ المَعْصِيَةِ والطّاعَةِ، كَما رُوِي ذَلِكَ عَنْ أبِي العالِيَةِ، ولِهَذا غُيِّرَ الأُسْلُوبُ فَعُبِّرَ بِالماضِي بَعْدَ أنْ عُبِّرَ بِالمُضارِعِ، ثُمَّ نَقَلَ عَنِ الرّاغِبِ أنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلِكَ: هَذا مِنَ اللَّهِ تَعالى، بِأنَّ (مِن عِنْدِ اللَّهِ) أعَمُّ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُقالُ فِيما كانَ بِرِضاهُ سُبْحانَهُ وبِسُخْطِهِ، وفِيما يَحْصُلُ وقَدْ أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ، ولا يُقالُ: مِنَ اللَّهِ إلّا فِيمَ كانَ بِرِضاهُ وبِأمْرِهِ، وبِهَذا النَّظَرِ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «إنْ أصَبْتُ فَمِنَ اللَّهِ، وإنْ أخْطَأْتُ فَمِنَ الشَّيْطانِ» فَتَدَبَّرْ.

ونَقَلَ أبُو حَيّانَ، عَنْ طائِفَةٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّ (ما أصابَكَ) إلَخْ عَلى تَقْرِيرِ القَوْلِ أيْ ﴿ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴾ يَقُولُونَ: ﴿ ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ ﴾ إلَخْ، والدّاعِي لَهم عَلى هَذا التَّمَحُّلِ تَوَهُّمُ التَّعارُضِ، وقَدْ دَعا آخَرِينَ إلى جَعْلِ الجُمْلَةِ بَدَلًا مِن ﴿ حَدِيثًا ﴾ عَلى مَعْنى أنَّهم لا يَفْقَهُونَ هَذا الحَدِيثَ، أعْنِي ﴿ ما أصابَكَ ﴾ إلَخْ، فَيَقُولُونَهُ غَيْرَ مُتَحاشِينَ عَمّا يَلْزَمُهُ مِن تَعَدُّدِ الخالِقِ، وآخَرِينَ إلى تَقْدِيرِ اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ أيْ ﴿ فَمِن نَفْسِكَ ﴾ وزَعَمُوا أنَّهُ قُرِئَ بِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنْ لا تَعارُضَ أصْلًا مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى ارْتِكابِ ما لا يَكادُ يَسُوغُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ.

وكَذا لاحُجَّةَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (حَدِيثًا) عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُحْدَثًا لِما عَلِمْتَ مِن أنَّهُ لَيْسَ نَصًّا في القُرْآنِ، وعَلى فَرْضِ تَسْلِيمِ أنَّهُ نَصٌّ لا يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ والنِّزاعِ فِيهِ، ثُمَّ وجْهُ ارْتِباطِ هَذِهِ الآياتِ بِما قَبْلَها عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ حَكى عَنِ المُسْلِمِينَ ما حَكى ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِما رَدَّ نَقَلَ عَنِ الكُفّارِ ما رَدَّهُ عَلَيْهِمْ أيْضًا، وبَيْنَ المَحْكِيَّيْنِ مُناسِبَةٌ مِن حَيْثُ اشْتِمالُها عَلى إسْنادِ ما يُكْرَهُ إلى بَعْضِ الأُمُورِ، وكَوْنُ الكَراهَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وهو كَما تَرى.

وفِي الكَشْفَ أنَّ جُمْلَةَ (وإنْ تُصِبْهُمْ) إلَخْ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ)، ﴾ ﴿ ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ ﴾ دَلالَةٌ عَلى تَحْقِيقِ التَّبْطِئَةِ والتَّثْبِيطِ، أمّا دَلالَةُ الأوَّلَتَيْنِ فَلا خَفاءَ بِهِما، وأمّا الثّانِيَةُ فَلِأنَّهم إذا اعْتَقَدُوا في الدّاعِي إلى الجِهادِ  ذَلِكَ الِاعْتِقادَ الفاسِدَ قَطَعُوا أنَّ في اتِّباعِهِ - لا سِيَّما فِيما يَجُرُّ إلى ما عَدُّوهُ سَيِّئَةً - الخَبالَ والفَسادَ، ولِهَذا قَلَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَمِن نَفْسِكَ ﴾ لِيَصِيرَ ذَلِكَ كافًّا لَهم عَنِ التَّثْبِيطِ إلى التَّنْشِيطِ، وأرْدَفَهُ ذِكْرَ ما هم فِيهِ مِنَ التَّعْكِيسِ في شَأْنِ مَن هو رَحْمَةٌ مُرْسَلَةٌ لِلنّاسِ كافَّةً، وأكَّدَ أمْرَ اتِّباعِهِ بِأنْ جَعَلَ طاعَتَهُ  طاعَةَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ ما أمَدَّهُ بِهِ مِنَ التَّهْدِيدِ البالِغِ، المُضَمَّنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَمَن تَوَلّى).

﴾ ثُمَّ قالَ: ولا يَخْفى أنَّ ما وقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، وأنَّ (فَلْيُقاتِلْ) شَدِيدُ التَّعَلُّقِ بِسابِقِهِ، ولَمّا لَزِمَ مِن هَذا النَّسَقِ تَقْسِيمُ المُرْسَلِ إلْيَهِمْ إلى كافِرٍ مُبَطِّئٍ ومُؤْمِنٍ قَوِيٍّ وضَعِيفٍ اسْتَنْأفَ تَقْسِيمَهم مَرَّةً أُخْرى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ الآتِي: (ويَقُولُونَ) أيِ النّاسُ المُرْسَلُ إلْيَهِمْ إلى مُبَيِّتٍ هو الأوَّلُ، ومُذِيعٍ هو الثّالِثُ، ومَن يَرْجِعُ إلَيْهِ هو الثّانِي، فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ والِارْتِباطِ بَيْنَ الآياتِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، انْتَهى، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، ولَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ كَما لا يَخْفى.

هَذا ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ - بِخِلافٍ عَنْهُ - عَلى (ما) مِن قَوْلِهِ تَعالى: (فَما هَؤُلاءِ) وجَماعَةٌ عَلى لامِ الجَرِّ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ السَّمِينُ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ كِلا الوَقْفَيْنِ؛ إذِ الأوَّلُ وقْفٌ عَلى المُبْتَدَأِ دُونَ خَبَرِهِ، والثّانِي عَلى الجارِّ دُونَ مَجْرُورِهِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: (وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأنا كَتَبَتُها عَلَيْكَ).

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ يعني ألم تخبر عنهم، ويقال: إن معناه ألا ترى إلى هؤلاء، وذلك أن أصحاب رسول الله  حين كانوا بمكة استأذنوا في قتل كفار مكة سراً، لما كانوا يلقون منهم من الأذى، فقال لهم النبيّ  : مهلاً كفوا أيديكم عن قتالهم وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ فإني لم أؤمر بقتالهم، فلما هاجر رسول الله  إلى المدينة أمره الله تعالى بالقتال، فكره بعضهم فنزلت هذه الآية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ عن القتل وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أي أتموها وَآتُوا الزَّكاةَ يعني: أقروا بها وأعطوها إذا وجبت عليكم فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ أي فرض عليهم القتال بالمدينة إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ أي يخشون عذاب الكفار كَخَشْيَةِ اللَّهِ أي كخشيتهم من عذاب الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً أي بل أشد خشية، ويقال: معناه أو أشد خشية يعني أكثر خوفاً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ أي لم فرضت علينا القتال لَوْلا أَخَّرْتَنا أي يقولوا هلاّ أجلتنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ وهو الموت، فبيّن الله تعالى لهم أن الدنيا فانية فقال: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ أي منفعة الدنيا قليلة لأنها لا تدوم.

وقال عليه الصلاة والسلام: «مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» .

ثم قال تعالى: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى يقول: ثواب الآخرة أفضل لمن اتقى الشرك والمعاصي وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا وقد ذكرناه.

قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر: (ولا تظلمون) بالتاء على معنى المخاطبة.

وقرأ الباقون بالياء على معنى الخبر يعني المتقين.

قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ أي في الأرض يأتيكم الموت وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ أي في القصور الطوال المشيدة المبنية إلى السماء، حتى لا يخلص إليه أحد من بني آدم.

وقال القتبي: «البروج» : الحصون، و «المشيدة» : المطولة وذلك أنهم لما تثاقلوا عن الخروج إلى الجهاد مخافة الموت، فأخبرهم الله تعالى أنهم لا يموتون قبل الأجل، إذا جاء أجلهم لا ينجون من الموت، وإن كانوا في موضع حصين.

وهذا قوله تعالى: قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران: 168] .

ثم أخبر عن المنافقين فقال: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا أي الفتح والغنيمة والخصب يقولوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي نكبة وهزيمة يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ أي من شؤمك، يعني: أصابتنا بسببك، أنت الذي حملتنا على هذا.

قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يقال: الرخاء والشدة، ويقال: القدر خيره وشره من الله تعالى.

ثم قال تعالى: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لاَ يَكادُونَ يَفْقَهُونَ يعني المنافقين لا يكادون يفقهون حَدِيثاً أي لا يفهمون قولاً أن الشدة والرخاء من الله تعالى، أي لا يسمعون ولا يفهمون ما يحدثهم ربهم في القرآن.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لإستنقاذِهِمْ، ويعني ب «المستضْعَفِينَ» : مَنْ كان بمكَّة تحت إذلال كفرة قريش، وفيهم كان صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينِ» «١» ، وَالْوِلْدانِ: عبارة عن الصبيان، والْقَرْيَةِ هنا: مَكَّةٌ بإجماعٍ، والآيةُ تتناوَلُ/ المؤمنين والأسرى في حواضِرِ الشِّرْك إلى يوم القيامة.

قال ابنُ العربيِّ «٢» في «أحكامه» : قال علماؤُنَا (رحمهم اللَّه) : أوجَبَ اللَّهُ تعالى في هذه الآيةِ القِتَالَ لإستنقاذ الأسرى مِنْ يَدِ العدُوِّ، وقد روى الأئمّة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ:

«أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ» «٣» .

يعني: الأسيرَ، قال مالكٌ (رحمه اللَّه) : علَى النَّاسِ أَنْ يَفُكُّوا الأسرى بجميعِ أموالِهِمْ وكذلك قالُوا: عليهمْ أنْ يُوَاسُوهُمْ.

انتهى.

وقوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...

الآية: هذه الآيةُ تقتضِي تقْويَةَ قُلُوبِ المؤمِنِينَ وتَحريضَهُمْ، وقَرِينَةُ ذِكْرِ الشيطانِ بَعْدُ تدُلُّ على أَنَّ المرادَ بالطَّاغُوتِ هنا الشيطانُ، وإعلامُهُ تعالى بضَعْفِ كيدِ الشيطانِ فيه تقويةٌ لقلوب المؤمنِينَ، وتجرِئَةٌ لهم على مُقَارَعَةِ الكيدِ الضعيفِ فإنَّ العزم والحَزْم الذي يكون على حقائق الإيمان يكسره ويهدّه.

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨)

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ...

الآية:

اختلف المتأوِّلون، فِيمَن المرادُ بقوله: الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ.

فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: كان جماعةٌ من المؤمنين قد أَنِفُوا من الذُّلِّ بمَكَّةَ قَبْلَ الهجرة، وسألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أَنْ يُبِيحَ لَهُمْ مقاتَلَةَ المُشْركين، فأمرهم عَنِ اللَّهِ تعالى بكَفِّ الأيْدِي، فلَمَّا كتب عليهم القتالُ بالمدينةِ، شَقَّ ذلك على بعضهم، ولَحِقَهُمْ ما يلْحَقُ البَشَر من الخَوَرِ والكَعِّ عَنْ مقَارَعَةِ العدُوِّ، فنزلَتِ الآية فيهم.

وقال ابنُ عباس أيضاً ومجاهدٌ: إنما الآيةُ حكايةٌ عنْ حالِ اليَهُود أنهم فعلوا ذلكَ مَعَ نبيِّهم في وَقْتِهِ «١» ، فمعنى الحكايةِ عنهم تقبيحُ فِعْلِهِمْ، ونَهْيُ المؤمنين عَنْ فِعْلِ مثله.

وقيل: المرادُ المنافقُونَ.

و «أَوْ» : تقدَّم شرحُها في «سورة البقرة» في قوله تعالى: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: ٧٤] لأنَّ الموضعَيْنِ سواءٌ.

وقولهم: لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ: رَدٌّ في صَدْر أوامرِ اللَّهِ سبحانه، وقلَّةُ استسلام له، والأَجَلُ القريبُ: يعنُونَ به موتَهُمْ على فُرُشِهِمْ هكذا قال المفسِّرون.

قال ع «٢» : وهذا يحسُنُ إذا كانتِ الآيةُ في اليَهُودِ أو في المنافِقِينَ، وأما إذا كانت في طَائِفَةٍ من الصحابةِ، فإنما طَلَبُوا التأخُّر إلى وَقْتِ ظُهُورِ الإسلامِ، وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، ويُحَسِّنُ القولَ بأنها في المنافِقِينَ اطراد ذِكْرِهِمْ فيما يأتِي بَعْدُ من الآيات.

وقوله سبحانه: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ...

الآية: المعنى: قل، يا محمَّد، لهؤلاءِ:

متاعُ الدنيا، أي: الاِستمتاعُ بالحياةِ فيها الَّذي حَرَصْتُم علَيْهِ قليلٌ، وباقي الآيةِ بيِّن.

وهذا إخبارٌ منه سبحانه يتضمَّن تحقيرَ الدُّنْيا، قلْتُ: ولِمَا عَلِمَ اللَّهُ في الدنيا مِنَ الآفات، حمى منها أولياءه، ففِي الترمذيِّ عن قتادة بن النُّعْمَان، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال:

«إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْداً، حَمَاهُ الدُّنْيَا كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ المَاءَ» «١» ، قال أبو عيسى: وفي البابِ عَنْ صُهَيبٍ، وأُمِّ المُنْذِرِ، وهذا حديثٌ حسنٌ، وفي الترمذيِّ عن ابن مسعود قال: «نام النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على حَصِيرٍ، فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتخذنا لَكَ فراشا؟!

فقال: مالي وما للدّنيا، وما أَنَا فِي الدُّنْيَا إلاَّ كَرَاكِبٍ استظل تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» «٢» ، وفي الباب عن ابنِ عُمَر، وابن عبَّاس، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ/ حسنٌ صحيحٌ.

انتهى.

وقوله سبحانه: فِي بُرُوجٍ الأكثرُ والأصحُّ الذي علَيْه الجمهورُ: أنه أراد ب «البُرُوج» : الحُصُونَ التي في الأرْضِ المبنيَّة لأنها غايةُ البَشَر في التحصُّن والمَنَعة، فمَثَّل اللَّه لهم بها، قال قتادة: المعنى: في قصورٍ محصَّنة»

وقاله ابنُ جُرَيْجٍ «٤» والجُمْهُور، وبَرَّجَ: معناه: ظَهَر ومنه تبرُّج المرأة، ومُشَيَّدَةٍ: قال الزَّجَّاج «٥» وغيره: معناه:

مرفُوعَة مطوَّلة ومنه أَشَادَ الرَّجُلُ ذِكْرَ الرَّجُل إذا رفَعَهُ، وقالتْ طائفةٌ: مُشَيَّدَةٍ: معناه:

محسَّنة بالشِّيدِ، وهو الجَصُّ، وروى النسائيَّ عن أبي هُرَيْرَة أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» ، يعني: الموتَ، وخرَّجه ابنُ ماجة والترمذيُّ «٦» ، وخرَّجه أبو نُعَيْمٍ

الحافظُ بإسناده من حديثِ مالكِ بْنِ أنس، عن يَحْيَى بْنِ سعيدٍ، عَنِ ابنِ المُسَيَّب، عن عمر بن الخطّاب، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بمثله «١» ، وروى ابنُ ماجة بسَنَده، عنِ ابن عُمَرَ أنَّهُ قَالَ:

كُنْتُ جَالِساً مَعَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ المُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟

قَالَ: أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً، قَالَ: فَأَيُّ المُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟

قَالَ: أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْراً، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ استعدادا أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ» ، وأخرجه مالك أيضاً «٢» .

انتهى من «التذكرة» «٣» .

وقوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ...

الآية: الضميرُ في تُصِبْهُمْ عائدٌ على الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وهذا يدلُّ على أنَّهم المنافقون لأن المؤمنين لا تليقُ بهم هذه المقالةُ ولأنَّ اليهودَ لم يكُونوا للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم تَحْتَ أمْرٍ، فتصيبهم بِسَبَبِهِ أَسْوَاءٌ، والمعنى:

إنْ تُصِبْ هؤلاءِ المنافقين حَسَنَةٌ من غنيمةٍ أو غيرِ ذلك، رَأَوْا أنَّ ذلك بالاتفاقِ مِنْ صُنْع اللَّه، لا ببَرَكَةِ اتباعك والإيمانِ بِكَ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي: هزيمةٌ، أو شدَّةُ جُوعٍ، أو غيرُ ذلكَ، قالوا: هذه بسَبَبِكَ.

وقوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: إعلامٌ من اللَّه سبحانه أنَّ الخيْرَ والشرَّ، والحسنَةَ والسيِّئة خَلْقٌ له، ومِنْ عنده، لا رَبَّ غيره، ولا خَالِقَ ولا مُخْتَرِعَ سواه، والمعنى: قل، يا محمّد، لهؤلاء.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ المُنافِقِينَ قالُوا: في حَقِّ شُهَداءِ أُحُدٍ، لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا، وما قُتِلُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٍ، والبُرُوجُ: الحُصُونُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وفي "المُشَيَّدَةِ" خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الحَصِينَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: المُطَوَّلَةُ، قالَهُ أبُو مالِكٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: المُجَصَّصَةُ، قالَهُ هِلالُ بْنُ خِبابٍ، واليَزِيدِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّها المَبْنِيَّةُ بِالشَّيْدِ، وهو الجِصُّ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والخامِسُ: أنَّها بُرُوجٌ في السَّماءِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، والثَّوْرِيُّ.

وقالَ السُّدِّيُّ: هي قُصُورٌ بِيضٌ في السَّماءِ مَبْنِيَّةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُصِبْهُمْ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيهِمْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ واليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: المُنافِقُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ السُّرِّيِّ.

وَفِي الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الحَسَنَةَ: الخِصْبُ، والمَطَرُ.

والسَّيِّئَةُ: الجَدْبُ، والغَلاءُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الحَسَنَةَ: الفَتْحُ والغَنِيمَةُ.

والسَّيِّئَةُ: الهَزِيمَةُ والجِراحُ، ونَحْوُ ذَلِكَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن عِنْدِكَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بِشُؤْمِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: بِسُوءِ تَدْبِيرِكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ، أمّا الحَسَنَةُ، فَأنْعَمَ بِها عَلَيْكَ، وأمّا السَّيِّئَةُ، فابْتَلاكَ بِها، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ ﴾ وقَفَ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ عَلى الألِفِ مِن "فَما" في قَوْلِهِ: ﴿ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ ﴾ و ﴿ مالِ هَذا الكِتابِ ﴾ و ﴿ مالِ هَذا الرَّسُولِ ﴾ و ﴿ فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ والباقُونَ وقَفُوا عَلى اللّامِ.

فَأمّا "الحَدِيثُ"، فَقِيلَ: هو القُرْآَنُ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا يَفْقَهُونَ القُرْآَنَ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، ويَعْلَمُونَ أنَّ الكُلَّ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَتاعُ الدُنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا  ﴾ ﴿ أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللهِ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴾ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ: مَتاعُ الدُنْيا، أيِ الاسْتِمْتاعُ بِالحَياةِ فِيها الَّذِي حَرَصْتُمْ عَلَيْهِ وأشْفَقْتُمْ مِن فَقْدِهِ، قَلِيلٌ، لِأنَّهُ فانٍ زائِلٌ، والآخِرَةُ الَّتِي هي نَعِيمٌ مُؤَبَّدٌ خَيْرٌ لِمَن أطاعَ اللهَ واتَّقاهُ في الِامْتِثالِ لِأوامِرِهِ عَلى المَحابِّ والمَكارِهِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "تُظْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُظْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى تَرْكِ المُخاطَبَةِ وذِكْرِ الغائِبِ.

والفَتِيلُ: الخَيْطُ في شِقِّ نَواةِ التَمْرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ.

و ﴿ أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ﴾ جَزاءٌ وجَوابُهُ، وهَكَذا قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "يُدْرِكُكُمُ" بِضَمِّ الكافَيْنِ ورَفْعِ الفِعْلِ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ دُخُولِ الفاءِ كَأنَّهُ قالَ: فَيُدْرِكُكُمُ المَوْتُ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ.

وهَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ يَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَ الدُنْيا، وأنَّهُ لا مَنجى مِنَ الفَناءِ والتَنَقُّلِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: "فِي بُرُوجٍ"، فالأكْثَرُ والأصَحُّ أنَّهُ أرادَ البُرُوجَ والحُصُونَ الَّتِي في الأرْضِ المَبْنِيَّةِ، لِأنَّها غايَةُ البَشَرِ في التَحَصُّنِ والمَنَعَةِ، فَمَثَّلَ اللهُ لَهم بِها، قالَ قَتادَةُ: المَعْنى: في قُصُورٍ مُحَصَّنَةٍ، وقالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، والجُمْهُورُ.

وقالَ السُدِّيُّ: هي بُرُوجٌ في السَماءِ الدُنْيا مَبْنِيَّةٌ، وحَكى مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ عن مالِكٍ، وأنَّهُ قالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ والسَماءِ ذاتِ البُرُوجِ  ﴾ .

وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ مَعْناهُ: في قُصُورٍ مِن حَدِيدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يُعْطِيهِ اللَفْظُ، وإنَّما البُرُوجُ في القُرْآنِ إذا ورَدَتْ مُقْتَرِنَةً بِذِكْرِ السَماءِ بُرُوجُ المَنازِلِ لِلْقَمَرِ وغَيْرِهِ، عَلى ما سَمَّتْها العَرَبُ وعَرَفَتْها.

وبَرَجَ مَعْناهُ: ظَهَرَ، ومِنهُ البُرُوجُ، أيِ: المُطَوَّلَةُ الظاهِرَةُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ.

و"مُشَيَّدَةٍ" قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ مَرْفُوعَةٌ مُطَوَّلَةٌ، لِأنَّ "شادَ الرَجُلُ البِناءَ" إذا صَنَعَهُ بِالشِيدِ، وهو الجِصُّ، و"أشادَ" و"شَيَّدَ" إذا رَفَعَهُ وعَلّاهُ، ومِنهُ "أشادَ الرَجُلُ ذِكْرَ الرَجُلِ" إذا رَفَعَهُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: "مُشَيَّدَةٍ" مَعْناهُ: مُحَسَّنَةٌ بِالشِيدِ، وذَلِكَ عِنْدَهم أنَّ "شادَ الرَجُلُ" مَعْناهُ: جَصَّصَ بِالشِيدِ، وشَيَّدَ مَعْناهُ: كَرَّرَ ذَلِكَ الفِعْلَ، فَهي لِلْمُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ: "كَسَرْتُ العُودَ مَرَّةً"، و"كَسَّرْتُهُ في مَواضِعَ مِنهُ كَثِيرَةٍ مِرارًا"، و"خَرَقْتُ الثَوْبَ وخَرَّقْتُهُ" إذا كانَ الخَرْقُ مِنهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، فَعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ تَقُولَ: "شادَ الرَجُلُ الجِدارَ مَرَّةً"، و"شَيَّدَ الرَجُلُ الجِدارَ" إذا أرَدْتَ المُبالَغَةَ، لِأنَّ التَشْيِيدَ مِنهُ وقَعَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كَلْـ سًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ والهاءُ والمِيمُ في قَوْلِهِ: "وَإنْ تُصِبْهُمْ" رَدٌّ عَلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: "كُفُّوا أيْدِيَكُمْ"، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ لا تَلِيقُ بِهِمْ هَذِهِ المَقالَةُ، ولِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يَكُونُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ تَحْتَ أمْرٍ، فَتُصِيبُهم بِسَبَبِهِ أسْواءٌ، ومَعْنى الآيَةِ: وإنْ تُصِبْ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ حَسَنَةٌ مِن هَزْمِ عَدُوٍّ، أو غَنِيمَةٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ رَأوا أنَّ ذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ مِن صُنْعِ اللهِ، لا أنَّهُ بِبَرَكَةِ اتِّباعِكَ والإيمانِ بِكَ، وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ، أيْ: هَزِيمَةٌ، أو شِدَّةُ جُوعٍ، وغَيْرُ ذَلِكَ، قالُوا: هَذِهِ بِسَبَبِكَ لِسُوءِ تَدْبِيرِكَ، كَذا قالَ ابْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ: لِشُؤْمِكَ عَلَيْنا، قالَهُ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللهِ ﴾ إعْلامٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّ الخَيْرَ والشَرَّ، والحَسَنَةَ والسَيِّئَةَ خَلْقٌ لَهُ ومِن عِنْدِهِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ، ولا خالِقَ ولا مُخْتَرِعَ سِواهُ، فالمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ مِن عِنْدِي، ولا مِن عِنْدِ غَيْرِي، بَلْ هو كُلُّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، قالَ قَتادَةُ: النِعَمُ والمَصائِبُ مِن عِنْدِ اللهِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: النَصْرُ والهَزِيمَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَيِّئَةُ والحَسَنَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ شَيْءٌ واحِدٌ.

ثُمَّ وبَّخَهم بِالِاسْتِفْهامِ عن عِلَّةِ جَهْلِهِمْ، وقِلَّةِ فَهْمِهِمْ وتَحْصِيلِهِمْ لِما يُخْبِرُونَ بِهِ مِنَ الحَقائِقِ، والفِقْهُ في اللُغَةِ: الفَهْمُ، وأوقَفَتْهُ الشَرِيعَةُ عَلى الفَهْمِ في الدِينِ وأُمُورِهِ، وغَلَبَ عَلَيْهِ بَعْدُ الِاسْتِعْمالُ في عِلْمِ المَسائِلِ الأحْكامِيَّةِ.

والبَلاغَةُ في الِاسْتِفْهامِ عن قِلَّةِ فِقْهِهِمْ بَيِّنَةٌ، لِأنَّكَ إذا اسْتَفْهَمْتَ عن عِلَّةِ أمْرٍ ما فَقَدْ تَضَمَّنَ كَلامُكَ إيجابَ ذَلِكَ الأمْرِ تَضَمُّنًا لَطِيفًا بَلِيغًا.

ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ عَلى قَوْلِهِ: "فَما"، ووَقَفَ الباقُونَ عَلى اللامِ في قَوْلِهِ: "فَمالِ" اتِّباعًا لِلْخَطِّ، ومَنَعَهُ قَوْمٌ جُمْلَةً، لِأنَّهُ حَرْفُ جَرٍّ فَهي بَعْضُ المَجْرُورِ، وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ ضَرُورَةٍ وانْقِطاعِ نَفَسٍ، وأمّا أنْ يَخْتارَ أحَدٌ الوَقْفَ فِيما ذَكَرْناهُ ابْتِداءً فَلا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كفوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصلاة وَءَاتُواْ الزكواة فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال لولا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ والاخرة خَيْرٌ لِّمَنِ اتقى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً * أَيْنَمَا ﴾ .

تهيّأ المقام للتذكير بحال فريق من المسلمين اختلف أولُ حاله وآخرهُ، فاستطرد هنا التعجيب من شأنهم على طريقة الاعتراض في أثناء الحثِّ على الجهاد، وهؤلاء فريق يودّون أن يؤذن لهم بالقتال فلمّا كتب عليهم القتال في إبّانه جبنوا.

وقد علم معنى حرصهم على القتال قبل أن يعرض عليهم من قوله: ﴿ قيل لهم كفّوا أيديكم ﴾ ، لأنّ كفّ اليد مراد، منه ترك القتال، كما قال: ﴿ وهو الذي كفّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ﴾ [الفتح: 24].

والجملة معترضة بين جملة ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ﴾ [النساء: 75] والجمللِ التي بعدها وبين جملة ﴿ فليقاتِلْ في سبيل الله ﴾ [النساء: 74] الآية اقتضت اعتراضها مناسبة العبرة بحال هذا الفريق وتقلّبها، فالذين قيل لهم ذلك هم جميع المسلمين، وسبب القول لهم هو سؤال فريق منهم، ومحلّ التعجيب إنّما هو حال ذلك الفريق من المسلمين.

ومعنى ﴿ كُتب عليهم القتال ﴾ أنّه كتب عليكم في عموم المسلمين القادرين.

وقد دلّت (إذا) الفجائية على أنّ هذا الفريق لم يكن تترقّب منهم هذه الحالة، لأنّهم كانوا يظهرون من الحريصين على القتال.

قال جمهور المفسّرين: إنّ هاته الآية نزلت في طائفة من المسلمين كانوا لقوا بمكة من المشركين أذى شديداً، فقالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم «يا رسول الله كنّا في عزّ ونحن مشركون فلمّا آمنّا صرنا أذلّة» واستأذنوه في قتال المشركين، فقال لهم: " أنّي أمرت بالعفو ﴿ فكُفُّوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ " فلمّا هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وفُرض الجهاد جبن فريق من جملة الذين استأذنوه في القتال، ففيهم نزلت الآية.

والمرويّ عن ابن عباس أنّ من هؤلاء عبد الرحمان بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص، والمقداد بن الأسود، وقدامة بن مظعون، وأصحابهم، وعلى هذا فقوله: ﴿ كخشية الله أو أشدّ خشية ﴾ مسوق مساق التوبيخ لهم حيث رغبوا تأخير العمل بأمر الله بالجهاد لخوفهم من بأس المشركين، فالتشبيه جار على طريقة المبالغة لأنّ حمل هذا الكلام على ظاهر الإخبار لا يلائم حالَهم من فضيلة الإيمان والهجرة.

وقال السديّ: «الذين قيل لهم كفّوا أيديكم» قوم أسلموا قبل أن يفرض القتال وسألوا أن يُفرض عليهم القتال فلمّا فرض القتال إذا فريق يخشون الناس.

واختلف المفسّرون في المعنيّ بالفريق من قوله تعالى: ﴿ إذا فريق منهم يخشون الناس ﴾ فقيل: هم فريق من الذين استأذنوا في مكة في أن يقاتلوا المشركين، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والكلبي، وهو ظاهر الآية، ولعلّ الذي حَوّل عزمهم أنّهم صاروا في أمن وسلامة من الإذلال والأذى، فزال عنهم الاضطرار للدفاع عن أنفسهم.

وحكى القرطبي: أنّه قيل: إنّ هذا الفريق هم المنافقون.

وعلى هذا الوجه يتعيّن تأويل نظم الآية بأن المسلمين الذين استأذنوا في قتل المشركين وهم في مكة أنّهم لمّا هاجروا إلى المدينة كررّوا الرغبة في قتال المشركين، وأعاد النبي صلى الله عليه وسلم تهدئتهم زماناً، وأنّ المنافقين تظاهروا بالرغبة في ذلك تمويهاً للنفاق، فلمّا كتب القتال على المسلمين جبن المنافقون، وهذا هو الملائم للإخبار عنهم بأنّهم يخشون الناس كخشية الله أو أشدّ.

وتأويل وصفهم بقوله ﴿ منهم ﴾ : أي من الذين قيل لهم: كفّوا أيديكم، وهذا على غموضه هو الذي ينسجم مع أسلوب بقية الكلام في قوله: ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ﴾ وما بعده، كما سيأتي، أمّا على قول السدّي فلا حاجة إلى تأويل الآية.

فالاستفهام في قوله: ﴿ ألم تر ﴾ للتعجيب، وقد تقدّمت نظائره.

والمتعجّب منهم ليسوا هم جميع الذين قيل لهم في مكة: كُفّوا أيديكم، بل فريق آخر من صفتهم أنّهم يخْشَوْن الناس كخشية الله.

وإنّما عُلّق التعجيب بجميع الذين قيل لهم باعتبار أنّ فريقاً منهم حالُهم كما وصف، فالتقدير: ألم تر إلى فريق من الذين قيل لهم: كفّوا أيديكم.

والقول في تركيب قوله: ﴿ كخشية الله أو أشدّ خشية ﴾ كالقول في نظيره، وهو قوله تعالى: ﴿ فاذكروا الله كذكِركم آباءكم أو أشدّ ذكراً ﴾ في سورة البقرة (200).

وقولهم: ﴿ ربّنا لم كتبت علينا القتال ﴾ إنّما هو قولهم في نفوسهم على معنى عدم الاهتداء لحكمة تعليل الأمر بالقتال وظنِّهم أنّ ذلك بلوى.

(والأجلُ القريب) مدّة متأخّرة ريثما يتمّ استعدادهم، مثل قوله: ﴿ فيقول ربّ لولا أخّرتني إلى أجل قريب فأصدّق ﴾ [المنافقون: 10].

وقيل: المراد من (الأجل) العمر،.

بمعنى لولا أخرّتنا إلى أن تنقضي آجالنا دون قتال، فيصير تمنّيا لانتفاء فرض القتال، وهذا بعيد لعدم ملائمته لسياق الكلام، إذ ليس الموت في القتال غير الموت بالأجل، ولعدم ملاءمته لوصفه بقريب، لأنّ أجل المرء لا يعرف أقريب هو أم بعيد إلاّ إذا أريد تقليل الحياة كلّها.

وعلى كلا الوجهين فالقتال المشار إليه هنا هو أوّل قتال أمروا به، والآية ذكّرتهم بذلك في وقت نزولها حين التهيُّؤ للأمر بفتح مكة.

وقال السديّ: أريد بالفريق بعض من قبائل العرب دخلوا في الإسلام حديثاً قبل أن يكون القتال من فرائضه وكانوا يتمنّون أن يقاتلوا فلّما كتب عليهم القتال جبُنوا لضعف إيمانهم، ويكون القتال الذين خافوه هو غزو مكة، وذلك أنّهم خشوا بأس المشركين.

وقولهم: ﴿ ربّنا لم كتبت علينا القتال ﴾ يحتمل أن يكون قولاً في نفوسهم، ويحتمل أنّه مع ذلك قول بأفواههم، ويبدو هو المتعيّن إذا كان المراد بالفريق فريق المنافقين؛ فهم يقولون: ربّنا لم كتبت علينا القتال بألسنتهم علناً ليوقعوا الوهن في قلوب المستعدّينَ له وهم لا يعتقدون أنّ الله كتب عليهم القتال، وقال ابن جرير عن مجاهد: نزلت في اليهود، وعليه تكون الآية مثالاً ضربه الله للمسلمين الذين أوجب عليهم القتال، تحذيراً لهم في الوقوع في مثل ذلك، فيكون على طريقة قوله: ﴿ ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبيء لهم ابعث لنا ملكاً ﴾ الآية في سورة البقرة (246).

والرؤية بَصَرية، وهي على بعض الوجوه المرويَّة بصرية حقيقية، وعلى بعضها بصرية تنزيلية، للمبالغة في اشتهار ذلك.

وانتصب ﴿ خشيه ﴾ على التمييز لنسبة ﴿ أشد ﴾ ، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ كذكركم رباءكم أو أشدّ ذِكراً ﴾ وقد مرّ ما فيه في سورة البقرة (200).

والجواب بقوله: قل متاع الدنيا قليل } جواب عن قولهم: ﴿ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ سواء كان قولهم لسانياً وهو بيّن، أم كان نفسياً، ليعلموا أنّ الله أطْلَع رسوله على ما تضمره نفوسهم، أي أنّ التأخير لا يفيد والتعلُّق بالتأخير لاستبقاء الحياة لا يوازي حظّ الآخرة، وبذلك يبطل ما أرَادوا من الفتنة بقولهم: ﴿ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ .

وموقع قوله: ﴿ ولا تظلمون فتيلاً ﴾ موقع زيادة التوبيخ الذي اقتضاه قوله: ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ ، أي ولا تنقصون شيئاً من أعماركم المكتوبة، فلا وجه للخوف وطلب تأخير فرض القتال؛ وعلى تفسير الأجل في: ﴿ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ بأجل العُمر، وهو الوجه المستبعد، يكون معنى ﴿ ولا تظلمون فتيلاً ﴾ تغليطهم في اعتقادهم أنّ القتل يعجّل الأجل، فيقتضي أن يكون ذلك عقيدة للمؤمنين إن كانوا هم المخاطبين قبل رسوخ تفاصيل عقائد الإسلام فيهم، أو أنّ ذلك عقيدة المنافقين إن كانوا هم المخاطبين.

وقيل معنى نفي الظلم هنا أنّهم لا يظلمون بنقص ثواب جهادهم، فيكون موقعه موقع التشجيع لإزالة الخوف، ويكون نصبه على النيابة عن المفعول المطلق.

وقيل: معناه أنّهم لا يظلمون بنقص أقلّ زمن من آجالهم، ويجيء على هذا التفسير أن يجعل ﴿ تظلمون ﴾ بمعنى تنقصون، كقوله تعالى: ﴿ ولم تَظْلِمْ منه شيئاً ﴾ [الكهف: 33]، أي كلتا الجنتين من أكلها، ويكون ﴿ فتيلا ﴾ مفعولاً به، أي لا تنقصون من أعماركم ساعة، فلا موجب للجبن.

وقرأ الجمهور: ﴿ ولا تظلمون ﴾ بتاء الخطاب على أنّه أمِر الرسول أن يقوله لهم.

وقرأه ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وروْح عن يعقوب، وخلف بياء الغيبة على أن يكون ممّا أخبر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ليبلّغه إليهم.

والفتيل تقدم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ بل الله يزكّي من يشاء ولا يظلمون فتيلا ﴾ [النساء: 49].

وجملة: ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ﴾ يجوز أن تكون من تمام القول المحكي بقوله: ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ .

وإنّما لم تعطف على جملة: ﴿ متاع الدنيا قليل ﴾ لاختلاف الغرضين، لأنّ جملة ﴿ متاع الدنيا قليل ﴾ وما عطف عليها تغليط لهم في طلب التأخير إلى أجل قريب، وجملة: ﴿ أينما تكونوا ﴾ الخ مسوقة لإشعارهم بأنّ الجبن هو الذي جملهم على طلب التأخير إلى أمد قريب، لأنّهم توهّموا أنّ مواقع القتال تدني الموتَ من الناس.

ويحتمل أن يكون القول قد تمّ، وأنّ جملة ﴿ أينما تكونوا ﴾ توجّه إليهم بالخطاب من الله تعالى، أو توجّه لجميع الأمّة بالخطاب، فتكون على كلا الأمرين معترضة بين أجزاء الكلام.

و(أينما) شرط يستغرق الأمكنة (ولو) في قوله: ﴿ ولو كنتم في بروج ﴾ وصلية وقد تقدّم تفصيل معناها واستعمالها عند قوله: في سورة آل عمران (91): ﴿ فلن يقبل من أحدهم مِلء الأرض ذهباً ولو افتدى به ﴾ والبروج جمعُ برج، وهو البناء القويّ والحصْن: والمشيّدة: المبنيّة بالشِّيد، وهو الجصّ، وتطلق على المرفوعة العالية، لأنّهم إذا أطالوا البناء بنوهُ بالجصّ، فالوصف به مراد به المعنى الكنائي.

وقد يطلق البروج على منازل كواكب السماء كقوله تعالى: ﴿ تبارك الذي جعل في السماء بروجاً ﴾ [الفرقان: 61] وقوله: ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ [البروج: 1].

وعن مالك أنّه قال: البروج هنا بروج الكواكب، أي ولو بلغتم السماء.

وعليه يكون وصف ﴿ مشيدة ﴾ مجازاً في الارتفاع، وهو بصير مجازاً في الارتفاع، وهو بعيد.

يتعيّن على المختار ممّا روي في تعيين الفريق الذين ذكروا في قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفّوا أيديكم ﴾ من أنّهم فريق من المؤمنين المهاجرين أن يكون ضمير الجمع في قوله: ﴿ وإن تصبهم حسنة ﴾ عائداً إلى المنافقين لأنّهم معلومون من المقام، ولسِبْققِ ذكرهم في قوله: ﴿ وإنّ منكم لَمَنْ ليَبُطَئّن ﴾ [النساء: 72] وتكون الجملة معطوفة عطف قصّة على قصّة، فإنّ ما حكي في هذه الآية لا يليق إلاّ بالمنافقين، ويكون الغرض انتقل من التحريض على القتال إلى وصف الذين لا يستجيبون إلى القتال لأنّهم لا يؤمنون بما يبلّغهم النبي صلى الله عليه وسلم من وعد الله بنصر المؤمنين.

وأمّا على رواية السدّي فيحتمل أنّ هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام حديثاً من قبائل العرب كانوا على شفا الشكّ فإذا حلّ بهم سوء أو بؤس تطَيِّروا بالإسلام فقالوا: هذه الحالة السوأى من شُؤم الإسلام.

وقد قيل: إنّ بعض الأعراب كان إذا أسلم وهاجر إلى المدينة فنمَت أنّعَامه ورفهت حاله حمِد الإسلام، وإذا أصابه مرض أو موتان في أنعامه تطيَرّ بالإسلام فارتدّ عنه، ومنه حديث الأعرابي الذي أصابته الحمّى في المدينة فاستقال من النبي بيعته وقال النبي صلى الله عليه وسلم في شأنه: «المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها».

والقول المراد في قوله: ﴿ يقولوا هذه من عند الله ﴾ ﴿ يقولوا هذه من عندك ﴾ هو قول نفسي، لأنّهم لم يكونوا يجترئون على أن يقولوا ذلك علناً لِرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يظهرون الإيمان به.

أو هو قول يقولونه بين إخوانهم من المنافقين، يقولون: هذه من عند محمد، فيكون الإتيان بكاف الخطاب من قبيل حكاية كلامهم بحاصل معناه على حسب مقام الحاكي والمحكي له، وهو وجه مطروق في حكاية كلام الغائب عن المخاطب إذا حكى كلامه لذلك المخاطب.

ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى: ﴿ ما قلتُ لهم إلاّ ما أمرتني به أنْ أعبُدوا الله ربّي وربّكم ﴾ [المائدة: 117].

والمأمور به هو: أن اعبدوا الله ربكَ وربَّهم.

وورد أنّ قائل ذلك هم اليهود، فالضمير عائد على غير مذكور في الكلام السابق، لأنّ المعنيّ به معروفون في وقت نزول الآية، وقديماً قيل لأسلافهم ﴿ وإن تُصبهم سّيئة يطيَّروا بموسى ومن معه ﴾ [الأعراف: 131].

والمراد بالحسنة والسّيئة هنا ما تعارفه العرب من قبل اصطلاح الشريعة أعني الكائنةَ الملائمة والكائنةَ المنافرة، كقولهم: ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيّروا بموسى ومن معه ﴾ [الأعراف: 131] وقوله: ﴿ ربّنا آتنا في الدنيا حسنة ﴾ [البقرة: 201]، وتعلّقُ فعل الإصابة بهما دليل على ذلك، أمّا الحسنة والسَّيئة بالاصطلاح الشرعي، أعني الفعل المثاب عليه والفعل المعاقب عليه، فلا محمل لهما هنا إذ لا يكونان إصابتين، ولا تعرف إصابتهما لأنّهما اعتباران شرعيان.

وقيل: كان اليهود يقولون: «لمّا جاء محمد المدينة قلَّت الثمار، وغلت الأسعار».

فجعلوا كون الرسول بالمدينة هو المؤثّر في حدوث السّيئات، وأنّه لولاه لكانت الحوادث كلّها جارية على ما يلائمهم، ولذلك جيء في حكاية كلامهم بما يدلّ على أنّهم أرادوا هذا المعنى، وهو كلمة (عند) في الموضعين: ﴿ هذه من عند الله هذه من عندك ﴾ ؛ إذ العندية هنا عندية التأثير التامّ بدليل التسوية في التعبير، فإذا كان ما جاء من عند الله معناه من تقديره وتأثير قدرته، فكذلك مساويه وهو ما جاء من عند الرسول.

وفي «البخاري» عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ ومن الناس من يَعبد الله على حرف ﴾ كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاماً ونُتجت خيلهُ قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيلهُ قال: هذا دين سوء، وهذا يقتضي أنْ فعل ذلك من مهاجرة العرب: يقولونه إذا أرادوا الارتداد وهم أهل جفاء وغلظة، فلعلّ فيهم من شافه الرسول بمثل قولهم: ﴿ هذه من عندك ﴾ .

ومعنى ﴿ من عند الله ﴾ في اعتقادهم أنّه الذي ساقها إليهم وأتحفهم بها لما هو معتاده من الإكرام لهم، وخاصّة إذا كان قائل ذلك اليهود.

ومعنى ﴿ من عندك ﴾ أي من شؤم قدومك، لأنّ الله لا يعاملهم إلاّ بالكرامة، ولكنّه صار يتخوّلهم بالإساءة لقصد أذى المسلمين فتلحَق الإساءة اليهودَ من جرّاء المسلمين على حدّ ﴿ واتّقوا فتنة ﴾ [الأنفال: 25] الآية.

وقد علَّمه الله أن يجيب بأنّ كلاً من عند الله، لأنّه لا معنى لكون شيء من عند الله إلاّ أنّه الذي قدّر ذلك وهيَّأ أسبابه، إذ لا يدفعهم إلى الحسنات مباشرةً.

وإن كان كذلك فكما أنّ الحسنة من عنده، فكذلك السيّئة بهذا المعنى بقطع النظر عمّا أرادُه بالإحسان والإساءة، والتفرقة بينهما من هذه الجهة لا تصدر إلاّ عن عقل غير منضبط التفكير، لأنّهم جعلوا بعض الحوادث من الله وبعضها من غير الله فلذلك قال: ﴿ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ﴾ أي يكادون أن لا يفقهوا حديثاً، أي أن لا يفقهوا كلام من يكلّمهم، وهذ مدلول فعل (كادَ) إذا وقع في سياق النفي، كما تقدّم في قوله: ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ [البقرة: 71].

والإصابة: حصول حال أو ذات، في ذات يقال: أصابه مرض، وأصابته نعمة، وأصابه سَهْم، وهي، مشقّة من اسم الصَّوْب الذي هو المطر، ولذلك كان ما يتصرّف من الإصابة مشعراً بحصوللٍ مفاجئ أو قاهر.

وبعد أن أمر الله رسوله بما يجيب به هؤلاء الضالّين علَّمه حقيقة التفصيل في إصابة الحسنة والسيئة من جهة تمحّض النسبة إلى الله تعالى أو اختلاطها بالانتساب إلى العبد، فقال: ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك ﴾ .

ووُجِّه الخطاب للرسول لأنّه المبلّغ عن الله، ولأنّ هذا الجوابَ لإبطال ما نَسبه الضالّون إليه من كونه مصدرَ السيّئات التي تصيبهم.

وأعلَمْ أنّ للحوادث كلّها مؤثّراً.

وسبباً مقارناً، وأدلّة تنبئ عنها وعن عواقبها، فهذه ثلاثة أشياء لا تخلو عنها الحوادث كلّها، سواء كانت غير اختيارية، أم اختيارية كأفعال العباد.

فالله قدّر المنافع والمضارّ بعلمه وقدَرِه وخلق مؤثّراتها وأسبابَها، فهذا الجُزء لله وحده لقوله: ﴿ قلْ كلّ من عند الله ﴾ .

والله أقام بالألطاف الموجودات، فأوجدها ويسّر لها أسباب البقاء والانتفاع بما أودع فيها من العقول والإلهامات، وحفّها كلّها في سائر أحوالها بألطاف كثيرة، لولاها لما بقيت الأنواع، وساق إليها أصول الملاءمة، ودفع عنها أسباب الآلام في الغالب، فالله لطيف بعباده.

فهذا الجزءُ لله وحده لقوله: ﴿ قُل كلّ من عند الله ﴾ .

والله نصب الأدلّة للناس على المنافع والمضارّ التي تكتسب بمختلف الأدلّة الضرورية، والعقلية، والعاديةِ، والشرعية، وعَلَّم طرائقَ الوصول إليها، وطرائقَ الحيدة عنها، وأرشد إلى موانع التأثير لمن شاء أن يُمانعها، وبعث الرسل وشَرع الشرائع فعلّمنا بذلك كلّه أحوال الأشياء ومنافعها ومضارّها، وعواقب ذلك الظاهرةَ والخفيّةَ، في الدنيا والآخرة، فأكمل المنّة، وأقام الحُجّة، وقطع المعذرة، فهدَى بذلك وحذّر إذ خلق العقول ووسائل المعارف، ونمَّاها بالتفكيرات والإلهامات، وخلق البواعث على التعليم والتعلّم، فهذا الجزء أيضاً لله وحده.

وأمّا الأسباب المقارنةُ للحوادث الحسنةِ والسيّئةِ والجانيةُ لِجناها حين تصيب الإنسان من الاهتداء إلى وسائل مصادفة المنافع، والجهللِ بتلك الوسائل، والإغضاء عن موانع الوقوع فيها في الخير والشرّ، فذلك بمقدار ما يحصّله الإنسان من وسائل الرشاد، وباختياره الصالحَ لاجتناءِ الخير، ومقداراً ضدّ ذلك: من غلبة الجهل، أو غلبة الهوى، ومن الارتماء في المهالك بدون تبصّر، وذلك جزء صغير في جانب الأجزاء التي قدّمناها، وهذا الجزء جعل الله للإنسان حظّاً فيه، ملَّكَهُ إيّاه، فإذا جاءت الحسنةُ أحداً فإنّ مجيئها إيّاه بِخلْق الله تعالى لا محالة ممّا لا صنعة للعبد فيه، أو بما أرشد الله به العبد حتّى علم طريق اجتناء الحسنة، أي الشيءِ الملائم وخلق له استعداده لاختيار الصالح فيما له فيه اختيار من الأفعال النافعة حسبما أرشده الله تعالى، فكانت المنّة فيها لله وحده، إذ لولا لطفه وإرشاده وهديه، لكان الإنسان في حيَرة، فصحّ أنّ الحسنة من الله، لأنّ أعظم الأسباب أو كلّها منه.

أمّا السيّئة فإنّها وإن كانت تأتي بتأثير الله تعالى، ولكن إصابة معظمها الإنسانَ يأتي من جهله، أو تفريطه، أو سوء نظره في العواقب، أو تغليب هواه على رشده، وهنالك سيّئات الإنسان من غير تسبّبه مثل ما أصاب الأمم من خسْففٍ وأوبئة، وذلك نادر بالنسبة لأكثر السيّئات، على أنّ بعضاً منه كان جزاء على سوء فعل، فلا جرَم كان الحظّ الأعظم في إصابة السيّئة الإنسان لتسبّبه مبَاشرة أو بواسطة، فصحّ أن يسند تسبّبها إليه، لأنّ الجزء الذي هو لله وحده منها هو الأقلّ.

وقد فسَّر هذا المعنى ما ورد في «الصحيح»، ففي حديث الترمذي " لا يصيب عبداً نكبةٌ فما فوقها أو ما دونها إلاّ بذنب وما يعفو الله أكثر ".

وشملت الحسنة والسيِّئة ما كان من الأعيان، كالمطر والصواعق، والثمرة والجراد، وما كان من الأعراض كالصحّة، وهبوب الصّبا، والربْح في التجارة.

وأضدادها كالمرض، والسَّموم المهلكة، والخسارة.

وفي هذا النوع كان سبب نزول هذه الآية، ويلحق بذلك ما هو من أفعال العباد كالطاعات النافعة للطائع وغيره، والمعاصي الضارّة به وبالناس، وفي هذا الأمر جاء قوله تعالى: ﴿ قل إن ضللت فإنما أضِلّ على نفسي وإن اهتديت فيما يوحي إليّ ربي ﴾ [سبأ: 50] وهو على نحو هذه الآية وإن لم تكن نازلة فيه.

ولكون هذه القضية دقيقة الفهم نبّة الله على قلّة فهمهم للمعاني الخفيّة بقوله: ﴿ فما لهؤلاء القوم لا يكادُون يفقهون حديثاً ﴾ ، فقوله: ﴿ لا يكادون ﴾ يجوز أن يكون جارياً على نظائره من اعتبار القلب، أي يكادون لا يفقهون، كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فذبحوها وما كادوا يفعلون ﴾ [البقرة: 71] فيكون فيه استبقاءٌ عليهم في المذمّة.

ويجوز أن يكون على أصل وضع التركيب، أي لا يقارِبون فهم الحديث الذي لا يعقله إلاّ الفطناء، فيكون أشدّ في المذمّة.

والفقه فهم ما يَحتاج إلى إعمال فكر.

قال الراغب: «هو التوصّل إلى علم غائب بعلم شاهد، وهو أخص من العلم».

وعرفه غيره بأنّه «إدراك الأشياء الخفيّة».

والخطاب في قوله: ﴿ ما أصابك ﴾ خطاب للرسول، وهذا هو الأليق بتناسق الضمائر، ثم يعلم أن غيره مثله في ذلك.

وقد شاع الاستدلال بهذه الآية على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى على طريقة الشيخ أبي الحسن الأشعري لقوله: ﴿ قل كلّ من عند الله ﴾ ، كما شاع استدلال المعتزلة بها على أنّ الله لا يخلق المعصية والشرّ لقوله: ﴿ وما أصابك من سيّئة فمن نفسك ﴾ .

وقال أبو الحسن شبيب بن حيدرة المالكي في كتاب «حَزّ الغلاصم»: إنّ الاحتجاج بها في كلا الأمرين جهل لابتنائه على توهّم أنّ الحسنة والسيّئة هي الطاعة والمعصية، وليستا كذلك.

وأنا أقول: إنّ أهل السنّة ما استدلّوا بها إلاّ قَوْلاً بموجَب استدلال المعتزلة بها على التفرقة بين اكتساب الخير والشّر على أنّ عموم معنى الحسنة والسيئة كما بيَّنْته آنفاً يجعل الآية صالحة للاستدلال، وهو استدلال تقريبي لأنّ أصول الدين لا يستدلّ فيها بالظواهر كالعموم.

وجيء في حكاية قولهم: ﴿ يقولوا هذه من عند الله يقولوا هذه من عندك ﴾ بكلمة (عنِد) للدلالة على قوّة نسبة الحسنة إلى الله ونسبة السيّئة للنبيء عليه الصلاة والسلام أي قالوا ما يُفيد جزمهم بذلك الانتساب.

ولمّا أمر الله رسوله أن يجيبهم قال: ﴿ قل كلّ من عند الله ﴾ مشاكلة لقولهم، وإعراباً عن التقدير الأزلي عند الله.

وأمّا قوله: ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك ﴾ فلم يؤت فيه بكلمة (عند)، إيماء إلى أنّ ابتداء مجيء الحسنة من الله ومجيء السيِّئة من نفس المخاطب، ابتداءُ المتسبّب لِسبب الفعل، وليسَ ابتداءَ المؤثِّر في الأثر.

وقوله: ﴿ وأرسلناك للناس رسولاً ﴾ عطف على قوله: ﴿ وما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ للردّ على قولهم: السيئة من عند محمد، أي أنك بُعِثْتَ مُبَلِّغا شريعة وهاديا، ولست مؤثراً في الحوادث ولا تدل مقارنة الحوادث المؤلمة على عدم صدق الرسالة.

فمعنى ﴿ أرسلناك ﴾ بعثناك كقوله ﴿ وأرسلنا الرياح ﴾ [الحجر: 22] ونحوه.

و ﴿ للناس ﴾ متعلق ب ﴿ أرسلناك ﴾ .

وقوله ﴿ رسولا ﴾ حال من ﴿ أرسلناك ﴾ ، والمراد بالرسول هنا معناه الشرعي المعروف عند أهل الأديان: وهو النبي المبلّغ عن الله تعالى، فهو لفظ لقيي دالّ على هذا المعنى، وليس المراد به اسم المفعول بالمعنى اللغوي ولهذا حسن مجيئهُ حالاً مقيَّدة ل«أرسلناك»، لاختلاف المعنيين، أي بعثناك مبلّغاً لا مُؤَثِّراً في الحوادث، ولا أمارةً على وقوع الحوادث السيّئة.

وبهذا يزول إشكال مجيء هذه الحال غير مفِيدة إلاّ التأكيد، حتّى احتاجوا إلى جَعل المجرور متعلّقاً ب ﴿ رسولاً ﴾ ، وأنّه قدّم عليه دلالة على الحصر باعتبار العموم المستفاد من التعريف، كما في «الكشّاف»، أي لجميع الناس لا لبعضهم، وهو تكلّف لا داعي إليه، وليس المقام هذا الحصر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً ﴾ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ اسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ  بِمَكَّةَ في قِتالِ المُشْرِكِينَ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهم، فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ وهم بِالمَدِينَةِ قالَ فَرِيقٌ مِنهم ما ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهم، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وهو قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ.

والرّابِعُ: أنَّها مِن صِفَةِ المُؤْمِنِ لِما طُبِعَ عَلَيْهِ البَشَرُ مِنَ المَخافَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

﴿ أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ في البُرُوجِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها القُصُورُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّها قُصُورٌ في السَّماءِ بِأعْيانِها تُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، والرَّبِيعِ.

والثّالِثُ: أنَّها البُيُوتُ الَّتِي في الحُصُونِ وهو قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

وَأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ إذا أظْهَرَتْ نَفْسَها.

وَفي المُشَيَّدَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المُجَصَّصَةُ، والشِّيدُ الجِصُّ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّانِي: أنَّ المُشَيَّدَ المُطَوَّلُ في الِارْتِفاعِ، يُقالُ: شادَ الرَّجُلُ بِناءَهُ وأشادَهُ إذا رَفَعَهُ، ومِنهُ أشَدْتَ بِذِكْرِ الرَّجُلِ إذا رَفَعْتَ مِنهُ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: أنَّ المُشَيَّدَ، بِالتَّشْدِيدِ: المُطَوَّلُ، وبِالتَّخْفِيفِ: المُجَصَّصُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ ﴾ في القائِلِينَ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: اليَهُودُ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

وَفي الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هَهُنا ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: البُؤْسُ والرَّخاءُ.

والثّانِي: الخِصْبُ والجَدْبُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

والثّالِثُ: النَّصْرُ والهَزِيمَةُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ زَيْدٍ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مِن عِنْدِكَ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أيْ بِسُوءِ تَدْبِيرِكَ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: يَعْنُونَ بِالشُّؤْمِ الَّذِي لَحِقَنا مِنكَ عَلى جِهَةِ التَّطَيُّرِ بِهِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ ﴾ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِهَذا الخِطابِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ.

أحَدُها: أنَّ الخِطابَ مُتَوَجِّهٌ إلى النَّبِيِّ  وهو المُرادُ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى النَّبِيِّ  والمُرادُ بِهِ غَيْرُهُ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى الإنْسانِ، وتَقْدِيرُهُ: ما أصابَكَ أيُّها الإنْسانُ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

وَفي الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الحَسَنَةَ النِّعْمَةُ في الدِّينِ والدُّنْيا، والسَّيِّئَةَ المُصِيبَةُ في الدِّينِ والدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّانِي: أنَّ الحَسَنَةَ ما أصابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، والسَّيِّئَةَ ما أصابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ مِن شَجِّ رَأْسِهِ وكَسْرِ رَباعِيَتِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ.

والثّالِثُ: أنَّ الحَسَنَةَ الطّاعَةُ، والسَّيِّئَةَ المَعْصِيَةُ، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِن نَفْسِكَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فَبِذَنْبِكَ.

والثّانِي: فَبِفِعْلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ أينما تكونوا...

﴾ قال: من الأرض.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ ولو كنتم في بروج مشيدة ﴾ يقول: في قصور محصنة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ في بروج مشيدة ﴾ قال: المجصصة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ في بروج مشيدة ﴾ قال: هي قصور بيض في سماء الدنيا مبنية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية ﴿ في بروج مشيدة ﴾ قال: قصور في السماء.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سفيان في الآية قال: يرون أن هذه البروج في السماء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: كان قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم امرأة، وكان لها أجير فولدت المرأة فقالت لأجيرها: انطلق فاقتبس لي ناراً، فانطلق الأجير فإذا هو برجلين قائمين على الباب!

فقال أحدهما لصاحبه: وما ولدت؟

فقال: ولدت جارية.

فقال أحدهما لصاحبه: لا تموت هذه الجارية حتى تزني بمائة ويتزوّجها الأجير، ويكون موتها بعنكبوت.

فقال الأجير: أما والله لأكذبن حديثهما، فرمى بما في يده وأخذ السكين فشحذها وقال: ألا تراني أتزوجها بعدما تزني بمائة، ففرى كبدها ورمى بالسكين وظن أنه قد قتلها، فصاحت الصبية، فقامت أمها فرأت بطنها قد شق فخاطته وداوته حتى برئت.

وركب الأجير رأسه فلبس ما شاء الله أن يلبث، وأصاب الأجير مالاً، فأراد أن يطلع أرضه فينظر من مات منهم ومن بقي، فأقبل حتى نزل على عجوز وقال للعجوز: أبغي لي أحسن امرأة في البلد أصيب منها وأعطيها، فانطلقت العجوز إلى تلك المرأة، وهي أحسن جارية في البلد، فدعتها إلى الرجل وقالت: تصيبين منه معروفاً؟

فأبت عليها وقالت: إنه قد كان ذاك مني فيما مضى، فأما اليوم فقد بدا لي أن لا أفعل.

فرجعت إلى الرجل فأخبرته فقال: فاخطبيها لي.

فخطبها وتزوّجها فأعجب بها.

فلما أنس إليها حدثها حديثه فقالت: والله لئن كنت صادقاً لقد حدثتني أمي حديثك، وإني لتلك الجارية.

قال: أنتِ؟!

قالت: أنا...

قال: والله لئن كنتِ أنتِ إن بكِ لعلامة لا تخفى.

فكشف بطنها، فإذا هو بأثر السكين فقال: صدقني والله الرجلان، والله لقد زنيت بمائة، وإني أنا الأجير، وقد تزوّجتك ولتكونن الثالثة، وليكونن موتك بعنكبوت.

فقالت: والله لقد كان ذاك مني، ولكن لا أدري مائة أو أقل أو أكثر.

فقال: والله ما نقص واحداً ولا زاد واحداً، ثم انطلق إلى ناحية القرية، فبنى فيه مخافة العنكبوت، فلبث ما شاء الله أن يلبث، حتى إذا جاء الأجل، ذهب ينظر فإذا هو بعنكبوت في سقف البيت وهي إلى جانبه فقال: والله إني لأرى العنكبوت في سقف البيت.

فقالت: هذه التي تزعمون أنها تقتلني، والله لأقتلنها قبل أن تقتلني.

فقام الرجل فزاولها وألقاها فقالت: والله لا يقتلها أحد غيري، فوضعت أصبعها عليها فشدختها، فطار السم حتى وقع بين الظفر واللحم، فاسودت رجلها فماتت، وأنزل الله على نبيه حين بعث ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وإن تصبهم حسنة ﴾ يقول: ﴿ وإن تصبهم سيئة ﴾ قال: مصيبة ﴿ قل كل من عند الله ﴾ قال: النعم والمصائب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ﴾ قال: هذه في السراء والضراء.

وفي قوله: ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ قال: هذه في الحسنات والسيئات.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ وإن تصبهم حسنة...

﴾ الآية.

قال: إن هذه الآيات نزلت في شأن الحرب ﴿ قل كل من عند الله ﴾ قال: النصر والهزيمة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ قل كل من عند الله ﴾ يقول: الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك الله بها.

وفي قوله: ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله ﴾ قال: ما فتح الله عليه يوم بدر وما أصاب من الغنيمة والفتح ﴿ وما أصابك من سيئة ﴾ قال: ما أصابه يوم أحد أن شج في وجهه وكسرت رباعيته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مطرف بن عبد الله قال: ما تريدون من القدر ما يكفيكم، الآية التي في سورة النساء ﴿ وإن تصبهم حسنة..

﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطية العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ قال: هذا يوم أحد يقول: ما كانت من نكبة فبذنبك وأنا قدرت ذلك عليك.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح ﴿ وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ وأنا قدرتها عليك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ قال: عقوبة بذنبك يا ابن آدم.

قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا يصيب رجلاً خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر» .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ قال: بذنبك كما قال لأهل أحد ﴿ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ﴾ [ التوبة: 122] بذنوبكم.

وأخرج ابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن مجاهد قال: هي في قراءة أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود «ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك» .

وأخرج ابن المنذر من طريق مجاهد.

أن ابن عباس كان يقرأ «وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك» قال مجاهد: وكذلك في قراءة أبي وابن مسعود.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ﴾ .

هذه الآية عند الزجاج متصلة بالأولى إلى قوله: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ ؛ لأنه قال: وأعلمهم أنَّ آجالهم لا تخطئهم ولو تحصنوا بأمنع الحصون، فقال: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَة ﴾ (١) وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في المنافقين حين قالوا لما استشهد من المسلمين ممن استشهد بأحد: لو كان (إخواننا قتلوا) (٢) (٣) وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ﴾ يا معشر المنافقين ولو كنتم في بُروج مشيَّدة (٤) وقال ابن المظفر: البروج بيوتٌ تُبنى على سور المدينة (٥) وبروج الفلك اثنا عشر، كل برج فيها ثلاثون درجة (٦) وأصلها في اللغة من الظهور، ومنه يقال: تبرجت المرأة، إذا أظهرت محاسنها (٧) (٨) وأما قول أهل التفسير في البروج فقال ابن عباس في رواية عطاء ﴿ بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ يريد الحصون، أي لا تُرام (٩) (١٠) وقال مجاهد وابن جريج: هي القصور (١١) وقال الربيع والسدي وقتادة: يعني بروج السماء بأعيانها (١٢) وأما المشيَّدة فقال الفراء في المصادر: شاد بناءه يشيد شيدًا، وأشاد بناءه أيضًا إشادة، وشيد بناءه يشيده تشييدًا، إذا رفعه (١٣) وقال في المعاني (١٤) (١٥) (١٦) وقال الزجاج في المشيد والتشييد والإشادة مثل قول الفراء (١٧) وقال أبو عبيدة وابن قتيبة: المشيدة المطولة (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ﴾ قال المفسرون: هذا موقف اليهود والمنافقين عند مقدم النبي  المدينة، وكان قد بسط عليهم الرزق، فلما كفروا أمسك عنهم بعض الإمساك، كما مضت سنة الله في الأمم، قال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا  ﴾ ، فقالوا: ما رأينا أعظم شؤمًا من هذا، نقصت أثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه.

فقوله: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار، قالوا: هذا من عند الله، ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ : جدب وغلاء الأسعار، قالوا: هذا من شؤم محمد.

وهذا كقوله: ﴿ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ  ﴾ .

هذا قول الكلبي (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ من النصر والغنيمة يقولوا هذه من عند الله ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ من القتل والهزيمة (٢٣) وهذا قول الحسن (٢٤) (٢٥) وعلى هذا المعنى فقوله: ﴿ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ﴾ قال ابن زيد: بسوء تدبيرك (٢٦) وقال ابن الأنباري: إذا أصابهم الخصب ونالوا ما يحبون من الغنائم والأموال قالوا: هذا من عند الله، لم نزل نعرفه، لا شيء لمحمد فيهن، وإذا أصابهم الجدب والبلاء والشر قالوا: هذا الشقاء بشؤم محمد  ، فقال الله تعالى: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أي النصر والهزيمة (٢٧) وقال أهل المعاني: جملة المعنى الذي تضمنته هذه الآية الحض على الجهاد، بأن الموت لا بد منه، فلا تجزعوا من الموت جزع المُعرض عن ذكره، ولا تجهلوا بإضافة المصيبة فيه إلى غير الله (٢٨) وقال ابن عباس في بعض الروايات: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أما الحسنة فأنعم الله بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لا يفهمون القرآن (٣٠) والفقه في اللغة: اللهم، يقال: أوتي فلان فقهًا في الدين، أي فهمًا (٣١)  لابن عباس: "وفقهه في التأويل" (٣٢) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 79.

(٢) هكذا في (ش)، وفي "أسباب النزول" للمؤلف ص 171: "إخواننا الذين قتلوا" وهو الصواب.

(٣) ذكره المؤلف في "أسباب النزول" ص 171 عن ابن عباس من رواية أبي صالح، وانظر: "زاد المسير" 2/ 137، والقرطبي 5/ 282.

(٤) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.

(٥) ذكر ذلك عن الليث (ابن المظفر) ابن منظور في "اللسان" 1/ 244 (برج).

(٦) انظر: "الصحاح" 1/ 299، "اللسان" 1/ 244 (برج)، "معاني القرآن" لابن العربي 1/ 461.

(٧) "مقاييس اللغة" 1/ 238، "الصحاح" 1/ 299 (برج).

(٨) "مقاييس اللغة" 1/ 238، وانظر: "اللسان" 1/ 243 (برج).

(٩) انظر: "زاد المسير" 2/ 137، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.

(١٠) من الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 88 ب.

(١١) أخرج نحو ذلك عنهما الطبري 5/ 172، 173.

(١٢) أخرج ذلك عن الربيع والسدي: الطبري 5/ 173، وابن أبي حاتم عن السدي انظر: "الدر المنثور" 2/ 329.

أما قول قتادة فأنه كالأقوال المتقدمة، فقد أخرج الطبري 8/ 552 عنه أنه قال: "في قصور محصنة" وانظر: "الدر المنثور" 2/ 329.

(١٣) انظر: "معاني القرآن" 1/ 277، "معاني الزجاج" 2/ 79،"تهذيب اللغة" 2/ 1802 (شاد).

(١٤) أي الفراء في كتابه "معاني القرآن" 1/ 277.

(١٥) في "معاني القرآن": "ممزق" والمعنى متقارب.

(١٦) "معاني القرآن" 1/ 277 وانظر: الطبري 5/ 173.

(١٧) انظر: "معانى القرآن وإعرابه" 2/ 79.

(١٨) "مجاز القرآن" 1/ 132، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 127.

(١٩) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.

(٢٠) انظر: الطبري 5/ 174، "تفسير الهواري" 1/ 401، "بحر العلوم" 1/ 370، "الكشف والبيان" 4/ 88 ب، "النكت والعيون" 1/ 506 - 507 "زاد المسير" 2/ 137.

(٢١) في "معاني القرآن" 1/ 278.

(٢٢) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 79.

(٢٣) انظر: "زاد المسير" 2/ 138.

(٢٤) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 401 ، "النكت والعيون" 1/ 506 - 508.

(٢٥) أخرجه الطبري 5/ 174 - 175 ، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 506 - 508؛ "زاد المسير" 2/ 138، "الدر المنثور"2/ 330.

(٢٦) المرجع السابق.

(٢٧) مثل هذا مروي عن ابن زيد، انظر: "الدر المنثور" 2/ 330 - 331، ولم أقف عليه عن عطاء.

(٢٨) انظر: "بحر العلوم" 1/ 369، "الكشف والبيان" 4/ 88 ب.

(٢٩) هذا الأثر من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في "تفسيره" ص151، والطبري 5/ 174 - 175، والبيهقي في "الاعتقاد على مذهب السلف" أهل السنة والجماعة ص (67، 68)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 330 - 331 أيضًا إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٣٠) انظر: "بحر العلوم" 1/ 370، "زاد المسير" 2/ 136.

(٣١) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2844، "الصحاح" 6/ 2243 (فقه).

(٣٢) أخرجه البخاري (143) كتاب: الوضوء، باب: (10) وضع الماء عند الخلاء 1/ 45 بلفظ: "اللهم فقهه في الدين"، ومسلم (2477) في كتاب: فضائل الصحابة، باب: (30) فضائل عبد الله بن عباس  ما 4/ 1927 (ح 138) بلفظ:"اللهم فقهه" وأحمد في "مسنده" 1/ 299 بلفظ: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين قِيلَ لَهُمْ كفوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ الآية، قيل: هي في قوم من الصحابة كانوا قد أمروا بالكف عن القتال قبل أن يفرض الجهاد، فتمنوا أن يؤمروا به، فلما أمروا به كرهوه، لا شكاً في دينهم، ولكن خوفاً من الموت، وقيل: هي في المنافقين وهو أليق في سياق الكلام ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ ﴾ وما بعده تحقير للدنيا فتضمن الرد عليهم في كراهتهم للموت ﴿ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ أي في حصون منيعة، وقيل: المشيدة المطولة وقيل المبينة بالشيد وهو الجص ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ الحسنة هنا: النصر والغنيمة وشبه ذلك من المحبوبا، والسيئة: الهزيمة والجوع وشبه ذلك، والضمير في ﴿ تُصِبْهُمْ ﴾ وفي يقولوا للذين قيل لهم: كفوا أيديكم، وهذا يدل على أنها في المنافقين، لأن المؤمنين لا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إن السيئات من عنده ﴿ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله ﴾ رد على من نسب السيئة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإعلام أن السيئة والحسنة والخير والشر من عند الله أي بقضائه وقدره ﴿ فَمَالِ هؤلاء القوم ﴾ توبيخ لهم على قلة فهمهم ﴿ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به كل مخاطب على الإطلاق، فدخل فيه غيره من الناس، وفيه تأويلان: أحدهما: نسبة الحسنة إلى الله، والسيئة إلى العبد تأدباً مع الله في الكلام، وإن كان كل شيء منه في الحقيقة، وذلك كقوله عليه الصلاة والسلام: «والخير كله بيدك والشر ليس إليك» وأيضاً: فنسبة السيئة إلى العبد لأنها بسبب ذنوبه، لقوله: ﴿ وَمَآ أصابكم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ [الشورى: 30]، فهي من العبد بتسببه فيها، ومن الله بالخلقة والاختراع، والثاني: أن هذا كلام القوم المذكورين قبل، والتقدير يقولون: كذا فمعناها كمعنى التي قبلها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليبطئن ﴾ ونحوه مثل ﴿ فلننبئن ﴾ و ﴿ لنبوّئنهم ﴾ بالياء الخالصة: يزيد والشموني وحمزة في الوقف.

﴿ كأن لم تكن ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن كثير وحفص والمفضل وسهل ويعقوب.

الباقون بياء الغيبة ﴿ يغلب فسوف ﴾ وبابه نحو ﴿ إن تعجب فعجب  ﴾ ﴿ اذهب فمن تبعك  ﴾ مدغماً: أبو بكر وحمزة غير خلف وعلي وهشام.

﴿ ولا يظلمون ﴾ بالياء التحتانية: ابن كثير، وعلي وحمزة وخلف وهشام ويزيد وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

الباقون بتاء الخطاب ﴿ بيت طائفة ﴾ مدغماً: أبو بكر وحمزة.

الوقوف: ﴿ جميعاً ﴾ ه ﴿ ليبطئن ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ شهيداً ﴾ 5 ﴿ عظيماً ﴾ 5 ﴿ بالآخرة ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ 5 ﴿ أهلها ﴾ ج ﴿ ولياً ﴾ كذلك للتفصيل بين الدعوات ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ج للفصل بين القصتين المتضادتين ﴿ أولياء الشيطان ﴾ ج لاحتمال الابتداء وتقدير الفاء واللام.

﴿ ضعيفاً ﴾ ه ﴿ الزكاة ﴾ ط لأنّ جواب "فلما" منتظر ولكن التعجب في قوله: ﴿ ألم تر ﴾ واقع على قوله: ﴿ إذا فريق منهم يخشون ﴾ .

﴿ خشية ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ القتال ﴾ ج لأنّ "لولا" أي "هلاّ" استفهام / آخر مع اتحاد المعمول.

﴿ قريب ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ج للفصل بين وصف الدارين.

﴿ فتيلا ﴾ ه ﴿ مشيدة ﴾ ط للعدول لفظاً ومعنى.

﴿ من عند الله ﴾ ط للفصل بين النقيضين ﴿ من عندك ﴾ ج.

﴿ من عند الله ﴾ ط.

﴿ حديثاً ﴾ ه.

﴿ فمن الله ﴾ ز فصلاً بين النقيضين ﴿ فمن نفسك ﴾ ط.

﴿ رسولاً ﴾ ه.

﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ أطاع الله ﴾ ج لحق العطف مع ابتداء بشرط آخر ﴿ حفيظاً ﴾ ط لاستئناف الفعل بعدها ﴿ طاعة ﴾ ز لابتداء بشرط مع أن المقصود من بيان نفاقهم لا يتم بعد.

﴿ يقول ﴾ ط ﴿ يبيتون ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الاتصال أي إذا كتب الله ما يبيتون فأعرض ولا تهتم.

﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه.

التفسير: إنه  عاد بعد الترغيب في طاعة الله وطاعة رسوله إلى ذكر الجهاد لأنه أشق الطاعات ولأنه أعظم الأمور التي بها تناط تقوية الدين فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ﴾ والحذر والحذر بمعنى كالأثر والإثر والمثل والمثل.

يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز عن المخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه.

والمعنى احذروا واحترزوا من العدو و لاتمكنوه من أنفسكم.

وقيل: المراد بالحذر السلاح لأنه ممايتقي به ويحذر.

فإن قيل: أي فائدة في هذا الأمر والحذر لا يغني عن القدر والمقدور كائن والهم فضل؟

قلت: هذا من عالم الأسباب والوسائط المرتبطة ولا ريب أن الكل يقع على نحو ما قدّر، فمن امتثل وترتب عليه الأثر بقدر، ومن أهمل حتى فاتته السلامة كان أيضاً بقدر، وهكذا شأن جميع التكاليف إذا اعتبر.

﴿ فانفروا ﴾ إلى قتال عدوّكم انهضوا لذلك قال  : "وإذا استنفرتم فانفروا" .

﴿ ثبات ﴾ جماعات متفرقة سرية بعد سرية واحدها ثبة محذوفة اللام وأصلها ثبى فعوضت الهاء عن الياء المحذوفة.

والتركيب يدل على الاجتماع ومنه الثبة لوسط الحوض الذي يجتمع عنده الماء وصبيت الشيء جمعته.

﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ مجتمعين كركبة واحدة وهذا قريب مما قاله الشاعر: طاروا إليه زرافات ووحداناً *** والغرض النهي عن التخاذل وإلقاء النفس إلى التهلكة.

﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ اللام الأولى هي الداخلة في خبر "إنّ" والثانية هي الداخلة في جواب القسم، وتقدير الكلام: لمن حلف بالله ليبطئن وهو إما متعد بسبب التشديد فيكون المفعول محذوفاً أي ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو كما هو ديدن المنافق عبد الله بن أبي ثبَّط الناس يوم أحد، وإما لازم فقد جاء بطأ بالتشديد بمعنى أبطأ كعتم بمعنى أعتم أي ليتثاقلن وليختلفن عن الجهاد، وهذا / المعنى أوفق بقوله: ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ من قتل أو هزيمة ﴿ قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ فتح أو غنيمة ليقولن (قوله) ﴿ كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ﴾ اعتراض بين الفعل الذي هو ﴿ ليقولن ﴾ وبين مفعوله وهو ﴿ يا ليتني ﴾ والمنادى محذوف أي يا قوم ليتني.

وجوّز أبو علي إدخال حرف النداء في الفعل والحرف من غير إضمار المنادي.

﴿ كنت معهم فأفوز ﴾ منصوب بإضمار أن أي ليت لي كوناً معهم فافوز.

والخطاب في قوله: ﴿ وإن منكم ﴾ للمذكورين في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ والأظهر أن هذا المبطىء سواء جعل لازماً أو متعدياً كان منافقاً فلعله جعله من المؤمنين من حيث الجنس أو النسب أو الاختلاط أو لأنه كان حكمه حكم المؤمنين لظاهر الإيمان.

والمراد يا أيها المؤمنون في زعمكم ودعواكم كقوله: ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر  ﴾ ومعنى الاعتراض في البين أن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن.

وقال جمع من المفسرين: إنّ هؤلاء المبطئين كانوا ضعفة المسلمين.

وعلى هذا فالتبطئة بمعنى الإبطاء ألبتة لأنّ المؤمن لا يثبط غيره ولكنه قد يتثاقل وهم المراد بقوله: { ﴿ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم  ﴾ ثم لما ذم المبطئين رغب في الجهاد بقوله: ﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون ﴾ ومعناه يشترون أو يبيعون.

وعلى الأول فهم المنافقون المبطئون وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويجاهدوا حق الجهاد ولا يختاروا الدنيا على المعاد.

وعلى الثاني فهم المؤمنون الذين تركوا الدنيا لأجل الآخرة.

والمراد إن أبطأ أهل النفاق وضعفة الإيمان عن القتال فليقاتل التائبون المخلصون.

وقيل: يحتمل أن يراد المؤمنون على التقدير الأول أيضاً لأن الإنسان إذا أراد أن يبذل هذه الحياة الدنيا في سبيل الله بخلت نفسه فاشتراها من نفسه بسعادة الآخرة ليقدر على بذلها في سبيل الله، أو لعله أريد اشتغل بالقتال وترك ترجيح الفاني على الباقي، أو المراد أنهم كانوا يرجحون الحياة على الموت لاستيفاء السعادات البدنية فقيل لهم: قاتلوا فإنكم تستولون على الأعداء وتفوزون بالأموال.

﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب ﴾ وعد الأجر العظيم على تقديري المغلوبية والغالبية ليعلم أنه لا عمل أشرف من الجهاد، وليكون المجاهد على بصيرة من حاله على أي تقدير كان فيقدم ولا يحجم، ثم زاد في تحريضهم فقال: ﴿ وما لكم لا تقاتلون ﴾ ومعناه أنه لا عذر لكم في ترك المقاتلة وقد بلغ الحال إلى ما بلغ.

وقوله: ﴿ والمستضعفين ﴾ إما مجرور أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين، وإما منصوب على الاختصاص أي وأخص من سبيل الله الذي هو عام في كل خير خلاص المستضعفين وهم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون والإعسار والضعف / عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم أذلاء يلقون منهم أذى شديداً، فكانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة وبقي بعضهم إلى الفتح.

والولدان جمع ولد كخربان في خرب.

وقيل: الرجال والنساء الأحرار والحرائر، والولدان العبيد والإماء لأنّ العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة وجمعهما الولدان والولائد إلاّ أنه خص الولدان بالذكر تغليباً كالآباء والإخوة مع إرادة الأمهات والأخوات أيضاً.

وعن ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من الولدان والنساء.

والظالم صفة للقرية إلاّ أنه مسند إلى أهلها فتبع القرية في الإعراب، وهو مذكر لإسناده إلى الأهل.

والأهل يذكر ويؤنث، ولو أنّث لا لتأنيث الموصوف بل لجواز تأنيث الأهل جاز.

وإنما اشترك الولدان في الدعاء وإن كانوا غير مكلفين لأن المشركين كانوا يؤذونهم إرغاماً لآبائهم، أو لأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالاً لرحمة الله بدعاء صغائرهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس، ووردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء.

﴿ واجعل لنا من لدنك وليّاً ﴾ أي كن أنت لنا ولياً وناصراً وولّ علينا رجلاً يوالينا ويقوم بمصالحنا.

فاستجاب الله دعاءهم لأنّ النبي  لما فتح مكة جعل عتاب بن أسيد أميراً لهم فكان الولي هو الرسول، وكان النصير عتاب بن أسيد كما أرادوا.

قال ابن عباس: كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعزّ بها من الظلمة.

ثم شجع المؤمنين تشجيعاً بأن أخبرهم أنهم يقاتلون في سبيل الله فهو وليّهم وناصرهم وأعداؤهم يقاتلون في سبيل غير الله وهو الطاغوت والشيطان فلا ولي لهم إلاّ الشيطان وإن كيده أوهن شيء وأضعفه.

والكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال.

وفائدة إدخال "كان" أن يعلم أنه منذ كان كان موصوفاً بالضعف والذلة.

ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر وإن كانوا مدة حياتهم في غاية الخمول والفقر، وأما الملوك والجبابرة فإذا ماتوا انقرض أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم ولا ظلمهم؟

قول  : ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم ﴾ فيه قولان: الأول أنها نزلت / في المؤمنين نفر من أصحاب رسول الله  منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص؛ كانوا يلقون من المشركين أذى كثيراً ويقولون لرسول الله  : ائذن لنا في قتال هؤلاء.

فيقول لهم : "كفوا أيديكم عنهم فإني لم أؤمر بقتالهم.

فلما هاجر إلى المدينة وأمرهم الله بقتال المشركين كرهه بعضهم وشق عليهم" .

الثاني قال ابن عباس في رواية أبي صالح: "لما استشهد الله من المسلمين من استشهد يوم أُحد قال المنافقون الذين تخلّفوا عن الجهاد: لو كان إخواننا الذين قتلوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا" فنزلت.

وقد يحتج للقول الأول بأن رغبتهم في القتال أوّلاً دليل الإيمان، ويمكن أن يجاب بأن المنافقين ايضاً كانوا يظهرون الرغبة في الجهاد إلى أن أمروا بالقتال فأحجموا.

واحتج أصحاب القول الثاني بأنهم كانوا يخشون الناس كخشية الله أو أشد، وكانوا يعترضون على الله  بقولهم: ﴿ لم كتبت علينا القتال ﴾ وكانوا يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فلهذا قيل لهم ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ وكل هذه الأمور من نعوت المنافقين وأجيب بأن حب الحياة والنفرة عن القتل من لوازم الطباع وهو المعنى بالخشية والاعتراض محمول على تمني تخفيف التكليف لا على الإنكار وقوله: ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ إنما ذكر ليهون على قلبهم أمر هذه الحياة.

والأقوى حمل الآية على المنافقين لأن ما بعدها وهو قوله: ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ﴾ في شأنهم بلا اختلاف.

وفي الآية دلالة على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدماً على الجهاد وهو أيضاً ترتيب مطابق لما في المعقول، لانّ التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله مقدمان على الترهيب والقتل في سبيل الله.

وإذا في ﴿ إذا فريق ﴾ للمفاجأة وهو مجرد عن الظرفية والعامل في لما معنى المفاجأة أي فاجأ وقت خشية فريق زمان كتبة القتال عليهم.

وقوله: ﴿ كخشية الله ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول.

ومحل الكاف النصب على الحال لما عطف عليه من قوله: ﴿ أو أشد ﴾ ثم نصب ﴿ خشية ﴾ على التمييز فالتقدير: يخشون الناس مشبهين لأهل خشية الله أو أشد خشية من خشية أهل الله.

نعم لو قيل: أشد خشية بالإضافة انتصب خشية الله على المصدر ولا يمكن أن يقال أشد خشية بالنصب على إرادة المصدر، اللهم إلاّ أن تجعل الخشية خاشية أو ذات خشية مثل جد جده فيكون المعنى: خشية مثل خشية الله أو خشية أشد خشية من خشية الله وعلى هذا يجوز أن يكون محل ﴿ أشد ﴾ مجروراً عطفاً على خشية الله أي كخشية الله أو كخشية أشد خشية منها.

وكلمة "أو" ليست للشك ههنا فإن ذلك على علام الغيوب محال ولكنها بمعنى الواو، أو المراد أن كل خوفين فإن أحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساوياً أو أزيد، فبيَّن في الآية أن خوفهم من الناس ليس بأنقص من خوفهم من الله فيبقى إما أن يكون مساوياً أو أزيد فهذا لا يوجب كونه  شاكاً فيه ولكنه يوجب إبقاء الإبهام في هذين القسمين على المخاطبين.

أو هذا نظر قوله ﴿ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون  ﴾ يعني أن من يراهم يقول هذا الكلام.

﴿ وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب  ﴾ إن كانت الآية في المؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضاً على الله ولكن جزعاً من الموت وحباً للحياة واستزادة في مدة الكف واستمهالاً إلى وقت آخر كقوله: ﴿ لولا أخرتني إلى / أجل قريب فأصدق  ﴾ وإن كان من كلام المنافقين فلا شك أنهم كانوا منكرين لكتبة القتال عليهم، فهم قالوا ذلك بناء على زعم الرسول ودعواه.

ومعنى ﴿ لولا أخرتنا ﴾ هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا، ثم أزال الشبهة وأزاح العلة بقوله: ﴿ قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير ﴾ لا لكل الناس بل ﴿ لن اتقى ﴾ فإن للكافر والفاسق هنالك نيراناً وأهوالاً ومن هنا قال  : " "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" وأما ترجيح الآخرة فلأن نعم الدنيا قليلة ونعم الآخرة كثيرة، ونعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبّدة، ونعم الدنيا مشوبة بالأقذار ونعم الآخرة صافية عن الأكدار، ونعم الدنيا مشكوكة التمتع بها ونعم الآخرة يقينية الانتفاع منها.

ثم بكت الفريق الخائنين بأنهم يدركهم الموت أينما كانوا ولو كانوا في حصون مرتفعة.

والبروج في كلام العرب القصور والحصون وأصلها من الظهور ومنه تبرجت المراة إذا أظهرت محاسنها.

والغرض أنه لا خلاص لهم من الموت والجهاد موت مستعقب للسعادة الأبدية، وإذا كان لا بد من الموت فوقوعه على هذا الوجه أولى.

قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول  ، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله  عنهم بعض الإمساك كما جرت عادته في جميع الأمم قال: ﴿ وما أرسلنا في قرية من نبي إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضراء  ﴾ فعند هذا قالت اليهود والمنافقون: ما رأينا أعظم شؤماً من هذا الرجل؛ نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم.

فقوله  : ﴿ وإن تصبهم حسنة ﴾ يعني الخصب والرخص وتتابع الأمطار قالوا هذا من عند الله، وإن تصبهم سيئة يعني الجدب وانقطاع الأمطار قالوا هذا من شؤم محمد وهذا كقوله: ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيّئة يطيروا بموسى ومن معه  ﴾ .

وقال قوم: الحسنة النصر على الأعداء والغنيمة، والسيئة القتل والهزيمة.

وقال أهل التحقيق: خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ وكل ما ينتفع به فهو حسنة.

فإن كان منتفعاً به في الدنيا فهو الخصب والغنيمة وأمثالهما، وإن كان منتفعاً به في الآخرة فهو الطاعة.

فالحسنة تعم الحسنات، والسيئة تعم السيئات فلا جرم أجابهم الله تعالى بقوله: ﴿ قل كل من عند الله ﴾ وكيف لا وجميع الممكنات من الأفعال والذوات والصفات لا بد من استنادها إلى الواجب بالذات؟

ولهذا تعجب من حالهم وقال: ﴿ فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ﴾ فنفى عنهم مقاربة الفقه والفهم فضلاً عن الفقه والفهم.

قالت المعتزلة: بل هذه الآية حجة لنا لأنه لو كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق الله  لم يبق لهذا التعجب معنى ألبة أنه  ما خلقها.

والجواب: أنه  لا يسأل عما يفعل.

وأيضاً المعارضة بالعلم والداعي.

وقالت المعتزلة أيضاً: الحديث "فعيل" بمعنى "مفعول" والمراد به الآيات المذكورة في هذه المواضع فيلزم منه كون القرآن محدثاً.

والجواب بعد تسليم ما ذكروا أنه لا نزاع في حدوث العبارات إنما النزاع في الكلام النفسي.

قوله عز من قائل: ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله ﴾ قال أبو علي الجبائي: السيئة تارة تقع على البلية والمحنة وتارة تقع على الذنب والمعصية.

ثم إنه  أضاف السيئة إلى نفسه على الآية الأولى بقوله: ﴿ قل كل من عند الله ﴾ وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله: ﴿ وما أصابك ﴾ أي يا إنسان خطاباً عاماً ﴿ من سيئة فمن نفسك ﴾ فلا بد من التوفيق وإزالة التناقض، وما ذاك إلاّ بأن يجعل هناك بمعنى البلية وههنا بمعنى المعصية.

قال: وإنما فصل بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة مع أن كليهما من فعل العبد عندنا، لأنّ الحسنة إنما تصل إلى العبد بتسهيل الله وألطافه فصحت إضافتها إليه، وأما السيئة فلا يصح إضافتها إلى الله  لا بأنه فعلها ولا بأنه أرادها ولا بأنه أمر بها ولا بأنه رغب فيها.

وقال في الكشاف: ﴿ وما أصابك من حسنة ﴾ أي من نعمة وإحسان ﴿ فمن الله ﴾ تفضلاً منه وأحساناً وامتناناً وامتحاناً ﴿ وما أصابك من سيئة ﴾ أي من بلية ومصيبة ﴿ فمن عندك ﴾ لأنك السبب فيها بما اكتسبت يداك كما روي عن عائشة: " "ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلاّ بذنب وما يعفو الله أكثر منه " .

وقالت الأشاعرة: كل من الحسنة والسيئة بأي معنى فرض فإنها من الله  لوجوب انتهاء جميع الحوادث إليه.

لكنه قد يظن بعض الظاهريين أن إضافة السيّئة إلى الله  خروج عن قانون الأدب فبين في الآية أن كل ما يصيب الإنسان من سيّئة حتى الكفر الذي هو أقبح القبائح فإن ذلك بتخليق الله  .

والوجه فيه أن يقدر الكلام استفهاماً على سبيل الإنكار ليفيد أن شيئاً من السيّئات ليست مضافة إلى الإنسان بل كلها بقضائه ومشيئته، ويؤيده ما يروى أنه قرىء ﴿ فمن نفسك ﴾ بصريح الاستفهام.

ومما يدل دلالة ظاهرة على أن المراد من هذه الآيات إسناد جميع الأمور إلى الله  قوله بعد ذلك: ﴿ وأرسلناك للناس رسولاً ﴾ أي ليس لك إلاّ الرسالة والتبليغ وقد فعلت ذلك وما قصرت ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على جدّك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي، فأما / تحصيل الهداية فليس إليك بل إلى الله.

قال علماء المعاني: قوله ﴿ رسولاً ﴾ حال من الكاف أي حال كونك ذا رسالة و ﴿ للناس ﴾ صفة ﴿ رسولاً ﴾ متعلق بـ ﴿ أرسلناك ﴾ وإلاّ لقيل إلى الناس.

فأصل النظم وأرسلناك رسولاً للناس فلا بد للتقديم من خاصية هو التخصيص أعنى ثبوت الحكم للمقدم ونفيه عما يقابله حقيقة أو عرفاً لا عما عداه مطلقاً.

وبعد تقديم هذه المقدمة فاللام في قوله: ﴿ للناس ﴾ إما أن يكون للعهد الخارجي أو للجنس أو للاستغراق.

والأول باطل لأن المعهود الخارجي حصة معينة من الأفراد فيلزم اختصاص إرساله ببعض الإنس لوقوع بعض الناس في مقابلة كلهم عرفاً فيكون مناقضاً لما في الآيات الأخر كقوله: ﴿ يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً  ﴾ ولقوله: "بعثت إلى الخلق كافة" والثاني وهو حمل اللام على تعريف الجنس أيضاً باطل لأنه يلزم اختصاص إرساله بالإنس دون الجن، لأنّ ثبوت الحكم لحقيقة الإنس بوساطة التقديم ينفي الحكم عما يقابلها عرفاً وهو حقيقة الجن، أو ينفي الحكم عما عداها من الحقائق فيشمل حقيقة الجن ضرورة.

وعلى التقديرين يلزم الخلف لأنه  مبعوث إلى الثقلين لقوله  : ﴿ وإذا صرفنا إليك نفراً من الجن  ﴾ الآية.

فتعين حمل اللام على الاستغراق ليثبت الحكم لكل فرد من أفراد الإنسان وتحصيل موجبة كلية وينفى نقيض هذا الحكم وهو ما كان يزعمه الضالة من سالبة جزئية هي أنه ليس مبعوثاً إلى بعض الناس كالعجم وأنه رسول العرب خاصة، وعلى هذا يكون الجن مسكوتاً عنهم بالنسبة إلى هذه الآية.

فلدلالة دليل آخر على كونه مبعوثاً إلى الثقلين لا تكون منافية لدلالة هذه الآية، لأن التقديم قد استوفى حظه من الخاصية من غير تعرض للجن.

ثم لما بين أنه لكل فرد من أفراد الناس رسول أوجب طاعته بقوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ لأنّ طاعة الرسول لكونه رسولاً فيما هو رسول لا تكون إلاّ طاعة لله.

قال مقاتل في هذه الآية: إنّ النبي  كان يقول: " من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله فقال المنافقون: لقد قارف الرجل الشرك، هو ينهي أن يعبد غير الله ويريد أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى" فأنزل الله هذه الآية.

وهي من أقوى الدلائل على أنه معصوم في جميع الأوامر والنواهي وفي تبليغه وفي أفعاله وإلاّ لم تكن طاعته فيما أخطأ طاعة لله.

﴿ ومن تولى ﴾ قيل: هو التولي بالقلب أي حكمك يا محمد على الظواهر، وأما البواطن فلا تتعرّض لها.

وقيل هو التولي بالظاهر ومعناه فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك التولّي.

﴿ فما أرسلناك ﴾ لتحفظ الناس عن المعاصي فإن من أضلّه الله لم يقدر أحد على إرشاده.

والمعنى فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عند ذلك التولي كقوله: ﴿ لا إكراه في الدين  ﴾ ثم نسخ بآية الجهاد.

ثم حكى سيرة المنافقين بقوله: / ﴿ ويقولون ﴾ أي حين ما أمرتهم بشيء ﴿ طاعة ﴾ أي أمرنا وشأننا طاعة، والنصب في مثل هذا جائز بمعنى أطعناك طاعة، ولكن الرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها فلهذا لم يقرأ بغيره ﴿ فإذا بروزا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول ﴾ أي دبرت خلاف ما أمرت به وما ضمنت من الطاعة.

قال الزجاج: كل أمر تفكروا فيه كثيراً وتأملوا في مصالحه ومفاسده كثيراً قيل هذا أمر مبيت.

وفي اشتقاقه وجهان: الأول أن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس في بيته في الليل فهناك يكون الخاطر أصفى والشواغل أقل فلا جرم سمي الفكر المستقصي تبييتاً..

الثاني قال الاخفش: إذا أراد العرب قرض الشعر بالقوافي بالغوا في التفكر فيه فسمي الفكر البليغ تبييتاً، فاشتقاقه من أبيات الشعر.

ثم إنه  خص طائفة من المنافقين بالتبييت، وذكروا في التخصيص وجهين: أحدهما أنه ذكر من علم أنه يبقى على كفرهونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فلم يذكرهم.

وثانيهما أن هذه الطائفة كانوا قد سهروا ليلهم في التبييت وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا فلا جرم لم يذكروا.

قلت: ووجه ثالث وهو أن هذا النوع من الكلام أجلب للقلوب وأدخل في عدم الإنكار.

﴿ والله يكتب ما يبيتون ﴾ يثبته في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه أو يكتبه في جملة ما يوحى إليك فيطلعك على أسرارهم ﴿ فأعرض عنهم وتوكل على الله ﴾ في شأنهم فإنّ الله ينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام وعزت أنصاره.

قال بعضهم: الأمر بالإعراض منسوخ بآية الجهاد.

والأكثرون على أن الصفح مطلق فلا حاجة إلى التزام النسخ والله  أعلم.

التأويل: ﴿ خذوا حذركم ﴾ وهو ذكر الله ﴿ فانفروا ثبات ﴾ جاهدوا بالرياضات من عالم التفرقة وهو عالم الحيوانية ﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ من عالم الجمعية وهو عالم الروحانية إلى عالم الوحدة ﴿ وإن منكم ﴾ أيها الصدّيقون ﴿ لمن ليبطئن ﴾ من المدعين المتكاسلين في السير، القانعين بالاسم، النازلين على الرسم مصيبة شدة ومجاهدة فضل من الله مواهب غيبية وعلوم لدنية ومرتبة عند الخواص وقبول عند العوام يشترون الحياة الدنيا يشترون حظوظ النفس بحقوق الرب فيقتل نفسه بسيف الصدق أو يغلب عليها بالظفر فتسلم على مدة.

﴿ والمستضعفين من الرجال ﴾ أي الأرواح الضعيفة استضعفتها النفوس باستيلائها عليها ﴿ والنساء ﴾ أي القلوب فإنّ القلب للروح كالزوجة للزوج لتصرف الروح والقلب كتصرف الزوج في الزوجة.

﴿ والولدان ﴾ الصفات الحميدة المتولّدة بين الروح والقلب ﴿ من هذه القرية ﴾ قرية البدن ﴿ الظالم أهلها ﴾ وهي النفس الأمارة بالسوء ﴿ نصيراً ﴾ شيخاً مربياً ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم ﴾ من أهل السلامة ﴿ كفوا أيديكم ﴾ من الاعتصام بحبل أهل الملامة ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ فإنكم لستم أهل الغرام فاقنعوا بدار السلام والسلام لأرباب / الغرام من أهل الملام ﴿ إذا فريق منهم يخشون الناس ﴾ ويخافون لومة الناس ولو كان من شرطهم أن لا يخافوا لومة لائم ولا يناموا نومة نائم فنفروا عن فريقهم كالبهائم، وضلوا عن طريقهم كالهائم.

﴿ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ فنموت بالآجال فإن لنا كل لحظة موتة في ترك حظوة.

فيا أيها البطلة في زي الطلبة الذين غلب عليكم حب الدنيا فأقعدكم عن طلب المولى ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ﴾ اضطراراً إن لم تموتوا قبل أن تموتوا اختياراً ﴿ ولو كنتم في بروج مشيدة ﴾ أجسام قوية مجسمة ﴿ وإن تصبهم ﴾ يعني أهل البطالة ﴿ حسنة ﴾ من فتوحات غيبية ﴿ يقولوا هذه من عند الله ﴾ لا يرون للشيخ فيما عليهم حقاً ﴿ وإن تصبهم سيّئة ﴾ من الرياضات والمجاهدات ﴿ يقولوا ﴾ للشيخ ﴿ هذه من عندك ﴾ أي بسببك وسعيك ﴿ قل كل من عند الله ﴾ القبض والبسط والفرح والترح ﴿ ما أصابك ﴾ من فتح وموهبة ﴿ فمن الله ﴾ فضلاً وكرماً ﴿ وما أصابك من سيّئة ﴾ بلاء وعناء ﴿ فمن ﴾ شؤم صفات ﴿ نفسك ﴾ الأمارة.

والتحقيق فيه أن للأعمال أربع مراتب: التقدير والخلق وهاتان من الله  ، والكسب والفعل وهاتان من العبد، وإن كان العبد وكسبه وفعله كلها مخلوقة خلقها الله تعالى فافهم.

﴿ وأرسلناك للناس رسولاً ﴾ يهتدون بهداك ويتبعون خطاك، ويقولون إذا كانوا حاضرين في صحبتك، وتنعكس أشعة أنوار النبوة عليهم، ويصغون بآذانهم الواعية إلى الحكم والمواعظ الوافية السمع والطاعة.

﴿ فإذا برزوا من عندك ﴾ وهبت عليهم رياح الهوى عاد الطبع المشؤوم إلى أصله وهكذا حال أكثر مريدي هذا الزمان من مشايخهم والله يكتب بغير عليهم ﴿ ما يبيتون ﴾ لأنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ﴿ فأعرض عنهم ﴾ واصبر معهم ﴿ وتوكّل على الله ﴾ فلعل الله يصلح بالهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ .

قيل: لما استشهد من استشهد يوم أحد، قال المنافقون: لو كان إخواننا عندنا ما ماتوا وما قتلوا؛ قال الله - تبارك وتعالى -: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ .

ويحتمل: أن يكون جواباً لما سبق من القول قولهم: ﴿ لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ يقول: من كتب عليه الموت ينزل به لا محالة، قاتل أو لم يقاتل؛ كقوله -  -: ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ...

 ﴾ الآية.

ويحتمل: أن يكون قوله -  -: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ ﴾ : إذا كان الموت نازلا بكم لا محالة فالقتل أنفع لكم؛ إذ تستوجبون بالقتل الثواب الجزيل، ولا يكون ذلك لكم إذا متم حتف أنفكم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ .

قال الفراء: المُشَيَّد والمَشِيد واحد، غير أن المُشَيَّد - بالتشديد - فيما يكثر الفعل، والمَشِيد فيما لا يكثر الفعل.

وقيل: المُشَيَّد: هو المجصَّص، والشيد هو الجِصّ.

وقال بعضهم: ﴿ بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ \[أي\]: حصينة.

وقيل: قصور محصنة طوال.

وقوله: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ﴾ معلوم أنهم لم يريدوا بالحسنة والسيئة حسنة في الدين وسيئة في دينهم، ولكن إنما أرادوا بالحسنة والسيئة في الدنيا من المنافع والبلايا والشدائد؛ وذلك أنهم [ما كانوا يحزنون] لما يصيبهم من السيئة في الدين، ولا كانوا يفرحون بالحسنة والخير في الدين، ولكن فرحهم بما كانوا يصيبون في الدنيا من الخصب والسعة، وحزنهم بما يصيبهم من الضيق والشدة، وكانوا يتطيرون برسول الله  ، وهكذا كان دأب الكفرة من قبل، كانوا يتطيرون بالأنبياء والرسل - عليهم السلام - كقوله - عز وجل - إخباراً عن قوم موسى  : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ  ﴾ ، وقال الله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ  ﴾ ؛ فعلى ذلك قولهم: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ﴾ ؛ تطيراً منهم برسول الله  ؛ فقال -  -: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: بتقديره كان وقضائه، فضلا؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ  ﴾ وجزاءً؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ أي: ما أصابهم إنما أصابهم بسوء صنيعهم برسل الله صلى الله عليهم وسلم وتكذيبهم إياهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ أي: لا يفقهون ما لهم وما عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ وروي في حرف ابن مسعود -  - قال: "وأنا قدرتها عليك".

يحتمل: أن يكون قوله -  -: ﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ﴾ يرجع إلى ما ذكرت من السعة والعافية ونحوها ﴿ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ ﴾ من البلاء، والشدة ﴿ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ أي: من جناية نفسك؛ جزاء.

وفي الأول قال: ﴿ فَمِنَ ٱللَّهِ ﴾ في ذلك بعينه بحق الجزاء، وفي الثاني: ﴿ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ بحق الجناية على الآية التي ذكرت من قوله -  -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

ويحتمل: أن تكون الآية الأولى في أمر الدنيا، والأخرى في أمر الدين؛ إذ اختلفت الإضافة في هذه واتفقت في الأولى؛ إذ الأولى على ما عليه أمر المحنة من قوله -  -: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  ﴾ ، جعل الله -  - بمختلف أحوال للعباد لا منفع لهم في ذلك، وكذلك قوله -  -: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ...

﴾ الآية [الأنعام: 17]، وقوله -  -: ﴿ ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ...

﴾ الآية [الرعد: 26].

والثانية: في حق الأفعال، فيضاف إلى الله ما صلح منها؛ شكراً وحمداً بما أنعم الله عليه، وذلك قوله -  -: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ...

﴾ الآية [الحجرات: 17]، وقوله -  -: ﴿ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ...

﴾ الآية [الحجرات: 7]، وغير ذلك؛ فيضاف إليه بما منه في ذلك من الفضل والنعمة؛ شكراً، والثاني في زله وضلاله لا تجوز الإضافة إليه لما شبه الاعتذار، ولا عذر لأحد في ذلك، ويقبح في الإضافة، وذلك نحو القول بأنه: رب السماوات والأرض، ولا يقال: هو رب الخنازير والأقذار، ونحو ذلك؛ لما يقبح في السمع، وإن كان من حيث الخلق والتقدير واحداً، فمثله أمر الأفعال، والله الموفق.

ونفي الإضافة عنه لا يدل على نفي أن يكون خلقه؛ لما بينا من الأشياء؛ الإضافة إليه كالتخصيص، فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير، ويا إله الأقذار والخبائث، ويا رب الشرور والمصائب، وإن كان كل ذلك داخلا في أسماء الجملة، ومحقق منه تقديرها وخلقها، وكذلك الفواحش والكبائر، والله أعلم.

والثاني: الخيرات والأعمال الزاكية قد تضاف إليه، لا من وجه التخليق عند الجميع، بل عندنا: من جهة الإفضال بالتوفيق والإنشاء، وعند المعتزلة: من جهة الأمر والترغيب؛ فعلى ذلك نفي الإضافة فيما لم يضف إليه لهذا، وأيدَتْ هذا قراءة عبد الله [بن مسعود -  -:] "وأنا قدرتها عليك".

فإن قال قائل: ذلك لا يقع على الأفعال؛ لقوله ﴿ مَّآ أَصَابَكَ ﴾ ، ولو كان عليها كان يقول: ما أصبت، ثم كان له جوابان: أحدهما: أن الإجابة اسم مشترك، ما يصيبه هو يصيب ذلك، فسواء لو أضيف إليه أو أضيف هو إليه، والله أعلم.

والثاني: أن ذلك يخرج [مخرج] الجزاء أيضاً إذا كان على ما يقوله؛ فيكون على ما يصيبه من جزاء حسنة أو سيئة، وإذ لم يجعل لله في حسنه فضلا لم يحتمل الإضافة إليه مع ما قد بينا من إضافات أعمال الخير إليه، ودفع الشر لما ليس في فعله من الله إفضال عليه به إنعام، وكان في فعل الخير ذلك، لا بالأمر والنهي؛ إذ هما يستويان في كل واحد، والله أعلم.

ثم أوضح ذلك خبر عبد الله، فطعنه قوم لمخالفة المصحف المعروف، قلنا: ليس بذي خلاف، إنما هو بيان المطلق، وقد يقبل خبر الآحاد في مثله، والله أعلم.

وقيل: خبر عبد الله من خبر الآحاد، ولعله ليس قبل مصحفه [كلمة] تروى عنه العامة لا تحتمل التبديل، وأما خبره عن رسول الله  ؛ إذ لا يجوز اختراع القراءة مرفوع، وخبر الفرد فيه يقبل، فيما لا خلاف فيه، وإن كان فيه تأويل الظاهر، والله أعلم.

وقوله - عز جل -: ﴿ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً ﴾ .

قيل في حرف حفصة: "وأرسلناك إلى الناس رسولا"، ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ .

قيل: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ \[أي\]: بأنك رسول الله.

وقيل: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ على ما يضمرون في قلوبهم.

وقيل: فلا شاهد أفضل من الله بأنك رسوله.

وفي قوله - أيضاً -: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ وجوه: أحدها: إن جحدوا تبليغك في الدنيا، أو يقولوا: لم تعلم رسالتك.

والثاني: أن يكون بالآيات التي جعلها الله -  - لرسالتك تحقق، وشهادة الله لك بالرسالة [شهيداً] لك، أو مبيناً، أو حجة.

والثالث: أن يكون جعل علم الأنبياء والرسل - عليهم السلام - وتبليغهم الخبر إليهم شهادته وكفى به شهيدا على ما أضاف بيعه الرسول  إليه، ونصر أوليائه إليه، قال الله -  -: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ  ﴾ .

ويحتمل: شهيداً مبيناً، أو حكماً مبيناً، فمعناه: فيبين لهم بالمعاينة ما كان بينه بالدلالة والآيات، وحكماً فاصلا بين المحق والمبطل؛ فيخرج الوجهان جميعاً مخرج الإعراض عن المحاجة بما ظهر من العناد والمكابرة، وتفويض الأمر إلى الله وإخبار عن الفراغ مما كان عليه فيهم من حق البلاغ، ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

حيثما تكونوا يلحقكم الموت إذا حضر أجلكم، ولو كنتم في قصور منيعة بعيدة عن ساحة القتال، وإن يَنَل هؤلاء المنافقين ما يسرهم من ولد ورزق كثير قالوا: هذه من عند الله، وإن يَنَلْهم شدة في ولدٍ أو رزق تشاءموا من النبي  قالوا: هذه السيئة بسببك، قل -أيها الرسول- ردًّا على هؤلاء: كل من السراء والضراء بقضاء الله وقدره، فما لهؤلاء الذين يصدر عنهم هذا القول لا يكادون يفهمون كلامك لهم؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.yrMDp"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

أخرج النسائي والحاكم عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي  فقالوا يا نبي الله كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة، فقال: "أُمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم"، فلما حوله الله إلى المدينة أمرهم بالقتال فكفوا، فأنزل الله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ  ﴾ الآية.

ذكره السيوطي في لباب النقول.

ورواه ابن جرير في تفسيره، وعنده روايات أخرى أنها في أُناس من الصحابة على الإبهام.

إنني أجزم ببطلان هذه الرواية مهما كان سندها لأنني أُبرئ السابقين الأولين كسعد وعبد الرحمن مما رموا به، وهذه الآية متصلة بما قبلها فإن الله تعالى أمر بأخذ الحذر والاستعداد للقتال والنفر له وذكر حال المبطئين لضعف قلوبهم وأمرهم بما أمرهم من القتال في سبيله وإنقاذ المستضعفين، ثم ذكر بعد ذلك شأنًا آخر من شؤونهم، وذلك أن المسلمين كانوا قبل الإسلام في تخاصم وتلاحم وحروب مستعرة مستمرة ولا سيما الأوس والخزرج، فإن الحروب بينهم لم تنقطع إلا بالإسلام وبعد هجرة النبي  إليهم.

أمرهم الإسلام بالسلم وتهذيب النفوس بالعبادة والكف عن الاعتداء والقتال إلى أن اشتدت الحاجة إليه ففرضه عليهم فكرهه الضعفاء منهم، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ  ﴾ الاستفهام للتعجيب منهم إذ أمرهم الله تعالى باحترام الدماء، وكف الأيدي عن الاعتداء، وبإقامة الصلاة، وبالخشوع والعبودية لله، وتمكين الإيمان في قلوبهم، وبإيتاء الزكاة التي تفيد مع تمكين الإيمان شد أواخي التراحم بينهم، فأحبوا أن يكتب الله عليهم القتال ليجروا على ما تعودوا، فلما كتبه عليهم للدفاع عن بيضتهم، وحماية حقيقتهم، كرهه الضعفاء منهم، وكان عليهم أن يفقهوا من الأمر بكف الأيدي أن الله تعالى لا يحب سفك الدماء، وأنه ما كتب القتال إلا لضرورة دفاع المبطلين المغيرين على الحق وأهله لأنهم خالفوا أباطيلهم، واتبعوا الحق من ربهم، فيريدون أن ينكلوا بهم، أو يرجعوا عن حقهم، فأين محل الاستنكار في مثل هذه الحال؟

فهؤلاء هم ضعفاء المسلمين الذين ذكر أنهم يبطئون عن القتال ولذلك قال: ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً  ﴾ و "أو" هنا بمعنى "بل" أي أنهم يخشون الناس بالقعود عن قتالهم على ما فيه من مخالفة أمر الله تعالى، ولما كان من شأن الذي يساوي بين اثنين من الخشية أن يميل إلى هذا تارة وإلى الآخرة تارة، وكان هؤلاء قد رجحوا بترك القتال خشية الناس مطلقًا قال "أو أشد خشية" أي بل أشد خشية.

كان بعض أهل القوم بطرًا جاهلًا إذا أصابه خير ونعمة يقول إن الله تعالى قد أكرمه بما أعطاه من ذلك وأصدره من لدنه وساقه إليه من خزائن فضله عناية منه به لعلو منزلته، وإذا وصل إليه شر- وهو المراد من السيئة - يزعم أن منبع هذا الشر هو النبي  ، وأن شؤم وجوده هو ينبوع هذه السيئات والشرور.

فهؤلاء الجاهلون الذين كانوا يرون الخير والشر والحسنة والسيئة يتناوبانهم قبل ظهور النبي وبعده كانوا يفرقون بينهما في السبب الأول لكل منهما فينسبون الخير أو الحسنة إلى الله تعالى على أنه مصدرها الأول ومعطيها الحقيقي، يشيرون بذلك إلى أنه لا يد للنبي فيه وينسبون الشر أو السيئة إلى النبي على أنه مصدرها الأول ومنبعها الحقيقي، كذلك وأن شؤمه هو الذي رماهم بها وهذا هو معنى ﴿ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ  ﴾ أو ﴿ مِنْ عِنْدِكَ  ﴾ أي من لدنه ومن خزائن عطائه ومن لدنك ومن رزاياك التي ترمي بها الناس.

فرد الله عليهم هذه المزاعم بقول: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ  ﴾ أي أن السبب الأول وواضع أسباب الخير والشر المنعم بالنعم والرامي بالنقم إنما هو الله وحده وليس لِيُمْن ولا لشؤم مدخل في ذلك، فهو بيان للفاعل الأول الذي يرد إليه الفعل فيما لا تتناوله قدرة البشر ولا يقع عليه كسبهم، وهو الذي كان يعنيه أولئك المشاقون عندما يقولون الحسنة من الله والسيئة من محمد، أي أنه لا دخل لاختيارهم في الأولى ولا في الثانية، وأن الأولى من عناية الله بهم، والثانية من شؤم محمد عليهم، فجاءت الآية ترميهم بالجهل فيما زعموا ولو عقلوا لعلموا أن ليس لأحد فيما وراء الأسباب المعروفة فعل، الخير والشر في ذلك سواء.

هذا فيما يتعلق بمن بيده الأمر الأعلى في الخير والشر والنعم والنقم أما ما يتعلق بسنة الله في طريق كسب الخير والتوقي من الشر والتمسك بأسباب ذلك فالأمر على خلاف ما يزعمون كذلك، فإن الله  قد وهبنا من العقل والقوى ما يكفينا في توفير أسباب سعادتنا والبعد عن مساقط الشقاء، فإذا نحن استعملنا تلك المواهب فيما وهبت لأجله وصرفنا حواسنا وعقولنا في الوجوه التي ننال منها الخير وذلك إنما يكون بتصحيح الفكر وإخضاع جميع قوانا لأحكامه وفهم شرائع الله حق الفهم والتزام ما حدده فيها فلا ريب في أننا ننال الخير والسعادة ونبعد عن الشقاء والتعاسة، وهذه النعم إنما يكون مصدرها تلك المواهب الإلهية فهي من الله تعالى، فما أصابك من حسنة فمن الله، لأن قواك التي كسبت بها الخير واستغزرت بها الحسنات، بل واستعمالك لتلك القوى إنما هو من الله، لأنك لم تأت بشيء سوى استعمال ما وهب الله، فاتصال الحسنة بالله ظاهرن ولا يفصلها عنه فاصل لا ظاهر ولا باطن.

وأما إذا أسأنا التصرف في أعمالنا، وفرطنا في النظر في شؤوننا، وأهملنا العقل وانصرفنا عن سر ما أودع الله في شرائعه، وغفلنا عن فهمه، فاتبعنا الهوى في أفعالنا، وجلبنا بذلك الشر عن أنفسنا، كان ما أصابنا من ذلك صادرًا عن سوء اختيارنا، وإن كان الله تعالى هو الذي يسوقه إلينا جزاء ما فرطنا، ولا يجوز لنا أن نسبب ذلك إلى شؤم أحد أو تصرفه.

ونسبة الشر والسيئات إلينا في هذه الحالة ظاهرة الصحة، فأما المواهب الإلهية بطبيعتها فهي متصلة بالخير والحسنات وغنما يبطل أثَرها إهمالُها، أو سوء استعمالها، وعن كلا الأمرين يساق الشر إلى أهله وهما من كسب المهملين وسيّئي الاستعمال، فحق أن ينسب إليهم ما أصيبوا به وهم الكاسبون لسببه، فقد حالوا بكسبهم بين القوى التي غرزها الله فيهم لتؤدي إلى الخير والسعادة وبيّن ما حقها أن تؤدي إليه من ذلك، وبعدوا بها عن حكمة الله فيها وصاروا بها إلى ضد ما خلقت لأجله، فكل ما يحدث بسبب هذا الكسب الجديد فأجدر به أن لا ينسب إلا إلى كاسبه.

وحاصل الكلام في المقامين أنه إذا نظر إلى السبب الأول الذي يعطي ويمنع ويمنح ويسلب وينعم وينتقم فذلك هو الله وحده ولا يجوز أن يقال إن سواه يقدر على ذلك، ومن زعم غير هذا فهو لا يكاد يفقه كلامًا، لأن نسبة الخير إلى الله ونسبة الشر إلى شخص من الأشخاص، بهذا المعنى، مما لا يكاد يعقل، فإن الذي يأتي بالخير ويقدر على سوقه هو الذي يأتي بالشر ويقدر عليه، فالتفريق ضرب من الخبل في العقل.

وإذا نظرنا إلى الأسباب المسنونة التي دعا الله الخلق إلى استعمالها ليكونوا سعداء ولا يكونوا أشقياء فمن أصابته نعمة بحسن استعماله لما وهب الله فذلك من فضل الله لأنه أحسن استعمال الآلات التي مَنَّ الله عليه بها فعليه أن يحمد الله ويشكره على ما أتاه، ومن فرط أو أفرط في استعمال شيء من ذلك فلا يلومن إلا نفسه، فهو الذي أساء إليها بسوء استعماله ما لديه من المواهب، وليس بسائغ له أن ينسب شيئًا من ذلك إلى النبي ولا إلى غيره، فإن النبي أو سواه لم يغلبه على اختياره ولم يقهره على إتيان ما كان سببًا في الانتقام منه.

فلو عقل هؤلاء القوم لحمدوا الله وحمدوك -(يا محمد)- على ما ينالون من خير، فإن الله هو مانحهم ما وصلوا به إلى الخير وأنت داعيهم لالتزام شرائع الله وفي التزامها سعادتهم.

ثم إذا أصابهم شر كان عليهم أن يرجعوا باللائمة على أنفسهم لتقصيرهم في أعمالهم أو خروجهم عن حدود الله فعند ذلك يعلمون أن الله قد انتقم منهم للتقصير، أو العصيان فيؤدبون أنفسهم ليخرجوا من نقمته إلى نعمته لأن الكل من عنده وإنما ينعم على من أحسن الاختيار ويسلب نعمته عمن أساءه.

وقد تضافرت الآثار على أن طاعة الله من أسباب النعم، وأن عصيانه من مجالب النقم، وطاعة الله إنما تكون بإتباع سننه، وصرف ما وهب من الوسائل فيما وهب لأجله.

ولهذا النوع من التعبير نظائر في عرف التخاطب فإنك لو كنت فقيرًا وأعطاك والدك مثلًا رأس مال فاشتغلت بتنميته وبالاستفادة منه مع حسن في التصرف وقصد في الإنفاق وصرت بذلك غنيًا فإنه يحق لك أن تقول إن غناك إنما كان من ذلك الذي أعطاك رأس المال وأعدك به للغنى، أما لو أسأت التصرف فيه وأخذت تنفق منه فيما لا يرضاه واطلع على ذلك منك فاسترد ما بقي منه وحرمك نعمة التمتع به فلا ريب أن يقال إن سبب ذلك إنما هو نفسك وسوء اختيارها مع أن المعطي والمسترد في الحالين واحد وهو والدك، غير أن الأمر ينسب إلى مصدره الأول إذا انتهى على حسب ما يريد وينسب إلى السبب القريب إذا جاء على غير ما يحب لأن تحويل الوسائل عن الطريق التي كان ينبغي أن تجري فيها إلى مقاصدها، إنما ينسب إلى من حولها وعدل بها عما كان يجب أن تسير إليه.

وهناك للآية معنى أدق، يشعر به ذو وجدان أرق مما يجده الغافلون من سائر الخلق، وهو أن ما وجدت من فرح ومسرة وما تمتعت به لذة حسية أو عقلية فهو الخير الذي ساقه الله إليك واختاره لك وما خلقت إلا لتكون سعيدًا بما وهبك، أما ما تجده من حزن وكدر فهو من نفسك، ولو نفذت بصيرتك إلى سر الحكمة فيما سبق إليك لفرحت بالمحزن فرحك بالسار، وإنما أنت بقصر نظرك تحب أن تختار ما لم يختره لك العليم بك المدبر لشأنك، ولو نظرت إلى العالم نظرة من يعرفه حق المعرفة وأخذته كما هو وعلى ما هو عليه لكانت المصائب لديك بمنزلة التوابل الحريفة يضيفها طاهيك على ما يهيئ لك من طعام لتزيده حسن طعم، وتشحذ منك الاشتهاء لاستيفاء اللذة، واستحسنت بذلك كل ما اختاره الله لك ولا يمنعك ذلك من التزام حدوده والتعرض لنعمه، والتحول عن مَصَابّ نقمه، فإن اللذة التي تجدها في النقمة إنما هي لذة التأديب، ومتاع التعليم والتهذيب، وهو متاع تجتني فائدته، ولا تلتزم طريقته، فكما يسر طالب الأدب أن يتحمل المشقة في تحصيله وأن يلتذ بما يلاقيه من تعب فيه، يسره كذلك أن يرتقي فوق ذلك المقام إلى مستوى يجد نفسه فيه متمتعًا بما حصل، بالغًا ما أمل، وفي هذا كفاية لمن يريد أن يكتفي.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله