الآية ٨٦ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٨٦ من سورة النساء

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍۢ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا ٨٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 175 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٦ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٦ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) أي : إذا سلم عليكم المسلم ، فردوا عليه أفضل مما سلم ، أو ردوا عليه بمثل ما سلم [ به ] فالزيادة مندوبة ، والمماثلة مفروضة .

قال ابن جرير : حدثني موسى بن سهل الرملي ، حدثنا عبد الله بن السري الأنطاكي ، حدثنا هشام بن لاحق ، عن عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي ، عن سلمان الفارسي قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليك يا رسول الله .

فقال : " وعليك السلام ورحمة الله " .

ثم أتى آخر فقال : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله .

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وعليك السلام ورحمة الله وبركاته " .

ثم جاء آخر فقال : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فقال له : " وعليك " فقال له الرجل : يا نبي الله ، بأبي أنت وأمي ، أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت علي .

فقال : " إنك لم تدع لنا شيئا ، قال الله تعالى : ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) فرددناها عليك " .

وهكذا رواه ابن أبي حاتم معلقا فقال : ذكر عن أحمد بن الحسن الترمذي ، حدثنا عبد الله بن السري - أبو محمد الأنطاكي - قال أبو الحسن : وكان رجلا صالحا - حدثنا هشام بن لاحق ، فذكر بإسناده مثله .

ورواه أبو بكر بن مردويه : حدثنا عبد الباقي بن قانع ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن لاحق أبو عثمان ، فذكره بمثله ، ولم أره في المسند والله أعلم .

وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا زيادة في السلام على هذه الصفة : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، إذ لو شرع أكثر من ذلك ، لزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن كثير - أخو سليمان بن كثير - حدثنا جعفر بن سليمان ، عن عوف ، عن أبي رجاء العطاردي ، عن عمران بن حصين ; أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليكم فرد عليه ثم جلس ، فقال : " عشر " .

ثم جاء آخر فقال : " السلام عليكم ورحمة الله .

فرد عليه ، ثم جلس ، فقال : " عشرون " .

ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

فرد عليه ، ثم جلس ، فقال : " ثلاثون " .

وكذا رواه أبو داود عن محمد بن كثير ، وأخرجه الترمذي والنسائي والبزار من حديثه ، ثم قال الترمذي : حسن غريب من هذا الوجه ، وفي الباب عن أبي سعيد وعلي وسهل بن حنيف [ رضي الله عنهم ] .

وقال البزار : قد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ، هذا أحسنها إسنادا وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن حرب الموصلي ، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي عن الحسن بن صالح ، عن سماك ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : من يسلم عليك من خلق الله ، فاردد عليه وإن كان مجوسيا ; ذلك بأن الله يقول : ( فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) وقال قتادة : ( فحيوا بأحسن منها ) يعني : للمسلمين ( أو ردوها ) يعني : لأهل الذمة .

وهذا التنزيل فيه نظر ، بل كما تقدم في الحديث من أن المراد أن يرد بأحسن مما حياه به ، فإن بلغ المسلم غاية ما شرع في السلام ; رد عليه مثل ما قال ، فأما أهل الذمة فلا يبدءون بالسلام ولا يزادون ، بل يرد عليهم بما ثبت في الصحيحين ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم : السام عليك فقل : وعليك " .

وفي صحيح مسلم ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام ، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه " .

وقال سفيان الثوري ، عن رجل ، عن الحسن البصري قال : السلام تطوع ، والرد فريضة .

وهذا الذي قاله هو قول العلماء قاطبة : أن الرد واجب على من سلم عليه ، فيأثم إن لم يفعل ; لأنه خالف أمر الله في قوله : ( فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم".

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " وإذا حييتم بتحية "، إذا دعي لكم بطول الحياة والبقاء والسلامة.

(63) =" فحيوا بأحسن منها أو ردُّوها "، يقول: فادعوا لمن دعا لكم بذلك بأحسن مما دعا لكم=" أو ردوها " يقول: أو ردّوا التحية.

* * * ثم اختلف أهل التأويل في صفة " التحية " التي هي أحسن مما حُيِّيَ به المُحَّيي، والتي هي مثلها.

فقال بعضهم: التي هي أحسن منها: أن يقول المسلَّم عليه إذا قيل: " السلام عليكم "، : " وعليكم السلام ورحمة الله "، ويزيد على دعاء الداعي له.

والرد أن يقول: " السلام عليكم " مثلها.

كما قيل له، (64) أو يقول: " وعليكم السلام "، فيدعو للداعي له مثل الذي دعا له.

(65) *ذكر من قال ذلك: 10033 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها "، يقول: إذا سلم عليك أحد فقل أنت: " وعليك السلام ورحمة الله "، أو تقطع إلى " السلام عليك "، كما قال لك.

10034 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء قوله: " وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها "، قال: في أهل الإسلام.

10035 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج فيما قرئ عليه، عن عطاء قال: في أهل الإسلام.

10036 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن شريح أنه كان يرد: " السلام عليكم "، كما يسلم عليه.

10037 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن ابن عون وإسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم أنه كان يرد: " السلام عليكم ورحمة الله ".

10038 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن عطية، عن ابن عمر: أنه كان يرد: " وعليكم ".

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: فحيوا بأحسن منها أهلَ الإسلام، أو ردوها على أهل الكفر.

*ذكر من قال ذلك: 10039 - حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: من سلَّم عليك من خلق الله، فاردُدْ عليه وإن كان مجوسيًّا، فإن الله يقول: " وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ".

10040 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سالم بن نوح قال، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله: " وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها "، للمسلمين=" أو ردوها "، على أهل الكتاب.

10041 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: " وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها "، للمسلمين=" أو ردوها "، على أهل الكتاب.

10042 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها "، يقول: حيوا أحسن منها، أي: على المسلمين=" أو ردوها "، أي: على أهل الكتاب.

10043 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، ابن زيد في قوله: " وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها "، قال: قال أبي: حق على كل مسلم حيِّي بتحية أن يحيِّي بأحسن منها، وإذا حياه غير أهل الإسلام، أن يرد عليه مثل ما قال.

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل الآية، قولُ من قال: ذلك في أهل الإسلام، ووجّه معناه إلى أنه يرد السلام على المسلم إذا حياه تحية أحسن من تحيته أو مثلها.

وذلك أن الصِّحاح من الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه واجب على كل مسلم ردُّ تحية كل كافر بأخَسَّ من تحيته.

وقد أمر الله بردِّ الأحسن والمثل في هذه الآية، من غير تمييز منه بين المستوجب ردَّ الأحسن من تحيته عليه، والمردودِ عليه مثلها، بدلالة يعلم بها صحة قولُ من قال: " عنى برد الأحسن: المسلم، وبرد المثل: أهل الكفر ".

والصواب= إذْ لم يكن في الآية دلالة على صحة ذلك، ولا صحة أثر لازم عن الرسول صلى الله عليه وسلم (66) = أن يكون الخيار في ذلك إلى المسلَّم عليه: بين رد الأحسن، أو المثل، إلا في الموضع الذي خصَّ شيئًا من ذلك سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون مسلَّمًا لها.

وقد خَصّت السنة أهل الكفر بالنهي عن رد الأحسن من تحيتهم عليهم أو مثلها، إلا بأن يقال: " وعليكم "، فلا ينبغي لأحد أن يتعدَّى ما حدَّ في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأما أهل الإسلام، فإن لمن سلَّم عليه منهم في الردّ من الخيار، ما جعل الله له من ذلك.

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأويل ذلك بنحو الذي قلنا، خَبَرٌ.

وذلك ما:- 10044 - حدثني موسى بن سهل الرملي قال، حدثنا عبد الله بن السري الأنطاكي قال، حدثنا هشام بن لاحق، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله.

فقال: وعليك ورحمة الله.

ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله.

فقال له رسول الله: وعليك ورحمة الله وبركاته.

ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.

فقال له: وعليك.

فقال له الرجل: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان فسلَّما عليك، فرددتَ عليهما أكثر مما رددت عليّ!

فقال: إنك لم تدع لنا شيئًا، قال الله: " وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها "، فرددناها عليك.

(67) * * * فإن قال قائل: أفواجب رد التحية على ما أمر الله به في كتابه؟

قيل: نعم، وبه كان يقول جماعة من المتقدمين.

*ذكر من قال ذلك: 10045 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج قال، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: ما رأيته إلا يوجبه، قوله: " وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ".

(68) 10046 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن قال: السلام: تطوُّع، والرد فريضة.

* * * القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله كان على كل شيء مما تعملون، أيها الناس، من الأعمال، من طاعة ومعصية، حفيظًا عليكم، حتى يجازيكم بها جزاءه، كما:- 10047 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " حسيبًا "، قال: حفيظًا.

10048 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

* * * وأصل " الحسيب " في هذا الموضع عندي،" فعيل " من " الحساب " الذي هو في معنى الإحصاء، (69) يقال منه: " حاسبت فلانًا على كذا وكذا "، و " فلان حاسِبُه على كذا "، و " هو حسيبه "، وذلك إذا كان صاحبَ حِسابه.

* * * وقد زعم بعض أهل البصرة من أهل اللغة: أن معنى " الحسيب " في هذا الموضع، الكافي.

يقال منه: " أحسبني الشيء يُحسبني إحسابًا "، بمعنى كفاني، من قولهم: " حسبي كذا وكذا ".

(70) وهذا غلط من القول وخطأ.

وذلك أنه لا يقال في" أحسبني الشيء "، (71) &; 8-592 &; " أحسبَ على الشيء، فهو حسيب عليه "، (72) وإنما يقال: " هو حَسْبه وحسيبه "= والله يقول: " إن الله كان على كل شيء حسيبًا ".

* * * --------------- الهوامش : (63) وذلك لأن معنى"التحية": البقاء والسلامة من الآفات.

(64) في المخطوطة ، مكان قوله: "كما قيل له"="قال قيل له" ، ولا أدري ما هو ، وتصرف الطابع الأول لا بأس به.

(65) في المطبوعة: "فيدعو الداعي له" ، والصواب من المخطوطة ، ولكن أوقعه في الخطأ ، أن الناسخ كتب: "فيدعوا" بالألف بعد الواو.

(66) في المطبوعة: "ولا بصحته أثر لازم" ، وفي المخطوطة: "ولا بصحة أثر لازم" ، وكلتاهما غير مستقيمة ، فرجحت أن يكون ما أثبت أقرب إلى حق السياق.

(67) الحديث: 10044- عبد الله بن السري المدائني الأنطاكي: ضعيف ، وكان رجلا صالحًا ، كما قالوا.

وقال أبو نعيم: "يروى المناكير ، لا شيء".

وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء: "روى عن أبي عمران العجائب التي لا يشك أنها موضوعة".

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 78.

ولكنه لم ينفرد برواية هذا الحديث عن هشام بن لاحق ، كما سيأتي.

هشام بن لاحق ، أبو عثمان المدائني: مختلف فيه ، قال أحمد: "يحدث عن عاصم الأحول ، وكتبنا عنه أحاديث ، لم يكن به بأس ، ورفع عن عاصم أحاديث لم ترفع ، أسندها هو إلى سلمان".

وأنكر عليه شبابة حديثًا.

وهذا خلاصة ما في ترجمته عند البخاري في الكبير 4 / 2 / 200- 201 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 69- 70.

وفي لسان الميزان أن النسائي قواه ، وأن ابن حبان ذكره في الثقات وفي الضعفاء.

وقال ابن عدي: "أحاديثه حسان ، وأرجو أنه لا بأس به".

فيبدو من كل هذا أن الكلام فيه ليس مرجعه الشك في صدقه ، بل إلى وهم أو خطأ منه- فالظاهر أنه حسن الحديث.

والحديث ذكره ابن كثير 2: 526- 527 ، عن هذا الموضع من الطبري.

ثم نقل عن ابن أبي حاتم أنه رواه معلقًا من طريق عبد الله بن السري الأنطاكي ، بهذا الإسناد ، مثله.

ثم قال ابن كثير: "ورواه أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن لاحق أبو عثمان -فذكر مثله.

ولم أره في المسند".

وهو كما قال ابن كثير ، ليس في المسند.

ولكن السيوطي ذكره في الدر المنثور 2: 188 ، وأنه رواه أحمد"في الزهد".

وزاد نسبته أيضًا لابن المنذر ، والطبراني ، وأنه"بسند حسن".

وقد ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8: 33 ، وقال: "رواه الطبراني.

وفيه هشام بن لاحق ، قواه النسائي ، وترك أحمد حديثه ، وبقية رجاله رجال الصحيح".

وإطلاقه أن أحمد ترك حديث هشام- ليس بجيد ، فإن النص الثابت عن أحمد عند البخاري وابن أبي حاتم ، لا يدل على ذلك.

(68) أي: يوجب رد السلام.

(69) انظر تفسير"الحسيب" فيما سلف 7: 596 ، 597.

= وتفسير"الحساب" فيما سلف 4: 207 ، 274 ، 275 / 6: 279.

(70) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1: 135 ، وانظر ما سلف 7: 596 ، 597.

(71) في المطبوعة والمخطوطة: "أحسبت" ، والصواب"أحسبني" كما دل عليه السياق.

(72) في المطبوعة والمخطوطة: "أحسبت على الشيء" ، والصواب ما أثبت.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا[ ص: 256 ] فيه اثنتا عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : وإذا حييتم بتحية التحية تفعلة من حييت ؛ الأصل تحيية مثل ترضية وتسمية ، فأدغموا الياء في الياء .

والتحية السلام .

وأصل التحية الدعاء بالحياة .

والتحيات لله ، أي السلام من الآفات .

وقيل : الملك .

قال عبد الله بن صالح العجلي : سألت الكسائي عن قوله " التحيات لله " ما معناه ؟

فقال : التحيات مثل البركات ؛ فقلت : ما معنى البركات ؟

فقال : ما سمعت فيها شيئا .

وسألت عنها محمد بن الحسن فقال : هو شيء تعبد الله به عباده .

فقدمت الكوفة فلقيت عبد الله بن إدريس فقلت : إني سألت الكسائي ومحمدا عن قول " التحيات لله " فأجاباني بكذا وكذا ؛ فقال عبد الله بن إدريس : إنهما لا علم لهما بالشعر وبهذه الأشياء ؟

!

التحية الملك ؛ وأنشد الشاعر عمرو بن معدي كرب :أؤم بها أبا قابوس حتى أنيخ على تحيته بجنديوأنشد ابن خويز منداد :أسير به إلى النعمان حتى أنيخ على تحيته بجندييريد على ملكه .

وقال آخر :ولكل ما نال الفتى قد نلته إلا التحيهوقال القتبي : إنما قال " التحيات لله " على الجمع ؛ لأنه كان في الأرض ملوك يحيون بتحيات مختلفات ؛ فيقال لبعضهم : أبيت اللعن ، ولبعضهم : اسلم وانعم ، ولبعضهم : عش ألف سنة .

فقيل لنا : قولوا التحيات لله ؛ أي الألفاظ التي تدل على الملك ، ويكنى بها عنه لله تعالى .

ووجه النظم بما قبل أنه قال : إذا خرجتم للجهاد كما سبق به الأمر فحييتم في سفركم بتحية الإسلام ، فلا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ، بل ردوا جواب السلام ؛ فإن أحكام الإسلام تجري عليهم .الثانية : واختلف العلماء في معنى الآية وتأويلها ؛ فروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أن هذه الآية في تشميت العاطس والرد على المشمت .

وهذا ضعيف ؛ إذ ليس في الكلام دلالة على ذلك ، أما الرد على المشمت فمما يدخل بالقياس في معنى رد التحية ، وهذا هو منحى مالك إن صح ذلك عنه .

والله أعلم .

وقال ابن خويز منداد : وقد يجوز أن تحمل هذه الآية على الهبة إذا كانت للثواب ؛ فمن وهب له هبة على الثواب فهو بالخيار إن شاء ردها وإن شاء قبلها وأثاب عليها قيمتها .[ ص: 257 ] قلت : ونحو هذا قال أصحاب أبي حنيفة ، قالوا : التحية هنا الهدية ؛ لقوله تعالى : أو ردوها ولا يمكن رد السلام بعينه .

وظاهر الكلام يقتضي أداء التحية بعينها وهي الهدية ، فأمر بالتعويض إن قبل أو الرد بعينه ، وهذا لا يمكن في السلام .

وسيأتي بيان حكم الهبة للثواب والهدية في سورة " الروم " عند قوله : وما آتيتم من ربا إن شاء الله تعالى .

والصحيح أن التحية هاهنا السلام ؛ لقوله تعالى : وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله .

وقال النابغة الذبياني :تحييهم بيض الولائد بينهم وأكسية الإضريج فوق المشاجبأراد : ويسلم عليهم .

وعلى هذا جماعة المفسرين .

وإذا ثبت هذا وتقرر ففقه الآية أن يقال : أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سنة مرغب فيها ، ورده فريضة ؛ لقوله تعالى : فحيوا بأحسن منها أو ردوها .

واختلفوا إذا رد واحد من جماعة هل يجزئ أو لا ؛ فذهب مالك والشافعي إلى الإجزاء ، وأن المسلم قد رد عليه مثل قوله .

وذهب الكوفيون إلى أن رد السلام من الفروض المتعينة ؛ قالوا : والسلام خلاف الرد ؛ لأن الابتداء به تطوع ورده فريضة .

ولو رد غير المسلم عليهم لم يسقط ذلك عنهم فرض الرد ، فدل على أن رد السلام يلزم كل إنسان بعينه ؛ حتى قال قتادة والحسن : إن المصلي يرد السلام كلاما إذا سلم عليه ولا يقطع ذلك عليه صلاته ؛ لأنه فعل ما أمر به .

والناس على خلافه .

احتج الأولون بما رواه أبو داود عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يجزئ من الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم .

وهذا نص في موضع الخلاف .

قال أبو عمر : وهو حديث حسن لا معارض له ، وفي إسناده سعيد بن خالد ، وهو سعيد بن خالد الخزاعي مدني ليس به بأس عند بعضهم ؛ وقد ضعفه بعضهم منهم أبو زرعة وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وجعلوا حديثه هذا منكرا ؛ لأنه انفرد فيه بهذا الإسناد ؛ على أن عبد الله بن الفضل لم يسمع من عبيد الله بن أبي رافع ؛ بينهما الأعرج في غير ما حديث .

والله أعلم .

واحتجوا أيضا بقوله عليه السلام : يسلم القليل على الكثير .

ولما أجمعوا على أن الواحد يسلم على الجماعة ولا يحتاج إلى تكريره على عداد الجماعة ، كذلك يرد الواحد عن الجماعة وينوب عن الباقين كفروض الكفاية .

وروى مالك عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يسلم الراكب على الماشي وإذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم .

قال علماؤنا : وهذا يدل على أن الواحد يكفي في الرد ؛ لأنه لا يقال أجزأ عنهم إلا فيما قد وجب .

والله أعلم .[ ص: 258 ] قلت : هكذا تأول علماؤنا هذا الحديث وجعلوه حجة في جواز رد الواحد ؛ وفيه قلق .الثالثة : قوله تعالى : فحيوا بأحسن منها أو ردوها رد الأحسن أن يزيد فيقول : عليك السلام ورحمة الله ؛ لمن قال : سلام عليك .

فإن قال : سلام عليك ورحمة الله ؛ زدت في ردك : " وبركاته " .

وهذا هو النهاية فلا مزيد .

قال الله تعالى مخبرا عن البيت الكريم رحمة الله وبركاته على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

فإن انتهى بالسلام غايته ، زدت في ردك الواو في أول كلامك فقلت : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته .

والرد بالمثل أن تقول لمن قال السلام عليك : عليك السلام ، إلا أنه ينبغي أن يكون السلام كله بلفظ الجماعة ، وإن كان المسلم عليه واحدا .

روى الأعمش عن إبراهيم النخعي قال : إذا سلمت على الواحد فقل : السلام عليكم ، فإن معه الملائكة .

وكذلك الجواب يكون بلفظ الجمع ؛ قال ابن أبي زيد : يقول المسلم : السلام عليكم ، ويقول الراد : وعليكم السلام ، أو يقول : السلام عليكم كما قيل له ؛ وهو معنى قوله أو ردوها ولا تقل في ردك : سلام عليك .الرابعة : والاختيار في التسليم والأدب فيه تقديم اسم الله تعالى على اسم المخلوق ؛ قال الله تعالى : سلام على إل ياسين .

وقال في قصة إبراهيم عليه السلام : رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت .

وقال مخبرا عن إبراهيم : سلام عليك .

وفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خلق الله عز وجل آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك - قال - فذهب فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله - قال - فزادوه ورحمة الله - قال - فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن .قلت : فقد جمع هذا الحديث مع صحته فوائد سبعا : الأولى : الإخبار عن صفة خلق آدم .

الثانية : أنا ندخل الجنة عليها بفضله .

الثالثة : تسليم القليل على الكثير .

الرابعة : تقديم اسم الله تعالى .

الخامسة : الرد بالمثل لقولهم : السلام عليكم .

السادسة : الزيادة في الرد .

السابعة : إجابة الجميع بالرد كما يقول الكوفيون .

والله أعلم .[ ص: 259 ] الخامسة : فإن رد فقدم اسم المسلم عليه لم يأت محرما ولا مكروها ؛ لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال للرجل الذي لم يحسن الصلاة وقد سلم عليه : وعليك السلام ارجع فصل فإنك لم تصل .

وقالت عائشة : وعليه السلام ورحمة الله ؛ حين أخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل يقرأ عليها السلام .

أخرجه البخاري .

وفي حديث عائشة من الفقه أن الرجل إذا أرسل إلى رجل بسلامه فعليه أن يرد .

كما يرد عليه إذا شافهه .

وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أبي يقرئك السلام ؛ فقال : عليك وعلى أبيك السلام .

وقد روى النسائي وأبو داود من حديث جابر بن سليم قال : لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : عليك السلام يا رسول الله ؛ فقال : لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت ولكن قل السلام عليك .

وهذا الحديث لا يثبت ؛ إلا أنه لما جرت عادة العرب بتقديم اسم المدعو عليه في الشر كقولهم : عليه لعنة الله وغضب الله .

قال الله تعالى : وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين .

وكان ذلك أيضا دأب الشعراء وعادتهم في تحية الموتى ؛ كقولهم :عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحماوقال آخر وهو الشماخ :عليك سلام من أمير وباركت يد الله في ذاك الأديم الممزقنهاه عن ذلك ، لا أن ذاك هو اللفظ المشروع في حق الموتى ؛ لأنه عليه السلام ثبت عنه أنه سلم على الموتى كما سلم على الأحياء فقال : السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون .

فقالت عائشة : قلت يا رسول الله ، كيف أقول إذا دخلت المقابر ؟

قال : قولي السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين الحديث ؛ وسيأتي في سورة " ألهاكم " إن شاء الله تعالى .قلت : وقد يحتمل أن يكون حديث عائشة وغيره في السلام على أهل القبور جميعهم إذا دخلها وأشرف عليها ، وحديث جابر بن سليم خاص بالسلام على المرور المقصود بالزيارة .

والله أعلم .[ ص: 260 ] السادسة : من السنة تسليم الراكب على الماشي ، والقائم على القاعد ، والقليل على الكثير ؛ هكذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة .

قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يسلم الراكب فذكره فبدأ بالراكب لعلو مرتبته ؛ ولأن ذلك أبعد له من الزهو ، وكذلك قيل في الماشي مثله .

وقيل : لما كان القاعد على حال وقار وثبوت وسكون فله مزية بذلك على الماشي ؛ لأن حاله على العكس من ذلك .

وأما تسليم القليل على الكثير فمراعاة لشرفية جمع المسلمين وأكثريتهم .

وقد زاد البخاري في هذا الحديث ( ويسلم الصغير على الكبير ) .

وأما تسليم الكبير على الصغير فروى أشعث عن الحسن أنه كان لا يرى التسليم على الصبيان ؛ قال : لأن الرد فرض والصبي لا يلزمه الرد فلا ينبغي أن يسلم عليهم .

وروي عن ابن سيرين أنه كان يسلم على الصبيان ولكن لا يسمعهم .

وقال أكثر العلماء : التسليم عليهم أفضل من تركه .

وقد جاء في الصحيحين عن سيار قال : كنت أمشي مع ثابت فمر بصبيان فسلم عليهم ، وذكر أنه كان يمشي مع أنس فمر بصبيان فسلم عليهم ، وحدث أنه كان يمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بصبيان فسلم عليهم .

لفظ مسلم .

وهذا من خلقه العظيم صلى الله عليه وسلم ، وفيه تدريب للصغير وحض على تعليم السنن ورياضة لهم على آداب الشريعة فيه ؛ فلتقتد .السابعة : وأما التسليم على النساء فجائز إلا على الشابات منهن خوف الفتنة من مكالمتهن بنزعة شيطان أو خائنة عين .

وأما المتجالات والعجز فحسن للأمن فيما ذكرناه ؛ هذا قول عطاء وقتادة ، وإليه ذهب مالك وطائفة من العلماء .

ومنعه الكوفيون إذا لم يكن منهن ذوات محرم وقالوا : لما سقط عن النساء الأذان والإقامة والجهر بالقراءة في الصلاة سقط عنهن رد السلام فلا يسلم عليهن .

والصحيح الأول لما خرجه البخاري عن سهل بن سعد قال : كنا نفرح بيوم الجمعة .

قلت ولم ؟

قال : كانت لنا عجوز ترسل إلي بضاعة - قال ابن مسلمة : نخل بالمدينة - فتأخذ من أصول السلق فتطرحه في القدر وتكركر حبات من شعير ، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا فنسلم عليها فتقدمه إلينا فنفرح من أجله : وما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة .

تكركر أي تطحن ؛ قاله القتبي .الثامنة : والسنة في السلام والجواب الجهر ؛ ولا تكفي الإشارة بالإصبع والكف عند الشافعي ، وعندنا تكفي إذا كان على بعد ؛ روى ابن وهب عن ابن مسعود قال : السلام اسم من أسماء الله عز وجل وضعه الله في الأرض فأفشوه بينكم ؛ فإن الرجل إذا سلم على القوم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة لأنه ذكرهم ، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم [ ص: 261 ] وأطيب .

وروى الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث قال : إذا سلم الرجل على القوم كان له فضل درجة ، فإن لم يردوا عليه ردت عليه الملائكة ولعنتهم .

فإذا رد المسلم عليه أسمع جوابه ؛ لأنه إذا لم يسمع المسلم لم يكن جوابا له ؛ ألا ترى أن المسلم إذا سلم بسلام لم يسمعه المسلم عليه لم يكن ذلك منه سلاما ، فكذلك إذا أجاب بجواب لم يسمع منه فليس بجواب .

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا سلمتم فأسمعوا وإذا رددتم فأسمعوا وإذا قعدتم فاقعدوا بالأمانة ولا يرفعن بعضكم حديث بعض .

قال ابن وهب : وأخبرني أسامة بن زيد عن نافع قال : كنت أساير رجلا من فقهاء الشام يقال له عبد الله بن زكريا فحبستني دابتي تبول ، ثم أدركته ولم أسلم عليه ؛ فقال : ألا تسلم ؟

فقلت : إنما كنت معك آنفا ؛ فقال : وإن صح ؛ لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسايرون فيفرق بينهم الشجر فإذا التقوا سلم بعضهم على بعض .التاسعة : وأما الكافر فحكم الرد عليه أن يقال له : وعليكم .

قال ابن عباس وغيره : المراد بالآية : وإذا حييتم بتحية فإذا كانت من مؤمن فحيوا بأحسن منها وإن كانت من كافر فردوا على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال لهم : ( وعليكم ) .

وقال عطاء : الآية في المؤمنين خاصة ، ومن سلم من غيرهم قيل له : عليك ؛ كما جاء في الحديث .قلت : فقد جاء إثبات الواو وإسقاطها في صحيح مسلم ( عليك ) بغير واو وهي الرواية الواضحة المعنى ، وأما مع إثبات الواو ففيها إشكال ؛ لأن الواو العاطفة تقتضي التشريك فيلزم منه أن يدخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت أو من سآمة ديننا ؛ فاختلف المتأولون لذلك على أقوال : أولاها أن يقال : إن الواو على بابها من العطف ، غير أنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا ، كما قال صلى الله عليه وسلم .

وقيل : هي زائدة .

وقيل : للاستئناف .

والأولى أولى .

ورواية حذف الواو أحسن معنى وإثباتها أصح رواية وأشهر ، وعليها من العلماء الأكثر .العاشرة : واختلف في رد السلام على أهل الذمة هل هو واجب كالرد على المسلمين ؛ وإليه ذهب ابن عباس والشعبي وقتادة تمسكا بعموم الآية وبالأمر بالرد عليهم في صحيح السنة .

وذهب مالك فيما روى عنه أشهب وابن وهب إلى أن ذلك ليس بواجب ؛ فإن رددت فقل : عليك .

واختار ابن طاوس أن يقول في الرد عليهم : علاك السلام .

أي ارتفع عنك .

واختار بعض علمائنا السلام ( بكسر السين ) يعني به الحجارة .

وقول مالك وغيره في ذلك كاف شاف كما جاء في الحديث ، وسيأتي في سورة " مريم " القول في ابتدائهم بالسلام عند قوله [ ص: 262 ] تعالى إخبارا عن إبراهيم في قوله لأبيه سلام عليك .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم .

وهذا يقتضي إفشاءه بين المسلمين دون المشركين .

والله أعلم .الحادية عشرة : ولا يسلم على المصلي فإن سلم عليه فهو بالخيار إن شاء رد بالإشارة بإصبعه وإن شاء أمسك حتى يفرغ من الصلاة ثم يرد .

ولا ينبغي أن يسلم على من يقضي حاجته فإن فعل لم يلزمه أن يرد عليه .

دخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الحال فقال له : إذا وجدتني أو رأيتني على هذه الحال فلا تسلم علي فإنك إن سلمت علي لم أرد عليك .

ولا يسلم على من يقرأ القرآن فيقطع عليه قراءته ، وهو بالخيار إن شاء رد وإن شاء أمسك حتى يفرغ ثم يرد ، ولا يسلم على من دخل الحمام وهو كاشف العورة ، أو كان مشغولا بما له دخل بالحمام ، ومن كان بخلاف ذلك سلم عليه .الثانية عشرة : قوله تعالى : إن الله كان على كل شيء حسيبا معناه حفيظا .

وقيل : كافيا ؛ من قولهم : أحسبني كذا أي كفاني ، ومثله حسبك الله .

وقال قتادة : محاسبا كما يقال : أكيل بمعنى مواكل .

وقيل : هو فعيل من الحساب ، وحسنت هذه الصفة هنا ؛ لأن معنى الآية في أن يزيد الإنسان أو ينقص أو يوفي قدر ما يجيء به .

روى النسائي عن عمران بن حصين قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فسلم ، فقال : السلام عليكم فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : عشر ، ثم جلس ، ثم جاء آخر فسلم فقال : السلام عليكم ورحمة الله ؛ فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : عشرون ، ثم جلس وجاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ؛ فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ثلاثون .

وقد جاء هذا الخبر مفسرا وهو أن من قال لأخيه المسلم : سلام عليكم كتب له عشر حسنات ، فإن قال : السلام عليكم ورحمة الله كتب له عشرون حسنة .

فإن قال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة ، وكذلك لمن رد من الأجر .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

التحية هي: اللفظ الصادر من أحد المتلاقيين على وجه الإكرام والدعاء، وما يقترن بذلك اللفظ من البشاشة ونحوها.

وأعلى أنواع التحية ما ورد به الشرع، من السلام ابتداء وردًّا.

فأمر تعالى المؤمنين أنهم إذا حُيّوا بأي تحية كانت، أن يردوها بأحسن منها لفظا وبشاشة، أو مثلها في ذلك.

ومفهوم ذلك النهي عن عدم الرد بالكلية أو ردها بدونها.

ويؤخذ من الآية الكريمة الحث على ابتداء السلام والتحية من وجهين أحدهما: أن الله أمر بردها بأحسن منها أو مثلها، وذلك يستلزم أن التحية مطلوبة شرعًا.

الثاني: ما يستفاد من أفعل التفضيل وهو "أحسن" الدال على مشاركة التحية وردها بالحسن، كما هو الأصل في ذلك.

ويستثنى من عموم الآية الكريمة من حيَّا بحال غير مأمور بها، كـ "على مشتغل بقراءة، أو استماع خطبة، أو مصلٍ ونحو ذلك" فإنه لا يطلب إجابة تحيته، وكذلك يستثنى من ذلك من أمر الشارع بهجره وعدم تحيته، وهو العاصي غير التائب الذي يرتدع بالهجر، فإنه يهجر ولا يُحيّا، ولا تُرد تحيته، وذلك لمعارضة المصلحة الكبرى.

ويدخل في رد التحية كل تحية اعتادها الناس وهي غير محظورة شرعًا، فإنه مأمور بردّها وبأحسن منها، ثم أوعد تعالى وتوعد على فعل الحسنات والسيئات بقوله: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا } فيحفظ على العباد أعمالهم، حسنها وسيئها، صغيرها وكبيرها، ثم يجازيهم بما اقتضاه فضله وعدله وحكمه المحمود.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) التحية : هي دعاء الحياة ، والمراد بالتحية هاهنا ، السلام ، يقول : إذا سلم عليكم مسلم فأجيبوا بأحسن منها أو ردوها كما سلم ، فإذا قال : السلام عليكم ، فقل : وعليكم السلام ورحمة الله ، وإذا قال : السلام عليكم ورحمة الله ، فقل : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، فإذا قال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فرد مثله ، روي أن رجلا سلم على ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، ثم زاد شيئا ، فقال ابن عباس : إن السلام ينتهي إلى البركة .

وروي عن عمران بن حصين : أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليكم ، فرد عليه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " عشر " ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله ، فرد عليه فجلس ، فقال : " عشرون " ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فرد عليه ، فقال : " ثلاثون " .

واعلم أن السلام سنة ورد السلام فريضة ، وهو فرض على الكفاية ، وكذلك السلام سنة على الكفاية فإذا سلم واحد من جماعة كان كافيا في السنة ، وإذا سلم واحد على جماعة ورد واحد منهم سقط الفرض عن جميعهم .

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ، أنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر ، أنا إبراهيم بن عبد الله بن عمر بن بكير الكوفي ، أنا وكيع ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟

أفشوا السلام بينكم " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا قتيبة ، أنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير؟

قال : " أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " .

ومعنى قوله : أي الإسلام خير ، يريد : أي خصال الإسلام خير .

وقيل : ( فحيوا بأحسن منها ) معناه أي إذا كان الذي سلم مسلما ، ( أو ردوها ) بمثلها إذا لم يكن مسلما .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم : فإنما يقول السام عليكم ، فقل عليك " .

قوله تعالى : ( إن الله كان على كل شيء حسيبا ) أي : على كل شيء من رد السلام بمثله أو بأحسن منه ، حسيبا أي : محاسبا مجازيا ، وقال مجاهد : حفيظا ، وقال أبو عبيدة : كافيا ، يقال : حسبي هذا أي كفاني .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا حُيِّيتم بتحية» كأن قيل لكم سلام عليكم «فحيُّوا» المحيِّي «بأحسن منها» بأن تقولوا له عليك السلام ورحمة الله وبركاته «أوردُّوها» بأن تقولوا له كما قال أي الواجب أحدهما والأول أفضل «إن الله كان على كل شيء حسيبا» محاسبا فيجازي عليه ومنه ردُّ السلام وخصّت السنة الكافر والمبتدع والفاسق والمسلِّم على قاضي الحاجة ومن في الحمام والآكل فلا يجب الرد عليهم بل يكره في غير الأخير ويقال للكافر وعليك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا سلَّم عليكم المسلم فردُّوا عليه بأفضل مما سلَّم لفظًا وبشاشةً، أو ردوا عليه بمثل ما سلَّم، ولكل ثوابه وجزاؤه.

إن الله تعالى كان على كل شيء مجازيًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن أمر الله - تعالى - عباده بالشفاعة الحسنة ونهاهم عن الشفاعة السيئة ، أتبع ذلك بتعليمهم ادب اللقاء والمقابلة حتى تزيد المودة والمحبة بينهم فقال - تعالى - : ( وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ) .والتحية : تفعلة من حييت؛ والأصل تحيية مثل ترضية وتسمية فأدغموا الياء فى الياء .

قال الراغب : أصل التحية من الحياة ، بأن يقال حياك الله ، أى : جعل لك حياة ، وذلك إخبار ثم جعل دعاء تحية .

يقال : حيا فلان فلانا تحية إذا قال له ذلك .وكان من عادة العرب إذا لقى بعضهم بعضا أن يقولوا على سبيل المودة : حياك الله فلما جاء الإِسلام أبدل ذلك بالسلام والأمان بأن يقول المسلم لأخيه المسلم : السلام عليكم وأضيف إليها الدعاء برحمة الله وبركاته .قال ابن كثير : قوله - تعالى - ( وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ) أى : إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه بأفضل مما سلم ، أوردوا عليه بمثل ما سلم .

فالزيادة مندوبة والمماثلة مفروضة .

فعن سلمان الفارسى قال : " جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليكم يا رسول الله .

فقال " وعليك السلام ورحمة الله " ثم جاء آخر فقال : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وعليك السلام ورحمة الله وبركاته .

ثم جاء ثالث فقال : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فقال له : ( وعليك ) فقال له الرجل : يا رسول الله ، بأبى أنت وأمى أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت على .

فقال ( إنك لم تترك لنا شيئا ) قال الله - تعالى - : ( وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ) فرددناها عليك "وفى الحديث دلالة على أنه لا زيادة فى السلام على هذه الصفة : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

إذ لو شرع أكثر من ذلك لزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم .فأنت ترى أن الآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى أن يردوا التحية على من يحيونهم وأن يفشوا هذه التحية بينهم ، لأن إفشاءها يؤدى إلى توثيق علاقات المحبة والمودة بين المسلمين .وقد ورد فى الحض على إفشاء السلام أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا .

ألا أدلكم على شئ إذا فعلتموه تحاببتم؟

أفشوا السلام بينكم " .وقوله ( إِنَّ الله كَانَ على كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ) تذييل قصد به بعث الناس على امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه .أى : إن الله - تعالى - كان وما زال مهيمنا على عباده ، بصيراً بكل أقوالهم وأعمالهم ، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء ، وسيحاسب الناس يوم القيامة على أفعالهم ، وسيجازيهم عليها بما يستحقون ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) وإذا كان الأمر كذلك فالعاقل هو الذى يفعل ما أمره الله - تعالى - بفعله ، ويجتنب ما أمره الله - تعالى - باجتنابه .وهذا وقد تكلم العلماء هنا كلاما طويلا فى كيفية السلام وفى فضله ، وفى بعض أحكامه المأثورة ، فارجع إلى كلامهم إن شئت .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في النظم وجهان: الأول: أنه لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم ايضا بأن الاعداء لو رضوا بالمسألة فكونوا أنتم أيضا راضين بها، فقوله: ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ كقوله تعالى: ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا  ﴾ .

الثاني: ان الرجل في الجهاد كان يلقاه الرجل في دار الحرب أو ما يقاربها فيسلم عليه، فقد لا يلتفت الى سلامه عليه ويقتله، وربما ظهر أنه كان مسلما، فمنع الله المؤمنين عنه وأمرهم ان كل من يسلم عليهم ويكرمهم بنوع من الاكرام يقابلونه بمثل ذلك الاكرام أو أزيد، فانه ان كان كافرا لا يضر المسلم ان قابل إكرام ذلك الكافر بنوع من الاكرام، أما ان كان مسلما وقتله ففيه أعظم المضار والمفاسد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: التحية تفعلة من حييت، وكان في الاصل تحيية، مثل التوصية والتسمية، والعرب تؤثر التفعلة على التفعيل في ذوات الاربعة، نحو قوله: ﴿ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ  ﴾ فثبت أن التحية أصلها التحيية ثم أدغموا الياء في الياء.

المسألة الثانية: اعلم أن عادة العرب قبل الاسلام أنه إذا لقي بعضهم بعضا قالوا: حياك الله واشتقاقه من الحياة كأنه يدعو له بالحياة، فكانت التحية عندهم عبارة عن قول بعضهم لبعض حياك الله، فلما جاء الاسلام أبدل ذلك بالسلام، فجعلوا التحية اسما للسلام.

قال تعالى: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام  ﴾ ومنه قول المصلى: التحيات لله، أي السلام من الآفات لله، والأشعار ناطقة بذلك.

قال عنترة: حييت من طلل تقادم عهده *** وقال آخر: إنا محيوك يا سلمى فحيينا *** واعلم أن قول القائل لغيره: السلام عليك أتم وأكمل من قوله: حياك الله، وبيانه من وجوه: الأول: أن الحي إذا كان سليما كان حيا لا محالة، وليس إذا كان حياً كان سليما، فقد تكون حياته مقرونة بالآفات والبليات، فثبت أن قوله: السلام عليك أتم وأكمل من قوله: حياك الله.

الثاني: أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فالابتداء بذكر الله أو بصفة من صفاته الدالة على أنه يريد ابقاء السلامة على عباده أكمل من قوله: حياك الله.

الثالث: أن قول الإنسان لغيره: السلام عليك فيه بشارة بالسلامة، وقوله: حياك الله لا يفيد ذلك، فكان هذا أكمل.

ومما يدل على فضيلة السلام القرآن والأحاديث والمعقول، أما القرآن فمن وجوه: الأول: اعلم أن الله تعالى سلم على المؤمن في اثني عشر موضعا: أولها: أنه تعالى كأنه سلم عليك في الأزل، ألا ترى أنه قال في وصف ذاته: ﴿ الملك القدوس السلام  ﴾ .

وثانيها: أنه سلم على نوح وجعل لك من ذلك السلام نصيبا، فقال: ﴿ قِيلَ يا نوح اهبط بسلام مّنَّا وبركات عَلَيْكَ وعلى أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ  ﴾ والمراد منه أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وثالثها: سلم عليك على لسان جبريل، فقال: ﴿ تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ سلام هِىَ حتى مَطْلَعِ الفجر  ﴾ قال المفسرون: إنه عليه الصلاة والسلام خاف على أمته أن يصيروا مثل أمة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، فقال الله: لا تهتم لذلك فاني وإن أخرجتك من الدنيا، إلا أني جعلت جبريل خليفة لك، ينزل إلى أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام مني.

ورابعها: سلم عليك على لسان موسى عليه السلام حيث قال: ﴿ والسلام على مَنِ اتبع الهدى  ﴾ فاذا كنت متبع الهدى وصل سلام موسى إليك.

وخامسها: سلم عليك على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿ الحمد لِلَّهِ وسلام على عِبَادِهِ الذين اصطفى  ﴾ وكل من هدى الله إلى الايمان فقد اصطفاه، كما قال: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا  ﴾ .

وسادسها: أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بالسلام على سبيل المشافهة، فقال: ﴿ وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ  ﴾ .

وسابعها: أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالتسليم عليك قال: ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ .

وثامنها: سلم عليك على لسان ملك الموت فقال: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طَيّبِينَ يَقُولُونَ سلام عَلَيْكُمُ  ﴾ قيل: إن ملك الموت يقول في أذن المسلم: السلام يقرئك السلام، ويقول: أجبني فاني مشتاق إليك، واشتاقت الجنات والحور العين إليك، فاذا سمع المؤمن البشارة، يقول لملك الموت: للبشير مني هدية، ولا هدية أعز من روحي، فاقبض روحي هدية لك.

وتاسعها: السلام من الأرواح الطاهرة المطهرة، قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أصحاب اليمين فسلام لَّكَ مِنْ أصحاب اليمين  ﴾ .

وعاشرها: سلم الله عليك على لسان رضوان خازن الجنة فقال تعالى: ﴿ وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً ﴾ إلى قوله: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سلام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ  ﴾ والحادي عشر: اذا دخلوا الجنة فالملائكة يزورونهم ويسلمون عليهم.

قال تعالى: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ  سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ  ﴾ والثاني عشر: السلام من الله من غير واسطة وهو قوله: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام  ﴾ وقوله: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ  ﴾ وعند ذلك يتلاشى سلام الكل لأن المخلوق لا يبقى على تجلي نور الخالق.

الوجه الثاني: من الدلائل القرآنية الدالة على فضيلة السلام أن أشد الأوقات حاجة إلى السلامة والكرامة ثلاثة أوقات: وقت الابتداء، ووقت الموت، ووقت البعث، والله تعالى لما أكرم يحيى عليه السلام فانما أكرمه بأن وعده السلام في هذه الأوقات الثلاثة فقال: ﴿ وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا  ﴾ وعيسى عليه السلام ذكر أيضا ذلك فقال: ﴿ والسلام عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً  ﴾ .

الوجه الثالث: أنه تعالى لما ذكر تعظيم محمد عليه الصلاة والسلام قال: ﴿ إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى ياأيها الذين ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً  ﴾ يروى في التفسير أن اليهود كانوا إذا دخلوا قالوا: السام عليك، فحزن الرسول عليه الصلاة والسلام لهذا المعنى، فبعث الله جبريل عليه السلام وقال: إن كان اليهود يقولون السام عليك، فأنا أقول من سرادقات الجلال: السلام عليك، وأنزل قوله: ﴿ إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى ﴾ إلى قوله: ﴿ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ .

وأما ما يدل من الأخبار على فضيلة السلام فما روي أن عبدالله بن سلام قال: لما سمعت بقدوم الرسول عليه الصلاة والسلام دخلت في غمار الناس، فأول ما سمعت منه: يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام.

وأما ما يدل على فضل السلام من جهة المعقول فوجوه: الأول: قالوا: تحية النصارى وضع اليد على الفم، وتحية اليهود بعضهم لبعض الاشارة بالأصابع، وتحية المجوس الانحناء، وتحية العرب بعضهم لبعض أن يقولوا: حياك الله، وللملوك أن يقولوا: أنعم صباحا، وتحية المسلمين بعضهم لبعض أن يقولوا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، ولا شك أن هذه التحية أشرف التحيات وأكرمها.

الثاني: أن السلام مشعر بالسلامة من الآفات والبليات.

ولا شك أن السعي في تحصيل الصون عن الضرر أولى من السعي في تحصيل النفع.

الثالث: أن الوعد بالنفع يقدر الإنسان على الوفاء به وقد لا يقدر، أما الوعد بترك الضرر فانه يكون قادرا عليه لا محالة، والسلام يدل عليه.

فثبت أن السلام أفضل أنواع التحية.

المسألة الثالثة: من الناس من قال: من دخل داراً وجب عليه أن يسلم على الحاضرين، واحتج عليه بوجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا  ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «أفشوا السلام».

والأمر للوجوب.

الثاني: أن من دخل على إنسان كان كالطالب له، ثم المدخول عليه لا يعلم أنه يطلبه لخير أو لشر، فاذا قال: السلام عليك فقد بشره بالسلامة وآمنه من الخوف، وإزالة الضرر عن المسلم واجبة قال عليه الصلاة والسلام: «المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه» فوجب أن يكون السلام واجبا.

الثالث: أن السلام من شعائر أهل الاسلام، وإظهار شعائر الاسلام واجب، وأما المشهور فهو أن السلام سنة، وهو قول ابن عباس والنخعي.

وأما الجواب على السلام فقد أجمعوا على وجوبه، ويدل عليه وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ الثاني: أن ترك الجواب إهانة، والاهانة ضرر والضرر حرام.

المسألة الرابعة: منتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بدليل أن هذا القدر هو الوارد في التشهد.

واعلم أنه تعالى قال: ﴿ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ فقال العلماء: الأحسن هو أن المسلم إذا قال السلام عليك زيد في جوابه الرحمة، وإن ذكر السلام والرحمة في الابتداء زيد في جوابه البركة، وإن ذكر الثلاثة في الابتداء أعادها في الجواب.

روي أن رجلا قال للرسول صلى الله عليه وسلم: السلام عليك يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته».

وآخر قال: السلام عليك ورحمة الله، فقال: «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته»، وجاء ثالث فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال عليه الصلاة والسلام: «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته»، فقال الرجل: نقصتني، فأين قول الله: ﴿ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا ﴾ فقال صلى الله عليه وسلم: «إنك ما تركت لي فضلا فرددت عليك ما ذكرت».

المسألة الخامسة: المبتدئ يقول: السلام عليك والمجيب، يقول: وعليكم السلام، هذا هو الترتيب الحسن، والذي خطر ببالي فيه أنه إذا قال: السلام عليكم كان الابتداء واقعا بذكر الله، فاذا قال المجيب: وعليكم السلام كان الاختتام واقعا بذكر الله، وهذا يطابق قوله: ﴿ هُوَ الأول والأخر  ﴾ وأيضا لما وقع الابتداء والاختتام بذكر الله فانه يرجى أن يكون ما وقع بينهما يصير مقبولا ببركته كما في قوله: ﴿ أَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ اليل إِنَّ الحسنات يذهبن السيئات  ﴾ فلو خالف المبتدئ فقال: وعليكم السلام فقد خالف السنة، فالأولى للمجيب أن يقول: وعليكم السلام، لأن الأول لما ترك الافتتاح بذكر الله، فهذا لا ينبغي أن يترك الاختتام بذكر الله.

المسألة السادسة: ان شاء قال: سلام عليكم، وان شاء قال: السلام عليكم قال تعالى في حق نوح: ﴿ قِيلَ يانوح اهبط بسلام مّنَّا  ﴾ وقال عن الخليل: ﴿ قَالَ سلام عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي  ﴾ وقال في قصة لوط: ﴿ قَالُواْ سلاما قَالَ سلام  ﴾ وقال عن يحيى: ﴿ وسلام عَلَيْهِ ﴾ وقال عن محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلِ الحمد لِلَّهِ وسلام على عِبَادِهِ  ﴾ وقال عن الملائكة: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ  سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ  ﴾ وقال عن رب العزة: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ  ﴾ وقال: ﴿ فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ ﴾ وأما بالألف واللام فقوله عن موسى عليه السلام: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسراءيل وَلاَ تُعَذّبْهُمْ قَدْ جئناك بِئَايَةٍ مّن رَّبّكَ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ وقال عن عيسى عليه السلام: ﴿ والسلام عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ  ﴾ فثبت أن الكل جائز، وأما في التحليل من الصلاة فلابد من الألف واللام بالاتفاق، واختلفوا في سائر المواضع أن التنكير أفضل أم التعريف؟

فقيل التنكير أفضل، ويدل عليه وجوه: الأول: أن لفظ السلام على سبيل التنكير كثير في القرآن فكان أفضل.

الثاني: ان كل ما ورد من الله والملائكة والمؤمنين فقد ورد بلفظ التنكير على ما عددناه في الآيات، وأما بالألف واللام فانما ورد في تسليم الإنسان على نفسه قال موسى صلى الله عليه وسلم: ﴿ والسلام على مَنِ اتبع الهدى  ﴾ وقال عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿ والسلام عَلَىَّ  ﴾ والثالث: وهو المعنى المعقول ان لفظ السلام بالألف واللام يدل على أصل الماهية، والتنكير يدل على أصل الماهية مع وصف الكمال، فكان هذا أولى.

المسألة السابعة: قال صلى الله عليه وسلم: «السنة أن يسلم الراكب على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر، والقائم على القاعد».

وأقول: أما الأول فلوجهين: أحدهما: ان الراكب أكثر هيبة فسلامه يفيد زوال الخوف والثاني: أن التكبر به أليق، فأمر بالابتداء بالتسليم كسرا لذلك التكبر، وأما أن القائم يسلم على القاعد فلأنه هو الذي وصل اليه، فلابد وأن يفتتح هذا الواصل الموصول بالخير.

المسألة الثامنة: السنة في السلام الجهر لأنه أقوى في إدخال السرور في القلب.

المسألة التاسعة: السنة في السلام الافشاء والتعميم لأن في التخصيص ايحاشا.

المسألة العاشرة: المصافحة عند السلام عادة الرسول صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا تصافح المسلمان تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر».

المسألة الحادية عشرة: قال أبو يوسف: من قال لآخر: اقرئ فلانا عني السلام وجب عليه أن يفعل.

المسألة الثانية عشرة: إذا استقبلك رجل واحد فقل سلام عليكم، واقصد الرجل والملكين فانك إذا سلمت عليهما ردا السلام عليك، ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب الله.

المسألة الثالثة عشرة: إذا دخلت بيتا خاليا فسلم، وفيه وجوه: الأول: انك تسلم من الله على نفسك.

والثاني: انك تسلم على من فيه من مؤمني الجن.

والثالث: أنك تطلب السلامة ببركة السلام ممن في البيت من الشياطين والمؤذيات.

المسألة الرابعة عشرة: السنة أن يكون المبتدئ بالسلام على الطهارة، وكذا المجيب.

روي أن واحداً سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو كان في قضاء الحاجة، فقام وتيمم ثم رد السلام.

المسألة الخامسة عشرة: السنة إذا التقى إنسانان أن يبتدرا بالسلام إظهاراً للتواضع.

المسألة السادسة عشرة: لنذكر المواضع التي لا يسلم فيها، وهي ثمانية: الأول: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبدأ اليهودي بالسلام»، وعن أبي حنيفة أنه قال: لا يبدأ بالسلام في كتاب ولا في غيره، وعن أبي يوسف: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم، وإذا دخلت فقل: السلام على من اتبع الهدى.

ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة، وأما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء: ينبغي أن يقال وعليك، والأصل فيه أنهم كانوا يقولون عند الدخول على الرسول: السام عليك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول وعليكم، فجرت السنة بذلك، ثم هاهنا تفريع وهو أنا إذا قلنا لهم: وعليكم السلام، فهل يجوز ذكر الرحمة فيه؟

قال الحسن يجوز أن يقال للكافر: وعليكم السلام، لكن لا يقال ورحمة الله لأنها استغفار.

وعن الشعبي انه قال لنصراني: وعليكم السلام ورحمة الله فقيل له فيه، فقال: أليس في رحمة الله يعيش.

الثاني: إذا دخل يوم الجمعة والامام يخطب، فلا ينبغي أن يسلم لاشتغال الناس بالاجتماع، فان سلم فرد بعضهم فلا بأس، ولو اقتصروا على الاشارة كان أحسن.

الثالث: إذا دخل الحمام فرأى الناس متزرين يسلم عليهم، وإن لم يكونوا متزرين لم يسلم عليهم.

الرابع: الأولى ترك السلام على القارئ، لأنه إذا اشتغل بالجواب يقطع عليه التلاوة وكذلك القول فيمن كان مشتغلا برواية الحديث ومذاكرة العلم.

الخامس: لا يسلم على المشتغل بالأذان والاقامة للعلة التي ذكرناها.

السادس: قال أبو يوسف.

لا يسلم على لاعب النرد، ولا على المغني، ومطير الحمام، وفي معناه كل من كان مشتغلا بنوع معصية.

السابع: لا يسلم على من كان مشتغلا بقضاء الحاجة، مر على الرسول عليه الصلاة والسلام رجل وهو يقضي حاجته، فسلم عليه، فقام الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الجدار فتيمم ثم رد الجواب، وقال: «لولا أني خشيت أن تقول سلمت عليه فلم يرد الجواب لما أجبتك إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي فإنك إن سلمت علي لم أرد عليك».

الثامن: إذا دخل الرجل بيته سلم على امرأته، فان حضرت أجنبية هناك لم يسلم عليهما.

المسألة السابعة عشرة: في أحكام الجواب وهي ثمانية: الأول: رد الجواب واجب لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ ولأن ترك الجواب إهانة وضرر وحرام، وعن عباس: ما من رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلا نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة.

الثاني: رد الجواب فرض على الكفاية اذا قام به البعض سقط عن الباقين، والأولى للكل أن يذكروا الجواب إظهارا للاكرام ومبالغة فيه.

الثالث: أنه واجب على الفور، فان أخر حتى انقضى الوقت فان أجاب بعد فوت الوقت كان ذلك ابتداء سلام ولا يكون جوابا.

الرابع: اذا ورد عليه سلام في كتاب فجوابه بالكتبة أيضا واجب، لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ الخامس: اذا قال السلام عليكم، فالواجب أن يقول: وعليكم السلام إلاّ أن السنة أن يزيد فيه الرحمة والبركة ليدخل تحت قوله: ﴿ فحيوا بأحسن منها ﴾ أما إذا قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فظاهر الآية يقتضي أنه لايجوز الإقتصار على قوله وعليكم السلام.

السادس: روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال: لا يجهر بالرد يعني الجهر الكثير.

السابع: إن سلمت المرأة الأجنبية عليه وكان يخاف في رد الجواب عليها تهمة أو فتنة لم يجب الرد، بل الأولى أن لا يفعل.

الثامن: حيث قلنا انه لا يسلم، فلو سلم لم يجب عليها الرد، لأنه أتى بفعل منهى عنه فكان وجوده كعدمه.

المسألة الثامنة عشرة: اعلم أن لفظ التحية على ما بيناه صار كناية عن الاكرام، فجميع أنواع الاكرام يدخل تحت لفظ التحية.

إذا عرفت هذا فنقول: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: من وهب لغير ذي رحم محرم فله الرجوع فيها ما لم يثب منها، فاذا أثيب منها فلا رجوع فيها.

وقال الشافعي رضي الله عنه: له الرجوع في حق الولد، وليس له الرجوع في حق الأجنبي، احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على صحة قول أبي حنيفة فان قوله: ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ يدخل فيه التسليم، ويدخل فيه الهبة، ومقتضاه وجوب الرد اذا لم يصر مقابلا بالأحسن، فاذا لم يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز، وقال الشافعي: هذا الأمر محمول على الندب، بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه سقطت مكنة الرد بالاجماع، مع أن ظاهر الآية يقتضي أن يأتي بالأحسن، ثم احتج الشافعي على قوله بما روى ابن عباس وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده» وهذا نص في أن هبة الأجنبي يحرم الرجوع فيها، وهبة الولد يجوز الرجوع فيها.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيء حَسِيباً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الحسيب قولان: الأول: أنه بمعنى المحاسب على العمل، كالأكيل والشريب والجليس بمعنى المؤاكل والمشارب والمجالس.

الثاني: أنه بمعنى الكافي في قولهم: حسبي كذا؛ أي كافي، ومنه قوله تعالى: ﴿ حَسْبِىَ الله  ﴾ .

المسألة الثانية: المقصود منه الوعيد، فانا بينا أن الواحد منهم قد كان يسلم على الرجل المسلم، ثم إن ذلك المسلم ما كان يتفحص عن حاله، بل ربما قتله طمعا في سلبه، فالله تعالى زجر عن ذلك فقال: ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ وإياكم أن تتعرضوا له بالقتل.

ثم قال: ﴿ إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيء حَسِيباً ﴾ أي هو محاسبكم على أعمالكم وكافي في إيصال جزاء أعمالكم اليكم فكونوا على حذر من مخالفة هذا التكليف، وهذا يدل على شدة العناية بحفظ الدماء والمنع من إهدارها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الأحسن منها أن تقول: (وعليكم السلام ورحمة الله) إذا قال: (السلام عليكم) وأن تزيد (وبركاته) إذا قال: (ورحمة الله) وروي أن: رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام عليك، فقال: «وعليك السلام ورحمة الله» وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله، فقال: «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته» وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال: «وعليك» .

فقال الرجل: نقصتني، فأين ما قال الله؟

وتلا الآية.

فقال: «إنك لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله» ﴿ أَوْ رُدُّوهَا ﴾ أو أجيبوها بمثلها.

ورد السلام ورجعه: جوابه بمثله، لأن المجيب يرد قول المسلم ويكرره، وجواب التسليمة واجب، والتخيير إنما وقع بين الزيادة وتركها.

وعن أبي يوسف رحمه الله: من قال لآخر: أقرئ فلاناً السلام، وجب عليه أن يفعل.

وعن النخعي: السلام سنة والردّ فريضة.

وعن ابن عباس: الردّ واجب.

وما من رجل يمرّ على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلا نزع عنهم روح القدس وردّت عليه الملائكة.

ولا يرد السلام في الخطبة، وقراءة القرآن، جهراً ورواية الحديث، وعند مذاكرة العلم، والأذان، والإقامة، وعن أبي يوسف: لا يسلم على لاعب النرد والشطرنج، والمغني، والقاعد لحاجته، ومطير الحمام، والعاري من غير عذر في حمام أو غيره.

وذكر الطحاوي: أن المستحب ردّ السلام على طهارة.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه تيمم لردّ السلام» قالوا: ويسلم الرجل إذا دخل على امرأته.

ولا يسلم على أجنبية.

ويسلم الماشي على القاعد.

والراكب على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر.

وإذا التقيا ابتدرا.

وعن أبي حنيفة: لا تجهر بالرد يعني الجهر الكثير.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» أي وعليكم ما قلتم؛ لأنهم كانوا يقولون: السام عليكم.

وروى: «لا تبتدئ اليهوديّ بالسلام، وإن بدأك فقل وعليك» وعن الحسن: يجوز أن تقول للكافر: وعليك السلام، ولا تقل: ورحمة الله، فإنها استغفار.

وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه: وعليك السلام ورحمة الله.

فقيل له في ذلك، فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟

وقد رخص بعض العلماء في أن يبدأ أهل الذمة بالسلام إذا دعت إلى ذلك حادثة تحوج إليهم.

وروى ذلك عن النخعي.

وعن أبي حنيفة: لا تبدأه بسلام في كتاب ولا غيره.

وعن أبي يوسف لا تسلم عليهم ولا تصحافهم، وإذا دخلت فقل: السلام على من اتبع الهدى.

ولا بأس بالدعاء له بما يصلحه في دنياه ﴿ على كُلّ شَيْء حَسِيباً ﴾ أي يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ في السَّلامِ، ويَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الجَوابِ إمّا بِأحْسَنَ مِنهُ وهو أنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ ورَحْمَةُ اللَّهِ، فَإنْ قالَهُ المُسْلِمُ زادَ وبَرَكاتُهُ وهي النِّهايَةُ وإمّا بِرَدٍّ مِثْلِهِ لِما رُوِيَ « (أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ  : السَّلامُ عَلَيْكَ.

فَقالَ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ.

وقالَ آخَرُ: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ فَقالَ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ.

وقالَ آخَرُ: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ.

فَقالَ: وعَلَيْكَ.

فَقالَ الرَّجُلُ: نَقَصْتَنِي فَأيْنَ ما قالَ اللَّهُ تَعالى وتَلا الآيَةَ.

فَقالَ  : إنَّكَ لَمْ تَتْرُكْ لِي فَضْلًا فَرَدَدْتُ عَلَيْكَ مِثْلَهُ.» وَذَلِكَ لِاسْتِجْماعِهِ أقْسامَ المُطالِبِ السَّلامَةَ عَنِ المَضارِّ وحُصُولَ المَنافِعِ وثَباتَها ومِنهُ قِيلَ: أوْ لِلتَّرْدِيدِ بَيْنَ أنْ يُحَيِّيَ المُسْلِمُ بِبَعْضِ التَّحِيَّةِ وبَيْنَ أنْ يُحَيِّيَ بِتَمامِها، وهَذا الوُجُوبُ عَلى الكِفايَةِ وحَيْثُ السَّلامُ مَشْرُوعٌ فَلا يَرِدُ في الخُطْبَةِ، وقِراءَةُ القُرْآنِ، وفي الحَمّامِ، وعِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ ونَحْوَها.

والتَّحِيَّةُ في الأصْلِ مَصْدَرُ حَيّاكَ اللَّهُ عَلى الإخْبارِ مِنَ الحَياةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِلْحُكْمِ والدُّعاءِ بِذَلِكَ، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ دُعاءٍ فَغَلَبَ في السَّلامِ.

وقِيلَ المُرادُ بِالتَّحِيَّةِ العَطِيَّةُ وواجِبُ الثَّوابِ أوِ الرَّدِّ عَلى المُتَّهِبِ، وهو قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ يُحاسِبُكم عَلى التَّحِيَّةِ وغَيْرِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذَا حُيّيتُم} أي سلم عليكم فإن التحية في ديننا بالسلام في الدارين فَسَلّمُواْ على أنفسكم تحية من عند الله تحيتهم يوم يلقونه سلام وكانت العرب تقول عند اللقاء حياك الله أي أطال الله حياتك فأبدل ذلك بعد الإسلام بالسلام {بِتَحِيَّةٍ} هي تفعله من حيّا يحيّي تحية {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا} أي قولوا وعليكم السلام ورحمة الله إذا قال السلام عليكم وزيدوا وبركاته إذا قال ورحمة الله ويقال لكل شيء منتهى ومنتهى السلام وبركاته {أَوْ رُدُّوهَا} أي أجيبوها بمثلها ورد السلام جوابه بمثله لأن المجيب يرد قول المسلّم وفيه حذف مضاف أى ردوا مثلها

النساء (٨٦ _ ٨٩)

والتسليم سنة والرد فريضة والأحسن فضل وما من رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلا نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة ولا يرد السلام في الخطبة وقراءة القرآن جهراً ورواية الحديث وعند مذاكرة العلم والأذان والإقامة وعند أبى يوسف رحمه الله لا يسلم على لاعب الشطرنج والنرد والمغني والقاعد لحاجته ومطير الحمام والعاري من غير عذر في حمام أو غيره ويسلم الرجل إذا دخل على امرأته والماشي على القاعد والراكب على الماشى وراكب القرس على راكب الحمار والصغير على الكبير والأقل على الأكثر

وإذا التقيا ابتدرا وقيل بأحسن منها لأهل الملة أو ردوها لأهل الذمة وعن النبى صلى الله عليه وسلم إذا سلم أهل الكتاب فقولوا وعليكم أي وعليكم ما قلتم لأنهم كانوا يقولون السام عليكم وقوله عليه السلام لا غرار في تسليم أي لا يقال عليك بل عليكم لأن كاتبيه معه {إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيْءٍ حَسِيباً} أي يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ﴾ تَرْغِيبٌ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - في فَرْدٍ شائِعٍ مِنَ الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ إثْرَ ما رُغِّبَ فِيها عَلى الإطْلاقِ، وحُذِّرَ عَمّا يُقابِلُها مِنَ الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ، فَإنَّ تَحِيَّةَ الإسْلامِ مِنَ المُسْلِمِ شَفاعَةٌ مِنهُ لِأخِيهِ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهَذا أوْلى في الِارْتِباطِ مِمّا قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ: إنَّهُ لَمّا كانَ المُرادُ بِالسَّلامِ المُسالِمَةُ الَّتِي هي ضِدُّ الحَرْبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ القِتالِ عَقَّبَهُ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى الكَفِّ عَمَّنْ ألْقى إلى المُؤْمِنِينَ السَّلَمَ وحَيّاهم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ.

والتَّحِيَّةُ مَصْدَرُ حَيَّ، أصْلُها تَحْيِيَةٌ كَتَتْمِيَةٍ وتَزْكِيَةٍ، وأصْلُ الأصْلِ تَحْيِيَيٌ بِثَلاثٍ ياءاتٍ، فَحُذِفَتِ الأخِيرَةُ وعُوِّضَ عَنْها هاءُ التَّأْنِيثِ، ونُقِلَتْ حَرَكَةُ الياءِ الأُولى إلى ما قَبْلَها، ثُمَّ أُدْغِمَتْ، وهي في الأصْلِ - كَما قالَ الرّاغِبُ -: الدُّعاءُ بِالحَياةِ وطُولِها، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في كُلِّ دُعاءٍ، وكانَتِ العَرَبُ إذا لَقى بَعْضُهم بَعْضًا تَقُولُ: حَيّاكَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ اسْتَعْمَلَها الشَّرْعُ في السَّلامِ، وهو تَحِيَّةُ الإسْلامِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ وفِيهِ عَلى ما قالُوا: مَزِيَّةٌ عَلى قَوْلِهِمْ: حَيّاكَ اللَّهُ تَعالى؛ لِما أنَّهُ دُعاءٌ بِالسَّلامَةِ عَنِ الآفاتِ، ورُبَّما تَسْتَلْزِمُ طُولَ الحَياةِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ سِوى الدُّعاءِ بِطُولِ الحَياةِ، أوْ بِهِ وبِالمُلْكِ، ورَبَّ حَياةٍ المَوْتُ خَيْرٌ مِنها.

ألا مَوْتٌ يُباعُ فَأشْتَرِيهِ فَهَذا العَيْشُ ما لا خَيْرَ فِيهِ ألا رَحِمَ المُهَيْمِنُ نَفْسَ حُرٍّ ∗∗∗ تَصَدَّقَ بِالمَماتِ عَلى أخِيهِ وقالَ آخَرُ: لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيْتٍ ∗∗∗ إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ إنَّما المَيْتُ مَن يَعِيشُ كَئِيبًا ∗∗∗ كاسِفًا بالُهُ قَلِيلَ الرَّجاءِ ولِأنَّ السَّلامَ مِن أسْمائِهِ تَعالى، والبَداءَةُ بِذِكْرِهِ مِمّا لا رَيْبَ في فَضْلِهِ ومَزِيَّتِهِ، أيْ: إذا سُلِّمَ عَلَيْكم مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ كَما قالَ الحَسَنُ وعَطاءٌ، أوْ مُطْلَقًا كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في الأدَبِ، وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

﴿ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها ﴾ أيْ: بِتَحِيَّةٍ أحْسَنَ مِنَ التَّحِيَّةِ الَّتِي حُيِّيتُمْ بِها، بِأنْ تَقُولُوا: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى، إنِ اقْتَصَرَ المُسْلِمُ عَلى الأوَّلِ، وبِأنْ تَزِيدُوا (وبَرَكاتُهُ) إنْ جَمَعَهُما المُسْلِمُ وهي النِّهايَةُ.

فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَيْهِ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وبَرَكاتُهُ، فَقالَ عُرْوَةُ: ما تَرَكَ لَنا فَضْلًا، إنَّ السَّلامَ قَدِ انْتَهى إلى (وبَرَكاتُهُ)، وفي مَعْناهُ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ مَرْفُوعًا، وذَلِكَ لِانْتِظامِ تِلْكَ التَّحِيَّةِ لِجَمِيعِ فُنُونِ المَطالِبِ الَّتِي هي السَّلامَةُ عَنِ المَضارِّ، ونَيْلُ المَنافِعِ ودَوامُها ونَمائُها، وقِيلَ: يَزِيدُ المُحَيّا إذا جَمَعَ المُحَيِّي الثَّلاثَةَ لَهُ.

فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ، عَنْ سالِمٍ، مَوْلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ ابْنُ عُمَرَ إذا سَلَّمَ عَلَيْهِ فَرْدٌ زادَ، فَأتَيْتُهُ فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ أتَيْتُهُ مَرَّةً أُخْرى فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وبَرَكاتُهُ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وبَرَكاتُهُ وطِيبُ صَلَواتِهِ.

ولا يَتَعَيَّنُ ما ذُكِرَ لِلزِّيادَةِ، فَقَدْ ورَدَ خَبَرٌ رَواهُ أبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُعاذٍ زِيادَةُ: (ومَغْفِرَتُهُ) فَما في الدُّرِّ مِن أنَّ المُرادَ لا يَزِيدُ عَلى (وبَرَكاتُهُ) غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ.

﴿ أوْ رُدُّوها ﴾ أيْ: حَيُّوا بِمِثْلِها، و(أوْ) لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الزِّيادَةِ وتَرْكِها، والظّاهِرُ أنَّ الأوَّلَ هو الأفْضَلُ في الجَوابِ، بَلْ لَوْ زادَ المُسَلِّمُ عَلى (السَّلامُ عَلَيْكُمْ) كانَ أفْضَلَ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««مَن قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ، فَإنْ قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عِشْرِينَ حَسَنَةً، فَإنْ قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وبَرَكاتُهُ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ثَلاثِينَ حَسَنَةً»» ووَرَدَ في مَعْناهُ غَيْرُ ما خَبَرٍ.

وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ جَوابَ السَّلامِ المَسْنُونِ واجِبٌ، ووُجُوبُهُ عَلى الكِفايَةِ، ولا يُؤَثِّرُ فِيهِ إسْقاطُ المُسَلِّمِ لِأنَّ الحَقَّ لِلَّهِ تَعالى، ودَلِيلُ الوُجُوبِ الكِفائِيِّ خَبَرُ أبِي داوُدَ، وفي مَعْناهُ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، ولَمْ يُضَعِّفْهُ: «يُجْزِئُ عَنِ الجَماعَةِ إذا مَرُّوا أنْ يُسَلِّمَ أحَدُهُمْ، ويُجْزِئُ عَنِ الجُلُوسِ أنْ يَرُدَّ أحَدُهُمْ» فَبِهِ يُسْقِطُ الوُجُوبَ عَنِ الباقِينَ، ويَخْتَصُّ بِالثَّوابِ، فَلَوْ رَدُّوا كُلُّهم - ولَوْ مُرَتَّبًا - أُثِيبُوا ثَوابَ الواجِبِ، وفي المُبْتَغى: يَسْقُطُ عَنِ الباقِينَ بِرَدِّ صَبِيٍّ يَعْقِلُ؛ لِأنَّهُ مِن أهْلِ إقامَةِ الفَرْضِ في الجُمْلَةِ بِدَلِيلِ حِلِّ ذَبِيحَتِهِ، وقِيلَ: لا، وظاهِرُ النِّهايَةِ تَرْجِيحُهُ، وعَلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ، قالُوا: ولَوْ رَدَّ صَبِيٌّ أوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنهم لَمْ يَسْقُطْ بِخِلافِ نَظِيرِهِ في الجِنازَةِ؛ لِأنَّ القَصْدَ ثَمَّ الدُّعاءُ، وهو مِنهُ أقْرَبُ لِلْإجابَةِ، وهُنا الأمْنُ، وهو لَيْسَ مِن أهْلِهِ، وقَضِيَّتُهُ أنَّهُ يُجْزِئُ تَشْمِيتُ الصَّبِيِّ عَنْ جَمْعٍ؛ لِأنَّ القَصْدَ التَّبَرُّكُ والدُّعاءُ كَصَلاةِ الجِنازَةِ، ويَسْقُطُ بِرَدِّ العَجُوزِ.

وفِي رَدِّ الشّابَّةِ قَوْلانِ، عِنْدَنا وعِنْدَ الشّافِعِيَّةِ: لَوْ رَدَّتِ امْرَأةٌ عَنْ رَجُلٍ أجْزَأ إنْ شُرِعَ السَّلامُ عَلَيْها وعَلَيْهِ، فَلا يَخْتَصُّ بِالعَجُوزِ، بَلِ المُحْرِمُ، وأمَةُ الرَّجُلِ وزَوْجَتُهُ كَذَلِكَ، وفي تُحْفَتِهِمْ: ويَدْخُلُ في المَسْنُونِ سَلامُ امْرَأةٍ عَلى امْرَأةٍ أوْ نَحْوُ مُحْرِمٍ أوْ سَيِّدٍ أوْ زَوْجٍ، وكَذا عَلى أجْنَبِيٍّ وهي عَجُوزٌ لا تُشْتَهى، ويَلْزَمُها في هَذِهِ الصُّورَةِ رَدُّ سَلامِ الرَّجُلِ، أمّا مُشْتَهاةٌ لَيْسَ مَعَها امْرَأةٌ أُخْرى فَيَحْرُمُ عَلَيْها رَدُّ سَلامِ أجْنَبِيٍّ، ومِثْلُهُ ابْتِداؤُهُ، ويَكْرَهُ لَهُ رَدُّ سَلامِها ومِثْلُهُ ابْتِداؤُهُ أيْضًا، والفَرْقُ أنَّ رَدَّها وابْتِداءَها يُطَمِّعُهُ فِيها أكْثَرَ بِخِلافِ ابْتِدائِهِ ورَدِّهِ، والخُنْثى مَعَ رَجُلٍ كامْرَأةٍ ومَعَ امْرَأةٍ كَرَجُلٍ في النَّظَرِ فَكَذا هُنا، ولَوْ سُلِّمَ عَلى جَمْعِ نِسْوَةٍ وجَبَ رَدُّ إحْداهُنَّ، إذْ لا يُخْشى فِتْنَةٌ حِينَئِذٍ، ومِن ثَمَّ حَلَّتِ الخَلْوَةُ بِامْرَأتَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ هُنا كالرَّجُلِ ابْتِداءً ورَدًّا.

وفِي الدُّرِّ المُخْتارِ: لَوْ قالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا زَيْدُ لَمْ يَسْقُطْ بَرَدِّ غَيْرِهِ، ولَوْ قالَ: يا فُلانُ أوْ أشارَ لِمُعَيَّنٍ سَقَطَ، ولَوْ سَلَّمَ جَمْعٌ مُتَرَتِّبُونَ عَلى واحِدٍ فَرَدَّ مَرَّةً قاصِدًا جَمِيعَهُمْ، وكَذا لَوْ أطْلَقَ عَلى الأوْجُهِ أجْزَأهُ ما لَمْ يَحْصُلْ فَصْلٌ ضارٌّ، ولا بُدَّ في الِابْتِداءِ والرَّدِّ مِن رَفْعِ الصَّوْتِ بِقَدْرٍ ما يَحْصُلُ بِهِ السَّماعُ بِالفِعْلِ، ولَوْ في ثَقِيلِ السَّمْعِ، نَعَمْ، إنْ مَرَّ عَلَيْهِ سَرِيعًا بِحَيْثُ لَمْ يَبْلُغْهُ صَوْتُهُ فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ يَلْزَمُهُ الرَّفْعُ وُسْعَهُ، ولا يُجْهَرُ بِالرَّدِّ الجَهْرَ الكَثِيرَ، والمُرْوِيُّ عَنِ الإمامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - لَعَلَّهُ مُقَيَّدٌ بِغَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ دُونَ العَدْوِ خَلْفَهُ، واسْتُظْهِرَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن سَماعِ جَمِيعِ الصِّيغَةِ ابْتِداءً ورَدًّا، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إجابَةِ أذانٍ سُمِعَ بَعْضُهُ ظاهِرٌ، ولَوْ سَلَّمَ يَهُودِيٌّ أوْ نَصْرانِيٌّ أوْ مَجُوسِيٌّ فَلا بَأْسَ بِالرَّدِّ، ولَكِنْ لا يَزِيدُ في الجَوابِ عَلى قَوْلِهِ (وعَلَيْكَ) كَما في الخانِيَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا في الصَّحِيحِ، ولا يُسَلَّمُ ابْتِداءً عَلى كافِرٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ««لا تَبْدَءُوا اليَهُودَ والنَّصارى بِالسَّلامِ فَإذا لَقِيتُمْ أحَدَهم في طَرِيقٍ فاضْطَرُّوهُ إلى أضْيَقِهِ»» رَواهُ البُخارِيُّ.

وأوْجَبَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ رَدَّ سَلامِ الذِّمِّيِّ بِـ(عَلَيْكَ) فَقَطْ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الرَّوْضَةِ، لَكِنْ قالَ البَلْقِينِيُّ والأذْرَعِيُّ والزَّرْكَشِيُّ: إنَّهُ يُسَنُّ ولا يَجِبُ، وعَنِ الحَسَنِ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْكافِرِ: وعَلَيْكَ السَّلامُ، ولا يَقُلْ: ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى؛ فَإنَّها اسْتِغْفارٌ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ لِنَصْرانِيٍّ سَلَّمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ فِيهِ فَقالَ: ألَيْسَ في رَحْمَةِ اللَّهِ يَعِيشُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّ (حَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها) لِلْمُسْلِمِينَ، (أوْ رُدُّوها) لِأهْلِ الكِتابِ، ووَرَدَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ، ورَخَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ ابْتِداءَهم بِهِ إذا دَعَتْ إلَيْهِ داعِيَةٌ، ويُؤَدّى حِينَئِذٍ بِالسَّلامِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ كانَ يَقُولُ لِلذِّمِّيِّ - والظّاهِرُ عِنْدَ الحاجَةِ -: السَّلامُ عَلَيْكَ، ويُرِيدُ - كَما قالَ اللَّهُ تَعالى - عَلَيْكَ أيْ: هو عَدُوُّكَ.

ولا مانِعَ عِنْدِي إنْ لَمْ يُقْصَدْ ذَلِكَ مِن أنْ يُقْصَدَ الدُّعاءُ لَهُ بِالسَّلامَةِ، بِمَعْنى البَقاءِ حَيًّا؛ لِيُسْلِمَ أوْ يُعْطِيَ الجِزْيَةَ ذَلِيلًا، وفي الأشْباهِ النَّصُّ عَلى ذَلِكَ في الدُّعاءِ لَهُ بِطُولِ البَقاءِ.

بَقِيَ الخِلافُ في الإتْيانِ بِالواوِ عِنْدَ الرَّدِّ لَهُ، وعامَّةُ المُحَدِّثِينَ - كَما قالَ الخَطّابِيُّ - بِإثْباتِها في الخَبَرِ غَيْرَ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، فَإنَّهُ يَرْوِيهِ بِغَيْرِ واوٍ، واسْتُصْوِبَ لِأنَّ الواوَ تَقْتَضِي الِاشْتِراكَ مَعَهُ والدُّخُولَ فِيما قالَ، وهو قَدْ يَقُولُ: السّامُ عَلَيْكُمْ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

ووَجَّهَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ إثْباتَها بِأنَّ مَدْخُولَها قَدْ يُقْطَعُ عَمّا عُطِفَ عَلَيْهِ لِإفادَةِ العُمُومِ بِحَسَبِ اقْتِضاءِ المَقامِ، فَيُقَدَّرُ هُنا عَلَيْكُمُ اللَّعْنَةُ أوِ الغَضَبُ، وعَلَيْكم ما قُلْتُمْ، ولا يَخْفى خَفاءُ ذَلِكَ وإنْ أيَّدَهُ بِما ظَنَّهُ شَيْئًا، فالأوْلى ما في الكَشْفِ مِن أنَّ رِوايَةَ الجُمْهُورِ هو الصَّوابُ، وهُما مُشْتَرِكانِ في أنَّهُما عَلى سَبِيلِ الدُّعاءِ، ولَكِنْ يُسْتَجابُ دُعاءُ المُسْلِمِ عَلى الكافِرِ، ولا يُسْتَجابُ دُعاؤُهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ جاءَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ  «لَمّا قالَتْ عائِشَةُ في رَهْطِ اليَهُودِ القائِلِينَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: السّامُ عَلَيْكَ، بَلْ عَلَيْكُمُ السّامُ واللَّعْنَةُ، أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «لا تَكُونِي فاحِشَةً، قالَتْ: أوَلَمْ تَسْمَعْ ما قالُوا؟!

قالَ: رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجابُ لِي فِيهِمْ ولا يُسْتَجابُ لَهم فِيَّ»».

ويَجِبُ في الرَّدِّ عَلى الأصَمِّ الجَمْعُ بَيْنَ اللَّفْظِ والإشارَةِ لِيَعْلَمَ، بَلِ العِلْمُ هو المَدارُ، ولا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ إلّا إنْ جَمَعَ لَهُ المُسْلِمُ عَلَيْهِ بَيْنَهُما، وتَكْفِي إشارَةُ الأخْرَسِ ابْتِداءً ورَدًّا، ويَجِبُ رَدُّ جَوابِ كِتابِ التَّحِيَّةِ كَرَدِّ السَّلامِ.

وعِنْدَ الشّافِعِيَّةِ: يَكْفِي جَوابُهُ كِتابَةً ويَجِبُ فِيها - إنْ لَمْ يَرُدَّ لَفْظًا - الفَوْرُ فِيما يَظْهَرُ، ويُحْتَمَلُ خِلافُهُ، ولَوْ قالَ لِآخَرَ: أقْرِئْ فَلانًا السَّلامَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُبَلِّغَهُ، وعَلَّلُوهُ بِأنَّ ذَلِكَ أمانَةٌ ويَجِبَ أداؤُها، ويُؤْخَذُ مِنهُ أنَّ مَحَلَّهُ ما إذا رَضِيَ بِتَحَمُّلِ تِلْكَ الأمانَةِ، أمّا لَوْ رَدَّها فَلا، وكَذا إنْ سَكَتَ أخْذًا مِن قَوْلِهِمْ: لا يُنْسَبُ لِساكِتٍ قَوْلٌ.

ويُحْتَمَلُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أنْ تَظْهَرَ مِنهُ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى الرِّضا وعَدَمِهِ، وإذا قُلْنا بِالوُجُوبِ فالظّاهِرُ عِنْدَ بَعْضٍ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ قَصْدُ المُوصى لَهُ، بَلْ إذا اجْتَمَعَ بِهِ وذَكَرَ بَلَّغَهُ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الَّذِي يَتَّجِهُ أنَّهُ يَلْزَمُهُ قَصْدُ مَحَلِّهِ حَيْثُ لا مَشَقَّةَ شَدِيدَةٌ عُرْفًا عَلَيْهِ لِأنَّ أداءَ الأمانَةِ ما أمْكَنَ واجِبٌ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ أنْ يَقُولَ المُرْسِلُ: قُلْ لَهُ فُلانٌ يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكَ، وبَيْنَ ما لَوْ قالَ لَهُ: سَلِّمْ لِي، والظّاهِرُ عَدَمُ الفَرْقِ وِفاقًا لَما نُقِلَ عَنِ النَّوَوِيِّ، فَيَجِبُ فِيهِما الرَّدُّ، ويُسَنُّ الرَّدُّ عَلى المَبَلِّغِ والبُداءَةُ، فَيَقُولُ: وعَلَيْكَ وعَلَيْهِ السَّلامُ لِلْخَبَرِ المَشْهُورِ فِيهِ.

وأوْجَبُوا رَدَّ سَلامِ صَبِيٍّ، أوْ مَجْنُونٍ مُمَيِّزٍ، وكَذا سَكْرانٍ مُمَيِّزٍ، لَمْ يَعْصِ بِسُكْرِهِ، وقَوْلُ المَجْمُوعِ: لا يَجِبُ رَدُّ سَلامِ مَجْنُونٍ وسَكْرانٍ يُحْمَلُ عَلى غَيْرِ المُمَيِّزِ، وزَعَمَ أنَّ الجُنُونَ والسُّكْرَ يُنافِيانِ التَّمْيِيزَ غَفْلَةً عَمّا صَرَّحُوا بِهِ مِن عَدَمِ التَّنافِي، ولا يَجِبُ رَدُّ سَلامِ فاسِقٍ أوْ مُبْتَدِعٍ زَجْرًا لَهُ أوْ لِغَيْرِهِ، وإنْ شُرِعَ سَلامُهُ، وكَذا لا يَجِبُ رَدُّ سَلامِ السّائِلِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلتَّحِيَّةِ بَلْ لِأجْلِ أنْ يُعْطى، ولا رَدُّ سَلامِ المُتَحَلِّلِ مِنَ الصَّلاةِ إذا نَوى الحاضِرُ عِنْدَهُ عَلى الأوْجُهِ؛ لِأنَّ المُهِمَّ لَهُ التَّحَلُّلُ، وقُصِدَ الحاضِرُ بِهِ لِتَعُودَ عَلَيْهِ بَرَكَتُهُ، وذَلِكَ حاصِلٌ، وإنْ لَمْ يَرُدَّ، وإنَّما حَنِثَ بِهِ الحالِفُ عَلى تَرْكِ الكَلامِ والسَّلامِ؛ لِأنَّ المَدارَ فِيهِما عَلى صِدْقِ الِاسْمِ لا غَيْرُ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ عُلَماءُ الشّافِعِيَّةِ، ولَمْ أرَ لِأصْحابِنا سِوى التَّصْرِيحِ بِالحِنْثِ فِيمَن حَلَفَ لا يُكَلِّمُ زَيْدًا فَسَلَّمَ عَلى جَماعَةٍ هو فِيهِمْ، وأمّا التَّصْرِيحُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ فَلَمْ أرَهُ، وصَرَّحَ في الضِّياءِ بِعَدَمِ وُجُوبِ الرَّدِّ لَوْ قالَ المُسَلِّمُ: (السَّلامْ عَلَيْكُمْ) بِجَزْمِ المِيمِ، وكَأنَّهُ - عَلى ما في تُحْفَتِنا - لِمُخالَفَةِ السُّنَّةِ، وعَلَيْهِ لَوْ رَفَعَ المِيمَ بِلا تَنْوِينٍ ولا تَعْرِيفٍ كانَ كَجَزْمِ المِيمِ في عَدَمِ وُجُوبِ الرَّدِّ؛ لِمُخالَفَتِهِ السُّنَّةَ أيْضًا.

وجَزَمَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الشّافِعِيَّةِ أنَّ صِيغَةَ السَّلامِ ابْتِداءً وجَوابًا (عَلَيْكَ السَّلامُ) وعَكْسَهُ، وأنَّهُ يَجُوزُ تَنْكِيرُ لَفْظِهِ وإنْ حُذِفَ التَّنْوِينُ، وأنَّهُ يُجْزِئُ (سَلامًا عَلَيْكُمْ) وكَذا (سَلامُ اللَّهِ تَعالى) بَلْ وسَلامِي عَلَيْكَ وعَكْسُهُ، واسْتَظْهَرَ أجْزاءَ (سَلَّمْتُ عَلَيْكَ) و(أنا مُسَلِّمٌ عَلَيْكَ) ونَحْوُ ذَلِكَ، أخْذًا مِمّا ذَكَرُوهُ أنَّهُ يُجْزِئُ في التَّشَهُّدِ: صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلى مُحَمَّدٍ، والصَّلاةُ عَلى مُحَمَّدٍ  - ونَحْوُهُما، ولا بَأْسَ فِيما قالُوهُ عِنْدِي، ولَعَلَّ تَفْسِيرَ تَحِيَّةٍ في الآيَةِ لِتَشْمَلَ كُلَّ هَذِهِ الصِّيَغِ، وقالَ بَعْضُ الجَماعَةِ: السَّلامُ (مَعْرِفَةً) تَحِيَّةُ الأحْياءِ، و(نَكِرَةً) تَحِيَّةُ المَوْتى، ورَوَوْا في ذَلِكَ خَبَرًا، والشِّيعَةُ يُنْكِرُونَ مُطْلَقًا، ويُنْكِرُونَ.

وقَدْ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأنَسٍ، أنَّ السَّلامَ في السَّلامِ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا يَقْتَضِي أوْلَوِيَّةَ التَّعْرِيفِ أيْضًا، فافْهَمْ.

والأفْضَلُ في الرَّدِّ الواوُ قَبْلَهُ، ويُجْزِئُ بِدُونِهِ عَلى الصَّحِيحِ، ويَضُرُّ في الِابْتِداءِ كالِاقْتِصارِ في أحَدِهِما عَلى أحَدِ جُزْئَيِ الجُمْلَةِ، وإنْ نَوى إضْمارَ الآخَرِ، وفي الكَشْفَ ما يُؤَيِّدُهُ، والخَبَرُ الَّذِي فِيهِ الِاكْتِفاءُ بِـ(وعَلَيْكَ) في الجَوابِ لا يُرادُ مِنهُ الِاكْتِفاءُ عَلى هَذِهِ اللَّفْظَةِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أجابَ بِمِثْلِ ما سُلِّمَ بِهِ عَلَيْهِ، ولَمْ يَزِدْ، كَما يُشْعِرُ بِهِ آخِرُهُ.

وذَكَرَ الطَّحاوِيُّ أنَّ المُسْتَحَبَّ الرَّدُّ عَلى طَهارَةٍ أوْ تَيَمُّمٍ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي الجَهْمِ قالَ: ««أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ  مِنَ الغائِطِ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، حَتّى أقْبَلَ عَلى الحائِطِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ وجْهَهُ ويَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلى الرَّجُلِ السَّلامَ»،» والظّاهِرُ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ الرَّدِّ والِابْتِداءِ في ذَلِكَ، ويُسَنُّ السَّلامُ عَيْنًا لِلْواحِدِ، وكِفايَةً لِلْجَماعَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ابْتِداءً عِنْدَ إقْبالِهِ وانْصِرافِهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ الحَسَنِ: ««إنَّ أوْلى النّاسِ بِاللَّهِ تَعالى مَن بَدَأهم بِالسَّلامِ»» وفارِقُ الرَّدِّ بِأنَّ الإيحاشَ والإخافَةَ في تَرْكِ الرَّدِّ أعْظَمُ مِنهُما في تَرْكِ الِابْتِداءِ.

وأفْتى غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ الِابْتِداءَ أفْضَلُ، كَإبْراءِ المُعْسِرِ أفْضَلُ مِن إنْظارِهِ، ويُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِمُ: (ابْتِداءً) أنَّهُ لَوْ أتى بِهِ بَعْدَ تَكَلُّمٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، نَعَمْ، يُحْتَمَلُ في تَكَلُّمٍ سَهْوًا أوْ جَهْلًا، وعُذِرَ بِهِ أنَّهُ لا يَفُوتُ الِابْتِداءُ فَيَجِبُ جَوابُهُ، ومِثْلُ ذَلِكَ بَلْ أوْلى لِمَشْرُوعِيَّتِهِ الكَلامُ لِلِاسْتِئْذانِ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ إذا أتى دارَ إنْسانٍ يَجِبُ أنْ يَسْتَأْذِنَ قَبْلَ السَّلامِ، ويُسَنُّ إظْهارُ البِشْرِ عِنْدَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««إنَّ مِنَ الصَّدَقَةِ أنْ تُسَلِّمَ عَلى النّاسِ وأنْتَ مُنْطَلِقُ الوَجْهِ»،» وعَنْ عُمَرَ: «إذا التَقى المُؤْمِنانِ فَسَلَّمَ كُلٌّ واحِدٌ مِنهُما عَلى الآخَرِ وتَصافَحا كانَ أحَبُّهُما إلى اللَّهِ تَعالى أحْسَنَهُما بِشْرًا لِصاحِبِهِ».

ويُسَنُّ عَلَيْكم في الواحِدِ - وإنْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ بِالإفْرادِ - نَظَرًا لِمَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ، ويَقْصِدُهم لِيَرُدُّوا عَلَيْهِ فَيَنالُ بِرْكَةَ دُعائِهِمْ، ولَوْ دَخَلَ بَيْتًا ولَمْ يَرَ أحَدًا يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى الصّالِحِينَ، فَإنَّ السَّكَنَةَ تَرُدُّ عَلَيْهِ، وفي الآكامِ: إنَّ في كُلِّ بَيْتٍ سَكَنَةٌ مِنَ الجِنِّ، ويُسَنُّ عِنْدَ التَّلاقِي سَلامُ صَغِيرٍ عَلى كَبِيرٍ، وماشٍ عَلى واقِفٍ أوْ مُضْطَجِعٍ، وراكِبٍ عَلَيْهِمْ، وراكِبِ فَرَسٍ عَلى راكِبِ حِمارٍ، وقَلِيلِينَ عَلى كَثِيرِينَ؛ لِأنَّ نَحْوَ الماشِي يَخافُ مِن نَحْوِ الرّاكِبِ، ولِزِيادَةِ نَحْوِ مَرْتَبَةِ الكَبِيرِ عَلى نَحْوِ الصَّغِيرِ، وخَرَجَ بِالتَّلاقِي الجالِسُ والواقِفُ والمُضْطَجِعُ، فَكُلُّ مَن ورَدَ عَلى أحَدِهِمْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، ولَوْ سَلَّمَ كُلٌّ عَلى الآخَرِ فَإنْ تَرَتَّبا كانَ الثّانِي جَوابًا، أيْ: ما لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الِابْتِداءُ وحْدَهُ، كَما قِيلَ، وإلّا لَزِمَ كُلًّا الرَّدُّ، وكَرِهَ أصْحابُنا السَّلامَ في مَواضِعَ، وفي النَّهْرِ عَنْ صَدْرِ الدِّينِ الغُزِّيِّ: سَلامُكَ مَكْرُوهٌ عَلى مَن سَتَسْمَعُ ∗∗∗ ومِن بَعْدِ ما أُبْدِيَ يُسَنُّ ويُشْرَعُ مُصَلٍّ وتالٍ ذاكِرٌ ومُحَدِّثٌ ∗∗∗ خَطِيبٌ ومَن يُصْغِي إلَيْهِمْ ويَسْمَعُ مُكَرِّرُ فِقْهٍ جالِسٌ لِقَضائِهِ ∗∗∗ ومَن بَحَثُوا في الفِقْهِ دَعْهم لِيَنْفَعُوا مُؤَذِّنٌ أيْضًا مَعَ مُقِيمٍ مُدَرِّسٌ ∗∗∗ كَذا الأجْنَبِيّاتُ الفَتَياتُ أمْنَعُ ولُعّابُ شَطْرَنْجٍ وشُبَّهٌ بِخَلْقِهِمْ ∗∗∗ ومَن هو مَعَ أهْلٍ لَهُ يَتَمَتَّعُ ودَعْ كافِرًا أيْضًا ومَكْشُوفَ عَوْرَةٍ ∗∗∗ ومَن هو في حالِ التَّغَوُّطِ أشْنَعُ ودَعْ آكِلًا إلّا إذا كُنْتَ جائِعًا ∗∗∗ وتَعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ لَيْسَ يَمْنَعُ كَذَلِكَ أُسْتاذٌ مُغَنٍّ مُطَيِّرٌ ∗∗∗ فَهَذا خِتامٌ والزِّيادَةُ تَنْفَعُ فَلَوْ سُلِّمَ عَلى هَؤُلاءِ لا يَسْتَحِقُّ الرَّدَّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وأوْجَبَ بَعْضٌ الرَّدِّ في بَعْضِها، وذَكَرَ الشّافِعِيَّةُ أنَّ مُسْتَمِعَ الخَطِيبِ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ، وعِنْدَنا يَحْرُمُ كَسائِرِ الكَلامِ بِلا فَرْقٍ بَيْنَ قَرِيبٍ وبَعِيدٍ عَلى الأصَحِّ، وكَرِهُوهُ لَقاضِي الحاجَةِ ونَحْوِهِ كالمُجامِعِ، وسَنُّوهُ لِلْآكِلِ كَسَنِّ السَّلامِ عَلَيْهِ بَعْدَ البَلْعِ وقَبْلَ وضْعِ اللُّقْمَةِ بِالفَمِ، ويَلْزَمُهُ الرَّدُّ حِينَئِذٍ ولِمَن بِالحَمّامِ ونَحْوِهِما بِاللَّفْظِ.

ورَجَّحُوا أنَّهُ يُسَلَّمُ عَلى مَن بِمَسْلَخِهِ، ولا يَمْنَعُ كَوْنُهُ مَأْوى الشَّياطِينِ، فالسُّوقُ كَذَلِكَ والسَّلامُ عَلى مَن فِيهِ مَشْرُوعٌ، وإنِ اشْتَغَلَ بِمُساوَمَةٍ، ومُعامَلَةٍ، ومُصَلٍّ، ومُؤَذِّنٍ بِالإشارَةِ، وإلّا فَبَعْدَ الفَراغِ إنْ قَرُبَ الفَصْلُ، وحَرَّمُوا الرَّدَّ عَلى مَن سَلَّمَ عَلَيْهِ نَحْوُ مُرْتَدٍّ وحَرْبِيٍّ، ونَدَبَهُ بَعْضُهم عَلى القارِئِ وإنِ اشْتَغَلَ بِالتَّدَبُّرِ، وأوْجَبَ الرَّدَّ عَلَيْهِ، ومَحَلُّهُ في مُتَدَبِّرٍ لَمْ يَسْتَغْرِقِ التَّدَبُّرُ قَلْبَهُ وإلّا لَمْ يُسَنُّ ابْتِداءً ولا جَوابًا كالدّاعِي المُسْتَغْرِقِ؛ لِأنَّهُ الآنَ بِمَنزِلَةِ غَيْرِ المُمَيِّزِ، بَلْ يَنْبَغِي فِيمَنِ اسْتَغْرَقَهُ الهَمُّ كَذَلِكَ أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ ذَلِكَ، وصَرَّحُوا أيْضًا بِعَدَمِ السَّلامِ عَلى فاسِقٍ، بَلْ يُسَنُّ تَرْكُهُ عَلى مُجاهِرٍ بِفِسْقِهِ، ومُرْتَكِبِ ذَنْبٍ عَظِيمٍ لَمْ يَتُبْ عَنْهُ، ومُبْتَدَعٍ، إلّا لِعُذْرٍ أوْ خَوْفِ مَفْسَدَةٍ، وعَلى مُلَبٍّ، وساجِدٍ، وناعِسٍ، ومُتَخاصِمِينَ بَيْنَ يَدَيْ قاضٍ.

وأفْتى بَعْضُهم بِكَراهَةِ حَنْيِ الظَّهْرِ، وقالَ كَثِيرُونَ: حَرامٌ لِلْحَدِيثِ الحَسَنِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَهى عَنْهُ، وعَنِ التِزامِ الغَيْرِ وتَقْبِيلِهِ، وأمَرَ بِمُصافَحَتِهِ ما لَمْ يَكُنْ ذِمِّيًّا، وإلّا فَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ مُصافَحَتَهُ، بَلْ يَكْفُرُ إنْ قَصَدَ التَّبْجِيلَ، كَما يَكْفُرُ بِالسَّلامِ عَلَيْهِ كَذَلِكَ.

وأفْتى البَعْضُ أيْضًا بِكَراهَةِ الِانْحِناءِ بِالرَّأْسِ، وتَقْبِيلِ نَحْوِ الرَّأْسِ أوْ يَدٍ أوْ رِجْلٍ، لاسِيَّما لِنَحْوِ غَنِيٍّ؛ لِحَدِيثِ««مَن تَواضَعَ لِغَنِيٍّ ذَهَبَ ثُلُثا دِينِهِ»» ونُدِبَ ذَلِكَ لِنَحْوِ صَلاحٍ، أوْ عِلْمٍ، أوْ شَرَفٍ؛ لِأنَّ أبا عُبَيْدَةَ قَبَّلَ يَدَ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

ولا يُعَدُّ نَحْوُ (صَبَّحَكَ اللَّهُ تَعالى بِالخَيْرِ) أوْ (قَوّاكَ اللَّهُ تَعالى) تَحِيَّةً، ولا يَسْتَحِقُّ مُبْتَدَأٌ بِهِ جَوابًا، والدُّعاءُ لَهُ بِنَظِيرِهِ حَسَنٌ إلّا أنْ يُقْصَدَ بِإهْمالِهِ لَهُ تَأْدِيبَهُ لِتَرْكِهِ سُنَّةَ السَّلامِ، ونَحْوُ مَرْحَبًا مِثْلُ ذَلِكَ في ذَلِكَ.

وذُكِرَ أنَّهُ لَوْ قالَ المُسَلِّمُ: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وبَرَكاتُهُ، فَقالَ الرّادُّ: عَلَيْكَ السَّلامُ فَقَطْ أجْزَأهُ، لَكِنَّهُ خِلافُ الأوْلى، وظاهِرُ الآيَةِ خِلافُهُ، إذِ الإمْرُ فِيها دائِرٌ بَيْنَ الجَوابِ بِالأحْسَنِ والجَوابِ بِالمِثْلِ، ولَيْسَ ما ذُكِرَ شَيْئًا مِنهُما.

وحَمْلُ التَّحِيَّةِ عَلى السَّلامِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ مِنَ المُحَقِّقِينَ وأئِمَّةِ الدِّينِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الهَدِيَّةُ والعَطِيَّةُ، وأوْجَبَ القائِلُ العِوَضَ أوِ الرَّدَّ عَلى المُتَّهِبِ، وهو قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشّافِعِيِّ، ونُسِبَ أيْضًا لِإمامِنا الأعْظَمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وعَلَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم بِأنَّ السَّلامَ قَدْ وقَعَ فَلا يُرَدُّ بِعَيْنِهِ، فَلِذا حُمِلَ عَلى الهَدِيَّةِ، وقَدْ جاءَ إطْلاقُها عَلَيْها، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَجازٌ كَقَوْلِ المُتَنَبِّي: قِفِي تُغْرَمِ الأُولى مِنَ اللَّحْظِ مُقْلَتِي ∗∗∗ بِثانِيَةٍ والمُتْلِفُ الشَّيْءَ غارِمُهْ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أتَرَوْنَ هَذا في السَّلامِ وحْدَهُ؟!

هَذا في كُلِّ شَيْءٍ، مَن أحْسَنَ إلَيْكَ فَأحْسِنْ إلَيْهِ وكافِهِ، فَإنْ لَمْ تَجِدْ فادْعُ لَهُ، واثْنِ عَلَيْهِ عِنْدَ إخْوانِهِ، ولَعَلَّ مُرادَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - قِياسُ غَيْرِ السَّلامِ مِن أنْواعِ الإحْسانِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ التَّحِيَّةِ ما يَعُمُّ السَّلامَ وغَيْرَهُ لِخَفاءِ ذَلِكَ، ولَعَلَّ مَن أرادَ الأعَمَّ فَسَّرَها بِما يُسْدى إلى الشَّخْصِ مِمّا تَطِيبُ بِهِ حَياتُهُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ فَيُحاسِبُكم عَلى كُلٍّ شَيْءٍ مِن أعْمالِكُمْ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّحِيَّةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

هَذا ومِن بابٍ الإشارَةِ في هَذِهِ الآياتِ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ ﴾ أنْفُسَهم ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فَيُهْلِكُونَها بِسُيُوفِ المُجاهِدَةِ لِيَصِلُوا إلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ ﴾ عُقُولَهم ويُنازِعُونَها ﴿ فِي سَبِيلِ ﴾ طاغُوتِ أنَفُسِهِمْ لِيُحَصِّلُوا اللَّذّاتِ ويَغْنَمُوا في هَذِهِ الدّارِ الفانِيَةِ أمْتِعَةَ الشَّهَواتِ ﴿ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ ﴾ وهي القُوى النَّفْسانِيَّةَ أوِ النَّفْسَ وقُواها ﴿ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا ﴾ فَوَلِيُّهُ ضَعِيفٌ، عاذَ بِقَرْمَلَةٍ.

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ ﴾ أيْ: قالَ لَهُمُ المُرْصِدُونَ ﴿ كُفُّوا أيْدِيَكُمْ ﴾ عَنْ خارِبَةِ الأنْفُسِ الآنَ قَبْلَ أداءِ رُسُومِ العِباداتِ ﴿ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ والمُرادُ بِها إتْعابُ البَدَنِ بِأداءِ العِبادَةِ البَدَنِيَّةِ ﴿ وآتُوا الزَّكاةَ ﴾ والمُرادُ بِها إتْعابُ القَلْبِ بِأداءِ العِبادَةِ المالِيَّةِ، فَإذا تَمَّ لَكم ذَلِكَ فَتَوَجَّهُوا إلى مُحارَبَةِ النَّفْسِ، فَإنَّ مُحارَبَتَها قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ سِلاحٍ، فَإنَّ هَذِهِ العِباداتِ الرَّسْمِيَّةَ سِلاحُ السّالِكِينَ، فَلا يَتِمُّ لِأحَدٍ تَهْذِيبُ الباطِنِ قَبْلَ إصْلاحِ الظّاهِرِ ﴿ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ ﴾ حِينَ أداءِ ما أُمِرُوا بِأدائِهِ ﴿ إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ ﴾ لِضَعْفِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً ﴾ فَلا يَسْتَطِيعُونَ هَجْرَهُمْ، ولا ارْتِكابَ ما فِيهِ ذُلُّ نُفُوسِهِمْ خَشْيَةَ اعْتِراضِهِمْ عَلَيْهِمْ أوْ إعْراضِهِمْ عَنْهم ﴿ وقالُوا ﴾ بِلِسانِ الحالِ ﴿ رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ ﴾ الآنَ ﴿ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ وهو المَوْتُ الِاضْطِرارِيُّ، فالمَنِيَّةُ ولا الدَّنِيَّةُ، وها حالُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِكِينَ يَرْغَبُونَ عَنِ السُّلُوكِ وتَحَمُّلِ مَشاقِّهِ مِمّا فِيهِ إذْلالُ نُفُوسِهِمْ وامْتِهانِها خَوْفًا مِنَ المَلامَةِ واعْتِراضِ النّاسِ عَلَيْهِمْ، فَيَبْقَوْنَ في حِجابِ أعْمالِهِمْ، ويَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا ولَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴿ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ﴾ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُلاحِظُوا النّاسَ في تَرْكِهِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْهِ ﴿ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ﴾ فَيَنْبَغِي أنْ يَتَحَمَّلُوا المَلامَةَ في تَحْصِيلِها ﴿ ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ مِمّا كُتِبَ لَكُمْ، فَيَنْبَغِي عَدَمُ خَشْيَةِ سِوى اللَّهِ تَعالى.

﴿ أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ﴾ وتُفارِقُونَ ولا بُدَّ مَن تَخْشَوْنَ فِراقَهُ، إنْ سَلَكْتُمْ فَفارِقُوهم بِالسُّلُوكِ وهو المَوْتُ الِاخْتِيارِيُّ قَبْلَ أنْ تُفارِقُوهم بِالهَلاكِ وهو المَوْتُ الِاضْطِرارِيُّ ﴿ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ أيْ: أجْسادٍ قَوِيَّةٍ: فَمَن يَكُ ذا عَظْمٍ صَلِيبٍ رَجا بِهِ ∗∗∗ لِيَكْسِرَ عُودَ الدَّهْرِ فالدَّهْرُ كاسِرُهُ ﴿ وإنْ تُصِبْهُمْ ﴾ أيِ: المَحْجُوبِينَ ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ أيْ: شَيْءٍ يُلائِمُ طِباعَهم ﴿ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ فَيُضِيفُونَها إلى اللَّهِ تَعالى مِن فَرَحِ النَّفْسِ ولَذَّةِ الشَّهْوَةِ لاتُّبِعَتِ المَعْرِفَةُ والمَحَبَّةُ ﴿ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ ﴾ أيْ: شَيْءٌ تَنْفِرُ عَنْهُ طِباعُهُمْ، وإنْ كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ ﴿ يَقُولُوا ﴾ لِضِيقِ أنْفُسِهِمْ ﴿ هَذِهِ مِن عِنْدِكَ ﴾ فَيُضِيفُونَها إلى غَيْرِهِ تَعالى، ويَرْجِعُونَ إلى الأسْبابِ لِعَدَمِ رُسُوخِ الإيمانِ الحَقِيقِيِّ في قُلُوبِهِمْ ﴿ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ وهَذا دُعاءٌ لَهم إلى تَوْحِيدِ الأفْعالِ، ونَفْيِ التَّأْثِيرِ عَنِ الأغْيارِ، والإقْرارُ بِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ خالِقُ الخَيْرِ والشَّرِّ ﴿ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ ﴾ المَحْجُوبِينَ ﴿ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴾ لِاحْتِجاجِهِمْ بِصِفاتِ النُّفُوسِ، وارْتِياجِ آذانِ قُلُوبِهِمُ الَّتِي هي أوْعِيَةُ السَّماعِ والوَعْيِ، ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في البَيانِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ ﴾ صَغُرَتْ أوْ عَظُمَتْ ﴿ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ تَعالى أفاضَها حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ الأصْلِيِّ ﴿ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ ﴾ حَقُرَتْ أوْ جَلَّتْ ﴿ فَمِن نَفْسِكَ ﴾ أيْ: مِن قِبَلِها بِسَبَبِ الِاسْتِعْدادِ الحادِثِ بِسَبَبِ ظُهُورِ النَّفْسِ بِالصِّفاتِ والأفْعالِ الحاجِبَةِ لِلْقَلْبِ، المُكَدِّرَةِ لِجَوْهَرِهِ، حَتّى احْتاجَ إلى الصَّقْلِ بِالرَّزايا والمَصائِبِ والبَلايا والنَّوائِبِ، لا مِن قِبَلِ الرَّسُولِ  أوْ غَيْرِهِ ﴿ وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا ﴾ فَأنْتَ الرَّحْمَةُ لَهُمْ، فَلا يَكُونُ مِن عِنْدِكَ شَرٌّ عَلَيْهِمْ ﴿ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ عَلى ذَلِكَ ﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ)؛ ﴾ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِرْآةُ الحَقِّ، يَتَجَلّى مِنهُ لِلْخَلْقِ، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ باطِنَ الآيَةِ إشارَةٌ إلى عَيْنِ الجَمْعِ ﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ﴾ لِيُرْشِدَهم إلى أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ إطاعَتَكَ إطاعَتُهُ سُبْحانَهُ، حَيْثُ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الفَرْقِ والجَمْعِ، وقِيلَ: ألا يَتَدَبَّرُونَهُ فَيَتَّعِظُونَ بِكَرِيمِ مَواعِظِهِ ويَتْبَعُونَ مَحاسِنَ أوامِرِهِ، أوْ أفَلا يَتَدَبَّرُونَهُ لِيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ جَلَّ شَأْنُهُ تَجَلّى لَهم فِيهِ.

﴿ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾ أيْ: لَوَجَدُوا الكَثِيرَ مِنهُ مُخْتَلِفًا بَلاغَةً وعَدَمَها، فَيَكُونُ مِثْلَ كَلامِ المَخْلُوقِينَ، فَيَكُونُ لَهم مَساغٌ إلى تَكْذِيبِهِ وعَدَمِ قَبُولِ شَهادَتِهِ، أوِ القَوْلِ بِأنَّهُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَجْلًى لِلَّهِ تَعالى ﴿ وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ﴾ إخْبارٌ عَمَّنْ في مُبادِي السُّلُوكِ، أيْ: إذا ورَدَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن آثارِ الجَمالِ أوِ الجَلالِ أفْشَوْهُ وأشاعُوهُ ﴿ ولَوْ رَدُّوهُ ﴾ أيْ: عَرَضُوهُ ﴿ إلى الرَّسُولِ ﴾ إلى ما عُلِمَ مِن أحْوالِهِ وما كانَ عَلَيْهِ ﴿ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ ﴾ وهُمُ المُرْشِدُونَ الكامِلُونَ، الَّذِينَ نالُوا مَقامَ الوِراثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ ﴿ لَعَلِمَهُ ﴾ أيْ: لَعَلِمَ مَآلَهُ، وأنَّهُ مِمّا يُذاعُ أوْ أنَّهُ لا يُذاعُ ﴿ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ ويَتَلَقَّوْنَهُ مِنهم أيْ: مِن جِهَتِهِمْ وواسِطَةِ فُيُوضاتِهِمْ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ الرّادُّونَ أنْفُسُهُمْ، وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُرِيدِ إذا عَرَضَ لَهُ في أثْناءِ سَيْرِهِ وسُلُوكِهِ شَيْءٌ مِن آثارِ الجَمالِ أوِ الجَلالِ أنْ يُفْشِيَهُ لَأحَدٍ قَبْلَ أنْ يَعْرِضَهُ عَلى شَيْخِهِ، فَيُوقِفُهُ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، فَإنَّ في إفْشائِهِ قَبْلَ ذَلِكَ ضَرَرًا كَثِيرًا.

﴿ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ أيُّها النّاسُ بِالواسِطَةِ العُظْمى رَسُولِ اللَّهِ  - ﴿ ورَحْمَتُهُ ﴾ بِالمُرْشِدِينَ الوارِثِينَ ﴿ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ ﴾ والنَّفْسَ أعْظَمَ جُنُودِهِ إنْ لَمْ تَكُنْهُ ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ وهُمُ السّالِكُونَ بِواسِطَةِ نُورٍ إلَهِيٍّ أُفِيضَ عَلَيْهِمْ فاسْتَغْنَوْا بِهِ كَبَعْضِ أهْلِ الفَتْرَةِ، قِيلَ: وهم عَلى قَدَمِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ ﴾ أيْ: قاتِلْ مَن يُخالِفُكَ وحْدَكَ ﴿ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ ﴾ عَلى أنْ يُقاتِلُوا مَن يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ ﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ: سَتَرُوا أوْصافَ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿ واللَّهُ أشَدُّ ﴾ مِنهم بَأْسًا أيْ: نِكايَةً ﴿ وأشَدُّ ﴾ مِنهم ﴿ تَنْكِيلا ﴾ أيْ: تَعْذِيبًا.

﴿ مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً ﴾ أيْ: مَن يُرافِقْ نَفْسَهُ عَلى الطّاعاتِ ﴿ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ﴾ أيْ: حَظٌّ وافِرٌ مِن ثَوابِها ﴿ ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً ﴾ أيْ: مَن يُرافِقْ نَفْسَهُ عَلى مَعْصِيَةٍ ﴿ يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها ﴾ أيْ: مِثْلٌ مُساوٍ مِن عِقابِها ﴿ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ فَيُوصِلُ الثَّوابَ والعِقابَ إلى مُسْتَحِقَّيْهِما ﴿ وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها ﴾ تَعْلِيمٌ لِنَوْعٍ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ ومَحاسِنِ الأعْمالِ، وقِيلَ: المَعْنى: إذا مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم بِعَطِيَّةٍ فابْذُلُوا الأحْسَنَ مِن عَطاياهُ، أوْ تَصَدَّقُوا بِما أعْطاكُمْ، ورُدُّوهُ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى يَدِ المُسْتَحِقِّينَ، واللَّهُ تَعالى خَيْرُ المُوَفِّقِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها قال الضحاك: يعني مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً في الإسلام، فله أجرها وأجر من عمل بها، من غير أن ينقص من أجورهم شيء.

وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها أي من سنّ في الإسلام سنة قبيحة محدثة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.

وقال الكلبي: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يعني: يصلح بين اثنين يكن له أجر منها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يمشي بالنميمة والغيبة، يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها يعني إثم منها.

وقال مجاهد: إنما هي شفاعة في الناس بعضهم لبعض، يعني يشفع لأخيه المسلم في دفع المظلمة عنه.

وروى سفيان عن عمرو بن دينار أن النبيّ  قال: «اشْفَعُوا إِلَيَّ تُؤْجَرُوا فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ يَسْأَلُنِي الأمْرَ فَأَمْنَعُهُ كَيْ مَا تَشْفَعُوا فَتُؤْجَرُوا» .

وقال الحسن: الشفاعة تجري أجرها لصاحبها ما جرت منفعتها، والكفل في اللغة النصيب.

كقوله تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: 28] ثم قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً والمقيت المقتدر.

يقال: أقات على الشيء يعني اقتدر.

ويقال: المقيت الشاهد على الشيء، الحافظ له، ويقال: مقيتاً يعني: بيده الرزق وعليه قوت كل دابة، كقوله تعالى وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [فصلت: 10] .

قوله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ يعني إذا سلم عليكم فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أي ردوا جوابها بأحسن منها أَوْ رُدُّوها أي مثلها، فأمر الله تعالى المسلمين برد السلام، بأن يردوا بأحسن منها، وهو أن يقولوا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أو يرد مثله، فيقول: وعليكم السلام، وقال قتادة: فحيوا بأحسن منها للمسلمين، أو ردوها لأهل الذمة، فيقول لهم: وعليكم، وروي عن رسول الله  : أن رجلاً دخل عليه، وقال: السلام عليكم، فقال له: «وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» .

ودخل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه فقال: «لَكَ عِشْرُونَ حَسَنَةً» .

ودخل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه فقال: «لَكَ ثَلاثُونَ حَسَنَةً» .

وروي عنه أنه نهى أن ينقص الرجل من سلامه أو من ردّه، وهو أن يقول: السلام عليك، ولكن ليقل: السلام عليكم.

ويقال: إنما ذلك للمؤمنين، لأن المؤمن لا يكون وحده ولكن يكون معه الملائكة.

وفي هذه الآية دليل أن السلام سنة، والرد واجب لأن الله تعالى أمر بالرد، والأمر من الله تعالى واجب ويقال: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها يعني إذا أهدي إليكم بهدية، فكافئوا بأفضل منها أو مثلها.

وهذا التأويل ذكر عن أبي حنيفة.

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً أي مجازياً.

قوله تعالى: اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ نزلت في شأن الذين شكوا في البعث، فأقسم الله تعالى بنفسه لَيَجْمَعَنَّكُمْ وهذه لام القسم، وكل لام بعدها نون مشددة فهي لام القسم.

وقوله: إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ قال بعضهم: إلى صلة في الكلام، معناه ليجمعنكم يوم القيامة.

ويقال: ليجمعنكم في الموت وفي قبوركم إلى يوم القيامة، ثم يبعثكم لاَ رَيْبَ فِيهِ أي لا شك فيه، وهو البعث.

يعني: لا شك فيه عند المؤمنين، ويقال: يعني لا ينبغي أن يشك فِيهِ.

ثم قال تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً أي من أوفى من الله قولاً وعهداً.

قرأ حمزة والكسائي: (وَمِنْ أزدق) بالزاي.

وقرأ الباقون: أَصْدَقُ وأصله الصاد، إلا أنه لقرب مخرجيهما يجعل مكانه زاي.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قوله: لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا لأنَّه لا وَجْهَ له فإنَّه لولا فَضْلُ اللَّهِ ورحْمَتُهُ، لاتبعوا الشيْطَانَ كلُّهم.

انتهى، وهو حَسَنٌ، وأما قوله: «لا وَجْهَ له» ، ففيه نظَرٌ، فقد وجَّهه العلماءُ بما لا نُطِيلُ بذكْره.

وقوله تعالى: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...

الآية: هذا أمر في ظاهر اللّفظ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَحْده، لكن لم نَجِدْ قَطُّ في خَبَرٍ، أنّ القتال فرض على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، دون الأُمَّة مُدَّةً مَّا، والمعنى، واللَّه أعلَمُ أنه خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم في اللفظِ، وهو مثالُ مَا يُقَالُ لكلِّ واحدٍ في خاصَّة نَفْسه، أي: أنْتَ، يا محمَّد، وكلُّ واحدٍ من أمَّتك القولُ لَهُ: فقاتِلْ في سبيلِ اللَّه، لا تُكَلَّف إلاَّ نَفْسَكَ، ولهذا ينبغي لكلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يستَشْعِرَ أنْ يُجَاهِدَ، ولو وحْدَه ومِنْ ذلك قولُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «وَاللَّهِ، لأُقَاتِلَنَّكُمْ حتى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي «١» » «٢» ، وقولُ أبِي بَكْرٍ (رضي اللَّه عنه) وَقْتَ الرِّدَّةِ: «وَلَوْ خَالَفَتْنِي يَمِينِي، لَجَاهَدتُّهَا بِشِمَالِي» ، وعسى إذا وردَتْ من اللَّه تعالى، فقال عكرمة وغيره: هي واجِبَةٌ بفَضْلِ اللَّه ووَعْده الجميلِ «٣» ، قلْتُ: أيْ: واقعٌ مَّا وعَدَ به سبحانه، والتنكيلُ: الأخْذُ بأنواع العذاب.

وقوله سبحانه: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً ...

الآية: قال مجاهدٌ وغيره: هي في شَفَاعَاتِ النَّاس بينهم في حوائجهم، فَمَنْ يشفعْ لينفَع، فلَهُ نصيبٌ، ومَنْ يشفعْ ليضُرَّ، فله «٤» كِفْلٌ، والكِفْلُ: النَّصيبُ، ويستعمل في الخَيْرِ وفي الشَّرِّ، وفي كتاب اللَّه تعالى:

يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: ٢٨] ، وروى أبو داود، عن أبي أُمَامَةَ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم

أنَّهُ قَالَ: «مَنْ شَفَعَ لأحَدٍ شَفَاعَةً، فأهدى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أتى بَاباً عظيما من أبواب الرّبا» «١» .

انتهى.

ومُقِيتاً: معناه: قديراً ومنه قولُ الزُّبَيْر بْنِ عبدِ المُطَّلِبِ: [الوافر]

وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْه ...

وَكُنْتُ على إسَاءَتِهِ مُقِيتَا «٢»

أيْ: قديراً.

وقيل: مُقِيتاً: معناه شهيداً، وقيل: حفيظاً.

وذهب مقاتلٌ إلى أنه الذي يَقُوتُ كلَّ حيوان، قال الداوديّ: قال الكلبيُّ المَقِيتُ هو المُقْدِرُ بلُغَة قُرَيْشٍ.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ...

الآية: قالتْ فرقةٌ: معنى الآية: تخييرُ الرَّادِّ فإذا قال البادئ: «السَّلاَمُ عَلَيْكَ» ، فللرادِّ أنْ يقولَ: «وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ» فقطْ، وهذا هو الرَّدُّ، وله أنْ يقولَ: «وعَلَيْكَ السَّلاَمُ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ» ، وهذا هو التحيَّة بأحْسَنَ، ورُوِيَ عن ابن عُمَرَ وغيره انتهاء السَّلام إلى البَرَكة، وقالَتْ فرقةٌ: المعنى: إذا حُيِّيتم بتحيةٍ، فإن نَقَص المسلِّمُ مِنَ النهاية، فحَيُّوا بأحْسَنَ منها، وإن انتهى، فردُّوها، كذلك قال عطاءٌ، والآيةُ في المؤمنين خاصَّةً، ومَنْ سَلَّم من غيرهم، فيقالُ لَهُ: «عَلَيْكَ» كما»

في الحديث «٤» ، وفي

أبي داود، والترمذيّ، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأَ بالسَّلاَمِ» «١» .

انتهى.

وأكثرُ أهل العلْمِ على أنَّ الابتداءَ بالسَّلاَمِ سُنَّةٌ مؤكَّدة، وَرَدُّه «٢» فريضةٌ لأنه حقٌّ من الحقوقِ قاله الحسن وغيره، قال «٣» النوويُّ: وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ فِي اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَسْتَقْبِلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيُصَافِحُهُ، فَيُصَلِّيَانِ على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلاَّ لَمْ يَتَفَرَّقَا حتى تُغْفَرَ ذُنُوبُهُمَا، مَا تقدّم منها وما تأخّر» «٤» ، وروّينا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ﴾ في التَّحِيَّةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: الدُّعاءُ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، والماوَرْدِيُّ.

فَأمّا "أحْسَنُ مِنها" فَهو الزِّيادَةُ عَلَيْها، ورَدُّها: قَوْلُ مِثْلِها.

قالَ الحَسَنُ: إذا قالَ أخُوكَ المُسْلِمُ: السَّلامُ عَلَيْكم، فَرَدَّ السَّلامَ، وزِدْ: ورَحْمَةُ اللَّهِ، أوْ رَدَّ ما قالَ ولا تَزِدْ.

وقالَ الضَّحّاكُ: إذا قالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ، قُلْتَ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ.

وإذا قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ، قُلْتَ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، وهَذا مُنْتَهى السَّلامِ.

وقالَ قَتادَةُ: بِأحْسَنَ مِنها لِلْمُسْلِمِ، أوْ رَدُّوها عَلى أهْلِ الكِتابِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللهِ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلا ﴾ ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ ﴿ وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أو رُدُّوها إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ هَذا أمْرٌ في ظاهِرِ اللَفْظِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وحْدَهُ، لَكِنْ لَمْ نَجِدْ قَطُّ في خَبَرٍ أنَّ القِتالَ فُرِضَ عَلى النَبِيِّ  دُونَ الأُمَّةِ مُدَّةً ما، المَعْنى -واللهُ أعْلَمُ- أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في اللَفْظِ، وهو مِثالُ ما يُقالُ لِكُلِّ واحِدٍ في خاصَّةِ نَفْسِهِ، أيْ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ وكُلُّ واحِدٍ مِن أُمَّتِكَ القَوْلُ لَهُ: ﴿ فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ ﴾ ، ولِهَذا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَسْتَشْعِرَ أنْ يُجاهِدَ ولَوْ وحْدَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "واللهِ لَأُقاتِلَنَّهم حَتّى تَنْفَرِدَ سالِفَتِي"» وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقْتَ الرِدَّةِ: "وَلَوْ خالَفَتْنِي يَمِينِي لَجاهَدْتُها بِشِمالِي".

وخَلَطَ قَوْمٌ في تَعَلُّقِ الفاءِ مِن قَوْلِهِ: "فَقاتِلْ" بِما فِيهِ بُعْدٌ، والوَجْهُ أنَّها عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ، وهي دالَّةٌ عَلى اطِّراحِ غَيْرِ ما أُمِرَ بِهِ، ثُمَّ خَصَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالأمْرِ بِالتَحْرِيضِ، أيْ: حُثَّ المُؤْمِنِينَ عَلى القِيامِ بِالفَرْضِ الواجِبِ عَلَيْهِمْ.

و"عَسى" إذا ورَدَتْ مِنَ اللهِ تَعالى، فَقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: إنَّها واجِبَةٌ، لِأنَّها مِنَ البَشَرِ مُتَوَقَّعَةٌ مَرْجُوَّةٌ، فَفَضْلُ اللهِ تَعالى يُوجِبُ وُجُوبَها، وفي هَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِغَلَبَتِهِمْ لِلْكَفَرَةِ، ثُمَّ قَوّى -بَعْدَ ذَلِكَ- قُلُوبَهم بِأنْ عَرَّفَهم شِدَّةَ بَأْسِ اللهِ، وأنَّهُ أقْدَرُ عَلى الكَفَرَةِ، وأشَدُّ تَنْكِيلًا لَهُمُ، التَنْكِيلُ: الأخْذُ بِأنْواعِ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً ﴾ الآيَةُ.

أصْلُ الشَفاعَةِ والشُفْعَةِ ونَحْوِها مِنَ: الشَفْعِ، وهو الزَوْجُ في العَدَدِ، لِأنَّ الشافِعَ ثانٍ لِوَتْرِ المُذْنِبِ والشَفِيعَ ثانٍ لِوَتْرِ المُشْتَرِي.

واخْتَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: مَن يَشْفَعْ وتْرَ الإسْلامِ بِالمَعُونَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، أو مَن يَشْفَعْ وتْرَ الكُفْرِ بِالمَعُونَةِ عَلى الإسْلامِ.

ودَلَّهُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ القِتالِ.

وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمْ: هي في شَفاعاتِ الناسِ بَيْنَهم في حَوائِجِهِمْ، فَمَن يَشْفَعُ لِيَنْفَعَ فَلَهُ نَصِيبٌ، ومَن يَشْفَعُ لِيَضُرَّ فَلَهُ كِفْلٌ.

وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: الشَفاعَةُ الحَسَنَةُ هي في البِرِّ والطاعَةِ، والسَيِّئَةُ هي في المَعاصِي،.

وهَذا كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.

والكِفْلُ: النَصِيبُ، ويُسْتَعْمَلُ في النَصِيبِ مِنَ الخَيْرِ ومِنَ الشَرِّ، وفي كِتابِ اللهِ تَعالى: ﴿ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ  ﴾ .

و"مُقِيتًا" مَعْناهُ: قَدِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو الزُبَيْرُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَفْسَ عنهُ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ مُقِيتا أيْ: قَدِيرًا، وعَبَّرَ عنهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: بِحَفِيظٍ وشَهِيدٍ.

وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ: بِأنَّهُ الواصِبُ القَيِّمُ بِالأُمُورِ، وهَذا كُلُّهُ يَتَقارَبُ، ومِنهُ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ  « "كَفى بِالمَرْءِ إثْمًا أنْ يُضَيِّعَ مَن يُقِيتُ"،» عَلى مَن رَواها هَكَذا، أيْ: مَن هو تَحْتَ قُدْرَتِهِ وفي قَبْضَتِهِ مِن عِيالٍ وغَيْرِهِ، وذَهَبَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ إلى أنَّهُ الَّذِي يَقُوتُ كُلَّ حَيَوانٍ، وهَذا عَلى أنْ يُقالَ: أقاتَ بِمَعْنى قاتَ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "مَن يُقِيتُ" مِن أقاتَ، وقَدْ حَكى الكِسائِيُّ: أقاتَ يُقِيتُ، فَأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: لَيْتَ شِعْرِي وأشْعُرَنَّ إذا ∗∗∗ ما قَرَّبُوها مَطْوِيَّةً ودُعِيتُ ألِيَ الفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا حُو ∗∗∗ سِبْتُ؟

إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتُ فَقالَ فِيهِ الطَبَرِيُّ: إنَّهُ مِن غَيْرِ هَذا المَعْنى المُتَقَدِّمِ، وإنَّهُ بِمَعْنى: مَوْقُوفٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يُضْعِفُهُ أنْ يَكُونَ بِناءُ فاعِلٍ بِمَعْنى بِناءِ مَفْعُولٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإذا حُيِّيتُمْ" الآيَةُ، التَحِيَّةُ وزْنُها تَفْعِلَةٌ مِن: حَيِيَ، وهَذا هو الأغْلَبُ مِن مَصْدَرِ فَعِلَ في المُعْتَلِّ، ورُوِيَ عن مالِكٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في تَشْمِيتِ العاطِسِ، وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ عَلى ذَلِكَ دَلالَةٌ، أمّا أنَّ الرَدَّ عَلى المُشَمِّتِ فَمِمّا يَدْخُلُ بِالقِياسِ في مَعْنى رَدِّ التَحِيَّةِ وهَذا هو مَنحى مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ إنْ صَحَّ ذَلِكَ عنهُ، واللهُ أعْلَمُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: التَحِيَّةُ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: سَلامٌ عَلَيْكَ، فَيَجِبُ عَلى الآخَرِ أنْ يَقُولَ: عَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ، فَإنْ قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ، قالَ الرادُّ: عَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ، فَإنْ قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ فَقَدِ انْتَهى، ولَمْ يَبْقَ لِلرّادِّ أنْ يُحَيِّيَ بِأحْسَنَ مِنها، فَهاهُنا يَقَعُ الرَدُّ المَذْكُورُ في الآيَةِ، فالمَعْنى عِنْدَ أهْلِ هَذِهِ القالَةِ: إذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ، فَإنْ نَقَصَ المُسَلِّمُ مِنَ النِهايَةِ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ، وإنِ انْتَهى فَرُدُّوا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما مَعْنى الآيَةِ تَخْيِيرُ الرادِّ، فَإذا قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ، فَلِلرّادِّ أنْ يَقُولَ، وعَلَيْكَ السَلامُ، فَقَطْ، وهَذا هو الرَدُّ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: وعَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ، وهَذا هو التَحِيَّةُ بِأحْسَنَ مِنها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالآيَةِ: إذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَإنْ كانَتْ مِن مُؤْمِنٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها، وإنْ كانَتْ مِن كافِرٍ فَرُدُّوا عَلى ما قالَ رَسُولُ اللهِ  أنْ يُقالَ لَهُمْ: « "وَعَلَيْكُمْ".» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وغَيْرِهِما: انْتَهى السَلامُ إلى البَرَكَةِ، وجُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ألّا يُبْدَأ أهْلُ الكِتابِ بِسَلامٍ، فَإنْ سَلَّمَ أحَدٌ ساهِيًا أو جاهِلًا فَيَنْبَغِي أنْ يَسْتَقِيلَهُ سَلامُهُ، وشَذَّ قَوْمٌ في إباحَةِ ابْتِدائِهِمْ، والأوَّلُ أصْوَبُ، لِأنَّ بِهِ يُتَصَوَّرُ إذْلالُهم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ مَن سَلَّمَ عَلَيْكَ مِن خَلْقِ اللهِ فَرُدَّ عَلَيْهِ وإنْ كانَ مَجُوسِيًّا، وقالَ عَطاءٌ: الآيَةُ في المُؤْمِنِينَ خاصَّةً، ومَن سَلَّمَ مِن غَيْرِهِمْ قِيلَ لَهُ: عَلَيْكَ، كَما في الحَدِيثِ.

وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الِابْتِداءَ بِالسَلامِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، ورَدَّهُ فَرِيضَةٌ، لِأنَّهُ حَقٌّ مِنَ الحُقُوقِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وغَيْرُهُ.

و"حَسِيبًا" مَعْناهُ: حَفِيظًا، وهو فَعِيلٌ مِنَ الحِسابِ، وحَسُنَتْ هاهُنا هَذِهِ الصِفَةُ إذْ مَعْنى الآيَةِ في أنْ يَزِيدَ الإنْسانُ أو يَنْقُصَ أو يُوَفِّيَ قَدْرَ ما يَجِيءُ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ من يشفع شفاعة حسنة ﴾ [النساء: 85] باعتبار ما قُصد من الجملة المعطوفة عليها، وهو الترغيب في الشفاعة الحسنة والتحذير من الشفاعة السيّئة، وذلك يتضمّن الترغيب في قبول الشفاعة الحسنة ورَدّ الشفاعة السيّئة.

وإذ قد كان من شأن الشفيع أن يَدخل على المستشفَع إليه بالسلام استئناساً له لقبول الشفاعة، فالمناسبة في هذا العطف هي أنّ الشفاعة تقتضي حضور الشفيع عند المشفوع إليه، وأنّ صفة تلقّي المشفوع إليه للشفيع تؤذن بمقدار استعداده لقبول الشفاعة، وأنّ أول بَوادر اللقاء هو السلام وردّه، فعلّم الله المسلمين أدب القبول واللقاء في الشفاعة وغيرها وقد كان للشفاعات عندهم شأن عظيم.

وفي الحديث: مرّ رجل فقال رسول الله: ماذا تقولون فيه؟

قالوا: هذا جدير إن شفع أن يشفَّع..

الحديث حتى إذا قبل المستشفَع إليه الشفاعة كان قد طيَّب خاطر الشفيع، وإذا لم يقبل كان في حسن التحية مرضاة له على الجملة.

وهذا دأب القرآن في انتهاز فرص الإرشاد والتأديب.

وبهذا البيان تنجلي عنك الحيرة التي عرضت في توجيه انتظام هذه الآية مع سابقتها، وتستغني عن الالتجاء إلى المناسبات الضعيفة التي صاروا إليها.

وقد دلّ قوله: ﴿ فحيُّوا بأحسن منها ﴾ على الأمر بردّ السلام، ووجوب الردّ لأنّ أصل صغية الأمر أن يكون للوجوب على مقتضى مذهب الجمهور في محمل صيغة الأمر، ولذلك اتّفق الفقهاء على وجوب ردّ السلام، ثم اختلفوا إذا كان المسلَّم عليهم جماعة هل يجب الردّ على كلّ واحد منهم: فقال مالك: هو واجب على الجماعة وجوبَ الكفاية فإذا رَد واحد من الجماعة أجزأ عنهم، وورد في ذلك حديث صحيح؛ على أنّه إذا كانت الجماعة كثيرة يصير ردّ الجميع غوغاء.

وقال أبو حنيفة: الردّ فرض على كلّ شخص من الجماعة بعينه.

ولعلّ دليله في ذلك القياس.

ودلّ قوله: ﴿ وإذا حييتم بتحية ﴾ على أنّ ابتداء السلام شيء معروف بينهم، ودليله قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتّى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها ﴾ وسيأتي في سورة النور (27).

وأفاد قوله: ﴿ بأحسن منها أو ردّوها ﴾ التخيير بين الحالين، ويُعلم من تقديم قوله: ﴿ بأحسنَ منها ﴾ أنّ ذلك أفضل.

وحيَيَّ أصله في اللغة دَعَا له بالحياة، ولعلّه من قبيل النحت من قول القائل: حيّاك الله، أي وهب لك طول الحياة.

فيقال للملك: حياك الله.

ولذلك جاء في دعاء التشهَّد (التحيَّات لِلّه) أي هو مستحقّها لا ملوك الناس.

وقال النابغة: يُحَيَّوْنَ بالرّيْحَاننِ يومَ السَّبَاسِبِ *** أي يحيون مع تَقَديم الريحان في يوم عيد الشعانين وكانت التحيّة خاصّة بالملوك بدعاء (حيّاك الله) غالباً، فلذلك أطلقوا التحية على المُلْك في قول زهير بن جَنَّات الكلبي: ولَكُلّ ما نال الفتى *** قد نلتُه إلاّ التحيَّة يريد أنّه بلغَ غاية المجد سوى الملك.

وهو الذي عناه المعريّ بقوله: تحيةُ كِسْرى في الثناء وتُبَّعِ *** لِرْبعِككِ لا أرضَى تَحِيَّةَ أرْبُعِ وهذه الآية من آداب الإسلام: علّم الله بها أن يَردّوا على المسلّم بأحسنَ من سلامه أو بما يماثله، ليبطل ما كان بين الجاهلية من تفاوت السادة والدهماء.

وتكون التحيّة أحسن بزيادة المعنى، فلذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿ فقالوا سلاماً قال سلام ﴾ [الذاريات: 25]: أنّ تحية إبراهيم كانت أحسن إذ عُبِّر عنها بما هو أقوى في كلام العرب وهو رفع المصدر للدلالة على الثبات وتناسِي الحدوث المؤذن به نصب المصدر، وليس في لغة إبراهيم مثل ذلك ولكنّه من بديع الترجمة، ولذلك جاء في تحيّة الإسلام: السلام عليكم، وفي ردّها وعليكم السلام لأنّ تقديم الظرف فيه للاهتمام بضمير المخاطب.

وقال بعض الناس: إنّ الواو في ردّ السلام تفيد معنى الزيادة فلو كان المُسلِّم بلغ غاية التحية أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإذا قال الرادّ: «وعليكم السلام» الخ، كان قد ردّها بأحسن منها بزيادة الواو، وهذا وهم.

ومعنى (ردّوها) ردّوا مثلها، وهذا كقولهم: عندي درهم ونصفه، لظهور تعذّر ردّ ذات التحيّة، وقوله تعالى: ﴿ إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها ﴾ [النساء: 176] فعاد ضمير «وهو» وهاء «يرثها» إلى اللفظين لا إلى الذاتين، ودلّ الأمر على وجوب ردّ السلام، ولا دلالة في الآية على حكم الابتداء بالسلام، فذلك ثابت بالسنّة للترغيب فيه.

وقد ذكروا أنّ العرب كانوا لا يقدّمون اسم المسلَّم عليه المجرور بعَلى في ابتداء السلام إلاّ في الرثاء، في مثل قول عبدة بن الطيب: عليك السلام الله قيس بن عاصم *** ورحمته ما شاء أن يترحّما وفي قول الشمّاخ: عليك سلام من أمير وباركت *** يد الله في ذاك الأديم الممّزق يرثي عثمان بن عفّان أو عمَر بن الخطاب.

روى أبو داوود أنّ جابر بن سليم سلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: عليك السلام يا رسول الله، فقال له: " إنّ عليك السلامُ تحيةُ الموتى، قل، السلام عليك ".

والتذييل بقوله: ﴿ إنّ الله كان على كلّ شيء حسيباً ﴾ لقصد الامتنان بهذه التعليمات النافعة.

والحسيب: العليم وهو صفة مشبَّهة: من حَسِب بكسر السين الذي هو من أفعَال القلب، فحُوّل إلى فعُل بضمّ عينه لمَّا أريد به أنّ العلم وصف ذاتي له، وبذلك نقصت تعديته فاقتصر على مفعول واحد، ثمّ ضمّن معنى المحصي فعدي إليه بعلى.

ويجوز كونه من أمثلة المبالغة.

قيل: الحسيب هنا بمعنى المحاسب، كالأكيل والشريب.

فعلى كلامهم يكون التذييل وعداً بالجزاء على قدرِ فضل ردّ السلام، أو بالجزاء السَّيّء على ترك الردّ من أصله، وقد أكدّ وصف الله بحسيب بمؤكّدين: حرف (إنّ) وفعل (كَانَ) الدالّ على أنّ ذلك وصف مقرّر أزلي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها ﴾ في الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ والشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَسْألَةُ الإنْسانِ في صاحِبِهِ أنْ يَنالَهُ خَيْرٌ بِمَسْألَتِهِ أوْ شَرٌّ بِمَسْألَتِهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّ الشَّفاعَةَ الحَسَنَةَ الدُّعاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والشَّفاعَةَ السَّيِّئَةَ الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ اليَهُودَ كانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ فَتَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ.

وَفي الكِفْلِ تَأْوِيلانِ: أحَدُها: أنَّهُ الوِزْرُ والإثْمُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ النَّصِيبُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ  ﴾ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، والرَّبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مُقْتَدِرًا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: حَفِيظًا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: شَهِيدًا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: حَسِيبًا، وهو قَوْلُ ابْنِ الحَجّاجِ، ويُحْكى عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.

والخامِسُ: مُجازِيًا، وأصْلُ المُقِيتِ القُوتُ، فَسُمِّيَ بِهِ المُقْتَدِرُ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى إعْطاءِ القُوتِ، ثُمَّ صارَ اسْمًا في كُلِّ مُقْتَدِرٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن قُوتٍ وغَيْرِهِ، كَما قالَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ مُقِيتا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها ﴾ في المُرادِ بِالتَّحِيَّةِ هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الدُّعاءُ بِطُولِ الحَياةِ.

والثّانِي: السَّلامُ تَطَوُّعٌ مُسْتَحَبٌّ، ورَدُّهُ فَرْضٌ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ فَرْضَ رَدِّهِ عامٌّ في المُسْلِمِ والكافِرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في المُسْلِمِينَ دُونَ الكافِرِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأحْسَنَ مِنها ﴾ يَعْنِي الزِّيادَةَ في الدُّعاءِ.

﴿ أوْ رُدُّوها ﴾ يَعْنِي بِمِثْلِها، ورَوى الحَسَنُ «أنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ) ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ، فَقالَ النَّبِيُّ  : (وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ) ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ: (السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ) فَقالَ النَّبِيُّ  : وعَلَيْكم (فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، رَدَدْتَ عَلى الأوَّلِ والثّانِي وقُلْتَ لِلثّالِثِ: وعَلَيْكم، فَقالَ: إنَّ الأوَّلَ سَلَّمَ وأبْقى مِنَ التَّحِيَّةِ شَيْئًا، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ بِأحْسَنَ مِمّا جاءَ بِهِ، كَذَلِكَ الثّانِي، وإنَّ الثّالِثَ جاءَ بِالتَّحِيَّةِ كُلِّها، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ).» وَقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَرُدُّ بِأحْسَنَ مِنها عَلى أهْلِ الإسْلامِ، أوْ مِثْلِها عَلى أهْلِ الكُفْرِ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «لا تَبْدَءُوا اليَهُودَ بِالسَّلامِ فَإنْ بَدَءُوكم فَقُولُوا: عَلَيْكم» (.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي حَفِيظًا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: مُحاسِبًا عَلى العَمَلِ لِلْجَزاءِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ.

والثّالِثُ: كافِيًا، وهو قَوْلُ البَلْخِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ وفي تَسْمِيَةِ القِيامَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ النّاسَ يَقُومُونَ فِيهِ مِن قُبُورِهِمْ.

والثّانِي: لِأنَّهم يَقُومُونَ فِيهِ لِلْحِسابِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند حسن عن سلمان الفارسي قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله فقال: وعليك ورحمة الله، ثم أتى آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله.

فقال: وعليك ورحمة الله وبركاته، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته.

فقال له: وعليك.

فقال له الرجل: يا نبي الله- بأبي أنت وأمي- أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت علي؟!

فقال: إنك لم تدع لنا شيئاً، قال الله: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ فرددناها عليك» .

وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة «أن رجلاً مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس فقال: سلام عليكم.

فقال: عشر حسنات.

فمر رجل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله.

فقال: عشرون حسنة.

فمر رجل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فقال: ثلاثون حسنة» .

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر قال: «جاء رجل فسلم فقال: السلام عليكم.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عشر.

فجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عشرون.

فجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فقال: ثلاثون» .

وأخرج البيهقي عن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال: السلام عليكم كتب الله له عشر حسنات، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله كتب الله له عشرين حسنة، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثين حسنة» .

وأخرج أحمد والدرامي وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي عن عمران بن حصين «أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم.

فرد عليه وقال: عشر.

ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله.

فرد عليه ثم جلس فقال: عشرون.

ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فرد عليه ثم جلس فقال: ثلاثون» .

وأخرج أبو داود والبيهقي عن معاذ بن أنس الجهني قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه زاد، ثم أتى آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله ورحمته وبركاته ومغفرته.

فقال: أربعون.

قال: هكذا تكون الفضائل» .

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ يقول: «إذا سلم عليك أحد فقل أنت: وعليك السلام ورحمة الله، أو تقطع إلى السلام عليك كما قال لك» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطاء في قوله: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ قال: ذلك كله في أهل الإسلام.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر.

أنه كان إذا سلم عليه إنسان رد كما يسلم عليه، يقول: السلام عليكم.

فيقول عبد الله: السلام عليكم.

وأخرج البيهقي أيضاً عن عروة بن الزبير.

أن رجلاً سلم عليه فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فقال عروة: ما ترك لنا فضل، إن السلام انتهى إلى وبركاته.

وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن سالم مولى عبد الله بن عمر قال: كان ابن عمر إذا سلم عليه فرد زاد، فاتيته فقلت: السلام عليكم.

فقال: السلام: عليكم ورحمة الله، ثم أتيته مرة أخرى فقلت: السلام عليكم ورحمة الله.

فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم أتيته مرة أخرى فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وطيب صلواته.

وأخرج البيهقي من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن في قوله: ﴿ فحيوا بأحسن منها ﴾ قال: تقول إذا سلم عليك أخوك المسلم فقال: السلام عليك.

فقل: السلام عليكم ورحمة الله ﴿ أو ردوها ﴾ يقول: إن لم تقل له السلام عليك ورحمة الله فرد عليه كما قال: السلام عليكم كما سلم، ولا تقل وعليك.

وأخرج ابن المنذر من طريق يونس بن عبيد عن الحسن في الآية قال: ﴿ أحسن منها ﴾ للمسلمين ﴿ أو ردوها ﴾ على أهل الكتاب قال: وقال الحسن: كل ذلك للمسلم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، ذلك بأن الله يقول ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ .

وأخرج البخاري في الأدب وابن المنذر عن ابن عباس قال: لو أن فرعون قال لي: بارك الله فيك.

لقلت: وفيك بارك الله.

وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن جرير عن الحسن قال: السلام تطوّع، والرد فريضة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السلام اسم من أسماء الله وضعه الله في الأرض: فافشوه بينكم، وإذا مر رجل بالقوم فسلم عليهم فردوا كان له عليهم فضل درجة لأنه ذكرهم السلام، وإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم وأفضل» .

وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن مسعود.

موقوفاً.

وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن السلام اسم من أسماء الله وضعه الله في الأرض، فافشوا السلام بينكم» .

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه الله في الأرض، فافشوه بينكم» .

وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: السلام اسم من أسماء الله، فإذا أنت أكثرت منه أكثرت من ذكر الله.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن السلام اسم من أسماء الله جعله بين خلقه، فإذا سلم المسلم على المسلم فقد حرم عليه أن يذكره إلا بخير» .

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفشوا السلام بينكم فإنها تحية أهل الجنة، فإذا مر رجل على ملأ فسلم عليهم كان له عليهم درجة وإن ردوا عليه، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم الملائكة» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي بكر الصديق قال: السلام أمان الله في الأرض.

وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بدا بالسلام فهو أولى بالله ورسوله» .

وأخرج البخاري في الأدب وابن مردويه عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين» ولفظ ابن مردويه قال: «إن اليهود قوم حسد، وإنهم لن يحسدوا أهل الإسلام على أفضل من السلام، أعطانا الله في الدنيا وهو تحية أهل الجنة يوم القيامة، وقولنا وراء الإمام آمين» .

وأخرج البيهقي عن الحارث بن شريح.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن المسلم أخو المسلم، إذا لقيه رد عليه من السلام بمثل ما حياه به أو أحسن من ذلك، وإذا استأمره نصح له، وإذا استنصره على الأعداء نصره، وإذا استنعته قصد السبيل يسره ونعت له، وإذا استغاره أحد على العدو أغاره، وإذا استعاره الحد على المسلم لم يعره، وإذا استعاره الجنة أعاره لا يمنعه الماعون.

قالوا: يا رسول الله وما الماعون؟

قال: الماعون في الحجر والماء والحديد.

قالوا: وأي الحديد؟

قال: قدر النحاس وحديد الفاس الذي تمتهنون به.

قالوا: فما هذا الحجر؟

قال: القدر من الحجارة» .

وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى المؤمنان فسلم كل واحد منهما على صاحبه وتصافحا، كان أحبهما إلى الله أحسنهما بشراً لصاحبه ونزلت بينهما مائة رحمة، للبادي تسعون وللمصافح عشر» .

وأخرج البيهقي عن الحسن.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الصدقة أن تسلم على الناس وأنت منطلق الوجه» .

وأخرج الطبراني والبيهقي عن أبي أمامة.

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله جعل السلام تحية لأمتنا، وأماناً لأهل ذمتنا» .

وأخرج البيهقي عن زيد بن أسلم.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير، وإذا مر بالقوم فسلم منهم واحداً أجزأ عنهم، وإذا رد من الآخرين واحد أجزأ عنهم» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمرو قال: «مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل وعليه ثوبان أحمران فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج البيهقي عن سعيد بن أبي هلال الليثي قال: سلام الرجل يجزي عن القوم، ورد السلام يجزي عن القوم.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: إني لأرى جواب الكتاب حقاً، كما أرى حق السلام.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة في قوله: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ﴾ قال: ترون هذا في السلام وحده؟

هذا في كل شيء، من أحسن إليك فأحسن إليه وكافئه، فإن لم تجد فادع له أو أثن عليه عند إخوانه.

وأخرج عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إن الله كان على كل شيء ﴾ يعني من التحية وغيرها ﴿ حسيباً ﴾ يعني شهيداً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ حسيباً ﴾ قال: حفيظاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ﴾ الآية.

التحية تفعلةٌ من حيَّيتُ (١) ﴿ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ  ﴾ ، ولا يكاد يأتي على: تفعيل، إلا أن ينطق بجوازه شعر (٢) (٣) فهي تُنَزي دلوها تَنزيًّا (٤) أي تنزية.

وكذلك التحية، كان: تحييه، فأدغموا الياء في الياء (٥) (٦) تمشي بسدة بيتها فتعيّ (٧) وهذا الإدغام منكر عند البصريين" (٨) ﴿ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ  ﴾ إن شاء الله.

وأما معنى التحية في اللغة: فهو السلام (٩) (١٠) حُييت من طلل تقادم عهده ...

البيت (١١) إنا محيوك يا سلمى فحيينا (١٢) ومعنى قول المصلي: "التحيات لله" أي السلام من الآفات لله (١٣) ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ  ﴾ .

هذا هو (..

(١٤) ويسمى الملك أيضًا تحية (١٥) (١٦) [.............] حتى ...

أُنيخَ على تحيَّته بجُندي (١٧) معناه: على ملكه (١٨) وأما قول زهير بن جناب (١٩) من كل ما نال الفتى ...

قد نلتُه إلا التحيهْ (٢٠) فقيل فيه أنه المُلك (٢١) (٢٢) (٢٣) قال الأزهري: (والعرب تسمي) (٢٤) فالتحية بمعنى المُلك، وبمعنى البقاء صحيح.

وقولهم: "حياك الله" أي أبقاك الله صحيح، من الحياة وهو البقاء (٢٥) نجد من هذا أن معنى التحية في الأصل الدعاء بالحياة، ثم صار بمعنى السلام، ثم صار أيضًا اسمًا للملك والبقاء، على ما بينا.

هذا كلام أهل اللغة في معنى التحية.

فأما التفسير: فقال ابن عباس في قوله: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ  ﴾ : "يريد السلام" (٢٦) ﴿ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ اختلفوا في هذا: فمنهم من ذهب إلى أن هذا التخيير في أهل الإسلام خاصة، وليس لأهل الكفر مدخل في رد التحية عليهم (٢٧) والأكثرون والجمهور على أن قوله: ﴿ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا ﴾ المراد بها المسلمون، ﴿ أَوْ رُدُّوهَا ﴾ إذا كان المسلم من غير أهل الإسلام (٢٨) قال الكلبي: أمر الله المسلمين برد السلام على من سلم عليهم بأحسن مما سلم عليهم، وهو الزيادة على التحية إن كان المسلم من أهل دينهم، أو بمثل الذي سلم إن كان من غير أهل دينهم، وهو أن يقول: عليكم.

ولا يزيد على ذلك (٢٩) وقال أبو روق: أما (أحسن منها) فعلى أهل دينك، وأما ﴿ رُدُّوهَا ﴾ فعلى أهل الكتاب (٣٠) وقال الزجاج: عن عطاء: (أحسن منها) في أهل الإسلام ﴿ رُدُّوهَا ﴾ على أهل الشرك (٣١) وقال ابن عباس: و (أحسن منها) أن يرد: ورحمة الله وبركاته، يرد على المؤمنين خاصة (٣٢) وقال: (الضحاك) (٣٣) (٣٤) قال الحسن: دخل رجل على النبي  فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال النبي  : وعليك.

ودخل آخر فقال: السلام عليكم، فقال رسول الله  وعليكم السلام ورحمة الله، ودخل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال رسول الله  : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقام الأول فقال: يا رسول الله: سلمت عليك فلم تزدني على: "وعليك" وقال هذا: السلام عليكم.

فزدته، وقال هذا: السلام عليكم ورحمة الله، فزدته.

فقال رسول الله  : إنك لم تترك من السلام فرددت عليك، وهذان تركا شيئًا منه فزدتهما (٣٥) فدل هذا الحديث على أن السلام انتهى إلى البركات (٣٦) ثم أعلم أن السلام في الأصل سنة، والرد فريضة (٣٧) (٣٨) والسنة أن يستتبع شيئًا من كلمات السلام.

والسنة في الجواب الزيادة (٣٩) ﴿ أَوْ رُدُّوهَا ﴾ .

والسنة أن يسلِّم الراكب على الماشي والقائم على القاعد، كذا قال رسول الله  (٤٠) والسنة في السلام الجهر والإفشاء، وكذلك في الجواب (٤١) (٤٢)  وإذا تصافح المسلمان عند السلام تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر، كذا في الخبر عن رسول الله  (٤٣) ومن ورد عليه سلام في كتاب فجوابه فرض عليه في الجواب (٤٤) ولو قال المبتدئ: عليكم السلام فقد سلم وتحتم الجواب وإن قلت العادة في اللفظ (٤٥) وإن قال المبتدئ: السلام عليكم، فقال المجيب: السلام عليكم، فقد أجاب.

وأنت في اللفظ بالخيار، وكذلك في تعريف السلام وتنكيره، وعند التحلل من الصلاة لابد من الألف واللام.

وإذا استقبلك رجلٌ واحد فقل: سلام عليكم، واقصد الرجل والملكين، فيردان عليك (٤٦) وإذا دخلت بيتًا خاليًا فسلِّم على نفسك من الله تعالى (¬3).

وليس للمسلم أن يسلِّم على الكافر، فإن سلَّم الكافر فليقل: وعليكم، ولا يزيد على هذا (٤٧)  فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم -يعنون الموت-، فقال رسول الله  : وعليكم، ففطنت عائشة فقالت: وعليكم السام والذام (٤٨)  : "يا عائشة قد رددت عليهم، وإني استجاب فيهم ولا يُستجابون" (٤٩) ومن وضع السلام غير موضعه لم يستحق جوابًا، مر رجل برسول الله  وهو يقضي حاجته، فسلم عليه، فقام رسول الله إلى جدارٍ فتيمم ورد الجواب ثم قال: لولا أني خشيت أن تقول: سلمت عليه فلم يرد علي، لما رددتُ عليك، إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تُسلِّم علي، فإنك إن سلمت علي لم أرد عليك (٥٠) وفي هذا دليل على أن الطهارة مستحبة لجواب السلام والابتداء بالسلام وفي جميع الأحوال، ولهذا قال رسول الله  : "ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" (٥١) وإذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب، فلا ينبغي أن يُسلِّم لاشتغال الناس بالاستماع، فإن سلَّم فرد بعضهم عليه فلا بأس، ولو اقتصروا على الإشارة كان أحسن (٥٢)  كان يصلي في مسجد الخيف والناس يدخلون ويسلِّمون عليه فيرد عليهم، فقيل: كيف كان يرد عليهم؟

فقال: إشارة (٥٣) وقال بعض السلف.

من دخل الحمام فرأى الناس متَّزرين سلَّم عليهم، وإن لم يكونوا متزرين لم يُسلِّم عليهم (٥٤) والأولى ترك السلام على القارئ لاشتغاله بالتلاوة، فإن سلَّم عليه إنسان كفاه الإشارة، وإن أراد أن يرد الجواب رده ثم استأنف الاستعاذة وعاود التلاوة (٥٥) ولا ينبغي أن يسلم على المؤذن عند اشتغاله بالأذان.

ورد السلام يكون على الفور، فإن أخر انقضى الوقت وأثم بترك القرض، فإذا أجاب بعد فوت الوقت كان ذلك ابتداء سلام لا جوابًا (٥٦) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا  ﴾ قال ابن عباس: "يريد مجازيًا" (٥٧) (٥٨) وقال مجاهد وقتادة وأبو العالية حفيظًا (٥٩) (٦٠) ويكون الحسيب بمعنى المُحاسب، وقد ذكرنا هذا في أول السورة.

وقال الزجاج: أي يعطي كل شيء من العلم والحفظ والجزاء مقدار مما يحسبه، أي يكفيه (٦١) وهذا الذي قاله جامع للأقوال، لأنه بمعنى يعلم كل شيء ويحفظ كل شيء ويجازى على كل شيء، علمًا كافيًا، وحفظًا كافيًا، وجزاء كافيًا.

(١) "معاني الزجاج" 2/ 86، وانظر: "اللسان" 2/ 1078 (حيا).

(٢) انظر: "الدر المصون" 4/ 57.

(٣) حصل في المخطوط نسخة شستربتي هنا خلط بالتقديم والتأخير، فقد بتر الكلام هنا من تفسير الآية 86 وأتى بعده بتفسير الآية 82 وذلك في لوحة 14 ب، وقد وجدت تتمة تفسير الآية 86 في لوحة 16 أفأثبته هنا بعد قوله: "كما قال:".

(٤) هذا صدر بيت، وعجزه: "كما تنزي شهلةً صبيًّا".

ولم أهتد إلى قائله، وهو في "الخصائص" 2/ 302، و"الدر المصون" 4/ 57 وفيها: "باتت" بدل "فهي".

(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 86، و"تهذيب اللغة" 1/ 951، و"اللسان" 2/ 1078 (حيا)، و"الدر المصون" 4/ 57.

(٦) من عيي يعيا عن حجته، انظر: "اللسان" 6/ 3201 (عيا).

(٧) عجز بيت صدره: وكأنها بين النساء سبيكة أورده الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 651 (حي) لكن بلفظ: "فتحي" بدل "فتعي" وهو أقرب للحرف هنا.

وأورده كما عند المؤلف في "اللسان" 2/ 1076 (حيا).

قال الأزهري: لا يعرف قائله.

وسدة البيت: بابه، انظر: "الصحاح" 2/ 486 (سدد).

(٨) من "تهذيب اللغة" 1/ 951 (حي) بتصرف يسير، وانظر: "اللسان" 2/ 1076 (حيا)، 6/ 3201 (عيا)، و"الدر المصون" 4/ 57.

(٩) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 148، و"بحر العلوم" 1/ 373، و"اللسان" 2/ 1079 (حيا).

(١٠) تقدمت ترجمته.

(١١) صدر بيت، وعجزه: أقوى وأقفر بعد أم الهيثم= ديوان عنترة ص 16.

الطلل: ما شخص من آثار الديار، "اللسان" 5/ 2697 (طلل).

(١٢) لم أقف عليه.

(١٣) "تهذيب اللغة" 1/ 955 (حي)، وانظر: "اللسان" 2/ 1079 (حيا)، والقرطبي 5/ 297.

(١٤) كلمة غير واضحة في المخطوط، وقد تكون: الكلام.

(١٥) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 255 (حي)، و"اللسان" 2/ 1079 (حيا).

(١٦) هو أبو ثور عمرو بن معدي كرب بن عبد الله الزبيدي، تقدمت ترجمته.

(١٧) عجز بيت، وصدره: أسيرها إلى النعمان حتى "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 74، و"تهذيب اللغة" 1/ 255 (حي)، و"اللسان" 2/ 1079 (حيا).

وعند المؤلف في المخطوط القافية بدون ياء، وأثبتها لإجماع المصادر عليها.

(١٨) "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 75، و"تهذيب اللغة" 1/ 255 (حي).

(١٩) هو زهير بن جناب الكلبي الكناني، تقدمت ترجمته.

(٢٠) البيت في "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 75، و"الشعر والشعراء" ص 240، و"طبقات الشعراء" ص 37، و"تهذيب اللغة" 1/ 255 (حي)، و"اللسان" 2/ 1079 (حيا).

(٢١) "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 75، و"تهذيب اللغة" 1/ 255.

(٢٢) "تهذيب اللغة" 1/ 955 (حي)، و"اللسان" 2/ 1078 (حيا).

(٢٣) "تهذيب اللغة" 1/ 955 بتصرف، و"اللسان" 2/ 1078 (حيا).

(٢٤) ما بين القوسين ليس واضحًا في المخطوط، والتسديد من "تهذيب اللغة" 1/ 956 (حى).

(٢٥) "تهذيب اللغة" 1/ 955 (حي) بتصرف، وانظر: "اللسان" 2/ 1078 (حيا) (٢٦) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.

(٢٧) تفرد بهذا القول عطاء، أخرج قوله الطبري 5/ 189، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 513، والقرطبي 5/ 303، و"الدر المنثور" 2/ 337.

(٢٨) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 280، والطبري 5/ 189، و"بحر العلوم" 1/ 373، و"الكشف والبيان" 4/ 94، و"النكت والعيون" 1/ 513.

(٢٩) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.

(٣٠) لم أقف عليه، وورد نحوه عن قتادة والحسن، انظر: الطبري 5/ 189 - 190، و"الدر المنثور" 2/ 337.

(٣١) ليس في "معاني القرآن وإعرابه"، وهو خلاف المعروف عن عطاء كما مر قريباً حيث تفرد بأن هذه الآية في أهل الإسلام خاصة.

(٣٢) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.

(٣٣) غير واضح تماما في المخطوط.

(٣٤) في "الوسيط" 2/ 643، وانظر: "زاد المسير" 2/ 152.

(٣٥) لم أجد هذا الحديث عن الحسن إلا في "النكت والعيون" 1/ 513، وقد أخرج نحوه من حديث سلمان الفارسي -  - الطبري 5/ 190، وأحمد في "الزهد" وابن المنذر والطبراني وابن مردويه، وسنده حسن.

انظر: ابن كثير 1/ 583، و"الدر المنثور" 2/ 336.

(٣٦) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 86، والبغوي 2/ 257، وابن كثير 1/ 583.

(٣٧) قال ابن كثير 1/ 584: "هو قول العلماء قاطبة، أن الرد واجب" وانظر: الطبري 5/ 191.

(٣٨) هذا مذهب مالك والشافعي، أن الرد من فروض الكفاية، وذهب آخرون إلى أن الرد من الفروض المتعينة.

انظر: "التفسير الكبير" 10/ 214، والقرطبي 5/ 298.

(٣٩) كما دل عليه الحديث المتقدم.

(٤٠) عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله  : "يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير".

أخرجه مسلم (2160) كتاب: السلام، باب: يسلم الراكب ...

(4/ 1703) ح 1.

(٤١) انظر: "التفسير الكبير" 10/ 213، والقرطبي 5/ 303.

(٤٢) هذا مذهب الشافعية، وعند بعض العلماء تكفي الإشارة إذا كان على بعد.

انظر: القرطبي 5/ 303.

(٤٣) المأثور أن رسول الله  قال: "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقما".

أخرجه أبو داود من حديث البراء بن عازب  (5212) كتاب: الأدب، باب: في المصافحة، والترمذي (2727) كتاب الاستئذان، باب: ما جاء في المصافحة وقال: "هذا حديث حسن غريب" وابن ماجه (2703) كتاب: الأدب، باب.

المصافحة وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" 5/ 182.

(٤٤) انظر: "التفسير الكبير" 10/ 215.

وورد عن ابن عباس  ما ما يؤيد هذا.

انظر: "الدر المنثور" 2/ 339.

(٤٥) انظر: القرطبي 5/ 300، 301، و"المجموع شرح المهذب" 4/ 461.

(٤٦) انظر: "التفسير الكبير" 10/ 213.

(٤٧) انظر: الطبري 5/ 190، و"بحر العلوم" 1/ 373، و"النكت والعيون" 1/ 513، و"التفسير الكبير" 10/ 214.

(٤٨) الذام: أي الذم والعيب.

انظر: "الفائق" 2/ 124، و"اللسان" 3/ 1516 (ذمم).

(٤٩) أخرجه بنحوه البخاري (¬6024) كتاب: الأدب، باب: الرفق، في الأمر كله == 7/ 80، ومسلم (2165) كتاب السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم.

(٥٠) هذا الحديث ذكره الرازي في "التفسير الكبير" 10/ 214، والقرطبي 5/ 304، دون عزوٍ لأحد، ولم أجد من خرجه.

وقد جاء في كراهة السلام على من يقضي الحاجة: ما رواه ابن عمر  ما أن رجلاً سلم على النبي  وهو يبول، فلم يرد عليه "يعني السلام".

أخرجه الترمذي (2720) كتاب: الاستئذان، باب ما جاء في كراهية التسليم على من يبول 5/ 71، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".

(٥١) أخرجه ابن ماجه (277) كتاب: الطهارة، باب المحافظة على الوضوء وغيره، وقال الألباني في "صحيح الجامع" 1/ 322: "صحيح".

(٥٢) انظر: "التفسير الكبير" 10/ 214.

(٥٣) لم أقف عليه.

(٥٤) انظر: "التفسير الكبير" 10/ 214.

(٥٥) انظر: "التفسير الكبير" 10/ 214.

وقال النووي: "وهذا الذي قاله ضعيف، والمختار أن يُسلم عليه ويجب الرد باللفظ".

"المجموع" 4/ 470.

(٥٦) انظر: "التفسير الكبير" 10/ 215، و"الأذكار" للنووي ص 279.

(٥٧) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.

(٥٨) لم أقف عليه.

(٥٩) عن مجاهد في "تفسيره" 1/ 168 وأخرجه عنه الطبري 5/ 191، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 512، و"الدر المنثور" 6/ 339.

وأما عن قتادة، وأبي العالية، فلم أقف عليه.

(٦٠) في المخطوط: "يشد" بالدال المهملة.

(٦١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 86.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ معنى ذلك الأمر برد السلام، والتخيير بين أن يرد بمثل ما سلم عليه أو بأحسن منه، والأحسن أفضل، مثل أن يقال له: سلام عليك فيردّ السلام ويزيد الرحمة والبركة، وردّ السلام واجب على الكفاية عند مالك والشافعي، وقال بعض الناس: هو فرض عين، واختلف في الرد على الكفار، فقيل: يردّ عليهم لعموم الآية، وقيل: لا يرد عليهم، وقيل: يقال لهم عليكم، حسبما جاء في الحديث، وهو مذهب مالك ولا يُبتدؤن بالسلام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ومن أصدق ﴾ وكل صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الصاد الزاي: علي ورويس وحمزة غير العجلي.

﴿ حصرت صدورهم ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ﴿ حصرة صدورهم ﴾ بالنصب والتنوين.

الوقوف: ﴿ القرآن ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.

﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ أذاعوا به ﴾ ط ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ج ط لأن قوله: ﴿ لا تكلف ﴾ يحتمل الاستئناف والحال أي قاتل غير مكلف.

﴿ إلاّ نفسك ﴾ ط لعطف قوله: ﴿ وحرض ﴾ على قوله: ﴿ فقاتل ﴾ .

﴿ المؤمنين ﴾ ج لأنّ ﴿ عسى ﴾ مستأنف لفظاً ومتصل معنى لأنه لترجية نجح ما أمر به.

﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ تنكيلاً ﴾ ه ﴿ نصيب منها ﴾ ط لابتداء شرط آخر مع واو العطف.

﴿ كفل منها ﴾ ط ﴿ مقيتاً ﴾ ه ﴿ ردوها ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ حديثاً ﴾ ه ﴿ بما كسبوا ﴾ ط ﴿ من أضلّ الله ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ وجدتموهم ﴾ ص ﴿ نصيراً ﴾ ه ط ﴿ أو يقاتلوا قومهم ﴾ ط ﴿ فلقاتلوكم ﴾ ط ﴿ السلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "فإن".

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ قومهم ﴾ ط ﴿ أركسوا فيها ﴾ ج ﴿ ثقفتموهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه.

التفسير: لما حكي عن المنافقين ما حكى وكان السبب فيه اعتقادهم أنه  غير محق في ادعاء الرسالة، أمرهم بالتفكر والتدبر وهو النظر في عواقب الأمور وأدبارها، ومنه قول أكثم: لا تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها.

ويقال في فصيح الكلام: لو استقبلت من أمري ما استبدرت.

أي لو عرفت في صدره ما عرفت من عاقبته.

وظاهر الآية يدل على أنه احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد  وإلا انقطع النظم.

ودلالة القرآن على صدق النبي من ثلاثة أوجه: الفصاحة والاشتمال على الغيوب والسلامة من الاختلاف وهو المقصود من الآية.

واختلف المفسرون في المراد من سلامته من الاختلاف.

فقال أبو بكر الأصم: معناه / أن المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكايد، والرسول كان يخبرهم عنها حالاً فحالاً.

فقيل لهم: إن ذلك لو لم يحصل بإخبار الله  لم يطرد صدقه ولظهر أنواع الاختلاف والتفاوت.

وقال أكثر المتكلمين: المراد تجاوب معانيه وتلاؤم مقاصده مع أنه مشتمل على علوم كثيرة وفنون غزيرة، ولو كان من عند غير الله لم يخل من تناقض واضطراب.

والذي تظن به التناقض كقوله: ﴿ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان  ﴾ مع قوله: ﴿ لنسألنهم أجمعين  ﴾ أو كقوله: ﴿ فإذا هي ثعبان مبين  ﴾ مع قوله: ﴿ كأنها جان  ﴾ ليس بذاك عند التدبر وملاحظة شروط التناقض من اتحاد الزمان والمكان وغيرهما وقال أبو مسلم: المراد صحة نظمه وكون كله بل كل جزء من أجزائه وأبعاضه بالغاً حد الإعجاز.

ومن المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة إذا كتب كتاباً طويلاً مشتملاً على المعاني الكثيرة فلا بد أن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قوياً متيناً وبعضه سخيفاً نازلاً، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه معجز من عند الله  .

وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال أعني التدبر فيما إليه سبيل.

وقال الجبائي: فيها دلالة على أن أفعال العباد غير مخلوقة لله لأن فعل العبد لا ينفك عن التفاوت والاختلاف.

والجواب أنه لا يلزم من كون كلامه غير متفاوت ولا مختلف أن لا تكون أفعاله مختلفة بحسب اختلاف المظاهر والقوابل.

سلمنا لكن اختلافه وهو كونه غير مطابق للأغراض والمقاصد الإنسانية قد يكون بحسب نظرنا لا بحسب الأمر نفسه.

ثم حكى عن المنافقين - وقيل عن ضعفة المسلمين - أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوا به وأفشوه.

يقال: أذاع السر وأذاع به لغتان.

ويجوز أن يكون معنى أذاع به فعل به الإذاعة وهو أبلغ.

ولا يخفى ما في ذلك الإفشاء من الضرر من جهة أن الإرجاف لا ينفكعن الكذب، ومن جهة أن تلك الزيادات إن كانت في جانب الأمن ولم تقع أورثت شبهة لضعفة المسلمين في صدق الرسول، لأن المنافقين كانوا يروونها عن الرسول، وإن كانت في جانب الخوف حصل اضطراب في الضعفة ووقعوا في الحيرة، وأيضاً البحث عن الإرجاف موجب ظهور الأسرار وذلك لا يوافق مصلحة المدينة فربما وصل الخبر إلى الكفار فاستعدوا للقتال أو تحصنوا.

وفي معنى الآية أقوال: الأول: ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله  وإلى أولي الأمر - وهم كبار الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم - ﴿ لعلمه ﴾ لعلم تدبير ما أخبروا به ﴿ الذين يستنبطونه ﴾ الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها، وأصل الاستنباط إخراج النبط وهو الماء يخرج من / البئر أول ما تحفر فاستعير لاستخراج المعاني.

والتدبير الثاني: كانوا يقفون من رسول الله  وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار فيذيعونه فتعود إذاعتهم مفسدة.

فقيل لهم: لو فوضوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وكانوا كأن لم يسمعوا العلم الذي يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه.

الثالث: كانوا يسمعون من أفواه بعض المنافقين شيئاً من خبر السرايا غير معلوم الصحة فيذيعونه فقيل لهم: لو سكتوا حتى سمعوه من الرسول وأولي الأمر لعلمه صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع فالمستنبطون هم المذيعون.

ومعنى يستنبطونه منهم يتلقونه من الرسول وأولي الأمر ويستخرجون علمه من جهنم.

قالت العلماء: في الآية دلالة على أن القياس حجة لأنهم أمروا أن يرجعوا في معرفة الوقائع إلى أولي الأمر من المستنبطين.

فرواية النص لا تكون استنباطاً فهو إذن رد واقعة إلى نظيرها وهو القياس.

واعترض بأنا لا نسلم أن المستنبطين هم العلماء وأولو الآراء بل هم المذيعون كما في القول الثالث.

سلمنا لكن الآية نزلت في الحروب، ولا يلزم من جواز الاستنباط في الوقائع المتعلقة بها جواز الاستنباط في الوقائع الشرعية.

فإن قيس أحد البابين على الآخر كان إثباتاً للقياس الشرعي بالقياس الشرعي.

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون المراد استخراج الأحكام الشرعية من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص أو بالبراءة الأصلية أو بحكم العقل كما يقول الأكثرون إن الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار الحرمة وكل هذه الأمور ليست من القياس الشرعي في شيء؟

سلنما أن القياس الشرعي داخل في الآية.

لكن بشرط كونه مفيداً "للعلم" بدليل قوله ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه ﴾ ولا نزاع في مثله إنما النزاع في أن القياس المفيد للظن هل هو حجة أن لا.

وأجيب بأن صرف المستنبطين إلى المذيعين ليس بالقوي إذ لو كان المراد ذلك لكان الأليق بنظم الكلام أن يقال: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لعلموه من غير إقامة المظهر مقام المضمر.

وعن الثاني بأن الأمن او الخوف عام في كل ما يتعلق بباب التكليف.

ولئن سلم أنه مخصوص بأمور الحرب فإذا عرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي لزم جواز التمسك به في سائر الوقائع إذ لا قائل بالفرق.

ألا ترى أن من قال القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت إليه؟

وعن الثالث أن شيئاً من ذلك لا يسمى استنباطاً.

وعن الرابع أن العلم قد يراد به الظن الغالب.

سلمنا لكن القياس الشرعي عندنا يفيد العلم لأنه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الأصل معلل بكذا ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع، حصل ظن أن حكم الله في الفرع مساوٍ لحكمه في الصل، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن وهذا معنى قولهم: "الظن واقع في طريق الحكم" والحكم مقطوع به كأنه  قال: مهما / غلب على ظنك كذا في الواقعة الفلانية فاعلم قطعاً أن حكمي فيها كذا.

أما قوله ﴿ لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً ﴾ فظاهره يقتضي إشكالاً وهو أن قليلاً من الناس لا يحتاج في عدم اتباع الشيطان إلى فضل الله ورحمته، لكن الاحتياج بالنسبة إلى كل واحد من الناس ثابت بالاتفاق فهذا تناقض.

فذكر المفسرون في إزالة التناقض وجوهاً الأول: أن الاستثناء راجع إلى قوله: ﴿ أذاعوا به ﴾ كأنه  أخرج بعض المنافقين من هذه الإذاعة كما أخرجهم في قوله: ﴿ بيت طائفة ﴾ الثاني: أنه عائد إلى قوله: ﴿ لعلمه ﴾ يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلاّ قليلاً.

قال الفراء والمبرد: القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه والأكثر يجهله.

وصرف الاستثناء إلى ما ذكروه يقتضي ضد ذلك، قال الزجاج: هذا غلط لأنه لا يراد بهذا الاستنباط ما يستخرج بنظر دقيق وفكر غامض إنما هو استنباط خبر، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه إلاّ البالغ في البلادة.

والإنصاف أن الاستنباط لو حمل على مجرد تفرق الأخبار والأراجيف فكلام الزجاج الصحيح وإن كان محمولاً على استخراج الأحكام الشرعية كما مر فالحق ما ذكره الفراء والمبرد.

الثالث: أن الاستثناء مصروف إلى ما يليه كما هو حق النسق لأن الفضل والرحمة مفسران بشيء خاص وفيه وجهان: أحدهما قول جماعة من المفسرين أن المراد إنزال القرآن وبعثة محمد والتقدير: لولا بعثة محمد وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان ولكفرتم بالله إلاّ القليل منكم فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد ما كان يكفر بالله وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد  .

وثانيهما قول أبي مسلم أن المراد بالفضل والرحمة ههنا نصرته  ومعونته اللذان تمناهما المنافقون بقولهم: ﴿ فأفوز فوزاً عظيماً  ﴾ والتقدير: لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لتركتم الدين إلاّ القليل منكم وهم أهل البصائر والعزائم، ومن أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقاً حصول الدولة في الدنيا، فلا تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقاً، ولا انقطاع النصر والغلبة يدل على كونه باطلاً، بل الأمر في كونه حقاً وباطلاً مبني على الدليل وهذا أحسن الوجوه.

قوله: ﴿ فقاتل ﴾ قيل: إنه جواب لقوله: ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل  ﴾ كأنه  قال: إن أردت الفوز فقاتل.

وقيل: إنه متصل بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين كذا وكذا فلا تعتد بهم ولا تلتفت إليهم بل قاتل فإنك لا تؤاخذ إلاّ بفعلك، فإذا أديت فرضك لم تكلف فرض غيرك، ويعلم من قوله: ﴿ وحرض المؤمنين ﴾ أن الواجب على الرسول إنما هو الجهاد وتحريض الناس على الجهاد أي الحث والإحماء عليه، فإذا أتى بالأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركاً شيء.

واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول من فروض الكفايات، فما لم يغلب على الظن أنه مفيد لم يجب / بخلاف رسول الله  فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله: ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ وبدليل قوله ههنا: ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ وعسى من الله جزم لأن الرجاء عليه محال فهو إطماع وإطماع الكريم إيجاب فلزمه الجهاد وإن كان وحده فلا جرم أنه  قال في بدر الصغرى: " لأخرجن وحدي" فخرج وتبعه سبعون راكباً، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده، ثم إنه  كف بأس المشركين وألقى الرعب في قلوب أبي سفيان وأصحابه حتى ندموا وترك الحرب في تلك السنة.

وفي الآية دليل على أنه  كان أشجع الخلق لأنه  لم يأمره بالقتال وحده إلاّ أنه كذلك.

وقيل: اقتدى به أبو بكر حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ومن عرف أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحدث شيء إلاّ بقضاء الله سهل عليه الفوت وكان بمعزل عن تقية الموت.

﴿ والله أشد بأساً ﴾ من قريش ﴿ وأشد تنكيلاً ﴾ تعذيباً لأن عذاب الله دائم وعذاب غيره غير دائم، وعذاب غير الله يخلصه الله عنه وعذاب الله لا يقدر أحد على تخليصه منه، وعذاب غير الله يكون من وجه واحد وعذاب الله يصل إلى جميع الأبعاض والأجزاء ويشمل الروح والجسم فهذا طرف من الفرق والله أعلم بكنه عذابه ونعوذ بالله من عقابه.

قوله  : ﴿ من يشفع شفاعة حسنة ﴾ وجه نظمه يعرف من تفسيره وذلك أنه قيل: المراد منه تحريض النبي  إياهم على الجهاد، لأنه إذا كان يأمرهم بالغزو فقد جعل نفسه شفيعاً لهم في تحصيل الأغراض المتعلقة بالجهاد.

وأيضاً التحريض وهو الحث على سبيل الرفق والتلطف والتهديد جار مجرى الشفاعة.

وقيل: كان بعض المنافقين يشفع لمنافق آخر في أن يأذن له الرسول في التخلف عن الجهاد، وكان بعض المؤمنين يشفع لمؤمن آخر عند مؤمن ثالث أن يحصل له عدّة الجهاد فنزلت.

ونقل الواحدي عن ابن عباس أن الشفاعة الحسنة ههنا هي ان يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار، والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالله بمحبة الكفار وترك إيذائهم.

وقال مقاتل: الشفاعة إلى الله إنما هي دعوة الله المسلم لما روي عن النبي  : " "من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك" " فذلك النصيب والدعوة على المسلم بضد ذلك.

وقال الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد: هي مطلق الشفاعة والحسنة منها هي التي بها روعي حق مسلم ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير وابتغى بها وجه الله ولم يؤخذ عليها رشوة كانت في أمر حائز لا في حد من حدود الله ولا في إبطال حق من الحقوق، والسيئة ما كان بخلاف ذلك، وعلى هذا فوجه النظم أن التحريض على الجهاد بعث على الفعل الحسن وأنه نوع شفاعة كما مر في القول / الأول.

وعن مسروق أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع له جارية فغضب وردها وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ولا أتكلم فيما بقي منها.

قال أهل اللغة: الكفل أيضاً النصيب فهل لاختلاف اللفظين فائدة؟

فأجيب بأن الكفل اسم للنصيب الذي يكون عليه اعتماد الإنسان ومنه يقال "كفل البعير واكتفله" إذا أدار حول سنامه كساء وركب.

والكفيل الضامن لأن الغريم اعتمد عليه.

والتقدير من يشفع شفاعة سيئة يكن له منها نصيب يعتمد عليه ويكون له ذخيرة في معاشه ومعاده والغرض التهكم وحصول ضد ذلك مثل: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ ﴿ وكان الله على كل شيء مقيتاً ﴾ أي مقتدراً وحفيظاً.

واشتقاقه من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها.

والغرض أنه قادر على كل المقدورات حفيظ لجميع المعلومات فيجازي كل شافع بما يليق بحاله، ثم لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضاً بأن الأعداء لو رضوا بالمسالمة أو ألقوا في المبارزة بالسلم فقابلوهم بالإكرام وأيضاً السلام دعاء بالسلامة والدعاء نوع من الشفاعة والتحية تفعلة من الحياة ويجيء الناقص من باب التفعيل على "تفعلة" مثل: تسلية وتعزية.

لكنه أدغم ههنا لاجتماع المثلين.

وكانت العرب تقول عند التلاقي حياك الله.

دعاء له بالحياة فأبدل الله ذلك بالسلام، ولعمري إن هذا أحسن لأن الحياة إن لم تكن مقرونة بالسلامة لم يعتد بها بل لعل الموت خير منها، ولأن السلام اسم من اسماء الله  فالابتداء به أولى، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع وقد سلم الله عليك يا مؤمن في اثني عشر موضعاً في الأزل ولهذا سمى نفسه بالسلام، وعلى لسان نوح: ﴿ يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك  ﴾ والمراد أمة محمد  عليك على لسان جبريل: ﴿ تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام  ﴾ قال المفسرون إنه خاف على أمته أن يصيروا مثل أمة موسى وعيسى فقال الله  : لا تهتم بذلك فإني وإن أخرجتك من الدنيا إلاّ إني جعلت جبرائيل خليفة لك ينزل إلى أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام مني.

وسلم عليك على لسان موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ وسلم عليك على لسان محمد  : ﴿ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى  ﴾ وأمر محمداً  بالسلام عليك: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم  ﴾ وأمر المؤمنين بالسلام: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ﴾ وسلم عليك على لسان ملك الموت: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم  ﴾ قيل: إن ملك الموت يسلم في أذن المسلم: السلام يقرئك السلام ويقول: أجبني فإني مشتاق إليك واشتاقت الجنات والحور العين إليك، فإذا سمع المؤمن البشارة يقول لملك الموت: لا هدية أعز من روحي فاقبض روحي هدية لك.

وسلم عليك من الأرواح الطاهرة: ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين  ﴾ وسلم عليك على لسان خزنة الجنة: ﴿ وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين  ﴾ وسلم عليك على لسان الملائكة في الجنة: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم  ﴾ وسلم عليك على لسان أهل الجنة: ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام  ﴾ وسلم عليك إلى الأبد: ﴿ سلام قولاً من رب رحيم  ﴾ ولما أراد إكرام يحيى  وعده بالسلام في مواطن ثلاثة هي أشد الأوقات حاجة إلى السلام فقال: ﴿ وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً  ﴾ ولما ذكر تعظيم محمد  قال: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ﴾ {الأحزاب:56] وعن عبد الله بن سلام قال: لما سمعت بقدوم رسول الله  دخلت في غمار الناس فأول ما سمعت عنه: " يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام " وكانت تحية النصارى وضع اليد على الفم، وتحية اليهود الإشارة بالأصابع، وتحية المجوس الانحناء، وتحية الجاهلية "حياك الله"، وتحيتهم للملوك "أنعم صباحاً" فشتان ما بين تحياتهم وتحيتنا "السلام عليك ورحمة الله وبركاته" وفي هذا دليل على أن هذا الدين أشرف الأديان وأكملها.

ومما يدل على فضيلة السلام عقلاً أن الوعد بالنفع قد يقدر الإنسان على الوفاء به وقد لا يقدر، وأما الوعد بترك الضرر فإنه يقدر عليه لا محالة والسلام يدل عليه فهو أفضل أنواع التحية.

قال بعض العلماء: فمن دخل بيتاً وجب عليه أن يسلم على الحاضرين لقوله  : ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم  ﴾ وقال  : "أفشوا السلام" والأمر للوجوب، ولأن السلام بشارة بالسلامة وإزالة الضرر وهو واجب لقوله: " "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ولأنه من شعائر الإسلام وإظهار شعائر الإسلام واجب.

وعن ابن عباس والنخعي وأكثر العلماء أن السلام سنة.

وأما الجواب فواجب بالإجماع لأن ترك الجواب إهانة والإهانة ضرر والضرر حرام ولقوله  : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ وظاهر الأمر الوجوب وعن ابن عباس: ما من / رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلاّ نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة.

قال العلماء: الأحسن أن يزيد في جواب السلام والرحمة، وإن ذكر في الابتداء السلام والرحمة زاد في جوابه البركة، وإن ذكر المجموع أعادها فقط فإن منتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لأن هذا القدر هو الوارد في التشهد.

وروي "أن رجلاً قال لرسول الله  : السلام عليك يا رسول الله.

فقال: وعليك السلام ورحمة الله، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله.

فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.

وجاء ثالث وقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته.

فقال: وعليك فقال: نقصتني فأين قول الله: ﴿ فحيوا بأحسن منها ﴾ فقال: إنك لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله" .

فقوله  : ﴿ أو ردوها ﴾ أي أجيبوها بمثلها، ورد السلام كرّه ورجعة إما إشارة إلى هذه الصورة وإما إلى التخيير بين الزيادة وتركها، ورد الجواب فرض على الكفاية إذا قام به بعض سقط عن الباقين.

والأولى أن يقوم به الكل إكثاراً للإكرام، والأحسن أن يدخل حرف العطف فيقول: وعليكم السلام.

وهو واجب على الفور بقدر ما يعهد بين الإيجاب والقبول في العقود فإن أخر عن ذلك كان ابتداء سلام لا جواباً وإذا ورد عليه سلام في كتاب فجوابه بالكتابة أيضاً واجب لقوله: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا ﴾ ومن قال لآخر أقرىء فلاناً عني السلام وجب عليه أن يفعل.

قال العلماء: المبتدىء يقول السلام عليكم والمجيب يقول: وعليكم السلام ليقع الابتداء والاختتام بذكر الله.

فإن خالف المبتدىء فليكن الاختتام بحاله.

ويجوز "سلام عليكم" بل قالوا إنه أولى من المعرف لأن المنكر في القرآن أكثر، وإن المنكر ورد من الله والملائكة والمؤمنين، والمعرف ورد في تسليم الإنسان على نفسه، قال موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ وقال عيسى: ﴿ والسلام عليّ يوم ولدت  ﴾ وأيضاً المعرف يدل على أصل الماهية والمنكر على الماهية مع وصف الكمال.

ومن السنة أن يسلم الراكب لزيادة هيبته على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر احتراماً للجماعة، والقائم على القاعد لأنه الواصل إليه لأن القائم أهيب ومن السنة الجهر بالسلام لأنه أقوى في إدخال السرور في القلب.

ومنها الابتداء به إظهاراً للتواضع، ومنها الإفشاء والتعميم لأن التخصيص إيحاش، والمصافحة عند السلام عادة النبي  : " إذا تصافح المسلمان تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر " ومن استقبله رجل واحد فليقل: سلام عليكم وليقصد الرجل والملكين لأنه إذا سلم عليهما ردا السلام عليه، ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب / الله، ومن دخل بيتاً خالياً فليسلم ويكون كأنه سلام من الله على نفسه، أو سلام على من فيه من مؤمني الجن، أو طلب السلامة ببركة اسم السلام ممن في البيت من الشياطين والمؤذيات.

ولو قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين كان حسناً، ومن السنة أن يكون المبتدىء بالسلام على الطهارة وكذا المجيب.

روي أن واحداً سلم على رسول الله  وهو في قضاء الحاجة فقام وتيمم ثم رد الجواب.

وإذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب فلا ينبغي أن يسلم لاشتغال الناس بالاستماع، فإن سلم ورد بعضهم فلا بأس، ولو اقتصروا على الإشارة كان أحسن.

ومن دخل الحمام فرأى الناس متزرين سلم عليهم فإن لم يكونوا مترزين لم يسلم عليهم.

والأولى ترك السلام على القارىء كيلا يقطع عليه باشتغاله بالجواب، وكذا القول فيمن كان مشتغلاً برواية الحديث ومذاكرة العلم أو بالأذان أو الإقامة.

ولا يسلم على المشغول بالأكل هكذا أطلق وحمله بعضهم على ما إذا كانت اللقمة في فيه.

ولا يسلم على قاضي الحاجة قال أبو يوسف: ولا على لاعب النرد ولا على المغني ومطير الحمام وكل من كان مشتغلاً بنوع معصية، ولا مانع من السلام على من هو في مساومة أو معاملة.

وإذا دخل الرجل بيته سلم على امرأته فإن حضرت أجنبية هناك لم يسلم عليها، وإذا سلمت الأجنبية عليه وكان يخاف في رد الجواب عليها تهمة أو فتنة لم يجب الرد بل الأولى أن لا يفعل.

وحيث قلنا لا يسلم فلو سلم لم يجب عليها الرد لأنه أتى بفعل منهي عنه فكان وجوده كعدمه.

وروي عن النبي  أنه قال: " لا يبتدأ اليهودي بالسلام " وعن أبي حنيفة أنه قال: لا تبتدئه بسلام في كتاب ولا في غيره.

وعن أبي يوسف: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم وإذا دخلت فقل: السام على من اتبع الهدى.

ولا بأس في الدعاء له بما يصلحه في دنياه، ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة، أما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء ينبغي أن نقول: وعليك لما روي أن اليهود تقول للمسلمين: السلام عليكم، وعن الحسن: يجوز أن يقول للكافر وعليك السلام ولا يقل: ورحمة الله.

لأنها استغفار.

وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه عليك السلام ورحمة الله فقيل له في ذلك؟

فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟

واعلم أن مذهب أبي حنيفة أن من وهب لغير ذي رحم محرم فله الرجوع فيها ما لم يثب منها، فإذا أثيب منها فلا رجوع له فيها.

وقال الشافعي: له الرجوع في حق الولد وليس له الرجوع في حق الأجنبي.

واحتج لأبي حنيفة بالآية وذلك أن التحية تشمل جميع أنواع الإكرام فتشمل الهبة ومقتضاها وجوب / الرد إذا لم يصر مقابلاً بالأحسن، فإذا لم يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز، وقال الشافعي: هذا الأمر محمول على الندب بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه سقطت مكنة الرد بالإجماع مع أن ظاهر الآية يقتضي أن يثاب بالأحسن.

ثم احتج الشافعي على قوله بما روي عن ابن عباس وابن عمر أن النبي  قال: " لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلاّ الوالد فيما يعطي ولده " ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيباً ﴾ فيحاسبكم على محافظة حقوق التحية وغيرها، فكونوا على حذر من مخالفته.

ثم أكد الوعيد بقوله: ﴿ الله لا إله إلاّ هو ليجمعنكم ﴾ فالأول توحيد والثاني عدل كأنه  يقول: من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامة وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر فإن البواطن إنما يعرفها الله الذي لا اله إلاّ هو، وإنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة الذي يجمع فيه الأولون والآخرون للجزاء والحساب.

وقوله: ﴿ لا إله إلاّ هو ﴾ إما خبر المبتدأ وإما اعتراض والخبر: ﴿ ليجمعنكم ﴾ والتقدير الله والله ليجمعنكم إلى يوم القيامة أي ليضمنكم إليه ويجمعن بينكم وبينه بأن يبعثكم فيه، والقيامة والقيام كالطلابة والطلاب وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب.

قال  : ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين  ﴾ ﴿ ومن أصدق من الله حديثاً ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، وذلك أن الصدق من صفات الكمال والكمال للواجب أولى وأحق وأقدم وأتم من غيره، والمعتزلة نفوا عنه الكذب بناء على أنه قبيح، ومن كذب لم يكذب إلاّ لأنه محتاج إلى أن يكذب لجر منفعة أو دفع مضرة، أو هو غني عنه إلاّ أنه يجهل غناه أو هو جاهل بقبحه، أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالي بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق، وكل هذه الأمور من الحكيم قبيح يجب تنزيهه عنها، واعلم أن المسائل الأصولية قسمان منها ما العلم بصحة النبوة يحتاج إلى العلم بصحته كعلمنا بافتقار العالم إلى صانع عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات، فهذا القسم يمتنع إثباته بالقرآن والخبر وإلاّ وقع الدور.

ومنها غير ذلك كإثبات الحشر والنشر فإنه يمكن إثباته بالقرآن والحديث فاعلم.

ثم عاد إلى حكاية أحوال المنافقين فقال: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ وهو منصوب على الحال والعامل معنوي مثل: ما لك قائماً أي ما تصنع؟

وقيل: نصب على أنه خبر "كان" أي ما لكم كنتم في شأن المنافقين فئتين؟

استفهام على سبيل الإنكار أي لا تختلفوا في كفرهم، ولكن اقطعوا بنفاقهم فقد ظهرت دلائل ذلك وانكشفت جلية الحال.

وذلك أنها نزلت "في قوم من العرب أتوا رسول الله  بالمدينة فأسلموا وأصابوا وباء المدينة وحماها فقالوا: يا رسول الله نريد أن نخرج إلى الصحراء فأذن لنا فيه فأذن لهم.

فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين.

فتكلم المؤمنون فيهم فقال بعضهم: نافقوا.

وقال بعضهم: هم مسلمون.

فبين الله نفاقهم" .

وقال مجاهد وقتادة: هم قوم هاجروا من مكة ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إنا على دينك وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا.

وعن زيد بن ثابت: هم الذين تخلفوا يوم أحد وقالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم.

وطعن بعضهم في هذا القول بأن نسق الكلام وهو قوله: ﴿ حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ يأباه إذ الهجرة تكون من مكة إلى المدينة.

وعن عكرمة: هم قوم أخذوا أموال المشركين وانطلقوا بها إلى اليمامة.

وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يساراً مولى النبي  .

وقال ابن زيد: نزلت في أهل الإفك.

قال الحسن: سماهم المنافقين وإن أظهروا الكفر باعتبار حالهم التي كانوا عليها.

﴿ والله أركسهم ﴾ الركس والإركاس رد الشيء مقلوباً.

ويقال للرفث الركس لأنه رد إلى حالة خسيسة وهي حال النجاسة ويسمى رجيعاً أيضاً لذلك والمراد ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل ﴿ بما كسبوا ﴾ أي ما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً ﴾ لأن المخلوق لا يقدر على تبديل خلق الخالق وعلى خلاف مقتضى إرادته ومشيئته.

وهذا ظاهر في المقصود.

والمعتزلة يقولون: قوله: ﴿ أركسهم بما كسبوا ﴾ أي بسبب كسبهم وفعلهم ينفي القول بأن ضلالهم حصل بخلق الله فإذن المراد من إضلال الله حكمه بضلالهم كما يقال: فلان يكفر فلاناً أي ينسبه إلى الكفر ويحكم عليه بذلك.

أو المراد إضلالهم عن طريق الجنة وهو مفسر بمنع الألطاف.

ثم ذكر أنهم بالغوا في الكفر إلى أن تمنوا أن تصيروا كفاراً فكيف تطمعون في إيمانهم وهو قوله: ﴿ ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ﴾ أي في الكفر.

والمراد فتكونون أنتم وهم سواء إلاّ أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لتقدم ذكرهم.

وقوله: ﴿ فتكونون ﴾ عطف على ﴿ تكفرون ﴾ .

﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ﴾ أي حتى يضموا إلى إيمانهم المهاجرة الصحيحة المعتمدة وهي الهجرة في سبيل الله لا لغرض من الأغراض الفانية مثل قوله  : " "أنا بريء من كل مسلم قام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك " وكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة.

عن ابن عباس قال: قال رسول الله  يوم فتح مكة "لا هجرة / بعد الفتح ولكن جهاد ونية" .

وعن الحسن: إن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائماً.

قال المحققون: الهجرة في سبيل الله تشمل الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، والانتقال من أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين بل هذا أقدم وأهم لقوله  : " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " ﴿ فإن تولوا ﴾ عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة فحكمهم حكم سائر المشركين ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ﴾ في الحل أو في الحرم ﴿ ولا تتخذوا منهم ﴾ في هذه الحالة ﴿ ولياً ﴾ يتولى شيئاً من مهماتكم ﴿ ولا نصيراًً ﴾ ينصركم على أعدائكم بل جانبوهم مجانبة كلية.

ثم لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى عنه موضعين: الأول ﴿ إلا الذين يصلون ﴾ أي ينتهون ويتصلون ﴿ إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ والمعنى أن من دخل في عهد من كان داخلاً في عهدكم فهم أيضاً داخلون في عهدكم.

قال القفال: وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرة الرسول  فيتعذر عليهم ذلك المطلوب فيلتجئوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن يجدوا السبيل إليه.

والقوم هم الأسلميون وذلك أنه  وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال.

وقال ابن عباس: هم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح.

وقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة.

وههنا نكتة وهي أنه  رفع السيف عمن التجأ إلى الكفار المصالحين فلان يدفع النار عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى.

وعن أبي عبيدة: المراد بالوصلة الانتساب.

يقال: وصلت إلى فلان واتصلت به إذا انتهيت إليه.

وأعترض عليه بأن أهل مكة أكثرهم كانوا متصلين بالرسول  من جهة النسب مع أنه كان قد أباح دم الكفار منهم.

الاستثناء الثاني قوله: ﴿ أو جاؤكم ﴾ وفي العطف وجهان: أحدهما أن يكون معطوفاً على صفة قوم والمعنى إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو إلى قوم جاؤوكم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم.

وثانيهما العطف على صلة الذين كأنه قيل: الذين يتصلون بالمعاهد أو إلى الذين لا يقاتلونكم وهذا أنسب بقوله في صفتهم ﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم ﴾ إلى آخر الآية.

إذ بين أن كفهم عن القتال سبب استحقاقهم لنفي التعرض لهم بالاستقلال لا بواسطة الاتصال.

ومعنى ﴿ حصرت صدورهم ﴾ ضاقت.

والحصر الضيق والانقباض وهو في موضع الحال بإضمار "قد" بدلالة قراءة من قرأ / ﴿ حصرة ﴾ .

وجعله المبرد صفة لموصوف محذوف منصوب على الحال أي جاؤوكم قوماً حصرت.

وقيل: هو بيان لجاؤوكم.

وقوله: ﴿ أن يقاتلوكم ﴾ أي عن أن يقاتلوكم.

ثم هؤلاء الجاؤون من الكفار أو من المؤمنين قال الجمهور: هم من الكفار بنو مدلج جاءوا رسول الله  غير مقاتلين.

وعلى هذا يلزم النسخ لأن الكافر وإن ترك القتال جاز قتله، وقال أبو مسلم: إنه  لما أوجب الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر وهما طائفتان: إحداهما الذين قصدوا الرسول  للهجرة والنصرة إلاّ أنه كان في طريقهم كفار غالبون فصاروا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص.

والثانية من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه لأنه يخاف الله فيه، ولا يقاتل الكفار أيضاً لأنهم أقاربه أو لأنه بقي أولاده وأزواجه بينهم فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه.

فهذان الفريقان من المشركين لا يحل قتالهم وإن كان لم يوجد منهم الهجرة ومقاتلة الكفار، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿ ولو شاء الله لسلطهم عليكم ﴾ أي لو شاء لقوّى قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم إن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم.

وعلى الأول معناه أن ضيق صدورهم عن قتالكم لأن الله قذف الرعب في قلوبهم، ولو قوّى قلوبهم لتسلطوا عليكم ولقاتلوكم وهو جواب "لو" على التكرير أو البدل.

قال الكعبي: إنه  أخبر أنه لو شاء لفعل وهذا ينبىء عن القدرة على الظلم وهو صحيح عندنا ولا يدل على أنه فعل الظلم وأراده والنزاع فيه ﴿ فإن اعتزلوكم ﴾ أي فإن لم يتعرضوا لكم ﴿ وألقوا إليكم السلم ﴾ أي الانقياد والاستسلام ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً ﴾ فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم ﴿ ستجدون آخرين ﴾ هم قوم من أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ﴿ كلما ردوا إل الفتنة ﴾ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ﴿ أركسوا فيها ﴾ أي ردوا مقلوبين منكوسين فيها.

وهذه استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين، لأن من وقع في حفر منكوساً تعذر خروجه ﴿ فإن لم يعتزلوكم ويلقوا ﴾ أي ولم يلقوا ولم يكفوا ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ حيث تمكنتم منهم.

قال الأكثرون: وفيه دليل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم.

وهذا مبني على أن المعلق بكلمة "إن" على الشرط يعدم عند الشرط.

أما قوله: ﴿ سلطاناً ﴾ فمعناه حجة واضحة لانكشاف حالهم في الكفر والغدر، أو تسلط ظاهر حيث أذنا لكم في قتلهم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ .

ذكر التحية، ولم يذكر ما تلك التحية، واسم التحية يقع على أشياء: من نحو ما جعل الصلاة لتحية المسجد، والطواف تحية البيت، وغير ذلك مما يكثر عددها، لكن أهل التأويل أجمعوا على صرف هذه التحية إلى السلام دون غيرها من التحية التي ذكرنا؛ ألا ترى أنه قال - عز وجل -: ﴿ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ ؟!

ولو كان غيرها أراد - لم يقل: ﴿ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ ؛ لأن غيرها من التحية لا يرد؛ إذ في الرد ترك القبول، ولم يؤمر بذلك؛ دل أنه أراد بالتحية: السلام، ويدل على ذلك آيات من كتاب الله -  -: قال الله - عز وجل -: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ  ﴾ ؛ فجعل تحية الملائكة للمؤمنين السلام؛ كقوله -  -: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ  ﴾ ، وجعل تحية أهل الجنة السلام؛ كقوله -  -: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ  ﴾ ، وتحية الملائكة بعضهم على بعض: بالسلام؛ ألا ترى أنه قال [الله -  -:] ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [النور: 61]، فعلى ذلك يمكن أن يكون المراد من قوله -  -: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ ﴾ : السلام، وجعل الله - عز وجل - السلام علماً وشعاراً فيما بين المسلمين، وأماناً يؤمن بعضهم بعضاً من شره؛ ألا ترى أن أهل الريبة لا يسلِّمون ولا يردون السلام، وإن كانوا لا يعرفون تفسيره ولا معناه؟!

ولكن على الطبع جعل ذلك لهم.

والسلام: قيل: هم اسم من أسماء الله -  - فهو يحتمل وجوهاً: يحتمل: سلامٌ مسَلَّمٌ طاهر عن الأشباه والأشكال، وسلام عدل منزه عن العيوب كلها، والجور والظلم.

وقوله: "رحمت الله"، أي: برحمته ينجو مَنْ نجا، وسعد من سعد: "وبركاته": به ينال كل خير، وهو اسم كل خير؛ ألا ترى أنه جعل التحليل من الصلاة بالسلام بقوله: "السلام عليكم ورحمة الله"؛ على ما جعل تحريمها باسم الله؛ فعلى ذلك جعل الافتتاح بما به جعل الختم.

ثم اختلف في قوله - عز وجل -: ﴿ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ : فقيل: حيوا بأحسن منها للمسلمين، أو ردوها على أهل الكتاب.

وعن أنس -  - قال: نهينا أن نزيد على أهل الكتاب على: عليك، وعليكم.

وعن ابن مسعود -  - قال: السلام: [اسم] من أسماء الله وصفاته في الأرض، فأفشوه بينكم؛ فإن الرجل إذا سلَّم كتبت له عشر حسنات، فإن [هم] ردوها عليه كتب لهم مثله.

وقيل: قوله -  -: ﴿ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ ﴾ بالزيادة، ﴿ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ : بمثلها.

وروي عن رسول الله  : "[أنه جاءه رجل] فقال: السلام عليكم، [يا رسول الله]، فقال رسول الله  : عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم، [يا رسول الله] ورحمة الله، فقال [النبي  ]: عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثم جاءه آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: عَلَيْكُم؛ فقيل له: إنك زدّت في الأول والثاني؟

فقال: إِنَّ الأَوَّلَ وَالثَّانِي قَدْ أَبْقَيَا لِي زِيَادَةً، وَهَذَا لَمْ يُبْقِ لِي زِيَادةً" وقيل: "إنه روي أنه سلَّم عليه رجل فقال: السلام عليكم، فقال النبي  : عَشْرٌ يعني: عشر حسنات، وسلم عليه آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله؛ فقال: عِشْرُونَ، وقال آخر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ فقال: ثَلاثُونَ" .

ومنتهى السلام قوله: "وبركاته"، لا يزاد عليه؛ كقوله: ﴿ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ  ﴾ .

فإن قيل: يسلم في الصلاة على رسول الله  : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ولا يقول في التحليل من الصلاة: وبركاته؟

قيل: لوجهين: أحدهما: تفضيلا لرسول الله  .

والثاني: إبقاء لهم في الرد زيادة.

ويسلم الراكب على الماشي، والماشي على القائم، [والقائم على القاعد]: روي عن رسول الله  قال: "يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى القَائِمِ، وَالْقَائِمُ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ" وروي عن أبي هريرة -  - أن النبي  قال: "إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى المَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسْ فَلْيَجْلِسْ، وَإِنْ قَامَ وَالْقَوْمُ جُلُوسٌ فَلْيُسَلِّمْ؛ فَلَيْسَتِ الأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الأُخْرَِى" وعن جابر -  - قال: قال رسول الله  "مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا فَلَيْسَ مِنَّا" ، وقال: "لاَ تُسَلِّمُوا تَسْلِيمَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ فَإِنَّ تَسْلِّيمَ النَّصَارَى بِالأَكُفِّ، وَتَسْلِّيمَ الْيَهُودِ بِالإِشَارَةِ" ويكره أن يبتدئ أهل الكتاب بالتسليم، ولكن إذا بدءوا هم - يردّ؛ وعلى ذلك جاءت الآثار: روي عن أبي هريرة -  - قال: قال رسول الله  : "لاَ تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالتَّسْلِيمِ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهَا" وعن أبي نضرة الغفاري -  - أن النبي  قال لهم يوماً: "إِنِّي رَاكِبٌ إِلَى يَهُودَ؛ فَإِنْ سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولوُا: وَعَلَيْكُمْ" ثم قيل في تفسير: "السلام عليكم" بوجوه: قال بعضهم: تأويله: الله شهيد عليكم.

وقيل: الله قائم عليكم، وهو كقوله الله -  -: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ  ﴾ برّاً وفاجراً، يرزقهم، ويحفظهم، ويستجيب لهم.

وقيل: هو الدعاء لهم بالمغفرة والسلامة، وهو ما ذكرنا بدءاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ﴾ .

قيل: شهيداً.

وقيل: حفيظاً.

وقيل: كافياً مقتدراً؛ يقال: أَحْسَبَني هذا، أي: كفاني.

وقال الكسائي: مشتقة من الحساب؛ كقوله -  -: ﴿ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً  ﴾ أي: حاسباً؛ كالأمير والآمر، والقدير والقادر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .

هذا - والله أعلم - لما ألزم الله، وأجرى على ألسنتهم أنه الله، وأنه خالق السماوات والأرض، وأنه خالقهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ : أخبر أن الذي سميتموه "الله" وقلتم: إنه خالق السماوات والأرض - هو واحد، لا إله غيره، ولا رب سواه، هو واحد، لا شريك معه ولا نِد، وأن الأصنام التي تعبدونها دون الله قد تعلمون أنها لا تنفعكم إن عبدتموها، ولا تضركم إن تركتم عبادتها، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ قيل فيه بوجهين: قيل: "ليجمعنكم ليوم القيامة"؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ  ﴾ .

وقيل: ليجمعنكم في القبور إلى يوم القيامة ثم يبعثكم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً ﴾ .

معناه - والله أعلم -: أنكم تقبلون الحديث بعضكم من بعض، وإن حديثكم يكون صدقاً ويكون كذباً؛ فكيف لا تقبلون حديث الله وخبره في البعث وما أخبر في القرآن، وحديثه لا يحتمل الكذب؟!

هذا - والله أعلم - تأويله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا سلَّم عليكم أحدٌ فردوا السلام عليه بأفضل مما سلَّم عليكم، أو ردوا عليه بمثل ما قال، والرد بالأحسن أفضل، إن الله كان على ما تعملون حفيظًا، وسيجازي كلًّا بعمله.

من فوائد الآيات تدبر القرآن الكريم يورث اليقين بأنه تنزيل من الله؛ لسلامته من الاضطراب، ويظهر عظيم ما تضمنه من الأحكام.

لا يجوز نشر الأخبار التي تنشأ عنها زعزعة أمن المؤمنين، أو دب الرعب بين صفوفهم.

التحدث بقضايا المسلمين والشؤون العامة المتصلة بهم يجب أن يصدر من أهل العلم وأولي الأمر منهم.

مشروعية الشفاعة الحسنة التي لا إثم فيها ولا اعتداء على حقوق الناس، وتحريم كل شفاعة فيها إثم أو اعتداء.

<div class="verse-tafsir" id="91.Jdqkr"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

حمل المفسر (الجلال) وغيره الشفاعة على ما يكون بين الناس في شؤونهم الخاصة من المعايش.

وهو خطأ فإن هذا التخصيص يذهب بما فيه الآية من القوة والحرارة ويخرجها من السياق، والصواب أنها أعم، فالمقصود أولًا وبالذات الشفاعة المتعلقة بالحرب، وقد علمنا أن الآيات في المبطئين عن القتال والذين يبيتون ما لا يرضي الله تعالى من خلاف ما أمر به الرسول  ، ومن ذلك ضروب الاعتذار التي كانوا يعتذرون بها، وقد يكون هذا الاعتذار بواسطة بعض الناس الذين يرجى السماع لهم والقبول منهم، وهو عين الشفاعة.

وبعد أن علم الله المؤمنين طريقة الشفاعة الحسنة والسيئة، وهي من أسباب التواصل بين الناس، علمهم سنة التحية بينهم وبين إخوانهم الضعفاء والأقوياء في الإيمان وحس الأدب بينهم وبين من يلقونه في أسفارهم فقال: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا  ﴾ .

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا  ﴾ : لمعنى أنه رقيب عليكم في مراعاة هذه الصلة بينكم بالتحية، وفيه تأكيد لأمر هذه الصلة بين الناس.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد